المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أكبر موسوعه خاصه للطفل العربى



ورده من القلب
17-10-2008, 05:36 PM
http://www.al3ez.net/upload/d/yasmin_2.gif



الرابط الخاص بالموسوعه:هــــــــــــــــــــــــــــــــنــــــ ـــــــــــــــــــا (http://www.awu-dam.org/index-book.htm)


وهذه الموسوعه تتضمن:

اولاً: أدب الطفل:



أنـاشــيد المـجـد - وليد مشوح - شعر للأطفال

*1* الأم


اخفضْ جناحَك للأمومة خاشعا


واطلبْ رضاها قائماً أو راكعا


فهي التي حَمَلَتكَ تسعاً يا فتى


وهي التي رَبَّتْكَ طفلاً- يافعا


سهرتْ لتغفو هانئاً متنعماً


فاطلبْ رضاها سائلاً أو سامعا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ

*2* الأب


مَنْ شاءَ أن يُرضي الإلهْ


أرضى- بمسلكهِ - أباه


فهو الذي ربّاه طفلاً


وهو الذي يرعى صباه


ما مِنْ أبٌ إلا مناه


ابنٌ يحقق مبتغاه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*3* النفس الطيبة ‏


لا تغتبِ الناسِ تُغضبْ خالقَ البشرِِ


وأحسنِ الظنَ ترضي صانع القدرِِ


وإن سمعت فلا تحكمْ على بنأ


قبلِ التأكدِ ممنْ جاءَ بالخبرِِ


قد يخطىء الناس ظناً في معارضهم


فكن حريصا ولا تقدمْ على ضررِِ


فإن علمتَ بخيرٍ فارو قصتهُ


ودعْ حديثَ الهوى، جانِبْهُ بالحذرِِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*4* أحتيار الرفيق:

جانبْ رفاقَ السوء وابعدْ عنهمُ


واخترْ لنفسكَ طيّبَ الوجدانِ


دع من يوسوس بالشرور ونَحِسهِ


لتنال حبَّ الخالقِ الديّان


فصديقُ علمٍ تغتني بكنوزهِ


خيرٌ وأجدى من جهولِ بيانِ


ورفيقُ رشدٍ أو جليسٌ صالحٌ


أتقى لنفسكَ من جليسِ لعانِ


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*5* الصدق:


الصدق، الصدق هو الأنجى


فاجعله المسلك والنهجا


لا تكذب سراً أو علنا


تبقَ في الناس المؤتمنا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورده من القلب
17-10-2008, 05:47 PM
*6* الحفاظ على البيئه:


هذا الهواءُ هو الحياهْ


وكذا الطبيعة والمياهْ


فاحْرَصْ عليها وابتَعِدْ


عَمَّا يُسِيءُ... إلى سواهْ


ازرعْ ولا تَقْطَعْ... وكُنْ


خيراً يقودُ إلى الرفاهْ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*7* الاجتهاد:

مَنْ رَاْمَ أنْ يسمو... اجْتَهَدْ


وعلى المُطَاْلَعَةِ اعتمدْ


ذَاْكِرْ وثَاْبِرْ يا فتى


مَنْ يَزْرَعِ الأغلى حَصَدْ


أمَّا النجاحُ... فَشَرْطُهُ...


مَنْ جَدَّ- سبَّاقاً - وَجَدْ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*8* النظافه:


إنَّ النظافة تُسْعِدُ


وبها تُثَاْبُ وتُحْمَدُ


فا حْرَصْ عليها يا فتى


فالحِرْصُ طَبْعٌ جَيَّدُ


تبقى مُعَاْفى سالماً...


والداءُ عنكَ سَيبْعُدُ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*9* اســتــسقــاء‏

يا الهي اسقنا غيثَ السماءْ


أرضنا عطشى فأنجدها بماء


أنت من يُرجى إذا عزّ الرجاء


أمطر الخير علينا يا مجيباً للدعاء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ

*10* الوفاء:


إنَّ الوفاءَ مُحَبَّبُ


ولهُ المروءةُ تُنْسَبُ


يَبقى الوَفيُّ على الَمدَى...


مَثَلاً جميلاً يُضْرَبُ


وَ يَظلُّ بين رِفاقه


شمْس الضحُى لاتَغْرِِبُ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



*11*الأمانه:


إنّ الأمينَ مُشَرَّفُ.....


حَيّوْا الأمانة... واهتفوا


مَنْ لا يخونُ... له العُلا


وَبهِ الفضائل تُعرف


والكل يحمدُ طبعه...


ويُحبُّهُ مَنْ يَعرفُ



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*12*الأخلاص:


أَخْلِصْ لِشَعبكَ والوطنْ


وابقَ الأمينَ على الزمنْ


فسماؤُه وترابُه


بالروح تُفدى والبَدَنْ


أَخْلِصْ لِتَرْبحَ سُمْعَةً


هي - يا فتى - أَغلى ثَمَنْ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*13* الصدق:


بالسوءِ يُوْصَفُ مَنْ كَذَبْ


والصدق مِنْ حُسنِ الأَدَبْ


فا صْدُقْ بقولكَ يا فتى


لا تخْشَ لوماً أو عَتَبْ


والصدقُ أَنْجى إنْ يكنْ


للخوفِ معنى او سَبَبْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورده من القلب
17-10-2008, 06:00 PM
*14* الإنسانية‏ :

كُنْ مُنْصِفِاً بَيْنَ البشرْ


وارْحَمْ أَخَاْكَ إذا عثرْ


وانْصُرْ ضَعِيْفاً هَدَّهُ....


إذْلاَْلُ ظُلْمٍ.... أو كِبَرْ


سَاْمِحْ مُسِيْئاً مُخْطِئاً


تلقاه أقْبَلَ واعتَذَرْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*15* المستقبل:


درب العلا أن تعملا


جاهد لتغدوَ... أكملا


بالعلم تبني حاضراً


ترضى به مستقبلا


وازرع لتحصدَ في غد


مِنْ جَدَّ كان الأفضلا



ــــــــــــــــــــــــــــــــ


*16* المجد:


درب العلا أن تعملا


جاهد لتغدوَ... أكملا


بالعلم تبني حاضراً


ترضى به مستقبلا


وازرع لتحصدَ في غد


مِنْ جَدَّ كان الأفضلا


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*17* المجد :


عربيٌ أنتَ

فقمْ فاخرْ


وتمسّكْ بالمجد الغابرْ


قمْ جاهرْ

أنكَ فيْ الحاضرْ


ستكونُ البانيْ يا سامرْ


++++
++++
++++

لغةُ الأجدادِ

هي الأحلى


والأرضُ الأرضُ هيَ الأغلى


فتعلمْ كيفَ

ستحفظهاْ


فالحقُّ الحقُّ هوَ الأعلى


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*18* أفـــاخـــر دومــاً بالــعرب ‏



أناْ طفلٌ


أسمونيْ شاديْ


ولدٌ منْ


باقيْ الأولادِ


أدرسُ دوماً


في الكتبِ


عنْ مجدِ


الأجدادِ العربِ


وأفاخرُ دوماً


ببلاديْ


أناْ طفلٌ


أسمونيْ شاديْ


يأتينيْ خالدُ””


في الحُلُمِ


وضاحَ الطلعةِ


كالنجم


وأفاخرُ يا وطنيْ


بجدودٍ عاشوا للعلمِ


وأراحوا الناسَ


من الظلمِ


فأولئك


كانواْ أجداديْ


أناْ طفلٌ


أسمونيْ شاديْ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*19* الوطن و الامل


كوكوْ كوكوْ


صاحَ الديكُ


طلعَ النورُ


يا عصفورُ


هياْ نذهبْ


صوبَ الملعبْ


نزرعُ شجراْ


نقطفُ ثمراً


نحصدُ قمحاْ


نجني ربحاً


نبني وطناْ


نسبقُ زمناً


قدْ علمناْ


هذا الوطنُ


حبَّ العملِ


معنى الأملِ


يذهبُ غادرْ


يأتيْ ثائرْ


يبقى وطنيْ


رغمَ المحنِ


أغلى وطنٍ


أحلى وطنِ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*20* الارض


يا أمناْ يا طيبةْ


يا جنةً محببةْ


نهديكِ كلَّ جهدناْ


وفيكِ ينموْ كدناْ


يا أرضناْ يا طيبةْ


يا جنةً محببهْ


++++ ++++ ++++

نسقيكِ منْ ماءِ الفراتْ


فأنت تعنين الحياةْ


أبناؤكِ الشمُّ الأباةْ


قدْ ورّثوناْ التجربة


يا أرضناْ يا طيبةْ


يا جنةً محببهْ


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورده من القلب
17-10-2008, 06:30 PM
*21* الوطن و الاسره


أحبُ أمّي وأبي


وكلَّ شعبي العربي


أحبُ هذا الوطنا


ففيهِ لي أحلى المنى


بَنيتُه منْ تعبيْ


++++ ++++ ++++

يطربنيْ النشيدُ


يهزنيْ الترديدُ


هاجئتنا يا عيدُ


فكن لكل العربِ


فأنتَ أميْ وأبيْ


وموطني العتيدُ



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*22* الفتى العربى

يا فتى العُرْبِ تعالْ

أنتَ من يهوى النضالْ


كي تكون اليوم حراً

ِقفْ على أرض الكمالْ


كُنْ نظيفاً.. كن لطيفاً

إنها أحلى الخِصالْ


فإذا رُمْتَ جمالاً

فالرضا يعني الجمالْ


لا تَقُلْ إنكَ طفلٌ

والعلا تاجُ الرجالْ ‍!!


سَجَّلَ التاريخُ يوماً

قصةَ الطفلِ المثالْ


وطنياً كان سَعْدُ

وأخا علم جلالْ


يَنْشدُ الوحدةِ بشْرُ

يكسَر القيدَ بلالْ


++++*

يا فتى العُرْب تعال

أنتَ مفتاح النضالْ


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*23* نشيد الطلائع


نحنُ جيلُ البعثِ أشبالُ الطلائعْ‏

عن حمى الثورة والحزبِ ندافعْ‏

نغمة الرشاش أو عزف المدافعْ‏

رقصة الموت لهيباً في دمانا‏

نحن جيل البعث‏

جيل البعث أشبال الطلائعْ‏

نحن أقسمنا اليمينا‏

بحليب الطاهرينا‏

أمة المجد التليد‏

حبها حق علينا‏

ثورة البعث المجيد... قلعة نحن بيننا‏

نحن جيل البعث‏

جيل البعث أشبال الطلائع‏

* * * *‏

يا أخي في كل أرجاء الوطنْ‏

أيها الشبل الذي داس المحنْ‏

كنْ صبوراً، كنْ دؤوباً‏

وارفع الراية في كل المواقعْ‏

نحن جيل البعث‏

جيل البعث.. أشبال الطلائع‏

عن حمى الثورة والحزب ندافع‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*24* نصيحه

لا تنسَ الواجبَ يا شاطرْ


لا تهملْ درسكَ بلْ ذاكرْ


وأسألْ عن أمرٍ تجهلهُ


أدرسْ تاريخَ الأجدادِ


مَنْ شادوا خيرَ الأمجاد


وتعرَّفْ؛ لا تتركْ بلداً


فيْ السهلِ أقيمَ او الواديْ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*25* الفلاح


دانْ دانْ

دانْ دانْ


فلاحٌ يدعى حمدانْ


يخلصُ دوماً لِلْزَرْعِِ


يعنى أبداً بالضرعِ


يتعبُ حمدانُ كثيراً


من أجلِ

طعامِ الإنسانْ


دانْ دانْ

دانْ دانْ


يزرع حمدانُ شوندرْ


والأرضُ بساطٌ أخضرْ


هذا الفلاحُ الأسمرْ


إنسان يدعى حمدانْ


دانْ دانْ

دانْ دانْ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*26* النشاط


اجرِ يا سميرْ


يا طفلي الصغير


لتلحق القطارْ


رفاقكَ الصغارْ


يلهونَ كالطيورْ


إجرِ يا مروانْ


يا منبعَ الحنانْ


لتدرسَ الحسابْ


وتعرفَ الجوابْ


عنْ سالفِ العصورْ


إجرِِ يا نزارْ


يا أجملَ الصغارْ


كي تنشدَ النشيدْ


تاريخناْ المجيدْ


تبقى على الدهورْ


إجرِ يا صلاحْ


قدْ طلعَ الصباحْ


لتلعبَ الألعابْ


وتنظرَ الأحبابْ


وتنشقَ الزهورْ


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*27* قم نلعب يا فادى


قمْ نلعبْ


يا فاديْ نلعبْ


قفزاً نلعبْ


جرياً نلعبْ


نفرح، نلهو، نجري، نتعبْ


قم نلعب يا فادي نلعبْ


أنت الأرنبْ تهرب خوفاً


وأنا أسرع مثلَ الثعلبْ


والطير تزقزقُ موسيقاْ


وهناكَ سميرٌ لم يتعبْ


قم نلعب يا فادي نلعب


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*28* أنـــاشـــــيد الـــبراءة: العملْ


هيا نعملْ

هيا نعملْ


فالحقل لناْ

ولنا المعملْ


هياْ هياْ

هياْ نعملْ


الحقلُ تناديْ أزهارُهُ


والمعملُ تعلوْ أسوارُهْ


هياْ هياْ

هياْ نعملْ


فلنمضِ بدرب الغاياتِ


ولنرفع أعلى الراياتِ


هياْ هياْ

هياْ نعملْ


فالحقلُ لناْ

ولنا المعملْ


هياْ هياْ

هياْ نعملْ



الكادحُ كنزٌ للوطنِ


والخاملُ منبوذٌ مهملْ


هياْ هياْ

هياْ نعملْ



ــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*29* أنـــاشـــــيد الـــواجـب: الصداقة



معنى الصداقةِ واضحُ


صدقُ... وحبُ جامحُ


وهي الوفاءُ تعاُملاً


وأخوَّةٌ.... وتسامحُ


ونصيحةٌ... وتعاونٌ


ألكلُ فيها... رابحُ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*30* الأبوين


للوالدين حقوق فاقضِ حقهما


فالله أوصى ببر الأهل إحسانا


وكن وفياً تنل أجراً ومغفرة


واذكر أباك وما ضحىّ وما عانى


ربّاك طفلاً ولم يبخل براحته


أعطاك إسماً لتزهو فيه نشوانا


والأم كم شقيت في حمل فلذتها


كم أمضت الليل تزجي العطف ألوانا


عانت من الحمل تسعاً فيك يا ولدي


فكن وفياً وأدِّ الحق إيمانا



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورده من القلب
17-10-2008, 06:48 PM
تـحـيا الشـجرة - بيان الصفدي - شــــعر للأطـفـال


الالوان (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch001.htm)



الاســــــــتـــــــــــفـــــــــــــــهـــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــام (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch002.htm)


الانســـــــــــــــــــان (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch003.htm)


لغــــــــــــــــــــتى (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch004.htm)


ســــــــــــفينه الصـــــــــــــــحراء (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch005.htm)


لــــــــــــــــوحه نور (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch006.htm)


اغمض عينيك (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch007.htm)3


انتم امـــلـــى (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch008.htm)


يا قطره المطر (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch009.htm)


ابى الشهيد (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch010.htm)


مدرستى حديقتى (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch011.htm)


الفعل الاجوف (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch012.htm)


الفعل المضعف (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch013.htm)


اسود فى اسود (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch014.htm)


اســـــــــــــئله (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch015.htm)


امــــــــــــــــــــى (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch016.htm)


الاسئله الثلاثه (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch017.htm)


السندباد البرى (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch018.htm)


المتـــــــنـــــــــبـــــــــــــى (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch019.htm)


تحيا الشجره (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch020.htm)


عيد الام (http://www.awu-dam.org/book/97/child/184-b-s/book-ch021.htm)

ورده من القلب
17-10-2008, 06:51 PM
الحلم والمستقبل - لينا كيلاني - قصص للأطفال


الحلم والمستقبل



عامر وماهر أخوان يحب أحدهما الآخر حباً كبيراً... وهما مثل صديقين متفاهمين منسجمين... لايتشاجران... ولايتخاصمان.‏

ماهر الأول في صفه دائماً... وكذلك عامر. وهما لايفترقان إلا قليلاً عندما ينصرف أحدهما إلى هوايته الخاصة.‏

هواية عامر أن يتطلع إلى السماء ويتعرف إلى النجوم وأسمائها، ومواقعها، وأبراجها...‏

ويحلم أن يكون في المستقبل رائد فضاء.. بينما يبحث ماهر في الأرض وينقب عن حجر فضي مشع سمع عنه، وقالوا إن فيه معدنا نادراً، وهو يأمل في المستقبل أن يصبح من العلماء.‏

وبما أن الطفلين يعيشان منذ ولادتهما في منطقة اكتشاف وتنقيب عن البترول، وضمن مدينة عملية صناعية حيث يتوفر لها المناخ الطبيعي والعلمي فقد تعلق كل منهما بهوايته بتشجيع من الأبوين، وأصدقاء الأسرة من العلماء والخبراء.‏

وفي ليلة ربيعية، والسماء مشحونة بغيوم سوداء، والعاصفة توشك أن تهب رجع الطفلان من المدرسة متعبين، قال ماهر لعامر:‏

ـ أنت لاتنظر نحو السماء ياعامر... طبعاً لن ترى نجومك وأبراجك من وراء الغيوم.‏

قال عامر:‏

ـ وأنت أيضاً تتعجل في مشيتك كأنك لاتهتم بما يصادفك من أحجار.‏

وضحك الاثنان معاً لأنهما يعرفان جيداً أن هذا ليس وقت الهوايات فالامتحان قريب، وعليهما أن ينصرفا للدراسة، ثم إن جو اليوم لايساعدهما على ذلك.‏

وبعد أن انتهيا من دراستهما وذهبا إلى النوم كانت العاصفة قد انفجرت، فهطلت الأمطار بغزارة، وقصف الرعد، ولمع البرق، وحملت الريح الشديدة ذرات التراب الذي يهبط أحياناً على مثل هذه المناطق في الصحراء فيغطيها بطبقة كثيفة كأنها رداء من (الطمي) الأحمر. قفز ماهر وهو الأصغر إلى فراش عامر الذي كان يتابع ظهور البرق واختفائه، فضحك منه قائلاً:‏

ـ هل تخاف ياعامر من العاصفة؟ .. أنا لاأعرفك جباناً.‏

ارتبك عامر وأجاب:‏

ـ لا ... ولكنني أشعر بالبرد.‏

فقال ماهر:‏

ـ لماذا لانتحدث قليلاً قبل أن ننام؟‏

قال عامر:‏

ـ حسناً... أحدثك عن نجمي الذي رأيته مرة واحدة في الصيف الماضي ثم اختفى عني.‏

هل تتذكر تلك الليلة التي ذهبنا فيها مع بعض العلماء إلى الصحراء؟‏

أجاب ماهر:‏

ـ نعم أتذكر... وهل نسيت أنت ذلك الحجر المشع الذي لمحته في أعماق تلك البئر البترولية المهجورة؟‏

وظل الإثنان يتحدثان... حتى وجد عامر نفسه رغم العاصفة في قلب الصحراء.‏

المطر يبلله... والهواء يقذفه كالكرة من جانب إلى آخر، والرعد يدوي بينما البرق يضيء له مكان نجمه الضائع فيصفق فرحاً وسروراً.‏

وكذلك وجد ماهر نفسه وقد تدلى بحبل متين إلى أعماق البئر، وقبض بيديه الاثنتين على الحجر الفضي، وهو يهتف: وجدته... وجدته... انه لي.‏

ورغم التراب الذي كان يتساقط فوقه وقلة الهواء فقد كان يحاول الخروج بعد أن حصل على حجره الثمين وهو مصرّ على ألا يفقده من بين يديه.‏

وهكذا ناما طوال الليل... وعندما استيقظا وأخذ كل منهما يحكي للآخر ماذا رأى في الحلم، كان الأب يدخل غرفة طفليه ليطمئن عليهما. وعندما وجدهما صامتين حزينين تعجب مما بهما.‏

سأل عامر:‏

ـ هل تتحقق الأحلام ياأبي؟‏

وسأل ماهر:‏

ـ ألا يمكن العثور على أحجار فضية ثمينة ومشعة؟‏

ولأن الأب كان يعرف هواية طفليه فقد أجاب:‏

ـ إذا سعى أحدنا وراء أحلامه فلابد أن تتحقق... ثم أن الطبيعة غنية جداً بعناصرها، ومعادنها، والإنسان يكتشف كنوزها كل يوم.‏

وهنا دخلت (سلمى) الصغيرة وراء أمها وهي تعانق دميتها وتقول:‏

ـ أنا لم أفهم شيئاً يابابا مما قلت... ماذا قلت؟‏

أجاب الأب وهو يضحك:‏

ـ ستفهمين يوماً ما كل شيء... كل شيء

ورده من القلب
17-10-2008, 06:52 PM
حكاية البنات الثلاث



تلك الليلة كانت عاصفة، والبنات الثلاث الصغيرات في أسرتهن. الهواء يصفر كعواء كلاب جائعة، وأغصان الشجر تصفق مهتاجة وكأنها تتقصف. لم يكن يشعرن بالبرد، فالغرفة دافئة والأغطية صوفية ناعمة.‏

الأم التي يحلو لها في مثل هذه الليلة أن تستعيد حكايات جدتها تقول:‏

ـ كان ياما كان... في قديم الزمان..‏

تقاطعها الكبرى:‏

ـ عرفنا الحكاية.. كان هناك ثلاث بنات يغزلن... حتى يأكلن.‏

ترد الأم وهي تتنهد:‏

ـ لا... لم تحزري.. ليست هذه هي الحكاية.‏

تنبر الوسطى:‏

ـ ثلاث بنات خياطات... يشتغلن في قصر السلطان... والصغيرة اسمها (حب الرمان)..‏

وهي التي أضاعت (الكشتبان).‏

تضحك الأم وتقول:‏

ـ بل الوسطى التي اسمها حب الرمان... وهي التي عن قصد وعمد رمت في الماء الكشتبان.‏

تكمل الصغرى:‏

ـ ذلك لأنها كسولة... وملولة. لاتحب الإبرة والخيطان... وتتلهى مع أولاد الجيران.‏



الكبرى تسأل:‏

ـ وما اسم البنت الأولى إذن؟‏

تقول الأم:‏

ـ قمر الزمان...‏

ـ والثالثة؟ /تسأل الصغرى/‏

تجيب الأم:‏

ـ اسمها نيسان.‏

وبينما الأم ترد الأغطية فوق البنات صرخن محتجات:‏

ـ نريد حلماً... لاحكاية. نريد حلماً.. حلم... حلم.‏

ـ حسناً../تقول الأم/ ـ أغلقن النوافذ.. وأطفئن النور ولتطلب كل واحدة منكن حلماً لها.. وسأضعه قبل أن أنصرف تحت مخدتها.‏

قالت الكبرى:‏

- أنت اعطينا ياأمي .. أنت اعطينا . دائماً أنت تعطيننا أكثر من أحلامنا‏

ـ أعطيك مهراً أشقر جميلاً... بل أبيض.. تكبرين ويكبر معك، وتصبحين فارسة.‏

همست الكبرى لأختيها:‏

ـ وكيف سأتصرف مع الحصان الصغير؟ كيف سأعتني به.. بطعامه وشرابه.. بنومه وصحوه..بلهوه وجريه؟ لا.. لا أريد.. لماذا لاتعطيني أمي سيارة بيضاء ونظيفة أدير محركها في لحظة فتحملني إلى حيث أشاء؟‏

قالت الأم للوسطى:‏

ـ وأنت أعطيك خمسة أرانب بيضاء جميلة... تلك التي في الحديقة. تلاعبينها كالقطط، وتتسلين بمنظرها... بتكاثرها وتوالدها.‏

همست الوسطى لأختيها:‏

ـ ولماذا لاتعطيني فراء هذه الأرانب؟ فأصنع منها قبعة وقفازات، وربما صنعت معطفاً.‏

قالت لها الكبرى وهي تضحك:‏

ـ والخياطات الثلاث سيساعدنك في ذلك.‏

أكملت الوسطى:‏

ـ بل هما اثنتان.. لأن الصغرى عاقبوها فطردوها من العمل.. وأنزلوها إلى المطبخ لتقشر الثوم والبصل.‏

وقبل أن تعطي الأم للصغرى أي شيء بادرتها هذه قائلة:‏

ـ أما أنا فأريد فراشة ملونة... أجنحتها زرقاء ووردية... لابل صفراء وبنفسجية.. تنتقل بين الزهور بلطف وحبور... تنشر الأحلام وتطويها. أليست أميرة الطبيعة في جبالها وبساتينها وبراريها؟‏

وقبل أن تتم كلامها كانت قد استغرقت في النوم.‏

عند الفجر اشتدت العاصفة أكثر وأكثر.. حطمت النوافذ والأبواب.. اقتلعت الخزانات.. كسرت المرايا... بعثرت الثياب.. وأطارت كل شيء. وأفاق الجميع خائفين مذعورين.‏

وقفت الأم مع بناتها الثلاث.. حائرات واجمات.. فلا بيت يأوين إليه.. ولاسيارة يركبنها.. وهن يرتجفن من البرد.‏

صهل حصان صغير عن بعد كأنما هو يعلن عن نفسه.‏

قالت الكبرى:‏

ـ هذا حصاني.. ماكان أغباني ظننت أن الحلم لن يتحقق.‏

وقالت الوسطى وهي تمد يديها الباردتين إلى قفص الأرانب:‏

ـ ما أجملها.. ما أدفأها.. ماأنعمها... عددها أكثر من خمسة... سبعة... عشرة، لاأدري ، كنت أحبها ولاأدري. تحتاج صغارها من يرعاها... وأنا سأرعاها.‏

أما الصغرى فقد نظرت حولها ولم تكن هناك فراشة واحدة بعد العاصفة فقد جرفتها كلها، قالت:‏

ـ لكنني أنا دوماً معي حلمي... فراشتي هنا في قلبي.. لا هنا في رأسي... لا هنا في عيني...‏

ودمعت عيناها وهي ترى أجنحة الفراش تتطاير في الهواء، وظلت تردد:‏

ـ آه... ما أجملها فراشة... فراشتي.‏

ورده من القلب
17-10-2008, 06:53 PM
رنا البردانة



لم يعرف أحد إلى أين توجهت رنا بعد أن خرجت من المخيم لأنه لم ينتبه إليها أحد. فالجميع مشغولون بما حدث في الصباح الباكر من اعتداء جنود الاحتلال على البيوت. لقد هجموا على الأبواب فحطموها، وعلى الرجال فساقوهم إلى الساحة... أما الفتيان فلم يتركوا منهم واحداً بل جروهم كلهم إلى السيارات العسكرية.‏

وصرخت النساء... وبكى الأطفال الصغار كما لو أن ناراً تحرقهم. وتعالت الأصوات من كل جانب عندما سدد جندي الرصاص على فتى رمى مجموعة الجنود بزجاجة حارقة. وقع انفجار، وتكاثر الدخان وارتمى الفتى قتيلاً.‏

رنا الصغيرة النحيلة كانت في الطابق العلوي في بيتهم المتهدم ورأت كل شيء... وبما أن الفتى القتيل كان ابن عمتها، وكانت تحبه كثيراً فقد قالت في نفسها:‏

ـ لماذا لاأختبئ وراء ذلك السور قريباً من السيارات العسكرية وأرمي جنود الاحتلال بالحجارة؟‏

ولم تشاور عمتها التي تعيش معها بعد أن ماتت أمها... ولم تشاور غيرها، فهي تدرك جيداً أنهم لن يمانعوا ماداموا جميعاً يجابهون الأعداء.‏

وبسرعة دخلت رنا إلى غرفتها الخالية من الأثاث ماعدا فراش واطئ، وصندوق تضع فيه ثيابها... بحثت عن معطفها الشتوي الطويل... ولما لم تجده نثرت كل أشياء الصندوق، ثم تذكرت أنهم وضعوه تحت الفراش ليغدو سميكاً.‏

سحبته بعنف وارتدته والطقس صيف... والحر شديد.‏

تسللت وراء البيوت وأخذت تجمع ما أمكنها من الحجارة، وتضعها في جيوب المعطف. ولما وجدت أنها لم تتسع لأكثر من عدد محدود، مزقت بطانة المعطف وحشته بالحجارة الصغيرة، ثم سارت متثاقلة وليس في قدمها إلا حذاء كبير مهترئ من البلاستيك تلبسه عمتها أثناء نشر الغسيل.‏

ولمح أحد الجنودبنتاً صغيرة تمشي ببطء كما لو أنها تسير فوق بيض. ارتعدت عندما تقدم منها، واصفرّ لونها. قال لها:‏

ـ إلى أين أنت ذاهبة ياقردة؟ ألا ترين أنه ممنوع المرور؟‏

ارتبكت رنا، ثم نظرت بعينين مذعورتين إلى نفسها، واستجمعت جرأتها وقالت:‏

ـ أنا مريضة... وذاهبة لعند خالتي قرب السور، لأنه لم يعد أحد في البيت.‏

تأملها الجندي، ثم قال:‏

ـ ولماذا هذا المعطف ونحن في عز الصيف؟‏

قالت:‏

ـ إنا بردانة... مصابة بالحمى..‏

ولم يكمل أسئلته حتى كانت قد بدأت تبتعد بخطوات ثابتة، متهيئة لأن تهرب لو حاول أن يقبض عليها. ولكنه أدار وجهه عنها وهو غير مطمئن تماماً، فهؤلاء السكان يملكون من الجرأة والذكاء مالم يكونوا يتصورونه هم المحتلون حاملو الحضارة كما يعتقدون، ممكن أن الطفلة مصابة بالحمى... أو بلوثة في عقلها. ممكن. فكر بهذا ثم انصرف عنها.‏

رنا لم تكن مصابة بالحمى.. ولا بلوثة في عقلها... لكنها حيلتها ضد عدوها وإلا قبض عليها وفعل بها مايفعلونه بغيرها. وإذا لم تقل ذلك فكيف تنجو منه، وتحقق غايتها؟‏

وصلت رنا إلى السور وسرعان مانزعت المعطف وأفرغت مافيه من الحجارة أمامها، وأخذت تقذفها حجراً حجراً، وكلما رمت واحداً خبأت رأسها لحظات، ثم رفعته بحذر حتى إذا لم تجد أحداً يراها قذفت الآخر... وهكذا.‏

كانت تقفز من الفرح، وتدلك يديها كلما أصاب الحجر جندياً، ولم تشعر إلا بيد كالحديد تقبض على عنقها، ثم تصفعها بقوة جعلت الدم ينفر من فمها.‏

كان ذلك الجندي الذي تركها تمر وقد اعتقد أنها مريضة وبردانة قال بغضب:‏

ـ أهذه أنت إذن.. مريضة وبردانة... وتذهبين إلى خالتك؟‏

هيا... سآخذك إلى جهنم أنت وخالتك... هناك أدفأ... ونخلص منكم. أين بيت خالتك؟‏

وتكورت رنا مثل قطة مدهوسة عندما أمرها الجندي أن تمشي أمامه... ماذا تفعل؟ لم يعد أمامها إلا الاستسلام. لكن رنا أمسكت بالمعطف... تظاهرت أنها تجمعه لتأخذه معها. انحنى الجندي ليبعدها عنه... رمته فوق رأسه، ثم التقطت الحجر الوحيد المتبقي على الأرض... وبينما كان يصرخ ويحاول التملص من المعطف كانت رنا قد اختفت بين البيوت قرب السور.‏

وعندما كان الجندي يسأل زملاءه: هل رأوا بنتاً صغيرة ترتدي معطفاً شتوياً طويلاً سميكاً؟ كانوا يهزؤون به ويقولون: هل هناك من يرتدي معطفاً في عز الصيف؟‏

ورده من القلب
17-10-2008, 06:54 PM
قوة الحياة



على قمة تلة خضراء عالية في بلاد بعيدة كان يعيش صبي صغير مع جده العجوز الذي يرعاه ويحبه كثيراً.‏

وإذ كان الجد يخرج كل يوم إلى حقله ليعمل فيه طوال النهار، كان الصبي يخرج كل صباح مع شروق الشمس ليقف على قمة التلة العالية ينظر إلى الأفق ويفتح رئتيه لهواء الصباح النقي.‏

فما تلبث الشمس أن تغمره بنورها، وتغمره معها سعادة كبيرة عندما يشعر بقوة أشعتها تتغلغل في جسمه. كان يحب الشمس فهي تسكب ضياءها في بريق عينيه، وفي تألق خصلات شعره الذهبية، وفي لون بشرته المسمر، وهي التي تسكب في جسده قوة خارقة تمنح الحياة لكل ماحولها من الأشياء.‏

وكان ينظر من قمة التلة إلى البعيد فيرى بحراً واسعاً أزرق اللون يتماوج على سطحه انعكاس أشعة الشمس كأنه ماس متدفق.‏

كان ذلك يسحره ويشده لمغامرة جديدة فقد اعتاد أن يرافق جده في مغامرات كثيرة يكتشف فيها العالم من حوله.‏

ولكن الجد الآن أصبح طاعناً في السن وها هو يقول له:‏

ـ لقد تقدمت بي السنون يابني... ولابد لي من أن أرحل عنك قريباً. عليك أن تتسلح بالمعرفة والعمل الدؤوب.‏

وكان الجد وهو رجل حكيم متواضع وبسيط يعرف أن حفيده ليس صبياً عادياً ويعرف أن الشمس تمنحه كل يوم قوتها الخارقة فيصبح قادراً على أن يعيد الحياة إلى ماحوله ماأن يمسك به بيديه القويتين. ولكن الشمس عندما كانت تغيب تغيب معها قوة الصبي.‏

لقد سمعه ذات مرة يقول لوردة الصباح الذابلة:‏

لاتحزني يانبتتي العزيزة سأسكب في عروقك قوتي فتسري الحياة في نسغك.‏

ويقول لكلبه الأسمر وهو يمسح على جسمه الصغير:‏

لقد أصبحت هرماً يارفيقي وكنت معي دوماً لم تفارقني يوماً....لن أدعك تموت.. سأعيد الحياة إلى جسمك الهزيل هذا.‏

ولكن الصبي لم يكن ليدرك أن جده عندما كان يأخذه معه إلى الحقل ويطلب منه أن يزرع الزرع ويعتني به ويحصد ثماره بعد مدة يريده أن يعتمد على قوة الحياة الحقيقية وهي العمل.‏

وذات يوم تأخر الصبي عند قمة التلة الخضراء على غير عادته حتى أوشكت الشمس على المغيب. وقبل أن يعود إلى البيت أسرع يجمع أغصان الشجرة الكبيرة التي كسرتهاالعاصفة وأخذ يغرسها في الأرض من جديد وضوء الشمس يملأ عينيه والأمل يملأ صدره بأنها ستصبح أشجاراً قوية كأمها الشجرة الكبيرة.‏

وعندما وصل إلى بيته وجد جده وقد فارق الحياة، فأسرع نحوه وهو يظن أن قوته الخارقة ستجعل جده يعيش من جديد، ولكنه عندما التفت نحو السماء ناظراً إلى الشمس وجدها قد غابت ولم تخلف وراءها في الأفق سوى شعاع أحمر ضعيف، وعندما أمسك بالعجوز بيديه القويتين لم تعد إليه الحياة.‏

لقد عجزت قوته الخارقة عن أن تمنح الحياة حتى لأحب الناس إلى قلبه.‏

فأطرق والحزن يملأ عينيه وفكر طويلاً. وأدرك أنه يمكن للحياة أن تستمر فقط من خلال الجد والعمل، وأن عليه أن يعتمد على نفسه وعلى دأبه لا على ما منحته إياه الطبيعة

ورده من القلب
17-10-2008, 06:55 PM
سامر والقسمة على ثلاثة



سامر يخرج إلى البرية حائراً... يسير وهو يعد: واحد، اثنان، ثلاثة.... ترى لمن يعطي هذه القطع الفضية التي معه؟... معلمه يقول له: أنت بارع في الحساب يا سامر... والمدرسة تقدم له مكافأة... جده قال له: هل تعطيها لمن يحزر؟ أو من يفكر؟ أو من يدبر؟.‏

مامعنى ذلك؟.. من يحزر أي من يعتمد على الحظ والمصادفة. ومن يفكر أي من يستعمل عقله أمام الأمور. أما من يدبر فلاشك أنه من يتصرف حسب ماتقتضي الظروف.‏

سامر لديه لكل قطعة سؤال، ومن يعرف الإجابة ينال القطعة. أخذ يمر على القرى القريبة من بلدته وكان عددها ثلاثاً.‏

في الأولى رأى الناس يحركون أيديهم وكأنهم يحصدون القمح.. يحركونها حركات رتيبة وبطيئة ومملة لكنهم لايتوقفون... إنه حصاد وهمي.. فلا قمح أمامهم.. ولامناجل في أيديهم.. ولاشيء سوى هذا الانهماك الفارغ كأنهم يجمعون الهواء.‏

عندما سأل سامر أحد المارين بالقرية وكان شيخاً وقوراً قال:‏

ـ هؤلاء يابني قاطفو النجوم... زارعو الأحلام، إنهم يتصورون أنهم شقوا الأرض وزرعوا، وسقوا واستنبتوا، وما عليهم الآن سوى أن يحصدوا.‏

وها أنت ترى أنها أحلام في أحلام... وأن الحصاد مجرد كلام... ومن زرع وهماً حصد الكثير من الأوهام.‏

لم ينتبه هؤلاء الناس لسامر عندما دخل بينهم. حاول أن يحاورهم لكن أحداً منهم لم يكلمه، ولم تتوقف أيديهم عن الدوران بينما عيونهم تتطلع إلى السماء.‏

تعجب سامر من حال هؤلاء الناس وسار في الطريق إلى القرية الثانية... وجد أناساً أصحاء أشداء، عضلاتهم مفتولة، وأجسامهم قوية، وهم منهمكون في كسر الحجارة وحملها ونقلها... والعرق يتصبب من جباههم... ملامحهم جامدة كالصخر... ووجوههم مقطبة وكأنها لم تعرف الابتسام... ولاأحد منهم يتوقف دقيقة أو يستريح لحظة.‏

سأل سامر أحد المارين بالقرية وكان رجلاً جسيماً قوياً فقال:‏

ـ هؤلاء يابني حاملو الأسرار...محطمو الأحجار... إنهم يعملون ولايتكلمون... يشقون ويتعبون ولايسألون.. همهم أن يبذلوا الجهود تلو الجهود حتى ولو لم ينالوا أي مردود... يعملون ولايتذمرون.. ويقنعون بالرغيف وحبات الزيتون.‏

هؤلاء الناس لم يتيحوا لسامر أن يدخل بينهم... بل نهروه وطردوه... ووقفوا سداً في وجهه ومنعوه.. فلم يجد أمامه سوى أن يتابع طريقه.‏

في القرية الثالثة وجد جموعاً من الناس كسالى حيارى..يجلسون على الأرض ينصتون بآذان طويلة ونفوس عليلة... وكلما علت الأصوات أو تداخلت أو تقاطعت كانوا يديرون نحوها آذاناً كالأبواق تلتقط كل شيء من كل الجهات والآفاق. أمورهم فوضى... وحياتهم بلاجدوى.. فهم أناس عاطلون معطلون... وهم يحسبون أنفسهم في قلب المعركة يقاتلون.‏

وعندما سأل سامر أحد المارين بالقرية... وكان رجلاً نحيلاً طويلاً، هادئاً عميقاً قال له:‏

ـ هؤلاء يابني أشقى الناس... فهم أهل الوسواس... لايكفيهم أنهم لايفهمون مايسمعون... بل هم لايدركون مايفعلون. يأخذون الأصوات ويتركون الأصداء... وتضيع أفكارهم بين أرض وسماء.‏

حاول سامر أن يدخل بينهم.. أن يفهم منهم أو عنهم لكنهم كانوا عنه مشغولين... وبأعباء مايسمعون منهمكين.‏

خرج من القرية الثالثة وهو يداعب قطعة فضية، ويقول: واحد، اثنان، ثلاثة. القسمة على ثلاثة. ظهرت له الساحرة العجوز وأعطته كيساً وإبرة وخيطاً، وقالت له:‏

ـ ضع فيه كل ماتريد... واحبسه في هذا الكيس الجديد... ثم أطلقه فينطلق كما الماردالعنيد.. من قمقم الحديد.‏

قالت هذا ثم اختفت مع الهواء.. فتعجب سامر ثم قذف بالقطعة الأولى فارتفعت عالياً عالياً في الجوثم تكسرت إلى آلاف النجوم الصغيرة البراقة... أخذت النجوم تهوي نحوه كحبات البرد فبدأ يجمعها ويعبئها بالكيس حتى ظن أنه امتلأ.‏

تنهد تعباً.. ثم مشى ومشى حتى صادف بيادر الحصاد، والقمح الذهبي الناضج يتكدس فوق بعضه بعضاً، وتلفحه حرارة الشمس، فتح الكيس مرة ثانية وأخذ يحشوه بالسنابل المليئة حتى ظن أنه امتلأ.‏

جلس ليستريح قليلاً فهبطت نحوه العصافير والطيور المغردة وهي تصدح بأعذب الألحان، فتهرب منها الأصداء كأسراب الحمام، تساءل سامر: ترى هل أستطيع أن أختزن الأصداء أيضاً؟‏

تذكر ماقالته العجوز: تستطيع أن تضع في هذا الكيس كل شيء... كل شيء.‏

لم يلبث أن أغمض عينيه وترك الأصوت تمر عبر أذنيه، ثم فتح الكيس ولامس أطرافه بأصابعه كما لو أنه يعزف فأحس أن الأصداء تسللت كالنسيم إلى داخله فتركها تفعل مدة طويلة، ثم أغلق كيسه وحمله ومضى.‏

كان يصفر ويغني مردداً: واحد، اثنان، ثلاثة... القسمة على ثلاثة. فتذكر أهل القرية الأولى الذين يزرعون النجوم ويقطفون الأحلام فأسرع نحوهم متحمساً، ثم مد يده إلى الكيس فأخرج سنابل القمح، وقدمها لهم ففرحوا بها وأسرعوا بزرعها.‏

توجه إلى القرية الثانية حيث الذين يحملون الأسرار ويكسرون الأحجار... فتح الكيس ونثر عليهم نجوم الأحلام فأشرقت وجوههم... وابتسموا.. جففوا عرقهم، وجلسوا يستريحون وقد التمعت عيونهم ببريق الأمل. أخذوا يبنون قصور الأماني للمستقبل، ويزينونها بقطع النجوم، متناسين التعب وكل الهموم.‏

أما أولئك الحيارى الكسالى... ذوو الآذان الطويلة.. والنفوس العليلة... الذين يلتقطون الأصوات بلا أصداء حتى لو كان حفيف الشجر أو همس الماء، فقد نفض بين أيديهم كل ما تبقى معهم في الكيس متمنياً أن يظل معهم ، وأن يكون لهم خير جليس.. يسمع كلامهم ويفهمهم من خلال لغة حوارهم.‏

رفع سامر الكيس فأحس أن حمله خفيف..وكأن ليس فيه الا هواء لطيف .لكنه في الحقيقة كان يحتوي على سؤال جوابه عند سامر بألف جواب: هل القسمة على ثلاثة كان فيها العدل ..أم الجهل؟‏

تحير سامر وهو البارع في الحساب،لكنه فكر وأعطى على الفور الجواب انها القسمة...القسمة.‏

ومضى يعد : واحد ..اثنان ..ثلاثة ...القسمة على ثلاثة.‏

ورده من القلب
17-10-2008, 06:57 PM
انتظار العش من جديد ..


عندما جاء العمال ليقوموا بالقطع التجديدي لاشجار الشارع العام، سمعت ريما ضجيجاوأصواتا كثيرة فأسرعت تطل من نافذة غرفتها .فوجدتهم وقد اتوا بسلم حديدي طويل وبمنشار كهربائي برتقالي اللون ،وأخذوا يشيرون إلى الشجرة الباسقة التي تمتد فروعها نحو نافذة ريما، وأحدهم يقول : لنبدأ بهذه الشجرة الكبيرة أولاً.‏

عند ذلك دخلت أخت ريما الصغيرة إلى الغرفة وركضت نحو النافذة وهي تصيح:ريما ..ريما..إنهم يقطعون الشجرة التي تحبينها ، أوقفيهم ....لماذا لا تقولين لهم شيئاً ؟ ألم تري ماذا يفعلون ؟‏

ضحكت ريما وهي تنظر إلى أختها وقالت :‏

-وهل تعتقدين أنهم سيقطعون الشجرة كلها ؟....لا، إنهم فقط يجرون القطع التجديدي للأشجار فيقطعون الأغصان الكبيرة الممتدة والمتشابكة.‏

-ولماذا يقطعونها ؟إن منظرها جميل ‍‍‍‍‍‍‍!‏

-ولكنها تحجب الضوء عن باقي أجزاء الشجرة .وهم اذا يقطعونها يعطون الشجرة أيضاً شكلاً أجمل ويعيدون إليها حيويتها.‏

ولما كانت ريما منشغلة بحديثها مع أختها الصغيرة لم تنتبه لما كان يجري في الخارج .‏

كانت مجموعة العصافير التي تسكن الشجرة تتعالى أصواتها وهي تتشاور فيما بيتها عما يمكنها عمله ما داموا سيقطعون أغصان الشجرة ..وهم قد بنوا عليها أعشاشهم منذ شهور!....‏

لا بد لهم إذن من أن يهاجروا ...ولكن أين ؟‏

وارتفعت أصواتهم أكثر وازدادت حدة وعصبية ، حتى إن العمال عدلوا عن رأيهم وقرروا أولاً أن يبدأوا أولاً بقطع أغصان الأشجار التي تقع في نهاية الشارع.‏

وفي صباح اليوم التالي عندما فتحت ريما نافذة غرفتها سمعت أصوات العصافير وهي تزقزق عاليا،ولما نظرت إلى الشجرة الكبيرة وجدتها وقد قطع ما كان عليها من أغصان ، فتساءلت :‏

-اين ذهبت تلك العصافير يا ترى ؟..‏

لابد أنها في مكان قريب ...‏

ولم تبحث ريما طويلاً ثم قالت :‏

-أجل إنها هناك في حديقة الجيران على شجرة السرو الهرمة ذات الأوراق الأبرية كأنها الأشواك .‏

وبينما هي تفكر اذا بعصفور هرم يفرد جناحيه حائما حول الشجرة الكبيرة ثم ما لبث أن حط عليها وهو ينظر إلى باقي العصافير وهي تروح و تجيء حاملة بأفواهها عيدانا من القش .‏

وقف العصفور الهرم طويلاً وهو حزين كئيب وبينما هو كذلك حطت بقربه مجموعة من العصافير الفتية، فتقدم منه أحدها وقال :‏

- هل ستطول غربتنا عن المسكن الذي ولدنا فيه واعتدنا أن نعيش فيه منذ طفولتنا ؟...صمت العصفور الهرم قليلاً ثم أجاب :‏

-...لا بد من أن نبني معاً العش من جديد ....‏

وطار عالياً ولحقت به بقية العصافير .‏

بقيت ريما في نافذتها تراقب جموع العصافير وهي تعمل منهمكة في بناء أعشاش جديدة لها ، وتراقب العصفور الهرم وهو يشجع الصغار منهم ويساعدهم ويبث الأمل في نفوسهم .كان يعرف أن الشجرة سرعان ما تمتد فروعها من جديد وتكسوها الأوراق الخضر الفتية بغزارة، وعند ذلك يمكن لهم أن يعودوا اليها مرة أخرى .‏

ولما أغلقت ريما زجاج النافذة وأغمضت عينيها رأت كم سيكون ربيع الشجرة الكبيرة جميلاً وأخضر هذا العام تسكنه العصافير وتملؤه بالبهجة .‏

ورده من القلب
17-10-2008, 06:58 PM
بين الجد واللعب..



- كمال: هات الحجارة يا جمال ..‏

- سهى: ها هي هنا يا كمال ..العصا والحبال‏

- نهى: اسرعوا يا أولاد ..خبئوا البنادق ..‏

- جمال : سوف نرمي في وجوههم هذه الزجاجات المليئة بالوقود أيضاً ...‏

- كمال : ضاحكاً : هذه حجارة كبيرة حادة الأطراف تصلح لأن تشج الرؤوس ..‏

- نهى : أجل سوف نخيفهم بها أيضاً‏

- جمال : هيا لنختبئ اسمع وقع خطوات‏

- سهى : إليَّ بالذخيرة يا نهى ...‏

- كمال : ها هم قادمون ...استعدوا..سوف ننجح هذه المرة ..وكما في كل مرة ..كان الرجل الشرير الذي تسلل إلى القرية يريد أن يسرق بيت الاولاد .. وقد دبر خطته الماكرة بكل خبث ودهاء .لكنه ما ان مر قرب النافذة وسمع ماكان يقوله الأولاد حتى ارتعد وخاف، واختبأ إلى جانب البيت لايجرؤ على الحراك، ثم قال في نفسه ‍!‏

ـ ماذا أفعل؟!.. لقد سمعوا وقع أقدامي وتهيأوا .. يا إلهي.. الهروب أحسن... الهروب أحسن وإلا أوقعت نفسي في مأزق... هؤلاء الأطفال ليسوا هينين...‏

وانسل الرجل الشرير ببطء مثل نمس في الظلام، وما لبث أن أطلق ساقيه للريح يعدو دون أن يجرؤ على الالتفات نحو الوراء..‏

والحقيقة أن سهى ونهى وكمال وجمال كانوا يقلدون المشاهد التي رأوها في التلفزيون عن أطفال الانتفاضة ويكررون العبارات التي سمعوها وهم يتخيلون أنفسهم في الأرض المحتلة، وقد انضموا إلى أبناء الانتفاضة يدافعون عن أرضهم وعن حقوقهم بكل بسالة وشجاعة..‏

لكن الرجل الشرير لم يكن يعلم أن الأولاد هذه المرة كانوا (فقط) يلعبون.‏

ورده من القلب
17-10-2008, 06:59 PM
الشجرة الأم



استيقظ طارق يوم عيد الشجرة متأخراً على غير عادته... وكان يبدو عليه الحزن. ولما سأل أمه عن أخوته وقالت له انهم ذهبوا ليغرسوا اشجاراً اضطرب وقلق. قال بغيظ:‏

ـ ومتى ذهبوا ياأمي؟‏

أجابت:‏

- منذ الصباح الباكر .. ألم يوصوكم في المدرسة أنه يجب أن يغرس كل منكم شجرة ؟ ألم ينبهوكم إلى أهمية الشجرة؟‏

قال :‏

ـ نعم.. لقد أوصتنا المعلمة بذلك... وشرحت لنا عن غرس الشجرة في عيد الشجرة، أما أنا فلا أريد أن أفعل.‏

قالت الأم بهدوء وحنان:‏

ـ ولماذا ياصغيري الحبيب؟... كنت أتوقع أن تستيقظ قبلهم، وتذهب معهم. لم يبق أحد من أولاد الجيران إلا وقد حمل غرسته وذهب.. ليتك نظرت إلى تلاميذ المدراس وهم يمرون من أمام البيت في الباصات مع أشجارهم وهو يغنون ويضحكون في طريقهم إلى الجبل لغرسها. إنه عيد يابني فلاتحرم نفسك منه..!‏

قال طارق وقد بدأ يشعر بالغيرة والندم:‏

ـ لكن الطقس باردجداً ياأمي. ستتجمد أصابعي لو حفرت التراب، وأقدامي ستصقع.‏

أجابت:‏

ـ ومعطفك السميك ذو القبعة هل نسيته؟ وقفازاتك الصوفية ألا تحمي أصابعك؟ أما قدماك فما أظن أنهما ستصقعان وأنت تحتذي حذاءك الجلدي المبطن بالفرو!‏

صمت طارق حائراً وأخذ يجول في أنحاء البيت حتى وقعت عينه على التحفة الزجاجية الجميلة التي تحفظ صور العائلة وهي على شكل شجرة، ووقف يتأملها.‏

قالت الأم:‏

ـ هل ترى إلى شجرة العائلة هذه؟ إن الأشجار كذلك.. هي عائلات... أم وأب وأولاد. وهي تسعد مثلنا إن اجتمعت مع بعضها بعضاً وتكاثرت، فأعطت أشجاراً صغيرة. إن الشجرة هي الحياة يابني ولولاها ماعرفنا الفواكه والثمار.. ولا الظلال ومناظر الجمال. إضافة إلى أننا ننتفع بأخشابها وبما تسببه لنا من أمطار، ثم هل نسيت أن الأشجار تنقي الهواء وتساعدنا على أن نعيش بصحة جيدة.‏

صمت طارق مفكراً وقال:‏

ـ حسناً... أنا أريد إذن أن أغرس شجرة.. فهل شجرتي ستصبح أماً؟‏

أجابت الأم بفرح:‏

ـ طبعاً... طبعاًيابني. كلما كبرت ستكبر شجرتك معك، وعندما تصبح أنت أباً تصبح هي أماً لأشجار صغيرة أخرى هي عائلتها، وستكون فخوراً جداً بأنك زرعتها.‏

أسرع طارق إلى خزانة ثيابه ليخرج معطفه وقفازاته، سأل أمه بلهفة:‏

ـ هل أستطيع أن ألحق... أخوتي والجميع؟‏

ضحكت الأم وقالت:‏

ـ كنت أعرف أنك ستطلب مني ذلك... شجرتك في الحوض أمام الباب في كيس صغير شفاف... وإنا كما تراني قد ارتديت ثيابي هيا بنا...‏

وانطلق طارق مع أمه فرحاً يقفز بخطوات واسعة... واتجها نحو الجبل وهما يغنيان للشجرة... شجرة الحياة أنشودة الحياة.‏

ورده من القلب
17-10-2008, 07:00 PM
صديقة أم عدوة..!



في الصحراء الواسعة وتحت أشعة الشمس المحرقة عاشت فوق الرمال منذ زمن بعيد مجموعات كثيرة من الأفاعي. كان منها الكبير ومنها الصغير، منها المرقط والملون، ومنها ماكان قاتماً أو بلون الرمال حتى لاتميزه عنها.‏

وكانت مجموعات الأفاعي تزحف في أرجاء الصحراء تارة باحثة عن فريسة لها، وتارة أخرى هاربة من عدو يطاردها. وفي الصيف عندما تشتد حرارة الصحراء تنسل إلى باطن الرمال لتهرب من وهج الحرارة اللافح الذي يتعبها ويذهب بنشاطها وقوتها حتى تغدو غير قادرة على الحراك.‏

فكرت جماعة منها أن تهاجر عن أرض الصحراء اللاهبة نحو الواحات الرطبة حيث الظل كثير والطعام وفير. أما جدة الحيات فلم تشجع الجماعة المهاجرة، بل على العكس قالت:‏

ـ لقد اعتدنا أن نعيش في الصحارى، ولعلي لا أجد في الواحات شروطاً للعيش أفضل. حذار أيتها الحيات... فكم من المفاجآت تنتظركن في الموطن الجديد.‏

وفي إحدى الواحات الخضراء أخذت الحيات المهاجرة ترتع فرحة في بقعة منها مستمتعة بالطقس العذب وبشروط السكن المريح ناسية موطنها الأول في الصحراء.‏

حتى أتت مجموعة من فتيان الكشافة وقرروا أن يخيموا فوق أرض الحيات، قال لهم رئيسهم:‏

ـ أشعلوا بعض النيران المتفرقة من حولكم فهي تطرد الحيوانات الخبيثة.‏

وما هي إلا دقائق حتى امتد لهيب النار إلى حيث الحيات فخرجت من أوكارها وقد شعرت بالخطر وهي غاضبة ناقمة.‏

لم تدر الحية الفضية ذات الألوان المتماوجة ماكان من أمر رفيقاتها فقد كانت تلهو مسرورة مع أحد الأطفال الذي عقد معها صداقة، وكانت تحلم بأنها أصبحت ملكة الحيات جميعاً وهو يقول لها:‏

ـ كم أنت جميلة ياصديقتي الحية. عيناك تبرقان كأنهما جوهرتان نادرتان. وجلدك اللماع الأملس كم هو ناعم. أحب أن أنظر إليك وأنت تنسلين بخفة يتمايل معها جسمك الطويل الرشيق.‏

قالت الحية الفضية وهي ترفع رأسها عالياً:‏

ـ شكراً لك يا صديقي... فأنت تقدر جمالي حق قدره... وأنا أعدك بأنني سأظل صديقة وفية لك، وسأبقي أنيابي السامة بعيدة عن جسمك الطري ولاأسبب لك أي أذى.‏

وبينما هي تنسحب مزهوة حالمة كانت يدا الطفل تمتدان إلى نبتة من الفطر الأبيض الطري مثل قطعة جبن شهية دون أن يدري أنه من الأنواع السامة. فالتفتت الحية ورأت هذا المشهد وإذا بها تعود مسرعة لتنقذه، وما كان منها إلا أن أبرزت نابيها الحادين وغرزت جزءاً منهما في جسم الطفل حتى تسربت كمية صغيرة من السم تعدل من تأثير سموم الفطر.‏

استلقت الحية متعبة بينما الصبي يسترد أنفاسه ويغمره عرق غزير. لكن من رآه في هذه الحالة وآثار أنياب الحية لاتزال ظاهرة على يده تيقن أنها هي التي غدرت به وآذته، فهجم بعضهم عليها وقتلها.‏

أما الطبيب فبعد أن قام بفحوصه على الطفل وسأله عما جرى له تأكد أنه لولا هذا السم الذي غرزته الحية في جسمه لما استطاع أن يتغلب على سم الفطر. فسم الأفعى قاتل كما هو بمقدار معين ترياق شاف.‏

وهكذا انقسم الناس بين صديق للحية وبين عدو لها، واحتارت الأفاعي متى تكون مسالمة وديعة ومتى تفتك بالناس وظلت سمعتها على هذه الحالة... هل هي صديقة أم عدوة !...‏

ورده من القلب
17-10-2008, 07:02 PM
طائرة سلمى الورقية..



عندما صعدنا إلى سطح منزلنا الريفي الواطئ، كان أخي (سالم) قد صنع طائرات ورقية كثيرة، وناداني لكي أربطها بالخيوط ثم نطلقها معاً نحو السهل، وبما أنني كنت أشعر بمتعة كبيرة وأنا أراها ترفرف كالفراشات فقدأغلقت أذني عن صوت أختي الذي كان كان يرن في أنحاء البيت وهي تناديني كي ألعب معها. هذه المرة كانت الطائرات من الورق المقوى... لونها أزرق رمادي ... ومصممة بشكل متقن كا لو أنها طائرات حقيقية، وقال (سالم):‏

ـ انظري هذه ياسلمى أنها من معدن شفاف ورقيق هي أوراق القصدير التي خبأها خالد عندما أتتنا هدية خالنا صالح.‏

تقول سلمى:‏

ـ آه... لاتذكرني بالهدية ياسالم... فأنا مقهورة منذ ذلك اليوم. لماذا أخفت أمنا كل تلك الأشياء الجميلة؟‏

أجاب سالم:‏

ـ ليس هذا وقته الآن. تعالي الحقي بي إلى السطح قبل أن تفطن أمنا لوجودنا في البيت.‏

ترد سلمى:‏

ـ سأذهب معك بشرط...‏

يقول سالم:‏

ـ أي شرط؟ كنت ستزعلين لو أطلقت طائرتي دون أن تشاهديها.‏

تجيب سلمى:‏

ـ كنت سأزعل... ولكن لماذا لم تعطني أمي قطعة قماش جميلة أخيطها ثوباً؟‏

قالت هذا بينما يسحبها سالم من يدها... قلبها يرفرف كعصفور... لم يكن لديها مثل هذه الأحاسيس نحو الأشياء... تتذكر جدتها وهي تبتسم، وتقول لها:‏

ـ أنت تكبرين بسرعة ياسلمى...‏

وأمها تعاملها على أنها طفلة صغيرة... لكنها أصبحت في سن الحادية عشرة... وأنها قريباً ستنهي دراستها الابتدائية. ومادامت (الضيعة) صغيرة إلى هذا الحدوليس فيها مدرسة ثانوية ولا إعدادية فهي حتماً ستنتقل إلى (البلد)، وستكون مثل ابنة عمها (فرح) التي تعلمت حتى المرحلة الجامعية.‏

فوق السطح تقف سلمى والسهل يمتد أمامها مثل بساط أخضر جميل... تتمنى لو أنها تطير منه وتزقزق مثل عصفورة... أصبحت لا تحب الألعاب التي تخص الصغار.. لكن قصتها مع الطائرات عجيبة... دائماً تحلم بأنها يوماً ما ستركب طائرة..أو ربما تقودها ، من يدري؟ لم ؟ ألا تقود النساء السيارات ؟ ماالفرق ؟ .. صحيح أن قيادة الطائرة أصعب كما تتصور لكن الأمر واحد. أحلامها ترفعها فوق بلاط السطح خفيفة مثل ريشة في الهواء... تحس أنه ينبت لها جناحان... هل سيطول الزمن حتى يأتي هذا المستقبل الذي يحدثونها عنه؟ أمس كتبت في درس التعبير أنها تريد أن تكون طائراً حراً.‏



صوت الأم يأتي من بعيد وهي تنادي: سلمى.. سلمى... أين أنت؟‏

تتنبه سلمى، فتنسحب من حلمها وتهرع نحو أمها.‏

أمام باب المنزل تستقبل الأسرة الخال الذي عاد من المغترب محملاً بالهدايا والأشواق. ومن بين الهمسات والقبلات والأحاديث كانت سلمى تلتصق بخالها، فقد افتقدته كثيراً، يبادرها فيقول:‏

ـ هيه... وأنت ياسلمى... متى ستبدأ إجازتك المدرسية؟‏

تتنهد سلمى وتقول:‏

ـ ليست المشكلة هي الإجازة ياخالي... إنها المرحلة الدراسية القادمة.‏

يضحك الخال ويقول:‏

ـ ومالمشكلة في المرحلة القادمة؟ ألن تذهبي إلى المدرسة من جديد؟‏

تجيب سلمى:‏

ـ وأين هي المدرسة... في قريتنا لاتوجد سوى مدرسة ابتدائية واحدة... ألا تعرف ذلك؟‏

يفكر الخال ويهز رأسه:‏

ـ هكذا إذن.‏

سلمى تشرد بعيداً.. الجميع يضحكون ويتحدثون وهم مبتهجون بزيارة القريب الذي كان غائباً.‏

في زاوية الغرفة الخال والأم يهمسان بحديث لم تسمع منه سلمى ولاكلمة واحدة...‏

وفجأة يقترب الخال منها وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة بدت معها أسنانه البيضاء، وهو يقول:‏

ـ ما رأيك ياسلمى أن تذهبي معي أثناء الإجازة في عودتي للمغترب؟‏

ترد سلمى:‏

ـ ولكن ياخالي...‏

يقاطعها:‏

ـ وقبل افتتاح المدرسة تعودين مع زوجتي وأولادي إلى البلد حيث المدارس متوفرة هناك فتقيمين معهم.‏

تقفز سلمى فرحة وتقول:‏

- أحقاً هذا يا خالي .. هل هذا ممكن يا أمي تبتسم الأم وتقول :‏

ـ ولم لا... أليس هذا حلاً معقولاً؟‏

تنظر سلمى من النافذة فترى الطائرات الورقية التي أطلقتها مع سالم تكبر وتكبر حتى تملأ السماء، وترتفع عالياً حتى تغيب بين الغيوم. وتسمع دوياً هائلاً ما يلبث أن يخفت تدريجياً، فتتنهد وكأنها أصبحت على مقعد الطائرة أمام نافذة صغيرة جداً ولكنها تطل منها على البحار والجبال والسهول.‏

ورده من القلب
17-10-2008, 07:03 PM
حرية للجميع..



