مشاهدة النسخة كاملة : الانتقائية النظرية في الخدمة الاجتماعية: مراجعة نقدية
الانتقائية النظرية في الخدمة الاجتماعية: مراجعة نقدية
مقدمة:
تعد الانتقائية النظرية eclecticism إستراتيجية يتم من خلالها توظيف أكثر من نظرية أثناء الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية. لذا فهي طريقة في التفكير وطريقة في الممارسة، ولا تحوي مفاهيم أو فرضيات، كما تحوي بقية النظريات والنماذج النظرية المتاحة لمهنة الخدمة الاجتماعية. ويمكن تعريف الانتقائية على أنها "استخدام أكثر من إطار نظري أو أكثر من نظرية أو أكثر من نموذج نظري أثناء الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية".
وحتى لا يكون هناك خلطاً بين الانتقائية النظرية وبعض المفاهيم والمصطلحات القريبة منها، يجدر بنا التفرقة بينها وبين تلك المفاهيم والمصطلحات. فالانتقائية النظرية تختلف عما تم التعارف عليه وسمي بالتكامل المعرفي inter-disciplinary approach، حيث أن التكامل المعرفي يشير إلى إمكانية الاستفادة من النظريات والأطر النظرية المتاحة في العلوم الأخرى، سواءً كانت علوم اجتماعية أو نفسية أو طبيعية، والانفتاح - الواعي- على ما لديها، وتوظيفها أثناء الممارسة المهنية لمهنة الخدمة الاجتماعية، أو - كحد أدنى - الاستفادة منها لشرح وتفسير الظواهر الاجتماعية وفهم السلوك الإنساني، وعدم الاكتفاء بما هو متوفر في حدود العلم نفسه أو التخصص نفسه. والتكامل المعرفي لا يعني بأي حال من الأحوال استخدام أو توظيف أكثر من نظرية، بل يشير إلى إمكانية الاستفادة من التخصصات الأخرى وما هو متوفر لديها (الدامغ، 1996).
كما تختلف الانتقائية النظرية عن التعدد النظري theory triangulation (التعدد النظري هو أحد أنواع إستراتيجية التعدد المنهجي التي تشمل بالإضافة للتعدد النظري، تعدد المناهج وتعدد الأدوات وتعدد مصادر البيانات وتعدد الملاحظين) (Denzin, 1989)، حيث يشير التعدد النظري إلى استخدام أكثر من نظرية عند دراسة الظاهرة، أو عند تفسير نتائجها. ويحقق التعدد النظري فائدة كبيرة، حيث يسمح للباحث باختبار البيانات والمعلومات المجموعة في الدراسة، عن طريق أكثر من نظرية، مما يجعل التفسير المتوصل إليه متعدد الزوايا وبالتالي أقرب إلى الدقة والصواب، حيث أن توظيف أكثر من نظرية في دراسة الظاهرة نفسها يمنع الباحث من التحيز لنظرية معينة وتجـاهل نظريات أخرى. بالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام أكثر من نظرية لتفسير الظاهرة أو المشكلة، محل الدراسة يجعل الدراسة والتحليل أكثر عمقاً (Fielding & Fielding, 1986: 33). لذا فتعدد النظريات هو خاص بالدراسات العلمية، وجزء من منهجية البحث، وليس له علاقة بالممارسة المهنية في الخدمة الاجتماعية أو غيرها، حيث أن المنهج دائما مستقل بذاته عن النظرية. أما الانتقائية النظرية فعلى عكس ذلك، فهي معنية باستخدام وتوظيف أكثر من نظرية أثناء الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية، وتحديداً عند التعامل مع عملاء المهنة.
