المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حجم القصة القصيرة ( قمة الجبل العائم )



د. عمر هزاع
01-11-2005, 03:26 AM
هذه المشاركة بواسطة : خالد جوده


أحيانا ما تثار قضية حجم القصة القصيرة في اللقاءات والمنتديات الأدبية ، وقد التقيت منذ أيام بمجموعة من الأدباء فوجدت بينهم الحوار محتدما حول تلك القضية ، وطبيعي أنها كشأن أي قضية أدبية تحتوي العديد من وجهات النظر وتباين الرؤى ، وأن كان العرض يشمل مختلف الآراء فإنه لا شك ما زالت هناك حاجة لإقرار بضع مبادئ ثابتة ، علي رأسها أنه لا يجب الجزم بالاحتفاظ بمساحة ثابتة مقررة للقصة القصيرة أكثر من احتفاظها بخصائص الأداء القصصي المميزة ، وهناك مجال واسع يحتاج إلي الإبحار الموصول في أفاقه لدرجة دفعتني إلي تشبيه تلك الورقة المقدمة بين يدي حضراتكم بقمة الجبل العائم واليوم نشير إليه وغدا بعون الله تعالي نبحر إليه في دراسات وأوراق أخري .
فالبعض يري أن طبيعة القصة القصيرة لا تتحمل سوي بضع صفحات قليلة استجابة لطبيعة الحياة السريعة وإيقاعها الموصول المرتفع الأداء ، وضرورة أيضا في النشر حيث لا تستغرق القصة القصيرة مساحة كبيرة خاصة في الصحف السيارة كما يرون أن طبيعة القصة القصيرة نفسها توجب ألا تتجاوز صفحة واحدة حيث أنها عادة ما تقدم لحظة عابرة منفصلة ، أو شريحة حياتية ترصد تفاصيل الحياة المحكمة ، ولا شك أن طول القصة يتوقف علي هذا الاختيار الإبداعي ، فالقصة القصيرة لقطة فنية من الحياة لكنها في ذات الوقت تشتمل علي جميع عناصر ودراما الحياة كأنما هي جزء من مادة أو قطرة من بحر الحياة الزاخر تحمل جميع أوصاف ذاك البحر الصاخب .
أما د . مصطفي علي عمر فيفرق من حيث الحجم بين القصة القصيرة والأقصوصة ويري أن الأقصوصة حكاية تعرض في عدد قليل من الصفحات وتعتمد في بعض الأحيان علي خبر ، يدور حول مجموعة قليلة من الأفعال ، وقد تشمل موقفا معينا يعبر عنه الكاتب بإيجاز دون إسهاب أو إفاضة ، فمن سماتها الخفة والسرعة .
ويري أحد الكاتبين : " أنه يبدو للمتعجلين أن قضية الحجم في القصة القصيرة ليست قضية جوهرية ، بل ربما اعتبر الإيجاز والتركيز ميزة يتطلبها العصر ويتفق مع ايقاعه المتسارع ، وهذا خطأ محض فليس التركيز فضيلة في ذاته فالفن ليس فكرة أو قضية مجردة ، فالتشكيل عنصرا أساسيا ، بل هو سر الجمال ، ومصدر الإقناع بالفكرة ، أو الانتماء إلي القضية ، ولن تستطيع الصفحة الواحدة ، أو الصفحتان أو الثلاث أن تقوم بحق الوفاء لعمق التحليل أو دقة التصوير أو إشباع الغوص وراء الدوافع ... وبعض الكاتبين يعتمدون في تكوين قصصهم علي ذكاء المفارقة ، أو طرافة الحادثة ، أو اللعب باللغة ، وما يصنعونه يمكن أن يكون شيئا غير أن يكون " قصة قصيرة " بالمعني الاصطلاحي لهذه الكلمة " ، وهذا الرأي كما نري مؤيدا لعدم تحديد والجزم بطول معين للقصة القصيرة ولكن هناك وجهة نظر أخري ترد علي هذا الرأي منتقده الإسهاب وتري أنه ينماع به بناء القصة وكاتبها لا محيص له من الإحكام والوصف الدقيق الموحي الذي يقصيه عن السرد والتقرير المباشر ويؤدي إلي التكثيف الذي ينتشله من مهاوى السذاجة ، لكي تنضج " الحدوتة " نضجا واضحا ، ومن الإصابة التي تقطع أنفاس الحاشية المطولة ، ومن ثم كانت المشقة التي يعانيها كاتب القصة القصيرة وإن بدا للآخرين أمرا سهل التأتي .
لذلك كانت القصة القصيرة لا تتسع لرسم شخصية كاملة بكافة التفاصيل أو عدة شخصيات من كافة الجوانب ولا تتسع كذلك للحوادث الكثيرة ولا للحادثة الواحدة التي لا تتم إلا مع التشعب والاستيفاء والإحاطة بأحوال جمة من الناس في مختلف الأحوال والمواقف ، لكنها تعطينا لونا من ألوان الشخصية كما تتمثل في موقف من المواقف فنفهمها بالإيحاء والاستنتاج ، وقد تعرض موقفا نفسيا أو موضعا اجتماعيا ينفرد بنظرة عابرة ويؤخذ علي حدة فيدل دلالة الموقف والإيحاء ، يقول " هوارتون " : " إن الموقف هو الموضوع الغالب علي القصة القصيرة ، ورسم الشخصية هو الموضوع الغالب علي الرواية " ، وعلي هذا فجميع ذلك يؤكد ضرورة عدم إتخام العمل الأدبي وشحنه بزوائد قد تكون أحمالا علي العمل ولا تؤدي إلي خدمة معاني وأفكار القصة .
وبالعودة إلي التأصيل التاريخي للقضية نجد أنها ترتبط ببداية نشأتها علي شكلها الفني الحديث والذي ابتكره " إدجار آلان بو " القصاص الأمريكي في حديثه عن وحدة الإنطباع والتأثير ، فالمعيار الفني لديه يتوقف عنده علي وحدة التأثير هذه لنقله إلي القارئ ، لذلك فهو يعترض علي القصة الطويلة من الناحية الفنية لأن طول القصة قد يقتضي التوقف في قراءتها من آن إلي آخر مما يشتت وحدة الأثر ويدمرها فيحرم القصة بذلك من تلك القوة التي تنشأ عن قراءتها قراءة متصلة ، فإذا جاز التجاوز عن هذا الأمر في الرواية الطويلة فإنه يعد أمرا جوهريا في القصة القصيرة لا غناء عنه وفي قصرها اكبر معينا علي تحقيق هذا الأمر ، ويحدد " بو " فترة قراءة القصة بين نصف ساعة وساعتين ، يسيطر خلالها الكاتب علي روح القارئ ويستطيع أن يحقق أثره علي أكمل وجه ، وفي حيز القصة المحدود يتوقف نجاح الكاتب علي إتقان صنعته ، وهذا التحديد يعد قديما أما التحديد الحديث والذي يذهب إليه معظم النقاد هو أن يتراوح طولها بين خمس صفحات وثلاثين صفحة – فإذا قصرت عن خمس صفحات صارت " أقصوصة " – وإذا زادت عن ثلاثين صارت رواية قصيرة ويذكر" د . محمد عناني " أن هذا التحديد أيضا غير دقيق فكثيرا ما تطول القصة عن ثلاثين صفحة وتحتفظ بكل الخصائص المهمة للقصة القصيرة ، ومثل هذا الرأي يتحدث به الكتاب الألمان منهم " بيتس " و " فرانك أكونور " فيرون أن القصة القصيرة تختلف اختلافا تاما عن غيرها من أنواع القصص ، والمسألة ليست مسألة طول أو قصر إنما هي روح القصة القصيرة نفسها فهي عمل أدبي مستقل ومتميز ولا يمكن أن تسمي إلا قصة قصيرة ، ويتخذ آخرون مقياسا آخر لطول وقصر القصة القصيرة ليس حسب قدرة القارئ علي البقاء وقراءة القصة إنما لمطالب النشر لا لقدرة القارئ علي مدة التركيز ، فيذكر " هنري جيمس " القاعدة الثابتة المتعامل بها في المجلات المعاصرة وهي أن تتراوح القصة القصيرة ما بين 6000 : 8000 كلمة ، وبالطبع تختلف هذه القواعد من وقت لآخر ومن مجلة إلي أخري ومن مكان للنشر إلي مكان آخر فبينما نجد أن القصة الواحدة قد يكون حجمها ملائما لناشر وغير ملائم لناشر آخر ، أما سومرست موم الكاتب الإنجليزي الشهير فيري أن الحجم المتوسط للقصة القصيرة يقع بين 1600 : 20000 كلمة ، ولكن هذه أيضا ليست قاعدة فهناك القصة الفلاش كما ذكر الكاتب الكبير د . محمد حسن عبد الله والتي لا تتجاوز سطور عدة ، وهناك قصصا تقل عن 500 كلمة وقصصا أخري تتجاوز 32000 كلمة ، يقول " آيان رايد " صاحب المرجع الهام في القصة القصيرة عن : " لايرضينا أن يكون عدد الكلمات هو المعيار الوحيد فالفن الأدبي لا يحسب حسابيا " ، وعدد أخر من الكتاب يروا أن القصة القصيرة إذا طالت أصبحت رواية قصيرة وأن هناك نوعا وسطا أو شكلا فنيا آخر يقع بين القصة القصيرة والرواية يسمي " النوفيلا " ، وهكذا تظل قضية حجم القصة القصيرة قمة الجبل العائم والمختفي جميعه تحت الماء مما يستلزم غوصا نحوه بالتأمل واستكشاف خصائص الأداء القصصي ، وهذا ما نطمح إليه مستقبلا . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
المصادر :
• القصة القصيرة / آيان رايد / ترجمة د . مني مؤنس / الهيئة المصرية العامة للكتاب .
• القصة تطورا وتمردا / يوسف الشاروني / كتابات نقدية / الهيئة العامة لقصور الثقافة .
• القصة وتطورها في الأدب العربي / د . مصطفي علي عمر / الطبعة الرابعة / دار المعارف .
• كتابة القصة القصيرة / هالي بيرت / ترجمة : أحمد عمر شاهين / دار الهلال .
• الأدب وفنونه / د . محمد عناني / الهيئة المصرية العامة للكتاب .

د. عمر هزاع
01-11-2005, 03:27 AM
هذا الرد بواسطة : المشرف العام


دراسة متعمقة في "القصة القصيرة" وجهد ملموس تُشكر عليه أستاذي الفاضل.
أوضحت جانب من جوانبها الهامة، إلاَّ أنني أرى أن /
القصة القصيرة هي التي تتمحور في قضية واحدة (ولا يهم طولها أو قصرها)، فلا تأخذ عدة محاور في آن واحد.
مجرد رأي.

د. عمر هزاع
01-11-2005, 03:29 AM
أخي الكريم :

لك تحيتي وتقديري على جهودك المميزة

ولي في ما كتبت رأي تجمع من خلال ما قرأت عن القصة القصيرة وعن أسلوبها وطرق وشرائط كتابتها

وهو :

أن القصة هي مرحلة وسط في الحجم مابين الأقصوصة والرواية

وهي تعالج فكرة واحدة تدور حولها الأحداث وملامح الشخوص

وهذا ما يميزها عن الأقصوصة التي تعالج فكرة بدون الولوج العميق إلى ملامح الشخصية

وكذلك عن الرواية التي تعالج بشكل مفصل أحداث كثيرة وتفاصيل دقيقة للشخصيات

وفي النهاية كل الشكر والتقدير لك أخي الكريم

د. عمر هزاع
01-11-2005, 03:30 AM
هذا الرد بواسطة : يحيى هاشم


عزيزى خالد
ان حجم القصة القصيرة لمن المواضيع التى تثير قلق الكاتب فهو يضع نصب عينيه أنها قصة قصيرة فيجب ألا يزيد حجمها عن صفحة واحدة أو صفحتين وهنا يقوم الكاتب بتحجيم الفكرو وخنقها أحيانا كى تظهر فى هذا الاطار .
لكن على الكاتب فى هذا المجال أن يقود هو الفكرة لا يجعل الفكرة هى التى تقوده أى يحجم الفكرة فالفكرة أحيانا تتفرع وتتشكل الى عدة فروع فهنا تشوه القصة فلا تصبح قصيرة ولا طويلة ةتتأرجح ما بين النصف رواية والرواية .
ولكن أحيانا تكون هناك قصص لا ينفع معها هذا التحجيم هنا على الكاتب أن يجعل عنصر التشويق والاثارة والتلهف لمعرفة النهاية وما سيسفر عنه الصراع أى يجب ان يغلف الفكرة بالتشويق حتى لا يفصل منه القارىء عند نقطة ما فالقارىء عندما يتوقف عند أى نقطة يمط شفتيه ويقلب الصفحة ليعرف النهاية وهذا يعنى وفاة القصة.
يحي هاشم