د. عمر هزاع
03-11-2005, 04:41 AM
بقلم : يحيى هاشم
صورتان على جدار الوحدة
انسحب من وسط ضجيج العزف والأغانى ,أعطى ظهره لكل الراقصين والمهنئين , وذهب الى مقعد فى زاوية غير مرئية فى اخر القاعة حيث يستطيع أن يرى الجميع ولا يستطيع أحد أن يراه , جلس مسندا ظهره على المقعد ناظرا إليها فى انبهار وسعادة ممتزجتين مع الحزن والألم .
إنه اليوم الذى يتمناه أى أب , اليوم الذى تصبح فيه إبنته عروس جميل تتغنى الدنيا بجمالها ويحسدها القمر على تألقها النورانى الربانى .
ولكن بدأت المشاعر تثور عليه , اليوم ستودع بيته , وحياته ودنياه وتنتقل إلى دنيا أخرى وحياة جديدة مع رجل ليس هو ولكنه يجب ألا يكون هو , رجل اخر فى بيت اخر وحياة أخرى .
اه , زفرها عالية موجعة حارة حتى كاد الجمع الراقص والصاخب أن يستمع إليها ,
كم أحبك يا إبنتى الغالية , قالها بحروف غير مسموعة ولكن تمنى أن تهب الرياح لتحملها اليها وهى هائمة مع حبيبها فى دنيا جميلة ولكن للأسف تلك الدنيا لن يكون له دور فيها , دنيا لاتتسع إلا لآثنين فقط هى وحبيبها .
عزفت الموسيقى الختامية معلنة نهاية حفل الزفاف وعلى العريس أن يأخذ عروسه إلى منزل الزوجية , قام متثاقلا يجر قدميه الرافضتين الحراك راسما على شفتيه إبتسامة كاذبة محاولا أن يكفكف دموع عينيه التى يبكيها قلبه .
نظر إليها من بعيد قائلا : أحان وقت الفراق ؟
هطلت دمعة خائنة لأنها كشفت اللثام عن قوته المصطنعة , مسحها بيده مسرعا كأنها العار , وصل إليها كم هى متألقة , شعر بإرتعادة تسرى فى جسدها المرمرى الرائع , فتح ذراعيه لها كما كان يفعل عندما كانت صغيرة , لم تخذله فهى إبنته الصغيرة مهما كبرت , وحتى فى يوم زفافها هى ابنته الصغيرة .
ضمها إليه بقوة ناظرا بعينيه إلى زوجها الواقف بجانبه ينتظره أن ينتهى كى يحملها إلى الجنة المنتظرة , تمنى أن تعود طفلة مرة ثانية , وتمنى ألا تخرج من حضنه أبدا , ولكن تركها وكأن قلبه خرج من بين ضلوعه , شعر باختناق شديد , دموع ثائرة على باب عينيه تود التحرر من تلك المقلتين المتحجرتين بحجارة لبنية مصطنعة .
أٍسرع إلى الخارج متعللا بأنه سيعد لهما السيارة , نظرت له وهمست فى أذنه : لاتتركنى مهما كان أريدك بجانبى حتى النهاية .
لم يستطع التحمل خارت كل قواه , حاول أن يصرخ قائلا : أرجوكى لاتتركينى , ولكنه لم يستطع .
ضم يدها إلى يده ووقف على الجانب الآخر من زوجها , شبك يده بيديها بكل قوة ممكنة , وسارت هى بين رجل يستعد لأن تدخل حياته , ورجل يستعد لأن تخرج من حياته .
إندهش المدعوين من المشهد , البعض أخذ يصفق بكل ما أوتى من قوة , والبعض أخذ ييكى الأب المختلطة مشاعره .
وصلوا الثلاثة إلى السيارة , أصر على ان يفتح لها الباب , وأصر على أن يقود هو السيارة بنفسه , صرخت رافضة قائلة : كيف تفعل ذلك ؟ أتقود السيارة بنفسك ؟
أجابها وهو يقبل يديها : أريد أن أوصلك بنفسى إلى المنزل .
نظرت فى عينيه ولم تتمالك نفسها فدخلت فى حضنه قائلة : كم كنت أتمنى أن تكون أمى معنا الآن يا أبى .
إعتصرته الجملة الغير متوقعة نهائيا , ربت على رأسها قائلا وهو يبتسم :
هيا يا حبيبتى زوجك ينتظرك .
نظرت إليه متعجبة من الاجابة , ولكنه لم يعطيها الفرصة للتعجب أو الاستفسار , فتح الباب منحنيا إنحناءة خفيفة قائلا بلغة نوبية ضحك منها الجميع : إتفضلى يا هانم .
دخلت إلى السيارة وكأنها أميرة وبجواره فارس الأحلام .
أغلق باب السيارة ودلف إلى المقعد الأمامى وقبل أن يسير بالسيارة ضبط وضع المراة بحيث يتمكن من رؤيتها .
فى الطريق مر شريط الذكريات أمام عينيه كما تمر السيارات المسرعة , كانت عيناه حائرة بين الطريق وبينها .
وصلوا إلى المنزل صعد معها , فتح لهما الباب , دخلا , وقف متسمرا أمام الباب ولم يتحرك .
سألته ماذا بك ؟ لماذا لا تدخل ؟
نظر اليها طويلا ممسكا بمقبض الباب وقال لها : هنا ينتهى دورى , أحبك , وداعا .
أغلق الباب خلفه دون أن يترك لها المجال كى تجيبه , لم ينظر خلفه مع أنه متأكدا أنها فتحت الباب تناديه , كإبن العشرين أخذ يقفز على درجات السلم حتى وصل إلى الدور الأرضى , هنا أدرك أن عمره تعدى الخمسون بثلاث خطوات , شعر بألم حاد فى صدره , دلف إلى سيارته وأسرع إلى منزله .
فتح الباب ودخل مغلقا الباب خلفه وكأنه يغلق الباب عن عمر وحياة مضت , شعر أن كل ركن فى المنزل غريب , ولكن الشىء الوحيد الموجود كان رائحتها التى كانت تملأ المكان.
دخل إلى غرفتها , إقترب من فراشها مازال يحمل اثار جسدها عندما كانت نائمة عليه منذ سويعات قليلة , نام مكانها محتضنا الوسادة الصغيرة وترك لدموعه العنان فروت خديه الجافان .
بعد فترة قصيرة شعر بعطش شديد , دون أن يدرى نادى ( مى ) !!!
إنصعق من جراء مافعله , وقام من على الفراش وخلع صورتها الكبيرة التى كانت تحتل الحائط المواجه للفراش .
دخل غرفة نومه , علق الصورة بجوار صورة والدتها المتوفاة منذ خمس سنوات .
إستلقى على فراش الوحدة مد بصر إلى صورتهما معا , شعر ببرودة شديدة , ضم ركبتيه إلى صدره مستقبلا الوحدة وراح فى سبات عميق .
صورتان على جدار الوحدة
انسحب من وسط ضجيج العزف والأغانى ,أعطى ظهره لكل الراقصين والمهنئين , وذهب الى مقعد فى زاوية غير مرئية فى اخر القاعة حيث يستطيع أن يرى الجميع ولا يستطيع أحد أن يراه , جلس مسندا ظهره على المقعد ناظرا إليها فى انبهار وسعادة ممتزجتين مع الحزن والألم .
إنه اليوم الذى يتمناه أى أب , اليوم الذى تصبح فيه إبنته عروس جميل تتغنى الدنيا بجمالها ويحسدها القمر على تألقها النورانى الربانى .
ولكن بدأت المشاعر تثور عليه , اليوم ستودع بيته , وحياته ودنياه وتنتقل إلى دنيا أخرى وحياة جديدة مع رجل ليس هو ولكنه يجب ألا يكون هو , رجل اخر فى بيت اخر وحياة أخرى .
اه , زفرها عالية موجعة حارة حتى كاد الجمع الراقص والصاخب أن يستمع إليها ,
كم أحبك يا إبنتى الغالية , قالها بحروف غير مسموعة ولكن تمنى أن تهب الرياح لتحملها اليها وهى هائمة مع حبيبها فى دنيا جميلة ولكن للأسف تلك الدنيا لن يكون له دور فيها , دنيا لاتتسع إلا لآثنين فقط هى وحبيبها .
عزفت الموسيقى الختامية معلنة نهاية حفل الزفاف وعلى العريس أن يأخذ عروسه إلى منزل الزوجية , قام متثاقلا يجر قدميه الرافضتين الحراك راسما على شفتيه إبتسامة كاذبة محاولا أن يكفكف دموع عينيه التى يبكيها قلبه .
نظر إليها من بعيد قائلا : أحان وقت الفراق ؟
هطلت دمعة خائنة لأنها كشفت اللثام عن قوته المصطنعة , مسحها بيده مسرعا كأنها العار , وصل إليها كم هى متألقة , شعر بإرتعادة تسرى فى جسدها المرمرى الرائع , فتح ذراعيه لها كما كان يفعل عندما كانت صغيرة , لم تخذله فهى إبنته الصغيرة مهما كبرت , وحتى فى يوم زفافها هى ابنته الصغيرة .
ضمها إليه بقوة ناظرا بعينيه إلى زوجها الواقف بجانبه ينتظره أن ينتهى كى يحملها إلى الجنة المنتظرة , تمنى أن تعود طفلة مرة ثانية , وتمنى ألا تخرج من حضنه أبدا , ولكن تركها وكأن قلبه خرج من بين ضلوعه , شعر باختناق شديد , دموع ثائرة على باب عينيه تود التحرر من تلك المقلتين المتحجرتين بحجارة لبنية مصطنعة .
أٍسرع إلى الخارج متعللا بأنه سيعد لهما السيارة , نظرت له وهمست فى أذنه : لاتتركنى مهما كان أريدك بجانبى حتى النهاية .
لم يستطع التحمل خارت كل قواه , حاول أن يصرخ قائلا : أرجوكى لاتتركينى , ولكنه لم يستطع .
ضم يدها إلى يده ووقف على الجانب الآخر من زوجها , شبك يده بيديها بكل قوة ممكنة , وسارت هى بين رجل يستعد لأن تدخل حياته , ورجل يستعد لأن تخرج من حياته .
إندهش المدعوين من المشهد , البعض أخذ يصفق بكل ما أوتى من قوة , والبعض أخذ ييكى الأب المختلطة مشاعره .
وصلوا الثلاثة إلى السيارة , أصر على ان يفتح لها الباب , وأصر على أن يقود هو السيارة بنفسه , صرخت رافضة قائلة : كيف تفعل ذلك ؟ أتقود السيارة بنفسك ؟
أجابها وهو يقبل يديها : أريد أن أوصلك بنفسى إلى المنزل .
نظرت فى عينيه ولم تتمالك نفسها فدخلت فى حضنه قائلة : كم كنت أتمنى أن تكون أمى معنا الآن يا أبى .
إعتصرته الجملة الغير متوقعة نهائيا , ربت على رأسها قائلا وهو يبتسم :
هيا يا حبيبتى زوجك ينتظرك .
نظرت إليه متعجبة من الاجابة , ولكنه لم يعطيها الفرصة للتعجب أو الاستفسار , فتح الباب منحنيا إنحناءة خفيفة قائلا بلغة نوبية ضحك منها الجميع : إتفضلى يا هانم .
دخلت إلى السيارة وكأنها أميرة وبجواره فارس الأحلام .
أغلق باب السيارة ودلف إلى المقعد الأمامى وقبل أن يسير بالسيارة ضبط وضع المراة بحيث يتمكن من رؤيتها .
فى الطريق مر شريط الذكريات أمام عينيه كما تمر السيارات المسرعة , كانت عيناه حائرة بين الطريق وبينها .
وصلوا إلى المنزل صعد معها , فتح لهما الباب , دخلا , وقف متسمرا أمام الباب ولم يتحرك .
سألته ماذا بك ؟ لماذا لا تدخل ؟
نظر اليها طويلا ممسكا بمقبض الباب وقال لها : هنا ينتهى دورى , أحبك , وداعا .
أغلق الباب خلفه دون أن يترك لها المجال كى تجيبه , لم ينظر خلفه مع أنه متأكدا أنها فتحت الباب تناديه , كإبن العشرين أخذ يقفز على درجات السلم حتى وصل إلى الدور الأرضى , هنا أدرك أن عمره تعدى الخمسون بثلاث خطوات , شعر بألم حاد فى صدره , دلف إلى سيارته وأسرع إلى منزله .
فتح الباب ودخل مغلقا الباب خلفه وكأنه يغلق الباب عن عمر وحياة مضت , شعر أن كل ركن فى المنزل غريب , ولكن الشىء الوحيد الموجود كان رائحتها التى كانت تملأ المكان.
دخل إلى غرفتها , إقترب من فراشها مازال يحمل اثار جسدها عندما كانت نائمة عليه منذ سويعات قليلة , نام مكانها محتضنا الوسادة الصغيرة وترك لدموعه العنان فروت خديه الجافان .
بعد فترة قصيرة شعر بعطش شديد , دون أن يدرى نادى ( مى ) !!!
إنصعق من جراء مافعله , وقام من على الفراش وخلع صورتها الكبيرة التى كانت تحتل الحائط المواجه للفراش .
دخل غرفة نومه , علق الصورة بجوار صورة والدتها المتوفاة منذ خمس سنوات .
إستلقى على فراش الوحدة مد بصر إلى صورتهما معا , شعر ببرودة شديدة , ضم ركبتيه إلى صدره مستقبلا الوحدة وراح فى سبات عميق .