المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موسوعة أعلام الفكر التربوي



أديب فؤاد
30-10-2005, 12:11 AM
1 -الإمام محمد بن علي الشوكاني
هو محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني ، الخولاني ، الصنعاني . مفسر ، ومحدث ، وفقيه ، أصولي ، ومؤرخ ،وأديب ، ونحوي ، ومنطقي ، ومتكلم ، وحكيم ، من كبار علماء اليمن . ,ولد بهجرة شوكان من بلاد خولان في عام 1173هـ الموافق 1760م ونشأ في صنعاء ، حيث كان والده يعمل قاضياً بها وبوطنه الأصلي خولان ، وتلقى العلم على يد كبار علماء صنعاء أمثال السيد العلامة عبدالرحمن المداني ، والحداني ، والنهمي والحسن المغربي ، والعلامة عبدالقادر بن أحمد و آخرين كثيرين

ظهر نبوغه بعد أن هضم ثقافة عصره ، وموسوعات الثقافة والتراث العربي الإسلامي وقد حفظ كذلك القرآن وجوّده ، وحفظ بالإضافة إلى ذلك عدداً كبيراً من المتون قبل أن يبدأ عهد الطلب ، ولم تتعد سنه العاشرة ، ثم اتصل بالمشايخ الكبار ، وفي سن العشرين تصدر الإفتاء ، إذا كان يفتي لأهل صنعاء ومختلف المناطق اليمنية ، لذلك لم يسمح له أبوه بالاشتغال بغير العلم ، كذلك لم يسمح له بالانتقال من صنعاء

أما دروسه فقد كانت تبلغ في اليوم والليلة نحو(13) ثلاثة عشر درساً منها ما يأخذها عن مشايخه ، ومنها ما يأخذه عنه تلاميذه ، وذلك في مختلف الفنون والعلوم : كالحديث والتفسير والأصول والعروض والمعاني والبيان والمنطق والفقه والجدل وغيرها . أما مؤلفات الشوكاني المخطوطة فقد بلغ نحو
(240 مؤلفاً) ، إضافة إلى نحو (30 مؤلفاً مطبوعاً) منها على سبيل المثال : فتح القدير في التفسير ونيل الأوطار في الحديث والبدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ، والدر النضيد في إخلاص التوحيد . هذا بالإضافة إلى أجوبة وبحوث قصيرة مطبوعة وكذلك له بعض الشعر توفى رحمه الله بصنعاء في عام 1250هـ الموافق 1894م.



مفهوم التربية وأهدافها :
التربية عند الشوكاني أداة فعالة لتغيير السلوك ، كما أنها يمكن أن تسير في تغيير السلوك نحو أحد اتجاهين : الاتجاه المحمود ونقيضه الاتجاه المذموم ، وهنا إشارة إلى إبليس ومشاركته للإنسان في الأموال والأولاد ، أما الاتجاه المحمود ، فهو كل من لديه إمكانية التأثير في السلوك كزعماء الإرشاد وذوي الاجتهاد وغيرهم

كما حدد الشوكاني غاية التربية الرئيسة وهي الإنسان العابد المحب لله سبحانه وتعالى ولرسوله (صلى الله عليه وسلم ) وهو المظهر العملي لمحبة الإنسان المسلم لربه ، وفي مجال آخر يقول الشوكاني " من أعظم محبة الله عز وجل ودلائل صحتها إتباع رسول الله في أقواله وأفعاله والاقتداء به والاهتداء بهديه الشريف " . في حين تنبثق عن هذا الهدف الرئيس للتربية أهداف فرعية يمكن توضيحها فيما يلي:

التربية الروحية :
وتتجسد في مقاصد القرآن الكريم الثلاثة : إثبات التوحيد ، وإثبات المعاد وإثبات النبوات ، كما يؤكد الشوكاني أنه في إطار التربية الروحية إلى ممارسة الدعاء والاستعاذة من شر القضاء كما يؤكد أيضاً على تلاوة القرآن فضلاً عن تدبر آياته وأحكامه ، كذلك أكد على الأذكار كالتسبيح والتحميد والتكبير كما أنه يرى أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين القلب وبين أنماط السلوك فيشكل السلوك بحسب أوضاع القلب نوراً أو ظلاماً

التربية الخلقية :
تدور التربية الخلقية حول الصفات التي تمثل انعكاساً لحياة المسلم الإيمانية والروحية ، حيث حذر من شبوع القيم المذمومة كالغيبة والنميمة وتجنب البخل وأخذ الرشوات ومجالس السوء , كما يرى الشوكاني أيضاً وفي إطار التربية الخلقية عدم التسرع في الحكم على الجماعات بناءً على ملاحظة سلوك أحد أفرادها أو حتى عدة أفراد منها

أما الأخلاق الحسنة فهي معاملة الجار بطيبة وعدم الأضرار به فينبغي قيام العلاقة الطيبة بينهما . كما أكد أيضاء على تكريم الطعام وعدم تعريضه للإهانة وتقديم كبار السن في المجالس والكلام وغيرها من الصفات التي يستوجب على المسلم التحلي بها .

التربية العقلية :
تعتبر دعوة الشوكاني عموماً ثورة علمية تجدها بارزة في معظم مؤلفاته وقد مارس المنهج العلمي في التفكير خلال تعليمه طلبة العلم ، فصار علماً من أعلام المجتهدين وأكبر داعية إلى ترك التقليد وأخذ الأحكام اجتهاداً من الكتاب والسنة كما يحث الشوكاني العقل المسلم في سلوكه المعرفي على البحث عن الدليل والتحرر من تأثير الهالة لأصحاب الآراء كما يرى ضرورة انفتاح العقل الإسلامي على مختلف فنون العلم .

التربية البدنية :
ولا تعد التربية البدنية غاية في ذاتها وإنما وسيلة لإعداد الأجسام للجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله كما يرى لزوم تربية المسلم التربية اللازمة بما تتضمنه من أجهزة تستهدف إعلاء طاقاتها من خلال تربية الشباب على علو الهمة ورفعة المشاعر وقوة الإرادة وغيرها


معالم التربية الأساسية :

الطالب :

الطلاب قسمان قسم يسكن المدينة ، وبما أن المدينة صغيرة فالتواصل بين أحيائها سهل جداً فلا يحتاج الطالب إلى وسيلة مواصلات والقسم الثاني من خارج المدينة وهؤلاء يسكنون مساكن مجانية تابعة للمسجد تسمى ( منازل ) وهي بسيطة متواضعة جداً لكنها تؤدي الفرض ولا يدخلها الطالب إلا للنوم أو الأكل إذ أنه يقضي معظم زقته في المسجد

وقسم الشوكاني الطلبة إلى أربع طبقات تختلف باختلاف الأهداف المرجوة والغايات التي يبتغيها الطالب من دراسته وهي :-

الطبقة الأولى : تبتغي العلم للعلم وهي قمة الطوائف الأربع .
الطبقة الثانية : والتي تطلب العلم لتستغني به عن سؤال العلماء ولكنها لا تصل إلى درجة إفناء الغير .
الطبقة الثالثة : التي تطلب العلم إلى مستوى معين لا يمكنها من الاستغناء عن سؤال العلماء في العلوم التي حصلتها إذا فهي أقل تمكناً من سابقتها .
الطبقة الرابعة : وهي تستهدف إتقان علم من العلوم أو علمين لفرض ديني أو دنيوي وتنشد من وراء ذلك الاشتغال في حرفة معينة مثل الطب أو المحاسبة وغيرها .

ويحدد الشوكاني وصايا عامة وخاصة لطلابه فمنها ترك التقليد وسلوك طريق الاجتهاد ونبذ التعصب وأخذ العلم من ذوي الاختصاص . كما وصى طلبته خاصة بإخلاص النية والابتعاد عن المعاصي والعمل بما يعلمون كما أوصاهم بأن يبذلوا مزيداً من الجد والاجتهاد لأجل تواصل الإبداع الفكري كما أن الشوكاني لا يرى أية تناقض في دراسة المسلم للعلوم الأخرى والثقافات المختلفة ولكنه يدرسها بعد أن يترسخ قدمه في الإسلام وعلومه

المعلم :

استخدم الشوكاني لفظة (المسلم الرباني) ، بمعنى المعلم ، فهو المؤدب ، والنافع للعباد والمعلم للخير وأن الربانيين أرباب العلم ومفردة رباني من قوله ربه ، يربه فهو ربان إذا دبّره وأصلحه ، فمعنى الرباني العالم بالدين القوي المستمسك بطاعة الله ، العليم الحكيم ويصبح معنى كونوا ربانيين كونوا معلمين بسبب كونكم علماء وبسبب كونكم تدرون العلم

وقد كان المعلم يحصل على راتب مجزٍ وكذا مساعديه حيث أن كل معلم يعتمد عن نفسه في نفقاته وكذلك فهم يحصلون على هدايا من المسؤولين وغيرهم ، إلا أن بعض المعلمين كانوا ينشغلون بأمور دنياهم فيقل بذلك عطاؤهم ولذلك فإن المعلم السئ أو الضعيف ينفر منه الطلبة إذا كان معيار التقويم للمعلمين هم الطلبة وليس غيرهم أما المعلم الكفء ذو الأخلاق العالية يحبه الطلبة ويقبلون على دروسه إقبال طيباً

وعليه فإن الأمام الشوكاني حمل المعلم مسؤوليات متعددة يقف في طليعتها القيام بتعديل سلوك المتعلم وتنميته وهنا يركز على نقطة مهمة وهي الفروق الفردية إذا أن الناس يختلفون فيما بينهم في إفهامهم ومدركاتهم لذلك تجده يحث المربي على مراعاة استعدادات وقدرات كل متعلم على حده بحيث يبلغ به أقصى ما يمكن أن توصله إليه قدراته واستعداداته من مستويات التعلم

وفي ضوء ذلك يتضح أن الرباني (العالم) هو الذي يسلك مسلك التدرج في التربية والتعليم من السهل إلى الصعب ومن البسيط إلى المعقد وأنه هو الذي يقوم بتعديل السلوك وتنميته من خلال التأديب والإصلاح وأنه كذلك الذي يقوم يربط العلم بالعمل ومن صفات هذا المعلم الرباني القوة الإيمانية والروحية والجسمية والعقلية والاجتماعية وكذلك لا يصح أن يكون معلماً ربانياً وهو في معزل عن طاعة الله عزوجل .

المنهاج الدراسي :

تفاوتت نوعية الكتب التي كانت تدرس في عصر الشوكاني وخاصة التي تدرس منها في الجامع الكبير وذلك بحسب الوضع السياسي لصنعاء والذي بدوره تفاوت بين السنة والشيعة والباطنية والزيدية وإن كانت السنة هي الغالبة .

وعندما نتحدث عن الكتب فإنه قد يتبادر إلى الذهن الكتب المعروفة في أيامنا شكلها الجذاب وطباعتها الأنيقة وتجليدها الفاخر ، إلا أن العكس صحيحاً ، أي أن الكتاب كان عزيزاً ونادراً وكان مكتوباً بخط اليد وعلى العموم فهي غير متوفرة بيد الطلبة ولكنهم غالباً ما يجدون بغيتهم في مكتبة المسجد إذا كان فيها الكثير من الكتب الموقوفة
أما المنهاج الدراسي الذي اقترحه الشوكاني لكل طبقة من طبقات تقسيمه الأربع ، هو كما يلي :

1 برنامج الطبقة الأولى :
وتبدأ الفئة الأولى بدراسة علوم النحو وأثناء دراسة النحو يحبذ دراسة مختصرات المنطق على يد الشيوخ وذلك بالتركيز على مباحث التصورات والتصديقات كي يستعينوا بها على فهم مباحث علم النحو ذات الطابع المنطقي . وبعد ذلك ينتقل الطالب إلى دراسة علم الصرف . وهنا يركز على أسلوب الحفظ الذي يعتبره ضرورياً للتمكن من علم الصرف وأثناء دراسة الصرف يلزمه بدراسة فن الوضع وفن المناظرة وما أن تثبت ملكة الطالب في علمي النحو والصرف حتى ينتقل الطالب إلى حفظ مختصرات علم البيان والمعاني ثم مؤلفات اللغة المشتملة على مفرداتها .

وبعد دراسة النحو والصرف والبيان والمعاني يبداً في دراسة علم المنطق والذي حدد الشوكاني أهدافه بتحقيق مزيد من الإدراك وكمال الاستعداد عند ورود الحجج وتنمية البصيرة .

ثم بعد ذلك ينتقل الطالب لدراسة علم أصول الفقه ثم علم التفسير كما أنه يوصي طالب العلم بدراسة علم السنة من خلال سماع مؤلفات فنون الأحاديث المقطوعة الأسانيد ودراسة شروحها ودراسة مؤلفات الجرح والتعديل .

وفضلاً عما تقدم فإن الشوكاني يقترح فيما إذا انتهى الطالب من دراسة العلوم السابقة أن يقوم بتوسيع أفقه العلمي والثقافي من خلال قراءة كتب التاريخ ودراسة الشعر العربي الجيد إضافة إلى دراسة العلوم الطبيعية .

برنامج الطبقة الثانية :
ويحدد أوصاف هذه الفئة من الطلبة بالتي تستغني بما اكتسبته من العلم عن غيرها ، ولكنها لا تصل إلى رتبة إفتاء الغير أو درجة الإمامة . وهنا يركز الشوكاني على أساس مهارات التعلم الذاتية والتي تهيئ له فرص الاستزادة فيما إذا احتاج إلى معرفة معينة .

ويصف الشوكاني علم هذه الطبقة بأنه العلم الوسيط فهو قدر كافٍ من العلم في كل فن
(أعرف شيئاً عن كل شئ) . مع اكتساب أفرادها مهارات الاجتهاد والقدرة على فهم مختلف العلوم دون حاجة إلى الغير .

في حين حدد الشوكاني المواد بعلم النحو والصرف وعلم المعاني والكلام وعلم الأصول وعلم التفسير . ثم أضاف ثلاثة علوم هي علم اللغة وعلم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل حيث أن لكل علم منها أهدافه الخاصة كما أنه يكفي المتعلم أخذ قدرٍ يسيرٍ من تلك العلوم .

برنامج الطبقة الثالثة :
ويصفها الشوكاني بالتي لا تستغني عن سؤال العلماء وما تكتسبه من معلومات ومهارات لا يؤهلها للاستقلال كما هو حال الطبقة الثانية وهي بذلك تحتاج أي حد أدنى من المعرفة توصل المتعلم إلى فهم ما يريد الاطلاع عليه في علم ما وإن وجد نفسه عاجزاً سأل أهل العلم في تلك المسألة .

وحدد الشوكاني المواد بعلم الإعراب وإن يستخدم طريقة السؤال الذي يقود إلى الفهم وكذلك تعلم اصطلاح الحديث . ثم يشتغل المتعلم بسماع تفسير من التفاسير التي لا تحتاج إلى تدقيق وتحقيق والملاحظ في منهج هذه الطبقة أنه مركز حول العلوم الشرعية واللغوية التي تمكن صاحبها من الاستعباد لأحكام الله سبحانه وتعالى وتطبيقها كما أنه أسلوب الدراسة هنا هو القراءة والتدريب والسؤال .

برنامج الطبقة الرابعة :
ويصفها الشوكاني بالتي تريد التخصص والإتقان لعلم أو علمين أو أكثر لغرض ديني أو دنيوي ودونما رغبة في الإحاطة بالعلوم الدينية والشرعية مثل :

الشاعر ، وعليه تعلم النحو والمعاني والبيان وعلم البديع .
الفيلسوف وعليه تعلم العلم الرياضي والعلم الطبيعي والعلم الإلهي وعلم الهندسة .
الطبيب وعليه تعلم ثلاثة مجالات في علم الطب وهي : المفردات والمركبات والعلاجات . وإن أنفع الكتب هي كتب جالينوس .

وفي ضوء ذلك المنهاج الدراسي الذي حدده الشوكاني فإنه كذلك قد بين لنا نماذج للكتب التي ينبغي على طالب العلم دراستها لتحقيق ذلك المنهاج والاستفادة منه وهي : صحيح البخاري و صحيح مسلم و سنن الترمذي و وموطأ مالك و شفاء عياض و سنن النسائي و سنن ابن ماجه و سنن أبي داود و المنتقى لابن تيميه و شرح بلوغ المرام و فتح الباري و شفاء الأمير و البحر الزخار و ضوء النهار و الكشاف وحاشيته السعد الأزهار و مختصر الفرائض للعصيفري و الكافية والشافية لابن حاجب و التهذيب للتفتازاني و منظمة الجرزي في العروض و آداب البحث في العضد و قواعد الإعراب وشرحها للأزهري و الكامل و شرحه لابن لقمان وغيرها

المرجع
معالم الفكر التربوي والفلسفي عند الإمام الشوكاني
إعداد الباحث / علي عبدالعزيز علي باعشن

أديب فؤاد
05-11-2005, 04:00 AM
2- العلاّمة الإمام عبدالحميد بن باديس

العلاّمة الإمام عبدالحميد بن باديس (1889-1940م) من رجالات الإصلاح في الجزائر و مؤسس جمعية العلماء الجزائريين.

الولادة:
ولد في مدينة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري ، ومن أسرة عريقة في المجد والثراء والعلم عام 1308 هـ (1889م) ، فهو ينتسب إلى الأسرة الباديسية المشهورة في التاريخ . فالمـعز بن باديـس
(406-453) هــو الذي أبعد النفوذ العُبيدي (الفاطمي) عن المغرب ، وعمل على تنظيم انـفـصال المغرب الإســلامي سياسياً ومذهبياً عن الحكم العبيدي ، وحارب الشيعة الرافضة في إفريقـية ، وحمل الناس على اعتناق المذهب السني، وكان الشيخ عبد الحميد يفتخر بأعمال هذا الجد، أما والده محمد المصطفى فهو من كبار الموظفين والوجهاء في قسنطينة، وعضو المـجـلــس الجزائري الأعلى، وقد عرف دائماً بدفاعه عن مطالب السكان المسلمين في قسنطينة، يقول عنه إبنه: "إن الفضل يرجع أولاً إلى والدي الذي رباني تربية صالحة ووجهني وجهة صــالــحــة، ورضي لي العلم طريقة أتبعها، ومشرباً أرده، وقاتني وأعاشني وبراني كالسهم وراشـنــي وحماني من المكاره صغيراً وكبيراً." فهذا الوالد لم يحاول ثني الشيخ عن أي عمل يقوم به في الدعوة كعادة الآباء الذين في مثل وظيفته ووجاهته، كما أنه لم يُلحِقه بالمدارس الفرنسية كغيره من أبناء العائلات الكبيرة.

نشأ ابن باديس في بيئة علمية، فقد حفظ القرآن وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ثم تتلمذ على الشيخ أحمد أبو حمدان الونيسي، فكان من أوائل الشيوخ الذين كان لهم أثر طيب في اتجاهه الـديـنـي، ولا ينسى ابن باديس أبداً وصية هذا الشيخ له: "اقرأ العلم للعلم لا للوظيفة"، بل أخذ عليه عهداً ألا يقرب الوظائف الحكومية عند فرنسا.



المعروف عن نشاط ابن باديس أنه متعدد الجوانب, وأبرز هذه الجوانب وأقواها الجانب التربوي التعليمي الذي كرس له 27 عاما من حياته متطوعا إلى جانب المهام الأخرى التي كان يرى أنها مهام مكملة للنشاط التعليمي (أو امتداد له) الذي جعله الأساس عمل إصلاحي, ومدخلا لكل تغيير اجتماعي ويقطة فكرية وسياسية.

وهذا يدل دلالة واضحة على الأهمية البالغة التي أعطاها ابن باديس للعمل التربوي, باعتباره الأساس الذي يقوم عليه كل تغيير, وعلى المكانةى البارزة التي احتلتها التربية ضمن مشروع الحركة الإصلاحية التي قادها ووجهها, فالتربية عنده هي حجر الأساس في كل عمل بنائي, لذلك أعطاها كل جهد ووقته, وجند لها رفاقه وتلاميذه من العلماء الذين شدوا أزره, وساعدوه في تنفيذ الخطة صممها, واستنهض معهم - من أجل توسيع المشروع التعليمي - همة الشعب ونخوته, ليقوم بإنشاء المدارس وتمويل النشاريع التعليمية, وليلتف حول جمعية العلماء, ويُسند جهدها..
إذا جاز لنا تلخيص خصائص التربية عند ابن باديس، فإنها باختصار تربية شاملة متكاملة. وإذا عرفنا أن التربية عند ابن باديس مستوحاة من مصادر الإسلام الأصيلة، أدركنا أنها شاملة لكل جوانب الحياة في الدنيا والآخرة.

التربية عند الإمام عبدالحميد بن باديس
إن التربية عند ابن باديس لا تقتصر على جانب واحد من جوانب شخصية المتعلم، فهي تربية للجسم والروح والعقل معًا.

يقول رحمه الله: (الإنسان مأمور بالمحافظة على عقله وخلقه وبدنه، ودفع المضارّ عنها، فيثقّف عقله بالعلم، ويقوِّم أخلاقه بالسلوك النبوي، ويقوّي بدنه بتنظيم الغذاء، وتوقّي الأذى، والتريّض على العمل.
والتربية عند ابن باديس لا تقتصر على مكان دون آخر، فهي في المدرسة والمسجد والنادي، وحتى في الشارع والسوق، وفي ما يلي نذكر بعض تلك الخصائص:

1 ـ تربية روحية:

يرى ابن باديس أن المخاطَب من الإنسان هو نفسه، وأن ما يظهره الجسد من تصرفات لا يعدو أن يكون انعكاسًا لما تضمره تلك النفس، التي لا صلاح للإنسان إلا بصلاحها: (قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها )(الشمس:9-10).. لذلك ركّز ابن باديس على تطهير الروح وتنزيهها عن مساوئ الأخلاق، وتحليتها بمكارمها، لتسمو بصاحبها نحو الكمال الإنساني، ذلك لأن الإنسان (مهيأ للكمال بما فيه من الجزء النوراني العلوي وهو روحه، ومعرّض للسقوط والنقصان بما فيه من اختلاط عناصر جزئه الأرضي الظلماني وهو جسده، ولا يخلص من كدرات جثمانه، ولا ينجو من أسباب نقصانه، إلا بعبادة ربه، التي بها صفاء عقله وزكاء نفسه، وطهارة بدنه في ظاهره وباطنه).

2 ـ تربية جسمية:

لم يفصل ابن باديس بين هذا الجانب وغيره من جوانب التربية، فقد أولى اهتمامًا بالغًا للتربية الجسدية، التي لا تقل أهمية عن التربية الروحية، ذلك أن كثيرًا من الأعمال تتوقّف على سلامة الأبدان وقوتهـــا، فضعيف الجســـم يقـل أداؤه العقـلي والاجتمــاعي، وبالتالي لا يكون عنصرًا فعّالاً في مجتمعه.

فالرياضة البدنية والوجبات الغذائية، لها دور كبير في الحفاظ على سلامة الأبدان وصحّتها، يقول ابن باديس عند تفسيره لقول الله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إني بما تعملون عليم )(المؤمنون:51):
(تتوقّف الأعمال على سلامة الأبدان، فكانت المحافظة على الأبدان من الواجبات، ولهذا قدّم الأمر بالأكل على الأمر بالعمل، فليس من الإسلام تحريم الطيبات التي أحلها الله، كما حرّم غلاة المتصوفة اللحم.. وليس من الإسلام تضعيف الأبدان وتعذيبها، كما يفعل متصوفة الهنادك ومــن قلّــدهم من المنتسبين إلى الإســـلام.. والميزان العـدل فــي ذلك، هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه رضي الله عنهم.
وفي تقديم الأكل من الطيبات على العمل الصالح، تنبيه على أنه هو الذي يثمرها، لأن الغذاء الطيب يصلح عليه القلب والبدن، فتصلح الأعمال، كما أن الغذاء الخبيث يفسد به القلب والبدن، فتفسد الأعمال).

3 ـ تربية سلوكية عملية:

كمــا ذكــرنا عند حديثنا عن القـــدوة في التربيــة، فإن ابن باديس لم يكتف في مسيرته التربوية بالأقوال دون الأفعال، لأن من تمام كمال المسلم أن تتطابق أقواله مع أفعاله.

لذا حرص أن يكون من تلاميذه ومريديه رجـــالاً عمليين، يطبّقــون ما يتعلمونه، فيعبدون الله على علم وبصيرة، فكان يحثهم على أن يمثّلوا الأخلاق الإسلامية الفاضلة بين أقوامهم -إذا رجعوا إليهم- فيحبّبوا الناس في العلم، ويكونوا لهم قدوة فيه وفي العمل به، وكان رحمه الله يوصيهم (بنشر ما تعلّموه برفق ولطف، وأن يكونوا مظاهر محبة ورحمـــة على ما قد يلقونه من جفوة من بعض الناس).

4 ـ تربية عقلية:

كما ذكرنا سابقًا، فإن التربية عند ابن باديس اهتمت بجميع جوانب المتعلم، فكما اهتمت بالروح والجسد، فإنها أولت العقل عناية خاصة، بالحفاظ عليه وتثقيفه بكل ما هو نافع من العلوم الدينية والدنيوية، يقول ابن باديس: (حافظ على عقلك، فهو النور الإلهي الذي مُنِحْتَهُ، لتهتدي به إلى طريق السعادة في حياتك).
وقد تميزت المدرسة الباديسية بتنمية القدرات العقلية للطلبة، وحثهم على إعمال عقولهم فيما يدرسون، وأن يفكروا تفكيرًا صحيحًا مستقلاً عن تفكير غيرهم مع الاستفادة من تفكير غيرهم، يقول ابن باديس: (التفكير التفكير يا طلبة العلم، فإن القراءة بلا تفكير لا توصل إلى شيء من العلم، وإنما تربط صاحبها في صخرة الجمود والتقليد، وخير منهما الجاهل البسيط).

وكان رحمه الله، يحثّهم على تكريم العقول، بتنزيهها عن الأوهام والشكوك والخرافات والضلالات، وربطها على العلوم والمعارف وصحيح الاعتقادات.

والخلاصة: أن التربية عند ابن باديس، لم تقتصر على جانب واحد من جوانب شخصية المتعلم. فقد اعتنت بصحة الأبدان وسلامتها، وصفاء الأروح وتزكيتها، وتنشيط العقول وصيانتها.


الهدف التربوي كما يراه ابن باديس:

بيّن ابن باديس الهدف التربوي الذي يسعى لتحقيقه بأنه: (الرجوع (بالشعب) إلى عقائد الإسلام المبنيّة على العلم، وفضائله المبنية على القوة والرحمة، وأحكامه المبنية على العدل والإحسان، ونظمه المبنية على التعاون بين الأفراد والجماعات، والتآلف والتعامل والتعاون، وأن لا فضل لأحد على أحد إلا بتقوى الله، ومن اتقى الله فهو أنفع الخلق لعباد الله).. فالتربية عند ابن باديس تهدف إلى:

- تحقيق العبودية الخالصة لله، في الحياة الفردية والجماعية، وذلك بتعلم الإسلام من مصادره الأصيلة.
- تكوين المواطن المؤمن المتميز عن المستعمر المغتصب في جميع جوانب حياته، وبالتالي إحداث التميز الاجتماعي للأمة الجزائرية، التي أرادت فرنسا احتواءها وابتلاعها.
- ربط الأجيال بالتراث والحضارة العربيـة الإسلاميـة، وهــو ما يسميه بعض العلماء بوظيفة: (نقــل التــراث) أو (إحيـاء التـــراث).. ويؤكـــد ابن باديس أن هدفه التربوي هو:
- ترقيــــة المجتمـــع الجزائـــري في (جميـــع نواحــي الحيـاة إلى أقصـى ما تترقى إليه الأمم، ليكونوا محترمين من أنفسهم ومن غيرهم، يفيدون ويستفيدون، ويعرفون كيف يسوسون وكيف يُسَاسون، فتربح بهم الإنسانية عضوًا مِن خيرِ مَن عَرَفَتْ من أعضائها).
فـــإذا مــــا تحقـــق للشعب الاستعـــداد الداخلـي للتغييـــر، أو بعبـــارة أخــرى: التخلص من القابلية للاستعمار، مصداقًا لقول الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )(الرعد:11)، أمكنه الرقي في جميع جوانب الحياة، وذلك بتزويد المتعلمين بالقدر المناسب من المعلومات والخبرات المختلفة، فيساهموا في بناء صرح الأمة وخدمتها والدفاع عنها.
ويمكن تلخيص الهدف التربوي عند ابن باديس بأنه:

1- إحداث التغيير الداخلي في الفرد المسلم ، بإرجاعه إلى دينه وتعلّمه من مصادره الأصيلة، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم، خاليًا من البدع والشوائب، ليحافظ على شخصيته العربية والإسلامية.

2- تأهيله لتسلّق درجات الرقي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والوصول إلى مصاف الشعوب الراقية، فيسعد في الدنيا والآخرة.

السيد عبد الحق
05-11-2005, 06:26 AM
جزاكم الله خيرا أخى الحبيب ، أ/ أديب

د. عمر هزاع
05-11-2005, 05:28 PM
بورك فيك أخي الغالي

والموضوع مثبت للفائدة

http://www.w6w.net/users/08-08-2005/w6w_20050808181628159958ebebccf.gif

لك تحيتي

محرقاوية
18-01-2006, 11:42 PM
شكرن .............

أم سلمى
04-05-2007, 07:58 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أقدم لكم اليوم كتاب
رواد الفكر التربوى / محمود إبراهيم محمد على (http://zahra1.com/BHOOTH/F_ROWWAD_alfekr.htm)

أرجو أن يكون نافعا ومفيدا للجميع

أم سلمى
04-05-2007, 11:31 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خيرا أستاذى أديب
وقد دمجت موضوعى أعلاه مع الموسوعة
تحيتى لك