المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جواب سؤال عن فرض الكفاية



أحمد سعد الدين
02-11-2005, 06:22 PM
جواب سؤال عن فرض الكفاية



وصلنى السؤال التالى :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خير شيخنا الفاضل
أحببت أن أعرف تفسير أوسع في معنى
فرض الكفاية يعني :
إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين ..
ويحبذا يكون مع أمثلة
فيعلم الله ما أردت الا الفائدة لي وللجميع
أعانك الله علي


الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الأخ الفاضل ...
بارك الله فيك


"الحكم التكليفي" هو عند الأصوليين يتجلى في "خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء طلبا أو تخييرا"، أو "أثر هذا الخطاب" كما هو عند الفقهاء،

ثم ينقسم هذا المفهوم إلى خمسة مستويات من الدلالة بحسب صيغة الخطاب المتضمن والمحتوي له:
"الوجوب والحرمة والكراهة والندب والإباحة".

ما يعنينا في هذا السياق المستوى الأول "الوجوب" وانشطاره وتفرعه -بحسب الأصوليين- إلى عدد من الأقسام، لعل من أهمها تفريعه بحسب المخاطبين به إلى عيني وكفائي.

ويقصد الأصوليون بالواجب العيني ذلك الفعل الذي "طلب الشارع فعله من كل فرد من أفراد المكلفين بعينه".

أما الواجب الكفائي فهو ذاك الذي يروم الشارع حصوله "من جماعة المكلفين" من غير نظر إلى من يفعله أو يقوم به، وإنما مقصوده تحقق وقوعه من مجموع المكلفين.

وانما سمي واجبا كفائيا لانه يكفي في حصول المطلوب به قيام بعض المكلفين بفعله دون البعض ولهذا فان ذمة من لم يفعل هذا الواجب تبرأ بفعل غيره وان لم يقم به احد مطلقا فان الاثم واقع على الجميع.

والتقسيم إلى الكفاية والاعيان كما يكون في الواجبات يكون في المندوبات كالأذان، والاقامة، والتسليم، والتشميت، وما يفعل بالاموات من المندوبات فهذه على الكفاية.
وعلى الاعيان كالوتر، والفجر، وصيام الايام الفاضلة، وصلاة العيدين، والطواف في غير النسك ، والصدقات.

وقد تكون الجزئية الواحدة فرض عين في حالة وفرض كفاية في حالة أخرى، فإذا تعين لاظهار الحق فرد بذاته كان اداء الواجب عينيا، فإذا لم يكن في الجهة إلاّ طبيب واحد لا يحصل علاج المريض بدونه كان قيامه بهذا العلاج عينيا، وكذا بالنسبة للإفتاء والإرشاد والامر بالمعروف، فالمناط في اعتباره كفائيا أو عينيا هو امكان تحقق المصلحة أو المطلوب الشرعي بغيره أو تعينه هو، ومع صيرورته واجباً عينياً فان اصله واجب كفائي إذ يسقط عنه التكليف بفعل الغير ولم يطلب فعله من كل فرد اصلا.

وقد يكون التكليف كفائيا ثم ينقلب عينيا كما إذا كان في البلدة عدة اطباء ووجد المريض، ثم ارتحل الاطباء إلاّ واحداً، أو ماتوا إلاّ واحداً قبل علاج المريض ، فالتكليف بالعلاج كان كفائيا عند وجود الاطباء في البلدة ولم يكلف به واحد منهم بعينه، ولما انفرد واحد منهم في البلدة تعين هو للتكليف بالعلاج واصبح عينيا عليها، ومثل ذلك يقال في جميع الواجبات الكفائية عندما يجري فيها مثل ذلك.

وعلى الجملة فان الواجب الكفائي يتميز عن الواجب العيني بقصد الشارع ونظرته إلى كل منهما، فالقصد من الواجب الكفائي وقوع الفعل نفسه لما يترتب عليه من جلب المصلحة أو درء المفسدة بقطع النظر عمن يصدر منه، فإذا وقع الفعل على الوجه المطلوب ارتفع التكليف به سواء وقع من فرد أو اكثر، ومن أي فرد كان. وهذا بخلاف الواجب العيني فان نظرة الشارع فيه إلى نفس المكلف ولذا فان الخطاب يتجه إلى الفاعل نفسه حتّى إذا عجز عن القيام بالفعل لم يطلب الشارع وقوعه من غيره لأن المصلحة التكليفية ترجع إلى نفس المكلف.


وأمثلة فروض الكفاية كثيرة وتنقسم إلى ديني ودنيوي:

فالديني : ما يتعلق بأصول الدين وفروعه:

مثل القيام باقامة الحجج والبراهين القاطعة على اثبات الصانع وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه، واثبات النبوات، ودفع الشبه والمشكلات.

والاشتغال بعلوم الشرع من تفسير وحديث وفقه، والتبحر في ذلك.

وتصنيف الكتب لمن منحه الله فهما واطلاعا.

وحفظ القرآن والحديث ونقل السنن.

والاجتهاد فلو اشتغل بتحصيله واحد سقط الفرض عن الجميع، وان قصر فيه أهل عصر عصوا بتركه واشرفوا على خطر عظيم.

وتعليم الطالبين والافتاء.

وتولية القضاء.

وتحمل الشهادة واداؤها.

وتولي الامامة العظمى .

والجهاد حيث الكفار مستقرون في بلادهم، اما إذا ديست ارض الإسلام ففرض عين.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من فروض الكفاية ،
قال تعالى : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
(آل عمران:104)

ودفع ضرر المحاويج من المسلمين من كسوة وطعام إذا لم تندفع بزكاة أو بيت مال، ومثله محاويج أهل الذمة.

واغاثة المستغيثين في النائبات.

واقامة الجماعة والأذان والإقامة.

وغسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم.

ورد السلام حيث المُسّلَّم عليه جماعة.



والقسم الدنيوي.

كالحرف والصناعات وما به قوام المعاش والشراء والحرثة وما لابد منه حتّى الحجامة والكنس، وعليه عمل الحديث: "اختلاف أمتي رحمة للناس"
ومن لطف الله عزوجل ان جبلت النفوس على القيام بها.
وقد عد العلماء الحرف والصناعات وأنواع الزراعات من فروض الكفاية لأنه لا يقوم أمر الدين والدنيا إلا بها وتركها فيه هلاك ومفسدة ويلزم أن يقوم بها من تحصل الكفاية بفعله وإلا أثمت الأمة
وعد الغزالي في الوسيط من فروض الكفاية المناكحات وهو مشكل على طريقته في الصنائع لأن الطبع يحث عليها.
كما عدوا من فروض الكفاية الاشتغال بعلم الطب، وألحق به وفاقا للغزالي الحساب.
التخصص قد غدا من فروض الكفاية وهو متعيَّن فيمن تهيأ له ويؤدي إلى تقسيم العمل وتجويده وإحسانه وبلوغ الثمرة المرجوة منه. إنَّ إنشاء مخبز في بلد من فروض الكفاية على أهل البلد .

هناك علوم هي من قبل فرض الكفاية .. إن قامت به بعض المسلمات سقط عن الأخريات .. مثل تمريض النساء وتطبيبهن، وتوليدهن، وتعليمهن



وهذه الأمثلة التي ضربها الفقهاء انما هي على سبيل المثال وهي ما يناسب حاجات مجتمعاتهم،

وبالإمكان ان نضيف اليها قائمة أخرى مما استجد من حاجات في عصرنا، ومعظمها مما يقع في القسم الدنيوي، اما في القسم الديني فلا تعدو الاضافات ان تكون صوراً جديدة من المصالح الدينية التي نص عليها العلماء قديما.

ففي القسم الديني:

ـ التركيز على دفع الشبهات التي تثيرها المذاهب الفكرية المعاصرة.
ـ التجديد في وسائل اقامة الحجج والبراهين وفقا لمنطق العصر وعلومه.
ـ الاشتغال بعلوم الشرع من منطلق تطبيقها على الحياة المعاصرة.
ـ تصنيف الكتب وفقا لمخطط يسد الثغرات الناشئة عن توقف الحياة الفكرية بسد باب الاجتهاد لعدة قرون.
ـ استخدام مختلف الوسائل في تيسير وصول القرآن والحديث والعلوم الشرعية إلى الناس من موسوعات ومعاجم وفهارس وأدمغة الكترونية ووسائل الاتصال الأخرى.
ـ اقامة مؤسسات الاجتهاد الجماعي، ومؤسسات اعداد المجتهدين بما يكفل ازدهار الاجتهاد واداءه وظيفته.
ـ اقامة مؤسسة الامامة بما يكفل وحدة المسلمين وتعاونهم وتطبيق الشورى.
ـ الاكتفاء الذاتي في الصناعات الحربية بما يكفل القيام بواجب الاعداد دون اعتماد على غير المسلمين.
ـ تعميم الاعداد والتعبئة الشاملة للأمة بما يكفل دفع العدوان عنها وحماية السلام العادل.
ـ اقامة مؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن أنظمة متخصصة متطورة تكفل تحقيق الوظيفة دون تعسف في الفهم أو إساءة في الممارسة ، ومع بقاء دور الأفراد كاملا غير منقوص وكفالة وتنظيم قيامهم بهذا الواجب.
ـ وضع النظم وإقامة المؤسسات الكفيلة بتأمين ضرورات المعيشة من غذاء وكساء ومسكن وصحة وتعليم مجانا لغير القادرين وتنظيم التأمينات الاجتماعية بكافة صورها لجميع المواطنين.


وفي القسم الدنيوي:

ـ تحقيق الاكتفاء الذاتي في جميع المجالات الاقتصادية بدءاً بالضروريات من زراعة وصناعات لمتطلبات الغذاء والملبس والمسكن والصحة والتعليم بما يكفل الاستقلال الاقتصادي للأمة الإسلامية وتيسير هذه الضروريات مجاناً لغير القادرين وباسعار معقولة للقادرين.
إقامة المعاهد التعليمية ومؤسسات البحث العلمي والنظم التدريبية الكفيلة بتقدم الأمة في جميع المجالات وتكوين العناصر المتخصصة المدربة اللازمة لتغطية هذه المجالات.
وضع النظم الكفيلة بتعبئة المدخرات والفوائض وتوجيهها للاستثمار في هذه المجالات ووضع الحوافز الربحية والضريبية المعينة على ذلك.
إقامة المؤسسات الاقتصادية والمالية والمصرفية في إطار الشريعة ووفق مبادئها.



قد يكون الأمر الواحد حقا للشخص وواجبا عليه في نفس الوقت:

كثيرا ما تتأكد المصلحة ـ خاصة كانت أو عامة ـ بحيث تتدخل الشريعة بحكم تكليفي فيما كان مجرد حق شخصي.
من ذلك حق العمل والزواج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشورى.

ـ فالعمل حق للفرد على الجماعة ان تيسر للفرد حصوله عليه بتيسير أدواته ورأس ماله، وهو واجب في نفس الوقت على القادر "القوى المكتسب" بتعبير الرسول صلى الله عليه وسلم.

ـ والزواج حق للفرد على الجماعة ان تيسره للفرد ان عجز عن تكاليفه حتّى تعينه عن ان يعف نفسه به، وهو في نفس الوقت واجب ان كان يخشى على نفسه الفتنة.

والامر بالمعروف والنهي عن المنكر حق للفرد على الجماعة ان تيسر قيامه به وتعينه عليه، وقد يكون موجها إلى ولي أمر أو غيره من أصحاب الولايات، وهو في نفس الوقت واجب عليه ولا يختص بأصحاب الولايات، ولا بالعدل ولا بالحر ولا بالبالغ ولا يسقط بظن انّه لا يفيد أو علم ذلك عادة، مالم يخف على نفسه أو ماله أو على غيره مفسدة أعظم من ضرر المنكر الواقع كما يقول السيوطي في الاشباه والنظائر.

ـ والشورى حق للفرد ان يقوم المجتمع على اساسها وان يشارك حسب طاقته في مختلف مؤسساتها، ومن واجب الجماعة تمكينه من ذلك، وهي في نفس الوقت واجب عليه حتّى لا يستبد بالأمة مستبد، وهي اوجب على صاحب الرأي والاختصاص والمكانة



الأمر الواحد قد تجري عليه الأحكام الخمسة وفقاً للظروف:

بل قد تعتريه الأحكام السبعة على رأي الحنفية في تقسيم الحكم التكليفي: فالفعل الواحد قد تعتريه هذه الاحكام كلها أو بعضها بحسب ما يلابسه.

ـ فمثلا الزواج قد يكون فرضا على المسلم إذا قدر على المهر والنفقة وسائر واجبات الزوجية وتيقن من حال نفسه انّه إذا لم يتزوج زنى.

ـ ويكون واجبا إذا قدر على ما ذكر وخاف انّه إذا لم يتزوج زنى.

ـ ويكون مندوبا إذا كان قادرا على واجبات الزوجية وكان في حال اعتدال لا يخاف ان يزني إذا لم يتزوج.

ـ ويكون محرما إذا تيقن انّه إذا تزوج يظلم زوجته ولا يقوم بحقوق الزوجية.

ـ ويكون مكروها تحريما إذا خاف ظلمها.


والله أعلم