الطفلة (سوسو) تقول لنفسها وهي ترى قطها (عنبر) يموء مواء شديداً قرب الباب:‏

ـ ليذهب عن بيتي إلى الأزقة والشوارع... إنه قط غدّار. لقد دللته وقدمت له كل حبي ورعايتي، ولم أقصر عليه بشيء... حتى أنني أخذت من مصروفي الخاص فاشتريت له لحماً ولبناً عندما غابت أمي عن البيت.‏

وفتحت له الباب فأسرع يركض باتجاه الحديقة. وعادت مهمومة وكأنها فقدت عزيزاً. (عنبر) قط أليف وجميل، أشهب اللون، منقط بالأبيض وكأنه نمر، وهي تحبه كثيراً.‏

ربته منذ تركته أمه تحت شجرة وعمره ثلاثة أيام، فكيف ينساها ويتركها؟ ولكنها لاتريد أن تحجزه عندها بالقوة، وإذا أراد أن يذهب فليفعل.‏

وفكرت في حوائجه الصغيرة .. فراشه، وصحنه، ووعاء الماء، ماذا ستفعل بها؟ هل سترميها إلى الخارج وراءه أم تحتفظ بها لقط آخر؟.. ولكن لا.. كل القطط كذلك.إنها غدّارة، وليس عندها وفاء لأصحابها.‏

وعاد القط يموء من جديد قرب الباب مواء كله توسل واستعطاف، فأسرعت (سوسو) لتقول له:‏

ـ ماذا تريد مني أيها الناكر الجميل؟ اذهب عني... وستعرف قيمة حبي لك عندما تتشرد في الشوارع، ولاتجد الطعام والمأوى.‏

وما إن فتحت الباب حتى انسل من الحديقة عنكبوت كبير. صرخت (سوسو) عندما أسرع القط (عنبر) فانقض عليه وأنشب فيه أظافره، وظل يضربه حتى فارق الحياة.‏

قالت (سوسو):‏

ـ شكراً ياعنبر... كان العنكبوت سيؤذي أخي الصغير النائم في فراشه الآن. أنت قط جيد... ادخل.‏

أجاب القط:‏

ـ أنا قط جيد ولكني لن ادخل. أنا أحب أن أعيش معك لكنني أحب حريتي أكثر. كنت صغيراً وكنت بحاجة إلى من يرعاني ويطعمني، وها أنا قد رددت لك شيئاً من فضلك علي.. اتركيني في هذه الحديقة، سأتجول في الطرقات كما أشاء ثم أعود إليك.‏

ورضيت (سوسو) بهذا فما أغلى الحرية على المخلوق، وهي نفسها لم تعد أمها تحجزها في البيت أو في الحديقة بل هي تذهب إلى المدرسة، وإلى رفيقاتها وقريباتها، كما أنها تسرح وتمرح في النزهات. فلماذا لايكون عنبر كذلك؟ لكنها تذكرت شيئاً هاماً، فتحت الباب وقالت:‏

ـ عنبر... عنبر.. إياك أن تؤذي نفسك وتتعرض لغدر الكلاب أو الأشرار أو عجلات السيارات.. وانتبه أن تأكل طعاماً مسموماً وقذراً. وعندما تعود ستجد مأواك في الحديقة وكذلك طعامك.‏

وانتبهت (سوسو) وهي تدخل إلى البيت بارتياح لأن عنبر قتل العنكبوت ولم يأكله، وأنه عندما غادر الحديقة كان يمشي على الرصيف حذراً متنبهاً لأخطار الشارع

سامح الدهشان
17-10-2008, 08:17 PM
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته

جميله ورائعه هذة الموسوعة من القصص الجميله والهادفه

بارك الله فيكي أختي الفاضلة ورده من القلب

ورده من القلب
17-10-2008, 11:49 PM
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته

جميله ورائعه هذة الموسوعة من القصص الجميله والهادفه

بارك الله فيكي أختي الفاضلة ورده من القلب



http://www.al3ez.net/upload/d/yasmin_untitled14.bmp

ورده من القلب
17-10-2008, 11:53 PM
في دارنا ثعلب - نزار نجار - قصص للأطفال


الفأرة المغنّية



خرجت الفأرةُ الرماديّةُ من حُجْرِها، ثمّ ركضَتْ نحوَ بَيْتِ المؤونة، ولكنّها لمْ تكدْ تقترب من الباب حتى وجدت الهرَّ " فلفل" نائماً هناك، فتراجعت مذعورةً، ولم تدرِ إلى أين تذهب، فقد شعرت بالجوع..‏

كانت غرفة المكتبةِ مفتوحةً على مصراعيها فقفزت الفأرة الرماديّة سريعاً، وجدت نفسها بين رفوف الكتبِ والمؤلّفات والمعاجم والقصصِ والمجلاّت..‏

بدتِ الصفحاتُ لذيذةً هشّةً، والفأرةُ تقرضُ أطرافها.. ضحكتْ وقالتْ لنفسها:‏

- كم يتعبُ الإنسانُ في تأليفِ الكُتُبِ، وكم يُجهدُ نفسه في سبيل إخراجها ونشرها ! وها أنذا هُنا أَقْرضُها بهدوءٍ..‏

بدأت الفأرة الرماديّةُ بكتابِ الجغرافية، قَرَضَتْ بعضَ صفحاته، حدّثتْ نفسها:‏

- الجغرافيةُ ضروريةٌ، علمُ البلدان ومعرفةُ الأوطان، الخرائطُ والمصوّرات، البحارُ والمحيطات.. كلُّها مفيدةٌ.. ها.. ها.. ها..‏

انتقلتْ إلى ديوان شعر..‏

- وهذه الأشعارُ، والكلماتُ المختارةُ، والأفكارُ المحلقةُ محطّةٌ للاسْتراحَةِ..‏

وقَرَضَتْ صفحتين مِنْهُ..‏

ثمَّ تحوّلتْ إلى قصّةٍ مُلوّنةٍ..‏

- هي ذي حكايةٌ مُمتعةٌ، ما ألذّها‍‍‍‍ ! لشَّد ما أهوى هذه الرسومَ الجميلةَ.. انظروا إلى هذا الولَدِ الذي يركض وراءَ الأرنبِ، قميصُه الأحمرُ غير ملوّثٍ، وكفّاهُ غيرُ ملطّخَتْين بالحبْر، يبدو أنّه مجتهدٌ في دروسِه، لأنّه لم يتركِ الكتابَ منْ يدهِ، يحبُّ النظافةَ والترتيبَ.. ها .. ها .. ها.. وكركرتْ ضحكتُها..‏

كانت الفأرة تقومُ بمهمَّتها بنشاطٍ وحيويّةٍ، تقرضُ وتقرضُ وهي تغنّي بين الصّفحات المرتجفةِ الخائفة:‏

ما أسعدَني، ما أسعدَني !‏

دِفءُ الأوراقِ يُصاحبني‏

والّليلّ الهادئُ يعرفُني‏

هذي الصفحات تُكركرني‏

ما أسعدني، ما أسعدني!..‏

وحينَ تركتِ الرفَّ الأخيرَ، قفزتْ إلى المنضدةِ المستديرة في وسطِ غرفةِ المكتبة. وكان هناك بعضُ مجلاّت الأطفالِ، وبعضُ الكتب، فتوقّفتْ تقلّبُ صفحاتها وهي ما زالتْ تغنّي وتضحكُ، ولم تُسمعْ في البيت الهادئِ إلاّ دقّاتُ الساعةِ في الصّالةِ..‏

فتحَ الهرُّ" فلفل" عينيه، وأرهفَ سمعهُ وأذنيه، كانتْ هناك خشخشةُ أوراقٍ وصوتُ غناءٍ، وضحِكٌ، وكركرةٌ؛ تلفّتْ يمنةً ويسرةً، فلم يجدْ شيئاً، غير أنَّهُ شمَّ رائحةَ الفأرة الرمادية، فسار على رؤوس أرجلهِ بخفّة ورشاقةٍ حتى أصبح أمام غرفةِ المكتبة...‏

كانت الفأرة قد بدأت تحكَّ أنفها بصور مجلّة الأطفال، وقد أثارتها الصفحاتُ الزاهيةُ والصّورُ الملوّنة.. صارت تُدغدغُ رأسَها وأذنَيها، وتُمرّغُ فمها وهي تغنّي..‏

ما أسعدني ما أسعدني!‏

عالمةً صرتُ مدى الزمنِ‏

دِفءُ الأوراقِ يُدغدغُني‏

والليلُ الهادئ يغمرُني‏

ومجّلةُ طفلٍ تعرفني‏

والصورُ الحلوة تسحرُني‏

ما أسعدني، ما أسعدني!‏

........‏

رفعت الفأرة رأسها عالياً، وفتحت ذراعيها ثم قالت:‏

- أنا، الآن، فعلاً، عالمةٌ بكلّ شيء، لقد اكتسبتُ كثيراً من المعارف والعلوم، صرتُ أفهمُ في الجغرافية، صرت أعرفُ الأشعارَ والقصائدَ، وها أنذا ألتهمُ القصصَ والحكايات..‏

سمع القطُّ" فلفل" ذلك.. وبقفزة واحدة صار أمامها. تماماً فوق المنضدة، نظرت الفأرة الرمادية إليه برعبٍ، وقد اهتزّ ذيلها كأنّما مسّهُ تيارٌ كهربائيّ..‏

كشف" فلفل" عن أسنانه البيضاء النّاصعة، وبدا شارباه جميلين وهو يقول:‏

- سأكونُ أكثرَ علماً منك، وأكثر معرفةً لو التهمتك على الفور يامغنّيتي الظريفة، ذاتَ الصوتِ السّاحر..‏

لكنّ الفأرة الرمادية، التي أحبّت مجلاّت الأطفال كثيراً، قفزت بعيداً عن القطّ " فلفل" واختبأت بين صفحاتها، ثم.. اختفتْ!!‏

قلّب" فلفل" كلَّ مجلّةٍ صفحةً صفحةً، بحثاً عنِ الفأرة المغنّية، فلم يعثر لها على أثرٍ.. قرأ الصفحاتِ ودقّقَ في زواياها وصُوَرِها، ولكنّه لم يجدْ شيئاً..‏

ولايزال" فلفل" ينتظرُ، صدورَ كلّ مجلّةٍ للأطفالِ. في كلِّ أسبوعٍ أو في كلِّ شهرٍ،لعلّهُ يعثرُ على الفأرةِ الرماديةِ المغنّية، ولايزالُ البحثُ جارياً..‏

ورده من القلب
17-10-2008, 11:55 PM
أصدقاء الغابة




كانَ الصّباحُ رائعاً.. والحياةُ بدأت في الغابةِ، الأشجارُ تتمايلُ بهدوء- وأغصانُها تتمطّى باسترخاء.. والعصافيرُ الملوّنة تنتفضُ في أعشاشِها فيلتمعُ ريشُها..‏

ثم لا تلبثُ أن تقفزَ إلى السّماءِ الزرقاء..‏

أمّا الأرانبُ البيضاءُ الصّغيرةُ؛ فقد انطلقتْ تنسلُّ هُنا وهناك بخفّةٍ ورَشاقةٍ تقضمُ الأعشابَ الطريّة، وتطاردُ الفراشاتِ. وتداعبُ الأزهار..‏

.. منْ بعيدٍ.. ظهرتْ عربةٌ عتيقةٌ، فوق الطريق المتعرّجة، يجرّها حمار هزيل، كانت تتأرجح بركّابها ذات اليمين وذات الشمال تثير وراءها سحابة من الغبار، وهي تقرقع بعجلاتها الخشبية، تنشر الضوضاء فيما حولها، وتعكّر صفو الصّباح الجميل..‏



توقّفت الأرانب، نشرت آذانها الطويلة تستطلع القادمين ، لكنّها ما لبثت أن هربت مذعورة تنادي الأمان، وطارت العصافير بعيدة في الفضاء، ثم اختفت عن الأنظار.. أيّ صباح هذا؟!‏

......‏

.........‏

بدت العربة تسير بتثاقل وضجيج، تئن وتصرصركأنما تشكو لسكّان الغابة حظها التعيس بل إنّها تتوقف بين الفينة والفينة، حسب مزاج الحمار الهزيل..‏

كان الحمار ينصب أذنيه إلى الأمام، ويسرح مستغرقاً في التفكير، وحين يفرقع السوط فوق رأسه يعضّ طرف الحبل، ويضرب الأرض برجليه ويحرن..‏

أيّة معاملة هذه التي يلقاها!!‏

عندئذ يبرز رأس أمّ سرحان العجوز الشمطاء، يرتفع نقيقها حادّاً غاضباً، كان ذلك هو صوتها الذي يشبه قوقأة الدجاج، إنّها تأمر الحمار أن يتابع المسير..‏

- هيّا.. هيّا، إلى الأمام، ياغندور..‏

لكنّ الحمار لم يكن يسمع ، لأنه لايبالي بهذا النقيق المزعج!..‏

هدوء الغابة يغريه بالتوقّف.. والتأمّل.‏

ما أطيب العيش هنا! ما أجمل الانطلاق في قلب هذه الغابة الساحرة! لا عربة يجرّها، ولا سوط يفرقع وراءه، ولا صراخ هذه العجوز المجنون.. لاتنقّل بين القرى، ولا تعب.. ولا جوع، ولا تشرّد..‏

ما أحلى أن ينعم بالحرية دون حدود، ينام كيفما يشاء، ويستيقظ حين يحبّ أن يستيقظ، يأكل ما يشتهي، ويتمرّغ فوق هذا العشب الغضّ، يستلقي حين يريد.. لقد سئم هذه الحياة، وملّ صحبة أم سرحان ونقيقها المتواصل، ملّ زوجها أيضاً، وحيواناتها، ملّ الألعاب التي يعرضونها على النّاس لقاء لقيماتٍ معدودة.. كره حياة التمثيل، والتصنّع، والتزييف، وطلاء الوجوه، وتبديل الأقنعة، كره أصدقاءه كلّهم الكلب نمرود، الذي ينبح دون توقّف. والقرد شدهان الذي يعاكسه دائماً، والقطّة عبلة، والديك يقظان، ألايحقّ لغندور أن يستريح بعد الخدمة الطويلة، والتعب، والركض بين القرى والبلدان؟!‏

وشعر غندور بالحزن، ولم يكن بمقدوره إلاّ أن يقف معانداً أمّ سرحان، والاحتجاج على سوء حظّه، فحرن وبدأ ينهق بصوت عالٍ:‏

- هيء.. هيء.. هيء.. هاء..‏

زعقت أمّ سرحان:‏

- أيها التّعس، ما بك اليوم، يبدو أنّك مشتاق للسعات السّوط. ها.. جلدُك بحاجة إلى حكّ.. هيّا.. هيّا قبل أنْ أسلخه..‏

نبح نمرود من ورائها بصوت مبحوح، إنّه يشارك في الفوضى التي بدأت تسود ركاّب العربة، قفز شدهان في الهواء، قلّب شفتيه وضحك ساخراً وهو يقول:‏

- الحمار أغبى الحيوانات، انظروا ‍.! غندور يرفض المسير.. ارتفع صياح الديك المعهود:‏

- كوكو.. كو كو.. أنا أوافق على رأي القرد!‏

ولم يجد أبو سرحان بدّاً من التدخّل ليحسم الأمر، فاندفع يهدّد الحمار؛ وهو يليّح بالسّوط في الهواء. إنّه يريد أن يعيد الهدوء إلى العربة،‏

لينطلق إلى المدينة، يعرض ألعابه البهلوانية ويكسب المال...‏

تزحزح غندور قليلاً. صرّت عجلات العربة وهي تدرج ببطء على الطريق، لكنّه فطن إلى شيء.. إنّه جائع، والحيوانات كلّها جائعة مثله، وستشاركه في الاحتجاج هذه المرّة، نهق غندور ثانية:‏

- هيء هيء.. لن أمشي قبل أن آكل!!‏

وانتبهت الحيوانات إلى احتجاجه، نطّ القرد حتى صار فوق عمود العربة المنتصب، كان يصيح محتجاً: أنا جائع.. جـ.. ائع.. وبدون انتظار لسعه سوط أبي سرحان بخفّة وسرعة، فاستشاط غضباً وزاد صياحه وزعيقه..‏

صرخت أمّ سرحان:‏

- أخطأت يازوجي، ما كان عليك أن تضربه، ألم أقل لك منذ قليل، إنّ الجميع جائعون، لن يصبروا مثلنا!!‏

صار شدهان إلى شجرة قريبة، تعلّق بها وهو يعول حزيناً، أهذا جزاء مهارته في عرض الألعاب على الناس كلّ يوم؟!‏

هل هذه مكافأته على تعبه لتكون الألعاب مسلّية مثيرة؟! يرضى عنها الناس في كلّ مكان.. لولاه لفشل أبو سرحان في حياته، وما نفع الكلب نمرود؟! والقطة عبلة، والديك يقظان، إن لم يكن معهم!! أسرع القرد يبتعد غاضباً حانقاً.. صاحت العجوز:‏

- شدهان . ياعزيزي، عُدْ إليّ، لاتغضبْ. أما اشتقت إلى حضني، لاتجعل الغضب يستولي عليك بسرعة..‏

لكنّ شدهان رفض أن يسمع كلمة واحدة، انطلق يقفز من شجرة إلى شجرة كأنّما أصابه الجنون.!.‏

قال أبو سرحان:‏

- فعلتها، أيها الحمار الغبيّ، أنت دائماً تثير الشّغب بين أفراد الأسرة ، تحرن على الطرقات، وتفسد بقية الحيوانات!!‏

........‏

العربة ما زالت واقفة.. ركّابها تفرّقوا..‏

عمّت الفوضى وسادت البلبلة.. الديك يتوسّل إلى صديقه شدهان، راجياً أن يعود، القطة تموء طالبة الهدوء، والكلب ينبح وأم سرحان تنقّ وتطمئنهم أنّ رغباتهم ستتحقّق!.‏

ركض أبو سرحان في أثر القرد. كان يناديه ويعتذر عن تصرّفه السّابق..‏



- شدهان، شدهان، أنت تعرف مقدار حبيّ لك ستأكل قبل الجميع، تمنّ ورغبتك مستجابة!..‏

كان القرد قد صار علىرأس شجرة عالية، أدار ظهره، وتظاهر بالحزن، بدأ يضحك بينه وبين نفسه، إنّ أبا سرحان يرجوني؛ إنّ أمّ سرحان تناديني بـ ياعزيزي ؛ إنّهم يشعرون بأهميتي، حقاً، أنا ذو مكانة رفيعة بينهم، لن أقبل بالذلّ بعد اليوم، لن أسمح للسوط أن يلسعني، سأقاوم الظلم، سأحتجّ وأثور، هذا حقّي، وحقّ رفاقي أيضاً، لقد غلطت مع الحمار غندور، إنه ليس أغبى الحيوانات على الإطلاق.. إنّه- هذا النهار- أذكاها وأروعها- هذا رأيي، سأجهر به دائماً!..‏

..........‏

..............‏

انقطع صوت أبي سرحان، ما باله لم يعد ينادي.... ساد صمت ثقيل، ومرّت لحظات بطيئة، صاحت أم سرحان:‏

- أين أنت يازوجي!..‏

لم يبد أيّ أثر للرجل!..‏

ياللغرابة!..‏

منذ قليل كان في هذا المكان، تحت هذه الشجرة، غير معقول.. لقد اختفى أبو سرحان ! كيف حصل ذلك؟! صفّق القرد شدهان معلناً وجوده فوق الشجرة العالية، لم يكن هذا له أهمية، فأبو سرحان وحده الذي يشغل بال الجميع.. ارتفع صياح أم سرحان:‏

- أين أنت يازوجي العزيز؟ ليس هذا وقت المزاح!.. بدا السكون يسود كلّ شيء...‏

تلفّتت العجوز حولها، الأشجار هادئة غير مبالية. الغابة صامتة صمتاً عجيباً، الكلب نمرود يبصبص بعينيه ويهزّ ذيله.. الديك يمطّ عنقه ولا يعرف ماذا يقول.. القطة تلوذ يجذع شجرة وتحدّق ببلاهة، الحمار في مكانه أخذته الدهشة.. أين أبو سرحان؟ كأنّما ابتلعته الأرض، أيّة غابة مسحورة هذه ، الغموض يلفّ الأشياء، ولولت أم سرحان:‏

- آه.. إييه.. يازوجي العزيز، ما نفع الحياة بعدك! تجمّعت الحيوانات حولها، حتى القرد تسلّل بخفّة وهبط واقفاً إلى جانبها، ماءت القطة:‏

- كلّ هذا بسببك ياشدهان !‏

- بل بسبب الحمار!‏

ردّ شدهان حزيناً،...‏

قال الديك:‏

- ليس هذا وقت توجيه الاتّهامات، فكّروا ماذا نعمل، نحن في مأزق!!‏

نصب نمرود أذنيه : وهمس:‏

- سكوت.. أرجوكم.. الهدوء.. لاترفعوا أصواتكم بدا كرجل المباحث، أخذ يشمّ الأرض، ويدرس انحناءة الأعشاب، إنه يعرف كيف يقتفي الآثار، إنه وحده سيكشف الأسرار..‏

نظر الجميع إليه بتقدير واحترام، حتى القطة عبلة تمسّحت به، وربّتت بيدها تلاطفه، فنهرها وهو يرميها بعينيين ناريتين..‏

- ابتعدي، ليس هذا من شغلك. ابتعدي عن طريقي!.‏

هتفت أم سرحان بهدوء:‏

- هيّا يانمرود.. ابحث بدقّة عن معلّمك.. أيّة غابة ملعونة هذه؟!‏

++++*‏

وحده انطلق نمرود في مهمّته، لم يكن هناك صوت يُسمع؛ حتى الحمار بدأ يهرش رأسه بطرف العربة من دون صوت، وأمّ سرحان استندت إلى جذع شجرة، واضعة رأسها بين كفّيها، أهكذا ينتهي صخبهم!! إنّهم يشعرون بالأسف والحزن، ما أصعب أن يحلّ الشّجار والنّقار بين أفراد الأسرة الواحدة!...‏

........‏

...........‏

ونبح نمرود..‏



-هّوْ هَوْ.. هو هو.. هَوْ هَوْ..‏

كان نباحاً ظافراً. مستبشراً، ركضت أمّ سرحان ركضت الحيوانات وراءها، تحلّق الجميع حول حفرة عميقة مغطاة بالحشائش والأغصان، نظروا بدهشة، فغروا أفواههم، هذا هو أبو سرحان وسط الحفرة وقد أغمي عليه، صاحت أم سرحان:‏

- أبا سرحان.. يازوجي العزيز، هل أنت بخير.. لم يكن هناك من يجيب.!.‏

صاح الديك:‏

- كو كو كو.. ما العمل- أيّها الأصدقاء- لن نقف مكتوفي الأيدي!‏

ماءت القطة:‏

- نياو.. نياو..تحركوا..اعملوا شيئاً.!‏

قالت أم سرحان:‏

- إليّ بالحبل، من العربة، ياشدهان.. تحرّك، لاتقف مفتوح الفم هكذا..‏

واستعدّ الجميع..‏

وقفوا متكاتفين لإنقاذ معلّمهم، لقد تعلّموا أن يتعاونوا في الشدائد، فالاتحاد قوّة، ويد الله مع الجماعة..‏

..........‏

.................‏

مرّت لحظات بطيئة،...‏

استفاق أبو سرحان، فوجد نفسه بين أصدقائه. كانت أم سرحان تبتسم، والحمار غندور أيضاً، والقرد شدهان، والقطة عبلة، والكلب نمرود، والديك يقظان.. هتف غندور:‏

- عاد معلّمنا .. عاد معلّمنا!..‏

هتفت أم سرحان:‏

- بل عاد الحبّ .. والوئام إلى أسرتنا..‏

معذرة يا أصدقاء.. سنصيب طعامنا وننطلق من جديد، ونحن أكثر تماسكاً ومحبّة..‏

صفّق الأصدقاء..‏



واقتربت القطة عبلة من الكلب نمرود، هرّت بين يديه، ثم تمسّحت به، لم ينهرها هذه المرّة، لأنه كان يكشّر عن أسنانه و.. يبتسم..‏

ورده من القلب
18-10-2008, 12:13 AM
في دارنا ثعلب



تحت عريشة العنب .. فوق المصطبة الحجرية المشرفة على باحة الدار الكبيرة، كان جدّي يجلس كل مساء..‏

تعدّ جدّتي القهوة، وتهيئ المساند والوسائد، ثم تأمرنا بحزم قائلةً:‏

- العبوا هناك، قرب السّور. العبوا بهدوء! كنّا نقفز كالعفاريت، نعرض مهاراتنا في الجريِ والوثبِ والتسلّق من شجرة التوّت إلى بوابة الدار العريضة. إلى خمّ الدّجاج.. بعضنا يحمل على كتفه خشبة أو يمتطي قصبة طويلة كالحصان ، يمشي بخطوات العساكر:‏



- واحد.. اثنان، واحد.. اثنان..‏

أو يرتفع صهيل متقطّع:‏

- هي هي.. هي هي.. هي هي..‏

أمّي تبتسم، وجدّتي تبتسم، وربّما جدّي أيضاً يبتسم. كان يُسْعِدُه أن يرانا حوله، يحتضن أحفاده الصّغار، يزحف إليه محسن، وتركض نحوه فاطمة، ويتمسّح به هاني، وهو بهيبته ووقاره يربّت على أيديهم أو يداعب رؤوسهم..‏

عناقيد العريشة تتدلّى فوقنا كالمصابيح، حبّات العنب كبيرة لامعة، تشفّ عمّا فيها من عصير سائغ رقراق، تقول لنا أمّي:‏

- تعالوا، ذوقوا، ياأولاد، إنّه من فاكهة الجنّة!-‏

نلتقط الحبّات النّاضجة. نتلذّذ بالعنب الشهيّ، نرى في لونه الأحمر ما يثر النفس، ويحرّك الّلعاب، لقد أَحْبَبْنا هذه العريشة، أحبننا ظلالها الوارفة، وثمارها الّلذيذة. أحببنا أماسي الصيف في الدار الكبيرة.. جدّتي بثوبها الأزرق المنقّط بزهور بيض صغيرة، تروح وتجيء، تسقي شجيرات الورد، وشتلات الزنبق،...يتضوّع الياسمين، يعبق أَريجُه المُسْكِرُ، تعبق رائحة الفلّ والسوسن، والأقحوان، أسطح البيت تتألق بالضياء، حُمْرةُ الغروب في الأعالي، والحمام السابح في الفضاء يمدّ أجنحته البيضاء. يطير في دورانه المَرِح سعيداً، قبل أن يعود إلى أبراجه فوق السّطوح يهدل أمامنا، يقدّم تحية المساء ثم يغفو آمناً..‏

..........‏

....................‏

وجاء مساء، لم يكن كما ألفناه..‏

ارتفع صياح مزعج في باحة الدار، وعلا ضجيج وصخب.. أعلنت جدّتي وهي تضع كفّها على خدّها:‏

- يه.. يه.. يه.. الدّجاجة القرمزية اختفت!‏

ركضت أمي وهي تصيح:‏

- والأرنب.. الأرنب الصغير الأبيض لا أثر له!‏

قال أبي بهدوء:‏

- اسألوا جارتنا أم محمود!..‏

ومن وراء السّور، ظهر رأس أم محمود، بدت على وجهها آثار التّعب ، كانت دامعة العينين، وفي صوتها رَجْفة.. قالت:‏

- الدجاجة القرمزية، و.. الأرنب أيضاً.. لقد فقدت منذ يومين البطة الرمادية السمينة!!‏

قال أبي:‏

- معقول.. ماذا أسمع؟‏

صاح أبو حمدان، وهو يطلّ من البوّابة:‏

- أنت آخرُ مَنْ يعلمُ!..‏

ردّ عليه أبي:‏

- ما هذا الكلام، ياجارنا..؟!‏

أكمل أبو حمدان ساخراً:‏



- الثعلب يشنّ غاراته، وأنت لاتدري!..‏

نظر أبي إليه بقلق، وأبو حمدان يتابع حديثه:‏

- الحِمْلان عندي.تنقص اثنان رضيعان سُحبا..وها قد جاء دورك.. دجاجة ، ثمّ .. أرنب.. انتظر. هاه.. هاه.. وغداً منْ يدري، ربّما يصل إلى الصّغار!‏

أسرع أبي والغضب سيطر عليه.. حمل فاسه، ثم ركض باتجاه الدّغل القريب، ركضت وراءه أمّي وهي تحمل فأساً صغيرة أيضاً، ركض أخوتي.. لحق بهم أبو حمدان، ثمّ زوجته ، ثمّ أمّ محمود وزوجها.. وأبو خالد.. حتى جدّتي وصلت إلى أوّل الدّغل وهي تلهث.. وقفوا هناك، تشاوروا.. ارتفعت اصواتهم، مِنْ هُنا.. بل منْ هُنا.. كَثرُ صياحُهم، وقفت النساء إلى جانب أزواجهنّ، كلّ امرأة بجانب زوجها، تؤيدّه، ملأ الفضاء ضجيج وكلام كثير غير مفهوم.. تطاير السّبابُ.. تطايرت الشتائم.. من هنا.. ومن هناك.. اشتعل نقاش بين أبي وجارنا.. أبو حمدان يقول:‏

- قلت لك: الثلعب يمرّ من هذا المكان!‏

ردّ أبي:‏

- أنت مخطئ، منْ هنا يمرّ..‏

يجيب أبو حمدان:‏

- انظر.. هذه آثار أقدامه..‏

يسخر أبي:‏

- غلطان، هذه ليست آثار اقدام ثعلب!‏

- أنت أصغر منّي ولا تعرف شيئاً!‏

- بل أنت لا تعرف، وتريد أن..!!‏

وجذب أبي ثوب جارنا، وجذب أبو حمدان ثوب أبي، تشابكت الأيدي، وارتفع صياح النساء. وامتدت الفؤوس، لكنّ جدّتي صاحت بحزم:‏

- عيب.. ما هذا؟!‏

نظرت إلى أبي ، ثمّ إلى جارنا أبي حمدان، وقفتْ بينهما:‏

- تتعاركان بدون سبب!.. هل هذه طريقة تقضون فيها على الثعلب!.. واخجلتاه!!‏

انسحب أبي من المعركة، انسحب حمدان أيضاً، ساد الهدوء، وقد وقفا بعيدين، كديكين لم يكملا القتال.. كانا خَجِلَيْن.. وجدّتي بينهما حزينة..‏

..... وعند المصطبة. أمام جدّي الذي لم يغادر مجلسه، تعانقا، كان ابو حمدان هو الذي أسرع إلى أبي يضمّه إلى صدره.. قال جدّي بهدوء:‏

- يؤسفني ما حصل، كَثْرةُ الأقوال تبطل الأفعال، الثعلب ماكر، وأنتم تتشاجرون، ولم تفعلوا شيئاً حاسماً!..‏

وأمام الجميع. وضع جدّي بين يديّ أبي فخّاً..‏

نظر إلى عينيه مباشرة، وتمتم بِحَزْم:‏

- انصبه جانب السّور، قريباً من خمّ الدّجاج، ولا تنسَ السلسلة، فالثعلب ذكيّ، يعرف الطريق إلينا جيّداً!..‏

.......‏

..............‏

مرّت تلك الليلةُ، ولا حديثَ لنا إلاّ غارات الثّعلب النّاجحة، تذكّرنا بطّةَ أمّ محمود السمينة؛.. كيف سحبها الثلعب؟.. كم كانت وديعة طيّبة، تسوق صغارها. ثم تتهاوى فوق مياه البركة كالسّفينة!.. تذكّرنا الأرنب، أوكرة القطن المنفوشة، وهو يتدحرج في الباحة هنا وهناك ودجاجتنا القرمزية التي تطير فوق السّور.. أما كان بإمكان الديك المتعجرف أن ينقذها من مخالب الثعلب المهاجم؟! تذكّرنا الحِمْلان الصّغيرة التي ظَفر بها.. هل كانت تثغو وهي بين يديه، أم أنّ منظر الثعلب أخرسها؟ ليس هناك أمانٌ..‏

دجاجاتنا السّارحة تلتقط الحبَّ وهي خائفة، صارت كثيرة التلفّت والمراقبة.. الطيور والعصافير لاتبتعد عن أعشاشها، حتى الحَمامُ أوى إلى ابراجه دون أن يرفعَ هديلَه إلينا، أو يرقص في دورة المساء، حتى الأرانب اختفت وهي ترتجف.. فالثعلب يشنّ غاراته الليلية، ولا يترك خلفه إلاّ الريش.. حتى ألعابُنا توقّفتْ، وجدّتي نبّهتْ:‏

- ابتعدوا عن السّور. تلك أوامرُ الجدّ!!..‏

كنّا نلمحُ سلسلةً طويلة تمتدّ من شجرة التّوت، ثم تغوصُ قريباً من السّور.. لكن أحداً لم يقتربْ منها،. صار مجلسُنا، جميعاً، فوق المصطبة، في حَضْرة الجدّ، الذي يسعده وأن يرانا حوله.. أنا.. ومحسن، وهاني، وفاطمة.. وإخوتي بينَ يدَيْه.. وقد اتّكأ على وسادة فوقها صور فراشات وأزهار، والقمر لم يصعد، بعد، إلى قبّة السماء، والهدوء الشّامل يلفّ الدّار..‏

وعلى غير انتظار ، مزّقَ الصّمتَ صَرْخَةُ حيوانٍ حادّةٌ، تشبه نباح كلب ، كانت صرخة واحدة ، انطلقت منْ جانب السّور الحجريّ، أو تحت شجرة التّوت، رأينا جدّي ينهض بهمّة الشباب، وفي عينيه بريقُ النّصر، على الرغم من أنّ الصّرخة، هذه المرّة، امتدّت طويلة، لكنّها لم تكن نباحاً، بل عواءً متميّزاً بعث فينا القلق والخوفَ..‏

-عوو.. وو.. و.. عوو.. و.. و..‏

أعقبتها مباشرة قوقأة الدّجاجات، خائفة مرتعدة وركضنا وراء جدّي، الذي اندفع إلى مصدر العواء، وعصاه الغليظة في يده..‏

.......‏

كان هناك ثعلب .. كبير.. لم أرَ مثلَه في حياتي.. وقد أمسك الفخّ بأحد مخالبه.. بدا مقوّس الظّهر يحاول استخدامَ أرجله الثلاث الطليقةِ في تحرير الرّجل المقيّدة...‏

وأمام جدّي راح يقفز بجنون من جانب إلى آخر.. والفخّ مربوط بسلسلة طويلة، أحاطت بجذع شجرة التّوت..‏

ارتجفت الأوراق والأغصان.. ارتجفت الدجاجات في الخمّ.. ارتجفنا- نحن الأولاد- أمام قفزات الثعلب المجنونة.. كان يعضُّ الفخَّ بقسوة، وعيناه تلمعان بالغضب.. لكنّ جدّي وحده الذي لم يكن خائفاً..دفعَ عصاه الغليظة نحو رأس الثعلبِ مباشرةً، فتوقّفَ عن قفزه.. كان مستسلماً مخذولاً.. ولولا تلك السلسلة لكان قد فرَّ بالفخّ بعيداً..‏

جاء أبو حمدان.. جاء أبو خالد.. وجاءت أم محمود، والجيران جميعاً.. كانوا سعداء وهم يرون الثعلب الأسير الذي وقع في فخّ جدّي .. هادئاً‏

مهزوماً..‏

في عيونهم التمعتْ نظراتُ المودّةِ والحبِّ والعرفان، أحاطوا بجدّي، غمروه بمحبّتهم.. وجّهزّتْ أمي الشاي المعطّر بالنعناع، دارتِ الأكوابُ، وارتفع هديل الحمام ناعماً شجيّاً..‏

..........‏

قالتْ جدّتي:‏

- أرأيتم، يأولادي، الذي يعمل لايتكلّم..‏

نحن نكسّبُ ما نريدُ بهدوئنا وعزيمتنا.. لابالكلامِ والشّجار والثرثرة..‏

وكان جدّي ينقّل أنظاره بيننا، واحداً واحداً، ويبتسم..‏

..............‏

واليوم، إذا زرتم دارنا الكبيرة، ودخلتم مضافة جدّي الفسيحة.. الرحبة.. رائحة القهوة تستقبلكم. سوف تتعلّق أعينكم بالجدار الكلسيّ هناك، ستلمحون فوق الجدار سيفاً بغمده- هو سيف جدّي- وإلى جانبه فراء ثعلب كبير، تلك علامة فارقة تشتهر بها مضافة جدّي!...‏

ورده من القلب
18-10-2008, 12:27 AM
الطبل يقرع ثلاثين مرّة!