مبررات ظهور الانتقائية النظرية:
إن المتتبع لأدبيات الخدمة الاجتماعية الغربية والأمريكية منها على وجه الخصوص، يجد أن الانتقائية النظرية ما كانت لتظهر لولا وجود عدد من المبررات التي يمكن أن نسوقها كما يلي:
أولاً: طبيعة مهنة الخدمة الاجتماعية:
فطبيعة مهنة الخدمة الاجتماعية أنها مهنة ليس لها حدود واضحة، وتتم ممارستها في كل مكان تقريباً يحتاج فيه الأفراد والأسر إلى مساعدة مهنية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الخدمة الاجتماعية لا تزال في مرحلة تمدد نتيجة تزايد مجالات الممارسة المهنية فيها، الأمر الذي يجعل الأخصائيون الاجتماعيون يجدون أنفسهم يمارسون المهنة بمهام وأدوار لم يتم إعدادهم لها من قبل. ومما لا شك فيه أن ممارسة الخدمة الاجتماعية ليست ممارسة عشوائية، فهي مهنة لها ضوابطها والتي تقوم على فلسفتها ومبادئها وقيمها الخاصة بها. كما أن الممارسة الفعالة لها تتطلب بالضرورة الرجوع إلى الأدبيات الخاصة بها للاستزادة مما يستجد في الحقل ومحاولة التعرف على طرق تدخل مهني مناسبة مع عملاء المهنة (O’Hare, 1991: 220). لذا فإن ممارسة الخدمة الاجتماعية في مجالات جديدة يعد تقدماً من ناحية الممارسة على الناحية البحثية، الأمر الذي يؤدي إلى ندرة الدراسات التي تتناسب مع احتياجات الممارسين المهنيين في تلك المجالات المستحدثة. وهذا بدوره يجعل الممارسين المهنيين في تلك المجالات يسلكون أساليب عشوائية في الممارسة ويعتمدون على طريقة الصواب والخطأ trail and error، إذ يجدون أنفسهم مضطرين لتوظيف ما يرونه مناسبـاً لهم أو لعملائهم من غير إثبات علمي مبني على البراهين، وهو ما يؤدي في النهاية إلى احتمال وجود ممارسة مهنية غير فعالة.
ثانياً: الدعوة "للممارسة الإمبيريقة" في مهنة الخدمة الاجتماعية:
كان للتساؤلات التي طرحت في بداية السبعينات الميلادية والمرتبطة بمدى فاعلية الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية، ومدى جدوى تلك الممارسة المهنية في مساعدة عملاء المهنة، والتي أطلقها جويل فيشر (Fischer, 1973) أثراً كبيراً على مهنة الخدمة الاجتماعية. فلقد شهدت المهنة تطوراً نوعياً في تلك الحقبة الزمنية، نتيجة تلك التساؤلات، والتي أثرت بدورها ايجابياً على طبيعة ممارسة المهنة.
ويقصد بفاعلية الممارسة المهنية حقيقة مدى مسئولية الخدمة الاجتماعية social work accountability، أي مدى وفاء مهنة الخدمة الاجتماعية بوعودها والتزاماتها تجاه نفسها وتجاه عملائها وتجاه المجتمع الذي تمارس فيه. كما يقصد بفاعلية الممارسة المهنية أيضاً الوصول بالعميل إلى مرحلة أفضل مما كان عليه سابقاً (قبل التدخل المهني)، وذلك عن طريق تحقيق الأهداف العلاجية المخطط لها مسبقاً، واستخدام تقنيات الممارسة المهنية وأساليبها المنطلقة من أطر نظرية وفلسفية منطلقة من، أو متسقة مع فلسفة مهنة الخدمة الاجتماعية. وضرورة الاعتماد فقط على ما تم التحقق منه تجريبياً أثناء الممارسة المهنية، وما ثبتت فاعليته، وعدم اللجوء إلى الاجتهاد في الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية.
ثالثاً: عدم وجود نظرية خاصة بمهنة الخدمة الاجتماعية:
تخلو مهنة الخدمة الاجتماعية من نظرية خاصة بها، نابعة منها، ومتسقة مع فلسفتها وأهدافها. كم تخلو المهنة من نظرية موحدة تحظى بقبول واجماع كافة المشتغلين بالمهنة من باحثين وممارسين (Trader, 1977: 10). فالخدمة الاجتماعية ترتكز على قاعدة معرفية عريضة (Yegidis & Weinbach, 1991)، حيث توظف نظرية التحليل النفسي والعلاج السلوكي والعلاج العائلي ونموذج حل المشكلة ونموذج التدخل في الأزمات والنسق الإيكولوجي ونظرية الأنساق العامة وغيرها من النظريات والنماذج النظرية. ويجد الأخصائيون الاجتماعيون في كل من هذه الأطر النظرية والنظريات والنماذج النظرية شيئاً مفيداً يقدموه لعملائهم، ومع ذلك فهم مستمرون في البحث عن المزيد منها، وعن المزيد من المهارات في محاولة لإضفاء بعداً جديداً على ما يقدموه.
رابعاً: طريقة تدريس النظريات في الخدمة الاجتماعية:
لا تحظى النظريات - على الرغم من أهميتها – باهتمام كاف في معظم برامج الخدمة الاجتماعية (العربية والغربية) وإن كان بدرجات متفاوتة. فالنظريات تدرس إما ضمن مواد أخرى، أو أحيانا في مواد مستقلة ويكون ذلك غالباً في مرحلتي الماجستير والدكتوراه فقط، أما في مرحلة البكالوريوس، فقلما يتعلم الطلاب النظريات من خلال مواد مستقلة. وغالبا ما تمر النظريات على الطلاب من خلال دراستهم لمواد علم النفس أو مواد علم الاجتماع، لذا فهي لا تدرس لهم كما يجب أن تدرس في مهنة الخدمة الاجتماعية، حيث أن النظرية في الخدمة الاجتماعية لهاد دور مختلف عنه في التخصصات الأخرى. فوظائف النظرية بصفة عامة هي أنها (1) تشرح وتفسر الظواهر و(2) تساعد على التنبوء و(3) تساعد على تنظيم المفاهيم. ولا تقتصر وظائف النظرية في مهنة الخدمة الاجتماعية على الوظائف السابقة، بل تزيد على ذلك حيث أنها تُسير وتقود التخصص (الخدمة الاجتماعية)، إذ تساعد الباحثين في الحقل على التحقق مما تمت دراسته وما لم تتم دراسته وعلى ما تم التحقق منه وما لم يتم التحقق منه، وثانيهما: أنها توضح للممارس المهني ما هو مهم وما يجب التركيز عليه خلال عملية الدراسة وماذا يجب عمله أثناء عملية التدخل المهني، كما تساعد في عملية التشخيص من خلال تحديد وضع وحالة العميل.
وتكون النتيجة الحتمية لعدم التركيز على تدريس مواد النظريات وعلى تعليم الطلاب وظائفها، وعدم التعمق في فهمها، أن يتخرج الطلاب ولديهم صورة هلامية عن النظريات، وفكرة مشوهة عن كل نظرية، وفهم قاصر للنظريات بشكل عام. ويصبح هؤلاء الطلاب مع مرور الوقت هم الممارسون لمهنة الخدمة الاجتماعية، وعندما يضطرون لاستخدام نظرية أثناء ممارستهم، فإنهم يستخدمون القليل الذي يعرفونه، ويقومون بإسقاط معرفتهم القليلة على جزئيات من مشكلة أو مشكلات عملائهم. وهذا إن كان شكلاً هو توظيف للانتقائية النظرية، إلا أنه حقيقة توظيف مشوه، واستخدام مضطر. فما يعرفه الممارسون المهنيون هو قليل، وهو نتيجة للطريقة التي درسوا بها النظريات. وهذا القليل لا يمكنهم من توظيف أي نظرية بشكل كامل، مما يجعل الانتقائية النظرية لهم هي الطريقة الوحيدة للممارسة المهنية إذا ما أرادوا الاعتماد على النظرية.
متطلبات تطبيق الانتقائية النظرية:
هناك متطلبات أساسية يجب توافرها فيمن يستخدم الانتقائية النظرية ويوظفها التوظيف الأمثل أثناء الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية. ويمكن حصر هذه المتطلبات فيما يلي:
أولاً: تتطلب معرفة عميقة بالنظريات والأطر النظرية المتاحة للخدمة الاجتماعية:
تعد المعرفة بالمدارس الفكرية والأطر النظرية والنظريات والنماذج النظرية المختلفة المتاحة للممارس المهني للخدمة الاجتماعية الإكلينيكية مطلباً أساسياً للممارسة الحقيقية والفعالة. وتشمل هذه المعرفة تاريخ كل نظرية، والفلسفة التي انطلقت منها، وكيفية بناءها، وفرضياتها، ومفاهيمها، والدراسات التي أجريت حولها، وحدود كل نظرية. كما يجب أن تشمل المعرفة أيضاً معايير للمفاضلة بين النظريات المختلفة، ومعايير لاختيار الأنسب منها ولاسيما عند استخدام وتوظيف الانتقائية النظرية.
