أحمد سعد الدين
02-11-2005, 06:04 PM
السؤال :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى والصلاة على النبي المصطفى
أيها الاخوة والأخوات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحببت أن نقضي بعض الوقت في تدارس كتاب الله العظيم القرآن الكريم
والكل يعلم بأنه لابد من تدبر القرآن -- ولايجوز لنا الإجتهاد في تفسيره وتأويله
وإذا صعب علينا فهمُ بعض الكلمات أو الآيات بحثنا عنها فيما كتبه لنا الراسخون في العلم من كتب التفسير
وقد يكون بعضنا إطلاعه على تللك التفاسير وتواجده في حلقات العلم أكثر من غيره
فيفيد مما استفاد
لذا ويشهد الله للمعرفة ( لجهلى وقلة مراجعي وتواضعها ان وجدت ) أحببت أن أستفسر عما يلي
أولاً
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأعراف :
( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
-قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ -
قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ - قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ
- قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لاَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ - ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ )
سورة الأعراف ( 12 - 17 )
--------------------------------
وفي سورة الحجر يقول تعالى :
(قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ - وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّين - قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
- قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ - إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ - قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لاُزَيِّنَنَّ
لَهُمْ فِي الاَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ )
سورة الحجر ( 34 - 39 )
سؤالي
لقد أغوى نفسه من عليه لعنة الله بتكبره وعصيان خالقه - فلماذا ينسب غوايته إلى ربه ؟
------------
ثانياً
وفي سورة ( ق ) يقول عز وجل :
( وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ) سورة ( ق ) الآية 13
وَإِخْوَان لُوطٍ المقصود بهم قوم لوط فما المقصود بالإخوةهنا - فكيف من كذب نبي الله لوط عليه السلام وعصوا
امره وناصبوه العداوة يوصفون بالإخوان -- وفي في سورة هود يقول الله تعالى :
(قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) الآية 80 والقول الذي أخبرنا عز وجل به هو قول لوط عليه
السلام
والمقصود بالركن الشديد هو العزوة من الجماعة والأقارب
أرجو أن يكون السؤال مفهوم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحمد سعد الدين
02-11-2005, 06:05 PM
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل ...
جزاك الله خيرا
جواب السؤال الأول :
قال الطبرى :
لما كان السبب الذي به غوى وهلك من عند الله أضاف ذلك إليه فقال: فَبما أغْوَيْتَنِي
وقال ابن عطية :
أغويتني ^ قال الجمهور معناه أضللتني من الغي # وعلى هذا المعنى قال محمد بن كعب القرظي فيما حكى الطبري قاتل الله القدرية لإبليس أعلم بالله منهم يريد في أنه علم أن الله يهدي ويضل وقال الحسن ^ أغويتني ^ لعنتني # وقيل معناه خيبتني # قال القاضي أبو محمد وهذا كله تفسير بأشياء لزمت إغواءه وقالت فرقة ^ أغويتني ^ معناه أهلكتني حكى ذلك الطبري وقال هو من قولك غوى الفصيل ويغوي غوى إذا انقطع عنه اللبن فمات # وأنشد # ( معطفة الأثناء ليس فصيلها % برازئها درا ولا ميت غوى ) + الطويل + # قال وقد حكي عن بعض طيىء أصبح فلان غاويا أي مريضا
قال البغوى :
