المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة إلي أب



د. عمر هزاع
05-11-2005, 05:35 AM
بقلم : خالد جوده


دخل الابن متحمسا لحجرة الاستقبال وقلبه يفور بمشاعر شتى تملأ وجدانه الثائر وهو يستشعر إحساس البنوة بصفوتها الرقيقة الممتعة ... انه ينتظر مع قريبه الشاب اباه الذى لم يره منذ مر بمراحل الطفولة المبكرة ..... سنوات طويلة وهو يتلهف لرؤيته فقد انمحت ملامحه من ذهنه إلا ما فى ملامحه هو وما يراه صباح مساء فى خياله ... وكم من مرة رسم له صورة تنغرس فى وجدانه ، فمهما حدث فهو أباه ، صحيح أنه تركه صغيرا مع امه ليقترن باخرى ويعيش معها خارج البلاد ، وصحيح انه طوال هذه السنوات كالغريب عنه ... لكنه فى النهاية أباه ، لكم تمنى وحرقه الشوق إاليه ... ولكم ناجاه وعاتبه بينه وبين نفسه ...لكم اشتد إليه حنينه كثيرا فى أوقات صعبة من عمره وتمنى أن يكون بجواره ... ولكم بكى منه وله ... وحلق معه فى أفاق الخيال وانتظر لحظات اللقاء بفارغ الصبر وأخيرا شاءت قدرة الله تعالى باللقاء فى منزل قريبه الشاب ، وساترك لك عزيزى القارئ تصور اللحظة الحاسمة ... لحظة دخول الأب واندفاعه ناحية ابنه يعانقه فتفيض المشاعر والدموع معا ... وكيف لا يكون لقاد حارا بعد انقضاء هذا العمر الطويل ... لعل هذا الخيال الدرامى قد أثار فى نفسك عزيزى القارئ إحساسا بالنشوة لتفجر طوفان تلك المشاعر الإنسانية الراقية ... سأدع لك قوة الخيال لكى تتصور ما حدث فى هذه اللحظة الحماسية.... هل تتصور بان الأب دخل حجرة الاستقبال فنهض الجميع كى يستمتعوا بتلك الدراما التى ستنفجر بعد ... بينما الابن يحترق بالثوانى المشحونة ... لقد وقف الأب قليلا يتأمل بعيون معبأة بالفضول فى وجوه الحضور ... كان زائغ البصر ... ملتاث البصيرة ... أصابه الارتباك وتسمر أمام الشابين ... بدت الحيرة عليه وأصبح الموقف مؤسفا وأخيرا حسم أمره الزائغ وتقدم للقريب الشاب فى افتعال : أهلا ابنى ... كانت باردة كالثلج ، نظر الابن المصدوم إليه فى عجب وقد احتواه غلاف الغربة القاتم : أنا فلان يابابا !! ... لم يشعر بوقع الكلمة الا بكونها كلمة سخيفة لا معنى لها ... كانت تلك الكلمة صراخه فى حلمه فأصبحت خنجرا فى واقعه .... قال الأب فى رعدته الحائرة : آه ... فعلا ... قبله بحفاوة مصطنعة تماست مع دائرة الفتور ....
عزيزى القارئ طبعا خاب املك كما خاب أمل ابطال القصة بالاستمتاع بروعة المشاعر الإنسانية لدى انفجارها فى أمثال هذه المواقف المؤثرة ... لكن تابع معى : كيف ظل التساؤل متأرجحا كالبندول فوق رؤوس الجالسين : هل إلى هذا الحد تطمس المادة مشاعر الإنسان ، ليست الطارئة منها بل اوثق المشاعر لصوقا بالنفس كمشاعر الأبوة ... ظل البندول متأرجحا طوال هذه الجلسة المغطاة بسحائب الفتور وخيبة الأمل ... لكن لحسن الحظ كانت جلسة قصيرة ... فالأب بطبيعة الحال متعجل تنهكه مشاغله الكثيره ( وطبعا القارئ يعرف ذلك ولا يحتاجنى كقاص كى احشو بها قصتى ) ... كان الأب قد أتم نهمه فى إشباع فضوله ولا نقول شوقه ... فكثيرا ما يحتاج المقصر إلى شئ يخدر به مشاعره وبقايا ضميره ، فيحتفظ ببعض الظلال كأنها أجساد متحركة ... ويخدع نفسه فيصف الفضول بانه كان شوقا ... عزيزى القارئ اعتذر إليك مرة ثانية إذ سوف أصيبك بخيبة الأمل مرة ثانية ... فتجهز نفسيا للمفاجأة القادمة ....
هذه قصة حقيقية استمعت إليها من احد صناع القصة الرئيسيين وهو القريب الشاب (( شاهد العيان ) ، وقرأت هذه الحادثة مرة ثانية فى مذكرات صديقى على صورة رسالة موجهه من الابن لأبيه صاغها صديقى على لسان الابن :

" ما زلت احتاج لك ... احتاجك أيها الشيخ ... تحرك ايها الجلمود ... انطق أيها الصخر الأصم ... تحرك يارجل ... واسمح لى مرة ان أقول لك تلك الكلمة التى ظللت انتظرك لأقولها لك ... تلك الشحنة التى كادت تفجرنى قبل أن القيها ... تلك الحرارة التى أتمنى أن تذيب الجليد الذى ترسب بداخلك ... اسمح مرة ان اقول لك : ياأبى !!!

د. عمر هزاع
05-11-2005, 05:35 AM
موقف مذهل
ولايمكن البوح بما يختلج في النفس من حزن وغضب عندما نقرأ مايصف ذلك الموقف
لعل الله يمن على ذلك الإبن بخير مما إفتقده
ويجزيه بما ينفعه ويقر عينه
ولك تحيتي

د. عمر هزاع
05-11-2005, 05:36 AM
رد : خالد جوده


أخي وأستاذي الكريم د . هزاع
الحياة تشتمل قصصا تفوق الخيال فلو إنصرف إليها الكاتب لوجد ذاك المنجم من القصص الواقعية المشتعلة بالقسوة والحزن ، وإنا لله وإنا إليه راجعون
سررنا بمرورك الأكثر من سامي ، وتفضل بقبول أطيب تحية .

د. عمر هزاع
05-11-2005, 05:37 AM
رد : محمد جاد الزغبي


لا يمكننى حقيقة تصور مثل هذا الموقف وكم تصدق المقولة المأثورة التى تعبر عن هذا الموقف بصدق
" رحم الله امرؤ .. أعان ابنه على بره "
ومع شخص مثلى .. يري أباه .. ويراه أبوه .. بنظرة العاطفة الفياضة .. التى تصل الى درجة التقديس ..
لا يسعنى الا الأسف الشديد لهذا المشهد الذى ما كنت أتمنى رؤيته أو القراءه عنه ..
وليرحمنا الله

د. عمر هزاع
05-11-2005, 05:37 AM
رد : صديقة الحرف


--------------------------------------------------------------------------------

ألا أيها القاص ماذا أجتريت من مشاعرنا..؟؟

الحزن ...؟؟؟

أم الإستغراب ....؟؟؟

أم الجحود ....؟؟

نسمع دائما ونقرأ عن جحود الأبناء ... وهذه سابقة بأن نقرأ عن جحود الآباء


أتمنى أن تكون أقصوصتك بمثابة درس

وشكر لك

د. عمر هزاع
05-11-2005, 05:39 AM
رد : خالد جوده


أخي الكريم الفاضل / محمد جاد الزغبي
شرفت بمرورك الكريم ، الحياة بها الكثير من الغرائب ولعل ظاهرة عقوق الأبناء توجد في مجتمعاتنا بكثرة الان ضمن تلك الظواهر الرهيبة المعبرة عن الإنهيار العام خاصة في جانبها الأخلاقي والإجتماعي ، ولله الأمر من قبل ومن بعد ، أعرف يأخي الكريم وألمس عن قرب هذا الأب الذي بلا قلب أصلا ، والذي لا يري أولاده ولا يعرفهم بالسنوات ، وترك رعايتهم بل أساء إليهم فداء لكبريائه المزعوم ، فحسبنا الله ونعم الوكيل
دائما أود أن ألقي كلماتك ومداخلاتك القيمة ، ودمت لنا طيبا .


الأخت الفاضلة صديقة الحرف
وحيث ان الأصدقاء ثلاثة : صديقك وصديق صديقك وعدو عدوك ، لذا فأنت صديقة الحرف
شرفنا بمرورك الكريم ، وفعلا أنه درس في الحياة والتي تزخر بأعجب القصص ، ولله المر من قبل ومن بعد ، جزاكم الله خيرا ، وتفضلي بقبول أطيب تحية .

خالد جوده
05-11-2005, 09:04 AM
الأستاذ الفاضل والأخ الكريم د . هزاع
جزاكم الله خيرا لإعادة إدراج موضوعات المنتدي فلكم كل الشكر والتقدير والاحترام
وبالفعل وجود مثلكم في الإدارة يجعل ( بتوفيق الله تعالي ) منتديات العز دائما في الصدارة ( اذكر أني عرفت ترتيبها ضمن 25 مليون موقع في العالم علي الشبكة العنكبوتية 30240 )
فكل التقدير لإدارة المنتدي ومشرفيه واعضائه الكرام واتوجه للجميع بالتهنئة
فكل عام وحضراتكم دائما إلي الله أقرب وعلي طاعته أدوم .

د. عمر هزاع
05-11-2005, 05:26 PM
إنه واجبنا تجاه بيتنا الثاني الغالي هذا

فلا شكر على واجب

وكلكم أخ غال

وكلكم مجدون في عملكم ودعمكم لهذا الموقع الرائع

وما هي إلا مواضيعكم ومشاركاتكم الرائعة أقوم بإستعادتها

بورك فيك أيها الحبيب