فالانتقائية النظرية هي عبارة عن خيارات choices لأنسب أطار نظري أو أنسب نظرية أو أنسب نموذج نظري يمكن أن يستخدم ويوظف مع مشكلة عميل أو مع جزئية من مشكلته. وهذا الأمر لا يمكن أن يتم إلا في حال وجود بدائل options متوفرة للممارس المهني من الأطر النظرية والنظريات والنماذج النظرية ليختار فيما بينها. فكلما كانت معرفة الممارس المهني تشمل عدد أكبر من الأطر النظرية والنظريات والنماذج النظرية، كلما توفر لديه عدد أكبر من الخيارات، وكلما كان ذلك بطبيعة الحال أفضل. كما أنه كلما كانت معرفة الممارس المهني أكبر بخلفية النظرية وبنائها وفلسفتها وفرضياتها ومفاهيمها وحدودها، كلما كانت الخيارات التي يقوم بها أفضل. وكلما كان الممارس المهني يعتمد على معايير للمفاضلة بين النظريات المختلفة، ويعتمد على معايير لاختيار النظرية وتوظيفها، كلما كانت اختياراته أدق وأصوب. لذا، فإن التوظيف الأمثل للانتقائية النظرية لا يتطلب فقط معرفة بالمدارس الفكرية والأطر النظرية والنظريات والنماذج النظرية المختلفة فحسب، بل معرفة عميقة بها، بحيث تشمل معرفته، كيفية بناء النظرية وكيفية دحضها وتقويضها.
ثانياً: تتطلب خبرة كبيرة في الممارسة المهنية:
تتطلب الممارسة الإكلينيكية للخدمة الاجتماعية بصفة عامة خبرة كبيرة، فهي مجموعة من العمليات الاحترافية المهنية يقوم بها الممارس المهني تشمل - ولا تقتصر على- توظيف عدد كبير من المهارات، وتوظيف المبادئ المهنية والميثاق الأخلاقي، والقدرة على الملاحظة الدقيقة، والقدرة على الدراسة والتشخيص والتقدير والعلاج أو التدخل المهني. وتلعب خبرة الممارس المهني (الخبرة التي نقصدها هنا الخبرة الكيفية والكمية معاً وليست الكمية فقط التي تقاس فقط بعدد السنين)، وتنوع هذه الخبرة دوراً كبيراً في تحقيق الجودة في أداءه وممارسته المهنية للخدمة الاجتماعية.
فالممارس المهني ذو الخبرة أقدر بكثير من قليل الخبرة في التركيز على ما يجب التركيز عليه أثناء تعامله مع عملاءه، كما أنه أقدر على فهم المشكلات المختلفة، وفهم طبيعتها، وتداخلاتها وتعقيداتها. فالخبرات التراكمية الجيدة هي أمور يصعب نقلها وتعليمها لطلاب مهنة الخدمة الاجتماعية، ولا يمكن تحقيقها إلا بالممارسة
الإشكاليات الفلسفية:
انطوت الانتقائية النظرية على إشكاليتين فلسفيتين، تمثلان هاجساً حقيقياً للمهتمين بفلسفة العلوم، والتي سيتم مناقشتهما كما يلي:
أولاً: إشكالية مرتبطة بفلسفة بناء المعرفة:
إذ تعد عملية بناء المعرفة knowledge building من العمليات المرتبطة أساساً بفلسفة العلوم philosophy of science، فالمعرفة (والتي منها بطبيعة الحال النظرية) تبنى إما عن طريق الاستقراء induction أو عن طريق الاستنباط deduction. والاستقراء هو الوصول إلى قاعدة عامة أو نظرية عامة عن طريق ملاحظة مجموعة محدودة من الحـالات التجريبية (الإمبيريقية). أي أنه الانتقال من الخاص إلى العام أو من حالات محدودة إلى كل الحالات. أما الاستنباط فهو التعليل المنطقي من مفهوم معين أو فرضية معينة والوصول إلى نتيجة ترتبط بها بالضرورة. وهي الانتقال من العام إلى الخاص أو من ملاحظة عامة ومحاولة اختبارها على أرض الواقع تجريبياً.
وينطلق الاستقراء من الفلسفة المنطقية الوضعية logical positivism التي ترى أن المعاني مستقلة عما نراه من حولنا من أشياء، وأنها (أي المعاني) من الممكن تفتيتها إلى أجزاء صغيرة قابلة للقياس عن طريق مقاييس موضوعية (الدامغ، 1996). وينطلق الاستنباط من الفلسفة البنائية الاجتماعية social constructionism التي ترى أن هناك حقائق متعددة وأن الحقيقة في واقع أمرها لها مستويات وأبعاد متعددة، وأن المعاني يمكن فهمها من خلال مستويات متعددة عن طريق السياق الاجتماعي (الدامغ، 1996).
وكما يلاحظ فإن الفلسفتين المنطقية الوضعية والبنائية الاجتماعية هما متناقضتان في المعنى وفي الجوهر، بل أن كل واحدة منهما نقيض للأخر، الأمر الذي يطرح الإشكالية الفلسفية الراهنة والمتمثلة في عدد من الأسئلة كما يلي: (1) هل يجوز الجمع بين نظريتين (أو أكثر) متناقضتان فلسفياً في طريقة بناءهما وفي نظرتهما للعالم؟ (2) هل من الممكن أن يؤمن الممارس المهني بفلسفتين متناقضتين (المنطقية الوضعية والبنائية الاجتماعية)؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فالسؤال التالي هو (3) هل يؤمن حقاً ذلك الممارس المهني بأي من الفلسفتين (المنطقية الوضعية والبنائية الاجتماعية)؟ وأخيراً (4) هل من الضرورة أن يتبنى الممارس المهني فلسفة معينة أو تصور معين أثناء ممارسته للمهنة؟
هذه التساؤلات وربما غيرها، تشكل إشكاليات فلسفية أشغلت المهتمين بفلسفة العلوم من أساتذة الخدمة الاجتماعية وباحثيها، كما شغلت حيزاً كبيراً في الكتابات عن الانتقائية النظرية، وكانت مثار جدل علمي. وربما هذا يفسر عدم تبني المهنة رسمياً - ممثلة بمؤسساتها المهنية الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية- الانتقائية النظرية كأساس للممارسة المهنية ولاسيما الخدمة الاجتماعية الإكلينيكية. فالتساؤلات التي طرحت لا يمكن الإجابة عليها، كما لا يمكن القطع بإجابة عنها باتجاه واحد، الأمر الذي يجعل الانتقائية النظرية متروكة ليستخدمها من يؤمن بها.
ثانياً: إشكالية مرتبطة بمزاعم الانتقائية النظرية:
ترتكز الانتقائية النظرية على عدد من الأسس والمزاعم هي كما يلي:
الأسس:
أولاً: أن كل نظرية لها حدود معينة، وأن كل نظرية فيها عيوب ونقاط ضعف، يرتبط بعضها بمدى دقة ووضوح مفاهيمها، ويرتبط بعضها بفرضياتها ومدى قابليتها للاختبار، ودرجة التحقق من هذه الفرضيات، كما يرتبط بعضها بكيفية بناء النظرية، ويرتبط بعضها بالفلسفة التي تنطلق منها النظرية.
ثانياً: أنه لا يوجد نظرية لوحدها مهما كانت قوة بناءها، ومهما كانت درجة التحقق من فرضياتها، قادرة على تقديم تفسير لكل أنواع السلوك الإنساني. كما لا يمكن لأي نظرية بمفردها أن تقدم تصوراً وتفسيراً للعوامل المتداخلة (النفسية والبيئية) والمؤثرة في السلوك الإنساني.
المزاعم:
أولاً: أن توظيف واستخدام الانتقائية النظرية كفيل بالتخلص من العيوب الموجودة في كل نظرية على حده، وفي كل نموذج نظري على حده، بغض النظر عن كون هذه العيوب مرتبطة بالنظرية نفسها من حيث فرضياتها ودرجة (أو قابلية) التحقق من فرضياتها، أو من حيث كيفية بناءها، أو من حيث الفلسفة التي تنطلق منها.
ثانياً: أن توظيف واستخدام الانتقائية النظرية هو تقدم نحو "الممارسة الإمبيريقية" في مهنة الخدمة الاجتماعية.
وتكمن الإشكالية الفلسفية في أن الأسس التي تقوم عليها الانتقائية النظرية هي في الواقع صحيحة، أما المزاعم التي تزعمها الانتقائية النظرية فهي محل جدل. إذ ليس هناك ما يثبت أن توظيف أكثر من نظرية أو أكثر من نموذج نظري أثناء الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية كفيل بالتخلص من العيوب الموجود في كل على حده. كما أن توظيف واستخدام الانتقائية النظرية ليس بالضرورة تقدماً نحو "الممارسة الإمبيريقية" قي مهنة الخدمة الاجتماعية – كما سنشير إلى ذلك لاحقاً عند التطرق لعيوب الانتقائية النظرية، بل ربما يقود إلى ممارسة عشوائية.