" قال فبما أغويتني "، اختلفوا في (ما) قيل: هو استفهام يعني فبأي شيء أغويتني ؟ثم ابتدأ فقال: " لأقعدن لهم "وقيل: ( ما ) الجزاء، أي: لأجل أنك أغويتني لأحقدن لهم. وقيل: هو (ما) المصدرية موضع القسم تقديره: فبإغوائك إياي لأقعدن لهم، كقوله "بما غفر لي ربي" (يس،27)، يعني: لغفران ربي. والمعنى بقدرتك علي ونفاذ سلطانك في . وقال ابن الأنباري : أي فيما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء، أغويتني: أضللتني عن الهدى. وقيل: أهلكتني. وقيل: خيبتني
وفى الكشاف للزمخشرى :
{فَبِما أَغوَيتني {فبسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم. وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي ولم يثبت كما ثبتت الملائكة مع كونهم أفضل منه ومن آدم أنفساً ومناصب وعن الأصم: أمرتني بالسجود فحملني الأنف على معصيتك. والمعنى: فبسبب وقوعي في الغي لأجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسببهم. فإن قلت: بم تعلقت الباء فإن تعلقها بلأقعدن يصد عنه لام القسم لا تقول: والله بزيد لأمرن قلت: تعلقت بفعل القسم المحذوف تقديره: فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدن أي فبسبب إغوائك أقسم. ويجوز أن تكون الباء للقسم أي: فأقسم بإغوائك لأقعدن وإنما أقسم بالإغواء لأنه كان تكليفاً والتكليف من أحسن أفعال اللّه لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً بأن يقسم به. ومن تكاذيب المجبرة ما حكوه عن طاوس: أنه كان في المسجد الحرام فجاء رجل من كبار الفقهاء يرمي بالقدر فجلس إليه فقال له طاوس: تقوم أو تقام فقام الرجل فقيل له: أتقول هذا لرجل فقيه فقال: إبليس أفقه منه قال رب بما أغويتني وهذا يقول: أنا أغوي نفسي وما ظنك بقوم بلغ من تهالكهم على إضافة القبائح إلى اللّه سبحانه أن لفقوا الأكاذيب على الرسول والصحابة والتابعين. وقيل: {ما {للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدئ لأقعدن. وإثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على {ما {الاستفهامية قليل شاذ. وأصل الغي الفساد. ومنه: غوى الفصيل إذا بشم. والبشم: فساد في المعدة
أحمد سعد الدين
02-11-2005, 06:05 PM
وقال الفخر الرازى :
قول إبليس: {فيما * أغويتنى } يدل على أنه أضاف إغواءه إلى الله تعالى، وقوله في آية أخرى: {فبعزتك لاغوينهم أجمعين } يدل على أنه أضاف إغواء العباد إلى نفسه.
فالأول: يدل على كونه على مذهب الجبر. والثاني: يدل على كونه على مذهب القدر، وهذا يدل على أنه كان متحيرا في هذه المسألة، أو يقال: أنه كان يعتقد أن الإغوار لا يحصل إلا بالمغوي فجعل نفسه مغويا لغيره من الغاوين،
ثم زعم أن المغوي له هو الله تعالى قطعا للتسلسل، واختلف الناس في تفسير هذه الكلمة، أما أصحابنا فقالوا: الإغواء إيقاع الغي في القلب، والغي هو الاعتقاد الباطل وذلك يدل على أنه كان يعتقد أن الحق والباطل إنما يقع في القلب من الله تعالى.
أما المعتزلة فلهم ههنا مقامان:
أحدهما: أن يفسروا الغي بما ذكرناه.
والثاني: أن يذكروا في تفسيره وجها آخر. # أما الوجه الأول: فلهم فيه أعذار. الأول: أن قالوا هذا قول إبليس فهب أن إبليس اعتقد أن خالق الغي والجهل والكفر هو الله تعالى، إلا أن قوله ليس بحجة. الثاني: قالوا: إن الله تعالى لما أمر بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر غيه وكفره فجاز أن يضيف ذلك الغي إلى الله تعالى بهذا المعنى، وقد يقول القائل: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضر بك عنده.
الثالث: {قال رب بمآ أغويتنى * لاقعدن لهم } والمعنى: إنك بما لعنتني بسبب آدم فإنا لأجل هذه العداوة ألقى الوساوس في قلوبهم. الرابع: {رب بمآ أغويتنى } أي خيبتني من جنتك عقوبة على عملي لأقعدن لهم.
الوجه الثاني: في تفسير الإغواء ـ الإهلاك ـ ومنه قوله تعالى: {فسوق * يلقون غيا } (مريم: 59) أي هلاكا وويلا، ومنه أيضا قولهم: غوى الفصيل يغوي غوى إذا أكثر من اللبن حتى يفسد جوفه، ويشارف الهلاك والعطب، وفسروا قوله: {إن كان الله يريد أن يغويكم } (هود: 34) إن كان الله يريد أن يهلككم بعنادكم. الحق، فهذه جملة الوجوه المذكورة.