حكاية لجدّي لست أنساها:‏

كنّا حوله ذلك المساء من أيام الصيف، فوق المصطبة الحجرية، نحيط به، وهو في صدر المكان، والهدوء يشمل الدار، كنّا نصغي إليه، نحلّق بعيداً مع حكايته التي لاتُنسى..‏

ذلك التاجر الشاب منصور في دكاّنه، يطالعك في أول السوق ، بوجهه الوسيم، وابتسامته الهادئة، وعينيه الصافيتين، يعرض بضاعته أمامك..‏

- هذا قماش من الهند، وذاك من الشام، وهذا حرير طبيعي من الصّين..‏

التاجر الذكيّ رأسماله الصّدق والأمانة، والبضاعة الجيّدة، واسم" منصور" في السوق على كلّ لسان، حتى صار التّجار الكبار يحسدونه، فتجارته رائجة، وبضاعته من الأقمشة والحرير مشهورة والناس يتزاحمون على دكاّنه ، لأنه يرضى بالقليل من الربح.. كان منصور يردّد دائماً:‏

- كن متسامحاً في بيعك تكسب كثيراً من الأصحاب والزّبن..‏

وذات يوم، جاءه رجل غريب، وقف يقلّب نظره في الأقمشة، ويتلمّس الحرير، ثم بدأ ينتقي أجودها، قال الرجل الغريب:‏

- أنا تاجر مثلك، وقد أعجبتني بضاعتك، أريد شراء هذه الرّزم، ولكنْ، ليس معي ما يكفي ثمناً لها، إذا أتيتني إلى مدينتي أكرمك، وأدفع لك الثمن..‏

أجاب منصور باسماً:‏

- لابأس عليك، خذ ما تشاء، ليس من عادتي أن أرفض طلباً..‏

أخذ الغريب ما أراد، تخيّر أحسن الأقمشة، وانتقى أفضل الأثواب، وجمع منصور ذلك كلّه في رزم كبيرة، حملها معه حتى آخر السوق، ثم ودّعه قائلاً:‏

- رافقتك السلامة.‏

..................‏

مرّت أيام وشهور طويلة، أحبّ منصور أن يروّح نفسه من عناء العمل، فجهّز حاله للسفر وزيارة ذلك التاجر الغريب في مدينته البعيدة..‏

كان الطريق شاقاً، والسفر صعباً.. وقد وصل منصور المدينة قُبيل مغيب الشمس، فأسرع إلى السوق يسأل عن الرجل.. توقّف أمام متجر كبير، كان هناك عمال كثيرون وزُبن ومشترون، وفي صدر المتجر رأى الرجل الغريب نفسه، دخل منصور عليه، فأنكره الرجل، وحلف أنّه لم يره من قبل، ولم يشتر منه شيئاً، ولم يسافر إلى مكان طوال حياته. وحين أشار إلى عمّاله، أحاطوا بمنصور ثم طردوه خارج المتجر‍!.‏

حزن منصور كثيراً، وشعر بأنه كان مغفّلاً حين صدّق رجلاً غريباً، وأعطاه بضاعة كثيرة دون أن يقبض قرشاً واحداً، ولكنْ.. ماذا يفعل؟؟..‏

لجأ إلى نُزلٍ يقضي فيه ليلته، ولم يكد يستسلم إلى النوم ، حتى هبّ على دقّات طبل يدوّي في أرجاء المدينة:‏

-" بم.. بم.. بم.. بم

ورده من القلب
18-10-2008, 12:28 AM
بقرة جدّي



كانت" شمّوس" بقرة محبوبة، تعيش في بستاننا، تأكل العشب طوال الصّيف، وتأكل القشّ طوال الشتاء، ولاتقوم بأيّ عمل في الصّيف أو في الشتاء سوى أنّها تأكل.. و.. تأكل... وكان جدّي يحبّها، ويقول:‏

- شمّوس بقرة ممتازة، تعطينا كثيراً من الحليب الأبيض الدّسم!!‏

أمّا جدّتي فما أكثرما سمعتها تتباهى أمام الجيران وتقول:‏

- منذ دخلت" شمّوس" البستان والخير جاء معها!!‏

وكم من مرة رأيّتها تحدّثها:‏

- كُلي.. كَلي ياشمّوس، كلّما أكلت أكثر أعطيتنا مقداراً من الحليب أكبر!..‏

وحين سألت جدّتي:‏

- لماذا سمّيت بقرتنا بشمّوس!!‏

ضحكت وقالت:‏

- جدّك هو الذي أطلق عليها هذا الأسم.. انظر إلى طلعتها البهيّة، ألا تشبه شمساً صغيرة، تنوّر بستاننا، وتدخل الفرحة إلى قلوبنا، وهي تتهادى بين الأشجار؛ وتسرح آمنة لطيفة؟!‏

وشمّوس أحبّت حدّي، وأحبّت أيضاً جدتي، بل أحبّتْنا جميعاً.. لذلك كانت تأكل أكثر لتبعث السرور في نفوسنا..‏

وأمام البستان، كان هنك طريق ترابي، يقطعه الحصان " بدران"، يأتي بالعربة، كل صباح، ليأخذ الحليب والجبن إلى البلدة القريبة..‏

ذات مرة، أخبر " بدران" بقرتنا" شمّوس عن البلدة القريبة، على الرغم من أنّها لم تسأله.. قال:‏

- الشوارع مرصوفة بالحجر، والأرصفة نظيفة لامعة، وأسطح البيوت عالية، تطير فوقها العصافير واسراب السنونو.. أمّا الأطفال فهم يذهبون إلى المدارس، يحملون كتباً ودفاتر، ويركضون مسرورين صاخبين في الذهاب والإياب، والناس يركبون الدراجات، ويطلقون رنين أجراسها مبتهجين، ترن.. ترن.. ترن ..أمّا السيارات فلا أستطيع وصفها.. يكفي أنّها تنطلق مسرعة في كلّ الطرقات.. وسائقوها ماهرون!.‏

رغبت شمّوس أن ترى الأشياء التي تكلّم عنها بدران،.. كانت ضجرة من البستان ، ومن بيت جدّي، ومن المخزن الكبير، والطاحونة التي لاتعمل.. و.. و..‏

خلف البستان كان هناك نهرصغير، في الصّيف، جاء رجل في قارب ليأخذ الجبنة من جدّي إلى السّوق..‏

نظرت شمّوس إلى القارب فأحبّته..‏

ظنّت أنّه سيكون حدثاً جميلاً أن تركب في قارب، وتذهب إلى السّوق.. كانت في شوق إلى أن تفعل شيئاً ما.. في شوق إلى أن تقوم بأيّ شيء حتى تتخلّص من الضّجر.. لابدّ أن تذهب لترى أيّ شيء بدلاً من أن تأكل فقط.. بدران يعرف أشياء كثيرة، لأنّه يذهب إلى البلدة هناك، يخرج من البستان، ويسير على الطريق، ويلتقي بالناس وهي هنا لاتقوم بأيّ عمل سوى أن تأكل ..وتأكل.. ولهذا فقد أصبحت شمّوس بدينة، كلّ يوم تزداد بدانة، حتى إنّها تتحرك بصعوبة..‏

سارت مسافة بعيدة على الطريق المحاذي للبستان.. لم تنظر إلى اليمين، ولم تنظر إلى اليسار كانت تنظر فقط إلى العشب الذي صار مذاقه حلواً ولذيذاً، والفصل ربيع، وهي تعلم أنّه توجد أزهار كثيرة تستحقّ أن تؤكل.. وفجأة.. قبل أن تدرك ما حدث، سقطت في النهر.. لم يكن عميقاً، لكنّها لم تستطع أن تخرج لأنّها بدينة جداَ،...‏

وقفت في الماء، وشرعت تأكل العشب على الضفّة..وجدّي لم يعرف أن شمّوس في النهر..‏

كان مشغولاً في صنع الجبن لبيعه في السّوق..‏

أكلت شمّوس كثيراً من العشب، وشعرت بعدئذ بالنّعاس، لكنّها لاتستطيع أن تنام في الماء.. حدّثت نفسها:‏

- لو أقدر على العودة إلى البستان.. أخشى أن يغضب الجدّ، أو أن تنتبه الجدّة لغيابي!..‏

صارت تمشي وهي تأكل العشب، صادفت في طريقها قارباً قديماً، دفعته أمامها، ثمّ تسلّقته واندفع القارب بعيداً عن الضفّة، وسارت شمّوس على طول النّهر فوق القارب الطّافي..‏

مرّت شمّوس بالبستان.. وبمخزن الغلال..مرّت بدار جدّي، وشجرة التّوت، والطاحونة، مرّت بأزهار البابونج، والأقحوان، والزّنبق الأصفر والأحمر الذي زرعته جدّتي.. مرّت بشقائق النّعمان التي تمايلت نحوها بدهشة، وبأزهار كثيرة ومتنوّعة لاتعرف اسمها..‏

استمرّت المشاهد تمرّ أمام عينيها والنّعاس فارقهاالآن.. وأصبحت منتبهة لما حولها من مناظر على طول ضفّتي النّهر..‏

مرّت شمّوس بصف طويل من البيوت ، ثمّ مرّت ببعض الأطفال وهم يلعبون فوق دراجاتهم..‏

صاح الأولاد:‏

- انظروا .. بقرة تمرّ في النّهر‍‍!!‏

ولم يلبثوا قليلاً، حتى ركضوا وراءها على الطريق المحاذي للنّهر..‏

سمعت شمّوس رنين أجراس الدراجات، أصغت إلى صفير متقطّع.. وصياح وصخب .. كانت سعيدة، فقد صارت موضع اهتمام الأطفال.. رأت الأمّهات في البيوت وهنّ ينظّفن النوافذ، ودرجات الأبواب، لوّحن بمناديلهن الملوّنة لها، وضحكت .. رأت حشداً من الناس، بعضهم يركض، وبعضهم يمشي على طول النهر، يلحق بالقارب الذي تركبه..‏

شعرت شمّوس بالفرح، لأنّ النّاس يهتمّون بها، أسرع واحد منهم، ورفع بين يديه علبة سوداء صغيرة، والتمع ضوء أمام عينيها. ارتفع صوت:‏

- ستكون صورة طريفة في الجريدة المحلّية!..‏

أخذت شمّوس تخور بسعادة.. هم.. هـ.. هـ.. م.. ها.. ها.. آ.. آ..‏

وحين توقّف القارب.. تقدّم اثنان من الأولاد وسحباها إلى الضفّة بحبل .. لكنّ شمّوس خلّصت نفسها من الحبل، وركضت على طول الشارع، وجدت صعوبة في أن تركض وسط الطريق المرصوفة بالحجارة، لكنّها كانت مسرورة وهي في البلدة..‏

تابعت شمّوس ركضها في الشوارع،‏

الأولاد وبعض الرجال يلحقون بها.. وهي تنظر إلى نوافذ البيوت وشرفاتها، وتقفز في الساحات.. لم تهتّم بإشارات المرور، ولا بصفارة الشرطي، ولا بأبواق السيارات الصغيرة والكبيرة، صارت تشمّ الدّراجات الملوّنة، بل تستوقف بعض السيارات وتتأمّل الركّاب والسائقين، وقبل أن تشعر بالتّعب، وصلت إلى ساحة كبيرة فيها حشود من الناس، وأكوام من الخضار والفواكه.. و الجبن والبيض!!‏

هذا هو السوق كما أخبرها بدران، لكنّ أجمل ما وقع عليه نظرها، الفتيات الصّغيرات يركضن وراء أمهاتهنّ وقد تطاير شعرهنّ الجميل المزيّن بالشرائط الحمراء والخضراء والبيضاءوالزرقاء والصفراء..‏

كان جدّي آنئذ موجوداً في السوق..‏

وعندما شاهد بقرته صاح:‏

- شمّوس.. ما الذي جاء بك إلى السوق؟؟..‏

كنت أظنّ أنّك في البستان تأكلين العشب!!‏

أطرقت شمّوس رأسها خجلة ولم تعرف ماذا تقول.. فهي تحبّ جدّي ولا تريد أن يغضب.. يبدو أنّها ارتكبت ذنباً!. فقد أسرع جدّي إلى العربة التي يجرّها الحصان بدران، ودفع البقرة وأدخلها، ثم عاد فوراً إلى البستان- دون أن يكلّمها أو يناديها كعادته..‏

++++*‏

بعد ذلك، كان جدّي يلقي نظرة على البستان وهو في مخزنه- بين الحين والحين، ليتأكد أنّ شمّوس في مأمن.. وكانت جدّتي لاتغفل عنها طيلة اليوم.. لكنّ شمّوس التي صارت تحت المراقبة، لم تهتّم بذلك، كان في رأسها أشياء كثيرة تفكّر فيها؛ وهي تمضغ العشب اللذيذ.. هل هناك أجمل منها إذا ما ازدان رأسها بتلك الشرائط الملوّنة؟ وكم سيكون مصوّر الجريدة محظوظاً إذا التقط لها صورة ثانية، ربّما ينال جائزة أحسن صورة لهذا العام..‏

من يدري..؟!...‏

ورده من القلب
18-10-2008, 12:30 AM
أين أُمّي؟



سألت" رزان" خروفها الأبيض:‏

- لماذا لم ينبت قرناك، أيّها الخروف الصغير؟‏

صاح الخروف :‏

- ماع.. ماع..‏

ولم يجب ؛ لأنه كما تعرفون لايستطيع الكلام.‏

سألت" رزان" شجيرة الياسمين:‏

- كيف أستطيع الوصول إلى أزهارك البيضاء؟‏

لكنّ شجيرة الياسمين لم تردّ أيضاً، اكتفت بنشر عطرها الناعم، ونثرت أزهارها الصغيرة كالنّجوم.‏

سألت " رزان" دميتها الشقراء:‏

- لماذا تأخّرت ماما؟‏

هزّت الدمية رأسها، واحمرّ خدّاها ولم تردّ أيضاً، لأنّ الدّمى لاتعرف الإجابة عن أسئلتنا..‏

بكت " رزان" هيء.. هيء.. هه.. هه.. هه لكنّ أحداً لم يسمع بكاءها، فهي وحيدة في الغرفة، على الأريكة جالسة، والنافذة العالية فوقها..‏

أسندت رأسها إلى طرف الأريكة..و.. سكتت.. كانت تحدّق إلى ثوبها ، على ثنيّاته أزهار صغيرة، وفراشات ملوّنة، وخطوط مرحة زرقاء وحمراء.. طال تحديقها..والفراشات تتطاير أمام عينيها صعوداً وهبوطاً بين الخطوط والأزهار..‏

قالت هامسة:‏

- ليت لي جناحَيْ فراشة لأطير وأبحث عن ماما.. أين ذهبت ماما؟‏

طارت" رزان"..‏

صارت فوق النافذة العالية..‏

طارت.. طارت.. صارت فوق شُجيرة الياسمين.‏

طارت.. صارت فوق السطح .. حسبت أنّها ستفزع العصافير والحمائم. غير أنّ العصافير زقزقت على كتفيها قائلةً:‏

- أهلاً بك يا" رزان"‏

ثمّ رقصت حمامة صغيرة بين يديها وأخذت تهدل بصوت رخيم..‏

- كو كو.. كوكو.. كوكو..‏

طارت أكثر ، صارت فوق الشارع العريض، والسّاحة الفسيحة، فوق إشارات المرور، رأت الشرطي هناك بقبّعته الناصعة وكميّه الأبيضين، ينظّم عبور السيّارات والنّاس، ألاحت له بكفّيها.. طارت.. صارت فوق السوق المزدحمة والأبنية الكبيرة، رأت العمّال يدفعون العربات؛ والعرق يتصبّبُ من جباههم، رأت الموظفين في المكاتب، والموظّفات ينقرن على الآلات الكاتبة أو على أزرار الكمبيوتر.. تك.. تك تاك.. تك.. تاك.. تاك.. تك..‏

ابتسمت وهي تراهم يليحون لها بأيديهم وراء النوافذ اللامعة..‏

طارت، صارت فوق البساتين الخضراء، رأت المزارعين يعملون بهمّة ونشاط حتى أنّهم لم يرفعوا رؤوسهم أو يردّوا على تلويحة كفّيها..‏

طارت.. صارت فوق الحديقة القريبة من النهر، رأت طفلاً صغيراً في مثل عمرها، عرفته من خصلة شعره الأشقر على جبينه، إنه " أسعد" الولد المشاكس دائماً في روضة الأطفال، كان يمدّ لسانه الأحمر، ويشدّ أذنيه.. دَوْ.. دَدْ. دَدْ.. دَوْ.. دَدْ.. أصابعه ملوّثة بالحبر، ونصف أزرار صدريّته مقطوعة، صاح " أسعد" وهو يجري..‏

- انظروا.. " رزان" تطير‍"!" رزان" تطير!. ثوبها الملوّن بأزهاره وفراشاته وخطوطه الزرقاء والحمراء يبدو كالمنطاد، وهي ترتفع بعيداً في سماء زرقاء، ركضت معها قطعٌ من غيوم بيض ، ركضت كالخراف إلى جانبها.. ارتفع صياح " أسعد".‏

- خذيني معك..‏

- لا.. لن آخذك، أنت ولد مشاكس‏

- أرجوك.. خذيني.. سأكون عاقلاً!‏

- ثيابك ملطّخة بالحبر.. هذا لايليق أن تذهب.‏

ارتفع صياح الأولاد أكثر.. كانوا يردّدون مع " أسعد":‏

- رزان.. رزان..‏

و.. هوب.. هوب.. هب.. سقطت من فوق الأريكة. سقطت على البساط المزركش.‏

كانت ماما أمامها.. قربّت وجهها اللطيف، وقالت:‏

- ألم أقل لك.. لاتنامي على طرف الأريكة؟‏

فتحت " رزان" عينيها وهمست:‏

- كنت أبحث عنك، ياماما!..‏

ورده من القلب
18-10-2008, 12:32 AM
من يسأل يتعلّم!



دائاً أحبّ أن أسأل؛ أحبّ أن أعرف وأن أستفهم عن كلّ شيءٍ تقع عيني عليه..‏

أميّ تقول:‏

- أنت كثير الفضول، أسئلتك لاتنتهي!.‏

جدّتي تقول أيضاً وهي تصحّح لها:‏

- لاتقولي: إنّه فضولي، قولي: إنه يريد أن يتعلّم، ومن لايسأل لايتعلّم!‏

ذلك الصباح ، كنت ذاهباً إلى دار جدّي، إنّها في الطرف البعيد من المدينة..‏

الحافلة التي ركبتها كانت مزدحمة، وهناك رجل يشاركني في المقعد، كان يلاصقني تماماً، وعلى الرغم من أنّ التدخين ممنوع في الحافلة؛ لكنّه كان يدخّن!!‏

لفافة طويلة من التّبغ في فمه، ينفث منها دخاناً كريهاً ومزعجاً، وضعت كفّي على أنفي، وأدرت وجهي تفادياً لرائحتها المنفّرة.. والرجل مستمرّ في نفث الدّخان غير مبالٍ بشيءٍ.‏

شعرت بالغيظ، تململت في جلستي ، تمنّيت أن يصعد مفتّش الحافلات في تلك اللحظة، وان يعاقبه بغرامة مالية، كانت هناك ورقة في صدر حافلة الركاّب تنبّه إلى ذلك ، غير أنّ الرجل لم يكن يلتفت إليها، فقط كان ينفث دخان لفافته مثل قاطرة قديمة في محطّة!‏

لقد اسرعت بالنزول قبل أن أصل موقفي الذي يوصلني إلى دار جدّي، كنت أريد أن أتخلّص من هذا الرجل المدخّن، ومن هذه الحافلة المزعجة المزدحمة، أريد أن أستنشق هواءً نظيفاً لايعكّره شيء!..‏

وفي دار جدّي، أحسست بالسعادة، طالعتني نسيمات ناعمة، هبّت لطيفة هادئة، صافحتْ وجهي وأنا تحت عريشة العنب الممتدّة من البوابة حتى المصطبة الحجريّة..‏

قلت لجدّي مستفهماً:‏

- ما حكاية هذه اللفافة التي يتعلّق بها بعض الناس يا جدّي؟!‏

ابتسم بهدوء، ثم ربّت على كتفي قائلاً:‏

- هذه الّلفافة لها حكاية طريفة.. بدأت في إحدى المدن الصّغيرة، مدينة جميلة، هادئة، تقع في وسط سهول وجبال وغابات، هواؤها منعش ، وجوّها لطيف، أهلها يعملون بهمّة ونشاط، وجوههم مورّدة تنطق بالصحّة والعافية، ,اجسامهم قوية. ينهضون مع خيوط الفجر الأولى ، ينطلقون إلى حقولهم العامرة، وأعمالهم المزدهرة..‏

جاءهم ذات يوم تاجر غريب.. يبدو أنّه انتهز فرصة ازدحام النّاس في السّوق، كان يحمل كيساً من التّبغ.‏

وفي ساحة السّوق، صنع لنفسه لفافة تبغ غليظة، ثمّ أشعلها، وبدأ يدخّن أمام دهشة الناس، كان ينادي:‏

- تعالوا، هذا تبغ، له مذاقٌ لذيذٌ، تعالوا..‏

دخّنوا، وستدخل الفرحة إلى قلوبكم، انظروا، إنّني أصنع سُحُباً صغيرة تتوّج رأسي.. هل تستطيعون أن تفعلوا ذلك مثلي!..‏

لم يكن أحد من أهل المدينة الصغيرة. يعرف هذا التبغ!.. لم يكن هناك مَنْ رأى هذه النبتة الغريبة!!.‏

اقترب بعض الشبّان ، تناولوا اللفافة المشتعلة، قلّدوا الرجل التاجر، غير أنّهم كانوا ينفثون دخاناًو.. يسعلون.. أح.. أح.. أح.. يضعون أكفهم على صدورهم وهم يسعلون أح.. أح.. أح.. ثم ينصرفون متذمّرين.. ساخطين، وهم يقولون:‏

- لم يبق إلاّ أن ندفع نقوداً حتى نختنق بها!!..‏

...................‏

بُحّ صوتُ التاجر وهوينادي:‏

-سأبيع هذا التبغ بالثمن الذي اشتريته به، لن أربح شيئاً.. تعالوا.. دخّنوا، تعالوا.. دخّنوا!‏

ولم يأتِ مشترٍ واحد؛ والكيس في مكانه، لم ينقص شيئاً!.‏

لكنّ التاجر لم ييأس .. فقد أخذ يصرخ هذه المرّة، وهو يحلف بأغلظ الأيمان:‏

- منْ يدخّنُ منْ تبغي لايعضّه كلب!.‏

من يدخّن منْ تبغي لايسرق بيته سارق..‏

من يدخّن مِنْ تبغي لايشيخ أبداً..‏

أنا أقسم على ذلك.. أقسم.. أقسم!!‏

وحين سمع الناس ما سمعوا، ورأوا أنّ التّاجر يمعن في امتداح بضاعته، أقبلوا عليه يشترون، ويشترون حتى فرغ الكيس، وانصرف التاجر ظافراً!..‏

.........‏

مرّت سنة كاملة، ورجال المدينة الجميلة قد تغيّروا.. بُحّت أصواتهم ، وشحبت وجوههم، فترت هّمتهم، وقلّ نشاطهم ، كانوا يسعلون إذا مشوا، ويسعلون إذا وقفوا، يلهثون في الطرقات، هه.. هه.. آه.. هه.. لقد تغيّروا كثيراً!!‏

وأبصر واحد من أهل المدينة ، ذلك التاجر في السّوق، فأمسك به يجرّه من ثوبه، كان يريد أن يفضحه لأنّه خدع الناس، وحلف أيماناً كاذبة.. قال له:‏

- أيّها التاجر الظالم، أيّ أذى ألحقته بنا!!‏

انظر حولك؟!.. ثم كيف تقسم وأنت تكذب!!‏

قال التاجر بخبث:‏

- لم يكن قسمي كذباً .. أتعرف لماذا لايعضّ الكلب مدخّناً لأنّه سيكون متوكئاً على عصا. والكلب يخاف من العصا وحامل العصا... ولماذا لايسرق داره سارق لأنّ سعال المدخّن لاينقطع طوال الليل، فيظنّ أنه مستيقظ، أمّا لماذا لايشيخ، فالمدخّن لن يعيش حتى الشيخوخة!!‏

.........‏

...............‏

وابتسم جدّي، حين وصل إلى ختام حكايته، ابتسمتُ مثله ابتسامةً واثقةً، وقلتُ بحزم:‏

-مَنْ لايدخّنُ يظلَّ قوي الجسم، لايعضّه كلبٌ، ولايجترئُ عليه سارقٌ ولا يشيخ!. بلْ يحيا عمره مبتهجاً سعيداً..‏

شدّ على يدي ، وقال:‏

- ومَنْ يسألْ يستفدْ ويتعلّم!..‏

ورده من القلب
18-10-2008, 12:39 AM
دار المدار



هذه حارتنا الصغيرة، هذه حارة النحّاسين، وهذا أنا أقف عند التلّة هناك، أنتظر رفاقي وأصدقائي، أدلك كفيّ وأنتظر، فالُّلعبةُ لابدّ أن تبدأ، وها هوذا حسام وأحمد وسمير وبشار قد جاؤوا، إنهم يركضون نحوي، تتشابك أيادينا، تتعانق أصابعنا المنمنمة، تطفح وجوهنا المدوّرة بالمحبّة، تتألّق عيوننا، وتنطلق أصواتنا، وها نحن نمارس لعبتنا المفضّلة نندفع إلى الّلعب ونحن لانعرف التعب، ولعبتنا المفضّلة العجيبة سميناها" دار المدار"، وهي ليست عجيبة فقط، بل خطرة أيضاً، لأنها لاتخلو من متعة، وهي أيضاً لاتخلو من قسوة وخشونة وعنف!..‏

كلّ طفل يضع حزامه الجلديّ في وسط الساحة التي نلعب فيها ، ومَنْ يقع عليه الدّورُ يمسك بطرف حبلٍ مثبّت في الأرض بوتدٍ، ويدور ضمن دائرة ضيّقة، يحمي أحزمته الجلديّة، والأطفال ينهشون أطراف الدائرة، كلّ واحد يريد أن يستردّ حزامه، وندور، ندور، الساحة كلّها تدور، التلّة نفسها تدور، ترتفع صيحاتنا ، وتشقّ اصواتنا عنان السماء، تظهر رشاقتنا في القفز والشقلبة تزداد سرعتنا ونحن نهتف:‏

- دارَ المدارُ.. دَارْ..‏

الحارة كلُّها، بأولادها وأطفالها عند التلّة يتحلّقون، واللعبة حامية، والمعركة بدأت ، ونحن نلهث وراء الفرح، تتواثب قلوبنا في صدورنا، وهتافُنا لايتوقّف:‏

- دَارْ.. دَارْ .. دَارْ..‏

و.. وقع الدّور عليّ، في إحدى المرّات، وجدت نفسي وسط الساحة ، تحت أعين الأطفال جميعاً في موقع المواجهة، وأنا أحمي الأحزمة، يدي الصغيرة ممسكة بالحبل، وعيناي تدوران في كلّ اتجاه، والأيدي ايدي رفاقي بدأت تنوشني من كلّ طرف، والّلعبة بدأت ، وعليّ أن أثبتَ وأُظْهِرَ مَقْدرتَي في هذه الّلُعْبةِ الخَطِرةِ...‏

المعركةُ دارت، والحارة كلّها عرفت أنني في منطقة الخطر، قلبي يكاد يقفز في صدري، كيف أدفع هذه الأيدي؟ كيف أصمد أمام هجمات الأطفال من حولي؟ كيف يمكنني أن أردّها عن انتزاع الأحزمة؟ يالها من لحظات صعبة!.. لكنّني كنت أدور وسط هتافات الأطفال، العالية، أدور.. وأدور، أحمي الأحزمة، وأصدّ الهجوم، لقد سقطت ، هذه المرّة، في الشبكة، سقطت مثل عصفور صغير، الدائرة بدأت تضيق من حولي ، ياإلهي!.. لقد خطف أحد الأطفال حزامه، إنه يلوّح به فوق رأسه، دخلتِ الّلعبةُ، الآن، مرحلةً صَعبةً.. أنّ الحزام سيطير باتجاهي، ولابدّ من أن أتلقّى لسعاته السريعة الخاطفة بقلب شجاع ونفس راضية، وأن أدافع عن بقية الأحزمة!..‏

يالها من لعبة عنيفة! كنت أصغر من أن أتحمّلها.. تصوّروا.. إنني طفل بطول عقلة الإصبع، يلعب لعبة" دارَ المدار"، ويقف ليستقبل الحزام الجلديّ يلسعه لسعاً لاهباً على ظهره أو كتفه أوساقه.. ربّما تطول اللعبة، ربّما تصير الأحزمة كلُّها في أيدي الأطفال، فماذا تكون النتيجة؟...أيّ " فلقة" ساخنة ستكون من نصيبي؟ ها أنذا أدور وعيناي زائغتان والصّخب يتعاظم من حولي ، والضجيج يملأ فضاء الساحة..‏

ومن راس الحارة، أطلّ وجه أمي..‏

كنت أراها هناك. عيناها تبحثان عن ولد صغير شقيّ، ولد بطول " عقلة الإصبع"، لم يكن هذا الولد سواي، لقد رأتني مباشرة، وشعرت عندئذ أنني أقوى من الجميع، شعرت بأنّ قوّة هائلة تدفعني إلى أن أصمد وأن أقاوم الهجمات العنيفة، وأن أزداد تصميماً على حماية الأحزمة، والدائرة ، والسّاحة والتلّة، بل الحارة كلّها!..‏

