المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مكانة السنة



أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:27 PM
معاني السنة



السنة في اللغة : هي السيرة والطريقة سواء أكانت حسنة أم سيئة ، محمودة أم مذمومة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ( من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء ) رواهمسلم .

وأما في الشرع : فتطلق على ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عنه وندب إليه قولاً وفعلاً .
وقد تطلق السنة على ما كان عليه عمل الصحابة رضي الله عنهم ، واجتهدوا فيه ، وأجمعوا عليه ، وذلك كجمع المصحف ، وتدوين الدواوين ، قال صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ) رواه الترمذي وغيره .

كما تطلق السنة على ما يقابل البدعة ، وذلك فيما يحدثه الناس في الدين من قول أو عمل مما لم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه ، فيقال فلان على سنة إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقال فلان على بدعة إذا عمل على خلاف ذلك .

وقد تطلق السنة على غير الفرائض من نوافل العبادات التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم وندب إليها .

وللعلماء رحمهم الله اصطلاحاتهم الخاصة في تعريف السنة بحسب الأغراض التي عُنِيَتْ بها كل طائفة منهم :
فعلماء الحديث مثلاً بحثوا في أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره محل القدوة والأسوة في كل شيء ، فنقلوا كل ما يتصل به من سيرة وخلق وشمائل وأخبار وأقوال وأفعال .
ولذا فالسنة عندهم : هي ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية ، أو سيرة ، سواء كان قبل البعثة أو بعدها .

وأما علماء الأصول فقد بحثوا في أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره المشرِّع الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده ، ويؤصل الأصول التي يستدل بها على الأحكام ، فعنوا بما يتعلق بذلك وهي أقواله وأفعاله وتقريراته .
فالسنة عندهم : هي ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح أن يكون دليلاً لحكم شرعي .

وأما الفقهاء فإنهم يبحثون عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوباً أ وحرمة أو استحباباً أو كراهة أو إباحة ، ولذلك فإن السنة عندهم هي ما يقابل الفرض والواجب .

ومما سبق من تعريفات يتبين أن اصطلاح المحدثين هو أوسع الاصطلاحات لتعريف السنّة ، فهو يشمل أقواله صلى الله عليه وسلم وهي كل ما صدر عنه من لفظه ، كحديث : ( إنما الأعمال بالنيات ) ، وحديث ( الدين النصيحة ) ، وحديث (بني الإسلام على خمس ) .
ويشمل أفعاله التي نقلها إلينا الصحابة في جميع أحواله كأداء الصلوات ، ومناسك الحج ، وغير ذلك ، ويشمل كذلك تقريراته وهي ما أقره عليه الصلاة والسلام من أفعال صدرت من بعض أصحابه إما بسكوته مع دلالة الرضى ، أو بإظهار الاستحسان وتأييد الفعل ، كإقراره لأكل الضب حين أكل منه بعض الصحابة مع أنه لم يأكل منه .
وتشمل السنة في اصطلاح المحدثين صفاته الخَلْقية وهي هيأته التي خلقه الله عليها وأوصافه الجسمية والبدنية ، وصفاته الخُلُقية وهي ما جبله الله عليه من الأخلاق والشمائل ، وتشمل كذلك سيرته صلى الله عليه وسلم وغزواته وأخباره قبل البعثة وبعدها .
وقد دوّن المحدثون هذه السّنّة جميعها وتلك الأقسام وحفظوها في أمهات كتب السّنّة ومصادر السيرة النبوية الشريفة التي تشهد جهدهم وجهادهم في حفظ هذا الدين .

أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:28 PM
حجية السنة



السنة هي المصدر التشريعي الثاني بعد كتاب الله تعالى ، ولا يمكن لدين الله أن يكتمل ولا لشريعته أن تتم إلا بأخذ سنة النبي صلى الله عليه وسلم جنباً إلى جنب مع كتاب الله تعالى ، لذلك جاءت الآيات المتكاثرة والأحاديث المتواترة ، تأمر بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتمسك بسنته والاحتجاج بها ، وأجمعت على ذلك الأمة :

فمن أدلة القرآن الكريم :
قوله تعالى :{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} (النساء65) .
فقد أقسم الله تعالى في هذه الآية بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أموره ، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً ، ولهذا قال : {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } ، فلا يكتفي بالانقياد في الظاهر ،بل لابد مع تحكيمه له في الظاهر أن يطيعه في الباطن ، وألاَّ يجد في نفسه أدنى حرج مما حكم به ، ويسلم له التسليم الكامل من غير ممانعة أو منازعة .

وقال جل وعلا : {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً } (النساء 59) ، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه ، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد موته .
وقال تعالى : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } (آل عمران 31) ، فهذه الآية تبين أن دليل محبة الله تعالى هو اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهل معنى اتباعه صلى الله عليه وسلم إلا اتباعه في جميع أقواله وأفعاله وهديه ، فتبين بذلك أن من لم يتبع الحديث النبوي ولم ير العمل به واجباً ، فهو كاذب في دعوى محبته لله عز وجل ، وقال سبحانه : {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } (النور 63) ، وأمره صلى الله عليه وسلم هو سبيله ومنهاجه وسنته .

ومن أدلة السنة :
قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاريفي صحيحه عن أبي موسى: ( إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال : يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء ، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا ، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم ، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق ) ، وفي البخاري أيضاً عن أبي هريرةأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا : يارسول الله ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ) ، وروى ابن ماجهعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه ، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله ) .

وأما إجماع الأمة :
فلو تتبعنا آثار السلف ابتداء من عهد الخلفاء الراشدين فمن بعدهم ، فإننا لن نجد إماماً من الأئمة المجتهدين - المشهود لهم بالعلم والتقى - ينكر التمسك بالسنة ، والاحتجاج بها ، والعمل بمقتضاها ، بل على العكس من ذلك ، لا نجدهم إلا متمسكين بها مهتدين بهديها ، محذرين من مخالفتها ، قال الإمام الشافعيرحمه الله في كتابه الأم : " لم أسمع أحداً نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم ، يخالف في أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه ، وأن الله عز وجل لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه ، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن ما سواهما تبع لهما ، وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد لا يختلف ، في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، وقال رحمه الله : " أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس " ، وقال الإمام ابن حزم عند قوله تعالى : {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } ( النساء 59) ، قال : " الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا وإلى كل من يُخْلَق ويُرَكَّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنَّة والناس ، كتوجهه إلى من كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من أتى بعده عليه السلام ولا فرق " .

فتبين مما سبق وجوب الاحتجاج بالسنة والعمل بها ، وأنها كالقرآن في وجوب الطاعة والاتباع ، فالمستغني عنها هو مستغن في الحقيقة عن القرآن ، وأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله وعصيانه عصيان لله تعالى ، وأن العصمة من الانحراف والضلال إنما هو بالتمسك بالقرآن والسنة جميعا ً .
اللهم وفقنا للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم

أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:29 PM
شرف الحديث والمحدثين



حث الله تعالى عباده على تعلم العلم ، ومدح العلماء وأشاد بذكرهم ، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته على توحيده سبحانه ، فقال: { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } ( آل عمران 18) ، وحصر خشيته فيهم فقال جل وعلا : { إنما يخشى الله من عباده العلماء} ( فاطر 28) ، ونفى المساواة بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون فقال :{ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ( الزمر 9) ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العلماء هم ورثة الأنبياء ، وأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم ، إلى غير ذلك من النصوص التي تدل على فضل العلم والعلماء .
وعلم الحديث من أجل العلوم وأشرفها وأعظمها عند الله قدراً ، فبه يعرف المراد من كلام الله عز وجل ، وبه يطلع العبد على أحوال نبيه - صلى الله عليه وسلم - وشمائله ، وناهيك بعلمٍ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بدايته ، وإليه مستندُه وغايته ، وحسب الراوي للحديث شرفًا وفضلاً ، وجلالة ونُبلاً، أن يكون في سلسلة آخِرُها الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولذلك قال بعض أهل العلم : " أشدُّ البواعث وأقوى الدَّواعي لي على تحصيل علم الحديث لفظ "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- " .
فمن تحمل الحديث واشتغل بتعلمه وتعليمه ، كان له الحظ الأوفر من هذا المدح للعلماء ، وكفى بذلك شرفاً للحديث وحملته ، بل إن صرف العمر في تعلم الحديث ونشره أفضل من الاشتغال بنوافل القربات ، وما ذاك إلا لما فيه من بيان القرآن ، وإحياء سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والتأسي به ، ولو لم يحصل لأهله من الفضل إلا كثرة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - التي ورد فيها ما ورد من الفضل الجزيل ، كقوله عليه الصلاة والسلام :( أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة) رواهالترمذيوحسنه ، وأهل الحديث هم أكثر الأمة صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقد قيل في قوله تعالى: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم } (الإسراء 71) : " ليس لأهل الحديث منقبة أشرف من هذه ، لأنه لا إمام لهم غيره - صلى الله عليه وسلم- " .
ويكفي أهلَ الحديث شرفاً وفضلاً دخولهم في دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال - كما في السنن - : ( نضَّر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ورب حامل فقه ليس بفقيه ) ، قال سفيان بن عُيَينة: "ليس من أهل الحديث أحد إلا وفي وجهه نضرة ، لهذا الحديث " .
كما أن الاشتغال بعلم الحديث تبليغ عن رسول لله - صلى الله عليه وسلم - وامتثال لأمره ، حين قال : (بلغوا عني ولو آية) رواه أحمدوغيره .
وقد بشَّر - صلى الله عليه وسلم - بحفظ هذا العلم ، وأن الله عز وجل يهيء له في كلّ عصر خلفًا من العُدُول ، يحمونه وينفون عنه التحريف والتبديل ، حماية له من الضياع ، وكفى بذلك شرفاً وفضلاً ، فقال في الحديث المشهور : (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين) رواه ابن عبدالبر وغيره وحسنه ، وكان الإمام الشافعيرحمه الله يقول : " لولا أهل المحابر ، لخطبت الزنادقةُ على المنابر" .
ومما يدل أيضاً على شرف الحديث وأهله ، ما ورد عن السلف والأئمة من تعظيم للسنة ، وإجلالهم لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يقول عمرو بن ميمون : " ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه ، قال : فما سمعته يقول بشيء قط قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما كان ذات عشية قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فنكس ، قال : فنظرت إليه فهو قائم محللة أزرار قميصه ، قد اغرورقت عيناه ، وانتفخت أوداجه " رواهابن ماجة ، وكان ابن سيرينإذا ذُكر عنده حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضحك خَشَع ، واشتهر عن الإمام مالكرحمه الله في ذلك أَكثر من غيره ، فكان إذا أَراد الحديث اغتسل وتطيب ولبس أحسن ثيابه وجلس على منصة خاشعاً ، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من الحديث ، ويقول: أحب أن أعظم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يكره أَن يحدِّث وهو قائم أو مستعجل ، وما ذاك إلا تعظيماً للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإجلالاً لحديثه وكلامه .
وهذا التعظيم للحديث ، والحرص على نقله ، والتأسي به - صلى الله عليه وسلم - في الدقيق والجليل ، من أعظم علامات محبته ، والمرء مع من أحب يوم القيامة ، وقد جاء في صحيح مسلمعن أنسرضي الله عنه قال : (جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ قال : وما أعددت للساعة ؟ قال : حب الله ورسوله ، قال : فإنك مع من أحببت ) ، قال أنس:" فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنك مع من أحببت ، قال أنس فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكروعمرفأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم " ، وأهل الحديث هم أولى الناس بهذا الوصف .
ولذلك قال الشافعي : " أهلُ الحديث في كل زمان كالصحابة في زمانهم ، وكان يقول : "إذا رأيتُ صاحبَ حديثٍ فكأني رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
أهل الحديث همُ أهل النبيِّ وإن لم يصحبوا نفْسه أنفاسَه صحِبوا
فعلم بذلك شرف أهل الحديث ، وعلو مكانتهم في الدين ، وأن الاشتغال بالحديث من أعظم الطاعات وأجل القربات ، فينبغي على المسلم أن يعتني بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظاً وفهماً

أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:30 PM
بيان السنة للقرآن



تتبوأ السنة منزلة عظيمة في الإسلام ، فهي التطبيق العملي لما في كتاب الله ، وقد جاءت عاضدة لآياته ، كاشفة لغوامضه ، مجلية لمعانيه ، شارحة لألفاظه ، موضحة لإبهامه ، كما أنها جاءت بأحكام لا توجد في كتاب الله ، ولم ينص عليها فيه ، وهي لا تخرج عن قواعده وغاياته ، فلا يمكن الاستغناء عنها بحال من الأحوال ، وذلك لأهميتها العظمى في فهم دين الله والعمل به .

وقد أوضح العلماء أوجه السنة مع القرآن ، وأنها على ثلاثة أنواع :
النوع الأول : أن تأتي مؤكدة لآيات من القرآن الكريم ، ومثاله أحاديث وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج ، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمررضي الله عنهما : ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ) رواه البخاري ، فهذا الحديث مؤكد لقوله تعالى في شأن الصلاة والزكاة : {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } (البقرة83) ، ولقوله تعالى في شأن الصوم : {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } (البقرة 183) ، ولقوله تعالى في شأن الحج : {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } (آل عمران 97) .

النوع الثاني : أن تأتي مبينة لكتاب الله ، قال سبحانه : {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } ( النحل 44) ، وبيان السنة للقرآن يتمثل في عدة جوانب منها :
1. بيان مجمله : فقد جاءت كثير من أحكام القرآن العملية مجملة ، فبينت السنة إجمالها ، ومن ذلك أن الله أمر بأداء الصلاة من غير بيان لأوقاتها وأركانها وركعاتها وغير ذلك ، فبينت السنة كل ذلك بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعليمه لأصحابه كيفيتها ، وأمره لهم بأدائها كما أداها ، فقال صلى الله عليه وسلم :( صلوا كما رأيتموني أصلي ) رواه البخاري ، وفرض الله الزكاة من غير بيان لمقاديرها وأوقاتها وأنصبتها ، وما يزكَّى وما لا يزكَّى ، فجاءت السنة ببيان كل ذلك وتفصيله ، وشرع الله الحج من غير أن يبين مناسكه ، فبين صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله تلك المناسك وقال في حجة الوداع : ( لتأخذوا عني مناسككم ) رواه مسلم ، وكذلك بين صلى الله عليه وسلم أحكام الصوم مما لم ينص عليه في الكتاب ، وأحكام الطهارة والذبائح والصيد والأنكحة ، وأحكام البيوع والجنايات والحدود ، وغير ذلك مما وقع مجملاً في القرآن وفصله النبي صلى الله عليه وسلم .

2. تخصيص عامه : فقد وردت في القرآن أحكام عامة جاءت السنة بتخصيصها ، ومن ذلك قوله تعالى : { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } (النساء 11) ، فهذه الآية عامة في كل أصل موروث ، فخصص صلى الله عليه وسلم ذلك بغير الأنبياء فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا نوْرَثُ ما تركنا صدقة ) رواه البخاري .


3. تقييد مطلقه : فقد ورد في القرآن آيات مطلقه جاءت السنة بتقييدها ، ومن ذلك قوله تعالى : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } ( النساء 11) ، فأمرت الآية بإخراج الوصية من مال الميت ولم تحدد مقدارها ، فجاءت السنة مقيدة للوصية بالثلث .

4. توضيح المشكل : فقد أشكل فهم بعض الآيات على الصحابة ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح لهم ما أشكل عليهم ، ومن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله ابن مسعودرضي الله عنه أنه قال : لما نزلت هذه الآية { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ( الأنعام 82) ، شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنه ليس بذاك ، ألا تسمعون إلى قول لقمان : {إن الشرك لظلم عظيم } )( لقمان 13) ، ففهم الصحابة رضي الله عنهم أن المراد بالظلم في الآية عموم الظلم ، فيدخل في ذلك ظلم الإنسان نفسه بتقصيره في بعض الحقوق ، فأزال صلى الله عليه وسلم هذا الإشكال بأن الظلم ليس على عمومه ، وإنما المقصود منه أعظم أنواع الظلم الذي هو الشرك بالله عز وجل .
وهذان النوعان السنة المؤكدة والسنة المبينة لم يخالف فيهما أحد من أهل العلم .

النوع الثالث : أن تأتي السنة بأحكام زائدة على ما في القرآن ، فتوجب أمراً سكت القرآن عن إيجابه ، أو تحرم أمراً سكت القرآن عن تحريمه ، ومن أمثلة هذا النوع الأحاديث التي تحرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها ، وتحريم الحمر الأهلية ، وكل ذي ناب من السباع ، وغير ذلك .

وهذا النوع وإن كان زائداً على ما في القرآن إلا أنه تشريع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مما يجب طاعته فيه ولا تحل معصيته امتثالاً لما أمر الله به من طاعة رسوله قال تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا} ( النساء 80) .

وبهذا نتبين منزلة السنة ومكانتها في الشريعة ، وأنه لا يمكن الاستغناء عنها بحال من الأحوال ، بل لا يمكن أن يفهم الكتاب بمعزل عن السنة ، وأي دعوة لفصل أحدهما عن الآخر إنما هي دعوة ضلال وانحراف ، وهي في الحقيقة دعوة إلى هدم الدين وتقويض أركانه والقضاء عليه من أساسه

أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:30 PM
حجية خبر الآحاد


قسم علماء الحديث أخبار النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار نقلها إلينا وقلة عدد رواتها أو كثرتهم إلى قسمين : أخبار متواترة وأخبار آحاد .

فالمتواترة : هي التي يرويها الجمع الكثير عن مثلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بحيث تحيل العادة تواطئهم على الكذب .

وأما الآحاد : فهي التي يرويها راو واحد أو أكثر ولم يجمع شروط المتواتر ،
وهو تقسيم أراد منه العلماء ضبط بعض المسائل المتعلقة بالحديث ، فالصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يفرقون بين المتواتر والآحاد في الحجية والعمل .

ولم ينازع أحد في حجية المتواتر ، وإنما وقع النزاع في حجية أخبار الآحاد بعد أن دخلت على المسلمين لوثات الفلسفة وعلم الكلام ، فنازع البعض في حجيتها ولزوم العمل بها ، مع أن الأدلة من كتاب الله عز وجل ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإجماع الصحابة وسلف الأمة تدل على الاحتجاج بحديث الآحاد ، ووجوب العمل به ، في العقائد والأحكام على حد سواء .

فمن أدلة القرآن ، قوله تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ( التوبة 122) ، فقد حث الله عز وجل المؤمنين في هذه الآية أن تنفر من كل فرقة منهم طائفة تقوم بمهمة النذارة وتبليغ الدين والتفقه فيه ، ولفظ الطائفة يتناول الواحد فما فوقه .

ومنها قوله سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } ، وفي قراءة { فتثبتوا } (الحجرات 6) ، فهذه الآية دلت على أن الخبر إذا جاءنا عن الثقة العدل فإن الحجة تقوم بخبره ، ولا يلزمنا التثبت فيه ، وأما الفاسق فهو الذي يجب أن لانقبل خبره إلا بعد التثبت والتبين .

والسنة العملية التي جرى عليها النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه في حياته وبعد وفاته تدل أيضاً دلالة قاطعة على الاحتجاج بحديث الآحاد وعدم التفريق في ذلك بين العقيدة والأحكام .

ومن ذلك ما جاء عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( نضَّر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) رواه ابن ماجه وغيره ، فقد ندب صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى استماع حديثه وحفظه وأدائه إلى الغير ، ولو لم تقم الحجة بذلك لما كان لهذا الندب فائدة .

وروى البخاري عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : " بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة " ، وهو نص على أن الصحابة رضي الله عنهم قبلوا خبر الواحد في نسخ ما كان مقطوعاً عندهم من وجوب استقبال بيت المقدس ، فتركوا ذلك واستقبلوا الكعبة بهذا الخبر ، ولولا أنه حجة عندهم لما تركوا استقبال القبلة الأولى .

وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى الملوك ، يدعوهم فيها إلى الإسلام ، وبعث أصحابه إلى البلاد ليعلموا الناس أحكام الإسلام وشرائعه ، وكانوا ينوبون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتوى والقضاء والفصل في الخصومات ، وكانت الحجة تقوم بتبليغ كل واحد منهم ما كُلِّف به .

وقد أجمع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم وسلف الأمة على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى جاء المتكلمون فخالفوا الإجماع ، فهذه النصوص كلها تؤكد حجية خبر الآحاد ووجوب العمل به ، وأن الواجب على المسلم أن يسلم لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة ، من غير معارضة لها بعقل أو قياس ، قال تعالى :{ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون }

أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:31 PM
حديث الآحاد حجة في العقائد والأحكام

ظلت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عند الصحابة وسلف الأمة رضي الله عنهم محل التسليم والقبول ، من غير تفريق بين المتواتر والآحاد ، وبين ما يتعلق بأمور المعتقد وما يتعلق بالأحكام العملية ، فكانوا يعملون بالحديث الصحيح سواء كثُر رواته أم قلُّوا ، وكان الشرط الوحيد في قبول الحديث والعمل به هو صحته ، ولم يكونوا يطلبون أمرًا زائدًا على الصحة ، حتى ظهرت البدع في الاعتقاد ، وتأثر البعض بالفلسفة وعلم الكلام ، فأعملوا عقولهم وآراءهم وقدموها على الوحي ، وعلى كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام ، متظاهرين في ذلك بتقديس الوحيين ، وتعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به .

ولما كانت نصوص الكتاب والسنة صريحة في إبطال ما أحدثوه ، احتالوا في ردها حتى تسلم لهم عقيدتهم ، فأولوا نصوص القرآن وصرفوها عن ظاهرها ، ثم جاؤوا إلى السنة فمنعوا الاستدلال بها في العقيدة ، بدعوى أنها أحاديث آحاد لا تفيد إلا الظن .

وقد جاءت الأدلة من الكتاب والسنة عامة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من عصيانه ، شاملة للعقيدة والأحكام ، فمن أين لهم استثناء العقيدة وتخصيصها ؟! ، قال تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } ( الأحزاب 36) ، فقوله " أمراً " عام يشمل كل أمر سواء أكان في العقيدة أم الأحكام ، وقال سبحانه : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ( الحشر 7) .

وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أفراداً من الصحابة إلى مختلف البلاد ليعلموا الناس دينهم ، فأرسل علياًومعاذاًوأبا موسىإلى اليمن ، وكان أول شيء أمرهم بتبليغه للناس أحكام العقيدة والتوحيد ، فقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الحديث المتفق عليه : ( إنك تقدم على قوم أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل ) وفي رواية لمسلم ( فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات ....) الحديث ، وهذا من الأدلة الظاهرة على أن العقيدة تثبت بخبر الواحد ، وإلا لما اكتفى عليه الصلاة والسلام بإرسال معاذ وحده ليعلم الناس أمور الاعتقاد .
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى الملوك ، يدعونهم إلى الإسلام ويبلغونهم رسالات الله ، وكانوا آحاداً .

وانعقد الإجماع على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقائد والأحكام على السواء .
ثم إن التفريق بين العقائد والأحكام هو في حقيقته تفريق بين أمرين متلازمين ، لأن العقيدة تتضمن حكماً ، والحكم يتضمن عقيدة .

كما أن القول بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة ، هو قول في حد ذاته عقيدة ، فما هو الدليل على صحته ؟! فإما أن يأتوا بالدليل القاطع المتواتر على صحة هذا القول ، وإلا فهم متناقضون .

وأما الزعم بأن أخبار الآحاد تفيد الظن ، وقد جاء ذم اتباع الظن في كتاب الله ، فجوابه أن الظن الذي عابه الله على المشركين بقوله : { إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } ( الأنعام 116) ، وبقوله : { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس } ( النجم 23) ، هو الظن المبني على اتباع الهوى ، وهذا لا يؤخذ به في الأحكام فكيف يؤخذ به في العقائد ، وأما الظن الراجح المبني على أدلة وقرائن ، فهو معمول به .

وخلاصة القول فإن أدلة الكتاب والسنة ، وعمل الصحابة وسلف الأمة ، تدل دلالة قاطعة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في كل أبواب الشريعة ، سواء أكان في الأمور الاعتقادية أم الأمور العملية ، والتفريق بينهما ، بدعة لا يعرفها السلف ، وفي ذلك ما يكفى ويغني طالب الحق والهدى .
فعلى العبد أن يسلِّم لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة ، وألا يتحكم في ردها أو مخالفتها بالحجج الواهية ، والله جل وعلا يقول : {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم }

أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:32 PM
آداب طالب الحديث

ذكر أهل العلم آداباً ينبغي أن يراعيها من يشتغل بهذا العلم الشريف ، وهذه الآداب منها ما يتعلق بالمُحَدِّث ، وقد سبقت الإشارة إلى شيء منها في مقال مستقل ، ومنها ما يتعلق بالطالب ، فطالب الحديث يشترك مع المُحَدِّث فيما ينبغي أن يتحلى به من تصحيح النية والإخلاص لله تعالى في طلب الحديث ، والحذر من أن تكون الغاية من طلبه التوصل إلى أغراض الدنيا فقد روىأبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا ، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة - يعني ريحها - ) ، وقالحماد بن سلمة : " من طلب الحديث لغير الله مُكر به " .
ويختص الطالب بجملة من الآداب منها : أنه ينبغي له إذا عزم على سماع الحديث ، أن يقدم السؤال لله تعالى بأن يوفقه ويسدده وييسر له ما عزم عليه من ضبط الحديث وفهمه ، ثم يفرغ نفسه لهذا الشرف ، ويبذل غاية جهده ووسعه في تحصيله ، فإن العلم لا ينال براحة الجسد ، وقد قال الشافعيرحمه الله : " لا يطلب هذا العلم من يطلبه بالتملل وغنى النفس فيفلح ، ولكن من طلبه بذلة النفس ، وضيق العيش وخدمة العلم أفلح " .
وينبغي له أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة التي تليق بطالب حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أبو عاصم النبيل : " من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدين ، فيجب أن يكون خير الناس " .
ثم يبادر إلى السماع بعد ذلك ، من غير توقف ولا تأخير ، فيبدأ بأرجح شيوخ بلده إسناداً وعلماً وشهرة وديناً ، فإذا فرغ من مُهِمَّاتِهِم ارتحل إلى البلاد الأخرى ، للقاء الشيوخ والرواة ، والاستفادة من مذاكرتهم ومجالستهم ، كعادة الحفاظ المبرزين ، وقد رحل جابر بن عبد الله رضي الله عنه إلى عبد الله بن أُنيسشهراً كاملاً في طلب حديث واحد .
وينبغي لطالب الحديث أن يعمل بما سمعه من أحاديث ، فإن ذلك زكاة ما جمع من الحديث ، وهو من أعظم أسباب حفظه وعدم نسيانه ، قال بشر الحافي : " يا أصحاب الحديث أدوا زكاة الحديث ، اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث " ، وقال وكيع : " إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به " .
ومن أدب الطالب أن يعظم شيخه ومن يسمع منه ، فذلك من إجلال العلم ، ومن أسباب الانتفاع بالشيخ ، فيتحرى رضاه ويحذر من سخطه ، ولا يطول عليه بحيث يضجره ، بل يقنع بما يحدثه به ، ويستشيره في أموره التي تعرض له ، وما هو العلم الذي يشتغل به وكيفية ذلك ، وعليه أن يصبر على جفوة شيخه إن بدر منه شيء من ذلك ، قال الأصمعي: من لم يتحمل ذل العلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا .
وينبغي له أن يعتني بالأهم قبل المهم ، وأن يراعي التدرج في ذلك ، فإن من طلب العلم جملة فاته جمله ، وألا يضيع وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرد اسم الكثرة وصيتها .
وعليه أن يرشد إخوانه وزملاءه في الطلب إلى ما ظفر به من فوائد ولا يكتمها عنهم ، فإن كتمان الفائدة عن الإخوان لؤم يحرم المرء من الانتفاع بالعلم ، ومن بركة الحديث والعلم إفادته ونشره ، قالابن المبارك رحمه الله : من بخل بالعلم ابتلي بثلاث : " إما أن يموت فيذهب علمه ، أو ينسى ، أو يتبع السلطان " .
وليحذر كل الحذر من أن يمنعه الحياء أو الكبر من السعي في السماع والتحصيل وأخذ العلم ولو ممن هو دونه في السّن أو المنزلة ، فقد قال مجاهد رحمه الله : " لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر " ، وقال وكيع : " لا ينبل الرجل من أصحاب الحديث حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه " .
وينبغي أن يذاكر محفوظاته على الدوام ، ويباحث بها أهل المعرفة ، وبذلك يحفظ العلم من النسيان ، يقول عليرضي الله عنه : " تذاكروا هذا الحديث ، إنْ لا تفعلوا يدْرُس " أي يذهب ويضيع ، وقال ابن مسعود: " تذاكروا الحديث فان حياته مذاكرة " .
ولا ينبغي للطالب أن يقتصر على سماع الحديث وكتابته من غير تفهم له ، ومعرفة بصحته من ضعفه ، ومعرفة بمعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجاله ، فإن ذلك من آكد الأمور وأولاها .
هذه هي أهم الآداب التي يذكرها أهل العلم في هذا الباب ، ومعظمها آداب لا تختص بطالب الحديث وحده بل تعم كل دارس لأي فن أو علم ، وبالجملة فالواجب كما قال - الخطيب البغدادي- رحمه الله " أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدباً ، وأشد الخَلْق تواضعاً ، وأعظمهم نزاهة وتديناً ، وأقلهم طيشاً وغضباً ، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وآدابه ، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه ، وطرائق المحدثين ، ومآثر الماضين ، فيأخذوا بأجملها وأحسنها ، ويصدفوا عن أرذلها

أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:33 PM
د.محمد الكتاني

السنة النبوية بين التوثيق والتأصيل

بما أن السنة هي وصف تلك الحياة النبوية، فقد اعتبرت بالنسبة للقرآن بمثابة الانتقال من النظرية إلى التطبيق.
ولمعنى السنة اصطلاحاً علاقة وثيقة مع معنى السنة لغة. فالسنة لغة هي الطريقة المعبدة، وهي السلوك أو السيرة التي يسيرها المرء، مرضية كانت أو مذمومة. وهذا ما يدل عليه قول الشاعر الهذلي:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها وأول راض سنة من يسيرها
وفي القرآن ترد السنة بمعنى القانون المطرد من مثل قوله تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً).
واستقر المعنى في المجال الأخلاقي على دلالة السيرة مرضية أو مذمومة. قال صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة ضلال فاتبع عليها كان عليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. ومن سن سنة هدى فاتبع عليها كان له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء".
والرسول نفسه سمى كلامه حديثاً، أو سمى توجيهاته حديثاً، حسب ما نفهم من حديث أبي هريرة حين جاءه يسأله عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة فكان جوابه صلى الله عليه وسلم: "لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث".
لقد اعتبرت السنة النبوية في الثقافة الإسلامية باعتبارين أساسيين على الأقل:
فاعتبرت في عرف علماء الحديث اعتبارا يطابق الحياة النبوية بدقائقها وتفاصيلها وأفعالها وآثارها. فهي مرآة النبوة التي ينعكس فيها كل ما يتطلع المسلم لمعرفته. ومن ثَمَّ عُنوا بها كاملة من غير نظر إلى ما يترتب عليها من أحكام الحلال والحرام والمندوب والمكروه والمباح، كما عني الفقهاء. ومن أجل ذلك عنوا بروايتها كاملة، وعنوا بطرق روايتها وأسانيدها وصفات تلك المرويات نفسها من حيث مراتب الصحة والحسن والقوة والضعف.
واعتبرت في عرف الفقهاء والأصوليين اعتبارا آخر يعني كونها أصلاً من أصول التشريع الإِسلامي، بل عدوها بمثابة الأصل القاضي على القرآن. والمتحكم فيه. فضلاً عن اعتبارها بمثابة البيان الأقوى أو الأوضح أو المفسر للحكم القرآني. واعتبروها لذلك مدار الاستنباط للأحكام ومستند الفقه والتشريع.
|ومن المعلوم أن علماء الإِسلام لا يختلفون في ضرورة الأخذ بالسنة النبوية واعتبارها مصدراً من مصادر الإِسلام، ولكنهم يختلفون في كيفيات ومناهج هذا الأخذ، ويختلفون في تقدير السنة عندما ينظر إلى الاختلاف في طرق روايتها، وفي توثيق ما روي منها|. فعندئذ يقع الخلاف حولها. ومن المعلوم أيضاً أنه ترتب، بالنسبة للفقهاء والمحدثين، ما ترتب من اتجاهات مختلفة حول علاقة السنة بالقرآن.
ـ فهناك اتجاه اعتبار القرآن والسنة في مرتبة واحدة، فكلاهما في نظر أصحاب هذا الاتجاه وحي من عند الله. إلا أن الفرق بينهما هو أن القرآن موحى بلفظه ومعناه، فهو معجز متعبد بتلاوته. وأن السنة مُوحى بها بالمعنى لا باللفظ. ولذلك لم يتعبد بتلاوتها، ولا تضمنت معنى الإعجاز. وهذا الاتجاه ينظر إلى القرآن والسنة من منظور اعتبارهما أصلاً للإسلام من حيث التشريع والأحكام، ومن ثم لا يقدم أحدهما على الآخر، وإنما يساوي بينهما.
ـ وهناك اتجاه تقديم القرآن على السنة، لأن الكتاب مقطوع به جملة وتفصيلاً لتواتره. والسنة مظنونة، والقطع فيها إنما يصح في الجملة لا في التفصيل. والمقطوع به مقدم على المظنون. ولأن أدلة الحديث نفسه تدل على هذا التقديم. مثل حديث معاذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم حين سأله: بِمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله، فإن لم تجد، قال: فبسنة رسول الله.
ـ وهناك اتجاه ثالث جاء بمثابة رد فعل للاتجاه الثاني، وهذا الاتجاه يقدم السنة على القرآن، ويقول: إن السنة تقضي على الكتاب، وليس الكتاب يقضي على السنة، لأن الأمر في القرآن مثلاً يحتمل معنيين فأكثر، فتأتي السنة بتعيين أحدهما، فيرجع حينئذ إلى السنة، لأنها حددت المقصود من ذلك الأمر العام. ولذلك قال أصحاب هذا الاتجاه: "الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب" قاله الأوزاعي (ـ 157ه‍).
ويظهر أن المحدثين كانوا بهذا الموقف الأخير يحصنون مواقعهم داخل المجتمع الإِسلامي، وداخل الثقافة الإِسلامية، ويضطرون بحكم هذا الاتجاه إلى جعل موضوع علمهم أو اختصاصهم يفوق كل اختصاص علمي آخر داخل المجتمع الإِسلامي أو داخل الثقافة الإِسلامية.
ولا شك في أن الصراع كان قائماً بين المحدثين وبين علماء الكلام، لأن منطق أولئك هو دعم النقل والأخبار، ومنطق هؤلاء هو العقل والتأويل للنصوص إن تعارضت مع العقل. والمحدثون ردوا على علماء الكلام، وخاضوا مشكلات العقيدة بزاد قليل من الفكر. وجل دلائلهم ترديد الأخبار والأحاديث. والمتكلمون شككوا في الأخبار، واستدلوا على ضعفها وانتحالها في حين كان المحدثون يركنون إلى التقليد ويرفضون منطق العقل. فاتسعت الهوة بينهما.
وقبل تحديد مكانة السنة من الكتاب، ومكانتها في التشريع، ودورها في توجيه الفكر الإِسلامي يتعين علينا أن ننظر في أمرين أساسيين يحددان تلك المكانة. أما الأمر الأول فهو توثيق السنة النبوية لبيان مدى صحة ما يستند إليه من نصوصها. الأمر الثاني يتعلق بتلك النصوص نفسها من حيث ورودها بلفظها ومعناها عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو ورودها بالمعنى فقط كما ورد الخبر بذلك.
وننظر في الأمر الأول، وهو توثيق السنة النبوية التوثيق العلمي الذي يسمح بالاعتماد عليها باعتبارها أصلاً من الأصول التي نستمد منها العقيدة والشريعة. وأهمية هذه المسألة لا تخفى على أحد، فإن المشككين في قيمة السنة من ناحية التوثيق نظروا إلى القرآن من ناحية توثيقه فوجدوه نصاً مقطوعاً به متواتر القراءة بغير خلاف، فهو مفيد بحد ذاته العلم الذي يتضمنه باعتباره وحياً من الله.. فنحن نقرأه كما نزل، وكما تلاه قبلنا المسلمون جيلاً بعد جيل. إلى منتهاه من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم على ملك الوحي جبريل. أما الحديث فمنقول إلينا على سبيل الأخبار التي يمكن وصفها بأنها كانت في معظمها من باب خبر الآحاد، فهي لذلك ليست متواترة بالمعنى الدقيق للتواتر. وحيث إنها كذلك فهي تفيد الظن ولا تفيد العلم.
فكيف جمعت السنة ورويت، وثبت ما ثبت منها؟
إن جمع السنة أو الحديث النبوي ـ وإن تأخر زمانه عن الجمع الثالث للقرآن في المصحف الإمام ـ كان في القرن الأول موكولاً في الأعم الأغلب إلى الحفظ في الصدور. مع التقييد لبعض الحديث في صحف وكتب أو كراريس كانت معروفة عند بعض الصحابة، وذلك ما ينبغي أن يغير الصورة التي يتخيلها بعض الدارسين عن تأخر جمع الحديث إلى أوائل القرن الثالث، وأن الحديث كان لا ينقل إلا شفاها وتتحكم فيه الذاكرة وحدها.
لقد شاع لدى الدارسين. أن ابتداء عهد التدوين الرسمي القوي والمكثف للسنة النبوية إنما تحقق في القرن الثالث أو قبله بقليل، على صورة متميزة. ويرجعون في هذا الرأي إلى المصنفات نفسها التي تم إنجازها في جوامع ومسانيد وموطآت. مستندين أيضاً إلى آراء بعض علماء السلف أنفسهم.
إن بعض المسلمين كتبوا القرآن حين سمعوه من الرسول. أسوة بالنبي صلى الله صلى عليه وسلم حين كان يأمر بكتابة الوحي عقب نزوله. وأن من كان منهم يحسن الكتابة ويستعملها في مآربه كان يكتب ما يبلغه أو يتلقاه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم بحيث جمع بعض الصحابة ما جمعوا من الأحاديث في صحيفة أو كراس أو كتاب. وتتضارب الروايات في هذا المجال. بحيث ينبغي أولاً أن نقف على بعضها قبل استنتاج ما يمكن استنتاجه منها:
أولاً: هناك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الكتابة واستعمالها في تدوين الحديث. وهو نفسه موضوع اختلاف.
1) فقد روى الخطيب البغدادي في كتابه (تقييد العلم) بالسند المتصل عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن" وقال الصغاني غير القرآن. ثم اتفقا: "فمن كتب عني غير القرآن فليمحه" وقال: "حدثوا عني، ولا تكذبوا علي. ومن كذب علي ـ قال همام أحسبه قال ـ "معتمداً" فليتبوأ مقعده من النار".
وذكر للحديث طرقاً أخرى تنتهي كلها إلى أبي سعيد الخدري.
وهناك حديث آخر لأبي سعيد الخدري مسند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن أبا سعيد الخدري استأذن الرسول في الكتابة لحديثه فلم يأذن له.
وفي نفس الاتجاه يروي الخطيب البغدادي عن أبي هريرة قوله: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نكتب الحديث أو الأحاديث، فقال: ما هذا الذي تكتبونه؟" قلنا: "أحاديث سمعناها منك". قال: "أكتابا غير الكتاب الله تريدون، ما أضَل الأمم من قبلكم إلا ما كتبوا من الكتب مع كتاب الله". قال أبو هريرة. "أفنُحدث عنك يا رسول الله؟ قال: نعم، حدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". وفي روايات أخرى عن أبي هريرة تزيد: قلنا: "فنتحدث عن بني إسرائيل؟" قال: "حدثوا ولا حرج. فإنكم لم تحدثوا عنهم بشيء إلا وقد كان فيهم أعجب منه" قال أبو هريرة: "فجمعناها في صعيد واحد فألقيناها في النار". هذا لفظ حديث القطيعي، والآخر بمعناه، إلاّ أنه قال فيه: "أكتاب مع كتاب الله؟ أمحضوا كتاب الله وأخلصوه".
ويورد نفس المصدر المذكور الروايات عن إحراق عمر للكتب غير القرآن. وأنه كان ينوي جمع السنة فعدل عن ذلك وعن محو بعض الصحابة لما كتبوه أو كتب عنهم. خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن.
ذكر الخطيب البغدادي أحاديث تبيح الكتابة وتؤكد إذن الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة بكتابة حديثه. منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم لبعضهم "استعن على حفظك بيمينك" وذلك عن طريق أبي هريرة بِعدة أسانيد، بل يورد حديثاً يحبذ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم تقييد العلم بالكتاب. أي الكتابة. ويستشهد على وجوب الكتابة للعلم بقوله تعالى: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله، ذلكم أقسط عند الله، وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا).
فقال معلقاً: "وفي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب أنه قيد العلم دليل على إباحة رسمه في الكتب، لمن خشي على نفسه دخول الوهم في حفظه، وحصول العجز عن إتقانه وضبطه.
ثم ذكر أيضاً حديث أبي هريرة: "ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب بيده فاستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكتب عنه ما سَمِع، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان يكتب بيده ويعي بقلبه. وأنا كنت أعي بقلبي".
ثم أورد أحاديث أخرى في ضرورة تقييد العلم بالكتاب وان الصحابة كانوا يكتبون.
ثانياً: هناك الوقائع والأخبار المسايرة لكل من الاتجاهين:
1) فقد انتقى المحدث البحاثة الشيخ عبد الحي الكتاني من بين نصوص الأخبار والأحداث التي اطلع عليها في مختلف مصادر السنة النبوية والتاريخ الإسلامي. فأكَّد من خلالها أن التدوين والجمع وقعا في زمنه عليه السلام، من ذلك ما كتبه صلى الله عليه وسلم لأهل الإِسلام في الشرائع والأحكام. ومنها كتابه عن الصدقات وكان عند أبي بكر. ومنها كتابه في نصاب الزكاة وغيرها الذي كان عند عمر. وكتابه إلى أهل اليمن بأنواع الفقه وأبواب مختلفة في الزكاة والديات والأحكام، وذكر الطلاق والعتاق وأحكام الصلاة. وأن كتاب عمرو بن حزم في الفرائض والسنن والصدقات مشهور شهرة تغني عن الإسناد كما قال ابن عبد البر.
ومنها كتبه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأطراف والولاة، فقد كانت من إملائه على كُتَّابه، ومنها طلبه تقييد أسماء من تلفظ بالإِسلام عام الحديبية حيث كان لديه صلى الله عليه وسلم ما يشبه قوائم المسلمين حسب أسبقيتهم إلى الإِسلام والهجرة والنصرة.
---------------------------------------------
المصدر : جدل العقل والنقل في مناهج التفكير الإسلامي

أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:34 PM
. عبد الغني عبد الخالق

في بيان مَرتبَة السُّنة مِن الكتاب

السنة مع الكتاب في مرتبة واحدة: من حيث الاعتبار والاحتجاج بهما على الحكام الشرعية. ولبيان ذلك نقول:
من المعلوم: أنه لا نزاع في أن الكتاب يمتاز عن السنة ويفضل عنها: بأن لفظه منزل من عند الله، متعبد بتلاوته، معجز للبشر عن أن يأتوا بمثله. بخلافها: فهي متأخرة عنه في الفضل من هذه النواحي.
ولكن ذلك لا يوجب التفضيل بينهما من حيث الحجية: بأن تكون مرتبتها التأخر عن الكتاب في الاعتبار والاحتجاج؛ فتهدر ويعمل به وحده لو حصل بينهما التعارض.
وانما كان الأمر كذلك: لأن حجية الكتاب إنما جاءت من ناحية أنه وحي من عند الله. ولا دخل للأمور المذكورة فيها. فلو لم يكن الكتاب معجزاً ولا متعبداً بتلاوته؛ وثبتت الرسالة بغيره من المعجزات _: لوجب القول بحجيته: كما كان الأمر كذلك في الكتب السابقة. والسنة مساوية للقرآن من هذه الناحية: فإنها وحي مثله. فيجب القول بعدم تأخرها عنه في الاعتبار.
فإن قيل: إن بعض ما يصدر عنه (ص) يحتمل أن يكون عن اجتهاد محتمل للخطأ؛ ويحتمل أن يكون معصية على سبيل الزلة أو السهو. فلا تكون السنة مساوية للكتاب: الذي جميعه وحي لا شك فيه.
قلت: إنما نستدل _ بما يحتمل أن يكون شيئاً من ذلك _ بعد تقرير الله المطلع على جميع أفعاله وأقواله (ص). وهذا التقرير يوجب القطع بحقية ما صدر عنه: كدلالة الوحي الظاهر.
ومن المعلوم (أيضاً): أنه لا نزاع في أنه قد جاء في الكتاب آيات تدل على حجية السنة. فهي _بهذا المعنى_ فرع عنه فرعية المدلول على الدال.
ولكن هذا لايستلزم تأخرها عنه في الاعتبار والاحتجاج بها؛ بل: يوجب المساواة: فإن إهدارها_ للمحافظة على ظاهر آية معارضة لها_ يوجب إهدار الآيات التي نصت على حجيتها: فنكون قد فررنا من إهدار _آية بل من عدم المحافظة على ظاهرها _ إلى إهدار آيات أخرى كثيرة: تدل بمجموعها دلالة قاطعة على حجية جميع ما يصدر منه (ص).
ولو سلمنا أن الفرعية تستلزم تأخر الفرع من الأصل في الاعتبار _: فلا نسلمه على عمومه؛ بل: إذا لم يكن لذلك الفرع إلا ذلك الأصل. فأما إذا كان له أصل آخر يستقل بإثبات حجيته _ : فلا استلزام. وحجية السنة لا يتوقف ثبوتها على الكتاب؛ بل يكفي في إثبات حجية جميع ما يصدر منه (ص) عصمته الثابتة بمعجزات كثيرة غير القرآن: شاهدها الصحابة، وتواتر إلينا القدر المشترك منها.
ثم إن التحقيق عند علماء الكلام: أن الرسول لا يشترط في رسالته نزول كتاب؛ بل: الشرط إنما هو نزول شريعة ليبلغها الأمة، وإظهار المعجزة على يده. كما بين في شرح العقائد النسفية وحواشيه.
ويدل على ذلك (أيضاً): أن الله تعالى أرسل موسى (عليه السلام) إلى فرعون: ليأمره بالإيمان به. والاهتداء بهديه، وإرسال بني إسرائيل معه. ولم يكن قد نزل عليه _في ذلك الحين _ التوراة: لأنها إنما نزلت بعد هلاك فرعون. وخروج بني إسرائيل من مصر. كما هو معلوم. ومع ذلك قامت الحجة على فرعون بهذا الأمر: لما أقام له موسى (عليه السلام) المعجزة. فلما خالفه: اعتبر عاصياً ربه، مستحقاً اللعنة والعذاب.
فحجية الوحي الغير المتلو لا تتوقف على ورود المتلو بها: لأن كلاً منهما من عند الله؛ فكل منهما مستقل في الحجية. والمهم في الامر: ثبوت أن كل واحد منهما من عند الله. وهذا تثبته المعجزة _قرآناً أو غيره _ : المثبتة لعصمة الرسول في تبليغ ما جاء به عن الله تعالى.
ولو سلمنا استلزام الفرعية للتأخر مطلقاً، قلنا: إنه قد ورد في السنة أيضاً ما يفيد حجية الكتاب؛ إذ لا شك أنه قد تواتر تواتراً معنوياً أمره (ص) وحثه على التمسك به. كما في نحو قوله: (إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبداً: كتاب الله وسنتي؛ ولن يفترقا حتى يردا على الحوض).
فعلى هذا يقال: إن الكتاب متأخر عنها في الاعتبار.
بل الحق: أن كلاً منهما معضد للآخر ومساو له: في أنه وحي من عند الله. وفي قوة الاحتجاج به. وأنه لا يؤثر في ذلك نزول لفظ الكتاب ولا إعجازه، ولا التعبد بتلاوته. ولا أنه قد ورد فيه ما يفيد حجيتها.
وحيث إنهما من عند الله: فلا يمكن الاختلاف بينهما في الواقع. ويستحيل أن يوجد كتاب وسنة _كل منهما قطعي الدلالة والثبوت _: بينهما تعارض مع الاتحاد في الزمن وغيره: مما يشترط لتحقق التعارض في الواقع.
وأما أنهما قد يتعارضان في الظاهر _إذا كانت دلالتهما أو دلالة أحدهما ظنية، أو كانت دلالتهما قطعية ولم يتحد الزمن _ : فهذا أمر جائز واقع كثيراً. وحينئذ يجب على المجتهد اعتبارهما كما لو كانا آيتين أو سنتين _: حيث إنهما متساويان. _: فينسخ المتقدم منهما بالمتأخر إذا ثبت له تأخره، ويرجح أحدهما على الآخر بما يصلح مرجحاً، ويجمع بينهما إن أمكن. وإلا: توقف إلى أن يظهر الدليل.
فأما أن نقول بإهدار أحدهما مباشرة _بدون نظر في أدلة الجمع والترجيح والنسخ _: فهذا لا يصح بحال أن يذهب ذاهب إليه.
ولذلك نجد علماء الأصول والفقه: يقولون بتخصيص السنة لعام الكتاب، وتقييدها لمطلقه، ونسخها له؛ وأنها تؤوله وتوضح مجمله. وتبين أن المراد منه خلاف ظاهره. كما يحصل من الكتاب ذلك بالنسبة للسنة.
نعم في بعض هذه المسائل خلافات كثير؛ لكن يجب أن يعلم أن مرجعها إلى مدارك أخرى. وذلك: كظنية الطريق في خبر الواحد وقطعية القرآن. وليس مرجعها إلى السنة من حيث ذاتها ومن حيث إنها متأخرة عن الكتاب: بدليل أن من يمنع نسخ القرآن بخبر الواحد مثلاً، يمنع نسخ السنة المتواترة به أيضاً؛ ويجوز نسخ القرآن بالخبر المتواتر وبالعكس. ولو كان المدرك التأخر: لما قال إلا بنسخ السنة بالقرآن.
++++*
ومن ذلك كله: تعلم بطلان ماذهب إليه الشاطبي _في الموافقات _: من أن رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار. وقد قلده في ذلك بعض من كتب من المتأخرين في هذا الموضوع. (وبالتقليد أغفل من أغفل).
وله على ذلك شبه نوردها، ونذكر لك الرد عليها. وبالله التوفيق.
الشبهة الأولى: أن الكتاب مقطوع به، والسنة مظنونة؛ والقطع فيها إنما يصح في الجملة لا في التفصيل. بخلاف الكتاب: فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل. والمقطوع به مقدم على المظنون؛ فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة.
والجواب: انا إذا نظرنا إلى السنة من حيث ذاتها، وجدناها قطعية في جملتها وتفاصيلها أيضاً. وذلك حاصل بالنسبة للصحابي المشاهد له (ص) السامع له. فتنهار الشبهة من أساسها؛ ويجب على مقعد القاعدة: أن يلاحظ فيها كل مجتهد ولو كان لا وجود له الآن.
وإذا نظرنا إليها من حيث طريقها وبالنسبة إلينا، قلنا: إن كان الخبر المعارض للآية متواتراً: لم يصح فيه هذا الكلام أيضاً. فكيف يؤخر في الاعتبار مع أنه قد يكون قطعي الدلالة والآية ظنيتها: وقد يكون متأخراً عنها ناسخاً لها؛ وهو في هاتين الحالتين: واجب التقديم في الاعتبار، فضلاً عن المساواة؟.
وكون غيره من الأخبار غير قطعي، لا يؤثر في قطعيته: لأن التعارض إنما حصل بين الآية وبينه وحده؛ فلا يهمنا مقارنته بين الكتاب والسنة _في القطع_ من حيث الجملة والتفاصيل.
وكون السنة المتواترة قليلة، لا يفيده شيئاً في صحة دعواه العامة؛ بل لو فرضنا عدم وجودها بالكلية: وجب علينا أن نفرض وجودها، ونفصل في القاعدة على مقتضى هذا الفرض: لأنه ممكن الحصول.
وإن كان خبر آحاد: فهو _وإن كان ظني الثبوت _ إلا أنه قد يكون خاصاً _فيكون قطعي الدلالة _ والمعارض له من القرآن عاماً فيكون ظنيها؛ فيكون لكل منهما قوة من وجه: فيتعادلان. فإهدار أحدهما ترجيح بلا مرجح. بل لابد من الجمع بينهما: بحمل أحدهما على ما يوافق الآخر؛ فنكون قد أعملناهما معاً.
فإن قال: إن مذهبي: أن خبر الواحد إذا استند إلى قاعده مقطوع بها: فهو في العمل مقبول؛ وإلا فالتوقف: لآنه حينئذ مخالف لأصول الشريعة. ومخالفها لا يصح. ولأنه ليس له ما يشهد بصحته. وما هو كذلك ساقط. والمستند إلى مقطوع به راجع إلى أنه جزئي تحت معنى قرآني؛ فعند قبوله تكون المعارضة بين أصلين قرآنيين).
قلنا له: أما قولك: إنه إذا لم يستند إلى قاعدة مقطوع بها مخالف لأصول الشريعة، وليس له ما يشهد بصحته. _فممنوع: فإن أصول الشريعة تقتضي العمل بما يغلب على ظن المجتهد ثبوته وإن لم يستند إلى قاعدة قطعية. وأن عدالة الراوي المعتبرة في نظر الشارع شاهدة على صحته؛ وإلا: لما غلب على ظن المجتهد ثبوته.
فإن أردت _بالشهادة بصحته _ الاندراج تحت قاعدة قطعية؛ وقلنا: إنه لم تحصل هذه الشهادة. _ : منعنا لك الكبرى القائلة: وما هو كذلك فساقط. بل هي عين الدعوى: فهي مصادرة.
ثم نقول له: لم حصرت القاعدة القطعية في المعنى القرآني؟ ولم لا يكون في السنة المتواترة؟
ثم نقول: إذا كان مستنداً إلى المعنى القرآني: كان مقبولاً عندك؛ فما المانع من أن يكون معارضاً بنفسه حينئذ: حيث تقوى في نظرك بالاستناد؟ ولم هذا التكلف والدوران مع أنه السبب في معارضة الآية للمعنى القرآني الذي استند إليه؟ فالذي يقوى على أن يجعل غيره معارضاً _: ألا يقوى بنفسه على المعارضة؟
الشبهة الثانية: أن السنة إما بيان للكتاب، أو زيادة على ذلك. فإن كان بياناً فهو ثان على المبين في الاعتبار: إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان، ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين. وما شأنه هذا فهو أولى في التقدم. وإن لم يكن بياناً فلا يعتبر إلا بعد أن لا يوجد في الكتاب: وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب.
والجواب: أن نقول له: ما المراد من سقوط المبين في قولك: يلزم من سقوط المبين سقوط البيان؟ إن كان مرادك نسخة بوحي آخر، قلنا: فهذا الوحي هو الذي أسقط البيان أيضاً مباشرة، لا بواسطة إسقاط المبين. فإنه لما نسخ المبين لم ينسخ ظاهره، وإنما نسخ المراد منه؛ والمراد منه هو معنى البيان.
وإن أردت بسقوطه عدم وروده في القرآن: فلا نسلم أنه يلزم من ذلك سقوط البيان، وعدم اعتباره إذا ورد مشتملاً على الحكم وتفاصيله. كل ما في الأمر أنه لا يقال له: بيان. وهذا لا ضير فيه. فلو فرضنا أن الله تعالى لم يوجب الصلاة في الكتاب، وصدر من النبي (ص) فعله للصلاة، وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي): علمنا من ذلك وجوبها وكيفيتها.
وأما إذا ورد مشتملاً على التفاصيل فقط، دون الحكم المفصل _فلا يفهم منه شيء: لكونه فصل شيئاً لم يعلم ماهو؛ لا: لعدم كونه حجة. على أن هذا لايمكن صدوره عن النبي (ص) في هذه الحالة.
وأما قولك: ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين. _: فإن أردت بسقوط البيان نسخه، قلنا: نسخه نسخ للمارد من المبين.
وإن أردت عدم ورود البيان، قلنا: فما المراد بعدم سقوط المبين؟ إن أردت إمكان العمل به: فممنوع. وإن أردت قيام دلالته على الحكم إجمالاً إلى أن يأتي البيان: _ فمسلم؛ ولكن ما الفائدة منه وحده ما دام العمل لم يمكن به؟
ولو سلمنا لك هذا كله: فلا نسلم لك قولك: وما شأنه هذا فهو أولى بالتقدم. لأن ما ذكرته _: من حكاية استلزام السقوط وعدمه. _إنما ينتج مجرد التبعية كالفرع مع الأصل؛ لا تبعية الضعيف الذي لايقوى على معارضة متبوعه القوي. بل جهة كونه بياناً تقتضي تقديمه على المبين إذا ظن التعارض فيعمل بالبيان. ولذلك: استدل من قال بتقديم السنة على الكتاب، بقوله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم). المفيد أنها قاضية على الكتاب.
وأما قوله فيما بعد: (إن قضاء السنة على الكتاب ليس بمعنى تقديمها عليه وإطراح الكتاب؛ بل إن ذلك المعبر في السنة هو المراد في الكتاب. فكأن السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب؛ وليست السنة هي المثبتة للحكم دون الكتاب. كما إذا بين مالك معنى آية فعملنا بمقتضاه: فلا يصح لنا أن نقول: إنا عملنا بقوله: دون أن نقول: عملنا بقول الله تعالى). اه‍. ملخصاً:
ففيه: أن خصمه لم يقل بإطراح الكتاب؛ وإنما قال بالمساواة وإعمال الدليلين والجمع بينهما.
وأما قوله: بل إن ذلك المعبر في السنة الخ: فهذا اعتراف بمذهب خصمه، وبما يتنافى مع تأخير السنة عن الكتاب في الاعتبار.
وأما قوله: وليست السنة هي المثبتة للحكم الخ: فمسلم ونحن نقول به، وينافي مذهبه. وإن أراد أن الكتاب وحده هو المثبت: فغير مسلم؛ وقياسه على تفسير مالك باطل: فإن قول مالك ليس بحجة؛ بخلاف قوله (ص) وتفسيره: فإنه وحي وحجة.
ولو سلمنا له ذلك: لم يكن خلافه إلا في تسمية السنة دليلاً حينئذ؛ فيكون الخلاف لفظياً لا نجد له باعثاً عليه: مادام متفقاً معنا على أن السنة أثرت في الكتاب، وحملته على خلاف ظاهره.
ثم نرجع إلى أصل الشبهة، فنقول: إنا لو سلمنا اقتضاء ما ذكرت، تقديم المبين على البيان: فلا نسلمه على إطلاقه؛ وإنما نسلمه عند عدم إمكان الجمع بينهما: لأن إعمال الدليلين أولى من إهدار أحدهما.
ثم نقول: القرآن قد يكون بياناً للقرآن وقد يكون بياناً للسنة؛ وقد تكون السنة بياناً للسنة. فهل تقول: إن رتبة البيان: التأخير في جميع هذه الأحوال؟.
ثم نقول: هل يصح القول بالتعارض بين الدليلين _فضلاً عن القول بإهدار أحدهما _ بعد الاعتراف بأن أحدهما بيان والآخر مبين، وبعد التعبير عنهما بهذين العنوانين؟.
وأما قولك _ فيما لم يكن بياناً: إنه لا يعتبر إلا بعد أن لا يوجد في الكتاب_: فلا شك أن مرادك: أن لا يوجد في الكتاب ما يخالفه. فإن أردت ما يخالفه قطعاً: سلمنا لك ذلك؛ ولكن هذا لايستلزم ضعف السنة عن الكتاب، بل هذا أمر لا بد منه في جميع أنواع الوحي، حتى بين الآيات بعضها مع بعض: لأنه لا يمكن المخالفة بين أحكام الله تعالى مطلقاً.
وإن أردت ما يخالفه ظناً: لم نسلم لك اشتراط عدم وجوده في القرآن؛ بل قد يوجد _كما توجد مثل هذه المخالفة بين الآيتين _ ويجب تأويل أحد الدليلين حينئذ، والجمع بينهما: لئلا يهدر الآخر بلا مرجح.
الشبهة الثالثة: ما دل على تقديم الكتاب على السنة: من الآثار كحديث معاذ: (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي). وعن عمر أنه قال لشريح: (انظر ما تبين لك في كتاب الله: فلا تسأل عنه أحداً. وما لم يتبين لك في كتاب الله: فاتبع فيه سنة رسول الله (ص)). ونحو ذلك عن ابن مسعود وابن عباس.
والجواب: أن الحديث ذكره بعضهم في الموضوعات؛ ولو صح: لوجب تأويله على أن المراد به: الأسهل والأقرب تناولاً. ولا شك أن كتاب الله كذلك.
وإنما وجب هذا التأويل: لأن قطعي المتن والدلالة _من السنة_ يقدم على ظاهر الكتاب؛ وهو كثير بالنسبة لمعاذ المشاهد له (ص). وإذا كان خبر آحاد: فقد يكون قطعي الدلالة والقرآن ظنيها؛ فيتعادلان: فلا يصح التقديم؛ بل يجب التأويل والجمع بالاجتهاد والنظر في أدلة الترجيح.
وأما قول عمر: (انظر ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحداً): فيجب حمله على ماكان نصاً واضحاً لم يشكل بمعارضة شيء من السنة. لما ذكرنا، على أن قول عمر ليس بحجة.
---------------------------------
المصدر : حجية السنة

أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:35 PM
د.محمود حمدي زقزوق

السنة النبوية

أراد المستشرقون _بعد محاولاتهم الفاشلة للتشكيك في القرآن الكريم من جوانب مختلفة، وبعد أن أعياهم البحث ولم يكن لهذه المحاولات أي أثر إيجابي لدى المسلمين المتمسكين بقرآنهم.وهكذا لم يصل المستشرقون إلى ما يريدون من زعزعة اعتقادات المسلمين وخلخلة تمسكهم بإيمانهم وسنة نبيهم، وقد ردد بعض من المسلمين بعض الأفكار الاستشراقية، ولكنها لم تجد أيضاً آذاناً صاغية من المسلمين.
السنة النبوية هي الأصل الثاني للإسلام. وقد أمر الله سبحانه نبيه (ص) أن يبلغ رسالته إلى الناس في قوله تعالى:
(يأيُّها الرَّسُولُ بَلغ ما أُنزلَ إليكَ مِن ربِّك...) (المائدة: 67) ولكن الأمر لم يكن مجرد تبليغ آلي، وإنما هو تبليغ مصحوب بالتبيين، كما ورد في قوله تعالى:
(وأنزَلنا إليكَ الذّكرَ لتُبيّنَ للنَّاسِ ما نُزّل إليهم...) (النحل:44). وفي قوله تعالى:
(ومَا أنزلنا عَليكَ الكتابَ إلاّ لتُبيّنَ لَهُم الّذي اختلفوا فيه...) (النحل:64).
وقد فعل الرسول (ص) ما أمره الله به، فكانت سنته المتمثلة في أقواله وأفعاله وتقريراته بالنسبة للقرآن بمثابة "تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره". وبذلك يكون الارتباط بين القرآن والسنة ارتباطاً لا يتصور أن ينفصم في يوم من الأيام.
ومن أجل ذلك اهتم المسلمون اهتماماً عظيماً بالسنة بوصفها الأصل الثاني للإسلام. وقد كان هذا الفهم يعد من الأمور البديهية لدى صحابة رسول الله(ص)... فعندما بعث النبي (ص) معاذ بن جبل والياً إلى اليمن سأله: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي.
أراد المستشرقون أن يوجهوا محاولات التشكيك إلى ناحية أخرى، أي إلى الأصل الثاني للإسلام وهو السنة، مع الاستمرار في محاولاتهم السابقة الفاشلة. وأول مستشرق قام بمحاولة واسعة شاملة للتشكيك في الحديث النبوي كان المستشرق اليهودي "جولد تسيهر" الذي يعده المستشرقون أعمق العارفين بالحديث النبوي.
ويلخص "بفانموللر" عمل "جولد تسيهر" في هذا المجال فيقول: "لقد كان جولد تسيهر أعمق العارفين بعلم الحديث النبوي. وقد تناول في القسم الثاني من كتابه (دراسات محمدية) موضوع تطور الحديث تناولاً عميقاً. وراح _بما له من علم عميق، واطلاع يفوق كل وصف _ يبحث التطور الداخلي والخارجي للحديث من كل النواحي... وقد قادته المعايشة العميقة لمادة الحديث الهائلة إلى الشك في الحديث، ولم يعد يثق فيه مثلما كان "دوزي" لا يزال يفعل ذلك في كتابه (مقال في تاريخ الإسلام). وبالأحرى كان "جولد تسيهر" يعتبر القسم الأعظم من الحديث بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الديني والتاريخي والاجتماعي في القرن الأول والثاني. فالحديث بالنسبة له لا يعد وثيقة لتاريخ الإسلام في عهده الأول: عهد طفولته، وإنما هو أثر من آثار الجهود التي ظهرت في المجتمع الإسلامي في عصور المراحل الناضجة لتطور الإسلام. ويقدم "جولد تسيهر" مادة هائلة من الشواهد لمسار التطور الذي قطعه الإسلام في تلك العصور التي تم فيها تشكيله من بين القوى المتناقضة، والتباينات الهائلة حتى أصبح في صورته النسقية... ويصور "جولد تسيهر" التطور التدريجي للحديث، ويبرهن بأمثلة كثيرة وقاطعة كيف كان الحديث انعكاساً لروح العصر، وكيف عملت على ذلك الأجيال المختلفة، وكيف راحت كل الأحزاب والاتجاهات في الإسلام تبحث لنفسها من خلال ذلك عن إثبات لشرعيتها بالاستناد إلى مؤسس الإسلام، وأجرت على لسانه الأقوال التي تعبر عن شعاراتها".
وهكذا تم اختراع كم هائل من الأحاديث في العصر الأموي عندما اشتدت الخصومة بين الأمويين والعلماء الصالحين، ففي سبيل محاربة الطغيان والخروج عن الدين راح العلماء يخترعون الأحاديث التي تسعفهم في هذا الصدد، وفي الوقت نفسه راحت الحكومة الأموية تعمل في الاتجاه المضاد، وتضع أو تدعو إلى وضع أحاديث تسند وجهات نظرها. وقد استطاعت أن تجند بعض العلماء الذين ساعدوها في هذا المجال... ولكن الأمر لم يقف عند حد وضع أحاديث تخدم أغراضاً سياسية، بل تعداه إلى النواحي الدينية في أمور العبادات التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة. وقد استمر هذا الحال في وضع الأحاديث في القرن الثاني أيضاً.
هذا هو ملخص المزاعم التي روجها "جولد تسيهر" ليهدم بها الأصل الثاني للإسلام وهو السنة.
نود أن نشير إلى أننا لا ننكر أن هناك الكثير من الأحاديث المنسوبة إلى النبي (ص) مع أنه لا أصل لها، وأن ذلك لم يكن في يوم من الأيام خافياً على علماء المسلمين في مختلف العصور. ولكن الأمر الذي لا شك فيه أيضاً أن علماء المسلمين الذين اهتموا بجمع الحديث النبوي لم يفرطوا إطلاقاً في ضرورة التدقيق الذي لا حد له في رواية الحقائق. فقد وضع القرآن أمامهم أهم قاعدة من قواعد النقد التاريخي في قوله تعالى:
(يأيُّها الّذين آمنوا إن جاءَكُم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا...) (الحجرات:6).
وتتمثل هذه القاعدة في أن أخلاق الراوي تعد عاملاً هاماً في الحكم على روايته. وقد أفاد المسلمون إفادة عظيمة من هذه القاعدة وطبقوها على رواة الأحاديث النبوية. وقد كان تطبيق هذا المنهج النقدي على رواة الأحاديث هو الذي تطورت عنه بالتدريج قواعد النقد التاريخي.
ولعلماء الحديث باع طويل في نقد الرواة وبيان حالهم من صدق أو كذب. فقد وصلوا في هذا الباب إلى أبعد مدى، وأبلوا فيه بلاءً حسناً، وتتبعوا الرواة ودرسوا حياتهم وتاريخهم وسيرتهم وما خفي من أمرهم وما ظهر، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ولا منعهم عن تجريح الرواة والتشهير بهم ورع ولا حرج.
ويروى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين قوله:
(... لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".
أما دعوى أن الحديث أو القسم الأكبر منه كان نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأولين، وما ذكره "جولد تسيهر" من حديث عن طفولة الإسلام ونضوجه... إلخ، فإن الواقع والتاريخ يكذب هذه المزاعم.
فقد انتقل الرسول (ص) إلى الرفيق الأعلى بعد أن اكتمل الدين تماماً بنص القرآن الكريم حيث يقول:
(... اليومَ أكملتُ لَكُم دينكُم وأتممتُ عليكُم نِعمتي ورضيتُ لكُم الإسلامَ دِيناً...) (المائدة:3).
وهذه الآيات الكريمة تتضمن أيضاً إكمال السنة لأن رسول الله (ص) مبلغ ومبين لما في الكتاب كما سبق أن أشرنا، فالحديث عن مرحلة نضوج الإسلام بعد وفاة النبي (ص) حديث لا أساس له، لأن النضوج كان قد تم بالفعل قبل وفاته. أما إذا كان المراد بالنضوج هو تطور الفكر الإسلامي أو الفقه الإسلامي فهذا أمر آخر مع الأخذ في الاعتبار أن تطور الفقه الإسلامي لم يخرج _في أثناء بحثه عن حلول لما جد في المجتمع الإسلامي من مشكلات لم يكن لها نظير من قبل عن الخطوط العامة التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية.
وقد كان من نتيجة ذلك جمع المسلمين على كلمة سواء في العقائد والعبادات والأخلاق وأحكام المعاملات في كل بقاء الأرض. فكيف يمكن حدوث ذلك إذا لم يكن الدين قد اكتمل، والقواعد قد ترسخت، والأخلاق قد تمكنت من النفوس، والعبادات قد استقرت أوضاعها. إن القول بأن الحديث أو القسم الأكبر منه كان نتيجة للتطور الذي حدث في المجتمع الإسلامي في القرن الأول والثاني يترتب عليه ألا تتحد عبادة المسلم في شمال أفريقيا مع عبادة المسلم في جنوب الصين، نظراً للاختلاف البعيد في البيئة في كل منهما. فكيف اتحدا في العبادة والتشريع والآداب وبينهما هذا البعد وهذا الاختلاف؟!
أما اختلاف المذاهب وتعددها بعد القرن الأول فقد كان نتيجة لاختلاف أفهام المسلمين في فهم الكتاب والسنة. وهو اختلاف في الاجتهادات في الفروع لا في الأصول، وقد اباح الإسلام مثل هذا الاختلاف في الفهم الناتج عن اجتهاد صادق. فإذا كان اجتهاداً خاطئاً فلصاحبه مع ذلك أجر واحد، وإن كان إجتهاداً صائباً فلصاحبه أجران. ومن هنا نجد المرونة التي تتلاءم مع كل عصر وكل مكان.
---------------------------------------
المصدر: الاستشراق والخلفية الفكرية للصواع الحضاري

أحمد سعد الدين
18-12-2004, 01:38 PM
محمود شلثوث

السنة ... وثبوت العقيدة

منشأ ظنية السنة:
إذا كانت العقيدة لا تثبت إلا بنص قطعي في وروده ودلالته، كان لابد من تبيين المبادئ التي تقوم عليها قطعية السنة أو ظنيتها.
|وأول ما يجب التنبه له في هذا المقام أن (الظنية) تلحق السنة من جهتي الورود والدلالة: فقد يكون في اتصال الحديث برسول الله (ص) شبهة فيكون ظني الورود، وقد يلابس دلالته احتمال. فيكون ظني الدلالة، وقد يجتمع فيه الأمران: الشبهة في اتصاله، والاحتمال في دلالته، فيكون ظنياً في وروده ودلالته| ومتى لحقت (الظنية) الحديث على أي نحو من هذه الثلاثة فلا يمكن أن تثبت به عقيدة يكفر منكرها، وإنما يثبت الحديثُ العقيدة وينهض حجة عليها إذا كان قطعياً في وروده وفي دلالته.

التواتر والآحاد:
ولكي يتضح مناط (القطعية والظنية) في ورود الحديث ينبغي أن نبين ما قرره العلماء في (التواتر والآحاد) ليكون مناراً يهتدي به من يريد الوصول إلى الحق:
قسم العلماء (السنة) إلى قسمين: ما ورد بطريق التواتر، وما ورد بطريق الآحاد. وضابط التواتر أن يبلغ الرواة حداً من الكثرة تحيل العادة معه تواطؤهم على الكذب. ولابد أن يكون ذلك متحققاً في جميع طبقاته: أوله ومنتهاه ووسطه، بأن يروى جمع عن النبي (ص)، ثم يروى عنهم جمع مثلهم، وهكذا حتى يصل إلينا، وهو عند التحقيق رواية الكافة عن الكافة.

الآحاد لا تفيد اليقين:
أما إذا روى الخبر واحد، أو عدد يسير ولو في بعض طبقاته، فإنه لا يكون متواتراً مقطوعاً بنسبته إلى رسول الله (ص)، وإنما يكون (آحاديا) في اتصاله بالرسول شبهة، فلا يفيد اليقين.
وقال البزدوي: (وأما دعوى علم اليقين ـ يريد في أحاديث الآحاد ـ فباطلة بلا شبهة لأن العيان يرده؛ وهذا لأن خبر الواحد محتمل لا محالة، ولا يقين مع الاحتمال، ومن أنكر هذا فقد سفه نفسه وأضل عقله).
وقال الغزالي: (خبر الواحد لا يفيد العلم وهو ـ أي عدم إفادته العلم ـ معلوم بالضرورة. وما نُقل عن المحدثين من أنه يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل إذ يسمى الظن علما".
وقال الأسنوي: (وأما السنة فالآحاد منها لا يفيد إلا الظن).
وهكذا نجد نصوص العلماء من متكلمين وأصوليين مجتمعة على أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين، فلا تثبت به العقيدة، ونجد المحققين من العلماء يصفون ذلك بأنه ضروري لا يصح أن ينازع أحد في شئ منه، ويحملون قول من قال: (إن خبر الواحد يفيد العلم) على أن مراده العلم بمعنى الظن كما ورد، أو العلم بوجوب العمل. على أن الكلام إنما هو في إفادته العلم على وجه تثبت به العقيدة، وليس معنى هذا أنه لا يحدث علماً لإنسان ما، فإن من الناس من يحدث العلمُ في نفسه بما هو أقل من خبر الذي نتحدث عنه، ولكن لا يكون ذلك حجة على أحد، ولا تثبت به عقيدة يكفر جاحدها، فإن الله تعالى لم يكلف عباده عقيدة من العقائد عن طريق من شأنه ألا يفيد إلا الظن، ومن هنا يتأكد أن ما قررناه من أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات قولٌ مجمع عليه وثابت بحكم الضرورة العقلية التي لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء!

ندرة المتواتر:
ذهب قوم إلى أنه لا يوجد حديث متواتر فيما روى لنا من الأحاديث ودون في الكتب، ولعل هؤلاء بنوا رأيهم هذا على اشتراط عدم الإحصاء في رواة المتواتر. وقال ابن الصلاح: (لا يكاد يوجد المتواتر في رواياتهم، من سئل عن إبراز مثال له فيما يروى من أهل الحديث أعياه تطلبه، وحديث (إنما الأعمال بالنيات) ليس من ذلك السبيل وإن نقله عدد التواتر وزيادة، لأن ذلك طرأ في وسط إسناده ولم يوجد في أوله. نعم حديث (من كذب عليّ) نراه مثالاً لذلك، فإن رواته أزيد من مائة صحابي وفيهم العشرة المبشرون بالجنة، ولا يعرف حديث يروى عن أكثر من ستين صحابياً إلا هذا الحديث الواحد).
وذهب آخرون إلى أن المتواتر كثير في هذه الكتب. قالوا: (إن هذه الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً مقطوع بصحة نسبتها إلى مصنفيها، فإذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعددت طرقه تعدداً تحيل العادة معه تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد ذلك العلم اليقيني بصحة نسبته إلى قائله، ومثل ذلك في الكتب كثير).
وليس بنا حاجة إلى أن نعرف مدى هذه الكثرة التي يراها هؤلاء، ويذكرونها في مقابلة القول بالعدم، أو في مقابلة القول بالندرة وإعياء تطلب المثال، وإنما يهمنا أن نلفت النظر إلى أنه لا يحكم لحديث بالتواتر ـ حتى على أكثر هذه المذاهب توسعاً ـ إلا إذا اجتمعت فيه الشروط الآتية:
1_ أن تخرجه جميع كتب الحديث المشهورة المتداولة.
2_ أن تتعدد طرق إخراجه تعدداً تحيل العادة معه التواطؤ على الكذب.
3_ أن يثبت هذا التعدد في جميع طبقاته: أوله وآخره ووسطه.
وإذن: فالحديث الذي لم تخرجه جميع الكتب المتداولة المشهورة أو أخرجته جميعها ولكن لا بطرق متعددة، أو أخرجته بطرق متعددة ولكن لا في جميع الطبقات، بل في بعضها دون بعض ـ لا يكون متواتراً باتفاق العلماء أجمعين!

الإسراف في وصف الأحاديث بالتواتر وأسبابه:
ويجدر بنا بعد هذا أن نعرض لظاهرة غريبة شاعت في الناس، وإن الحق ليتقاضى فيها واجبه من العلماء المسئولين أمام الله وأمام الرسول: تلك الظاهرة هي أنه على الرغم مما قرره العلماء في شأن المتواتر تحديداً ووجوداً، وعلى الرغم من هذا التحفظ الشديد في الحكم لحديث مما دون في الكتب بالتواتر ـ نرى بعض المؤلفين قديماً وحديثاً يسرفون في وصف الأحاديث بالتواتر، وقد يقتصدون فيخلعون عليها أوصافاً أخرى كالشهرة والاستفاضة والذيوع على ألسنة العلماء، وتلقى الأمة إياها بالقبول والثبوت في كتب التفسير وشرح الحديث، أو في كتب التاريخ والمناقب... الخ. وقد يشتط أناس في سلوك هذه السبيل، فنراهم يتتبعون مع هذا أسماء الصحابة والتابعين والأئمة والمؤلفين الذين جرى ذكرهم على ألسنة النقلة في رواية الحديث، وهم يعلمون أنها روايات ضعيفة لا تصبر على النقد، وأن هذه الأسماء التي يحرصون على جمعها توجد في كل حديث حتى في الأحاديث الموضوعة، ولكنهم مع ذلك يجمعونها، ويجتهدون في عدها وإحصائها وذكر الكتب التي اشتملت عليها لأنهم يريدون أن يخطفوا أبصار العامة، ويستغلوا عاطفتهم الدينية، ويزعموا لهم أن هذا الحديث أو تلك الأحاديث قد وردت عن نبيكم في هذه الكتب الكثيرة، وعلى لسان هذا الجم الغفير من الرواة بين صحابة وتابعين، فهي متواترة لاشك في تواترها، وهي متصلة بالرسول لاشك في اتصالها، ومن حاول الطعن فيها؛ أو الحط من درجتها، فقد ضل ضلالاً بعيداً، وحاد عن سبيل المؤمنين!

ولهذه الظاهرة أسباب:
منها؛ وقد يكون أقلها خطراً، اشتهار الحديث في طبقة أو طبقتين فتسحب الشهرة على جميع طبقاته، ويحكم عليه حكماً عاماً بالتواتر أو الشهرة من غير تحقيق ولا تمحيص؛ وقد لا يصل الحديث إلى حد الشهرة في طبقة ما، ولكنه جاء في (الخلافيات) فقهية أو كلامية فتعصب له أتباع المذاهب وخلعوا عليه وصف الشهرة أو التواتر تأييداً لمذهبهم، وتناقلته الكتب، موصوفاً بذلك منسوباً إلى جمع من رجال الرأي والمذهب فيخاله الناس مشهوراً أو متواتراً وهو ليس بمتواتر ولا مشهور!
ولقد كان للقائمين (بالترغيب والترهيب) ونقل الملاحم والفتن وغرائب الأخبار التي تميل النفوس إلى التحدث بها والاستماع إليها، أثر عظيم في خلع أوصاف الشهرة والتواتر على أنواع خاصة من الأحاديث التي ليست بمشهورة ولا متواترة بل ربما كانت غير صحيحة، وقد تأثرت بذلك طبقة من الخاصة لم تعن بتحقيق الرواية، ولا بمعرفة درجة الحديث، واكتفت بنقل ما يقوله هؤلاء وإجرائه على ألسنتهم وفي كتبهم حتى شاع واشتهر.
وإنما استباحوا ذلك معتمدين على ما قرره بعض علماء المصطلح من (جواز التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام ببيان ضعفها فيما سوى صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما، وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب مما لا تعلق له بالأحكام والعقائد).
وبذلك رووا الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة، ثم توسعوا فوصفوا الآحاد بالتواتر، والضعيف بالصحيح، وتناسوا مقاييس التواتر والآحادية، ومقاييس الصحة والضعف، ومن هنا رأينا من يصف (المعجزات الحسية) كانشقاق القمر وتسبيح الحصى وكلام الغزالة وحنين الجذع بالتواتر مع أنها غير متواترة، وإنما هي آحادية كما قرره علماء الأصول. وكذلك رأينا من يصف أخبار المهدى والدجال ويأجوج ومأجوج وما إلى ذلك مما يذكر باسم (أشراط الساعة) بالشهرة أو التواتر.
بقى بعد هذا أمر لابد من تقريره: وهو أن تلك الأحاديث كيفما كانت ليست من قبيل المحكم الذي لا يحتمل التأويل حتى تكون قطعية الدلالة، فقد تناولتها أفهام العلماء قديماً وحديثاً ولم يجدوا مانعاً من تأويلها.
ـ كما يعتقد سائر العلماء الذين يعرفون الفرق بين ما يقبل التأويل وما لا يقبله ـ أن ما تدل عليه ألفاظ تلك الأحاديث ليس عقيدة يجب الإيمان بها، فمن أداه نظره إلى أن يؤمن بظاهرها فله ذلك، ومن أداه نظره إلى تأويلها فله ذلك، شأن كل ظني في دلالته.
--------------------------
المصدر : الإسلام.. عقيدة وشريعة