المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماذا يفعل المسلمون إزاء لجوء نصرانية أسلمت إليهم؟؟



أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:08 AM
ماذا يفعل المسلمون إزاء لجوء نصرانية أسلمت إليهم؟؟

السلام عليكم

ببساطة هذا هو السؤال


((ماذا يفعل المسلمون إزاء لجوء نصرانية أسلمت إليهم؟؟))


الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الأخ الفاضل جمال

تم نقل سؤالك إلى قسم الأسئلة للإختصاص.

والجواب الشرعى لسؤالك فى أحكام الآية 10 من سورة الممتحنة :

( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم )


التفسير :

يا أيها الذين آمنوا: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات من دار الشرك فاختبروهن لتعلموا صدق إيمانهن، الله أعلم بحقيقة إيمانهن، فإن اطمأننتم إلى إيمانهن فلا تردوهن إلى أزواجهن الكفار، فلا المؤمنات بعد هذا حلال للكافرين، ولا الكافرون حلال للمؤمنات، وآتوا الأزواج الكافرين ما أنفقوا من الصداق على زوجاتهم المهاجرات إليكم، ولا حرج عليكم أن تتزوجوا هؤلاء المهاجرات إذا آتيتموهن صداقهن، ولا تتمسكوا بعقد زوجية الكافرات الباقيات فى دار الشرك أو اللاحقات بها، واطلبوا من الكفار ما أنفقتم من صداق على اللاحقات بدار الشرك وليطلبوا - هم - ما أنفقوا على زوجاتهم المهاجرات.
ذلكم - التشريع - حكم الله، يفصل به بينكم، والله عليم بمصالح عباده، حكيم فى تشريعه.


وفى الجامع لأحكام القرآن( تفسير القرطبي)

قوله تعالى: "فامتحنوهن" قيل: إنه كان من أرادت منهن إضرار زوجها فقالت: سأهاجر إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك أمر صلى الله عليه وسلم بامتحانهن. واختلف فيما كان يمتحنهن به على ثلاث أقوال: الأول: قال ابن عباس: كانت المحنة أن تستحلف بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقا لرجل منا؛ بل حبا لله ولرسوله. فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك، أعطى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها؛ فذلك قوله تعالى: "فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن". الثاني: أن المحنة كانت أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ قاله ابن عباس أيضا. الثالث: بما بينه في السورة بعد من قوله تعالى: "يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات" [الممتحنة: 12] قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن إلا بالآية التي قال الله: "إذا جاءك المؤمنات يبايعنك" [الممتحنة: 12] رواه معمر عن الزهري عن عائشة. خرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.

قوله تعالى: "الله أعلم بإيمانهن" أي هذا الامتحان لكم، والله اعلم بإيمانهن، لأنه متولي السرائر. "فإن علمتموهن مؤمنات" أي بما يظهر من الإيمان. وقيل: إن علمتموهن مؤمنات قبل الامتحان "فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن" أي لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة.
وهذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامها لا هجرتها. وقال أبو حنيفة: الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين. وإليه إشارة في مذهب مالك بل عبارة. والصحيح الأول، لأن الله تعالى قال: "لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن" فبين أن العلة عدم الحل بالإسلام وليس باختلاف الدار. والله اعلم. وقال أبو عمر: لا فرق بين الدارين لا في الكتاب ولا في السنة ولا في القياس، وإنما المراعاة في ذلك الدينان، فباختلافهما يقع الحكم وباجتماعهما، لا بالدار. والله المستعان.

قوله تعالى: "وآتوهم ما أنفقوا" أمر الله تعالى إذا أمسكت المرأة المسلمة أن يرد على زوجها ما أنفق وذلك من الوفاء بالعهد، لأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام، أمر برد المال إليه حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة والمال.
ولا غرم إلا إذا طالب الزوج الكافر، فإذا حضر وطالب منعناها وغرمنا. فإن كانت ماتت قبل حضور الزوج لم نغرم المهر إذ لم يتحقق المنع. وإن كان المسمى خمرا أو خنزيرا لم نغرم شيئا، لأنه لا قيمة له. وللشافعي في هذه الآية قولان: أحدهما: أن هذا منسوخ. قال الشافعي: وإذا جاءتنا المرأة الحرة من أهل الهدنة مسلمة مهاجرة من دار الحرب إلى الإمام في دار السلام أو في دار الحرب، فمن طلبها من ولي سوى زوجها منع منها بلا عوض. وإذا طلبها زوجها لنفسه أو غيره بوكالته ففيه قولان: أحدهما: يعطي العوض، والقول ما قال الله عز وجل، وفيه قول آخر: أنه لا يعطى الزوج المشرك الذي جاءت زوجته مسلمة العوض. فإن شرط الإمام رد النساء كان الشرط ورسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يرد النساء كان شرط من شرط رد النساء منسوخا وليس عليه عوض، لأن الشرط المنسوخ باطل ولا عوض الباطل.
أمر الله تعالى برد مثل ما أنفقوا إلى الأزواج، وأن المخاطب بهذا الإمام، ينفذ مما بين يديه من بيت المال الذي لا يتعين له مصرف. وقال مقاتل: يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين، فإن لم يتزوجها من المسلمين أحد فليس لزوجها الكافر شيء. وقال قتادة: الحكم في رد الصداق إنما هو في نساء أهل العهد؛ فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا يرد إليهم الصداق. والأمر كما قاله.

قوله تعالى: "ولا جناح عليكم أن تنكحوهن" يعني إذا أسلمن وانقضت عدتهن لما ثبت من تحريم نكاح المشركة والمعتدة. فإن أسلمت قبل الدخول ثبت النكاح في الحال ولها التزوج. "إذا آتيتموهن أجورهن" أباح نكاحها بشرط المهر؛ لأن الإسلام فرق بينها وبين زوجها الكافر.
قوله تعالى: "ولا تمسكوا بعصم الكوافر" قراءة العامة بالتخفيف من الإمساك. وهو اختيار أبي عبيد لقوله تعالى: "فأمسكوهن بمعروف" [البقرة: 231]. وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمرو "ولا تمسكوا" مشددة من التمسك. يقال: مسك يمسك تمسكا؛ بمعنى أمسك يمسك. وقرئ "ولا تمسكوا" بنصب التاء؛ أي لا تتمسكوا. والعصم جمع العصمة؛ وهو ما اعتصم به. والمراد بالعصمة هنا النكاح. يقول: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها، فليست له امرأة، فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين. وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر؛ وكان الكفار يتزوجون المسلمات والمسلمون يتزوجون المشركات؛ ثم نسخ ذلك في هذه الآية. فطلق عمر بن الخطاب حينئذ امرأتين له بمكة مشركتين: قريبة بنت أبي أمية فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة. وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية أم عبدالله بن المغيرة؛ فتزوجها أبو جهم بن حذافة وهما على شركهما. فلما ولي عمر قال أبو سفيان لمعاوية: طلق قريبة لئلا يرى عمر سلبه في بيتك، فأبي معاوية من ذلك. وكانت عند طلحة بن عبيدالله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب ففرق الإسلام بينهما، ثم تزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص، وكانت ممن فر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار، فحبسها وزوجها خالدا. وزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب ابنته - وكانت كافرة - من أبي العاص بن الربيع، ثم أسلمت وأسلم زوجها بعدها. ذكر عبدالرزاق عن ابن جريج عن رجل عن ابن شهاب قال: أسلمت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم وهاجرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة الأولى، وزوجها أبو العاص بن الربيع عبدالعزى مشرك بمكة. الحديث. وفيه: أنه أسلم بعدها. وكذلك قال الشعبي. قال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع، فأسلمت ثم لحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتى زوجها المدينة فأمنته فأسلم فردها عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس: بالنكاح الأول؛ ولم يحدث شيئا. قال محمد بن عمر في حديثه: بعد ست سنين. وقال الحسن بن علي: بعد سنتين. قال أبو عمر: فإن صح هذا فلا يخلو من وجهين: إما أنها لم تحض حتى أسلم زوجها، وإما أن الأمر فيها منسوخ بقول الله عز وجل: "وبعولتهن أحق بردهن في ذلك" [البقرة: 228] يعني في عدتهن. وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء أنه عني به العدة. وقال ابن شهاب الزهري رحمه الله في قصة زينب هذه: كان قبل أن تنزل الفرائض. وقال قتادة: كان هذا قبل أن تنزل سورة "التوبة" بقطع العهود بينهم وبين المشركين. والله اعلم.

فإن كان الزوجان نصرانيين فأسلمت الزوجة ففيها أيضا اختلاف. ومذهب مالك وأحمد والشافعي الوقوف إلى تمام العدة. وهو قول مجاهد. وكذا الوثني تسلم زوجته، إنه إن أسلم في عدتها فهو أحق بها؛ كما كان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل أحق بزوجتيهما لما أسلما في عدتيهما؛ على حديث ابن شهاب. ذكره مالك في الموطأ. قال ابن شهاب: كان بين إسلام صفوان وبين إسلام زوجته نحو من شهر. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها كافر مقيم بدار الحرب إلا فرقت هجرتها بينه وبينها؛ إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها. ومن العلماء من قال: ينفسخ النكاح بينهما. قال يزيد بن علقمة: أسلم جدي ولم تسلم جدتي ففرق عمر بينهما رضي الله عنه؛ وهو قول طاوس. وجماعة غيره منهم عطاء والحسن وعكرمة قالوا: لا سبيل عليها إلا بخطبة.

قوله تعالى: "واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا" قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل العهد يقال للكفار: هاتوا مهرها. ويقال للمسلمين إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها. وكان ذلك نصفا وعدلا بين الحالتين. وكان هذا حكم الله مخصوصا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة؛ قال ابن العربي. "ذلكم حكم الله" أي ما ذكر في هذه الآية هو حكم الله. "يحكم بينكم والله عليم حكيم".


وللإستزادة سأورد أقوال لإجتهادات بعض العلماء

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:08 AM
خلال اجتماع المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ورد لفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي سؤال حول سبق المرأة بالإسلام دون زوجها وكان نص السؤال كالآتي:

من الملاحظ في الغرب أن النساء أكثر إقبالا على الدخول في الإسلام من الرجال، وهي ظاهرة معروفة، فإذا كانت المرأة غير متزوجة فلا إشكال، إلا من حيث حاجتها إلى الزواج من رجل مسلم.

ولكن الإشكال يكمن فيما إذا كانت المرأة متزوجة ودخلت في الإسلام قبل زوجها، أو دون زوجها، وهي تحبه وهو يحبها، وبينهما عشرة طبية طويلة، وربما كان بينهما أولاد وذرية. ماذا تفعل المرأة هنا؟ وهي حريصة على الإسلام، وفي الوقت نفسه حريصة على زوجها وأولادها وبيتها؟

إن عامة المفتين هنا يفتونها بوجوب فراقها لزوجها بمجرد إسلامها، أو بعد انقضاء عدتها منه على الأكثر. وهذا يشق على المسلمة الحديثة العهد بالإسلام أن تفعله، فتضحي بزوجها وأسرتها.

وبعضهن يرغبن في الدخول في الإسلام بالفعل، ولكن عقبة فراق الزوج تقف في طريق إسلامها.

هل من حل شرعي لهذه المشكلة العويصة في ضوء الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة؟

أفيدونا أفادكم الله، وجزاكم عن الإسلام وأهله خيراً.

وقد تفضل الدكتور يوسف القرضاوي بالإجابة على هذه الفتوى اجتهادًا في إطار اعتباره مصلحة الجماعة المسلمة في الدول الغربية، وكان نص فتواه كالتالي:

فتوى الدكتور يوسف القرضاوي:

الحمد لله، والصلاة والسلام على إمامنا وحبيبنا وأسوتنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه (أما بعد)..

فقد كنت لسنوات طويلة أفتي بما يفتي به العلماء الذين ذكرهم السائل في سؤاله. وهو أن المرأة إذا أسلمت يجب أن تفارق زوجها في الحال أو بعد انتهاء عدتها، لأن الإسلام فرق بينهما، ولا بقاء لمسلمة في عصمة كافر. وكما لا يجوز لها أن تتزوج غير المسلم ابتداء، فكذلك لا يجوز لها الاستمرار معه بقاء.

هذا هو الرأي السائد والمشهور والمتعالم عند الناس عامة، والعلماء خاصة. وأذكر منذ نحو ربع قرن: كنا في أمريكا، وفي مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين هناك، وعُرضت قضية من هذا النوع، وكان الدكتور حسن الترابي حاضراً، فلم ير بأساً بأن تبقى المرأة إذا أسلمت مع زوجها الذي لم يسلم، وثارت عليه الثائرة، ورد عليه عدد من الحاضرين من علماء الشريعة، وكنت منهم، وقد اعتمد الرادون عليه: أنه خرج على الإجماع المقطوع به، المتصل بعمل الأمة.

وثمة تسعة أقوال ذكرها ابن القيم في المسألة:

ثم إن المسلم يظل بطلب العلم من المهد إلى اللحد، وليس هناك أحد أحاط بالعلم كله. وقد قال الله لرسوله: "وقل رب زدني علماً" (طه:114)، وقال تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" (الإسراء: 85).

ولا غرو أن اطلعت على ما ذكره الإمام ابن القيم في هذه المسألة المهمة،وذلك في كتابه(أحكام أهل الذمة)، فقد ذكر ـ رحمه الله ـ فيها تسعة أقوال، لأئمة وعلماء معتبرين، ذكرها كلها، واختار سادسها، وهو اختيار شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا.

ذكر العلامة ابن القيم المسألة ثم قال: اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافاً كثيراً.

القول الأول: انفساخ النكاح بمجرد إسلامها:

قالت طائفة: متى أسلمت المرأة انفسخ نكاحها منه، سواء كانت كتابية أو غير كتابية، وسواء أسلم بعدها بطرفة عين أو أكثر. ولا سبيل له عليها إلا بأن يسلما معاً في آن واحد؛ فإن أسلم هو قبلها انفسخ نكاحها ساعة إسلامه ولو أسلمت بعده بطرفة عين. والكلام هنا هو عن الزوجة المشركة، كما كان حال أهل مكة وجزيرة العرب عند ظهور الإسلام. أما الزوجة الكتابية، فإن إسلام زوجها لا يضرها، إذ له أن يتزوجها ابتداء، فلا حرج في استمرارها معه بقاء.

هذا قول جماعة من التابعين وجماعة من أهل الظاهر، وحكاه أبو محمد بن حزم عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبدالله وعبدالله بن عباس وحماد بن زيد والحكم بن عيينة وسعيد بن جبير وعمر بن عبدالعزيز والحسن البصري وعدي بن عدي وقتادة والشعبي.

قال ابن القيم: قلت: وحكاية ذلك عن عمر بن الخطاب غلط عليه؛ أو يكون رواية عنه؛ فسنذكر من آثار عمر بن الخطاب رضي الله عنه خلاف ذلك مما ذكره أبو محمد وغيره.

القول الثاني: الانفساخ إذا أبي الزوج الإسلام:

وقال أبو حنيفة: أيهما أسلم قبل الآخر، فإن كان في دار الإسلام عرض الإسلام على الذي لم يسلم، فإن أسلم بقيا على نكاحهما، وإن أبى فحينئذ تقع الفرقة. ولا تراعى العدة في ذلك.

القول الثالث: انفساخ النكاح عند انقضاء عدة المدخول بها:

وقال مالك: إن أسلمت المرأة ولم يسلم الرجل، فإن كان قبل الدخول وقعت الفرقة؛ وإن كان بعده، فإن أسلم في عدتها فهما على نكاحهما، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها فقد بانت منه؛ فإن أسلم هو ولم تسلم هي عُرِضَ عليها الإسلام، فإن أسلمت بقيا على نكاحهما وإن أبت انفسخ النكاح ساعة إبائها، سواء كان قبل الدخول أو بعده.

القول الرابع: عكس القول الثالث:

وقال ابن شبرمة عكس هذا، وأنها إن أسلمت قبله وقعت الفرقة في الحين، وإن أسلم قبلها فأسلمت في العدة فهي امرأته، وإلا وقعت الفرقة بانقضاء العدة.

القول الخامس: اعتبار العدة لكل من الرجل والمرأة:

وقال الأوزاعي والزهري والليث والإمام أحمد والشافعي وإسحاق: إذا سبق أحدهما بالإسلام فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح،وإن كان بعده فأسلم الآخر في العدة فهما على نكاحهما، وإن انقضت العدة قبل إسلامه انفسخ النكاح.

القول السادس: تنتظر المرأة وتتربص:

ولو مكثت سنين إن اختارت ذلك. وقال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني وقتادة، كلاهما عن محمد بن سيرين عن عبدالله بن يزيد الخطمي: أن نصرانياً أسلمت امرأته، فخيرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن شاءت فارقته وإن شاءت أقامت عليه: (وعبد الله بن يزيد الخطمي هذا له صحبة). قال ابن القيم: وليس معناه أنها تقيم تحته وهو نصراني، بل تنتظر وتتربص، فمتى أسلم فهي امرأته، ولو مكثت سنين، وهو أصح المذاهب في هذه المسألة، وعليه تدل السنة كما سيأتي بيانه، وهو اختيار شيخ الإسلام (ابن تيمية).

القول السابع: هو أحق بها ما لم تخرج من مصرها:

وقال حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال في الزوجين الكافرين يسلم أحدهما: هو أملك ببضعها ما دامت في دار هجرتها. وقال سفيان بن عيينة عن مطرف بن طريف عن الشعبي عن علي: هو أحق بها مالم تخرج من مصرها.

القول الثامن: هما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان:

وقال ابن أبي شيبة: ثنا معتمر بن سليمان عن معمر عن الزهري:إن أسلمت ولم يسلم زوجها فهما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان.

القول التاسع: تقر عنده ويمنع من وطئها:

وقال داوود بن علي: إذا أسلمت زوجة الذمي ولم يسلم فإنها تَقَرُّ عنده، ولكن يُمنَعُ من وطئها. وقال شعبة: ثنا حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي في ذمية أسلمت تحت ذمي، فقال تقر عنده، وبه أفتى حماد بن أبي سليمان.

قلت: ومرادهم أن العصمة باقية، فتجب لها النفقة والسكنى، ولكن لا سبيل له إلى وطئها، كما يقوله الجمهور في أم ولد الذمي إذا أسلمت سواء.

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:09 AM
تحقيق ابن القيم في المسألة:

قال ابن القيم: ونحن نذكر مآخذ هذه المذاهب وما في تلك المآخذ من قوي وضعيف وما هو الأولى بالصواب.

فأما أصحاب القول الأول ـ وهم الذين يوقعون الفرقة بمجرد الإسلام ـ فلا نعلم أحداً من الصحابة قال به ألبتة. وما حكاه أبو محمد بن حزم عن عمر وجابر وابن عباس فبحسب ما فهمه من آثار رويت عنهم مطلقة، ونحن نذكرها. قال شعبة: أخبرني أبو إسحاق الشيباني قال: سمعت يزيد بن علقمة يقول: إن جده وجدته كانا نصرانيين، فأسلمت جدته، ففرق عمر بن الخطاب بينهما. وليس في هذا دليل على تعجيل الفرقة مطلقا بنفس الإسلام، فلعله لم يكن دخل بها، أو لعله فرق بعد انقضاء العدة، أو لعلها اختارت الفسخ دون انتظار إسلامه، أو لعل هذا مذهب من يرى أن النكاح باق حتى يفسخ السلطان.

وقد روي عن عمر في هذا آثار يظن أنها متعارضة، ولا تعارض بينها، بل هي موافقة للسنة، فمنها هذا، ومنها ما تقدم حكايته عنه أنه خير المرأة، إن شاءت أقامت عليه، وإن شاءت فارقته.ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام عن أبي إسحاق الشيباني عن يزيد بن علقمة أن عبادة بن النعمان التغلبي، كان ناكحا امرأة من بني تميم، فأسلمت، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إما أن تسلم وإما أن ننزعها منك؛ فأبى فنـزعها عمر رضي الله عنه، وقد تمسك بها من يرى عرض الإسلام على الثاني، فإن أبي فرق بينهما. (وهو القول الثاني: قول أبي حنيفة).

قال ابن القيم: وهذه الآثار عن أمير المؤمنين لا تعارض بينها، فإن النكاح بالإسلام يصير جائزا بعد أن كان لازماً، فيجوز للإمام أن يعجل الفرقة، ويجوز له أن يعرض الإسلام على الثاني، ويجوز إبقاؤه إلى انقضاء العدة، ويجوز للمرأة التربص به إلى أن يسلم ولو مكثت سنين. كل هذا جائز لا محذور فيه، والنكاح له ثلاثة أحوال:

حال لزوم، وحال تحريم وفسخ ليس إلا، كمن أسلم وتحته من لا يجوز ابتداء العقد عليها، وحال جواز ووقف، وهي مرتبة بين المرتبتين لا يحكم فيها بلزوم النكاح ولا بانقطاعه بالكلية. وفي هذه الحال تكون الزوجة بائنة من وجه دون وجه. ولما قدم أبو العاص بن الربيع المدينة في زمن الهدنة، وهو مشرك، سألت امرأته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل ينـزل في دارها؟ فقال: "إنه زوجك، ولكن لا يصل إليك".

فالنكاح في هذه المدة لا يحكم ببطلانه، ولا بلزومه وبقائه من كل وجه، ولهذا خير أمير المؤمنين المرأة تارة، وفرق تارة، وعرض الإسلام على الثاني تارة، فلما أبى فرق بينهما. ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجل وامرأته أسلم أحدهما قبل الآخر أصلا، ولا في موضع واحد.

قال مالك: قال ابن شهاب: كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر، أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتى شهد"حنيناً" و"الطائف"وهو كافر، ثم أسلم، فلم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح.

قال ابن عبد البر: وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.

وقال الزهري: أسلمت أم حكيم يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة حتى أتى اليمن فارتحلت حتى قدمت عليه اليمن، فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم فبايع النبي صلى الله عليه وسلم، فثبتا على نكاحهما.

وقال ابن شبرمة: كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته، فإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما.

وأسلم أبو سفيان عام الفتح قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة، ولم تسلم امرأته هند حتى فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، فثبتا على نكاحهما.

وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية فلقيا النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح "بالأبواء" فاسلما قبل نسائهما.

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رد زينب ابنته على أبي العاص (زوجها الذي تأخر إسلامه) بالنكاح الأول بعد ست سنين. قال أبو داوود حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن داوود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد زينب على أبي العاص بالنكاح الأول،لم يحدث شيئا. وفي لفظ له: بعد ست سنين. وفي لفظ: بعد سنتين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا هو الثابت عند أهل العلم بالحديث؛ والذي روى أنه جدد النكاح ضعيف".

قال: وكذلك كانت المرأة تسلم، ثم يسلم زوجها بعدها، والنكاح بحاله، مثل أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب، فإنها أسلمت قبل العباس بمدة. قال عبد الله بن عباس:كنت أنا وأمي ممن عذر الله بقوله: "إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان" (النساء: 98).

ولما فتح النبي مكة أسلم نساء الطلقاء، وتأخر إسلام جماعة منهم، مثل صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما الشهرين والثلاثة وأكثر، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فرقا بين ما قبل انقضاء العدة وما بعدها، وقد أفتى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأنها ترد إليه وإن طال الزمان. وعكرمة بن أبي جهل قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بعد رجوعه من حصار الطائف وقسم غنائم حنين في ذي القعدة، وكان فتح مكة في رمضان، فهذا نحو ثلاثة أشهر يمكن انقضاء العدة فيها وفيما دونها،فأبقاه على نكاحه ولم يسأل امرأته: هل انقضت عدتك أم لا؟ ولا سأل عن ذلك امرأة واحدة، مع أن كثيرا منهن أسلم بعد مدة يجوز انقضاء العدة فيها، وصفوان بن أمية شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم"حنينا"وهو مشرك، وشهد معه" الطائف"كذلك إلى أن قسم غنائم"حنين" بعد الفتح بقريب من شهرين، فإن مكة فتحت لعشر بقين من رمضان، وغنائم(حنين) قسمت في ذي القعدة، ويجوز انقضاء العدة في مثل هذه المدة.

قال: وبالجملة، فتحديد رد المرأة على زوجها بانقضاء العدة لو كان هو شرعه الذي جاء به، لكان هذا مما يجب بيانه للناس من قبل ذلك الوقت، فإنهم أحوج ما كانوا إلى بيانه، وهذا كله ـ مع حديث زينب ـ يدل على أن المرأة إذا أسلمت وامتنع زوجها من الإسلام، فلها أن تتربص وتنتظر إسلامه، فإذا اختارت أن تقيم منتظرة لإسلامه، فإذا أسلم أقامت معه، فلها ذلك، كما كان النساء يفعلن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كزينب ابنته وغيرها، ولكن لا تمكنه من وطئها، ولا حكم له عليها ولا نفقة ولا قسم؛ والأمـر في ذلك إليها لا إليه، فليس هو في هذه الحال زوجا مالكا لعصمتها من كل وجه، ولا يحتاج إذا أسلم إلى ابتداء عقد يحتاج فيه إلى ولي وشهود ومهر وعقد، بل إسلامه بمنـزلة قبوله للنكاح، وانتظارها بمنزلة الإيجاب.

وسر المسألة أن العقد في هذه المدة جائز لا لازم؛ ولا محذور في ذلك،ولا ضرر على الزوجة فيه، ولا يناقض ذلك شيئا من قواعد الشرع. وأما الرجل إذا أسلم،وامتنعت المشركة أن تسلم، فإمساكه لها يضر بها، ولا مصلحة لها فيه، فإنه إذا لم يقم لها بما تستحقه كان ظالما. فلهذا قال تعالى"ولا تمسكوا بعصم الكوافر" فنهى الرجال أن يستديموا نكاح الكافرة، فإذا أسلم الرجل أمرت امرأته بالإسلام، فإن لم تسلم فرق بينهما.

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:09 AM
من أدلة المعجلين للفرقة:

ومما ذكره العلامة ابن القيم من أدلة للقائلين بتعجيل الفرقة إذا أسلمت المرأة قبل زوجها، أنهم قالوا: قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن، وآتوهم ما أنفقوا، ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن، ولا تمسكوا بعصم الكوافر، واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا، ذلكم حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم" الممتحنة:10.

قالوا: فهذا حكم الله الذي لا يحل لأحد أن يخرج عنه، وقد حرم فيه رجوع المؤمنة إلى الكافر، وصرح سبحانه بإباحة نكاحها؛ولو كانت في عصمة الزوج حتى يسلم في العدة أو بعدها لم يجز نكاحها،لا سيما والمهاجرة تستبرأ بحيضة. وهذا صريح في انقطاع العصمة بالهجرة. وقوله "ولا تمسكوا بعصم الكوفر" صريح في أن المسلم مأمور ألا يمسك عصمة امرأة إذا لم تسلم، فصح أن ساعة وقوع الإسلام منه تنقطع عصمة الكافرة منه. وقوله تعالى: "لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن" صريح في تحريم أحدهما على الآخر في كل وقت. فهذه أربعة أدلة من الآية؛ ودعونا من تلك المنقطعات والمراسيل والآثار المختلفة، ففي كتاب الله الشفاء والعصمة.

رد الآخرين عليهم:

قال الآخرون: مرحبًا وأهلاً وسهلاً بكتاب الله، وسمعًا وطاعة لقول ربنا، ولكن تأولتم الآية على غير تأويلها، ووضعتموها على غير مواضعها، وليس فيها ما يقتضي تعجيل الفرقة إذا سبق أحدهما الآخر، ولا فهم هذا منها أحد قط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من التابعين، ولا يدل على ما ذهبتم إليه أصلاً. أما قوله تعالى: "فلا ترجعوهن إلى الكفار" فإنما يدل على النهي عن رد النساء المهاجرات إلى الله ورسوله إلى الكفار، فأين في هذا ما يقتضي أنها لا تنتظر زوجها حتى يصير مسلمًا مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم ترد إليه؟ ولقد أبعد النجعة كل الإبعاد من فهم هذا من الآية. وكذلك قوله: "لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن" إنما فيه إثبات التحريم بين المسلمين والكفار، وأن أحدهما لا يحل للآخر،وليس فيه أن أحدهما لا يتربص بصاحبه الإسلام فيحل له إذا أسلما. وأما قوله: "ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن"، فهذا خطاب للمسلمين ورفع للحرج عنهم أن ينكحوا المؤمنات المهاجرات إذا بِنّ من أزواجهن وتخلين عنهم. وهذا إنما يكون بعد انقضاء عدة المرأة واختيارها لنفسها. ولا ريب أن المرأة إذا انقضت عدتها تخيّر بين أن تتـزوج من شاءت وبين أن تقيم حتى يسلم زوجها، فترجع إليه إما بالعقد الأول على ما نصرناه، وإما بعقد جديد على قول من يرى انفساخ النكاح بمجرد انقضاء العدة. فلو أنا قلنا: إن المرأة تبقى محبوسة على الزوج، لا نمكنّها أن تتزوج بعد انقضاء العدة، شاءت أم أبت، لكان في الآية حجة علينا، ونحن لم نقل ذلك ولا غيرنا من أهل الإسلام، بل هي أحقّ بنفسها إن شاءت تزوجت وإن شاءت تربصت. فأما قوله تعالى: "ولا تمسكوا بعصم الكوافر"، فإنما تضمّن النهي عن استدامة نكاح المشركة والتمسك بها، وهي مقيمة على شركها وكفرها، وليس فيه النهي عن الانتظار بها أن تسلم ثم يمسك بعصمتها.

فإن قيل: فهو في التربص ممسك بعصمتها، قلنا: ليس كذلك، بل هي متمكنة بعد انقضاء عدتها من مفارقته والتـزوج بغيره؛ ولو كانت العصمة بيده لما أمكنها ذلك.

وأيضًا فالآية إنما دلت على أنّ الرجل إذا أسلم ولم تسلم المرأة، أنه لا يمسكها بل يفارقها، فإذا أسلمت بعده فله أن يمسك بعصمتها، وهو إنما أمسك بعصمة مسلمة لا كافرة.

وأيضًا فإن تحريم النساء المشركات على المؤمنين لم يستفد بهذه الآية، بل كان ثابتًا قبل ذلك بقوله:{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}البقرة:221 وإنما اقتضت هذه الآية حكمه سبحانه بين المؤمنين والكفار في النساء اللاتي يرتدِدْن إلى الكفار واللاتي يهاجرن إلى المسلمين، فإن الشرط كان قد وقع على أنّ من شاء أن يدخل في دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في دين قريش وعهدهم دخل، فهاجر نسوة اخترن الإسلام وارتدّ نسوة اخترن الشرك، فحكم الله أحسن حكم بين الفريقين في هذه الآية، ونهي المسلمين فيها أن يمسكوا بعصمة المرأة التي اختارت الكفر والشرك، فإن ذلك منع لها من التـزوج بمن شاءت وهي في عصمة المسلم، والعهد اقتضى أنّ من جاء من المسلمين، رجالهم ونسائهم، إلى الكفار يقرّ على ذلك، ومن جاء من الكفار إلى المسلمين يردّ إليهم، فإذا جاءت امرأة كافرة إلى المسلمين زالت عصمة نكاحها، وأبيح للمسلمين أن يزوجوها، فإذا فاتت امرأة من المسلمين إلى الكفار فلو بقيت في عصمته ممسكًا لها لكان في ذلك ضرر بها إن لم يمكنها أن تزوَّج، وضرر به إن أمكنها أن تتـزوج وهي في عصمته، فاقتضى حكمه العدل الذي لا أحسن منه تعجيل التفريق بينه وبين المرأة المرتدة أو الكافرة عندهم لتتمكن من التزويج، كما تتمكن المسلمة من التزويج إذا هاجرت، فهذا مقتضى الآية،وهي لا تقتضي أنّ المرأة إذا أسلمت وقعت الفرقة بمجرد إسلامها بينها وبين زوجها، فلو أسلم بعد ذلك لم يكن له عليها سبيل، فينبغي أن تعطى النصوص حقها، والسنة حقها، فلا تعارض بين هذه الآية وبين ما جاءت به السنة بوجه ما، والكل من مشكاة واحدة، يصدق بعضها بعضًا.

قال شيخ الإسلام: "وأما القول بأنه بمجرد إسلام أحد الزوجين المشركين تحصل الفرقة قبل الدخول أو بعده، فهذا قول في غاية الضعف، فإنه خلاف المعلوم المتواتر من شريعة الإسلام، فإنه قد علم أن المسلمين الذين دخلوا في الإسلام كان يسبق بعضهم بعضًا بالتكلم بالشهادتين،فتارة يسلم الرجل وتبقى المرأة مدة ثم تسلم، كما أسلم كثير من نساء قريش وغيرهم قبل الرجال. وروي أن أم سليم امرأة أبي طلحة أسلمت قبل أبي طلحة؛ وتارة يسلم الرجل قبل المرأة ثم تسلم بعده بمدة قريبة أو بعيدة؛ وليس لقائل أن يقول: هذا كان قبل تحريم نكاح المشركين، لوجهين أحدهما أنه لو قدّر تقدّم ذلك فدعوى المدّعي أنّ هذا منسوخ تحتاج إلى دليل؛ الوجه الثاني أن يقال: لقد أسلم الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا بعد نـزول تحريم المشركات، ونـزول النهي عن التمسك بعصم الكوافر، فأسلم الطلقاء بمكة وهم خلق كثير،وأسلم أهل الطائف وهم أهل مدينة، وكان إسلامهم بعد أن حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم ونصب عليهم المنجنيق ولم يفتحها، ثم قسم غنائم حنين بالجعرانة، واعتمر عمرة الجعرانة ثم رجع بالمسلمين إلى المدينة، ثم وفد وفد الطائف فأسلموا، ونساؤهم بالبلد لم يسلمن، ثم رجعوا وأسلم نساؤهم بعد ذلك. فمن قال: إن إسلام أحد الزوجين قبل الآخر يوجب تعجيل الفرقة قبل الدخول أو بعده، فقوله مقطوع بخطئه ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا ممن أسلم: هل دخلت بامرأتك أم لا؟ بل كل من أسلم وأسلمت امرأته بعده فهي امرأته من غير تجديد نكاح، وقد قدم عليه وفود العرب، وكانوا يسلمون ثم يرجعون إلى أهليهم، فيسلم نساؤهم على أيديهم بعد إسلام أزواجهنّ، وبعث عليًا ومعاذًا وأبا موسى إلى اليمن فأسلم على أيديهم من لا يحصيهم إلا الله من الرجال والنساء؛ ومعلوم قطعا أن الرجل كان يأتيهم فيسلم قبل امرأته، والمرأة تأتيهم فتسلم قبل الرجل، ولم يقولوا لأحد: ليكن تلفظك وتلفظ امرأتك بالإسلام في آن واحد، لئلا ينفسخ النكاح، ولم يفرقوا بين من دخل بامرأته وبين من لم يدخل، ولا حدُّوا ذلك بثلاثة قروء، ثم يقع الفسخ بعدها، بل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ـ وقد باشر ذلك بنفسه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي غيبته عنه ـ قد قال:" هو أحق بها ما لم تخرج من مصرها"؛ وفي رواية عنه: " ما لم تخرج من دار هجرتها"،ولم يعجل الفرقة، ولا حدها بثلاثة قروء؛ وفي قضية زينب الشفاء والعصمة.

وكانت سنّته صلى الله عليه وسلم أنه يجمع بين الزوجين إذا أسلم أحدهما قبل الآخر وتراضيا ببقائهما على النكاح، لا يفرق بينهما ولا يحوجهما إلى عقد جديد؛ فإذا أسلمت المرأة أولاً فلها أن تتربص بإسلام زوجها، أي وقت أسلم فهي امرأته، وإذا أسلم الرجل فليس له أن يحبس المرأة على نفسه ويمسك بعصمتها، فلا يكرهها على الإسلام ولا يحبسها على نفسه، فلا يظلمها في الدين ولا في النكاح، بل إن اختارت هي أن تتربص بإسلامه تربصت، طالت المدة أو قصرت؛ وإن اختارت أن تتـزوج غيره بعد انقضاء عدتها فلها ذلك، والعدة ههنا لحفظ ماء الزوج الأول، وأيهما أسلم في العدة أو بعدها فالنكاح بحاله، إلا أن يختار الرجل الطلاق فيطلق كما طلق عمر رضي الله عنه امرأتين له مشركتين لما أنزل الله تعالى:{ولا تمسكوا بعصم الكوافر}؛ أو تختار المرأة أن تزوّج بعد استبرائها، فلها ذلك.

وأيضًا فإن في هذا تنفيرًا عن الإسلام، فإن المرأة إذا علمت أو الزوج أنه بمجرد الإسلام يزول النكاح ويفارق من يحب، ولم يبق له عليها سبيل إلا برضاها ورضا وليّها ومهر جديد، نفر عن الدخول في الإسلام، بخلاف ما إذا علم كل منهما أنه متى أسلم فالنكاح بحاله، ولا فراق بينهما إلا أن يختار هو المفارقة، كان في ذلك من الترغيب في الإسلام ومحبته ما هو أدعى إلى الدخول فيه.

وأيضا فبقاء مجرد العقد جائزًا غير لازم من غير تمكين من الوطء خير محض ومصلحة بلا مفسدة، فإن المفسدة إما بابتداء استيلاء الكافر على المسلمة، فهذا لا يجوز كابتداء نكاحه للمسلمة، وإن لم يكن فيه وطء، كما لا يجوز استيلاؤه بالاسترقاق؛ وإما بالوطء بعد إسلامها، وهذا لا يجوز أيضًا فصار إبقاء النكاح جائزًا فيه مصلحة راجحة للزوجين في الدين والدنيا من غير مفسدة، وما كان هكذا فإن الشريعة لا تاتي بتحريمه. انتهى.

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:09 AM
تعقيب على تحقيق الإمام ابن القيم:

كان ما ذكره ابن القيم (فتحا) في المسألة، التي كنا نحسبها من مسائل الإجماع، بل نعتبره إجماعا نظريا من أئمة المذاهب الفقهية، مقترنا بالعمل المستمر من جانب الأمة الإسلامية، والإجماع إذا اقترن بالعمل ازداد قوة ورسوخا.

ثم تبين لي أن هذا الإجماع صحيح وثابت بالنظر إلى تزويج المسلمة بغير المسلم ابتداء، فهذا حرام مقطوع به، ولم يقل به فقيه قط، لا من المذاهب الأربعة، أو الثمانية، أو من خارج المذاهب، فهو إجماع نظري وعملي منا، وهو ثابت ومستقر بيقين.

أما الذي ذكر المحقق ابن القيم فيه الخلاف، فهو فيما إذا كانت المرأة غير المسلمة متزوجة أصلا من غير مسلم، وشرح الله صدرها للإسلام، فأسلمت، ولم يسلم زوجها، فهذه هي التي حدث فيها الخلاف، وذكر ابن القيم هذه الأقوال التسعة.

وهذا ما دفعني إلى أن أرجع إلى المصادر الأساسية التي استمد منها ابن القيم هذه الأقوال، وهي الأصول و المصنفات التي عنيت بنقل أقوال الصحابة رضي الله عنهم وتابعيهم بإحسان، وتلاميذهم من سلف الأمة، في خير القرون، المفضلة بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".

وهذه الأصول مثل مصنف عبد الرزاق الصنعاني (ت211هـ) ومصنف ابن أبي شيبة (ت235هـ) ومؤلفات أبي جعفر الطحاوي(321هـ) والسنن الكبرى للبيهقي (ت456هـ).

روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن علي رضي الله عنه في شأن امرأة اليهودي أو النصراني إذا أسلمت، كان أحق ببضعها، لأن له عهدا.

وفي رواية أخرى عند ابن أبي شيبة عنه: هو أحق بها ما داما في دار الهجرة. يعني في دار هجرتها.

وروى عبد الرزاق بسنده عنه قال: هو أحق بها لم يخرجها من مصرها.

وروى بسنده عن الحكم: أن هانئ بن قبيصة الشيباني ـ وكان نصرانيا ـ كان عنده أربع نسوة، فأسلمن، فكتب عمر بن الخطاب: أن يقررن عنده.

وهذا واضح في أن عمر رضي الله عنه يجيز للمرأة أن تقر عند زوجها.

وروى أيضا بسنده عن عبد الله بن يزيد الخطمي، أن عمر كتب: يخيرن.

وروى هذه القصة عبد الرزاق عن الخطمي قال: أسلمت امرأة من أهل الحيرة، ولم يسلم زوجها، فكتب فيها عمر بن الخطاب: أن خيروها، فإن شاءت فارقته، وإن شاءت قرت عنده.

ومعناها:أ،ه وكل الأمر إلى اختيار المرأة، إن شاءت بقيت عند زوجها، وإن شاءت انفصلت عنه.

ومثله ما رواه ابن أبي شيبة بسنده عن الحسن: أن نصرانية أسلمت تحت نصراني، فأرادوا أن ينزعوها منه، فرجعوا إلى عمر فخيرها.

وروى ابن أبي شيبة بسنده أيضا عن إبراهيم (النخعي) قال: يقران على نكاحهما.

وروى عنه عبد الرزاق بسنده قال: هو أحق بها ما لم يخرجها من دار هجرتها.

وهذا هو نفس ما روي عن علي رضي الله عنه.

وروي عن الشعبي قال: هو أحق بها ماكانت في المصر ( أي في مصرها).

فهذا قول علي رضي الله عنه لم يختلف عنه: أن الرجل الكتابي (من يهودي أو نصراني) أحق بزجته إذا أسلمت، ما لم يخرجها من مصرها، أو من دار هجرتها، وجاء في بعض الروايات: لأن له عهدا. يقصد: عهد الذمة.

وقول عمر رضي الله عنه في أكثر من رواية: أن المرأة تقر عند زوجها، أو تخير بين بقائها وبين تركه ومفارقته.

ولم يخالف ذلك إلا رواية عن عمر في قصة الرجل التغلبي الذي عرض عليه الإسلام، فأبى، وانتزع منه امرأته. وفي بعض الروايات: أنه قال لعمر: لم أدَعْ هذا إلا استحياء من العرب أن يقولوا: إنما أسلم على بضع امرأة! ففرق عمر بينهما.

ولعل هذا من عمر رضي الله عنه يدلنا على أن الإمام أو القاضي لديه فسحة في مثل هذا الأمر، فيمكنه أن يقر المرأة عند زوجها أو يخيرها، أو يفرق بينهما إن رأى في ذلك المصلحة. وخصوصا إذا رفعت إليه القضية، كما في هذه الواقعة.

ولعل هذا من عمر أيضا يؤيد قول ابن شهاب الزهري: هما على نكاحهما، ما لم يفرق بينهما سلطان.

وقد أكد قول علي ما جاء عن الشعبي وإبراهيم، من أئمة التابعين.

وقفة ابن القيم:

ورغم أن المحقق ابن القيم رحمه الله وعد بأن ينظر في مآخذ هذه الأقوال أو المذاهب التسعة التي ذكرها وما فيها من قوي وضعيف، فإنه لم يف بوعده، ولم ينظر فيها كلها، بل ركز على القول السادس الذي نصره ـ ونصره شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية،وهي أن المرأة تقيم مع زوجها، وتنتظر إسلامه، ولا تمكنه من نفسها، ولو مكثت معه سنين، وأطال في تأييد هذا القول، ونسي الأقوال الثلاثة الأخرى.

واختيار ابن القيم وشيخه: له وزنه ووجهته وأدلته، ولكن تظل منه مشكلة عملية، وهي أن تبقى المرأة مع زوجها تنتظر إسلامه، ولو مكثت سنين، ولكن لا تمكنه من نفسها، فهل يصبر كل منهما على هذه الحالة، وخصوصا إذا كانا شابين؟

قول الإمام على رضي الله عنه:

وكنت أود أن يعرض العلامة ابن القيم لرأي الإمام علي كرم الله وجهه، الذي ذكره عنه، وهو قوله عن المرأة تسلم قبل زوجها: هو أملك ببضعها ما دامت في دار هجرتها. وفي رواية أخرى: هو أحق بها ما لم تخرج من مصرها.

وعلي رضي الله عنه قد بعثه رسول الله إلى اليمن في حياته، وتولى الخلافة بعد عثمان، ولا بد أن يكون قد باشر ذلك بنفسه. فحكمه في هذه القضية، فيه معنى الفتوى ومعنى القضاء معا.

وكأني ألمح في حكمه رضي الله عنه استنادا إلى الآية الكريمة من سورة (الممتحنة) حيث قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم، ولا هم يحلون لهن}[الممتحنة:10]

والمؤمنون مطالبون ـ وفق هذه الآية ـ إذا جاءهم المؤمنات مهاجرات، وعلموا صدق إيمانهن: ألا يرجعوهن إلى الكفار، فيعرضوهن للفتنة في دينهن، ولكن إذا بقيت المرأة في دارها لم تغادرها إلى دار الإسلام، وأقامت مع زوجها، فهي امرأته. وكأن هذا ما استند إليه علي كرم الله وجهه.

وفي رأيي أن هذا قول وجيه، ترجحه حاجة المسلمات الجديدات إلى بقائهن مع أزواجهن، ولا سيما إذا كن يرتجين إسلامهم، وخصوصا إذا كان لهن منهم أولاد يخشى تشتيتهم وضياعهم.

ومما نذكره هنا: أن القضية التي اعتمد عليها ابن القيم وشيخه ابن تيمية فيما روي عن عمر، ظاهرها ليس معهما، فما رواه عبد الله بن يزيد الحطمي رضي الله عنه: أن نصرانيا أسلمت امرأته، فخيرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت عليه.

ظاهر هذه الرواية أنه أجاز لها أن تقيم عليه، وهذا يقتضي أن تجوز معاشرته لها، ولكن الإمام ابن القيم رحمه الله أوَّل هذا الظاهر، وقال: وليس معناه أنها تقيم تحته، وهو نصراني، بل تنتظر وتتربص.فلو أن مجتهدًا أخذ بظاهر قول عمر،لم يكن عليه من حرج. ولعل هذا أصل ما ورد عن الزهري ـ وهو القول الثامن ـ أنه قال: إن أسلمت ولم يسلم زوجها، فهما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان.

وهذا تيسير عظيم للمسلمات الجدد، وإن كان يشق على الكثيرين، لأنه خلاف ما ألفوه وتوارثوه، ولكن من المقرر المعلوم: أنه يغتفر في البقاء، ما لا يغتفر في الابتداء.

فنحن منهيون ابتداء أن نزوج المرأة لكافر،كما قال تعالى:{ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} [البقرة:221].

وهذا مما لا يجوز التهاون فيه، فلا نزوج مسلمة ابتداء لغير مسلم.

ولكن نحن هنا لم نزوجها، بل وجدناها متزوجة قبل أن تدخل في ديننا، ويحكم عليها شرعنا، وهنا يختلف الأمر في البقاء عنه في الابتداء.

فلدينا إذن قولان معتبران يمكن لأهل الفتوى الاستناد إليهما لعلاج هذه المشكلة التي قد تقف عقبة في سبيل دخول الكثيرات في الإسلام.

القول الأول: هو قول سيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه، وهو: أن زوجها أحق بها ما لم تخرج من مصرها. وهنا نجد المرأة باقية في وطنها ومصرها ولم تهاجر منه، لا إلى دار الإسلام ولا غيرها.

والقول الثاني: هو قول الزهري: إنهما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان، أي ما لم يصدر حكم قضائي بالتفريق بينهما.

ويسند هذا القول ظاهر ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه خير زوجة النصراني حين أسلمت بين فراقه وإقامتها عليه.

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا اجتنابه، آمين.

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:10 AM
المطعني: المسألة خارج نطاق الاجتهاد المعاصر





د. عبد العظيم المطعني

الأستاذ الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي، عالم لا يُشق له غبار، وثقة لا يرقى إليه شك، ومجاهد كبير يُضرب بجهاده المثل، وصوته في مجال الدعوة محليًا وعالميًا عالٍ لا يخفت. ونتاجه العلمي المستنير افترش مساحات واسعة المدى على مسرح الدعوة وبخاصة في مستجدات الحياة، وما عهدنا لعالم معاصر ما عهدناه له من غزارة العلم، وكثرة المؤلفات. ونحن -منذ كنا طلابًا للعلم في ساحة الأزهر، وحتى الآن- نحبه، ونقدره، ونُكنُّ له كل احترام، وهو أهل لهذا كله. سدد الله خطانا وخطاه في خدمة الدعوة، والذود عن حياض الإسلام، في زمن كثر فيه خصوم الإسلام، وقل ناصروه.

وقد قرأت مؤخرًا بحثًا علميًا فقهيًا ألقاه في أحد المؤتمرات الإسلامية، وقد كتب سعادته هذا البحث، إجابة على سؤال كان قد عُرض عليه، وهو السؤال الذي أورده هذا الملف في الورقة الأولى الخاصة بالدكتور يوسف القرضاوي.

وقد نهج فضيلة الأستاذ الدكتور القرضاوي في الإجابة على هذا السؤال المنهج الآتي:

- مقدمة وجيزة لم يبين فيها رأيه، ولكن أشار إلى أنه كان يُفتَى من قبل بوجوب فورية فراق المرأة إذا أسلمت ولم يُسلم زوجها.

- نقل تسعة أقوال ذكرها الإمام ابن قيم الجوزية في هذه المسألة، في كتابه "أحكام أهل الذمة".

- خاتمة بيّن فيها رأيه الخاص اعتمادًا على بعض الآراء التي ذكرها ابن القيم.

تحليل محتوى الفتــوى:

من خلال فحص نص فتوى الدكتور يوسف القرضاوي نجد أن سبعة من الأقوال التي ذكرها الإمام ابن القيم لا تنصر فتوى الشيخ الجليل يوسف القرضاوي، ولم نقل هذا الكلام من فراغ، بل من النظر الدقيق في تلك الأقوال.

ويؤيده ما قلناه أن فضيلة الشيخ القرضاوي لم يستند في فتواه إلا على القولين الباقيين من الأقوال التسعة المتقدم ذكرها، وهما ما نسب إلى الإمام علي رضي الله عنه، وما نسب إلى الإمام المحدث الزهري، وقد علمنا من خلال عرض ورقة د. يوسف القرضاوي ما في هذين القولين اللذين اعتمدها العلامة يوسف القرضاوي في فتواه، وها نحن نذكر نص الفتوى كما ورد في البحث الصادر عنه:

فلدينا –إذن– قولان معتبران يمكن لأهل الفتوى الاستناد إليهما لعلاج هذه المشكلة التي قد تقف عقبة في سبيل دخول الكثيرات من النساء الغربيات في الإسلام:

القول الأول: هو قول سيدنا علي رضي الله عنه، وهو أن زوجها أحق بها ما لم تخرج من مصرها، وهنا نجد المرأة الباقية في وطنها ومصرها ولم تهاجر منه لا إلى دار الإسلام ولا غيرها.

القول الثاني: هو قول ظاهر ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه خيَّر زوجة النصراني حين أسلمت بين فراقه وإقامتها عليه.

هذا هو نص الفتوى نقلناه عن الشيخ القرضاوي.

منهج النظر إلى فتوى الدكتور القرضاوي

ولنا -إضافة إلى ما تقدم- تعقيب مهم على هذه الفتوى ذو شقين.

الشق الأول تجاهل غالبية أقوال ابن القيم:

فالفتوى لم تأخذ في اعتبارها دلالات الأقوال السبعة الأولى التي أوردها ابن القيم، وهي معزوة إلى جمع عظيم من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة الكبار: (أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد) -رضي الله عنهم أجمعين-، ومخالفة هؤلاء من العسير جدا قبولها.

الشق الثاني: عرض الفتوى على كتاب الله:

إذا عرضنا هذه الفتوى على كتاب الله وجدناها مخالفة لنصيْن محكميْن وردا في كتاب الله العزيز الذي هو المصدر الأول للتشريع في الإسلام.

النص الأول قوله تعالى: "وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" (البقرة: 221).

في هذه الآية حكم باتٌّ بتحريم نكاح المسلم لغير المسلمة، وتحريم نكاح غير المسلم للمسلمة، والدلالة على التحريم في الموضعين قطعية لا ظنية مثل النصوص الدالة عليها.

إلا أن الله عز وجل استثنى الكتابيات (اليهوديات والنصرانيات) فأباح للمسلم نكاحهن.

أما نكاح غير المسلم للمسلمة فهذا باق على إطلاقه أبد الآبدين، واستثناء الكتابيات ورد في المائدة الآية 5 قال تعالى: "الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ".

وقد حكى المفسرون أن الإجماع قائم بين الأمة على تحريم نكاح المشرك للمسلمة؛ منهم الإمام القرطبي في تفسيره "أحكام القرآن"، وابن عطية في تفسيره "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" جـ 2 ص 2179 وعبارته في ذلك: "أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على دين الإسلام"، ومنهم الإمام أبو حيان في تفسير "البحر المحيط" جـ 2 ص 164 وما بعدها.

وقد أسهب القول في موجبات هذا التحريم لما يمكن أن تتأثر المرأة من طباع زوجها غير المسلم وإخراجها من بيئتها الإسلامية إلى بيئته غير الإسلامية، وانتقالاتها إلى قوم زوجها غير المسلم وانتساب أبنائها إليه وإلى دينه لقوة تأثير الرجل عليها ودعوته إياها إلى الكفر إما بالقول وإما بالفعل.

وشاركه في هذا الإمام الشهيد سيد قطب في تفسيره "في ظلال القرآن"، ومنهم الإمام الشوكاني في تفسيره فتح القدير، وخاتم المفسرين حتى الآن العلامة الطاهر بن عاشور في تفسيره الموسوعي بحق (التحرير والتنوير) وهو عالم أصولي فقيه. لم نرَ أحدًا من مفسري كتاب الله -لا قديمًا ولا حديثًا- ترخص في هذه الأحكام القطعية الدلالة والثبوت، كما نرى القرآن نفسه يسد كل الطرق المؤدية إلى هذا الترخص، حيث يقول في الجزم بإلزام الأمة بهذا الحكم: "وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ" هكذا أوصد القرآن الباب، وأحكم إغلاقه؛ فما على الأمة إذن إلا أن تقول: "سمعنا وأطعنا"

ثم زاد المسألة وضوحًا فقال: "أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ" وقد أفاض جميع المفسرين في بيان هذه الجملة، وهي صالحة لأن تكون "علة الحكم بالتحريم" كما تصلح أن تكون حكمة التشريع فيه. وإن كنا نرجح أنها حكمة تشريع لا علة حكم. وسيأتي قريبًا بيان هذا.

أما النص المحكم الثاني الذي ورد في كتاب الله وخالفته الفتوى موضوع الدراسة، فهو قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنْفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" (الممتحنة: 10).

هذه الآية بعد التفصيلات الدقيقة الفقهية التي وردت فيها اشتركت مع آية البقرة السابقة "ولا تنكحوا" في حكمين شرعيين واجبي الامتثال:

الأول: تحريم نكاح المشركات على الرجال المسلمين.

الثاني: تحريم نكاح المسلمات على الرجال غير المسلمين، فالآيتان يعضد بعضهما بعضًا؛ لأن قوله تعالى "فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ"، معناه معنى قوله تعالى "وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا"، وقوله تعالى: "وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ" معناه معنى قوله تعالى: "وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ" وقد بين الله تعالى في هذه الآية علة حكم تحريم نكاح المسلمات لغير المسلم فقال: "لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" أي هن محرمات على الكفار، والكفار محرمون عليهن. هذه هي علة الحكم قطعًا، ولذلك – قلنا من قبل: إن قوله تعالى "أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ" حكمة تشريع لا علة حكم، ومعلوم أن علة الحكم تكون سابقة عليه في الوجود، ومنشئة له، ولولاها ما كان الحكم. أما حكمة تشريع الحكم، فهي لاحقة لعلته في الوجود، وثمرة طيبة لتطبيقه عمليًا. فالسفر علة حكم قصر الصلاة الرباعية ركعتين، وعلة حكم إباحة الفطر في نهار شهر رمضان، أما حكمة التشريع فيهما معًا فهي رفع المشقة عن المسافر.

وكذلك تحريم نكاح المسلمة على غير المسلمة. هي علة ذلك الحكم، أما وقاية المسلمة من الفتنة في دينها إذا تزوجت غير مسلم، فهي حكمة تشريع ذلك الحكم، وثمرة طيبة لتطبيقه عمليًا.

وقد نص فريق من المفسرين على أن "عدم الحلية" هي علة حكم نهي الله للمؤمنين عن إرجاع المؤمنات إلى الكفار، أي إلى من كانوا أزواجًا لهن قبل إسلامهن وليس المراد من هذا النهي عدم إرجاعهن إلى عموم معنى الكفار، أي بيئات الكفر، بل المراد عدم إرجاعهن إلى أزواجهن منكم خاصة، بدليل قوله تعالى: "لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" وإن كان النهي العام مرادًا، فهو مراد بالتبعية، لا أصالة؛ لأن سلطان الزوج على زوجته أشهر خطرًا.

يقول صاحب المحرر الوجيز (ابن عطية) في تفسيره: "أمر الله تعالى أن يُؤتى الكفار مهور نسائهم اللاتي هاجرن مؤمنات، ورفع الجناح من أن يتزوجن بصدقات هي أجورهن" (جـ 15 ص493).

وقال: "وحكم الله أن المهاجرة لا تُرد إلى الكفار بل تبقى تستبرئ وتتزوج ويُعطى زوجها الكافر الصداق الذي أنفقه" المصدر نفسه (ص492)

ونص صاحب البحر المحيط (أبو حيان) في تفسيره هذا على أن "لا هن حل لهم.." هي علة الحكم، ولا نريد أن نطيل بذكر أقوال المفسرين، سواء كانوا مفسرين لكل القرآن، أم لآيات الأحكام فيه، مثل ابن العربي والجصاص، وإنما نتودد إلى القارئ أن يرجع إلى ما شاء منها في تفسير آيتي البقرة والممتحنة؛ لأن ما ذكروه تصعب الإحاطة به هنا.

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:10 AM
ومضات مضيئة من سورة الممتحنة:

وفي آية سورة الممتحنة ومضات مضيئة نذكرها وكلنا أمل في أن تقع في نفس شيخنا القرضاوي وفي علمه موقعها من حيث التقدير الجديرة به.

الومضة الأولى: "وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنْكِحُوهُنَّ" أليس في هذه العبارة إشارة واضحة على أن المؤمنات المهاجرات، عقب نهي الله المؤمنين عن إرجاعهن إلى أزواجهن الكفار أصبحن خاليات من موانع الزواج بهن من المؤمنين؟ هذا حق لا ريب فيه، معناه أن العصمة الزوجية التي كانت بينهن وبين أزواجهن الكفار قد زالت في الحال، وإلا لما أباح الله للمؤمنين أن يتزوجوهن لو كن في عصمة أزواجهن السابقين؛ فما هو رأي شيخنا الجليل في هذا البيان الإلهي المتضمن حكمًا شرعيًا نص الله عليه في عبارة محكمة لا تتحمل التأويل؟

الومضة الثانية: "لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ" حيث آثر القرآن التعبير بالاسم "حل" دون الفعل "يحللن"، والتعبير بالاسم –كما يعلم الشيخ الجليل- يفيد الثبوت والدوام والقطع؛ لذلك قال علماؤنا: "لا يطأ الكافر المسلمة بوجه" يريدون تحريم وطئها عليه تحريمًا جازمًا صارمًا مطلقًا، وقال في الحديث عن الكفار: "وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" فعبر بالفعل دون الاسم؛ لأن الكافر إذا أسلم يحل لهم نكاح المسلمة. وفي هذا ترغيب لهم في الإسلام.

ومرة أخرى: ما هو رأي شيخنا القرضاوي في هذه اللمحات الإلهية الموحية؟

الومضة الثالثة: بعد أن فصل الله هذه الأحكام قال: "ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" وهذا نص محكم مفخم بـ "ذلكم" دون "ذلك" يرسخ في وجدان الأمة أن ما تقدم هو حكم الله لا حكم غيره. والمشار إليه بـ"ذلكم" في هذه الآية الحكيمة هو الآتي:

أ - منع إرجاع المؤمنات إلى أزواجهن الكفار منعًا باتًا.

ب - تحريم نكاح المؤمنات على الكفار ما لم يؤمنوا.

جـ – إباحة التزوج بهن من المؤمنين عقب منعهن من العودة إلى الكفار.

د - نهي المؤمنين عن نكاح "الكوافر" من غير أهل الكتاب.

هـ - تعويض الأزواج الكفار عما أنفقوه من مهور على زوجاتهم اللاتي أسلمن، وحرم الله عودتهن إليهم.

و - مطالبة الكفار بمهور اللاتي رجعن عن الإسلام إلى دار الكفر بالمهور التي كنَّ قد تقاضينها من أزواجهن الذين آمنوا، وهن أربع نساء: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد، وفاطمة بن أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب، وعبدة بنت عبد العزى كانت تحت هشام بن العاص، وأم كلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر كذلك. (المحرر الوجيز لابن عطية: 15 ص 493).

هذه أحكام الله -عز وجل- التي تضمنتها هذه الآية الحكيمة؛ فهل يرى شيخنا الجليل جواز مخالفة حكم الله عز وجل؟ كلا، لم يرَ، ولن يرى جواز هذه المخالفة. وجل من لا يسهو ولا ينسى.

إن من أظهر أحكام الله في هذه الآية هو أن إسلام المرأة مع بقاء زوجها على ملته أن عرى النكاح تنحل بينهما في الحال دون انتظار أي شيء آخر، وإذا أسلم في زمن -طال أو قصر بعد إسلامها-، وأراد العودة إليها؛ فعليه أن يعقد عليها عقدًا جديدًا، ما لم تكن قد تزوجت بغيره، فإن نازعه فيها منازع فهو أحق بها، لما كان بينهما من عشرة، أو أولاد.

ولذا، كان حريًا بعلمائنا أن يخرجوا هذه المسألة من دائرة الاجتهاد؛ لأنها لها حكم معلوم مقرر في كتاب الله العزيز.

بيد أننا وجدنا شيخنا القرضاوي يلتمس لها مدخلاً في دائرة الاجتهاد، فقد قال: إن النهي الوارد في سورة البقرة: "وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا" مقصور على تزويج المسلمة بغير مسلم ابتداء؛ فهذا حرام بالإجماع. أما النساء الغربيات اللاتي يسلمن دون أزواجهن فنحن لم نزوجهن ابتداء، وإنما وجدناهن متزوجات، والفرق كبير بين الحالتين؛ لذلك أدخلها في دائرة الاجتهاد، وأصدر فيها فتواه المذكورة.

استدراك على الدكتور القرضـاوي:

ذاك هو اجتهاد الشيخ الجليل في التفرقة بين أن تزوج مسلمة لغير مسلم ابتداء، وبين من نجدهما متزوجيْن وقت لم يكونا فيه مسلمين، ثم أسلمت الزوجة دون زوجها، ونحن نختلف مع فضيلة الشيخ القرضاوي في هذا الاجتهاد الذي أثمر تلك التفرقة في الحكم الشرعي، ونحتكم إلى القرآن الحكيم، وننظر فيه: هل فرَّق بين الحالتين أم سوَّى بينهما؟ ولا أرانا محتاجين إلى طول كلام؛ فالمسألة محسومة في كتاب الله العزيز. فتزويج المسلمة لغير مسلم –ابتداء- لا يجوز بأي وجه، وقوله تعالى في سورة البقرة: "وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا" دليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، في تحريم نكاح المسلمات على غير المسلمين.

وقوله تعالى في سورة الممتحنة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنْفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ" تقدم الحديث عن هذه الآية، والجديد الذي نقوله فيها ـ هنا ـ هو أن القرآن وجد نساء الكفار اللاتي هاجرن مؤمنات، وجدهن متزوجات بالكفار فأسلمن هن ولم يسلموا هم، ومع ذلك حكم الله في هذه الآية بما يأتي:

أولاً: التفرقة الفورية بينهن وبين أزواجهن الكفار "فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ".

ثانيًا: إباحة نكاحهن للمسلمين ومعنى هذا:

أنهن أصبحن -بمجرد إعلانهن إسلامهن- خاليات من الموانع الشرعية من زواج جديد.

لم تترك الآية أي احتمال بجواز أن تنتظر هؤلاء الزوجات اللاتي أسلمن إسلام أزواجهن، وهو أمر -أعني حدوث إسلام أزواجهن- محتمل.

إذن فالعلاقات الزوجية التي كانت قائمة بين هؤلاء اللاتي أسلمن، وبين أزواجهن قبل إسلامهن قد قضى القرآن بالفرقة فيها قولاً واحدًا.

وهنا نقول للشيخ الجليل يوسف القرضاوي: هل ترى فرقًا بعد هذا بين حالة نساء الكفار اللاتي أسلمن دون أزواجهن، وبين النساء اللاتي يسلمن الآن -في الغرب أو في الشرق- دون أزواجهن؟ لقد علمناك غيورًا على الحق، ولذلك فإننا نطمع أن تجد هذه الدراسة لديك صدرًا رحبًا، ورأيا شجاعًا.

وإن كنت لا تزال ترى فرقًا بين هاتين الحالتين فإننا نطمع أن نجد لديك ما يفقهنا بذلك الفرق؛ فنحن وأنت طلاب حق، ولن يفرق بيننا باطل أبدًا بإذن الله.

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:11 AM
تعقيبات على كلام ابن القيم:

نقل الشيخ الجليل يوسف القرضاوي في البحث الذي مهد به للفتوى -موضوع الدراسة- تعليقات للإمام ابن قيم الجوزية على بعض الأقوال التسعة التي ذكرها في مسألة المرأة التي تُسلم دون زوجها وبعد قراءتنا لتلك التعليقات بتأنٍ بدا لنا أنها تستحق وقفة ناقدة تبين ما فيها من قوة أو ضعف.

والجدير بالاهتمام ما كتبه الإمام ابن القيم حول القول بأن القاضي يوجب التفريق الفوري بين المرأة التي تُسلم دون زوجها، بمجرد إعلان إسلامها، وأن الزوج صار أجنبيا عنها سواء ظل على عقيدته المخالفة للإسلام، أم أسلم بعدها ولو بزمن قصير.

ووجَّه ابن القيم إلى هذا المذهب عدة طعون؛ أولها قوله: "لا تعلم أحدًا من الصحابة قال به ألبتة" قال هذا مع أنه ذكر عند حكاية هذا القول –المذهب الأول من المذاهب التسعة – أن أبا محمد بن حزم نسبه إلى عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم جميعاً. لكنه عاد هنا وقال: "لا نعلم أحدًا من الصحابة قال به ألبتة". واتهم ابن حزم بالقصور في الفهم فقال: "وما حكاه أبو محمد بن حزم عن عمر وجابر وابن عباس، فبحسب ما فهمه من آثار رويت عنهم مطلقة ونحن نذكرها". وقال شعبة: "أخبرني أبو إسحق الشيباني قال: سمعت يزيد بن علقمة يقول: "إن جده وجدته كانا نصرانييْن، فأسلمت جدته، ففرق عمر بن الخطاب بينهما". ولم يطعن ابن القيم في هذه الرواية بالتزوير، وإنما لجأ إلى تأويلها فقال: "وليس في هذا دليل على تعجيل الفرقة مطلقًا بنفس الإسلام؛ فلعله لم يكن دخل بها؟ ولعله فرَّق بعد انقضاء العدة، أو لعلها اختارت الفسخ دون انتظار إسلامه، أو لعل هذا مذهب من يرى أن النكاح باقٍ حتى يفسخه السلطان"؟

فانظر كم تردد الإمام في الاحتمالات التي أراد أن يرد بها هذه الرواية، مع ملاحظة مهمة -نركز على أخذها في الاعتبار-، وهي أن هذه المحاولات التي تردد في تصورها لم يوجهها لأصل الرواية، وإنما سلَّطها على "المتن"، ومعنى هذا أن الإمام ابن القيم قد سلم بصحة الرواية، واجتهد في فهم المراد من النص.

وذكر ابن القيم روايتين أُخرييْن عن عمر بن الخطاب؛ في إحداهما أن عمر خيّر المرأة التي أسلمت دون زوجها بين أن تقوم عليه وبين أن تفارقه.

ومن الثانية أنه قال للزوج الذي لم يُسلم: إما أن تسلم، وإما أن ننزعها منك. فأبى الزوج أن يسلم؛ فنزعها منه.

ثم رجح ابن القيم رواية التخيير على رواية الانتزاع والتفريق، وقال: إن رواية التفريق غلط على عمر بن الخطاب؟

وكان المتوقع من الإمام ابن القيم أن يقول: إن رواية التخيير هي الغلط على عمر بن الخطاب، لا رواية التفريق؛ لأن رواية التفريق هي الموافقة لكتاب الله -عز وجل- بصريح ما ورد فيه: "فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ" هذا وجه.

والوجه الثاني رواية التخيير تجعل الأمر أمر المرأة لا حكم الله وشرعه، ويلزم عليه أن المرأة التي أسلمت دون زوجها إن اختارت المقام عنده كان المقام حلالاً وإن اختارت الفرقة كانت الفرقة هي الحلال؟

وفي نفس الوقت لا نقيم وزنا للحكم الذي قضى به الله – عز وجل – في قوله تعالى: "لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ".. وهل كان هذا الحكم غائبًا عن عمر – رضي الله عنه – حتى يجعل الحل والحرمة بيد المرأة التي أسلمت دون زوجها لا بيد الله عز وجل؟! كيف يجعل عمر بن الخطاب الشديد النصرة للحق لأحد اختيارًا مع قضاء الله ورسوله، وهو لا يغيب عنه قوله تعالى: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا" (الأحزاب: 36).

واستدل ابن القيم على توهين المذهب الأول بما يأتي: " قال مالك: قال ابن شهاب: كان بين إسلام صفوان بن أمية، وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر، أسلمت يوم الفتح، وبقي صفوان حتى شهد حنينًا والطائف وهو كافر، ثم أسلم، فلم يفرق النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهما، واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح".

وهذا الأثر لا يصح دليلا على موضوع الفتوى ببقاء المرأة إذا أسلمت دون زوجها، في حوزة الزوج غير المسلم، ولكنه إذا صح يُستدل به على سريان عقد النكاح القديم إذا أسلم الزوج في وقت قريب بعد إسلام الزوجة.

كما يرد هذا الأثر من وجهين آخرين:

أحدهما: أن عدم تفريق النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهما قبل إسلام زوجها صفوان؛ لأنها كانت في دار الكفر، ولم تكن في دار الإسلام، فلم يكن لغير زوجها سلطان عليها.

الثاني: أن ابن القيم نفسه نقل تعليقًا للإمام المحدث ابن عبد البر على هذا الأثر قال فيه: "قال ابن عبد البر: وشهرة هذا الحديث أقوى من سنده".

وهذه العبارة من خبير بعلوم الحديث توحي بأن هذا الأثر "معلول" لأن الشهرة قد ينالها الحديث الموضوع فهي -مع نزول السند وضعفه- من العلل القادحة، والعالمان الجليلان (ابن القيم والقرضاوي) لا يخفى عليهما هذا الشأن، ومثل هذا الأثر ما ذكره ابن القيم من قوله: "وقال الزهري: أسلمت أم حكيم يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة إلى اليمن، فارتحلت حتى قدمت عليه اليمن، فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم وبايع النبي -صلى الله عليه وسلم- فثبتَا على نكاحهما".

فليس في هذا الأثر جواز بقاء الزوجة، إذا أسلمت عند زوجها غير المسلم، بل يُستدل به على إقرارهما على نكاحهما الأول إذا أسلم قريبًا من إسلامها.

أما ما ذكر ابن القيم عن ابن شبرمة من قوله: "كان الناس على عهد رسول -صلى الله عليه وسلم- يسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل فأيهما أسلم قبل انقضاء العدة فهي امرأته فإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما".

فهو مثل ما تقدم عن مالك عن ابن شهاب، وعن الزهري، فيه دليل على صحة العقد الأول ما لم تنقضِ العدة.

ونحن لا ننازع الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي في صلاحية عقد النكاح الأول للاستمرار؛ بل في إباحة إقامة المرأة إذا أسلمت دون زوجها ببيت أسرة الزوج غير المسلم، وكانت هذه الإباحة هي موضوع الفتوى، التي أصدرها أخونا الجليل الدكتور يوسف القرضاوي.

هذا، وقد سرد الإمام ابن القيم روايات أخرى كثيرة، مضمونها هو مضمون ما ذكرناه سابقًا، نختار من هذه الروايات رواية واحدة؛ لأنها مهمة، وتحتاج فعلا إلى وقفة كاشفة، ثم نعود، فنذكر كلاما نفيسًا للإمام ابن القيم يُعتبر حسمًا لكثير من مسائل الجدل في هذا الموضوع الذي نحن بصدده، ونضرب صفحًا عن سرد كل ما قال توخيًا للإيجاز.

والرواية التي نريد أن نخصها بالذكر هي ما يثار حول موضوع زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها الربيع بن العاص.

وصفوة القول في هذا الموضوع أن الربيع بن العاص زوج زينب تأخر إسلامه عن دخولها هي في الإسلام، والربيع هذا قدم المدينة في العام السادس للهجرة في الهدنة التي تم الاتفاق عليه بين المسلمين ومشركي العرب من قريش، وقد ورد أن زينب رضي الله عنها سألت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ينزل الربيع بن العاص (زوجها في الجاهلية) في دارها؛ فقال لها صلى الله عليه وسلم: "إنه زوجك، ولكن لا يصل إليك" هكذا ورد.

ثم إن الربيع بن العاص (زوجها) لمّا أسلم قال فريق: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقرهما على نكاحهما الأول، وقال فريق: بل إنه عقد لهما عقد نكاح جديد. هذه هي خلاصة القصة، ونقف أمامها وقفتين:

الوقفة الأولى: حول نزوله عندها في دارها بإذن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنقول: إذا صحت هذه الرواية فإن هذا كان ـ قطعًا ـ قبل نزول قوله تعالى: "فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" أما بعد نزولها فمحال؛ إذ كيف يأذن لها ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنزول عندها، مختليًا بها مع وجوب قوله تعالى: "لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ"؟ وإذا كان الرسول قد قال لها: "إنه زوجك" إذا كان هذا القول قبل نزول "فلا ترجعوهن إلى الكفار" فكيف يقول لها: "ولكن لا يصل إليك" إن هذا يتنافى تمامًا مع قوله لها: "إنه زوجك".

ومن موانع أن يكون هذا بعد نزول "فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم…" أن الإسلام حرم الخلوة بالأجنبية، وآيات الحجاب وآداب النظر نزلت في السنة الخامسة الهجرية. أما آيات "فلا ترجعوهن إلى الكفار" فقد نزلت في السنة السادسة الهجرية بعد صلح الحديبية".

الوقفـة الثانية: فهي أمام: هل أقرهما الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما أسلم الربيع بن العاص على نكاحهما الأول؟ أم جدد لهما عقد النكاح؟ شيخ الإسلام ابن تيمية نصر الأول، وحكم على الثاني بالضعف، وهذه المسألة لا تدخل معنا في مشروعية الفتوى موضوع الدراسة أم عدم مشروعيتها؛ لأنها تتعلق بمسألة سريان العقد الأول أم عدم سريانه، وهدفنا من هذه الدراسة منع إقامة المرأة إذا أسلمت دون زوجها في بيت هذا الزوج غير المسلم، ووجوب التفريق المكاني بينهما بمجرد إسلامها إذا علم هو -زوجها غير المسلم- بإسلامها ولم يسلم، وأنها صارت محرمة عليه حتى يسلم، كما قال الله تعالى: "ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا…"

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:11 AM
كلام نفيس لابن القـيم:

أما الكلام النفيس الذي ذكره الإمام ابن القيم الذي يُعتبر حسمًا لما ورد من روايات وآراء فقد قال فيه: "وبالجملة ـ فتحديد رد المرأة على زوجها بانقضاء العدة لو كان هو شرعه، لكان هذا مما يجب بيانه للناس من قبل ذلك الوقت، فإنهم أحوج ما كانوا إلى بيانه، وهذا كله ـ مع حديث زينب ـ يدل على أن المرأة إذا أسلمت وامتنع زوجها عن الإسلام، فلها أن تتربص وتنتظر إسلامه، فإذا اختارت أن تقيم منتظرة لإسلامه، فإذا أسلم أقامت معه، فلها ذلك كما كان النساء يفعلن، كزينب ابنته وغيرها، ولكن لا تمكّنه من وطئها، ولا حكم له عليها، ولا نفقة ولا قسم، والأمر من ذلك إليها لا إليه، فليس هو في هذا الحال زوجا لها مالكا لعصمتها من كل وجه، ولا يحتاج إذا أسلم إلى ابتداء عقد يحتاج فيه إلى ولي وشهود ومهر". ومؤدى هذا الكلام يتلخص في الآتي:

إن وطء التي تسلم دون زوجها محرم تحريمًا قاطعًا على الزوج غير المسلم.

إن الزوج غير المسلم في هذه الحالة لا يملك من أمرها شيئًا.

لا نفقة ولا سكنى ولا قسم يجب لها عليه.

فهي ـ إذن ـ بمجرد إسلامها تصبح أجنبية عنه؛ فلا يجوز له أن يخلو بها بأي وجه من الوجوه. هذا ما يدل عليه هذه الكلام النفيس من هذا الإمام الجليل. وما دام الأمر كذلك فإن التفريق المكاني بينهما واجب، لأن الخلطة وسيلة لوقوع المحظور المحرم عليهما معًا. والوسيلة التي تؤدي إلى محرم حرام؛ لأن الوسائل تأخذ حكم الغاية المترتبة عليها، وهذا موضوع اتفاق عند الأصوليين. وهذا هو ما نلح عليه في موضوع الفتوى؛ فوجوب التفريق المكاني بين من تسلم من الأوروبيات دون زوجها واجب شرعًا، لا يجوز التهاون فيه تحت أي اعتبار. ويبين الخلاف بين العلماء في مسألة واحدة هي:

هل يجوز للرجل غير المسلم إذا أسلم بعد إسلام امرأته أن يعود إليها بعقد النكاح الأول؟ ومتي يكون ذلك: قبل انقضاء العدة أم بعدها؟ أم لا يجوز إذا تأخر إسلامه عن إسلامها وعليه إن أرادها أن يجدّد عقده عليها؟

هذه هي المسألة التي كثر حولها الكلام، أما قولهم: إن لها أن تنتظر وتتربص إذا طمعت في إسلامه، فإن معنى التربص والانتظار هنا أن لا تقبل زواجًا من غيره، وأن يكون انتظارها في غير داره فإن تقدم للتزوج منها فهو أحق وأولى بها من أي خاطب آخر، وهذا هو معنى العبارة السوية للإمام علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وما أشبهها من المنسوب إلى غيره من العلماء.

ويمكن فهم هذه الأمور من عبارة ابن القيم نفسه التي ذكرها الشيخ الجليل القرضاوي، وهي "وسر المسألة أن العقد في هذه المدة جائز لا لازم، ولا محذور من ذلك، ولا ضرر على الزوجة فيه؟ أي: إذا اختارت هي التربص والانتظار في دارها هي لا في دار هو مقيم فيها.

وينبغي أن نعلم أن هذا التربص والانتظار لا يلزمها به أحد من العلماء، ولا ينبغي لهم، وإنما هو أمر يرجع إليها، ولذلك فإن لم تتربص ولم تنتظر فهو من حقها، فلها أن تتزوج من غيره بعد انقضاء عدتها منه، إذا رأت في ذلك مصلحة لها، أو لدفع ضرر يقع عليها من انتظار إسلامه، وهو احتمال قد يطول، أو لا يقع أبدًا، فكيف إذن تلزم به من جهة الشرع، وقد أجاز الشرع لزوجة الغائب الذي انقطعت أخباره مدة أربع سنين أن تطلب التطليق منه أمام القضاء لدفع الضرر عنها وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"، وبخاصة إذا كانت الزوجة شابة؟!.

ويؤيد هذا قوله تعالى في شأن زوجات الكفار اللاتي هاجرن مؤمنات: " فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنْفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ" ولو كان التربص والانتظار واجبًا لما أباح الله نكاحهن لغير أزواجهن، وحكم الله هذا لا يمكن تجاهله بل الإذعان له واجب على الأمة: علماء وأمراء وأفرادًا وجماعات.

هذا الذي قدمناه لم ينازع فيه أحد، حتى ابن القيم نفسه، وآية "الممتحنة" قد نقل ابن القيم كلامًا فيها بين فريقين من العلماء، ولكنه أخذ بدلالتها من وجوب تحريم النكاح بين المؤمنات والكفار، وكل نزاعه كان على فورية التفريق بين من يسلمن من نساء الكفار، وأزواجهن الذين ظلوا كفارًا.

ابن القيم يرى أن الآية ليس فيها دليل قاطع على فورية التفريق ومنع الانتظار والتربص، ونقول: إن هذا خلاف على مسألة فرعية، واجتهاد في فهم النص بعد التسليم بأصل دلالته.

ونقول للإمام ابن القيم: إن الآية إذا خلت من الدلالة على فورية التفريق، فقد خلت كذلك من الدلالة القاطعة على جواز التربص والانتظار، ومع هذا فإنها إلى منع التربص والانتظار أقرب منها إلى جوازه، ودليلنا على هذه "الأقربية" قوله تعالى: "ولا جناح عليكم أن تنكحوهن" لأن إباحة نكاحهن لغير أزواجهن الكفار دليل على "انعدام" التربص والانتظار.

عـودة لأسـانيد الفتوى

يقول الشيخ القرضاوي: "وهذا ما دفعني إلى أن أرجع إلى المصادر الأساسية، التي استمد منها ابن القيم هذه الأقوال، وهي الأصول والمصنفات، التي عنيت بنقل أقوال الصحابة رضي الله عنهم، وتابعيهم بإحسان، وتلاميذهم من سلف الأمة. وهذه الأصول، مثل مصنف عبد الرزاق الصنعاني (ت 211هـ) ومصنف ابن أبي شيبة (ت 235هـ) ومؤلفات أبي جعفر الطماوي (ت 321هـ) والسنن الكبرى للبيهقي (ت 456هـ)". هذه هي الأصول التي نقل عنها الإمام ابن القيم تلك الأقوال، بما فيها من صحيح وسقيم. وأبرز ملاحظة تبدو حول هذه المصادر أنها تأتي من حيث الرتبة في الدرجة الدنيا. والأقوال التي ترويها يصفها بعض أهل العلم بأنها آثار، إما مقاطيع أو مراسيل. والإمام ابن القيم نفسه أشار إلى هذا فيما نقله عنه الدكتور القرضاوي. أي أن مصادر ابن القيم لم ترقَ إلى رتبة الصحاح أو المسانيد والسنن، وهذا حق لا نزاع فيه؛ إذ لم يُنقل أي أثر مما اعتمد عليه الشيخ القرضاوي في فتواه موضوع هذه الدراسة، لا عن البخاري أو مسلم أو النسائي أو الترمذي أو غيرهم من المصادر الموثوق بها.

كذلك فالملاحظ أن ما نقله ابن القيم مجرد آثار أو أخبار معزوّة إما لبعض الصحابة كالإمام علي رضي الله عنه أو التابعين، وليس من بينها حديث نبوي واحد صحيح، أو حسن، أو ضعيف.

ولقائل أن يسأل، ثم يترك سؤاله بلا جواب: لماذا خلت المصادر الإسلامية الموثوق بها، أو التي تغلب عليها الصحة من هذه الأقوال، التي مهدت للفتوى بجواز إقامة المرأة إذا أسلمت دون زوجها، عند زوجها غير المسلم في داره؟

ثم عاد الشيخ إلى ذكر ما سبقت نسبته إلى الإمام علي رضي الله عنه، في شأن امرأة اليهودي أو النصراني إذا أسلمت: "كان أحق ببضعها؛ لأن له عهدًا". وفي رواية: "هو أحق بها ما داما في دار الهجرة". والروايتان واردتان في مصنف ابن أبي شيبة. وقد تقدم لنا مناقشة هاتين العبارتين بما يتفق مع كتاب الله العزيز، ونضيف هنا: لماذا أهملت كتب الحديث والسيرة هذه الرواية عن الإمام علي رضي الله عنه؟ ولماذا لم يذكرها أئمة المذاهب الفقهية الكبرى، وهم يعالجون هذه المسألة، وقد سبق أن ذكر الإمام ابن القيم عنهم أحكامًا فقهية في المسألة تخالف ما روي عن الإمام رضي الله عنه؟

كما ذكر رواية أخرى في مصنف عبد الرزاق عن الإمام علي مثل روايتيْ ابن أبي شيبة المتقدم ذكرهما. وذكر الشيخ عن مصنف عبد الرزاق رواية قال فيها: "إن هانئ بن قبيعة الشيباني –وكان نصرانيًا- كان عنده أربع نسوة فأسلمن، فكتب عمر بن الخطاب أن يقررن عنده". وهذه الرواية لا تصح عن عمر –رضي الله عنه-؛ لأن فيها مخالفة صريحة لحكم الله عز وجل، الذي بينه بكل وضوح في آيتين محكمتين: الأولى: قوله تعالى: "ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا" (البقرة: 221)، والنهي فيها عن إنكاح المسلمة غير مسلم قطعي الدلالة. والثانية: قوله تعالى: "فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن" (الممتحنة: 10).

وإباحة عمر ما حرّمه الله مستحيل؛ لأن النسوة الأربع اللاتي أسلمن –كما جاء في الرواية- وظل زوجهن على نصرانيته، معناه إباحة نكاحهن له ومخالفة مذاهب الأئمة الأعلام لهذه الرواية دليل آخر على عدم صحتها.

كما ذكر الشيخ روايتين أخريين، وعن مصنف عبر الرزاق أن عمر كتب مرة "يخيرن" وأنه كتب في شأن امرأة أسلمت دون زوجها فقال –يعني عمر-: "خيروها، فإن شاءت فارقته وإن شاءت قرت عنده".

وهاتان الروايتان لا تصحان عن عمر رضي الله عنه، لأنهما مخالفتان للآيتين السابقتين، اللتين حرم الله فيهما –صراحة- نكاح المسلمة لغير المسلم، ولأنها مخالفتان لآية ثالثة هي قوله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" (الأحزاب: 36) فقد قضى الله ورسوله تحريم نكاح المسلمات على غير المسلمين، وهاتان الروايتان تفيدان أن الخيار بيد المرأة التي أسلمت دون زوجها، إن شاءت أحلت نكاحها وهي مسلمة لغير المسلم، وإن شاءت حرمته عليه؟!

كما نقل الشيخ القرضاوي عن مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي أنه قال في المرأة تسلم دون زوجها: "يقران على نكاحها" وهذه الرواية إن صحت عن النخعي، فهي سهو عظيم منه.

كما نقل قول ابن شهاب الزهري: "هما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان". وهذه فتوى معلولة؛ لأنها جعلت حل نكاح غير المسلم للمسلمة أو تحريمه بيد السلطان، مع أن الله عز وجل قضى بتحريمه قطعًا؟

هذا بعض ما ذكره الشيخ الجليل يوسف القرضاوي في آخر بحثه الذي أصدر هذه الفتوى.

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:11 AM
نتائج هـذه الدراسـة

إن أمس المذاهب رحما بالتشريع الإسلامي هو المذهب الأول، القاضي بوجوب التفريق في الحال بين المرأة إذا أسلمت دون زوجها، لاستناد هذا المذهب إلى صريح ما ورد في كتاب الله العزيز. وليس في ذلك قسوة؛ لأن زوجها إذا أسلم بعدها فله أن يجدد عقده عليها بمهر رمزي، أو تهب له هذا المهر. وإذا لم يسلم أبدًا، فهي محرمة عليه أبدًا بإجماع علماء الأمة.

أما المذهب الثاني الذي يرى سريان العقد الأول حتى انقضاء عدتها، فإن انقضت عدتها ولم يسلم بانت منه بينونة صغرى؛ فإن القائلين به قد شبهوا التفريق بينها وبين زوجها إذا أسلمت دونه شبهوه –وإن لم يصرحوا بذلك- بالطلاق المرجعي، الذي تصح الرجعة فيه في أثناء العدة، وهذا اجتهاد يمكن قبوله ولا يتعين رفضه وإن ترجح المذهب الأول عليه.

المذهب القائل بجواز التربص والانتظار ولو لمدة سنين عبروا عن هذا بقولهم "أقامت عليه" يعني ليس عنده في مأوى واحد، وهم يوجبون هذا الانتظار طال أم قصر، وإنما جعلوه تابعًا لإرادتها، وأباحوا لها أن تتزوج ولا تنتظر، وهذا لا محظور شرعًا فيه ما دام الانتظار في دارها لا في داره؛ لأنه لا عصمة لها عليها، وإذا كان لها أولاد منه فلا مانع شرعًا أن تقوم –إن كانوا دون سن الرشد- بتربيتهم ورعايتهم في غير دار أبيهم، سواء تطوعت أم تقاضت أجرًا، وله أن يزورهم زيارة الضيف دون أن يختلي بها، أو يرى منها غير الوجه والكفين. وإذا مكثت تنتظره سنين حتى أسلم، فإن تجديد العقد هو الراجح ولا ضير في ذلك عليه ولا عليها.

الروايات المنسوبة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من أنه خيَّر المرأة التي أسلمت دون زوجها بين القرار عنده وبين مفارقتها إياه، أو أنه قضى بقرارها عند الزوج غير المسلم، هذه الروايات لا تصح عن عمر -وإن رجحها الإمام ابن القيم- لمخالفتها لما ورد صريحًا في كتاب الله تعالى. أما الرواية المسندة إليه بأنه خيَّر الزوج غير المسلم بين الإسلام وإبقاء زوجته عنده، وبين نزعها منه إذا لم يسلم، فلما أبى أن يسلم نزعها منه، هذه الرواية تصح نسبتها إلى عمر -رضي الله عنه- -وإن رفضها الإمام ابن القيم-؛ لأنها موافقة لكتاب الله عز وجل.

ما ورد عن ابن شهاب الزهري "هما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان".

وما روى عن إبراهيم النخعي "هما على نكاحهما".
إن أرادا من النكاح "العقد" فالخطب في قوليهما يسير، أما إذا أرادا من النكاح "الوطء" فقولاهما مردودان قطعًا، لشدة مخالفتهما: لكتاب الله أولاً، وللإجماع ثانيًا.

العواطف مهما كانت نبيلة، فياضة بالخير وحب الإسلام لا يمكن اعتبارها من أدلة الأحكام، وقد عبر عنها القرآن بـ "الهوى"، وحذر من اتباعه مرات، كما في قوله تعالى: "ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله" (ص: 26) والترغيب في الإسلام يكون بمبادئ وقيم الإسلام ومحاسنه لا بالمساس بأحكامه وشريعته، فنحن لا نصنع الإسلام وإنما هو أمانة في أعناقنا تلقيناها عن كتاب الله وسنة رسوله، وهذا هو صراط الله المستقيم، الذي قال الله ناصحًا ومحذرًا: "وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" (الأنعام: 153). وقال لرسوله الكريم: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يُغنوا عنك من الله شيئا" الجاثية (18 – 19).

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب. والله من وراء القصد، والحمد لله في الأولى والآخرة.

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:12 AM
مولوي: وجوب فسخ العقد مراعاة لمصلحة المسلمة





المستشار فيصل مولوي

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

هذه الدراسة تقتصر على موضوع إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه، ولا تتعرّض لإسلام الرجل وبقاء زوجته على دينها، لأنّ الموضوع المطروح على المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث يختصّ بالمرأة دون الرجل.

والنتيجة التي وصلت إليها بعد التدقيق، والرجوع إلى كثير من المصادر الشرعية فهي التأكيد على أنّ المرأة إذا أسلمت وبقي زوجها على دينه، يحرم عليها الوطء فور انتهاء عدّتها، ويجوز لها عند ذلك أن تنكح زوجاً غيره، كما يجوز لها أن تنتظره حتّى يسلم فتعود الحياة الزوجية بينهما. أمّا فسخ العقد فلا يكون إلاّ إذا تراضيا عليه، أو إذا حكم به القضاء سواء في دار الإسلام أو خارجه. ويجب عليها أن تطلب فسخ العقد بعد انتهاء عدّتها إذا لم يسلم.

أولاً: هل يوجد في المسألة نص قاطع:

أقول: في المسألة نصّان واضحان كلّ الوضوح وهما: آية البقرة وآية الممتحنة، وإن حاول البعض إخراج المسألة المطروحة من حكم هذين النصّين بالتأويل، وسأذكر فيما يلي مرتكزات هذا التأويل الفاسد.

النصّ الأول: آية سورة البقرة:

قال تعالى: "وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ، وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ. وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ. أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِه،ِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" (البقرة: 221).

دلّت هذه الآية على حكمين:

الأول: تحريم زواج المسلم من المشركة حتّى ولو أعجبته، طالما بقيت على شركها.

الثاني: تحريم زواج المسلمة من المشرك حتّى ولو أعجبها وأعجب أهلها، طالما بقي على شركه.

وعلّة التحريم في الحالتين هي الشرك باعتباره الوصف المؤثّر.

أمّا الحكم الأول فقد ورد تخصيصه بآية المائدة ".. وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ .." (المائدة: 5). فقد أباح الله تعالى بموجب هذه الآية للمسلم الزواج من الكتابية، واتفق على ذلك العلماء، فبقي الزواج من سائر المشركات محرّماً بنصّ الآية الأولى، وقد أجمع العلماء على ذلك فيما نعلم.

أمّا الحكم الثاني وهو زواج المسلمة من المشرك، فبقي محرّماً على إطلاقه، شاملاً غير المسلمين جميعاً سواء كانوا كتابيين أو غير كتابيين، ويظهر أنّ الإجماع منعقد على ذلك أيضاً.

لكن المقولة التي يطرحها أستاذنا الشيخ القرضاوي: (نحن منهيّون ابتداءً أن نزوّج المرأة المسلمة لكافر، كما قال تعالى: ".. وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا .." وهذا ممّا لا يجوز التهاون فيه، فلا تزوج المسلمة ابتداءً لغير مسلم. ولكن نحن هنا لم نزوّجها بل وجدناها متزوّجة قبل أن تدخل في ديننا ويحكم عليها شرعنا، وهنا يختلف الأمر في البقاء عنه في الابتداء، إذ من المقرّر المعلوم: أنّه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء، وهذه قاعدة فقهية مقرّرة، ولها تطبيقات فروعية كثيرة).

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:12 AM
ويمكن مناقشة المعنى من خلال الشرح التالي:

أولاً: حول معنى النكاح:

منعت الآية الكريمة نكاح المسلمة من غير المسلم. والنكاح لغة يعني العقد ويعني الوطء، كما جاء في لسان العرب. وقد وردت لفظة النكاح في المصطلح الشرعي بالمعنيين أيضاً، قال تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ.." (الأحزاب: 49). فأراد بالنكاح هنا العقد بدليل "مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يجوز للرجل أن يتمتّع به من زوجته الحائض: "افعلوا كلّ شيء إلاّ النكاح" (رواه مسلم)، فأراد بالنكاح هنا الوطء. وهذان المعنيان متلازمان. إذ لا يجوز الوطء إلاّ بعقد شرعي، ومجرّد العقد يبيح الوطء ضمن الضوابط الشرعية.

فالآية الكريمة عندما تمنع نكاح المسلمة من غير المسلم، تمنع العقد والوطء معاً. فإذا أسلمت المرأة وكانت مرتبطة بعقد زواج سابق صحيح، لم يعد الأمر في الآية متعلّقاً بمنع إجراء العقد، لأنهّ قائم والبحث يدور حول شرعية استمراره أو وجوب إبطاله. فإذا كان استمراره مشروعاً بقي الوطء مباحاً. وإذا كان استمراره غير مشروع صار الوطء حراماً، حتّى ولو ظلّ العقد قائماً ولم يكن بالإمكان فسخه.

ثانياً: حول أثر التحريم:

التحريم يعني منع القيام بعمل في المستقبل. أمّا ما وقع المسلم فيه من حرام قبل ورود التحريم، أو قبل إسلام المسلم فهو معفوّ عنه.

لكن إذا كان الحرام السابق من الأعمال أو العقود المستمرّة، فهل يجوز استمراره بحجّة أنّه نتيجة لعمل أو عقد سابق، أو يجب منع استمراره؟

الظاهر القاطع أنّ التحريم والمنع يتناول المستقبل بلا جدال. ومقتضى ذلك أيضاً أنّه يشمل ما يقع في المستقبل ولو كان استمراراً لعمل أو عقد سابق، لأنّ إباحة الاستمرار تعني هنا مناقضة النصّ. ولأنّ التحريم هنا حُدّد إلى غاية وهي الإيمان "..وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا.." فلا يجوز النكاح بين المسلمة وغير المسلم حتّى يدخل في الإسلام. فحين يستمرّ النكاح السابق دون إسلام المشرك نكون قد وقعنا في مخالفة صريحة للنصّ القاطع (إلاّ أن يكون هناك دليل على تخصيص هذا النصّ أو تقييده).

يقول الأصوليون: إنّ النهي يقتضي الانتهاء على الفور والتكرار والدوام. والانتهاء على الفور يقتضي التوقّف عن العمل أو العقد السابق المحرّم.

عندما حرّم الله الربا، وكان بعض المسلمين قد وقعوا في عقود ربوية سابقة واستحقّوا الفوائد الربوية، مُنعوا من استيفائها لأنّها أصبحت حراماً، ولو كانت مبنية على عقود سابقة للتحريم، لكن ما قبضوه قبل التحريم لم يؤمروا بإرجاعه، بل شُرع لهم استيفاؤه لقوله تعالى: ".. فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ .. (سورة البقرة: 275)، أمّا بعد التحريم فلا يجوز قبض الربا المحرّم. قال تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ" (سورة البقرة: 278 – 279). وقال عليه الصلاة والسلام: "ربا الجاهلية موضوع. وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب فإنّه موضوع كلّه". وقال النووي في شرحه: (المراد بالوضع الرد والإبطال) أي أنّ العقد الربوي المعقود قبل التحريم يجب إبطاله بعد التحريم. واتفقت المذاهب الثلاثة وجمهور الفقهاء أنّه يجب فسخ عقد الربا فوراً. بينما يرى الأحناف أنّه يجب إلغاء الربا منه فيصبح عقد بيع جائزاً. فعندما نزل تحريم الربا، لم تُمنع العقود الجديدة فقط، وإنّما أيضاً أُبطلت العقود القديمة، وأُمِر الدائنون باسترجاع رؤوس أموالهم فقط.

إنّ علّة التحريم لنكاح المسلمة بغير المسلم هي اختلاف الدين بدليل قوله تعالى: "أولئك يدعون إلى النّار .."، وهذه العلّة المشار إليها في آخر الآية، موجودة في عقود الزواج السابقة إذا أسلمت المرأة وبقي زوجها على دينه. والحكم كما هو معروف، يدور مع علّته وجوداً وعدماً، فيقتضي لذلك إبطال العقود السابقة لهذا السبب، كما يجب منع العقود الجديدة.

من المعلوم أنّ الشريعة صحّحت من حيث الأصل عقود الزواج المعقودة بين الكفّار، ولكن إذا أسلم الزوجان يصبح العقد خاضعاً للأحكام الشرعية، وإذا أسلم أحدهما فقط يصبح العقد خاضعاً للأحكام الشرعية بالنسبة له، وعليه أن يسعى لتصحيح العقد أو إبطاله بحسب هذه الأحكام.

وقد اتفق العلماء على تصحيح العقد السابق إذا كان فساده مبنياً على انتفاء أحد شروطه كالولي أو الشاهدين، وأجمعوا على إبطال عقود الزواج السابقة إذا كان سبب فساده راجعاً لحرمة المحل، كما لو كانت الزوجة من أقرباء الزوج بالنسب أو بالمصاهرة قرابة تجعلها محرّمة عليه، أو كان للزوج أكثر من أربع زوجات فيجب عليه أن يستبقي أربعة منهنّ ويفارق الباقي، أو كان يجمع بين زوجتين لا يحلّ له الجمع بينهما فيخيّر في استبقاء إحداهنّ .. وقد وردت في أكثر هذه المسائل نصوص نبوية صحيحة. ولا أظنّ أنّ شيخنا القرضاوي يعارض في أيّ من هذه المسائل.

وكان من الطبيعي أن يلحق علماؤنا مسألة المرأة إذا أسلمت وبقي زوجها على دينه، بالعقود التي ينبغي إبطالها لحرمة المحلّ أسوة بسائر العقود المطلوب إبطالها لنفس السبب. وقد أجمع على ذلك الجمهور الأكبر منهم، وخالف العدد القليل. ومال الشيخ القرضاوي إلى هذا الرأي المخالف لأسباب سنناقشها فيما بعد، لكن ما أردت هنا أن أقوله هو:

إنّ آية البقرة تحرّم نكاح المسلمة من غير المسلم.

وهذا التحريم كما هو للمستقبل يقتضي أن يتناول العقود الماضية.

وأنّ السنّة الصحيحة لم تصحّح من عقود الزواج بين الكفّار إذا أسلموا ما كان سبب فساده راجعاً لحرمة المحل، واختلاف الدين يدخل في هذه الأسباب.

ثالثاً: التحريم يشمل إنشاء العقود الجديدة ومنع استمرار العقود القديمة:

وذلك للأسباب التالية:

1 - إنّ عموم الآية يقتضي شمول حكمها للعقود السابقة، لأنّ المطلق يجري على إطلاقه ما لم يأت تخصيص لذلك، ولم يأت مثل هذا التخصيص إطلاقاً، وسنرى فيما بعد أنّ آية الممتحنة تأكيد للحكم في إحدى حالاته، وليست تخصيصاً. وسنرى أيضاً أنّ كلّ ما ورد في السنّة الصحيحة هو تأكيد لهذا الحكم وليس تخصيصاً.

2 - أمّا القاعدة الفقهية المعروفة (البقاء أسهل من الابتداء) و(يُغْتَفَر في البقاء ما لا يُغْتَفَر في الابتداء). فقد ذكرها الفقهاء في أنواع التصرّفات المالية، وقد راجعت ما ورد من شروح لهاتين المادّتين في (شرح أحكام المجلّة لعلي حيدر، وشرح سليم باز)، وشرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا، فوجدتها جميعاً تضرب الأمثلة لهذه القاعدة حول (هبة الحصّة الشائعة وأنّها لا تصحّ ابتداءً، ولا تبطل إذا كانت صحيحة ثمّ طرأ عليها الشيوع، وحول عدم جواز توكيل الوكيل لشخص آخر بالبيع إذا لم يكن مفوضاً بذلك، وإذا فعل لا يصحّ بيعه. لكن لو أنّ فضولياً باع فأجاز الوكيل ذلك صحّت الإجازة ونفذ البيع). إلى غير ذلك من الأمثلة التي تتناول البيع والثمن والخيارات.

وقد ضرب الشيخ أحمد الزرقا بعض الأمثلة على هذه القاعدة في مجال الأنكحة مثل:

لو اعترفت المرأة بالعدّة تُمنع من التزوّج. لكن لو تزوّجت ثمّ ادعت العدّة لا يُلتفت إليها.

لو عقدت المرأة النكاح على أنّه لا مهر لها لم يصحّ تنازلها عن المهر ووجب لها مهر المثل. لكن لو تنازلت عن المهر بعد العقد صحّ وبرئ الزوج من المهر.

3 - وقد أعمل الفقهاء هذه القاعدة في عقود الكفّار إذا أسلم أحد الزوجين فيما إذا كان سبب إبطال الزواج يعود إلى أمور لا تتعلّق بصلب العقد، وذلك لعدم وجود النصّ الذي يمنع إعمال هذه القاعدة، كما لو تمّ عقد الزواج في زمن الكفر بلا ولي أو بلا شاهدين أو في فترة العدّة.. فأجازوا استمرار هذه العقود إذا أسلم الزوج وظلّت الزوجة على دينها الكتابي، أو أسلمت الزوجة بعد إسلام الزوج.

أمّا إذا كان سبب البطلان يعود إلى صلب العقد، كأن تكون المرأة غير صالحة لتكون محلاً للزواج من هذا الرجل، كما لو كانت محرّمة عليه بسبب القرابة أو الرضاعة أو الزيادة عن أربع زوجات أو الجمع بين زوجتين لا يجوز الجمع بينهما، فقد اتفق جمهور الفقهاء على إبطال مثل هذه الزيجات إذا أسلم أحد الزوجين.

وبالنسبة لموضوعنا، فإنّ منع نكاح المسلمة من مشرك يتعلّق بصلب العقد، وبأهلية المرأة لأن تكون محلاً للزواج من رجل غير مسلم. فإذا أعملنا هنا قاعدة "البقاء أسهل من الابتداء" فقد وقعنا في مخالفة النصّ الصريح الذي يمنع نكاح المسلمة من غير المسلم وهو آية البقرة. لكن حتّى لو سلّمنا أنّه لم يرد نصّ في هذه الحالة بعينها، أو أنّ النصوص الواردة قابلة للتأويل، فإنّ قياس هذه الحالة على حالات منع استمرار العقود الزوجية لحرمة المحلّ، أولى من قياسها على حالة إباحة استمرار هذه العقود إذا كانت أسباب فسادها لا تتعلّق بصلب العقد.

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:13 AM
النصّ الثاني: آية الممتحنة:

قال تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ، فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ، وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا، وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر،ِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا، ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" (الممتحنة: 10).

أولاً: حول سبب النـزول:

اتفقت الروايات أنّ هذه الآية الكريمة نزلت بعد صلح الحديبية بين النبيّ * ومشركي قريش. وقد جرى في هذا الصلح الاتفاق على أنّ من لحق بالكفّار من المسلمين لم يردّوه، ومن لحق من الكفّار بالمسلمين رُدّ إليهم. وهو نصّ عام يشمل الرجال والنساء. فكلّ من لحق بالمسلمين من الرجال ردّه رسول الله * إلى قريش التزاماً بالعهد كأبي جندل وأبي بصير. لكن عندما لحقت بعض النساء بالمسلمين نزلت هذه الآية فأبى رسول الله * أن يردّهنّ إلى المشركين، وكان منهنّ أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي غير متزوّجة، وسبيعة بنت الحارث الأسلمية وكانت متزوّجة، وبذلك اعتبر صلح الحديبية خاصّاً بالرجال دون النساء.

ثانياً: ما تضمّنته الآية من أحكام:

1 - أنّ المرأة المسلمة إذا جاءت مهاجرة فيجب امتحان إيمانها، فإذا علمناها مؤمنة فلا يجوز إرجاعها إلى الكفّار. "فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ".

2 - علّة هذا الحكم "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" أي عدم جواز التناكح بإطلاق.

3 - وبما أنّ سبب التفريق هذا يعود للمرأة، فيجب على المسلمين أن يعيدوا إلى زوجها ما أنفق عليها من مهر.

4 - وإعادة المهر تعني فسخ عقد الزواج، وهكذا أباحت الآية لهذه المرأة أن تتزوّج من أيّ مسلم تريد على أن يدفع لها مهرها.

5 - وفي المقابل لا يحوز للمسلمين أن يتمسّكوا بزوجاتهم الكافرات – غير الكتابيات – ولذلك لمّا نزلت هذه الآية طلّق عمر زوجتين له بمكّة.

6 - وإقراراً للعدالة يجب تبادل المهور بين المسلمين والكفّار. فالمرأة الكافرة التي طلّقها زوجها المسلم، عليها أن تعيد إليه المهر. والمرأة المسلمة التي هاجرت إلى دار الإسلام فانفسخ زواجها (بالإسلام أو بمرور العدّة أو بزواجها من آخر) عليها أن تعيد مهرها لزوجها الكافر.

ثالثاً: موقع آية الممتحنة من آية البقرة:

آية البقرة تمنع النكاح إطلاقاً بين المسلمين والمشركات، وبين المشركين والمسلمات، وقد جاء الإذن بعد ذلك (بآية المائدة) بزواج المسلمين من الكتابيات، وبقي المنع يشمل الباقي من النساء الكافرات أو المشركات. أمّا زواج المسلمة من غير المسلم فقد بقي ممنوعاً عملاً بعموم آية البقرة. وانعقد على ذلك الإجماع كما هو معروف، ولم تخرج الدراسات المقدّمة إلى هذا المجلس عن هذا الرأي.

وجاءت آية الممتحنة تتناول عقود الزواج السابقة على الإسلام، ويهمّنا في هذا البحث المرأة إذا أسلمت وبقي زوجها على دينه، وتركت بلادها – دار الكفر – والتحقت بدار الإسلام والهجرة. لقد نصّت الآية بوضوح "فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ". وبيّنت علّة ذلك وهي عدم الحلّية بين المؤمنات والكافرين.

إذاً: آية البقرة منعت ابتداء النكاح بين المسلمة والكافر.

وآية الممتحنة أكّدت هذا المنع بالنسبة للعقود السابقة، وللعقود الجديدة "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ"، ولو بموجب عقود سابقة: "وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" بموجب عقود جديدة.

وإذا كانت آية الممتحنة نزلت بمناسبة هجرة بعض المسلمات إلى المدينة، وجاء النهي عن إرجاعهنّ إلى الكفّار، فإنّ تعليل هذا النهي لم يأت مبنياً على ظرف معيّن يقع فيه الإيذاء أو التعذيب أو الضغط على المرأة المسلمة من زوجها الكافر، وإنّما جاء النهي معلّلاً (بعدم الحلّية) وهذا أمر لا علاقة له باختلاف الدار ولا بالتعرّض للأذى المحتمل.

فآية البقرة تمنع إنشاء عقود جديدة. وآية الممتحنة تمنع استمرار العقود القديمة بإطلاق، ولو نزلت بخصوص المهاجرات.

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:13 AM
رابعاً: دلالات آية الممتحنة:

أتناول في هذه المسألة أربعة أمور:

الأول: أنّ لفظ "فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ" لا يصحّ حمله على إطلاقه بل لا بدّ من تقييده بالكافر المحارب. والحجّة في ذلك:

اعتبار الوحدة الموضوعية في السورة ومراعاة الترابط في السياق، فالآيتان السابقتان لهذه الآية ميّزت بين الكفّار المحاربين فمنعت تولّيهم، وبين الكفّار غير المحاربين فأمرت ببرّهم والإقساط إليهم، ولذلك كان يقتضي في هذه الآية أيضاً إخراج الزوج الكافر أو الزوجة الكافرة غير المحاربين من أن يكونا مُرادَيْن بهذه الآية. قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ .." إلخ.

وأجيب على هذا الأمر فأقول:

تنصّ المادّة (64) من القواعد الفقهية المقرّرة في مقدّمة مجلّة الأحكام العدلية على أنّ: "المطلق يجري على إطلاقه، إذا لم يقم دليل التقييد نصاً أو دلالة". واتفق على ذلك جمهور الأصوليين. ولفظ الكفّار لم يرد تقييده بالنصّ. ولا يصحّ الاستدلال على تقييده بالنصّ السابق له. فالآيتان السابقتان تتناولان العلاقات الاجتماعية العامّة بين الناس فتميّز بين الكافر المحارب فتنهى عن تولّيه، وبين الكافر غير المحارب فتسمح ببرّه والإقساط إليه. أمّا الآية الثالثة فتتناول العلاقات الزوجية، والفرق كبير في الأحكام الشرعية بين العلاقات الاجتماعية الإنسانية التي تُبنى في الأصل على التعارف والتعايش والتسامح والقسط كما تؤكّد ذلك كثير من الآيات، وبين العلاقات الزوجية التي تُبنى في الأصل على منع التزاوج مع الاختلاف في الدين إلاّ زواج المسلم من الكتابية، فقد أُبيح استثناءً من الأصل المقرّر لأنّ تأثيره في مناقضة مقاصد الزواج أقلّ، وربّما أدّى إلى دخول الكتابيات في الإسلام عن طريق هذا الزواج. ومن الأمور اليقينية التي لا يجوز الاختلاف فيها: أنّ مقاصد الشريعة من إباحة الاجتماع الإنساني في صوره المختلفة، ومن تشريع العلاقات الإنسانية رغم اختلاف الدين، ومن إباحة اللقاء والتزاور، والأمر بالحوار، وإباحة التعاون والمتاجرة وغير ذلك. كلّ ذلك يختلف تماماً عن مقاصد الشريعة في الزواج، وهي كما نعلم التناسل والتكاثر وإقامة الأحكام الشرعية في البيت، وتربية الأولاد على ذلك، وهذه لا تتحقّق بشكل معقول إلاّ أن يختار الزوج شريك حياته على أساس الالتزام الحقيقي بالإسلام، وليس مجرّد الانتماء الاسمي، وهذا ما أكّد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أمر الرجل بالزواج بذات الدين وأمر المرأة وأهلها أن يقبلوا صاحب الدين.

الثاني: إنّ الحكم الأصلي المنصوص عليه في آية البقرة منع زواج المسلمة من غير المسلم بإطلاق. وآية الممتحنة ألحقت الكافر المحارب صاحب العقد السابق بهذا الحكم ومنعت استمرار عقد زواجه، وعلّلت ذلك بكفره لا بحربيّته، فهي لم تنشئ حكماً جديداً وإنّما طبّقت الحكم الأصلي. ولذلك كان من الطبيعي أن يبقى الكافر غير المحارب ملحقاً بحكم الآية الأولى بالتزام النصّ وليس بالقياس، ومن الخطأ الفادح إلحاقه بآية الممتحنة، لأنّ هذا الإلحاق لا يتمّ إلاّ بعد تحقّق أمرين:

الأول: تقييد لفظ الكفّار الوارد في الآية: "فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ" بالمحاربين، وهذا موضع خلاف.

والثاني: استعمال مفهوم المخالفة مع وجود النصّ وهو أن تقول: إنّ الله تعالى منع إرجاع المسلمة المهاجرة إلى الكفّار المحاربين، فإذا لم يكونوا محاربين يصبح من الجائز إرجاعهم. ومن المعروف أنّ كثيراً من الفقهاء لا يأخذون أصلاً بمفهوم المخالفة، وأنّ الذين يعتدّون بذلك يشترطون أن لا يكون في الأمر نصّ آخر يتناول الحالة المخالفة. وفي هذا الموضوع فإنّ النصّ الآخر المعارض لما يُفهم من الآية حسب مفهوم المخالفة موجود، وهو آية البقرة. ممّا يجعل الأخذ بمفهوم المخالفة مرفوضاً عند جميع الأصوليين.

نحن إذاً لم نقس الأدنى – وهو الكافر غير المحارب – على الأعلى وهو الكافر المحارب. إنّما ألحقنا الاثنين بحكم التحريم الأصلي الوارد في آية البقرة. واعتبرنا آية الممتحنة تأكيداً وتنفيذاً لهذا الحكم في إحدى حالاته. وهي لا تمنع وجوب تنفيذه في سائر الحالات لا نصّاً ولا دلالة.

الثالث: ما هو سبب المنع عن إرجاع المهاجرات إلى الكفّار في قوله تعالى: "فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار"؟ هل هو إبطال النكاح بينهنّ وبين أزواجهنّ؟ أو هو إبطال هجرتها، وتمكين العدوّ المحارب منها، وتعريضها للفتنة في دينها ممّا يجعل استمرار العلاقة الزوجية متعذّراً؟

أقول: إنّ سبب منع إرجاع المهاجرات إلى الكفّار ذكره الله تعالى بالنصّ الواضح وفي أعقاب المنع مباشـرة حيث يقول: ".. فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ..". يقول الإمام الشوكاني في فتح القدير: "إنّ عبارة "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" تعليل للنهي عن إرجاعهنّ، وفيه دليل على أنّ المؤمنة لا تحلّ لكافر، وأنّ إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها لا مجرّد هجرتها، والتكرير لتأكيد الحرمة، أو الأول لبيان زوال النكاح، والثاني لامتناع النكاح الجديد".

إنّ اعتبار عدم الحلّية بين المسلمة وغير المسلم هي علّة المنع من إرجاعهنّ إلى الكفّار إذا خرجن مهاجرات إلى بلاد المسلمين، أو هي سبب هذا المنع، لا يصحّ أن يكون موضع خلاف، لأنّ من له إلمام بالعربية يفهم هذا الأمر من النصّ. أمّا الخلاف الذي وقع بين العلماء فهو يدور حول:

1 - هل عدم الحلّية يؤدّي إلى اعتبار النكاح باطلاً فور إعلان الزوجة إسلامها؟

2 - أو يؤدّي إلى اعتبار النكاح باطلاً من حين هجرتها؟

3 - أو يؤدّي لاعتباره باطلاً فور انتهاء عدّتها دون أن يسلم زوجها؟

4 - أو يؤدّي لطلب إبطاله من السلطان؟

5 - أو يؤدّي لاعتباره عقداً موقوفاً حتّى يدخل الزوج في الإسلام أو تتزوّج المرأة غيره (بعد انتهاء عدّتها)؟

وسنعرض فيما بعد رأينا في هذا الموضوع. لكنّنا هنا نؤكّد، أنّ عدم اعتبار النكاح باطلاً لا بالإسلام ولا بالهجرة لا ينفي القول بوجوب العمل على إبطاله، وهو الرأي الذي نختاره، ولا جواز العمل على إبطاله، وهو مقتضى رأي من يقول ببقاء الزوجيّة حتّى يحكم بإبطالها ذو سلطان.

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:13 AM
أمّا القول بأنّ سبب المنع عن إرجاع المهاجرات إلى الكفّار ما في ذلك من إبطال لهجرتها وقد أتت هاربة بدينها، وتمكين للعدوّ المحارب منها، إذ ستنال منه ما لا تطيق، ممّا قد يصير بها إلى الفتنة في دينها، فكان من المتعذّر أن تستمرّ بينه وبينها علاقة زوجيّة مع هذا الاعتبار.

فأقول: هذا الكلام وإن كان واقعاً لكنّه لا يمكن أن يكون سبب المنع في إرجاع المهاجرات إلى الكفّار. لأنّه إذا أخذنا بهذا التفسير أصبح قوله تعالى: "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" زيادة لا فائدة منها ولا معنى لها (تعالى الله عن ذلك). إذ لو اكتفى النصّ القرآني الكريم بالقول: "فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ" لفهم الناس من هذا أنّ الإرجاع لا يجوز لأنّه يبطل هجرة المهاجرة، ويمكّن العدوّ المحارب منها، وستنال منه ما لا تطيق، وقد يفتنها عن دينها، وأنهّ من المتعذّر أن تستمرّ بينهما علاقة زوجيّة، فلماذا عقّب الله بعبارة: "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" إن لم يكن يقصد معنى إضافياً آخر؟ وهل يجوز أن يكون معنى هذه العبارة هو نفس المعنى الواضح من سياق العبارة السابقة؟

كما أنّ هذا التفسير يناقض صراحة النصّ القرآني، إذ أنّه يعتبر أنّ العلاقة الزوجيّة أصبحت متعذّرة بين الزوجين، بسبب تعرّض الزوجة للإيذاء من زوجها وفتنتها عن دينها، ولذلك فهو يمنع إرجاعها. بينما النصّ القرآني يحدّد السبب بأنّه: "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ".

هل نأخذ بالسبب المستنتج من أول العبارة، والذي تنقضه العبارة الثانية؟ أم نأخذ بالسبب المنصوص عليه بوضوح قاطع في العبارة الثانية؟ بل هل يجوز أصلاً أن نستنتج سبب الحكم الشرعي إذا كان النصّ يحدّد بوضوح هذا السبب؟ ومن المعروف عند الأصوليين أنّ علّة الحكم الشرعي إذا كانت ثابتة بالنصّ فإنّه لا يصحّ استنباطها بالقرائن.

أمّا الجواب على هذه التساؤلات فهذه خلاصته:

1 - العلاقة الزوجية التي كانت قبل نزول آية المهاجرات، وكان اختلاف الدين موجوداً.

الجواب: كان اختلاف الدين موجوداً، ولكن لم يكن قد نزل حكم منع زواج المسلمة من غير المسلم، ثمّ نزل هذا الحكم بعد ذلك، كما هو شأن كثير من الأحكام الشرعية. فهل هناك مشكلة إذا قلنا: إنّ هذا الأمر لم يكن ممنوعاً ثمّ منع؟ ألا يمكن اعتبار هذا الأمر من نوع التدرّج في التشريع الذي كان سمة هذا الدين.

2 - كيف تُوصف علاقة النساء المسلمات المستضعفات اللواتي تعذّر عليهنّ الهجرة من مكّة، وبقين مع أزواجهنّ الكفّار؟

الجواب: أنّهنّ معذورات لأنّهنّ مستضعفات كما وصفهنّ الله في سورة النساء. وقد عذرهنّ بنصّ الآية الكريمة: "..إِلاًَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً. فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا". ومن المعروف عند الفقهاء أنّ (الضرورات تبيح المحظورات).

وهل يُعقل أن نقول: طالما أنّ العلاقة الزوجية بالنسبة للنساء المستضعفات مع أزواجهنّ الكفّار كانت مباحة لأنّهنّ مضطرّات، فلنجعل الإباحة حكماً دائماً حتّى في غير ضرورة؟ هل يمكن أن يصبح الحكم الاستثنائي قاعدة أصلية يُقاس عليها؟

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:14 AM
الرابع: سبب النزول:

قد يقول بعض العلماء: إنّ الآية تحدّثت عن وضع خاص: مسلمة هربت بدينها ممّن يسعون إلى فتنتها فيه وهم الكفّار المحاربون، إلى من اعتقدت أنّهم ينصرونها فيها وهم مسلمون … هذا الوضع اقتضى شرائع مناسبة، فأوجب إيواء المؤمنة الهاربة بدينها، ومنع من تمكين العدوّ منها بإرجاعها إليه.

فحاصل النظر في سبب نزول الآية وما احتفّ بها من حيثيّات: عدم قطعيّة سبب المنع من إرجاع المهاجرات إلى الكفّار. وإذا كان الاحتمال على دلالة هذه الآية وارداً، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ للاجتهاد فيها مجالاً.

وأقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقول الأصوليون. أي أنّ العام يبقى على عمومه وإن كان وروده بسبب خاص. فالعبرة بالنصوص وما اشتملت عليه من أحكام، وليست العبرة بالأسباب التي دعت إلى مجيء هذه النصوص. يقول الإمام الشافعي: (السبب لا يصنع شيئاً، إنّما تصنع الألفاظ). وأكثر عمومات القرآن والسُنّة جاءت بسبب وقائع تحدث أو جواباً على سؤال.

على أنّنا أمام آية الممتحنة نجد النصّ القرآني يعطي علاجاً للواقعة الحادثة وهي (مسلمة هاجرت بدينها من مكّة إلى المدينة، فيطلب امتحانها، ويمنع إرجاعها للكفّار، ويأمر بردّ مهرها إليهم. وكافرة بقيت في مكّة ولم تلحق بزوجها المسلم، أو ارتدّت عن الإسلام ولحقت بمكّة، فينهى عن إمساك عصمتها). ولكنّه عندما أراد بيان العلّة في هذا الحكم، لم يلجأ إلى التعليل بالظروف القائمة، وإنّما رجع إلى التعليل بالحكم الشرعي الأساسي، وهو عدم جواز التناكح أصلاً بين المسلمات وغير المسلمين الثابت بآية البقرة. ومن البديهي القول: إنّ هذا الحكم الأساسي لم يتنزّل بسبب الواقعة الحادثة، إنّما أمر الله تعالى بتطبيقه فيها. لذلك فإنّه حتّى لو لم نأخذ بقاعدة (العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب) فإنّ اللفظ هنا "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" يتضمّن حكماً عامّاً ثبت بآية البقرة وليس ناشئاً عن سبب النزول.

ثانياً: ما هي حقيقة الإجماع في هذه المسألة؟

1 - إذا صحّت نسبة القول (إذا أسلمت النصرانية، كان زوجها أحقّ ببضعها لأنّ له عهداً) إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من حيث السند، فإنّه غير مقبول من حيث المتن:

- لأنّ عهد الذمّة لا يصلح تعليلاً لمخالفة حكم شرعي، وهو لا يُعقد أصلاً إلاّ على شرط خضوعهم لأحكامنا الشرعية في غير العبادات.

- ولأنّ آية الممتحنة نزلت بمناسبة صلح الحديبية لتبيّن عدم جواز تنفيذ العهد في هذه المسألة.

- ولأنّ الشيعة بكلّ مذاهبهم – فضلاً عن السُنّة – لم يأخذوا بهذا القول، ووافقوا المذاهب السنّية على تحريم بقاء المسلمة عند غير مسلم، وهم الذين يقيمون الكثير من آرائهم على مخالفة أهل السُنّة.

2 - الروايات المنسوبة لأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب متناقضة، فبعضها يخيّر المرأة المسلمة بين مفارقة زوجها أو القرار عنده. والبعض الآخر يحكم بالتفريق إذا أبى الزوج أن يسلم. والروايتان لا يمكن التوفيق بينهما. وإذا كان الترجيح من حيث السند قد انتهى إلى صحّة رواية التخيير وضعف رواية التفريق، فإنّنا نرى من حيث المتن ترجيح رواية التفريق، لانسجامها مع النصوص، ولقبولها من جمهور العلماء والمذاهب، ولأنّ رواية التخيير نفسها تختلف ألفاظها بين (قرّت عنده) و (أقامت عليه). وقد فسّر العلماء ومنهم ابن القيّم (أقامت عليه) بأنّها تبقى زوجته بالعقد ولا يحلّ لها أن تقربه.

3 - الرواية الصحيحة والأكثر شهرة عن ابن عبّاس التفريق.

4 - أمّا التابعون فقد أخذ جمهورهم برواية ابن عبّاس، ولم يأخذ برواية التخيير المنسوبة إلى عمر وعلي إلاّ النخعي والشعبي وحمّاد.

5 - حتّى إذا انقضى عصر التابعين، لم نعلم لدى جميع العلماء والمذاهب السُنّية والجعفرية والزيدية والظاهرية من قال بجواز حِلّ المعاشرة الزوجيّة بينها وبين زوجها غير المسلم. لذلك يصحّ أن نقول: إنّ الإجماع انعقد بعد عصر التابعين على هذه المسألة، لم نعلم في ذلك خلافاً، وعلى من يدّعي غير ذلك أن يأتينا بقول واحد يؤيّد رأيه.

ومن المعروف عند الأصوليين أنّ الإجماع لا يُشترط فيه أن يكون في جميع العصور، بل يكفي أن يكون في عصر واحد.

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:14 AM
ثالثاً: وجوب فسخ عقد النكاح السابق إذا أسلمت الزوجة:

أولاً: كيفية فسخ العقد:

إنّ عقد النكاح السابق لإسلام الزوجة كان صحيحاً، ولكنّه بعد الإسلام يُصبح واجب الفسخ. ولا يجوز لها أن تقرّ عنده، ولو لم يكن محارباً لدينها، ولو كانت ترغب في إسلامه، لأنّ النصّ جاء مطلقاً "لا هنّ حِلٌّ لهم ولا هُم يَحِلّونَ لَهُنَّ". وإذا قرّت عنده – بعذر أو بدون عذر – فلا يجوز لها أن تمكّنه من نفسها لأنّها لا تحلّ له.

أمّا طريقة فسخ العقد فهي رفع الأمر إلى القضاء في جميع الحالات.

- ففي دار الإسلام يُعرض الإسلام على الزوج فإن أبى يفرّق القاضي بينه وبين زوجته.

- وفي دار الحرب تطلب الزوجة التفريق لأيّ سبب ينسجم مع قوانين بلادها، وعادة تحكم المحاكم بالتفريق ولو بعد زمن طويل.

- في الفترة الممتدّة بين إسلام الزوجة وبين صدور حكم التفريق عن زوجها، تُعتبر الزوجيّة قائمة، وقد نصّت المادة: 126 من الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية على مذهب أبي حنيفة أنّه (ما لم يفرّق القاضي بينهما فالزوجية باقية) وأيّد هذا الرأي الأبياني في شرحه لهذه الأحكام وهو الرأي المعمول به في المذهب الحنفي. إلاّ أنّ هذه المادّة تشير إلى بقاء الزوجيّة في دار الإسلام باعتبار أنّ القضاء لم يكن يتأخّر في إصدار حكم التفريق. إلاّ أنّه الآن من المرجّح أن يتأخّر الحكم إلى ما بعد انتهاء فترة العدّة بسبب طول الإجراءات القضائية الحديثة، فهل تبقى الزوجيّة قائمة بكلّ مفاعيلها بما فيها حقّ الوطء؟ لم أجد فيما قرأت جواباً على هذا السؤال. لكن في مذهب الأحناف (أنّ الزوجة إذا أسلمت في دار الحرب أو في دار الإسلام تبين عن زوجها إذا لم يسلم عند انتهاء فترة العدّة) . ولكن لا بدّ أن تكرّس البينونة بحكم القضاء، فمقتضى مذهب الأحناف أنّ القاضي المسلم لو تأخّر في التفريق إلى ما بعد انتهاء فترة العدّة، فإنّ الزوجيّة باقية كعقد، لكن بدون أن يكون له حقّ الوطء.

- أمّا خارج دار الإسلام فإنّ تفريق المرأة المسلمة عن زوجها غير المسلم يستغرق سنوات طويلة قد تصل أحياناً إلى عشر سنوات. فالقوانين المدنية الحاكمة في أكثر البلاد المسيحية تشترط أن يسبق التفريق الرسمي هجر بين الزوجين لمدّة خمس سنوات، ولا يمكن رفع طلب التفريق إلاّ بعد مرور هذه المدّة، وإذا رفض الزوج التفريق فقد يتأخّر حكم البداية ثمّ الاستئناف إلى سنوات، وإذا صدر حكم التفريق فإنّ كثيراً من قوانين تلك البلاد يحدّد فترة العدّة بسنة كاملة.

فهل يصحّ أن تبقى المرأة حين تسلم معلّقة مع زوجها غير المسلم، لا تستطيع الافتراق عنه سنوات طويلة؟ وبالتالي لا تستطيع نكاح زوج آخر – ولو كان ذلك مباحاً لها شرعاً بعد انتهاء العدّة – ولا تستطيع مقاربة زوجها غير المسلم؟ إنّ الله تعالى نهى الرجل المسلم أن يميل إلى إحدى زوجتيه ميلاً كلّياً ويذر الأخرى كالمعلّقة، أي ليست بذات زوج ولا مطلّقة كما يقول العلماء. والرسول e أباح زواج المتعة لعدم قدرة الرجال في الحروب على البعد عن زوجاتهم بضعة شهور. وعمر y حدّد للمجاهدين أربعة أشهر حتّى يعودوا لزوجاتهم، لأنّ المرأة لا تصبر في العادة أكثر من ذلك.

هذا بلا شكّ حرج حقيقي كبير ينبغي معالجته. لكن لا تكون معالجته بإباحة الحرام ابتداءً، ومخالفة النصوص الواضحة. وإنّما يمكن أن يُباح من قبيل الضرورة الشرعية. والضرورات تُبيح المحظورات. وإشباع الغريزة الجنسية قد يكون ضرورة تفوق ضرورة الأكل عند بعض الناس، وقد يستطيع البعض الآخر أن يصبر عليها.

فإذا قلنا إنّ الحكم الشرعي الأصلي تحريم الوطء بين المسلمة وغير المسلم.

فإنّنا يمكن أن نقول: إنّه إذا طال الوقت ولم يصدر حكم التفريق، ولم تستطع المرأة الصبر على الانتظار، وتعرّضت بذلك للوقوع في الحرام، فإنّ معاشرتها الزوجيّة لزوجها غير المسلم تصبح من قبيل الضرورة. هذه قد تكون فتوى فردية لظروف يقدّرها المفتي، ولا يمكن أن تكون حكماً عامّاً.

وهنا فإنّنا نرى أنّ معاشرة المرأة المسلمة لزوجها غير المسلم في مثل هذه الظروف ليست من الزنا لوجود شبهة العقد السابق، وبقائه نافذاً، أو تحوّله إلى عقد جائز موقوف، يؤيّد ذلك قول الإمام الشافعي: (ولو أسلم الرجل ولم تسلم امرأته في العدّة، فأصابها. كانت الإصابة محرّمة عليه لاختلاف الدينين … لأنّنا علمنا أنّه أصابها وهي امرأته، وإن كان جماعها محرّماً … وهكذا لو كانت هي المسلمة وهو الثابت على الكفر …) .

أحمد سعد الدين
02-11-2005, 02:15 AM
ثانياً: أسباب فسخ العقد:

ونحن نرى بناءً على ما سبق أنّ سعي المرأة المسلمة لفسخ عقد زواجها القائم مع غير مسلم، واجب عليها، وليس مجرّد خيار لها وذلك للأسباب التالية:

1 - الالتزام بالنصّ الشرعي الواضح القاطع "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ". إذا لا معنى لعدم الحلّية هنا، إلاّ عدم حلّية التناكح. فالعقد قائم، ومقتضاه أنّ النكاح مباح. لذلك لا بدّ من فسخ هذا العقد حتّى يتمّ تنفيذ حكم الله بعدم التناكح.

2 - إنّ المسلمة مطالبة بتنفيذ حكم الله – وهو هنا عدم الحلّية لغير المسلم – وهي مطالبة أيضاً بالوفاء بالعقود، وبموجب عقد الزواج عليها تلبية طلب زوجها للمعاشرة الجنسية. ولا يمكن التوفيق بين الأمرين إلاّ بمخالفة أحدهما، أو بإلغائه. وبما أنّ حكم الله لا يقبل التغيير أو الإلغاء، فلم يعد هناك خيار أمام المسلمة إلاّ فسخ العقد لتتحرّر من واجب الوفاء به.

3 - تطبيقاً لمبدأ عدم الحلّية، أمر الله تعالى الرجال المسلمين بطلاق زوجاتهم المشركات من غير الكتابيّات، فقال: "وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر" وكان لعُمَر امرأتين مشركتين فطلّقهما امتثالاً لأمر الله، ولم يكن طلاقهما سبباً لنزول الآية بل كان تنفيذاً لها. وأجمع العلماء فيما نعلم على إطلاق هذا الحكم.

ونقول: إنّه حتّى لو لم يوجد مثل هذا النصّ في حقّ النساء المسلمات وهو قوله تعالى: "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" فإنّ قياس النساء على الرجال يكون هنا من باب أولى، ولذلك قلنا إنّه لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتمسّك بزوج كافر، وعليها أن تبادر إلى طلب فسخ زواجها منه وتفريقها عنه.

4 - إنّ رأي الإمام ابن القيّم وشيخه ابن تيميه، وهو أنّ الزواج موقوف حتّى تنكح زوجاً غيره، على وجاهته غير ممكن التطبيق في العصر الحاضر. إذ لا يُسمح للمرأة الزواج من رجل آخر إلاّ بعد فسخ عقد زواجها السابق. وليس مقبولاً في قوانين جميع الدول، ومنها قوانين الدول الإسلامية المستمدّة من الأحكام الشرعية، أن يُباح للمرأة عقد زواج ثانٍ وهي لا تزال على عصمة زوجها الأول بحجّة أنّ الزواج الأول ينحلّ حين يُعقد الزواج الثاني. فإذا كان من حقّها بعد انتهاء العدّة أن تنكح زوجاً آخر، فإنّ هذا الحقّ لا تستطيع ممارسته قانونياً إلاّ بعد فسخ عقدها السابق. فيكون هذا الفسخ واجباً على أقلّ تقدير لتمكينها من ممارسة حقّها الشرعي بالزواج من آخر.

ونحن نقول بالوجوب وليس فقط الجواز، مراعاة لمصلحة المرأة المسلمة نفسها إذ أنّها لو انتظرت إسلام زوجها سنوات، ثمّ قطعت الأمل من ذلك وأرادت الزواج بغيره، وأرادت أن تبدأ إجراءات فسخ العقد بعد ذلك، فإنّ هذا التأخّر يزيد فترة بقائها غير ذات زوج سنوات أخرى. هذا الضرر عليها قد لا تنتبه له عند إسلامها، لأنّها تكون قادرة على انتظار زوجها حتّى يُسلم، ثمّ تنتبه له بعد انتظار سنوات، فتندم على تأخّرها بإجراءات فسخ العقد.