كنت أدور، هذه المرة، بسرعة أكبر، لم تعد لسعات أيّ حزام تهمّني، لم أكن أتألّم، قوّتي صارت خارقة، ,أنا أستهين بكلّ هجوم، وتقدّمت أمّي، اقتربت أكثر، وبدون انتظار، انفرط عقد الأطفال من حولي، تفرّقوا مبتعدين، وهم يرون أمّي قد وقفت في ساحة اللعب صامتة، كانت تنظر إليّ وحدي، كأنّما تؤنّبني بصمتها، تلومني على لعبي الأحمق!..‏

توقّفت الأيدي عن المناوشة، خفتت الأصوات ثم ساد هدوء، أشارت إليّ أن أقترب، اترك هذه الّلعبة السخيفة، وعد إلى البيت!..‏

تعثّرت في خطواتي، هذا أنا أنسحب من اللعبة، وهذه أمي أنقذتني في اللحظة المناسبة، هل كنت فرحاً أم ماذا؟!‏

لقد نجوتُ .. حلّت أمي المشكلة، ولن أصير أضحوكة!‏

ما الذي قاله الأطفال في الحارة بعدئذ؟ لست أدري، لأنني انصرفت عن كلّ الألعاب السّخيفةِ وشُغلت بدروسي، صارت الكتب والدفاتر والأقلام أصدقائي، ومن وجه أمّي ، من ابتسامتها الحنون ومن عينيها الحلوتين الهادئتين، استلهم نجاحي وتفوّقي، ومن صوتها الدافئ، ودعائها الصّامت، أتابع عملي، وأسير سعيداً مطمئنّاً.. سَلمتِ ياأمي.. .....‏

كل عام أنت بخير..‏

ورده من القلب
18-10-2008, 12:41 AM
الأرنب المغرور



كان في الصفّ الذي دخلته، هذه المرّة، تلاميذ مجتهدون، وبارعون في كلّ شيء، قال لي المشرف وهو يربّت على كتفي:‏

- ستكون هنا، وهذه أفضل شعبة في المدرسة!‏

صمّمتُ أن أكون متميّزاً في دراستي، عزمت على أن أحقّقَ نجاحاً باهراً؛ أفرح أهلي وأجعل أبي يقول أمام زملائه:‏

- انظروا ولدي، إنّه يتقدّم على زملائه في المدرسة!..‏

.........................‏

في البيت، كانت لي طاولة صغيرة، أضع فوقها كتبي ودفاتري، وقد اختارت لها أمّي موقعاً قريباً من النّافذة، وحين أجلس إليها ، أحسّ بسعادة لاتوصف، النافذة العريضة تطلّ على حديقة الجيران، والعصافير لاتغادر الشرفة، تنتقل من الإفريز الحجريّ إلى الشجيرات الخضراء، تختفي بين أغصانها وأوراقها، ثم لاتلبث أن تعود وقد ملأت الفضاء بزقزقتها، كنت أسلّي نفسي بمراقبتها، أشرد عن كتبي قليلاً ثمّ أعود إليها،.. أمّا أخي الصّغير فلم يكن همّه إلاّ الّلعب.. يدحرج كرته الملوّنة في الصّالة، ويركض وراءها من غرفة إلى غرفة، كنت أقول:‏

- هو صغيرٌ، لماذا لايأخذُ نصيبه من الّلعب؟ لقد نلتُ حظّاً وافراً، لعبتُ ما فيه الكفاية، وها أنذا أدرس، ولكنْ لا بأس من أخذِ استراحةٍ..‏

استراحة قصيرة من عناء الدّراسة!.‏

جذبتني الكرة الملوّنة، لم أستطعْ مقاومة إغرائها. أراها أمامي. بين يديّ أخي فأجري معه، نتبادل قذفها هنا وهناك، أدحرجها على حافة الشرفة، ثمّ ألتقطها ببراعة، وأخي يصفّق إعجاباً، وأنا أعيدُ دحرجتها . مرةً تلو المرّة، وبلهفة، أحتضنها بشوق، أنجذبُ إليها، وأردّد:‏

- استراحة قصيرة، استراحة قصيرة؛ ثم أعود إلى كتبي"!!"‏

وما بين شرودي أمام النّافذة، ومراقبتي لأسراب العصافير، وصخب السنونو، وكركرة ضحكات أخي الصّغير، والكرة المتدحرجة فوق حافة الشرفة الحجرّية؛ تنقضي الاستراحة ثمّ تتبعها استراحات!‏

.........‏

لاحظتْ أميّ ذلكَ.. نبّهتني وقالت مؤنّبةً:‏

- ما أكثر لعبكَ في البيت! أنت لاتدرسُ .. أنت تنسى نفسكَ.. تنسى أنّ هناكَ دروساً لابدَّ منْ قراءتها، ومعلوماتٍ لابدّ منْ حفظها، ومعَ ذلك تلعبُ، وتظلُّ تلعبُ!!‏

تظاهرتُ بأنّني أدرسُ، بعثرتُ كتبي فوقَ الطاولة،و.. شردتُ.. الوقتُ ما زالَ طويلاً، وسأعوّض كلّ شيء في الأيام المقبلة، أمامي الامتحانُ، وسأثبت للجميع مقدرتي وذكائي!‏

.........‏

على الرغم من أنّ أبي اشترى من أجلي ساعة ذاتَ منبّهٍ قويّ، يوقظني في السادسة صباحاً، وعلى الرغم من أنّ جدّتي تردّد دائماً:‏

- البركة في البكور..‏

وعلى الرغم من أنّ ديك الجيران ذا الحنجرة القوية يصيح كلّ صباح:‏

- كوكوكوكو.. كي كي كي .. كي‏

لكنّني لم أستيقظ باكراً،... النّوم لذيذ، ماأحلاه وما أجمل أن أستسلم إليه!.. أسكت صوت المنبّهِ مباشرةً، وأردّد مغتاظاً لدى سماعي صوت الدّيك:‏

-كان يجب أن يقطعوا رأسك!‏

وتنسلّ خيوطُ الشمس عبر النّافذة، تتراقص أشعتها مثلما تتراقصُ الكلمات فوق دفاتري وكتبي، ولكنّني لا أستيقظ باكراً..‏

وركضتِ الدقائقُ ، ركضتِ السّاعاتُ، ركضتِ الأيامُ وأنا ما زلت اقول:‏

- هناك فسحةٌ لأدرس، وأدرس وسأكون متفوّقاً.‏

بنيتُ قصوراً على الماء، وزملائي في المدرسة صاروا يتقدّمونني، والامتحان يقترب، يدقُّ الأبواب.. وأنا تسحرني الكرةُ الملوّنة، وزقزقة العصافير ، والنافذة العريضة ، واللعب والشّرود، وإحصاءُ عددِ بلاطات الغرفة، والركضُ وراء أخي الصّغير؛ أعرضُ عليه مهارتي في دحرجة الكرة على حافّة الشرفة والتقاطها قبل أن تسقط ..كنت ضعيف الإرادة في التّركيز، وراء طاولتي الصّغيرة، وشعرتُ أنّ أمّي أصابها المللُ من كثرةِ التنبيهِ والتأنيبِ.. شعرت أنّ كتبي نفسها وأوراقي وأقلامي تنظر إليّ باستغراب ونفور، فأنا لم أعد صديقها المفضل. وهي لم تعد تسليتي وهدفي"!!"‏

...........‏

في أول يوم من أيام الامتحان، سلّمتُ ورقةَ الإجابة، كانت أصابعي ترتجفُ، ووجهي قد أصابهُ الشحوبُ، لم أكن أعرفُ ماذا أكتب! فالأسئلةُ أصعبُ مما توقّعت.. ورأيت وجوه زملائي وأصدقائي باسمة، وهادئةً...‏

كانوا يخرجون من مقاعدهم وفي نظراتهم بريقُ الثّقة والطّموح، والأمل.. ولست أدري كيف تذكّرتُ تلك اللحظةَ حكاية الأرنب والسلحفاة، كان أستاذنا يحكيها لنا.. ما زلت أرى أمام عينيّ ذلك الأرنب المغرورَ وهو يستلقي تحت الشجرة، ساخراً من السلحفاة البطيئة التي تدبّ إلى نهاية السّباق، كان يريدُ أن ينامَ ويرتاحَ، لأنّه بقفزة واحدة يصلُ إلى الهدف فلماذا يتعبُ نفسه؟ وماذا كانت النتيجة؟..‏

السلحفاة الدؤوب التي لم تتوقّف لحظةً وصلت إلى خطّ النّهاية، وانتصرت.. أمّا الأرنب فلا يزال يغطّ في أحلامه...‏

ترى هل كنتُ أرنباً مغروراً؟...‏

ورده من القلب
18-10-2008, 12:43 AM
كفّا أمّي



في الصّباح.. نخرج من البيت ، أنا وأخوتي، إلى المدرسة، وعلى الرغم من أنّ المدرسة قريبة، لكنّنا نبكّر في الذّهاب إليها..‏

في الصباح .. نترك البيت، والفوضى تشمل كلّ شيء.. الطاولة في غرفة الجلوس غير مرتّبة، الكراسي ليست في مكانها، المساند مبعثرة هنا وهناك كتبنا، أقلامنا، تحت المنضدة، بين الكراسي، خلف المكتبة الصغيرة ، ومع ذلك، أمّي لاتثور..ولا تغضب!.نسمعها تقول هامسةً:‏

-لابأس، أولادي ما يزالون صغاراً، سيكبرون..نعم.. سيكبرون، وعندئذ يساعدونني، ويرتّبون البيت معي!..تسرع أمّي إلى غرفة جلوسنا، تعيد كلّ شيء إلى موضعه، الكتب المبعثرة تُرتِّب في المكتبة الصّغيرة، الطاولة تتوسّط الغرفة، وغطاؤها الورديّ النظيف يستريح فوقها بهدوء، المساند رجعت إلى أماكنها، الكراسي اصطفت من جديد، بعد أن تفرّقت في زوايا الغرفة، حتى أقلامنا المرتجفة استعادت فرحتها، وهي تجتمع بعد رحلة الفوضى اليومية!...‏

وفي رشاقة ومرح، رفعت المزهرية رأسها، وقد ازدانت بالأزهار البيضاء والحمراء والمنضدة هناك نظيفة، لا أثر للغبار فوقها، والزجاج يلمع، والغرفة كلّها غرقت في ضوء حالم!..‏

كلّ الأشياء رقصتْ من السعادة، فلمسات أمّي السحرية، أحالت الغرفة إلى جنّة مرتّبة، أنيقة، كلّ الأشياء كانت تهمس برقّة:‏

- شكراً.. شكراً لهاتين الكفّين الحانيتين!..‏

................‏

في الظهيرة..‏

نعود إلى البيت..‏

تقول أختي سلمى:‏

- أمّي، أسعد يسعل!‏

تهزّ أمي رأسها، تردّ خصلة شعرها عن جبينها تظهر لهفتها وهي تسرع.. تتناول شراباً وملعقة تهمس لأسعد:‏

- لابأس.. تعال..‏

تمدّ كفّاً حانية، تمسح رأسه، وتقول:‏

- تناولْ هذا.. خذ ملعقتين، فقط، وسيتوقّف السعال!..‏

يأتي أحمد..‏

- أمّي.. تلمّسي، جبيني!.‏

تقترب أمّي.. كفّها يتحسّس جبين أحمد..‏

- ياه..هناك حرارة!. سأضع لكَ كمّادات!..‏

لاتنزعجْ.. ستزول بسرعة!..‏

تبكي صفاء.. تشير إلى قدمها الصغيرة..‏

- هُنا.. هُنا!..‏

تنحني أمّي ، تسأل:‏

- أين.. أين!‏

تمسّد بأصابعها الناعمة قدم صفاء، تظلّ تمسّد وهي تبتسم.. حتى تجعلَ دموعها تختفي..‏

..........‏

بعد الظهر..‏

تفاجئنا أمّي بما صنعتْ كفّاها من أطايب الطّعام، تهتف بنا:‏

- هيّا.. ذوقوا، ياصغاري، ذوقوا!..‏

أمّي ماهرة،... ماهرة في كلِّ ما تقدّمُه لنا، ونحن نحبّ طعامها وحلواها..‏

........‏

عند المساء..‏

تهتزّ أصابع أختي وهي تمسك بالقلم.. إنّها تتعثّر في كتابة الوظائف، تجلس أمي قربها، تقول بلطف:‏

- ليس هكذا .. لاتضغطي على الورق. تتمزّق الصفحة إذا ضغطت عليها..‏

ثم تأخذ الكتاب، وتسأل:‏

- هل حفظتم هذا النشيد؟ منْ يسمعني أولاً؛ نتحلق حول أمّي.. نفتح دفاترنا، نعرض عليها ما كتبنا، نقلّب صفحات وصفحات، وأمّي تصغي إلينا ، تبتسم مرة ، وتعبس مرّة، وكفّاها يشيران هنا وهناك، كفّاها يوجّهان ويرشدان، وعيناها بالحبّ والحنان تفيضان.. وقبل أن ننام ، ننحني أمامها، نقبّل كفّيها الحانتين، قبل أن تنشغلا بعمل آخر، وننطلق إلى النوم هانئين سعداء..‏

ورده من القلب
18-10-2008, 12:45 AM
جدول الضّرب



انظروا.. هذا هو السوق الطويل، ونحن التلاميذ الصّغار نجتازه، منطلقين إلى مدرستنا، مدرسة" نور الدين الشهيد"، لانتوقّف أمام دكان، ولانتلهّى أمام بائع، كنّا نسرع في الوصول إلى مدرستنا التي نحبّها، لم يكن هنك مدرسة مثلها!..

باب عريض يفتح كلّ صباح لاستقبالنا، باب عالٍ كبير يتّسع لدخول عربة مع حصان يجرّها، ومع ذلك فهو باب لمدرستنا القديمة، والتلاميذ يدخلون بنظام، قبل أن يحين الدوام بنصف ساعة ليس هناك من يتأخّر.. ومنْ يجرؤُ على ذلك؟!

مَنْ يستطيع أن يتحدّى عصا الأستاذ" صفا"؟! وأيّة عصا كان يرفعها أمام التلاميذ؟ وهو يلوّح بها، والجرس يتابع رنينه باكراً ، جرس مدرستنا يُسمع في الساحة كلّها ، وربّما يصل صوته إلى السوق ، جرس قديم له إيقاع خاص:

- ترن ترن..رن..ترن ترن .. رن...

و" أبو الخير" الآذن، بطربوشه الأحمر، وقامته الطويلة، ونظّارته السميكة التي تكشف عن عينين طيبتين، تحملان مودّة للتلاميذ الصّغار، أبو الخير يحثّ الأطفال على الركض إلى الصفوف ، قبل أن تدركهم عصا الأستاذ " صفا" ، ذات العقد المرعبة، مازالت الأكفّ الصغيرة تتذكّر لسعاتها، ما زالت الأصابع تعرف طعمها وهي ترتجف، والأستاذ" صفا" صاحب جدول الضّرب لايتوقّف عن طرح أسئلته ، ولسعنا بعصاه لسعاً سريعاً خاطفاً، العصا تهوي على الأكفّ المحمرّة، لها صوت يختلف عن غيره من الأصوات، كأنّه صوت الريح الشديدة..

ف.. و.. و.. ف.. و.. و.. والتلميذ المقصّر في دروسه يصرخ:

- والله أحفظ..

- والله لن أنسى..

وجدول الضّرب يتراقص أمام عيوننا ، تتراقص الأرقام، تتراقص الحروف، تختلط مع بعضها، ونحن التلاميذ نشعر بالقلق والرهبة، ماذا يمكن أن نفعل؟ لقد صرنا في الصّف الثاني، وهذه الأعداد تركض ركضاً متواصلاً، ستة في خمسة، تسعة في سبعة، أربعة في ثمانية، خيول تتسابق في ميدان سباق محموم، والتلاميذ يلهثون وراءها لايستطيعون فهمها، لايعرفون من أين أتت هذه الارقام والأعداد الكثيرة المتداخلة، ما معنى خمسة في تسعة، وثمانية في أربعة، وما شأننا- نحن الصّغار- بهذه الأرقام والإشارات ؟ من الذي وضعها في طريقنا؟ من الذي قطع علينا أحلامنا وأخيلتنا.. أرقام وأرقام وأعداد لاندري من أين جاءت ، ولا كيف وصلت، وتمدّدت على الألواح الخشبية، وانتقلت إلى حقائبنا، بدأت تناكدنا، تمطّ رؤوسها وأنوفها ، ترقّص أمامنا أذيالها،تتسلق صفحات دفاترنا ، تنام معنا في فراشنا أو تقفز على وسائدنا، أرقام مضحكة مبكية، لاترتبط برسوم، ولاتتعلّق بألوان،...

في الصف الأول، الذي ودّعناه، كان الأستاذ " محمّد" يعلّمنا درس الحساب مع دروس الرياضة وحصص الموسيقى والأناشيد، فما بال الأستاذ " صفا" يلجأ إلى هذه الطريقة.. أسئلته كزخّ المطر، وعصاه لاتسامح مَنْ يخطىء في الجواب!..

في الصّف الأول كانت حناجرنا تُبحّ من المرح والضّحك والفكاهة والتمثيل في الدروس.. كنّا ننشد دروس الحساب كالبلابل..



أمّي وأبي

كانا اثنين


وأنا وأخي

جئنا اثنين


دخلتْ أختي

همستْ همسهْ


إنْ تجمعنا

ترنا خمسهْ



ثم نقفز من مقاعدنا، ونكتب العدد" خمسة"

نرسمه بالألوان، ونشكّله بالمعجون، نأتي بحبّات الفاصولياء، نبدأ بالعدّ ، نتسابق ، نملأ أكياساً قماشية بيضاً، هذا الكيس فيه عشرون حبّة من الفاصولياء. وهذا فيه عشر حبّات..



كفّي اليمنى

فيها خمسٌ


كفّي اليسرى

فيها خمسٌ


فاجمع هذي

واجمعْ هذي


تصبح عشراً

ياأستاذي



لكنّ الأستاذ " صفا" صاحب جدول الضرب يختلف، صوته يختلف ، حديثه يختلف، يلوّح لنا بالعصا فنحسب لها حساباً، صار جدول الضرب في أول السنة الدراسية شغلنا الشاغل، ولم ينقضِ شهران حتى حفظناه غيباً، كما نحفظ أسماءنا لم نكن نلجأ إلاّ لأصابعنا، أصابعنا التي التهبت من لسعات العصا، لا أحد يمكنه أن ينسى منظرنا نحن تلاميذ الصّف الثاني، بعد مرور شهرين من بدء الدراسة لا أحد يستطيع أن يكتم شهقته وهو يرى تلاميذ الصّف الثاني، وقد اصطفوا ثلاثة.. ثلاثة.. رتلاً رتلاً.. لقد حفظنا جدول الضّرب عن ظهر قلب، استظهرناه من اليمين إلى الشمال، ومن الشمال إلى اليمين، ومن فوق إلى تحت، ومن تحت إلى فوق، وفي كل الاتجاهات، والأستاذ " صفا" يحاول أن يربك هذا، أو يهزّ العصا المخيفة في وجه ذاك، ولكنّ التلاميذ الصّغار قهروا هذه المرّة العصا، قهروا الأرقام والأعداد، وحفظوا الجدول العتيد، وانتصروا على ستة في سبعة، وثمانية في تسعة، كانت أجوبتهم كالمطر أيضاً، سريعة متلاحقة،...

لقد صمّمنا- نحن الأطفال- أن نخرج من الامتحان مرفوعي الجبين، عزمنا على أن نقف ورؤوسنا عالية،... لم يكن أحدٌ أسعد منّا..

الفرحة حملتنا على جناحيها، طرنا معها ، طرنا من السعادة، كتبوا أسماءنا في لوحة الشرف المدرسية، أعطوا كلّ واحد استحساناً، الأساتذة كلّهم شملونا بمحبّتهم، حتى الأستاذ " صفا" .. لقد اكتسحنا جدول الضرب، اقتحمنا حصونه وقلاعه، عرفنا أسراره وخفاياه، لأننا محونا كلمة: صعب.. مستحيل ثم كان، في نهاية السنة، أن ودّعنا الاستاذ " صفا" وداعاً مؤثراً، كنّا شاكرين له طريقته المختلفة، وحديثه المختلف، وودّعنا عصاه بالقبلات، لأنّها لم تعد تخيفنا..ولم نعد نرتجف منها.. لم نعد صغاراً.. لقد نجحنا..

واليوم- ما زلنا- نتذكّر حكاياتنا مع أساتذتنا القدامى، وجدول الضرب..

ورده من القلب
18-10-2008, 12:53 AM
قوس قزح



هذا أنا، أيّها الأصدقاء، صرت في العاشرة من عمري، أحبّ مثلكم الشمس والأشجار والأزهار والعصافير المغرّدة.. أحبّ أمي وأبي وإخوتي . وأهلي وجيراني.. أحبّ مدرستي وأساتذتي.. أحمل حقيبتي الجلدية، وأنطلق باكراً إليها.. أصدقائي هناك ينتظرونني، وسنقضي أجمل الأوقات، أنا أعاملهم بلطف ومودّة، وهم كذلك، الأصدقاء يتعاملون دائماً بلطف ومحبّة ومودّة وتهذيب..‏

وفي يوم العطلة، ألعب معهم، نركض، نقفز.. نتبارى في الوثب والجري، والتقاط الكرة وهي تطير في الفضاء..‏

لكنني، اليوم ، حزين..‏

هل تعرفون لماذا؟‍‏

اليوم، هو يوم الجمعة، يوم العطلة الأسبوعية، وأنا لاأستطيع الّلعب مع أصدقائي، لأنّ الجو ماطر،... منذ الصّباح الباكر ، والسماء ملبّدة بالغيوم الداكنة والمطر ينهمر بغزارة ، ولن أتمكّن من الخروج إلى اللعب‏

وقفتُ خلف النافذة، في غرفة الجلوس بدأت أراقب هطول المطر.. كانت حبّاته الكبيرة تنقر زجاج النافذة ، بلطف أولاً.. تب.. تب.. تب.. تبتب، تبتب، تب.. تب.. ثمّ ازدادت.. ياه.. كأنها حبال تصل الأرض بالسماء، وازدادت أكثر حتى خلتُ أنّ سطولاً تندلق..وش..وش.. وش.. مطر غزير.. والأشجار بدأت تغتسل، والطرقات تستحمّ، لقد صارت نظيفة لامعة!..‏

ولم تمض ساعة أخرى ، حتى انقطع المطر..‏

وشاهدت مجموعة من الألوان الجميلة الشفّافة، كأنها الجسر المعلّق،... دُهشت، ولم أعرف ما الذي يتسلّقُ السّماءِ، وينتصب في وسطها.. سألت أمّي:‏

- ما هذا الذي يشبه الجسر.. جسر النّهر الحجريّ؟!‏

مسحتْ أمي بحنان فوق رأسي، وقالتْ:‏

- إنّه قوس قزح!‏

سألت ثانيةً:‏

- ومن بنى هذا القوس؟‏

ضحكت أمي. لقد أدهشها سؤالي، ضمتّني إليها، وبدأت تشرح، كيف يتشكّل قوس قزح:‏

- انظر. لقد طلعت الشمس، وتلك أشعتها تنعكس على قطرات المطر.. والضوء الأبيض يتحلّل إلى طَيْفهِ الّلوني،.. انظر ، هذه ألوان الطيف من الأعلى بدأت تتدرّج.. اللون الأحمر، والبرتقالي، والأصفر والأخضر، والأزرق، والنّيلي، والبنفسجي.. هتفتُ بفرح:‏

- سبعة ألوان جميلة، ياأمي ، سبعة ألوان!..‏

هزّت رأسها ، وهمستْ:‏

-ما أروع جمال الطبيعة.. ما أروع ما فيها من رقّةٍ وجمال!..‏

...........‏

......................‏

لقد أعجبني قوس قزح، أعجبني كثيراً حتى إنّني قصصت دائرةً من ورقٍ مقوّى' قسّمتها إلى سبعة قطاعات، هي ألوان الطّيف، لوّنتها بدقّة، ثم ألصقتها على بكرة خيوط فارغة لأجعلها تدور، بعد أن ثقبت بقلم الرصاص مركز المحور.. هاهي ذي تدور.. تندمج الألوان، وتدور.. ألوان الطيف الشفّافة تدور.. وحين تزيد سرعتها تبدو الدائرة ذات لون أبيض.. ما أجمل هذا!!..‏

كانت لعبة جديدة من ألعابي، سوف أفاجئ بها أصدقائي وأصحابي..‏

.....................‏

لقد حبسني المطر ذلك النهار..‏

لكنني استفدت كثيراً، فأنا قمت بعمل نافع.. وما زلت أفكّر بأن أكتشف شيئاً جديداً..ربّما- في المرة القادمة- أتسلّق قوس قزح.. وأعرف ما يدهش أكثر.. ربّما..‏

ورده من القلب
18-10-2008, 12:59 AM
كعكات جدّتي



العيدُ يدقّ الأبوابَ، ويهمس:‏

- هيّا، ياأطفال، أنا قادم، يومان فقط، وأحلّ ضيفاً عليكم..‏

نتهيّأ لقدومه، تتهيأ جدّتي أم الطّاهر، يتهّيأ جيراننا، تتهيّأ حارتنا لاستقباله كما يليق الاستقبال..‏

البيوت في الحارة، كلّ البيوت تستيقظ باكراً، والأطفال ينهضون مع خيوط الفجر الأولى، وأهل الحارة يهرعون إلى فرن النحّاسين، يصلّون الفجر في جامع الأشقر، ثم يقصدون الفرن، يأخذون دوراً عند" أبي صبحي".. والرجل يبلّ قلم ( الكوبيا ) بريقه ، ويسجل الأسماء بخطٍّ مرتعش وحروف متشابكة ؛ لايفكُّ ارتباطها ولايعرف تناثر نقاطها غيرُ أبي صبحي نفسه..‏

ورقة مدعوكة، مقطوعة من دفتر مدرسيّ مسطّر لكنّها- بالنسبة إلينا- ليست ورقة عادية، فهي مطرّزةٌ بالألقاب والأسماء والتوصيات:‏

- ابو أحمد.. فطائر بالجوز‏

أم عادل: هريسة بالفستق الحلبي..‏

أبو علي كرشة .. أقراص مرشوشة بالسمسم أم محمود الطبلة.. صينية صغيرة واحدة..‏

سعيد الفهمان.. صينية كبيرة..‏

زنّوبة...‏

أمّا جدّتي أم الطّاهر فاسمها لابدّ أن يكون في رأس الورقة!.‏

..........‏

قبقابي يوقظُ النائمين في الحارة، أقفز من الدار إلى الفرن، أقطع الدرجات الحجرية، أجتاز البوابة المعتمة، والزّقاق الصّغير، تتفرّق القطط، تركض بعيدة وقد أزعجها قرع القبقاب، أصير أمام الفرن ، رائحة الخبز الأسمر الطّازج تستقبلني، أرغفةٌ منفوخة كالأقمار المعلّقة على السطوح ، تذوب في الأفواه كما تذوب" غزّولة البنات"..‏

صوان نحاسية ذات أطرافٍ مدروزة تدخل الفرن أو تخرج منه، وأمام الباب، هناك، يزدحم رجال بحطّاتٍ وقنابيز يحجزون دوراً، نساء قادمات من أطراف الحارة، يجئن مبكّراتٍ ، على رؤوسهنّ أطباق القش الملوّنة، وقد عقدْن المناديل المزركشة وفي عيونهنّ الواسعة لهفة وانتظار.. ترى هل يسبْقن غيرهنّ، ويأخذْنَ أقراص العيد قُبَيل أذان الظّهر‏

................‏

جدّتي تمسح رأسي بكفّها الحانية، وتهمس لي:‏

- لايُفرحُ قلبي غيرك.. هيّا.. قمْ.. وخذْ دَوْراً عند أبي صبحي.. كعك العيد- في الصّواني- جاهز..‏

............‏

هذا أنا، أوّل من وصل..‏

ماأسعدني.. سبقت أولاد الحارة كلّهم، اسم جدّتي أم الطاهر في رأس الصفحة، وكعك جدّتي بحبّة البركة واليانسون يدخل الفرن،...‏

يتقاطر الأولاد ورائي، حسن وسالم وفادي وعبّودة، ومحمد وأيمن وبشير.. تتألّق عيونهم النّاعسة أمام نور الفرن، يتحلّب ريقهم وهم يَرَوْن الفطائر والهريسة الغارقة في السمن البلدي، والكعك المسمسم، والأقراص المنقوشة..‏

سهرت جدّتي الليل بطوله مع أمّي وعمّتي من أجل كعك العيد، وجدّي لايحبّ إلاّ كعكات جدّتي.‏

لايأكل حلوى إلا من صُنْع يديها.. وأبي كذلك، وأمي وعمّتي وأنا وإخوتي.. والأقارب، والجيران وأهل الحارة..‏

ما إن يقترب العيد حتى نتحلّق حول الجدّة ما أجمل السهر والسّمر والحكايات التي نسمعها..‏

ونمدّ أكفّاً صغيرةً منمنمة.. ولا ندري كيف تُرْبَطُ- بعدئذ- في أكياس قماشية، تشدّ جدّتي‏

وتقول:‏

- ضمّوا أصابعكم هكذا..‏

وتحذّر أمّي:‏

- ارفعوا أيديكم، بعيداً عن الأغطية والملاءات البيض!..‏

أرفع صوتي محتّجاً:‏

- ولكنْ.. أكبر كعكة من نصيبي!‏

تبتسم جدّتي وتهمس في أذني:‏

- أكبر كعكة يتقاسمها الجميع.. أنت ولد عاقل!‏

أهزّ رأسي مقتنعاً:‏

- نعم .. ياجدّتي.. الكعكة الكبيرة لي ولأخوتي..‏

.................‏

حكايات جدّتي تحملنا إلى عالم مسحور.. نسافر إلى بلاد مجهولة، نقطع غابة، نتسلّق جبلاً، نعبر نهراً أو بحراً، أو نهبط وادياً أو منحدراً..‏



الصّواني صارت جاهزة، والكعك الطّازج يخرج من الفرن،جدّتي تفرك كفّيها بلهفة:‏

- أنت.. منْ يفرحُ قلبي.. كم أحبّك!..‏

أقفز أمامها..‏

- أكبر كعكة من نصيبي!‏

تمسك جدّتي بكفيّ وتقول:‏

- انتظر.. ليس قبلَ أنْ..‏

وتساعدها أمي:‏

- هاتوا أكّفكم ياأولاد!..‏

وننام تلك الليلة، أكفَّنا مضمومةٌ، وأصابعُنا مأسورة في أكياس جدّتي القماشية، ننام بهدوء بعد أن يئسنا من إظهار مهاراتنا فوق الوسائد والمساند، لاقفز ولا شقلبةَ ولا دحرجة..‏

وفي الصباح، صباح العيد، نفتح أعيننا مبكّرين، وتحلّ جدّتي عقدة الأكياس، تحرّرُ أصابعنا، فإذا أكفّنا مخضّبةٌ بالحنّاء، تلك نقوش جدّتي النّاعمة السّحرية!..‏

نفرد أصابعنا أمام وجوهنا، تضيء شموس، وتركضُ نجوم، لقد تلطّخت راحاتنا الوردية برسوم مدهشة، وها نحن نتذوّق مع جدّتي كعكها الّلذيذ.. وأكبر كعكة نتقاسمها جميعاً..‏

............‏

تلك دارنا، فإذا اجتزتم الدرجاتِ الحجرية في أول حارة النحّاسين، وعبرتم البوابة_ هناك ذات القوس القديم، ستجدونني أمام الباب الخشبي، كفّاي ملطّختان بحنّاء جدّتي، وأنا أنتظركم، لتذوقوا كعك الجدّة، ولن تنسوا طعمه أبدأً..‏

ورده من القلب
18-10-2008, 01:00 AM
الأصدقاء



قال جدّي،وهو يضع يده على كتفي:‏

- قل ياصغيري، ماذا تتمنّى؟!..‏

انتظرت لحظةً، ثمّ التمعتْ عيناي بفرح ، كأنّما كنت أنتظر أن يسألني هذا السؤال.. قلت:‏

- اتمنّى يا جدّي أن أنال شهادة علمية عالية . وأن أسافر ، رفع جدي حاجبيه، وفتح عينيه، من دهشة، ثمّ أحاطني كعادته بذراعيه، واستفسر:‏

- تسافر.. أنت تتمنّى أن تسافر.. إلى أين؟!‏

قلت. وقد شعرت بالسعادة، لأنني أحظى باهتمام جدّي، ,أرغب في الإفصاح أمامه عن أحلامي:‏

- أحبّ أن اسافر إلى كلّ مكان.. أحب أن اسافر لأرى المدن والبلدان، واعرف الدنيا، وأطوف شرقاً وغرباً.. ما أجمل أن أمتطي حصاناً قويّاً، أو أركب سيارة! ما أجمل أن استقلّ قطاراً، أو أنتقل على متن طائرة! ما أجمل أن ابحر على ظهر سفينة، أو أنطلق في مركبة فضائية أتجوّل بين الكواكب والنجوم! أنا أحبّ السفر كثيراً، ياجدّي‏

.................‏

ابتسم جدّي، ثمّ قال بهدوء:‏

- حقاً. السفر مفيد، وفيه متعة، ولكنْ .. هل تعرف ما أفضل شيء تفعله إذا سافرت؟!‏

أجبت دون تردّد:‏

- أفضل شيء هو أن أحمل قناعاً خفيفاً وأنطلق، وأن أدوّن في مفكّرتي أسماء المدن التي أزورها، والأماكن التي أشاهدها!..‏

قال وهو ما يزال يبتسم:‏

- ذلك صحيح، ولكن هناك ما هو أفضل!..‏

وقفتُ متحيّراً.. ما هو الأفضل في رأي جدّي..‏

ولماّ طال انتظاره.. اقترب مني أكثر، وهمس بحنان ومحبّة:‏

- أفضل ما تفعله في سفرك هو أن تغرس شجرة في كلّ مكان تذهب إليه!..‏

- شجرة!..‏

ردّدت كلمة شجرة.. وأنا اشعر بالدهشة ..‏

ماذا يقول جدّي؟.. إنّه يريد ممازحتي كعادته..‏

هل من المعقول أن أسافر، وأن أحمل معي غراساً، أنقلها إلى كل مكان لأزرعها.. أليس ذلك غريباً!..‏

قلت بلطفٍ:‏

- ولكنْ.. ما تطلبه صعب ياجدّي، أنا لا استطيع أن اقوم بهذا العمل، ربّما أضيّع على نفسي متعة السفر، ربّما أنشغل عن مشاهدة البلدان، والطّواف هنا وهناك، أأنا غارس أشجار أم رحّالة، مسافر!!‏

أجاب- هذا المرة- بإصرار:‏

- ومع ذلك، ياصغيري، لابدّ أن تغرس شجرة في كل مكان تسافر إليه!!‏

ازدادت دهشتي، واتسعت حيرتي.. كنت أتخيّل أنني أسير؛ وعلى كتفي غراس من كل نوع غراس، كثيرة أنقلها بصعوبة. آه.. ما أتعب السفر وأنت تحمل هذه الأحمال، ما أشقّ التنقّل والتّجوال! ثمّ .. عليّ أن أجد لغراسي مكاناً، عليّ أن أبحث عن تربة تلائمها لأزرعها!... لا.. هذا مستحيل.. مستحيل.‏

وضع جدّي كفّه الحانية على رأسي، وهمس:‏

- أنت ذكيّ.. لم تعرف- بعد - ما قصدت إليه!.إنني أريد منك أن تتخذ- في كل مكان - تسافر إليه صديقاً، الصديق كالشجرة، ,اصدقائي كلّهم كالأشجار، أغصانها الأولاد، وثمارها الأحفاد، اتّخذ اصدقاء جدداً.. منهم الأشجار التي تغرسها في كل ناحية!..‏

عانقت جدّي. لقد تعلّمت شيئاً جديداً، أحنيت رأسي أمام كلماته العذبة.. كنت أردّد هامساً:‏

- سأفعل يا جدّي..‏

أتمنى أن تحقّق أمنياتي..‏

أن أنال شهادة علمية عالية،‏

وأن أسافر إلى كلّ مكان أحبّه،‏

وأن أغرس شجرة..‏

من أجلي ومن أجلك..‏

حتماً سيكون لدينا أشجار كثيرة..‏

كثيرة جدّاً..‏

ورده من القلب
18-10-2008, 01:04 AM
انكـــــيدو - تأليف: طلال حسن - مسرحية للفتيان


مسرحيه



الفصل الأول المشهد الأول:




ظلام، قرع طبول، يضاء جلجامش، لغط‏

صوت رجل : جلجامش‏

صوت امرأة : جلجامش! بنيتي، تعالي، جلجامش‏

صوت فتاة : جلجامش! يا ويلتي، فلنهرب، ونختبيء‏

صوت الشاعر : "ينشد" بنى أسوار اوروك، وحرم إي - أنا المقدس..‏

صوت الشاعر الأخر: لم يترك جلجامش إبناً طليقاً لأبيه‏

لم يترك جلجامش عذراء..‏

أصوات مختلطة : جلجامش.. جلجامش.. جلجامش‏

اظلام، تخفت الأصوات، طبول، يضاء الشاعر‏

الشاعر : "ينشد" جلجامش اوروك‏

صوت الأول : "هامساً" شاعر اوروك‏

صوت الثاني : بل كذاب أوروك‏

صوت الأول : "هامساً" الجميع في اوروك يصغون إليه، ويتغنون بشعره‏

صوت الثاني : مكرهين..‏

صوت الأول : "هامساً" صه‏

صوت الثاني : إنهم يعرفون من هو الشاعر الحقيقي لأورك‏

صوت الأول : دعنا نصغي‏

الشاعر : "ينشد" هو الذي رأى كل شيء، فغنِ بذكره يا بلادي وهو الذي عرف جميع الأشياء، وأفاد من عبرها وهو الحكيم العارف بكل شيء‏

صوت الثاني : "مهمهماً" هم م م م‏

صوت الأول : أعرف ما ستقوله، إصغِ‏

الشاعر : "ينشد" لقد أبصر الأسرار وكشف عن الخفايا المكتومة وجاء بأنباء ما قبل الطوفان.‏

لقد سلك طرقاً بعيدة متقلباً ما بين التعب والراحة فنقش في نصب من الحجر كل ما عاناه وخبره.‏

صوت الثاني : "مهمهماً" هم م م م‏

صوت الأول : "هامساً" صه‏

الشاعر : "ينشد" بنى أسوار اوروك المحصنة وحرم إي - أنّا المقدس والمعبد الطاهر‏

صوت الثاني : كذب‏

صوت الأول : "هامساً" لا ترفع صوتك‏

صوت الثاني : نحن من بناها‏

صوت الأول : "هامساً" أعرف‏

صوت الثاني : وتعرف كيف بنيناها‏

الشاعر : "ينشد" أُعلُ فوق أسوار اوروك‏

وامشِ عليها متأملاً‏

تفحص أسس قواعدها وآجر بنائها‏

أفليس بناؤها بالآجر المفخور؟‏

"يرفع صوته منتشياً" أُعلُ..‏

صوت الثاني : علونا الأسوار وستعلوها‏

صوت الأول : يا للألهة‏

صوت الثاني : علوناها عندما علونا بها آجرة بعد آجرة، وستعلوها ثانية، دفاعاً عن جلجامش، واوروك جلجامش‏

صوت الأول : لا ياصديقي، لا تقل هذا، مهما يكن، فأوروك أوروكنا‏

صوت الثاني : "بمرارة" نعم، أوروكنا، فنحن لا نملك فيها حتى زريبة، نعيش بين جدرانها‏

الشاعر : "ينشد" إبحث عن اللوح المحفوظ في صندوق الألواح النحاسي وافتح مغلاقه المصنوع من البرنز‏

واكشف عن فتحته السرية‏

تناول لوح حجر اللازورد وأجهر بتلاوته‏

وستجد كم عانى جلجامش من العناء والتعب‏

صوت الثاني : "ساخراً بمرارة" نعم، لقد عانى جلجامش، عانى كثيراً، أنظر‏

بضاء جلجامش، يدور‏

صائحاً، ملوحاً بسوطه‏

جلجامش : أسرعوا، دقّ طبل العمل، واستيقظت اوروك كلها، أسرعوا إلى العمل، هيا، ولتعلُ اوروك، لتعلُ أسوار اوروك، قصور اوروك، أمجاد اوروك، هيا، أسرعوا.‏

الشاعر : "ينشد" إنه البطل، سليل اوروك‏

إنه المقدم في الطليعة‏

وهو كذلك في الخلف ليحمي إخوته وأقرانه‏

إنه المظلة العظمى، حامي أتباعه من الرجال‏

صوت الثاني : صدقت أيها الكذاب‏

صوت الأول : "هامساً" إمسك لسانك‏

صوت الثاني : لقد صدق، جلجامش يحمي أتباعه، الذين يحمونه من شعب اوروك‏

صوت الأول : كفى.. كفى‏

صوت الثاني : آه شاعر شعب اوروك "يصيح" أين أنت؟‏

صوت الأول : شاعرك هذا، كما تعرف، يتعفن في السجن، إن لم يكن قد إنتهى‏

الشاعر : "ينشد" جلجامش المكتمل في الجلال‏

إنه هو الذي فتح مجازات الجبال‏

وحفر الآبار في مجازات الجبال‏

وعبر البحر المحيط إلى حيث مطلع الشمس‏

من ذا الذي يضارعه في الملوكية؟‏

من غير جلجامش من يستطيع أن يقول، أنا الملك؟‏

صوت الثاني : الملك، جلجامش، آه شاعر اوروك، حتى لو إنتهيت، ومضيت إلى العالم الأسفل، فإن كلماتك في هذا الجلجامش، لن تنتهي، وستبقى ما بقي العالم.‏

إظلام، يضاء الشاعر‏

الآخر، بين القضبان‏

الشاعر : "ينشد" جلجامش اوروك‏

هيئة جسمه مخيفة كالثور الوحشي‏

وفتك سلاحه لا يصده شيء‏

وعلى ضربات الطبل تستيقظ رعيته‏

ضربات طبل، يضاء‏

جلجامش، يدور بسوطه‏

جلجامش : طبل العمل يدق، أسرعوا إلى العمل، أسرعوا إلى العمل، ليعلوا مجد اوروك، أسرعوا، أسرعوا، أسرعوا‏

الشاعر : "ينشد" لازم أبطال اوروك حجارتهم فاقمين مكفهرين‏

لم يترك جلجامش إبناً طليقاً لأبيه‏

ولم يترك جلجامش عذراء طليقة لأمها‏

جلجامش : أسرعوا إلى العمل، الطبل يدق، أسرعوا، أسرعوا، أسرعوا‏

الشاعر : "ينشد" أهذا هو راعي اوروك المسورة؟‏

أهو راعينا القوي، الكامل الجمال والحكمة؟‏

لم يترك جلجامش عذراء..‏

لم يترك جلجامش..‏

لم يترك‏

ظلام، يخفت صوت‏

الشاعر، صوت طبول‏

صوت رجل : جلجامش‏

صوت امرأة : جلجامش! بنيتي، تعالي، جلجامش‏

صوت فتاة : جلجامش! ياويلتي، فلنهرب، ونختبيء‏

أصوات مختلطة : جلجامش، جلجامش، جلجامش‏

صوت فتاة : الجند يداهمون البيت، لا مناص، فلأهرب‏

تضاء فتاة شابة،‏

شالتي، تقبل خائفة‏

شالتي : ياويلتي، سيدركني هذان الجنديان اللعينان "تتوقف لاهثة" ما العمل! سيأخذانني إلى جلجامش إذا وقعت في أيديهما "تتلفت خائفة" ها هما قادمان "تتجه نحو اليسار" فلأختبيء هناك ريثما يبتعدان‏

الفتاة تسرع بالأختباء.‏

يدخل الجنديان لاهثين‏

الأول : لنرتح قليلاً "يلهث" تقطعت أنفاسي‏

الثاني : كدنا نمسكها "يتلفت حوله" هذه اللعينة‏

الأول : "لاهثاً" لا بد أن نمسكها وإلا فالويل لنا‏

الثاني : "يدور باحثاً عن الفتاة" فلنبحث عنها هنا، لا أظنها ابتعدت كثيراً‏

الأول : "يتلفت حوله لاهثاً" عجباً، أين اختفت؟‏

الثاني : الذنب ذنبك، أنت لم تمسكها جيداً، حين إقتحمنا البيت‏

الأول : ماذا أفعل؟ لقد أفلتت مني، كما تفلت السمكة من الصياد‏

الثاني : الصياد الجيد لا تفلت منه سمكة، مهما كانت "يتوقف" تعال‏

الأول : سأمسكها "يقبل نحوه" سأمسكها، ولن تفلت مني ثانية.‏

الثاني : إصغِ..‏

الأول : "ينظر إليه"....‏

الثاني : "يشير إلى اليسار" إذهب أنت من هناك "يشير إلى اليمين" وسأذهب أنا من هنا "يتجه نحو اليمين" لعلنا نجدها‏

الأول : "يتجه نحو اليسار" ستجدها‏

الثاني : "يصيح" إفتح عينيك‏

الأول : سأفتحهما، سأفتحهما جيداً، وإلا سملهما لي .. جلجامش‏

الجنديان يخرجان مسرعين،‏

الفتاة تطل خائفة‏

شالتي : "متضرعة" أيها الآله شمش، أغثني، لاأريد أن أقع بين يدي جلجامش، كما وقعت أختي بين يديه "تكاد تبكي" أيها الإله، أغثني، أغثني، أغثني.‏

صوت الشاعر : "ينشد" سيأتي المخلص منحدراً من التلال‏

إنه أقوى من في البلاد، وذو بأس شديد‏

وهو غريم جلجامش‏

ويضاهيه في قوة اللب والبأس‏

وعلى يديه، ستنال اوروك الراحة والسلام‏

صوت الثاني : إسمع‏

صوت الأول : سمعت‏

صوت الثاني : سيأتي المخلص‏

صوت الأول : كلام شاعر‏

صوت الثاني : لا‏

صوت الأول : جلجامش هو اوروك، واوروك هي جلجامش، إسمع..‏

صوت جلجامش : طبل العمل يدق، فلتعلُ اوروك‏

شالتي : "تتلفت خائفة" فلأ هرب قبل أن يعود الجنديان" تتقدم متلفتة" باب المدينة قريب، سأختبيء على مقربة منه، وأتسلل إلى البرية مع الفجر "تتلفت خائفة" يا للآلهة، أسمع وقع أقدام "تنصت لحظة" إنهما الجنديان "تسرع نحو الخارج" فلأهرب وإلا..‏

الفتاة تخرج مسرعة،‏

يدخل الجنديان لاهثين‏

الثاني : "يتوقف لاهثاً" لا أثر للفتاة‏

الأول : مهلاً " يتجه نحو الجهة التي خرجت منها شالتي" أظنني رأيت شبح فتاة تمرق من هنا‏

الثاني : شبح..!‏

الأول : نعم‏

الثاني : يبدو أنك تعبت "يهم بالجلوس" وإذا لم أجلس، وأرتح قليلاً، فقد أرى ما رأيت.‏

الأول : تعال "يتجه إلى الخارج" وإلا أراك جلجامش، ملكة العالم الأسفل، الآلهة ايرشيجال‏

الثاني : لا "يهب لاحقاً بالأول" لا أريد أن أرى ايرشيجال، إنني مازلت شاباً‏

الجنديان يخرجان مسرعين،‏

تخفت أصوات الطبول‏

إظــــلام‏

ورده من القلب
18-10-2008, 01:07 AM
المشــهد الثانــي

كوخ، المرأة العجوز تعد طعام العشاء‏



المرأة : خيم الظلام، ولم يعد، ماذا دهاه؟ "تنظر عبر النافذة" قلت له مراراً، أن يعود قبل الغروب "تبتعد عن النافذة" لقد كبر، ووهنت قواه "صمت" أنا أيضاً كبرت، مع أني أصغر منه بـ.. ثغاء أغنام.. ها هو قد عاد "تسرع في إعداد الطعام" لا بد أنه متعب الآن، وجائع "تلقي نظرة على السفرة" هذا الطعام سيدفئه، ويعيد إليه قواه‏

يفتح الباب الخلفي،‏

ويدخل الرجل العجوز‏

الرجل : ما أشدّ البرد، أكاد أتجمد‏

المرأة : إغلق الباب، وتعال قرب النار‏

الرجل : "يغلق الباب" ماذا جرى؟ .." يقترب من النار" الجو لم يكن هكذا في الماضي.‏

المرأة : في الماضي لم تكن عجوزاً‏

الرجل : وما زلتُ، الرجل لا يكبر‏

المرأة : نعم "مازحة" وحتى لحيتك الثلج‏

الرجل : "يقهقه ضاحكاً"....‏

المرأة : قلت لك مراراً ألا تتأخر، لقد قلقت عليك‏

الرجل : لا تلوميني، إنها عنزتك المدللة، لقد شردت اليوم أيضاً‏

المرأة : هذه الحمقاء، سيأكلها الذئب يوماً، أو يختطفها رجلك الوحش "تنظر إليه مازحة" المنحدر من التلال‏

الرجل : ذكرتِني، لقد رأيته اليوم أيضاً، قرب مسقى الماء، عند الغروب‏

المرأة : عند الغروب! في وضح النهار، أنت تكاد لاترى‏

الرجل : "محتجاً" أنا!‏

المرأة : مثلي، ومثل أي عجوز "مبتسمة" حتى لو كان رجلاً‏

الرجل : لن تصدقي بوجوده حتى تريه، ومن يدري، فقد ترينه قريباً‏

المرأة : لن أراه، فليس له وجود إلا في مخيلتك‏

الرجل : لقد رأيته أكثر من مرة، صدقيني، إنه رجل عجيب، أقوى من في البلاد، يجوب التلال، يرعى الكلأ مع حيوان البر، ويسقى معها، عند مورد الماء "يصمت لحظة" لقد رأيت جلجامس، لا شك أنه قوي، لكن هذا الرجل، يبدو أقوى منه "يصمت ثانية" ما الفائدة؟ إنه وحش، يعيش مع الوحوش‏

المرأة : مثل هذا الوحش، إن كان موجوداً، لن تروضه سوى إمرأة‏

الرجل : ياللأسف "ينظر إليها مازحاً" هنا لاتوجد إمرأة‏

المرأة : تعال، أيها العجوز "تغالب إبتسامتها" تعال أجلس، وكل‏

الرجل : "يجلس ضاحكاً" واحدة بواحدة‏

المرأة : لقد كنت، في شبابك، أكثر وحشية من هذا الوحش "تجلس قبالته وتبدأ تتناول الطعام" وقد روضتك‏

الرجل : "يأكل" عندما كنتِ.. امرأة‏

المرأة : "تضربه مازحة" آه منك‏

الرجل : "يأكل ضاحكاً" طعامك لذيذ اليوم‏

المرأة : ليت أمار هنا.. "تغالب بكاءها" إنه يحب هذا الطعام‏

الرجل : "يأكل صامتاً"...‏

المرأة : "تمسح دموعها" لمحت، بعد الظهر، جنديين يحومان في الجوار‏

الرجل : إلتقيت بهما، قرب المقهى، عندما كنت أبحث عن عنزتك‏

المرأة : لم تخبرني بأنك رأيتهما‏

الرجل : أردت أن أخبرك، فأشغلتني باللحية الثلج، والمرأة، و...‏

المرأة : ليتك سألتهما عن امار، فقد يعرفان عنه شيئاً‏

الرجل : وماذا يمكن أن يعرفا عنه؟ إنهما مجرد جنديين بسيطين، إن امار يعمل مع مئات، بل الآف الشباب والرجال، في بناء السور‏

المرأة : يا لحظي السييء "تغالب بكاءها" إنني لم أره مرة واحدة، منذ أن أخذوه‏

الرجل : السور يكاد ينجز، وقد ينتهي العمل فيه خلال أسابيع‏

المرأة : وقبل أن نرى امار، يبدأ العمل ببناء معبد، أو قصر جديد لجلجامش‏

الرجل : لا عليك، سأذهب قريباً إلى أوروك، وسأحاول أن أرى امار‏

المرأة : لنذهب معاً، أنا أيضاً أريد أن أراه‏

الرجل : تذهبين معي إلى... ؟ هذا مستحيل، اوروك مدينة واسعة‏

المرأة : "ترفع كسرة الخبز لكنها لا تضعها في فمها"....‏

الرجل : سأذهب أنا أولاً ، وقد آخذك معي، في المرة القادمة، إذا عرفت مكانه‏

المرأة : "تعيد كسرة الخبز إلى مكانها"....‏

الرجل : كلي‏

المرأة : شبعت‏

الرجل : لم تأكلي شيئاً يذكر‏

المرأة : "بصوت تخنقه الدموع" شبعت‏

الرجل : "بصوت مهادن" كلي‏

المرأة : "تأكل صامتة"....‏

الرجل : لم أحدثك عما كان الجنديان يبحثان عنه‏

المرأة : "تنظر إليه صامتة"...‏

الرجل : تصوري، كانا يبحثان عن فتاة، يقولان إنها هربت منهما في اوروك، ويعتقدان أنها تسللت إلى هذه المنطقة‏

المرأة : يا لجلجامش، إنه كما يقال عنه، لم يترك إبناً طليقاً لأبيه، ولم يترك عذراء طليقة لأمها.‏

الباب يطرق، فيكفان‏

عن تناول الطعام‏

المرأة : "خائفة" الباب‏

الرجل: سمعته، لا تخافي‏

المرأة : لعله أحد الجنديين "الباب يطرق ثانية" إسمع‏

الرجل : هذه، على ما أظن، ليست طرقة جندي‏

المرأة : لا تقل إنه... الرجل الوحش‏

الرجل : و لاهذا "الباب يطرق مرة أخرى " هذه طرقة.. خائف‏

المرأة : سأنظر من بالباب‏

الرجل : "يعترضها" مهلاً، إبقي أنتِ، سأنظر أنا‏

المرأة : إحترس‏

الرجل : لا تخافي "يتجه نحو الباب" إبقي في مكانك، سأفتح الباب‏

الرجل يفتح الباب،‏

تندفع شالتي داخلة‏

شالتي : أيها العم "تتشبث به" أرجوك، خبئني‏

الرجل : أخبئك!‏

شالتي : أرجوك، أرجوك‏

الرجل : "يتراجع متردداً"....‏

شالتي : "تقف حائرة، خائفة" لا أحد لي‏

المرأة : بنيتي...‏

شالتي : "تتطلع إليها بأمل"...‏

المرأة : تعالي، يا بنيتي، تعالي‏

شالتي : "تتقدم منها ببطء" هناك جنديان يطاردانني‏

الرجل : "ينظر إلى زوجته"...‏

المرأة : لا تخافي‏

شالتي : "تقترب منها" سيأخذانني مثلما أخذوا أختي قبل أشهر‏

المرأة : "تحضنها" إطمئني، أنت هنا في أمان‏

الرجل : أيتها المرأة‏

المرأة : أنظر، إنها طفلة‏

الرجل : الجنديان اللذان يطاردانها هما من جند الملك... جلجامش‏

شالتي : أيتها العمة...‏

المرأة : مهلاً "تقترب من زوجها" إنها في خطر، لا نستطيع أن نتركها لهما‏

الرجل : لكن قد يقتلاننا إذا..‏

المرأة : أنظر..‏

الرجل : هذا خطأ‏

المرأة : إنها في عمر امار‏

الرجل : "يطرق صامتاً"....‏

المرأة : "تقترب من الفتاة" والآن تعالي، كلي‏

شالتي : "تنظر إلى الطعام"...‏

المرأة : أنتِ جائعة، يابنيتي‏

شالتي : نعم، لم آكل شيئاً، منذ البارحة‏

المرأة : تعالي إذن، وكلي حتى تشبعي‏

شالتي : "تتطلع إلى الرجل"....‏

الرجل : أجلسي، يا بنيتي، أجلسي وكلي‏

شالتي : "تجلس وتأكل بنهم"...‏

المرأة : "تنظر إليها دامعة العينين" امار "تهز رأسها متمتمة" ترى ماذا يأكل الآن؟‏

الرجل : "متردداً" ستبقى عندنا... حتى الغد‏

المرأة : "تنظر إليه"....‏

الرجل : الجو بارد اليوم "لشالتي" ستبقين الليلة هنا، وفي الغد...‏

شالتي : "تكف عن تناول الطعام"....‏

المرأة : كلي، يابنيتي‏

الرجل : "لشالتي" أنتِ ترين، نحن عجوزان، وقد أخذوا ابننا امار، منذ أشهر، إن جند جلجامش لن يرحمونا إذا وجدوك...‏

الباب يطرق بشدة،‏

شالتي تهب مرعوبة‏

شالتي : يا ويلتي، الجنديان‏

الرجل : هذا ما كنت أخشاه، ما العمل؟ إنتهينا‏

المرأة : لا عليك، سأخبئها بين الأغنام "تهمس للفتاة" تعالي‏

شالتي : "تسرع إليها" إذا أخذاني سأنتهي مثلما إنتهت أختي‏

المرأة : صه "تمسك يدها" تعالي معي "عند باب الزريبة" لا تفتح الباب"‏

الرجل : "قلقاً" أسرعي‏

المرأة : تدخل بالفتاة إلى الزريبة"...‏

الرجل : لم يكن ينقصنا إلا هذا "الباب يطرق ثانية" أسرعي وإلا كسرا الباب‏

المرأة : "تخرج" ها أنذا "تغلق باب الزريبة" تمهل، أنا سأفتح الباب‏

الرجل : "متردداً" لا، لا‏

المرأة : إبتعد أنت، وتمالك نفسك‏

الرجل : "يبتعد متردداً" دعيني أفتح...‏

المرأة : "مقاطعة" أنا سأفتح "تتلفت" كل شيء طبيعي "الباب يطرق مرة أخرى.. سأفتح الباب الآن، إنتبه "تتجه نحو الباب وترفع صوتها" مهلاً، مهلاً، إنني قادمة‏

المرأة تفتح الباب، الجنديان يدخلان متلفتين‏

المرأة : مرحباً، مرحباً بكما، يا ولديّ‏

الثاني : مرحباً بك‏

الأول : إبتعدي‏

المرأة : "تبتعد" تفضلا، ياولديّ، تفضلا‏

الأول : "ينظر إلى الرجل"...‏

المرأة : إنه زوجي‏

الرجل : لقد إلتقينا قرب المسقى، عند الغروب‏

الثاني : آه، صحيح، إلتقينا‏

الأول : "يشير إلى الزريبة" أسمع حركة هناك‏

الرجل : تلك أغنامي‏

الثاني : أغنامك!‏

المرأة : نعجتان، وخروف، وعنزة‏

الأول : "ساخراً" أغنامه‏

المرأة : نحن، كما تريان، ياولديّ، فقراء‏

الثاني : "ينظر إلى الطعام"....‏

المرأة : "تراه" لكن طعامنا، لو تعلمان، لذيذ "تشير للجنديين" تفضلا‏

الثاني : "يشيح عن الطعام... نحن نبحث عن فتاة‏

المرأة : فتاة! في هذه البرية؟‏

الأول : إنها من اوروك‏

الثاني : الحمقاء، هربت من جلجامش‏

الأول : "يتجه نحو الزريبة" لنفتش تلك الغرفة‏

الرجل : "يهم بأعتراضه" تلك زريبة...‏

المرأة : "تقاطعه" ليفتشها، ليفتش الزريبة "للأول" تفضل، فتشها‏

الأول : "للثاني" تعال معي، تحرك‏

الثاني : إنني متعب، فتشها أنت‏

الأول : سأفتشها "يتجه نحو الزريبة" علينا أن نجد تلك الفتاة، إن جلجامش لن يرحمنا، إذا افلتت منا‏

الثاني : حسن "يحدق الي الطعام" فتش عنها، فقد تجدها بين الأغنام‏

المرأة : "للثاني" تفضل، يا ولدي‏

الثاني : "لايرد"....‏

الأول : "يفتح باب الزريبة، ويقف متأففاً" اف، يا للرائحة، إنها تقتل حماراً‏

الثاني : أدخل، وفتشها‏

الأول : لا أظنها هنا "يغلق الباب بشدة" إن فتاة مثلها، تموت إذا بقيت في الداخل لحظة‏

الرجل : "ينظر إلى الأول صامتاً"...‏

الأول : "ينتقل بنظره بين الرجل والمرأة" إسمعا مني، الأمر جد خطير، إذا ساعدتما تلك الفتاة، وأخفيتماها، تنتهيان...‏

الثاني : إنها فتاة جلجامش‏

الأول : "يحدق إلي الرجل" تنتهي أنت، وعجوزك، ونعجتاك، وخروفك، و....‏

الثاني : وعنزتك‏

الأول : نعم، وعنزتك، إذا أخفيتماها‏

الرجل : "لا يجيب"....‏

المرأة : "تقترب منهما.... ياولديّ، أجلسا، وكُلا، فلا بد أنكما جائعان‏

الثاني :"يحدق على الطعام"..‏

الأول : "للثاني" .. هيا، تحرك "يتجه نحو الباب".. لعلنا نراها مختبئة قرب المسقى.‏

الثاني : "يلحق به على مضض، هيا‏

الجنديان يخرجان، الرجل والمرأة يقفان متواجهين‏

المرأة : ياويلتنا‏

الرجل : "ينظر إليها"...‏

المرأة : سينهياننا‏

الرجل : إذا وجداها‏

المرأة : تعني...؟‏

الرجل : لن يجداها، ما دامت معنا‏

المرأة : تدمع عيناها تأثراً وفرحاً"...‏

الرجل : ناديها‏

المرأة : نادها أنت، سأحضر المزيد من الطعام‏

الرجل : هيا إذن، أسرعي‏

المرأة : "تنصرف لتحضير الطعام" حالاً‏

الرجل : "يتجه نحو الزريبة" سأناديها، لا بد أنها تكاد تختنق الآن"‏

يفتح الباب "بنيتي" لحظة صمت" بنيتي‏

شالتي : "من الداخل" نعم‏

الرجل : تعالي، ذهبا‏

شالتي : "تطل برأسها خائفة"....‏

المرأة : تعالي، يابنيتي، لقدت ولّيا‏

شالتي : "تخرج من الزريبة" معذرة، لقد عرضتكما للخطر‏

المرأة : دعك من هذا "ترتب الطعام" تعالي كُلي‏

شالتي : أشكرك، أكلت‏

الرجل : "يغلق باب الزريبة" لم تشبعي بعد، هيا، أجلسي، هيا‏

شالتي : "تقف مترددة"....‏

المرأة : هيا، أجلسي، يابنيتي، وأكملي طعامك‏

شالتي : "تجلس وتأكل" طعامك لذيذ‏

المرأة : كلي هنيئاً‏

شالتي : "وهي تأكل" قبل أشهر "تغالب دموعها" أخذوا أختي "تكاد تبكي" إنها تكبرني بسنة واحدة فقط‏

المرأة : حقاً، جلجامش لم يُبقِ عذراء طليقة لأمها‏

شالتي : "تكاد تبكي" أعادوها... أعادوا أختي... بعد ثلاثة أيام "تبكي" أعادوها جثة هامدة‏

المرأة : كلي، يابنيتي، كلي‏

شالتي : شبعت "تمسح دموعها" طعامك لذيذ، مثل طعام أمي "تغالب دموعها ثانية" أمي المسكينة، لابد أنهم أخذوها بعد أن هربت‏

المرأة : لا عليك "تحضنها" أنا أمك، وستبقين عندنا، حتى يزول الخطر عنك‏

شالتي : "تنظر إلى الرجل"...‏

الرجل : إطمئني، لن نتركك لهم، مهما كلف الأمر‏

المرأة : أنا وزوجي عجوزان، وقد أخذوا إبننا امار، فأهدتنا الآلهة إبنة شابة.. وجميلة... ستبقين هنا... "مازحة" كي تعيلينا‏

"شالتي تحضن المرأة العجوز، وتتنهد بارتياح"‏

ستار‏

ورده من القلب
18-10-2008, 01:10 AM
الفصل الثاني المشهد الأول




عند المسقى، أشجار متفرقة على الجانبين‏


الرجل : "يدخل متلفتاً" ترى أين مضت هذه المرة؟ ياللعنزة المجنونة، إنها تسير إلى حتفها بظلفها "يتوقف" فلأذبحها قبل أن يأكلها. الذئب أو يختطفها.. " يبتسم" ستجن عجوزتي إذا ذبحتها "يرتفع صوت ثغاء" إنها هي، المجنونة "يتجه صوب مصدر الصوت" فلأسرع إليها، وأعود بها إلى البيت.‏

الرجل يخرج، يدخل انكيدو حاملاً العنزة‏

انكيدو : "يتوقف متلفتاً، ثم يخاطب العنزة متسائلاً" ماع؟ "العنزة تبقى صامتة "ماع؟ " العنزة تبقى صامتة فيصيح" ماع.. ماع.. ماع "يتلفت حوله، ثم يعود من حيث أتى"‏

انكيدو يخرج، تدخل‏

شالتي متوجسة، خائفة‏

شالتي : "تتلفت مذهولة" عجباً، لا أحد هنا، لقد سمعت صوتاً، صوتاً غريباً، جاء من هذا المكان، صوتاً أشبه بالثغاء، لكنه ليس ثغاء العنزة، إنني أعرف ثغاءها، حتى لو كانت بين مئة عنزة "تصمت" أهي تهيئات؟ من يدري "تتلفت خائفة" لعله الخوف، يالي من جبانة "تسير متشجعة" لست طفلة لأخاف من مثل هذا المكان "تتوقف" أسمع وقع أقدام "تتراجع خائفة" يا إلهي، أحدهم قادم "تتراجع خائفة" إنهما الجنديان على الأغلب "تتجه صوب إحدى الأشجار" فلأختبيء قبل أن يفاجئاني، ويلقيا القبض عليّ، ويأخذاني إلى جلجامش.‏

"شالتي تختبيء وراء الشجرة، يدخل الرجل‏

الرجل : ليس من أثر لها "يتوقف متأففاً" هذه العنزة ستقتلني "يرفع رأسه إلى الأعلى..‏

أيها الإله شمش!‏

شالتي : "تطل برأسها"....‏

الرجل : خلصني منها‏

شالتي : "تغالب ضحكتها"....‏

الرجل : سلّطِ عليها ذئباً جائعاً أو..‏

شالتي : "تضع كفيها حول فمها" يا أبا امار‏

الرجل : "يتمتم مذهولاً" من!‏

شالتي : حذار، لا ترفع صوتك..‏

الرجل : "يهز رأسه"....‏

شالتي : فقد تسمعك أم امار‏

الرجل : "يلتفت إليها مبتسماً" تعالي‏

شالتي : إطمئن، يا أبتي " تـقبل عليه، لن أخبر أمي بما سمعته منك‏

الرجل : أما أنا فسأخبرها..‏

شالتي : بأنك طلبت من الأله شمش..‏

الرجل : لا، بل بأنك جئت وحدك إلى هنا‏

شالتي : أبتي...‏

الرجل : إنني أخاف عليك‏

شالتي : ليس هنا ما يدعو إلى الخوف‏

الرجل : يبدو أنك أنت أيضاً لا تصدقين بوجود هذا الرجل‏

شالتي : حتى لو كان موجوداً، فلا أظن أنني أخافه، أنني لا أخاف سوى.. جلجامش‏

الرجل : هذا الرجل، يابنيتي، ند لجلجامش، وربما يفوقه قوة وبأساً‏

شالتي : ليته موجود إذن، فقد يخلصني، ويخلص أوروك، من جلجامش وشروره‏

الرجل : دعينا من هذا الآن، لقد حان وقت الغداء، هيا نعد إلى البيت‏

شالتي : إسبقني، يا أبتي، سألحق بك بعد قليل‏

الرجل : بنيتي...‏

شالتي : لن أتأخر، سأقطف بعض الأزهار، و...‏

الرجل : لا تهتمي بأمر العنزة "يتجه إلى الخارج" إنها تعود إلى البيت مهما ابتعدت‏

شالتي : أعرف "مازحة" فالأله شمش يرعاها‏

الرجل : "وهو يخرج" آه منك‏

شالتي : "تقطف زهرة" هذه زهرة نرجس "تتأمل الزهرة" آه ما أجملها "ترشق الزهرة في شعرها" وستكون أجمل في شعري‏

"تقترب من الماء وتتطلع فيه" يالصفاء هذا الماء، إنه مرآة، وأية مرآة "تتأمل نفسها" حقاً، إنني مثلما تقول أمي، جميلة كالنرجسة "يتكدر وجهها" أختي أيضاً كانت جميلة، وقد جنى عليها جمالها، وأدى بها إلى العالم الأسفل "تصمت متأملة ما حولها.. آه ما أجمل الحياة لولا جلجامش، وأمثال جلجامش.‏

"يدخل انكيدو، حاملاً‏

العنزة، ويقف مبهوراً "‏

انكيدو : "متمتماً" ماع‏

شالتي : "تلتفت مرعوبة" من!‏

انكيدو : "يحدق إليها صامتاً"....‏

شالتي : يا إلهي "تتراجع" من أنت!‏

انكيدو : "يتقدم منها، رافعاً يده، كأنه يقول لها، لا تخافي"....‏

شالتي : "تستمر في تراجعها "لاتقترب مني "تصيح" توقف‏

انكيدو : "يتوقف متردداً مذهولاً"....‏

شالتي : أيعقل أنه هو؟ "تتوقف محملقة إليه" نعم، هو، هو نفسه، يا إلهي، إنه كما وصفه أبو امار، ضخم، قوي، يكسو جسمه الشعر الكث، وشعر رأسه كشعر المرأة، و...‏

انكيدو : "يقترب منها، ويمد يده إلى شعرها"....‏

شالتي : "خائفة" لا تقترب مني‏

انكيدو : "يتوقف محملقاً إلى شعرها"....‏

شالتي : يبدو أنه هاديء، مسالم "تنظر إليه" لعله أُعجب بزهرة النرجس‏

"تأخذ الزهرة من شعرها وتقدمها له" تفضل‏

انكيدو : "يبقى جامداً"....‏

شالتي : خذها، هذه زهرة، زهرة نرجس، إنها هدية لك، أنظر "تشم الزهرة.. آه ما أطيب رائحتها "تقدم الزهرة له" خذها، هيا، خذها‏

انكيدو : "يمد يده ويأخذ الزهرة"....‏

شالتي : شمها "ترفع يدها إلى أنفها" شم هذه الزهرة، إنَّ رائحتها طيبة‏

انكيدو : "يقترب منها والزهرة في يده"....‏

شالتي : "تبدو خائفة، لكنها لاتتراجع"....‏

انكيدو : "يمد يده بالزهرة، ويرشقها في شعر شالتي"...‏

شالتي : "تبتسم" أشكرك‏

انكيدو : يتراجع قليلاً محتضناً العنزة"....‏

شالتي : "تشير إلى العنزة.. إنها لي‏

انكيدو : "ينظر إليها متسائلاً"....‏

شالتي : هذه العنزة "تشير إليها" لي‏

انكيدو : "يشير إلى العنزة" ماع؟‏

شالتي : نعم "تهز رأسها" هذه الـ...ماع "تشير إلى نفسها" لي‏

انكيدو : "يشير إلى شالتي.. ماع.. ماع‏

شالتي : "تمد يديها إلى انكيدو" أرجوك، أعطني هذه الـ... ماع‏

انكيدو : "يقدم لها العنزة" ماع‏

شالتي : "تأخذ العنزة" أشكرك‏

انكيدو : "يتأملها"....‏

شالتي : "تتراجع ملوحة له"....‏

انكيدو : "يتردد لحظة، ثم يتراجع ملوحاً لها"....‏

شالتي : "تتوقف صامتة"....‏

انكيدو : "يخرج وهو مازال يلوح لها"....‏

شالتي : هذا هو الرجل الوحش إذن؟ إنه رجل، نعم رجل، وليس بوحش "تبتسم" لن تصدقني أم امار، إذا قلت لها، إنني رأيته "الجنديان يطلان من بين الأشجار" ستقول لي، بنيتي "تغالب ضحكتها" إن العدوى إنتقلت إليك من عجوزي، أبي امار‏

"الجنديان يتقدمان نحوها‏

من جهتين مختلفتين "‏

شالتي : "تلتفت مولولة" ياويلتي‏

الأول : "يحاول محاصرتها.. أخيراً وقعت في أيدينا "للثاني" إنتبه إليها‏

الثاني : "يحاول محاصرتها من الجهة الأخرى" إطمئن، لن تفلت منّا هذه المرة‏

الأول : لقد أتعبتنا كثيراً، وكدت تتسببين في هلاكنا‏

شالتي : "متراجعة" أُتركاني‏

الثاني : "يقترب منها" أيتها الحمقاء، سنأخذك إلى جلجامش‏

شالتي : لا أريد، أُتركاني‏

الأول : "يقترب منها هو الآخر.. جلجامش حلم كل فتاة في اوروك‏

شالتي : بل هو كابوس "متوسلة" أُتركاني أمضي، أتركاني‏

الثاني : "ينقض عليها" سنأخذك إلى الحلم رغماً عنك‏

شالتي : "تصرخ" النجدة‏

الأول : "ينقض عليها هو الآخر" سنأخذك إلى جلجامش وإلا عشنا في كابوس دائم‏

شالتي : "تصرخ ثانية" النجدة.. النجدة‏

الثاني : "يمسكها بعنف" كفى‏

الأول : لا تقسُ عليها "يمسكها من شعرها" ليتني جلجامش ولو لحظة واحدة‏

شالتي : "تصيح بأعلى صوتها" النجدة.. النجدة.. النجدة‏

انكيدو يندفع داخلاً، الجنديان يقفان مذهولين‏

الثاني : "يتمتم مرعوباً" أيها الأله شمش‏

الأول : "مذهولاً" ما هذا؟‏

الثاني : شمش وحده يعرف‏

الأول : أهو إنسان؟‏

الثاني : إنسان!‏

شالتي : "تحاول الأفلات منهما" أتركاني‏

الثاني : أيتها المجنونة، إهدئي‏



شالتي : "تفلت منهما، وتقف حائرة بينهما وبين انكيدو"....‏

الأول : تعالي‏

شالتي : كلا‏

الأول : لا تكوني مجنونة، تعالي‏

شالتي : لا، دعني وشأني‏

الأول : "للثاني" علينا ألا ندعها تفلت، وإلا لن نمسكها ثانية‏

الثاني : أنت محق "هامساً" أهجم عليها، وامسكها‏

الأول : أنا! "ينظر إلى انكيدو" أهجم أنت‏

الثاني : أهجم، وسأهجم بعدك‏

الأول : اهجم، لا تخف‏

الثاني : لا، لا "ينظر إلى انكيدو" أهجم أنت أولاً، وأنا أتبعك‏

الأول : نهجم سوية‏

الثاني : سوية، حسن، تهيأ‏

الأول : إنني متهيئ، هيا‏

الثاني : "يهجم على شالتي" هيا‏

الأول : "يهجم في الوقت نفسه" لنمسك بها، ونهرب بسرعة‏

شالتي : "تصرخ وقد أمسكا بها" النجدة‏

انكيدو : "يهجم عليهما صارخاً" ..آ.آ.آ.‏

الأول : "يترك شالتي، ويتراجع مرعوباً"...‏

الثاني : "يترك شالتي، ويتراجع متعثراً، ثم يسقط على الأرض"...‏

انكيدو : "يقترب من الثاني مزمجراً"....‏

الثاني : "يزحف متراجعاً.. لا، لا "للأول" ساعدني وإلا قتلني‏

الأول : إنهض، واهرب‏

الثاني : لا أستطيع "يصيح" إفعل شيئاً‏

الأول : "يقترب من انكيدو خائفاً "دعه.. دعه‏

انكيدو : "يطوح بيديه مزمجراً.. آ آ آ‏

الأول : لا فائدة، سيقتله إذا لم... "يرفع هراوة من الأرض، ويضرب انكيدو على رأسه، فتنكسر الهراوة"....‏

انكيدو : "يلتفت إلى الأول، ويتقدم منه غاضباً مزمجراً.. آ آ آ‏

الأول : "يتراجع والهراوة المكسورة في يده، ثم يلوذ بالفرار"...‏



الثاني : "ينهض خلال هذه المدة، ويلوذ بالفرار هو الآخر"...‏

الجنديان يخرجان هاربين،‏

انكيدو وشالتي وحدهما‏

انكيدو : "ينظر إلى شالتي"...‏

شالتي : "تحدق إلى رأسه متمتمة" لابد أنه جرح "تبتسم له" أشكرك‏

انكيدو : "ينظر إليها حائراً"....‏

شالتي : لقد أنقذتني‏

انكيدو : "يتململ حائراً"....‏

شالتي : "تقترب منه محدقة إلى رأسه" كانا سيأخذانني إلى جلجامش "يرتفع ثغاء العنزة من الخارج" إنه وحش، جلجامش هذا‏

انكيدو : "يلتفت نحو مصدر الصوت" ماع‏

شالتي : دعك منها، أنت جريح‏

انكيدو : ماع "يتجه إلى الخارج" ماع.. ماع‏

شالتي : الجندي اللعين، كاد يحطم رأسه‏

انكيدو : "يعود حاملاً العنزة" ماع.. ماع‏

شالتي : هذه اللعينة، لا تكف عن الهرب، سيأكلها الذئب يوماً، ويخلص أبا امار منها‏

انكيدو : "يقترب منها، ويقدم لها العنزة" ماع‏

شالتي : دعك من ماع "تمد يدها إلى رأسه" إسمح لي أن أرى...‏

انكيدو : "يتراجع حائراً"....‏

شالتي : "تقترب منه" لحظة..‏

انكيدو : "يتوقف"...‏

شالتي : "تمد يدها وتتحسس رأسه.. آه، كما خمنت، أنت جريح، ولا بد أن أعالجك‏

انكيدو : "ينظر إليها حائراً"...‏

شالتي : سآخذك إلى الكوخ، وأعالج جرحك، إن العجوزين سيرحبان بك‏

"ترتفع أصوات حيوانات برية" تعال نذهب‏

انكيدو : "يرفع رأسه متلفتاً"...‏

شالتي : "تمد يدها إليه" تعال‏

انكيدو : "يرفع يده مشيراً إلى الحيوانات"...‏

شالتي : دعك منها "ترتفع أصوات الحيوانات ثانية" تعال، إنها حيوانات برية‏

انكيدو : "يتراجع متردداً حائراً"....‏

شالتي : أنت إنسان، ويجب أن تعيش مثل الإنسان‏

انكيدو : "يهم بالخروج"....‏

شالتي : توقف‏

انكيدو : "يتوقف"....‏

شالتي : لا تذهب "تسرع إليه" أريد أن تبقى معنا‏

انكيدو : "ينظر إليها حائراً"....‏

شالتي : إسمي.. تشير إلى نفسها" شالتي‏

انكيدو : "ينظر إليها متسائلاً"....‏

شالتي : لا عليك "تمد يدها إليه" إعطني يدك، سآخذك معي إلى البيت، وأعلمك كلّ شيء هيا، إعطني يدك‏

انكيدو : "يمد يده إليها"....‏

شالتي : تمسك يده مبتسمة" والآن سنذهب "تشير إلى نفسها" أنا "تشير إليه" وأنت "تشير إلى العنزة" والـ.. ماع.. إلى البيت.‏

شالتي تخرج بانكيدو ويده في يدها‏

إظلام‏

ورده من القلب
18-10-2008, 01:11 AM
المشهد الثاني

الكوخ، المرأة العجوز‏

تعد طعام العشاء‏

المرأة : الوقت يمر بسرعة، والطعام لم ينضج بعد، هذا وقت عودتهم، ليتهم يتأخرون قليلاً، لقد غفوتُ فترة، بعد الظهر، إنها الشيخوخة، لا، لا بل هي شالتي، فقد أخذت على عاتقها القيام بمعظم أعباء البيت، حتى أصابني الخمول والكسل، ليت لي إبنة مثلها "تبتسم" آه ما أجملها، وأرقها، و.. "تنتبه" إنه هو، فلأسرع في إعداد الطعام‏

المرأة تعمل، يفتح الباب، يدخل الرجل‏

الرجل : "يُريها الكمأ" جئتك بكمأ‏

المرأة : "تنظر إليه مبتسمة... ياله من كمأ‏

الرجل : لقد إصطدتك بمثله، أتذكرين؟‏

المرأة : يا رجل، لقد شخنا‏

الرجل : قلبانا وذكرياتنا لا تشيخان‏

المرأة : تحدث عن نفسك "تمد يدها" هاته‏

الرجل : وقتها لم تقولي "يحاكيها" هاته‏

المرأة : وقتها كنت ربيعاً‏

الرجل : وأنت كنت زهرة‏

المرأة : "تنظر إليه مبتسمة"....‏

الرجل : ومازلتِ‏

المرأة : "تضحك" زهرة يغطيها الثلج "تمد يدها ثانية" هات "تأخذ الكمأ" إنه كمأ جيد "تنظر إليه" أنت خبير بالكمأ‏

الرجل : والصيد بالكمأ‏

المرأة : "تضربه مازحة"....‏

الرجل : إطمئني، لن تسألك أمك، هذه المرة، من أعطاك هذا الكمأ؟‏

المرأة : "تضحك" يا لأمي الحبيبة‏

الرجل : لعلها قرصت أذنك‏

المرأة : أمي لم تقرص أذني، كانت تحبني جداً "تتذكر" سألتني، من أعطاك هذا الكمأ؟ فقلت لها، إنه منك، فأبتسمت، وقالت، يبدو أننا سنفرح قريباً.‏

الرجل : وقد فرحنا‏

المرأة : إسمع، إذا بقينا نفرح هكذا، فلن نتعشى‏

الرجل : رحماك، أكاد أموت جوعاً، دعيني أساعدك‏

المرأة : كلا، أنا أعد الكمأ‏

الرجل : حسن، ليتك تقلينه مع البيض‏

المرأة : آه كشفت نفسك...‏

الرجل : "ينظر إليها مترقباً"...‏

المرأة : هذا الكمأ ليس من أجلي‏

الرجل : من أجلك، ومن أجل نرجسة تحبينها‏

المرأة : كل الحب "تنظف الكمأ" وقد أثبتت أنها إمرأة "ترمقه بنظرة خاطفة "لقد روضت رجلك... الوحش‏

الرجل : لم يعد.. الوحش، إنه الآن أنكيدو‏

المرأة : مهما يكن، فالفضل يعود إلى.. المرأة‏

الرجل : من يرى انكيدو الآن، لن يصدق أنه، كان قبل أشهر، يعيش مع وحوش البراري‏

المرأة : يالها من إمرأة ذكية، حاذقة، لقد علمته كيف يأكل مثلنا، ويلبس مثلنا، ويتصرف...‏

الرجل : والأهم، علمته كيف يتكلم‏

المرأة : يا للانكيدو "تضحك" إنه يكاد يتكلم مثل الأطفال الصغار‏

الرجل : ويخطيء مثلهم "يرفع ملعقة ضاحكاً" معلقة‏

المرأة : "تغالب دموعها" معلقة‏

الرجل : "يضع الملعقة محرجاً"....‏

المرأة : الخطأ نفسه‏

الرجل : "يهز رأسه"....‏

المرأة : "تبكي" لن أراه ثانية‏

الرجل : سترينه. نعم سترينه "يلتفت" شالتي قادمة، إمسحي عينيك‏

المرأة : "تمسح عينيها" لا عليك، إنني بخير، إفتح لها الباب‏

الرجل : الباب مفتوح‏

يُدفع الباب، وتدخل‏

شالتي حاملة أزهاراً‏

شالتي : "تشم" أشم رائحة، وأية رائحة "تشم بعمق" آه أيتها الألهة‏

المرأة : لا تتعجلي، وتخمني على هواك، إنها رائحة الأزهار التي تحملينها‏

الرجل : نعم، أزهارك، أُنظري يشير إلى ما حوله" لقد ملأت البيت أزهاراً.‏

شالتي : أبتي، إنني أشم رائحة.. كمأ..‏

الرجل : كمأ!‏

شالتي : سيقلى مع البيض‏

الرجل : "للمرأة" إسلقيه‏

شالتي : أُمي‏

المرأة : سأسلقه‏

شالتي : "تقبلها"....‏

المرأة : ثم أقليه مع البيض‏

شالتي : "للرجل" أرأيت؟‏

الرجل : لكن انكيدو قد لا يحبه مقلياً مع البيض‏

شالتي : أترك الأمر لي، يا أبتي، سيحبه‏

المرأة : سيحبه، نعم، ما دامت شالتي تقدمه له "تنظر إلى الرجل" أنسيت؟‏

الرجل : وكيف أنسى؟‏

المرأة : "للرجل" إذهب، ونادِ على الرجلِ‏

شالتي : انكيدو‏

المرأة : نادِ عليه، ليأتينا بقليل من الماء‏

الرجل : سيأتي الآن، إنني أسمعه يدخل الأغنام إلى الزريبة‏

شالتي : هاتي الجردل، سآتي أنا بالماء‏

المرأة : كلا، هذه مهمة.. "تصمت لحظة" ليتني أعرف، على وجه اليقين، من أسماه انكيدو‏

الرجل :"مازحاً" الألهة اورورو‏

المرأة : اورورو‏

شالتي : جاءتني في المنام، وقالت لي، إسمعي يا شالتي، إن من صنعته من طين البرية، ليكون غريماً لجلجامش، ومضاهياً له في قوة اللب، والعزم، إسمه... انكيدو‏

المرأة : من يدري، فأنا لم تزرني اورورو، مع أني "تنظر إلى الرجل" روضت...‏

الرجل : "يبتسم" لست انكيدو‏

المرأة : بنيتي، لقد علمت هذا الانكيدو أشياء كثيرة، لكنك نسيت شيئاً، شيئاً مهماً‏

شالتي : "تنظر إليها مبتسمة"....‏

المرأة : أطلبي منه أن يغتسل جيداً‏

شالتي : إنه يغتسل ثلاث مرات في اليوم‏

المرأة : أطلبي منه أن يغتسل خمس مرات‏

الرجل : سيغتسل عشر مرات، إذا طلبت منه شالتي ذلك‏

المرأة : أعرف‏

شالتي : "تضحك" إنني معلمته‏

المرأة : وهو متعلق بمعلمته‏

شالتي : أمي‏

المرأة : وأي تعلق‏

شالتي : "مبتسمة" آه "تلتفت إلى باب الزريبة" انكيدو قادم‏

يدخل انكيدو، هيئته‏

تغيرت، وكذلك تصرفاته‏

انكيدو : "يقف محرجاً"....‏

شالتي : انكيدو "تهمس له" مساءُ...‏

انكيدو : آه، نعم "كمن يتذكر درساً" مساء... الخير‏

المرأة : "تبتسم" مساء النور‏

الرجل : أهلاً انكيدو‏

المرأة : أرجو أن تكون قد أدخلت الأغنام جميعها‏

انكيدو : جميعها.. نعم.. جميعها.. ونظفت... الـ.. المكان.. أيضاً‏

المرأة : "تنظر إلى شالتي" تنظف الـ... المكان‏

شالتي : "لانكيدو" نظفت الزريبة.. نظفت الـ...‏

انكيدو : نعم.. نظفت الـ.. الزريبة‏

الرجل : لعلك لم تنس الـ.. ماع.. في الخارج‏

انكيدو : ليس أسمها الـ..ماع.. بل..‏

الرجل : بل..‏

انكيدو : النعزة‏

المرأة : "تغالب ضحكها"....‏

شالتي : انكيدو‏

انكيدو : العنزة.. نعم.. العنزة‏

شالتي : أرأيت، يا أبتي! العنزة‏

انكيدو : لم أنسها.. العنزة.. أدخلتها قبل الجميع إلى الـ..الزريبة‏

المرأة : ونظفتها؟ الزريبة‏

انكيدو : كلها‏

المرأة : كلها "لشالتي" كلها‏

انكيدو : "يتلفت حائراً"...‏

شالتي : انكيدو‏

انكيدو : نعم‏

شالتي : بعد قليل، سنأكل، سنتناول طعام العشاء..‏

انكيدو : آه "يطبطب على بطنه" فارغة‏

شالتي : قبل أن تأكل، وتملأ.. "تطبطب على بطنها" أريدك أن تذهب إلى النهر...‏

انكيدو : "ينظر إليها متسائلاً"...‏

شالتي : تأتي بقليل من الماءو...‏

انكيدو : "يهز رأسه" ماء‏

شالتي : و.. تغتسل‏

انكيدو : "يفرك يديه" أغتسل‏

شالتي : لا "تشير إلى جسمه كله" تغتسل‏

انكيدو : "يشير إلى جسمه" أغتسل‏

شالتي : وبسرعة‏

انكيدو : "يتجه نحو الباب" بسرعة‏

شالتي : مهلاً، يا انكيدو‏

انكيدو : يتوقف....‏

شالتي : لم تأخذ.. الجردل‏

انكيدو : الجردل "يفكر" الجردل؟‏

الرجل : "ينظر إليه مترقباً"....‏

المرأة : "تنظر إليه مترقبة"....‏

شالتي : الماء.. الجر.. دل‏

انكيدو : "بانتصار" الجردل" يسرع إلى زاوية الكوخ، ويرفع الجردل" الجردل‏

شالتي : "مبتسمة" الماء.. بسرعة‏

انكيدو : "يتجه نحو الباب" بسرعة.. بسرعة‏

"انكيدو يخرج مسرعاً،‏

الرجل والمرأة يضحكان "‏

شالتي : دعيني أساعدك‏

المرأة : لا، يابنيتي، يكفيك انكيدو‏

شالتي : لم يعد انكيدو بحاجة إليّ الآن‏

المرأة : "تنظر إليها مبتسمة" بل سيبقى بحاجة إليك‏

الرجل : "مبتسماً... لقد روضته‏

المرأة : إنها إمرأة‏

الرجل : زهرة، زهرة في كل شيء‏

شالتي : أشكرك، يا أبتي‏

المرأة : هكذا! كسبك بكلمتين‏

شالتي : "تحضنها" أمي‏

المرأة : "تقبلها" بنيتي الحبيبة‏



شالتي : أشكركما نيابة عن انكيدو، فلولاكما لبقي وحشاً بين الوحوش‏

المرأة : عفواً، يابنيتي، الفضل الأول لك، فأنت علمته الكثير‏

الرجل : بنيتي، هناك شيء يقلقني، يتعلق بانكيدو‏

شالتي : أبتي‏

الرجل : إنه يندد دائماً بجلجامش، ويتوعده، ويتطلع إلى مجابهته، وقهره‏

المرأة : لا، هذا خطأ، خطأ قاتل، فمهما كان انكيدو قوياً، فأن جلجامش، وحش، جبار، قاس، لا يرحم أحداً‏

شالتي : أنني معكما، لكن صدقاني، إنني لا أحرضه ضد جلجامش‏

المرأة : لعل ما يثير هذه المشاعر في داخله، حديثك الدائم عن أختك، وامار، وفتيان اوروك، ومطاردة الجند لك‏

شالتي : انكيدو عاش حياته مع الوحوش، ولا بد أن يعلم ما يدور حوله‏

الرجل : نعم، هذا حق، لكنه كالطفل، وعلينا أن نعلمه بالتدريج وإلا..‏

"يصمت متلفتاً"...‏

شالتي : "تتلفت قلقة"...‏

الرجل : أسمع حركة حول البيت‏

شالتي : "تجمد قلقة" يا إلهي‏

المرأة :" لاتخافي ، لعله انكيدو‏

شالتي : لا، ليس انكيدو، إنني أعرف وقع خطواته‏

الرجل : ربما حطابون عابرون "يتجه نحو الباب" إبقيا في مكانيكما، سأرى من...‏

"يُدفع الباب، ويندفع‏

الجنديان إلى الداخل"‏

المرأة : "تصرخ" آ آ آ‏

الأول : "شاهراً سيفه" أسكتي وإلا...‏

المرأة : تسكت خائفة"...‏

الرجل : نحن عجوزان مسالمان، نرجوكما...‏

الثاني : صه‏

الرجل : "يسكت خائفاً"...‏

الأول : الكوخ مطوق بالجند‏

المرأة : "تتمتم خائفة" ياويلتي‏

الأول : سنأخذ الفتاة، هذا ما نريده، وأي صوت، أو حركة، تدفعان الثمن غالياً‏

الرجل : "يندفع نحو شالتي" كلا، لن أسمح لكما..‏

الثاني : "يعترضه" أيها الخرف "يضربه بعقب سيفه" خذ‏

الرجل : "يتهاوى على الأرض" آي‏

المرأة : "تسرع إليه مولولة" يا إلهي، قتلته‏

شالتي : أيها القاتل "تندفع نحو الجندي" إنه رجل مسن‏

الأول : "يمسك بشالتي" تعالي معنا، وإلا قتلنا هذين العجوزين‏

شالتي : لا، لا تمساهما، إنهما بريئان "مستلمة" سآتي معكما‏

المرأة : بنيتي‏

الأول : "يدفع الفتاة" هيا‏

المرأة : "تهم باللحاق بشالتي" بنيتي، بنيتي‏

الثاني : "يدفعها" إبتعدي‏

المرأة : "تتهاوى على الأرض" آي‏

الأول : "للثاني" فلنمضِ "يدفع شالتي أمامه" هيا‏

"الأول والثاني يخرجان‏

بشالتي، ويغلقان الباب"‏

الرجل : "ينهض ويندفع نحو الباب"...‏

المرأة : مهلاً‏

الرجل : "يتوقف قرب الباب"...‏

المرأة : "تكاد تبكي" لا فائدة‏

الرجل : "يجثو منهنهاً"....‏

المرأة : "تزحف نحوه"كفى، نحن عجوزان، ولا نستطيع أن نفعل شيئاً‏

"تصمت لحظة" أنسيت؟ لقد سبق وأن أخذوا امار‏

الرجل : إنها بمثابة إبنتنا‏

المرأة : بل هي إبنتنا، لكن ماذا نستطيع أن نفعل؟‏

الرجل : "ينصت" إصغي‏

المرأة : "تصغي"...‏

الرجل : "ينهض متحاملاً على نفسه" إنه انكيدو‏

المرأة : "تنهض متحاملة على نفسها" نعم، إنه هو، انكيدو‏

الرجل : يا للمسكين، سيجن‏

المرأة : علينا أن نهدئه، ونمنعه من اللحاق...‏

يفتح الباب، ويدخل انكيدو، يقطر ماء‏

المرأة : "تغالب بكاءها" انكيدو‏

انكيدو : "يتلفت ملتاعاً" شالتي‏

الرجل : تعال، يا انكيدو‏

انكيدو : "ينظر إليه" شالتي‏

الرجل : بنيّ "يقترب منه " أحياناً تحدث أمور نتمنى ألا تحدث‏

انكيدو : "ينظر إليه صامتاً"....‏

الرجل : أخذوا إبني، منذ أشهر، أخذوا امار، وهذا ما كنت لا أتمناه‏

انكيدو : أخذوا.. شالتي‏

المرأة : "تهز رأسها مغالبة البكاء"....‏

انكيدو : جنود.. خيول.. "يشير إلى الخارج" ذهبوا "غاضباً" جلجامش‏

المرأة : "تتراجع نحو الباب" لا‏

انكيدو : "يتجه نحو الباب غاضباً" جلجامش‏

المرأة : " لا يا انكيدو‏

انكيدو : أقتله...‏

المرأة : إسمعني، يا بني‏

انكيدو : أخذوا شالتي "يصيح" أقتله‏

المراة : إهدأ "تمسك يده" إهدأ يا بنيّ، سنذهب معاً، ونبحث عن شالتي... وامار‏

انكيدو : شالتي.. امار‏

المراة : سنذهب معاً، ونستردهما، لكن ليس الآن‏

الرجل : "يقترب من انكيدو" نعم، سنذهب، سنذهب في الوقت المناسب، وسنجد شالتي.. وامار‏

انكيدو : "يقف وسط الكوخ متوعداً" جلجامش.. جلجامش.. جلجامش‏

الرجل والمرأة يقفان صامتين، قرب انكيدو‏

ستار‏

ورده من القلب
18-10-2008, 01:14 AM
الفصل الثالث المشهد الأول




غرفة في قصر جلجامش، ننسون وحدها‏

ننسون : "عند النافذة" الربيع في كل مكان، ليت الحياة كلها ربيع، لكن ما العمل؟ والآلهة قد إستأثرت بالربيع، وتركت لنا، نحن البشر، الخريف وما بعده "تصمت لحظة" آه مما بعد الخريف "تبتعد عن النافذة" لأبعد عني هذه الأفكار، فبعد غد يحتفل ابني، جلجامش ملك اوروك، بإنجاز السور، وياله من سور، إنه كما قال عنه شاعر اوروك "تنشد" أنظر إلى السور الخارجي، تجد أفاريزه تتألق كالنحاس، وأنعم النظر إلى سوره الداخلي الذي لا يماثله شيء.‏

