المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حياة الحاج جلال



د. عمر هزاع
02-11-2005, 04:55 AM
بقلم : يحيى هاشم



6- حياة الحاج جلال
أشار بإصبعه المرتعشه الىابنته التى تجلس بجانبه على السرير أغلب الاوقات ، وتنام بجانبه عندما تسوء حالته الصحيه ، فهمت الابنه ما يريد أباها رغم إنه لم ينطق بحرف واحد .. أليس بينهما احساس مشترك؟؟ هكذا كان يقول لها كل اخواتها ( عندما كانت تحضر لوالدها كوب ماء وهو لم يطلبه من احد وبالفعل يكون عطشان )
فقامت واحضرت الكرسى ذو العجلات المتحركه الذى أصبح هو قدميه التى لايستطيع أن يحركهما منذ وفاة زوجته ( أم البنات ) كما كان دائما يطلق عليها .
سبع بنات هم حصيلة حياة الحاج / جلال منذ أن تزوج ( أم البنات ) وهو لاينجب سوى بنات كان يتمنى الولد ولكنه كان بعد كل بنت يحمد الله ويكتم امنيته فى قلبه ويستقبل حياته الجديدة (هكذا كان يطلق على كل مولودة جديدة ويكتب فوق صورة كل بنت من بناته التى يعلقها فى مكتبته الشخصيه )
حياة جديدة . وتاريخ الميلاد . والاسم ..
أعطته الحياة 6 بنات والسابعة أو اخر العنقود كما تحب هى أن ينادوها أعطاها هو اسم ( حياة ) ولكن حياته الجديدة أخذت منه أجمل حياة عاشها ( أم البنات ) فتوفت زوجته وهى تمنحه الجزء الأخير منها.
لم يتحمل الصدمة أصيب بشلل نصفى ( نصف جسده الاسفل ) أما الجزء العلوى فقد توقف عن الحركه ارادياً (هكذا فسر الطبيب ) إن الشلل تمكن من أن يتسرب إلى النصف الاسفل من جسده إما النصف العلوى فهو الذى لايريد أن يحركه برغبته وليس بسبب مرضى .
لقد فقد الحاج جلال الرغبة فى الحركه ، وتوقع الجميع إنه سيكره " حياة " التى كانت السبب فى نهاية حياة زوجته الوفيه الغاليه لكنه اعطاها من الحب قدر ما أعطى كل بناته الست الاخريات ، جعلها قدمه التى لايستطيع أن يسير بهما نحو مطبعته العملاقه التى أخرجت من الكتب الالاف .
وجعلها يده التى لم يعد يستطيع أن يمسك بهما القلم ليسطر بها الكتب التى كان يضع مقدماتها أو يعلق عليها.
نعود الى الحجرة حيث الان يجلس الحاج جلال على الكرسى ذو العجلات المتحركه تدفعه بكل حب حياة فى أرجاء المنزل حتى لايصاب بالملل،ولكن هذه المرة لم يبدى موافقته على النزهة المنزلية اليومية
وأخذ يشير اليها بإصابعه المرتعشه نحو باب المنزل دفعته حياة حتى وةصلت به الى هناك ولكن عندما حاولن أن تستدير أشار مرة ثانية محاولا أن يفتح الباب ، هنا توقفت حياة عن الدفع ... تسمرت العجلات فى مكانها وكأنها فهمت رسالة حياة وغرض أبوها الحاج جلال .
نظر اليها بصرامة ممزوجه برحيق الحب والرفق فجاوبته بدموع عينيها .. لا يا أبى .. لا يا أبى .. لاأستطيع أن أهبط بك اليوم الى المطبعه .. ليس اليوم .. ليس اليوم ..
حاول أن يحرك بجسده الكرسى ولكنه لم يستطع .. أخذ يحاول ويحاول ولكن ماتبقى فى الجسد العليل من قوى أضعف من أن يحرك مجرد عجلات .
أدرك عجزه .. نظر فى الارض وأطرق ساكناً ، هكذا كان يفعل دائماً .. يبقى جسداً بلا روح أوحياة أو حركه عندما يشعر بالعجز ، وهنا لم تستطيع حياة أن تتمالك نفسها وهبطت على قدميه فقبلتهما ودموعها تتساقط كأمطار فى ليلة برد .
كان يريد أن يربت على شعرهاالاسود الفاحم الطويل كشعر امها .. ولكن رفضت يده أن تتحرك ، لقد أصبح جسده يتمتع بشعور الموت وأصبحت الحياة أمنية غير مستحبه لديه .
الشئ الوحيد الذى تحرك كان دموعه تساقطت ساخنه تلهب خديه ، وكان اكثر شئ يكره هو هبوط تلك الدموع حاول أن يمنعها ولكن عجزت ارادته الميته عن مواجهة دموعه النابضه بالحياة والضعف
فتحت حياة باب الشقة وحركت الكرسى ذو العجلات المتحركه نحوه ... هنا رفع الحاج جلال رأسه وشعر بالحياة تدب فى جميع أجزاء جسده ، كان يريد أن يطير نحو المكان الذى أفنى فيه حياته .. المطبعه والمخزن الملحق بها .. كم كان يفتقد رحيق الكتب .. تذكر هنا عندما ذهب الى عم / حجازى بائع العطور وطلب منه أن يقوم بعمل تركيبه له تعطيه رائحة ورق الكتاب القديم الاصفر .. وكيف أن عم / حجازى أخذ يضحك حتى دمعت عيناه وبلل لحيته البيضاء الكثة .
كم يعشق صوت ماكينات المطبعه .. كم كان يلهث وراء كل كتاب قيم وكل مؤلف ذو فكر حتى لو كان ذلك الفكر يخالف الحكام وكم سبب له هذا من المشاكل التى لولاها لأصبح ناشر معروف ليس فى مصر فقط .
وصلت حياة والحاج جلال فى صحبة الكرسى ذو العجلات المتحركه الى المطبعة وكم كانت الصدمة .
التراب يملأ المكان .. المكان مهجور .. لم يدخله أحد منذ زمن ، لقد قام بتوصية ابنته الكبرى برعايتها وأن يعاملنها كما يعاملن أبنائهن ولكن لاحياة لمن تنادى .....
لقد هجر المكان وهجر المطبعه .... هجر كل شئ هجرته زوجته وهجرته صحته .. وخانته قوته ، دفع بنفسه الكرسى وساعدته ابنته .. أخذ يمسح التراب عن الماكينه بيديه المرتعشتين .. أخذ يدور فى المكان .. كأنه يدور على قدميه عندما كانت تطاوعه .. تخيل نفسه ينتظر خروج أول كتاب يطبعه فى مطبعته ، بعد تجميعه وكم كانت لهفته أن يدون على غلاف الكتاب " مطبعة الحياة " وعندما أدرك أنه الان على كرسيه المتحرك وأنه لايستطيع حتى أن يفتح المطبعه طرق ساكنا ناظرا بوجهه نحو الباب ففهمت ابنته ما يريد وخرجت به نحو باب المخزن حيث يخزن والدها كل ماقام بطبعه من الكتب وبعض المكتبات الخاصه التى كان يشتريها من أصحابها بأسعار باهظا كانت سبب خلاف دائم بينه وبين زوجته .
كانت حياة تعلم مدى خطورة التوجه نحو المخزن فى هذا اليوم ولكنه طاوعت والدها ودرجت به نحو المخزن ، كانت تعلم أن اليوم هو اليوم الذى ستباع فيه كل الكتب التى فى المخزن وسيتم تأجيره وسيصبح " سوبر ماركت " تعلم أن هناك تجار من سور الازبكيه سيحضرون اليوم لشراء كل شئ ولن يبقوا فيه أى شئ ، فما جمعه والدها طوال حياته وطبعه وقام بتحقيقه فى مطبعته يعد ثروة ثقافيه نادراً ما تجدها فى اى مكان آخر ستبدد اليوم وتنتهى أجمل جزء فى حياته .
تذكرت وهى تدفعه نحو المخزن عندما قام والدها بشراء المكتبه الشخصيه لواحد من كبار الادباء فى مصر وكيف انه كاد يبكى من الفرحة بعد أن حصل عليها رغم انه دفع فيها مبلغ كبير وقتها ولكن لايهم .. فهو يعلم قيمتها : ورغم ان معظم الكتب التى كانت فيها لم تكن من الفروع التى يمكن بيعها للقارئ العادى الا أن شرائه لها هو انه يعرف قيمتها ولم يكن يضمن أن كمن سيشتريها سوف يقدر قيمتها الصحيحه .
تذكرت كيف بث فيها روح المعرفة والاطلاع وحب الكتاب ، وكيف أنها عندما دخلت المخزن لاول مرة ووضعت بعفويه يدها على أحد الكتب .. إنه بعد اسبوع قد احضر لها هذا الكتاب مجلد تجليد فاخر وانه كتب اسمها عليه بحروف ذهبيه رقيقه وكيف انها مازالت تحتفظ بهذا الكتاب بعد كل هذه السنوات .
وصلوا الى المخزن ووجدت التجار يحاول كل منهم أن يزيد من السعر رغبة فى اقتناء هذه الثروة ، نظر اليها والدها نظرة لن تنساها طوال عمرها ، نظر الى أزواج بناته الذين كانوا يقفون أمام المخزن وكأنهم أصحاب المال وأن ما يبيعونه هو حقهم ومالهم وملكهم .
لكنه هذه المرة لم يطرق ساكنا .. ناظرا الى الارض .. دفع بجسده الكرسى .. ولأول مرة يستجيب له هذا المعدن القاسى , دخل ووراءه ابنته كملاكه الحارس أخذ يجول فى المكان وكأنه يودعه حتى وصل الى جزء فى المخزن لايعرفه أحد غيره .
أشار بإصابعه المرتعشه نحو جزء مظلم فى أحد أركانه فذهبت ابنته نحوه مسرعة وجدته جزء أصابه البلل فأوضحت له .. ولكنه أصر على أن تأخذ ما فيه وبالفعل أدخلت يدها فيه فوجدت صندوق كرتونى كبير حاولت رفعه بيد واحدة ....... لم تستطيع فقامت برفعه بكلتا يديها واستجاب لها كأنه يحترم الرجل الجالس مستكينا على الكرسى ذى العجلات المتحركه .. كانت المياه تتساقط منه حاولت أن تضعه على الارض ولكنه رفض واشار اليها ان تضعه على قدميه ... وبالفعل وضعته لم يهتم بالماء الذى كان يتساقط على ساقيه ولكنه فتح الصندوق وأخرج ما به وكان عبارة عن موسوعة كبيرة عن تاريخ الأديان وهى أول موسوعة قام بطبعها والتى اختصت مطبعته فقط بطبعها ونشرها وكانت تلك الموسوعه حديث مصر وقتها وحصد عليها جائزة أفضل ناشر.
كانت تلك الموسوعة مجلدة تجليد فاخر وعليه اسم "حياة جلال " ابنته الصغرى واهداء من كاتب الموسوعة الى الابنة الصغرى .
نظر الى الماء المتساقط من الكرتونه المرتهله جوانبها وكأن حياته هى التى تتساقط منها وليس الماء
ولكن التجليد هو الذى قام بحفظ الاوراق القديمه الصفراء من أن تبلى .
نظر الى ابنته نظرة تساقطت معها دموعها كما تتساقط المياه من الكرتونه الباليه كما بليت المكتبه والمخزن والماكينه والمطبعه .
لم تهتم بالكرسى ولابحالة والدها الصحيه ولابالماء المتساقط وهبطت على يدى والدها تقبلهما .. حرك يديه المرتعشتين وربت على رأسها ولاتعلم الى الان هل ما سمعته كان حقيقه ام خيال فقد سمعت صوت والدها يقول لها بصوت رخيم ..( أنا سأموت يا حياة ) ّّّّّّّّّّّّ!!!!!!!!!!!!!!
نظرت له نظرة عدم تصديق .. فوالدها لم يتحدث منذ سنوات .هو لايتحدث اختياريا ولكنه لايتحدث .
لم يعطها وجهه اى انطباع فقامت ودفعته خارج المخزن ولكنه طلب منها باشارة بيده أن توقفه امام البيت .. نظر عاليا نحو اليافطه المعلقه اعلى باب المخزن .. اشار بيديه المرتعشتين نحوها فطلبت من أحد العاملين ان ينزلها له حملتها ودفعت والدها للعودة الى المنزل .. طلب منها ان تضع اليافطه بجوار الفراش الذى تركه اليوم فقط وعاد اليه اليوم أيضا.
لم يفارق الحاج جلال الفراش حتى وافته المنيه بعد شهرين من هذا اليوم ولايعرف احد هل كان مصادفه ان يكون اليوم هو عيد ميلاد " حياة " العشرين
ومازالت حياة حتى الان تحتفظ باليافطه والكرسى ذى العجلات المتحركه وموسوعة تحمل اسمها واسم مطبعة أبوها.
( مطبعة الحياة )
10/5/2005

د. عمر هزاع
02-11-2005, 04:56 AM
أبدعت ههنا أيضا

موضوع مثير ويستحق القراءة مرات ومراااااااااات

جزيل الشكر لما تتحفنا به من فن الكتابة والابداع المتواصل

لا حرمنا الله من مواضيعك

د. عمر هزاع
02-11-2005, 04:57 AM
رد : شظايا إمرأة


الفنان Mosakaf5
الرائع حقا
اين كنت ايها المثقف فغيرك كثيرون ارى اعمالهم متواجدة فى كل مكان
وارى انهم لايملكون مثلما تملك من ابداع
اتمنى ان ارى كتاب لك فى العرس السنوى لنا فى معرض الكتاب

شظايا امرأة

د. عمر هزاع
02-11-2005, 04:59 AM
رد : يحيى هاشم


العزيز د/ هزاع
أنت المبدع فى ردودك
شكرا
Mosakaf5

....................
العزيزة شظايا امرأة
أشكرك تمام الشكر
أحب أن أزف لك خبرا قد يكون سعيدا
مجموعتى القصصية الأولى ( رجل أدمن الغباء )
تصد 15/8 القادم ان شاء الله
أرجو أن أسمع رأيك فى باقى القصص
موقعى الشخصى
http://www.mosakaf5.jeeran.com/