مزايا الانتقائية النظرية:
يوفر استخدام الانتقائية النظرية عدد من المزايا هي كما يلي:
أولاً: سهولة التطبيق:
إن التطبيق الشكلي للانتقائية النظرية في الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية أمر غاية في السهولة، حيث يقوم الممارس المهني بالاستناد على جزئية من إطار نظري أو بتطبيق أجزاء من نظرية أو نموذج نظري على كل جزئية من مشكلة العميل الذي يتعامل معه، أو لتفسير جزئية من سلوك العميل. فعلى سبيل المثال، بإمكان الممارس المهني الذي يتعامل مع حدث منحرف، أن يوظف جزئية من نظرية التعلم عن طريق المحاكاة (أحد نظريات التعلم، التي تصنف داخل الإطار العام للمدرسة السلوكية) ليعزو سبب السلوك المنحرف. كما بإمكانه توظيف نظرية الأنساق العامة general systems theory لتوضيح كيفية تطور السلوك المنحرف إلى مشكلة.
ثانياً: تمكن من الاستفادة من كل الأطر النظرية المتاحة:
يتوفر لمهنة الخدمة الاجتماعية تقريباً كل الأطر النظرية والنظريات الموجودة في علم النفس وعلم الاجتماع، هذا بالإضافة إلى النماذج النظرية التي تم تطويرها وبناءها داخل إطار مهنة الخدمة الاجتماعية نفسها. كما يتيح التكامل المعرفي لمن أراد من الممارسين المهنيين أن يستفيد مما لدى العلوم الأخرى وما توصلت إليه من معارف نظرية. والانتقائية النظرية هي الآلية الوحيد المتاحة للممارس المهني في الخدمة الاجتماعية لتوظيف كل هذه الأطر وكل هذه النظريات وكل هذه النماذج النظرية بعضها أو كلها، ككل أو كأجزاء، حسبما تمليه عليه المشكلة التي يتعامل معها أثناء الممارسة المهنية.
ثالثاً: تقلل من العيوب الموجودة في كل نظرية:
تعاني كل مدرسة فكرية كما تعاني كل نظرية من عيوب أو من نقاط ضعف مرتبطة إما بالفلسفة التي انطلقت منها (إما الفلسفة البنائية الاجتماعية أو الفلسفة المنطقية الوضعية)، أو بطريقة بناءها (عن طريق الاستقراء أو عن طريق الاستنباط)، أو بدرجة التحقق من فرضياتها. الأمر الذي يجعل كل مدرسة فكرية أو نظرية لوحدها قاصرة، وعرضة للنقد. لذا فإن الاعتماد على الانتقائية النظرية والجمع بين أكثر من نظرية وتوظيفها في الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية، يمكن من تجاوز النقد ويقلل من العيوب الموجودة في كل منها على حدة. وجهة النظر هذه وإن كانت لا تزال محل جدل، إلا أن المنادون بالانتقائية النظرية يصرون عليها، ويعتقدون بها.
رابعاً: تخلص الممارسين المهنيين من الانتماء غير المبرر لمدرسة فكرية أو نظرية بعينها:
لطالما كانت عملية الانتماء لمدرسة فكرية معينة أو لنظرية معينة مصدر جدل بل مصدر خلاف بين علماء الخدمة الاجتماعية. ولقد انتقل هذا الجدل والخلاف للممارسين المهنيين كنتيجة حتمية لعملية التعليم والاحتكاك بين علماء وأساتذة المهنة وممارسيها. حيث أن كل مدرسة فكرية تنظر إلى العالم وتفسره من زاوية معينة، وأن كل نظرية تنظر إلى العالم وتفسره من زاوية معينة، الأمر الذي يجعل تبني مدرسة فكرية بذاتها، أو تبني نظرية بذاتها، أمر يحد من النظرة الشمولية، ويحد من القدرة على الابتكار والقدرة على التعامل مع المستجدات المتغيرة التي غالباً ما تحدث أثناء الممارسة الإكلينيكية لمهنة الخدمة الاجتماعية، وبالتالي يقيد من حرية الممارس المهني. لذا فإن الاعتماد على الانتقائية النظرية هو في جوهره تحرر من قيود في الممارسة المهنية التي قد تمليها مدرسة فكرية أو نظرية أو نموذج نظري بعينه، وإعطاء الممارس المهني حرية أكبر في الممارسة المهنية لمهنة الخدمة الاجتماعية.
