فـجـر
21-12-2008, 08:17 AM
خطبة المسجد النبوي 7/ 12/ 1429ﻫـ
الشيخ علي بن عبدالرحمن الحذيفي
خطب للشيخ
تاريخ الإضافة: 07/12/2008 ميلادي - 10/12/1429 هجري
زيارة: 199
--------------------------------------------------------------------------------
الحمد لله ذي العزة والجبروت والكبرياء والعظمة والملكوت، أحمد ربي وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي الذي لا يموت، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله أحيا الله به القلوب وأنار به البصائر، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أعلام الهدى وأنوار الدجى.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، فقد جمع الله - عزَّ وجلَّ - الخير كله بطاعته، وجمع الشر كله بمعصيته.
عباد الله:
خذوا أنفسكم بحقائق الدين الإسلامي، وألزموا أنفسكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم محمد - صلَّى الله عليه وسَلَّم، وتمسكوا بالهدي النبوي العظيم فأنتم ترون كثرة المسلمين في هذا الزمان زادهم الله كثرة وصلاحًا، ولكن مع هذه الكثرة فرَّقتهم البدع والأهواء وأضعفهم الاختلاف، وضَعُفَت القلوب بإيثار الدنيا على الآخرة ومقارفة الشهوات إلا من حفظ الله.
ألا وإنَّ الدين يهدمه ويضعفه في القلوب البدع المضلة والشهوات المحرَّمة، فأما البدع فهي الداءُ العضال والسمُّ القتَّال، تُعمي وتُصِمُّ وتهلك صاحبها وتضرُّ الدين والدنيا.
والبدع: "ما أُحدث في الدين ما لا أصل له بالشريعة يدل عليه"
قاله أهل العلم. ويعرف المبتدع بمخالفة بجماعة المسلمين وإمامهم وأهل العلم بالقرآن والسنة.
وأما من انتسب للعلم وهو مُعْرِضٌ عن كتاب الله وسنة رسوله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - جاهل بذلك فليس من ذوي العلم وإنما هو داعية إلى ضلال وفتنة.
وأول البدع في الإسلام بدعة الخوارج، ثم ظهرت بقية البدع بعد ذلك، وحارب الصحابةُ - رضي الله عنهم - البدع التي ظهرت في زمانهم وردوها وأطفئوها وبيَّنُوا للناس سنة رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - والهدى والحق بالكتاب والسنة فكشف الله بهم الغمة وقمع بهم البدع.
وقام بالأمانة بعدهم التابعون، وتابعوهم بإحسان إلى آخر الدهر والله حافظ دينه وناصر كلمته قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقال تعالى: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
وقد حذرنا الله - عز وجل - من البدع وبين لنا عواقبها الوخيمة في الدين والدنيا والآخرة فقال - عز وجل - {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 105 - 106]، وهذه الآية في أهل البدع التي فرقت بين الأمة قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ((عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة))، وعن معاوية ابن أبي سفيان - رضي الله عنهما - قال: إن رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - قال: ((إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه لا يبقى عرق ولا مفصل إلا دخله)) رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم في المستدرك. والكَلَبُ داء يعرض للإنسان من عضة الكلب تتغير به طبائع الإنسان وعقله وتزداد حالته سوءً كل يوم حتى يهلك.
وعن أبي بَرْدَةَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - قال: ((إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى)) رواه أحمد بإسناد صحيح.
وعن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: وعظنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - موعظة وجلت منها القلوب وظرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال:
((إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول)) رواه محمد بن نصر المروزي، بإسناد صحيح.
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نراها من العظائم في عهد رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم"، رواه البخاري.
فالبدع تهدم الدين وتفسد ذات البين وتوجب غضب الله - عز وجل - وأليم عقابه بالآخرة، وتعم بها العقوبات في الدنيا وتتنافر بسببها القلوب، وتكون الأمة شيعا وأحزابا، وتتبرر بها مصالح الناس وتورث الذل والهوان كما قال النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم -:
((وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري))
رواه البخاري من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما.
وأما الشهوات المحرمة فتضر دين المسلم من حيث إنها تفسد قلبه وتقسيه وتورث الغفلة الضارة، وإذا تمادى فيها الإنسان واسترسل رانت على القلب فطُبع عليه وأعمت البصيرة فأحب الإنسان ما أبغض الله وأبغض ما أحب الله وجرَّت عليه المعاصي الخسران والحرمان والعقوبات المتنوعة وما يلاقيه في الآخرة منها أدهى وأمر.
والمسلم يتحكم في نفسه ويقودها بزمام التقوى إلا كل عمل صالح رشيد وكل نافع مفيد حتى ترتع في المعاصي فإذا كان ذلك استعصت عليه وصعب قيادها فقادته إلى كل شر وبلاء فوقع في شر جزاء قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59].
روى عن ابن مسعود في قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} قال: "وادٍ في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم". وعن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - يقول:
((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرى والحرير - أي يستحلون الفرج والخمر والمعازف))
رواه البخاري.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم -:
((صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٍ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)) رواه مسلم، ومعنى كاسيات عاريات: أي كاسيات إلا أن لباسهن ضيق أو أنهن يسترن بعض أجسادهن ويظهرن ما لا يجوز إظهاره من العورة.
وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه -: أن النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - قال في هذه الأمة: ((في هذه الأمة قصف ومسخ وقذف)) فقال رجل: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: ((إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور)) رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء لما أخذ المال أمن الحلال أم من حرام))!! رواه أحمد والبخاري.
فيا أيها المسلم:
تفكر وتدبر واحذر دخول هذين البابين: باب الفتن والمبتدعات وباب الشهوات والمحرمات؛ فهما اللتان أضرا بالإسلام والمسلمين، ولا يعصم وينفي من البدع والمحرمات إلا العلم النافع والعمل الصالح فالجهل سبب كل شر، قال الله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119]، وقال تعالى:
{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116]. وقال - عز وجل -
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111]، وقال تبارك وتعالى
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9].
والمسلم مأمور بمعرفة دين الإسلام بأدلته من الكتاب والسنة قال تبارك وتعالى:
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [محمد: 19]، وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم -:
((من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)) رواه البخاري ومسلم.
وقال ابن رجب رحمه الله
: "ومادام العلم باقياً في الأرض فالناس في هدى، وبقاء العلم بقاء حملته فإذا ذهب حملته ومن يقوم به وقع الناس في الضلال" انتهى كلامه.
فالعصمة والنجاة من البدع المحدثة الاعتصام بالكتاب والسنة قال الله تعالى:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم -:((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين)).
ويتفاضل الناس بهذا التمسك والاعتصام ويعظم نفع المسلم ووزنه عند ربه بهذا العمل الصالح ولزوم منهج النبي - عليه الصلاة والسلام – وأصحابه، وأما من انتسب للإسلام من غير تحقيق لأعماله وعقيدته الصحيحة التي كان عليها السلف الصالح فهم غثاء كغثاء السيل كما أخبر النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم.
فحاسب نفسك أيها المسلم، وطبق تعاليم الإسلام على نفسك؛ لتفوز بوعد الله الحق لمن اتبع ولم يبتدع في قوله تبارك وتعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
والعصمة من البدع المحدثة أيضًا: فهم القرآن والسنة على فهم السلف الصالح، فهم الذين رضي الله عنهم في تفسيرهم للقرآن الكريم والحديث الشريف، ورضي الله عنهم في عقيدتهم وأعمالهم وتطبيقهم للإسلام، ومن خالفهم توعده الله بقوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
والعصمة من البدعة المحدثة أيضا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم بعدم الخروج عن ذلك بقوله - صلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) رواه مسلم من حديث حذيفة - رضي الله عنه.
والعصمة من البدع أيضا: سؤال العلماء بالكتاب والسنة في أمور الدين والأخذ عنهم، قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
والعصمة من البدع أيضًا: سلامة الصدر من الغش والبغي والغل والحسد والخديعة للمسلمين لقوله - صلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((الدين النصيحة)) ثلاثًا، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعاماتهم)) رواه مسلم من حديث تميم الداري.
وأما ما يعصم وينجي من الشهوات المحرمة والمعاصي فخوف الله وخشيته بأن يعلم العبد أن الله يراه ويعلم سره وعلانيته ويحصي على العبد أعماله في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وتذكر الموت الذي يشتد به الألم العظيم في كل عرق ومفصل، وتذكر القبر وما بعده من الأهوال العظام، والاعتبار بمن نالوا اللذات والشهوات ثم حال الموت بينهم وبين ما يشتهون فذهبت اللذات وبقيت الحسرات والتابعات، قال الله تعالى {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 - 41].
وإذا أيقن العبد بعظيم ثواب الله على ترك المعاصي حذرها وأبغضها قال الله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]، قال الله تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم والمسلمين فاستغفروه إنه غفور رحيم.
الشيخ علي بن عبدالرحمن الحذيفي
خطب للشيخ
تاريخ الإضافة: 07/12/2008 ميلادي - 10/12/1429 هجري
زيارة: 199
--------------------------------------------------------------------------------
الحمد لله ذي العزة والجبروت والكبرياء والعظمة والملكوت، أحمد ربي وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي الذي لا يموت، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله أحيا الله به القلوب وأنار به البصائر، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أعلام الهدى وأنوار الدجى.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، فقد جمع الله - عزَّ وجلَّ - الخير كله بطاعته، وجمع الشر كله بمعصيته.
عباد الله:
خذوا أنفسكم بحقائق الدين الإسلامي، وألزموا أنفسكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم محمد - صلَّى الله عليه وسَلَّم، وتمسكوا بالهدي النبوي العظيم فأنتم ترون كثرة المسلمين في هذا الزمان زادهم الله كثرة وصلاحًا، ولكن مع هذه الكثرة فرَّقتهم البدع والأهواء وأضعفهم الاختلاف، وضَعُفَت القلوب بإيثار الدنيا على الآخرة ومقارفة الشهوات إلا من حفظ الله.
ألا وإنَّ الدين يهدمه ويضعفه في القلوب البدع المضلة والشهوات المحرَّمة، فأما البدع فهي الداءُ العضال والسمُّ القتَّال، تُعمي وتُصِمُّ وتهلك صاحبها وتضرُّ الدين والدنيا.
والبدع: "ما أُحدث في الدين ما لا أصل له بالشريعة يدل عليه"
قاله أهل العلم. ويعرف المبتدع بمخالفة بجماعة المسلمين وإمامهم وأهل العلم بالقرآن والسنة.
وأما من انتسب للعلم وهو مُعْرِضٌ عن كتاب الله وسنة رسوله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - جاهل بذلك فليس من ذوي العلم وإنما هو داعية إلى ضلال وفتنة.
وأول البدع في الإسلام بدعة الخوارج، ثم ظهرت بقية البدع بعد ذلك، وحارب الصحابةُ - رضي الله عنهم - البدع التي ظهرت في زمانهم وردوها وأطفئوها وبيَّنُوا للناس سنة رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - والهدى والحق بالكتاب والسنة فكشف الله بهم الغمة وقمع بهم البدع.
وقام بالأمانة بعدهم التابعون، وتابعوهم بإحسان إلى آخر الدهر والله حافظ دينه وناصر كلمته قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقال تعالى: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
وقد حذرنا الله - عز وجل - من البدع وبين لنا عواقبها الوخيمة في الدين والدنيا والآخرة فقال - عز وجل - {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 105 - 106]، وهذه الآية في أهل البدع التي فرقت بين الأمة قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ((عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة))، وعن معاوية ابن أبي سفيان - رضي الله عنهما - قال: إن رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - قال: ((إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه لا يبقى عرق ولا مفصل إلا دخله)) رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم في المستدرك. والكَلَبُ داء يعرض للإنسان من عضة الكلب تتغير به طبائع الإنسان وعقله وتزداد حالته سوءً كل يوم حتى يهلك.
وعن أبي بَرْدَةَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - قال: ((إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى)) رواه أحمد بإسناد صحيح.
وعن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: وعظنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - موعظة وجلت منها القلوب وظرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال:
((إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول)) رواه محمد بن نصر المروزي، بإسناد صحيح.
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نراها من العظائم في عهد رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم"، رواه البخاري.
فالبدع تهدم الدين وتفسد ذات البين وتوجب غضب الله - عز وجل - وأليم عقابه بالآخرة، وتعم بها العقوبات في الدنيا وتتنافر بسببها القلوب، وتكون الأمة شيعا وأحزابا، وتتبرر بها مصالح الناس وتورث الذل والهوان كما قال النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم -:
((وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري))
رواه البخاري من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما.
وأما الشهوات المحرمة فتضر دين المسلم من حيث إنها تفسد قلبه وتقسيه وتورث الغفلة الضارة، وإذا تمادى فيها الإنسان واسترسل رانت على القلب فطُبع عليه وأعمت البصيرة فأحب الإنسان ما أبغض الله وأبغض ما أحب الله وجرَّت عليه المعاصي الخسران والحرمان والعقوبات المتنوعة وما يلاقيه في الآخرة منها أدهى وأمر.
والمسلم يتحكم في نفسه ويقودها بزمام التقوى إلا كل عمل صالح رشيد وكل نافع مفيد حتى ترتع في المعاصي فإذا كان ذلك استعصت عليه وصعب قيادها فقادته إلى كل شر وبلاء فوقع في شر جزاء قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59].
روى عن ابن مسعود في قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} قال: "وادٍ في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم". وعن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - يقول:
((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرى والحرير - أي يستحلون الفرج والخمر والمعازف))
رواه البخاري.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم -:
((صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٍ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)) رواه مسلم، ومعنى كاسيات عاريات: أي كاسيات إلا أن لباسهن ضيق أو أنهن يسترن بعض أجسادهن ويظهرن ما لا يجوز إظهاره من العورة.
وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه -: أن النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - قال في هذه الأمة: ((في هذه الأمة قصف ومسخ وقذف)) فقال رجل: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: ((إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور)) رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء لما أخذ المال أمن الحلال أم من حرام))!! رواه أحمد والبخاري.
فيا أيها المسلم:
تفكر وتدبر واحذر دخول هذين البابين: باب الفتن والمبتدعات وباب الشهوات والمحرمات؛ فهما اللتان أضرا بالإسلام والمسلمين، ولا يعصم وينفي من البدع والمحرمات إلا العلم النافع والعمل الصالح فالجهل سبب كل شر، قال الله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119]، وقال تعالى:
{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116]. وقال - عز وجل -
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111]، وقال تبارك وتعالى
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9].
والمسلم مأمور بمعرفة دين الإسلام بأدلته من الكتاب والسنة قال تبارك وتعالى:
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [محمد: 19]، وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم -:
((من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)) رواه البخاري ومسلم.
وقال ابن رجب رحمه الله
: "ومادام العلم باقياً في الأرض فالناس في هدى، وبقاء العلم بقاء حملته فإذا ذهب حملته ومن يقوم به وقع الناس في الضلال" انتهى كلامه.
فالعصمة والنجاة من البدع المحدثة الاعتصام بالكتاب والسنة قال الله تعالى:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم -:((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين)).
ويتفاضل الناس بهذا التمسك والاعتصام ويعظم نفع المسلم ووزنه عند ربه بهذا العمل الصالح ولزوم منهج النبي - عليه الصلاة والسلام – وأصحابه، وأما من انتسب للإسلام من غير تحقيق لأعماله وعقيدته الصحيحة التي كان عليها السلف الصالح فهم غثاء كغثاء السيل كما أخبر النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم.
فحاسب نفسك أيها المسلم، وطبق تعاليم الإسلام على نفسك؛ لتفوز بوعد الله الحق لمن اتبع ولم يبتدع في قوله تبارك وتعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
والعصمة من البدع المحدثة أيضًا: فهم القرآن والسنة على فهم السلف الصالح، فهم الذين رضي الله عنهم في تفسيرهم للقرآن الكريم والحديث الشريف، ورضي الله عنهم في عقيدتهم وأعمالهم وتطبيقهم للإسلام، ومن خالفهم توعده الله بقوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
والعصمة من البدعة المحدثة أيضا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم بعدم الخروج عن ذلك بقوله - صلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) رواه مسلم من حديث حذيفة - رضي الله عنه.
والعصمة من البدع أيضا: سؤال العلماء بالكتاب والسنة في أمور الدين والأخذ عنهم، قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
والعصمة من البدع أيضًا: سلامة الصدر من الغش والبغي والغل والحسد والخديعة للمسلمين لقوله - صلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((الدين النصيحة)) ثلاثًا، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعاماتهم)) رواه مسلم من حديث تميم الداري.
وأما ما يعصم وينجي من الشهوات المحرمة والمعاصي فخوف الله وخشيته بأن يعلم العبد أن الله يراه ويعلم سره وعلانيته ويحصي على العبد أعماله في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وتذكر الموت الذي يشتد به الألم العظيم في كل عرق ومفصل، وتذكر القبر وما بعده من الأهوال العظام، والاعتبار بمن نالوا اللذات والشهوات ثم حال الموت بينهم وبين ما يشتهون فذهبت اللذات وبقيت الحسرات والتابعات، قال الله تعالى {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 - 41].
وإذا أيقن العبد بعظيم ثواب الله على ترك المعاصي حذرها وأبغضها قال الله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]، قال الله تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم والمسلمين فاستغفروه إنه غفور رحيم.