المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اسألوا الشيخ



د. عمر هزاع
04-11-2005, 03:44 AM
بقلم : يحيى هاشم






اسألوا الشيخ
(1)
في صباح يوم من أيام يوليو حيث تشعر أن الشمس تقترب من الأرض حتى تكاد أن تعانقها , استيقظ ربيع من نومه كالمعتاد ليعد نفسه ويجهزها ليوم من العمل في الكشك الذي منحته له الدولة ضمن مشروع تشغيل شباب الخريجين .
ربيع يبلغ من العمر سبعة وعشرون عاما تخرج من معهد الخدمة الاجتماعية واعتقد أنه سيكون موظفا حكوميا محترما يتباهى بنفسه بين الناس في الحارة التي يقطن بها في قلب شارع شبرا حيث يختلط الجميع فى ملحمة مصرية غريبة وممتلئة بالتناقض الغير مفهوم .
ولكن أحلامه تسربت وكأنها أحلام العصافير في مواجهة الرياح القوية ظانة أنها طالما تسكن شجرة قوية فلن تعصفها العواصف , فلم يصبح موظفا حكوميا كما تمنى , ولم يتباهى بنفسه وسط سكان حارته , كل ما أمكنه هو الحصول على كشك صغير ضمن مشروع تشغيل شباب الخريجين .
هكذا سارت حياته وفقا لمخطط رسمته الحكومة له وللكثير ممن يعيشون فى مصر وطبق هو القاعدة الفقهية التي أصبحت مثل الوجبات سريعة التحضير والتى يلوكها الشيوخ الآن مثل قطع اللبان التي تحوى العسل ولكنه عسل مر:
( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ) , ساعتها سأل ربيع الشيخ في المسجد الذي يصلى فيه الجمعة :
يعنى إيه يا مولانا الآية دى ؟
تلفت الشيخ يمينا ويسارا ثم أجابه بصوت هامس كأنهما يتفقا على صفقة بانجو : يعنى يا بنى لما الحكومة تقول حاجه نطيعها ونعمل اللي هي عايزاه .
سأله ربيع : يعنى يا مولانا ربنا يقصد بأولى الأمر دولة الحكومة والرئيس ؟
نظر إليه الشيخ وكأنما صعقه ماس كهربائي , ثم لم تلابيب جلبابه الفضفاض وصاح بصوت عال وهو يهرول نحو باب المسجد : سلاموا عليكم , ولم يجبه أحد حتى الآن على سؤاله السياسي الديني الفضفاض .
حضر ربيع ترمس الشاي الذي يصاحبه طوال اليوم , واستعد ليوم من العمل اليومي في الكشك الذي أصبح هو مصدر رزقه الوحيد .
مر على عم ندى بائع الفول الذي يعشقه وابتاع منه شطيرتي الإفطار التي يتناولهما يوميا وكأن حياته أصبحت تسير في اتجاه واحد في كل الاتجاهات .
على نفس الرصيف المقام عليه كشك ربيع كانت هناك الست أم ناجى بائعة الخضار والتي تفترش الرصيف منذ أكثر من عشر سنوات وتساعدها ابنة ابنها ( نجوى) ذات الثلاثة عشر عاما فى توصيل الخضار للمنازل المنتشرة بطول الشارع .
كان ربيع يحبهما جدا ويعتبرها بمثابة عائلته التي تركها في البلد منذ دخوله المعهد واستقراره في القاهرة على أمل أن يعود اليها وهو موظف محترم ذو مرتب يسل اللعب عند سماعه .

* * *
(2)
كانت أم ناجى نظرا لخبرتها الطويلة تعرف كل كبيرة وصغيرة عن الشارع والرصيف كما كان يعرفها كل الناس مما جعل مهمة ربيع في التأقلم على الوضع الجديد سهلة .
وصل ربيع إلى كشكه , ألقى التحية على أم ناجى ومزح قليلا مع نجوى , فتح باب الكشك قائلا مقولته اليومية
( يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم ) .
أخرج الكرسي الخشبي ووضعه بجوار أم ناجى , فتح الجريدة الرسمية التي كان لا يقرأ سواها , وكان عندما يسأله أحدا عن السبب فى ذلك كان يقول :
الجرنان ده عمره ما يجيب أخبار غلط , دى صورة الرئيس كل يوم فيه يا ناس , واللي يقوله الرئيس سيف على رقابتنا حتى لو مش مصدقنى اسألوا الشيخ !!!!
أخذ يقرأ لأم ناجى الأخبار اليومية والتى كان يبدأها بأخبار الرئيس الذى كان يشعر تجاهه بأنه أبوه ليس هو وحده ولكن كل المصريين المحبين لبلدهم , وعندما انتهى قال لأم ناجى وهو ينظر اليها موحيا لها بأن الأمر خطير :
انت عارفة الرئيس بتاعنا يا أم ناجى بيشتغل كتير جدا شوفي كم صوره له فى الجرنان , عمال يلف فى كل حته عشانى وعشانك وعشان نجوى واللي زيها , اللي نفسى أعرفه هو بيرتاح إمتى ؟ وهو عنده وقت يأكل زي إحنا ما بناكل كده , وعنده وقت يتكلم مع ولاده زي ما انتى يا أم ناجى بتتكلمى مع ابنك ؟
كانت أم ناجى لا ترد بل تتنهد طويلا وتهز رأسها موحية بالأسى على الرجل الذي لا يجد وقتا للحياة بسبب الشعب التي هي واحدة منه معتبرة أنها هي وأبنائها المسؤولين عن تلك المأساة .
في أحد المرات سقطت في يده إحدى جرائد المعارضة ورغم أنه كان مشمئزا منها إلا أنه من باب الفضول قام بفتحها وأخ يقرأ ما فيها وعينه تزداد اتساعا من دهشة ما قرأه .
ساعتها خرج من كشكه وهو يصيح بأعلى صوته : لأ .. مستحيل .. مش ها يحصل .. ولآد الكلب ....
نظرت إليه أم ناجى في تعجب ودهشة وانزعاج وصاحت فيه سائلة : في إيه يا بنى إيه اللي حصل لده كله ؟؟؟
أجابه وهو غير مصدق لم قرأه : ولاد الكلب عايزين الريس يمشى .
سألته غير فاهمة : يمشى يروح فين يابنى هو عنده بلد تانيه يروحها ؟
قال لها وهو مايزال مصعوقا : عايزينه يسيبنا يا أم ناجى وما يبقاش هو الريس .
قالت له : ما يبقاش هو الريس !!!! طب ومين بابني اللي ها تطلع صورته في الجرنان كل يوم ؟ ومين اللي ها نشوفه كل يوم في النشرة ؟
نظر إليها وهو ما يزال مبهوتا ثم قال : مش عارف يا أم ناجى بس ده مستحيل وعلى جثتي لو حصل ده أنا أقتلهم وأشرب من دمهم واحد واحد , ده الريس يا ناس الريس , يعنى أبويا وأبوكى وأبو المصريين كلهم .
نظرت إليه بافتخار وكأنه جندي يدافع عن وطنه ضد الأعداء , وقالت له ربنا يحميك يا ربيع بابني ويحمى الشباب اللي زيك .

* * *
(3)
مر النهار بطيئا على ربيع الذي كان مازال متأثرا من جراء ما قرأه في جريدة المعارضة التي سقطت في يده خطأ , أما الست أم ناجى فكان اليوم بالنسبة لها كأي يوم آخر لا جديد فيه نهاره مثل ليله , إلا أنها كانت تختلس النظر لتطمئن على ربيع الذي كان متعكر المزاج ومعتكف داخل حدود كشكه الخشبي رافضا الخروج مفكرا بعمق فى كيفية مواجهة تلك الفئة الضالة , وكانت بين الحين والآخر تبوح لنجوى ابنة ابنها بأنها تشعر بأن هناك شيء غريب سيحدث اليوم .
فجأة وبدون أية مقدمات سمع الجميع أصوات اتية من أول الشارع , أًصوات هادرة تهتف بهتافات منظمة , فى البداية لم يسمعوها بوضوح ولكنها تهادت الى مسامعهم واضحة قوية كلما اقترب أًصحابها نحو الشارع .
خرج ربيع مستغربا , قامت أم ناجى من مكانها لتفهم ما يحدث ظانة أنهم رجال البلدية اللذين لا يتركوها فى حالها , سألته مذعورة : هم دول البلدية يا ربيع ؟
أجابه ربيع وهو مستغرقا فى السماع : لأ .. سألته بعد أن ارتاحت جزئيا : أمال مين دول يا بنى وبيقولوا ايه ؟
لم يرد عليها ربيع بل جاءتها الاجابة مجموعة من الناس يحملون يافطات صفراء يهتفون بأصوات صاخبة منظمة :
( كفايه .. حرام ) – ( لا للتوريث .. لا للتمديد )
اقتربت أم ناجى من ربيع الذى كان يرتجف ويتصبب عرقا وقال له بصوت مرتفع :
فى ايه يا ربيع ؟ مين الناس دول ؟ وقصدهم ايه ؟
أجابه ربيع بصوت أعلى : دول ولاد الكلب اللى عايزين الريس يمشى يا أم ناجى .
ارتعدت أم ناجى عندما سمعت اجابة ربيع , بدأت الأصوات تعلو وتزداد واستقر المتظاهرون أمام كشك ربيع الذى كان يستشيط غضبا .
فجأة ومن الجانب الآخر للشارع ظهرت مجموعة أخرى تحمل يافطات بيضاء بها صورة الريس .
نظر اليهم ربيع فرحا صائحا بأعلى صوته أهم يا أم ناجى , المصريين بجد أهم , أهم يا أم ناجى .
نظرت أم ناجى الى الجانب الآخر وخوفها الممتزج بالحيرة وتوقع أن هناك شيئا ما سيحدث اليوم وأخذت نجوى فى حضنها .
سكت المتظاهرون ذوى اليافطات الصفراء المستقرون أمام كشك ربيع قليلا فتعالت أصوات الآخرون من حملة اليافطات البيضاء المدعمة بصورة الرئيس الباسمة بهتافاتها المدوية الزاعقة : ( بنحبك يا ريس ) – ( نعم للتمديد مدى الحياة )
كانت تلك الهتافات يهتز معها ويرددها بلا وعى ربيع وكأنه يستمع الى أهازيج راقصة .
اقتربت المجموعتان أكثر مما ينبغى مما يوحى بأن الصدام أصبح قريبا .
ردد ذوى اليافطات الصفراء هتافاتهم بقوة أكثر , وفجأة ذهبت مجموعة منهم نحو الست أم ناجى والتفوا حولها , وقاموا بحملها هى ونجوى وأخذو يرددوا بصوت أقوى .. ( يا لطيف يا لطيف .. بعنا بيوتنا ونمنا على الرصيف ) – ( كفاية .. حرام)
كانت أم ناجى لاتفهم أى شىء لم تستطع المقاومة بسبب السن ولكن كان كل ما يهمها نجوى , والطماطم التى كانت تبيعها اليوم . ولكن كل صرخاتها وضرباتها ذهبت أدراج الرياح بين أصوات المتظاهرين المتعالية القوية .
نظر ربيع الى أم ناجى غير مصدق ما يحدث وردد غير مصدق : أم ناجى .. معاهم ؟
لم ينتظر ذوى اليافطات البيضاء كثيرا فذهبوا سريعا نحو كشك ربيع الذى منحته إياه الحكومة , وحملوا ربيع على الأعناق ورددوا هتافاتهم المضادة : ( يا ريس وفيت بالوعد .. إحنا معاك أكلنا الشهد ) - ( بنحبك يا ريس )
* * *
(4)
ازداد الموقف اشتعالا بعد أن ضم المتظاهرون أم ناجى , وربيع كل على حده وكل فى جانب .
هكذا أصبح زميلي الرصيف عضوان فى فريقين متضادين , ربيع مع الريس ويهتف بحياته والموت للخونة أعداء البلد
وأم ناجى أصبحت رمز لتيار المعارضة المنادى بإسقاط الريس وتغييره من أجل مستقبل جديد ودنيا جديدة .