عيوب الانتقائية النظرية:
تعرضت الانتقائية النظرية لنقد حاد في أدبيات الخدمة الاجتماعية لوجود عدد من المآخذ عليها التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولاً: أنها ليست واضحة المعالم:
تكاد تجمع الكتابات العلمية المتاحة حول الانتقائية النظرية على الغموض وعدم الوضوح. فالانتقائية النظرية - كما أشرنا سلفاً - هي استخدام أكثر من إطار نظري أو أكثر من نظرية أو أكثر من نموذج نظري (ككل أو أجزاء منها) في التعامل مع كل جزئية من جزئيات مشكلة العميل أو لتفسير سلوكية معينة لدى العميل. ولكن تبقى عملية أي إطار نظري أو أي نظرية أو أي نموذج نظري يستخدم (ككل أو أجزاء منها أيضاً) متروكة لتقدير الأخصائي الاجتماعي الممارس لمهنة الخدمة الاجتماعية، ليحددها بنفسه، ولم يتم تحديدها داخل الانتقائية النظرية، وهو أمر يتأثر بالخلفية النظرية للممارس المهني ومدى قوتها، وخبرته في مجال عمله، ومدى عمقها. كما أن تحديد توظيف الانتقائية النظرية مع أي جزئية من مشكلة العميل هو الأخر متروك لتقدير الأخصائي الاجتماعي الممارس لمهنة الخدمة الاجتماعية، والذي بدوره سيتأثر بنوع المشكلة وطبيعة العميل ومدى استجابة العميل وظروفه المحيطة به وبمشكلته. ونرى أن ترك الأمور مفتوحة لاحتمالات كثيرة بهذا الشكل هو أمر لا يمكن أن يوصف بالوضوح، الأمر الذي يمثل أحد المآخذ على الانتقائية النظرية.
ثانياً: أنها تشجع على الاجتهاد:
من الممكن أن يتعارض مفهوم الانتقائية النظرية مع مفهوم الاعتماد على ما تم التحقق منه تجريبياً empiricism فالانتقائية النظرية هي عبارة عن توليفة أو خلطة تختلف مقاديرها ومكوناتها من حالة لأخرى، ومن عميل لأخر. كما يختلف تطبيق تلك المكونات (حتى لو تشابهت أسماً وشكلاً) من ممارس مهني لأخر تبعا لعوامل عديدة، منها خبرة الممارس المهني، وخلفيته النظرية، وقدرته على توظيف النظرية في الممارسة، وطبيعة المشكلة، وطبيعة العميل، وكيفية تجاوب العميل. الأمر الذي يجعل الممارسة المهنية باستخدام وتوظيف الانتقائية النظرية مع الحالات المختلفة التي يتعامل معها الممارس المهني، أمر متجدد باستمرار، ويصعب إعادة تطبيقه لكثرة العوامل المتغيرة الداخلة في تكوينه. فطبيعة الانتقائية النظرية - بغض النظر عن مزاعم المنادون بها- تجعلها فريدة في كل مرة، وبالتالي يعد الاعتماد على ما تم التحقق منه تجريبياً في الممارسة المهنية، وما ثبتت فاعليته، أمر ربما يكون من الصعوبة بمكان، وهو ما يشجع على الاجتهاد في الممارسة في كل مرة، والاستمرار في الاجتهاد أثناء الممارسة المهنية لمهنة الخدمة الاجتماعية.
ثالثاً: أن فاعليتها غير مضمونه:
ترتبط قضية فاعلية الممارسة المهنية باستخدام الانتقائية النظرية بالنقطة السابقة المتعلقة بالاجتهاد. فالاجتهاد - كما أشرنا- هو عدم الاعتماد (أو عدم القدرة على الاعتماد) على ما تم التحقق منه تجريبياً، وما ثبتت فاعليته. فعلى الرغم من توفر كم من الأطر النظرية والنظريات والنماذج النظرية فإن الغالبية العظمى من الممارسين المهنيين للخدمة الاجتماعية لا يظهرون مـا يدل على أنهم يتبنون أو يوظفون أي معرفة نظرية في الممارسة (Thyer, 1987: 150). ومعظمهم، استنادا إلى ثاير(Thyer)، يصفون توجهاتهم النظرية على أنها انتقائية. ولقد تسبب افتقاد المهنة لنظرية موحدة إلى إحداث نوع من الحيرة والربكة بين الممارسين المهنيين، فمعرفتهم المحدودة عن كل إطار نظري أو كل نظرية أو كل نموذج نظري لا تمكنهم من استخدام أي منها أو توظيفها توظيفـاً أمثل، الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى استخدام وتوظيف نظريات أو نماذج نظرية أو أجزاء منها بطريقة غير مضمونة النتائج، مما يؤثر بالضرورة على فاعلية الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية، ويجعلها في أحسن الأحوال غير مضمونة (محمد، 1983: 50-53).
