المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل التاريخ مجموعة أكاذيب متفق عليها ؟!



الإدريسي
21-05-2006, 11:32 PM
تاريخنا... هل من الضروري إعادة كتابته ؟


التاريخ بمعناه الواسع ، نتاج لتراكم الفعل الإنساني على مر الزمن وهدف الدراسات التاريخية الحديثة ينصب على تحليل عناصر هذا التراكم ومكوناته ، سعيا إلى فهم الحاضر واستشراف آفاق المستقبل.

ليس ثمة معنى للتعامل مع التاريخ بمفهوم الحكاية ومنطق السرد ، أو اعتبار المعلومات التاريخية ، حلية تزدان بها الرءوس الفارغة ، ويتم التباهي بها في مجال السمر ، أو وسيلة يتمكن صاحبها من الفوز في مسابقات الصحف والتلفزيون فحسب.

ولم تكن هذه أبداً وظيفة التاريخ منذ بداية المعرفة التاريخية التي توسل بها الإنسان لمعرفة ذاته ، إذ إن المعرفة التاريخية والرغبة في معرفة الماضي تكاد ترقى إلى مستوى الغريزة لدى الإنسان ، على مستوى الجماعة ، وعلى مستوى الفرد على السواء ، فالتاريخ بمعناه الواسع ، هو قصة الإنسان في الكون ، وتفاعله مع الطبيعة على مر الزمان ، وهو في هذا يشبه نهراً يتدفق من المنبع إلى المصب ، من بداية الوجود الإنساني حتى اللحظة الراهنة ، يحمل كل تفاصيل رحلة الإنسان - التي لم تنته بعد – عبر الزمان.

ومن هنا يبدو السؤال المطروح سؤالاً ذا مشروعية علمية : هل هناك ضرورة لإعادة كتابة تاريخنا ؟ وربما يكون التحفظ الوحيد من جانبي أن السؤال ينبغي أن يكون : هل هناك ضرورة لإعادة قراءة تاريخنا ؟ إن إعادة قراءة تاريخنا – أي إعادة تفسيره – هي التي ينبغي أن تكون محلاً لهذا السؤال المهم في تصوري ..

وسأحاول في الصفحات والسطور التالية أن أبين الأسباب التي دعتني إلى اقتراح هذه الصيغة للسؤال ، ومن ناحية أخرى ، فإن السؤال يحمل دلالة ضمنية بأن التاريخ يتعلق بالحاضر أكثر مما يتعلق بالماضي , فنحن نطرح السؤال بسبب الظروف التي تحيط بنا حاليا.

هذا المدخل يؤدي بنا بالضرورة إلى عدة أسئلة تتعلق بالبحث في التاريخ العربي كيف يمكن التعامل ؟ هل نعتبره قصة تحكي لنا عن الماضي المجيد على نحو يدغدغ فينا مشاعر الزهو الكاذبة بإنجازات وانتصارات لم يكن لنا ـ نحن أبناء الحاضر العربي التعس – فضل في تحقيقها ؟

وهل نكتفي بقراءة هذا التاريخ من منطلق نفسي تعويضي يقول : (نحن كنا) في زمن نكاد نعجز فيه عن (أن نكون) ؟ !!

وهل يمكن للقراءة الجزئية المبتسرة لتاريخ كل دولة عربية أن تغني عن إعادة القراءة عن مفهوم الكل العربي ؟ أم أن هذه القراءة الجزئية تعبير وانعكاس لحالة التشردم والعجز العربي في مواجهة العدوان الصهيوني والأمريكي على جبهات عديدة ؟

وهل نستسلم لما تشيعه (القراءة الصهيونية) لتاريخنا وتاريخ الحضارة العربية الإسلامية بالشكل الذي يخلط الحقائق التاريخية بالأوهام الأسطورية والغيبيات الدينية ؟

ويمكن الاسترسال في هذه الأسئلة وما تفرع عنها بالضرورة إلى ما لا نهاية , بيد أننا يجب أن نتوقف قليلاً أمام حقيقة مهمة مؤداها أن التاريخ يحدث مرة واحدة , وتتعدد المرات التي تتم فيها قراءته أو تفسيره ما دامت الجماعة الإنسانية بحاجة إلى تجديد وعيها بتاريخها ، أي وعيها بذاتها ، إذ إن الأحداث التاريخية هي المادة الخام التي يتناولها المؤرخ بمنهجه العلمي وأدواته البحثية ، لكي يفهمها ويحلل عناصرها المركبة ..

أما ما نسميه (كتابة التاريخ) فهي في الواقع عملية تسجيل جزئية للأحداث التاريخية, سواء كان هذا التسجيل قد تم في كتب المؤرخين وحولياتهم ، أو في الوثائق بأنواعها المختلفة ، أو في النقوش والمسكوكات ، أو غيرها من المصادر التاريخية المعروفة ..

ولا يمكن لأحد أن يزعم أن كل ما حدث في التاريخ قد تم تسجيله بالفعل ، ومن ثم فإن مهمة المؤرخ ، أو الباحث في التاريخ ، أن يحاول استقراء مصادره بشهاداتها الجزئية لاسترداد صورة الحادث من ذمة الماضي , وإعادة بنائها بكل الوسائل المنهجية أولاً ، ثم محاولة الفهم والتفسير ثانياً ، وعندما يصل البحث إلى نتيجة معينة يمكن استخدام حصاد البحث لخدمة أهداف الجماعة الإنسانية في الحاضر والمستقبل ، هذه العملية ثلاثية المراحل هي ما نسميه قراءة التاريخ أي تفسيره وليست كتابته..

ومن هنا يمكن أن نفهم السبب في أن العصور المختلفة تشهد (قراءات مختلفة) لتاريخ الجماعة الإنسانية ، قبيلة أو شعباً أو أمة ، ففي كل مرحلة تتم (قراءة) جديدة للتاريخ تسلط فيها الأضواء على جوانب معينة , وعناصر محددة من التاريخ , يمكن أن تساعد المجتمع على التعامل مع حاضره بشكل أكثر نجاحاً..

فقبل عصور الديمقراطية والاشتراكية مثلاً كان التركيز في قراءة التاريخ على دور القصر, ودور البطل ؛ ترسيخاً لفكرة الحكم الفردي ، ولكن ما حدث بعد ذلك ، لا سيما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، وشيوع الأفكار الديمقراطية والاشتراكية ، أن بدأ البحث التاريخي يهتم بتسليط الضوء على التاريخ الاجتماعي ودور العمال والفلاحين ، وتواريخ المدن , وما إلى ذلك ؛ تكريساً لفكرة حق الشعوب في حكم نفسها بنفسها ..

وما حدث في العالم العربي أثناء فترة الستينيات وما بعدها ، حيث تم التركيز على جوانب بعينها من تاريخ مصر والمنطقة العربية تتعلق بالطبقة العاملة أو الفلاحين ، أو الطبقات الاجتماعية بشكل عام ، فضلاً عن دراسة الأنشطة الشعبية والحركات الثورية – وهذا كله يمكن أن يكون مثالاً ثانياً على تعدد القراءات للتاريخ الذي يخص شعباً أو أمة من الأمم في فترات متعددة من تاريخها.

وإعادة قراءة التاريخ ليست تزويراً للتاريخ بأي حال من الأحوال ، وإنما هي تأتي في سياق الوظيفة الثقافية الاجتماعية للتاريخ , باعتباره ممارسة فكرية في خدمة الحاضر ..

ومن المهم أن نشير في هذا الصدد إلى أن الجماعات الإنسانية لا يمكن أن تستمر في الاحتفاظ بأي ممارسة ثقافية أو اجتماعية ، ما لم تكن لها فائدة تعود على الجماعة بشكل إيجابي.

وبالتالي فإن عملية إعادة قراءة التاريخ تهدف إلى البحث عن العناصر التي ينبغي تسليط الضوء عليها لخدمة الحاضر , واستشراف آفاق المستقبل , وليس المقصود هنا أن قراءة التاريخ ـ أي تفسيره ـ يمكن أن تكون عملية تنبؤية ساذجة ، وإنما المقصود أن القراءة المعادة للتاريخ يمكن أن تسلط الضوء على عناصر بعينها تكون إلهاماً , وحافزاً على الفعل التاريخي في الحاضر والمستقبل , وبعبارة أخرى تجعل من المعرفة التاريخية نوعاً من التاريخ الحافز الذي ينشط الفعل لدى الجماعة الإنسانية ..

وربما يتجسد هذا فيما فعله المؤرخون العرب أثناء فترة الحروب الصليبية , عندما بدأت الكتابة عن تاريخ القدس ، وفضل الجهاد والمجاهدين , وإعادة قراءة تاريخ السيرة النبوية والمغازي ، ثم ظهور نمط من الكتابة التاريخية يركز على سيرة السلطان المجاهد مثل سيرة صلاح الدين الأيوبي.

هذه القراءات المتعددة ، للتاريخ تشكل في حقيقة الأمر نظرات في مرآة الذات الحضارية للتعرف على القسمات والملامح الثقافية والحضارية التي يمكن أن تكون هادياً إلى طريق الفعل الحاضر ، وعملية إعادة القراءة التي تتكرر كل حين هي محاولات معادة ومتعددة لفهم الذات ، وهذا هو السبب في أن الشعوب تعيد قراءة تاريخها أكثر من مرة.

تفسير التاريخ :

ومن ناحية أخرى ، حرصت القوى الاستعمارية والغاصبة دائماً على إعادة قراءة تاريخ الشعوب التي أخضعتها ، بالشكل الذي يخدم أهدافها التسلطية ، ومن الأمور ذات الدلالة في هذا السياق أن الاحتلال النازي لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية قد حرص على تغيير كتب التاريخ في المدارس الفرنسية ، كما أن الصهاينة فعلوا الشيء نفسه بعد نجاحهم المؤقت في اغتصاب الأرض العربية في فلسطين ، لقد أعادوا (قراءة) التاريخ العربي ، والتاريخ الفلسطيني خاصة ، بالشكل الذي يغيّب الدور العربي ..

ولكن هذه القراءة لم تكن تفسيراً للتاريخ من وجهة نظر صهيونية ، وإنما كانت تزويراً لتاريخ العرب والفلسطينيين والحضارة العربية الإسلامية بوجه عام ، من أجل تغييب دور الفلسطيني , وتبرير سرقة الأرض بسرقة التاريخ والتراث , كذلك فإن إصرار الإدارة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية الآن على تغيير المناهج الدراسية ، ومن بينها التاريخ بشكل خاص ، في إطار ما تسميه إصلاح العقل العربي يمكن أن يكشف لنا أهمية هذه العملية المتكررة لإعادة قراءة التاريخ.

وقد استخدم الصهاينة قراءتهم الخاصة لتاريخ المنطقة أداة في الصراع السياسي والعسكري والثقافي ضد العرب ، كما أن الأساطير التي تم اختلاقها وترويجها عن إسرائيل القديمة قد ساعدت على ترسيخ بعض الأوهام في أذهان اليهود وأبناء الغرب الأوربي والأمريكي عن العرب والمسلمين وفلسطين ، باعتبارها (حقائق تاريخية) تعطيهم حقاً في أرض لم تكن لهم يوماً.

وليس من قبيل المصادفة أن كراسي التاريخ في الجامعات ومراكز البحوث الدراسية الغربية ، والأمريكية منها بصفة خاصة ، ظلت تحت السيطرة شبه الكاملة للباحثين والمؤرخين اليهود حتى منتصف القرن العشرين على أقل تقدير ، وكان الحصاد المر لهذه السيطرة الصهيونية أن رسخت في أذهان أبناء الغرب صورة سلبية تماماً للعرب ، ساعد عليها تراث قائم منذ عصر الحروب الصليبية ، يحمل صورة سلبية للعرب والمسلمين بوجه عام ..

ولم يكن الأمر مجرد دعاية سيئة يمكن علاجها بالمفاهيم الإعلامية السطحية ، كما يظن الجهابدة من أصحاب القرار ، وإنما كان قراءة التاريخ لخدمة الأهداف الصهيونية الآنية والمستقبلية , ولأن هذه القراءة تمت بشكل منهجي ومدروس تنفيذاً لوصية "هرتزل " بإحداث أكبر قدر من الضجة حول القضية اليهودية (من خلال الفن والتاريخ ) فإنها تركت أثارها السلبية حتى في أوساط المؤرخين العرب ، ومازلنا نعاني من هذه الآثار حتى الآن.

وكانت الظروف التاريخية الموضوعية مواتية تماماً لسيادة هذه القراءة الصهيونية في دوائر الغرب الأوربي والأمريكي , وانتقال بعض انعكاساتها على أفكار ومفاهيم نفر من المؤرخين العرب (الحرفيين)..

حقيقة أن عدداً من المؤرخين العرب الفاهمين قد عملوا على (تعريب) الدراسة التاريخية منذ وقت مبكر ، وفي العقود الأولى من القرن العشرين ، لكن آذان أوربا وأمريكا كانت مفتوحة وراغبة في الاستماع إلى القراءة الصهيونية للتاريخ منذ القرن التاسع عشر , ذلك أن الفترة التي نشط فيها المؤرخون العاملون في خدمة الحركة الصهيونية جاءت في أعقاب فترة نشط فيها المؤرخون الأوربيون والأمريكيون ، تحت مظلة الاستشراق لدراسة تاريخ الحضارة العربية الإسلامية ، وتاريخ المسلمين والعرب ، انطلاقا من روح العداء للدولة العثمانية بسبب حروب المورة اليونانية التي تطوع فيها كثير من الأوربيين والأمريكيين للقتال إلى جانب اليونانيين ضد الأتراك العثمانيين , باعتبارهم أصحاب حضارة الغرب الكلاسيكية.

(وبالمناسبة كانت تلك هي الفترة التي ظهرت فيها موجة العداء للسامية ، والتي كانت موجهة ضد العرب والمسلمين واليهود ، ثم حولتها الدعاية الصهيونية إلى أداة ابتزاز لصالح الحركة الصهيونية).

والناظر في تراث هذه الفترة سيجد أن البحوث والدراسات التاريخية التي خرجت في هذه الفترة ، كانت في الغالب الأعم نوعاً من القراءة الانتقامية التي تحرض أبناء الغرب ضد المسلمين , والعرب بشكل عام , وكانت تلك فرصة ذهبية لم يتوان المؤرخون الصهاينة في استغلالها , والسير على نهج مؤرخي الفترة الاستعمارية الأوربية في قراءة أو تفسير تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.

ومن ناحية أخرى كانت الظروف التاريخية الموضوعية مواتية للقراءة الصهيونية لأن الدراسات التاريخية العربية الحديثة كانت لا تزال فرخاً من أفراخ الدراسة التاريخية الأوربية ، إذ كان رؤساء قسم التاريخ بالجامعة المصرية ـ أولى الجامعات العربية – من الأوربيين حتى سنة 1936م وكان طبيعياً أن تسود المفاهيم التاريخية من وجهة نظر المؤرخين الأوربيين في الدراسات التاريخية العربية الناشئة ، وكانت النتيجة الحتمية أننا صرنا نقرأ التاريخ العربي بعيون أوربية وأمريكية معادية ، أو منحازة في أحسن الأحوال.

هذه الحقيقة التي نعرفها هي التي استوجبت طرح السؤال حول ضرورة إعادة قراءة تاريخنا أو إعادة تفسيره من منظور عربي.

تعريب الدراسات التاريخية :

وربما يكون من المناسب أن نحاول النظر إلى المشهد الحالي في مجال الفكر التاريخي العربي قبل الخوض في تفاصيل الإجابة عن السؤال الذي يشي بأن ثمة أزمة تكمن وراء السؤال , فقد مر البحث التاريخي العربي ، بتطورات كثيرة منذ بدأ الأجانب والدراسات التاريخية في جامعة القاهرة قبل ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن , فقد قام عدد من المؤرخين المصريين والعرب الرواد بتعريب الدراسة التاريخية , وتخرجت أعداد كبيرة من الباحثين العرب لم يلبثوا أن أسسوا الأقسام الأكاديمية في الجامعات العربية ، التي توالت في الظهور في شتى أرجاء الوطن العربي ، وتكاثرت الدراسات والبحوث التي حققت قدراً متوازناً من تطور الفكر التاريخي العربي.

وقد أدت هذه الزيادة الكمية إلى تغير نوعي وكيفي في مجال الدراسات العربية حقاً , ولكن روح التفرق وعدم التنسيق وغياب مشروع عربي متكامل لإصدار الكتب والموسوعات التي تحمل القراءة العربية للتاريخ ، حالت دون الإفادة الكاملة من هذه الزيادة الكمية والتغير النوعي النسبي.

والمنطقة العربية حافلة بأقسام التاريخ ، كما أن أعداداً متزايدة من الجمعيات المهتمة بالدراسات والبحوث التاريخية قد نبتت على أرض الواقع الأكاديمي العربي ، وهذه نقطة إيجابية يجب أن نضعها في الحسبان ، ومن ناحية أخرى فإن عملية تعريب الدراسات التاريخية في العالم العربي تمت أحياناً بنجاح كبير في بعض الفروع , وبنجاح جزئي في فروع أخرى , على حين بقيت فروع قليلة أسيرة تماماً للمفاهيم والمصطلحات والمنظور الأوربي – الأمريكي..

وهذه نقطة إيجابية ثانية كذلك , فإن عدد المؤرخين العرب الفاهمين لحقيقة الوظيفة الثقافية الاجتماعية للدراسة التاريخية يزداد بشكل مطرد ، وهذه نقطة إيجابية ثالثة ، فضلاً عن أن البحث والدراسات التاريخية التي قام بها المؤرخون العرب قد نجحت إلى حد ما في إحداث شرخ في الصورة التي رسمتها القراءة الصهيونية الاستشراقية لتاريخ العرب والحضارة العربية ، وهذه نقطة إيجابية رابعة ، والأهم من هذا كله أن عدداً متزايداً من المؤرخين المسلمين والعرب قد نجحوا في كسر الاحتكار اليهودي الصهيوني لدراسة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعات الأوربية والأمريكية ، وهذه نقطة إيجابية خامسة.

هذه النقاط الإيجابية في المشهد ، وغيرها لا تنفي وجود النقاط السلبية المتمثلة في سيادة المفهوم الأوربي في تقسيم العصور التاريخية حتى الآن ، وفي تسلط المصطلحات الأوربية التي تخدم القراءة الأوروبية التي تصطدم بالضرورة مع القراءة العربية للتاريخ العربي ، فضلاً عن تخلف وسائل أعداد الباحثين والمؤرخين العرب ، وضآلة الموارد المالية المخصصة لتعليمهم ..

ومن ناحية أخرى ، فإن الخصومة القائمة بين معظم الحكام العرب والبحث العلمي وأهله ، قد جعلت مسألة البحث العلمي مسألة مظهرية شكلية في كثير من الأحيان ، ولم يكن البحث التاريخي استثناء في ذلك بطبيعة الحال ، انظر إلى ميزانيات البحث العلمي في العالم العربي , وقارنها بميزانية البحث العلمي في دولة الكيان الصهيوني مثلا ..ومثلما يفتقر العرب حالياً إلى التنسيق في كثير من أمور حياتهم على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية ، وبالشكل الذي جعلهم يتوارون في الركن المظلم من العالم، غير أنهم لا يزالون أسرى التواريخ القطرية والمحلية التي تعكس واقعهم السياسي المفكك , وحال التشرذم التي يعانون منها من جهة وتكرسه من جهة أخرى.

ومن هنا فإن الإجابة عن السؤال المطروح : هل هناك ضرورة لإعادة كتابة تاريخنا ؟ تكون بالإيجاب حتماً إذ إن ما تم إنجازه قد تحقق بجهود فردية في غالب الأحوال , ولم تكن تساند هذه المبادرات الفردية جهود مؤسسية عامة في كثير من الأحيان , وهو ما أدى بالضرورة إلى عدم توافر الشروط اللازمة لوجود (قراءة عربية للتاريخ العربي) حتى الآن ..

صحيح أن الفترة التي تمتد من العقود الأولى من القرن العشرين حتى الآن قد شهدت تطوراً كمياً كبيراً , بيد أن هذا التطور الكمي لم يكن يوازيه تطور كيفي مناسب , وهو ما يعني أنه لا توجد حتى الآن مدارس عربية ، أو حتى اتجاهات في الفكر التاريخي ، وما زلنا نعيش عالة على إنجازات الفكر التاريخي الغربي ومدارسه واتجاهاته حتى الآن.

وحين ظهرت مجموعة من المؤرخين العرب تسير على هدي مدرسة ليوبلود فون رانكة الألماني الصارمة الخالية من الخيال نافستها جماعة نسبت نفسها إلى الفكر الماركسي , ونظريات التفسير المادي ، على حين لحق آخرون بالمدرسة البورجوازية التي يمثلها الإنجليزي (آرنولد توينبي) .

وعلى الرغم من أن البحث التاريخي قد حقق قدراً معقولاً من التقدم النسبي في النصف الأول من القرن العشرين , فإن التراجع بدأ مرة أخرى في الربع الأخير من هذا القرن ، ولأسباب كثيرة لا يتسع المجال لها..

تراجع البحث التاريخي ضمن تراجعات كثيرة في العالم العربي ، وإن ظلت مجموعات من المؤرخين الفرادى ، ومراكز البحوث ، تحاول السباحة ضد التيار.

وعلى الرغم من أن المقارنة بين الأوضاع في خمسينيات القرن العشرين والأوضاع الآن في مجال الدراسات التاريخية والتقدم الكمي والنوعي ، فإن ما يحقق إعادة قراءة تاريخنا من شروط لم تتوافر حتى الآن ، ولست أظن أن الأمر مستحيل أو حتى صعب ، ذلك لأننا نمتلك المقومات والشروط اللازمة لتحقيق ذلك ، ولكننا لا نملك التنسيق الجماعي على مستوى العالم العربي من ناحية ، ونفتقر إلى الإدارة السياسية التي توفر الشروط الصحية للبحث العلمي من ناحية أخرى..

وعلى الرغم من أن مؤسسات أهلية كثيرة تحاول إذكاء العمل الثقافي في الوطن العربي فإن نشاطها يكاد يكون محصوراً في نطاق الأدب والنقد والدرسات الأدبية ، كما أن الاستبداد السياسي الذي تعاني منه الشعوب العربية انعكس سلبياً على الحرية الفكرية , ولم يكن البحث التاريخي استثناء في ذلك بطبيعة الحال , والمسألة لا تحتاج إلى جهد المقاتلين بقدر ما تحتاج إلى صبر العلماء ، ولنا فيما حدث في مجال الدراسات العثمانية أسوة.

دفاع الحضارة الإسلامية:

وربما يساعدنا على الدعوة لإعادة قراءة تاريخنا حقيقة مؤداها أن خطوات مهمة قد تمت بالفعل في هذا المجال في دراسة بعض جوانب الحضارة العربية الإسلامية ، وبعض فترات تاريخ المسلمين , فضلاً عن القراءة الناجحة لفترات مهمة في تاريح العرب الحديث والمعاصر، وقد أسهم مؤرخون مسلمون وعرب كثيرون في إعادة قراءة التاريخ الإسلامي بالدرجة التي أحدثت صدعاً في الرؤية الغربية لهذا التاريخ .

ووجدت مراجعات كثيرة لعدد من المُسلّمات التي كانت راسخة بشأن التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بالفعل ، ولكن الهجوم العنيف من جانب الدوائر الصهيونية والإمبريالية على الإسلام والمسلمين والعرب يستدعي جهداً أكثر قوة ومثابرة لإعادة قراءة أو تفسير التاريخ الإسلامي .

وهنا ينبغي أن نشير إلى أننا لسنا بحاجة إلى قراءة تبريرية ، أو دفاعية للتاريخ الإسلامي أو تاريخ الحضارة العربية الإسلامية ، كما أننا لسنا بحاجة إلى قراءة بعيون وردية تجرد التاريخ الإسلامي من طابعه البشري , وتحاول أن تجعله نوعاً من الفعاليات الإلهية ، فقد كان المسلمون الأوائل بشراً مثل سائر البشر ، ولكنهم كانوا أصحاب مرجعية تمثل قوام حضارتهم , وعليها مدار حياتهم , ويجب إعادة قراءة تاريخيهم في ضوء هذه المرجعية ، وليس في ضوء مرجعيات أخرى لم يكن أصحاب هذه الحضارة يعرفون عنها شيئاً , كما أنها ليست ملزمة لنا في حاضرنا بشيء.

ويتمثل خطر القراءة التبريرية أو الدفاعية ، للتاريخ الإسلامي في أنها تتصور أن الحضارة العربية الإسلامية كانت حضارة أحادية الجانب ، وهو أمر لا يمكن أن يكون صحيحاً من ناحية ، كما أنه يعيق فهمنا لتاريخنا من ناحية أخرى, فقد كانت الحضارة العربية الإسلامية حضارة متعددة الجوانب ، حققت الكثير من الإنجازات , وحفلت بالعديد من السلبيات، شأن كل حضارات البشر ، ولكنها في التحليل الأخير كانت حضارة إنسانية الطابع ، فتحت ذراعيها لكل الأجناس والديانات فأفادت منهم وأفادتهم ..

وربما يكون هذا هو السبب في أن هذه الحضارة هي الأطول عمراً بين حضارات البشر ، والأوسع في مداها الجغرافي ، كما أن مراكز الثقل فيها تنقلت بين كل الأقاليم الحضارية القديمة في العالم ، كذلك فإن القراءة التبريرية تحمل خطراً آخر هو الإحساس بالدونية الحضارية إزاء الآخر الذي يهاجم حضارتنا وتاريخنا ، والإحساس بالدونية يعيق القراءة الواعية للتاريخ على أي حال.

أديب فؤاد
22-05-2006, 12:34 AM
اخي الحبيب الإدريسي
تصفيق حاد لمقال رائع عن صياغة التاريخ وإعادة هذه الصياغة
بحيادية وإنصاف
وللإسف الشديد تاريخنا الإسلامي تعرض في مراحل كتابته
لأهواء وإجحاف لم يتعرض له تاريخ أمة من الأمم غيرها
ولعل الكتب المنصفة في تاريخنا قليل فلم تنصف كتابة التاريخ
كثير من مراحلنا وتغيراتنا فلم نر سوى مساوئ المرحلة السابقة
والقصص التي ألحقت بالرموز من أشخاص لهم أهواء ومقاصد
جزاك الله خيرا على دعوتك لهذه الإعادة
وليت المنصفين من مؤرخينا يسمعون
لك شكري وتقديري

الإدريسي
13-06-2006, 04:26 PM
الشكر الجزيل لك اخي اديب لمرورك الكريم ....وللتاكيد على اعادة كتابة التاربيخ بايدي امينة وموضوعية منصفة وأسأل الله أن يلقى هذا الكلام آذان صاغية

محمد جاد الزغبي
03-01-2009, 11:38 AM
نقطة النقاش هنا هى مصداقية عبارة نابليون بونابرت القائلة ..
التاريخ مجموعة أكاذيب متفق عليها !
وأرجو أن تتسع الصدور لشرح هذه النقطة وما يتعلق بها
فى البداية وقبل الدخول بالموضوع الرئيسي يجدر بنا لفت النظر لقضية بالغة الأهمية وهى المظهرية الثقافية التى تحكم بعضنا وحسن النية الذى يحكم البعض الآخر فيسعى خلف الفكر الغربي وأقواله المأثورة ـ وبعضها يستحق الإعجاب ـ
وتجده يعجب بها لما تتميز به من بلاغة اللفظ والتركيب ومن ثم يعجب ويقتنع بالمحتوى دون تدقيق فيه لكشف عواره وإفلاسه
والأمثلة أكثر من أن تحصي فى هذا الشأن لا سيما بعد تسلط العلمانية فى قلب المؤسسات الثقافية الرسمية فى أنحاء الوطن العربي وفى مختلف وسائل الإعلام فصارت أقوال فلاسفة الغرب ومفكريهم هى الجامع المشترك الأعظم عند استشهاد الكتّاب بقول مأثور ..
وعفا الزمن على الحكمة العربية التى تذخر مراجعنا بها على نحو يكفي لتأسيس تاريخ عشرة أمم !

ولسنا نطلب الكثير عندما نلفت النظر إلى أن الحكمة موطنها عربي لا سيما بعد نزول الإسلام ..
وأن حضارة الإسلام حضارة بيان لا حضارة بنيان وهى الحضارة الوحيدة فى نوعها ولونها فمن البديهى أن تصبح حضارتنا أولى الحضارات بالكلمة وفيها القرآن الكريم والسنة النبوية وتاريخ لا ينتهى من الحكماء وأقوالهم التى ما تركت مجالا لم تبدع فيه شعرا ونثرا
والمثقفين الشبان والكبار ملتزمون بضرورة تأسيس فكرهم على الحكمة والفكر العربي من باب أولى قبل طرق الفلسفة والفكر الغربي حتى يتمكن من تفنيد الصحيح من السقيم .. الخيالى من الواقعى
وليس من الفخر كما يظن دعاة التمدن أن نمد بأعيننا إلى ثقافة الغير ونحن لم نلتفت لحظة ـ ولو من باب الحياء ـ إلى ثقافتنا نحن .. وأذكر كلمة إمامنا الجليل محمد متولى الشعراوى رحمه الله عندما تحدث فى هذا الشأن فتحسر على إهمالنا وجهلنا بآدابنا رغم عظمتها المطلقة
ومن العار أن تحفظ أقوال روسو ومونتسكيو ونيتشه وجون شتاينبك .. وعندما يسألك سائل عن الفارابي والغزالى والشافعى وإخوان الصفا وبن رشد وبن خلدون تقلب كفيك فى حيرة وتنصرف عن السائل
ولو أننا ضربنا مثلا بسيطا لفوارق المعالجة العربية والغربية لمجالات الحكمة فى الأقوال الغربية لاكتشفنا مدى اتساع المسافة بين القدرة العربية على التوصيف والبلاغة وبين مثيلتها فى الغرب
ففي حكمة لجورج إليوت يقول
{ لايقترب إلينا الشيطان من تلقاء نفسه بل نحن الذين نغريه }
وهى حكمة فانتازيا لا مقصود منها فى الغرب إلا المخالفة للبروز لأن محتواها يدل على ضحالة الإدراك
ولو عاملناها ـ بعيدا عن الإعتقاد ـ وكحكمة محضة سنجد أن المعالجة العربية أوفق بكثير جدا .. مثلا قول الشاعر
إنى ابتليت بأربع ما سُلـطـــوا ×× إلا لتعظم بليتى .. وشقائـــــي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى ×× كيف الخلاص وكلهم أعدائي
وهناك حكيم أوربي آخر هو فينيلون ينسب إليه قول عن الصداقة محتواه
{ اذا أردت ان تتعرف الي إنسان راقب اصدقاءه فكما يكونون يكون------------}
ولن نقول أنه سرقها من الحكمة العربية لكننا نكتفي أن نقول أنه اقتبسها منها !
لأن الحديث المنسوب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخرجه الإمام أحمد فى مسنده وعمر الحديث أربعة عشر قرنا يقول
{ المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل }
ومن شعر الإمام على رضي الله عنه قوله
احذر خليلك واصطفيه تفاخرا ×× إن القرين إلى المقارن ينسب
وهناك حكمة شهيرة منسوبة إلى شكسبير يقول فيها
{ علي الصديق ان يحمل عيوب صديقه------------------- }
وكما هو الحال أيضا من سابقتها مأخوذة من نص قول مأثور لجعفر الصادق رضي الله عنه مع فارق البلاغة والشمول والمعالجة البديعة للحكمة العربية يقول فيه
{ إلتمس لأخيك العذر إذا بلغك منه شيئا تنكره .. فإن لم تجد فقل لعل له عذرا .. ولا أعرفه }

وحكمة أخرى منسوبة لبنجامين فرانكلين تقول { أصدقاء جهلاء خير من أعداء عقلاء }
و نجد الحكمة العربية تسبق فتقول { عدو عاقل خير من صديق جاهل } ونجد شعر الخيام الذى عرّبه رامى يسبق هذه الحكمة فى الصياغة والبراعة والمحتوى فيقول
عاشر من الناس كبار العقول ×× وجانب الجهال أصحاب الفضول
واشرب نقيع السم من يد عاقل ×× واسكب على الأرض دواء الجهول

وفى ضوء هذه الأمثلة نعود لمقولة نابليون التى يقول فيها
{ التاريخ مجموعة أكاذيب متفق عليها ! }
والتى توازى أيضا مقولة أخرى يعبر عنها بعض المثقفين وتقول { ويل لتاريخ الأمم المهزومة إذا كتبته الأمم المنتصرة }
هذه العبارات إن جازت صحتها فى التاريخ العريق للغرب والعرب فسنجد أنها خرجت بسمات غربية وتعبير عن واقع غربي وجلبها بعض المثقفين للتعبير عن عموم التاريخ العربي دونما لحظة من تروى وتدقيق
فتلك العبارة تجرى فقط فى شأن تاريخ الغرب منذ عهد أقدم حضاراته وحتى نهاية عصر التخلف أو العصور الوسطى حيث كانت كتابة التاريخ وغيرها وسائر الشئون رهن الإهمال حينا ورهن الإجبار والخرافات أحيانا
فالمتأمل فى التاريخ العربي السحيق يجده عبارة عن أشلاء لخرافات مفتقدة للدليل والإسناد والتوثيق ويعترف محققو التاريخ الأوربي أن الإنقطاع فى الروايات والإسناد فى مجال التاريخ ومجال الكتب السماوية عندهم يبلغ حوالى 400 عام كاملة بين الراوى وبين المدون !
أى أنه تاريخ مزيف ـ أيا كان السبب ـ تزييفا لا شك فيه
ومن ثم تنطبق العبارة أولا بحذافيرها على تاريخ الغرب القديم وحتى القرن السابع عشر ,
والذى بدأت معه عصر النهضة الأوربية وبدايات الصحوة الفكرية وصنعت توثيقا مأمونا لحد كبير لا سيما فى القرن التاسع عشر والعشرين حيث أصبحت تصرفات الحكومات وتدوين الأحداث رهن للتحقيق المستمر والتوثيق الكامل ، وهناك بالطبع تفصيلات وأسرار تظل مزيفة مدة طويلة لكنها بقانون الوثائق المطبق بالغرب تخرج بشكل حتمى بعد مرور زمنها ومن ثم أصبح التاريخ الغربي فى آخر ثلاثة قرون فقط تاريخا جادا

أما التاريخ العربي فيختلف فى هذا الأمر اختلافا جذريا وكاملا
إذ أن الثبات الذى يميزه منذ بداياته وحتى منتصف القرن العشرين تقريبا يعد ثباتا بلغ النسبة القصوى من الصحة وهو ما يغفله الكثير من المثقفين منقطعو الصلة بالتراث العربي وأسلوب التدوين والتوثيق الذى اتبعه العلماء والمؤرخون والفلاسفة العرب وبذلوا فيه جهدا غير مسبوق
وذلك لعدة عوامل أهمها
* وجود الإسناد الصحيح للروايات التاريخية وللتشريعات الدينية مروية باتصال مستمر لا انقطاع فيه مطلقا , ويعود هذا إلى ابتكار علماء السنة النبوية المطهرة لعلم الرجال أو علم الإسناد { الجرح والتعديل } والذى ظهر فى القرن الثانى الهجرى كعلم ذو قواعد راسخة حيث كانت الروايات الحديثية ومن بعدها التاريخية بل وحتى الطرفة العربية تروى بإسناد متصل من الراوى الذى يتحدث بها وحتى تصل بالإسناد إلى قائلها الأصلي مهما بعدت السنون
وبظهور علم الإسناد موثقا وذو قواعد مكتوبة فشلت كل عمليات الدس والتشويه وتم كشفها جميعا عن طريق التحقيق الدقيق الذى بهر بعض المؤرخين من المستشرقين مثل مرجليوث الذى قال { ليهنأ المسلمون بعلم حديثهم }
ولم يكن الإسناد يتميز بالإتصال فقط بل إن المعجزة الحقيقية تكمن أن رواية الحديث والتاريخ كانت متروكة للمتخصصين فقط وهم على نوعين ، رواة الأحداث ، والمحققون من العلماء ،
فكل رواية ترد على لسان واحد من الرواة يتم الرجوع قبل قبولها إلى السيرة الذاتية لهذا الراوى وملاحظة حاله من الصدق أو الكذب والقوة والضعف قبل الحكم والأخذ بالرواية على أنها صحيحة أو باطلة ، وتكون مراجع علم الرجال هى المرجع الذى يتم تدوين أقوال العلماء بشأن أحوال الرواة وهم بالآلاف احتوتهم مراجع ضخمة جدا أشهرها مجموعة تاريخ البخارى الكبير والأوسط والصغير ، وكتاب تاريخ دمشق البالغ الضخامة والذى ألفه ووضعه العالم المحقق بن عساكر على نحو أبهر معاصريه حيث قام بتسجيل السير الذاتية وأقوال الناس فى حال كل راوى ووضع لكل منهم ترجمة سواء كان هذا الراوى دمشقيا أو وافدا إلى دمشق أو حتى جاء مارا بها ، حيث كان بن عساكر يقوم بالرحيل لموطن الراوى الوافد والسؤال عن حاله هناك !
وهناك أيضا تهذيب الكمال للعلامة المزى ووفيات الأعيان لبن خلكان وغيرها
* والعامل الثالث الذى لا يقل أهمية أن التاريخ تم تدوينه للعصر الإسلامى على نوعين من التدوين الأول قائم على تسجيل جميع الروايات حتى الخاطئة والمزيفة منها مع إسناد كل رواية لقائلها ويكون التعامل مع هذا النوع بمطالعة الروايات جميعا ومطابقة وتحقيق أحوال الرواة للتأكد من صحتها أو عدمها ، وأشهر مرجع من هذا النوع هو تاريخ الأمم والملوك للعلامة المفسر بن جرير الطبري والذى لا يستطيع أن يطالعه إلا كل مدقق محقق نظرا لأنه قام بتسجيل سائر الروايات مكتفيا بوجود مصادرها تاركا للقارئ الباحث مهمة التحقيق وأيضا مثل كتاب الكامل فى التاريخ للعلامة بن الأثير
والنوع الثانى وهو التاريخ المحقق بالإسناد الصحيح فقط أو التاريخ المحقق بالنقد وكلاهما يعتبر مرجعا موثوقا به حيث يقوم المؤرخ بوضع رأيه ونتيجة بحثه للروايات الواردة بتاريخه ونقدها نقدا سليما يبين الصحيح من الضعيف ومن أمثلة تلك المراجع البداية والنهاية لبن كثير والمنتظم فى تاريخ الملوك والأمم لبن الجوزى وتاريخ الإسلام لشمس الدين الذهبي وكان آخر مرجع للتاريخ مروى بالإسناد المحقق هو تاريخ الإسلام الذى كتبه العلامة المحدث أحمد شاكر فى مصر فى منتصف القرن العشرين
* العامل الرابع لثبات التاريخ الإسلامى وهو يتعلق بتعدد أجيال المؤرخين فى كل عصر وعلى هذا تنهدم حجة القائلين أن الأمم المنتصرة كالعباسيين كتبت التاريخ مزورا لصالحهم
وهو قول يفتقد إلى أدنى معرفة بالمراجع المحتوية على التاريخ الإسلامى لأن العهود استطالت فضلا على أن علماءنا الكبار لم يرضخوا للضغط فى تسجيل الحوادث بمنتهى الصدق غير عائبين بما يصيبهم من جراء ذلك
وأكبر دليل على ذلك أن المراجع التى تمت كتابتها فى عهد العباسيين وتحت سلطانهم احتوت على أشد النقد للعهد العباسي منذ عهد السفاح وحتى عهد المعتصم ونقدوا كل حاكم بما عليه وما له وبينوا جرائمه إن وجدت ، مثال ذلك تهمة إراقة الدماء التى لحقت بالسفاح أول خلفاء العباسيين وتهمة الشدة والتجبر والغدر التى لحقت بأبي جعفر المنصور ثانى خلفائهم وأيضا هناك واقعة فتنة خلق القرآن التى تسبب فيها المأمون مروية تامة الصدق محملة المسئولية فى الفتنة له وهكذا ..
* العامل الخامس والأخير يتعلق بالمؤرخين المعاصرين والمفكرين الذين سلطوا بصيرتهم على سائر المراجع الإسلامية الكبري وهى بالعشرات وقاموا بحصر اختلافات المؤرخين وغربلتها وانتقاء الصحيح منها فلم يدعوا منها شيئا
أى أن التاريخ الإسلامى والعربي تعرض لعملية فحص وتمحيص وتدقيق لم يتعرض لها تاريخ سواه فى تعدد مراحل التحقيق حتى الأجيال المتأخرة بل وحتى عصرنا الحالى ونذكر منهم أحمد شاكر وعباس العقاد وعثمان الخميس وغيرهم كثير

لذا فإن الذى يصم التاريخ الإسلامى بأنه احتوى على الزيف يقع فى كارثتين كل منهما أكبر من الأخرى
الأولى :
أنه يصم التاريخ الإسلامى فى مجمله أو معظمه وهو اتهام فيه من الجهل الكثير لأن الروايات المنتقدة فى التاريخ الإسلامى والمشكوك بصحتها والتى أثارها المفكرون عبر العصور هى روايات وحوادث معدودة ومحصورة ،
والحكمة العربية تقول { كفي بالمرء حسنا أن تعد معايبه } أى أن التاريخ الإسلامى عبر أربعة عشر قرنا ازدحمت حوادثها ازدحاما يكفي مائة قرن ، وكلها تم تسجيلها بدقة ، وتبلغ نسبة الحوادث المنتقدة عددا محدودا من الروايات ، فهى شهادة بصدق هذا التاريخ لا بزيفه
الثانى :
أن المنتقدين كانوا على حالين وهما
العلمانيون مثل فرج فوده وهؤلاء كان جهلهم فاضح واتضح فى كتابه { الحقيقة الغائبة } الذى شحنه بنقد لروايات تاريخية وحوادث جاءت بأكملها مزيفة على التاريخ الإسلامى وكلها جلبها فرج فوده من الروايات الضعيفة التى ضعّفها وأبطلها العلماء عبر القرون ومع ذلك تمسك بها ولم يلتفت لقول أهل الإختصاص ، وهو باعث معروف بالطبع يدفعنا لإهمال هذا النقد كونه جاء بغرض معين لا بغرض التحرى العلمى ..
والقسم الثانى وهم المؤرخون المعاصرون ومنهم بعض أساتذة الجامعات الذين سلكوا فى دراسة التاريخ مسلكا معاصرا مهملين قواعد التأريخ التى اعتمدها المؤرخون القدامى لوضع كتبهم ـ وأهمها إيراد سائر الروايات وترك التحقيق لأهل التحقيق ـ فجاءوا للنقد والتعرض بالإنتقاص لكبار وأجلاء العلماء مثل الإمام الطبري الذى قال عنه الدكتور حسين مؤنس أستاذ التاريخ المصري فى كتابه { نقد التاريخ الإسلامى } أنه كان مؤرخا عبيطا ـ هكذا باللفظ ـ لأن كتبه مليئة بالروايات الخرافية التى لا يصدقها عقل ، وغفل المؤرخ الكبير عن منهج العلم القديم وعصوره الذهبية التى كانت فيها صبية الكتاتيب تعادل اليوم حملة الدكتوراه بل والأستاذية
فالعصر كله كان عصر علم وأسانيد ولم يكن صعبا عليهم أن يحققوا أى كتاب بصفحاته واحدة تلو الأخرى دونما أن يرجعوا لمرجع واحد ولهذا كان العلماء المؤرخون من أمثال الطبري لا يتحرجون من ذكر الروايات المنكرة لقوة ودرجة الدراية التى كان عليها العامة فضلا على العلماء وأيضا لأن الطبري أورد تاريخه مسندا كله ـ وهذا جهد جهيد ـ ، وبهذا انتفي عذر أى معتذر حيث يكون مهمة القارئ الباحث أن يراجع أحوال الرواة قبل الأخذ بالرواية
هذا بالإضافة أن حسين مؤنس ملأ كتابه بانقادات غريبة لروايات كلها ثابتة عند سائر العلماء مما يقطع بصحتها وبالتالى جاء إنكاره لها بدعوى أنها منافية للمنطق عبارة عن إدعاء أجوف يهمل أول ما يهمل جهد علماء التحقيق الذين ثبتوا الروايات المتفق عليها بتحقيق ناقليها كما فعلوا مع أحاديث المصطفي عليه الصلاة والسلام ، ولذا تنضم هذه الإنتقادات لمجمل الإنتقادات التى وردت على الحديث النبوى بدعوى منافاتها العقل
وهو أمر غريب للغاية أن نخضع حوادث التاريخ للتصحيح والتضعيف بناء على قناعاتنا الشخصية ومنطق التفكير لا على أسلوب البحث العلمى الذى يقوم على عوامل إثبات مجردة ..

وإلا لجاز للأجيال القادمة مثلا أن تنكر انتصار الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا التى كانت طيلة ثلاث سنوات من الحرب صاحبة اليد الطولى فى سائر ميادين الحرب وتمكنت بمفردها قبل انضمام ايطاليا أو اليابان من إسقاط فرنسا وتدمير البنية التحتية لبريطانيا وطرد جيشها بهزيمة ساحقة فى دنكرك وفى نفس الوقت أسقطت الإتحاد السوفياتى أسير الذعر العارم بعد أن توقفت قوات ألمانيا على بعد أربعين كيلومترا من موسكو ، هذا فضلا على استيلاء ألمانيا منفردة على أوربا كلها تقريبا
فكيف ـ لو أن الأمر بالمنطق ـ سقطت ألمانيا نفسها بعد أقل من عام من تلك الإنتصارات المدوية ؟!
من هذا يتضح لنا أن عبارة نابليون إنما تنطبق على تاريخه لا تاريخنا ، وقوله يعود لحال بلاده لا بلادنا وبالتالى فإن محاولة التغريب المستمرة بجلب الحكم الغربية وتطبيقها على منهجنا لا تقل خطورة عن منهج العلمانيين فى جلب العلمانية التى ظهرت بعوامل تاريخية وتطورات إجتماعية غربية محضة ، بينما هى عندنا لا محل لها نظرا لاختلاف المناخ والوقائع

سامح الدهشان
03-01-2009, 11:59 AM
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيك أخي الكريم محمد جاد الزغبي فكر سليم وترتيب منطقي للاحداث

وتمحيص كامل لكل الأراء المقتبسه من حضارتنا العربية والإسلامية القوية

بفضل الله . وما علينا الإ أن ندعوا الله سبحانه وتعالي

نسأل الله العظيم أن يثبتنا علي دينه

نسأل الله العظيم رب العرش أن يهدي الجميع إلي قول الحق

نسأل الله العظيم رب العرش أن يهدينا جميعا ً إلي الصراط المستقيم

ولانملك الإ حسبي الله ونعم الوكيل في كل من يتأمر عن عمد علي الأمة الإسلامية

وأخيرا ً أخي الكريم حينما أقرأ لك أشعر بالزهو والإفتخار أنك مسلم عربي مصري

محمد جاد الزغبي
03-01-2009, 01:13 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيكم أستاذنا سامح الدهشان
وإن الفخر لنا نحن والله بوجودك بيننا بما تمثله من الأخلاق الرفيعة وحالك الذى لا نزكيك على الله عندما نقول .. أنه خير خلق يميز المسلم فى غيرته على دينه وحضارته
بفضل الله . وما علينا الإ أن ندعوا الله سبحانه وتعالي


نسأل الله العظيم أن يثبتنا علي دينه

نسأل الله العظيم رب العرش أن يهدي الجميع إلي قول الحق

نسأل الله العظيم رب العرش أن يهدينا جميعا ً إلي الصراط المستقيم

ولانملك الإ حسبي الله ونعم الوكيل في كل من يتأمر عن عمد علي الأمة الإسلامية
اللهم آمين يا رب العالمين


وأخيرا ً أخي الكريم حينما أقرأ لك أشعر بالزهو والإفتخار أنك مسلم عربي مصري
وأشعر بالزهو أكثر عندما أغبطك على حسن ترتيبك للنسبة
وليس هذا غريبا عليك .. بارك الله فيك
فأول النسبة للإسلام وبعدها للعروبة وأخيرا مصريتنا
أكثر الله من أمثالك مربينا الفاضل

سوسنة الكنانة
18-01-2009, 11:31 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جزاك الله خيرا ,
وأثابك الله على كل ما تقوم بتفنيده وإثباته من مرويات كاذبة وحقائق صحيحة


أنه يصم التاريخ الإسلامى فى مجمله أو معظمه وهو اتهام فيه من الجهل الكثير لأن الروايات المنتقدة فى التاريخ الإسلامى والمشكوك بصحتها والتى أثارها المفكرون عبر العصور هى روايات وحوادث معدودة ومحصورة
وهم أولئك من يتصورون انه ليس في الزوايا خبايا , وليس في الناس بقايا
وطعنهم في الرجال الذي نقلوا هذا التاريخ بمصداقية ودقة وأمانة, طعن في الحق الذين يحملونه
حيث أن "الحق لا يعرف بالرجال , ولكن الرجال هم وسائط الحق "

سنبقى نتطلع لأن نقرأ باطمئنان طالما أن هناك من يقوم ويوجه ويعدل .
حفظك الله

محمد جاد الزغبي
18-01-2009, 01:08 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك
وجزيل التقدير لمرورك وإشادتك


سنبقى نتطلع لأن نقرأ باطمئنان طالما أن هناك من يقوم ويوجه ويعدل .
سأعتبر هذه العبارة تنسحب على العلماء الذين اكتشفوا وفندوا
ونحن ننقل عنهم هذا العلم ونتعلم منهم كيفية البحث
والفضل لله سبحانه وتعالى
ثم لأولئك الأكابر من محققي التاريخ ومنهجه
فجزاهم الله عنا خيرا

عبير جلال الدين
12-05-2009, 11:35 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


هل هناك ضرورة لإعادة قراءة تاريخنا ؟

هل يتفق هذا السؤال مع العبارة

" محاولة لتصحيح التاريخ "


ومن هنا يمكن أن نفهم السبب في أن العصور المختلفة تشهد (قراءات مختلفة) لتاريخ الجماعة الإنسانية ، قبيلة أو شعباً أو أمة ، ففي كل مرحلة تتم (قراءة) جديدة للتاريخ تسلط فيها الأضواء على جوانب معينة , وعناصر محددة من التاريخ , يمكن أن تساعد المجتمع على التعامل مع حاضره بشكل أكثر نجاحاً..

فى هذا العصر بعد ان اكتمل لدينا الغالبية من تلك القراءات

هل أصبح لنا الحق فى تصحيح ما غفل عنه بسبب أحادية الجانب

هل نطلقها دعوة لتصحيح التاريخ

الأستاذ الإدريسى

بارك الله لك على هذا المقال
.
..
.

حسام الهوبي
18-05-2009, 01:34 AM
نعم أوفقك الرأي نحن بحاجة إلى كتابة التاريخ بشكل أكثر حيادية وموضوعية، وبحاجة إلي تقديمه مع علاته وزلاته، وإنصاف أبطاله دون تحيز، أو مبالغة، أو غير ذلك مما اعتاد مؤرخونا كتابته.

كما أننا بحاجة إلى تصحيح المفاهيم عند كتابة التاريخ، فلو نظرنا إلى العديد من المؤرخين القدامى نجد بعضهم يبدأ كتابه من مرحلة خلق السموات والأرض وهبوط آدم إليها، وهذا ينافي الاسلوب العلمي للكتابة، ولا بأس من إعادة نشر تلك المؤلفات من قبيل إحياء التراث، ولكنها مبالغة ما بعدها مبالغة أن يبدأ الكاتب كتابة التاريخ منذ خلق آدم ...! ما هي مصادره التي نقل عنها؟
وقس على ذلك من الهرطقات التاريخية التي لا مصدر لها سوى أساطير متداولة بين الناس في ذلك الوقت...‏

ومن هنا فنحن بحاجة إلى مؤرخين يعيدون كتابة التاريخ العربي بإنصاف أكثر ، وبحيادية أعمق ويخلص المرء إلى القول: أما ما بين أيدينا من المؤلفات: فإنها تحتوي على الغث والسمين دون تمحيص علمي مع تضخيم غير منطقي للأحداث ومبالغة في رسم البطولات الشخصية.‏

وليس معنى كلامي بأن التاريخ مزور لا ولكن الأقلام الزائفة كتبت بشكل كبير ةلذلك يجب تحري الرواية الصحيحة لأي حدث تاريخي قبل التحدث به أو الأخذ منه .

أخي الكريم مقالك رائع بارك الله فيك وجزاك الله كل خير