المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نواة وأساس لموسوعة فقهية للطبيب المسلم



الصفحات : [1] 2 3

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 11:35 AM
نواة وأساس لموسوعة فقهية للطبيب المسلم.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 11:38 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الاخوة والأخوات
بارك الله فيكم

وإنه لمن الأهمية جمع الآراء الفقهية التى صدرت فى بعض القضايا الطبية المعاصرة من منظور اسلامى لتكون موسوعة فقهية للطبيب المسلم لا غنى له عنها فى ظل عدم توفر الوقت لديه للبحث عن قرارات المجامع الفقهية وفى نفس الوقت عدم نشر النشرات والدوريات والقرارات لتلك المجامع بشكل موسع.

ومن المعلوم أن العلماء المعاصرين على قدر كفاءتهم الفقهية ليسوا ملمين بالعلوم المعاصرة كما كان الفقهاء الأقدمون فى عصورهم.

لذا يلزم بحث القضايا المعاصرة بمعرفة مجموعة من العلماء المتخصصين فى جميع مناحى القضية ، ولا يصلح عالما بمفرده أن يصدر أحكاما فى قضية معاصرة إلا بعد تداول الرأى مع بقية العلماء المختصين.

وهذا دور المجامع الفقهية ومراكز البحوث فى الجامعات والمنظمات الاسلامية .


ولنبدأ كل منا حسب وسعه فى نشر ما نقع عليه من قرارات وأبحاث لتلك الهيئات والمنظمات والمجامع لتكوين نواة وأساس لموسوعة فقهية للطبيب المسلم.




ولنبدأ




بسم الله الرحمن الرحيم

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 11:40 AM
نبذة عن بعض المجامع الفقهية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 11:40 AM
تاريخ تأسيس ونشأة مجمع الفقه الاسلامي المنبثق عن منظمة العالم الاسلامى


كلمة الأمين العام لمجمع الفقه الاسلامى

وتنفيذا للقرار رقم 8/3 ـ ث (ق.أ) بشأن مجمع الفقه الاسلامي الصادر عن مؤتمر القمة الاسلامي الثالث (دورة فلسطين والقدس) الذي انعقد في مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية في الفترة من 19 ـ 22 ربيع الاول 1401هـ ـ 25 يناير 1981م الذي نص في فقرته العاملة (1) على ما يلي:

إنشاء مجمع يسمى (مجمع الفقه الاسلامي) يكون اعضاؤه من الفقهاء والعلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة الفقهية والثقافية والعلمية والاقتصادية من مختلف انحاء العالم الاسلامي لدراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهادا اصيلا فاعلا بهدف تقديم الحلول النابعة من التراث الاسلامي والمنفتحة على تطور الفكر الاسلامي.
وانطلاقا من روح بلاغ مكة المكرمة اتخذت منظمة المؤتمر الاسلامي جملة من الاجراءات القانونية والتنفيذية بهدف وضع الاطار القانوني والاداري لتحقيق ارادة القادة المسلمين بإنشاء مجمع الفقه الاسلامي تلتقي فيه اجتهادات فقهاء المسلمين وحكمائهم لكي تقدم لهذه الامة الاجابة الاسلامية الاصيلة عن كل سؤال تطرحه مستجدات الحياة المعاصرة.

وقد تم ـ بحمد الله ـ انعقاد المؤتمر التأسيسي لمجمع الفقه الاسلامي في مكة المكرمة في الفترة من 26 ـ 28 شعبان 1403هـ ـ 7 ـ 9 يونيو 1983م تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية أعزه الله.
كما خصصت الدورة الاولى لمؤتمر مجمع الفقه الاسلامي بمكة المكرمة في الفترة من 26 الى 29 صفر 1405هـ ـ 19 ـ 22 نوفمبر 1984م لدراسة نظام المجمع ووضع الخطة التنفيذية لانجاز مشاريعه وفي هذه الدورة تم تكوين مجلس المجمع ومكتب المجمع وثلاث شعب رئيسية هي: شعبة التخطيط وشعبة الدراسات والبحوث وشعبة الفتوى.

وبهذا اصبح مجمع الفقه الاسلامي حقيقة واقعة له شخصيته المعنوية باعتباره من المؤسسات المنبثقة عن منظمة المؤتمر الاسلامي وانطلق يعمل وفق خطة مدروسة قامت على اساس استفتاء عام شمل كافة البلاد الاسلامية مستهدفا استقراء اهم المشكلات التي تواجه المجتمعات الاسلامية المعاصرة.

وقد بحثت شعبة التخطيط للمجمع في الفترة من 22 إلى 25 شعبان 1405هـ ـ 12 ـ 15 مايو 1985م المقترحات والآراء الواردة من البلاد الاسلامية ورتبتها اوليا ثم شرع المجمع في دراستها واصدار الرأي الشرعي بشأنها.

وحول رسالة المجمع ودوره الاساسي قال إن الهدف الرئيسي للمجمع والدور البارز المنوط به هو عرض الشريعة الاسلامية عرضا صحيحا وابراز مزاياها وبيان قدرتها الفذة على معالجة المشكلات الانسانية المعاصرة وعلى تحقيق سعادة الانسان في الدنيا والآخرة وفق تصور شامل للاسلام: بأصوله ومصادره وقواعده واحكامه. على اساس ان الفقه الاسلامي هو ثمرة تحكيم شريعة الله سبحانه في الواقع الانساني بكل ابعاده.

ومن بين العمل الذي قام به مجمع الفقه الاسلامي منها المواضيع المقترحة للبحث والفتوى هو في مجال البحوث والدراسات وفي مجال اصول الفقه الاستحسان والمصالح المرسلة والعرف اما في مجال الفقه فهي توحيد بدايات الشهور القمرية والاحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة وحكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد واحكام التعامل في المصارف الاسلامية والتأمين واعادة التأمين واحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة واحكام السوق المالية واحكام الاتجار بالذهب والفضة وسندات المقارضة وسندات الاستثمار وخطاب الضمان والشركات المدنية وبخاصة شركة المساهمة وحقوق الابتكار (التأليف وانتاج برامج الحاسوب مثلا) ومقدار الدية في العصر الحديث وتنظيم النسل وتحديده والاجهاض ولحوم الهدي في منى والتمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها والايجار المنتهي بالتمليك وانتفاع الانسان باعضاء جسم انسان آخر حيا كان او ميتا واحكام الفضاء الخارجي والعلو وملكية الطبقات في الفقه الاسلامي وتحديد ارباح التجار والجنسية والتجنس والوصية الواجبة.

وفي مجال الفتوى: اطفال الانابيب وبنوك الحليب واجهزة الانعاش وزكاة الاراضي الزراعية المأجورة وزكاة الاسهم في الشركات وزكاة اموال الشركات ونصاب الزكاة في العملات المتداولة وزكاة الديون وزكاة العقارات والاراضي المأجورة غير الزراعية وزكاة الاصول الثابتة كالآلات وزكاة المأجورات وزكاة الرواتب والاجور واستثمار اموال الزكاة وتوظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك فردي للمستحق وزواج المسلم من نساء الفرق الخارجة عن الاسلام وزواج المسلمة من غير المسلم وتولي الرجل توليد النساء مع انتفاء الضرورة وعدم توافر طبيبات مسلمات والصلاة والصوم في الاماكن التي يختل فيها توازن الليل والنهار وحكم تحديد عدد الحجيج بما يتناسب مع استيعاب الاماكن المقدسة وحكم الصلاة في الطائرة اذا خيف فوات الوقت.

وهناك موضوعات مقترحة للبحث في ندوات او لقاءات:

القضايا الطبية الجديدة: بالتعاون مع المنظمة الاسلامية للعلوم الطبية في الكويت ونحوها.
والتقنيات الشرعية: بالتعاون مع وزارات العدل والمؤسسات الاسلامية المعنية.
والقضايا المصرفية الجديدة: بالتعاون مع المصارف الاسلامية ومراكز بحث الاقتصاد الاسلامي.

وقال الامين العام لمجمع الفقه الاسلامي بأن المجمع بحث موضوع اصدار موسوعة فقهية تتناول اهم القضايا في المعاملات القديمة والمستجدة وما يناط بها من احكام وذلك تحقيقا لما ورد في النظام الاساسي للمجمع وحرصا على كتابة الفقه الاسلامي بطريقة تسهل على الدارس والناظر اخذ ما يحتاجه منه.
ويشارك في هذا المشروع العلمي الهام عدد من علماء الامة وخبرائها وقد وزعت موضوعاته على عدد من السادة المستكتبين من الفقهاء والاقتصاديين وتم التعاون بشأنه مع جهات الاختصاص في الجامعات ومراكز بحث الاقتصاد الاسلامي.

كما قام بإحياء التراث: ويهدف المجمع من هذا المشروع الى احياء التراث الفقهي الاصولي وكتب الخلاف لتوفير المصادر والامهات للدارسين والباحثين من الفقهاء ورجال الشريعة وتنفيذ مشروع معلمة القواعد الفقهية: يقصد بهذا المشروع العلمي جمع شامل للقواعد الفقهية مرتبة ترتيبا ابجديا بقطع النظر عن كون القاعدة كبرى او فرعية وبقطع النظر عن المذهب القائل بأي منها مع الاهتمام برد كل قاعدة الى مصدرها وكذلك اصدار مجلة المجمع: حيث يصدر المجمع اثر كل مؤتمر مجلته السنوية التي تحتوي على البحوث التي عرضها اعضاء المجمع والمستكتبون من العلماء والخبراء على المؤتمر والقرارات والتوصيات التي يعتمدها مجلس المجمع بعد النظر والدراسة والمداولة.

وعن مؤتمرات المجمع السنوية وندواته المتخصصة قال يتكون مجلس المجمع من الفقهاء والعلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة الاسلامية ولكل دولة من دول منظمة المؤتمر الاسلامي ان تعين عضوا عاملا يكون ممثلها في مجلس المجمع.

وقد سلك المجمع طريقة في بحث القضايا المطروحة عليه تتمثل اساسا في تكليف عدد من العلماء بدراستها من جميع جوانبها الفقهية وابداء الرأي الشرعي بخصوصها وبعد ذلك يتم عرض الابحاث على مجلس المجمع بكامل اعضائه وخبرائه المتخصصين في المادة المعروضة لتقع مناقشتها بعمق ثم يصدر مجلس المجمع القرار المناسب بشأنها اما بالاعلان عن الحكم الشرعي الذي تم التوصل اليه واما بإرجاء النظر في الموضوع إلى دورة قادمة بقصد استكمال دراسة بعض الجوانب المتصلة به.

واشار الى ان المجمع يضم في عضويته عددا من العلماء والمفكرين والفقهاء عن لديهم ثقافة واسعة وينوب من كل دولة اسلامية عضو في المجمع ولا يقل عدد اعضائه عن 52 عضوا كما ان هناك فقهاء معينين ممن لديهم القدرة على تقديم الحلول للمشاكل والاحداث والمجالات التطبيقية وهناك اعضاء في المجمع مشاركون اضافة الى الاعضاء من الخبراء وفيهم خير كثير ولهم اختصاصات في المجالات الفقهية والشرعية والعلمية واللغوية والمؤرخون والفلك باعتبار ان المجمع بحاجة اليهم.

واضاف الامين العام لمجمع الفقه الاسلامي ان المجمع يتجه في انشطته إلى خدمة الفقه الاسلامي ويرجع الى العلوم المعروفة في اصول الفقه والتطبيقات الشرعية وفي ضوء المنهج العلمي الذي قرره الاسلاف ووفق الكتاب والسنة والكثير من المصادر والإجماع والقياس مشيرا إلى انه قد تم انشاء شعبة للفتوى وشعبة الدراسة والعمل على عرض الشريعة الاسلامية عرضا امينا.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 11:42 AM
مجمع فقهاء الشريعة بأميركا



مجمع فقهاء الشريعة بأميركا مؤسسة علمية غير ربحية تتكون من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الاسلامية وعلمائها تسعى إلى بيان أحكام الشريعة فيما يعرض للمقيمين في أميركا من النوازل والاقضيات ، فكيف نشأ هذا المجمع؟ ومتى؟ وعلى أي شيء تدل كثرة المجامع الفقهية؟هل هي ظاهرة صحية أم وسيلة تؤدي الى التضارب والاختلاف؟ وما الفرق بين مجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي ومجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي ومجمع البحوث الاسلامية بالقاهرة ومجمع فقهاء الشريعة بأميركا وما هي أهداف المجمع الأخير؟

أدار الحوار محمد قطب القصاص

فأجاب فضيلة الأستاذ الدكتور علي السالوس النائب الأول لرئيس مجمع فقهاء الشريعة بأميركا :

فكرة إنشاء مجمع فقهاء الشريعة بأميركا ومتى ظهر للوجود

يوجد في أميركا حسب كثير من الإحصاءات 10 ملايين مسلم ولعلهم يمثلون أغنى جالية اسلامية، فمستوى الدخل في أميركا مرتفع ،ثم كثير منهم في وظائف كبيرة أو أعمال خاصة تدر دخلا كبيرا لذلك لهم شركات وتجمعات إسلامية وفي كل عام نجد لهم عددا من المؤتمرات لبحث مسائل يهتم بها المسلمون هناك ولاحظت عند حضوري هناك لعدد من المؤتمرات أنه لا توجد جهة مختصة يمكن الرجوع إليها بحيث يطمئن إليها المسلمون جميعا وإنما هناك بعض الأشخاص يتعرضون للفتوى وبعضهم له جوانب علمية يطمئن إليها بعض الناس فيلجأون إليهم ،ولذلك منذ سنوات والفكرة نبعت هناك بأنهم يريدون جهة يثق فيها المسلمون بصفة عامة في أميركا تكون مرجعا لهم تدرس مشكلاتهم وتبين الحلول لها وتبين لهم ما يجوز، وما لا يجوز، وما لا يوجد ما البديل الاسلامي له وهكذا وتحدث معي أكثر من مرة عدد من هؤلاء بل جاء إلي أحدهم هنا في قطر وطلب مني أن أنظر في هذا الموضوع، كما إن بعض الهيئات هناك تكلمت معي في نفس الموضوع فوجدت فرصة في أحد المؤتمرات بنيويورك وعرضت الفكرة "فكرة إنشاء هيئة تكون مرجعا للمسلمين في أميركا وتبين الحلول الاسلامية للمسلمين فيما يعرض لهم"، فوجدت ترحيبا من العلماء المشاركين في المؤتمر بالفكرة وبعد انتهاء المؤتمر استمرت الاتصالات وجاء عدد منهم إلى القاهرة وتناقشنا في الموضوع وكيف يمكن أن يتم ، ووجدنا أن المشكلة الأساسية في تمويل هذا المجمع ونحن لا نريد أن نكون تبعا لدولة ولا لجهة إنما يكون المجمع حرا مستقلا ، فإحدى الجمعيات هناك عرضت بصفة مبدئية أن تتكفل بالمؤتمر الأول بعد تحديد أسماء الأعضاء والخبراء فشكرناها على هذا العرض الذي شجع على التفكير الجاد في الموضوع، وبدأت أعرض الفكرة على من أتوسم فيهم الخير فوجدت تشجيعا كبيرا ، وبفضل الله تعالى تم تمويل المؤتمر الأول من جهات مختلفة من بينها الجمعية التي أبدت استعدادها لكفالة المؤتمر الأول، وقد تباحثنا بالنسبة للأسماء وقبل هذا المؤتمر الذي عقد في واشنطن عقدنا مؤتمرا تمهيديا وكان في القاهرة حيث وجد عدد كبير خلال إحدى العطلات بالقاهرة مما ساعد على عقد المؤتمر التمهيدي وقد وضعنا تصورا في البداية بأنه يجب أن يكون المجمع متميزا ويكون مرجعا أعلى للمسلمين في أميركا لذلك رأينا ان تكون العضوية لمن لا تقل درجته عن أستاذ في الفقه والأصول، ثم يكون هناك خبراء لمن يقلون عن هذه الدرجة وفي التخصصات المختلفة وعندما جئنا إلى الواقع العملي وجدنا أن هذا يتحقق في عدد كبير ولكنه لا يتحقق في كل من نريد أن يكونوا أعضاء في المجمع، فتساهلنا في هذا الشرط لمن يقيم في أميركا وأوروبا لأن المقيمين هم الذين يعرفون طبيعة البلد والمشكلات التي لديهم، فاكتفينا بأن يكون معه دكتوراه في الشريعة وأن يكون ممن اشتهر بالعلم والأبحاث وغير ذلك ثم هناك أشخاص في العالم لهم مكانتهم وإن لم يكونوا أساتذة جامعيين، بعد ذلك وضعنا تصورا للأهداف التي يمكن أن يحققها المجمع واخترنا عددا ليكونوا أعضاء ثم أرسلت لهم وحددنا المؤتمر الأول في العام الماضي بواشنطن بعد أن سجل المجمع في الرابع من رمضان المبارك 1422 هـ وذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر فهو هيئة خيرية غير ربحية هدفها البحث في النواحي الشرعية، في المؤتمر الأول عرضنا أسماء المرشحين وأضفنا أسماء وأقررنا من أقررنا بحيث يكون المؤتمر هو الذي أقر الأسماء واخترنا رئيسا للمجمع ونائبا أول ونائبا ثانيا وأمينا عاما ونائبا أول للأمين العام ونائبا ثانيا للأمين العام??? ثم اخترنا عددا كبيرا من رؤساء المراكز الاسلامية في أميركا وأوروبا ليكونوا خبراء يدعون للاجتماع مع الأعضاء ويحضرون المناقشات ويبدون آراءهم ؛ فهم عين المجمع لكنهم عند اتخاذ القرارات لا يشتركون??? فجلسة اتخاذ القرارات تكون مغلقة على الأعضاء فقط لانها دراسات ومناقشات فقهية.وتم بحمد الله هذا وبدأ المجمع مسيرته الآن وله موقع على الإنترنت وتأتيه أسئلة كثيرة من أنحاء أميركا.


كيف تتحدد مواضيع البحث بالمجمع؟

لم تكن هناك مواضيع للبحث من قبل لأنه كان المؤتمر التأسيسي الأول ولكن بعد المؤتمر شكلت لجان لبحث المواضيع التي تحتاج الى دراسة ولوضعها على لائحة المؤتمر القادم وإن شاء الله يكون قريبا.


هل سيكون انعقاد المؤتمرات في أميركا باستمرار؟

ليس بشرط أن تستمر المؤتمرات في أميركا، فالمؤتمر الأول كان في أميركا على اعتبار التأسيس وقد طلبنا أن تكون المؤتمرات التالية خارج أميركا ، والمجمع الآن له مركز في أميركا وقد أصبح عضوا في المنظمة العالمية للدعوة والإغاثة ؛ لذلك له فرع الآن في القاهرة وبدأ نشاطه وله مطبوعات وصلت إلى ستة كتب.


كثرة المجامع هل تعد ظاهرة صحية أم ظاهرة تؤدي الى التضارب والاختلاف؟

كثرة المجامع ظاهرة طيبة فالحاجة إلى إنشاء المجامع ملحة ونذكر هنا أن مجمع البحوث الاسلامية أنشىء سنة 1961 ليكون الهيئة العليا للبحوث الاسلامية ويقوم بالدراسة في كل ما يتصل بهذه البحوث ويعمل على تجديد الثقافة الاسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وتجليتها في جوهرها الأصيل الخالص وتوسيع نطاق العلم لكل مستوى وفي كل بيئة وبيان الرأي فيما يجد من مشكلات ، ومجمع الفقه لرابطة العالم الاسلامي قامت فكرته على تأسيس مجمع اسلامي يضم مجموعة من العلماء والفقهاء والمحققين من مختلف انحاء العالم الاسلامي لدراسة الشؤون الاسلامية الطارئة وحل المشكلات التي يواجهها الاسلام والمسلمون في أمور حياتهم ، أاما مجمع الفقه المنبثق عن منظمة المؤتمر الاسلامي فأعضاؤه من الفقهاء والعلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة من فقهية وثقافية وعلمية واقتصادية??? ويقوم بدراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهادا أصيلا فاعلا بهدف تقديم الحلول النابعة من التراث الاسلامي ، فالمجامع تبحث موضوعا واحدا وأحيانا تبحث في مجمعين فيكون تأكيدا وأحيانا يكتفي المجمع بما يصدره المجمع الآخر،إنما المجامع الثلاثة تهتم بأمور المسلمين بصفة عامة لكن هذا المجمع "فقهاء الشريعة" يهتم بأمور ومشكلات المسلمين في الغرب وفي أميركا بصفة خاصة ، وكانت الفكرة أساسا أن يكون مجمع فقهاء الشريعة في أميركا وأوروبا ثم وجدنا أن أوروبا فيها المجلس الأوروبي للإفتاءات فرأينا أن يكون في أميركا فقط على أن يكون بيننا وبين المجامع الأخرى تعاون ، ولذلك مجمع فقهاء الشريعة بأميركا يضم أعضاء من كل المجامع سواء من مجمع البحوث أو مجمع الفقه برابطة العالم الاسلامي أو مجمع الفقه بمنظمة المؤتمر الاسلامي والمجلس الأوروبي للافتاء حتى يكون هناك تعاون وتكامل وليس تنافرا وتضادا .


هل من الممكن أن تفرق لنا فضيلتكم بين مجمع الرابطة ومجمع المنظمة؟

مجمع المنظمة يمثل العالم الإسلامي كله ؛ولذلك فإن عدد الأعضاء أكثر من مجمع الرابطة لكن مجمع الرابطة العدد أقل بينما التخصص أكثر، ومجمع المنظمة بعدده الكبير أعطاه فرصة أن يكون لجانا متخصصة فعلى سبيل المثال لجنة الفتوى تتكون من 17 متخصصا ولو لم تكن إلا هذه اللجنة لقلنا : كفى بها عن الفتاوى الفردية، مجمع فقهاء الشريعة لجنة الفتوى فيه تتكون من سبعة ولها لجنة استشارية مكونة من سبعة أيضا.


فضيلة الشيخ: هل نستطيع أن نقول باستقلالية مجمع الرابطة عن مجمع المنظمة؟

علاقة مجمع الرابطة بمجمع المنظمة أنه يضم رئيس مجمع المنظمة والأمين العام لمجمع المنظمة ،فهما عضوان في مجمع الرابطة، فمجمع تابع لرابطة العالم الاسلامي ومجمع تابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي فكل مجمع له استقلالية تامة إنما هذا له منهج وهذا له منهج??? فعلى سبيل المثال مجمع المنظمة لأن العدد كبير يصدر القرار بالأغلبية ولا يذكر من وافق ومن خالف ، أما مجمع الرابطة فله منهج لعلنا نطبقه في مجمع فقهاء الشريعة بأميركا وهو أن القرار يوقع عليه جميع الأعضاء ومن يعارض يكتب أنه يعارض أو يتحفظ ، وهناك من يوافق على جزء من القرار ويخالف في جزء آخر فيذكر هذا .


قد يكون مستحيلا جمع العلماء على رأي واحد في مسألة خلافية ولكن هذا يشتت بعض الناس لذلك يقترح بعض المخلصين لو اجتمع العلماء في ندوة مثلا لبحث مسألة ما تشغل الناس ويخرج العلماء ببيان علمي مجرد يعرض آراءهم بدلا من الإثارة في العرض أو انفراد كل عالم وبالتالي تشتت الناس، ما رأي فضيلتكم؟
أقول هذا بالنسبة للموضوعات التي لم تبحثها المجامع، لكن ما بحثته المجامع وانتهت فيه إلى رأي، فرأيُنا أن الاجتهاد الجماعي الأصل فيه أنه لا ينقض وإن جاز أن ينقض فلا ينقض إلا باجتهاد جماعي أكبر منه أو مثله على الاقل.

وما هي أهداف المجمع الجديد (مجمع فقهاء الشريعة بأميركا)؟

من أهداف المجمع إصدار الفتاوى فيما يعرض عليه من قضايا ونوازل لبيان حكم الشريعة فيها ، وكذلك وضع خطة لإعداد البحوث والدراسات الشرعية التي تتعلق بأوضاع المسلمين في المجتمع الأميركي وما يجد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية التي تواجههم في هذا المجتمع وبيان الحلول الفقهية المناسبة لها والاشراف على تنفيذها ، وأيضا دراسة وتحليل ما ينشر عن الإسلام والتراث الاسلامي في وسائل الإعلام وتقديمه للانتفاع بما فيه من رأي صحيح وتعقب ما فيه من أخطاء بالتصحيح والرد ، ومن الأهداف معاونة المؤسسات المالية الإسلامية بإعداد البحوث والدراسات وابتكار صيغ التمويل وعقود الاستثمار وتقديم ما تطلبه من الفتاوى والاستشارات ، وتدريب كوادرها على ذلك ، وإقامة دورات تدريبية لأئمة ومديري المراكز الاسلامية في مختلف المجالات الفقهية كقضايا الاسرة والقضايا المالية وقضايا التحكيم الشرعي وغيرها ، ومن الأهداف أيضا دعم التعاون بين المجمع والهيئات والمجامع الفقهية الأخرى للوصول إلى ما يشبه الاجماع الكوني على الملزم من قضايا الامة وثوابتها ، وكذلك معالجة قضية المواطنة وما تفرضه من حقوق وواجبات على المسلمين الذين يتمتعون بحق المواطنة في الغرب ، أيضا من الأهداف دعم أنشطة لجان التحكيم الشرعية التي تقيمها الجاليات الإسلامية في البلاد الغربية ومراجعة ما ترفعه إليه من قرارات وتوصيات وإعداد تقنين ميسر للأحكام الفقهية في أبواب الأسرة والمعاملات المالية يكون مرجعا لجهات التحكيم الناشئة في الغرب ، وكذلك من أهداف المجمع إنشاء صندوق الجمع للزكاة والتكافل الاجتماعي في حدود ما تسمح به القوانين والنظم والحصول على موافقة الجهات المختصة على ذلك.


هل تتفضلون بالقاء الضوء على اوجه التميز في هذا المجمع؟

من أوجه التميز في المجمع :
أولا: التخصص في أعضائه ، فالأصل في العضو أن يكون أستاذا في الفقه والأصول أو على الأقل من حملة الدكتوراه في الشريعة.
ثانيا: الحيادية ، فهذا المجمع ملك للأمة ومشترك علمي عام يلتقي عليه العاملون لدين الله تعالى في مشرق أو في مغرب بعيدا عن التكتلات الحزبية أو التجمعات التنظيمية المعاصرة.
ثالثا: الجمع بين العلم بالشرع والدراية بالواقع ، فبالاضافة إلى الفقهاء يوجد بالمجمع عدد من الخبراء لا يقل عددهم عن الفقهاء??? وهؤلاء يمكنون الفقهاء من الرؤية المستبصرة والفاحصة للواقع الذي تُطبق فيه الفتوى ؛لأن الفتوى -كما يقول اهل العلم- معرفة الواجب في الواقع ، أيضا توجد لجنة دائمة للإفتاء لمجمع تتكون من سبعة من الاعضاء من حملة الدكتوراه في الشريعة وهي مقيمة داخل الولايات المتحدة وتتولى الرد على القضايا اليومية التي ترد الى المجمع وتصدر قرارها في ذلك بالأغلبية ، كذلك توجد لجنة لمستشاري الإفتاء تتكون من ثمانية من كبار أهل الفتوى في الأمة ترجع إليها اللجنة الدائمة عند الاقتضاء ، أيضا من أوجه التميز: وجود صلة وثيقة بين هذا المجمع وبين ما سبقه من المجامع ؛ فالاصل هو التنسيق والتكامل وليس المنافسة أو التنافر أو التضاد ، فالمجمع يقدم قوة إضافية للجهود القائمة تنسيقا بينها وجمعا لشتاتها وتجسيدا للصلة بينها وبين فقهاء الأمة عبر العالم.


وكيف يفتي لأميركا من ليس له اتصال بالواقع الأميركي؟

لقد أجيب على هذه النقطة من قبل ، فقد أخذ المجمع على عاتقه منذ اللحظة الاولى أن يجمع القائمون على الفتوى بين العلم بالشرع والدراية بالواقع لأن الفتوى -كما يقول اهل العلم- معرفة الواجب في الواقع ، ويتحقق ذلك من خلال ما سبقت الإشارة إليه من وجود عدد من الخبراء بالمجمع لا يقلون عن عدد الأعضاء وهؤلاء هم عيون المجمع التي بها يرى الواقع ويحيط من خلالهم خبرا بمختلف جوانبه.


وكيف يفتي المجمع في نوازل المجتمع الأميركي مع تفرق أعضائه عبر العالم؟

توجد بالمجمع لجنة دائمة للإفتاء وهي مقيمة داخل الولايات المتحدة الأميركية وتتولى الرد على القضايا اليومية التي ترد إلى المجمع وتصدر قرارا في ذلك بالأغلبية فإن أشكل عليها أمر رفعته إلى مستشاري الإفتاء وهم وإن كانوا متفرقين في بلدان عديدة ولكن ذلك يتم من خلال "الإيميل" وموقع المجمع على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت).


مشكلة الفرد المسلم العادي أنه لا يستطيع التعامل مع الاختلاف الذي يحدث بين العلماء فما هي نصيحتكم؟

هناك خلافات مجمعية وهناك خلافات فردية، الخلافات المجمعية لا نكاد نجدها ، فعلى سبيل المثال:مجمع الفقه بالرابطة بحث موضوع طفل الأنابيب وكان من قراره أن المتزوج أكثر من زوجة يجوز أن تكون البويضة في رحم الضرة ،أما مجمع الفقه للمنظمة فقد بحث الموضوع وانتهى إلى أن ذلك لا يجوز ، فعاد مجمع الرابطة وبحث الموضوع ونظر فيما انتهى إليه مجمع المنظمة فقرر فعلا العدول عن قراره السابق إلى قرار مجمع المنظمة ، ففي مجمع الرابطة والمنظمة لا نكاد نجد تعارضا، أما بالنسبة للافراد فالاختلافات كثيرة ، والأصل أن الاجتهاد الجماعي لا ينقض وإن جاز أن ينقض فلا ينقض إلا باجتهاد جماعي أكبر منه أو مثله على الأقل ، ولذلك تلاحظ أنني لا اقول : قال فلان أو قلت ، وإنما أقول : أفتت المجامع الفقهية بكذا وكذا ، ولهذا لو خالف المجمع رأيي وسألني أحد فإنني أجيبه برأي المجمع وليس برأيي .


اسمح لي فضيلتك أن أسأل هنا سؤالا هل هو من باب الورع أنك لا تفتي برأيك أو تقوية لفتوى تنسبها للمجامع؟

هي قوة الفتوى لأنه كما تبين الهدف من إنشاء المجامع فإنه لا يستطيع أن يقوم بهذا فرد ، فالمجمع مثلا عندما يبحث في طفل الانابيب يقوم بمراسلة الأعضاء والخبراء قبل المؤتمر بفترة ثم يشترك مع المجمع خبراء في الطب ، وعندما بحث في رؤية الهلال دعا عددا من رجال الفلك ، ولما بحث موضوع البنوك دعا عددا من الاقتصاديين والخبراء في البنوك ...وهكذا ؛ لأن هذا هو فهم الواقع ثم الموضوع يناقش في الجلسة مناقشة علنية فإذا انتهى المؤتمر إلى رأي صدر القرار وإن لم ينته يؤجل ، وهناك قرارات أجلت عدة مرات وعلى سبيل المثال بطاقة الائتمان: مجمع المنظمة بحثها في أربعة مؤتمرات خلال تسع سنوات إلى أن صدر قرار المجمع الأخير ، فجهد المجمع بهذا الشكل لا يكون كالفرد مهما كانت قدرات الفرد فهي محدودة وعلمه محدود وهو لا يستطيع أن يلم بكل الأشياء ، فالفقيه ليس طبيبا والطبيب ليس فقيها والفلكي ليس طبيبا ولا فقيها وهكذا فالمجامع الفقهية إذن طريقتها في البحث والمناقشة وصدور القرار هي الأولى بالاتباع.


نلاحظ تأجيل بعض المواضيع في مجالس المجامع لماذا ؟ هل بسبب ضغوط هل زيادة تحر وتدقيق او عدم توافر بحوث؟

ضغوط على المجامع أمرلم نلمسه إنما قد يكون وجهة نظر للمجتمعين وليس من باب الضغط ولذلك لعلك تلاحظ في مجمع فقهاء الشريعة ألا يتبع دولة ولا جهة، وغالبا في المجامع أن يكون التأجيل لزيادة البحث ، فمثلا مجمع المنظمة وهو يبحث صكوك المقارضة بحثه في مؤتمر وأجل إصدار القرار ثم قرر عرضه على ندوة خاصة ثم عرض هذا على المجمع مرة أخرى.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 11:43 AM
مجمع البحوث الإسلامية أحد هيئات الأزهر



نصت المادة "10" من القانون رقم 103 لسنة 1961م على الآتي:

"مجمع البحوث الإسلامية هو الهيئة العليا للبحوث الإسلامية، وتقوم بالدراسة في كل ما يتصل بهذه البحوث، وتعمل على تجديد الثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وآثار التعصب السياسي والمذهبي، وتجليتها في جوهرها الأصيل الخالص، وتوسيع نطاق العلم بها لكل مستوى وفي كل بيئة، وبيان الرأي فيما يَجِدُّ من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، وحمل تبعة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة. وتعاون جامعة الأزهر في توجيه الدراسات الإسلامية العليا لدرجتي التخصص والعالمية والإشراف عليها والمشاركة في امتحاناتها. وتحدد اللائحة التنفيذية لهذا القانون واجبات مجمع البحوث الإسلامية بالتفصيل الذي يساعد على تحقيق الغرض من إنشائه. ومجمع البحوث الإسلامية يؤدي رسالته في إطار الرسالة الشاملة للأزهر الشريف من خلال مجلسه ولجانه وإداراته المتعددة على النحو الآتي:


مجلس مجمع البحوث الإسلامية:ويتألف من عدد لا يزيد على خمسين عضواً من كبار علماء الإسلام، يمثلون جميع المذاهب الإسلامية، ويكون من بينهم عدد، لا يزيد على العشرين، من غير مواطني جمهورية مصر العربية، وهذا يجعل لمجلس المجمع ميزة عالمية التشكيل التي تجعل له المرجعية فيما يتعلق بالبحوث الإسلامية. وكان أول أمين عام للمجمع الدكتور محمود حب الله وكان شخصبة عالمية أكسبت المجمع مصداقية بالعالم الإسلامي وجعله أول أكاديمية بحثية .وشكله من بين كبار رجال الدين بالعالم المشهود لهم بالتقوي والعلم والورع. ليقوموا بالإجتهاد والفتوي. ويرأس مجلس المجمع شيخ الأزهر. ومجلس المجمع يؤلف من بين أعضائه لجانا أساسية تختص كل منها بجانب من البحوث في مجال الثقافة الإسلامية، مثل: لجنة بحوث القرآن الكريم، ولجنة بحوث السنة النبوية الشريفة، ولجنة البحوث الفقهية، ولجنة العقيدة والفلسفة، ولجنة التعريف بالإسلام، ولجنة القدس والأقليات الإسلامية. ويتولى مجلس مجمع البحوث الإسلامية ولجانه متابعة ودراسة القضايا والموضوعات المطروحة على الساحة المحلية والعالمية، والأحداث التي تموج بها، ويصدر بياناته المشتملة على رأي الشريعة الإسلامية فيها، هذا فضلا عن تتبع ما ينشر من بحوث عن الإسلام الحنيف وبها مغالطات وافتراءات، ومواجهتها بالرد والتصحيح. ومن هذا القبيل تشكيل لجنة دائمة من الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية لحجز موقع على شبكة النيل الفضائية لشرح مبادىء الإسلام الصحيحة السمحة، والرد على ما ينشر ضد الإسلام على الشبكات الأخرى.

أجهزة وإدارات مجمع البحوث الإسلامية:

الإدارة العامة للطلاب الوافدين: يفتح الأزهر الشريف أبواب معاهده وجامعته لطلاب العلم من مختلف دول العالم للدراسة به، سواء على منح الأزهر، أو على منح الجهات المانحة الأخرى، أو على حسابهم الخاص. وتتولى الإدارة العامة للطلاب الوافدين استقبال الطلاب الوافدين من مشارق الأرض ومغاربها، وتوجيه كل منهم للدراسة المناسبة لمستواه في المعاهد الأزهرية بمراحلها الثلاث، أو بجامعة الأزهر.

مدينة البعوث الإسلامية: تخصص لإقامة وإعاشة الطلاب الوافدين للدراسة بالأزهر.
المعاهد الأزهرية الخارجية: ينشىء الأزهر الشريف بعض المعاهد الأزهرية في بعض الدول التي لا يستطيع الأزهر استقدام جميع الطلاب من أبنائها الراغبين في الدراسة بالأزهر، ولا تسمح إمكانات هذه الدول المادية بتحمل نفقات إيفادهم للدراسة بالأزهر. وتسير هذه المعاهد الأزهرية الخارجية على نظام التعليم بالأزهر الشريف، خطة ومنهجاً وكتاباً، وتخضع للإشراف الفني للأزهر، ويقوم مجمع البحوث الإسلامية وقطاع المعاهد الأزهرية بإمداد هذه المعاهد بالمدرسين والكتب والمناهج الدراسية، وقد بلغ عدد هذه المعاهد الأزهرية الخارجية خمسة عشر معهداً منها ثلاثة عشر معهداً بإفريقيا، وواحد بكندا، وواحد بباكستان.

الإدارة العامة للبعوث الإسلامية: يقوم الأزهر الشريف بإيفاد بعض علمائه للتدريس ونشر الثقافة الإسلامية والعربية بدول العالم الإسلامي، وشرح مفاهيم الإسلام الصحيحة، وتعليم أبنائنا المسلمين في الخارج مبادىء الدين الإسلامي الحنيف وفرائضه وقيمه وتعاليمه السمحة، وذلك سواء على نفقة الأزهر الشريف أو على نفقة الدول المستعيرة. وقد بلغ عدد الدول التي يوجد للأزهر علماء معارون إليها سبعة وثمانين دولة.

الإدارة العامة للبحوث والتأليف والترجمة: يتولى مجمع البحوث الإسلامية من خلال هذه الإدارة الإشراف على طبع مصحف الأزهر الشريف ومصحف المطابع الأميرية، وكذلك إصدار تصاريح طبع وتداول المصحف الشريف لدور النشر المختلفة بعد مراجعة الأصول. وكذلك مراجعة الشرائط القرآنية للتأكد من خلوها من الأخطاء. كما تتولى هذه الإدارة فحص المؤلفات الدينية، سواء كانت باللغة العربية أو الأجنبية، وسواء كانت بحثا أو كتابا أو شريطا أو فيلما أو لوحة..إلخ، وذلك للتأكد من صلاحيتها وخلوها مما يتعارض مع الشريعة الإسلامية.

لجنة الفتوى: حيث تتولى هذه اللجنة تلقي استفتاءات الجماهير من الداخل والخارج، سواء عن طريق المقابلات الشخصية أو الهاتف أو المراسلات، والرد عليها. وكذلك إشهار إسلام الراغبين في اعتناق الدين الإسلامي، وإعطائهم شهادات بذلك.
دار الكتب الأزهرية: تقوم على حفظ التراث العظيم الذي تضمه، والذي يبلغ عدده 116.133 كتاباً في مختلف العلوم والفنون، تقع في أكثر من نصف مليون مجلد، منها ما يزال مخطوطاً 40.000 كتاب. وقد تم إنشاء مبنى حديث لها مكون من أربعة عشر طابقاً، به أربع قاعات للمطالعة، وإحدى وعشرون غرفة مجهزة بأحدث النظم المكتبية للراغبين في الاطلاع، تخصص واحدة منها لكل باحث، وقاعة للمكفوفين مزودة بأحدث الأجهزة العلمية. ويجرى الآن إعداد قاعدة بيانات بيبلوجرافية لمطبوعات المكتبة لإدخالها على الحاسبات الآلية، وغير ذلك من إجراءات التطوير والتحديث للمكتبة الأزهرية، التي يجرى إنجازها لتصبح صرحاً من صروح المعرفة والإشعاع الثقافي لمصر والأزهر الشريف.

إدارة أحياء التراث الإسلامي: تؤدي هذه الإدارة عملها في خدمة كتب التراث الإسلامي، وقد قامت بإصدار التفسير الوسيط للقرآن الكريم، وإصدار موسوعة في الحديث الشريف "جمع الجوامع للإمام السيوطي" صدر منها مطبوعاً سنن الأقوال، ويجري الآن تخريج بقية أحاديث الأفعال والمسانيد تمهيداً لطبعها. كما تتولى هذه الإدارة إصدار سلسلة البحوث الإسلامية، حيث يتم اختيار أفضل الكتب والأبحاث، وطبعها، وإصدار كتاب كل شهر.

مجلة الأزهر: يصدر مجمع البحوث الإسلامية في مطلع كل شهر هجري مجلة الأزهر، حاملة رسالة الأزهر إلى جماهير المسلمين في الداخل والخارج، ومتابعة لمجريات الأحداث الإسلامية والعربية بدراسات موضوعية وتحليلات علمية.

اللجنة العليا للدعوة الإسلامية :ينظم الأزهر الشريف دورات تدريبية للائمة والدعاة والوعاظ من دول العالم الإسلامي، مدة كل دورة ثلاث أشهر، يتم خلالها تدريب هؤلاء الدعاة على طرق الدعوة إلى سبيل الله تعالى وأساليبها، وما يجب أن يتحلى به الداعية من صفات وأخلاق حتى يستطيع تأدية الأمانة الملقاة على عاتقه على أكمل وجه، وليستطيع التأثير في الجماهير. كما يتم تنظيم محاضرات يلقيها عليهم أساتذة وعلماء الأزهر الشريف في كافة القضايا المعاصرة، وكيفية تعامل الداعية معها، ورأي الشريعة الإسلامية في هذه القضايا، حتى يجمع الداعية إلى القدوة الحسنة الإلمام بقضايا العصر، وكيفية معالجتها في ضوء تعاليم ومبادىء الشريعة الإسلامية الغراء، التي تذخر بالحلول الشافية والعلاج الناجع لكل مايهم الإنسان، أو يعترض طريق تقدم البشرية ورفاهيتها.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 11:44 AM
المجلس الأوروبى للإفتاء والبحوث



ورابطه :

http://www.e-cfr.org/images/ta3reef.swf

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 11:45 AM
رابطة العالم الإسلامي




أولا: نشأة رابطة العالم الإسلامي وأهدافها.

رابطة العالم الإسلامي مؤسسة إسلامية شعبية لا ترتبط بأية حكومة بل هي هيئة مستقلة، تعمل على جمع كلمة المسلمين، وتحقيق مبدأ التعاون والتضامن الإسلامي من أجل إعلاء كلمة الله، ورفع شأن الإسلام والمسلمين،والدعوة إلى الإسلام والسلام والخير .

وليس للرابطة أي تدخل في الشؤون الداخلية للدول، وليس لها ميل أو تفريق بين جنس من الأجناس أو لون،فالمؤمنون كلهم أخوة لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى .

أ– نشأتها :

نشأت رابطة العالم الإسلامي عندما قرر قادة الأمة الإسلامية وعلماؤهم و مفكريهم في المؤتمر الإسلامي العام الذي عقد بمكة المكرمة في الرابع عشــــر من شهر ذي الحجة عام 1381هـ الموافق للثامن عشر من شهر مايو 1962م وقد اتخذوا عدة قرارات من أهمها تأسيس هيئة إسلامية مقرها مكة المكرمة تسمى (رابطة العالم الإٍسلامي ) – المادة العشرون – وتم اختيار أعضاء المجلس التأسيسي للرابطة،كما وضع المؤتمر صيغة مبدأيه لنظام الرابطة وتم إقراره رسمياً في المؤتمر الإسلامي العام الثاني الذي عقد بمكة المكرمة في الخامس عشر من شهر ذي الحجة 1384هـ الموافق السابع عشر من أبريل 1965م. (1)

ب– أهدافها :

ينص ميثاق الرابطة على أنها تهدف إلى نشر مبادئ الإسلام في جميع أنحاء العالم، وأنه لا سلام للعالم إلا بتطبيق قواعد الشريعة الإسلامية، والعمل على تحقيق العدل والتسابق في ميدان العمل الخيري ومساندته، وبذل قصارى الجهود في توحيد كلمة المسلمين وإزالة العقبات التي يعاني منها المجتمع المسلم، واستخدام كافة الوسائل لتحقيق ذلك، والعمل على نبذ الخلافات والشعوبية والعنصرية والظلم والإفساد وكل دعوى من دعاوى الجاهلية. (2)

ج – وسائل تحقيق أهداف الرابطة :

من أهم الوسائــــــل التي اتخذتها الرابطـــــة لتنفيذ أهدافها ما يلي : (3)

تحكيم الشريعة الإسلامية في البلاد الناطقة بالشهادتين .
الأخذ بمبدأ الشورى .
إقامة الندوات والمحاضرات الإسلامية في موسم الحج وغيره.
تشجيع الدعاة الإسلاميين في كافة أنحاء العالم للعمل على نشر الإسلام
تشجيع توزيع ونشر الكتب الإسلامية باللغات الحية .
التعرف على مشكلات وقضايا الأمة الإسلامية والعمل على معالجتها
نشر التعليم الإسلامي وإنشاء المدارس والجامعات الإسلامية .
تشجيع المؤسسات الإعلامية،وتنقية وسائل الإعلام الإسلامي من الشوائب التي تشوبها .
العمل على إغاثة المسلمين المتضررين من الكوارث والنكبات والحروب.
رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات الإسلامية
العناية بالموارد البشرية الإسلامية وتعليمهم وتدريبهم فنياً مهنياً من خلال المنح الدراسية والمعونات المالية.

د – عضويتها في المنظمات الدولية :

إن رابطة العالم الإسلامي عضو من الدرجة الأولى في عدد من المنظمات الدولية منها : (4)

هيئة الأمم المتحدة ضمن المنظمات غير الحكومية ذات الطابع الاستشاري بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي .
منظمة اليونسكو .
صندوق الطفل العالمي .بهيئة الأمم المتحدة .
منظمة المؤتمر الإسلامي .

هـ– الهيئات الرئيسة في رابطة العالم الإسلامي :

المؤتمر الإسلامي العام :
وهو أعلى سلطة تشريعية في الرابطة حيث توجه الأمانة العامة الدعوة لعقد المؤتمر إلى العلماء،ورجال الفكر والدعوة الإسلامية في العالم على المستويين الرسمي والشعبي .وقد عقد عدداً من الدورات (5)

2– المجلس التأسيسي :

وهو الذي يرسم سياسة الرابطة ويحدد اتجاهاتها بما يكفل تحقيق أهدافها، ويتولى دراسة التقرير السنوي،وإصدار القرارات و التوصيات الخاصة بالقضايا والموضوعات التي طرحت في الدورات التي يعقدها،ويحق لـه تعديل نظام الرابطة،ويتم اختيار أعضائه على أساس الترشيح من الأمين العام للرابطة بشروط معينة، وقد عقد سبع وثلاثون دورة منذ تأسيس الرابطة حتى الآن .

3– الأمانة العامة للرابطة :

وهي الجهاز التنفيذي للرابطة،الذي يقوم بالإشراف المباشر على أعمال وأنشطة الرابطة، وتنفيذ خططها، والتوجيهات التي تصدر من المجلس التأسيسي .

وتشمل الأمانة على عدد من الإدارات والأقسام الإدارية حسب الهيكل التنظيمي لها.


ثانيا:– الهيئات والمؤسسات التابعة للرابطة :

يرتبط بالأمانة العامة للرابطة عدد من المؤسسات والهيئات ومنها ما يلي :

أ – المجلس الأعلى العالمي للمساجد .

ب– مجمع الفقه الإسلامي .

جـ– هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية .

هـ– هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة .

و – مؤسسة الحرمين والمسجد الأقصى الخيرية .

ز – الهيئة الإسلامية العالمية للتعليم .

حـ– الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم.

ط– الهيئة العالمية للإعلام الإسلامي .

وتدرس الرابطة حالياً إنشاء هيئة عالمية للاقتصاد الإسلامي، تعمل على التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية الإسلامية.


ثالثاً – المجمع الفقهي الإسلامي وأهدافه ولجانه :

المجمع الفقهي الإسلامي ؛ أحد هيئات الرابطة ذات الشخصية الاعتبارية المستقلة، يضم مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها.

أ– تأسيس المجمع :

لقد أوصت الأمانة العامة للرابطــــة في شهر رجب سنة 1383هـ في نظامها، بإنشاء هيئة علمية لدراسة القضايا والنوازل المستجدة، وذلك استجابة لنداء حكومة المملكة العربية السعودية بضرورة إنشاء مجمع فقهي إسلامي وفي سنة 1384هـ قرر المؤتمر الإسلامي العام في دورته الثانية 15-22/ 1384هـ تأسيس مجمع فقهي إسلامي،.وفي سنة 1385هـ قرر المجلس التأسيسي للرابطة تشكيل هيئة علمية من ستة أعضاء من أعضاء المجلس التأسيسي لدراسة مشروع المجمع الفقهي الذي قرر المؤتمر الإسلامي إنشاءه .

وفي عام 1393هـ اتخذ المجلس التأسيسي قراراً جديداً بتأليف هيئة المجمع من عشرة أعضاء من المجلس التأسيسي للرابطة.

وفي شهر محرم سنة 1396هـ أصدرت الأمانة العامة للرابطة قرارها بتأسيس إدارة خاصة باسم ( المجمع الفقهي الإسلامي )، وتعيين مدير لها، وبعض الإداريين .

وفي عام 1397هـ أقر المجلس التأسيسي للرابطة نظام المجمع الفقهي .وباشر أول أعماله في شهر شعبان سنة 1398هـ، وعقد أول دورة لـه في نفس العام .

ب– أهداف المجمع :

يمكن تلخيص أهداف المجمع الفقهي الإسلامي فيما يلي :

1 – بيان الأحكام الشرعية فيما يواجه المسلمين في أنحاء العالم من مشكلات ونوازل وقضايا مستجدة من مصادر التشريع الإسلامي المعتبرة .

2 – إبراز تفوق الفقه الإسلامي على القوانين الوضعية 0 وإثبات شمول الشريعة واستجابتها لحل كل القضايا التي تواجه الأمة الإسلامية في كل زمان ومكان .

3 – نشر التراث الفقهي الإسلامي وإعادة صياغته، وتوضيح مصطلحاته وتقديمه بلغة العصر ومفاهيمه .

4 – تشجيع البحث العلمي في مجالات الفقه الإسلامي .

5 – جمع الفتاوى والآراء الفقهية المعتبرة للعلماء المحققين، والمجامع الفقهية الموثوقة في القضايا المستجدة، ونشرها بين عامة المسلمين.

6 – التصدي لما يثار من شبهات وما يرد من إشكالات على أحكام الشريعة الإسلامية .

ج – يستخدم المجمع الفقهي الإسلامي جميع الوسائل المشروعة المتاحة والمناسبة لتحقيق أهدافه، ومنها :
1 – عقد الدورات التي يجتمع فيها أعضاء المجلس لمناقشة أهم القضايا التي تشغل بال المسلمين .

2 – إنشاء مركز للمعلومات لتتبع ما يواجه العالم الإسلامي من قضايا تستدعي الدراسة .

3 – وضع معاجم للفقه وعلومه توضح المصطلحات الفقهية، وتيسرها للمشتغلين بالفقه دراسة وعملاً .

4 – إصدار مجلة علمية محكمة تعنى بالدراسات الفقهية، وتنقل أهم بحوث المجمع ومناقشاته وقراراته وترجمتها إلى عدة لغات .

5 – التعاون بين المجمع والهيئات والمراكز العلمية المشابهة القائمة في أنحاء العالم الإسلامي، والتبادل العلمي والفكري معها .

6 – عقد الندوات العلمية عن قضايا العصر ومستجداته، واستكتاب المتخصصين عنها .

7 – العمل على ترجمة قرارات المجمع وتوصياته وبحوثه، ونشرها بجميع الوسائل الممكنة، بما فيها شبكة الانترنت، والقنوات الفضائية، والصحف .

ويجتمع مجلس المجمع كل سنتين بناءً على دعوة من الأمين العام للرابطة .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 11:46 AM
قرار رقم 14 / 18 - ث لمؤتمر وزراء الخارجية الاسلامى الثامن عشر

بشأن مجمع الفقه الاسلامى



ان المؤتمر الاسلامي الثامن عشر لوزراء الخارجية (دورة الاخاء والتضامن الاسلامي) المنعقد في مدينة الرياض ، بالمملكة العربية السعودية في الفترة من 6 - 9 شعبان 1409هـ الموافق 13 - 16 مارس / آذار 1989م.

اذ يذكر بالقرارات الصادرة عن مؤتمرات القمة والمؤتمرات الاسلامية لوزراء الخارجية بشأن مجمع الفقه الاسلامى.

واذ يؤكد مجددا النظام الاساسى للمجمع ، والاهداف والغايات التى يعمل من اجلها والخطة العامة التى اعتمدها مجلس المجمع في مؤتمره الاول بمكة المكرمة لتحقيق وحدة الامة الاسلامية وجمع كلمتها لتبقى عزيزة منيعة بعقيدتها ناهضة مستنيرة بشريعتها قوية قادرة على مواجهة تحديات العصر ومشكلات الحياة المعاصرة.

واذ يعرب عن تقديره لما صدر عن المجمع من قرارات وتوصيات واجتهادات علمية في دوراته الخمس التى انعقدت في كل من المملكة العربية السعودية والمملكة الاردنية الهاشمية ودولة الكويت.

واذ يتابع بمزيد الاهتمام مراحل نشاط المجمع وانجازاته العلمية التى تضمنها تقريره وخاصة في فترة ما بعد المؤتمر الاسلامى السابع عشر لوزراء الخارجية.

واذ ينوه بما يبذله المجمع من جهود متصلة لانجاز مشاريعه العلمية ومن ابرزها : الموسوعة الفقهية الخاصة بالمعاملات بالشؤون الاقتصادية ومعلمة القواعد الفقهية واحياء التراث ومعجم المصطلحات الفقهية وتيسير الفقه وكذلك باضطلاعه بالمهام التى كانت موكلة الى اللجنة الاسلامية الدولية للقانون ، بموجب القرار الذى اتخذه مجلس المجمع في مؤتمره الخامس المنعقد بالكويت بناء على الاحالة الواردة اليه بقرار من المؤتمر الاسلامى السابع عشر لوزراء الخارجية المنعقد في عمان ( المملكة الاردنية الهاشمية ).

واذ يبارك قيام المجمع بعقد ندوات ومؤتمرات ولقاءات علمية بالاشتراك مع الهيئات والمؤسسات الاسلامية فى الدول الاعضاء وسعيه الحثيث الى تأكيد عرى التعاون بينه وبين الجامعات والمعاهد العلمية:

1) يعرب عن كامل ارتياحه لما حققه المجمع من انجازات علمية قيمة وما ينهض به من مسؤوليات لتبصير المسلمين بأصول دينهم ومقاصد شريعتهم من خلال البحوث والقرارات والتوصيات والاجتهادات الفقهية التى تصدر بها " مجلة مجمع الفقه الاسلامى " السنوية.

2) يسجل بالتقدير جهود مجلس المجمع وامانته العامة وسعيهما المتواصل لتحقيق الاهداف والغايات الاسلامية السامية.

3) يدعو المجمع الى:

- تكثيف ومضاعفة جهوده العلمية

- الاستمرار في التحاور مع العلماء والباحثين والمفكرين والخبراء والمتخصصين.

- الحرص على مواصلة التنسيق في مجالات البحث والدرس مع الهيئات العلمية والجامعات والمؤسسات الاقليمية الاسلامية لدى الدول الاعضاء.

4) يحث الدول الاعضاء على الوفاء بالتزاماتها المالية نحو المجمع.

5) ويحث ايضا الدول الاعضاء على تقديم المزيد من الدعم لمسيرته العلمية ، ومساندة انجازاته وانشطته ، وتعزيز اهدافه وغاياته المباركة ، وتقوية امكاناته المادية ، ضمانا لاستمراره فى اداء رسالته الكريمة في مواجهة تحديات العصر ، ومشكلات الحياة المعاصرة ، خدمة لديننا الحنيف ، وامتنا الاسلامية الكريمة.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 11:47 AM
من فتاوى مجمع الفقه الاسلامى

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:49 PM
أطفال الأنابيب




الحمد لله رب العالمين والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه



قرار رقم (4)/د 3/7/86



أما بعد :

فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8- 13 صفر 1407هـ - 11-16 أكتوبر 1986م.

بعد إستعراضه لموضوع التلقيح الصناعي (أطفال الأنابيب) وذلك بالإطلاع على البحوث المقدمة والإستماع لشرح الخبراء والأطباء.

وبعد التداول .

تبين للمجلس :

إن طرق التلقيح الصناعي المعروفة في هذه الأيام هي سبع :-

الأولى : أن يجري تلقيح بين نطفة مأخوذة من زوج وبيضه مأخوذة من أمراة ليست زوجته ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته.

الثانية : أن يجري التلقيح بين نطفة رجل غير الزوج وبيضة الزوجة ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة.

الثالثة : أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم أمراة متطوعة بحملها.

الرابعة : أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي رجل أجنبي وبييضة أمراة أجنبية وتزرع اللقيحة في رحم الزوجة.

الخامسة : أن يجري تلقيح خارج بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى.

السادسة : أن تؤخذ نطفة من زوج وبييضة من زوجته ويتم التلقيح خارجياً ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة .

السابعة : أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحاً داخلياً.

وقرر :

إن الطرق الخمسة الأول كلها محرمة شرعاً وممنوعة منعاً باتاً لذاتها أو لما يترتب عليها من إختلاط الإنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية.

أما الطريقان السادس والسابع فقد رأي مجلس المجمع أنه لا حرج من اللجوء إليهما عند الحاجة مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الإحتياطات اللازمة.



والله أعلم .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:49 PM
الإستنساخ البشري




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه



قرار رقم (100/2/د10)



أما بعد :

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره العاشر بجدة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من 23- 28 صفر 1418هـ الموافق 28يونيو- 3 يوليو 1997م.

بعد إطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع الإستنساخ البشري ، والدراسات والبحوث والتوصيات الصادرة عن الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ، بالتعاون مع المجمع وجهات أخرى ، في الدار البيضاء بالمملكة المغربية في الفترة من 9-12 صفر 1418هـ ، الموافق 14-17 يونيو 199م.

وبعد إستماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء ، إنتهى إلى ما يلي :-

مقدمة :

لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم ، وكرمه غاية التكريم ، فقال عز من قائل ( * لقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الاسراء 70، زينه بالعقل ، وشرفه بالتكليف ، وجعله خليفة في الأرض واستعمره فيها ، وأكرمه بحمل رسالته التي تنسجم مع فطرته ، بل هي الفطرة بعينها لقوله سبحانه ( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) الروم 30، ولقد حصر الإسلام على الحفاظ على فطرة الإنسان سوية من خلال المحافظة على المقاصد الكلية الخمسة ( الدين والنفس والعقل والنسل والمال) وصونها من كل تغيير يفسدها ، سواء من حيث السبب أم النتيجة ، يل على ذلك الحديث القدسي الذي أورده القرطبي من رواية القاضي أسماعيل ( إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وأن الشياطين أتتهم فإجتالتهم عن دينهم 00 إلى قوله 00 وأمرتهم أن يغيروا خلقي ).

وقد علم الله الإنسان ما لم يكن يعلم ، وأمره بالبحث والنظر والتفكير والتدبر مخاطباً إياه في آيات عديدة ( أفلا يرون) ؟ ( أفلا ينظرون) ، ( أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة) ، ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)، ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون)، ( إن في ذلك لذكرى لأولى الألباب) ، ( أقرأ باسم ربك الذي خلق)000

والإسلام لا يضع حجراً ولا قيداً على حرية البحث العلمي ، إذا هو من باب إسْتِكْناه سُنة الله في خلقه . ولكن الإسلام يقضي كذلك بأن لا يترك الباب مفتوحاً بدون ضوابط أمام دخول تطبيقات نتائج البحث العلمي إلى الساحة العامة بغير أن تمر على مصفاة الشريعة ، لتمرر المباح وتحجز الحرام ، فلا يسمح بتنفيذ شئ لمجرد أنه قابل للتنفيذ ، بل لا بد أن يكون علماً نافعاً جالباً لمصالح العباد ودرائاً لمفاسدهم.

ولا بد أن يحافظ هذا العلم على كرامة الإنسان ومكانته والغاية التي خلقه الله من أجلها ، فلا يتخذ حقلاً للتجريب ، ولا يعتدي على ذاتية الفرد وخصوصيته وتميزه ، ولا يؤدي إلى خلخلة الهيكل الإجتماعي المستقر ، أو يعصف بأسس القرابات والأنساب وصلات الأرحام والهياكل الأسرية المتعارف عليها على مدى التاريخ الإنساني في ظلال شرع الله وعلى أساس وطيد من أحكامه.

وقد كان مما استجد للناس من علم في هذا العصر ، ما ضجت به وسائل الإعلام في العالم كله باسم الإستنساخ. وكان لا بد من بيان حكم الشرع فيه، بعد عرض تفاصيله من قبل نخبة من خبراء المسلمين وعلمائهم في هذا المجال.

تعريف الإستنساخ :

من المعلوم أن سنة الله في الخلق أن ينشأ المخلوق البشري من إجتماع نطفتين اثنتين تشتمل نواة كل منهما على عدد من الصبغيات (الكروموزمات) يبلغ نصف عدد الصبغيات التي في الخلايا الجسدية للإنسان ، فإذا إتحدت نطفة الأب (الزوج) التي تسمى الحيوان المنوي بنطفة الأم (الزوجة) التي تسمى البييضة ، تحولتا معاً إلى نطفة أمشاج أو لقيحة ، تشتمل على حقيبة وراثية كاملة ، وتمتلك طاقة التكاثر. فإذا إنغرست في رحم الأم تنامت وتكاملت وولدت مخلوقاً مكتملاً بإذن الله ، وهي في مسيرتها تلك تتضاعف فتصير خليتين متماثلتين فأربعاً فثمانياً ، ثم تواصل تضاعفها حتى تبلغ مرحلة تبدأ عندها بالتمايز والتخصص.

فإذا إنشطرت أحدى اللقيحة في مرحلة ما قبل التمايز إلى شطرين متماثلين تولد منهما توأمان متماثلان. وقد أمكن في الحيوان إجراء فصل إصطناعي لأمثال هذه اللقائح ، فتولدت منه توائم متماثلة ، ولم يبلغ بعد عن مثل ذلك في الإنسان ، وقد عُد ذلك نوعاً من الإستنساخ أو التنسيل ، لأنه يولد نسخاً أو نسائل متماثلة ، وأطلق عليه أسم الإستنساخ بالتشطير.

وثمة طريقة أخرى لاستنساخ مخلوق كامل ، تقوم على أخذ الحقيبة الوراثية الكاملة على شكل نواة من خلية من الخلايا الجسدية ، وإيداعها في خلية بييضية منزوعة النواة ، فتتألف بذلك لقيحة تشتمل على حقيبة وراثية كاملة ، وهي في الوقت نفسه تمتلك طاقة التكاثر ، فإذا غرست في رحم الأم تنامت وتكاملت وولدت مخلوقاً مكتملاً بإذن الله. وهذا النمط من الإستنساخ الذي يعرف باسم (النقل النووي) أو ( الإحلال النووي للخلية البييضية) هو الذي يفهم من كلمة الإستنساخ إذا إطلقت ، وهو الذي حدث في النعجة (دولي).

على أن هذا المخلوق الجديد ليس نسخة طبق الأصل ، لأن بييضة الأم المنزوعة النواة تظل مشتملة على بقايا نووية في الجزء الذي يحيط النواة المنزوعة ، ولهذه البقايا أثر ملحوظ في تحوير الصفات التي ورثت من الخلية الجسدية ، ولم يُبلغ أيضاً عن حصول ذلك في الإنسان.

فالإستنساخ إذن هو : توليد كائن حي – أو أكثر – أما بنقل النواة من خلية جسدية إلى بييضة منزوعة النواة ، وإما بتشطير بييضة مخصبة في مرحلة تسبق تمايز الأنسجة والأعضاء.

ولا يخفى أن هذه العمليات وأمثالها لا تمثل خلقاً أو بعض خلق، قال الله عز وجل : ( أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار) (الرعد:16) وقال تعالى (أفرءيتم ما تمنون إنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون) [الواقعة 58-62].

وقال سبحانه : ( أولم ير الإنسان إنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشاها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون * أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم* إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)[يس :77-82].

وقال تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين* ثم جلعناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم إنشاناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين).

وبناء على ما سبق من البحوث والمناقشات والمبادئ الشرعية التي طرحت على مجلس المجمع :

قرر ما يلي :

أولاً : تحريم الإستنساخ البشري بطريقتيه المذكورتين أو بأي طريقة أخرى تؤدي إلى التكاثر البشري.

ثانياً : إذا حصل تجاوز للحكم الشرعي المبين في الفقرة (أولاً) ، فإن آثار تلك الحالات تعرض لبيان أحكامها الشرعية.

ثالثاً : تحريم كل الحالات التي يقحم فيها طرف ثالث على العلاقة الزوجية سواء أكان رحماً أم بييضة أو حيواناً منوياً أم خلية جسدية للإستنساخ.

رابعاً : يجوز شرعاً الأخذ بتقنيات الإستنساخ والهندسة الوراثية في مجالات الجراثيم وسائر الأحياء الدقيقة والنبات والحيوان في حدود الضوابط الشرعية بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد.

خامساً : مناشدة الدول الإسلامية إصدار القوانين والأنظمة اللازمة لغلق الأبواب المباشرة وغير المباشرة أمام الجهات المحلية أو الأجنبية والمؤسسات البحثية والخبراء الأجانب للحيلولة دون إتخاذ الدول الإسلامية ميداناً لتجارب الإستنساخ البشري والترويج لها.

سادساً : المتابعة المشتركة من قبل كل من مجمع الفقه الإسلامي والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لموضوع الإستنساخ ومستجداته العلمية ، وضبط مصطلحاته ، وعقد الندوات واللقاءات لبيان الأحكام الشرعية المتعلقة به.

سابعاً : الدعوة إلى تشكيل لجان متخصصة تضم الخبراء وعلماء الشريعة لوضع الضوابط الخلقية في مجال بحوث علوم الأحياء (البيولوجيا) لاعتمادها في الدول الإسلامية.

ثامناً : الدعوة إلى إنشاء ودعم المعاهد والمؤسسات العلمية التي تقوم بإجراء البحوث في مجال علوم الأحياء (البيولوجيا) والهندسة الوراثية في غير مجال الاستنساخ البشري ، وفق الضوابط الشرعية ، حتى لا يظل العالم الإسلامي عالة على غيره وتبعاً في هذا المجال.

تاسعاً : تأصيل التعامل مع المستجدات العلمية بنظرة إسلامية ، ودعوة أجهزة الإعلام لاعتماد النظرة الإيمانية في التعامل مع هذه القضايا ، وتجنب توظيفها بما يناقض الإسلام ، وتوعية الرأي العام للتثبت قبل اتخاذ أي موقف ، استجابة لقول الله تعالى : ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) [النساء :83].



والله أعلم

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:53 PM
البوضات الملقحة الزائدة عن الحاجة




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه



قرار رقم (57/6/6)



أما بعد :

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410هـ الموافق - 14-20 آزار (مارس) 1990م.

بعد إطلاعه على البحوث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من 23 إلى 26 ربيع الأول 1410هـ الموافق 23-26/10/1990م بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.

وبعد الإطلاع على التوصيتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة المتخذتين في الندوة الثالثة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت 20-23 شعبان 1407هـ الموافق 18-21/4/1987م بشأن مصير البييضات الملقحة والتوصية الخامسة للندوة الأولى للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية المنعقدة في الكويت 11-14 شعبان 1403هـ الموافق 24-27/5/1982م في الموضوع نفسه.

قرر :

1. في ضوء ما تحقق علمياً من إمكان حفظ البييضات غير ملقحة للسحب منها ، يجب عند تلقيح البييضات الإقتصار على العدد المطلوب للزرع في كل مرة ، تفادياً لوجود فائض من البييضات الملقحة.

2. إذا حصل فائض من البييضات الملقحة بأي وجه من الوجوه تترك دون عناية طبية إلى أن تنتهي حياة ذلك الفائض على الوجه الطبيعي.

3. يحرم إستخدام البييضة الملقحة في أمراة أخرى ، ويجب إتخاذ الإحتياطات الكفيلة بالحيلولة دون إستعمال البييضة الملقحة في حمل غير مشروع.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:53 PM
بشأن بنوك الحليب




الحمد لله رب العالمين والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه



قرار رقم 6



أما بعد :

فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة إنعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10- 16 ربيع الثاني 1406هـ - 22-28 ديسمبر 1985م.

بعد أن عرض على المجمع دراسة فقهية ، ودراسة طبية حول بنوك الحليب . وبعد التأمل فيما جاء في الدراستين ومناقشة كل منهما مناقشة مستفيضة شملت مختلف جوانب الموضوع تبين :

1. أن بنوك الحليب تجربة قامت بها الأمم الغربية. ثم ظهرت مع التجربة بعض السلبيات الفنية والعلمية فيها فإنكمشت وقل الإهتمام بها.

2. أن الإسلام يعتبر الرضاع لحمة كلحمة النسب يحرم به ما يحرم من النسب بإجماع المسلمين . ومن مقاصد الشريعة الكلية المحافظة على النسب ، وبنوك الحليب مؤدية إلى الإختلاط أو الريبة.

3. أن العلاقات الإجتماعية في العالم الإسلامي توفر للمولود الخداج أو ناقصي الوزن أو المحتاجين إلى اللبن البشري في الحالات الخاصة ما يحتاج إليه من الإسترضاع الطبيعي ، الأمر الذي يغني عن بنوك الحليب.

وبناء على ذلك قرر :

أولاً : منع إنشاء بنوك حليب الإمهات في العالم الإسلامي.

ثانياً : حرمة الرضاع منها.



والله أعلم،،،،

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:53 PM
بشأن تنظيم النسل




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه

قرار رقم (1)

أما بعد :

فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1- 6 جمادى الأولى 1409هـ - 10-15 كانون الاول (ديسمبر) 1988م.

بعد إطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (تنظيم النسل) وإستماعه للمناقشات التي دارت حوله.

وبناء على أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية الإنجاب والحفاظ على النوع الإنساني وأنه لا يجوز أهدار هذا المقصد ، لأن إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل والحفاظ عليه والعناية به بإعتبار حفظ النوع أحد الكليات الخمس التي جاءت الشريعة برعايتها.

قرر ما يلي :

أولاً : لا يجوز إصدار قانوني عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب.

ثانياً : يحرم إستئصال القدرة على الإنجاب في الرجل والمرأة ، وهو مايعرف ب(الإعقام) أو (التعقيم) ، ما لم تدع إلى ذلك ضرورة بمعاييرها الشرعية.

ثالثاً : يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل ، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان ، إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعاً ، بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض بشرط أن لا يترتب على ذلك ضرر ، وأن تكون الوسيلة مشروعة ، وأن لا يكون فيها عدوان على حمل قائم

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:53 PM
بشأن

مداوة الرجل للمرأة




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه



قرار رقم (85/12/د8)



أما بعد :

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان ، بروناي دار السلام من 1- 7 محرم 1414هـ الموافق 21-27 يونيو 1993م.

بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع (مداوة الرجل للمرأة).

وبعد إستماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،

قرر ما يلي :

1/ الأصل إنه إذا توافرت طبيبة متخصصة يجب أن تقوم بالكشف على المريضة وإذا لم يتوافر ذلك فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة ثقة ، فإن لم يتوافر ذلك يقوم به طبيب مسلم ، وأن لم يتوافر طبيب مسلم يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم. على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته وألا يزيد عن ذلك وأن يغض الطرف قدر إستطاعته ، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة خشية الخلوة.

2/ يوصي المجمع أن تولي السلطات الصحية جل جهدها لتشجيع النساء على الإنخراط في مجال العلوم الطبية والتخصص في كل فروعها ، وخاصة أمراض النساء والتوليد ، نظراً لندرة النساء في هذه التخصصات الطبية ، حتى لا نضطر إلى قاعدة الإستثناء.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:54 PM
بشأن

السر في المهن الطبية





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه



قرار رقم (83/10/د8)



أما بعد :

فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان ، بروناي دار السلام من 1- 7 محرم 1414هـ الموافق 21-27 يونيو 1993م.

بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع (السر في المهن الطبية ). وبعد إستماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،

قرر ما يلي :

1/ أ/ السر هو ما يفضي به الإنسان إلى أخر مستكتماً أياه من قبل أو من بعد ، ويشمل ما حفت به قرائن دالة على طلب الكتمان إذا كان العرف يقضي بكتمانه ، كما يشمل خصوصيات الإنسان وعيوبه التي يكره أن يطلع عليها الناس.

ب/ السر أمانة لدى من أستودع حفظه ، إلتزاماً بما جاءت به الشريعة الإسلامية وهو ما تقضي به المروءة وآداب التعامل.

ج/ الأصل حظر إفشاء السر وإفشاؤه بدون مقتض معتبر موجب للمواخذة شرعاً.

د/ يتأكد واجب حفظ السر على من يعمل في المهن التي يعود الإفشاء فيها على اصل المهنة بالخلل ، كالمهن الطبية ، إذ يركن إلى هؤلاء ذوو الحاجة إلى محض النصح وتقديم العون فيفضون إليهم بكل ما يساعد على حسن أداء هذه المهام الحيوية ، ومنها اسرار لا يكشفها المرء لغيرهم حتى الأقربين إليه.

2/ يستثنى من وجوب كتمان السر حالات يؤدي يها كتمانه إلى ضرر يفوق ضرر إفشائه بالنسبة لصاحبه ، أو يكون في إفشائه مصلحة ترجح على مضرة كتمانه ، وهذه الحالات على ضربين :-

أ/ حالات يجب فيها إفشاء السر بناء على قاعدة إرتكاب أهون الضررين لتفويت أشدهما ، وقاعدة تحقيق المصلحة العامة التي تقضي بتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام إذا تعين ذلك لدرئه.

وهذه الحالات نوعان

· ما فيه درء مفسدة عن المجتمع.

· وما فيه درء مفسدة عن الفرد.

ب/ حالات يجوز فيها إفشاء السر لما فيه :-

· جلب مصلحة للمجتمع.

· أو درء مفسدة عامة.

وهذه الحالات يجب الإلتزام فيها بمقاصد الشريعة وأولوياتها من حيث حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل.

ج/ الإستثناءات بشأن مواطن وجوب الإفشاء أو جوازه ينبغي أن ينص عليها في نظَام مزاولة المهن الطبية وغيره من الأنظمة ، موضحة ومنصوصاً عليها على سبيل الحصر ، مع تفصيل كيفية الإفشاء ، ولمن يكون ، وتقوم الجهات المسئولة بتوعية الكافة بهذه المواطن.

3/ يوصي المجمع نقابات المهن الطبية ووزارات الصحة وكليات العلوم الصحية بإدراج هذا الموضوع ضمن برامج الكليات والإهتمام به وتوعية العاملين في هذا المجال بهذا الموضوع. ووضع المقررات المتعلقة به، مع الإستفادة من الأبحاث المقدمة في هذا الموضوع.



والله أعلم.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:54 PM
مجمع الفقه الإسلامي‏

‏الدورة الرابعة قرار رقم ( 1 )‏

السؤال

‏هل يجوز بيع الأعضاء البشرية ‏ ‏؟


الجواب

‏سابعا ‏ ‏: ‏ ‏إن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي يجوز فيها ذلك مشروط بأن لا يتم بواسطة بيع العضو إذ ‏ ‏لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما أما بذل المال من المستفيد ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريما فمحل اجتهاد ونظر

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:54 PM
بشأن

زراعة عضو إستوصل في حد أو قصاص





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه

قرار رقم (60/9/6)



أما بعد :

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410هـ الموافق - 14-20 آزار (مارس) 1990م.

بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع ( زراعة عضو أستؤصل في حد أو قصاص).

وإستماعه للمناقشات التي دارت حوله

وبمراعاة مقاصد الشريعة من تطبيق الحد في الزجر والردع والنكال ، وإبقاء للمراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة والعظة وقطع دابر الجريمة ، ونظراً إلى أن إعادة العضو المقطوع تتطلب الفورية في عرف الطب الحديث ، فلا يكون ذلك إلا بتواطؤ وإعداد طبي خاص ينبئ عن التهاون في جدية إقامة الحد وفاعليته.

قرر :-

1. لا يجوز شرعاً إعادة العضو المقطوع تنفيذاً للحد لأن في بقاء أثر الحد تحقيقاً كاملاً للعقوبة المقررة شرعاً ، ومنعاً للتهاون في إستيفائها ، وتفادياً لمصادمة حكم الشرع في الظاهر.

2. بما أن القصاص قد شرع لإقامة العدل وإنصاف المجنى عليه ، وصون حق الحياة للمجتمع ، وتوفير الأمن والإستقرار ، فإنه لا يجوز إعادة عضو إستؤصل تنفيذاً للقصاص ، إلا في الحالات التالية :-

أ) أن يأذن المجنى عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع.

ب)أن يكون المجنى عليه قد تمكن من إعادة العضو المقطوع منه.

3. يجوز إعادة العضو الذي أستوصل في حد أو قصاص بسبب خطأ في الحكم أو في التنفيذ.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:55 PM
بشأن

زراعة خلايا المخ والجهاز العصبي





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه



قرار رقم (56/5/6)



أما بعد :

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410هـ الموافق - 14-20 آزار (مارس) 1990م.

بعد إطلاعه على البحوث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من 23 إلى 26 ربيع الأول 1410هـ الموافق 23-26/10/1990م بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.

وفي ضوء ما إنتهت إليه الندوة المشار إليها من أنه لا يقصد من ذلك نقل مخ إنسان إلى إنسان آخر ، وإنما الغرض من هذه الزراعة علاج قصور خلايا معينة في المخ عن إفراز مادتها الكيماوية أو الهرمونية بالقدر السوي فتودع في موطنها خلايا مثيلة من مصدر آخر ، أو علاج فجوة في الجهاز العصبي نتيجة بعض الإصابات.

قرر :

1. إذا كان المصدر للحصول على الإنسجة هو الغدة الكظرية للمريض نفسه وفيه ميزة القبول المناعي لأن الخلايا من الجسم نفسه ، فلا بأس من ذلك شرعاً.

2. إذا كان المصدر هو أخذها من جنين حيواني ، فلا مانع من هذه الطريقة إن أمكن نجاحها ولم يترتب على ذلك محاذير شرعية. وقد ذكر الأطباء أن هذه الطريقة نجحت بين فصائل مختلفة من الحيوان ومن المأمول نجاحها بإتخاذ الإحتياطات الطبية اللازمة لتفادي الرفض المناعي.

3. إذا كان المصدر للحصول على الأنسجة هو خلايا حية من مخ جنين باكر ( في الأسبوع العاشر أو الحادي عشر) فيختلف الحكم على النحو التالي :-

أ) الطريقة الأولى : أخذها مباشرة من الجنين الإنساني في بطن أمه ، بفتح الرحم جراحياً وتستتبع هذه الطريقة إماتة الجنين بمجرد أخذ الخلايا من مخه ، ويحرم ذلك شرعاً إلا إذا كان بعد إجهاض طبيعي غير متعمد أو إجهاض مشروع لإنقاذ حياة الأم وتحقق موت الجنين ، مع مراعاة الشروط التي سترد في موضوع الإستفادة من الأجنة في القرار رقم 59/8/6 لهذه الدورة.

ب) الطريقة الثانية : وهي طريقة قد يحملها المستقبل القريب في طياته بإستزراع خلايا المخ في مزارع للإفادة منها ولا بأس في ذلك شرعاً إذا كان المصدر للخلايا المستزرعة مشروعاً ، وتم الحصول عليها على الوجه المشروع.

4. المولود اللادماغي : طالما ولد حياً ، لا يجوز التعرض له بأخذ شئ من أعضائه إلى أن يتحقق موته بموت جذع دماعه ، ولا فرق بينه وبين غيره من الأسوياء في هذا الموضوع ، فإذا مات فإن الأخذ من أعضائه تراعي فيه الأحكام والشروط المعتبرة في نقل أعضاء الموتى من الإذن المعتبر ، وعدم وجود البديل وتحقق الضرورة وغيرها مما تضمنه القرار رقم (1) من قرارات الدورة الرابعة لهذا المجمع. ولا مانع شرعاً من إبقاء هذا المولود اللادماغي على أجهزة الإنعاش إلى ما بعد موت جذع المخ ( والذي يمكن تشخيصه) للمحافظة على حيوية الأعضاء الصالحة للنقل توطئة للإستفادة منها بنقلها إلى غيره بالشروط المشار إليها.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:55 PM
بشأن زراعة الأعضاء التناسلية




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه



قرار رقم (59/8/6)



أما بعد :

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410هـ الموافق - 14-20 آزار (مارس) 1990م.

بعد إطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من 23 إلى 26 ربيع الأول 1410هـ الموافق 23-26/10/1990م بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.

قرر :

1. زرع الغدد التناسلية : بما أن الخصية والمبيض يستمران في حمل وإفراز الصفات الوراثية ( الشفرة الوارثية) للمنقول منه حتى بعد زرعها في متلق جديد ، فإن زرعها محرم شرعاً.

2. زرع أعضاء الجهاز التناسلي : زرع بعض أعضاء الجهاز التناسلي التي لا تنقل الصفات الوراثية – ما عدا العورات المغلظة – جائز لضرورة مشروعة ووفق الضوابط والمعايير المبينة في القرار رقم (1) للدورة الرابعة لهذا المجمع.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:56 PM
بشأن

إنتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً





الحمد لله رب العالمين والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه



قرار رقم (3)د 3/08/88



أما بعد :

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18- 23 جمادى الآخرة 1408هـ - 16-11 فبراير 1988م.

بعد إطلاعه على الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع إنتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً.

وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أن هذا الموضوع أمر واقع فرضه التقدم العلمي والطبي ، وظهرت نتائجه الإيجابية المفيدة والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والإجتماعية الناجمة عن ممارسته بدون الضوابط والقيود الشرعية التي تصان بها كرامة الإنسان ، مع أعمال مقاصد الشريعة الإسلامية الكفيلة بتحقيق كل ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة ، والداعية إلى التعاون والتراحم والإيثار.

وبعد حصر هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث وتنضبط تقسيماته وصوره وحالاته التي يختلف الحكم تبعاً لها.

قرر ما يلي :-

من حيث التعريف والتقسيم :

أولاً : يقصد هنا بالعضو أي جزء من الإنسان ، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها ، كقرنية العين ، سواء أكان متصلاً به ، أم أنفصل عنه.

ثانياً : الإنتفاع الذي هو محل البحث ، هو إستفادة دعت إليها ضرورة المستفيد لإستبقاء أصل الحياة ، أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم كالبصر ونحوه. على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعاً.

ثالثاً : تنقسم صور الإنتفاع هذه إلى الأقسام التالية :-

1. نقل العضو من حي.

2. نقل العضو من ميت.

3. النقل من الأجنة.

الصورة الأولى : وهي نقل العضو من حي ، تشمل الحالات التالية :-

1. نقل العضو من مكان من الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه ، كنقل الجلد والغضاريف والعظام والأوردة والدم ونحوها.

2. نقل العضو من جسم إنسان حي إلى جسم أنسان آخر . وينقسم العضو في هذه الحالة إلى ما تتوقف عليه الحياة وما لا تتوقف عليه.

أما ما تتوقف عليه الحياة فقد يكون فردياً ، وقد يكون غير فردي ، فالأول كالقلب والكبد ، والثاني كالكلية والرئتين.

وأما ما لا تتوقف عليه الحياة ، فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم ومنه ما لا يقوم بها ، ومنه ما يتجدد تلقائياً كالدم ، وما ما لا يتجدد ، ومنه ما له تأثير على الأنساب والموروثات ، والشخصية العامة ، كالخصية والمبيض وخلايا الجهاز العصبي ، ومنه ما لا تأثير له على شئ من ذلك.

الصورة الثانية : وهي نقل العضو من ميت :

ويلاحظ أن الموت يشمل حالتين :

الحالة الأولى : موت الدماغ بتعطل جميع وظائفه تعطلاً نهائياً لا رجعة فيه طبياً.

الحالة الثانية : توقف القلب والتنفس توقفاً تاماً لا رجعة فيه طبياً.

فقد روعي في كلتا الحالتين قرار المجمع في دورته الثالثة.

الصورة الثالثة : وهي النقل من الأجنة ، وتتم الإستفادة منها في ثلاث حالات :

· حالة الأجنة التي تسقط تلقائياً.

· حالة الأجنة التي تسقط لعامل طبي أو جنائي.

· حالة (اللقائح المستنبتة خارج الرحم).

من حيث الأحكام الشرعية :

أولاً : يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه ، ومع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها ، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة له ، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب الشخص أذى نفسياً أو عضوياً.

ثانياً : يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر ، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائياً ، كالدم والجلد ، ويراعى في ذلك إشتراط كون الباذل كامل الأهلية ، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.

ثالثاً : تجوز الإستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر ، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند إستئصال العين لعلة مرضية.

رابعاً : يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.

خامساً : يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها كنقل قرنية العينين كلتيهما ، أما أن كان النقل يعطل جزءاً من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة.

سادساً : يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو ، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك ، بشرط أن يأذن الميت أو ورثته بعد موته ، أو بشرط موافقة ولي المسلمين إن كان المتوفي مجهول الهوية أو لا ورثة له.

سابعاً : وينبغي ملاحظة أن الإتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها ، مشروط بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو ، إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما.

أما بذل المال من المستفيد ، إبتغاء الحصول على العضو المطلوب عن الضرورة أو مكافأة وتكريماً، فمحل إجتهاد ونظر.

ثامناً : كل ما عدا الحالات والصور المذكورة ، مما يدخل في أصل الموضوع ، فهو محل بحث ونظر ، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة ، على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:56 PM
بشأن

إستخدام الأجنة مصدراً لزراعة الأعضاء





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه



قرار رقم (58/7/6)



أما بعد :

فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410هـ الموافق - 14-20 آزار (مارس) 1990م.

بعد إطلاعه على البحوث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من 23 إلى 26 ربيع الأول 1410هـ الموافق 23-26/10/1990م بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.

قرر :-

1. لا يجوز إستخدام الأجنة مصدراً للأعضاء المطلوب زرعها في إنسان آخر ألا في حالات بضوابط لا بد من توافرها :-

أ) لا يجوز إحداث إجهاض من أجل إستخدام الجنين لزرع أعضاء في إنسان آخر ، بل يقتصر الأجهاض على الإجهاض الطبيعي غير المتعمد والإجهاض للعذر الشرعي ولا يلجأ لإجراء العملية الجراحية لإستخراج الجنين إلا إذا تعينت لإنقاذ حياة الأم.

ب)إذا كان الجنين قابلاً لإستمرار الحياة فيجب أن يتجه العلاج الطبي إلى إستبقاء حياته والمحافظة عليها ، لا إلى إستثماره لزراعة الأعضاء ، وإذا كان غير قابل لإستمرار الحياة فلا يجوز الإستفادة منه إلا بعد موته بالشروط الواردة في القرار رقم (1) للدورة الرابعة لهذا المجمع.

2. لا يجوز أن تخضع عمليات زرع الأعضاء للأغراض التجارية على الإطلاق.

3. لا بد أن يسند الإشراف على عمليات زراعة الأعضاء إلى هيئة متخصصة موثوقة.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:57 PM
بشأن

أجهزة الإنعاش





الحمد لله رب العالمين والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه



قرار رقم (5)/د 3/7/86



أما بعد :

فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8- 13 صفر 1407هـ - 11-16 أكتوبر 1986م.

وبعد التداول في سائر النواحي التي أثيرت حول موضوع أجهزة الإنعاش واستماعه إلى شرح مستفيض من الأطباء المختصين .

قرر ما يلي :

يعتبر شرعاً أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعاً للوفاة عند ذلك إذا تبينت فيه أحد العلامتين التاليتين :-

1. إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.

2. إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً ، وحكم الأطباء الأختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل.

وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلاً لا يزال يعمل آلياً بفعل الأجهزة المركبة.



والله أعلم ،،،،،

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:57 PM
من فتاوى الأزهر

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:58 PM
الموضوع (62)
نقل الأعضاء .


المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997


سئل : هل يجوز نقل عضو من شخص إلى آخر ؟ .


أجاب : اختلفت آراء الفقهاء ورجال القانون فى هذا الموضوع ، وبعد استعراض أدلتهم وما جاء فى كتب الفقه نرى ما يأتى :
أولا : إذا كان المنقول منه ميتا ، فإن كان قد أوصى أو أذن قبل وفاته بهذا النقل فلا مانع من ذلك حيث لا يوجد دليل يعتمد عليه فى التحريم وكرامة أجزاء الميت لا تمنع من انتفاع الحى بها ، تقديما للأهم على المهم ، والضرورات تبيح المحظورات كما هو مقرر .
وإن لم يوص أو لم يأذن قبل موته ، فإن أذن أولياؤه جاز ، وإن لم يأذنوا : قيل بالمنع وقيل بالجواز ، ولا شك أن الضرورة فى إنقاذ الحى تبيح المحظور . وهذا النقل لا يصار إليه إلا للضرورة .
ثانيا : إذا كان المنقول منه حيا ، فإن كان الجزء المنقول يفضى إلى موته مثل القلب كان النقل حراما مطلقا ، أى سواء أذن فيه أم لم يأذن ، لأنه إن أذن كان انتحارا ، وإن لم يأذن كان قتلا لنفس بغير حق ، وكلاهما محرم كما هو معروف .
وإن لم يكن الجزء المنقول مفضيا إلى موته ، على معنى أنه يمكن أن يعيش بدونه فينظر : إن كان فيه تعطيل له عن واجب ، أو إعانة على محرَّم كان حراما ، وذلك كاليدين معا أو الرجلين معا ، بحيث يعجز عن كسب عيشه أو يسلك سبلا غير مشروعة وفى هذه الحالة يستوى فى الحرمة الإذن وعدم الإذن .
وإن لم يكن فيه ذلك كنقل إحدى الكليتين أو العينين أو الأسنان أو بعض الدم ، فإن كان النقل بغير إذنه حرم ، ووجب فيه العوض ، على ما هو مفصل فى كتب الفقه فى الجناية على النفس والأعضاء ، وإن كان بإذنه قال جماعة بالتحريم ، واحتج بعضهم عليه بكرامة الآدمى التى تتنافى مع انتفاع الغير بأجزائه ، وبأن ما يقطع منه يجب دفنه .
يقول النووى فى حرمة وصل الشعر بشعر الآدمى : لأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمى وسائر أجزائه لكرامته ، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه (المجموع ج 3 ص 149 ، شرح مسلم ج 14 ص 103) . ويمكن الرد على ذلك بأن وصل الشعر بالشعر مختلف فى حرمته إذا كان لغير الغش والتدليس أو الفتنة . وبأن وجوب دفنه ليس عليه دليل صحيح . قال ابن حجر : وفى حديث جواز إبقاء الشعر وعدم وجوب دفنه (فتح البارى ج 12 ص 497 ) ، وبأن الضرورات تبيح المحظورات .
واحتج بعض هؤلاء المحرمين أيضا بأن جسم الإنسان ليس ملكا له فلا يجوز التصرف فيه . وهذا كلام غير محرر ، وليس عليه دليل مسلم فإن الذى لا يملكه الإنسان هو حياته وروحه ، فلا يجوز الانتحار ولا إلقاء النفس فى التهلكة إلا للضرورة القصوى وهى الجهاد والدفاع عن النفس فقد أمر به الإسلام ، أما الإنسان من حيث أجزاؤه المادية فهو مالكها ، له أن يتصرف فيها بما لا يضره ضررا لا يحتمل ، فالإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار .
هذا هو ملخص الحكم فى الموضوع . على أن الحكم فى بقاء الجسم وعدمه بعد نقل العضو منه يرجع فيه إلى الثقات المختصين .
وعلى أن يكون هناك يقين أو ظن غالب بانتفاع المنقول إليه بهذه الأجزاء ، وإلا كان النقل عبثا وإيلاما لغير حاجة ، ونحن نعلم أن .
بعض الأجسام ترفض الأجزاء المنقولة إليها ، ويحاول العلم أن يتغلب على هذا الرفض ، بالمنع أو الحد منه .
وإذا كنا نختار جواز النقل للأعضاء فهل يجوز أن يؤخذ عوض للعضو المنقول ؟ يرى جماعة عدم جوازه ، محتجين بحرمة بيع الآدمى الحر ، كله أو بعضه ، لحديث " قال اللّه تعالى : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ، ومن كنت خصمه خصمته : رجل أعطى بى ثم غدر ، ورجل باع حرا وأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى ولم يوفه " (رواه البخارى وغيره) ويرى آخرون جواز أخذ العوض كثمن أو هبة ، قياسا على بيع المرضع لبنها ، ولعدم ورود دليل يحرمه ، والحديث المذكور هو للنهى عن ضرب الرق على غير الرقيق والاتجار فيه بالبيع كما كان يحصل فى الجاهلية من خطف الأحرار وبيعهم . وهل لو كان المنقول منه عبدا وباع عضوا منه لآخر هل يأخذ سيده ثمنه بناء على أنه يملك رقبته ؟ والحديث فى بيع الحر وليس فى بيع العبد ، كما أن الذى يأكَل ثمن الحر هو من اعتبده وباعه وليس هو الحر نفسه الذى يأكل ثمنه ، فالاستدلال بالحديث المذكور غير مسلم .
ومهما يكن من شىء فإن الأفضل عدم المساومة على العضو المنقول ، فإن إنقاذ حياة المحتاج إليه لا يعدله أى عوض ، لكن لا مانع من قبول الهدية التى تعطى بسخاء نفس دون شروط سابق (الإسلام ومشاكل الحياة ص 21 ) .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:58 PM
الموضوع (141)
نقل جزء من الخنزير إلى الإنسان .


المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997



سئل : يفكر بعض العلماء فى نقل بنكرياس من خنزير بدل بنكرياس إنسان من أجل علاج مرضى السكر فما رأى الدين فى ذلك ؟ .


أجاب : على الرغم من قول جمهور الفقهاء بنجاسة الخنزير، وقول بعضهم بطهارته إنهم متفقون على أن ميتة الحيوانات نجسة، وهى التى لم تذبح ذبحا شرعيا أو كان أكلها حراما حتى لو ذبحت كالحمار مثلا. والنجاسة تشمل كل جزء من أجزاء الميتة، غير أن جلد الميتة يطهر بالدباغ إلا جلد الكلب والخنزير عند الجمهور، ورأى داود الظاهرى وأبو يوسف من الحنفية تعميم الطهارة بالدبغ لكل الحيوانات ، لعموم الأحاديث الواردة فى ذلك .
أما غير الجلد من الميتة فلا يطهر بالدباغ ولا بأية مادة أخرى ويبقى على نجاسته ، كما اتفق الفقهاء على أن ما يؤخذ من الحيوان حال حياته له حكم ميتته ، مع استثناء شعر وصوف ووبر مأكول اللحم فهى طاهرة ، قال تعالى : {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين } النحل :85 ، وجاء فى الحديث الذى رواه الحاكم وصححه "ما قطع من حى فهو كميتته " .
ومن هنا نقول : إن الجزء الذى ينزع من الخنزير لوصله بجسم الإنسان نجس باتفاق الفقهاء، سواء نرغ منه وهو حى - لأن ما قطع من الحى فهو كميته وميتته نجسة باتفاق -أو نرغ منه بعد موته فهو نجس أيضا ، وإذا كان رأى داود وأبى يوسف أن جلده يطهر بالدباغ ، فأى جزء آخر غير الجلد لا يطهر بالدباغ .
وإذا كان الأمر كذلك وهو الاتفاق على نجاسة ما يؤخذ من الخنزير حيا أو ميتا فهل يجوز نقل جزء منه إلى جسم الإنسان للعلاج ؟ سبق القول فى جبر عظم الإنسان بعظم نجس وخلاصته : أن فقهاء المالكية والحنابلة والشافعية قد صرحوا بأن مداواة الإنسان بشىء نجس جائز عند الضرورة التى صوروها بعدم وجود شىء طاهر، ولو فرض أنه لا توجد ضرورة وحصلت المداواة بالنجس وكان قلعه فيه ضرر لا ينزع وتصح الصلاة به ، وهناك قول بأن الجزء النجس إذا اكتسى لحما لا ينزع وإن لم يخف الهلاك . كما أن الحنفية قالوا : إذا قضت الضرورة بوصل العظم المكسور بعظم نجس فلا حرج ولا إثم ، ما دام يتعذر نزعه إلا بضرر .
بعد عرض هذه الأقوال [الملخصة من بحث الشيخ جاد الحق على جاد الحق ] أقول : زرع بنكرياس خنزير مكان بنكرياس الإنسان لأنه علاج فعال لمرض منتشر لا يقوم غيره الآن مقامه ، لا بأس به. والرأى القائل بالجواز وعدم النزع إذا اكتسى العظم لحما يؤيد ما أقول ، وبخاصة أن البنكرياس سيزرع فى باطن الجسم لا فى ظاهره ، وباطن الجسم مملوء بما نحكم عليه بالنجاسة لو خرج إلى الظاهر كالبول والبراز والدم ، ونصلى ونحن حاملون لذلك لأننا لا نستغنى عنه بالطبيعة، فكيف لا يكون ما يزرع فى الداخل من الشىء النجس كهذه الأشياء؟ وإذا تحدث البعض عند الحكم وقال : تجوز الصلاة مع الوصل بالعظم النجس ، ورتب الحكم على النجاسة، فإن من ابتلع شيئا نجسا محتاجا إليه فى العلاج كانت صلاته صحيحة ولا حاجة إلى تطهير شىء ، اللهم إلا الفم الذى ابتلع منه الدواء وما وقع على ظاهر الجسم ، بصرف النظر عن كون الابتلاع حراما أو حلالا، حسب الحاجة والضرورة وعدمها ، لأن الابتلاع أكل أو شرب ينظر فيه إلى المادة إن كانت حراما أو حلالا . ولو دخلت المادة النجسة إلى الجسم بغير طريق الأكل والشرب – كالحقن فى الوريد أو العضل ، أو تحت الجلد – هل يقال : إن ذلك حرام ؟ ربما يقال ذلك لأن الحديث يقول "لم يجعل الله شفاء أمتى فيما حرم عليها"ولكن للضرورة أحكام ، إن الأمر ما دام فيه احتمال للجواز لا ينبغى أن نجزم بحرمته ، وبخاصة إذا ثبتت فائدة الدواء بصورة فعالة فى مرض يعانى منه الكثيرون . هذا هو رأيى فإن كان صوابا فمن الله ، وإن كان خطأ فمنى ، وأرجو العفو منه سبحانه ، والأعمال بالنيات .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:58 PM
الموضوع (150)
الأدوية المسكنة .


المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997


سئل : تضاف إلى بعض الأدوية المسكنة للصداع أو السعال بعض المواد المخدرة، فما رأى الدين فى ذلك ؟ .



أجاب : معلوم أن الله سبحانه لم يجعل شفاء أمة النبى صلى الله عليه وسلم فيما حرم عليها كما نص الحديث الشريف الذى رواه البخارى عن ابن مسعود ، والبيهقى وصححه ابن حبان عن أم سلمة وكما جاء فى حديث آخر "يا عباد الله تداووا ، فإن اللّه لم يجعل داء إلا جعل له دواء ، ولا تداووا بمحرم " رواه أبو داود والمواد المخدرة نفسها يحرم التداوى بها، سواء أكانت خمرا أم غير خمر، كما قاله ابن تيمية وذلك لورود النص بالحرمة ، وذهب الجمهور إلى أن التداوى بغير الخمر من المخدرات ليس حراما ، بل هو جائز للضرورة قياسا على تداوى العرنيين بأبوال الإبل ، حيث رخص لهم النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك كما رواه البخارى ومسلم لكنهم اشترطوا ثلاثة شروط .
أولها : ألا يكون هناك دواء حلال .
والثانى : أن يقول بذلك طبيب مسلم .
الثالث : أن يكون القدر المخدر قليلا لا يسكر، قال النووى فى "المجموع" : قال أصحابنا : يجوز شرب الدواء المزيل للعقل للحاجة ، وقال الرويانى : والنبات الذى يسكر وليس فيه شدة مطربة يجوز استعماله فى الدواء وإن أفضى إلى سكر ما لم يكن منه بد .
وقال ابن رجب فى كتابه "جامع العلوم والحكم " : المسكر الذى يزيل العقل ويسكره إن لم يكن فيه طرب ولا لذة كالبنج قال أصحابنا :
إن تناوله لحاجة التداوى به وكان الغالب منه السلامة جاز .
وجاء فى فقه المذاهب الأربعة للجزيرى : أن المائعات النجسة التى تضاف إلى الأدوية والروائح العطرية لإصلاحها يعفى عن القدر الذى به الإصلاح ، قياسا على الإنفحة المصلحة للجبن .
والقطرات القليلة غير الظاهرة والتى لا يكون من شأنها الإسكار إذا اختلطت بالدواء المركب لا تحرم ، مثل القليل من الحرير فى الثوب .
أفاده فى المنار .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:59 PM
الموضوع (152)
عيادة المريض غير المسلم .


المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997


سئل : مرض أحد جيراننا من غير المسلمين فأردت أن أزوره فمنعنى بعض الإخوان ، فما رأى الدين فى ذلك ؟ .


أجاب : بناء على مبدأ التعامل مع غير المسلمين المسالمين الذى سبق أن وضحناه بالأدلة من القرآن والسنة ، وما جرى من تعامل النبى صلى الله عليه وسلم مع اليهود - تحدث العلماء عن حكم عيادة المريض منهم ، ولخص النووى ذلك فى كتابه "الأذكار ص 254 " فقال : اعلم أن أصحابنا -الشافعية- اختلفوا فى عيادة الذمى ، فاستحبها جماعة ، ومنعها جماعة - وذكر الشاشى الاختلاف ثم قال : الصواب عندى أن يقال :
عيادة الكافر فى الجملة جائزة ، والقربة -أى الثواب- فيها موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة . قال النووى : قلت هذا الذى ذكره الشاشى حسن ، فقد روينا فى صحيح البخارى عن أنس رضى اللّه عنه قال : كان غلام يهودى يخدم النبى صلى الله عليه وسلم ، فمرض فأتاه النبى صلى الله عليه وسلم يعوده ، فقعد عند رأسه فقال له : "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال :
أطع أبا القاسم ، فأسلم فخرج النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقول : "الحمد للّه الذى أنقذه من النار " . وروينا فى صحيحى البخارى ومسلم عن المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب رضى الله عنه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا عم ، قل لا إله إلا الله . . . " وذكر الحديث بطوله .
يقول النووى : فينبغى لعائد الذمى أن يرغبه فى الإسلام ، ويبين له محاسنه ، ويحثه عليه ، ويحرضه على معالجته قبل أن يصير إلى حال لا ينفعه فيها توبته ، وإن دعا له دعا بالهداية ونحوها . انتهى ما قاله النووى .
وبناء عليه لا مانع من عيادة المريض غير المسلم ، فليست مكروهة ولا محرمة يعاقب عليها ، والأجر من الله يكون إذا جاء أمر بها، وعيادة الجار من ضمن حقوقه المأمور بها ، وكذلك الوالدان ، حيث الأمر موجود بمصاحبتهما بالمعروف ومنه عيادتهما ، قال تعالى {وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا } لقمان : 15

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:59 PM
الموضوع (166)
جبر عظم الإنسان بعظم نجس .


المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997


سئل : لو كسر عظم من الإنسان ولم نجد إلا عظم حيوان نجس فهل يصح جبره به ؟



أجاب : جاء فى مجموع النووى : إذا انكسر عظم الإنسان ينبغى أن يجبر بعظم طاهر ، قال أصحابنا : ولا يجوز أن يجبره بنجس مع قدرته على طاهر يقوم مقامه ، فإن جبره بنجس نظر، إن كان محتاجا إلى الجبر ولم يجد طاهرا يقوم مقامه فهو معذور، وإن لم يحتج إليه أو وجد طاهرا يقوم مقامه أثم ووجب نزعه إن لم يخف منه تلف نفسه ولا تلف عضو ولم يوجد أحد الأعذار المذكورة فى التيمم ، فإن لم يفعل أجبره السلطان ، ولا تصح صلاته معه ولا يعذر بالألم إذا لم يخف منه سوءا، وسواء اكتسى العظم لحما أم لا، هذا هو المذهب ، وهناك قول : أنه إذا اكتسى العظم لحما لا ينزع وإن لم يخف الهلاك ، حكاه الرافعى ومال إليه إمام الحرمين والغزالى ، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك . وإن خاف من النزع هلاك النفس أو عضو أو فوات عضو لم يجب النزع على الصحيح من الوجهين .
ثم قال : فى مداواة الجرحى بدواء نجس وخياطته بخيط نجس كالوصل بعظم نجس .
وقال ابن قدامة فى المغنى : وإن جبر عظمه بعظم فجبر ثم مات لم ينزع إن كان طاهرا ، وإن كان نجسا فأمكن إزالته من غير مُثلة أزيل ، لأنه نجاسة مقدور على إزالتها من غير مضرة"ج 1 ص 733" .
يؤخذ من هذا أن جبر العظم بعظم نجس لا يجوز إلا عند الضرورة، وإن لم توجد ضرورة وجب نزعه إلا إذا خاف من نزعه تلف نفس أو عضو أو فوات منفعة عضو ، فإنه لا ينزع "الفتاوى الإسلامية - المجلد العاشر ص 3710" .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:59 PM
الموضوع (175)
الدين والطب النفسى .


المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997


سئل : نريد توضيح قوله تعالى{وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين }؟



أجاب : إن غالب الأمراض النفسية يأتى من أفكار تتأثر بها أعصاب الإنسان وتتغير بها نظرته إلى الحياة ، ويضطرب سلوكه بالتالى بوجه عام ، وعلاج أى مرض يكون بعلاج أسبابه ، وذلك بتصحيح الأفكار والعقائد ، وقد صح فى الحديث المتفق عليه "ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهى القلب " .
فهو مستقر العقائد ومبعث الوجدان ، والدين بعقائده وعباداته وأخلاقه علاج لكل الأمراض العقلية والنفسية بل و الأمراض الجسدية ، فهو يزيل الشك ويثبت اليقين ، والتفقه فيه وممارسة مبادئه بصدق يمنع العقد النفسية ، ويشفيها ويعالجها كما قال تعالى {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } الإسراء : 82 ، وقال {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور } يونس : 57 .
والعبادات وقراءه القرآن وذكر الله والدعاء من أنفع أنواع العلاج للأمراض النفسية إن لم تكن أنفعها على الإطلاق ، فهى دواء اللّه العليم بأحوال النفوس ، والرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبة -أو حزنه -أمر فزع إلى الصلاة . رواه أحمد، وهو القائل "وجعلت قرة عينى فى الصلاة" رواه النسائى والطبرانى والحاكم وصححه وقال الحافظ : إسناده جيد .
وقد ورد فى السنة النبوية أدعية لتفريج الهم والكرب وإزالة الخوف والقلق وغيره من أمراض النفوس ، مذكور كثير منها فى كتاب "زاد المعاد" لابن القيم ، وكتاب "الأذكار للنووى" .
وكل ذلك مع الإيمان بأن الله حكيم فى قوله وفعله ، وان قضاءه نافذ لا راد له والواجب هو الرضا والصبر، وفى ذلك راحة نفسية وانتظار للفرج وتكفير للسيئات أو رفع للدرجات {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } البقرة : 153 ،{وبشر الصابرين . الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون . أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } البقرة :155 -157

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 05:59 PM
الموضوع (176)
الأصبع الزائدة .


المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997


سئل : ولد لى ولد له إصبع فى يده زائدة وتركته حتى بلغ خمس سنوات فرأيت الصبيان يهزءون به من أجلها، فهل لو قطعتها يكون ذلك حراما؟



أجاب : يقول الله تعالى عن إبليس {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } النساء : 119 تحدث علماء التفسير عن معنى هذه الآية وتطرقوا إلى الكلام عن الإصبع الزائدة وعن اللحية إذا نبتت للمرأة ، وقال جماعة من الفقهاء : لا يجوز تغيير ذلك مطلقا لنص الآية، وقال آخرون بالجواز مستندين إلى أمرين : الأمر الأول أن معنى تغيير خلق الله لم يتفق عليه ، فإن بعض المفسرين قالوا : المراد منه ما تدل عليه الآية {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } المائدة : 103 وعلى هذا فهى ليست نصا قاطعا فى الدلالة على التحريم ، والأمر الثانى أن إزالة الإصبع أو السن الزائدة ليس المراد به تغيير خلق الله ، بل المراد التحسين والتجميل لما خلق الله ، وذلك غير حرام .
وإذا كان الحديث الشريف لعن الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة ... وجاء فيه "المغيرات خلق الله " فإن اللعن يجوز أن يكون منصبا على التغرير والتدليس الذى يظهر به الشىء وقتا حسنا ثم يظهر قبيحا وقتا آخر، فيحصل به الغش ، أو يراد به السوء والفتنة . وإذا انتفى ذلك فلا مانع .
والإصبع الزائدة لا شك أنها تؤذى صاحبها بدنيا أو نفسيا ، وليس فى إزالتها تدليس ولا تغرير لأنها لا تنبت بعد ذلك ، وهى ظاهرة مكشوفة للناس .
ثم قالوا لو أن إنسانا خلق وقلبه خارج صدره فهل يحرم إجراء عملية تعيد القلب إلى وضعه الطبيعى؟ أو لو خلق توأمان متصلان وأمكن فصلهما بدون ضرر على أحدهما هل يحرم ذلك ؛ إنها حالات استثنائية ليس هناك ضرر من معالجتها، بل فى ذلك نفع وفائدة ومن هنا أختار الرأى القائل بإزالة الإصبع الزائدة ، وقد نص على ذلك ابن حجر فى فتح البارى "ج 12 ص 500" .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:00 PM
الموضوع (183)
مسئولية الطبيب .


المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997


سئل : ما حكم ما لو قام الطبيب بعلاج مريض أو بعملية جراحية توفى بسببها المريض أو ترتب عليها ضرر له هل يضمن أو لا؟



أجاب : روى أبو داود والنسائى وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن " يقول ابن القيم فى زاد المعاد "ج 3 ص 109 "إن الطبيب الجاهل إذا تعاطى علم الطب وعمله ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه فيكون قد غرر بالعليل فيلزمه الضمان لذلك وهذا إجماع من أهل العلم ، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود، لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض .
ثم يقول : الطبيب الحاذق الذى يعطى الصنعة حقها ولم تجن يده فتولد من فعله المأذون من جهة الشارع ومن جهة من يطبه -يعالجه - تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان عليه اتفاقا ، فإنها سراية مأذون فيه ، ووضع قاعدة تقول : سراية الجناية مضمونة بالاتفاق وسراية الواجب مهدرة بالاتفاق وما بينهما ففيه النزاع .
والمتطبب الجاهل إن علم المريض أنه جاهل لا علم له وأذن له فى طبه لم يضمن وإن ظن المريض أنه طبيب وأذن له فى علاجه لأجل معرفته ضمن الطبيب ما جنت يده .
والطبيب الحاذق الذى أذن له المريض فى علاجه وأعطى الصنعة حقها لكن أخطأت يده فهذا يضمن ، لأنها جناية خطأ .
والطبيب الحاذق الماهر بصناعته إذا اجتهد فوصف للمريض دواء فأخطأ فى اجتهاده فقتله ضمن الدية ، إما فى بيت المال وإما على عائلة الطبيب ، أى أسرته [أو النقابة أو الرابطة التى ينتسب إليها] .
والطبيب الحاذق الذى أعطى الصنعة حقها فقطع جزءا من جسم المريض بغير إذنه يضمن ، وإن كان بإذنه أو إذن وليه لا يضمن ، وقيل : لا يضمن مطلقا لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل .
ثم تحدث ابن القيم عما يجب أن يراعيه الطبيب الحاذق وهو عشرون أمرا ، نترك ذكرها ويمكن الرجوع إليها ، وهى تتصل بواجبات المهنة ، وهى قابلة للتغيير والتطور .
وجاء فى الفتاوى الإسلامية "ج 7 ص 2414" بعد عرض النصوص الفقهية فى كتب المذاهب المختلفة أن الفقهاء اتفقوا على أن الطبيب الذى يجرى جراحة لمريض ثم يترتب على إجرائها ضرر بالمريض لا يضمن إذا توفرت فيه الشروط الآتية :
1 -أن يكون ذا خبرة فى فنه وحذق فى صناعته ، أى اختصاصيا ، فإن لم يكن خبيرا ضمن بمجرد الفعل ، بل ويعاقب على فعله ، لأنه متعد، ومرتكب لمحرم شرعا ولو لم يقع منه خطأ فنى فى العمل .
2 -أن يكون مأذونا من المريض أو ممن له ولاية عليه ، ويقول ابن قدامة الحنبلى فى كتابه "المغنى" إذا كان الإذن عامًّا كإذن الإمام فى قطع يد السارق يعتبر فعله حلالا لا يضمن ما يترتب عليه من السراية .
3- ألا يقع منه خطأ فنى فى العمل ولا إهمال فى الاحتياط لنجاح العملية وتلافى المضاعفات التى يحتمل حدوثها .
4 -ألا يجاوز الطبيب الموضع المعتاد للجراحة إلى غيره ولا القدر المحدد لها إلى أكثر منه .
فإن تخلف شرط من هذه الشروط كان ضامنا "الشيخ أحمد هريدى 22/ 4/ 1962 م " وجاء فى كتاب "التشريع الجنائى الإسلامى لعبد القادر عودة" ج 2 ص 522 خلاف العلماء فى سبب عدم المسئولية بين عدم قصد السوء ، وإذن المريض وإذن الحاكم ، وشروط عدم المسئولية كالتى ذكرها ابن القيم وقارن بين نظرة القوانين الوضعية فى ذلك وبين قواعد الشريعة، بما لا يخرج عما سبق ذكره

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:00 PM
الموضوع (228)
الطب واختلاف الأديان .



المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997



سئل : هل صحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم أجاز للمريض أن يعالجه طبيب غير مسلم ؟ وهل كان هناك أطباء فى زمانه ؟



أجاب : الأطباء والعلماء المتخصصون فى فنون المعرفة موجودون فى كل عصور التاريخ ، والدين الإِسلامى لا يعارض العلاج من الأمراض ، بل يأمر به ، كما ذكر فى الإجابة على بعض الأسئلة ، والطب كغيره لابد أن يكون عند ذوى الاختصاص ، وأول من درس الطب واشتغل به من العرب هو الحارث بن كَلَدَة الثقفى، عاش فى الجاهلية وأدرك الإسلام ، تعلم الطب فى مدرسة جنديسابور التى أسسها كسرى الأول ملك فارس بإقليم خوزستان سنة 555 ميلادية ، " دائرة معارف الشعب . المجلد الخامس ص 325" .
روى أبو داود عن سعيد أنه قال : مرضت فأتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده على صدرى حتى وجدت بردها على فؤادى وقال " إنك مفئود" أى مريض بالقلب ، إيت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه يتطبب .
جاء فى كتاب " الآداب الشرعية" لابن مفلح : أن اليهودى أو النصرانى إذا كان خبيرا بالطب ثقة عند الإِنسان جاز أن يُستطب ، كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله .
وفى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم لما هاجر استأجر رجلا هاديا خِرِّيتًا - ماهرا - واستأمنه على نفسه وماله . وذكر حديث الحارث بن كلدة ، ثم قال : وإذا أمكنه أن يستطب مسلما فهو كما لو أمكنه أن يودعه ويعامله ، فلا ينبغى أن يعدل عنه . وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابى أو استطبابه فله ذلك ، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهى عنها .
وفى صلح الحديبية بعث الرسول صلى الله عليه وسلم عينًا له من خزاعة وقبل خبره ، وفى هذا دليل على جواز التداوى عند الكافر وقبول خبره فى وصف المرض ووصف دوائه إذا كان غير متهم فيما يصفه وغير مشكوك فى أمانته .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:00 PM
الموضوع (231)
التداوى والتوكل .


المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997


سئل : سمعنا أن مريضا وصف له نقل كلية من صحيح ، فقال له بعض الناس : لا داعى للعلاج ، فأجله محدود، وليسلِّم أمره إلى الله فان أبا بكر رضى الله عنه عندما مرض قيل له : لو دعونا لك طبيبا، فقال :
الطبيب قد نظر إلىَّ وقال : إنى فعال لما أريد. فهل التداوى من الأمراض ينافى الرضا بقضاء الله ؟


أجاب : قرأت العبارة المأثورة عن أبى بكر رضى الله عنه فى إحياء علوم الدين "ج 4 ص 346" عندما تحدث الإِمام الغزالى عن العلاقة بين التداوى والتوكل على الله ، وذلك بعد كلامه عن السعى فى إزالة الضرر " ص 343" وقال : إن السبب الذى يقطع بأنه يزيل الضرر كالماء المزيل للعطش ، والخبز المزيل لضرر الجوع - ليس من التوكل تركه ، بل تركه حرام عند خوف الموت ، أما السبب الذى يظن بأنه يزيل الضرر كالذى عند الأطباء ففعله ليس مناقضا للتوكل ، ودلل على أن التداوى مشروع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله ، بل أمر به ، وساق من قوله حديث "ما من داء إلا له دواء ، عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السام " رواه أحمد ، وزاد عليه العراقى حديث البخارى " ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" وحديث مسلم " لكل داء دواء" وساق الغزالى من فعل النبى صلى الله عليه وسلم أنه تداوى غير مرة من العقرب وغيرها ، وذكر العراقى أن الطبرانى رواه بإسناد حسن ، وكان إذا نزل عليه الوحى صدع رأسه فيغلفه بالحناء ، كما رواه البزار وابن عدى فى الكامل ، وكان إذا خرجت به قرحة جعل عليها الحناء كما رواه الترمذى وابن ماجه ، وفى رواية البخارى جعل عليها التراب ، وفصد عرقا لسعد بن معاذ كما رواه مسلم ، وساق من الأمر به حديث " تداووا عباد اللّه فإن الله خلق الداء والدواء" رواه الترمذى وصححه وابن ماجه ، وأمر غير واحد من الصحابة بالتداوى وبالحمية .
ثم ذكر الغزالى أن هذه الأدوية أسباب مسخَّرة بحكم الله فلا يضر استعمالها مع النظر إلى مسبب الأسباب وهو الله ، دون الطبيب والدواء . وقال فى " ص 246" إن الذين تداووا من السلف لا ينحصرون ، ولكن جماعة من الأكابر تركوه كأبى بكر وأبى الدرداء وأبى ذر وقال : ليس فى تركهم الدواء مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد يكون لبعضهم انكشاف بأن الدواء لا يمنع أجله ، إما برؤية صادقة أو بحدس وظن أو بكشف محقق قد يكون منه ما حدث لأبى بكر حيث قال لعائشة فى أمر الميراث : إنما هن أختاك ، وكانت لها أخت واحدة ولكن كانت امرأته حاملا فولدت أنثى ، فلا يبعد مع هذا الكشف أن يكون قد كشف له أجله ولا حاجة إلى التداوى الذى شوهد الرسول يتداوى ويأمر به .
وقد يكون ببعض من لم يتداووا علة مزمنة لا يقطع بفائدة التداوى منها، وقد يكون لبعضهم أسباب أخرى يمكن الرجوع إلى معرفتها فى المرجع المذكور " ص 47 ، 48 ، 49 " ورد الغزالى على من يقولون : إن ترك التداوى أفضل فى كل الأحوال ، بأن الرسول فعله وأمر به ، وبأنه حذر من دخول بلد فيه الطاعون ، ومن الخروج منه إذا وقع به ، ونفذه عمر فى طاعون وقع بالشام ، ولما قيل له :
أفرارا من قدر الله ؟ قال : أفر من قدر الله إلى قدر الله ؟ رواه البخارى مع مراعاة أن قوة الإِيمان لها دخل فى هذا الموضوع ، وليس كل الناس سواء فى ذلك ، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قال " فر من المجذوم فرارك من الأسد " رواه البخارى ، فذلك تشريع لعامة الناس وهو الذى أكل مع المجذوم وقال " كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا على الله " رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه وغيرهم " جمع الجوامع ص 628" .
من هنا نعرف أن التداوى مأمور به ، كسبب من أسباب الشفاء الذى هو من الله سبحانه ، ومن كانت عندهم قدرة على التداوى وقصَّروا فقد خالفوا هدى النبى صلى الله عليه وسلم ، وأن من أثر عنهم ترك التداوى وكان الأخذ عنهم تشريعا قد تكون لهم أسباب مقبولة، فلا يتخذ ما أثر عنهم حجة فى كل الأحوال ، والحديث العام معروف " قيدها وتوكل " رواه ابن خزيمة والطبرانى بإسناد جيد .
ومن أراد التوسعة فى معرفة موقف الإِسلام من الصحة عامة فعليه بكتاب الطب النبوى لابن القيم وفى كتابنا "توجيهات دينية واجتماعية" لمحة عنه .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:01 PM
الموضوع (274)
الضمير .


المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997


سئل : شاع بين الناس استعمال كلمة الضمير كأنها ترادف الدين الإله ، فهل من سبب لذلك ، وما موقف الدين منه ؟



أجاب : كثر استعمال كلمة الضمير أخيرا، وشاعت أكثر ما شاعت فى الأوساط الغربية . كمظهر من مظاهر الروح العامة للنهضة الأوروبية التى اتجهت بفكرها وسلوكها بعيدا عن الدين ، حيث جعلوا الإحساس الداخلى بديلا عنه ، فهو يتولى التمييز بين الخير والشر، ويدعو إلى الأول وينهى عن الثانى ، وشاع استعمال هذا اللفظ أيضا فى الشرق تقليدا للغرب .
وهو وإن لم يرد كثيرا فى الاستعمال القديم بهذا المعنى فقد تحدث علماء الأخلاق كالغزالى وابن مسكويه عن مهمته بعنوان آخر، ففى إحياء علوم الدين عند شرح الغزالى عجائب القلب قال : إنها نفس الإنسان التى توصف بالمطمئنة إذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات ، والتى توصف باللوامة إذا لم يتم سكونها واعترضت على النفس الشهوانية، كما توصف بالأمارة بالسوء إن تركت الاعتراض وأطاعت الشهوات ، كما تحدث عنها فى كتاب المراقبة والمحاسبة ضمن كتاب " الإحياء " وعبر عنها مرة بالنور الإلهى وأخرى بالمعرفة والهادية للمرء فى أعماله .
إن هناك حديثا يدل على وجود هذه القوة الباطنة وهو حديث وابصة ابن معبد الذى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال له " يا وابصة، استفت قلبك ، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك فى القلب وتردد فى الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك " رواه أحمد، وروى مسلم قوله صلى الله عليه وسلم " البر حُسن الخلق ، والإثم ما حاك فى صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس " وروى البغوى فى مصابيح السنة "من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن " .
والغزالى يرى أن نشاط الضمير يظهر فى ثلاثة مواطن ، الأول قبل الشروع فى العمل ، بالنظر إلى الباعث عليه ، فإن كان لله أمضاه ، وإن كان لغيره انكف عنه والثانى عند الشروع فى العمل ، بقضاء حق الله فيه وإنجازه على أكمل ما يمكن ، والثالث بعد العمل ، وذلك بمحاسبة النفس على ما وقع منها .
ومهما يكن من شىء فإن الضمير بالمعنى الذى يريده فلاسفة الغرب تحدث عنه علماء الإسلام ، لكنهم تناولوا بالحديث آثاره وخواصه ، أما ماهيته فقد أحجم الغزالى عن تحديدها ، لأنه ليست هناك فائدة عملية من معرفة كنهها ، وذلك من اختصاص الله سبحانه .
وحديث الغرب عنها كان لمعرفة هل هى قوة فطرية أو كسبية، ولهم فى الإجابة ثلاثة مذاهب يمكن الرجوع إلى معرفتها فى كتابنا " دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة" .
وليكن معلوما أن الضمير إذا كان قوة فطرية فللتربية دخل كبير فى نموها وكمالها وأعظم ما يربيها هو الدين ، قال تعالى : { ونفس وما سوَّاها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها} الشمس : 7 - 10 فالتعبير بالتسوية وإلهام الفجور والتقوى إشارة إلى عمل الله فيها ، والتعبير بالتزكية والتدسية إشارة إلى عمل الإنسان .
إن التربية البشرية البعيدة عن هدى الدين لا تضمن للضمير استقامته فى أداء مهمته ، فالبشر يخطئون ويصيبون .
ففى القديم رضى قوم لوط عن فعلتهم ، وفى الحديث رأت بعض الحكومات عدم اعتبار هذه الرذيلة شذوذا ، وأجمعت الأديان على بشاعة الظلم والقتل والاغتيال ، فبررته الصهيونية والاستعمار .
أما التربية الدينية فتقوم على مراقبة الله قبل العمل وفى أثنائه وبعده ، وأثرها هو تقوى الله ، وبتقوى اللّه تكون السعادة الشاملة فى الدنيا والآخرة مع مراعاة أن التربية على هدى الدين لا تضمن العصمة من الخطأ ،ولكن ترشد المخطئ إلى التوبة والرجوع إلى الاستقامة ، "انظر كتابنا المذكور"

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:01 PM
الموضوع (311)
جوزة الطيب .


المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997



سئل : يقول بعض الناس : إن جوزة الطيب ليست حراما لأن الحكومة لا تمنع بيعها وتداولها. كما تمنع بيع الحشيش والمخدرات الأخرى، فهل هذا صحيح ؟



أجاب : مبدئيا نقول : إن عمل أى إنسان بعد عصر التشريع لا يعتبر دليلا على الحكم الشرعى . وعصر التشريع هو المشار إليه بالحديث " عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين " رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان والترمذى وقال : حسن صحيح . وكثير من الحكومات فى البلاد الإسلامية تبيح إنتاج الخمر وبيعها وتعاطيها فى الوقت الذى تحرم فيه الحشيش والمخدرات الأخرى ، وذلك لاعتبارات لا مجال لذكرها الآن .
وقد مر فى ص 305 - 309 من المجلد الثانى من هذه الفتاوى بيان حكم المخدرات ، وابن حجر الهيتمى المتوفى سنة 974 هجرية تحدث فى كتابه " الزواجر عن اقتراف الكبائر " فى الجزء الأول منه "ص 212 " عات الحشيش والأفيون والبنج وجوزة الطيب وأشار إلى أن القات الذى يزرع باليمن ألَّف فيه كتابا عندما أرسل أهل اليمن إليه ثلاثة كتب ، منها اثنان فى تحريمه وواحد فى حله ، وحذَّر منه ولم يجزم وقال عن جوزة الطيب :
عندما حدث نزاع فيها بين أهل الحرمين ومصر واختلفتما الآراء فى حلها وحرمتها طرح هذا السؤال : هل قال أحد من الأئمة أو مقلِّديهم بتحريم أكل جوزة الطيب ؟ ومحصل الجواب ، كما صرح به شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، أنها مسكرة، وبالغ ابن العماد فجعل الحشيشة مقيسة عليها ، وقد وافق المالكية والشافعية والحنابلة على أنها مسكرة فتدخل تحت النص العام "كل مسكر خمر وكل خمر حرام " والحنفية على أنها إما مسكرة وإما مخدرة .
وكل ذلك إفساد للعقل ، فهى حرام على كل حال انظر كتيب "المخدرات " لمحمد عبد المقصود ص 90 .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:01 PM
الموضوع (322)
حكمة تحريم لحم الخنزير .


المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997


سئل : ما هى الحكمة فى تحريم لحم الخنزير؟ ويقول البعض : إنه إذا تغذى غذاء نظيفا فإن لحمه يكون صحيًّا أو خاليا من الأمراض ، فهل هذا صحيح ؟



أجاب : جاء فى التعليق على " المنتخب فى تفسير القراَن الكريم " الذى نشره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية"ص 145 "عند تفسير قوله تعالى{حرِّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} المائدة : 3 ، فى بيان الحكمة فى تحريم أكل لحم الخنزير أنه معرض للإصابة بعدد كبير من الطفيليات التى تصيب الإنسان ، وأهمها :
1 - الحيوان الأولى الهَدبى المسمى"الأنتديوم كولاى " المسبب للزحار ومصدره الوحيد للإنسان هو الخنزير، ويكاد يكون مرضا مهنيا لا يصيب سوى المشتغلين بتربية الخنزير وذبحه وبيع لحمه .
2 - الوشائع الكبدية والمعوية فى الشرق الأقصى ، وخاصة وشيعة الأمعاء الكبيرة "فاسيلوبس بوسكاى" الواسعة الانتشار فى الصين ، ووشائع الأمعاء الصغيرة التى تصيب الإنسان فى البنغال وبورما وآسام ، ووشيعة الكبد الصينية "كاورنوكس سينتسز" المنشرة فى الصين واليابان وكوريا على الخصوص ، ويعتبر الخنزير العائل الخازن الرئيسى لهذه الطفيليات ، وخاصة الديدان الأولى التى تنطلق فيه لتقضى دوره حياتها فى عوائلها الأخرى حتى تصيب الإنسان ، ومن ثم فمقاومتها فى الإنسان وحده لا تكفى .
3 - دودة لحم الخنزير الشريطية "تيناسوليوم " والدورة الطبيعية لها أن تنتقل بويضاتها من الإنسان إلى الخنزير، حيث تكون أجنتها ديدانا مثانية فى لحمه ، ثم تنتقل إلى آكل هذا اللحم فتنمو الدودة الشريطية البالغة فى أمعائه وهكذا ، وهذه إصابة غير خطيرة فى المعتاد وتشبه فى ذلك دودة لحم البقر الشريطية "تنياسا جيناتا" ولكن دودة لحم الخنزير تنفرد دون دودة لحم البقر بخصائص تؤهلها لانعكاس هذه الدودة انعكاسا جزئيا .
أما ابتلاع الإنسان للبويضات بيده الملوثة ، أو مع طعامه الملوث أو بارتداد قطع الدودة المثقلة بالبيض أو البيض نفسه من الأمعاء إلى المعدة، حيث يفقس البيض وتنتشر اليرقات فى عضلات المصاب ، مسببة أعراضا شديدة ، كثيرا ما تكون قاتلة إذا ما أصابت المخ أو النخاع الشوكى أو القلب أو غيرها من الأعضاء الرئيسية ، والإصابة بهذه الدودة ومضاعفاتها الخطيرة لا تكاد تعرف فى البلاد الإسلامية ، حيث يحرم أكل لحم الخنزير .
4 - الدودة الشعرية الحلزونية "تريكتيلا سبيرالس " وأعراضها الخطيرة مترتبة على انتشار يرقاتها فى عضلات الجسم ، وأعراض الإصابة بها شديدة متنوعة ، منها اضطرابات معوية وآلام روماتيزمية وصعوبة التنفس والتهاب المخ والنخاع الشوكى والأمراض العصبية والعقلية المترتبة على ذلك التسمم ، وفى الإصابات القاتلة تحدث الوفاة بين الأسبوعين الرابع والسادس فى معظم الأحوال .
والخنزير هو المصدر الوحيد لإصابة الإنسان بهذا المرض الوبيل إلا فى المناطق القطبية الشمالية ، ومواطن المرض هى أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية والمحاولات المضنية لتجنب هذا البلاء بتربية الخنازير بطريقة صحية وفحص ذبائحها ومعالجة لحومها بوسائل باهظة التكاليف غير مجدية من الناحية العملية ، ويكفى فى الدلالة على ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية بها ثلاثة أمثال عدد الإصابات فى العالم أجمع ، وأن متوسط نسبة الإصابة فى ولاياتها المتخلفة هو 16 % مع الوثوق بأن هذا الرقم أقل من الحقيقة كثيرا ، وأن نسبة إصابة الخنزير به بين 5% ، و27 % .
ويزاد على هذا كله أن دهن الخنزير مختلف تماما فى درجة تشبعه عن الزيوت والدهون الحيوانية الأخرى فصلاحيته للغذاء موضع شك كبير، وينصح الأستاذ "رام " عالم الكيمياء الحيوية الدانمركى الحاصل على جائزة نوبل ، بعدم المداومة على تناوله ، حيث ثبت بالتجربة أنه من أهم ما يسبب حصى المرارة وتصلب الشرايين وبعض أمراض القلب الأخرى .
هذا ما قاله أهل الذكر فى ضرر الأكل من لحم الخنزير، ومن هنا نطمئن كل الاطمئان إلى حكمة الله سبحانه فى تحريم أكله ، وهكذا تكشف العلوم عن أسرار التشريع .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:03 PM
المبادئ الشرعية للتطبيب والعلاج

دكتور. عبد الستار أبو غدة
الكويت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:03 PM
تمهيد:
أغراض الطب ووسائله

إن الغرض من الطب. كما دلى عليه الاستقراء، إحدى أمرين هما: حفظ الصحة، وإزالة المرض.. (1) والعلاج الناجع في الحالين بسلوك الوسيلة المناسبة، وقديماً قالوا: حفظ الصحة يكون بمثلها، وإزالة المرض يكودن بعكسه. ومفاد هذه المقولة أن الصحة لا تدوم إلا بالاستمرار في سلوك. المناهج القويمة الملائمة للطبيعة غير المنافرة للفطرة، والمرض لا يزول إلا بما قاومته بالأسباب المضادة له لأنها يغلب فيها مخالفة ما يعتاده الإنسان حالة الصحة والسلامة..

والمراد مما تقدم أن هذين الأمرين (حفظ الصحة وإزالة المرض) يتطلبان الأخذ بكثير من الوسائل الطارئة على مألوف الانسان، وتطبيق جملة من المبادئ التي يتحقق برعاتها استدامة الصحة واتقاء المرض أو درؤه بعد الوقوع.

على أن الصحة والمرض ليسا من خصائص الأجسام العضوية وحدها ، بل هما مما يطرأ على النفوس والأرواح أيضاً ، (2) انطلاقاً من أن الإنسان ليس جثة ناطقة فحسب ، بل هو نفس عاقلة. والتشريع الإلهي يربأ بالإنسان أن تنحصر همته في استدامة الحياة للحواس والأعضاء ولو كان صاحبها (ميت الأحياء) ذلك أن من وراء الفور المادي : أضرار تلحق بالدين باعتباره وضعاً إلهياً ينظم الحياة ويملأ محتواها بالغايات الرفيعة، أو تعتري النفس العاقلة السوية التي يفلح من زكاها ويخيب من دساها، أو تخل بالتعايش الاجتماعي بين الإنسان وأخيه من بني آدم الذين كرمهم الله وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً .


الضوابط الشرعية للمقاصد والوسائل:

ورعاية هذه الأسس استوجبت إرساء الشريعة العديد من المبادئ التي تتناول، بالإضافة إلى مشروعية التطبيب والعلاج، تنظيم إجراءاته وملابساته ورسم السبل المثلى لتصرفات الطبيب المداوى، والمريض الشاكي، لتحقيق الهدف من خلال الوسائل السليمة ضمن إطار التعاليم الاسلامية، وهذه أبرز معالم الطب الإسلامي، كيلا يكون دفع الضرر عشوائيآ، على نمط الاستجارة من الرمضاء اللافحة بالنار الحارقة.. ولا يخفى أن إضفاء المشروعية على أصل فكرة التطبيب والعلاج، لا يستلزم إطلاق العنان لمتطلبات ذلك، لأن الشريعة الإسلامية كما اهتمت بتجديد المقاصد والأهداف جاءت بتنظيم الوسائل والأسباب، (3) فإن اختيار الوسيلة السليمة من شأنه تمام الغرض وإكمال الثمرة. وذلك للوصول إلى ما تتراجح فيه المصالح على المضار، فإن المصالح المحضة نادرة جداً كما قرر المعنيون بالاستنباط من علماء الشريعة، ولذا اكتفى برجحان المصالح في أمر على ما يكتنفه من مضار، (4) كما روعي أثر الوسائل في زوال المصلحة، أو أن يؤ ول الحال إلى أن ما يستهدف بها من منافع يصير كالمضار الخالصة أو أشد.


نشأة " المبادئ " و أهميتها

لا يختلف المراد بكلمة " مبادئ " هنا عن مقتضى الاستعمال في مختلف العلوم ولاسيما الاستعمال الحقيقي الأقرب في الطبيعة إلى الفقه واستعمالاته.. إلا أن كلمة " مبدأ " Principal" يؤثر عليها علماء الشريعة كلمة " قاعدة " فهي المتداولة للدلالة على المعنى نفسه فيما يشمل معظم القضايا الجزئية في موضوع ما، ويحمل الطابع الكلي في الصياغة، وهي ثمرة صياغة جماعية تعاقب عليها التطوير والصقل واكتسبت مزايا التقعيد والدقة والإحكام. وهي- لما تتسم به من الإيجاز والسعة تشبه جوامع الكلم، بالرغم من أسلوبها العلمي المفتقر إلى المقومات الأدبية..

على أن هذه المبادئ أو القواعد ليست دائماً مطردة، بل هي في بعض الأحيان أغلبية، لا تنفك عن استثناء محدد من شأنه عصمة القاعدة من الاضطراب والتردد..

وينبى عن أهمية هذه القواعد اعتبار العلامة القرافي إياها من زمرة أصول الشريعة حيث قسم تلك الأصول إلى (اصول الفقه) أي العلم المعروف وإلى (القواعد الكلية الفقهية) وبين أن الاحاطة بهذه القواعد توضح مناهج التعرف إلى الأحكام وتغني عن حفظ جزئيات لا حصولها.. (6)


الحاجة للمبادئ بوجه عام:

وإذا كانت للمباديء أو القواعد هذه الفائدة الفنية للمختصين في الفقه، فإن من فوائدها لغيرهم، كالطبيب وأمثاله، تكوين الإلمام السريع بجوانب الموضوعات التي تنظمها تلك القواعد- أو المبادئ- وتيسير التعرف إلى الأحكام الشرعية التي يحتاجون إليها في مجال الممارسة من خلال منهج وسط لا هو مسلك الاستنباط المستوعر على غير من له ملكة فقهية وأهلية اختصاصية تتيح له الاستقلال في النظر وبذل الجهد الفكري، ولا هو المنهج البدائي لتلقي الأحكام المنشورة من غير أن ينظمها أصل تنضوي تحته وهو منهج لا يغني سالكه عن دوام التلقي الحرفي واستمرار الحاجة للتلقين..

إن هذه المباديء وإن كانت لها تطبيقاتها العامة في شتى المجالات، يعتبر التطبيق الدقيق والاستثمار الخطير لها متمثلاً في مجال التطبيب والعلاج، لخطورة آثار التسويغ أو المنع من حيث صلتها بمقصد من مقاصد التشريع هو (حفظ النفس البشرية وسلامتها) وهو على رأس (الضروريات) المعتبرة من أهم مقاصد التشريع الإسلامية. (7)

ولما كانت حدود سلامة التطبيق شرعا لا يتاح وضعها في الميدان النظري بل تفتقر إلى من يملأ ثغرات التوصيف الصحيح، ويرجح أقوى الاحتمالات الدائرة في كل أمر من الأمور قبل اللجوء إلى عنصر التجربة أو مقتضى المقولات المحتكم إليها في كل اختصاص.

فإن من أهداف هذا البحث- وأمثاله- زيادة الوشائج التي تصل بين الفقه والطب وتسهل تناول الفقه المحتاج إليه للأطباء خاصة أو غالباً ، إذ لا بد أن توضع بين أيديهم بالإضافة إلى البيانات المباشرة لبعض التصرفات- طريقة الاحتكام إلى المبادئ القواعد والضوابط) التي هي النبع الثري للتطبيقات، وبها يسهل لهم أيضاً أن يولوا الأهمية للعناصر المؤثرة في وضع التصورات الصحيحة التي لا يقدر طرف واحد على تولي الفصل فيها، وبمثل هذا التعاون يتحقق الوصول إلى معالم الطب الإسلامي ذي الخصائص المميزة له كعلاج للروح والبدن معاً، ومظهر من مظاهر العدل والإحسان والتعاون على البر والتقوى.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:04 PM
المبادئ المقصودة بالبحث:

لقد اشتملت الشريعة الإسلامية (وما صدقته من سابق الشرائع السماوية) على مبادئ وقواعد تبري أحياناً للحض على اجتلاب المصالح، وتنهض أحياناً لدرء المفسدة واجتناب المضار، فإذا كان الضرر عصياً عن الإزالة إلا مع أثر يخلفه أجريت الموازنة بين الضررين للركون إلى أخفهما.. وفي ثنايا هذا المبدأ جملة من القواعد الدقيقة التي تفرز الأضرار بحسب متعلقاتها من الضروريات والحاجيات وبحسب درجتها من الخصوص والعموم..

هذا عن إزالة المرض. أما حفظ الصحة فإن أهم المبادئ المعول عليها لتحقيقه قاعدة تحريم المضار ووجوب التحرز منها قبل الوقوع في أخطارها وسلوك الطرق الوقائية وعدم الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة.. وإلى جانب هذين المبدأين هناك قواعد أخرى كثيرة منها الحض على النفع، والتعاون، وبذل المعروف، وكرامة النفس الانسانية، رعاية المقاصد الأساسية من حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال، وهي أساس التطبيب والعلاج بشتى أنواعه كما هي أساس التكييف الشرير لإجراءات الطب الاستعاضي الذي يقوم على هذه المبادئ، مضافاً إليه بعض المبادئ الأخلاقية كالإيثار دون تجاوز حدود الله وحقوقه.

ولو ذهبنا نستعرض جميع المبادئ المتصلة بالموضوع مع الشرح المفصل والتطبيقات الموضحة لخرجنا عن نطاق المجال المرسوم لمثل هذه الأبحاث. لكن الحرص على مطابقة المقال لمقتضى الحال هو الذي يحدونا للاجتزاء بالقدر المحقق للأغراض الخاصة المنوه بها فيما سبق من بيان. ولذلك كان المناسيب استقطاب المباديء الأساسية بالصورة التي يبرز فيها الموضوع والمقصد منها بدلاً من الألفاظ والعبارات، ويستتبع ذلك الاغضاء عن التغاير الذي مرده الترادف أو التشابه في صياغة المبدأ أحيانأ..

أولاً: مباديء المصلحة

إن التيسير من خصائص التشريع الإسلامي العامة، وقد تواردت على إثبات هذه
الخصيصة كثير من نصوص القرآن والسنة منها قوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (1) (2/ 185) وقوله: (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون، (5/ 6).

ومن الأحاديث قوله r" إن هذا الدين يسر " أخرجه البخاري وقوله " يسروا ولا تعسروا". أخرجه البخاري ومسلم.

والتيسير ليس شعارا معنويا فقط بل هو مرتكز لكثير من القضايا التي لم يرد نص بشأنها ولا ورد بشأن ما هو قريب منها مشابه له ليقاس عليه لذا ظهر هذا المبدأ بصورة قواعد تشريعية عامة:

(الأصل في المنافع الإباحة):

ومعنى هذا المبدأ أن الإباحة هي الأصل فيما فيه نفع للناس ،- مما لم يتناوله نص أو يكن مقيسا على منصوص- إلا أن هذا فيما تمحض من الأشياء منفعة خالصة، والشأن في هذه الزمرة أنها تدرك من النصوص أو من سكوت الشارع وهي مرتبة سماها بعضهم (مرتبة العفو) اشتقاقاً من قوله مجاز (وما سكت عنه فهو مما عفا لكم) أخرجه البزار بسند صالح كما في قول ابن حجر، وفي رواية (وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها). ومن الأدلة المشهورة لهذا المبدأ قوله تعالى : (خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) والهدف من هذا المبدأ: الإقدام على ما تحققت فيه صفة المنفعة ولم يرد بشأنه منع، واطمئنان القلب إلى إباحته وانتفاء الإثم عن الانتفاع به.. (9)

(الأصل في المضار التحريم:)

والمضرة بعمومها تشمل ما كان شدة في البدن، ويفيد هذا المبدأ أن المضار مما طلبت الشريعة طلباً جازماً الكف عن فعلها ولو لم يرد فيها نص يخصها. وإن ما سلف من مستندات للمبدأ السابق تتناول من طرف خفي هذا المبدأ فضلاً عن اقتضائه بالعقل السليم المجرد عن الشوائب .

على أن هذين المبدأين (أصالة إباحة المنافع- وأصالة تحريم المضار) رغم استمدادهما الشرعي لا يرقيان إلى معارضة الأدلة والقواعد الشرعية العامة ما كان منها خاصاً في الموطن المخصوص أو عاماً يتناول جميع أفراده.. وفضلاً عن ذلك لا بد من التزام التوصيف الدقيق للضرر والنفع بأن يتولى الشارع نفسه بيان ذلك فيكون حكمه هو الفصل، أو تراعى قواعد المصالح والمفاسد القائمة على استهداف ما كان النفع أو الضر فيه خالصاً ، أو هو الغالب الراجح، ولا عبرة بالنفع المغمور المغلوب، في جنب الضرر الغالب، كما لا عبرة بالطارئ المؤقت في إزاء الدائم الثابت.. وتأمل هذه الأشباه والنظائر ينمي مقدرة البت في المسكوت عنه مما المآل فيه إلى الاستنباط الدقيق.

وسؤال أهل الذكر: أهل الاختصاص كل منهم في مجال خبرته.

قال العلامة القرافي: ان الموجودات في هذا العالم قسمان: الأول حرام لصفته،
وهو ما اشتمل على مفسدة تناسب التحريم (أو الكراهة ) والثاني مباح لصفته وهو
ما اشتمل على مصلحة، أو كان ليس فيه مفسدة ولا مصلحة، وهو قليل، فلا يكاد
يوجد شيء إلا فيه مصلحة أو مفسدة. (10)

(ثانيا) تجنب المضار وإزالتها

مقتضى المبدأ السابق أن المضار متناولة بالوقف العام للمنع، تحت طائلة الاثم والعاقاب، سواء كان الضرر بالمبادرة أو على سبيل الانعكاس وقد تجلى ذلك بإحدى جوامع كلمه r وهي قوله "لا ضرر ولا ضرار " (11) و (الضرر) حصول الأذى أو المفسدة ابتداء، و (الضرار) حصوله على سبيل الجزاء ورد الفعل وقد استمد من هذا الحديث، في ظل قوله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، (2/ 195) من مبدأ شرعي، وهي إذا روعيت مجتمعة كانت نبراسا في الممارسة الصحيحة لإجراءات التطبيب والعلاج لتوفير الطمأنينة من الإثم الذي يحاك في النفس، ولتحاشي المسئولية وموجبات الضمان إذا لم تستخدم موازين العدل.

وتشتمل هذه القاعدة على جملة من المبادىء مكونة من نوعين: وقائي، وعلاجي.


الجانب الوقائي
الحفاظ على الفطرة السليمة

شرع الله عر وجل مبدأ الحفاظ على الفطرة الانسانية. باعتبارها (فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق اللة) (35/ 30)، وهي الحالة الأصلية المستحقة للبقاء بعيداً عن التغير المعنوي و المادي (كل مولود يولد على الفطرة) (12) ووسيلة تحقيق هذا الهدف إرساء المبادىء وتعزيزها بالتطبيقات العديدة مما تكفي هنا الإشارة إلى أنها جاءت متنوعة.

(الضرر يدفع بقدر الإمكان)

والدفع هو الحيلولة دون الوقوع، باتخاذ الإجراءات والاحتياطات الكفيلة بالوقاية منه/ جاء كانت سلبية بالامتناع عن أفعال مؤدية للضرر، أو إيجابية بالأخذ بما يعصم منه، ومفاد هذأ أن الضرر لا يتريث فيه حتى يقع بل يبذل كل ما أمكن لدفعه.

كما أن دفع الضرر إن لم يمكن كلية يدفع المقدار الممكن منه، فليس هناك تلازم بين الدفع الاستئصال، بل إن التخفيف للمقدار الموشك وقوعه يحظى بالاهتمام الشرعي نفسه إذا تعذر تفادى جميعه. وهذا المبدأ بشقيه (دفع الضرر- ولو الممكن منه) هو المظلة الفنية للمثلين المتداولين: (الوقاية خير من العلاج) و (ما لا يدرك كله لا يترك بعضه).

الجانب العلاجي
العودة إلى الفطرة الأصلية

إذا حل الضرر، في غيبة الضمانات المقامة سدوداً دون وقوعه، فإن الإجراء المطلوب حينئذ إيجابي فعالة من شأنه تصحيح ما نزلت من انحراف عن الطبيعة برفع الضرر وإزالته وهو مفاد المبدأ القائل:

(الضرر يزال):

أي الشأن فيه أن ينحى عمن أصابه، ولا يعتبر حصوله وضعاً طبيعياً وأمراً واقعاً مهما تقادم أو تضاعف أثره، ولا ذريعة للمتواكلين المدعين الركون للمقادير، وهي كما تحرى بما لا يعرفه الإنسان إلاً بعد حصوله، فإن بقاءها كذلك لا يحكم له باللزوم والثبات إلا بعد المحاولة والأخذ بالأسباب، وإذا كان المر ض (أو الضرر عامة، أمراً مقدوراً فإن الشفاء والمعافاة هو من قدر الله، وبذلك أجاب عمر رضي الله عنه من تردد في تجنب البيئة الموبوءة (نفر من قدر الله إلى قدر الله).

وتعبيراً عن بقاء (الضرر) دخيلاً هجيناً جاء المبدأ القائل: (الضرر لا يكون قديماً) أي لا يحظى بحصانة ولا يكتسب استيطاناً مهما تطاول زمانه بل يظل مزلزل الأركان مضطرب الجنان يهدده نداء الرحيل، لأنه ( لا تبديل لخلق الله) (30/ 30)

وللمبدأ الأساسي (إزالة الضرر) هالة يحف به من المباديء التي يتم بها تنظير كامل له يتناول في آن واحد رسم الوسائل وتحديد المقاصد، منها: (الضرر لا يزال بمثله) وبعبارة أخرى تقدم البديل:

(الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف) وبأسلوب آخر:
(يختار أهون الشرين) وتحديد الشرية والخيرية ليس بالهوى بل ضابطه : (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما) وبالتحديد: (يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) وبكلمة جامعة:
(درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) (13)

وهذه المبادئ الغنية عن التطويل بشرحها توحي بالخطوات الحكيمة التي ينبغي سلوكها في مجال التطبيب والعلاج: بأن لا يطغى خوف الخطر الماثل في الداء على استشعار الخطر الكامن في الدواء، إذا كانت كفة هذا راجحة على ذاك..

والمحظورات، على ما في بعضها من ملاذ أو أرباح موقوتة أو فردية، جديرة بالمنع ولو أهدرت به المصالح الجزئية، ومن هنا نشأ حكم الشريعة (وما وافق منهجها) بالحجر على الطبيب الجاهل بأصول الصنعة، والحيلولة بينه وبين فوائد المزاولة النافعة له شخصياً، لما في ذلك من حفظ المصالح العامة ودرء المفاسد المتوقعة..

وهو كذلك مناط الفصل في مسائل العلاج بوسائل هي في الأصل محرمة، أو التداوي ببعض المحرمات إذا تعين ذلك سبيلاً لإزالة الضرر..

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:04 PM
ثالثاً رفع الحرج ومراعاة الضرورة

رفع الحرج ومقاصد التكليف:

إن رفع الحرج عن المكلفين من المقاصد الأساسية للتشريع الإسلامي عامة، وله هنا مظاهره الخاصة الكثيرة التي يتعاقب أثرها لتحقيق سمو الشريعة عن أن يكون طابعها الجمود على نمط واحد من التكاليف، تأسيساً على أن تلك التكاليف نصبها الشارع الحكيم، بالنسبة للأفراد، لمقصد عام هو: " إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختياراً، كما هو عبد لله اضطراراً " (14) وإن المقصد بالنسبة للمجموع هو " إقامة المصالح الدنيوية والأخروية على وجه كلي " فهناك نظام كافل للسعادة في الدنيا والآخرة لمن تمسك به، ومطلوب من كل فرد أن ينضوي تحت هذا النظام وينقاد له لا لهواه.

ولهذا جرت الشريعة الإسلامية في التكليف على الطريق الوسط الأعدل الداخل تحت طاقة الإنسان من غير مشقة عليه، ولا انحلال ربقة عبوديته لله، وجاءت تكاليفها لتحقيق توازن ينشد غاية الاعتدال في جميع المكلفين.. فإن آل الأمر للميل إلى جهة التشديد بسبب واقع خاص، أو حال متوقعة، عالجت الشريعة ذلك بالرخص الشرعية الدائمة، أو بمراعاة ظروف الضرورة الطارئة، ليظل المكلف في جميع أحواله ملتزماً بما نصبه الله من معالم دينه التي لا تغادر صغيرة أو كبيرة من شئون الحياة إلاً وضعت لها أصلاً يرجع إليه ومعقلاً يلجأ إليه. وهذا غاية الإحسان والإنعام من الله. (15


المبادئ المنظمة للضرورة:

والضرورة التي اشتملت الشريعة على كثير من المبادئ لمراعاة ظروفها هي كل ما فيه مشقة بالغة وحرج، وهي الحالة التي تلجىء الإنسان إلى فعل الممنوع عنه شرعاً، أو هي الحالة التي يصير بها الإنسان معرضاً للتلف إن لم يقدم على الممنوع. ولما كان من خصائص الشريعة الإسلامية رفع الحرج ودفع المشقة سواء كانت المشقة من النوع غير المقصود للشارع أصلأ، وهي المشقة غير المعتادة، أو من النوع الذي لا يخلو عنه أصل التكليف، لأنها في بعض الظروف تتحول إلى منزلة المشقة غير المعتادة، وهذا التحول ليس واقعاً على طبيعتها بل هو بحصول سبب اقتضاه. قال القرافي: " كل ما حرم لصفته لا يباح إلا بسببه، وهو الاضطرار " (16) وفي التعليل الدقيق لإباحة المحظور هنا يقول العز ابن عبد السلام: "الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلباً لمصالحها (17) أي للمصلحة المغلوبة بمفسدة راجحة، بناء على أن معظم الأمور تشتمل على مصالح ومفاسد، والعبرة بالراجح فيها منهما، ففي حال الضرورة يستفاد من تلك المصلحة النادرة التي أهدر أمرها في الأحوال الطبيعية.

وقد صاغ علماء الشريعة هذا المبدأ بجملة من القواعد المشهورة المتداولة بين المختصين بل بين غيرهم من طبقات الناس على حد سواء مع شىء من التحريف أو إغفال القيود الواجب مراعاتها..

وقطب الرحى لتلك القواعد هو قول الله تعالى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) (2/ 173) وقول الرسول r: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (18) وقوله فما أجاب به قوماً سألوه عن أكل الميتة في المخمصة (فشأنكم بها)، وها هي نبذة عن تلك القواعد بتوضيح ي!سهل به استثمارها على الوجه السليم: (19)

(المشقة تجلب التيسير):

في هذا المبدأ وصف للحال المعهودة من لشريعة الإسلامية السمحة مما تقدمت الإشارة إليه من استهداف التوازن وإعطاء كل طرف ما يناسبه، وزيادة عما سبق عن الضرورة من بيان توضيحي فإن المراد بالمشقة الجالبة لليسر: المشقة التي تجاوز حدود المعتاد، لأن التكليف لا يخلو عن المعتاد منها فهو إلزام ما فيه كلفة، ولو شمل التخفيف جميع التكاليف لكان- كما قال الإمام الشاطبي نقضاً لما وضعت الشريعة له من إخراج المكلف عن داعية هواه، (20) وضرب من الأمثلة على تسويغ ذلك طلب المعاش بالاحتراف وسائر الصنائع فإنه مع اعتياده لا يزيل ما فيه من الكلفة.. وأحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار في أكله وشربه وسائر تصرفاته ولكن جعل الله له قدرة عليها بحيث تكون تلك التصرفات تحت قهره لا أن يكون هو تحت قهرها.. (!2)

وفي نحو هذا المبدأ الوصفي جاءت قاعدة أخرى مؤكدة هي:
(الأمر إذا ضاق اتسع):

على أن ثمرة الخاصة التشريعية المعبر عنها بالمبدأين السالفين جاءت في مبدأ مشهور متداول هو:

(الضرورات تبيح المحظورات):

وقد سبق بيان استمداد هذا المبدأ وهو ذو غزارة في التطبيقات وأبرزها يتصل بقضايا التطبيب والعلاج، فإن ممارسة أي من الإجراءات المندرجة فيهما هي في الأصل محظورة ومعتبرة جناية على النفس الانسانية أو جزء منها، أو تسبباً في إتلافها وإلحاق الضرر بها لولا عامل الضرورة الذي تسوغ معه تلك التصرفات وتغدو من باب أداء الواجب أو الفعل المأذون به.. ولا مجال لسرد التطبيقات الخاصة بدءاً من إباحة النظر والمس للعورة عند الاقتضاء، وانتهاء بأعمال المبضع في البدن دون أن ينشأ عنه قصاص أو ضمان..

وإلى جانب المبدأ المراعي لحال الضرورة التي تستلزم التعرض للتلف أو وقوع الخطر هناك مبدأ يعطي الحكم نفسه لحال (الحاجة) وهي ما ينشأ عنها عسر وصعوبة في الظروف الجماعية الشاملة للأمة أو الخاصة بطائفة أو مجموعة خاصة، لا للأفراد فيكون (عموم الظرف) في! الحاجة) مدعاة لإحلالها منزلة الضرورة التي يطبق مبدؤها ولو كانت فردية، (22) وهذا المبدأ هو:

(الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة) 0 (23)

والمبادئ المتناولة لأثر الضرورة والحاجة العامة للأمة أو الخاصة بمجموعة من فئاتها محاطة بالضمانات الكافية للحيلولة دون اتخاذ ذلك ذريعة للخروج عن دائرة التكليف، وإلغاء الالتزام بأحكام الشريعة على نطاق زائد عن مقتضى الضرورة أو الحاجة، وللتعبير عن أهم تلك الضمانات جاءت المبادئ التالية:

(الضرورات تقدر بقدرها):

فيباح بالضرورة القدر الذي يدفع الخطر، من غير بغي ولا عدوان، وتطبيق هذا المبدأ سار في تصرفات التطبيب، فلا يتجاوز المقادير المجزئة إلى غيرها سواء من جهة أصل الفعل الاضطراري، أو من جهة توقيته واستمراره.

(ما جاز لعذر بطل بزواله) أو بصياغة أخرى لفكرة المبدأ هي:
(إذا زال المانع عاد الممنوع)، وهو كما ينظم بثتاء المسوغ الاضطراري من حيث الزمن يؤكد الىهـ بط بفثتدان البديل السائغ ووجوده..


هذا، وإن مبادئ مراعاة الضرورة هي المظلة الشرعية لكثير من قضايا التطبيب والعلاج، ليس للأفعال وحدها!، بل للأشياء المحتاج إليها لإزالة الحالة المرضية التي يتحقق فيها شروط الاضطرار، كالتداوي ببعض المحرمات عند تعين الاستشفاء بها وعدم وجود دواء طاهر حلال يؤدي الغرض، حسب أخبار الطبيب المسلم الثقة قي تدينه وخبرته، (وذلك إذا لم يسعف تطبيق مبادئ المطهرات التي منها: انقلاب العين الأصلية واستحالة المادة إلى خصائص مادة أخرى " فحينئذ)) تسوق الضرورة إلى استعمال بعض المواد في العلاج والمداواة ولو كان محكوماً- في الأحوال الطبيعية- بتحريمها للنجاسة أو لسبب آخر من أسباب الحظر دون أن ينشأ عن ذلك المساس بمقصد أساسي من مقاصد التشريع فيباح بالضـرورة- عند بعض الفقهاء- التداوي بالمقدار الذي لا يسكر. (،2) أما المقدار الذي يسكر فتحريمه موضع اتفاق، ولو للدواء، لأنه كما يقول الأمام الشافعي، ومذهبه هو الأرحب في هذه المسألة:

" يمنع من أداء الفرائض ويؤدي إلى فعل المحرمات ". ومستند اتفاق الفقهاء على تحريم التداوي بما يسكر هو قول النبي r عن الخمر مخاطباً من كان يصفها للدواء: إنها ليست بدواء. أما المشمول بحكم الضرورة فهو المقدار الذي لا يسكر، والمعروف أن ما يستعمل في الأدوية من المواد القابلة للاسكار هي مقادير قليلة وفي أوقات متباعدة.

ومع هذا يحسن بالمسلم الخروج من مواطن الخلاف والحرص على الالتزام بالجادة في أمور الدين، ومثل هذا الموقف إذا اتخذ طابعاً جماعياً يجعل المعنيين بصناعة الدواء يذعنون لمراعاته تحت وطأة المصالح الاقتصادية بعد أن أهدروا مصلحة الدين وحفظ العاقل..

وقبل مغادرة الكلام عن هذا المبدأ الهام لا بد من الإشارة إلى إشكال قديم أثير بشأن اعتبار (المرض) حالة ضرورة مسوغة للمحظور على قدم المساواة مهم حال (المخمصة) من حيث إن هذه إن لم يتناول فيها الغذاء المحظور أدى ذلك الامتناع إلى التلف يقيناً، لما سن الله من السنن الكونية بزوال الجوع عند تناول الغذاء. أما الدواء المتناول فقد يحصل مع الشفاء أو لا يحصل فانتفى عنصر اليقين.. (25) وقد جاء جواب هذا الإشكال على لسان الإمام السرخسي بأن ما لا طريق إلى معرفته حقيقة ويقيناً يكتفي فيه بغالب الظن.. (26) ولا شك أن الظن يقوى بما بلغته طرق التشخيص والعلاج من شأن رفيع بسبب التطور الزمني واكتشاف كثير من الوسائل الآخذة من اليقين يحظ كبير، بدءا بالمجهر، ومروراً بالتخطيط والأشعة، إلى ما يكشف عنه العلم من جديد كل يوم..

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:05 PM
رابعاً) حق الغير وال!أن فيه

إن من المبادئ المنظمة للتصرفات مبدأ (الحق) لاسيما إن كان للعباد أو في ملكهم، وهو شديد الصلة بمبدأ (الإذن)، وكل من الحق، والإذن إما أن يرجع إلى الشارع (حق الله) و (الإذن الشرعي) أو إلى الإنسان (حق العبد) و( إذن المالك)، وإن للحقوق تقسيمات وأنواعاً ليس من المناسب التوسع فيها بمجال كهذا. (27) ولاسيما أنها موضوع مشترك بين المعاملات المالية والتصرفات الجنائية، وإن ذلك يجر إلى الكلام عن المسئولية) وهو جانب عولج على حدة لاتصاله بأمور أخرى غير الحق والاذن، كالقصد وطبيعة الفعل والخبرة...

على أن من المفيد لتنويع المبادئ المنوه بها الإشارة إلى أن منها: ا لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن):

وبدن الإنسان ملك لله عر وجل وفيه مع ذلك حق للعبد نفسه، فهو مما يجتمع فيه الحقان (حق الله وحق العبد) (28) وهذا من حكمة التشريع فهذا الإجماع للحقين مما يستظهر به على صيانة محل الحق بدلاً من سهولة سقوطه أو إسقاطه ما لم يتوافر اجتماع إذن الشارع مع إذن المالك. وإذن الشارع منه المنصوص عليه في صورة أحكام شرعية، ومنه المنوط بالولاية العامة التي تقود قاعدتها:

(التصرف على الرعية منوط بالمصلحة):

على أن إذن الشارع سواء كان بالأحكام المنصوصة أو بالقواعد العامة هو المرجع في حال القصور أو العجز عن إصدار الإذن ممن كان الأصل أن يملكه ولهذا كان إلى جانب الولاية العامة: الولاية الخاصة والوصاية والقوامة.
أما إذن المالك فهو بإطلاق التصرف ابتداء أو إجازته بعد وقوعه.

ومما يتصل بهذا المبدأ ما أبداه العلامة القرافي من فرق في الأثر، بين الإذن من صاحب الشرع (وهو لا الغالب عام) وبين الإذن من قبل المالك (وهو من الإذن الخاص) بأن إذن المالك يسقط الضمان، أما إذن الشارع فالأصل فيه إسقاط التبعة الأخروية والعقوبة دون الضمان (المسئولية المدنية) وهذا تفضل من الله على عباده حيث جعل ما هو حق لهم لا يصح الإبراء فيه إلا برضاهم وإسقاطهم ضما نه. (29) وهذا الفرق تدل عليه القاعدة العامة:

(الاضطرار لا يبطل حق الغير):

وهو مطرد حيث يكون هناك قيود للإذن الشرعي، أما إذا كان الإذن من صاحب الشرع- أي الجواز- مطلقاً عن أي قيد (ومثاله مما هنا الإجراء الطبي حسب المعتاد إذا أدى لتلف غير مقدور على التحرز منه) فان المبدأ المستحق التطبيق هنا أن:

(الجواز الشرعي ينافي الضمان):

وهو كما حققه الشراح لهذه القاعدة: الجواز الشرعي المطلق عن أي قيد (عدا عدم التقصير والتعدي) ومثاله: أن يكون التصرف الطبي لم يلحظ فيه القيود الشرعية العامة كحفظ حق الغير (بحصول الإذن) أو التحرز من مضاعفات يمكن التوخي منها لأن تجويز الشرع لهذه التصرفات مقيد بشرط السلامة فيما يمكن التحرز عنه..(30)

ومن تمام القول في الحق والإذن تصريح العلماء كالعز بن عبد السلام والقرافي إن ما هو حق خالص لله تعالى، أو فيه حق له وحق العباد لا يتمكن العباد من إسقاط-حق الله في الحالين بل ذلك يرجع إلى صاحب الشرع. (31) وينوب عن إذن المالك إذن غيره من الأولياء، ومنهم أولو الأمر، في حال الاضطرار إذا ما فقد صاحب الحق مقدرة التصرف المعتبر.

(خامساً) التعاون والنفع والإيثار

من المبادىء المقررة أنه لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن. وبدن الإنسان ملك الله عز وجل، وفيه مع ذلك حق للإنسان نفسه، فهو مما يجتمع فيه الحقان: حق الله، وحق العبد، وهذا من حكمة التشريع حيث إن اجتماع الحقين يستظهر به على صيانة المحل الذي اجتمعا فيه.. فلا يسهل إسقاط الحق ما لم يتوافر إذن الشارع مع إذن الإنسان.. وإذن الشارع حاصل في حال الضرورة وحال غلبة المصلحة، أو درء المفسدة. فإذا وقع هذا الإسقاط والتنازل على سبيل الإيثار وبذل المعروف من الشخص لغيره فهو أمر مشروع مرغوب، ذلك لأن الحض على التعاون والإحسان وفعل الخير مما تواردت عليه آيات القرآن والأحاديث النبوية المعروفة، ونفع الناس من الرغائب المشروعة المحمودة إلا فيما نهى الشارع عنه، والنهي إما لمحظور يتصل بالفعل النافع لضرر ديني عام أو لأن النفع يقابله ضرر أكبر الباذله، 321) على ما سبق في مباديء إزالة الضرر ومراعاة الضرورة.. فإذا خلا الفعل النافع للغير من ذلك وكان الضرر الذي يرفع عن الآخرين أشد من الضرر اللاحق بالمقدم على النفع فهو من الإيثار على النفس ولو لحقها شيء من الخصاصة أو الضرر المحتمل، أو المتوهم..

وهذه المبادئ هي المسوغ الشرعي للتطبيب القائم على تقديم الدم والأعضاء البديلة إلى المرضى التالفة أعضاؤهم مما يبذله المحسنون دون أن يؤدي ذلك إلى التهلكة المنهي عنها. ومستند ذلك مقتضى النصوص التي ألمحنا إلى كثيرتها في هذا المجال كقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (5/ 2) وقوله: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) (2/ 195) وقوله (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) (22 لم 77) وقوله (ويؤثر ون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) (59/ 9) ومن الحديث الشريف قوله عليه الصلاة والسلام: (من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه) وفي رواية (فليفعل) أخرجه مسلم قي صحيحه.

فهذه النصوص وغيرها كثير، ليست مباد 2 أخلاقية فحسب، بل هي ذات أثر تشريعي في الإباحة والترغيب إن لم يكن بالوجوب عند من يجعله أولى ما تقتضيه صيغ الأمر.. فهذا العمل من الجائز شرعاً وهو من صنائع المعروف وأبلغ صور الإحسان و (ما على لمحسنين من سبيل) (9/ 91) وهذا كله إذا كان على سبيل التبرع، لأن المبدأ أنه: (يغتفر في التبرعات ما لا يفتقر في المعاوضات).

أما إن كان ذلك على سبيل المعاوضة نظير بدل، فانه تصرف يثير كثيراً من الحرج والشبهة بالحرام، جرياً على أن أجزاء الآدمي ليس لها مالك إلا الله تعالى فليست مما يباع ويشتري. وقد بلغ التحرز ببعض الفقهاء أن يفسروا بيع لبن المراضع بأنه استئجار لشخص الظئر (المرضع) والانتفاع بلبنها أمر تبعي مع أنه مما فصلت في شرعيته النصوص الصريحة رعاية لضرورة حفظ الأنفس، وما اللبن هنا إلا أجزاء مبانة بصورة طبيعية عن بدن المرضع ولا نفع مقصود لجسدها منه، فكأنه مما استودعها الله إياه لنفع الرضعاء..

ولا يتنافى مع حظر المعاوضة عن هذا البذل أن يقبل الباذل ما يكافأ به من غير مشارطة ولا مواطأة لقوله تعالى: ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) وما روي عنه (r):- بالرغم من ضعفه- (من أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له) فهو مما تشهد له قواعد الشريعة العامة.

كما يملك أولو الأمر تخصيص مكافآت تشجيعية لا مشارطة فيها ولا التزام للترغيب في هذا اللون من الإحسان وفعل الخير أو المعونة على تعميم آثاره على الجسم، لتشجيعهم على أشباه ذلك من الأعمال المندوبة أو الواجبة لكونها من الطاعات المفروضة أو مما ينبغي إحتساب الأجر فيه...

وأخيراً، ليست هذه المبادئ كل ما يتصل بموضوعنا، وهي أيضاً لا يقتصر تطبيقها عليه بل هي أهم مجالات استثمارها والاستنارة بها في تكوين الإلمام بمنحى الشريعة في هذه الأمور عن طريق وسط بين تلقي الفروع المجردة، أو التوسع غير الميسور في غمار الأدلة،ومقتضاها و (كل ميسر لما خلق له) وإتقان العلوم والمعارض والحرف والصناعات كلها مما فرضه الله على جماعة المسلمين بإزاء ما عم بفرضية كل مسلم من طلب العلم بما تقتضيه حاله وتمس إليه حاجته في حياته ومهنته بعد الفرائض العينية المعروفة..

ا لهوا مش

ا- زاد المعاد في هدي خير العباد- وفيه الطب النبوي- لابن القيم 3/ 111
2- قال اللة تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً) (2/ 10)
3- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لعز الدين بن عبد السلام 1/ 154 وما بعدها.
4- القواعد، للعز بن عبد السلام 1/ 93 وما بعدها.
5- المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى احمد الزرقاء2/ 945 ف/ 560
6- الفروق، للإمام القرافي 1/ 3 طبع دار المعرفة.
7- نيل الأوطار شرح منتقى الاخبار، للشوكاني 8/ 110 وإرشاد الفحول، له أيضاً 285.
9- رفع الحرج، رسالة دكتوراه، للدكتور يعقوب عبد الوهاب الباحسين ص 550
10- الفروق للقرافي 3/ 96.
11- أخرجه مالك وابن ماجه والدارقطني.
12- أخرجه البخاري ومسلم.
13- الأشباه والنظائر، للسيوطي 95- 97 والأشباه والنظائر لابن نجيم 07 1- 09 1
14- الموافقات، للشاطبي 2/ 168.
15- الموافقات، للشاطبي 2/ أ 16.
16- الفر وق، للقرافي 3/ 96
17- القواعد، للعز بن عبد السلام 2/ 5 وأصول السرخسي 2/ 258
18- أخرجه الحاكم والدارقطني والطبراني ورجاله ثقات (فيض القدير 2/ 267).
19- الأشباه والنظائر، للسيوطي 1/ 92- 93
20- الموافقات للشاطبي 2/ 153
21- ا لموا فقات، للشاطبي 2/ 123
22- المدخل الفقهي العام، للزرقاء الفقرة 650 رفع االرج للدكتور الباحسين 540.
23- يتضح الفرق الجوهري بيرة كل من (الضرورة) و (الحاجة) والمراتب الأخرى الأدنى درجة، من عبارة للإمام الزركشي يقول فيها خلاصته:
- الضرورة: بلوغ الشخص حداً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب الهلاك.
- - الحاجة؟ بلوغه حداً لا يهلك بعدم تناول الممنوع لكنه يصير لا جهد ومشقة.
- المنفعة: مثل اشتهاء لحم الغنم، أو الطعام الدسم..
- الزينة: مثل اشتهاء الحلو.
- الفضول: التوسع في أكل الحرام أو الشبهة..
من مخطوط (المنثور في القواعد) للإمام الزركشي، حرف الضاد، قاعدة (الضرورة). تحقيق د. تيسير فائق، رسالة دكتوراه.
24- بحث الضرورة، من مجموعة بحوث فقهية، للدكتور عبد الكريم زيدان 170 وقد صرح ابن حزم والمهدي من الزيدية بجواز التداوي بالسكر للضرورة دون التقييد بالمقدار الذي لا يسكر. المحلى لابن حزم 1/ 175 ط (1) البحر الزخار للمهدي 4/ 351.
25- حاشية أبن عابدين 5/ 343 ط. بولاق والفتاوى الهندية 5/ 2 34 والتاج والإكليل 3/ 233
26- المبسوط، للإمام السرخسي 24/ 50
27- القواعد، للعز بن عبد السلام 1/ 29 1- 1 13
28- القواعد، للعز 1/ 133
29- الفروق، للقرافي 1/ 195.
30- شرح القواعد الكلية للمجلة، للشيخ أحمد الزرقا (مخطوط).
31- الفروق 1/ 195، القواعد للعز 1/ 129.
32- القواعد، للعز بن عبد السلام 1/ 24 وما بعدها.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:06 PM
قواعد وآداب الطب الإسلامي


محمد قطب الدين
الهند

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:06 PM
في ضوء التعاليم الاسلامية تناقش هنا بعض الممارسات الطبية كزراعة الأعضاء، والتلقيح الصناعي وتشريح الجثة واستخدام الكحول في الطب والعديد من العمليات الأخرى المحرمة لتعاليم الإسلام.

" المقدمة "

اتبعت مهنة الطب قواعد وآدابا منذ البداية، وكانت أول هذه القواعد في حقك الخ هو" قسم ابقراط ". وقد روجع هذا القسم على مر العصور بهدف تنقيحه، وعلى ذكر القليل ممن راجعه " نذكر المجوس والطبري في القرن العاشر وابن رضوان في القرن الثالث عشر والجمعية الطبية الكويتية في عامي 1964 ، 1975
ولقد اكتسب المسلمون (العرب) المعرفة الطبية من اليونان ومصر والهند... الخ. وكانوا كلما أخذوا شيئا عن الآخرين دققوا فيه وأعادوا تشكيله حتى يساير المبادئ والتعاليم الاسلامية، فالكحول مثلا بالنسبة للمسلمين مادة محرمة كلية ولكنها بالنسبة لغير المسلمين ليست كذلك فهم يتناولونه في حرية ويستخدمونه في العلاجات الطية والمشروبات الغازية، أما المسلمون فيمنعون أنفسهم عنه وعلاجاتهم الطبية خالية منه كذلك، وهم يستعيضون عنه بعسل النحل (فيه شفاء للناس) (16/ 69) حسبما ذكر في القرآن الكر يم، كذلك فإن المسلمات يعتبرون فضلات الجسم شيئا نجسا قذرا وضارا ويكرهون استخدامه في الطب، وعلى هذا فإن وجود قواعد وآداب خاصة بالمسلمين أمر حتمي لهم الصراط المستقيم الذي أوضحه الله عز وجل لهم ولتقيهم شر الأعمال الخبيثة.

إن الإسلام يعد الدين الوحيد الذي يقود الإنسان في كل معابر الحياة منذ ولاداته حتى مماته، ويقود فكره وعمله ويحتم على المؤمن التزام طريق الرشاد في إخلاص حيث يقف المؤمن خاشعا ابتغاء مرضاة الله معلنا حسبما جاء في الذكر الكريم ((ن صلاني ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) (6/ 162) والمؤمن يظل على إيمانه في كل درب من دروب الحياة، وهو يؤدي ما عليه من وجبات لانقاء السريرة وحسن العمل قد أكدهما الإسلام على الدوام.

وفي الوقت الحاضر، تجرى عمليات طبية ضد التعاليم الإسلامية مجافية للمفهوم السليم للحرام والحلال، إن الإسلام يعتبر مثالا يحتذى لكافة البشر بما يتضمنه من مبادئ وآداب ليس لها نظير ولهذا يجب أن ينتشر الإسلام في العالم وان يتبع. وواجب المسلمين أن يقدوا العالم في ضوء التعاليم القرآنية وان يجدوا الحلول للمشاكل الجديدة التي تظهر بين آونة وأخرى ذلك أنهم حسبما ذكرهم القرآن(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) (3/ 110).

وقبل أن نتعرض لهذه المشكلات بالتحليل فإن المرء يجب أن يعتبر بما جاء في الحديث الشريف " إن الله فرض فرائضه فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" (الدار قطني) وكذلك ما جاء في القرآن. (ولا تتحولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) (16/116).
إن العمليات الطية التالية يجب تناولها بعين الاعتبار.

1- عمليات زراعة الأعضاء:

إن وصف عملية زراعة العضو البشري وجدت في الكتابات الصينية والهندية القديمة التي يرجع تاريخهما إلى القرن الثاني والثالث قبل الميلاد. وقد أجرى أول عملية ناجحة لزراعة الكلى عام 51-1953، كما أجريت أول عملية على الكلاب عام 1902 الكلاب عام 1902 بواسطة ألومان وكوريل وأجريت محاولات على أعضاء أخرى عديدة ضمن برنامج زراعة الأعضاء. وبالتالي تقدمت مجالات حفظ الأعضاء والأنسجة بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة وإن المبادئ التي نادت بها إنجلترا وهى (الاكتساب) (والتخلص) لها مدلول خاص وان اللجنة الأسترالية تبنيها للمبادئ الأوروبية قد شجعت دفع مقابل " للدم، والسائل المنوي، والغدة النخامية والكلية لزراعتها. كذلك تم التأكيد على أنه يجب إعلان الوفاة بدون أي تأخير في حالات الغيبوبة المؤكدة.
وهذا يوضح بجلاء الاتجاه الذي بهدف إليه العالم، فإن عملية التبرع بالأعضاء أو الأنسجة من جانب الشخص أثناء حياته أو الموافقة على الانتفاع بأجزاء من جسده بعد مماته تبدوا عملا رحيما وفعلا جليلا حيث يفكر الشخص في أن جسده الذي سيتحول إلى رماد كم يكون طيبا لو استخدم لخير البشرية، وهي بهذا النحو تبدو عملية لا غبار عليها من جانب الجراح، ولكن إذا ما تأملنا وجهة النظر الاسلامية تطالعنا حقائق معينة:

فقد جاء في القرآن الكريم (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) (4/ 119) فإن الشيطان عدو البشر يتحدى في تلك الآية. وفي الماضي لم تكن أنماط التغيير هذا في خلق الله على هذا النحو من التطور والوضوح كما هي عليه الآن. فعمليات الخصاء، والوشم على الجلد، واستخدام الشعر المستعار عند النساء، أشياء محرمة كلية في الإسلام فهي تغيير في خلق الله، فما بالنا بعمليات زراعة الأعضاء. وفي عام 1969 قرر قاض إنجليزي " إن الشخص يمكن أن يعلن استعداده للموت من أجل آخر، ولكن لا يجب على الجراح أن يعمل بكلامه (7) فالإسلام يعلم المؤمن أن كل شئ ملك لله وان الإنسان لا يملك من أمر نفسه شيئا، وطالما أن الشيء لا يملكه فمن الواضح انه لا حق له في النزول عنه .

إن الضرر في عملية الاستئصال نحيف جدا لأنه بعد الوفاة تحفظ بعض الأعضاء أو كلها لحين الحاجة لاستعمالها مما يؤدي إلى الاتجار البشع في الأعضاء البشرية وبالتالي إلى الجرائم والنقطه المخيفة الأخرى هي " إعلان الوفاة دون أي تأخير في حالات الغيبوبة المؤكدة ".
إن الإرشاد الذي جاء في القرآن والحديث واضح جدا ولا يدع مجالا للشك أو الاختلاف في الرأي. وإذا ما قدر لعمليات زراعة الأعضاء أن ترسخ فانه يجب على المسلمين الامتناع عنها التزاما بالقانون السماوي، فانه لا يمكن أن يخاطر بانسان من اجل آخر. ولا أن جزءا ميت ينقذ حياة أو يصلح فساد آخر. مثل هذه الحالات يجب إن تترك لتلاقى مصيرها كما هو الحال حين يفشل العلاج، بمعنى انه ليس هناك فرد خالد أو لا يمكن الاستغناء عنه في هذا العالم.

وعلى هذا فإننا نوصى بأنه يجب معارضة ممارسة زراعة الأعضاء حتى تجنب البشرية هذه العملية الفاسدة والمجافية للآداب.

2- عملية التلقيح الصناعي:

إن الرغبة في إنجاب الأطفال تعد أمرا طبيعيا ولهذا فان المحاولات مستمرة لمكافحة العقم بالطرق الطبية ولكن نجاحها ضئيل حيث انه ليس هناك علاج لحالات العقم في مراحله الأولية- ولقد أوضح الإسلام بجلاء إن الله (يجعل من يشاء عقيما) (42 /50) (القرآن) وبعض الأديان يسمح بتبني الأطفال، وفي أديان أخرى يسمح آيا بالحصول على السائل المنوي لأشخاص آخرين لتعويض هذا العجز، ولكن الإسلام حرم كل ذلك تماما فالعقم قد يوجد في كل من الرجل والمرأة فإذا كان الرجل عقيما فإنه بوصيي بعملية التلقيح الصناعي، حيث يتم الحصول على السائل المنوي بطريق الاستمناء الذاتي ويوضع بواسطة محقنة في عنق الرحم أو بالقرب منه- والأوجه القانونية لعملية التلقيح الصناعي حسبما هو مطبق في الهند هي:-
ا- أن المتبرع والمستلم لا يمكن أن يعتبرا مذنبين بجريمة الزنى (جزء497) طالما انه ليس هناك جماع جنسي.
2- إن الحل يكون غير شرعي وعلى ذلك لا يمكن أن يرث الملكية إن سلامة النسل لها أهمية كبرى في الإسلام لكي ينمو المجتمع سليما صحيحا متمكسا بتعاليم دينه ولإعلاء مبادئه القيمة عاليا. ولذلك فان تبني الأطفال غير مصرح به في الإسلام فقد لا يكون هناك زنى جنسي في عملية التلقيح الصناعي، ولكنه من الواضح انه زنى عنصري وبسببه يعد الحل غير شرعي. إن المجتمع الإسلامي يحافظ على السلامة العنصرية ولا يقبل بأي تناقض .
وعلى هذا فإننا نوصى بأنه يجب أن تدان بكل قوة الممارسات الحقيرة لهذا النوع من التلقيح الصناعي وان تحرم قانونا.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:07 PM
3- تشريح الجثة:

إن الجسم الإنساني يعتبر من روائع وأسرار الطيعة، وقد تم تشريح ودراسة كل نسيج من أنسجته ولكن لا زالت هناك أجزاء لم يمكن فهمها على الوجه الأكمل ولقد أنعمت الطبيعة على الإنسان لما يبذله من جهد حتى ظن انه لا النهاية سوف يكتشف الحقيقة النهائية التي تبدو باستمرار بعيدة، كما يبدو الأفق للسائر نحوه دون أن يصله أبدأ.

ويتم تشريح الجثة بواسطة الطب الشرعي لاثبات الشخصية، ولتحديد سبب الوفاة، وطبيعة الوفاة، وساعة الوفاة وذلك بهدف مكافحة الجرائم.

وتوضح البيانات الإحصائية التي جمعت بعناية من الشرطة والمحاكم نسبة النجاح التي توصل إليها من تحقيق الأهداف المذكورة والى أي مدى أدى ذلك إلى خفض معدل الجرائم.
وتبعا لتعالم الإسلام فان أحدا لا يستطيع أن يزيل جزءا من جسد الميت فعندما يغسل جسد الميت فان انفصل جزء من أظافره يجب أن يوضع معه داخل ثوبه ويدفن معه
وعلى ذلك، فإننا نوصي بأن يقيد التشريح الطبي الشرعي للحالات التي يـتحتم معها للأغراض السابقة، وحتى في مثل هذه الحالات فانه يجب الحصول على تصريح من محكمة إسلامية ومن أقارب الميت قبل الشروع في عملية التشريح.

4- استخدام الكحول والمواد المحرمة الأخرى في الطب:


إن مفهوم الحلال والحرام من المأكولات موجود في كافة الأديان، بينما بين الإسلام الحلال في وضوح تام والمواد التي أحلها الإسلام أكثر بكثير من تلك التي فالإسلام حرم فقط تلك المواد التي تضر الإنسان بشكل أو بأخر، فالكحول من بين بسم المحرمات وقال فيه الحديث " انه ليس بدواء ولكنه داء" وذكر في القران (إثمهما أكثر من نفعهما) (2/ 219) وأيضا في الحديث" إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " وقد أدرك الطب الحديث التأثيرات الضارة لاستخدام الكحول، وتكونت العديد من الهيئات التي تدعو إلى الحد من استعمال الكحول.

ولهذا فإننا نوصي كقاعدة بعدم استخدام الكحول والمواد المحرمة الأخرى في العلاجات
الطبية أو السلع الأخرى.

5- نقل الدم:

إن دراسة مجموعات الدم وفصائله جعلت نقل الدم سهلا ومأمونا وعمليا على عكس ما كان عليه بسبب المخاطر الممكنة من عدم المطابقة بين دم المتبرع والمستلم. وعلى الرغم من أن عملية نقل الدم أصبحت مأمونة ومنقذة لحياة الأفراد ولكنه حتى الآن لم يتم دراسة ما إذا كانت تحدث أي تغييرات في خصائص الفرد المستلم، وإذا حدث ذلك فما هو نوع التغيير؟ وإذا تمت دراسة هذا الجانب من عملية نقل الدم وجمعت البيانات على نطاق واسع فانه ربما تكشفت حقائق غريبة. وانه لحقيقة أن عادات الطعام لها تأثر واضح عام خصائص الفرد. فالآثار الناتجة عن عملية نقل الدم يجب أن تحظى بالاعتبار والدراسة خاصة في الحالات المتكررة لنقل الدم، وكذلك فان بيع الدم من الناحية الأخلاقية يعد عملا شائنا.

ولهذا فإننا نوصى بأن تقيد عمليات نقل الدم على الحالات التي لا يمكن معها الاستعاضة عنه والتي ينطق عليها فقط ذكر القرآن:
(فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) (173/2).

6- عملية حفظ الجثث وتأجيل دفنها:

يلح الإسلام عام دفن جسد المتوفى ومرعاة كافة الواجبات دون أي تأخير.
ولهذا فإننا نوصى في الحالات التي يستلزم حفظها فإن الجسد الميت يمكن حفظه لأقل مدة بتصريح من محكمة إسلامية.

7- تنظيم الأسرة:

تختلف تماما نظرة المؤمن عن غير المؤمن في هذا الصد د. فالمؤمن يعلم أن الكون وما فيه من خلق الله وفي قبضة سلطانه ولا يمكن حدوث شيء إلا بمشيته، يهب لمن يشاء الأطفال، ويجعل من يشاء عقيما حسب إرادته، أينما شاء يزيد البشرية وحسبما يزيد يقللها. فهو جل جلاله له أساليبه في تسيير البشر وحل المشاكل التي تنشأ. ويقول الله في كتابه (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) (6/ 151) (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) (6/11)
وانه لظلم عظيم إن الفرد يجب أن يحيا في هذه الدنيا متمتعا بخيرتها ولكنه يكره ظهور آخرين فيها.

إن طرق تنظيم الأسرة المتوفرة والمتبعة تقود المجتمع إلى الزنى حيت يتضاءل الخوف من حدوث الحمل علاوة على تدخل الفرد في تلك العمليات الطبيعية له آثاره وذلك حسبما يقول وليام بويد " إننا نتدخل باستمرار في أمور الطيعة ولهذا سننال ما نستحقه من عقاب " وعلى ذلك فان طرق تنظيم الآسرة، خلاف عمليات الإجهاض وقطع البوق يجوز السماح بها في حالات فردية أو للجمهور، حتى الإجهاض يجوز السماح به إذا وجد ضروريا لإنقاذ حياة الأم.
لقد تناولت هذه المشاكل باختصار وهي تحتاج لمناقشات مستفيضة لا تتسع لها خمسة عشرة دقيقة علاوة على انه لا يمكن لشخص واحد التصدي لحل هذه المشاكل بمفرده فهي تحتاج إلى فريق من الخبراء من مختلف التخصصات كالدين والطب والقانون ليعملوا معا على حلها

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:08 PM
الدستور الإسلامي لآداب مهنة الطب

دكتور/ عبد الرحمن شيخ أمين- دكتور/ أحمد القاضي
الولايات المتحدة

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:08 PM
لقد عرف الأطباء المسلمون مثل الرازي وابن سينا الطب على أنه الفن المتعلق بحفظ الصحة ومقاومة المرض وإعادة الصحة للمريض، وقد شهد العالم لقرون طويلة تقدم الأطباء المسلمين الهائل في مجال العلوم الطبية واستفاد من ذلك أيما فائدة ولم يكن هذا التقدم قائما على المهارة أو الذكاء فحسب بل كان يعتمد بنفس الدرجة على الفهم الواضح للطبيب السلم لدوره مستمدا من تعاليم الإسلام وفلسفته.

ومنذ آلاف السنين عرفت الأخلاقيات والآداب على أنها شرط أساسي لتكوين الطبيب . ومع أن القوانين القديمة لآداب المهنة أكدت على هذه الحاجة إلى حد ما إلا أنها كانت ناقصة وتحتوي على أخطاء جسيمة . أما الدساتير الحديثة للآداب المهنية فتتجه إلى أن تكون أكثر تحررا وأقل تقييدا . أما الآداب القرآنية فإنها تبرز كنموذج فريد لبشرية جمعاء لكل المهن والأعمال وفي كل الأزمنة والعصور.

إن الآداب الطبية المقترحة في هذا المقال مشتقة أساسا من الآداب القرآنية فهي تشمل إرشادات لسلوك الطبيب ومواقفه على المستوى الشخصي والمهني. كما أنها تحدد سلوك الطبيب في حياته الخاصة وأثناء مزاولة عمله المهني. إن الإنسان الذي يفتقر إلى القيم الخلقية في حياته الخاصة الأ يمكن أن يؤتمن في أنشطة مهنية ولو كانت لديه أعلى المؤهلات العلمية، والتقنية .



فمن الصعب على الإنسان أن يكون له مستويان مختلفان في الأخلاق وصدق الله العظيم إذ يقول: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) (4/43). إن الآيات التالية من القرآن الكريم لهي أنسب ما يمكن أن يسترشد به الطبيب في خصائصه الشخصية. (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم. ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير. وان جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلى ثم إلى مرجعكم فأنبئكم بها كنتم تعملون. يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير. يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور. ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أينكر الأصوات لصوت الحمير) (31/ 19).
ويقول تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) (3/ 134) ثم يذكر القرآن الكريم بعد ذلك: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) (3/ 159).
وعاد هذا الأساس فالطبيب المسلم يجب أن يؤمن بالله تعالى ويلتزم بما أنزل من الهدى والتعاليم الاسلامية سواء في حياته الخاصة أو العامة. ويجب أن يكون بارا بوالديه ومعلميه ويوقر المسنين، ويكون متواضعا رحيما صبورا شديد التحمل كما يتبع الصراط المستقيم ويسأل الله دائما العون والتوفيق.
فالطبيب المسلم بالخصال السالفة الذكر يستوفي كل المتطلبات المهنية. ومن أهم المتطلبات المهنية إن يكون قوي المعرفة بعلمه، والله تعالى يوضح ذلك صراحة في القرآن الكريم بقوله:
(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (39/ 9)
ويقول تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (35/ 28)
وعلى ذلك فالمسلم مطالب دائما بالبحث عن المعرفة:
(وقل رب زدني علما) (25/ 114)
وعلى الطبيب أن يلتزم بالقواعد القانونية التي تنظم المهنة شريطة آلا تخالف تعاليم الإسلام. واحترام القانون والنظام يستمد من الآية الكريمة:
(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (4/ 59.
وباستشعار الخالق مالك الملك رب الطبيب والمريض يظل الطبيب ملتزما بأن العناية التي يوفرها لمريضه لا بد أن تتمشى مع تعاليم الله تعالى.
ومن الأمور الهامة موضوع الحياة الإنسانية. فالله هو الذي يهب الحياة، ولا يحق لأحد أن يسلبها سواه عز وجل أو بأمره تعالى. كما يقول في القرآن الكريم: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم آيكم أحسن عملا) (2/67) ويقول تعالى: (ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا) (3/25) كما يقول عز وجل: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) (5/ 35).
فليس للطبيب الحق إذن في إنهاء حياة آدمية تحت رعايته، وذلك ينطبق أيضا على الجنين الذي لم يولد بعد حيث أن الأدلة الواضحة تشير إلى أن الحياة الإنسانية تبدأ منذ الإخصاب لذا فليس للطبيب الحق في إنهاء حياة الجنين ما لم يشكل خطرا أكيدا على حياة الأم.
وعلى الطبيب أن يدرك أن الله تعالى يراقبه ويسجل عليه كل ما ينوي ويفعل، كما يتضح من الآيات التي استشهدنا بها من سورة لقمان، وهذه الآيات تنبهنا ألا نطيع أوامر الوالدين إذا كان فيها معصية لله تعالى رغم أن الوالدين هما أكثر ما يجب أن يهتم به الأبناء بعد الله عز وجل. وتطبيقا لهذه القاعدة فليس للطبيب أن ينصاع لرغبات الجمهور أو رغبات المريض إذا كانت مخالفة لأوامر الله. وليس للطبيب أن يصف لمرضاه أو أيعطيهم أي مادة مخدرة انطلاقا من المنطق السليم وتعاليم الإسلام الواضحة.
إن البيان المجمل الوافي في هذا الأمر نجده في الآية الكريمة: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) (157/7) وهذا يستلزم أن كل شئ حرمه الله لا بد أن يكون ضارا أو سيئا، وكل ضار أو خبيث لا بد أن يكون محرما إن الجانب الإنساني للمهنة الطبية لا يجوز إهماله أو التغاضي كنه، فهذه لمسة جميلة من كتاب الله تعالى:
(ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا)
(76/ 8- 9).-
وعندما توكل إلى الطبيب مهمة العناية بمريض فعليه أن يقدم له النصيحة الخالصة، وأن يراعي حق النفس والبدن ويتذكر دائما التزامه بأن يقر ما هو حق وينهي عما هو باطل.
وتطبيقا لوصف الله تعالى للمؤمنين يجب على الطبيب أن يستر أسرار مريضه وخصوصياته (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) (/ 8)
وعلى الطبيب أن يتبع أسلوبا مناسبا في التخاطب ويتذكر دائما آداب الحديث التي وردت في الآيات الكريمة التي استشهدنا بها من سورة لقمان. والله تعالى يصف خيار المؤمنين في القرآن بقوله:
(وهدوا إلى الطيب من القول) (/ 24)
أما المواقف التي تتطلب من الأطباء فحص الجنس الآخر فإنها اختبار للقيم الخلقية والصلابة. وهناك تعليمات أساسية في القرآن الكريم نوردها فيما يلي:
(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) (30/ 31)
كما يقول تعالى.
(يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) (4/ 28)
لذا ينصح الطبيب أن يفحص مرضاه من الجنس الآخر في وجود شخص ثالث طالما كان ذلك ممكنا ففي ذلك وقاية لكل من الطبيب والمريض.
ولا يجوز للطبيب أن ينتقد طبيبا أخر أمام المريض أو أعضاء المهنة الطبية متذكرا توصية القرآن الكريم:
(يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم. ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهم ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب) (/ 11)
كما يقول تعالى:
(لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) (148/4) وعلى الطبيب أن برفض الأجر عن علاج طبيب آخر أو أفراد أسرته. وفي الحقيقة ليس هناك تعاليم محددة في هذا الأمر في الكتاب والسنة ولكننا نشير إلى موقف مماثل قد يتخذ كمثال وهو أوجه الزكاة حيث يقول تعالى.
(إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها) (/ 60).
فهنا موقف يحق فيه للشخص الذي يقدم خدمة معينة أن يستفيد من نفس الخدمة وقت الحاجة. فالطبيب الذي يقدم الخدمات الصحية لغيره أن يستفيد من نفس الخدمات في وقت الحاجة.
وأخيرا وليس آخر على الطبيب أن يتوخى الحكمة دائما في كل قراراته فإن ثوابه سيكون عظيما. يقول تعالى:
(ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا) (2/ 269)
وفي الختام أود أن أشير إلى قسم الطبيب المسلم الذي تبنته الجمعية الطبية الاسلامية بأمريكا الشمالية عام 1977 والذي يعكس الفلسفة والروح الممثلتين في الدستور الإسلامي لآداب مهنة الطب المعروض في هذا المقال. وخلاصة القول أن الطبيب المسلم:
- يجب أن يؤمن بالله وبتعاليم الإسلام وسلوكياته في حياته الخاصة والعامة.
- وان يكون عارفا لجميل والديه ومعلميه ومن هم أكبر منه.
- وان يكون بسيطا متواضعا رقيقا رحيما صبورا متحملا.
- وان يسلك الطريق المستقيم ويطلب من الله دوام التوفيق.
- وان يظل دائما على دراية بالعلوم الطبية الحديثة وينمي مهارته باستمرار طالبا العون عندما يلزمه ذلك.
- وأن يلتزم بالقوانين التي تنظم مهنته.
- وان يستشعر أن الله هو الذي يخلق ويملك جسد المريض وعقله فيعامل المريض في إطار تعاليم الله متذكرا أن الحياة هي هبة الله للإنسان، وان الحياة الآدمية تبدأ من لحظة الإخصاب ولا يمكن سلبها إلا بيد الله أو برخصة منه.
- ويتذكر أن الله يراقب ويسجل كل فكر أو عمل.
- وأن يتبع أوامر الله كمنهج وحيد حتى لو اختلفت مع متطلبات الناس أو رغبات المريض.
- وألا يصنع أو يعطي أي شيء ضار.
- وان يقدم المساعد5 اللازمة دون اعتبار للقدرة المادية أو أصل المريض نفسه
- وأن يقدم النصيحة اللازمة للجسم والعقل.
- وأن يحفظ سر المريض.
- وأن يتوخى الأسلوب المناسب في التخاطب.
- وأن يفحص المريضة من الجنس الآخر في وجود شخص ثالث ما تيسر ذلك.
- وألا ينتقد زملاءه الأطباء أمام المرضى أو العاملين في الحقل الطبي.
- وأن يسعى دائما تبني الحكمة في كل قراراته.

قسم الطبيب المسلم

الحمد لله رب العالمين العلي العظيم الواحد العليم الق الكون ومعلم الناس أجمعين له الدوام أبد الآبدين لا نعبد إلا إياه … إن الشرك لظلم عظيم .

اللهم ارزقني القوة لأكون صادقا … أمينا .. متواضعا .. مخلصا .. رحيما .. وهب لي الشجاعة لأقر بذنبي وأصلح خطئي وأعفو عن هفوات غيري … وأعطيني الحكمة لأريح غيري وأقدم النصح الداعي للسلام والوئام … وامنحني الإدراك بأن مهنتي مقدسة … تمس أعز ما وهبته للإنسان وهو العقل والحياة . واجعلني يارب جديرا لهذا الموقف المتميز بالشرف والكرامة والتقوى حتى أهب حياتي لخدمة البشر… فقراء وأغنياء.. حكماء وجهلاء … مسلمين وغير مسلمين … بيضا وملونين … متحليا بالصبر والتسامح .. بالفضيلة والوقار والعلم ومراقبة النفس … وأملأ قلبي بالحب والرحمة لعبادتك فهم أعزمخلوقاتك … وها أنذا أقسم باسمك الكريم يا خالق السماوات والأرض … أن ألتزم بما أنزلته على رسولك الكريم محمد صلى الله عليه وسلم … أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا… ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:09 PM
قواعد وآداب في مزاولة الطب في التراث الإسلامي

الدكتور/ محمد ناظم النسيمي
حلب- الجمهورية العربية السورية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:09 PM
مختصر البحث
قصدت في هذا البحث أن أجمع فيه ما ورد في تعاليم الإسلام وآدابه، وأقوال علمائه، إضافة إلى ما ورد عن الأطباء في عهود الحضارة الاسلامية العربية مما يتعلق بقواعد مزاولة الطب وآدابها، ليكون ذلك مساعدا في وضع مشروع لقواعد وآداب تتمشى مع تعاليم الإسلام.
ولا غرو أن نرى في الأحاديث النبوية شيئا يتعلق بمزاولة الطب لان تنظيم هذه المزاولة من مهام الدولة، والرسول العربي عيه الصلاة والسلام هو أول مؤسس لدولة إسلامية عربية.
تتألف هذه القواعد والآداب من الخبرة بالطب، والترخيص بمزاولته والالتزام بالآداب المسلكية وبالأحكام الاسلامية المتعلقة بها.
. وفي مخالفة الكثير منها مسؤولية طبية. أنهى البحث بالتكلم عنها.
ا- الخبرة بالطب:

تتألف، هذه الخبرة من الكفاءة العلمية والمران، وهما شرطان في مزاولة الطب لأنهما الأساس في التشخيص الصائب واختيار الدواء الملائم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم، يا عباد الله تداووا فان الله عز وجل لم ينزل داء إلا انزل له شفاء علمه من علمه وجهله هـن جهله " (1) وفي هذا الحديث تشجيع للبحث العلمي واكتشاف الأدوية الفعالة النوعية، وتنبيه للطبيب إلى زيادة معارفه الطبية والاطلاع على المكتشفات الحديثة فيما يتعلق بالتشخيص والمعالجة، لان الإصابة فيهما تؤدي إلى الشفاء بإذن الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام: "إن لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله) (2)
ولقد نبه " الرسول صلى الله عليه وسلم في التداوي بالرجوع إلى أهل الخبرة بالطب، وحذر المدعين بأنهم ضامنون لما ينجم من أضرار نتيجة جهلهم أو تعديهم في الصنعة فقال: "من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن " (3)

الترخيص بمزاولة الطب:
لم تكن مزاولة الطب خاضعة للترخيص من قبل الدولة وفي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، واستمر الأمر كذلك في عهود فجر الإسلام واكتفى بتضمين الجاهل والمتعدي في المزاولة.
ولقد "ترك الإسلام لأولى الأمر حق التنظيم وأوجب طعم الطاعة في غير معصية ولذا أقدم الخليفة العباسي المقتدر بالله سنة 319 هـ على منع سائر المتطببين من التصرف إلا من أمتحنه الطبيب سنان بن ثابت بن قره فسبق الخليفة بذلك سائر الدول.
ولقد كان أيضا أمين الدولة هبة الله بن التلميذ عميدا لأطباء بغداد يتولى امتحان الأطباء في العراق (5).

خ- الآداب الطبية :
لقد حافظ أطباء الحضارة الاسلامية العربية على تعاليم ابقراط في ميثاقه وبدء كتابه الطب، وادخلوا عليها بعفو التحسينات. فابن رضوان عميد أطباء القاهرة علق على تعاليم ابقراط وقال: الطيب على رأي ابقراط هو الذي اجتمعت فيه سبع خصال:
الأولى: إن بكون تام الخلق، صحيح الأعضاء، حسن الذكاء، جيد الرؤية، عاقلا، ذكورا، خير الطبع.
الثانية: أن يكون حسن الملبس، طيب الرائحة، نظيف البدن والثوب.
الثالثة: أن يكون كتوما لأسرار المرضى، ولا يبوح بشيء من أمراضهم.
الرابعة: أن بكون رغبته في آراء المرضى أكثرمن رغبته فيما يلتمسه من الأجرة، ورغبته في علاج الفقراء اكثر من رغبته في علاج الأغنياء.
الخامسة: أن يكون حريصا على التعليم والمبالغة في منافع الناس.
السادسة: أن يكون سليم القلب، عفيف النظر، صادق اللهجة لا يخطر بباله شيء من أمور النساء والأموال التي شاهدها في منازل الاعلاء فضلا عن أن يتعرض إلى شيء منها
السابعة: أن يكون مأمونا ثقة على الأرواح والأموال، ولا يصنع دواء قتالا ولا يعلمه، ولا دواء يسقط الأجنة، يعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه (6).
إن المتأمل لتلك الخصال يرى إنها- فيما عدا كونه تام الخلق صحيح الأعضاء خصال إنسانية وردت في تعاليم الإسلام أيضا، منها على سبيل الاستحباب ومنها على سبيل الفرض ليتصف بها كل مؤمن. ولا يتسع المجال لذكر النصوص الاسلامية في ذلك.
أما نصهم على الصفات الجسمية وحسن الملبس فلأن استكمالها في الطبيب أدعى لثقة المريض به. ولذا تجري وزارة الصحة في العصر الحديث- من قبل ممثلها مقابلة مع الطبيب للحكم بلياقته البدنية لمزاولة المهنة قبل إعطائه الترخيص.
ومن الآداب الاسلامية التي يحتاج إليها الطيب أيا كانت ديانته إضافة للخصال السابقة أذكر
ما يلي:-
ا- القيام بالإسعاف نهارا وليلا على قد ر الإمكان تفريجا للكربة.
2- التلطف بالمريض والحلم في استجوابه وتفهيمه مراعاة لحالته النفسية ووضعه الثقافي.
3- اللباقة في تعريف المريض بمرضه، ومحاولة تطمينه ورفع معنوياته، وكتم الإنذار بالخطر عنه وإعلامه إلى ذويه الاقربين.
4- الدعاء للمريض وهو نوع من مواساة المريض بالكلمة الطية.
5- الحالة المريض إلى أخصائي أو عمل لجنة طبية استشارية ذا كان الأمر يستدعي ذلك قياما بالأمانة والنصيحة المطلوبين شرعا.
6- إذا التقى عده أطباء عند مريض فليقدم أحدهم من هو أعلى مرتبة في الطب إن علم وإذا تقاربوا في المرتبة فليتقدم أكبرهم سنا.
7- الابتعاد عن الغيبة، وخاصة غيبة الزملاء وتجريحهم، فالغيبة مذمومة إنسانيا ومحرمة في الإسلام.

د- احترام أحكام الشريعة الاسلامية في المزاولة:
إن الآداب الإسلامية السابقة عامة تشمل كل الأطباء وان اختلفت عقائدهم. وهناك أحكام وآداب للشريعة الاسلامية على الطبيب المسلم آن يلم بها وأن يحترمها في مزاولته المهنة، وعلى الطيب أيا كان أن يراعيها لدى فحصه المسلمين والمسلمات.
1- أن يبدأ المعاينة والوصفة وتطيق المعالجات والمداخلات الجراحية ووسائل التشخيص المخبري والشعاعي بقول " بسم الله " أو " بسم الله الرحمن الرحيم " وذك قبل كشف العورة إذا اضطر للكشف.
2- أن لا يكشف من العورة إلا بقدر ما تستدعيه المعاينة لان الضرورات تقدر بقدرها.
3- أن لا يصف دواء من المحرمات لغير ضرورة. والمحرمات في الإسلام ذات أضرار على صحة الإنسان البدنية أو النفسية أو الاعتقادية. ومن المعلوم أن الطبيب يفضل اللجوء إلى الدواء الخالي من التأثيرات الجانبية إلا عند الضرورة حيث يفقد الدواء الأمثل ويكون ضرر المرض أشد من ضرر الدواء ذي التأثيرات الجانبية فيعطي هذا مع المراقبة والحذر
4- أن لا ينهي حياة مريض ميئوس من شفائه متعذب من آلامه بأي واسطة، بل يساعده في تخفيف آلامه وتهدئة نفسه حتى يأتي أجله المحتوم (8).
5- أن لا يقوم بتعقيم نهائي لغير ضرورة صحية ميئوس من زوالها.
6- أن يستند إلى معارفه الطبية والى وضع المريض الصحي العام والى فن المداواة والى تقوي الله في فتواه للمريض بالفطر في شهر رمضان. فهناك أمراض تستفيد من الصيام، وهناك أمراض لا تتأثر منه، وهناك أمراض تستدعي الإفطار (9).
7- أن تراعى تعاليم الإسلام في فحص الجنس للجنس الآخر كما هو موضح فيما يلي من بيان:

هـ-: تطبيب الجنس للجنس الأخر:
أفردته بالذكر مع انه تابع للبند السابق لاتساع المقال حوله من تراثنا الإسلامي والأصل في تعاليم الإسلام عدم جواز معاينة ومداواة الرجل المرأة غير المحرم أو العكس لوجود النظر والجس فيهما. ويستثنى من ذلك حالات الضرورة كعدم توفر طبيبة تثق المريضة أو ذووها بمهارتها أو طبيبة كاختصاصي الطبيب المعالج لها إذا كان مرضها يتطلب اختصاصا، أوان معارك الجهاد تحتاج إلى توفير الرجال للقتال والى فتح المجال أمام النساء لتمريض الرجال أو معاينتهم ومداواتهم، والقاعدة الفقهية تقوله: الضرورات تبيح المحظورات.

وتقد ر الضرورة بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس وغير ذلك والطبيب المسلم الملتزم يقد ر ذلك مع البعد عن الوقوع في العسر أو الحرج.

وفي نصوص الأحاديث النبوية الثابتة ما يفيد جواز تطيب المرأة وتمريضها الرجل الأجنبي وفي حالات الضرورة (10).

ولتوفير الرجال للقتال تطوعت الصحابيات في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم لخدمة المجاهدين وتمريضهم ومعالجة جرحاهم (19)، وكيف لا يتطوعن وهن يرين رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرع بين نسائه فآيتهن تخرج سهمها خرج بها في غزوته (62).

ومن الواجب وجوب ثالث عند فحص الطبيب للنساء (وبالعكس) تجنبا للخلوة بهن (13) ولذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخير المتطوعة للتمريض في الغزوة بين أن تكون في رفقة نساء قومها أو عشيرتها وبين أن تكون في رفقة أم المؤمنين التي وقعت القرعة على خروجها معه عليه الصلاة والسلام (14/.

على أنه في الحالات الاسعافية يجوز للجنس معالجة الجنس الآخر بغض النظر عن وجود ثالث فان الضرورات تبيح المحظورات.

ولقد اشتهرت في العهد النبوي رفيدة الأنصارية أو الاسلمية بمداواة الجرحى وكانت تحتسب بنفسها على خد مة من كانت به ضيعة من المسلمين، ولقد جعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة كمستشفى عسكري في مسجده الشرين لمعالجة الجرحى في معركة الخندق (15).

ولقد امتازت بعض النساء في تاريخنا بالطب: ففي أيام الأمويين اشتهرت زينب طبيبة بني أود بمعرفتها في طب العيون وفي الأندلس كانت أخت الحفيد أبي بكر بن زهر وابنتها عالمتين بصناعة الطب والمداواة ولهما خبرة جيدة بما يتعلق بمداواة النساء.

و- أجرة الطبيب.
ا- انو كسب الطبيب من مزاولة الطب من المكاسب الحلال في شرعة الإسلام أيضا ولو كانت المعالجة حجامة (18) أو نفسية روحية (61) ما لم يلابس الأمر دجل أوتعد في الصنعة.
وأرى إن التعريفة المنصفة ذات الحدين هي من حق ولاة الأمر عندما توضع لدفع الجشع ولتأمين المعاينة لسواد الشعب خاصة عندما يشيع الضعف في الالتزام بتعاليم الإسلام.
2- أما اشتراط الأجر على البرء ويسميه الفقراء بالجعل فقد اختلفوا في منعه وجوازه (20).

ز- المسؤولية الطبية:
ينشأ عن مخالفة الكثير من قواعد وآداب مزاولة الطب مسؤولية طبية تجاه كل مخالفة. وان المستند الأول للفقهاء هو الحديث الشريف:
" من تطبب ولم يعلم منه الطب فهو ضامن ".
ولقد لخص الحكم الفقهي الفقيه الطبيب الفيلسوف ابن رشد القرطبي الحفيد فقال: أما الطبيب وما أشبه إذا أخطأ في فعله وكان من أهل المعرفة فلا شيء عليه في النفس، والدية على العاقلة (يعني العصبة) فيما فوق الثلث وفي ما له فيما دون الثلث.
وإن لم يكن من أهل المعرفة فعليه الضرب والسجن والدية، قيل في ماله وقيل على العاقلة (21).
. ولقد فصل ابن قيم الجوزية في الأحكام لأنها تختلف بين أن يكون الطبيب حاذقا لما أقدم على معالجته من أمراض أو غير حاذق، وتختلف بين حال عدم ارتكابه خطأ مهنيا وبين حال ارتكابه، وتختلف بين وجود إذن من المريض أو وليه أو عدم وجود إذن (22).
واقترح أن يتحمل صندوق نقابة الأطباء أو صندوق التعاون ضمان ما ينتج عن خطا غير مقصود وغير ناتج عن تقصير، أما بدون اشتراط إعسار الطيب أو باشتراطه.
أما المخالفات الأخرى لقواعد وآداب مزاولة الطب فمتروك تحديد جزائها وعقوباتها إلي أولى الأمر.
هذا ويحتاج موضوع المسؤولية الطبية وسر المهنة إلى الدراسة الوافية والتفصيل من قبل هيئة مؤلفة من خيرة فقهاء المذاهب في الدول الاسلامية، ومن أطباء نقابيين وآخرين ممثلين لوزارات الصحة.
وختاما أتتقدم بالشكر الجزيل لوزارة الصحة في دولة الكويت، وللذين عملوا في التحضير لاقامة هذا المؤتمر وإنجاحه، ولمن رعوه فأتاحوا للباحثين تقديم ثمرات جهودهم.
وآمل أن يكون بحثي هذا مساعدا في وضع مشروع لقواعد وآداب تتمشى مع تعاليم الإسلام، كما آمل أن تسعى الدول الاسلامية والعربية إلى توحيد قانون مزاولة المهن الطبية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:10 PM
قواعد وآداب مزاولة مهنة الطب
وردت في التراث الطبي الإسلامي

محمد الطيب بسيس
تونس

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:11 PM
نصوص في أدب الطبابة.
ليس من العجيب أن نجد في تراثنا الإسلامي نصوصا مأثورة في ميدان " أدب الطبابة" سواء ممن كانوا أطباء أومن غيرهم ممعن لهم اهتمام بالمجتمع وما يتصل به.

وأّئه لمن الطريف أن نجد نموذجا من ذلك يقدمه إلينا فقيه أندلسي اهتم به من بين اهتماماته في معالجة الكثير مساوئ مجتمع عصره، وكانت هذه الاهتمامات متجهة ومندفعة نحو مقاومة البدع والمنكرات وتقويم الانحرافات في كل ميدان وتوجيه النفوس والضمائر نحو خلوص النية لله تعالى، ولعله وجد بعض الانحراف في سلوك بعض أطباء مجتمعه فاقتحم عليهم أبواب مهنتهم وواجههم مذكرا بواجباتهم المهنية وما يصلح بحق أن نسمي ذلك " أدب الطبابة ". وفقيهنا هذا هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحاج العبدري الماضي أن سماء القرن الثامن الهجري المتوفى سنة 737 هـ 1336م بالقاهرة (1) 0 أما كتابه الذي جمع فيه نصائحه ودعوته فهو كتاب " المدخل " وهو يعتبر بحق، وثيقة لها أهميتها في تشخيص حالة فى المجتمع الإسلامي في عصره وما فيه من انحرافات في السلوك والأخلاق وما استهدف الناس من بدع ومنكرات وخرافات مبينا لهم فيه طريق الاستقامة وحسن السلوك وهو بازاء ذلك يهدف إلى أن تخص أعمال الخير والبر والاستقامة تدور على محور الإخلاص أي خلوص النية لله تعالى التي هي أساس كل الأعمال في الشريعة الاسلامية " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (2)

وبالطبع فإننا سنجد هذه الآداب في كتابه منظورا إليها من زاوية نظرة إسلامية خالصة وهي رغم أنها لم تكن شاملة لكل ما يجب أن يكون في آداب الطبابة لأن شيخنا هذا كما أسلفنا إنما يتعرض للجوانب التي يرى أن الانحراف قد تطرق إليها أما الجوانب السليمة فلا داعي لذكرها حسب منهجه.
وعلى كل فان ما تعرض له يشتمل على تفاصيل غاية في الدقة والوجاهة على هذه الصورة الآتية:
نص المدخل
" أن يكون الطيب خالص النية في عمله لله تعالى، حتى يكون عمله من أعظم العبادات لا يريد عليه عوضا من الدنيا، وان قصده امتثال السنة المطهرة قي التطيب وكشف الكرب عن إخوانه المسلمين ومشاركتهم في مصائبهم والنوازل التي تنزل بهم كما ينوي الشفقة عليهم ".
وهذا هو العنصر المعنوي الفعال الذي هو المحور الذي ركز عليه ابن الحاج كل توجيهاته ونصائحه في كتابه ثم يمضي في سرد نصائحه عن هذا النسق.

" أما عند مباشرته لمريضه فيتعين عليه أن يؤنسه ببشاشة وطلاقة وجه ويهون عليه ما هو فيه من المرض اقتداء بالسنة المطهرة وينبغي للطيب أن يكون أمينا على أسرار المرضى فلا يطلع إلا إذا علم أن المريض لم يأذن له في ذلك إلا بقصد استجلاب خواطرالاخوان أومن يتبرك بدعائه، وينبغي ألا يقعد مع الطبيب غيره لمن هو مباشر للمريض وعالم بحال مرضه بشرط أن لا يستحى المريض أن يذكر مرضه بحضرته.

ومن أكد ما عام الطيب حين جلوسه عند المريض أن يتأنى عليه بعد سؤاله حتى يحبره المريض بحاله- ويعيد عليه السؤال لان المريض ربما تعذر عليه الإخبار بحاله لجهله به أو تأثره بقوة ألمه ".
وهنا ينتقد المؤلف بعض أطباء زمنه في عدم آخذهم بهذا السلوك فيقول.
"فهم لا يمهلون المريض حتى يفرغ من ذكر حاله بل عندما يشرع في ذلك فان الطيب يجيب أو يكتب والحال أن المريض لم يفرغ من ذكر حاله- ويزعم بعضهم أن ذلك من قوة المعرفة والحذق وكثرة الدراية بالصناعة فالعجلة لغير الطبيب قبيحة لمخالفتها لآداب السنة المطهرة فكيف بها في حالات الطيب، فيتعين على الطبيب أن يسمع كلام المريض إلى آخره فلعل آخره ينقض أوله أو بعضه ولربما يغلط المريض في ذكر حاله أو يعجز عن التعبيرعنه، فإذا تأنى الطيب وأعاد عليه السؤال برفق أمن من الغلط فإن الغلط في هذا خطر لأن أصل الطب والمقصود منه هو معرفة المرض فإذا عرف سلمت مداواته غالبا.

ويتعين على الطبيب إن كان لا يعرف المرض أو كان عارف بدوائه أن لا يكتب شيئا من الأدوية لما في ذلك من إضاعة للمال.


وينبغي للطيب أن لا يقتصر على سؤال المريض وحده بل يسأل من يخدم المريض إذ ربما يعرف عن المريض أكثر مما يعرفه هو.

وينبغي للطيب أن يعرف حال المريض في حال صحته في مزاجه ومرباه وأقليمه وما أعتاده من الأطعمة والأدوية سواء بالسؤال من المريض أو ممن يلوذ به وإذا تعذر عليه ذلك فليسأل عن والدي المريض ويطبه بمقتضى حالهما (3) وأكد ما على الطبيب النظر في القارورة، لأنها تبين من كل ما مر ذكره، فالماء إذا دخل جوف المريض تغير إلى حالة المرض الذي يشكو منه، فيعرف الطبيب إذ ذاك العلة أو يقرب فيها من اليقين.

وينبغي للطبيب أن يشهي المريض في الأغذية ثم ينتظر بعد ذلك، فان رأى في ذلك منفعة أو عدم ضرر حالا أو مآلا وسع له فيه، وان أنعدم النفع والضرر فالأولى المسامحة في ذلك لحصول الراحة للمريض بذلك.

وان رأى فيه الضرر تلطف في منعه واعدا إياه به تطبيبا لنفسه ولئلا ينزعج فيزيد مرضه. فالتلطف بالمريض والإشفاق عليه هو الأصل الذي يرجع إليه لقوله " الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق ".

وينبغي للطبيب أن ينظر في حال المريض فان كان مليا أعطاه من الأدوية ما يليق بحاله، وان كان فقيرا أعطاه ما تصل إليه قدرته من غير كلفة ولا مشقة.

وان أعطاه أحد منهم شيئا أخذه ويكون بنية الاستعانة على ما هو بصدده، ويكون على حد سواء من أعطاه ومن لم يعطه، والذي لا يعطيه أعظم منزلة عنده لانه كان لله تعالى وانتفت عنه حظوظ النفس.

وينبغي للطبيب أن يكون الناس عنده على أصناف فصنف يأخذ منه، وصنف لا يأخذ منه، وصنف إذا وصف لم شيئا من الأدوية أعطى لهم ما ينفقونه فيه.

فالصنف الأول من له سعة ي دنياه.
والصنف الثاني العلماء والصلحاء المستورون في حال دنياهم فلا يأخذ منهم شيئا إلا إن يكون محتاجا.
والصنف الثالث الفقراء الذين لا يقدرون على كفايتهم في حال الصحة فهؤلاء يعطهم ثمن ما يصفه لهم إن كان في سعة.

ثم ذكر المؤلف أنه رأى هذه الخصائص الحميدة أو بعضها في بعض أطباء زمنه.

هذا ولسنا نقول بأن هذا النص يشكل كل آداب الطبابة أوان كل ما فيه مغن عن جوانب- أخرى مما تستلزمه آدابها إنما هذا لون من ألوانها مما كان يراه إسرافنا وقد لمسنا فيه حيوية نابضة وحركية نشطة تكاد تربط حاضرنا بماضينا وتلامس أوضاعنا وكأنها وضعت ليومنا وكان لا يتحدث عنه قد شاهده قي حياتنا المعاصرة.

وتمتاز هذه الفقرات بكونها تهتم بالتأثير المعنوي الذي له صلة مباشرة في معنويات المريض، وهذا حسب العنصر الفعال في الموضوع، لان العناية بهذه المعنويات والإهمال بتقويتها حتى تكون مصدر ايحاء له بالعافية والشفاء فهي من أهم ما ترمي إليه آداب الطبابة. كما إنها تعنى بمعنويات الطيب نفسه حينما يكون في مواجهة المريض والمرض بإخلاصه في العمل مريدا بذلك كشف الكرب عن إخوانه ولإشفاق عليهم ومشاركتهم في مصائبهم بمحاولة دفعها عنهم بدون أن يكون له من وراء ذلك غايات مادية وإن وجود هذه المعنويات النزيهة لدى الطيب مما يرفع من شأن هذه المهنة ويوفر على المريض أنجح علاج. أما جانب الفقراء في هذه الفقرات فقد كان بحق جانبا مرموقا محظوظا كل الحظوة فالطيب لا يقتصر على العمل مجانا بل هو مطالب أيضا بتسديد ما يلزم صرفه للدواء الموصوف إن أحوج لهذا.

ولم يقتصر هذا النص على إسداء وصاياه للطبيب بل نراه واجه المريضة وأهله بكثير من النصائح التي تساعد الطبيب على عمله وفي النهاية على التغلب على المرض وآلامه.

فآداب الطبابة حينئذ لم تشغل الأطباء وحدهم بل شغلت الفقهاء ودعاة الإصلاح.

الحسبة على الأطباء والطبابة:

لقد أبدع النظام الإداري الإسلامي مؤسسة الحسبة في عيد مبكر جدا منذ برزت ملامح المجتمع الإسلامي وبدأت في التشكيل والتبلور، وهكذا حتى أصبحت وظيفة المحتسب تستوعب تحت سلطها كل فئات المجتمع في أخلاقها العامة وسلوكها الاجتماعي وما يجب أن تكون عليه كان فئة من السلوك القويم والاستقامة فيه يجري من معاملات بين الناس والقضاء عام الغش والتغرير والشعوذة والدجل والكشف عن الوسائل المزيفة والتلفيقات الخادعة.

وقد كانت المراقبة على مهنة الطبابة في سلما هذه الاختصاصات فكانت ممارستها خاضعة لشروط وقيود دقيقة تحدد ما للأطباء ما لهـم وما عليهم، وكان المحتسب يقوم بهذه المراقبة حفاظا على سلامة المجتمع ودفعا ليصل ما يكون سببا في ايذائة وبث الفوضى والفساد فيه.

وقد تعرضت كتب الحسبة بإسهاب إلى كل هذه المراقبة الدقيقة ووسائلها وطرقها إلى أن تتوغل في أعماق علم الطب وتفاصيله ومحال مراقبتها إجرائيا ومهنيا وأخلاقيا ولعلها قد ضبطت في هذه العناصر التالي :-

أولا :- التعرف بالطبيب وتحديد مسماه علميا .
ثانيا: ـ أن يترأس الأطباء حكيم مشهور بحكمته كثير الحرمة بالغ التجربة بعد أدائه يمينا قاطعة لا كفارة فيها .
ثالثا : تحديد طريقة امتحان معلومات كل صنف من أصناف الأطباء والمواد الفعليه التى يجب أن تتوفر في كل حتى يجاز ويؤذن له بالطبابة.
رابعا: ما يجب أن يفعله الطبيب عند مباشرته لمريضه.
خامسا: اللجوء إلى تحكيم رئيس الأطباء في طريقة المعالجة عند حدوث ما يدعو لذلك.
سادسا : تضمين الطبيب ومساءلته قضائيا .
سابعا : على المحتسب أن يأخذ عهد ابقراط على الطبيب المجاز.

ومن يطلع على التفاصيل العلمية التى تتعرض لها كتب الحسبة على مهنة الطبابة يدرك مدى الرعاية المثلى والرقابة المشددة التى يفرضها نظام الحكم في الإسلام لصيانة آداب الطبابة ووقايتها من أخطار الجهل والمشعوذين.

فهذا الاهتمام الشديد بالطبابة إنما كان من أجل مكانتها الاجتماعية وبقدر هذا الاهتمام برسالتها الإنسانية كانت عليها هذه الرقابة الدقيقة الصارمة .

فإذا كانت آداب الطبابة في غالب أحوالها ذات محور معنوي أحد قطبيه يتجه نحو نفسية المريض ومعنوياته وقطبه الآخر نحو نفس الطبيب واحساساته أو نحو معنويات المهنة وكرامتها .

ولن تحقق لهذه المهنة كامل كرامتها إلا متى توفرت فيها القيود والشرائط التي تفرضها النظم التشريعية والقانونية لتنظيمها وحمياتها وشد أزرها .

ويحق لنا بعد كل هذا أن نفخر بهذا النظام الفائق في كل دقائقه وأحواله لأنه يمثل مدى الرقى والتسامى الذي بلغه المجتمع الإسلامي في حماية خلاياه.

تعاليم الإسلامي في وضوحها لا تتعارض مع تلك التنظيمات الجزئية التى تقتضيها مهنة الطب في هذا العصر ما دامت تلك الأصول الأخلاقية العامة سليمة الجوهر قائمة الكيان.

بعض المبادئ في آداب الطبابة.

- على الطبيب أن يكون متصفا بالدين والثقة والأمانة.
- أن يكون عارفا بالحلال والحرام في مهنته.
- أن لا يصف دواء محرما إلا لضرورة
- أن يستشعر بمسؤوليته أمام الله لأنه يتصرف في المهج والأرواح.
- أن يكون مخلصا في عمله لله بنية كشف الكرب عن الناس والشفقة عليهم ومشاركتهم في مصائبهم والنوازل التى تنزل بهم.
- ليكن ما يأخذ من أجر هو للاستعانة على عمله والعبرة فيه أن يباشر عمله ع من يعطي ومن لا يعطي على حد سواء بنية أنه يقوم بعمله احتسابا .
عليه أن يباشر مريضه مؤنسا إياه ببشاشة الوجه وطلاقته وأن يهون عليه ما هو فيه من المرض.
أن يهتم بعناية مريضه كعنايته بما يشكو منه.
الطبيب حريص على المحافظة على أسرار مرضاه وحريص على الاختلاء بمريضه حتى لا يطلع أحد على حاله.
أن يكون متأنيا في السؤال عن المرض بهدوء حتى يتفهم المريض السؤال ويتعرف منه أحوال مرضه وما يؤلمه وما يشكو منه .
على الطبيب أن لا يقتصر على سماع المريض وحده بل كذا يعالجه أن كان فإنه قد يكون أدرى بحاله.
وعليه إن كان لا يعرف المرض أو لا يعرف دواءه أ، لا يصف له دواء يضره أي لا يباشر تجربة على مريض غير مأمونه العاقبة فإن النفس إن تلفت لا تعوض..

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:12 PM
بيان تمهيدي عن الأعمال التحضيرية
من أجل إقامة نظام للآداب الطبية الاسلامية

دكتور / إحسان. أ. كاراجاس

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:12 PM
الهدف من هذا العرض هو استعراض الخلفية التاريخية للطب وظهور الحاجة الكبيرة إلى إعادة صياغة الآداب الاسلامية ومنهاجها على أساس التطورات المعاصرة للشريعة والمعرفة الطية.
ولد محمد من عشيرة بني هاشم من قبيلة قريش عام 571 م، حيث كان العرب البدو يعيشون حياة ترحال وسط جو من عدم الاستقرار الديني والاجتماعي والعقائدي، وكان العالم البيزنطي ممزقا بسبب الانقسامات الدينية التي عمت العالم المسيحي وكانت فارس متجمدة فى وثنيتها في ظل الأسرة الحاكمة. ووسط هذا الأفق العقائدي نزل القرآن ونادى مقرا بالحقيقة الكونية- وحدانية الله والامتثال لأوامره. وأثناء عهد النبي كان ابن كلدة من الأطباء البارزين الذين تخرجوا من مدرسة جند يسابور، فخلال حياة النبي كانت مدرسة جنديسابور ا (طية المؤسسة الأولى في فارس للمعرفة حيث تتجمع فيها العلوم اليونانية والاسكندرانية والفارسية والهندية. ونجد في عهد النبي على الرغم من، القـيود التي كانت موجودة في مجال الطب، نجد نساء شهيرات اكتسبن مهارة نادرة في علم الصحة ومعالجة الجروح والإصابات، من بينهن رفيدة وأم عطية اللائى كن خبيرات، كذلك زينب من قبيلة بني أود وأسماء بنت أبى بكر التي كان لها شهرة طيبة ونبوغ.
و
إن هذا يعتبر تعظيما وإجلالا تاريخيا للمرأة المسلمة في مجال ممارسة الطب فلقد كان من غير العادي ظهور المرأة في تاريخ الطب الإسلامي، وفي رأي أنا لها مدلوها الخاص كصرح للسنة في الآداب الاسلامية. وهو يعني انه إذا كان الفن الطي يمارس بأسلوب التطبيق العملي الموروث وبالأساليب الفنية المنطقية فانه يكون مقبولا بالإجماع، وهذا هو إجماع للأطباء والمفكرين المسلمين بغض النظر عمن يكون قد أنجزه سواء كان رجلا أم امرأة، مزمنا أم كافرا، وكان هذا مقبولا عند النبي واجماع المجتمع الإسلامي الأصلي الأول. "وهذا فيما اعتقد أحد المنابع الأصلية للروح الإنسانية الاسلامية في الطب.

ونلاحظ في القرن السابع الميلادي بداية تكوين الحضارة الاسلامية وذلك في تطور روعة قباب المساجد وفي المكتبات ومراكز التعليم، وكذلك في المستشفيات الخيرية حيث كان المؤمن يستعيد صحته في دار الإسلام. وفي طريق المدنية المنورة وجدت مستشفيات مسلمة رائعة مثل مسجد الجامع ومدارسه، وكانت قد أقيمت كمعاهد مدنية لتنمية فن الطب، وفي المدارس كان علم الكلام هو المحرك الرئيسي لعلوم الشريعة بوجه عام وعلم الأخلاق بوجه خاصة.

وقد أقيم أول مستشفى في الإسلام (البيمارستان) في عهد الأمويين. وكانت مستشفيات العصور الوسطى الشهيرة هي بيمارستان المقتدري والسيدة في بغداد، وبيمارستان ابن طولون والداودي في القاهرة، ومستشفى السلطان نور الدين دمشق ومستشفى السلطان صلاح الدين من الأسرة الحاكمة الأيوبية. وجدير بالذكران مستشفى مراكش كان يعتبر لا مثيل له في ذلك الوقت في القرن الثالث عشر.
وكانت المستشفيات في الأوقاف الاسلامية أماكن تدل على عظمة الخلفاء حيث كانت مراكز صحية خيرية وإلى جانب إنها كان كانت كذلك لها مهابتها كأماكن للشفاء. والأهم من كل ذلك إن المستشفى كانت بالنسبة للمؤمن مكانا للتطهر حيت أن الصحة كانت النصف المكمل، للإيمان، وكانت المستشفيات تصمم حدائقها وأفنيتها ونافوراتها جنبا إلي جنب مع تصمم البناء والأقسام الطبية كي تعكس الشكر العميق لله من جانب رعايتها- وكان فن الطب في البيمارستان هو تحقيق الأبعاد الداخلية للمسلم أخلاقيا ودينيا وكذلك طبيا. وكانت المهارات في سلوك هذا الفن في تلك المؤسسات من أمور الحياة المعتادة وقمة التدرج الأخلاقي للوحدة الرمزية في محيط وواقع الزمالة.

ومع تطور العمل بالمستشفيات فان الأطباء المسلمين قد أدمجوا إدراكهم لاداب الطب ضمن الهيكل المنهاجي لاحظوا من خلال تجاربهم مع المرض حقيقة تحول الإنسان إلى شخص مريض فقد اعتبروا في عملية تحول الإنسان إلى مريض إن التغيير الأصلي يصيبه ككل بلا تمييز وهذا ما كان يطلق عليه قديما تغير الأنا العليا للالسان.

وتبعا للمفهوم القرآني فان الله ذا الأسماء والصفات الحسنى يعامل الإنسان بهذه الصفات الحسنى، وبالتالي فان المسلمين يتصورون انه يجب على الطيب أن يتعامل مع الإنسان بمفهوم أخلاقي وكان هذا وجهة السلوك في هذا الفن جنبا إلى جنب مع العدالة والصلاح. وان عمل الخير تبعا للمبدأ الأخلاقي يستلزم معرفة أصول الطب وفهم التعاليم الإلهية التي تلهم للإنسان في اتخاذ قراره وكمعيار للسلوك في هذا الفن.

هذه الطيعة المزدوجة للآداب الأخلاقية ذات الشقين كانت في روعتها الضوء الحساس العظيم للحياة الذي ينبعث من داخل الإنسان. وباعتبارات منهجية سليمة يمكن اعتبار التعاليم القرآنية قد جاءت ليس للعبادات فحسب وانما أيضا تطويرا للحضارة والمدنية.

والإنسان في المجتمع الإسلامي كمخلوق إجماعي سواء كان سليما أم مريضا فهو متدين ومتخلق بعظيم الأخلاق في نفس الوقت.

وبالنظر إلى رسالة النبي من الناحية الأخلاقية، فقد أشار إلى انه أرسل بالوحي الآلي كي يبين المعاني الأخلاقية للسلوك الإنساني.
وبهذه الأوليات الأخلاقية وكي نتفهم أركان الدين بمعناها في الإسلام وهي الإيمان بالله والحياة الآخرة بعد الموت ويوم الحساب العظيم، وهذا هو جوهر الإنسان السامي للوحدة بين الإرادة الإلهية وإرادة الإنسان. إنها الإرادة الكونية للحب والعيش القائمة على قوة التوحيد وثباته مما يعطي الحياة والنور للكيفية الروحية للإنسان.

إن طريق الحياة الاسلامية للامة في هذه الفترة الحاسمة من الفهم كانت بالتالي تحولا من المدنية إلى الإنسانية وبالطبع فان هذا يتطلب تطوير نظام شامل للفرد والحياة العامة للقبائل العربية في الأراضي المقدسة خلال تلك الفترة في العصور الوسطى.
ونلاحظ عندئذ ظهور الأطباء، حيث يمارس الطبيب تطوير فن مهنته في ضوء المفاهيم الأخلاقية والدينية فى القرآن. وعلى ذلك فان تيار التقدم في الآداب الطبية في الإسلام قد وجد في القرآن الكريم منبعا ملهما، وكذلك كانت السنة العملية والأحاديث كما كانت الشريعة وأصول الفقه مصدرا آخر.
وقد شهد القرن التاسع الإسلامي بحثا علميا في آداب الطب العربي وهو ذلك المؤلف البارز إسحاق بن على الرحاوي " آداب الطيب ".

ومع التقدير الخاصة لمخطوط آداب الطبيب. فإنني آمل أن استعرض الآداب العلمية للطيب المسلم بالنسبة لاثرها على تاريخ الطب الإسلامي، وعلى الرغم من أن الآداب الطبية كانت موجودة من قبل في صورة أولية ضمن العادات في الحياة القبيلة في العالم العربي إلا إنها بدأت في القرن التاسع الإسلامي كدراسة منهجية من خلال الأبحاث العظيمة كآداب مهنة الطب للرحاوي الذي يعد كتابا شاملا ومنتقى في الآداب الطبية ، وهو يشمل نطاقا واسعا من الاهتمامات الأدبية مثل ولاء الطبيب وإيمانه كرامة مهنة الطب برنامج التدريب الطبي ومنهج الاختبار ، رعاية الطبيب نفسه كي ينمي روحه وأخلاقياته وتوصياته للمرضى وخدمهم وزائريهم.
إن الهدف من هذا الملخص الأخلاقي هو الحفاظ على المستوى العالي لمهنة الطب في ظل التوجيه الإلهي وهو كما يشير مؤلفه ( لتقوية روح الطبيب في اتجاه الحق وينمي شخصيته من الناحية الأخلاقية ) والنسخة الفريدة من هذا المخطوط موجودة في مكتبة السلطان سليمتان الأعظم ( استنبول ) رقم 1658

ويبدو البحث انه من وحي العقيدة الاسلامية، وقد اقتبس المؤلف - الرحاوي-من أراء جالينوس في كتابه عن آراء ابقراط وأفلاطون كذلك اقتبس من كتاب الرازي " كتاب الطب الروحاني "، وقد أكد الرحاوي على العلاقة المتبادلة بين الطيعة الروحية والبدنية. وهو يرى، بوضوح من خلال كتاب السير الفلسفية أن الإيمان هو المطلب الفلسفي الأول وذلك مع الباعث والروح والإرادة الحرة ويرى في رسالة الأطباء تشابها بتلك التي جاء بها الرسل ( أنه تعليم لا يقوى عليه العقل وحده ) وقد أعطى تصورا لطبيب المخلص كما أعطى تفاصيل عن حياته الشخصية وقراءاته وحكاياته مع مرضاه.

في هذا العرض المجمل يمكن وضع الأفكار الهامة المتواترة بانتظام في الطب جنبا إلى جنب مع علوم الطب الحديث. وفي رأيي أن هذا هو السبب الجذري لموقف العظيم الخطورة الذي صعب التنبؤ به للطب العربي ليوم.

وهنالك، فان المشاهد إن الطب في العالم وهو عام أبواب التقدم الحالي ابتداء من قاعدته اليونانية إلى ما هو عليه الآن من تفريعات تكنولوجية يتطلب كما نرى الآن تقويما نقديا وإنسانيا لآدابه على النطاق الإقليمي والعالمي.
وفي لطريق العريض نحو الهدف السابق الإشارة إليه، وبغية يقظة الإسلام وسط التعايش السلمي للكيانات القومية المتشعبة وذلك بوجه عام وللإنسانية المتوارثة للطب الإسلامي بوجه خاصة، فإنني اعرض إعادة تقويم الأساس العقائدي بما يكون أكثر تناسبا للتنظيم المنهجي للطب الإسلامي.
وفي الختام، فانه قد يكون من المناسب أن اشرح جدلا بان التقدم الحضاري للمجتمع الغربي يكمن في نظامه الاقتصادي المحدد والسياسي الواقعي، بينما يتطلب المذهب العقلي سواء في تكوينه الروحي كما في المذاهب الدينية أو في تحديده المادي كما في العلوم التجريبية يتطلب اتفاقا. عالميا وإجماعا من المجتمع الإنساني للحفاظ على الجوهـرالاساسي للحقيقة الإنسانية التي هي المثالية التي يسعى إليها الإسلام.

وفي ظلال هذا الوجود غير الواقعي فإننا نرى الأمل في الأخلاق والآداب الاسلامية.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:13 PM
أولويات آداب الطب الإسلامي والأطباء المسلمين.

يعتبر الطب الإسلامي تراثا نافعا للحضارة الغربية فهو فن علاجي وعلم للخير الروحي والبدني للإنسان وذلك بفضل ارتباطه الفطري بالإرادة الإلهية وبالإنسانية. العالمية ولسمو آدابه وأخلاقياته.
فالطب، الإسلامي كفن هو مجموعة من المؤلفات العبقرية للأطباء المسلمين على امتداد مجرى التاريخ، وهو كعلم يهدف إلى البحث الموضوعي في التفسيرات والمعارف للعلوم الطبية ومنهاجها وممارستها.
إذ الطبيب؟ المسلم يكون مقيدا في عمله بقوانين الإدارة الحرة في ضوء الحدود الواضحة المعالم للمبادئ الأخلاقية الدينية حسبما جاء في القرآن والحديث وعلى ذلك فإن الطبيب المسلم يعتقد بقدسية الحياة والصحة حيث يؤمن بأن الروح تسري في دم الإنسان وجسده .
وإنه ليس من الممكن صنع تلك الحقائق بواسطة عوامل اقتصادية في الدول الإسلامية ومستشفياتها ومعاهدها الطبية فإنه حسب الطبيعة الإلهية والعدالة والسيادة التامة فإن حياة الإنسان وصحته مثل العقيدة والعدالة هو أولويات كونية . إن المجتمع قد وجد كي يبقى على حياة الإنسان ورفاقه من البشر وإن المجتمع الإسلامي ومؤسساته الطبية في مرحلته يجد منابعه الأصلية في تأسيس الدولة والمسجد والمستشفى الخيري لخدمة الإنسان .
وبالنظر إليه هكذا من خلال العقيدة فإن الطبيب المسلم يعتقد أصلا في سمو الحقيقة والعدالة وفير خير الدولة وفي الجانب الإنساني للمساجد ولهذه الأسباب ذاتها فإنه يكون قد بلغ جوهر الحالة المثالية الرفيعة لذلك الفن الذي يبث الحياة في مجتمع الخير الأسمى فهو يؤمن بالأخلاقيات المستقلة للطب وواجب الدولة الخطير الذي عليها أن تقوم به تجاه ذلك.

الرئيسية التالية:-

ا- تنظيم المؤسسات الطبية في ضوء العقيدة وبواسطة الأجهزة المنظمة أي التعليم الطبي الحر والمستشفيات الخيرية وضمانات موحدة للرفاهية والصحة.
2- الحفاظ عام المهنة بحيث تستخدم سجلاتها التاريخية وسجلاتها الصحية بطريقة سليمة مع مؤسساتها العلمية والتكنولوجية.
3- الحفاظ على قيمة الأفكار الرئيسية المتكررة في الطب والتي يطلق عليها ذاتية الآداب الطية وتشريعاتها الطية وكذلك الإنسانية الطبية. وتحدد العادة والتقاليد في أصول فقه الطب الإسلامي أن يحرم التالي:-
أ- تعجيل موت المريض لإراحته من آلامه، تحديد النسل، الانتحار، قتل الوليد، ألاجها، العقم، هندسة الوراثة تحويل الجنس.
2- العمليات الطبية والتدخلات التي قد تغير ذاتية الإرادة الحرة أو العقل مثل الجراحات السيكولوجية والصدمات الكهربائية، وهزأت الأنسولين، والتنويم المغناطيسي بحقن الوريد الكيميائي، والأدوية المميتة.
3- التدخلا ت التشخيصية المتشعبة والعلاجية والبحثية التي تحط من كرامة وكينونة الإنسان سواء تمت سعيا وراء البحث العلمي أو لأغراض سياسية أو إدارية أو عسكرية.
4 - يحرم الشراء والبيع في المهنة الطية "الجسم الإنساني وأعضائه ودمه.
إن الطيب المسلم هو إنسان مثقف يتمتع بالنية الطيبة وهو يؤمن في خضوع وتصميم بالمهمة العظيمة للطب في العديد من الطرق المختلفة

والطبيب المسلم بصفاء مقاصده وإنسانيته فإن خدماته ومكافآته تكون في مواهب الحياة المهنية، فهو يؤمن بمهنته ويثق في فنه ، وان نظرياته وتعليما ته ووصفاته الطية ليست لصالحه وكذلك التكنولوجيا المتقدمة في هذا الفن، فالنظر إلى الإنسان يكون من خلال الإيمان الصادق والصدق في العقيدة سواء في حالة الصحة أو المرض أمر له مهابته بالنسبة له، فهو يعتقد في تصنيف المراض وفي الكيان المستقل للمرض وكذلك يؤمن بأن الإنسان يصاب بالمرض .
وهو في تفوقه في هذا الفن يستطيع قطعا أن يميز بين الإنسان المريض العاجز الذي يستحق العون الصحي والخيري وبين الإنسان الذي يدعى المرض جريا وراء العون والمساعدة.
والأهم من كل شئ أن الطبيب المسلم نمجده في أعماق تكوينه يحيا متفوقا مع فنه كما يعيش إنسان آخر فهو يتقبل الحياة في سبيل تفوق علمه فيعطيه العلم ما لا يدركه العقل عمن الأمراض ورغم ما يكون تناقض المبادئ فإن الطبيب المسلم في ظل حياة السببية يتصور معنى الحياة على أنه وريث هذا الغموض.
لعل السلام والطمأنينة يحلان على المريض وأن يؤمن الطبيب المسلم بالطب الإسلامي

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:13 PM
فضل الإسلام على الطب

دكتور أحمد شوقي الفنجري
الكويت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:14 PM
لقد ظهرت الكثير من الأبحاث والكتب التي تبين فضل الأطباء المسلمين علي الطب الغربي الحديث. ولكنا لا نجد إلا القليل- جدا من هذه الأبحاث الذي يبين فضل الإسلام كدين وتعاليم على الطب. وأثره في خلق مجتمع صحي حصين ضد الأمراض. وهذا تقصير منا في حق ديننا.

ومن الغرب أن يأتي أول اعتراف بذلك من الغرب. فهذا هو الفيلسوف البريطاني " برنارد شو" في مقدمة كتابه "حيرة الأطباء" dilemma The Doctors يقول أن الاستعمار البريطاني عندما أحتل جزر السندونش وضع خطة لتغيير دين السكان فأرسل وفود المبشرين ليبعدوهم عن الإسلام ثم يقول " برناردشو" أن الاستعمار للآسف الشديد قد نجح في ذلك ولكن كانت النتيجة هي تفشى الأوبئة والأمراض الفتاكة بينهم " بسبب بعدهم عن تعاليم الإسلام التي كانت تأمرهم بالطهارة والنظافة على كل شيء إلى حد التدقيق على تقليم الأظافر وتنظيف ما تحتها ثم العناية بدفن القلامات في التراب ".

وفي هذه اللمحة السريعة نحاول أن نلقى الضوء على ما قدمه الإسلام لمهنة الطب من فضل:-
أولا: فالإسلام أول دين يأتي بنظرية علمية وواقعية عن مفهوم المرض ويعترف بالطب والأطباء والدواء:-

فقبل الإسلام كانت الفكرة السائدة في العالم أن المرض شيطان ويدخل جسم الإنسان عقابا له على معصية أرتكبها في حق الآلهة وأن السبيل الوحيد للشفاء هو صلاة الغفران لكي تطرد شيطان فإذا لم يشف المرض فمعنى ذلك أن إيمانه ما يزال ضعيفا. وكانت الكنيسة في القرون الوسطى تمنع الناس من التداوي وتحارب العلماء وتحرق كتبهم أو تضعهم على الخوازيق بتهمة السحر والشعوذة وتحدي إرادة الله.

ويضف برنارد شو هذه الحالة قائلا "كان الناس يستغنون عن الأطباء ويوكلون العلاج إلى العناية الآلهيه ولم يمكن التخلص من هذا الاعتقاد الذي كان سائدا في بريطانيا حتى القرن التاسع عشر الا بسن قانون يقضى بحبس الاب الذي يموت والده دون أن يعرضه على الطبيب بحبسه لمدة ستة أشهر.

فلننظر الآن إلى تعاليم الإسلام في هذا المجال : -

فعندما هاجر الرسول صلعم إلى المدينة جاءته اسر المرضى يطلبون على يديه الشفاء.. فكان يزور المرضى ويدعو لهم بالشفاء ثم يأكل لهم:

استدعوا له الطبيب. فيتعجبون ويقولون: وانت تقول ذلك يا رسول الله فيقول: تداووا عباد الله.. فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له الدواء " الترمذي وأبو داود ".

وجاء جماعة من الصحابة يسألونه: هل في دواء نتعاطاه ووقاية نتخذها هل تمنع هذه من قدر الله فقال .. r بل هي من قدر الله :

وكان رسول الله يمرض وتنعت له الإنعات أي الوصفات الطبية وبقول أني أمرض كرجلين منكم...
من هذا. نرى أن الإسلام في القرن السادس الميلادي قد أتى بمفهوم جديد عن المرض ينفي نظرية الشيطان والمعصية والعلاج بالدعاء والإيمان وحده، ويقرر أن الرسل أنفسهم يمرضون وهم المعصومون من المعصية ويعترف بالطب وبفضل العلم و لاجتهاد.

ثانيا: ومن أفضال الإسلام على الطب انه قد نفى هذه المهنة من الخرافات التي كانت عالقة بها والتي كانت تصاحب العلاج : مثل وضع التمائم من رؤوس الحيوانات ومثل الوشم وقراءة الطالع والنجوم وزجر الطير والاستقسام والازلام وضرب القداح وفي هذه يقول رسول الله .. r.

" لا عدو ى ولا هامة ولاطيرة ولاصفر " ويقول أيضاً "من علق تميمة فلا أتم الله له " وقد بلغ من حزم الإسلام في هذه الأمور قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

" من أتي، كاهنا أو عرافا فآمن بما يقوله فقد كفر بها انزل على محمد" وبذلك وضع الإسلام حدا فاصلاً بين الطب والكهانة.. وكانت كلاهما مهنة واحدة حيث كان الطبيب يسمى الكاهن أو العراف.

ثالثا: وقد وضع الإسلام أول قانون عرفته الإنسانية لحماية مهنة الطب من المشعوذين وادعياء الطب. في ذلك
يقول رسول الله:-

" من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن " رواه ابو داود وابن ماجه والنسائي.

ومعنى تطبب أي عالج وداوى ومعنى الضامن انه مسئول عن خطئه وجريمته، فهذا الحديث نص صريح على ما يعرف في عصرنا بإلأجازة الطبية والشهادة الطبية كما أن فيه تحديداً صريحاً عن مسئولية الخطأ المهني.

رابعا: وقد شجع الإسلام الطبيب المسلم على التخصص الدقيق في مهنته فقد كان الرسول إذا رأى أكثر من طبيب يزور مريضاً يقول لهم:

" أيكم أطب بهذا " ومعناه: أيكم أكثر دراية وتخصصاً بهذا المرض فهو المقدم في العلاج .

خامسا: وقد أعلن الإسلام حقيقة علمية خطيرة: وهي أن كل مرض في هذه الدنيا له علاج يشفه إلا داء واحداً وهو الهرم أي كبر السن وانه إذا كانت هناك أمراض لا نعرف لها دواء اليوم فذلك راجع إلى قصور في علمنا وان علينا أن نجتهد ونبحث حتى نجد لها العلاج الشافي. وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: " أن الله لم ينزل داء إلا له دواء علمه من علم وجهله من جهل فإذا أصيب دواء الداء برأ المرض بإذن الله " رواه الترمذي واحمد.

سادساً: والإسلام أمر بالنظافة الشخصية كوسيلة للوقاية الصحية وأعتبرها مكملة للإيمان " النظافة شطر الإيمان" ونفى أن تكون القذارة نوعاً من التواضع لله والتقرب إليه. وقد أشار الإسلام إلى تلوث الأطعمة والملابس والأيدي وحبب في الطهارة ونهى عن النجس والقذارة وحدد المواد النجسة فمنها القيح أي الصديد والبراز والقيء ولعاب الكلب وجسم الخنزير وكل شيء عفن مثل بقايا الحيوان. كما أطلق الطهارة على الشيء الخالي من هذه النجاسات وحدد طرق الطهارة بالغسيل بالماء الجاري أو الحرق بالنار أو الغلي في الماء أو التجفيف،ولم يترك الإسلام تعاليمه عن النظافة بصفة عامة ومطلقة بل انه دقق على نظافة كل عضو من جسم الإنسان يمكن أن يكون منفذا للمرض أو مصدراً له.. وعلى سبيل المثال قول الرسول صلى الله عليه وسلم " قلم أظافرك فإن الشيطان يقعد على ما طال تحتها ".

سابعا. وبفضل تعاليم الإسلام اكتشف علماء المسلمون أول تخدير في الجراحة. فقبل الإسلام كانوا يستعملون الخمر.. ثم جاء المسلمون إلى الرسول يسألونه عن الخمر كدواء مخدر فقال .. r " أنها داء وليست دواء " رواه مسلم. وقال "أن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرمه عليها " رواه الدارمي ومن هنا فقد اجتهد أطباء المسلمين في إيجاد المخدر البديل للخمر.. وتقول المراجع العلمية أن المسلمين أول من استعمل التخدير الحقيقي مع فقدان الوعي قبل الجراحة وذلك باستعمال " القناب العربي ".

ثامنا: والإسلام أول ما أشار إلى الحجر الصحي قبل أن تعرفه الإنسانية وفي ذلك يقول رسول الله .. r " لا يوردن ممرض على مصح " (البخاري) ومعنى الحديث انه لا يجوز أن يختلط المريض بمرض معد (ممرض) بالأصحاء بل يبقى بمعزل عنهم حتى لا ينقل إليهم العدوى.... ويقول أيضاً " أن من القرف التلف " رواه أبو داود... والقرف هو مقارفة المريض أي الاختلاط به والتلف هو الهلاك أي العدوى والمرض.

وقد طبق الرسول هذا المبدأ على المجذومين فقد جاءه رجل مجذوم لكي يبايعه فلما استأذن بالدخول قال له الرسول" أبلغوه أنا قد. بايعناه فليرجع " وقال أيضا " أجعل بينك وبين المجذوم قدر رمح أو رمحين ".

تاسعا: وقد جاء الإسلام بقاعدة علمية في مكافحة الأوبئة كالكوليرا والطاعون والجدري إذ يقول عليه السلام:
"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه " فهذه القاعدة هي نفس ما تطبقه الدول للوقاية من الأوبئة في عصرنا الحديث إذ يمنع الدخول إلى المنطقة الموبوءة كما يمنع من فيها من الخروج منها.

ولكي نعرف قيمة هذا الحديث النبوي الذي جاء في القرن السابع الميلادي أقرأ الفقرة من كتاب قصة الطب the story of medicine by Joseph Garland ، فعندما ظهر وباء الطاعون في فلورنسا سنة 1348 كان الناس في المناطق الموبوءة يؤمرون بالفرار منه بأسرع ما يمكنهم والى أبعد ما يستطيعون ولم يكن ذلك الفرار بالبداهة يؤدي إلا إلي ازدياد رقعة الوباء حتى وصل إلى روسيا سنة 1352 وكأنه كان حريقاً في غاب لم ينطفئ لهيبه إلا بعد أن أكل ربع سكان " أوروبا " .

عاشراً:، قد جاء الإسلام بأوامر محددة وقاطعة تساير أحدث النظريات العلمية في القضاء على بعض الأمراض المتوطنة.

يقول رسول الله .. r " لأ يبولن أحدكم في الماء الدائم فان عامه الوسواس منه " ابن ماجه.

ويقول أيضا " اتقوا الملاعن الثلاث التبرز في الظل وفي الموارد وفي طريق الناس ".

فمن المعروف. مثلا أن مرض البلهارسيا ينتقل إلى الناس عندما يتبول المريض في الماء وخاصة الماء الراكد (الدائم ) واننا لو منعنا المرضى من التبول في الماء لقضينا على المرض وهذه حقيقة علمية لم تكن معروفة إلا في القرن التاسع عشر عندما اكتشف العالم الألماني بلهارس دورة حياة البلهارسيا.

حادي عشر : وقد جاء الإسلام بأوامر واضحة في علم الوراثة. فبين أن بعض العاهات الجسمية تنتقل من جيل إلى جيل وفي ذلك يقول رسوله الله على الله عليه وسلم " تخيروا لنطفكم فان العرق دساس " ابن ماجه.

ثاني عشر : " طب المسنين " يقول الدكتور جوزيف جارلاند في كتابه The story of medicine أنه بفضل تعاليم الإسلام في احترام الشيخوخة ورعايتها فقد عكف أطباء المسلمين على ابتكار طب المسنين وهو المسمى اليوم Geriatiesوكان أول من أشار إلى ذلك ابن سينا في كتابه القانون. وكان في المستشفيات الإسلامية قسم خاص بكبار السن كتب عليه " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " (17/ 24)

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:15 PM
نظام إسلامي في آداب الطب

مقدمة الدكتور حسم جاريبو

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:15 PM
موضوع البحث:
هذا تقريبا تخطيط شامل لنظام اسلامي في آداب الطب على أساس من المقاييس الاسلامية المستمدة من القرآن الكريم والسنة.

نص البحث:

إن فكرة تأليف نظام اسلامي في آداب الطب فكرة فريدة تستحق الثناء والتقدير. اذ أنه لم تقم أي هيئة من الهيئات الدينية بتنفيذ هذه الفكرة من قبل ولسوف تكون مما لا شك فيه دليلاً لجميع الدول التي تغلب فيها الديانة الا سلامية.

ويجب أن يكون مفهوماً منذ البداية ان هذا النظام سيقوم بالكامل على أساس من القرآن والحديث. وهذا النظام الإسلامي لآداب الطب لا بد أن يكون تحت رعاية مجلس طبي إسلامي يجب على كل الأطباء المسلمين في جميع انحاء العالم ان يسعوا في الانضمام إليه.
ولسوف يكون قراراً له قيمته لو أن هذا المؤتمر استطاع ان يرعى هذا المجلس الطبى الذي سيكون هذا المؤتمر هو المنطلق لبداية مؤتمرات أخرى في الطب الإسلامي. ان النظام الإسلامي لآداب الطب كما اقترحه يتضح في النقاط التالية:-

ا- الدوا فع:-
إن أول واجبات الطبيب هو واجبه نحو مرضاه ومن ثم فان لصحة المرض الاولوية فوق كل الاعتبارات الاخرى كالدين واللون والجنس والطبقية والسياسة والمشاعر الشخصية. ولا ينبغي للطبيب ان يتأثر بأي دافع لتحقيق منفعة. ان ممارسة الطب يجب ان لا تكون مسألة جمع مال فقط. بل يجب ان يكون الدافع الوحيد هو شفاء المريض وينبغي للطبيب ان يحتفظ بالاحرام الكامل لحياة الانسان وكرامته. قال الله تعالى في كتابه العزيز (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما احيا الناس جميعا) (32/5) وقال رسول الله .. r: لايؤمن أحدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه " .
2- المسئولية:-
إن مسئولية الطبيب مسئولية جسيمة لانه يتعامل في كل الاوقات مع ارواح الناس، وحياتهم والتي تعتبر بالطبع شيئا مقدسا ويجب على الطبيب ان يكون على مستوى المسئولية تجاه مرضاه ويكون ايضا موضع الثقة التي وضعها فيه المرضى.

ومن أجل هذا فان على الطبيب الاخلاص الكامل وتسخير كل معرفته وعلمه وعليه مسثولية بذل اقصى جهد في سبيل شفاء المريض من أجل تحقيق النتيجة المرجوة. قال الله تعالى في القرآن " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا امانلألكم وانتم تعلمون " (8/ 27) وقال ايضا: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) (5/ 1).

3- المعرفة:-
يجب على الطبيب في كل الاوقات ان يعمل على تحسين مستواه في فن الطب وعلومه ان استمرار التعليم الطبي لا بد ان يشغل جزءا من يرنامج الطبيب اليومي اذ انها الوسيلة التي سوف تعطي الطبيب احساسا صادقا بانه يفعل ما في وسعه من أجل المريض. الله تعالى في القرآن (وقل رب زدني علما). (20/ 114) وقال تعالي ايضا في القرآن (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) (2/ 169).

4- حسن الخلق:-
لا بد للطبيب دائما الط يكون كريما، شفوقا، لطيفا، طيب القلب في معاملته للمرضى وينبغي له دائما ان يتصرف بحكمة ودقة تجاه مرضاه عليه ان يكون شفوقا مشاركا لهم في إحساسهم معبرا عن مشاركته لهم اذا ما استدعت هذا بعض الظروف الخاصه اذ ان هذا من شأنه ان يخلق جوا من الثقة والراحة وسوف يؤدي هذا الى التوصل لممارسة العلاج الصحيح، والاسلام يدعو إلى الكرم والشفقة والرحمة بين المسلمين في كل الاوقات. قال الله تعالي: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً) (الأحزاب: آية، 70) .

5- التواضع:-
لا بد للطبيب ان يكون متواضعا لانه يعلم تماما ان ثقافته الطبية ليست دائما مكتملة أو كافية وهذا التواضع من شأنه ان يجعله يتقبل التعلم من غيره من الزملاء حتى ولو كانوا احدث منه سنا. والقرآن يعلمنا التواضع في كل مجالات الحياة. قال تعالى (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) (25/ 63).

6- والطبيب لا يستطيع ان يحقق الشفاء في كل الأحوال ولكن عليه في كل الاوقات ان يعطي مرضاه الأمل ويخفف عنهم آلامهم سواء أكانت عقلية أو جسمانية. ويجب عليه الا يؤذي مريضه حتى من خلال محاولاته علاج مرضه.

قال الله تعالى "وان يمسك الله بضر فلا كاشف له الا هو وان يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم) ( 10/107) وقالت عائشة رضى الله عنها : عندما كان رسول الله (.. r) يزور مريضا أو يؤتى إليه بمريض كان يدعو له الله قائلا " اللهم انزع عنه المرض، اللهم يا رب الناس اشفه فأنت الشافي، لاشفاء الا شقاؤك شفاء لايغادر سقما ".

7- لا يجوز للطبيب أن يستغل منصبه وماله في امتيازات من أجل منافع شخصية.

8- والطبيب يجب عليه ان يحتفظ بالسرية المطلقة لكل ما يعرفه عن المريض احتراما للثقة الموضوعة فيه وللقرآن أحكام مشددة في مبدأ الامانة. قال الله تعالى: (وما كان لنبي ان يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) (3/ 161) وقال تعالى (ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى أهلها) (4/58) .

9- وعلى الطبيب ان يحذر. الوقوع في علاقات عاطفية مع مرضاه، والتي قد يتسبب فيها المر يض نفسه وعليه أن يتحكم
في جميع مشاعره العاطفية والجسمانية واذا لم يستطع ذلك أو في حالة ما اذا اصبح المريض متعلقا به عاطفياً وجسمانياً فمن واجب الطبيب في هذه الحالة ان يدع هذا المريض تحت رعاية احد زملاثه. قال تعالى (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد ان يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات ان تميلوا ميلا عظيماً يريد الله ان يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا) (4/ 26- 28) .

10- ان الاجهاض ممنوع ويستثنى من ذلك الاجهاض العلاجي إذا كان هو الوسيلة الوحيدة لانقاذ حياة الأم. قال الله تعالى (ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق نحن نرزقهم واياكم إن قتلهم كان خطئاً كبيراً) (17/ 31) وهذا الآية غالبا ما تكون مقصوداً بها وأد الاطفال أكثر منها على عملية الاجهاض المعروفة.

11- ايثانيزيا " القتل من أجل تخفيف آلام المريض " غير مشروع والطبيب في محاولاته للتخفيف من آلام المريض المصاب بمرض قاتل لا يرجى الشفاء منه، قد يضطر الى استخدام بعض العقاقير المسكنة للألم وهو يتبع المبادىء الاساسية لآداب الطب وهي التخفيف عن آلام المريض.قال الله "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق"(17/ 33).

12- الرقى : -
ان الألتجاء الى الله لكي يزيل مرض شخص ما أمر مشروع، ولكن ممارسة أعمالى شيطانية والإيمان بالمعتقدات الخرافية وكذلك التطير كل ذلك محرم بالتأكيد ولقد نى الرسول عليه الصلاة والسلام ضهيا قاطعا عن مثل هنه ا!لامث!ياء. ولو ان الطب النفسيى او العادي عجز عن ضيق شفاء المريض المصاب بمرض غير معروف فعلينا با!تجاء الى الذ سبحانه وتعالى وسؤاله شفاء هذا المريض.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:16 PM
13- التدريس:-
يجب على الطبيب ان يكون دائما على استعداد لتعليم زملائه الأحدث منه تخرجا، وكذلك طلبة الطب فيدرس لهم
كل ما يعلم ولايخفي عنهم أي معرفة خاصة أوتركيبة معينة لعقار ما أوطريقة جراحية حديثة.

وإن أحسن مرجع في هذا هو حياة الرسول الذي كرس حياته لتعليم بني الانسان وارشادهم الى الطريق المستقيم.

14- ا لابحاث الطبية
إن الابحاث الطبية تهدف الى تقدم العلم الطبي وهذه تدخل في دائرة طلب العلم وقال رسول الله: "طلب العلم فريضة على كل مسلم " ويمكن للاطباء اجراء الابحاث العلاجية اذا اتبعوا المبادىء التالية:-

أ- إن البحث العلاجي يعتبر اخلاقياً فقط لو ان الطبيب الذي يجريه كان على استعداد ان يجعل بين مرضاه في هذه التجارب العلاجية اقرب الناس اليه كزوجته وأولاده ووالديه.

ب- ان الابحاث العلاجية يجب ان يقوم بها أشخاص مؤهلون تأهيلاً علميا.

جـ- يجب أن يعلم المرضى المشتركون في أي بحث علاجي الحقائق التي يقوم عليها البحث ويجب أن نحصل على موافقتهم اذا كانوا بالغين عاقلين.

د- يجب احترام رغبة المريض المشترك في أي بحث علاجي اذا اراد ان ينسحب منه.

15- إن حجب المعلومات عن المريض أو الكذب عليه وذلك في حالة اصابته بمرض قاتل مثل السرطان لا يعتبر اثما ويمكن اخبار اقاربه المقربين بحقيقة مرضه. ويمكن اخبار المريض اذا اصر على معرفة حقيقة مرضه وذلك في حالة ما اذا ارتأى الطبيب ان بعض المعلومات لن تسبب له ضررا.

16- يجب على الطبيب ان يبتعد عن أي نوع من أنواع الدعاية الشخصية، ولو أن شيئا من الدعاية لازم للطبيب المبتدىء خاصة في بعض مناطق معينة ولكن يجب ان تكون هذه الدعاية ذكية متواضعة قال الله تعالى " وان يمسك
الله بضر فلا كاشف له الا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم " (10/107)

17- الشهادة:- يجب ان تكون شهادة الطبيب صادقة ويجب عليه أن يتحقق بنفسه مما سوف يشهد به.

18- يجب أن يعمل الأطباء من أجل الصالح العام حتى ولو كان هذا متعارضا مع مصالحهم الشخصية فعلى، سبيل المثال يجب ان يسعى الأطباء لمنع الامراض وأن نتج عن هذا قلة مرضاهم وهذا في الحقيقة نوع من انواع فعل الخير وانكار الذات. قال تعالي (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وففضلا والله واسع عليم)(2/268)

19- قد يضطر الطيب في بعض الظروف الى استعمال بعض العقاقير أو مواد أخرى قد حرمها القرآن في الظروف العادية مثل: المواد المخدرة. قال الله تعالى " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا واحسنوا والله يحب المحسنين " (5/ 93).

ولكن في بعض حالات خاصة، ومن أجل انقاذ حياة المريض يباح للطبيب استخدام صمام الخنزير لاستبدال صمام قلب الانسان به والمواد المخدرة كعقاقير قال الله تعالى (انما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان الله غفور رحيم) (2/ 173) .

20- يجب ان يعامل الطبيب زملاءه كما يحب ان يعاملوه، ويجب على الأطباء ان يحاقظوا على العلاقات الطبية فيما بينهم. ويجب على الطبيب ان يتجنب الحديث بسوء عن زملاله، وعليه ان يتحاشى أيضاً أى تعليق أو ملاحظة من شأنها الانقاص من مهارة أو رأي زميل من زملاله. قال رسول الله .. r " لا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله أخوانا كما أمركم الله ولا يحل لمسلم ان يهجر اخاه فوق ثلاثة أيام .

21- يجب ان تكون حياة الطبيب الشخصية والعامة بعيدة عن الشبهات فيجب عليه ان لا يشارك في اي نشاط لا يتفق مع شرف المهنة وهنا يجب على الطبيب ان يلزم نفسه بالمباديء العامة للاخلاق كما يدعو اليها الاسلام. عن عبد الله بن عمر ان رسول الله قال: "ان من خياركم احسنكم اخلاقاً" وعن ابي هريرة عن الرسول أنه، من سعى من أجل أرملة أو فقير كمن جاهد في سبيل الله أو قام الليل أو صام النهاركما جاء في حديث البخاري ان رسول الله .. r قال الساعي على الأرملة أو المسكين كالمجاهد في سبيل الله .

ان طبيعة هذا البحث لا تسمح بأي تلخيص كما أنها ليست بنهاية مرسومة ولكنه شعوري القلبي من أجل انشاء نظام اسلامي لآداب الطب وإقامة مجلس اسلامي

++++++++ وعقب الدكتور أحمد أبو المجد على بحث الدكتور حسن جاريبو بالآتي: لا أريد أن أتحدث بعد كل متحدث إنما الأخ الدكتور/ حسن جريبو. تعرض لعدد من اخلاقيات وآداب مهنة الطب كثير بعضه عام توجيهات للمسلمين وبعضه خاص بالطيب ذكر منه الباعث السليم أن يكون هذا الباعث هو المحافظة على المريض في صحته الجسمية والنفسية ذكر أيضا الائتمان أن يكون محلاً لائتمان المريض ذكر المعرفة وقد ذكرها أيضا الاساتذة الذين سبقوه ذكر العواطف التي ينبغي أن تحكمه تجاه المريض منها الرحمة والعطف ذكر منها التواضع ذكر منها أن يمنحه الأمل في حدود ما ينبغي في رفع معنويات المريض ومواساته فيما يلم به ونعلم أن الرسول .. r حين زار أم العلاء الانصارية. وهي تتوجع- قال لها أبشري يا أم العلاء فإن مرض المسلم يحط الله به عنه خطاياه كما يحط عن الشجرة أوراقها في الخريف وذكر أيضا الامتناع عن استعمال علاقته بالمريض للحصول على نفع شخصيى أو ذاتي ذكر أيضا التكتم على مرض المريض تعرض أيضاً لتحريم الاجهاض باعتباره نوعاً من القتل ثم طوف بنا في مشكلة منع الحمل دون أن يتسع الوقت معه-لحسمها فقهيا كذلك تحدث عن مسألة الأدوية المخدرة اذا أدت إلى التعجيل بوفاة المريض ثم عرض لأمور تتعلق بمهنة الطب في عمومها لا فيما يتعلق بالمريض وحده ذكر من بينها أمرين- التوجه الى تعليم الزملاء ممن هم أصغر منه سناً وأحدث منه عهداً في مهنة الطب حتى تستمر الخبرة في أبناء المهنة كما ذكر متابعة البحث العلمي.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:16 PM
المسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية

محمد فؤاد توفيق
الكويت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:17 PM
مقدمة:-
لقد زخر التشريع الاسلامي بفيض من القراعد والمبادىء العامة في مختلف أمور الدين والدنيا، فكان ينبوعا متفجرا ومنارة للعالمين. ولقد أشاد علماء القانون المحدثون بمآثر التشريع الإسلامي وما جاء به من نظريات قانونية مبنية علي المنطق السليم ومحققة للعدالة الاجتماعية. تعد بحق مرجعا خالدا على مر العصور ومفخرة لتراث الانسانية... ولا غرو في ذلك فمصدر التشريع الاسيلامي (الحق) سبحانه وتعالى ورسوله الكريم وما اجتهد به علماء المسلمين.

المسئولية القانونية عن أعمال التطبيب والجراحة :
إذا كان موضوع المسئولية القانونية عن أعمال التطبيب والجراحة قد حظى باهتمام رجال الفقه والقانون في العصر الحديث، وثار حوله جدل كبير وصولا الي الأساس القانوني لحق الطبيب في ممارسة مهنته، وطبيعة هذا الحق، وحدود مسئوليته، فإنه حري بنا أن نسجل هنا- احقاقا للحق- ان الشريعة الاسلامة قد سبقت التشريعات الوضعية الحديثة في ارساء قواعد المسئولية الطبية بما يكفل حماية الطبيب ويحفظ حقوق المريض ويشجع على تطوير المنهج العلمي للمهنة الطبية كما سيأتي فيما بعد.

ولقد رأيت من المفيد أن ابدأ بعرض تاربخي موجز للمسئولية الطبية قبل ظهور الاسلام.

قد يخفي على البعض أن الطب من أقدم العلوم التي عرفها الانسان وقد نشأ في عصور ما قبل التاريخ ممتزجا بالخرافات والسحر، وكان الاعتقاد السائد آنذاك أن الشيطان يكمن في جسم الانسان ويسبب له المرض، فإذا مات فان ذلك يعني أن الشيطان قد تغلب، ولا مجال حينئذ للبحث في مسئولية الطبيب، مع الأخذ قي الاعتبار ان مزاولة الطب كانث قاصرة على الكاهن الذي يجمع أيضا بين السلطات الدينية والقضائية والقانونية.

وقد تقدم الطب عند قدماء المصريين، وقد تم جمع كل ما يتعلق بأعراض الامراض وعلاجها في كتاب عرف بالسفر المقدس، وكان على الطبيب ان يتبع في علاج المرضى ما هو مدون فقط في السفر المقدس، فاذا خالفه ووصف دواء غير منصوص عليه في هذا الكتاب وتوفي المريض، دفع الطبيب رأسه ثمناً لذلك.

وفي عهد البابليين وضعت قوانين صارمه لمزاولة مهنة الطب وتشددوا في محاسبة الأطباء على أخطائهم مما أدى إلى العزوف عن ممارسة هذه المهنة، وقد تضمن قانون حمورابي القواعد المشددة لمحاسبة الأطباء حيث نصت المادة 128منه على ما يلي: "اذا عالج الطبيب رجلا حراً من جرح خطير بمشرط من البرونز وتسبب بذلك في موت الرجل، أو اذا فتح خراجا في عينه وتسبب بذلك في فقد عينه، تقطع يداه ".

وقد لعب السحر والشعوذة دوراً كبيراً في ممارسة الطب في عصر الأغريق إلى أن جاء ابقراط الذي سمي (أبا الطب) لدوره الكبير في تخليص الطب من الخرافالت، ومحاولة النهوض به. وكان يحتم على تلاميذه أن يؤدوا قسمه المشهور، والواضح ان هذا القسم لم يكن يرتب التزامات قانونية على الطبيب بقدر ما يهتم بالالتزام الأدبي، وكانت عدم المساءلة الجزائية للاطباء في ذلك العصر محل نقد الكتاب، وفي ذلك يقول أفلاطون ان الاطباء يأخذون أجرهم سواء شفوا المرضى أو قتلوهم، وهم والمحامون يستطيعون ان يقتلوا عملاءهم دون أن يتعرضوا لأي مسئولية! وعلى الرغم من ذلك فقد أمر الاسكندر الاكبر بصلب الطبيب جلوكيس في الاسكندرية لإهماله في علاج مريض مما تسبب في وفاته.

وفى عهد الرومان لم تكن هناك نصوص خاصة بالمهنة الطبية مما دعا إلى تطبيق القانون العام على الأطباء، وكانوا يعتبرون الجهل وعدم المهارة خطأ موجباً للتعويض، وكان الطبيب يعتبر مسئولا عن التعويض اذا لم يبد دراية كافية في اجراء عملية أو أعطاء دواء ترتب عليه موت المريض، وكان العقاب يختلف بحسب المركز الاجتماعي للطبيب، فإذا كان من طبقة وضيعة أعدم، أما اذا كان من طبقة راقية نفي في جزيرة !

وفي العصور الوسطى في اوروبا التي سميت بحق العصور المظلمة حيث أصيب الطب بنكسة شديدة، وسادت الخرافات وكثر السحرة والادعياء وضاعت كتب ابقراط، وجالينوس وحلت محلها التمائم والتعاويذ. ولقد عرفت المسئولية الطبية في هذا العصر، ولكن بما يتناسب مع العقلية السائدة ففي الشعوب المتبربرة كان اذا مات المريض بسبب عدم عناية الطبيب أوجهله يسلم الطبيب إلى اسرة المريض ويترك لها الخيار بين قتله أو اتخاذه رقيقا.

وكانت محاكم بيت المقدس تحكم في عهد الصليبيين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين بأن الطبيب مسئول عن جميع أخطائه، فاذا تسبب بجهله في وفاة رقيق، وجب عليه ان يدفع ثمنه لسيدة ويترك المدينة، وان كان المجنى عليه رجلا ًحراً وكانت المسألة تتعلق بجرح بسيط أو سوء العناية بما لم يترتب عليه موت المريض قطعت يد الطبيب، ويشنق الطبيب إذا مات المريض!!

... هكذا كان الحال قبل الإسلام.. فقد سادت الخرافات والسحر والشعوذة وحتى في العصور التي شهدت محاولات جدية للخلاص من الخرافات والشعوذة لم تكن هناك قواعد واضحة مبنية على المنطق أو العدل لمساءلة الاطباء عن اخطائهم المهنية....

وكانت دعوة الاسلام الحنيف ايذانا ببداية عصر جديد لمجتمع حديث تحكمه قوانين انزلت من عند الله الحق سبحانه وتعالى وبدأ الرسول الكريم عليه الصلاة والسلإم دعوته بالغاء الكهنة والكهنوت والقضاء على السحر والشعوذة والخرافات واقامة العدل واحقاق الحق حيث قال عليه الصلاة والسلام " من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه، فكأنما كذب بما أتى به محمد" وأرسى محمد عليه السلام بوحي من عند الله تبارك وتعالى قواعد الدين الاسلامي الحنيف على أسس من العدالة والمنطق فشملت كل أمور ديننا ودنيانا وأمرنا الله تعالى ورسوله الكريم بأن ندرس ونجتهد في البحث والتقصي وان نحكم بالعدل بين الناس.

وبنفس القدر الذي تطورت به اساليب التطبيب والوقاية في الاسلام بصورة بهرت علماء الغرب وكانت محل تمجيدهم حتى وقتنا هذا، أرسيت قواعد المسئولية عن اعمال، التطبيب والجرأحة وفق الشريعة الاسلامية الغراء وبمقتضى المنطق والعدل.

التطبيب في الشريعة الإسلامية واجب:

ومن المتفق عليه بين علماء الشريعة، ان دراسة الطب فرض من فروض الكفاية، فهي واجب على كل فرد لا تسقط عنه إلا اذا قام بها غيره وذلك باعتبار التطبيب ضرورة اجتماعية تحتاج اليه الجماعة.

ومن هذا المنطلق فقد اعتبرت الشريعة الاسلامية مزاولة مهنة الطب واجباً، على حين اعتبرتها القوانين الوضعية الحديثة وبعض الشراح حقا، مثلها مثل سائر المهن الأخرى، ولا شك ان نظرية الشريعة الاسلامية أفضل وقد سبقت بها أحدث التشريعات الوضعية لانها تلزم الطبيب بأن يضع مواهبه في خدمة الجماعة، كما انها اكثر انسجاما مع حياتنا الاجتماعية القائمة على التعاون والتكاتف وتسخيركل القوى لخدمة الجماعة.

شروط انتفاء المسئولية عن الطبيب في الشريعة الاسلامية:

القاعدة الشرعية في المسئولية الطبية تنص على أن كل من يزاول عملا أو علما لا يعرفه يكون مسئولا عن الضرر الذي يصيب الغير نتيجة هذه المزاولة، وفي مجال مسئولية، الطبيب الجاهل حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم" من تطبب ولم يكن بالطب معروفاً، فأصاب نفسا فمـا دونها، فهم ضامن "

وقد أجمع الفقهاء على وجوب منع الطبيب الجاهل- الذي يخدع الناس بمظهره ويضرهم بجهله- من العمل، ومن القواعد المقررة في الحجر أن ثلائة يحجر عليهم أي يمنعون عن العمل: المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس، وفي ذلك يقول الامام أحمد: "إذا قام بأعمال التطبيب شخص غير حاذق في فنه، فان عمله يعتبر عملا محرما".

وقد رتب علماء الشريعة الاسلامية على ذلك ان الطبيب الجاهل اذا أوهم المريض بعلمه فأذن له بعلاجه لما ظنه من معرفته، فمات المريض أو اصابه ضرر من جراء هذا العلاج، فان الطبيب يلزم بدية النفس أو بتعويض الضرر على حسب الأحوال، ولكنهم ينفون عنه القصاص استنادا إلى أن الطبيب الجاهل اذا كان قد عالج المريض فقد عالجه باذنه، وفي ذلك يقول الخطابي: " لا أعلم خلافا في ان المعالج اذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا ".

أما الطبيب الحاذق فلا يسأل عن الضرر الذي يصيب المريض، ولو مات المريض من جراء العلاج، ما دام المريض قد اذن له بعلاجه، ولم يقع من الطبيب خطأ في هذا العلاج، بل كان الضرر او الموت الحاصل نتيجة امر لم يكن في حسبان الطبيب (وهو ما يسميه الفقهاء المحدثون " أمرلا يمكن توقعه او تفاديه " ).

ومن القواعد المقررة في الشريعة الاسلامية ان عمل الطبيب عند الاذن بالعلاج أو عند طلبه يعد واجبا، والواجب لا يتقيد بشرط السلامة، ولو ان واجب الطبيب متروك لاختياره وحده ولاجتهاده العلمي والعملي، فهو أشبه بصاحب الحق لما له من السلطان الواسع والحرية في اختيار العلاج وكيفيته.

وعلى ذلك اجماع الفقهاء ولكنهم يختلفون في تعليل انتفاء المسئولية عن الطبيب. فرأى ابو حنيفة ان العلة ترجع الى الضرورة الاجتماعية واذن المجنى عليه أو وليه. ورأى الشافعي وأحمد بن حنبل ان العلة ترجع إلى اذن المجنى عليه، وان الطبيب يقصد صلاح المفعول ولا يقصد الاضرار به .

ورأى مالك أن العلة هي اذن الحاكم أولاً وإذن المريض ثانياً، وباجتماع هذين الشرطين لا مسئولية على الطبيب إذا خالف أصول الفن أو أخطأ في فعله

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:17 PM
وبذلك تتحدد شروط انتفاء مسئولية الطبيب عند علماء الثريعة الاسلامية فما يلي:

ا- اذن الشارع.
2- رضاء المريض.
3- قصدالشفاء.
4- عدم وقوع الخطأ من الطبيب.

ومما يلفت الانتباه صا ان الفقهاء المحدثين في الةا نون قد توصلوا بعد طول الجدل والبحث الى نفس هذه الشروط التي قررها علماء الشريعة الإسلامية، كما أن غالبية اتى ريعات الوضعية الحديثة قد تضمنت هذه الشروط لانتفاء المسئولية عن الاطباء.

الخطأ الذي يسأل عنه الطبيب في الشريعة الاسلامية:

ذكرنا ان علماء الشريعة الاسلامية يشترطون لانتفاء مسؤولية الطبيب عدم وقوع الخطأ منه في علائج مريضه.. وقد يتساءل البعض عن ماهية الحظأ الذي يستوجب المسألة هنا.. وردا على هذا التساؤل نقول أن علماء الشريعة الاسلامية يقصدون بخطأ الطبيب، الخطأ الفاحش الذي لا تقره أصول الطبابة ولا يقره أهل العلم والفن من ذوي الاختصاص، وترتيبا على ذلك فان الطبيب في الشريعة الاسلامية لم يكن يسأل عن الخطأ اليسير الذي يمكن ان يقع فيه اي طبيب، ولكنه يسأل عن الخطأ الذي لا يجوز ان يقع فيه طبيب وذلك اما نتيجة الجهل أو عن خطأ فاحش لا تقره أصول فن الطب ولا أهل المعرفة فيه، كأن أراد قلع سن فقلع غيرها خطأ أو أن تمتد يده إلى غير موضع العلاج فتنال الجسم أو عضوا منه بتلف أو يعطي المريض دواء غير مناسب للداء فيضره ؟..

وهذا الاتجاه الذي انتهجه علماء الشريعة الاسلامية منذ عدة قرون هو نفس الاتجاه الذي انتهى اليه غالبية الشراح المحدثين في القانون في هذا العصر....

والخلاصة ان الطبيب الحاذق في الشريعة الاسلامية الذي يكون بمنأى عن المسألة هو الذي يعطي الصناعة حقها ويبذل غاية جهده، فلا يقصر في البحث او الاجتهاد كأن يهمل في فحص المريض أو يتسرع في وصف دواء لمريض فيترتب على ذلك ضرره أو وفاته. وقد نص فقهاء الشريعة على وجوب الضمان على الطبيب الذي يحصل منه مثل هذا التهاون بما يندرج تحت مضمون الخطأ الفاحش، لان فيه تعديا على الأرواح بالاتلاف، وقد أجمعوا على أن التقصير من التعدي، وعلى وجوب الضمان عند ذلك ان لم يجب القصاص. وهم يفرقون بين الخطأ والتقصير، فالأول لا عدوان فيه والئاني فيه عدوان، وعندهم أن ترتيب مغارم مالية على الطبيب الذي يقع منه مجرد الخطأ بغير تقصير من شأنه ان يؤدي الى احجام الاطباء عن الاقدام على العلاج، وفي ذلك الاحجام اضرار بالمرضى. ئم انه لا يصح أن يغرم مالا من تحدوه الرغبة في انقاذ الناس، فضلا عن أن عمل الطبيب- كما ذكرنا- قيام بواجب شرعي، ومن يقع منه خطأ في اثناء قيامه بمثل هذا الواجب فانه لا يسأل عنه الا اذا كان قد وقع منه بالتقصير....

ومرة أخرى نجد أن هذا الاتجاه الذي انتهجه علماء الشريعة الاسلامية- مذ عدة قرون- في تحديد الخطأ الفاحش الذي يسأل عنه الطبيب وفي التفرقة بين الخطأ اليسير والتقصير الذي يصدر عن الطبيب... هو نفس الاتجاه الذي انتهى اليه غالبية شراح القانون المحدثين في هذا العصر...

الشريعة الاسلامية واباحة الاتجهاد في صناعة الطب:

لقد أقر علماء الشريعة الاسلامية للطبيب الحرية التامة في العمل والتجريب واستنباط الاساليب المناسبة للعلاج، وكانت التجارب تدون في كتب خاصة ليقرأها جمهور الاطباء وكان لبعض الاطباء انواع خاصة من العلاج من مبتكرات قرائحهم..

ويأتي فتح باب الاجتهاد أمام الأطباء استجابة لدعوة الدين الاسلامي الحنيف للمسلمين كافة للبحث والمعرفة في مختلف المجالات، وقد حث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام على الأجتهاد والتجربة وصولا للحقيقة والصواب حيث قال " من أجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله اجران ".

والشريعة الاسلامية تبيح للأطباء الاجتهاد في علاج الأمراض، فلا يسأل الطبيب- ولو خالف آراء زملاله- متى كان رأيه يقوم على أساس سليم. ومما يروى للدلالة على ذلك قصة صبية سقطت من السطح، فانفتح رأسها. فقال كثير من الجراحين ان شققتم رأسها تموت، وقال واحد منهم ان لم تشقوه اليوم انا أشقه وأبرئها، وشقه، ثم ماتت الصبية بعد يوم او يومين، ولما سئل في ذلك احد الفقهاء المشهورين أفتى بأنه ما دام الشق بإذن، وما دام الشق معتادا، ولم يكن فاحشا خارج الرسم، اي لم يكن هناك خروج فاحش على القواعد الفنية المرسومة في هذا الشق، فإن الطبيب لا يضمن، أي لا يسأل مدنيا ولا جنائيا، فقيل للفقيه "حتى اذا قال الطبيب ان ماتت فأنا ضامن؟ " قال " لا يضمن لأن ضمان الطبيب يترتب على خطئه الفاحش، لا على تعهده بنجاح العملية ".

وتبين لنا هذه القصة كيف كان علماء الشريعة الاسلامية يشجعون اجراء التجارب العلمية واتباع المنهج العلمي دون النظرالى النتائج وصولا للاكتشافات العلمية التي تحقق مصلحة الجماعة مع مراعاة العدل واحقاق الحق.

· ا لمرا جع*

ا- المسئولة الطبية في قانون العقوبات- للدكتور محمد فائق الجوهري " رسالة دكتوراة ".

2- زاد المعاد في هدى خيرالعباد- لأبي عبد الله بن قيم الجوزية- الجزء الثالث.

3- المسئولية المدنية- مسئولية الطبيب في القانون المقارن- للدكتور عبد السلام التونجي.
4- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع- لعلاء الدين الكاساني.

++++* ثم شكر رئيس الجلسة الأستاذ فؤاد توفيق ودعا الدكتور يونس المفتى استاذ امراض الأطفال ومدير مستشفى الأطفال الجامعي بكلية الطب.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:18 PM
مبادىء الأخلاق الطبية في الاسلام

الدكتور / يونس المفتو
تركيا

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:19 PM
اهتم الانسان منذ بدء الخليقة بصحته وبالظروف المحيطة بها. وبرزت فئة من الناس في كل العصور والاجيال بين بقية القوم تمتهن الطب، وما يتعلق به وتتحدث لنا كتب التاريخ واساطير الازمنة الغابرة عن عادات وتقاليد وطقوس شتى في هذا المضمار، فقد كانت الشعوذة الطابع المتغلب في البحث عن الدواء والعلاج في العصور المظلمة التي اجتازتها البشرية. فدفعت ثمنا غاليا لكشف حقائق الحياة وطبيعة الامراض والآفات التي مرت بها عبر الدهور.
ويطول بنا الحديث اذا تصفحنا ما نقلته الينا كتب التاريخ، الا ان شيئا واحدا يبرز امامنا وهي المكانة الطيبة التى منحتها شتى المجتمعات لكل من حاول مد يد العون للإنسان في صحته، ثم جاءت اشراقة الاسلام الحنيف، الدين السمح الكريم الذي قيم العلم والعلماء، ليفتح صفحة ناصعة جديدة في آفاق الطب حيث وجد العلماء كل التكريم في زمن كان الآخرون فيه اسرى للدجل والشعوذة وألعوبة بيد السحرة.
عالج الاسلام مفهوم الصحة على انها تكامل بين الصحة النفسية والصحة الاجتماعية والصحة الجسمية وليست مجرد الخلو من المرض او العجز، وفيه تخطيط كامل لصحة الفرد والمجتمع، وفي الاسلام تقدير للصحة لا يعادله تقدير حيث قال الله تعالى في كتابه العزيز، بسم الله الرحمن الرحيم (قالت احداهما يا ابت استأجره ان خير من استأجرت القوى الامين28/ 26) صدق الله اصدق القائلين. وقال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه " المؤمن القوي خير واحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ".

وخص الاسلام الام وطفلها بعناية بالغة وفي كل هذا اعطى من يمارس الطب كل التقدير وأولاهم بالرعاية وفي مبدأ العلاج قال الرسول: "تداووا، فإن الذي خلق الداء خلق الدواء " وهناك قصة الصحابي سعد بن ابي وقاص اذ انه مرض مرضا شديدا وعاده الرسول مرات وفي كل مغ وضع يده على صدر سعد وجس قلبه ثم قال له: "انك رجل مفؤود، ائت الحارث بن كلدة من ثقيف فانه رجل يتطبب " وقد كان الحارث من غير المسلمين ولم يمنع ذلك رسول الله من التماس خبرته، فما اروع هذا الدرس الذي لقننا اياه لنتجنب العصبية الهوجاء في تقدير العلم وايفاء كل ذي حق حقه.

وهنالك الكئير من القصص والاحاديث التي تناقلتها الكتب عن المكانة السامية التي اولاها حكام الاسلام للاطباء، ومنها ان الخليفة هارون الرشيد اراد امتحان طبيبه بختيشوع امام جماعة من الأطباء فقال لبعض الخدم سرا " احضر ماء دابة حتى نختبر الطبيب ونجرب معرفته) فمضى الخادم وأتى بقارورة فيها بول دابة. فلما رآه قال يا أمير المؤمنين ليس هذا بول انسان، قال له ابو قريش (وكان من ملازمي مجلس الخليفة) كذبت، هذا ماء حظية الخليفة فقال بختيشوع: لك اقول ايها الشيخ الكريم لم يبل هذا انسان البتة وان كان الامر على ما قلت فلعلها أكلت شعيراً. فقال له الخليفة: من أين علمت انه ليس ببول انسان؟ فقال له بختيشوع: لانه، ليس له قوام بول الناس ولا لونه ولا ريحه. قال له الخليفة: بين يدي من قرأت؟ قال له: قدام ابي جورجيس قرأت. قال له الاطباء: ابوه كان اسمه جورجس ولم يكن في زمانه من يماثله وكان يكرمه أبو جعفر المنصوراكراما شديدا. ثم التفت الخليفة الى بختيشوع فقال له: ما ترى، نطعم صاحب هذا البول؟ فقال له شعيرا جيدا. فضحك الرشيد وأمر فخلع عليه خلعة سنية جليلة ووهب له مالا وافرا، وعينه رئيسا للاطباء.

يعتبر أبو بكر محمد بن زكريا الملقب بالرازي الذي عاش في الفترة ما بين) (865- 925 م) من أشهر علماء عهده وقد درست اعماله عبر القرون في كافة ارجاء المعمورة وحاز على سمعة، طبيب عظيم ومدرس قدير، غير أن المنصور الساماني أساء معاملته بدعوى انه أحبط في بعض تجاربه الكيميائية التي كان قد وعد بإنجازها، وأمر بضربه بكتابه إلى أن يتحطم رأسه أو يتحطم الكتاب. ويقال انه فقد بصره نتيجة الحادث. ثم عاده كحال قدم اليه ادوية ليستعملها فتعيد له بصره، غير أن العالم الكبير فضل ان يسأل الكحال عن طبقات العين قبل ان يتقبل العلاج فأجابه الكحال انه لا يعرف شيئا عن هذه الطبقات، حينئذ قال الرازي انه يفضل ان يفقد بصره كلية على ان يسلم عينيه لكحال لا يعرف عن انسجة العين شيئا. وفي هذا المثل أروع دليل على مكانة الاخلاق الطيبة التي امتاز بها الرازي.

كان ابن النفيس لا يحجب نفسه عن الإفادة ليلا ونهارا، يحضر مجلسه في داره جماعة من الامراء وكبار الاطباء، وكان على وفرة علمه بالطب واتقانه بفروعه وأصوله قليل البصر بالعلاج فإذا وصف لا يخرج بأحد عن مألوفه ولا يصف دواء ما أمكنه ان يصف غذاء، ولا مركبا ما أمكنه الاستغناء بمفرد، وتعود بنا الذكرى قرونا الى الوراء لنرى ان ما وضعه ابن النفيس من أسس العلاج ووسائل التقرب الى المرضى ما زالت سارية المفعول حتى يومنا هذا. وفي معرض الحديث عن ابن النفيس قال ابو الثناء الحلبي: شكوت الى ابن النفيس عقالا في يدي فقال: وانا والله به عقال، فقلت له: فبأي شيىء أداويه؟ فقال: والله لا أدري بأي شيىء أداويه. وما هذا النص الحي النابض بالحياة والقوة والمرونة والقادر على العطاء منذ عشرات القرون الا بعض ما سخت به عبقرية اطباء الاسلام.

وتتضمن الاحاديث النبوية الشريفة الكثير من التكريم لمن امتهنوا الطب وجعل، لهم مكانة مرموقة لاثقة بمقامهم.
قال رسول الله: " ان الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولاتداووا بالمحرم ". وقال ايضا " لكل داء دواء فإذا اصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل ".

ولقد خص ابن الطبيب البغدادي علي بن علي بن عبد المنعم في كتابه " المختار في الطب " كلاً عن الأم والطفل بفصول مستقلة اضافة الى ما تعرض له من شئونها في الفصول الاخرى، منذ بداية الحمل بل قبل ذلك وعند الولادة وبعدها، ثم تطرق الى وسائل العناية بها وبالمولود حتى يشب. وكتب اجزاء عن كيفية معالجة ومعاملة المرضى كانت كلها نماذج حية من اخلاق الطب منحته منزلة رفيعة في البلاد التي عاش فيها. وقبل وفاته بسنتين عجز عن الحركة فلزم منزله ومع ذلك لم ينقطع عن الدراسة والتدريس فظل يدرس على سريره وكان الناس يترددون عليه ويقرؤون عليه إلى ان وافته المنية سنة 1213 م وهو في الخامسة والتسعين.

لم تقتصر رعاية الطب والعلوم في الاسلام على العلماء فحسب بل أولي حكام الاسلام وسلاطينهم الكثير من الاهتمام بإقامة المدارس والمستشفيات لتكون معاهد يتخرج منها أطباء تتلمذوا على أيدي مشاهير علماء عهدهم. وفي قصة السلطان محمود الثاني الذي جمع طلبة الطب واخبرهم بانه قد-جلب برنارد من ديار اهل الكفر ليدرسهم العلم الجليل الشأن علم الطب، بلسان أهل الكفر وأوصاهم ان يستفيدوا منه وان ينصتوا الى حديثه ودروسه ويتبعوا اقواله عساهم ينقذونه ويخلصونه من الجواسيس المتطيين في جيشه. وهذه امثولة رائعة للمكانة الكثرة التى اولاها السلطان للطبيب ايا كانت جنسيته او دينه حاذيا حذو نبيه الكريم وتقاليد الاسلام الحنيف الذي أوصى بتكريم العلم في شخص العلماء وأمر بطلب العلم من المهد الي اللحد ولو في الصين.