واعلم أنا لا نبالغ في بيان أن المراد من الإغواء في هذه الآية الإضلال، لأن حاصله يرجع إلى قول إبليس وأنه ليس بحجة، إلا أنا نقيم البرهان اليقيني على أن المغوي لإبليس هو الله تعالى، وذلك لأن الغاوي لا بد له من مغو، كما أن المتحرك لا بد له من محرك، والساكن لا بد له من مسكن، والمهتدي لا بد له من هاد. فلما كان إبليس غاويا فلا بد له من مغوي، والمغوي له إما أن يكون نفسه أو مخلوقا آخر أو الله تعالى، والأول: باطل. لأن العاقل لا يختار الغواية مع / العلم بكونها غواية. والثاني: باطل وإلا لزم إما التسلسل وإما الدور. والثالث: هو المقصود. والله أعلم.
المسألة الثالثة: الباء في قوله: {فبما أغويتنى } فيه وجوه:
الأول: إنه باء القسم أي بإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم أي، بقدرتك علي ونفاذ سلطانك في لأقعدن لهم على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المآثم، ولما كانت {*الباء} باء القسم كانت {*اللام} جواب القسم {منكم وما } بتأويل المصدر و {أغويتنى } صلتها.
والثاني: أن قوله: {فبما أغويتنى } أي فبسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم، والمراد إنك لما أغويتني فأنا أيضا أسعى في إغوائهم. الثالث: قال بعضهم: {ما } في قوله: {فيما * أغويتنى } للاستفهام. كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ وقال: {لاقعدن لهم } وفيه إشكال، وهو أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على «ما» الاستفهامية قليل.
المسألة الرابعة: قوله: {لاقعدن لهم صراطك المستقيم } لا خلاف بين النحويين أن «على» محذوف والتقدير: لأقعدن لهم على صراطك المستقيم. قال الزجاج: مثاله قولك ضرب زيد الظهر والبطن والمعنى على الظهر والبطن. وإلقاء كلمة «على» جائز، لأن الصراط ظرف في المعنى: فاحتمل ما يحتمله لليوم والليلة، في قولك آتيك غدا وفي غد.
إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {لاقعدن لهم صراطك المستقيم } فيه أبحاث.
البحث الأول: المراد منه أنه يواظب على الإفساد مواطبة لا يفتر عنها، ولهذا المعنى ذكر القعود لأن من أراد أن يبالغ في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود ومواظبته على الإفساد هي مواظبته على الوسوسة حتى لا يفتر عنها.
والبحث الثاني: إن هذه الآية تدل على أنه كان عالما بالدين الحق والمنهج الصحيح، لأنه قال: {لاقعدن لهم صراطك المستقيم } وصراط الله المستقيم هو دينه الحق.
البحث الثالث: الآية تدل على أن إبليس كان عالما بأن الذي هو عليه من المذهب والاعتقاد هو محض الغواية والضلال، لأنه لو لم يكن كذلك لما قال: {رب بمآ أغويتنى } وأيضا كان عالما بالدين الحق، ولولا ذلك لما قال: {لاقعدن لهم صراطك المستقيم }.
وإذا ثبت هذا فكيف يمكن: أن يرضى إبليس بذلك المذهب مع علمه بكونه ضلالا وغواية وبكونه مضادا للدين الحق ومنافيا للصراط المستقيم. فإن المرء إنما يعتقد الفاسد إذا غلب على ظنه كونه حقا، فأما مع العلم بأنه باطل وضلال وغواية يستحيل أن يختاره ويرضى به ويعتقده.
واعلم أن من الناس من قال أن كفر إبليس كفر عناد لا كفر جهل لأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغواية، فقد علم أن ضده هو الحق، فكان إنكاره إنكارا بمحض اللسان، فكان ذلك كفر عناد، ومنهم من قال لا. بل كفره كفر جهل وقوله: {فبما أغويتنى } وقوله: {لاقعدن لهم * الصراط المستقيم } يريد به في زعم الخصم، وفي اعتقاده. والله أعلم.
المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بهذه الآية في بيان أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دينه ولا في دنياه وتقريره أن إبليس استمهل الزمان الطويل فأمهله الله تعالى، ثم بين أنه إنما استمهله لإغواء الخلق وإضلالهم وإلقاء الوساوس في قلوبهم، وكان تعالى عالما بأن أكثر الخلق يطيعونه ويقبلون وسوسته كما قال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } (سبأ: 20) فثبت بهذا أن إنظار إبليس، وإمهاله هذه المدة الطويلة يقتضي حصول المفاسد العظيمة والكفر الكبير، فلو كان تعالى مراعيا لمصالح العباد لامتنع أن يمهله، وإن يمكنه من هذه المفاسد فحيث أنظره وأمهله علمنا أنه لا يجب عليه شيء من رعاية المصالح أصلا، ومما يقوي ذلك أنه تعالى بعث الأنبياء دعاة إلى الخلق، وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم إنه تعالى أمات الأنبياء الذين هم الدعاة للخلق، وأبقى إبليس وسائر الشياطين الذين هم الدعاة للخلق إلى الكفر والباطل ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك. قالت المعتزلة: اختلف شيوخنا في هذه المسألة. فقال الجبائي: إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه، ولا يضل بقوله أحد إلا من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضا، والدليل عليه قوله تعالى: {ما أنتم عليه بفـاتنين * إلا من هو صال الجحيم } (الصافات: 162 ـ 163) ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة. وقال أبو هاشم يجوز أن يضل به قوم، ويكون خلقه جاريا مجرى خلق زيادة الشهوة، فإن هذه الزيادة من الشهوة لا توجب فعل القبيح إلا أن الامتناع منها يصير أشق، ولأجل تلك الزيادة من المشقة تحصل الزيادة في الثواب، فكذا ههنا بسبب إبقاء إبليس يصير الامتناع من القبائح أشد وأشق، ولكنه لا ينتهي إلى حد الإلجاء والإكراه.
والجواب: أما قول أبي علي فضعيف، وذلك لأن الشيطان لا بد وأن يزين القبائح في قلب الكافر ويحسنها إليه، ويذكره ما في القبائح من أنواع اللذات والطيبات، ومن المعلوم أن حال الإنسان مع حصول هذا التذكير والتزيين لا يكون مساويا لحاله عند عدم هذا التذكير، وهذا التزيين والدليل عليه العرف، فإن الإنسان إذا حصل له جلساء يرغبونه في أمر من الأمور ويحسنونه في عينه ويسهلون طريق الوصول إليه ويواظبون على دعوته إليه، فإنه لا يكون حاله في / الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التذكير والتحسين والتزيين. والعلم به ضروري، وأما قول أبي هاشم فضعيف أيضا لأنه إذا صار حصول هذا التذكير والتزيين حاصلا للمرء على الإقدام على ذلك القبيح كان ذلك سعيا في إلقائه في المفسدة، وما ذكره من خلق الزيادة في الشهوة، فهو حجة أخرى لنا في أن الله تعالى لا يراعي المصلحة، فكيف يمكنه أن يحتج
أحمد سعد الدين
02-11-2005, 06:06 PM
قال ابن كثير :
يخبر تعالى أنه لما أنذر إبليس {إلى يوم يبعثون} واستوثق إبليس بذلك, أخذ في المعاندة والتمرد, فقال {فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} أي كما أغويتني, قال ابن عباس: كما أضللتني, وقال غيره: كما أهلكتني
قال القرطبى :
قوله تعالى: "قال فبما أغويتني" الإغواء إيقاع الغي في القلب؛ أي فبما أوقعت في قلبي من الغي والعناد والاستكبار. وهذا لأن كفر إبليس ليس كفر جهل؛ بل هو كفر عناد واستكبار. قيل: معنى الكلام القسم، أي فبإغوائك إياي لأقعدن لهم على صراطك، أو في صراطك؛ فحذف. دليل على هذا القول قوله في (ص): "فبعزتك لأغوينهم أجمعين" [ص: 82] فكأن إبليس أعظم قدر إغواء الله إياه لما فيه من التسليط على العباد، فأقسم به إعظاما لقدره عنده. وقيل: الباء بمعنى اللام، كأنه قال: فلإغوائك إياي. وقيل: هي بمعنى مع، والمعنى فمع إغوائك إياي. وقيل: هو استفهام، كأنه سأل بأي شيء أغواه؟. وكان ينبغي على هذا أن يكون: فبم أغويتني؟. وقيل: المعنى فبما أهلكتني بلعنك إياي. والإغواء الإهلاك، قال الله تعالى: "فسوف يلقون غيا" [مريم: 59] أي هلاكا. وقيل: فبما أضللتني. والإغواء: الإضلال والإبعاد؛ قال ابن عباس. وقيل: خيبتني من رحمتك؛ ومنه قول الشاعر:
ومن يغو لا يعدم عل الغي لائما
أي من يخب. وقال ابن الأعرابي: يقال غوى الرجل يغوي غيا إذا فسد عليه أمره، أو فسد هو في نفسه. وهو أحد معاني قوله تعالى: "وعصى آدم ربه فغوى" [طه: 121] أي فسد عيشه في الجنة. ويقال: غوي الفصيل إذا لم يدر لبن أمه.
مذهب أهل السنة أي أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر؛ ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالى. وهو الحقيقة، فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له، صادر عن إرادته تعالى. وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينه لهم، ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون: أخطأ إبليس، وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربه، تعالى الله عن ذلك. فيقال لهم: وإبليس وإن كان أهلا للخطأ فما تصنعون في نبي مكرم معصوم، وهو ونوح عليه السلام حيث قال لقومه: "ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون" [هود: 34] وقد روي أن طاوسا جاءه رجل في المسجد الحرام، وكان متهما بالقدر، وكان من الفقهاء الكبار؛ فجلس إليه فقال له طاوس: تقوم أو تقام؟ فقيل لطاوس: تقول هذا لرجل فقيه! فقال: إبليس أفقه منه، يقول إبليس: رب بما أغويتني. ويقول هذا: أنا أغوي نفسي.
وفى الدر المنثور للسيوطى :
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن ابن عباس {فبما أغويتني} قال: أضللتني.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق بقية عن أرطاة عن رجل من أهل الطائف في قوله {فبما أغويتني} قال: عرف إبليس أن الغواية جاءته من قبل الله فآمن بالقدر
أحمد سعد الدين
02-11-2005, 06:07 PM
وقال الشوكانى :
"قال فبما أغويتني" مستأنفة كالجمل السابقة واردة جواباً لسؤال مقدر، والباء في "فبما" للسببية والفاء لترتيب الجملة على ما قبلها، وقيل: الباء للقسم كقوله: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين" أي فبإغوائك إياي "لأقعدن لهم صراطك المستقيم" والإغواء: الإيقاع في الغي، وقيل: الباء بمعنى اللام، وقيل بمعنى مع. والمعنى: فمع إغوائك إياي، وقيل: "ما" في "فبما أغويتني" للاستفهام. والمعنى: فبأي شيء أغويتني والأول أولى. ومراده بهذا الإغواء الذي جعله سبباً لما سيفعله مع العباد هو ترك السجود منه وأن ذلك كان بإغواء الله له، حتى اختار الضلالة على الهدى، وقيل: أراد به اللعنة التي لعنه الله: أي فبما لعنتني فأهلكتني لأقعدن لهم ومنه "فسوف يلقون غياً" أي هلاكاً. وقال ابن الأعرابي: يقال: غوى الرجل يغوي غياً: إذا فسد عليه أمره أو فسد هو نفسه، ومنه "وعصى آدم ربه فغوى" أي فسد عيشه في الجنة "لأقعدن لهم" أي لأجدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسبب تركي السجود لأبيهم. والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة، وانتصابه على الظرفية: أي في صراطك المستقيم كما حكى سيبويه ضرب زيد الظهر والبطن، واللام في "لأقعدن" لام القسم، والباء في "بما أغويتني" متعلقة بفعل القسم المحذوف: أي فبما أغويتني أقسم لأقعدن.