ونظرا لعدم وجود أىة ترتيبات أمنية وقائية تطور الوضع من مجرد الهتافات الصوتية إلى الاشتباك بالأيدى وبكل ما يمكن الوصول اليه . كانت البداية من ذوى اليافطات البيضاء الذين أفرغوا صناديق المياه الغازية من محتوياتها وأخذوا يرشقون بها ذوى اليافطات البيضاء , فما كان منهم إلا أن رشقوهم بحبات الطماطم التى كانت منذ لحظات مصدر رزق أم ناجى ليومين قادمين .
لم يستطع ربيع أن يمنعهم من الحصول على كل الزجاجات فالريس أهم من الكشك كله , وكان يردد بأعلى ما عنده من صوت
( فداك يا ريس – فداك يا ريس )
أما أم ناجى فكانت صرخاتها تذهب هباءا أمام هتافات الهاتفين , وأصوات تهشم الزجاجات المصحوب بتأوهات من تصطدم به
وتحول إهتمامها من الخوف على حبات الطماطم الى الخوف على نجوى من أن تصاب بزجاجة , كانت تردد بصوت عالى :
مش مهم الطماطم المهم البت , المهم نجوى .
إزداد الموقف سوءا وكانت الاصابات من ذوى اليافطات الصفراء شديدة جدا , أم ذوى اليافطات البيضاء لم يصابوا بشىء اللهم الا ملابسهم فقط هى التى اتسخت من جراء حبات الطماطم .
وأخيرا بعد أن إنتهى الجانب الأبيض من مهمته كاملة حضر الأمن , ووقف بين الجانبين معطيا ظهره للجانب الأبيض , ورافعا الهراوات الخشبة الغليظة أمام الجانب الأصفر .
كان هناك البعض منهم ما يزال لديه القدرة على الهتاف , فتحولت هتافاتهم إلى اهات اخترقت عنان السماء بعد أن قام الأمن بضربهم بحجة تفريقهم , ومنعهم من الاعتداء على مظاهرة سلمية مصرح بها من قبل وزارة الداخلية .
تفرق الجميع , وأمسك الأمن بمعظم متظاهرى الجانب الأصفر وشحنوهم فى عربات الأمن الكبيرة .
تحركت العربات وتحرك الجميع كل فى إتجاهه , وبدأت رياح الهدوء تهب على الشارع من جديد وكأن شيئا لم يكن .
كانت أم ناجى جالسة على الرصيف فى نفس المكان الذى كانت فيه منذ قليل تبيع حبات الطماطم ضامة إليها نجوى التى كانت ترتعد خوفا ووجها ملطخ باللون الأحمر من جراء حبات الطماطم والدموع تشق طريقا طويلا فيه .
أما ربيع فقد كان واقفا فى وسط الشارع حيث كان محمولا على الأعناق , ينظر الى أم ناجى فى بلاهة وينظر إلي كشكه الذى تحول إلي حطام فى ذهول , لم يستطيع أن يتحمل الموقف فجلس إلي جوار أم ناجى دافنا رأسه بين يديه .
سألته أم ناجى : ليه كل ده ؟؟؟؟ ليه يا ربيع ؟؟؟؟
أجابها ربيع بصوت مخنوق : يا أم ناجى الريس ده أبونا .. فى حد يسيب أبوه يتبهدل كده .
قال له : وإحنا مالنا يا ربيع .
أجابها : يا أم ناجى لازم نطيعه مهما كان , هنا تذكر الآية ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ) ثم قال لها وهو يتنهد : حتى إسألى الشيخ .
يحي هاشم
12/7/2005

د. عمر هزاع
04-11-2005, 03:45 AM
من بعد إذنك غالينا

إستفت قلبك , ولاتسأل الشيخ

غاية في الإبداع

وأقل ما يقال عنها : قنبلة نووية

ولي ملاحظة اتمنى أن تأخذها بعين الإعتبار

أن تنتبه إلى نسق الكتابة كي لا يحدث زيادة أو نقصان في الحروف مما يتسبب بحدوث أخطاء إملائية

وعلى العموم :

سأتكفل بتنسيق وتلوين مواضيعك لو كان هذا يروق لك

تحيتي

د. عمر هزاع
04-11-2005, 03:46 AM
رد : يحيى هاشم


شكرا سيدى الفاضل
لك الشكر على عرضك
لى جزيل الشرف
وعذرا للإثقال عليك
يحي هاشم
mosakaf5

د. عمر هزاع
04-11-2005, 03:47 AM
رد : صديقة الحرف


أخي مثقف ....

لاأملك كلمة تقال هنا غير .....



رااااااااااااااااااااااااائعة وبجد

د. عمر هزاع
04-11-2005, 03:47 AM
رد : يحيى هاشم


العزيزة صديقة الحرف
انت الرائعة