تعليق:
نرى أن فكرة الانتقائية النظرية هي بحد ذاتها فكرة قوية، فهي إستراتيجية تمكن الممارسون المهنيون في الخدمة الاجتماعية من استخدام وتوظيف أكثر من إطار نظري وأكثر من نظرية وأكثر من نموذج نظري (ككل أو كأجزاء منها) أثناء تعاملهم مع عملائهم، وذلك بهدف تقديم أفضل ما يمكن لهم، من فهم سليم لمشكلاتهم، وتشخيص دقيق لها، وتقدير لكافة العوامل البيئية والذاتية الداخلة في مشكلاتهم. وهي تمكن من التعامل مع كل مشكلة يعاني منها العميل (في حال كونه يعاني من أكثر من مشكلة) على حدة، وباعتبارها مستقلة عن بقية المشكلات الأخرى. كما تمكن من التعامل مع كل جزئية من مشكلة العميل (في حال كونه يعاني من مشكلة واحدة) باعتبارها مستقلة عن بقية أجزاء المشكلة. وهي بذلك تحرر الممارس المهني من القيود والضوابط والإجراءات الذي قد يمليه استخدام إطار نظري بعينه، أو نظرية بعينها، أو نموذج نظري بعينه. كما أنها تسمح بالنظر لمشكلة العميل أو مشكلاته من زوايا نظرية مختلفة، وهو ما لا يتوفر بدون استخدام وتوظيف الانتقائية النظرية.
ومع ذلك فإن الانتقائية النظرية ليست إطاراً نظرياً محدداً، وليست نظرية بعينها، وليست نموذجاً نظرياً واضح ومحدد المعالم، فهي آلية لتوظيف الأطر النظرية والنظريات والنماذج النظرية كلها أثناء الممارسة المهنية، وهذه آلية تفتقر للوضوح والدقة، فليس هناك خطوات محددة يمكن للممارس المهني إتباعها، وليس هناك دليل لكيفية توظيفها، ولا محاذير يجب الابتعاد عنها، مما يجعلها رهينة بخبرة ومعرفة ومهارة الممارس المهني، الأمر الذي يتعارض مع جوهر فكرتها، وهو الاعتماد على الإمبيريقية في الممارسة المهنية.
ونعتقد أن الانتقائية النظرية هي آلية قديمة - جديدة متاحة للممارسين المهنيين في الخدمة الاجتماعية تجعل الكثيرون في المهنة يقفون على طرفي نقيض، فقد يرى البعض الابتعاد عنها نهائياً، وقد يرى البعض الأخر ضرورة تبنيها بالكامل، ونعتقد أن الموقف المنطقي العقلاني هو بين هذا وذاك. وتبقى الانتقائية النظرية آلية فعالة لمن يحسن استخدامها وتوظيفها، وآلية لا قيمة لها لمن لا يملك المعرفة والخبرة والمهارة لاستخدامها وتوظيفها.
المراجع العربية
الدامغ، سامي عبد العزيز
1996م(ب) التعدد المنهجي: أنواعه ومدى ملاءمته للعلوم الاجتماعية. المجلد الرابع والعشرون. العدد (4). شتاء 1996م. الكويت.
محمد، حسن محمد
1983 ممارسة خدمة الفرد. بيروت: دار النهضة العربية.
المراجع الإنجليزية
Denzin, N. K.
1989 The Research Act. Englewood Cliffs, NJ: Prentice Hall.
Fielding, N. & Fielding, J.
1986 Linking Data. Newburg, CA: Sage Publications.
Fischer, J.
1973 Is Case Work Effective? A Review. Social Wok. 18, 1, 5-20.
O’Hare, T.
1991 “Integrating Research & Practice: A framework for Implementation”. Social Work. 36 (3). May.
220-223.
Trader, H. P.
1977 "Survival Strategies for Oppressed Minorities" Social Work 22 (April): 10 - 13.
Thyer, B.
1987 Contingency Analysis: Toward a Unified Theory for Social Work Practice. Social Work 32 (March-April) 150 - 155.
Yegidis, B. & Weinbach, R.
1991 Research Methods for Social Workers. White Plains, NY: Longman Publishing.
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir