د. عمر هزاع
01-11-2005, 03:32 AM
السلام عليكم
قرأت هذا الموضوع النقدي في احد المواقع وأحببت أن أضيفه إلى مواضيع منتدانا هذا لكي نشارك سوياً فيه
فإقرؤوه
ثم تعالوا لنتحاور ونوضح صحته من عدمها ومواضع قوته من ضعفه
دراسات نقدية: أوزان الخليل .. هل هي اصلية أم مستوردة
أن دراسة الشعر العربي ليس سهلا وذلك لوجود حلقات مفقودة مما يجعل البحث عسيرا، فما وصل ألينا من الشعر العربي كان على درجة عالية من النضج. وهذا يعني انه لابد أن يكون قد سبق هذا النضج تطور في المعنى وفي المبنى وكان هذا التطور طويلا الا أن الكثير منه ضاع والسبب في ذلك البعض منه أتلف حين أعتنق العرب الديانة المسيحية أولا ثم الإسلام كي لا يقع أحفادهم في شرك الوثنية أو المسيحية، كما أن هذا الأدب لم يصل ألينا الا عن طريق الرواية لجهل الكثير منهم بالأبجدية العربية أو أبجدية أخرى، فقسم منه وصل ألينا والقسم الأخر لم يصل لأنه لم يحفظ، وقسم أخر مع الرواة الكثيرين الذين ماتوا في حروب الفتح.
وهذا لا يعني أن العرب لم تكن لديهم أبجدية يكتبون بها لغتهم في تلك الفترة، فلغة القرآن كانت على درجة من الرقي مما يؤكد أنها مرت بطور التطور ولفترة لا تقل عن قرنين. في حين يؤكد الباحثون (1) أن الكتابة قد جاءت الى بلاد العرب في أزمنة مختلفة وقد وصلت قلب الجزيرة عن ثلاث طرق أقدمها ما جاءها عن طريق الشمال الشرقي، وعلى الأغلب كانت متأثرة بالكتابة الآشورية البابلية وكانت من الصعوبة بحيث لم تلبث أن حلت محلها حروف أخرى جاءتها من الجنوب والشمال معا، وبقيت هذه الحروف زمانا طويلا فكانت الآرامية (السريانية) والمسند اليمني وسيلتين للكتابة في قلب شبه الجزيرة وقد تطورت هذه الحروف في أزمنة متأخرة الى الحروف الأخيرة المعروفة بالعربية. ويؤكد ذلك الطبري (3) حين يقول (ظهر على الجماء ـ جبل بالعقيق قرب المدينة ـ فوجد حجرين وفيهما كتاب فحمل أحدهما فعرضه على أهل السريانية فلم يعرفوا كتابه وعرضه على من يكتب بالرموز من أهل اليمن ومن يكتب بالمسند فلم يعرفوه… والظاهر أنه كان في الأغلب آشوريا). فأقدم ما وصل ألينا من الشعر العربي يعود الى أواخر القرن الخامس للميلاد والنصف الأول من القرن السادس، أي سبق ظهور الإسلام بنحو قرن ونصف القرن ولكنه لم يصل ألينا مكتوبا بل كما قلنا على ألسنة الرواة، كمحزمة بن نوفل وحويطب بن عبد وهما من قريش. وفي زمن الإسلام حماد الراوية (771م) وخلف الأحمر (796م) والأصمعي عبد الملك بن قريب (828م) وغيرهم. فهو لم يسلم من التحريف لأنه وكما قلنا لم يصل مكتوبا والرواة الذين دونوا ما حفظوه لم يعاصروا أولئك الشعراء بل نقلوه عن رواة قبلهم، الا أن العلماء اهتموا بتدوينه من القرن الثامن للميلاد في مجموعات كديوان الحماسة لأبي تمام وكتاب الأغاني للأصفهاني وغيرهما.. الا أن ما وصل ألينا كان كامل البناء تام الموسيقى له لغة مهذبة واستقامة في الوزن مما يؤدي بنا إلى أن نقول:
1ـ أن تاريخ الشعر يرجع ألى ما قبل ذك بكثير، فمن يقرأ هذا الأدب سيصل إلى نتيجة مفادها أن مثل هذه الأمور لا تتهيأ للأمم طفرة واحدة بل نتيجة تطور في أصول بعيدة تبدأ صغيرة بسيطة ثم تتطور بعملية من عمليات النمو الطبيعي، وهذا يقودنا إلى احتمال ثان.
2ـ أو أن هذا الأدب كان نتيجة متواصلة لآداب المنطقة كالسومرية والبابلية والآشورية والسريانية ولو حظي هذا العلم باهتمام الباحثين لوجدوا تشابها وأواصر مشتركة بين تلك الآداب والتي تلتها كالسريانية والعربية والعبرية.
وأنا أتفق مع الأستاذ طه باقر (8) حين قال (ليس عندي شك في أن أوزان الشعر البابلي وأساليب تأليفه ونظمه قد أثرت كثيرا في أشعار الأمم القديمة التي كان لها اتصالات مباشرة وغير مباشرة بحضارة وادي الرافدين أخص بالذكر منها الشعر العبري والآرامي والشعر الفارسي القديم " الاخميني") وأضيف أن بعضها (الأدب السرياني والعبري والعربي) إن لم أقل جميعها هي تواصل لمسيرة هذه الآداب سواء كانت بصورة مباشرة او غير مباشرة اعني من خلال الادب السرياني الذي سبق ولازم الادبين العبري والعربي ولفترة طويلة ولو توفرت هذه الحلقات المفقودة لاتضح ذلك اكثر فعلى سبيل المثال لو اخذنا من الادب البابلي (9) قصيدة حوار بين صديقين يرقى تاريخ تدوينها الى حدود الآلف الأول ق.م والتي وجدت في مكتبة أشور في القرن السابع قبل الميلاد، بحيث لو أخذ المقطع الأول من كل بيت من أبياتها وجمعت المقاطع بعضها الى بعض لتكون منها اسم ناظم القصيدة وشيء من الدعاء الى الإله والملك، وعلى هذا الوجه تؤلف المقاطع الأولى من القصيدة العبارة (أنا ساكل ـ كينام ـ اوبب) وهو كاهن المشمشو وعابد الإله والملك. وهذا الفن لاحظناه في الشعر السرياني الذي أشتهر به مار افرام ( 306 ـ 373م) وفي الشعر العبري في منتصف القرن السابع الميلادي وهي تشبه المزمور 119. ومراثي ايرميا 4،3،2،1 4 التي كانت تستعمل النظام الأبجدي في ترتيب الأبيات.
الا أننا لم نعثر على هذه الحلقات المفقودة " سوى بعض الأبيات القليلة للشنفرى (توفي سنة 510م) والمهلهل (494 ـ 534) والمعلقات التي عاصر بعضها الإسلام ووصلت ألينا وكما عن طريق الرواية، مثلما لم تصل ألينا من الشعر السرياني قبل القرن الثاني الميلادي سوى بعض الأبيات لــ ( وفا الارامي ـ القرن الأول قبل الميلاد).
أما الموازين فيعتبر الخليل بن أحمد الفراهيدي (712 ـ 778م) أول من وضع موازين الشعر العربي يقابله في ذلك انطون التكريتي الملقب بالبليغ (المتوفى سنة 840م) في الشعر السرياني وكلاهما حكم حسه وذوقه الموسيقي وبقيت هكذا الى يومنا هذا، فكل المحاولات التي جرت بعدهم لم تذهب الى أبعد من ذلك. ومن أجل الوقوف على أرضية أوزان الخليل سأعّرج قليلا على أوزان الشعر السرياني الذي وضعها كما قلنا الشاعر انطون التكريتي، لمعايشتها للشعر العربي لفترة طويلة وسبقها لقرون عديدة. فالخليل بن أحمد الفراهيدي أعتمد في قاعدته على مجموعة تفاعيل وهي:
1ـ التفعيلات الثلاثية ـ أي لها ثلاث حركات وهي (فعولن ـ فاعلن).
2ـ التفعيلات الرباعية ـ أي لها أربع حركات وهي (فاعلاتن ـ مفاعلين ـ مستفعلن ـ مفعولات).
3ـ التفعيلات الخماسية أي لها خمس حركات وهي (مفاعلتن ـ متفاعلن).
وتتألف هذه التفعيلات من مقاطع صوتية هي السبب والوتد والفاصلة. فالتفعيلات تتألف من هذه الأسباب والأوتاد وهي كالأتي:
1ـ أن تفعيلتي:
(فعولن// 5/5 = وتد مجموع// 5+ سبب خفيف/ 5) وفاعلن/5//5= سبب خفيف/5+ وتد مجموع//5)
تتألفان من وتد مجموع وسبب خفيف.
2ـ أن تفعيلتي:
(متفاعلن /// 5// 5= سبب ثقيل//+ سبب خفيف/ 5+ وتد مجموع// 5 ومفاعلتن//5/// 5= وتد مجموع // 5+ سبب ثقيل//+ سبب خفيف/ 5) تتألفان من سبب ثقيل وسبب خفيف ووتد مجموع.
3ـ التفاعيل
(فاعلاتن/5//5/5= سبب خفيف/5+ وتد مجموع// 5+ سبب خفيف/ 5 ومستفعلن /5/5//5= سبب خفيف /5+ سبب خفيف/5+ وتد مجموع// 5 ومفاعيلن //5 ومفاعيلن //5/5/5= وتد مجموع// 5 + سبب خفيف/ 5+ سبب خفيف/5) تتألفان من سببين خفيف ووتد مجموع.
4ـ مفعولات /5/5/5= سبب خفيف/ 5+ سبب خفيف/ 5+ وتد مفروق/5/ تتألف من سببين خفيفين ووتد مفروق.
أما انطون التكريتي فأعتمد في قاعدته على مجموعة دعامات وهي:
1ـ ثنائية (أي حركتان) كما في بيةا ( بي+ةا) بيتا
2ـ ثلاثية (ثلاث حركات) كما في بية نٍى رين (بية + نى + رين) بيت نهرين
3ـ رباعية (أربع حركات) كما في شبخ لمريا (ش + بخ + لمر + يا) شَبُح لمَريا
4ـ خماسية (خمس حركات) كما في بة رعخ خننا بترَعَح حَنانا (بةر+ عخ + خ + نا + نا)
5ـ سباعية (سبع حركات) كما في خ د جزا زعورا مفق حَ د كَزا زعورا مَفِق
الا أن العرب عكس الأقوام الأخرى في المنطقة أوجدوا لأنفسهم قواعد صعبة في فن الشعر… فبعد أن كان الشعر عند السريان مثلا موزونا على نسق واحد من جهة الحركات أعتمد العرب في ضبط أوزانهم أمرين وهما عددها أولا وقدرها ثانيا لأن الحركات في السريانية لها كلها قدر واحد، إذ هي أما مشبعة أو مطبقة وذلك سيان في الوزن. لذا لا فرق عندهم بين:
(فاعلن وفعولن) ولا بين (فاعلاتن ـ مفاعيلن ـ مستفعلن ـ مفعولات) ولا بين (مفاعلتن ـ متفاعلن) لأن لها العدد نفسه من الحركات.
وكذلك لا فرق عندهم بين: سبب ثقيل //، وتد مجموع//5، وتد مفروق/5/
لقد وضع الخليل موازين الشعر العربي على أساس وجود خمسة عشرا بحرا وأضاف أليها الأخفش (أبو الحسن سعيد بن مسعدة) بحرا أخر فأصبحت ستة عشر بحرا. جمعت في خمس مجموعات سماها دوائر كان الأساس فيها تشابه المقاطع الصوتية من الأسباب والأوتاد وهذه الدوائر هي:
1ـ دائرة المختلف: المتضمنة أربع عشرة حركة وتحتوي على الأبحر (الطويل، المديد، البسيط).
2ـ دائرة المؤتلف: المتضمنة خمس عشرة حركة وتحتوي على الأبحر (الوافر، الكامل).
3ـ دائرة المجتلب والمتفق والمشتبه المتضمنة اثنتي عشرة حركة وتحتوي على الأبحر (الهزج، الرجز، الرمل، المتقارب، المتدارك، السريع، المنسرح، الخفيف، المضارع، المقتضب، المجتث).
الا أن هذه الأبحر تلحقها حالات أخرى نتيجة دخول زحافات وعلل عليها مما أدى بالبعض أن يحصي عدد أبحر الشعر العربي الى أكثر من هذا العدد بكثير.
أما الراهب انطون التكريتي فقد وضع سبعة عشر بحرا وعلى أساس عدد الحركات. وقد أورد لكل بحر أشكالا عدة استنادا الى نوع الدعامات وعددها، فمثلا قد يأتي البحر المتوسط على شكل دعامة واحدة ذات خمس حركات، وأحيانا من دعامتين (2 +3) وهكذا في البحر المتقارب قد تكون دعامة واحدة ذات ست حركات وأحيانا دعامتين 3 + 3 أو (4+ 2).. الا أن الفرق بين الوزنين السرياني والعربي يكمن في:
1ـ اعتماد العربية على عدد الحركات وقدرها (حركة سكون) أما السريانية فتعتمد على الحركات فقط.
2ـ تكون الدعامة في السريانية ذات بنية متكاملة أي ذات معنى مفهوم، أما في العربية فأحيانا لا لأنها (التفعيلة) أحيانا تتكون من نصفي كلمتين فلا تعطي معنى.
3ـ لا يجوز التدوير في السريانية لا بين الدعامات كما قلنا ولا بين الأبيات، ويجوز ذلك في العربية.
4ـ اعتماد العربية على مجموعة زحافات وعلل ولا يجوز ذلك في السريانية.
ولو رجعنا مرة أخرى الى الأوزان فلا بد لنا أن نتساءل لماذا هذا الاختلاف على الرغم من أن الموقع الجغرافي في هذه الفترة على الأقل متداخل، وحتى في الجزيرة كان السريان عندما نقلوا معهم تبشيرهم المسيحي نقلوا معهم ميامرهم ومداريشهم أي شعرهم وبالأخص في فترة المعلقات… لذا علينا أن نتساءل من أين جاء الخليل بقاعدته الشعرية التي بنها على حركة وسكون؟ الأمر الذي أدى الى تعقيده لقواعد الشعر على عكس جميع الآداب المجاورة. أبناها على الموروث الشعري الذي تركه لنا شعراء العرب من قبله؟ أم أنه اعتمد على قواعد شعرية جاهزة لأمم أخرى وطوعها كي تلائم الشعر العربي؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات نقول:
أولا: أن كان الخليل قد بنى قاعدته الشعرية استنادا الى الموروث لما احتاج الى هذا الكم من الزحافات والعلل الى حد يمكن عد عدد الأوزان الشعرية الى أكثر من مئة بحر بدلا من ستة عشر، وذلك لأن كل بحر يلحقه عدة أبحر أخرى، خذ مثلا البحر الطويل الذي وزنه الصحيح (( فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن)) الا أنه تلحقه عدة أبحر أخرى، خذ مثلا البحر الطويل الذي وزنه الصحيح (( فعولن مفاعيلن)) الا أنه تلحقه عدة اشكالات نتيجة دخول زحافات وعلل عليه فيأتي:
1ـ المقبوض العرض والضرب فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن/ فعولن مفاعيلن فعولن فعاعلن.
2ـ المقبوض العروض المحذوف الضرب فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن/ فعولن مفاعلن مفعولن فعولن.
3ـ المكفوف الاثلم فعلن مفاعيل فعولن مفاعلن/ فعولن مفاعيل فعولن مفاعيلن
4ـ الاثرم/ فعول مفاعيلن فعولن مفاعلن/ فعولن مفاعيلن مفاعيلن
5ـ الاثلم ف/ عولن مفاعيلن / فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
وهكذا الحال في بحر المديد الذي وزنه (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن) وفي بقية الأبحر الأخرى… فلنتساءل من جديد لماذا هذا الكم من الزواحف والعلل ان كان الخليل قد بنى قاعدته فعلا على الموروث الشعري، فلابد لنا من دراسة الشعر قبل الخليل لنرى مدى التزام شعراء تلك بأوزان الخليل الصافية.
ثانيا ـ أو أن يكون العروض قد ولد متكاملا أو أشبه بالمتكامل في ذهن الخليل وأن كان كذلك سيثير الانتباه (كما يقول كل من د. صفاء خلوصي والأستاذ كمال ابراهيم) وحملنا على الاعتقاد بأنه محاكاة لنموذج أجنبي متكامل لأن أمر كهذا (ولادة عروض متكاملة في ذهن الخليل) أمر بعيد عن الواقع.
ثالثا ـ أو أن يكون الخليل قد حاكى نموذجا عروضيا جاهزا " واستطاع بعبقريته أن يطوعه بالشكل الذي يلائم الشعر العربي. وللإجابة عن هذا التساؤل نقف مع ما يقوله د. صفاء خلوصي أستاذ العروض في تقديمه لكتاب القسطاس المستقيم نقلا عن أبي الريحان البيروني المتوفى سنة 1048م في كتابة (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة) في فصله الموسوم (ذكر كتبهم في النحو والشعر) ما ياتي:
(( يرجع العروض العربي واليوناني الى الأصل السنسكريتي، وقد يكون هذا الأصل السنسكريتي بدوره مقتبسا من أصل بابلي قديم لعثوره على تشابه بين البحور اليونانية والعربية من جهة وبعض البحور البابلية القديمة…)) وقد قدم لنا البيروني في كتابه أعلاه وجوها من البراهين تدل على أن الخليل كان قد أطلع على العروض السنسكريتي قبل أن يشرع بوضع ميزان العروض العربي…. ويذهب الدكتور جواد علي (12) بأنه وجد نصا في بعض المظان العربية القديمة يؤيد أن الخليل أطلع على الأوزان اليونانية الى جنب كتب في العروض السنسكريتي…
وهذا ما ذهب إليه المطران اقليمس يوسف داود أيضا حيث قال (13):
(( (( الشعر موزون في السريانية على نسق واحد من جهة الحركات أما في اللغات القديمة الأخرى كاليونانية واللاتينية والسنسكريتية والعربية فيعتبر لصحة النظم أمران في الحركات وهما عددها وقدرها…)).
لقد أفاد الخليل من أصول عروضية متعارف عليها عند العرب الا أنه أضاف إليها ما نقل من التراث السرياني والعبري والفارسي واليوناني والسنسكريتي لأن الخليل الذي ولد في البصرة سنة (712 ـ 778) وهو عصر التقاء الثقافات الهندية والفارسية واليونانية والسريانية مع العرب من خلال ما كان يترجمه الأدباء السريان الى العربية… ويضيف البيروني:
وهم يصورون في تعديد الحروف شبه ما صوره الخليل ومن بعده من العروضيين للساكن والمتحرك وهاتان الصورتان هما:
1ـ < ويسمى (لكــ) بالسنسكريتية وهو الخفيف.
2ـ ويسمى (كر) وهو الثقيل، ووزنه في التقدير أنه ضعف الأول أي يعادل أثنين من الخفيف أي 2>= وفي حروفهم ما يسمى أيضا طويلة وأوزانها وزان الثقيلة، وأظن أن الأول (>) متحرك والثاني() مجموع متحرك وساكن وهي تشبه السبب في عروضنا العربية. أما الأوربيون فهم يرمزون للنقرات الخفيفة بركزة (د) والضربات بـ (ــ) بدلا من (> ) الهنديتين. أي:
< الهندية = د الأوربية = تقريبا ه العربية للخفيف
الهندية = ــ الأوربية = / العربية للثقيل
وهكذا وكما يقول البيروني وكما أن أصحابنا عملوا من الأفاعيل قوالب لا بنية الشعر وأرقاما للمتحرك منها والساكن يعبرون بها عن الموزون فكذلك سمى الهند لما تركب من الخفيف والثقيل بالتقديم والتأخير وحفظ الوزان في التقدير دون تعديد الحروف القابا يشيرون بها الى الوزن المفروض واعني بالتقدير أن (لكــ) ما تر واحد و(كر) ماتران…
فيحسب المشدد ساكنا ومتحركا والمنون متحركا وساكنا. أي كما يقول د. خلوصي حوروا الطريقة الهندية (المقطعية) الى طريقة (حرفية) وكان ذلك ضروريا لتمثيل الزحافات والعلل وأن كان الأفضل الإبقاء على الطريقة السنسكريتية المقطعية، والإشارة الى الحروف حيثما اقتضى الأمر في حالات الزحاف والعلة (د ـــ)….
فأن كانت أبيات العربية تنقسم لنصفين بعروض وضرب، فأن أبيات الهنود أيضا تنقسم لقسمين يسمى كل واحد منهما (رجلا) وهكذا يسميها اليونانيون (أرجل) ما يتركب منه من الكلمات سلابى والحروف بالصوت وعدمه والطول والقصر والمتوسط. وينقسم البيت لثلاث أرجل ولأربع وهو الأكثر وربما زيدت رجل خامسة ولا تكون مقفلة أما في السريانية (والعبرية أيضا) فيكتب درجا، أي يوجد عرض وضرب.
نستخلص من كل ذلك ـ كما يقول الأستاذ صفاء ـ أن البيروني يظن بأن الخليل أفاد من العروض السنسكريتي الأمور الآتية:
1ـ تقسيم الأبيات الى اشطر
2ـ تقسيم الاشطر الى تفاعيل
3ـ تقسيم التفاعيل الى مقاطع خفيفة وثقيلة، أو قصيرة وطويلة
4ـ الاعتماد على أصوات الكلمات دون رسمها.
5ـ اصطناع المصطلحات (الالقاب كما يسميها البيروني) لتحديد الزحافات والعلل.
6 ـ استعارة فكرة الإشباع في المقطع الخفيف الأخير من التفعيلة وتحويله الى مقطع ثقيل وعلى هذا الأساس يقول الدكتور صفاء أن الزمخشري والخطيب التبريزي والزجاج والجوهري قد انحرفوا عن الطريقة الرياضية للخليل في التقطيع التي كانت تشبه الطريقة الإفرنجية في التقطيع… فالاعتماد على عدد الحركات متشابه بين العربية والعبرية وسائر اللغات القديمة أما قدرها ففي السريانية والعبرية سيان وفي اليونانية واللاتينية فقدرها يعني طول الحركة وقصرها وفي العربية اختلاف أسبابها أي اختلاف موضع حركاتها استنادا الى موضع سكناتها، من هنا تختلف العربية عن سائر اللغات القديمة. أذن فلا بد أن نرجع مرة أخرى الى أبي الريحان البيروني ونتساءل هل حقا أن أخذ عروضه من السنسكريتية؟ ونقول:
اليونانية التي ترجع أصولها كما يقول البيروني الى السنسكريتية لم تأخذ بنظر الاعتبار الحركات والسكنات، ثم أن البابلية نفسها التي ترجع اليها أصول السنسكريتية لم تأخذ بنظر الاعتبار السكنات بل الحركات فقط لأن أغلب الباحثين يشيرون الى أن الشعر البابلي القديم يتسم بالإيقاع المعتمد على النبرات (النبرة تعني تعميق لفظ حرف علة واحد من بين حروف العلة الأخرى).
وما علينا الآن الا أن نتفحص قصائد الشعوب التي اقتبست منها السريانية والعربية والعبرية أشعارها، ومن ثم قصائد الشعوب المجاورة للعربية ثانيا والقصائد العربية التي سبقت الخليل ثالثا والأغاني الفلكلورية رابعا.
فمن قصائد الأمم القديمة نأخذ على سبيل المثال الوزن في الشعر البابلي. مع أن هناك بعض الصعوبات التي تعترض سبيل الباحث في الموضوع منها الأصوات الحقيقية للألفاظ البابلية المستعملة في الشعر على الصورة التي كان يعبر البابليون بها عن أنفسهم من حيث التشديد والتخفيف، والنطق ببعض الأصوات الحلقية التي لم يعبر عنها تعبيرا واضحا بالخط المسماري، ذلك الخط الذي أوجده السومريون لكتابة لغتهم الخالية من تلك الأصوات. كما أن نطق المستشرقين بالمفردات البابلية في الشعر يشبه بقراءة الأجنبي للشعر العربي والسرياني، مما يحدث الخلل والاضطراب في أوزانه كما أن تأثر الباحثين بالشعر اليوناني واللاتيني أو كونهم أصلا مستشرقين جعلهم يرون أن أساس الوزن في الشعر البابلي يقوم على ما يسمى النبرات أي التشديد والتخفيف ( ACCENTED UNACCENTED) وعلى الرغم من هذه الصعوبات وغيرها توصل دارسو الشعر البابلي الى أن هذا الشعر مثل أشعار بعض الأمم الأخرى كالعربية والسريانية والعبرية واليونانية واللاتينية وغيره، يعتمد في عروضه على مبدأ تجزئة الكلمات الى مقاطع (SYLLABLES)
جاءت على لسان الإله ابسو ـ اله المياه ـ حيث يقول:
ENUMA ELISH LA NUBU SHAMAMU
SHABLISH AMMATUM SHUMA LA ZAKRAT
ABSU- MA RHSHTU ZARUSHUN
MUMMU TIAMAT MUWALLIDAT JIMRISHUN
MESHUNU ISHTENISH IHUQUMA
GIPARA LA QISSURU SUSA LA SHE
ENUMA ITANI LA SHUPU MANAMA
SHUMA LA ZUKKURA SHIMATU LA SHIMA
IBBANUMA ILANI QIRBISHUM
أينما أيلش لا نبو شاما
حينما في العلى لم تسم السماء
شابلش امتم شوما لا زكرات
في الدنى لم تذكر الأرض باسم
ممو تيامة مولدة كمريشون
وحين أبسو الأول، موجدهم
مي شونو ايشيتينش اخو قما
والأم تياما مولدة جميعهم
كيبارا قسورو صوصا لاشع
كانت مياههما واحدة مختلطة
حينما ايلاني لا شوبو منما
ولم يتكون بعد أي مرعى ولا ضحضاح يرى
شوما لا زكورا شماتو لا شيما
وحين لم يظهر أي من الآلهة الى
ابانوما ايلاني قربشون
لوجود
ولو قطعنا على أساس وزن الخليل لوجدنا ما ياتي:
1ـ 5/5//5/5/5///5//5/5 فاعلن مفعولات فاعلاتن
2ـ /55/5///5/5/5/5/5/55 من الصعوبة وزنها لوجود ساكنين
3ـ /5/5/5/ 55/5/5/55 وجود ساكنين أيضا
وهكذا الحال في بقية الأبيات. من هنا نقول لا يمكن أن تتطابق مع تفعيلات الخليل. وفي حالة تقطيعها من حيث الحركات نجد ما يلي:
5+3+3، 2+5+3، 5+3، 5+7، 3+3+4، 3+4+4، 3+3+3+3، 5+3+3، 4+3+3. أي:
الدعامة: 2 3 4 57
التكرار: 1 15 4 5 1
وهكذا الحال في الملحمة البابلية المعروفة بــ ( اترا حاسيس) التي تتضمن زهاء (1300) بيت من الشعر تروي كيف أن الالهة كانوا قبل خلق الإنسان يعيشون مثل البشر حيث يقول الشاعر:
INUMA ILLU AWILUM
UBLU DULLU IZBILU SHUPSHIKA
SHUPSHIK ILL RABI- MA
DULLUM KABIT MAD SHAPSHAQUM
أينما ايلو اويلم
حينما كان الالهو مثل الانسان
أبلو دولا، ازبيلو شبيشيكا
يحملون عبء العمل ويقاسون التعب
شبشك ايلي رابي ما
كان تعب الالهة كبيرا
دولم كبت ماد شبيشاقم
كان العمل ثقيلا والمقاساة كثيرة
تقطيعها من حيث الحركات:
8،10،7،8،10،9،8،8
أما من حيث وزن الخليل فمن الصعوبة تقطيعها.
وهكذا الحال في ملحمة كلكامش…
وهذا يطابق مع ما قاله الباحث انطون التكريتي في كتابه علم الفصاحة حين قال "… والبحر الخامس في الشعر السرياني هو المؤلف من أوزان سداسية وسباعية تزيد أحيانا وتنقص وهو لرجل يقال له وفا من فلاسفة الاراميين (قبل الميلاد)… ومن الشواهد المتيسرة لدينا والتي تعتبر حلقة وصل بين القصيدة الرافدينية (الآشورية البابلية) وقصيدتنا السريانية والعربية، مزامير أو تسابيح سليمان الـ (42) السريانية والتي سماها دارسوها (مرتل من المسيحيين الأولين) وترقى الى نهاية القرن الأول الميلادي، حيث يتضح من دراستها أن الإيقاع (الحركات) هي أساس الوزن وتمتاز هذه التسابيح بأنها موزونة على أكثر من بحر اسوة بالقصيدة الرافدينية المار ذكرها، وهذا ما سميناه بعد تسعة عشر قرنا قصيدة النثر. خذ مثلا الأنشودة الثالثة من المرموز:
وى دمي لوةى انون وه دامى لواثى انون
وبىون ةلا انا ومخب لي وبهون تلا نا ومحب لى
لا جير يدع ىوية لمرخم لمريا لا كير يادع هويت لمرحم لمريا
الو ىو لا رخم ىوا الا هو لا راحم هوا
منو مشكخ لمفرش رخمت منو مشكح لمفرش رحمثا
الا ىو مةرخم الا هو مت رحم
مخب انا لرخيما ورخما لى نفشي محبنا لرحمى وراحملا نوشى
وايكا دنيخى اف انا ايةى وايكا دنيحا اب انا ايت
نجد أن القصيدة موزونة كآلاتي:
7،7،9،8،9،5،11،10
أما إذا أخذت دعامات باعتبارها الأساس في البناء نجد أن الشاعر يستخدم الدعامات:
وزن الدعامة 3 4 5 6 7
التكرار: 2 3 7 1 1
وهكذا الحال في بقية التسابيح.
من هنا نقول أن القصيدة السريانية كانت امتدادا للقصيدة النهرينية، وكنا محقين (مع الآخرين) حين اعتبرنا برديصان مدشن الحداثة للقصيدة السريانية في حينها عندما أخضع القصيدة الى الوزن الواحد خدمة لنقل البشرى من خلال تراتيل تنشدها جوقات كنيسة… واستمرت على منوالها الى يومنا هذا.
ومن الشعوب المجاورة للعربية التي أثرت وتأثرت بها هي اللغة العبرية التي عاشرت العربية سواء في بلاد الرافدين أو في الجزيرة العربية ويقول عنها الناقد العبري( يهوذا الحريزي) في كتابه (تحكموني) ((… وحين كان آباؤنا يقطنون في مدينة القدس ما كانوا يعرفون الشعر الموزون في اللغة العبرية، أما أسفار أيوب، والأمثال، والمزامير، فجملها قصيرة وأبياتها سهلة بسيطة، وما أشبهها بالسجع، وهي بعيدة عن أن تكون نظما موزونا ومقفى)) ومن خصائص شعرها (أن الصيغة الشعرية تؤسس على النبرة والنغمة، وكانت أناشيد العبادة تسمى ترانيم وكان يصاحب الترنيمة إيقاع أو غناء وهذه الترانيم غير موزونة ولا مقفاة…" وأغلب الظن أنهما يعنيان بالوزن والقافية على شاكلة العربية، لأن الشعر العبري وكذلك السرياني كان يعتمد على عدد الحركات فقط. وهذا مؤكد لأن اليهود العائدين من بابل وغيرها من مناطق بلاد ما بين النهرين نقلوا معهم مع اللغة، أدب البلاد وفنونها كاوزان الشعر. أما الوزن والقافية (على شاكلة العرب) فقد ظهر في القرن العاشر الميلادي .
وما بقي لدينا الا أن نتفحص القصيدة العربية التي من المفترض أن يكون الخليل قد بنى عليها أوزانه ونقول:
أن الشعر العربي قد وجد قبل الخليل، فالشاعر القديم كان يعتمد على حسه الموسيقي في كتابة القصيدة لأن معظم الباحثين يرون أن منشأ الشعر هو الغناء والإنشاد، والغناء بطبيعته يعتمد على الحس الموسيقي والمعتمد على الحركات لا السكنات… أي أن الشاعر كان أكبر من العروض. وهذا ما أكده أيضا الأستاذ كمال ابراهيم في تقديمه لكتاب القسطاس: (( والحق الذي لا مراء فيه أن مقاييس الشعر أو أوزانه قد استخلصت من ضروب الغناء المختلفة التي كان العرب منذ عصورهم الأولى يتغنون بها، … فالشعر للغناء، وجد مع الغناء والغناء وجد مع الإنسان)) وبهذا لو أجرينا دراسة على الشعر قبل الخليل لتيقن لنا أن الشعراء العرب كانوا يزنون أشعارهم اعتمادا على الإيقاع الموسيقي أي بالاعتماد على الحركات فقط كما الحال في الشعر السرياني والعبري اللذين استقيا عروضهما من الشعر العراقي القديم وهذا ما ذهب إليه بعض دارسي الشعر العربي القديم، أن العرب ـ قبل الخليل ـ عرفوا طريقة يهتدون بها الى معرفة وزن البيت وذكروا: أن الخليل سئل: هل للعروض أصل؟قال: نعم! مررت بالمدينة حاجا فرأيت شيخا يعلم غلاما ويقول له قل:
نعم لا ، نعم لالا، نعم لا، نعم لالا
نعم لا، نعم لالا، نعم لا، نعم لالا
قلت ما هذا الذي تقوله للصبي؟ فقال: هو علم يتوارثونه عن سلفهم يسمونه التنعيم، لقولهم فيه نعم… قال الخليل:
فرجعت بعد الحج فأحكمتها.
وبالحقيقة أنهم كانوا يعتمدون على الحركات، وهو ما يسمى عند السريان بالوزن المزدوج (الافرامي ـ 7 حركات).
وعند تقطيعها حسب الخليل نحصل على البحر الطويل (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن)
وهناك طريقة ثانية يذكرها الباقلاني في كتابه (أعجاز القرآن) فيسميها" الميتر" أي القطع. وهناك طريقة ثالثة في معرفة وزن البيت كاحتساب مقاطع البيت من حيث توازي الشطرين وتساويهما بعقود الأصابع إسوة بالسريان و..
وهذا ما يؤكده ابن فارس في كتابه الصاحبي ص38:
(… أن هذين العلمين ـ النحو والعروض ـ كانا قديما، وأتت عليهما الأيام ووقعا في أيدي الناس، ثم جددهما هذان الامامان "أبو أسود الدؤلي والخليل").
والآن لو أجرينا دراسة على الشعر العربي قبل الخليل لوجدناه يتفق مع العروض السريانية التي تتفق بدورها مع العروض الرافدينية، أكثر مما يتفق مع عروض الخليل الصافية " أعني بعيدا عن الزواحف والعلل" بمعنى اخر ان نسبة الخطأ تكون أقل بكثير مما هي عليه في عروض الخليل فلنأخذ مثلا عينات من الشعر الجاهلي لنرى مدى صحة القول:
1ـ معلقة امرىء القيس (500 ـ 540م)
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
فعولن مفاعيلن فعول مفاعل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها
لما نسجتها من جنوب وَشَمْأَلِ
فعول مفاعيلن فعولن مفاعلن
فعول مفاعيلن فعولن مفاعل
والتي صنفت ضمن البحر الطويل (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن)، الا أنه يصعب علينا الحصول على هذا البحر صافيا أي أن نسبة الخطأ فيه عالٍ. أما إذا وزنت على الأبحر السريانية فنجدها موزونة على البحر الطويل أي (أربع عشرة حركة) باستثناء بعض الأسطر التي جاءت مخالفة بحركة واحدة بسبب الروي كما نجد في أحد أبياته:
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له بشق وتحتي شقها لم يحول
فالشطر يتكون من (15) حركة، أما العجز فمن (14) حركة.
فلو حذفت (ما) من الشطر استقام الوزن
إذا بكى من خلفها انصرفت له بشق وتحتي شقها لم يحول
2ـ معلقة طرفة بن عبد (543 ـ 569م) والتي يقول فيها:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
فعول مفاعيلن فعول مفاعل
فعول مفاعيلن فعولن مفاعل
وقوفا بها صحبي علي مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجلد
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
فعولن مفاعيلن فعول مفاعل
وهي موزونة على البحر الطويل حسب أوزان الخليل الا أننا نجد البحر صافيا فأغلب الأبيات تستخدم الزواحف والعلل، الا أنها تحتوي على أربع عشرة حركة أيضا باستثناء بعض الأبيات الروي أيضا.
3ـ وهكذا الحال في معلقة زهير بن أبي سلمى (530 ـ 627م) أربع عشرة حركة وعمرو بن كلثوم (توفي سنة 600م) اثنتا عشرة حركة ومعلقة لبيد (530 ـ 629م) التي تحتوي خمس عشرة حركة ومعلقة عنترة بن شداد (525 ـ 615م) أربع عشرة حركة، والحارث بن حلزة (580م) اثنتا عشرة حركة وعبيد بن الابرص (554م) عشر حركات، وفي هذه المعلقات يكون الاضطراب في الوزن بنسبة أعلى من سابقتها.
ومن الملاحظ على هذه المعلقات وغيرها من الشعر الجاهلي ما يأتي:
1ـ إنها لم تصل ألينا مكتوبة بخطهم بل على الذاكرة مما عرضها للكثير من الاضطرابات، وكانت السبب في إدخال أو تعكز الخليل على مجموعة من الزحافات والعلل.
2ـ التزام الشعراء بعدد ثابت من الحركات وأحيانا نجد تجاوزا سببه الروي
3ـ كان اعتماد الناس في تقبل شعر هؤلاء الشعراء مبنيا على عدد الحروف المتحركة في كل شطر والمحافظة على هذا الرقم في القصيدة ككل وليس على تماثل الحروف المتحركة والساكنة كما هو في أوزان الخليل ولا سيما أن القصائد ذات طابع غنائي. وعليه أستطيع أن أقول أن أوزان الخليل لابد من أن تكون دخيلة على الأدب العربي، وأن تمسك الخليل ومن بعده من العروضيين بهذه التفاعيل أفرز الكثير من المصطلحات والاختلافات بين ما هو موجود في الدوائر وما هو في واقع الشعر العربي مما أدى الى تعكز هؤلاء العروضيين من الخليل ومن بعده على افتراض دخول بعض الزحافات والعلل إضافة الى افتراضهم أن يكون هذا البحر مجزوءا" وجوبا أو جوازا وما لا يدخله أصلا. خذ مثلا البحر السريع ووزنه (مستفعلن مفعولات ) ولم ينظم عليه شاعر عربي على هذا الشكل ، لأن أكثر ما ورد من الأشعار كانت على وزن (مستفعلن فاعلن) أو مستفعلن مستفعلن فعلن) أو (مستفعلن مستفعلن فاعلان).
وما بقي لدينا الا أن نطبق أوزان الخليل على الشعر السرياني عسى أن يكون الخليل قد استفاد منها في وضع أوزانه الشعرية فنقول:
لو أخذنا مقطعا من قصيدة قورلونا (الذي عاش في أواسط القرن الرابع ومطلع القرن الخامس) والموزونة على البحر المتساوي (أربع حركات) من حيث الوزن السرياني ونقطعها حسب أوزان الخليل نجد:
ىا ديرةا /5/5/5/5 ها ديراثا
شةيلن بارعا 5/5/55/5/5 شتىلن بارعا
دملين جبذا /5/55/5/5 دملين كورا
خذ مقطعا أخر من قصيدة بالاي (توفي بعد سنة 432م) وهي على البحر المتوسط (خمس حركات) استنادا الى الشعر السرياني:
خان لخطيَّا /5/5/5/5/ حائن لحطايى
خون لخ بيوم دينك /55/5 5 /5/5 5 حون لاخ بيوم ديناخ
نجد من الصعوبة جدا تطبيق أوزان الشعر الخليلي على الشعر السرياني وهكذا الحال في الشعر العبري والفارسي والكردي والتركي، وقد اخطأ كل من اعتقد خلاف ذلك. لأني أجدهم يستخدمون زواحف وعللاً وتفاعيل لم يستخدمها حتى الخليل. الا أنه من السهل جدا إخضاع القصيدة العربية الى أوزان الشعر السرياني وتعتبر الموشحات التي كثرت أراء القدامى والمحدثين والمستشرقين حول منشئها، مثالا حيا لهذا التقارب.
وكذا الحال لو أجرينا مسحا للأغنية الفلكلورية فسنجدها موزونة على الإيقاع (الحركات فقط) اسوةً بالشعر السرياني والعبري و… وأغلبها تستخدم الأوزان القصيرة (5،6،7) حركات. خذ مثلا الأغنية الشعبية للأطفال (جاسم جسومي):
جاسم جسومي لا تأك ل نومي
نوميتَك وَسخة أتوَسخ هدومي
جَتي زهوري كِسرَت القوري
نجد الأغنية موزونة على وزن بالاي (الخماسي ـ خمس حركات)
وكذا الحال في الأغنية (مطر مطر) وهي على وزن آسونا (سداسي ـ ست حركات)
مُطَرْ مطَرْ شاشَة
عبر بَناتِ الباشَة
مُطر مُطَر عاصي
صولْ شَعَرْ راسيْ
وهكذا في الأغنية (مغَيزل) التي هي على البحر الافرامي (سباعي ـ سبع حركات):
بيدي مغَيزِلْ فَريتَهْ
تحت الشَجَرْ حَطيتهْ
بين الجَمَلْ والناكه
يعَصَيتنه الَتفاكهْ
وأحيانا تكون الأغنية موزونة على أكثر من وزن أسوة بالشعر السرياني كما في الأغنية (طَلعَتْ الشُميسه) التي يستخدم الشاعر الأوزان (بالاي، اسونا، افرامي)… الا أنها من الصعوبة وزنها على البحور الفراهيدية.
أن ما قدمناه يدل على أن الشعر العربي في السابق (قبل الخليل) كان موزونا على الشكل السرياني الا أن الخليل طوعه على الطريقة المسماة باسمه والتي حاكى بها الوزن السنسكريتي.
قرأت هذا الموضوع النقدي في احد المواقع وأحببت أن أضيفه إلى مواضيع منتدانا هذا لكي نشارك سوياً فيه
فإقرؤوه
ثم تعالوا لنتحاور ونوضح صحته من عدمها ومواضع قوته من ضعفه
دراسات نقدية: أوزان الخليل .. هل هي اصلية أم مستوردة
أن دراسة الشعر العربي ليس سهلا وذلك لوجود حلقات مفقودة مما يجعل البحث عسيرا، فما وصل ألينا من الشعر العربي كان على درجة عالية من النضج. وهذا يعني انه لابد أن يكون قد سبق هذا النضج تطور في المعنى وفي المبنى وكان هذا التطور طويلا الا أن الكثير منه ضاع والسبب في ذلك البعض منه أتلف حين أعتنق العرب الديانة المسيحية أولا ثم الإسلام كي لا يقع أحفادهم في شرك الوثنية أو المسيحية، كما أن هذا الأدب لم يصل ألينا الا عن طريق الرواية لجهل الكثير منهم بالأبجدية العربية أو أبجدية أخرى، فقسم منه وصل ألينا والقسم الأخر لم يصل لأنه لم يحفظ، وقسم أخر مع الرواة الكثيرين الذين ماتوا في حروب الفتح.
وهذا لا يعني أن العرب لم تكن لديهم أبجدية يكتبون بها لغتهم في تلك الفترة، فلغة القرآن كانت على درجة من الرقي مما يؤكد أنها مرت بطور التطور ولفترة لا تقل عن قرنين. في حين يؤكد الباحثون (1) أن الكتابة قد جاءت الى بلاد العرب في أزمنة مختلفة وقد وصلت قلب الجزيرة عن ثلاث طرق أقدمها ما جاءها عن طريق الشمال الشرقي، وعلى الأغلب كانت متأثرة بالكتابة الآشورية البابلية وكانت من الصعوبة بحيث لم تلبث أن حلت محلها حروف أخرى جاءتها من الجنوب والشمال معا، وبقيت هذه الحروف زمانا طويلا فكانت الآرامية (السريانية) والمسند اليمني وسيلتين للكتابة في قلب شبه الجزيرة وقد تطورت هذه الحروف في أزمنة متأخرة الى الحروف الأخيرة المعروفة بالعربية. ويؤكد ذلك الطبري (3) حين يقول (ظهر على الجماء ـ جبل بالعقيق قرب المدينة ـ فوجد حجرين وفيهما كتاب فحمل أحدهما فعرضه على أهل السريانية فلم يعرفوا كتابه وعرضه على من يكتب بالرموز من أهل اليمن ومن يكتب بالمسند فلم يعرفوه… والظاهر أنه كان في الأغلب آشوريا). فأقدم ما وصل ألينا من الشعر العربي يعود الى أواخر القرن الخامس للميلاد والنصف الأول من القرن السادس، أي سبق ظهور الإسلام بنحو قرن ونصف القرن ولكنه لم يصل ألينا مكتوبا بل كما قلنا على ألسنة الرواة، كمحزمة بن نوفل وحويطب بن عبد وهما من قريش. وفي زمن الإسلام حماد الراوية (771م) وخلف الأحمر (796م) والأصمعي عبد الملك بن قريب (828م) وغيرهم. فهو لم يسلم من التحريف لأنه وكما قلنا لم يصل مكتوبا والرواة الذين دونوا ما حفظوه لم يعاصروا أولئك الشعراء بل نقلوه عن رواة قبلهم، الا أن العلماء اهتموا بتدوينه من القرن الثامن للميلاد في مجموعات كديوان الحماسة لأبي تمام وكتاب الأغاني للأصفهاني وغيرهما.. الا أن ما وصل ألينا كان كامل البناء تام الموسيقى له لغة مهذبة واستقامة في الوزن مما يؤدي بنا إلى أن نقول:
1ـ أن تاريخ الشعر يرجع ألى ما قبل ذك بكثير، فمن يقرأ هذا الأدب سيصل إلى نتيجة مفادها أن مثل هذه الأمور لا تتهيأ للأمم طفرة واحدة بل نتيجة تطور في أصول بعيدة تبدأ صغيرة بسيطة ثم تتطور بعملية من عمليات النمو الطبيعي، وهذا يقودنا إلى احتمال ثان.
2ـ أو أن هذا الأدب كان نتيجة متواصلة لآداب المنطقة كالسومرية والبابلية والآشورية والسريانية ولو حظي هذا العلم باهتمام الباحثين لوجدوا تشابها وأواصر مشتركة بين تلك الآداب والتي تلتها كالسريانية والعربية والعبرية.
وأنا أتفق مع الأستاذ طه باقر (8) حين قال (ليس عندي شك في أن أوزان الشعر البابلي وأساليب تأليفه ونظمه قد أثرت كثيرا في أشعار الأمم القديمة التي كان لها اتصالات مباشرة وغير مباشرة بحضارة وادي الرافدين أخص بالذكر منها الشعر العبري والآرامي والشعر الفارسي القديم " الاخميني") وأضيف أن بعضها (الأدب السرياني والعبري والعربي) إن لم أقل جميعها هي تواصل لمسيرة هذه الآداب سواء كانت بصورة مباشرة او غير مباشرة اعني من خلال الادب السرياني الذي سبق ولازم الادبين العبري والعربي ولفترة طويلة ولو توفرت هذه الحلقات المفقودة لاتضح ذلك اكثر فعلى سبيل المثال لو اخذنا من الادب البابلي (9) قصيدة حوار بين صديقين يرقى تاريخ تدوينها الى حدود الآلف الأول ق.م والتي وجدت في مكتبة أشور في القرن السابع قبل الميلاد، بحيث لو أخذ المقطع الأول من كل بيت من أبياتها وجمعت المقاطع بعضها الى بعض لتكون منها اسم ناظم القصيدة وشيء من الدعاء الى الإله والملك، وعلى هذا الوجه تؤلف المقاطع الأولى من القصيدة العبارة (أنا ساكل ـ كينام ـ اوبب) وهو كاهن المشمشو وعابد الإله والملك. وهذا الفن لاحظناه في الشعر السرياني الذي أشتهر به مار افرام ( 306 ـ 373م) وفي الشعر العبري في منتصف القرن السابع الميلادي وهي تشبه المزمور 119. ومراثي ايرميا 4،3،2،1 4 التي كانت تستعمل النظام الأبجدي في ترتيب الأبيات.
الا أننا لم نعثر على هذه الحلقات المفقودة " سوى بعض الأبيات القليلة للشنفرى (توفي سنة 510م) والمهلهل (494 ـ 534) والمعلقات التي عاصر بعضها الإسلام ووصلت ألينا وكما عن طريق الرواية، مثلما لم تصل ألينا من الشعر السرياني قبل القرن الثاني الميلادي سوى بعض الأبيات لــ ( وفا الارامي ـ القرن الأول قبل الميلاد).
أما الموازين فيعتبر الخليل بن أحمد الفراهيدي (712 ـ 778م) أول من وضع موازين الشعر العربي يقابله في ذلك انطون التكريتي الملقب بالبليغ (المتوفى سنة 840م) في الشعر السرياني وكلاهما حكم حسه وذوقه الموسيقي وبقيت هكذا الى يومنا هذا، فكل المحاولات التي جرت بعدهم لم تذهب الى أبعد من ذلك. ومن أجل الوقوف على أرضية أوزان الخليل سأعّرج قليلا على أوزان الشعر السرياني الذي وضعها كما قلنا الشاعر انطون التكريتي، لمعايشتها للشعر العربي لفترة طويلة وسبقها لقرون عديدة. فالخليل بن أحمد الفراهيدي أعتمد في قاعدته على مجموعة تفاعيل وهي:
1ـ التفعيلات الثلاثية ـ أي لها ثلاث حركات وهي (فعولن ـ فاعلن).
2ـ التفعيلات الرباعية ـ أي لها أربع حركات وهي (فاعلاتن ـ مفاعلين ـ مستفعلن ـ مفعولات).
3ـ التفعيلات الخماسية أي لها خمس حركات وهي (مفاعلتن ـ متفاعلن).
وتتألف هذه التفعيلات من مقاطع صوتية هي السبب والوتد والفاصلة. فالتفعيلات تتألف من هذه الأسباب والأوتاد وهي كالأتي:
1ـ أن تفعيلتي:
(فعولن// 5/5 = وتد مجموع// 5+ سبب خفيف/ 5) وفاعلن/5//5= سبب خفيف/5+ وتد مجموع//5)
تتألفان من وتد مجموع وسبب خفيف.
2ـ أن تفعيلتي:
(متفاعلن /// 5// 5= سبب ثقيل//+ سبب خفيف/ 5+ وتد مجموع// 5 ومفاعلتن//5/// 5= وتد مجموع // 5+ سبب ثقيل//+ سبب خفيف/ 5) تتألفان من سبب ثقيل وسبب خفيف ووتد مجموع.
3ـ التفاعيل
(فاعلاتن/5//5/5= سبب خفيف/5+ وتد مجموع// 5+ سبب خفيف/ 5 ومستفعلن /5/5//5= سبب خفيف /5+ سبب خفيف/5+ وتد مجموع// 5 ومفاعيلن //5 ومفاعيلن //5/5/5= وتد مجموع// 5 + سبب خفيف/ 5+ سبب خفيف/5) تتألفان من سببين خفيف ووتد مجموع.
4ـ مفعولات /5/5/5= سبب خفيف/ 5+ سبب خفيف/ 5+ وتد مفروق/5/ تتألف من سببين خفيفين ووتد مفروق.
أما انطون التكريتي فأعتمد في قاعدته على مجموعة دعامات وهي:
1ـ ثنائية (أي حركتان) كما في بيةا ( بي+ةا) بيتا
2ـ ثلاثية (ثلاث حركات) كما في بية نٍى رين (بية + نى + رين) بيت نهرين
3ـ رباعية (أربع حركات) كما في شبخ لمريا (ش + بخ + لمر + يا) شَبُح لمَريا
4ـ خماسية (خمس حركات) كما في بة رعخ خننا بترَعَح حَنانا (بةر+ عخ + خ + نا + نا)
5ـ سباعية (سبع حركات) كما في خ د جزا زعورا مفق حَ د كَزا زعورا مَفِق
الا أن العرب عكس الأقوام الأخرى في المنطقة أوجدوا لأنفسهم قواعد صعبة في فن الشعر… فبعد أن كان الشعر عند السريان مثلا موزونا على نسق واحد من جهة الحركات أعتمد العرب في ضبط أوزانهم أمرين وهما عددها أولا وقدرها ثانيا لأن الحركات في السريانية لها كلها قدر واحد، إذ هي أما مشبعة أو مطبقة وذلك سيان في الوزن. لذا لا فرق عندهم بين:
(فاعلن وفعولن) ولا بين (فاعلاتن ـ مفاعيلن ـ مستفعلن ـ مفعولات) ولا بين (مفاعلتن ـ متفاعلن) لأن لها العدد نفسه من الحركات.
وكذلك لا فرق عندهم بين: سبب ثقيل //، وتد مجموع//5، وتد مفروق/5/
لقد وضع الخليل موازين الشعر العربي على أساس وجود خمسة عشرا بحرا وأضاف أليها الأخفش (أبو الحسن سعيد بن مسعدة) بحرا أخر فأصبحت ستة عشر بحرا. جمعت في خمس مجموعات سماها دوائر كان الأساس فيها تشابه المقاطع الصوتية من الأسباب والأوتاد وهذه الدوائر هي:
1ـ دائرة المختلف: المتضمنة أربع عشرة حركة وتحتوي على الأبحر (الطويل، المديد، البسيط).
2ـ دائرة المؤتلف: المتضمنة خمس عشرة حركة وتحتوي على الأبحر (الوافر، الكامل).
3ـ دائرة المجتلب والمتفق والمشتبه المتضمنة اثنتي عشرة حركة وتحتوي على الأبحر (الهزج، الرجز، الرمل، المتقارب، المتدارك، السريع، المنسرح، الخفيف، المضارع، المقتضب، المجتث).
الا أن هذه الأبحر تلحقها حالات أخرى نتيجة دخول زحافات وعلل عليها مما أدى بالبعض أن يحصي عدد أبحر الشعر العربي الى أكثر من هذا العدد بكثير.
أما الراهب انطون التكريتي فقد وضع سبعة عشر بحرا وعلى أساس عدد الحركات. وقد أورد لكل بحر أشكالا عدة استنادا الى نوع الدعامات وعددها، فمثلا قد يأتي البحر المتوسط على شكل دعامة واحدة ذات خمس حركات، وأحيانا من دعامتين (2 +3) وهكذا في البحر المتقارب قد تكون دعامة واحدة ذات ست حركات وأحيانا دعامتين 3 + 3 أو (4+ 2).. الا أن الفرق بين الوزنين السرياني والعربي يكمن في:
1ـ اعتماد العربية على عدد الحركات وقدرها (حركة سكون) أما السريانية فتعتمد على الحركات فقط.
2ـ تكون الدعامة في السريانية ذات بنية متكاملة أي ذات معنى مفهوم، أما في العربية فأحيانا لا لأنها (التفعيلة) أحيانا تتكون من نصفي كلمتين فلا تعطي معنى.
3ـ لا يجوز التدوير في السريانية لا بين الدعامات كما قلنا ولا بين الأبيات، ويجوز ذلك في العربية.
4ـ اعتماد العربية على مجموعة زحافات وعلل ولا يجوز ذلك في السريانية.
ولو رجعنا مرة أخرى الى الأوزان فلا بد لنا أن نتساءل لماذا هذا الاختلاف على الرغم من أن الموقع الجغرافي في هذه الفترة على الأقل متداخل، وحتى في الجزيرة كان السريان عندما نقلوا معهم تبشيرهم المسيحي نقلوا معهم ميامرهم ومداريشهم أي شعرهم وبالأخص في فترة المعلقات… لذا علينا أن نتساءل من أين جاء الخليل بقاعدته الشعرية التي بنها على حركة وسكون؟ الأمر الذي أدى الى تعقيده لقواعد الشعر على عكس جميع الآداب المجاورة. أبناها على الموروث الشعري الذي تركه لنا شعراء العرب من قبله؟ أم أنه اعتمد على قواعد شعرية جاهزة لأمم أخرى وطوعها كي تلائم الشعر العربي؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات نقول:
أولا: أن كان الخليل قد بنى قاعدته الشعرية استنادا الى الموروث لما احتاج الى هذا الكم من الزحافات والعلل الى حد يمكن عد عدد الأوزان الشعرية الى أكثر من مئة بحر بدلا من ستة عشر، وذلك لأن كل بحر يلحقه عدة أبحر أخرى، خذ مثلا البحر الطويل الذي وزنه الصحيح (( فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن)) الا أنه تلحقه عدة أبحر أخرى، خذ مثلا البحر الطويل الذي وزنه الصحيح (( فعولن مفاعيلن)) الا أنه تلحقه عدة اشكالات نتيجة دخول زحافات وعلل عليه فيأتي:
1ـ المقبوض العرض والضرب فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن/ فعولن مفاعيلن فعولن فعاعلن.
2ـ المقبوض العروض المحذوف الضرب فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن/ فعولن مفاعلن مفعولن فعولن.
3ـ المكفوف الاثلم فعلن مفاعيل فعولن مفاعلن/ فعولن مفاعيل فعولن مفاعيلن
4ـ الاثرم/ فعول مفاعيلن فعولن مفاعلن/ فعولن مفاعيلن مفاعيلن
5ـ الاثلم ف/ عولن مفاعيلن / فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
وهكذا الحال في بحر المديد الذي وزنه (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن) وفي بقية الأبحر الأخرى… فلنتساءل من جديد لماذا هذا الكم من الزواحف والعلل ان كان الخليل قد بنى قاعدته فعلا على الموروث الشعري، فلابد لنا من دراسة الشعر قبل الخليل لنرى مدى التزام شعراء تلك بأوزان الخليل الصافية.
ثانيا ـ أو أن يكون العروض قد ولد متكاملا أو أشبه بالمتكامل في ذهن الخليل وأن كان كذلك سيثير الانتباه (كما يقول كل من د. صفاء خلوصي والأستاذ كمال ابراهيم) وحملنا على الاعتقاد بأنه محاكاة لنموذج أجنبي متكامل لأن أمر كهذا (ولادة عروض متكاملة في ذهن الخليل) أمر بعيد عن الواقع.
ثالثا ـ أو أن يكون الخليل قد حاكى نموذجا عروضيا جاهزا " واستطاع بعبقريته أن يطوعه بالشكل الذي يلائم الشعر العربي. وللإجابة عن هذا التساؤل نقف مع ما يقوله د. صفاء خلوصي أستاذ العروض في تقديمه لكتاب القسطاس المستقيم نقلا عن أبي الريحان البيروني المتوفى سنة 1048م في كتابة (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة) في فصله الموسوم (ذكر كتبهم في النحو والشعر) ما ياتي:
(( يرجع العروض العربي واليوناني الى الأصل السنسكريتي، وقد يكون هذا الأصل السنسكريتي بدوره مقتبسا من أصل بابلي قديم لعثوره على تشابه بين البحور اليونانية والعربية من جهة وبعض البحور البابلية القديمة…)) وقد قدم لنا البيروني في كتابه أعلاه وجوها من البراهين تدل على أن الخليل كان قد أطلع على العروض السنسكريتي قبل أن يشرع بوضع ميزان العروض العربي…. ويذهب الدكتور جواد علي (12) بأنه وجد نصا في بعض المظان العربية القديمة يؤيد أن الخليل أطلع على الأوزان اليونانية الى جنب كتب في العروض السنسكريتي…
وهذا ما ذهب إليه المطران اقليمس يوسف داود أيضا حيث قال (13):
(( (( الشعر موزون في السريانية على نسق واحد من جهة الحركات أما في اللغات القديمة الأخرى كاليونانية واللاتينية والسنسكريتية والعربية فيعتبر لصحة النظم أمران في الحركات وهما عددها وقدرها…)).
لقد أفاد الخليل من أصول عروضية متعارف عليها عند العرب الا أنه أضاف إليها ما نقل من التراث السرياني والعبري والفارسي واليوناني والسنسكريتي لأن الخليل الذي ولد في البصرة سنة (712 ـ 778) وهو عصر التقاء الثقافات الهندية والفارسية واليونانية والسريانية مع العرب من خلال ما كان يترجمه الأدباء السريان الى العربية… ويضيف البيروني:
وهم يصورون في تعديد الحروف شبه ما صوره الخليل ومن بعده من العروضيين للساكن والمتحرك وهاتان الصورتان هما:
1ـ < ويسمى (لكــ) بالسنسكريتية وهو الخفيف.
2ـ ويسمى (كر) وهو الثقيل، ووزنه في التقدير أنه ضعف الأول أي يعادل أثنين من الخفيف أي 2>= وفي حروفهم ما يسمى أيضا طويلة وأوزانها وزان الثقيلة، وأظن أن الأول (>) متحرك والثاني() مجموع متحرك وساكن وهي تشبه السبب في عروضنا العربية. أما الأوربيون فهم يرمزون للنقرات الخفيفة بركزة (د) والضربات بـ (ــ) بدلا من (> ) الهنديتين. أي:
< الهندية = د الأوربية = تقريبا ه العربية للخفيف
الهندية = ــ الأوربية = / العربية للثقيل
وهكذا وكما يقول البيروني وكما أن أصحابنا عملوا من الأفاعيل قوالب لا بنية الشعر وأرقاما للمتحرك منها والساكن يعبرون بها عن الموزون فكذلك سمى الهند لما تركب من الخفيف والثقيل بالتقديم والتأخير وحفظ الوزان في التقدير دون تعديد الحروف القابا يشيرون بها الى الوزن المفروض واعني بالتقدير أن (لكــ) ما تر واحد و(كر) ماتران…
فيحسب المشدد ساكنا ومتحركا والمنون متحركا وساكنا. أي كما يقول د. خلوصي حوروا الطريقة الهندية (المقطعية) الى طريقة (حرفية) وكان ذلك ضروريا لتمثيل الزحافات والعلل وأن كان الأفضل الإبقاء على الطريقة السنسكريتية المقطعية، والإشارة الى الحروف حيثما اقتضى الأمر في حالات الزحاف والعلة (د ـــ)….
فأن كانت أبيات العربية تنقسم لنصفين بعروض وضرب، فأن أبيات الهنود أيضا تنقسم لقسمين يسمى كل واحد منهما (رجلا) وهكذا يسميها اليونانيون (أرجل) ما يتركب منه من الكلمات سلابى والحروف بالصوت وعدمه والطول والقصر والمتوسط. وينقسم البيت لثلاث أرجل ولأربع وهو الأكثر وربما زيدت رجل خامسة ولا تكون مقفلة أما في السريانية (والعبرية أيضا) فيكتب درجا، أي يوجد عرض وضرب.
نستخلص من كل ذلك ـ كما يقول الأستاذ صفاء ـ أن البيروني يظن بأن الخليل أفاد من العروض السنسكريتي الأمور الآتية:
1ـ تقسيم الأبيات الى اشطر
2ـ تقسيم الاشطر الى تفاعيل
3ـ تقسيم التفاعيل الى مقاطع خفيفة وثقيلة، أو قصيرة وطويلة
4ـ الاعتماد على أصوات الكلمات دون رسمها.
5ـ اصطناع المصطلحات (الالقاب كما يسميها البيروني) لتحديد الزحافات والعلل.
6 ـ استعارة فكرة الإشباع في المقطع الخفيف الأخير من التفعيلة وتحويله الى مقطع ثقيل وعلى هذا الأساس يقول الدكتور صفاء أن الزمخشري والخطيب التبريزي والزجاج والجوهري قد انحرفوا عن الطريقة الرياضية للخليل في التقطيع التي كانت تشبه الطريقة الإفرنجية في التقطيع… فالاعتماد على عدد الحركات متشابه بين العربية والعبرية وسائر اللغات القديمة أما قدرها ففي السريانية والعبرية سيان وفي اليونانية واللاتينية فقدرها يعني طول الحركة وقصرها وفي العربية اختلاف أسبابها أي اختلاف موضع حركاتها استنادا الى موضع سكناتها، من هنا تختلف العربية عن سائر اللغات القديمة. أذن فلا بد أن نرجع مرة أخرى الى أبي الريحان البيروني ونتساءل هل حقا أن أخذ عروضه من السنسكريتية؟ ونقول:
اليونانية التي ترجع أصولها كما يقول البيروني الى السنسكريتية لم تأخذ بنظر الاعتبار الحركات والسكنات، ثم أن البابلية نفسها التي ترجع اليها أصول السنسكريتية لم تأخذ بنظر الاعتبار السكنات بل الحركات فقط لأن أغلب الباحثين يشيرون الى أن الشعر البابلي القديم يتسم بالإيقاع المعتمد على النبرات (النبرة تعني تعميق لفظ حرف علة واحد من بين حروف العلة الأخرى).
وما علينا الآن الا أن نتفحص قصائد الشعوب التي اقتبست منها السريانية والعربية والعبرية أشعارها، ومن ثم قصائد الشعوب المجاورة للعربية ثانيا والقصائد العربية التي سبقت الخليل ثالثا والأغاني الفلكلورية رابعا.
فمن قصائد الأمم القديمة نأخذ على سبيل المثال الوزن في الشعر البابلي. مع أن هناك بعض الصعوبات التي تعترض سبيل الباحث في الموضوع منها الأصوات الحقيقية للألفاظ البابلية المستعملة في الشعر على الصورة التي كان يعبر البابليون بها عن أنفسهم من حيث التشديد والتخفيف، والنطق ببعض الأصوات الحلقية التي لم يعبر عنها تعبيرا واضحا بالخط المسماري، ذلك الخط الذي أوجده السومريون لكتابة لغتهم الخالية من تلك الأصوات. كما أن نطق المستشرقين بالمفردات البابلية في الشعر يشبه بقراءة الأجنبي للشعر العربي والسرياني، مما يحدث الخلل والاضطراب في أوزانه كما أن تأثر الباحثين بالشعر اليوناني واللاتيني أو كونهم أصلا مستشرقين جعلهم يرون أن أساس الوزن في الشعر البابلي يقوم على ما يسمى النبرات أي التشديد والتخفيف ( ACCENTED UNACCENTED) وعلى الرغم من هذه الصعوبات وغيرها توصل دارسو الشعر البابلي الى أن هذا الشعر مثل أشعار بعض الأمم الأخرى كالعربية والسريانية والعبرية واليونانية واللاتينية وغيره، يعتمد في عروضه على مبدأ تجزئة الكلمات الى مقاطع (SYLLABLES)
جاءت على لسان الإله ابسو ـ اله المياه ـ حيث يقول:
ENUMA ELISH LA NUBU SHAMAMU
SHABLISH AMMATUM SHUMA LA ZAKRAT
ABSU- MA RHSHTU ZARUSHUN
MUMMU TIAMAT MUWALLIDAT JIMRISHUN
MESHUNU ISHTENISH IHUQUMA
GIPARA LA QISSURU SUSA LA SHE
ENUMA ITANI LA SHUPU MANAMA
SHUMA LA ZUKKURA SHIMATU LA SHIMA
IBBANUMA ILANI QIRBISHUM
أينما أيلش لا نبو شاما
حينما في العلى لم تسم السماء
شابلش امتم شوما لا زكرات
في الدنى لم تذكر الأرض باسم
ممو تيامة مولدة كمريشون
وحين أبسو الأول، موجدهم
مي شونو ايشيتينش اخو قما
والأم تياما مولدة جميعهم
كيبارا قسورو صوصا لاشع
كانت مياههما واحدة مختلطة
حينما ايلاني لا شوبو منما
ولم يتكون بعد أي مرعى ولا ضحضاح يرى
شوما لا زكورا شماتو لا شيما
وحين لم يظهر أي من الآلهة الى
ابانوما ايلاني قربشون
لوجود
ولو قطعنا على أساس وزن الخليل لوجدنا ما ياتي:
1ـ 5/5//5/5/5///5//5/5 فاعلن مفعولات فاعلاتن
2ـ /55/5///5/5/5/5/5/55 من الصعوبة وزنها لوجود ساكنين
3ـ /5/5/5/ 55/5/5/55 وجود ساكنين أيضا
وهكذا الحال في بقية الأبيات. من هنا نقول لا يمكن أن تتطابق مع تفعيلات الخليل. وفي حالة تقطيعها من حيث الحركات نجد ما يلي:
5+3+3، 2+5+3، 5+3، 5+7، 3+3+4، 3+4+4، 3+3+3+3، 5+3+3، 4+3+3. أي:
الدعامة: 2 3 4 57
التكرار: 1 15 4 5 1
وهكذا الحال في الملحمة البابلية المعروفة بــ ( اترا حاسيس) التي تتضمن زهاء (1300) بيت من الشعر تروي كيف أن الالهة كانوا قبل خلق الإنسان يعيشون مثل البشر حيث يقول الشاعر:
INUMA ILLU AWILUM
UBLU DULLU IZBILU SHUPSHIKA
SHUPSHIK ILL RABI- MA
DULLUM KABIT MAD SHAPSHAQUM
أينما ايلو اويلم
حينما كان الالهو مثل الانسان
أبلو دولا، ازبيلو شبيشيكا
يحملون عبء العمل ويقاسون التعب
شبشك ايلي رابي ما
كان تعب الالهة كبيرا
دولم كبت ماد شبيشاقم
كان العمل ثقيلا والمقاساة كثيرة
تقطيعها من حيث الحركات:
8،10،7،8،10،9،8،8
أما من حيث وزن الخليل فمن الصعوبة تقطيعها.
وهكذا الحال في ملحمة كلكامش…
وهذا يطابق مع ما قاله الباحث انطون التكريتي في كتابه علم الفصاحة حين قال "… والبحر الخامس في الشعر السرياني هو المؤلف من أوزان سداسية وسباعية تزيد أحيانا وتنقص وهو لرجل يقال له وفا من فلاسفة الاراميين (قبل الميلاد)… ومن الشواهد المتيسرة لدينا والتي تعتبر حلقة وصل بين القصيدة الرافدينية (الآشورية البابلية) وقصيدتنا السريانية والعربية، مزامير أو تسابيح سليمان الـ (42) السريانية والتي سماها دارسوها (مرتل من المسيحيين الأولين) وترقى الى نهاية القرن الأول الميلادي، حيث يتضح من دراستها أن الإيقاع (الحركات) هي أساس الوزن وتمتاز هذه التسابيح بأنها موزونة على أكثر من بحر اسوة بالقصيدة الرافدينية المار ذكرها، وهذا ما سميناه بعد تسعة عشر قرنا قصيدة النثر. خذ مثلا الأنشودة الثالثة من المرموز:
وى دمي لوةى انون وه دامى لواثى انون
وبىون ةلا انا ومخب لي وبهون تلا نا ومحب لى
لا جير يدع ىوية لمرخم لمريا لا كير يادع هويت لمرحم لمريا
الو ىو لا رخم ىوا الا هو لا راحم هوا
منو مشكخ لمفرش رخمت منو مشكح لمفرش رحمثا
الا ىو مةرخم الا هو مت رحم
مخب انا لرخيما ورخما لى نفشي محبنا لرحمى وراحملا نوشى
وايكا دنيخى اف انا ايةى وايكا دنيحا اب انا ايت
نجد أن القصيدة موزونة كآلاتي:
7،7،9،8،9،5،11،10
أما إذا أخذت دعامات باعتبارها الأساس في البناء نجد أن الشاعر يستخدم الدعامات:
وزن الدعامة 3 4 5 6 7
التكرار: 2 3 7 1 1
وهكذا الحال في بقية التسابيح.
من هنا نقول أن القصيدة السريانية كانت امتدادا للقصيدة النهرينية، وكنا محقين (مع الآخرين) حين اعتبرنا برديصان مدشن الحداثة للقصيدة السريانية في حينها عندما أخضع القصيدة الى الوزن الواحد خدمة لنقل البشرى من خلال تراتيل تنشدها جوقات كنيسة… واستمرت على منوالها الى يومنا هذا.
ومن الشعوب المجاورة للعربية التي أثرت وتأثرت بها هي اللغة العبرية التي عاشرت العربية سواء في بلاد الرافدين أو في الجزيرة العربية ويقول عنها الناقد العبري( يهوذا الحريزي) في كتابه (تحكموني) ((… وحين كان آباؤنا يقطنون في مدينة القدس ما كانوا يعرفون الشعر الموزون في اللغة العبرية، أما أسفار أيوب، والأمثال، والمزامير، فجملها قصيرة وأبياتها سهلة بسيطة، وما أشبهها بالسجع، وهي بعيدة عن أن تكون نظما موزونا ومقفى)) ومن خصائص شعرها (أن الصيغة الشعرية تؤسس على النبرة والنغمة، وكانت أناشيد العبادة تسمى ترانيم وكان يصاحب الترنيمة إيقاع أو غناء وهذه الترانيم غير موزونة ولا مقفاة…" وأغلب الظن أنهما يعنيان بالوزن والقافية على شاكلة العربية، لأن الشعر العبري وكذلك السرياني كان يعتمد على عدد الحركات فقط. وهذا مؤكد لأن اليهود العائدين من بابل وغيرها من مناطق بلاد ما بين النهرين نقلوا معهم مع اللغة، أدب البلاد وفنونها كاوزان الشعر. أما الوزن والقافية (على شاكلة العرب) فقد ظهر في القرن العاشر الميلادي .
وما بقي لدينا الا أن نتفحص القصيدة العربية التي من المفترض أن يكون الخليل قد بنى عليها أوزانه ونقول:
أن الشعر العربي قد وجد قبل الخليل، فالشاعر القديم كان يعتمد على حسه الموسيقي في كتابة القصيدة لأن معظم الباحثين يرون أن منشأ الشعر هو الغناء والإنشاد، والغناء بطبيعته يعتمد على الحس الموسيقي والمعتمد على الحركات لا السكنات… أي أن الشاعر كان أكبر من العروض. وهذا ما أكده أيضا الأستاذ كمال ابراهيم في تقديمه لكتاب القسطاس: (( والحق الذي لا مراء فيه أن مقاييس الشعر أو أوزانه قد استخلصت من ضروب الغناء المختلفة التي كان العرب منذ عصورهم الأولى يتغنون بها، … فالشعر للغناء، وجد مع الغناء والغناء وجد مع الإنسان)) وبهذا لو أجرينا دراسة على الشعر قبل الخليل لتيقن لنا أن الشعراء العرب كانوا يزنون أشعارهم اعتمادا على الإيقاع الموسيقي أي بالاعتماد على الحركات فقط كما الحال في الشعر السرياني والعبري اللذين استقيا عروضهما من الشعر العراقي القديم وهذا ما ذهب إليه بعض دارسي الشعر العربي القديم، أن العرب ـ قبل الخليل ـ عرفوا طريقة يهتدون بها الى معرفة وزن البيت وذكروا: أن الخليل سئل: هل للعروض أصل؟قال: نعم! مررت بالمدينة حاجا فرأيت شيخا يعلم غلاما ويقول له قل:
نعم لا ، نعم لالا، نعم لا، نعم لالا
نعم لا، نعم لالا، نعم لا، نعم لالا
قلت ما هذا الذي تقوله للصبي؟ فقال: هو علم يتوارثونه عن سلفهم يسمونه التنعيم، لقولهم فيه نعم… قال الخليل:
فرجعت بعد الحج فأحكمتها.
وبالحقيقة أنهم كانوا يعتمدون على الحركات، وهو ما يسمى عند السريان بالوزن المزدوج (الافرامي ـ 7 حركات).
وعند تقطيعها حسب الخليل نحصل على البحر الطويل (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن)
وهناك طريقة ثانية يذكرها الباقلاني في كتابه (أعجاز القرآن) فيسميها" الميتر" أي القطع. وهناك طريقة ثالثة في معرفة وزن البيت كاحتساب مقاطع البيت من حيث توازي الشطرين وتساويهما بعقود الأصابع إسوة بالسريان و..
وهذا ما يؤكده ابن فارس في كتابه الصاحبي ص38:
(… أن هذين العلمين ـ النحو والعروض ـ كانا قديما، وأتت عليهما الأيام ووقعا في أيدي الناس، ثم جددهما هذان الامامان "أبو أسود الدؤلي والخليل").
والآن لو أجرينا دراسة على الشعر العربي قبل الخليل لوجدناه يتفق مع العروض السريانية التي تتفق بدورها مع العروض الرافدينية، أكثر مما يتفق مع عروض الخليل الصافية " أعني بعيدا عن الزواحف والعلل" بمعنى اخر ان نسبة الخطأ تكون أقل بكثير مما هي عليه في عروض الخليل فلنأخذ مثلا عينات من الشعر الجاهلي لنرى مدى صحة القول:
1ـ معلقة امرىء القيس (500 ـ 540م)
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
فعولن مفاعيلن فعول مفاعل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها
لما نسجتها من جنوب وَشَمْأَلِ
فعول مفاعيلن فعولن مفاعلن
فعول مفاعيلن فعولن مفاعل
والتي صنفت ضمن البحر الطويل (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن)، الا أنه يصعب علينا الحصول على هذا البحر صافيا أي أن نسبة الخطأ فيه عالٍ. أما إذا وزنت على الأبحر السريانية فنجدها موزونة على البحر الطويل أي (أربع عشرة حركة) باستثناء بعض الأسطر التي جاءت مخالفة بحركة واحدة بسبب الروي كما نجد في أحد أبياته:
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له بشق وتحتي شقها لم يحول
فالشطر يتكون من (15) حركة، أما العجز فمن (14) حركة.
فلو حذفت (ما) من الشطر استقام الوزن
إذا بكى من خلفها انصرفت له بشق وتحتي شقها لم يحول
2ـ معلقة طرفة بن عبد (543 ـ 569م) والتي يقول فيها:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
فعول مفاعيلن فعول مفاعل
فعول مفاعيلن فعولن مفاعل
وقوفا بها صحبي علي مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجلد
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
فعولن مفاعيلن فعول مفاعل
وهي موزونة على البحر الطويل حسب أوزان الخليل الا أننا نجد البحر صافيا فأغلب الأبيات تستخدم الزواحف والعلل، الا أنها تحتوي على أربع عشرة حركة أيضا باستثناء بعض الأبيات الروي أيضا.
3ـ وهكذا الحال في معلقة زهير بن أبي سلمى (530 ـ 627م) أربع عشرة حركة وعمرو بن كلثوم (توفي سنة 600م) اثنتا عشرة حركة ومعلقة لبيد (530 ـ 629م) التي تحتوي خمس عشرة حركة ومعلقة عنترة بن شداد (525 ـ 615م) أربع عشرة حركة، والحارث بن حلزة (580م) اثنتا عشرة حركة وعبيد بن الابرص (554م) عشر حركات، وفي هذه المعلقات يكون الاضطراب في الوزن بنسبة أعلى من سابقتها.
ومن الملاحظ على هذه المعلقات وغيرها من الشعر الجاهلي ما يأتي:
1ـ إنها لم تصل ألينا مكتوبة بخطهم بل على الذاكرة مما عرضها للكثير من الاضطرابات، وكانت السبب في إدخال أو تعكز الخليل على مجموعة من الزحافات والعلل.
2ـ التزام الشعراء بعدد ثابت من الحركات وأحيانا نجد تجاوزا سببه الروي
3ـ كان اعتماد الناس في تقبل شعر هؤلاء الشعراء مبنيا على عدد الحروف المتحركة في كل شطر والمحافظة على هذا الرقم في القصيدة ككل وليس على تماثل الحروف المتحركة والساكنة كما هو في أوزان الخليل ولا سيما أن القصائد ذات طابع غنائي. وعليه أستطيع أن أقول أن أوزان الخليل لابد من أن تكون دخيلة على الأدب العربي، وأن تمسك الخليل ومن بعده من العروضيين بهذه التفاعيل أفرز الكثير من المصطلحات والاختلافات بين ما هو موجود في الدوائر وما هو في واقع الشعر العربي مما أدى الى تعكز هؤلاء العروضيين من الخليل ومن بعده على افتراض دخول بعض الزحافات والعلل إضافة الى افتراضهم أن يكون هذا البحر مجزوءا" وجوبا أو جوازا وما لا يدخله أصلا. خذ مثلا البحر السريع ووزنه (مستفعلن مفعولات ) ولم ينظم عليه شاعر عربي على هذا الشكل ، لأن أكثر ما ورد من الأشعار كانت على وزن (مستفعلن فاعلن) أو مستفعلن مستفعلن فعلن) أو (مستفعلن مستفعلن فاعلان).
وما بقي لدينا الا أن نطبق أوزان الخليل على الشعر السرياني عسى أن يكون الخليل قد استفاد منها في وضع أوزانه الشعرية فنقول:
لو أخذنا مقطعا من قصيدة قورلونا (الذي عاش في أواسط القرن الرابع ومطلع القرن الخامس) والموزونة على البحر المتساوي (أربع حركات) من حيث الوزن السرياني ونقطعها حسب أوزان الخليل نجد:
ىا ديرةا /5/5/5/5 ها ديراثا
شةيلن بارعا 5/5/55/5/5 شتىلن بارعا
دملين جبذا /5/55/5/5 دملين كورا
خذ مقطعا أخر من قصيدة بالاي (توفي بعد سنة 432م) وهي على البحر المتوسط (خمس حركات) استنادا الى الشعر السرياني:
خان لخطيَّا /5/5/5/5/ حائن لحطايى
خون لخ بيوم دينك /55/5 5 /5/5 5 حون لاخ بيوم ديناخ
نجد من الصعوبة جدا تطبيق أوزان الشعر الخليلي على الشعر السرياني وهكذا الحال في الشعر العبري والفارسي والكردي والتركي، وقد اخطأ كل من اعتقد خلاف ذلك. لأني أجدهم يستخدمون زواحف وعللاً وتفاعيل لم يستخدمها حتى الخليل. الا أنه من السهل جدا إخضاع القصيدة العربية الى أوزان الشعر السرياني وتعتبر الموشحات التي كثرت أراء القدامى والمحدثين والمستشرقين حول منشئها، مثالا حيا لهذا التقارب.
وكذا الحال لو أجرينا مسحا للأغنية الفلكلورية فسنجدها موزونة على الإيقاع (الحركات فقط) اسوةً بالشعر السرياني والعبري و… وأغلبها تستخدم الأوزان القصيرة (5،6،7) حركات. خذ مثلا الأغنية الشعبية للأطفال (جاسم جسومي):
جاسم جسومي لا تأك ل نومي
نوميتَك وَسخة أتوَسخ هدومي
جَتي زهوري كِسرَت القوري
نجد الأغنية موزونة على وزن بالاي (الخماسي ـ خمس حركات)
وكذا الحال في الأغنية (مطر مطر) وهي على وزن آسونا (سداسي ـ ست حركات)
مُطَرْ مطَرْ شاشَة
عبر بَناتِ الباشَة
مُطر مُطَر عاصي
صولْ شَعَرْ راسيْ
وهكذا في الأغنية (مغَيزل) التي هي على البحر الافرامي (سباعي ـ سبع حركات):
بيدي مغَيزِلْ فَريتَهْ
تحت الشَجَرْ حَطيتهْ
بين الجَمَلْ والناكه
يعَصَيتنه الَتفاكهْ
وأحيانا تكون الأغنية موزونة على أكثر من وزن أسوة بالشعر السرياني كما في الأغنية (طَلعَتْ الشُميسه) التي يستخدم الشاعر الأوزان (بالاي، اسونا، افرامي)… الا أنها من الصعوبة وزنها على البحور الفراهيدية.
أن ما قدمناه يدل على أن الشعر العربي في السابق (قبل الخليل) كان موزونا على الشكل السرياني الا أن الخليل طوعه على الطريقة المسماة باسمه والتي حاكى بها الوزن السنسكريتي.