وفى روح المعانى للألوسى :
( فبما أغويتني ( الفاء لترتيب مضمون الجملة التي بعد على الانظار والباء أما للقسم أو للسببية وما على التقديرين مصدرية والجار والمجرور متعلق باقسم وقيل : إنه على تقدير السببية متعلق بما بعد اللام وفيه أن لها الصدر على الصحيح فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها وجوز بعضهم كون ما استفهامية لم يحذف الفها وأن الجار متعلق باغويتني ولا يخفى ضعفه والاغواء خلق الغي وأصل الغي الفساد ومنه غوي الفصيل وغوى إذا بشم وفستد معدته وجاء بمعنى الجهل من اعتقاد فاسد كما في قوله سبحانه : ( ما ضل صاحبكم وما غوى ) وبمعنى الخيبة كما في قوله : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما ومنه قوله تعالى : وعصى آدم ربه فغوى واستعمل بمعنى العذاب مجازا بعلاقة السببية ومنه قوله تعالى : فسوف يلقون غيا ولا مانع عند أهل السنة أن يراد بالاغواء هنا خلق الغي بمعنى الضلال أي بما أضللتني وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ونسبة الاغواء بهذا المعنى إلى الله عز وجل مما يقتضيه عموم قوله سبحانه : ( خالق كل شيء ) والمعتزلة يأبون نسبة مثل ذلك اليه سبحانه وقالوا في هذا تارة : إنه قول شيطاني فليس بحجة وأواه أخرى بأن الاغواء النسبة إلى الغي كاكفره إذا نسبه إلى الكفر أو إنه بمعنى إحداث سبب الغي وإيقاعه وهو الأمر بالسجود # وقال بعضهم : إن الغي هنا بمعنى الخيبة أي بما خيبته من رحمتك أو الهلاك أي بما أهلكته بلعنك اياه وطردك له والذي دعاهم الى هذا كله عدم قولهم بان الله تعالى خالق كل شيء وانه سبحانه لا خالق غيره ولم يكفهم ذلك حتى طعنوا باهل السنة القائلين بذلك وماالظن بطائفة ترضى لنفسها من خفايا الشرك بما لم يسبق ابليس عليه اللعنة نعوذ بالله سبحانه وتعالى التعرض لسخطه نعم الاغواء بمعنى الترغيب بما فيه الغواية والامر به كما هو مراد اللعين من قوله : ( لاغوينهم ) مما لايجوز من الله تعالى شأنه كما لا يخفى ثم إن كانت الباء للقسم يكون المقسم به صفة من صفات الافعال وهو مما يقسم به في العرف وإن لم تجر الفقهاء به أحكام اليمين + ولعل القسم وقع من اللعين بهما جميعا فكى تارة قسمه باحدهما وأخرى بالآخر وان كانت سببية فالقسم بالعزة أي بسبب اغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك ( لاقعدن لهم ( أي لآدم عليه السلام وذريته ترصدا بهم كما يقعد القطاع للسابلة ( صراطك المستقيم # 61 # ) ) الموصل إلى الجنة وهو الحق الذي فيه رضاك
وقال ابن الجوزى فى زاد المسير :
قوله تعالى: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } في معنى هذا الإغواء قولان.
أحدهما: أنه بمعنى: الإضلال، قاله ابن عباس، والجمهور.
والثاني: أنه بمعنى: الإهلاك، ومنه قوله: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } أي: هلاكا، ذكره ابن الأنباري. وفي معنى {فَبِمَا } قولان.
أحدهما: أنها بمعنى القسم، أي: فباغوائك لي.
والثاني: أنها بمعنى الجزاء، أي: فبأنك أغويتني، ولأجل أنك أغويتني {لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.
أحمد سعد الدين
02-11-2005, 06:07 PM
وجواب السؤال الثانى :
تفسير ابن كثير :
( وإخوان لوط } وهم أمته الذين بعث إليهم من أهل سدوم
الألوسى :
أخوهم لوط ( وكانوا من أصهاره عليه السلام )
وفى قوله تعالى مخبرا عن قول لوط لقومه (قَالَ لَوْ أَنّ لِي بِكُمْ قُوّةً أَوْ آوِيَ إِلَىَ رُكْنٍ شَدِيدٍ )
قال الطبرى :
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَالَ لَوْ أَنّ لِي بِكُمْ قُوّةً أَوْ آوِيَ إِلَىَ رُكْنٍ شَدِيدٍ }.
يقول تعالـى ذكره: قال لوط لقومه حين أبوا إلا الـمضيّ لـما قد جاءوا له من طلب الفـاحشة وأيس من أن يستـجيبوا له إلـى شيء مـما عرض علـيهم: لَوْ أنّ لـي بِكُمْ قُوّةً بأنصار تنصرنـي علـيكم وأعوان تعيننـي, أوْ آوي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ يقول: أو أنضمّ إلـى عشيرة مانعة تـمنعنـي منكم, لـحلت بـينكم وبـين ما جئتـم تريدونه منـي فـي أضيافـي. وحذف جواب «لو» لدلالة الكلام علـيه, وأن معناه مفهوم.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.
ذكر من قال ذلك:
حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: قال لوط: لَوْ أنّ لـي بِكُمْ قُوّةً أوْ آوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ يقول: إلـى جند شديد لقاتلتكم.
حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: أوْ آوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ قال: العشيرة.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة: إلـى رُكْنٍ شَديدٍ قال: العشيرة.
حدثنـي الـحارث, قال: حدثنا عبد العزيز, قال: حدثنا مبـارك بن فضالة, عن الـحسن: أوْ آوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ قال: إلـى ركن من الناس.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال قوله: أوْ آوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ قال: بلغنا أنه لـم يبعث نبـيّ بعد لوط إلا فـي ثروة من قومه حتـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: لَوْ أنّ لـي بِكُمْ قُوّةً أوْ آوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ أي عشيرة تـمنعنـي أو شيعة تنصرنـي, لـحلت بـينكم وبـين هذا.
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: لَوْ أنّ لـي بِكُمْ قُوّةً أوْ آوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ قال: يعنـي به العشيرة.
حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا ابن أبـي عديّ, عن عوف, عن الـحسن: أن هذه الآية لـما نزلت: لَوْ أنّ لـي بِكُمْ قُوّةً أوْ آوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللّهُ لُوطا, لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ».
حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا جابر بن نوح, عن مبـارك, عن الـحسن, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللّهُ أخِي لُوطا, لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ, فلأَيّ شَيْءٍ اسْتكانَ».
حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عبدة وعبد الرحيـم, عن مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو سلـمة, عن أبـي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحَمَةُ اللّهِ علـى لُوطٍ إنْ كانَ لَـيَأْوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ, إذْ قالَ لقَوْمِهِ لَوْ أنّ لـي بِكُمْ قُوّةً أوْ آوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ, ما بَعَثَ اللّهُ بَعْدَه مِنْ نَبِـيّ إلاّ فِـي ثَرْوةٍ مِنْ قَوْمِهِ». قال مـحمد: والثروة: الكثرة والـمنعة.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا مـحمد بن كثـير, قال: حدثنا مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو سلـمة, عن أبـي هريرة, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم, بـمثله.
حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنـي سلـيـمان بن بلال, عن مـحمد بن عمرو, عن أبـي سلـمة, عن أبـي هريرة, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم, بـمثله.
حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـان الـمصري, قال: حدثنا سعيد بن تلـيد, قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم, قال: ثنـي بكر بن مضر, عن عمرو بن الـحارث, عن يونس بن يزيد, عن ابن شهاب الزهري, قال: أخبرنـي أبو سلـمة بن عبد الرحمن وسعيد بن الـمسيب, عن أبـي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رَحِمَ اللّهُ لُوطا, لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ».
حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنـي يونس, عن ابن شهاب, عن أبـي سلـمة بن عبد الرحمن وسعيد بن الـمسيب, عن أبـي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: فذكر مثله.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا الـحجاج بن الـمنهال, قال: حدثنا حماد بن سلـمة, عن مـحمد بن عمرو عن أبـي سلـمة, عن أبـي هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فـي قوله: أوْ آوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ «قَدْ كانَ يَأْوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ», يعنـي الله تبـارك وتعالـى, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَمَا بَعَثَ اللّهُ بَعْدَهُ مِنْ نَبِـيّ إلاّ فِـي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ».
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا مـحمد بن حرب, قال: حدثنا ابن لهيعة, عن أبـي يونس, سمع أبـا هريرة يحدّث عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: «رَحِمَ اللّهُ لُوطا, لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ».
قال: حدثنا ابن أبـي مريـم سعيد بن عبد الـحكم, قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبـي الزناد, عن أبـيه, عن عبد الرحمن الأعرج, عن أبـي هريرة رضي الله عنه, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم, بنـحوه.
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, ذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان كان إذا قرأ هذه الآية, أو أتـى علـى هذه الآية قال: «رَحِمَ اللّهُ لُوطا, لَقَدْ كانَ لـيَأْوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ». وذُكر لنا أن الله تعالـى لـم يبعث نبـيا بعد لوط علـيه السلام إلا فـي ثروة من قومه, حتـى بعث الله نبـيكم فـي ثروة من قومه.
يقال: من أوى إلـى رِكن شديد: أويت إلـيك, فأنا آوى إلـيك أَوْيا بـمعنى صرت إلـيك وانضمـمت, كما قال الراجز:
يأْوِي إلـى رُكْنٍ مِنَ الأرْكانِفِـي عَدَدٍ طَيْسٍ ومَـجْدٍ بـانِ
وقـيـل: إن لوطا لـما قال هذه الـمقالة وجدت الرسل علـيه لذلك.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم, قال: ثنـي عبد الصمد, أنه سمع وهب بن منبه يقول: قال لوط: لَوْ أنّ لـي بِكُمْ قُوّةً أوْ آوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ فوجد علـيه الرسل وقالوا: إن ركنك لشديد.
أحمد سعد الدين
02-11-2005, 06:08 PM
وفى تفسير البغوى :
قال"، لهم لوط عند ذلك: "لو أن لي بكم قوة"، أراد قوة البدن، أو القوة بالأتباع، " أو آوي إلى ركن شديد "، أي: انضم إلى عشيرة مانعة. وجواب "لو" مضمر أي لقاتلناكم وحلنا بينكم وبينهم قال أبو هريرة: ما بعث الله بعده نبيا إلا في منعة من عشيرته. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب بن أبي حمزة، أنبأنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد". قال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور الجدار، فلما رأت الملائكة ما يلقى لوط بسببهم: - "قالوا يا لوط"، إن ركنك لشديد، "إنا رسل ربك لن يصلوا إليك"، فافتح الباب ودعنا وإياهم،
قال ابن كثير فى تفسيره :
يقول تعالى مخبراً عن نبيه لوط عليه السلام إن لوطاً توعدهم بقوله: {لو أن لي بكم قوة} الاَية أي لكنت نكلت بكم وفعلت بكم الأفاعيل بنفسي وعشيرتي, ولهذا ورد في الحديث من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إِلى ركن شديد ـ يعني الله عز وجل ـ فما بعث الله بعده من نبي إِلا في ثروة من قومه»
وقال القرطبى :
قوله تعالى: "قال لو أن لي بكم قوة" لما رأى استمرارهم في غيهم، وضعف عنهم، ولم يقدر على دفعهم، تمنى لو وجد عونا على ردهم؛ فقال على جهة التفجع والاستكانة. "لو أن لي بكم قوة" أي أنصارا وأعوانا. وقال ابن عباس: أراد الولد. و"أن" في موضع رفع بفعل مضمر، تقديره: لو اتفق أو وقع. وهذا يطرد في "أن" التابعة لـ "لو". وجواب "لو" محذوف؛ أي لرددت أهل الفساد، وحلت بينهم وبين ما يريدون. "أو آوي إلى ركن شديد" أي ألجأ وأنضوي. وقرئ "أو آوي" بالنصب عطفا على "قوة" كأنه قال: "لو أن لي بكم قوة" أو إيواء إلى ركن شديد؛ أي وأن آوي، فهو منصوب بإضمار "أن". ومراد لوط بالركن العشيرة، والمنعة بالكثرة. وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى؛ فيروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إن ركنك لشديد. وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد) الحديث؛ وقد تقدم في "البقرة". وخرجه الترمذي وزاد (ما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من قومه). قال محمد بن عمرو: والثروة الكثرة والمنعة؛ حديث حسن. ويروى أن لوطا عليه السلام لما غلبه قومه، وهموا بكسر الباب وهو يمسكه، قالت له الرسل: تنح عن الباب؛ فتنحى وانفتح الباب؛ فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، وعموا وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء؛ قال الله تعالى: "ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم" [القمر: 37]. وقال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور الجدار؛ فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وأنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك؛ فافتح الباب ودعنا وإياهم؛ ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما تقدم. وقيل: أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم، فأوصل الله إلى عين من بعد ومن قرب من ذلك التراب فطمس أعينهم، فلم يعرفوا طريقا، ولا اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاء النجاء! فإن في بيت لوط قوما هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعموا أبصارنا. وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى نصبح فسترى؛ يتوعدونه.
قال الشيخ السعدى رحمه الله :
"قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ "
فاشتد قلق لوط عليه الصلاة والسلام, و " قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ " كقبيلة مانعة, لمنعتكم. وهذا بحسب الأسباب المحسوسة, وإلا, فإنه يأوي إلى أقوى الأركان وهو الله, الذي لا يقوم لقوته أحد, ولهذا لما بلغ الأمر منتهاه, واشتد الكرب.
والله أعلم
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir