المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كن في الدنيا كانك غريب او عابر سبيل



سـراب
11-11-2008, 10:02 PM
كن في الدنيا كانك غريب او عابر سبيل

ابن رجب الحنبلي
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبي ، فقال :
(( كن في الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل )) وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت ، فلا تنتطر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك . رواه البخاري .


هذا الحديث خرجه البخاري ((1)) عن علي بن المديني ، حدثنا محمد
ابن عبد الرحمان الطفاوي ، حدثنا الأعمش ، حدثني مجاهد ، عن ابن عمر ،
فذكره ، وقد تكلم غير واحد من الحفاظ في لفظة : (( حدثنا مجاهد )) وقالوا : هي غير ثابتة ، وأنكروها على ابن المديني وقالوا : لم يسمع الأعمش هذا الحديث من مجاهد ، إنما سمعه من ليث بن أبي سليم عنه ، وقد ذكر ذلك العقيلي ((2)) وغيره ، وخرجه الترمذي ((3)) من حديث ليث عن مجاهد ، وزاد فيه :

(( وعد نفسك منأهل القبور )) وزاد في كلام ابن عمر : فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك
غدا . وخرجه ابن ماجه ((4)) ولم يذكر قول ابن عمر . وخرج الإمام أحمد ((5)) والنسائي ((6)) من حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة ، عن ابن عمر ، قال : أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - ببعض جسدي ، فقال : (( اعبد الله كأنك تراه ، وكن في الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل )) . وعبدة بن أبي لبابة أدرك ابن عمر ، واختلف في سماعه
منه ((7)) .

وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا ، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنا ومسكنا ، فيطمئن فيها ، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر : يهيئ جهازه للرحيل .
وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم ، قال تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال
: { يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار } ((8)) .
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال((9)) في ظل شجرة ثم راح وتركها )) ((10)) .
ومن وصايا المسيح - عليه السلام - لأصحابه أنه قال لهم : اعبروها ولا تعمروها ((11)) ، وروي عنه أنه قال : من ذا الذي يبني على موج البحر دارا ، تلكم الدنيا ، فلا تتخذوها قرارا ((12)) .
ودخل رجل على أبي ذر ، فجعل يقلب بصره في بيته ، فقال : يا أبا ذر ، أين متاعكم ؟ قال : إن لنا بيتا نوجه إليه ، قال : إنه لابد لك من متاع مادمت هاهنا ، قال : إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه ((13)) .

ودخلوا على بعض الصالحين ، فقلبوا بصرهم في بيته ، فقالوا له :
إنا نرى بيتك بيت رجل مرتحل ، فقال : أمرتحل ؟ لا ، ولكن أطرد طردا .

وكان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يقول : إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة ، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ، ولكل منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل

قال بعض الحكماء :
عجبت ممن الدنيا مولية عنه ، والآخرة مقبلة إليه يشغتل بالمدبرة ، ويعرض عن المقبلة



وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته : إن الدنيا ليست بدار قراركم ، كتب الله عليها الفناء ، وكتب على أهلها منها الظعن ، فكم من عامر موثق عن قليل يخرب ، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن ، فأحسنوا - رحمكم الله - منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة ، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى


وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ، ولا وطنا ، فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين : إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة ، همه التزود للرجوع إلى وطنه ، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة ، بل هو ليله ونهاره ، يسير إلى بلد الإقامة ، فلهذا وصى النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين .

فأحدهما : أن ينزل المؤمن نفسه كأنه غريب في الدنيا يتخيل الإقامة ، لكن في بلد غربة ، فهو غير متعلق القلب ببلد الغربة ، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه ، وإنما هو مقيم في الدنيا ليقضي مرمة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه ، قال الفضيل بن عياض : المؤمن في الدنيا مهموم حزين ، همه مرمة جهازه
ومن كان في الدنيا كذلك ، فلا هم له إلا في التزود بما ينفعه عند عوده إلى وطنه ، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم ، ولا يجزع من الذل عندهم ، قال الحسن : المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ، ولا ينافس في عزها ، له شأن ، وللناس شأن
لما خلق آدم أسكن هو وزوجته الجنة ، ثم أهبطا منها ، ووعدا الرجوع إليها ، وصالح ذريتهما ، فالمؤمن أبدا يحن إلى وطنه الأول ، وكما قيل :


كم منزل للمرء يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل


ينزل المؤمن نفسه في الدنيا كأنه مسافر غير مقيم البتة ، وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به السفر إلى آخره ، وهو الموت . ومن كانت هذه حاله في الدنيا ، فهمته تحصيل الزاد للسفر ، وليس له همة في الاستكثار من متاع الدنيا ، ولهذا أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة من أصحابه أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب .
قيل لمحمد بن واسع : كيف أصبحت ؟ قال : ما ظنك برجل يرتحل كل يوم مرحلة إلى الآخرة ((14)) ؟
وقال الحسن : إنما أنت أيام مجموعة ، كلما مضى يوم مضى بعضك ((15)) . وقال : ابن آدم إنما أنت بين مطيتين يوضعانك ، يوضعك النهار إلى الليل ، والليل إلى النهار ، حتى يسلمانك إلى الآخرة ، فمن أعظم منك يا ابن آدم خطرا ((16)) ، وقال : الموت معقود في نواصيكم والدنيا تطوى من ورائكم .
قال داود الطائي : إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم ، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها ، فافعل ، فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو ، والأمر أعجل من ذلك ، فتزود لسفرك ، واقض ما أنت قاض من أمرك ، فكأنك بالأمر قد بغتك ((17)) .
وكتب بعض السلف إلى أخ له : يا أخي يخيل لك أنك مقيم ، بل أنت دائب السير ، تساق مع ذلك سوقا حثيثا ، الموت موجه إليك ، والدنيا تطوى من ورائك ، وما مضى من عمرك ، فليس بكار عليك حتى يكر عليك يوم التغابن .


سبيلك في الدنيا سبيل مسافر

ولابــد من زاد لكل مسافر
ولابد للإنسان من حمل عدة
ولاسيما إن خاف صولة قاهر


قال بعض الحكماء : كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره ، وشهره يهدم
سنته ، وسنته تهدم عمره ، وكيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله ، وتقوده حياته إلى موته .
وقال الفضيل بن عياض لرجل : كم أتت عليك ؟ قال : ستون سنة ، قال فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ ، فقال الرجل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال الفضيل : أتعرف تفسيره تقول : أنا لله عبد وإليه راجع ، فمن علم أنه لله عبد ، وأنه إليه راجع ، فليعلم أنه موقوف ، ومن علم أنه موقوف ، فليعلم أنه مسؤول ، ومن علم أنه مسؤول ، فليعد للسؤال جوابا ، فقال الرجل : فما الحيلة ؟ قال : يسيرة ، قال : ما هي ؟ قال : تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى فإنك إن أسأت فيما بقي ، أخذت بما مضى وبما بقي ((18)) ، وفي هذا يقول بعضهم :


وإن امرءا قد سار ستين حجة
إلى منهل من ورده لقريب


قال بعض الحكماء : من كانت الليالي والأيام مطاياه ، سارت به وإن لم يسر ((19)) ، وفي هذا قال بعضهم((20)) :


وما هـــذه الأيام إلا مراحل
يحث بها داع إلى الموت قاصـد
وأعجب شيء - لو تأملت - أنها
منازل تطوى والمسافر قاعــد


قال الحسن : اجتمع ثلاثة من العلماء ، فقالوا لأحدهم : ما أملك ؟ قال : ما أتى علي شهر إلا ظننت أني سأموت فيه ، قال : فقال صاحباه : إن هذا لأمل ، فقالا لأحدهم : فما أملك ؟ قال : ما أتت علي جمعة إلا ظننت أني سأموت فيها ، قال : فقال صاحباه : إن هذا لأمل ، فقالا للآخر : فما أملك ؟ قال : ما أمل من نفسه في يد غيره ((21)) ؟
قال داود الطائي : سألت عطوان بن عمر التميمي ، قلت : ما قصر الأمل ؟ قال : ما بين تردد النفس ، فحدث بذلك الفضيل بن عياض ، فبكى ، وقال : يقول : يتنفس فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه ، لقد كان عطوان من الموت على
حذر ((22)) .
وقال بعض السلف : ما نمت نوما قط ، فحدثت نفسي أني أستيقظ منه .
وكان حبيب أبو محمد يوصي كل يوم بما يوصي به المحتضر عند موته من تغسيله ونحوه ، وكان يبكي كلما أصبح أو أمسى ، فسئلت امرأته عن بكائه ، فقالت : يخاف - والله - إذا أمسى أن لا يصبح ، وإذا أصبح أن لا يمسي ((23)) .

وكان محمد بن واسع إذا أراد أن ينام قال لأهله : أستودعكم الله ، فلعلها أن تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا دأبه إذا أراد النوم