المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انقاذ



د. عمر هزاع
03-11-2005, 04:09 AM
هذه المشاركة : بقلم : يحيى هاشم


إنقاذ

عائد من عملى كعادتى كل يوم , محاولا أن أتخفى من شمس يونيو الحارقة ورطوبته الخانقة , وصلت إلى الشارع المؤدى إلى مترو الأنفاق الوسيلة التى أستخدمها يوميا فى العودة .
لا أعرف هل هى من إصطدمت بى أم أنا من إصطدمت بها ولكن فى النهاية كان الصدام .
سيدة عجوز ترتدى جلباب أسود شديد السواد , خط الزمن عليها خطوطه التى توحى بإقتراب نهايته .
نظرت إلى بعيون تتسائل وتتعجب مماحدث فنظرت إليها معتذرا ومتعجبا فى نفس الوقت .
بدافع الخجل والأدب سألتها عن وجهتها , أجابتنى وقد بدا الارهاق على ملامحها التى تكاد تختفى من عناء ضربات الزمن التى لاترحم :
أريد الذهاب إلى المترو .
إبتسمت وأخبرتها أننى أيضا فى طريقى إلى هناك .
وكأننى أنقذتها من عناء سفر , تنهدت إرتياحا وبحركة لاشعورية غير متوقعة منى على الأقل تأبطت ذراعى وكأنها تعرفنى منذ سنوات .
لم يكن أمامى سوى الإستجابة وسرنا معا كما يسير الأحباب , ذراعا تتأبط ذراع , وقدما تلاحق قدم وإن سبقتها تتوقف خجلا , لو رانا أحد لاعتقد أننا نهيم ببعض حبا.
أخذت طوال الطريق كعادة السيدات العجوز تحدثنى عن بنتها التى سافرت إلى الإمارات منذ عدة سنوات ولم تتصل بها او ترسل لها خطاب , ثم حدثتنى عن إبنها الذى يعانى من مرض مزمن فى صدره ومحجوز فى إحدى المستشفيات وهى تحاول أن تجعل علاجه على نفقة الدولة , ثم فجأة أخذت تدعوا لزوجها المتوفى الذى لولا معاشه لكانت تتسول فى الشوارع .
كنت أستمع إلى حواراتها العديدة ورد فعلى بين هزة رأس وكلمات لتطييب الخاطر وأنا لا أدرك أى حرف مما تقول .
وصلنا إلى محطة المترو ولكى أكمل ما بدأته قطعت لها تذكرة بعد أن سألتها عن وجهتها , ثم قمت بتوصيلها إلى الرصيف وخلعت يدى من يدها بأدب ورفق وإستدرت مودع إياها ولكن وأنا أستدير وجدت يد قوية تمسك بى وتقول إنتظر .
إستدرت فإذا بها من يمسك بيدى , نظرت لها وعينى تسألها عما تريد ؟
أجابتنى وقد إرتسمت على ثغرها إبتسامة عذبة : أمسك , وفتحت يدها عن قطعة حلوى صغيرة مغلفة بغلاف شفاف .
نظرت إليها منزعجا بإشارة توحى بأننى لا أقبل أى شىء من الغرباء .
فنظرت بعينيها نظرة تقول : إطمئن .
ولكنى أجبتها برفق : أشكرك , وعدت مستديرا حتى أذهب إلى الرصيف المقابل .
عادت وأمسكت بيدى بنفس القوة وبإصرار غريب , فأستدرت لها مقطبا جبينى .
ففاجئتنى بإبتسامة أجمل من التى سبقتها وقالت : إمسك , إنها بركة لمن سيتناولها .
هزمت أمام تلك الابتسامة العذبة وتناولتها من يدها وأنا أنوى أن ألقى بها فى أقرب سلة مهملات .
ولكنها نظرت إلى عينى مباشرة وقالت وكأنها تخترق أعماقى وتكشف عمايدور بداخلى :
تذكر أنها بركة لمن سيتناولها .
تناولتها منها بسرعة واستدرت متوجها بسرعة الى الرصيف المقابل والحلوى ذات الغلاف الشفاف فى يدى, وأنا فى طريقى الى الرصيف لمحت سلة مهملات فتوجهت إليها قاصدا أن ألقيها ولكن دون أن أدرى إًصطدمت بشخص كان يمر فى الاتجاه المعاكس .
شعرت بالحنق الشديد وإعتدلت كى أقف وأتشاجر مع من كان السبب فى سقوطى , ما ان استدرت حتى ودت شاب مهندم يبتسم لى ابتسامة تحمل عبارات الأسف والإعتذار .
لم يكن أمامى سوى تقبل أسفه الشديد , نفضت اثار السقطة وسرت بخطوات طويلة قاصدا الرصيف الذى أًصبح أمنية بعد كل ماتعرضت له .
ما كدت أن أقترب حتى وجدت صوت لاهث من خلفى ينادى " يا أستاذ .. يا أستاذ " .
نظرت خلفى فإّذا به الشاب الذى إصطدم بى منذ دقائق .
وصل إلى مادا يده قائلا : لقد سقطت قطعة الحلوى هذه من حضرتك.
نظرت اليه مستغربا أدبه النادر فى زمن يعتبر فيه الأدب قلة أدب , وشكرته ناظرا الى الحلوى التى أًصبحت قدرى ثم وضعتها فى جيبى دون تفكير ودخلت الى الرصيف .
وقفت أنتظر المترو وبدأت الأسئلة تهب على :
لماذا قالت السيدة العجوز " بركة لمن يتناولها ؟ " , لماذا لم توجه كلماتها لى ؟
أخرجتها من جيبى وهممت بفض غلافها الشفاف الجذاب ولكن دخل المترو الى الرصيف , فهم الراكبون للتزاحم من أجل نيل شرف الركوب , لم يكن أمامى سوى التزاحم مع المتزاحمين ونجحت بعد عناء بسيط فى الصعود الى القطار لمحت كرسى شاغرا فأسرعت الخطى متسابقا مع شخص فى الناحية المقابلة اليه ونجحت فى إحتلاله .
ألقيت بجسدى عليه مغمضا عينى وكل عضلة من عضلات جسدى تتأوه ألما , فتحت عينى بعد برهة فإذا برجل يجلس امامى يحدق بى ويبتسم .
إستغربت تماما من تلك الابتسامة وأخذت أتأمله , هو فى منتصف الخمسينات له لحية بيضاء , مهذب شعر الرأس , يتصارع فيها اللونان الأبيض الأسود ولكن إقترب اللون الأبيض من الانتصار فى تلك المعركة غير العادلة , عندما تدقق فى ملامحه البشوشة تشعر أنك تعرفه منذ سنوات .
لم يكن أمام كل هذا إلا أن أبتسم له نفس الإبتسامة , فزادت إبتسامته إتساعا وبدأ معى حوار .
سألنى : أنت موظف أليس كذلك ؟
أجبته : نعم .
قال : لقد كنت موظفا منذ سنوات طويلة ولكننى إستقلت .
سألته : ما سبب الاستقالة ؟
أجابنى : لقد أسست مشروعا خاصا بى , العمل الخاص بالنسبة لى أفضل بكثير من العمل الحكومى الروتينى الرتيب .
هززت رأسى موافقا عما يقوله .
إبتسم وقال : أتعرف ماذا كان شعورى وأنا عائد من عملى فى مثل هذا الوقت ؟
إبتسمت قائلا : أكيد نفس ما أشعر به .
لم يجبنى فسكت منتظرا الاجابة ولكنه لم يجيبنى بل بدأ يتصبب عرقا , وتحول لونه فجأة إلى اللون الأصفر الشديد , نظر الى نظرة إستغاثة فاتحا فمه ومخرجا لسانه فى حركات لم أراها إلا فى السينما .
صرخت السيدة الجالسة بجوارى , بدأ الرجل المجاور له يقرأ أيات قرانية فى أذنه , ساد الهرج والمرج المكان , وفجأة سقط برأسه بين ساقاى .
لم أكن أعلم ماذا يحدث أو ماذا هناك ولكن سمعت صوتا فى أذنى يهتف
" إنها أزمة سكر , إنه يحتاج إلى أى سىء به سكريات "
لم أنتظر ولم أفكر , أخرجت قطعة الحلوى من جيبى وفضضت غلافها الشفاف بسرعة مذهلة , ثم رفعت رأسه الساقطة بين ساقاى , وفتحت فمه ووضعتها على لسانه , ثم أحكمت غلق فمه , وأسندت رأسه على الكرسى , أخذ الكل ينظر لى وكأننى طبيب ماهر فى غرفة العمليات ولا أحد يعلم أن كل خلجة فى كانت ترتعد خوفا.
نظرت اليه مرعوبا فحياته الان تتوقف على قطعة الحلوى هذه , بعد برهة بدأ العرق يتوقف عن التدفق كقطرات الندى على جبهته , وبدأ اللون الأصفر يختفى تدريجيا وعادت الحياة تدب فى أوصالة التى كانت تداعب الموت منذ لحظات .
كادت الدموع تتساقط من عينى , لقد أنقذت حياة إنسان , نظر لى الرجل وابتسم ابتسامته التى كان يشيعها منذ لحظات ولكنها هذه المرة كانت شاحبة .
لا يهم ياسيدى شاحبة أو لا المهم أنك تبتسم , والأهم أنك حى , حمدا لله .
مد يده وصافحنى وأنا محاط بنظرات الإعجاب وكلمات الثناء من كل المحاطين بنا , ربت على يده فأمسكها برفق قائلا : أنا مريض بالسكر منذ خمس سنوات ودائما أتعرض لتلك المواقف لذلك أحتفظ دائما بقطع من الحلوى فى جيبى عندما أشعر بإقتراب الأزمة أخرج واحدة فأعود الى حالتى الطبيعية , ولكن هذه المرة لم أشعر بأى شىء , أشكرك جدا يابنى .
أجبته : الشكر لله ما نحن إلا أسباب يا سيدى .
أجابنى بإبتسامته العذبة .
كانت محطة وصولى قد إقتربت فههمت بالقيام إستعدادا , ولكنه أمسك ذراعى بقوة وفتح يدى ووضع فيها قطعة من الحلوى .
نظرت اليها فإذا بها نفس قطعة الحلوى التى منحتنى إياها السيدة العجوز ذات الغلاف الشفاف .
نظرت إليه قائلا : ساخذها لأنها بركة لمن سيتناولها .
لم يفهم ما أقصد فضحك وضحكت أنا أيضا .
هبطت من المترو والقطعة فى يدى والابتسامة على شفتى , ولكن سألت نفسى
من الذى أخبرنى بأنها أزمة سكر ؟
لم تكن هناك إجابة , فتحت يدى وأنا سائر فى طريقى للخروج من المحطة وابتسمت ولكن على الناحية المقابلة لمحتهها تنظر الى , نظرت لها بتمعن , فوجدت السيدة العجوز التى منحتنى القطعة الأولى تبتسم ابتسامة لها مغزى , فوضعت قطعة الحلوى فى جيبى وضحكت ضحكة عالية اهتزت لها جدران المحطة .

د. عمر هزاع
03-11-2005, 04:10 AM
رد : صديقة الحرف


استاذي .....

عندما أقرأ أقاصيصك الجذابة .... أشرد من عالمي الى عالمك

أو لنقل الى عالم القصص وأعيش مع أبطالها.........( ويالهم من أبطال)

حقا أنت تذكرني بالأديب نجيب محفوظ ...

فكأني أقرأ له معانات رجل الشارع بكل مافيه من جمال وعفوية وصدق في التعابير


أحيييك ... على رقة قلمك

د. عمر هزاع
03-11-2005, 04:10 AM
كلمة إبداع قليلة في حقك

أشكرك من كل قلبي على فتح شهيتي للقراءة مرات ومرات

أخي لازم أوصفك في وصفات المرضى ثلاث مرات قبل الطعام عشان تفتح نفسهم وتزيد شهيتهم

بارك الله فيك

يا أخي المنتدى محتاج أقلام مميزة كقلمك الحساس هذا

أكرر تحيتي وثنائي

د. عمر هزاع
03-11-2005, 04:11 AM
رد : شظايا إمرأة

الفنان Mosakaf5

حقا فنان بكل ما تعنيها الكلمة من معانى اراك فنان تمسك بالريشه والالوان

وتخط خطوط منسقه متسقه تظهر لنا فى النهاية لوحة رائعة اراها واعيش معها

اشعر حقا بانى كنت اجلس بجوار البطل فى مترو الانفاق واشعر معه بحر يونيو الخانق

اهنئك دائما ودائما سأهنئك على ابداعك

ننتظر المزيد



شظايا امرأة

د. عمر هزاع
03-11-2005, 04:12 AM
رد : يحيى هاشم


الأعزاء
إنحناة إحترام لكم جميعا
الصديقة / صديقة الحرف
مازلت تصرين على انى اذكرك بنجيب محفوظ
لا أعرف كيف اشكرك
العزيز الدكتور د / هزاع
أظن أنك ستكتبنى على روشتة الدواء( ينصح برجه قبل الاستعمال )
هههههههههههههههههههههههه
يالك من صديق جميل
أنت المبدع فى ردودك
أشكرك
شظايا امرأة ( مع اعتراضى التام على الاسم )
أشكرك واسف لمعاناتك فى الاندماج مع القصة الى تلك الدرجة
أشكرك

د. عمر هزاع
03-11-2005, 04:13 AM
رد : شظايا إمرأة


اولا:
اعتذر عن التأخير فى الرد فكان هناك عطل فى حسابى
ثانيا:
ارسل هذا الرد للعزيزة صديقة الحرف
واعلم جيدا ان ساحتك اصبحت مكان فسيح يسع الجميع وان الجميع فى استطاعتهم التحرك فيه بسعادة
شاركتك فى اغلب الردود القويه وقرأت لك وحقا كنت رائعة ولكنى اختلف معك اشد الاختلاف
لقد اسأت حقا للفنان واسمحوا لى ان القبه بهذا اللقب بالرغم من معرفتنا لاسمه الحقيقى
اعود لاقول انك اسات له عندما قارنته بمحفوظ لاياعزيزتى عندما نشبهه فاولى له ان نشبهه بالعقاد
او كثر من ادباءنا الذين كانوا يستحقون الف الف جائزه لنوبل وليست واحدة
ارجوا ان تتقبلى نقدى هذا ايتها الصديقة للحرف

ثالثا:
العزيز الفنان
قد تكون حقا شظايا ولكنها لامعة وبراقة يكفينى انها ترى الجمال جمالا وترى القبح قبحا
فانا احيا بها وبها اترفع عن كل الصغائر
قد اكون قارئة جيدة ولكنى لااستطيع ان اقص حدوته
اعشق اللوحة التى ابدع فيها فنان مع انى قد لااتمكن من خلط لونين
اهيم وانا استمع الى لحن جميل مع انى لااعرف من السلم الوسيقر سوى حروفه
مع كل تلك النقائص فانا سعيدة بشظاياى تلك وتجعلنى انطلق وارتفع عن الارض مع ان كثيرات من المكتملات مكبلات بالارض

فلتشاركنى سعادتى بها وسترى كما ارى
كم هى شظايا نور وليست شظايا نار
اشكرك كثيرا

د. عمر هزاع
03-11-2005, 04:14 AM
رد : صديقة الحرف


--------------------------------------------------------------------------------

أختي القديرة شظايا امرأة....

أتفق معك بأن كتبات الأستاذ قاصَ منتدياتنا عظيمة المعاني

ولكن اختي الكريمة حبي لكتابات العظيم نجيب محفوظ لاتقف عند حدود فوزه بجائزة

نوبل... بل تتعداها الى اكثر من ذلك بكثير ....

فأنا أراه وأقرأه قلم يكتب عن معانتاة رجل الشارع المبهم وكل مايعانيه في دواخل حياته وزواياها


ومن هنا جاء التشبيه


وأهلا بك ياأحلى شظايا

السيف القاطع
09-03-2008, 11:40 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعتقد يا سيدي بأنني مهما أثنيت على هذا الإبداع فإن قلمي سيعجز عن التعبير ......
قصة رائعة .. مشوقة ...
وأنتظر مزيداً من الإبداع الأدبي المسطر بقلمك المبدع ......
ودمت في عز

خليف عقيلة
27-03-2008, 12:31 PM
أخي الكريم تحيتي و سلامي
قصتك جميلة و طريفة ،ذوقتنا قطعة الحلوى فوجدناها لذيذة.
أستسمحك عذرا إذا ما أبديت ملاحظات على بعض الهفوات التي اشتمل عليها النص ،مثل :
ترتدي جلباب أسود شديد السواد ...ترتدي جلبابا شديد السواد
ذراعا تتأبط ذراع .....ذراعا
قدما تلاحق قدم ......قدما
استدرت مودع .....مودعا
وجدت يد قوية ....يدا
حتى وجدت شاب مهندم .....شابا مهندما
حتى وجدت صوت لاهث .....صوتا لاهثا
لمحت كرسي شاغرا ......كرسيا
لم يجيبني ......يجبني
في حراكات لم أراها ....أرها

ريمه الخاني
06-04-2008, 10:06 AM
اولا نشكرك اخي الشاعر هزاع لدخولك قسم القصه ربما كنت مقصرة لكنني قلما اجدك هنا
ثانيا بصمة الاخ يحيى في القصه مميزة دوما
ثالثا اين هو ؟
مع تحيتي لكم جميعا