مشاهدة النسخة كاملة : حجية السنة
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:42 PM
التعريف بالسنة النبوية
أولًا: السنة في اللغة :
ثانيًا: السنة في الاصطلاح
الفرق بين الحديث والسنة
الفرق بين الحديث والخبر والأثر
أقسام السنة
أولا: السنة القولية :
ثانيا: السنة الفعلية :
ثالثا: السنة التقريرية :
منزلة السنة من القرآن الكريم وأدلة حجيتها
أولا: منزلة السنة من القرآن
ثانيا: أدلة حجية السنة
الأمر الأول: الإيمان برسالة الإسلام :
الأمر الثاني: القرآن الكريم :
الأمر الثالث: الحديث :
الأمر الرابع: الإجماع :
تدوين السنة
تدوين الحديث بين المنع والجواز
مراحل تدوين الحديث النبوي
المرحلة الأولى: تلقي الصحابة للسنة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
المرحلة الثانية: احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث، وتثبتهم في قبوله بعد عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
المرحلة الثالثة: تدوين الحديث في عهد الصحابة والتابعين
المرحلة الرابعة: التدوين الرسمي للحديث
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:46 PM
التعريف بالسنة النبوية
أولًا: السنة في اللغة :
هي السيرة؛ حسنة كانت أم سيئة، فسنة كل واحد هي ما اعتاده وأكثَرَ منه، وحافظ عليه، سواء كان أمرًا محمودًا أم مذمومًا.
ومن هذا قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( من سنَّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء )).
ثانيًا: السنة في الاصطلاح :
اختلف أهل العلم في تعريف السنة، ومرد ذلك الاختلاف إلى اختلاف نظر علماء كل علم من العلوم الشرعية المختلفة إلى السنة؛ فالمحدث ينظر إلى السنة من جهة يخالف فيها الأصولي والفقيه وغيرهما.
السنة عند المحدثين: هي كل ما أُثر عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة، سواء أكانت خَلْقية، أو خُلُقية، أم سيرة، قبل البعثة كانت أم بعدها.
السنة عند الأصوليين
أما علماء الأصول فقد نظروا إلى السنة من حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم مُشَرِّعٌ للأُمَّة؛ ولهذا جاء تعريف السنة عندهم بأنها: هي كل ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير مما يصح أن يكون دليلًا لحكم من أحكام الشرع.
وقد يطلق لفظ السُّنَّة مُقَابِلا للفظ البدعة، فالبدعة شرعًا هي: كل ما استحدثه الناس من قول أو عمل في الدين، ولم يؤثَر عنه صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصـحابه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)).
وقد تطلق السنة أحيانًا على ما عمل به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مأثور، يشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ )).
ومن أمثلة ذلك تضمين الصناع، وجمع المصاحف.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:47 PM
الفرق بين الحديث والسنة
لا فرق بين الحديث والسنة، فهما بمعنى واحد، كما ذهب إلى ذلك الجمهور من العلماء، وإن كان بعض المحدثي0ن والأصوليين يرى أن لفظ السنة أعمّ من لفظ الحديث.
فالمحدثون يعرِّفون السنة بأنها: ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة أو بعدها، في حين يرون أن الحديث إذا أطلق فهو ينصرف في الغالب إلى ما يروى عنه صلى الله عليه وسلم بعد البعثة، سواء أكان قولًا أو فعلًا أو تقريرًا.
وعند الأصوليين فإن لفظ الحديث لا يرادف لفظ السنة، فإذا كان لفظ السنة عندهم يعني: كل ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، مما يصلح أن يكون دليلا لحكم شرعي، فإن لفظ الحديث لا يعني سوى السنة القولية.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:49 PM
الفرق بين الحديث والخبر والأثر
الحديث: من حيث اللغة
هو الجديد من الأشياء، والحديث: هو الخبر سواء كان قليلًا أو كثيرًا.
الخبر: لغة
يعني: النبأ، وجمعه: أخبار.
ومن هنا فإن الحديث يترادف معناه مع الخبر من حيث اللغة.
ومن حيث الاصطلاح
فإن الحديث يعني: ما أضيف إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة.
أما الخبر اصطلاحا
ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: أنه مرادف للحديث.
الثاني: أن الحديث هو ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والخبر ما جاء عن غيره.
الثالث: أن الحديث ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والخبر ما جاء عنه أو عن غيره.
الأثر لغة: هو بقية الشيء.
واصطلاحًا:
هو أنه يتحد في المعنى مع الحديث ويرادفه، وقيل: هو ما أضيف إلى الصحابة والتابعين من أقوال وأفعال.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:50 PM
أقسام السنة
من التعريف السابق للسنة يمكننا القول بأن السنة تنقسم بحسب ذاتها إلى:
1 - سنة قولية.
2 - سنة فعلية.
3 - سنة تقريرية.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:50 PM
أولا: السنة القولية :
هي أقواله صلى الله عليه وسلم وخُطَبه في المناسبات والأغراض المختلفة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه )).
وقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: (( هو الطهور ماؤه الحل ميته )).
وقوله صلى الله عليه وسلم في زكاة الزروع: (( فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرِيًّا: العشر، وما سقي بالنضح: نصف العشر )).
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:51 PM
ثانيا: السنة الفعلية :
هي أفعاله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي نقلها عنه صحابته؛ كأفعاله في الوضوء، والصلاة، والحج، وما إلى ذلك...، غير أن أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ليست كلها سنة يجب اتباعها والاقتداء بها؛ ولهذا انقسمت أفعاله صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثة أقسام، على النحو الآتي:
أولًا: ما صدر عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أفعال خاصة به
وهذه ليس لغيره من الأمة اتباعها، وذلك كوصاله الصيام في شهر رمضان، فقد كان صلى الله عليه وسلم يصوم اليومين وأكثر من غير أن يأكل بينهما، وهو في نفس الوقت ينهى أصحابه عن ذلك؛ لاختلاف حاله صلى الله عليه وسلم عن غيره من الأمة، وكتزوجه بأكثر من أربع نساء، وكتهجده بالليل، حيث كان التهجد بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم يعد فرضا، كما يدل على ذلك قوله تَعَالَى: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} [المزمل 1: 5].
ثانيًا: ما صدر عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحكم بشريته
كالأكل والشرب والنوم، وما إلى ذلك... فهذا النوع من الأفعال، وإن كان لا يعد تشريعًا ولا يجب التأسي به، إلا أنه وُجدَ من الصحابة مَنْ كان يقتفي أثره صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ محبة فيه، وحرصًا على اتباعه، كعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما.
كذلك يأخذ حُكْمَ هذه الأفعال ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بناء على خبرته وتجاربه في شئون الحياة؛ كالنواحي الزراعية، والتجارية، والتدابير الحربية، وما إلى ذلك... مما لا يجب فيه الاقتداء شرعًا.
ثالثًا: ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم وقصد به التشريع والاتباع، وهو نوعان:
1- أفعال وردت بيانًا لمجمل ما جاء في القرآن الكريم، فما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من أفعال خاصة بالصلاة كانت بيانًا لمجمل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} [ المزمل: 20 ].
وما صدر عنه من أفعال خاصة بمناسك الحج كانت بيانًا لقوله تَعَالَى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [ آل عمران: 97 ].
2- أفعال فعلها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابتداءً، فعلى الأمة متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، والتأسي به؛ لقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [ الأحزاب: 21 ]، وهذا إذا علمت صفته الشرعية.
مثال ذلك قول عمر حينما كان يقبل الحجر الأسود في طوافه: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:52 PM
ثالثا: السنة التقريرية :
وهي أن يصدر من أحد الصحابة قول أو فعل ويعلم به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا ينكره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الشريعة، وإبطال كل ما يخالفها، فلو أن ما صدر من الصحابي مخالف للشريعة لما سكت عنه صلى الله عليه وسلم، ولما ارتضاه، أما وقد سكت عن إنكاره فإن ذلك يعتبر تقريرًا منه لهذا الفعل أو القول.
ومن أمثلة السنة التقريرية
ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه: خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء، فحضرت الصلاة فتيمما صعيدًا طيبًا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعِد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: (( أصبت السنة ))، وقال للآخر: (( لك الأجر مرتين )).
ومنه إقراره لطريقة معاذ بن جبل في القضاء، حينما بعثه إلى اليمن قاضيًا؛ إذ قال له: (( كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ ))، قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: (( فإن لم يكن في كتاب الله؟ ))، قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (( فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ )) قال: أجتهد رأيي لا آلو، قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري، ثم قال: (( الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يُرضي رسولَ الله )).
ومما ينبغي ملاحظته هو أن السنة قولية كانت أو فعلية أو تقريرية في مستوى واحد من حيث حجيتها ووجوب العمل بها.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:53 PM
منزلة السنة من القرآن الكريم وأدلة حجيتها
أولا: منزلة السنة من القرآن
ثانيا: أدلة حجية السنة
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:53 PM
أولا: منزلة السنة من القرآن
من المقرر أن ما جاء في السنة النبوية من الأحكام، فإننا نجدها قد جاءت إما مُفَسِّرَة لما جاء فيه، أو مفصِّلَة لمجمله، أو مقيِّدَة لمطلقه، أو مخصِّصَة لعام ما ورد فيه، أو أنها أتت بأحكام جديدة سكت عنها، فالسنة في الواقع تعد تطبيقًا عمليًّا لما جاء في القرآن الكريم.
أولا : بيان ما أُجْمِلَ في القرآن
وذلك كما في العبادات، ومنها الصلاة المفروضة، فقد فرض الله تَعَالَى الصلاة على المؤمنين من غير بيان لأوقاتها، أو أراكانها وعدد ركعاتها، فبين كُلَّ هذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بصلاته، قائلًا لهم: (( صلوا كما رأيتـموني أصلي )).
وفرض الحج من غير بيان مناسكه، فبين صلى الله عليه وسلم تلك المناسك للمسلمين قائلا لهم: (( خذوا عني مناسككم )).
وفرض الله الزكاة من غير بيان مقاديرها وأنصبتها، فبين صلى الله عليه وسلم كل ذلك.
وكما تأتي السنة مبينة للمجمل، تأتي مخصصة لعام ما ورد في القرآن الكريم، من هذا ما ورد في بيان قوله تَعَالَى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [ النساء: 11 ]، فهو حكم عام في وراثة الأولاد آباءهم وأمهاتهم، يثبت في كل أصل مورث، وكل ولد وارث، لكن السنة خصصت هذا الحكم حين استثنت الأنبياء من هذا الحكم؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة))، وخصصت الوارث بغير القاتل، بقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يرث القاتل)).
ومثله قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا تُنكَح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها، ولا على ابنة أختها، فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم )). فإنه مخصِّص للعموم في قوله تَعَالَى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [ النساء: 24 ].
ثانيا : تقيد المطلق في القرآن
والسنة النبوية كما خصصت العام من القرآن الكريم قيدت المطلق منه، ومن أمثلة التقييد للمطلق ما ورد في قوله تَعَالَى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [ المائدة:38 ]، ذلك بأن الآية الكريمة لم تحدد موضع قطع اليد؛ لأن اليد تطلق على الكف والساعد والذراع، غير أن السنة حددت أن يكون القطع من الرسغ، وذلك حينما أُتي بسارق إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقطع يده من مفصل الكف.
تأكيد وتقرير ما ورد في القرآن
قد تأتي السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم، ومن ذلك جميع الأحاديث التي تدل على وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم وغيرها من الأحكام.
وكقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اتقوا الله في النساء، فإنهن عوانٍ عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله )). فهو يطابق قولَه سبحانه: {وعاشروهن بالمعروف} [ النساء: 19 ].
ففي مثل هذه الحالات يكون للحكم دليلان: أحدهما مثبِت للحكم، وهو النص الوارد في القرآن الكريم، والثاني: مؤكد ومقرر له، وهو النص الوارد في السنة النبوية.
وأخيرًا قد تأتي السنة بحكم سكت عنه القرآن الكريم، وذلك كالحكم بشاهد ويمين المدعي، وثبوت ميراث الجدة، ووجوب صدقة الفطر، وتحريم الحُمُر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، ورجم الزاني المحصَن، واشتراط الشهادة في الزواج، وحل ميتة البحر، وتحريم لبس الحرير والتختم بالذهب، وما إلى ذلك.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:55 PM
ثانيا: أدلة حجية السنة
اتفق العلماء والمجتهدون على أن السنة النبوية الشريفة أصل من أصول التشريع الإسلامي، يجب الأخذ بها إذا صحت وثبتت نسبتها لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مستندين في ذلك إلى الأمور التالية:
الأمر الأول: الإيمان برسالة الإسلام :
إن من مقتضيات الإيمان بهذه الرسالة وجوبَ قَبول كل ما يرِد عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمر الشرع؛ لقوله تَعَالَى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل} [ النساء: 136 ]، ولا شك في أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمين على شرع الله، فهو لا يبلغ إلا ما يوحى إليه، وهو أيضًا معصوم، حيث أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء، ومن ثم وجب التأسي به والاحتجاج بسنته.
الأمر الثاني: القرآن الكريم :
حيث وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تنص على طاعة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، منها قوله تَعَالَى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [ النساء: 59 ]، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته.
وكقوله تَعَالَى: {وأطيعوا الله والرسول واحذروا} [ المائدة: 92 ]، كما أن الله تَعَالَى بين أن طاعة [ الرسول صلى الله عليه وسلم طاعةٌ ] لله عَزَّ وَجَلَّ في قوله تَعَالَى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [ النساء: 80 ]، كما أنه سبحانه أمر المسلمين أن يأتمروا بأمر رسول الله، وينتهوا بنهيه، في قوله سبحانه: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب} [ الحشر: 7 ]، وآيات أخرى كثيرة تدل على وجوب طاعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وردِّ الأمر إليه، منها قوله تَعَالَى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون} [ النور: 56 ]، وقوله جل شأنه: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [ النساء: 75 ]، وقوله سبحانه: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} [ الأحزاب: 86 ].
هذا بالإضافة إلى الآيات الكريمة التي قرن الله فيها الحكمة مع الكتاب، كقوله تَعَالَى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} [ النساء: 113 ]، فقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن المقصود بالحكمة هو السنة النبوية.
الأمر الثالث: الحديث :
لقد وردت أحاديث كثيرة تدل على وجوب اتباع السنة ومصدريتها، كقوله صلى الله عليه وسلم: (( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي )).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله )).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعَضوا عليها بالنواجذ )).
الأمر الرابع: الإجماع :
فقد أجمعت الأمة على وجوب العمل بالسنة، ولهذا فقد قبل المسلمون السنة كما قبلوا القرآن الكريم، واعتبروها المصدر الثاني للتشريع؛ استجابة لله عَزَّ وَجَلَّ وتأسيًا برسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:56 PM
تدوين السنة
تدوين الحديث بين المنع والجواز
مراحل تدوين الحديث النبوي
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:56 PM
تدوين الحديث بين المنع والجواز
لم يدوَّن الحديثُ الشريف في عهده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما دُون القرآنُ الكريم، غير أن هذا الأمر لا يرجع - كما قال بعض الباحثين - إلى ندرة وسائل الكتابة، وقلة الكُتَّاب، وسوء كتابتهم في ذلك العهد، فقد وجد في ذلك الوقت كُتَّاب كثيرون للوحي، وغيره من الأمور الأخرى التي تحتاج إلى كتاب، حيث كان للرسول صلى الله عليه وسلم كُتَّابٌ للوحي بلغ عددهم أربعين كاتبًا، وكُتَّاب للصدقة، وكتَّاب للرسائل يكتبون بلغات مختلفة، وكُتَّاب للمداينات والمعاملات، بل إن هذا العدد زاد بعد الهجرة، وبعد أن استقرت أمور الدولة الإسلامية؛ إذ كانت مساجد المدينة وكتاتيبها إضافة إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مراكز يتعلم فيها المسلمون القراءة والكتابة، علاوة على تعلم القرآن وتعاليم الدين.
وقد تبرع بعض المسلمين الذين يعرفون الكتابة بتعليم إخوانهم، وكان من أولئك المعلمين الأوائل سعد بن الربيع الخزرجي أحد النقباء الاثني عشر، وبشير بن سعد بن ثعلبة ، وأبان بن سعيد بن العاص.
إنه يكفي للرد على من أرجع عدم تدوين السنة في العهد النبوي إلى ندرة وسائل الكتابة، وقلة الكُتَّاب، وسوء كتابتهم، أنَّ المسلمين دونوا القرآن الكريم دونما صعوبة، فلو أرادوا تدوين الحديث لدوَّنوه دون مشقة، كما سبق لهم تدوين القرآن الكريم.
إن عدم تدوين الحديث رسميًّا في بادئ الأمر خضع لظروف معينة، كان منها:
ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهيته لكتابة شيء غير القرآن، فقد روى أبو سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه )).
وروي عن أبي سعيد أيضًا أنه قال: استأذنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فلم يأذن لنا.
وفي رواية عنه قال: جهدنا بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لنا في الكتاب فأبى.
ومع وجود هذه الروايات التي أفادت المنع، فقد وجدت روايات أخرى تفيد إباحة الكتابة في مناسبات معينة، ولموضوعات كثيرة.
فقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه، وقال:((اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق)).
وما روي عن أبي هريرة أنه قال: ما من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب.
وما روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كتب كتاب الصدقات والديات والفرائض والسنن لعمرو بن حزم، وغيره.
وما روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فتح مكة، حينما قام يخطب في الناس، فقام رجل من أهل اليمن يقال له: أبو شاة، فقال: يا رسول الله اكتبوا لي، فقال: (( اكتبوا له )).
إذًا فالنهي عن الكتابة لم يكن نهيًا عامًّا في جميع الأوقات، وبالنسبة إلى جميع الأشخاص، وإنما سمح لبعض الأشخاص حين أُمِن اللبس والاشتباه في الكتابة.
أما بعد ذَهاب الخوف من اختلاط القرآن بالسنة، فقد وجد إذنٌ عام منه صلى الله عليه وسلم، يدل عليه حديث أبي شاة السابق ذِكره، وهو في أواخر أيامه صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه أيضًا ما روي عن ابن عباس، حينما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم الوجع، فقال: (( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا من بعده )). قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: (( قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع )).
شواهد واقعية على ما دون في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
كما دون بعض الصحابة أحاديث نبوية بإذن خاص منه صلى الله عليه وسلم دوَّن آخرون منهم بعد إذنه بالكتابة إذنا عامًّا، إلا أن كثيرًا من هذه المدونات والصحف لم تعرف مضامينها؛ لأن بعض الصحابة والتابعين كانوا يحرقون ما لديهم من صحف، أو يغسلونها قبل وفاتهم؛ مخافة أن تقع في أيدي غير أهل العلم، كما فعل أبو بكر الصديق، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيرا، قالت: فغمني، فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرقها، فقلت: لم أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذاك.
غير أن أكثر هذه الصحف اشتهر وتناقله الناس فكان منها:
الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص: فقد كان عبد الله بن عمرو كاتبًا يحسن الكتابة، فأذن له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالكتابة كما يدل على ذلك قول أبي هريرة: فإنه كان يكتب وأنا لا أكتب، ولقد ضمّن عبد الله صحيفته التي اشتهرت بالصحيفة الصادقة -كما أراد كاتبها أن يسميها - كثيرًا من الأحاديث بلغت ألف حديث كما يقول ابن الأثير.
ولا شك في أن لهذه الصحيفة أهمية كبيرة، لكونها وثيقة تاريخية تثبت إذن الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابة الحديث آنذاك.
صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري: فقد كان لجابر بن عبد الله هو الآخر صحيفة يرى الإمام مسلم أنها في مناسك الحج، وكان قتادة بن دِعامة السدوسي يكبر من قيمة هذه الصحيفة ويقول: لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني من سورة البقرة.
وكان عند سعد بن عبادة الأنصاري كتاب فيه طائفة من أحاديثه صلى الله عليه وسلم، وقد كان ابن هذا الصحابي يروي منها بعض أعمال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وكان عند علي بن أبي طالب صحيفة اشتملت على أسنان الإبل، والجراحات، وحرم المدينة.
وكان عند أبي رافع مولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتاب فيه استفتاح الصلاة.
هذا إلى جانب صحف أخرى كثيرة لبعض الصحابة تناولت موضوعات كثيرة.
أضف إلى ذلك مدونات أخرى وكتب أخرى كان أهمها الكتاب الذي أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتدوينه في السنة الأولى للهجرة، الذي تم فيه النص على حقوق المسلمين من المهاجرين والأنصار وعرب يثرب مع موادعة اليهود في المدينة، وهو ما نستطيع تسميته بدستور الدولة الإسلامية في ذلك الوقت.
وقد جاء في مقدمة هذه الصحيفة: (( هذا كتاب محمد النبي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين المؤمنين والمسلمين من قريش، وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة دون الناس...)) إلخ.
ومنها كتب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أمراء العرب وإلى ملوك وأمراء الدول المجاورة يدعوهم إلى الإسلام، وكتبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أمرائه وعماله وقواد جيوشه المتعلقة بشئون أقاليمهم، وبيان أحكام الدين وتعاليمه، وقد اشتهر من ذلك كتابه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عمرو بن حزم عامله على اليمن الذي اشتمل على بيان العبادات، وأنصبة زكاة الإبل والبقر والغنم، والجزية على غير المسلمين، هذا مع أصول الإسلام بوجه عام وطريق الدعوة إلى الله تَعَالَى.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:57 PM
مراحل تدوين الحديث النبوي
المرحلة الأولى: تلقي الصحابة للسنة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
المرحلة الثانية: احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث، وتثبتهم في قبوله بعد عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
المرحلة الثالثة: تدوين الحديث في عهد الصحابة والتابعين
المرحلة الرابعة: التدوين الرسمي للحديث
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:58 PM
المرحلة الأولى: تلقي الصحابة للسنة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
تلقى المسلمون عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحديث النبوي كما تلقوا القرآن الكريم؛ فقد كان الحديث النبوي مادتهم لمعرفة ما خفي من القرآن الكريم، مادتهم التطبيقية التي تتعلق بهم في جميع أمور حياتهم؛ من عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب.
ولهذا كان الصحابة حريصين عليه، محبين له، يتسابقون إلى مجالس رسولهم الكريم، يدفعهم إلى ذلك إيمانهم القوي، وحبهم لرسولهم، وقد كان يعسر على بعضهم حضور تلك المجالس؛ لانشغالهم بشئون حياتهم الأخرى، فكانوا يتناوبون مجالسه صلى الله عليه وسلم، كما كان يفعل ذلك الفاروق عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حين قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ينزل يومًا، وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.
ولقد كان الصحابة يحفظون الحديث، ويكررونه بينهم وبين أنفسهم، وكان منهم من يجزِّئ الليل ثلاثة أثلاث، فثلث للصلاة، وثلث للنوم، وثلث يذكر فيه حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل إنهم كانوا يتذاكرون فيما بينهم ما يسمعون منه صلى الله عليه وسلم حتى يحفظوهُ.
ولم ينحصر تلقي الصحابة للسنة في حضور مجالسه صلى الله عليه وسلم؛ وإنما كان التلقي أيضًا من خلال تصرفات الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وقائع وحوادث شاهدها صحابته، فتلقوها عنه صلى الله عليه وسلم، ونقلوها إلى من بعدَهم من التابعين، وهي تمثل جزءًا كبيرًا من السنة النبوية، ولاسيما هديُه في العبادات والمعاملات، وسيرتُه عامةً.
ومن هذه الحوادث ما كان يقع للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه فيبين حُكمَها.
مثال ذلك ما رواه أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرَّ برجل يبيع طعامًا فسأله: كيف تبيع؟ فأخبره، فأُوحي إليه: أدخل يدك فيه، فأدخل يده، فإذا هو مبلول، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ليس منا من غش )).
ومنها ما كان يقع للمسلمين فيسألونه صلى الله عليه وسلم عن حكمها، ومن هذه الحوادث ما يتناول خصوصيات السائل نفسه، ومنها ما يتعلق بغيره، بل إنه صلى الله عليه وسلم قد يسمع أو يرى أحد الصحابة يخطئ فيصحح له خطأه، وقد يختلف اثنان من الصحابة في مسألة من المسائل فيرجعان إليه؛ ليفصل بينهما مبينًا لهما الحكم الصحيح.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 12:59 PM
المرحلة الثانية: احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث، وتثبتهم في قبوله بعد عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
سبق لنا أن رأينا كيف حرَص الصحابة على تلقي السنة والتمسكِ بها، واقتدائهم برسولهم الكريم، وقد سار التابعون سيرَ الصحابة في هذا الاقتداء.
غير أن هؤلاء وأولئك في الوقت نفسه احتاطوا في قبول الرواية عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتثبتوا في قبول الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم ؛ خشية الوقوع في الخطأ، وخوفًا من أن يتسرب إلى السنة بعض التحريف وهي مصدر التشريع الثاني، ولهذا اعتدلوا في الرواية، احترامًا للحديث، لا زهدًا فيه، وكانوا حين يروون الأحاديث يتحرون الدقة عند الأداء، واشتهر من بين الصحابة من كان ينكر على من يكثر الرواية؛ كعمر بن الخطاب، بل إن بعض الصحابة من كانت تأخذه رعدة، ويقشعر جلده ويتغير لونه حين يروي حديثًا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
إن الصحابة لم يسلكوا هذا الطريق لأن الحديث لديهم قليل، بل فعلوا ذلك احتياطًا وحرصًا على السنة؛ ذلك لأن كثرة الرواية مظنة الوقوع في الخطأ.
ولقد التزم الصحابة منهاج عمر في التقليل من الرواية مع كثرة تحملهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فها هو ذا أنس بن مالك يقول: لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتك بأشياء سمعتها من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان إذا حدث حديثًا عن رسول الله، وفرغ منه قال: أو كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولقد روي عنه أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: (( من تعمد عليَّ كذبًا فليتبوأْ مَقعده من النار )).
وذكر السائب بن يزيد أنه صحب سعد بن أبي وقاص من المدينة إلى مكة، قال: فما سمعته يحدث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثًا حتى رجع.
وروي عن عبد الله بن الزبير أنه قال: قلت للزبير بن العوام: مالي لا أسمعك تحدث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أسمع ابن مسعود، وفلانًا، وفلانًا؟ قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت، ولكني سمعت منه كلمة، يقول: (( من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار )).
وفي رواية: سمعته يقول: (( من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار )).
وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: قلنا لزيد بن أرقم: حدِّثْنا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: كبِرنا ونسينا، والحديث عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شديد.
ومن كل ما سبق يتضح لنا جليًّا كيف كان صحابة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتشددون في رواية الحديث؛ كراهة التحريف أو الوقوع في الخطأ أو رواية ما لم يقله صلى الله عليه وسلم، وقد نهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، أضف إلى ذلك أن تشدد الصحابة - وبخاصة في زمن عمر - إلى جانب أنه كان للمحافظة على السنة؛ خشية الوقوع في الخطأ، أو تسرب الدس إلى الحديث الشريف من الكذابين وأصحاب الأهواء، أو حمل الحديث على غير وجه الحق والصواب، فقد كان أيضًا للمحافظة على القرآن الكريم؛ خشية أن يشتغل الناس برواية الحديث، ويتركوا القرآن وهو المصدر الأول لهذا الدين.
وإلى جانب ما كان من الصحابة ومن بعدهم من التابعين في الاحتياط في الرواية، فقد كانوا يتثبتون في قبول الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يقبلوا ما يروى لهم إلا إذا اطمأنوا إليه، وكان لهم في ذلك طرق ومناهج مختلفة، فمنهم من لا يقبل الحديث إلا إذا شهد اثنان أنهما سمعاه منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب.
ومن الأمثلة على تثبت الصحابة في قبول الحديث:
المثال الأول: ما رواه ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئًا، وما علمت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر شيئًا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعطيها السدُس، فقال له: هل معك أحد، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
المثال الثاني: ما رواه الإمام البخاري، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى الأشعري كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع ))، فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ذلك، فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كذلك ومن الصحابة من كان يستحلف الراوي للحديث أنه سمعه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كعلي بن أبي طالب، فقد قال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كنت إذا سمعت من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثًا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر، حدثني، وصدق أبو بكر أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: (( ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ، فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين، فيستغفر الله عَزَّ وَجَلَّ إلا غفر له )).
هكذا في سبيل الاحتياط للسنة احتاط الصحابة في قبول الحديث، واختاروا لأنفسهم مناهج يسيرون عليها، غير أنهم لم يشترطوا لقبول الرواية السير على هذا النهج دائمًا وأبدًا، فنجد من كانوا يتثبتون باستحلاف الرواة قبلوا أحاديث كثيرة دون استحلاف، ويدل على ذلك قول علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الرواية السابقة: وإن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر؛ فيدل ذلك على أنه كان يقبل رواية أبي بكر دون استحلاف، كما أنه رضي الله عنه عمل برواية المقداد بن الأسود في حكم المذي دون استحلافه.
كذلك لم يكن التابعون وأتباعهم أقَلَّ اهتمامًا من الصحابة في الاحتياط عند قبول الرواية، فكانوا يتثبتون من الراوي، حتى يستوثقوا منه وتطمئن قلوبهم؛ لأنهم كانوا يرون الحديث دينا يجب النظر عمن يكون أخذه، كما أوصاهم بذلك من سبقهم من الصحابة وكبار التابعين، فقد كان ابن عون مثلاً يقول: لا يؤخذ هذا العلم إلا ممن شُهِد له بالطلب.
وروي عن سليمان بن موسى أنه لقي طاووسًا فقال له: إن رجلاً حدثني بكَيْتَ وكَيْتَ، فقال له: إن كان مليًّا فخذه منه.
وعلى مثل هذا كان يسير التابعون وتابعوهم.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:00 PM
المرحلة الثانية: احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث، وتثبتهم في قبوله بعد عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
سبق لنا أن رأينا كيف حرَص الصحابة على تلقي السنة والتمسكِ بها، واقتدائهم برسولهم الكريم، وقد سار التابعون سيرَ الصحابة في هذا الاقتداء.
غير أن هؤلاء وأولئك في الوقت نفسه احتاطوا في قبول الرواية عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتثبتوا في قبول الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم ؛ خشية الوقوع في الخطأ، وخوفًا من أن يتسرب إلى السنة بعض التحريف وهي مصدر التشريع الثاني، ولهذا اعتدلوا في الرواية، احترامًا للحديث، لا زهدًا فيه، وكانوا حين يروون الأحاديث يتحرون الدقة عند الأداء، واشتهر من بين الصحابة من كان ينكر على من يكثر الرواية؛ كعمر بن الخطاب، بل إن بعض الصحابة من كانت تأخذه رعدة، ويقشعر جلده ويتغير لونه حين يروي حديثًا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
إن الصحابة لم يسلكوا هذا الطريق لأن الحديث لديهم قليل، بل فعلوا ذلك احتياطًا وحرصًا على السنة؛ ذلك لأن كثرة الرواية مظنة الوقوع في الخطأ.
ولقد التزم الصحابة منهاج عمر في التقليل من الرواية مع كثرة تحملهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فها هو ذا أنس بن مالك يقول: لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتك بأشياء سمعتها من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان إذا حدث حديثًا عن رسول الله، وفرغ منه قال: أو كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولقد روي عنه أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: (( من تعمد عليَّ كذبًا فليتبوأْ مَقعده من النار )).
وذكر السائب بن يزيد أنه صحب سعد بن أبي وقاص من المدينة إلى مكة، قال: فما سمعته يحدث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثًا حتى رجع.
وروي عن عبد الله بن الزبير أنه قال: قلت للزبير بن العوام: مالي لا أسمعك تحدث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أسمع ابن مسعود، وفلانًا، وفلانًا؟ قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت، ولكني سمعت منه كلمة، يقول: (( من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار )).
وفي رواية: سمعته يقول: (( من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار )).
وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: قلنا لزيد بن أرقم: حدِّثْنا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: كبِرنا ونسينا، والحديث عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شديد.
ومن كل ما سبق يتضح لنا جليًّا كيف كان صحابة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتشددون في رواية الحديث؛ كراهة التحريف أو الوقوع في الخطأ أو رواية ما لم يقله صلى الله عليه وسلم، وقد نهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، أضف إلى ذلك أن تشدد الصحابة - وبخاصة في زمن عمر - إلى جانب أنه كان للمحافظة على السنة؛ خشية الوقوع في الخطأ، أو تسرب الدس إلى الحديث الشريف من الكذابين وأصحاب الأهواء، أو حمل الحديث على غير وجه الحق والصواب، فقد كان أيضًا للمحافظة على القرآن الكريم؛ خشية أن يشتغل الناس برواية الحديث، ويتركوا القرآن وهو المصدر الأول لهذا الدين.
وإلى جانب ما كان من الصحابة ومن بعدهم من التابعين في الاحتياط في الرواية، فقد كانوا يتثبتون في قبول الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يقبلوا ما يروى لهم إلا إذا اطمأنوا إليه، وكان لهم في ذلك طرق ومناهج مختلفة، فمنهم من لا يقبل الحديث إلا إذا شهد اثنان أنهما سمعاه منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب.
ومن الأمثلة على تثبت الصحابة في قبول الحديث:
المثال الأول: ما رواه ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئًا، وما علمت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر شيئًا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعطيها السدُس، فقال له: هل معك أحد، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
المثال الثاني: ما رواه الإمام البخاري، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى الأشعري كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع ))، فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ذلك، فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كذلك ومن الصحابة من كان يستحلف الراوي للحديث أنه سمعه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كعلي بن أبي طالب، فقد قال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كنت إذا سمعت من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثًا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر، حدثني، وصدق أبو بكر أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: (( ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ، فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين، فيستغفر الله عَزَّ وَجَلَّ إلا غفر له )).
هكذا في سبيل الاحتياط للسنة احتاط الصحابة في قبول الحديث، واختاروا لأنفسهم مناهج يسيرون عليها، غير أنهم لم يشترطوا لقبول الرواية السير على هذا النهج دائمًا وأبدًا، فنجد من كانوا يتثبتون باستحلاف الرواة قبلوا أحاديث كثيرة دون استحلاف، ويدل على ذلك قول علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الرواية السابقة: وإن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر؛ فيدل ذلك على أنه كان يقبل رواية أبي بكر دون استحلاف، كما أنه رضي الله عنه عمل برواية المقداد بن الأسود في حكم المذي دون استحلافه.
كذلك لم يكن التابعون وأتباعهم أقَلَّ اهتمامًا من الصحابة في الاحتياط عند قبول الرواية، فكانوا يتثبتون من الراوي، حتى يستوثقوا منه وتطمئن قلوبهم؛ لأنهم كانوا يرون الحديث دينا يجب النظر عمن يكون أخذه، كما أوصاهم بذلك من سبقهم من الصحابة وكبار التابعين، فقد كان ابن عون مثلاً يقول: لا يؤخذ هذا العلم إلا ممن شُهِد له بالطلب.
وروي عن سليمان بن موسى أنه لقي طاووسًا فقال له: إن رجلاً حدثني بكَيْتَ وكَيْتَ، فقال له: إن كان مليًّا فخذه منه.
وعلى مثل هذا كان يسير التابعون وتابعوهم.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:00 PM
المرحلة الثالثة: تدوين الحديث في عهد الصحابة والتابعين
على الرغم مما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الترخيص بالكتابة وإباحته لبعض الصحابة بتدوين الحديث، وعلى الرغم مما كتب من كتب وصحف في عهده كانت بناء على إذنه العام في آواخر أيامه، إلا أن الصحابة بوجه عام نراهم قد أحجموا عن الكتابة في عهد الخلافة الراشدة؛ احتياطًا منهم وحرصًا على سلامة القرآن الكريم والسنة النبوية من الاشتباه، فقد روي عن السيدة عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنها قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرًا... فلما أصبح قال: أي بنية، هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بنار فحرقها.
وروي أن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فكر في جمع السنة، لكنه عدل عن ذلك فعن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب النبي في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرًا، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قومًا كانوا قبلكم، كتبوا كتبًا، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدًا وفي رواية، من طريق مالك بن أنس، أن عمر قال عندما عدل عن كتابة السنة: لا كتاب مع كتاب الله.
فعمر كان يخشى من إقدامه على كتابة السنة أن ينكب الناس على دراسة غير القرآن، أو يتخذوا كتابًا مع كتاب الله، غير أننا نرى عمر بعد ذلك، وحينما يأمن حفظ القرآن يكتب بشيء من السنة إلى عماله وأصحابه
فعن أبي عثمان النهدي قال: كنا مع عتبة بن فرقد، فكتب إليه عمر بأشياء يحدثه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وقال علي بن أبي طالب خطيبًا: أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم.
كما روي عن عبد الله بن مسعود كراهيته لكتابة الحديث، وكذلك روي عن أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وأبي موسى الأشعري ، وغيرهم.
غير أن إحجام هؤلاء الصحابة عن الكتابة لم يدل على إهمالهم للسنة ومذاكرتها أو تدوينها عند زوال مانع الكراهة، حيث ثبت بعدها عن كثير من الصحابة الحث على كتابة الحديث، أو على الأقل استباحة تدوينه بعد أن زالت أسباب الكراهة، بل إن عمر نفسه الذي هم بجمع السنن، لم يكن يشك في جواز الكتابة، وإلا لما هم بفعل شيء منعه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إن إحجام عمر إنما كان لمانع يقتضي التريث في التدوين والجمع؛ ولذلك رأيناه يكتب بنفسه حين يأمن اللبس، ويثق بمن يكتب له، وربما سمع الفاروق بكتابة الحديث بعد أن رأى حفظ الأمة لكتاب الله تَعَالَى، ورأى جمعه في المصحف الشريف، ويشهد لقولنا هذا قول عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قيدوا العلم بالكتاب.
كذلك فإن أبا بكر الصديق كتب إلى أنس بن مالك فرائض الصدقة التي سنها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وقد سبق لنا ذكر خبر صحيفة علي بن أبي طالب التي كانت تحتوي على أسنان الإبل، وشيء من الجراحات.
ولقد نهج التابعون نهج الصحابة الذين تلقوا عنهم، فمن الطبيعي أن تتفق آراء من سبقوهم من الصحابة حول حكم التدوين، فالأسباب التي حملت صحابة رسول الله على كراهة الكتابة، والعزوف عنها، في كثير من الأحيان، هي نفسها التي حملت التابعين عليها، ومن هنا فقد كره الجميع الكتابة ما دامت أسباب الكراهة قائمة، أما عند زوالها فالجميع يستبيحونها.
ولقد زادت كراهية التابعين للكتابة حينما اشتهر بينهم تدوين آرائهم الشخصية إلى جانب الحديث، فخافوا الالتباس، ومن هنا كرهوا الكتابة؛ خشية أن تختلط آراؤهم بالحديث الشريف، فهم إذًا كرهوا أن تدون آراؤهم فتؤخذ مأخذ الحديث.
الرحلة في طلب الحديث:
مما لا ريب فيه أن الحديث نشأ نشأته الأولى في المدينة المنورة، حيث كان صحابة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتلقونه منه صلى الله عليه وسلم ويتناقلونه فيما بينهم، ويلقنونه التابعين بعد ذلك، وظلت رحاب المدينة المنورة مقدسة عند طالبي الحديث ورواته، حتى إن أبناء الأقاليم الأخرى كانوا إذا حجوا بيت الله الحرام، وأتموا شعائرهم، ولَّوا وجوههم شطر المدينة يسمعون الحديث من أهلها، بل إن بعض الأئمة كان لا يرى بأسًا في الاعتراف بأنه حج بيت الله ابتغاء سماع الحديث من محدثي الحجاز، وإذا كان أهل المدينة قد تفردوا برواية أكثر الأحاديث؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان بينهم يسمعهم أقواله ويريهم أفعاله، يتأسون به في الصغير والكبير؛ فإن بعض الأقاليم الأخرى بدأت تتفرد هي الأخرى برواية بعض الأحاديث عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم تشتهر بعدها على ألسنة رواتها في كثير من الأقاليم والبلدان الأخرى، ومن هنا كانت الرحلة في طلب الحديث، حيث لم يكن للرواة أن يقتنعوا بأخذ الحديث من أهل بلدهم، أو بأخذه من المدينة وحدها.
كذلك فإن الصحابة رضوان الله عليهم بعد عهد عمر توزعوا في الأمصار، ونقلوا في صدورهم حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولذلك كان لابد لمن أراد أن يجمع حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أن ينتقل من بلد إلى آخر، ويسمع من الصحابة الذين سمعوا منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورأوه وأخذوا الأحكام عنه، ولقد كان هؤلاء الصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يشجعون على الرحلة من أجل الحديث، وطلب العلم بوجه عام:
من هذا ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله تَعَالَى مني تبلغه الإبل لأتيته.
ومما يروى في حب صحابة رسول الله للارتحال من أجل طلب الحديث والتحقق من صحته، ما حدث به عطاء بن أبي رباح، قال: خرج أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر، يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبق أحد سمعه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غيرُه وغيرُ عقبة، فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو أمير مصر فأخبره فعجل عليه، فخرج إليه فعانقه، ثم قال له: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبق أحد سمعه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غيري وغيرُ عقبة فابعث من يدلني على منزله، قال: فبعث معه، فقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غيري وغيرُك في ستر المؤمنِ، قال عقبة: نعم، سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "من ستر مؤمنًا في الدنيا على خزية، ستره الله يوم القيامة". فقال له أبو أيوب: صدقت، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعًا إلى المدينة.
وكان الصحابي الجليل، جابر بن عبد الله قد ابتاع بعيرًا، فشد عليه رحله، وسار شهرًا حتى قدم الشام؛ ليسأل عبد الله بن أنيس عن حديث في القصاص.
وعلى هذا النهج، وبمثل هذا النشاط في الرحلة في طلب الحديث كان التابعون، فقد روي عن سعيد بن المسيب قوله: إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد.
ويروى عن كثير بن قيس أنه قال: كنت جالسًا عند أبي الدرداء، في مسجد دمشق، فأتاه رجل، فقال: يا أبا الدرداء أتيتك من المدينة، مدينة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: فما جاء بك، تجارة؟ قال: لا. قال: ولا جاء بك غيره؟! قال لا. قال: فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (( من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له مَنْ في السماء والأرض، حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر )).
ويروى عن مسروق أنه كان كثير الترحال، حتى قال عنه عامر الشعبي: ما علمت أن أحدًا من الناس كان أطلب لعلم في أفق من الآفاق من مسروق. كما روي عن الشعبي أنه حدث بحديث، ثم قال لمن حدثه: أعْطيتُكَه بغير شيء، وإن كان الراكب ليركب إلى المدينة فيما دونه.
هكذا كان العلماء يشجعون على الرحلة في طلب العلم، ولقد كانت لهم رحلات كثيرة لا يتسنى لنا ذكرها لكثرتها، ويكفي أن نذكر في هذا المقام ما كان لهذه الرحلات من فوائد ذات أثر بعيد في التحقق من الرواة، فبظل الرحلة يرى الراوي مَنْ يروي عنه ويقف على كثير من سيرته وأحواله، وكل ذلك يتم عن طريق سؤال أهل بلده والمخالطين له، وكانت هذه الأسئلة تتسم بالتشدد، حتى ليقال لهم: أتريدون أن تزوجوه؟
كذلك كان من فوائد هذه الرحلات معرفة طرق كثيرة للحديث الواحد؛ إذ يسمع الراوي من علماء البلد الذي رحل إليه، ما لم يسمع في بلده من زيادات في الحديث، أو تعارض في طرق الحديث الواحد، وما إلى ذلك.
كذلك كان من فوائدها التثبت من الحديث ونشره وجمعه، فقد ساعدت على المحافظة على السنة وجمعها بلا شك، فأصبحت السنة في الأقاليم المختلفة أشبه بالسنة في الإقليم الواحد؛ لتقارب عباراتها شيئًا فشيئًا حتى خيل إلى سامعها أنها رواية إقليم واحد.
وهكذا تعددت مراكز الحديث ومجالسه، وشهدت الأقاليم البعيدة، ما شهدته مكة والمدينة من نشاط علمي على يدي الصحابة، ثم التابعين، ومن جاء بعدهم.
أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:03 PM
المرحلة الرابعة: التدوين الرسمي للحديث
لقد دفعت الخشية من ضياع الحديث وذهاب أهله الخليفة عمر بن عبد العزيز للعمل على تدوين السنة رسميًّا، كما أن ظهور الوضع في الحديث بسبب الخلافات السياسية والمذهبية كان عاملاً آخر وراء تدوين السنة، والذي ساعد على ذلك كله هو نشاط التابعين في ذلك الوقت، وإجازتهم للكتابة بعد زوال الأسباب المانعة منها، فحِرْص العلماء على سلامة الحديث من أن يدْرَس ويذهب بذهاب أهله، لا يقل عن حرصهم على سلامته من الكذب والاختلاق.
كان هذان العاملان من أهم العوامل التي دفعت العلماء إلى خدمة السنة وكتابتها، وقد دعا الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى جمعها وتدوينها رسميًّا، حيث كتب إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاجمعوه. وكتب إلى أهل المدينة: انظروا حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاكتبوه، فإني خفت دروس العلم بذهاب أهله.
وجاء في كتابه إلى عامله على المدينة أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم : اكتب إليَّ بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبحديث عمرة فإني خشيت دروس العلم وذهابه.
كما أن هذا الخليفة أمر ابن شهاب الزهري وغيره بجمع السنن، وهو أحد الأعلام الذين كتبوا السنن وما جاء عن الصحابة أثناء طلبهم العلم، في حين أن بعض علماء عصره كان لا يكتب سوى الحلال والحرام، ويشهد لهذا قول أبي الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما يسمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس.
وها هو ابن شهاب يقول: أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا.
ولم يقتصر جهد عمر بن عبد العزيز في جمع السنن على أمر من أمرهم من العلماء بجمع الحديث، وإنما أرسل كذلك كتبًا إلى الأمصار يحث المسئولين فيها على تشجيع العلماء على دراسة السنة وإحيائها، كما جعل لأهل العلم نصيبًا من بيت المال يسد حاجاتهم الحياتية؛ كي يتمكنوا من التفرغ للعلم وجمع الحديث، ثم نشره.
مما سبق نفهم أن التدوين الرسمي للحديث بدأ عند خلافة عمر بن عبد العزيز، وبطلب منه، وهذا لا ينفي تقييد الحديث قبل زمن عمر، فقد كان تقييد الحديث وحفظه في الصحف وعلى الرقاع والعظام منذ عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ إذ لم يكن التقييد على هذه الصورة منقطعًا، كما مر بنا.
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir