المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القصص النبوى



أحمد سعد الدين
18-12-2004, 02:08 PM
قصة أصحاب الأخدود

قصة أصحاب الأخدود قصة عظيمة ، أشار الله عز وجل إليها في كتابه إشارة مختصرة - على طريقة القران في الإيجاز , وعدم الخوض في التفصيلات - ، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تفاصيل القصة وأحداثها في الحديث الذي رواه الإمام مسلمفي صحيحه عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كان ملك فيمن كان قبلكم , وكان له ساحر , فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر , فبعث إليه غلاما يعلمه , فكان في طريقه إذا سلك راهب , فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه , فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه , فإذا أتى الساحر ضربه , فشكا ذلك إلى الراهب , فقال : إذا خشيتَ الساحر فقل : حبسني أهلي , وإذا خشيت أهلك فقل : حبسني الساحر , فبينما هو كذلك , إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس , فقال : اليوم أعلم آلساحر أفضل أم الراهب أفضل , فأخذ حجرا فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس , فرماها فقتلها , ومضى الناس , فأتى الراهب فأخبره , فقال له الراهب : أي بني , أنت اليوم أفضل مني , قد بلغ من أمرك ما أرى , وإنك ستبتلى , فإن ابتليت فلا تدل علي , وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص , ويداوي الناس من سائر الأدواء , فسمع جليس للملك كان قد عمي , فأتاه بهدايا كثيرة , فقال ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني , فقال إني لا أشفي أحدا , إنما يشفي الله , فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك , فآمن بالله , فشفاه الله , فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس , فقال له الملك : من رد عليك بصرك , قال : ربي , قال : ولك رب غيري , قال : ربي وربك الله , فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام , فجيء بالغلام , فقال له الملك : أي بني , قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص , وتفعل وتفعل , فقال : إني لا أشفي أحدا , إنما يشفي الله , فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب , فجيء بالراهب , فقيل له : ارجع عن دينك , فأبى , فدعا بالمئشار , فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه , ثم جيء بجليس الملك , فقيل له : ارجع عن دينك , فأبى , فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه , ثم جيء بالغلام , فقيل له : ارجع عن دينك , فأبى , فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا , فاصعدوا به الجبل , فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه , فذهبوا به فصعدوا به الجبل , فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت , فرجف بهم الجبل فسقطوا , وجاء يمشي إلى الملك , فقال له الملك : ما فعل أصحابك , قال : كفانيهم الله , فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر , فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه , فذهبوا به فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت , فانكفأت بهم السفينة فغرقوا , وجاء يمشي إلى الملك , فقال له الملك : ما فعل أصحابك , قال : كفانيهم الله , فقال للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به , قال وما هو , قال : تجمع الناس في صعيد واحد , وتصلبني على جذع , ثم خذ سهما من كنانتي , ثم ضع السهم في كبد القوس , ثم قل : باسم الله رب الغلام , ثم ارمني , فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني , فجمع الناس في صعيد واحد , وصلبه على جذع , ثم أخذ سهما من كنانته , ثم وضع السهم في كبد القوس , ثم قال : باسم الله رب الغلام , ثم رماه , فوقع السهم في صُدْغِهِ , فوضع يده في صُدْغِهِ في موضع السهم فمات , فقال الناس : آمنا برب الغلام , آمنا برب الغلام , آمنا برب الغلام , فأُتِيَ الملكُ فقيل له : أرأيت ما كنت تحذر , قد والله نزل بك حَذَرُكَ , قد آمن الناس , فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت , وأَضْرَمَ النيران , وقال : من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها , أو قيل له : اقتحم ففعلوا , حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها , فتقاعست أن تقع فيها , فقال لها الغلام : يا أُمَّهِ اصبري فإنك على الحق ) .

إنها قصة غلام نور الله بصيرته , وآتاه من الإيمان والثبات , والذكاء والفطنة , ما استطاع به أن يغير حال أمة بأكملها , وأن يزلزل عرش ذلك الطاغية المتجبر , الذي ادعى الألوهية من دون الله , فقد كان لهذا الملك ساحر يعتمد عليه في تثبيت ملكه , وإرهاب الناس لينصاعوا لأمره , فكبر سن هذا الساحر , وطلب من الملك أن يرسل له غلاما , ليرث علمه , ويخلفه في مهمته , وكان من إرادة الله الخير لهذا الغلام أن كان هو المرشح لهذه المهمة , وتعرف في أثناء ذهابه إلى الساحر وعودته من عنده على راهب مؤمن , دعاه إلى الإيمان والتوحيد فاستجاب له وآمن , ودله الراهب على ما يتخلص به من تأنيب الساحر وتأنيب أهله في حال تأخره عنهم , ثم أراد أن يزداد يقينا واطمئنانا بصحة ما دعاه إليه الراهب , فوجد الفرصة سانحة عندما اعترضت الدابة طريق الناس , ثم ذاع أمر الغلام واشتهر بين الناس , وأجرى الله على يديه الكرامات من شفاء المرضى وإبراء الأكمه والأبرص , وكان يتخذ من ذلك فرصة لدعوة الناس إلى التوحيد والإيمان , حتى وصل خبره إلى الملك عن طريق جليسه الذي دعا له الغلام فشفاه الله , وشعر الملك من كلام الوزير ببوادر فتنة تهدد عرشه , عندما صرح بالألوهية والربوبية لغيره , فأراد أن يعرف أصل هذه الفتنة ومصدرها , فوصل إلى الغلام ثم إلى الراهب عن طريق التعذيب , وأراد أن يصدهم عن ما هم عليه , فأبوا واحتملوا العذاب والقتل على الكفر بالله , وأما الغلام فلم يقتله قتلا مباشرا كما فعل مع الوزير والراهب ,

بل استخدم معه طرقا متعددة لتخويفه وإرهابه , طمعا في أن يرجع عن ما هو عليه , ويستفيد منه في تثبيت دعائم ملكه , وفي كل مرة ينجيه الله , ويعود إلى الملك عودة المتحدي , وكان الناس يتابعون ما يفعله الغلام خطوة بخطوة , ويترقبون ما سيصل إليه أمره ، فلما يئس الملك من قتله أخبره الغلام أنه لن يستطيع ذلك إلا بطريقة واحدة يحددها الغلام نفسه , ولم يكن الغلام يطلب الموت أو الشهادة , بل كان يريد أن يؤمن الناس كلهم , وأن يثبت عجز الملك وضعفه, في مقابل قدرة الله وقوته ، فأخبره أنه لن يستطيع قتله إلا إذا جمع الناس في صعيد واحد ، وصلبه على خشبة ، ثم أخذ سهمـًا - وليس أي سهم , بل سهمـًا من كنانة الغلام - ثم رماه به قائلاً : بسم الله رب الغلام .

فقام الملك بتطبيق قول الغلام ، ومات الغلام , وتحقق للملك ما أراد , وآمن الناس كلهم , فجن جنون الملك , وحفر لهم الأخاديد , وأضرم فيها النيران , ورضي الناس بالتضحية في سبيل الله , على الرغم من أنه لم يمض على إيمانهم إلا ساعات قلائل بعد الذي عاينوه من دلائل الإيمان , وشواهد اليقين , وأنطق الله الرضيع عندما تقاعست أمه عن اقتحام النار , وكانت آية ثبت الله بها قلوب المؤمنين .

إن هذه القصة تبين لنا قاعدة مهمة من قواعد النصر ، وهي أن الانتصار الحقيقي هو انتصار المبادئ والثبات عليها ، وأن النصر ليس مقصوراً على الغلبة الظاهرة ، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة , فالحياة الدنيا وما فيها من المتاعب والآلام ، ليست هي الميزان ، الذي يوزن به الربح والخسارة , والناس جميعاً يموتون ، وتختلف الأسباب ، ولكنهم لا ينتصرون جميعاً هذا الان

أحمد سعد الدين
18-12-2004, 02:15 PM
قصة الأبرص والأقرع والأعمى

المؤمن هو الذي يعرف ربه , ويعترف له بنعمه , ويؤدي شكرها في جميع الأحوال , في حال الشدة والرخاء , والضراء والسراء , وهذا هو مقتضى العبودية لله رب العالمين , ولذلك نعى الله في كتابه على طائفة من الناس لا يعرفون الله إلا عند نزول البلاء والشدة, فإذا كشفها عنهم عادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والعناد والاستكبار ,كأن لم يصابوا بشيء قبل ذلك , قال سبحانه :{وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } (يونس:12).

والناس عند الشدائد والمصائب صنفان:
فمن الناس من إذا ابتلي بالفقر أو المرض أو أي نوع من أنواع البلاء , تمنى أن يزول عنه ما به , فإذا أعطاه الله ما تمناه , وبدل مرضه عافية , وفقره غنى , نسي البلاء الذي كان به , ولم يعترف لله بنعمه , فضلا عن أن يؤدي شكرها .
ومنهم من إذا زال عنه ضرُّه , وكُشِف كربُه , اعترف لله بالفضل والإنعام , وعمل جاهدا على شكر هذه النعمة وأداء حقها , وقد حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذين الصنفين من الناس ، الكافرين بالنعمة والشاكرين لها ، في القصة التي أخرجها الإمام مسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى , فأراد الله أن يبتليهم , فبعث إليهم ملكا , فأتى الأبرص , فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : لون حسن , وجلد حسن , ويذهب عني الذي قد قَذِرَني الناس , قال : فمسحه فذهب عنه قَذَرُه , وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا , قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : الإبل , قال : فأعطي ناقة عُشَراء , فقال : بارك الله لك فيها , قال : فأتى الأقرع فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال شعر حسن , ويذهب عني هذا الذي قد قَذِرَني الناس , قال : فمسحه فذهب عنه , وأعطي شعرا حسنا , قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : البقر , فأعطي بقرة حاملا , فقال : بارك الله لك فيها ,قال : فأتى الأعمى , فقال : أي شيء أحب إليك , قال : أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس , قال : فمسحه فرد الله إليه بصره , قال : فأي المال أحب إليك , قال : الغنم , فأعطي شاة والدا , فأنتج هذان وولد هذا , قال : فكان لهذا واد من الإبل , ولهذا واد من البقر , ولهذا واد من الغنم , قال : ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته , فقال : رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري , فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك , أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال , بعيرا أتَبَلَّغُ عليه في سفري , فقال : الحقوق كثيرة : فقال له : كأني أعرفك , ألم تكن أبرص يَقْذَرُك الناس ؟! فقيرا فأعطاك الله ؟! فقال : إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر , فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت , قال : وأتى الأقرع في صورته , فقال له مثل ما قال لهذا , ورد عليه مثل ما رد على هذا , فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت , قال : وأتى الأعمى في صورته وهيئته , فقال : رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري , فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك , أسألك بالذي رد عليك بصرك , شاة أتبلغ بها في سفري , فقال : قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري , فخذ ما شئت ودع ما شئت , فوالله لا أَجْهَدُكَ اليوم شيئا أخذته لله , فقال : أمسك مالك , فإنما ابتليتم , فقد رُضِيَ عنك , وسُخِطَ على صاحبيك ).

هذه قصة ثلاثة نفر من بني إسرائيل , أصيب كل واحد منهم ببلاء في جسده ،فأراد الله عز وجل أن يختبرهم , ليظهر الشاكر من الكافر , فأرسل لهم مَلَكـًا ، فجاء إلى الأبرص فسأله عن ما يتمناه , فتمنى أن يزول عنه برصه ، وأن يعطى لونا حسنا وجلدا حسنا ، فمسحه فزال عنه البرص ، وسأله عن أحب المال إليه ، فاختار الإبل ، فأعطي ناقة حاملاً، ودعا له الملك بالبركة , ثم جاء إلى الأقرع ، فتمنى أن يزول عنه قرعه , فمسحه فزال عنه, وأعطي شعرا حسنا ، وسأله عن أحب المال إليه فاختار البقر ، فأعطي بقرة حاملاً ، ودعا الملك له بالبركة , ثم جاء الأعمى , فسأله كما سأل صاحبيه , فتمنى أن يُرَدَّ عليه بصره ، فأعطي ما تمنى ، وكان أحب الأموال إليه الغنم ، فأعطي شاة حاملاً .

ثم مضت الأعوام ، وبارك الله لكل واحد منهم في ماله ، فإذا به يملك واديـًا من الصنف الذي أخذه ، فالأول يملك واديـًا من الإبل ، والثاني يملك واديـًا من البقر ، والثالث يملك واديـًا من الغنم , وهنا جاء موعد الامتحان الذي يفشل فيه الكثير وهو امتحان السراء والنعمة فبعض الناس قد يصبر على الشدة ولكنه لا يعرف حق النعمة , مع أن الكل بلاء وفتنة , قال عز وجل { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } الأنبياء (35 ). فعاد إليهم الملك ، وجاء كل واحد منهم في صورته التي كان عليها ،ليذكر نعمة الله عليه, فجاء الأول على هيئة مسافر فقير أبرص , انقطعت به السبل وأسباب الرزق , وسأله بالذي أعطاه الجلد الحسن واللون الحسن ، والمال الوفير ، أن يعطيه بعيرًا يواصل به سيره في سفره , فأنكر الرجل النعمة , وبخل بالمال ، واعتذر بأن الحقوق كثيرة ، فذكره الملك بما كان عليه قبل أن يصير إلى هذه الحال , فجحد وأنكر ، وادعى أنه من بيت ثراء وغنى, وأنه ورث هذا المال كابرا عن كابر، فدعا عليه المَلَك إن كان كاذبـًا أن يصير إلى الحال التي كان عليها , ثم جاء الأقرع في صورته , وقال له مثل ما قال للأول , وكان حاله كصاحبه في الجحود والإنكار , أما الأعمى فقد كان من أهل الإيمان والتقوى ، ونجح في الامتحان , وأقر بنعمة الله عليه , من الإبصار بعد العمى , و الغنى بعد الفقر , ولم يعط السائل ما سأله فقط , بل ترك له الخيار أن يأخذ ما يشاء ، ويترك ما يشاء ، وأخبره بأنه لن يشق عليه برد شيء يأخذه أو يطلبه من المال ، وهنا أخبره الملك بحقيقة الأمر وتحقق المقصود وهو ابتلاء الثلاثة وأن الله رضي عنه وسخط على صاحبيه .

فهؤلاء الثلاثة يمثلون أصناف الناس , الشاكرون لأنعم الله , والكافرون بها ، وهو يدل على أن الله لايزال يبتلي العباد بالسراء والضراء كما ابتلى هؤلاء الثلاثة , ليتبين الشاكر من الكافر , وأن النعم إنما تدوم بالشكر , وهو الاعتراف بها للمنعم , والتحدث بها بين الناس , وتصريفها في مرضاته , فبهذه الأمور تحفظ النعم من الزوال

أحمد سعد الدين
18-12-2004, 02:17 PM
قصة نبي الله يوشع


شرع الله عز وجل الجهاد والقتال في سبيله لمقاصد عظيمة , وغايات نبيلة , من إعزاز الدين , وتعبيد الناس لله رب العالمين , وإزالة الحواجز والقيود التي تحول بين الناس وبين الدعوة وقيام الحجة , ليهلك من هلك عن بينة , ويحيا من حي عن بينة , إلى غير ذلك من المقاصد , والجهاد عبادة كغيرها من العبادات , تحتاج لكي تؤتي أكلها , ويجني العبد ثمارها ألا يقدم عليها إلا وهو في حالة من التهيؤ النفسي , والتفرغ القلبي من الشواغل والملهيات التي تحول بينه وبين أداء هذه العبادة وتحقيق مقاصدها على الوجه الأكمل , وقد قص النبي صلى الله عليه وسلم علينا قصة نبي من الأنبياء خرج للجهاد والغزو , والقصة أخرجها الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( غزا نبي من الأنبياء , فقال لقومه : لا يتبعْني رجل ملك بُضْعَ امرأة وهو يريد أن يبني بها , ولما يبنِ بها , ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها , ولا أحد اشترى غنماً أو خَلِفاتٍ وهو ينتظر ولادها , فغزا فدنا من القرية صلاةَ العصر أو قريباً من ذلك , فقال للشمس : إنك مأمورة وأنا مأمور , اللهم احبسها علينا , فحُبِسَتْ حتى فتح الله عليه, فجمع الغنائم , فجاءت - يعني النار- لتأكلها فلم تطْعَمْها , فقال : إن فيكم غُلولا, فليبايعني من كل قبيلة رجل , فلَزِقَتْ يد رجل بيده , فقال : فيكم الغُلول , فليُبَايِعْني قبيلتك , فلَزِقَتْ يد رجلين أو ثلاثةٍ بيده , فقال :فيكم الغُلُول , فجاءوا برأسٍ مثل رأس بقرة من الذهب , فوضعوها فجاءت النار فأكلتها , ثم أحلَّ الله لنا الغنائم , رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا)

هذه قصة نبي من أنبياء بني إسرائيل , وهو نبي الله يوشع بن نون , الذي صحب موسى عليه السلام في حياته , وسار معه إلى الخضر , في القصة المعروفة في سورة الكهف , وبعد وفاة موسى عليه السلام أوحى الله إلى يوشع بن نون , واستخلفه على بني إسرائيل , وفتح على يده الأرض المقدسة .
وفي يوم من الأيام خرج هذا النبي غازياً لفتح إحدى القرى , فأراد ألا يخرج معه إلا من تفرغ من الشواغل , ولم يتعلق بأمر من أمور الدنيا , التي تعيق عن الجهاد والتضحية في سبيل الله , فأمر أن لا يتبعه في تلك الغزوة رجل عقد نكاحه على امرأة ولم يدخل بها , ولا رجل مشغول ببناء لم يكمله , ولا رجل اشترى غنما أو نوقا حوامل وهو ينتظر أن تلد , فإن الذي انشغل بهذه الأمور وتعلق قلبه بها , ليس عنده استعداد لأن يثبت في أرض المعركة أو يجالد الأعداء , بل ربما كان سبباً للفشل والهزيمة .

فخرج متوجها نحو هذه القرية , فدنا منها وقت صلاة العصر أو قريبا منه , فلما رأى أن الوقت لا يتسع للقتال , وأن الليل قد يدخل عليه ولم ينه مهمته , خاطب الشمس قائلا : إنك مأمورة وأنا مأمور , ثم دعا الله عز وجل أن يحبسها عليهم , فتأخر غروبها حتى فتح الله عليهم .

وقد كانت الغنائم محرمة على الأمم قبلنا , فكانت تجمع كلها في نهاية المعركة في مكان واحد , ثم تنزل نار من السماء , فتأكلها جميعا , وهي علامة قبول الله لتلك الغنائم , أما إذا لم تكن مقبولة فإن النار لا تأكلها , فجمعت غنائم تلك الغزوة , وجاءت النار فلم تأكلها , فعرف نبي الله يوشع أن هنالك غلولا , فأراد أن يعرف الغالَّ , فطلب أن يبايعه من كل قبيلة رجل , فلصقت يده بيد رجل من القبيلة التي فيها الغلول , فعرف أن الغالِّين هم من هذه القبيلة , وطلب أن يبايعه كل فرد من أفرادها على حدة , فلصقت يده بيد رجلين أو ثلاثة هم أصحاب الغلول , فأمرهم بإحضار ما أخذوه , فجاءوا بقطعة كبيرة من الذهب على شكل رأس بقرة , فلما وضعت مع الغنائم جاءت النار فأكلتها .

وقد منَّ الله عز وجل على هذه الأمة ورحمها , لما رأى ضعفها وعجزها , فأحل لها الغنائم التي كانت محرمة على من قبلها من الأمم , وستر عنها أمر الغلول , وفضيحة عدم القبول , وهو من خصائص أمة محمد عليه الصلاة والسلام .

فهذه القصة تدل على قدرة الله تعالى , وتصرفه في هذا الكون , وتأييده لرسله وإعانته لهم على القيام بما أوكل إليهم من مهام , ومن خلالها يتبين لنا أن المهمات الكبرى , التى يرتبط بها مصير الأمة وعزها ونصرها , ينبغي ألا تفوَّض إلا لحازم فارغِ القلب لها , لأن المتعلق بأمور الدنيا , وشؤون الحياة والمعاش , ربما ضعف عزمه عن المواجهة والإقدام , والقلب إذا تفرق ضعُف فعل الجوارح , وإذا اجتمع قوي , نسأل الله أن يوفقنا لخدمة دينه وإعلاء كلمته , إنه جواد كريم .