المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف يبدع الأديب أدبه ؟ ( لحظة الإضاءة )



د. عمر هزاع
01-11-2005, 03:22 AM
هذه المشاركة بقلم : خالد جوده


مقدمة :

للأدب دوره الهام في تنقية الأحاسيس وبناء الأفكار وتغيير المجتمعات ومواساة الإنسان في همومه ، لذلك كانت دراسة العملية الإبداعية وما يرتبط بها من مؤثرات وظواهر دراسة في غاية الأهمية ، فإضافة إلي كونها دراسة ممتعة فإنها أيضا إضاءة للأديب في طريقة نسجه للعمل الأدبي وكيف يدرك طريقة أي العناصر والمناخات أشد تأثيرا وأعظم دلالة لما يثور داخل نفسه من انفعالات وأفكار ، ، ودراسة لحظة الإبداع دراسة شيقة لما تضمه من أفاق فكرية وروحية ممتعة حتي كلمات الأدباء في وصف تلك اللحظات الذهبية واستبطان مؤثراتها وتنمية بواعثها هي كلمات أدبية راقية تعبر عن هموم الإنسان وأشواقه ، وعن أفراحه وأتراحه ، وعن قضايا أمته ومجتمعه وسبل الخلاص ، بما يوجب أن ينصرف الأديب أحيانا داخل نفسه كي يكتشف أفاق هذه اللحظة الذهبية . وذاك واجب يجب التصدي إليه ، يقول " المنفلوطي " ( رحمه الله ) : " الأدب ليس سلعة من السلع التجارية لا هم لصاحبها سوي أن يحتال لنفاقها في سوقها إنما الأدب فن شريف يجب أن يخلص له المتأدبون بأداء حقه والقيام علي خدمته إخلاص غيرهم من المشتغلين ببقية الفنون لفنونهم " ، وأرجو أن أكون بذلك من القائمين علي خدمة الأدب .

د. عمر هزاع
01-11-2005, 03:23 AM
هذه المشاركة بقلم : خالد جوده


حكي لي أحد الأدباء أنه يضع العناصر لأفكاره بداية ثم يبدأ في ترتيبها وتنميق حروفه حتى يكتمل أمامه عملا أدبيا ، أو يكتب أحيانا بيتا واحدا أو بيتين من الشعر ثم بقدرته أو بمعني أدق بحرفته في الصياغة ينشأ سائر القصيدة بأن يضع في نهايات الأسطر الكلمات المناسبة حسب روي وبحر القصيدة ، حتي جاء اليوم الذي ذاق فيه لأول مرة روعة لحظة الميلاد عندما انسكبت داخل نفسه مرة واحدة تلك اللحظة الرائعة ( لحظة الإضاءة ) ، وتعبير ( لحظة الميلاد ) هو التعبير الشائع حول تكوين العمل الأدبي بتشبيهه بالجنين ، فالفكرة تأخذ حظها من الاختمار داخل وجدان الأديب ، فإذا سبقت فكرته فسارع إلي كتابتها دون أن يمر بتلك الحالة من القلق والتوتر ، أي دون أن يتمهل في انتظار حالته الموافقة للكتابة ، أو بمعني أدق إذا سبق قلمه لحظته الإبداعية لكان العمل الأدبي جنينا غير مكتمل شائها ممزقا لم تكتمل له بعد العناصر الوافية لنجاحه ، والفترة الزمنية التي تستغرقها حالة التوتر العاصف إلي أن تكتمل الفكرة وتوافق اللحظة الإبداعية تتباين بين أديب وأديب ، بل يمكن أن تتباين بين عمل وآخر لأديب واحد ، فقد تنشأ الفكرة وتطرح نفسها بقوة وتمر بفترة اختمار قصيرة تتشكل فيها لتصبح كائنا سويا خلال ساعات قليلة أو حتى ساعة واحدة ، وقد يستغرق الأمر سنوات طويلة ، ولا شك أن الفكرة التي تأخذ حظها من حالة القلق هذا ، ونصيبها من عناية الأديب ، فتوافق لحظتها الذهبية بحالة الموافقة للكتابة ( وليس الزمن هنا هو المقياس ) ، هي التي تنشأ عملا أدبيا قويا وممتازا ذلك لأنه يعبر عن تلك اللحظة الإنسانية الساحرة وتقدم لنا سر من أسرار الإبداع العقلي والإنساني ، إن الأديب الذكي المهتم بفنه والذي يود دائما أن يرقي به لابد أن يكون يقظا لمثل هذا المعني فيتصيد أفكاره ومشاعره برصاص بصيرته ، وتظل لحظات توتره متصاعدة وأحيانا عاصفة وحارقة للأعصاب ثم لا يؤجل أمر إفراغ شحنته تلك حين تناسب لحظتها القدرية ليولد لنا العمل الأدبي متميزا راقيا مناسبا لموضوعه وفكرته ، إنها لحظة نادرة إذا أفلتها الأديب فلن تعود إليه مرة ثانية ، وقد قصت علينا الأديبة القاصة الأستاذة / نعمات البحيري عن هذا المعني موضحة ( أن الأديب يجب أن يكون ذا ذهنية حاضرة جاهزة حيث أن عين المبدع متباينة عن غيرها من العيون فيسميها الكاتب الكبير الراحل " يوسف إدريس " ( رحمه الله ) : حساسية إلتقاط اللحظة الإبداعية ، ولا شك أن الفكرة المبدعة والتي يؤسس عليها الأديب عمله الفني تتفاوت من شخص إلي آخر ، وصاحب الموهبة العالية لدية حساسية عالية فكأن الأرض تنبت له أفكارا كلما تحرك والأديب عليه أن يقبض عليها ويحتضنها وتختزنها وتختمر عنده ويعيد إنتاجها في عمل فني ، وهذا جميعه يكتنفه مبدأ هام وهو تخصيص العام وتعميم الخاص بمعني كيف يستطيع المبدع أن يحول التجربة الخاصة إلي تجربة عامة يحياها معه غيره من خلال العمل الأدبي ، أما تخصيص العام فهو ملكية الأديب للحدث العام ويمر الكاتب بفترة الاختزان والاختمار إلي أن يخرج العمل الأدبي في شكله الأخير وتلك الفترة تتسم بالقلق والتوتر والارتباك لدرجة حكت فيها الأديبة أنها قد تختلق الأعذار كي تؤجل الكتابة حتي تعمل علي مرحلية بإنزال فكرتها علي هيئة دفقة ساخنة وملتهبة كما هي بكافة عناصرها بدون أي تعديل ( قبل السنفرة ) وتسميها الأديبة " مادة خام " حيث تمثل المادة الأولية للعمل الإبداعي وبها لحظة الإضاءة ، وتلك أهم العناصر لدي المبدع ،فإذا فقدت المادة الأولية فقد أهم ما لدي الأديب ، وتصف الأديبة أن تلك المادة الخام هي التي تؤسس جرس العمل وتخلق نوع من الجمالية لابتعاث البهجة لدي القارئ ، حينها يبقي من العمل صياغة الحوار بشكل جمالي أي الحرفة الأدبية والتي تعني إسقاط السيئ وإعلاء الجيد ، والحرفة الأدبية مثلها مثل أي عمل أو إحتراف أي أمر ، وتصف الأديبة أنها ترتاح بعد تأسيس المادة الأولية وتنفصل عنها لدرجة قد تصل إلي النسيان لحين إثارته مرة أخري من خلال التحدي بإعادة تشكيل هذه المادة الأولية ، كما تحدثت عن أهمية المراجعة المتصلة لدرجة أنها تجود عملها الإبداعي لعشر مخطوطات وبصورة مناسبة لمناسبة وميقات النشر ، وجملة هذه العناصر من ذكاء الأديب الخاص )
( 1 ) ، وحول أهمية لحظة الإضاءة أذكر مقالة قرأتها للراحل الأستاذ / عبد الوهاب مطاوع ( رحمه الله ) مفادها انه أتخذ كل الأسباب التي تهيأ له المناخ المناسب لكتابته فقد أغلق علي نفسه باب مكتبه وجهز طائفة ضخمة من الأوراق والأقلام وأحتسي عدة فناجين من القهوة ، ولكن بدون فائدة فالأفكار تستعصي عليه والمطبعة كائنا شرها فاتحا فمه ولا تشبعه سوي الكلمات ، حينها أحس بتلك الحالة من القلق والتوتر المضني ، أحس بالآم هائلة تعتصره ، وظل هكذا طوال الليل حتى قرب الفجر فكتب موضوعه حول حبيبته " إلهام " فهي وحشية الجمال يحبها من قلبه وتحبها أقلامه ، ولكنها ذات دلال قاس فكثيرا ما تتمنع عليه و لا تقبل إلا بعد عناء وإسترضاء مذل ، ثم لا تمكث إلا قليلا وتنصرف مسرعة ، وهو يتعجب من تلك الجميلة ذات الدلال فهي هكذا معه ، لكنها مع غيره قد ترتمي علي أعتابه تقبل الأيادي وتبذل من نفسها كي ترضي حبيبها ، إنها حالة الأديب المخلص لأدبه والذي يؤمن بقيمة الكلمة المبدعة ودورها المشهود ، ، وكثير من الأدباء تهاجمه فكرته وتسبقه لحظته الإبداعية في أوقات قد تكون غير مناسبة فيسرع حينها للكتابة علي أغلفة المنتجات أو قصاصات الأوراق أو بقايا الصحف ، وقد يكتب سائرا في الطريق أو مستندا إلي راحة يده لدرجه قد يعجب له فيها من يحيطونه ، ولعل تفسير ذلك أيضا ما يعانيه الأديب من الشرود الدائم فهو يحيا مع أفكاره متأملا ، مرتقبا لحظة ميلاد فكرته لترتدي ثوب الكلمات ، وقد تشتد به تلك الحالة مع قرب لحظته الذهبية ، فالأديب يمر بمرحلة الإعداد والتهيئة وبها تكون حالة عدم التوازن ثم مرحلة الإحتضان والإختمار لمدة من الزمان ثم رحلة الإشراق بالعثور علي الحل وخروج الفكرة إلي حيز الضوء ، يعبر عن ذلك الشاعر " محمد إقبال " ليصف حالته من التوتر المضني : " تألمت فكتبت فاسترحت " إن الأديب يتعامل مع أقلامه من واقع القسوة والغلظة المتناهية فيمسكه مهددا أياه محاولا أن يكسر عنقه ويرغم أنفه علي صفحات الورق يستخرج منه عصير المعاني بأي ثمن ، وهنا تظهر نقاط هامة منها مراجعات الأديب الدائمة لأعماله الأدبية ، وحرفيتة في الكتابة وإتفانه لقواعد الفن إذ أنها الجناح الثاني والهام لإنتاج عملا أدبيا قيما ، أيضا أهمية التدريب المتصل والتجريب الدائب بكتابة الكثير من الأفكار [كتساب تلك الحرفية من ناحية وأيضا للحذق في التعامل مع لحظات الإبداع وأستناسها وترويض المعني بها ، وهذا لا شك يحتاج إلي تمرين متصل وجهد شديد ، ويسبق ذلك تكنيك الكتابة لدي الأديب وهذا نتناوله بالفقرة التالية ( بمشيئة الله تعالي )

يتبع

د. عمر هزاع
01-11-2005, 03:24 AM
سأحدثك أخي الأديب بمايحدث لي في لحظة الومضان تلك التي وصفتها
إنني أشعر عندما تطل تلك اللحظة بأنني أقف على كومة من اندر الدرر والجواهر
ولاأمتلك إلا ثوان قليلة لجمعها
فتخيل أيها تتصيد وتلملم قبل فوات الأوان
هذه بالضبط حالتي
ولكنني اتصيد أكبر كمية بكتابة أي كلمة ذات معنى تراودني في تلك اللحظة
وعندما اجدني عاجزاً عن إلتقاط المزيد من تلك الدرر
فإنني انظر إلى ماكتبت من كلمات
فاعيد ترتيبها وتنسيقها وأبدأ ببناء موضوعي ولااتوقف طالما ان الشمعة تضيء في داخلي
ولربما تنطفىء هذه الشمعة فجأة وبدون مبررات
فلا احاول إشعالها عمداً
بل أتركها لتشتعل مرة أخرى , وكلي ثقة بانها ستشتعل لأنني أضعها في جوهر فكرتي ونصب عيني , حتى تتملك علي انفاسي وتسيطر على ذهني بشكل كامل
فتتقد مرة اخرى , وأعود مرة اخرى أصب الكلمات والافكار على بياض صفحتي كما تصب القاذفات نيرانها المتصلة على هدف تنوي الإنتهاء منه تماماً
وبعد فترة من النسيان العمد , أو التناسي
أعود لماكتبت بمشاعر أخرى ونفسية أخرى
فأنقح واحسِّن ماكتبت
حتى تقر به عيني

كم هي رائعة تلك اللحظات المضيئة
وكم يزعجني أن تفوتني وأنا غير مستعد لإستقبالها