واستلم أسكفته الحجرية الموجودة منذ القدم "تصمت لحظة" آه بني، من ذا الذي يضارعك في الملوكية! ومن غيرك سمي ساعة ولادته.. جلجامش؟ آه جلجامش‏

"تدخل شالتي، وهي‏

تتلفت خلفها خائفة "‏

شالتي : مولاتي‏

ننسون : "تهز رأسها مبتسمة"....‏

شالتي : "تتوقف ناظرة خلفها"....‏

ننسون : لا فائدة، لن تطمئن، حتى لو بقيت عندي مدى العمر‏

شالتي : "تقترب من ننسون" مولاتي... مولاتي‏

ننسون : أخيراً، يا شالتي‏

شالتي : إستيقظ سيدي، جلجامش‏

ننسون : "مازحة" إستيقظ!‏

شالتي : "تهز رأسها خائفة"....‏

ننسون : "مازحة" جلجامش يستيقظ كل يوم‏

شالتي : "خائفة" مولاتي‏

ننسون : "تربت على ذراعها" دعي عنك الخوف، أنت هنا منذ أكثر من شهر‏

شالتي : لو لم تأخذيني، يا مولاتي، حين جاءوا بي، وتلحقيني في خدمتك، لمت مثل...‏

ننسون : "تقاطعها" شالتي‏

شالتي : عفواً، مولاتي‏

ننسون : "تمازحها" صحيح أن جلجامش أسد...‏

شالتي : أنا...‏

ننسون : وأنت غزالة...‏

شالتي : أنا خائفة...‏

ننسون : "تضحك" إطمئني، لن أدعه يلمسك‏

شالتي : ها هو قادم، يا مولاتي‏

ننسون : أهلاً به‏

شالتي : إنه مقطب‏

ننسون : ليقطب، إنني ننسون، أمه‏

شالتي : مولاتي‏

ننسون : إبقي هنا، ولا تخافي، ولنرَ ما الذي يقلق أسد اوروك، جلجامش؟‏

"جلجامش يدخل مقطباً،‏

شالتي ترمقه خائفة"‏

جلجامش : صباح الخير، يا أمي‏

ننسون : صباح النور‏

جلجامش : "يحدق الي شالتي"...‏

شالتي : تنحني خائفة" صباح الخير، مولاي‏

جلجامش : إستيقظت كالعادة مبكرة، ربما قبل أن تستيقظ الشمس‏

ننسون : ماذا أفعل، يا بني؟ الأمر ليس بيدي، إنه الخريف‏

جلجامش : لا يا أمي، أنظري "يشير عبر النافذة" اوروك ربيع "يقترب منها" وأنت ربيع اوروك الدائم‏

ننسون : لأني أمك‏

جلجامش : "بشيء من القلق" أمي‏

شالتي : "تقترب من ننسون"....‏

ننسون : "مبتسمة" نعم‏

جلجامش : "يهز رأسه، ثم يرمق شالتي"...‏

ننسون : نعم، يا بني‏

جلجامش : أريد غزالتي‏

شالتي : "تتمتم خائفة" مولاتي‏

ننسون : "تربت على ذراعها" لا تخافي ، إنه يمزح‏

جلجامش : إنني جائع‏

ننسون : أعتقد أن الفطور جاهز‏

شالتي : نعم، يا مولاتي، جاهز، الفطور‏

جلجامش : أريد غزالة‏

ننسون : الغزلان كثيرة في اوروك‏

جلجامش : أريد غزالة تعرفينها‏

ننسون : هذه الغزالة تعود لننسون، وما يعود لننسون لا يلمسه أحد في اوروك‏

جلجامش : حتى جلجامش؟‏

ننسون : حتى جلجامش‏

جلجامش : إن اوروك، بكل ما فيها، تعود لي‏

ننسون : عدا ما يعود لننسون‏

جلجامش : أمي..‏

ننسون : جلجامش‏

جلجامش :جلجامش وكل ما يملك جلجامش، ملك لك وحدك‏

ننسون :لا أريد من كل ما ذكرته سوى... جلجامش‏

جلجامش : "يقف عند النافذة صامتاً"....‏

ننسون : بني‏

جلجامش : أمي‏

ننسون : ماذا بك؟‏

جلجامش : "يرمق شالتي"....‏

ننسون : "لشالتي" أكملي تجهيز الفطور‏

شالتي : الفطور جاهز يا..‏

ننسون : "تقاطعها" إذهبي الآن، وسأناديك بعد قليل‏

شالتي : أمر مولاتي‏

شالتي تخرج، ننسون تقترب من جلجامش"‏

ننسون : جلجامش‏

جلجامش : "ينظر إليها صامتاً"...‏

ننسون : أنت تقلقني، يابني، ما الأمر؟‏

جلجامش : لا تقلقي، يا أمي، إنني بخير‏

ننسون : طبعاً أنت بخير، ولا أحد بخير في اوروك أكثر منك‏

جلجامش : "ينظر إليها صامتاً"...‏

ننسون : لقد بنيت حرم إي - أنا المقدس، وفتحت مجازات الجبال، وحفرت الآبار في تلك المجازات، وها هو سور اوروك العظيم، قد تم انجازه على يديك، ومن غيرك، في اوروك كلها، يستطيع أن يقول، أنا الملك‏

جلجامش : أمي...‏

ننسون : كل شيء هنا ملك يديك، ورهن إشارتك، وأنت فوق ذلك، قوي، وجميل، وحكيم، و...‏

جلجامش : الليلة... رأيته... في منامي‏

ننسون : آه‏

جلجامش : رأيتني، ككل مرة، أسير مختالاً بين الأبطال، فظهرت كواكب السماء، وقد سقط أحدها إليّ، وكأنه شهاب السماء آنو، أردت أن أرفعه، لكنه ثقل عليّ، وأردت أن أزحزحه، فلم أستطع‏

ننسون : بني...‏

جلجامش : والأنكى، يا أمي، أن أهل اوروك تجمعوا حوله، وتدافع الناس عليه، والتف حوله الأبطال، وقبل أصحابي قدميه‏

ننسون : جلجامش...‏

جلجامش : ومع ذلك، أحببته وانحنيت عليه، ورفعته إليك، وأنت باركته، وجعلته نظيراً لي‏

ننسون : أنت تعرفني، يا جلجامش، بصيرةً، عارفة بكل شيء، فأسمعني‏

جلجامش : إنني أسمعك، يا أمي‏

ننسون : إن نظيرك، كوكب السماء، الذي سقط إليك، وكأنه شهاب السماء آنو، إنما هو صاحب قوي، ذو عزم شديد، يمينك، ويلازمك، ولا يتخلى عنك مدى العمر‏

جلجامش : "كمن يتذكر" انكيدو‏

ننسون : انكيدو!‏

جلجامش : انكيدو... انكيدو‏

ننسون : جلجامش‏

جلجامش : يخيل إليّ، أن أحدهم، همس لي بهذا الأسم‏

ننسون : في الحلم؟‏

جلجامش : نعم "متردداً.. ربما "يهز رأسه" لا أدري‏

ننسون : ليكن الأله شمش معك، يا بني‏

جلجامش : مهما يكن، فأني أشعر، بأنه يتقدم نحوي، خطوة بعد خطوة، وأنه في النهاية، سيجابهني "يصمت لحظة" ليأتِ، إنني انتظره، وسأجابهه، وأثبت له وللآخرين، أنني... جلجامش‏

شالتي : "تدخل مترددة" مولاتي‏

ننسون : نعم‏

شالتي : "تقف حائرة"....‏

ننسون : تكلمي، يا شالتي‏

شالتي : خيل إليّ أنك ناديتني‏

ننسون : "تبتسم" حقاً!‏

شالتي : مولاتي "تقترب منها" حان وقت فطورك‏

ننسون : "تضحك" أنت محقة، إنني جائعة فعلاً "لجلجامش" هيا نفطر‏

جلجامش : تفضلي أنت، يا أمي، لا أشتهي الآن شيئاً‏

ننسون : هذه ليست عادتك، تعال، سيعجبك الفطور "تبتسم" لقد أعدته شالتي‏

جلجامش : "يحدق إلي شالتي"....‏

شالتي : "تتمتم خائفة" مولاتي‏

ننسون : "تضحك" لا تخافي، إنه يمزح معك "تمسك بيد جلجامش" هيا، وإلا برد الفطور‏

يدخل الحارس مسرعاً،‏

وينحني لننسون وجلجامش‏

الحارس : "لجلجامش" مولاي‏

ننسون : خيراً؟ نحن لم نفطر بعد‏

الحارس : "لننسون" عفواً مولاتي، الأمر مُلحّْ‏

جلجامش : ما الأمر؟‏

الحارس : القائد بالباب‏

ننسون : "تنظر إلى جلجامش"...‏

جلجامش : "يبتعد قليلاً" لا بد أنه اكا، ملك كيش‏

ننسون : "تقترب منه" مرة أخرى‏

جلجامش : هذا الأحمق، أرسل إليّ، قبل فترة قصيرة، سفارة أخرى، تحمل إنذاراً، بأن أخضع له، وأعترف بسيادة كيش على اوروك‏

ننسون : أرجيء هذا الآن، لنفطر أولاً‏

جلجامش : إسبقيني، يا أمي، سألحق بك بعد قليل‏

ننسون : لا تتأخر "يتجه نحو الباب" لن آكل حتى تأتي "لشالتي" هيا‏

شالتي : "تلحق بها" أمر مولاتي "تخرجان"‏

جلجامش : إذهب، وادع القائد‏

الحارس : "ينحني" أمر مولاي "يخرج"‏

جلجامش يقف عند‏

النافذة، يدخل القائد‏

القائد : "ينحني" عفو مولاي "يرفع رأسه" أعرف أن الوقت غير مناسب، لكن الأمر خطير‏

جلجامش : اكا؟‏

القائد : نعم، يا مولاي، اكا‏

جلجامش : هذا ما خمنته‏

القائد : إنه، يا مولاي، يُعد العدة للهجوم على اوروك‏

جلجامش : ستكون هنا نهايته، لقد أكملنا بناء السورين، السور الخارجي، والسور الداخلي، وما دام قد إختار الحرب، فلتكن الحرب‏

القائد : مولاي، أنت تعرف مجلس شيوخ المدينة، إن أعضاءه الشيوخ قد يفضلون الرضوخ والاستسلام لإرادة اكا، ملك كيش‏

جلجامش : أعرف هذا، وقد وضعته في اعتباري، وفي هذه الحالة، سأعرض الأمر على مجلس رجال المدينة المحاربين، وسيختارون عدم التفريط بأستقلال اوروك وحريتها، وسيختارون ما اخترته، سيختارون الدفاع عن اوروك‏

القائد : مولاي، أنا وكل جند اوروك معك، تقدمْنا دفاعاً عن أوروك، وشعب اوروك، ومستقبل اوروك‏

جلجامش : باركتك الآلهة، والآن علينا أن ندعو مجلس الشيوخ للإجتماع هذا اليوم‏

القائد : الأمر لك، يا مولاي‏

جلجامش : تفضل أنت‏

القائد : أمر مولاي "يخرج"‏

جلجامش : "في الوسط" اكا، إنني أنتظرك، تعال وسترى بأم عينيك، اوروك، وجلجامش اوروك‏

يقف جلجامش جامداً،‏

يخفت الضوء بالتدريج‏

اظـــلام‏

ورده من القلب
18-10-2008, 01:16 AM
المشــــــهد الثانــــي



ساحة وسط اوروك،‏

سابلة، الجد وحفيدته‏

الحفيدة : أسرع، يا جدي، أسرع‏

الجد : "يمسك ظهره" آه ظهري "يتوقف" لو كان لي عمرك، لأسرعت كالغزال، وسبقتك‏

الحفيدة : "تعود إليه مبتسمة" أعطيك بضعة سنين من عمري إذا أردت‏

الجد : لا أريد من عمرك "يغالب إبتسامته" لدي عجوزي، سآخذ من عمرها‏

الحفيدة : "تضحك" ها ها ها‏

الجد : "يستنشق الهواء ملء رئتيه" آه الربيع "يمسك ذراعها" بنيتي تمتعي بشبابك، فالشباب لا يأتي في العمر إلا مرة واحدة‏

الحفيدة : "تميل عليه هامسة" جلجامش لا يدعني أتمتع.‏

الجد : "يقاطعها" كلا، جلجامش بنى...‏

الحفيدة : "تنشد" لم يترك جلجامش إبناً طليقاً لأبيه، لم يترك جلجامش عذراء طليقة...‏

الجد : هراء، إنه بطل، وشجاع، و..‏

الحفيدة : "تسير مبتعدة" سيأتيه انكيدو‏

الجد : "يسير في إثرها" خرافة، انكيدو لا وجود له‏

الحفيدة : انكيدو موجود يا جدي، وسترى‏

"تخرج الحفيدة، يتبعها‏

الجد، يدخل شابان "‏

الأول : يا للآله شمش، يقال أن اكا، ملك كيش، يزحف بجيش جرار، على اوروك‏

الثاني : هذا أكيد، وليس يقال "يتوقف" لقد قلتها مراراً، إن تدربنا على السلاح، والأسراع في إنجاز السور، ليس بلا سبب‏

الأول : ما يحيرني، ونحن في هذه الظروف، هو انكيدو، وهذا اللغط الغريب حوله‏

الثاني : دعك من انكيدو "يستأنف سيره" هيا‏

الأول : "يسير في اثره" يخيل إليّ، أن هذا الوحش، إن كان موجوداً، إنما هو صنيعة اكا‏

الثاني : ليكن انكيدو من يكون، فالنصر لجلجامش‏

الأول : هذا ما نتمناه، فلا اوروك بدون جلجامش‏

"يخرج الشابان، يدخل‏

جنديان، شاكي السلاح "‏

الأول : مهلاً، يا امار، مهلاً‏

امار : "يتوقف" ماذا دهاك؟ "يبتسم" يبدو أن التدريب على السلاح قد أنهك قواك‏

الأول : إنني من لحم ودم "يتأمله" ما أروعك، يا امار، في ملابس المقاتل هذه‏

امار : الملابس جديدة وجميلة "يبتسم" لو رأتني أمي في هذا الزي لغامت عيناها‏

الأول : عجباً، يفترض أن تفرح أمك في هذه الحالة‏

امار : هذه هي عادة أمي عندما تفرح‏

الأول : يا للإله شمش، ماذا تفعل إذن، عندما تحزن؟‏

امار : تمطر دموعاً "يستأنف سيره" هيا‏

الأول : "يلحق به" أتمنى لعيني أمك أن تظلا غائمتين طول العمر‏

امار : "يضحك" أشكرك‏

"يخرج الجنديان، يدخل‏

كاهنان، عجوز وشاب "‏

الشاب : يقال، يا سيدي، أن مجلس الشيوخ، رفض الحرب أمس، وفضل الرضوخ لأرادة اكا، ملك كيش‏

العجوز : هذا متوقع من أعضاء المجلس، يا بني، إنهم شيوخ‏

الشاب : عفواً، سيدي، أنت لست شاباً‏

العجوز : إن الإله شمش مع جلجامش "وهو يخرج" وأنا كاهن الإله شمش‏

الشاب : "وهو يخرج خلفه" المجد للأله شمش‏

السابلة يتملكهم الأضطراب،‏

ويخلون وسط الساحة‏

الفتاة : ماما، لاتسرعي‏

الأم : بنيتي، أنظري، الناس يسرعون‏

الفتاة : لا شأن لنا بهم "تتوقف" دعينا نتمتع بالربيع و...‏

الأم : "تتلفت" بنيتي‏

الرجل الأول : هذا جلجامش‏

الرجل الثاني : جلجامش؟ "ينظر" نعم، إنه جلجامش‏

الفتاة : "تتمتم" جلجامش‏

الأم : "تتوقف" يا ويلتي‏

الرجل الثاني : " وهو يبتعد" هيا، فلنبتعد‏

الرجل الأول : "يلحق به" أنت محق، هيا‏

الأم : "تسرع إلى إبنتها" بنيتي "تمسك بيدها" تعالي قبل أن يراك‏

الفتاة : "تقاوم أمها" فليرني‏

الأم : "مرعوبة" بنيتي‏

الفتاة : لاتخافي، يا أمي، إن الملكة الأم معه‏

الأم : "تسحبها بقوة" أيتها الحمقاء، تعالي "وهي تخرج" إنه جلجامش‏

يدخل جلجامش، ومعه‏

تدخل ننسون وشالتي‏

جلجامش : اليوم يوم، يا أمي‏

ننسون : هذا ما يقوله كاهن الأله شمش‏

جلجامش : "يبتسم" نعم "يصمت" لكن يبدو أن اليوم يوم بحق‏

ننسون : "تنظر إلى جلجامش"...‏

جلجامش : شوهد اليوم، رجل غريب، يجوب اوروك، بصحبة رجل وامرأة عجوزين‏

شالتي : "تتمتم" انكيدو‏

ننسون : "تلتفت إليها" ماذا قلت؟ يا غزالتي‏

شالتي : لا شيء، يا مولاتي‏

ننسون : خيل إليّ أنك قلتِ..‏

شالتي : عفواً، مولاتي، لم أقل شيئاً‏

ننسون : لا عليك "لجلجامش" أتظن أنه انكيدو‏

جلجامش : ليته انكيدو‏

ننسون : جلجامش‏

جلجامش : إن اكا، ملك كيش، يزحف بجيشه على اوروك، وقبل أن أخرج إليه بجيشي، أريد أن أفرغ من انكيدو‏

شالتي : "تتلفت قلقة"...‏

ننسون : "تنظر إلى الخارج" جلجامش‏

جلجامش : نعم، أمي‏

ننسون : "تشير برأسها إلى الخارج" القائد‏

جلجامش : "ينظر إلى الخارج" المسكين، يكاد لاينام‏

ننسون : سأدعك له إذن "تسير مبتعدة" تعالي، يا غزالتي‏

شالتي : "تتبعها بسرعة" نعم، مولاتي‏

جلجامش : سألحق بكما بعد قليل‏

ننسون وشالتي تخرجان،‏

يدخل القائد مسرعاً‏

القائد : عمت صباحاً، يا مولاي‏

جلجامش : عمت صباحاً، آمل أن يكون أهل اوروك على ما نريدهم‏

القائد : بل وأكثر، يا مولاي، كلهم حماسة، واستعداد للقتال، دفاعاً عن اوروك‏

جلجامش : هذا حسن "يتجه إلى الخارج" تعال معي‏

القائد : ليتك ترتاح قليلاً، يا مولاي‏

جلجامش : لن أرتاح حتى ألقى انكيدو‏

القائد : انكيدو؟ "يسرع في إثر جلجامش" مُرنا نأتك به، إن كان موجوداً‏

جلجامش : إنه موجود، وسألقاه اليوم‏

جلجامش والقائد يخرجان،‏

السابلة يتجولون مرتاحين‏

الرجل الأول : حمداً للألهة، مضى جلجامش‏

الرجل الثاني : لا تتعجل، قد يعود بعد قليل‏

الرجل الأول : إنني أراه قلقاً اليوم‏

الرجل الثاني : سمعته يتحدث إلى القائد، إنه يبحث عن انكيدو‏

الرجل الأول : انكيدو!‏

المرأة العجوز : "تتوقف مستندة على عصاها" انكيدو... انكيدو... من انكيدو هذا؟‏

الرجل الأول : "يبتعد منزعجاً" من ادراني؟‏

المرأة العجوز : يا للجيل الملعون، ماذا قلت ليرد عليّ هكذا؟ "تسير متوكئة على عصاها.. في شبابي، كان للكبير حرمته "تصمت" لا عجب أن يظهر فيهم انكيدو... ترى من انكيدو؟‏

العجوز تخرج مدمدمة،‏

تدخل الفتاة وأمها‏

الفتاة : ماما، تعالي‏

الأم : كفى، يا بنيتي، تجولنا كثيراً "تتلفت حولها" لنعد الآن إلى البيت‏

الفتاة : الدنيا ربيع، يا ماما، والجميع يتجولون‏

الأم : "تتوقف" لقد تعبت‏

الفتاة : لنقف هنا، وسط الناس، حتى ترتاحي‏

الأم : آه منك‏

الفتاة : "تنظر إلى الخارج" ماما‏

الأم : "تنظر إليها" نعم‏

الفتاة : "تشير برأسها إلى الخارج"...‏

الأم : "تنظر مذهولة" يا للآلهة‏

الفتاة : "مازالت تنظر إلى الخارج... هذا الرجل، لم أره من قبل، في اوروك‏

الأم : "مازالت تنظر مذهولة" أنا أيضاً لم أره‏

الفتاة : ترى من يكون؟‏

الأم : هذا لا يعنينا، يا بنيتي، هيا نذهب‏

الفتاة : ماما "تتشبث بها" أنت لم ترتاحي بعد‏

الأم : لن أرتاح إلا إذا ذهبنا إلى البيت‏

الفتاة : أنظري، يا ماما، أنظري‏

الأم : أنتِ ستقتلينني "تسحبها إلى الخارج" تعالي‏

يدخل انكيدو ومعه‏

الرجل العجوز وإمرأته‏

انكيدو : "يتوقف" اوروك كبيرة... كبيرة... وجميلة‏

الرجل : "يشير إلى ما حوله" هذه كلها بناها الملك... جلجامش‏

انكيدو : جلجامش...‏

الرجل : بنى القصور... والمعابد... والسور... و ...‏

انكيدو : جلجامش أخذ... شالتي...‏

المرأة : "تهز رأسها مغالبة دموعها" وأخذ إبني‏

انكيدو : جلجامش أخذ... امار‏

المرأة : "تنشج" امار... حياتي‏

انكيدو : سأراه جلجامش "مهدداً" سأراه... سأراه..‏

الرجل : انكيدو...‏

انكيدو : سأراه‏

الرجل : حذرتك، وأحذرك، جلجامش ليس رجلاً عادياً، إنه ملك، ملك اوروك، وفوق ذلك، هو قوي، شجاع، بطل...‏

انكيدو : سأراه... وآخذ شالتي... وآخذ امار "يواصل السير" سأراه.. سأراه‏

الرجل : يا إلهي، يبدو إننا لن نتوقف اليوم عن السير "لزوجته".... هيا، سيري‏

المرأة : آه قدميّ "تسير ببطء" لأسر وأمري للإله شمش‏

يدخل الجنديان، ويسيران‏

عبر خلفية الساحة‏

المرأة : "تتوقف متمتمة" امار‏

الرجل : "يلتفت إليها"....‏

المرأة : إنه امار‏

الرجل : أنت تخرفين، امار ورفاقه عند السور‏

المرأة : أنظره "تشير إلى امار" يسير هناك، مع شاب في عمره، إنهما في زي المقاتلين.‏

الرجل : "ينظر متمتماً" لقد خرفتْ‏

المرأة : "تصيح" امار‏

امار : "يتوقف"....‏

الرجل : لا تصيحي هكذا، لستِ في البرية‏

المرأة : هذا امار، أنظر جيداً‏

الرجل : امار ليس...‏

المرأة : "تصيح ثانية" امار‏

انكيدو : "يتوقف متمتماً" امار‏

امار : "يلتفت" إنه صوت أمي‏

الجندي الأول : أمك!‏

المرأة : "تتقدم إليه مذهولة" امار‏

الرجل : يا للإله شمش، أظنها على حق، هذا امار‏

انكيدو : امار؟‏

الرجل : نعم "يسير في إثر زوجته" بني، امار‏

امار : "يندفع إلى أمه ويحضنها" أمي‏

المرأة : "تحضنه وتقبله باكية" امار.. امار‏

الجندي الأول : "يبتسم" حقاً إنها أمه، أم امار، فها هي عيناها تغيمان فرحاً‏

الرجل : "يمد يديه إلى امار" بني‏

امار : "يحضن أباه" أبتي‏

الرجل : بني "يتأمله" أنت في ثياب المقاتلين‏

الجندي الأول : اكا، ياعم، يزحف بجيشه على اوروك‏

الرجل : "يحدق إليه صامتاً"...‏

امار : هذا صديقي، يا أبي‏

الرجل : "يصافحه" أهلاً بني‏

امار : شاركنا في بناء السور، وسنشارك في الدفاع عن اوروك‏

الرجل : لتبارككم الآلهة جميعاً‏

الجندي الأول : شكراً، يا عم‏

امار : "يشير إلى أمه" وهذه أمي "مبتسماً" أنظر إليها‏

الجندي الأول : عرفتها مباشرة "ينظر إليها" فقد رأيت الغيوم، التي حدثتني عنها‏

امار : "يضحك"...‏

المرأة : غيوم! أية غيوم؟‏

امار : "يحضنها ضاحكاً" دعك منه، إنه يمزح‏

المرأة : "تضربه مازحة" أيها القاسي، لم تزرنا طوال هذه المدة‏

امار : كان من المؤمل أن أزوركم، بعد انجاز السور، لولا ملك كيش، اكا‏

المرأة : اللعنة على اكا‏

امار : "ينظر إلى انكيدو"...‏

الرجل : بني، فاتني أن أعرفك "يشير إلى انكيدو" بصديقنا... انكيدو‏

امار : انكيدو!‏

الجندي الأول : انكيدو!‏

المرأة : نعم، يا بني، انكيدو‏

ينتبه بعض السابلة،‏

ويتوقفون محدقين إلى انكيدو‏

الرجل الأول : انكيدو؟‏

الرجل الثاني : انكيدو؟‏

المرأة الأولى : حقاً، إنه كما وصفوه‏

الرجل الأول : انكيدو... نعم.. انكيدو... انكيدو‏

انكيدو : "يتلفت حوله"....‏

الرجل الثاني : انكيدو.. انكيدو‏

المرأة الثانية : انكيدو.. انكيدو‏

انكيدو : "يهز رأسه مؤكداً" انكيدو... انكيدو.. انكيدو‏

الرجل الأول : يبدو لي، أنه حقاً، ند للملك، جلجامش‏

انكيدو : أريد جلجامش... أريده‏

المرأة الأولى : "تصيح متراجعة" جلجامش‏

الرجل الأول : "متراجعاً" جلجامش... جلجامش... جلجامش‏

يدخل جلجامش والقائد،‏

انكيدو يواجه جلجامش‏

جلجامش : "يتوقف" أخيراً‏

القائد : "ويده فوق مقبض سيفه" مولاي‏

جلجامش : كلا..‏

القائد : أرجوك، يا مولاي‏

جلجامش : مهما يحدث فلا تتدخل‏

القائد : "على مضض" أمر مولاي‏

جلجامش : لقد حانت لحظة الحسم‏

جلجامش وانكيدو يتقدم‏

أحدهما من الآخر‏

جلجامش : "يتوقف" انكيدو‏

انكيدو : جلجامش‏

جلجامش : أنت حقاً كما وصفوك لي‏

انكيدو : وأنت.. أيضاً‏

جلجامش : تبدو بحق نداً لي..‏

انكيدو : "يحدق إليه صامتاً"....‏

جلجامش : وهذا ما لم أعتقد، قبل الآن، أني يمكن أن أحتمله‏

انكيدو : أريد... شالتي‏

جلجامش : شالتي!‏

انكيدو : أريدها‏

جلجامش : أنت تعرفها إذن؟ آه‏

انكيدو : أريدها.. شالتي... وسآخذها‏

جلجامش : ليس قبل أن نتصارع‏

انكيدو : نتصارع‏

جلجامش : أنا جلجامش‏

انكيدو : وأنا.. انكيدو‏

جلجامش : "يرفع يديه متهيئاً للصراع.. لنتصارع‏

انكيدو : "يرفع يديه هو الآخر" نتصارع‏

جلجامش : "يحاول صرعه عبثاً" أنت حقاً.. قوي.. لكني.. سأصرعك‏

انكيدو : "يحاول هو الآخر صرعه دون جدوى" أنت أيضاً.. قوي.. لن تصرعني.. سأصرعك‏

جلجامش : محال يا... انكيدو‏

انكيدو : لا.. لا محال.. يا جلجامش‏

يستمران في المصارعة،‏

تدخل ننسون وشالتي‏

ننسون : يا إلهي الرحيم شمش، ماذا يجري هنا؟‏

شالتي : "مذهولة" انكيدو!‏

ننسون : انكيدو؟‏

شالتي : مولاتي، سيقتل أحدهما الآخر "تندفع نحو انكيدو" انكيدو‏

ننسون : مهلاً، مهلاً، يا شالتي‏

شالتي : "تتوقف" مولاتي‏

ننسون : لن يصغيا لك، أو لغيرك، إنهما متكافئان "تصمت لحظة" ادعي الأله شمش أن يبقيا متكافئين‏

شالتي : "تتمتم متضرعة" شمش‏

الصراع يستمر متكافئاً‏

بين جلجامش وانكيدو‏

جلجامش : انكيدو‏

انكيدو : أريد.. شالتي‏

جلجامش : أنت من.. اوروك‏

انكيدو : أريد... شالتي‏

جلجامش : اوروك.. في خطر‏

انكيدو : سآخذها... شالتي‏

جلجامش : اكا.. ملك كيش.. يزحف بجيشه على... اوروك‏

انكيدو : جلجامش...‏

جلجامش : نعم... يا انكيدو‏

انكيدو : أنت قوي.. شجاع.. لكن.. لم تترك إبناً.. طليقاً.. لأبيه‏

جلجامش : إنهم أبناء اوروك.. جعلتهم يبنون اوروك.... وأنا أدربهم الآن.. ليدافعوا عما بنوه‏

انكيدو : جلجامش...‏

جلجامش : لن يغلب.. أحدنا.. الآخر‏

انكيدو : أريد... شالتي‏

جلجامش : شالتي حرة.. ولها أن تختار..‏

انكيدو : وأريد.. اوروك..‏

جلجامش : اوروك!‏

انكيدو : كما تريدها.. شالتي.. حرة.. سعيدة‏

جلجامش : اوروك.. لن تكون حرة.. سعيدة.. تحت سيطرة ملك كيش.. اكا‏

انكيدو : أنت على حق "يصمت لحظة" جلجامش‏

جلجامش : نعم، انكيدو‏

انكيدو : لنتوقف‏

جلجامش : حسن، لنتوقف‏

جلجامش وانكيدو يتوقفان،‏

الجميع يلتفون حولهما‏

شالتي : "لننسون" عن إذنك، يا مولاتي‏

ننسون : "تدفعها باسمة" إذهبي، يا غزالتي، إذهبي‏

شالتي : "تندفع نحو انكيدو" انكيدو... انكيدو‏

انكيدو : فرحاً" شالتي‏

شالتي : "تتأمله" أنت مرهق، مصفر، والعرق يتصبب منك "تمسك منديلها" دعني أمسح العرق عن وجهك‏

انكيدو : "يستسلم لها صامتاً"....‏

المرأة : امار "تشير إلى شالتي" أنظر‏

امار : "ينظر إلى شالتي"....‏

المرأة : هذه هي شالتي، التي حدثتك عنها قبل قليل‏

امار : يبدو أن انكيدو متعلق بها‏

الرجل : تعالوا نذهب إليها‏

الرجل والمرأة وامار‏

يلتفون حول شالتي‏

المرأة : شالتي‏

شالتي : "تلتفت"... أمي‏

المرأة : "تشير إلى امار" هذا ابني، امار‏

شالتي : امار! يا إلهي، كم تمنيت أن أراك "تغمز للأم" إنه صورة منك‏

الرجل : "مازحاً" ولهذا فأنا أحبه‏

الجميع : "يضحكون"...‏

المرأة : شالتي، سنعود جميعاً إلى البيت قبيل المساء‏

انكيدو : تعالي معنا... شالتي‏

شالتي : ليتني أستطيع "تنظر إلى ننسون" مولاتي‏

ننسون : أنت يا غزالتي حرة، هذا ما قاله جلجامش‏

شالتي : شكراً، يا مولاتي "تلتفت إلى انكيدو والآخرين" سآتي معكم‏

انكيدو : شكراً "لننسون" شكراً، شكراً‏

ننسون : أنت تستحقها، هذه الغزالة‏

جلجامش : انكيدو‏

انكيدو : جلجامش "يتقدم منه" اوروك لن تكون تحت سيطرة اكا.. ولا غيره‏

جلجامش وانكيدو يتعانقان‏

وسط الفرح والتهليل‏

ستار‏

ورده من القلب
18-10-2008, 01:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
انتظروا بقيه ((اكبر موسوعه خاصه للطفل العربى))
قريبا باذن الله تعالى
جزء اخر من الموسوعه
0
0
0
0
الى اللقاء