ومما يجدر ذكره في هذا المجال الاهمية الكبرى التي اولاها الدين الاسلامي في توجيه الأخلاق الطبية حيث وضع ركن تنظيم الأسرة في المكان اللائق به ووضع الباري جل شأنه أساساً عظيماً لهذا النظام فقال في كتابه العزيز: لا تضار والده بولدها ولا مولود له بولده) (2/233 ) ومن المعروف جليا وجود اخطار معينة تتعرض لها الأم في حالة تعدد حملها أوحدوثه في سن صغيرة أو متأخرة أوتقارب فترات ولاداتها.

لن يكتمل الحديث عن مبادىء الاخلاق الطبية في الاسلام دون التطرق الى المكانة الرفيعة التي خلدها ابن سينا في عالم الطب والفلسفة تتداوله الكتب والمخطوطات حتى يوما هذا، وكما ورد في كتابه " القانون ".

الشعراء امراء الألسن كما الاطباء ملوك البدن
هذا يصون النفس بالفصاحة وذا يطب الجسم بالنصاحة

* ++++*

ثم شكر رئيس الجلسة الدكتور المفتو وعقب التعليق الآتي:
أستأذنكم قبل أن نستمع الى محدثنا الثالث وحتى لا تتداخل الموضوعات بعضها في بعض- في ايجاز شديد أن الخص البحثين في كلمتين نحن سمعنا بحثا من الاستاذ/ محمد فؤاد توفيق عن المسئولية وموضوع المسئولية له قيمة آنية عملية الذين عاشوا خارج البلاد العربية الاسلامية يرون كيف ترددت النظم تاريخيا وحاليا بين حدين حد مفرط في التوسع والترخص مع الطبيب مما يهدد مصلحة المريض ويفتح الباب الى ما يصل الى التجريب على المريض ثم وصلوا الى الحد الأقصى في الجانب الآخر فيما يسمى الخطأ المهني حتى بات كئيرا من الاطباء في بعض البلدان في فزع مقيم من هذا النظام وصار بعض يميل الى التقاعد في سن مبكرة من شدة ما أفزعه شبح المطالبه الجنائية والمادية التي قد تصل الى تعويضات ربما لأ يكون له قبل بدفعه فموضوع المسئولية عن خطأ الطبيب موضوع له قيمته العملية الكبرى وعلماء الاسلام في تحديدهم لهذه الامور عادوا يفسرون المصالح وهم يتحدثون عن مصلحة للطبيب ومصلحة للمريض ومصلحة للجماعة. مصلحة الطبيب في الا يحمل فوق طاقته. مصلحة المريض وأهل المريض في أن يحصل على التعويض اذا وقع عليه الضرر بخطأ. مصلحة الجماعة في أن ينفسح المجال في البحث العلمي وللمارسة المهنية دون خوف شديد يحبسها عن الانطلاق هذه هي الأسس التي يدور في اطارها بحث قضية المسثولية الجنائية والمسئولية المدنية مع تفرقة معروفة بين الخطأ اليسير والخطأ الجسيم الذي يشبه بعض الفقهماء بالعمد هذا على أي حال الموضوع الهام الذي عرض له الاستاذ/ محمد فؤاد توفيق-

أما الدكتور/ يونس مفتو فقد تناول جمعا أقطاره من تراث الاسلام من نصوصه ومبادئه ثم تراثه المتمثل في سلوكه وتجارب المسلمين حكاما ومحكومين فيما يتعلق بآداب المهنة فأشارات سريعة الى أمور ستة :
الامر الأول: الاشارة الى أن وراء الطبيب قدرة الآهية حافظة بالنفس والبدن ويشير إليها قول الرسول r فاذا لقى الدواء الداء برىء بإذن الله تعالى- تعليق الآمرعلى بإذن الله تعالى- فيه اشعار بأن من وراء الجهد البشري حفظ الآهي.

الأمر الثالث: طرح علينا قضية التداوي بالمحرم وعدم جوازه في ذلك تفصيل لم يتسع له الوقت بطبيعة الحال.

والأمر الرابع: انه أشار إلى قضية تخصص الطبيب وإتقانه عمله وهو يدخل فيما قرره الفقهاء- من أن ثلاثة يحظر عليهم- المفتي الماجن. والطبيب الجاهل- والمكاري المفلس.

الأمر الخامس: إقرار حق العلاج كحق للناس.

الأمر السادس: الذي مر عليه مروراً سريعاً ويحتاج إلى بحث مستقل وما أسماه اجمالاً تنظيم الأسرة والا لم يتسع المجال لنفهم على وجه التحديد ما هو المقصود بتنظيم الأسرة تلك على أي حال هي الأمور التي عرض لها ولو بالإشارة الأخ العزيز/ يونس مفتي. مشكورأ على هذا.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:19 PM
مبادىء الأخلاق الطبية في الاسلام

الدكتور / يونس المفتو
تركيا

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:20 PM
فقه الطب وأدبه

دكتور. عبد الستار أبو غدة
الكويت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:21 PM
تمهيد:
الطب فى الدراسات الاسلامية :

حين أردت أن أكتب موضوعا يتناسب مع نشاط هذا المؤتمر للطب الإسلامي تساءلت عما يستحق أن يدعي الطب الاسلامي لتكون الكتابة فى الصميم وكان الباعث على التساؤل هو أن الطب أحد العلوم التي لايتضح فيها وجه هذا الوصف بعيدا عن جعل العلم يتعدد تبعا للاديان والملل .... ثم تأملت فرأيت أن المقصود من الوصف بهذه الصفة التنوية بما أسداه الإسلام لعلم الطب من اعتبار وتشجيع وما اكسبه من عناية استتبعت استمراره ونموه على نحو لم يشهد له مثيل فى ظل غيره ، وقد يؤدي لايضاح المراد تقليب هذين اللفظين بأن يقال : " إسلاميات الطب " أو طبيات الاسلام " فالغرض تصويب النظر إلى الموقع الذى اتخذه الطب فى أرجاء الدراسات الإسلامية بانواعها .

وقد تركت الحديث عن نمو الطب في ظل الإسلام وجهود الأطباء المسلمين فى تحرير ما ورثوه وإبداع ما ابتكروه من نظريات بعضها ظل محرثا لهم حق السبق إليه وبعض منها استلبه الأدعياء فى غفلة الانحطاط والضعف ، حتي قبض الله من يشهد بالحقيقة سواء من أهلها أو من أعدائها
( والفضل ما شهدت به الأعداء ) وهذا يغلب عليه الطابع الاختصاصي الفني ، والجدير بجلائه هم الاطباء دون غيرهم . كما أمسكت عن التوسع في مجالين آخرين يستهويان الباحث في ظل ما في عنوان :الطب الإسلامي " من شمول ( أحدهما ) هو الاستعراض التاريخي للجهود التأليفية في الطب وعلومه من قبل المسلمين ، وذلك له كتب عامة تعني بتاريخ العلوم من طب وغيرها ، وتهتم بتقويم الكتب ( الببلوغرافيا ) ، والرجوع إليها أو الاقتباس منها من خلال نظرات سريعة كفيل بالمطلوب والسبيل الامثل لتخليد هذه الجهود تحقيق مخطوطاتها ونشرها وترجمتها للغات الحية ليكون من مراجع الدراسات الطبية العالمية أمثال كتاب " الحاوي " للرازي ( 311 هـ = 923 م ) و " القانون " لابن سينا ( 348 هـ ـ 959 م ) و " التصريف " للزهراوي ( 427 هـ = 1035 م ) وكتب ابن رضوان المصري ( 453 هـ ـ 1061 م ) وكتب ابن رشد ( 595 هـ ـ 1198 م ) وكتب ابن زهر الأندلسي ( 577 هـ 1161 م ) و" الشامل " لابن النفيس ( 687 هـ ـ 1288 م . ) وغيرها مما تلاحق بعدها … تمهيداً لوصل حاضرنا العتيد بالماضي المجيد وانطلاقا لرسم المستقبل المنشود.
( والمجال الثاني)
الربط والتوفيق بين النظريات الطبية الحديثة وما ورد من نصوص فيها إشارات ذات صلة بها في القرآن والحديث، وهذا المجال أيضا مما عني به القدامى والجدد بكتابات شاملة للنظريات العلمية مطلقا أو خاصة بالطبي منها …

ومع ما يتطلب هذا المجال من ازداوجية لابد منها للباحث فيه فقد كان حظ الأطباء للإسهام في بيانه اكثر من حظ غيرهم لأنه يتطلب تمرسا في الطب وتعمقا في علومه في حين يكفي له الإلمام بالدراسات الدينية والعربية .

وبعد …. فإن وراء ما أشرت إليه مجالا رحبا لدراسة ما يمكن اعتباره أيضا من مسمى " الطب الإسلامي " بدءاً من " الطب النبوي " المتضمن هدى النبي " صلي الله عليه وسلم في الطب الطبيعي والعلاج الروحي والطب النفسي والقواعد التي أرساها الإسلام لحفظ الصحة ثم ما وراء ذلك من منارات منثورة في علوم الشريعة الغراء تتصل بفقه الطبيب " الأحكام الخاصة به " وآدابه أخلاقيات الطبيب " ومعظم ذلك مذكور في غير مظانة ، وقليل منه قد حظي بباب مفرد لدراسته في الكتب الشاملة أو بكتاب مستقل فيه .

وفيما يلي إشارات لاهم الجوانب التي كان لها حيز في الدراسات الإسلامية بعيدا عن الاسترسال في الصعيدين التاريخىوالتأويل المشار إليهما لتكون هذه الدراسة تقريرا لاصالة الطب الإسلامي ومدخلا لوضع مرتكزات للدراسات المفصلة فيه وذلك يهم في فتح المجال أمام من ينشط لتسليط أضواء البحث الكاشفة لما خفي منها ولا يتسع المقام لتلمس دور الطب في الدراسات الإسلامية تأثرا وتأثيرا في جميع الزمر المستقرة لتلك الدراسات بدءاً بالقرآن ومرورا بالسنة والسيرة ، وانتهاء إلى الفقه وعلومه المساعدة لاسيما الحسبة والآداب الشرعية ، لذا اقتصرت على لمحات في فقه الطبيب ( الأحكام التي تتصل بمزاولته عمله من حل وحرمه ) ، مع نبذ الآداب التي ينبغي مراعاتها .

ولابد من إلقاء نظرة إلى مشروعية الطب قبل الحديث عن فقه الطبيب وآدابه ، ثم الانتقال لبيان الخصال التي أوجبت الشريعة الإسلامية على ممارسة الطب المعرفة بها ، لأنها من الأمور المتصلة بصميم عمله .

وهي مما يختص بالقيام به غالبا، ومما يشمل آثار تصرفاته فى الاحوال العادية أو الطارئة إذ من المقرر شرعا انه يجب على المسلم بالاضافة إلى معرفة الاحكام العامة فى حق الجميع كالعبادة اكتساب المعرفة بما يخصه فى عمله لتكون تصرفاته موافقه للشرع وليكون كسبه حلال .

النظرية الشرعية للطب : ـ
لعل أول ما يتعرض له الفقهاء فى هذا المجال حكم ( التداوي ) ويستتبع ذلك تعرضهم لحكم ( التطبيب ) (1 ) ... ولا يخفي ان الحديث عن هذين الأمرين كان لهما قديما ما يبرره إزاء مواقف بعض المتصوفه أو الزهاد الذين توهموا أن الاقدام على التداوي يخالف التوكل وقد اعتبرت هذه المواقف من باب التنطع بعدما ثبت تداوي النبي صلى الله عليه وسلم شخصيا والامر منه لغيره بالتداوي والمداواة .

ويستوقف النظر فى المراجع التى تناولت هذه القضية حرص الفقهاء على اعتبار " مهنة التطبيب " إحدي فروض الكفاية بمعني انه إذا لم يوجد من ينهض بما أثم المسلمون كلهم وأن القيام بها من البعض يسقط الاثم عن البقية ويكون الاجر خاصا بمن يقوم بذلك ... ويظهر أثر هذا الاتجاه حين الموازنة بمحاربة الطب قبل الإسلام من خلال شن الحملة عليه من قبل محتكري الوصاية على الأديان والعقول .

الفقه والخبرة الطبية :
تثور الحاجة إلى خبرة الطبيب فى أكثر من موضوع فى الفقه الاسلامي وتلك المواطن إما أن تتصل بالمرض أو الاعذار المبيحة لبعض الرخص والتيسير فى العبادة وإما ان تتصل بالفصل فى المنازعات التى تنشأ من دعاوي محلها جسم الانسان سواء أكان النزاع فى شأن السلامة والبقاء على الفطرة وعدمها أو من قبيل ادعاء العيوب والنشاز ... ونظرا إلى ان الشريعة الإسلامية من منهجها العام فى التشريع بناؤه على الأمم الأغلب فقد ندر فى غير مجال الطب ربط الامور بالخبرة الفنية وحدها بل أقيمت أكثر الأمورعلى حصول الامارات الظاهرة الميسورة كما هو الحال فى أوقات الصلاة ومطالع الأشهر وغيرها ، أما فى مجال الطب فلم يعدل عنه إلى غيرها الا فى الامور الميسور إدراكها بالتأمل او بطول الأمر الكافي لظهور الأعراض وإجماع القرآئن كما هو الحال فى البلوغ وعلاماته الطبيعية .

وفى هذه الأحوال كان البديل ليس هو الشخص العادي ، بل أصنافا من ذوي الخبرة الآخذه من الطب بنصيب كالقابلة ..... أو مجموعة من النساء الثقات .

ومن أهم امثلة الحاجة إلى خبرة الطبيب فى تحقق شروط العبادة لوجوب مزاولتها .

أ ـ التطهر لها بالوضوء والغسل بحسب الحاجة ، حيث ينتقل الواجب بحصول المريض ، من استعمال الماء ، وهي الطهارة الحقيقة الأصلية إلي طهارة بدلية اعتبارية ( التيمم ) وقد يكون الانتقال فى جزء من البدن لا فى جمعية ، ومثاله الاعفاء من مساس الماء للبدن ، بسبب وضع جبائر حيث يستعاض عن ذلك ( بالمسح على الجبيرة ) .

ب ـ وصلاة المريض احد الأبواب المعروفة فى الفقه حيث يصلي كما يطيق من قعود او علي جنب بحسب مقتضي مرضه .

ج ـ و( المرض) أحد الاعذار التى يسقط بها وجود الجمعة والجماعه ، فيستعاض عن حضور المسجد بالصلاة فى البيت .. ومناط ذلك المرض تعذر الوصول إلى مكان المسجد لما فى الجسم من وهن أو فى القدم من ألم .

د ـ والمرض يبيح الفطر فى رمضان ليكون الصوم فى أيام اخر هي ايام الشفاء والعافية إلا إذا كان المرض مما لايرجي شفاؤه فينتقل الواجب من الصوم إلى الفدية التصدق بطعام مسكين ولايخفي ان الحكم بالمرض أصلا أو بكونه مزمنا هي هو مهمة الطبيب دون غيره .

هـ ـ ومرض الموت له شأن آخر فهو ليس ذاك المرض الميئوس من شفائه فقط بلي هو الذى يزداد أثره حتي ينتهي بالوفاة وله أحكام فقهية مفصلة بشأن التصرفات ولاسيما الهبة والاقرار والطلاق ... والذى يقرر ان المرض من هذا القبيل " هو الطبيب على أنه ليس من إعطاء الخبرة حقها فى الدقه أن يطلق العنان للمرض مهما كان نوعه ومداره لتستباح به الرخص ويعفي به عن الشروط ، ولذا كان المرض عند الفقهاء أنواعا لكل منها اعتباره واكتفي بالاشارة إلى اختلاف الرأي فى اكتفاء بعضهم بخوف زيادة المرض أو امتداد زمنه واشتراط بعضهم خوف الهلاك أو فوات العضو على أن بعض الفقهاء اكتفي للاستفادة من الرخصة الشرعية بأن يكون فى استعمالها كالفطر فى الصوم مثلا ) الظن بحصول الصحة ، وبعضهم اشترط اليقين ... (3 ) وفى هذه المعايير المختلفة دلالة واضحة على الدقة فى تقدير الأمور والحاجة الماسة إلى الخبرة الفنية ... ويتأكد هذا المبدأ من استعراض نماذج من اشهر مجالات الرجوع للخبرة الطبية فيما يلي :

أ ـ ففي ، موضوع الزواج وثبوت المهر كاملا بالدخول أو الخلوة لا يعتد بالخلوة ما لم تكن الموانع زائلة ، فالمرض أحد تلك الموانع لكنه " المرض الذى يمنع المعاشرة او يلحقه به ضرر ... ) (4 )

ب ـ والأمراض الجنسية التى تمنح بها المرأة حق الفرقة عن الزوج هي العنه والجب والخصاء ، لكن المجبوب لايتريث فى اعتباره ، أما العنين والخصي فيؤجل معهما الزوج سنه لتمر به الفصول الأربعة ويتبين هل ما به هو علة معترضة أم آفة أصلية .

ج ـ وكذلك المرجع للخبرة الطبية فى عيوب الزواج المستوجبة للخيار : وهي بالنسبة لما يوجد فى الزوج مغتفرة عند بعض الفقهاء لوجود الطلاق الذى يتمكن به الزوج من مفارقة الزوجة المصابة ... ويمنحة بعضهم حق الخيار ويحصر تلك العيوب فى ثلاثة عامة الجذام ، والبرص ، والجنون ، وقد عمم بعضهم أثرها ليشمل حالة إصابة الزوج بها وعيبين نسائيين هما الرتق وهو التصاق يمنع من المعاشرة الجنسية والقرن هو حائل عظمي او لحمي يمنع من المعاشرة .

ومن الواضح ان معرفة ذلك لابد فيه من خبرة الطبيب ، وإن كان يستعان فى بعض الأحيان بالقابلة ... وهي صورة من صور الطب .. والأمثلة للتعويل على الخبرة الطبية كثيرة فى شتي أبواب الفقه .

ولهذ1 وضع الفقهاء اساساً لاعتبار المرض مرخصا فى التيمم ,أمثاله من المواطن التى يتغير بها الحكم من حال إلى حال أخف أو اشد وهو " أن يعتمد على معرفة نفسه إن كان عارفا " أي المعرفة الفنية " وإلإ فله الأعتماد على قول طبيب واحد صادق مسلم بالغ عدل فإن لم يكن بهذه الصفة لم يجزا اعتماده ومفاد هذا أنه لايعتمد على من لم تتوافر فيه الصفات والقيود المشار إليها ، علي أن بعض الفقهاء رأي انه يجوز اعتماد قول من كان فاسقا ، لعدم التهمة هنا لذا اقتصر هؤلاء فى وصف الطبيب بأنه "مسلم ثقه " مع تقييده بالحذق والفطنة. كما صرحوا بقبول قول المرأة وحدها لانه من باب الاخبار وليس من قبيل الشهادة التى جاء فى تنظيمها نص الآية الكريمة " واستشهدوا شهيدين من رجالكم ، فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء " ( 2/282 )

ومما يدل على إحالة الأمر إلى خبرة الطبيب منع بعض الفقهاء من التيمم للمرض ان لم يجد طبيبا على الصفة المشروطة .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:21 PM
مسئولية الطبيب ( الضمان )
إن المسئولية بالنسبة للطبيب وغيره نوعان : تعاقدية ، وجنائية .

1 ـ المسئولية التعاقدية
تنطبق على التعامل بين المرضي والأطباء القواعد العامة للاجارة على الاعمال وهي السائدة فى كل المهن التى يلتزم فيها صاحب المهنة بأداء منفعة للمتعاقد محدودة بإنجاز معين مع تمكنه من تلقي مهام أخري .. وقد يكون التعامل على اساس الاجارة الخاصة التى يسمي مقدم المنفعة فيها (الاخير الخاص ) وذلك حين يرتبط خلال مدة معينة بأن لايعمل لغير من تعاقد معه وهاتان الحالتان لاخصوصية فيهما للطبيب عن غيره على ان هناك حالتين لا تتصوران الا فى ممارسة الطب تسمي إحداهما " المشارطة على البرء " وتسمي الاخري : " اشتراط السلامة " وقد عني بمعالجتهما الفقهاء على النحو التالي : ـ

الحالة الاولي المشارطة على البرء .
الاصل فى تقدير التعامل مع الطبيب ان يكون على مدة معينة او ان يكون على القيام بأعمال علاجية معينة ويستحق الاجر حر بإنجاز ذلك ولو لم يبرأ وهذا ما يدعي فى الاصطلاح القانوني " بذل العناية ) وفى هذه الحالة احتمالات لها حلولها التى تختلف فيها أنظار الفقهاء مثل حصول البرء أثناء المدة او حصول الوفاة او امتناع المريض من مواصلة العلاج ، على أنه قد يشترط فى هذا التعاقد بالاضافة إلى بذل العناية تحقيق غاية وهي الشفاء من المرض ( البرء ) والفقهاء مختلفون فى الحكم على هذا التعاقد .

فبعضهم منعه لما فيه من الجهالة ، لأن البرء غير معلوم متي يحصل حتي لو أحاط الطبيب علما بأحوال مرضه ومريضه له لتدخل اسباب خارجية .

وجمهور الفقهاء اتفقوا على جوازة والدليل عليه هو ما ورد ان أبا سعيد الخدري عالج رجل وشارطه على البرء ، وعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقر تصرفه ، ويري ابن قدامه ان هذه المعاملة ليست من باب الاجارة التى يشترط فيها معلومية محل التعاقد بالمدة أو العمل ، وإنما هي من قبيل ( الجعالة ) وهي تجوز على عمل مجهول كما هو الحال فى رد اللقطة ويكفي للجعالة تحديد مقدار الجعل وبيان الغاية المطلوب تحقيقها بقطع النظر عن مقدار العمل ... ومن أحكام هذه المشارطة أنه لو ترك قبل البرء فلاشيء له إلا أن يتمم غيره فله حساب نسبة من الاتفاق ... (6 ) .

وقد تناول الفقهاء هنا مسائل آخري ثانوية مثل اشتراط الدواء على المريض او الطبيب وهي من القضايا الملحوظ فيها اثر الاعراف والاوضاع الزمنية والتى لا يوجد ما يلزم بمتابعتها مع تطور أصول التعامل فى هذا المجال .

الحالة الثانية ـ اشتراط السلامة : ـ
تناول الفقهاء ما لو تعاقد الطبيب مع مريضة واشترط أن يكون عمله مقترنا بالسلامة من السراية ( المضاعفات ) فالشرط باطل ليس فى وسعة ذلك ، وما دام ما ينتج عن الفعل المعهود المستوفي للشروط معفي من المسئولية فلا تترتب بمجرد الانفاق للقاعدة القائلة " ضمان الآدمي يجب بالجناية لا بالعقد " (7 ) ويلحظ ان الشارع قد تدخل لينقذ الطبيب الذى تورط بقبول هذه المغامرة اما مدفوعا بإقدامه على أكثر مما يطيق ، وإما بدافع الحاجة لقطف ثمار عمله ولو كانت محاطة بمحاذير ، والشريعة جاءت لإقرار العدل أو لتحقيقه حين يزهقه جموح أو طغيان أحد الاطراف .

ب ـ المسئولية الجنائية : ـ
الكلام عن المسئولية الجنائية المترتبة على الطبيب إنما هو فى مجال ممارسته المهنة " لأن تصرفاته العمدية العدوانية خارج المهنة لاتختلف عن غيره ولكن نظرا إلى ان طبيعة مهنته قد يلتبس فيها التصرف المعتاد المقصود به العلاج بالتصرف الجنائى الناشىء عن جهل أو تجاوز أو خطأ فقد تناول الفقهاء بالدراسة هذه التصرفات بإسهاب وتفصيل يمكن إيجازة على النحو التالي:

أن اعتبار التطبيب واجبا كفائيا يقتضي أن لايكون الطبيب مسئولا عما يؤدي إليه عمله قياما بواجب التطبيب لأن القاعدة أن الواجب لايتقيد بشرط السلامة لكن لما كانت طريقة أداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب وحده لما له من السلطان الواسع فى الطريقة وكيفية الاداء تبعا لاجتهادة العلمي والعملي ، كان ذلك داعيا للبحث عن مسئوليته جنائيا عن نتائج عمله إذا أدي إلى نتائج ضارة بالمريض باعتبار انه حيث يؤدي واجب التطبيب اشبه بصاحب الحق منه بمؤدي الواجب ولايخفي أن صاحب الحق يسأل فى حال تجاوزة حقه .

وبمناسبة فى الموازنة بين اعتبار الطبيب قائما بواجب او اعتباره صاحب حق يهتم الفقهاء بالتأكيد على ضرورة الاستعانة بخبرة الطبيب فى تنفيذ القصاص الشرعي فى حالة وجوبه بالجناية على نفس ( القتل ) ، أو الجناية على مادون النفس الجراح وإتلاف الاطراف أو الحواس فلاشك عندهم أن قيامه بذلك هو من قبيل أداء الواجب وقد صرح الفقهاء على أن مقتضي الاحسان في التنفيذ ان يعهد به إلي ذوي الخبرة بعد أن يوكلهم الأولياء المتمسكون بحق القصاص إذا لم تطب نفوسهم بالعفو ، لم يتطلبه ذلك من دقة وحذر لعدم مجاوزة الواجب قصاصا كان اوحد ولتحقيق البعد عن الظلم والتعذيب وقد تضمنت المراجع الفقهية القديمة بعض الأصول التى كانت تراعي قبل التنفيذ والوسائل التى كانت تستخدم فى القياس وتحديد محل الاستيفاء ، ليتم على أعدل وجه وأرفقه وأسهله (8 ) وهناك إجماع على عدم مسئولية الطبيب إذا أدي عمله لنتائج ضارة فيما إذا توافرت الشروط التالية : ـ

1 ـ ان يكون طبيبا عن معرفة ودراية لا عن زعم وادعاء ولا فائدة من أن تكون له شهرة غير مستندة على خبره حقيقية .

2 ـ ان يعمل طبقا للأصول الفنية التى يقررها فن الطب وأهل العلم به فيما لم يكن كذلك فهو خطأ جسيم يستوجب المسئولية .

3 ـ أن يأذن له المريض أو من يقوم مقامة كالولي ...
والطريف فى هذا القضية ان الفقهاء حين أجمعوا على رفع المسئولية عن نتائج فعل الطبيب حين توافر الشروط المشار إليها اختلفت وجهات نظرهم فى تعليل نفي المسئولية على نحو يدل على التقدير لشأن هذه المهنة وخطورتها فى آن واحد فبعضهم يري أن العلة هي الحاجة إلى ممارسة المهنة فى جو يشجع على أدائها ... لاسيما حين يقترن ذلك بالاذن وبعضهم يري العلة بالاضافة للإذن أن الغرض من الفعل قصد العلاج لا الضرر ، والقرينة على هذا القصد وقوعة موافقا للأصول الفنية ... ويري البعض ان العلة هي الاذن فى صورته المزدوجة المركبة من إذن الحاكم بممارسة المهنة وإذن المريض بأداء ما تقتضي به من أعمال .

العلاج بالفعل المخوف : ـ
لعله لا يخرج عن دائرة ارتكاب أهون الضررين ما ذهب اليه بعض الفقهاء فى قضية العلاج بالافعال التى يخاف منها التلف او السرايه المضاعفات بدلالة ما أردفوا به هذه المسألة من تفصيلات بأنه اذا خيف التلف من ترك الفعل كان القيام به جائزا بل واجبا كما صرحوا بحل قطع عضوا استقر فيه الداء وخشي انتشاره فى سائر الجسم .

ولايخفي ان المعيار المشار اليه هو المحكم وما جاء على غير ذلك ربما كان من التأثر بالاوضاع الزمنية .

وكان مما ثار الجدل فيه فى غيبة مراعاة القاعدة : لكي (9 ) مبالغة فى البعد عن مجال التعذيب بالنار ، وشتان ما بينهما...

تشريح بدن الانسان : ـ
كان لهذا الموضوع صداه قديما باقتصارالبعض على التمسك بمبدأ تكريم بني آدم وتحريم المثلة وتحريم كسر عظم الميت فى بعض الاحاديث دون مراعاة المقاصد الاخري من حفظ النفس بشتي الوسائل المؤدية لحفظها ومن تلك المقاصد التى تسعف نصوص التشريع وعبارات الفقهاء بمراعاتها شق بطن الام الميته لحفظ حياة الجنين ، والتشريح لتعلم الطب ولكشف جريمة ... ومما جاء فى ترجمة ابن النفيس وهو فقيه مشهور فضلا عن أنه طبيب وغيره أنهم كانوا يذهبون إلى المقابر فيلاحظون بعض العظام التى تنكشف عنها القبور القديمة ويراقبون مفاصلها فضلا عن تشريحهم بعض الحيوانات ولايخفي أن حرمة بدن الإنسان الميت موفورة اذا كان تشريحة لمصلحة أكبر ....

ومما يتبع هذا قضية الاستفادة من أعضاء الموتي لتعويض نقص أو تلف الأحياء وهي مسألة مركبة من نواح متعددة ولاتخرج عن نصوص الأمر بالتعاون وقاعدة ارتكاب اهون الضررين المشار اليها.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:22 PM
العلاج بالمحرم أو النجس :
الاصل المنع من ذلك لنفس المقاصد والغايات التى يرمي إليها الشارع فى المنع من بعض الأشياء غذاء كانت أو دواء واعتبارها محرمة بالنص على تحريمها أو الحكم بنجاستها .

وقد اتجه جمهور الفقهاء هذا الاتجاه المنسجم مع علل المنع ما ظهر منها وما بطن ، على أن بعضهم رأي فسحه فى استعمال المحرم أو النجس فيما إذا تعين ذلك دواء للمريض ، واخري هنا أحكام الضرورة التى يباح معها ارتكاب المحظور فى حين رأي الجمهور فرقا بين الدواء الذى هو مظنون وله بدائل وبين الغذاء الذى به قوام البدن ولاغني عنه مطلقا فإذا اضطرإليه الإنسان غير باغ ولاعاد فلا إثم عليه ...

وقد استوفي أبن القيم وجوه الحكمة فى المنع من التداوي بالمحرمات بعد أن أورد الادلة الصحيحة على هذا الاتجاه المشهور لدي الفقهاء وهو يشير إلى أن المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلا وشرعا ، لأن تحريمها على الأمة ليس عقوبة بل هو لخبثها فحرمت صيانة عن تناولها وحفظا من أخطارها فلا يناسب العودة اليها للاستشفاء ، وفي اتخاذها دواء ترغب فيها ينافي داعي التحريم إلى تجنبها ، والاخذ بها يكسب النفس من خبثها بالانفعال البين الحاصل بالدواء .. واباحة التداوي بها يكون ذريعة لتناولها للشهوة واللذة والشارع يسد ذرائع الفساد ولايخلو الدواء المحرم من أضرار تزيد على ما يظن فيه من الشفاء . ثم أشار إلى لطيف فى كون المحرمات لايستشفي بها هو افتقارها إلى عنصر التلقي بالقبول واعتقاد المنفعة والبركة المجعولة للشفاء .. واعتقاد تحريمها يحول بين المسلم وبين تلك العوامل .
ومما يذكر عن ابن النفيس ان فى مرضه الاخير وصف له بعض الاطباء تناول شيء من الخمر إذ كانت علته تناسب أن يتداوي بها على ما زعموا فأبي ان يتناول شيئا من ذلك وقال : " لا ألقي الله تعالي وفى باطني شيء من الخمر " ولعل فى هذه العجالة غني عن تفصيل الكلام فى هذا الموضوع (10 ) .

النظر للعورة للعلاج : ـ
فى ظل القاعدة الشرعية المعروفة الضرورات تبيح المحظورات الاخري التى تقضي بارتكاب أهون الضرريين اتقاء الاشدجهما اعتبر تحريم النظر إلى العودة قاعدة لها مستثنيات لاتختص بطبيب دون غيره ... لكن التطبيق العملي كشف أن العلاج أشهر التطبيقات التى خرجت عن القاعدة ... وليست كلها فهناك النظر لاداء الشهادة مثلا ، وأمور أخري قد آلت بالتطوير إلى الطب نفسه كما سنري .

ولايخفي ان العورة من الرجل ما بين السرة إلى الركبة ، ومن المرأة البدن كله عدا الوجه والكفين ، العورة المغلظة هي الفرج وما حوله ، وعلى هذا فإن ما فوق السرة وما تحت الركبة هو القدر المباح للنظر إليه من الرجل بالنسبة للرجل ومن الرجل لمحارمة ، ومن المرأة للمرآة ، ومن المرأة للرجل ، أما نظر الرجل إلى المرأة فالقدر المباح منه هو الوجه والكفان هذه هي القاعدة فى الجملة ، أما الاستثناءات التى نوهت بها فهي إباحة النظر إلى محل المعالجة أو لمسه وهو فى الاصل اشد حرمة من النظر وذلك بالقدر الذى تدعو إليه الحاجة ، حتي لو كان ذلك المحل هو السوأتين ودواعي النظر التى مثلوا بها متعددة وهي قد آلت كما اشرت إلى الطبيب او مساعديه والملخصين به فى الحكم القابلة الخاتن الممرض ولمن يعهد إليه بتعرف البلوغ ( التسنين ) ولمن يرجع اليه فى معرفة العيوب الجنسية أو البكارة .

ومما حض عليه الفقهاء ستر ما لايحتاج لنظرة من العورة بثوب ، والاقتصار على النظر للمحل المعالج ...

علاج الرجل للمرأة وعكسه :
من القواعد الشرعية أن نظر الجنس ـ ذكرا أو أنثي إلى الجنس نفسه أخف ولهذا كان الاصل ان تعالج المرأة مثلها ... ومع هذا فقد نص الفقهاء على جواز الاستثناء ، وهو معالجة الرجل للمرأة وذلك حيث لم يوجد أحد من بني جنسها ... ولهم تفصيلات فى تقدير الضرورة بين أن يكون " تعذر تأتي " المقصود من المرأة " وهذا يتيح المجال لاعتبار الحال الحاضرة ، فإذا لم يكن ساعة العلاج العاجل الارجل ، أو كان الاختصاص المطلوب أو مقدار المهارة فيه لم يتوافر فى امرأة ، فذلك كله من الدواعي المشروعة .. وصرح بعضهم بأن الرجل يستعين بامرأة فيطلب إليها فعل ما يريد فعله ...

الخلوة بالمرأة : ـ
أحكام الخلوة عامة لا إعفاء من مراعاتها إلا فى الحالات الطارئة النادرة كما لو كانت المرأة مسافرة مع زوج او محرم ، ثم فارقها بالوفاة مثلا .

والخلوة الممنوعة هي الانفراد بالمرأة من قبل رجل ليس زوجاً ولا محرماً ، أما انفراد الرجلين بالمرأة او أنفراد الرجل بالمرأتين فليس خلوة عند بعض الفقهاء وهذا طبعا اذا كان الغرض ليس سيئا على أن فى انفراد الرجلين بالمرأة ، وعكسه ، خلافا لبعض الفقهاء ويتعين تفسيره وفقا لما تدل عليه الوقائع الكثيرة من السنه وعمل السلف بأنه نوع من الاحتياط الواجب إذا لم تؤمن الفتنة ، وأما المتفق عليه فهو ما جاء به الحديث الصحيح " ما خلا رجل بامرأة الا كان الشيطان ثالثهما "

ولا شك ان الخلوة على ما صرح به الإمام أحمد وغيره لاتتحقق الا فى بيت او نحوه مما يؤمن معه دخول ثالث الا بإذنهما .

اما ما كان من الاماكن متاحا دخوله لعامة الناس او لصنف كالاطباء والممرضين مثلا فلاتحقق فيه
الخلوة ...

استطباب غير المسلم :
التطبيب مهمة خطيرة ، فإذا لم تجر فى جو من الأمان والاطمئنان كانت ذريعة لإلحاق الأذي بالخصوم كما أن لذلك اثراً نفسيا فى شعور المريض نفسه (11 )

من هذا المنطلق ومما كان يقع مع بعض غير المسلمين من مكائد أو غش ، ذهب بعض الفقهاء إلى كراهة استطباب غير المسلم إلا الضرورة . ويدل على مستندهم فى الرأي ما أشاروا إليه بقولهم " لعدم الثقة وافتقاد النصيحة " فإذا لم تبق هذه العلة زال الحكم المنوط بها ولذا يعارض ابن تيمية فى القول بالكراهية قائلاً : " إذا كان اليهودي أو النصراني : كبيرا بالطب ، ثقه عند الإنسان ، جاز أن يستطبه ، كما يجوز أن يودعه المال وان يعامله ، وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستطب الحارث بن كلده وكان كافرا واذا أمكن ان يستطب مسلما فهو كما لو أمكنه ان يودعه أو يعامله فلاينبغي ان يعدل عنه وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي واستطبابه فله ذلك ، ولم يكن من ولاية اليهود والنصاري المنهي عنها " .

كما نبهوا على التثبيت مما يصفه من الأدوية المركبة لئلا يكون فيها محرم ، كما قالوا بانه لو أشار عليه بالفطر فى الصوم ، والصلاة جالسا لايرجع إلى قوله لانه خبر متعلق بالدين فلا يقبل (12 )

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:22 PM
من آداب الطبيب : ـ
يشير السبكي فى بيان ما ينبغي أن يتحلي به الطبيب من آداب بعبارة مستوعبة بالنسبة لقلة ما جاء هذا فى غيره من كتب الحسبة التى توغلت فى بيان ما يكتشف به أهلية الطبيب وما يزاح به الغطاء عن الجهل او الغش إن وجد كما أشارت إلى ما يجب علمهم به ، وما يقسمون عليه ، ولزم مراعاة الأذن من ولي الأمر ومن المريض او وليه ( 1 ) يقول السبكي عن آداب الطبيب .

من حقه بذلك النصح والرفق بالمريض .
وإذا رأي علامات الموت لم يكره أن ينبه على الوصية بلطف من القول وله النظر إلى العورة عند الحاجة بالقدر المطلوب .

ـ واكثر ما يؤتي الطبيب من عدم فهمه حقيقة المرض واستعجالة فى ذكر ما يصفه وعدم فهمه مزاج المريض وجلوسه لطب الناس قبل استكماله الأهلية .

وعليه أن يعتقد أن طبه لايرد قضاء ولاقدرا ، وأنه إنما يفعل امتثالا لأمر الشرع وأن الله تعالي أنزل الداء والدواء وما أحسن قول أبن الرومي : " غلط الطبيب على غلطة مورد عجزت موارده عن الاصدار " .

والناس يلحون الطبيب وإنما غلط الطبيب إصابة الاقدار وهناك آداب اخري ليست الشريعة مصدرها الوحيد ، بل هي من آداب هذه المهنة مثل كتمان أسرار المرضي والالتزام بمقتضي القسم الطبي مما هو معروف ( 14 ) على أن من الآداب أمرا يخاطب به الجميع ويخص به الطبيب لاتصاله المباشر بالمريض وهو أدب " عيادة المريض " ولايقلل من شأن هذه المطالبة الخاصة أن يكون ذلك مقتضي مهنته . فإنه إذا نوي بالاضافة إلى باعث الواجب الوظيفي الأخذ بهذه الآداب التى هي من تمام حق المسلم على المسلم كان أداؤه أكمل لصدور ذلك عن قناعه والتزام ديني ينمو الوازع الداخلي بعد رقابة الله عز وجل .

وقد جاء من التفصيلات لآداب عيادة المريض ما يجعل منها علاجا نفسيا للمريض فضلا عن تحقيق المؤانسه والرعاية له فى حال ضعفه وقعودة وأشير إلى أهم العناصر البارزة فى عيادة المريض مما مصدره الشريعة قبل غيرها .

أ ـ عيادة المريض أدب ديني للأمر بها والأجر والفضل عليها فما يلي من الاحاديث .

أمرنا صلى الله عليه وسلم بعبادة المريض ...( اخرجه البخاري ومسلم ) .

حق المسلم على المسلم خمس ... رد السلام وعيادة المريض ، واتباع الجنائز واجابة الدعوة وتشميت العاطس " اخرجه البخاري ومسلم " .

ـ إن الله يقول يوم القيامة : يا بن آدم مرضت فلم تعدني قال : يارب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال اما علمت انك لوعدته لوجدتني عنده ؟ اخرجه البخاري ومسلم " .

ـ عودوا المريض ، وأطعموا الجائع وفكو العاني ـ اي الأسير " أخرجه البخاري " .

ـ أن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل فى خرفه الجنة حتي يرجع ( أي فى جناها) " أخرجه مسلم " .

ب ـ الدعاء للمريض ، بمثل الأدعية المأثورة التالية : ـ
باسم الله ، تربه أرضنا بريقة بعضنا يشفي سقيمنا ، بإذن ربنا " أخرجه البخاري ومسلم "
ـ اللهم رب الناس أذهب البأس ، أشف أنت الشافي ، لاشفاء الا شفاؤك ، شفاء لايغادر سقماً " أخرجه البخاري ومسلم " .

ـ باسم الله ( ثلاثا ) أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " سبع مرات " أخرجه مسلم " .

ـ أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك .
ـ لاباس طهور إن شاء الله .
ـ باسم الله أرقيك من كل شر يؤذيك ، من شركل نفس أو عين حاسد الله يشفيك ، باسم الله ارقيك " أخرجه مسلم " .

ـ قراءة المعوذتين والإخلاص والفاتحة ....
ـ اللهم اشف ، عبدك ينكأ لك عدوا ، أو يمشي لك إلى صلاة ... السؤال عن حال المريض .

ويكون الجواب فى جميع الأحوال : " اصبح بحمد الله بارئاً " إلا إن كان السائل معنيا بعلاج المريض وهو يسأل عن تطور حاله ، لمتابعة علاجه بما يناسب تلك الحال .

د ـ الإحسان للمريض واحتماله والصبر على ما يشق من أمره : وذلك من باب الامتثال لقوله تعالي " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " (6 الم 90 ) وقوله صلي الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء " .

هـ ـ كراهية تمني المريض الموت :
لقوله صلى الله عليه وسلم " لايتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه ، فإن كان لابد فاعلا فليقل " اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي ... " والمراد إيصاء الطبيب الذى يعود المريض بعدم الوقوع فى هذا المحذور .

وتطيب نفس المريض :
لقوله صلى الله عليه وسلم إذا دخلتم على مريض فنفسوا له فى أجله ، فإن ذلك لايرد شيئا ويطيب نفسه وبؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لأحد من عادهم : لابأس طهور إن شاء الله .

ز ـ الثناء على المريض بمحاسن أعماله .
إذا رأي منه خوفا ليذهب خوفه ويحسن ظنه بربه : وفيه إخبار عن ابن عباس مع عمر ، وعبد الله بن عمرو مع أبيه عمرو بن العاص ، وابن عباس مع عائشة ... لامحل لسردها .

ح ـ تشهية المريض : ـ
دخل صلى الله عليه وسلم على رجل يعوده فقال : هلي تشتهي شيئا ؟ تشتهي كعكا ؟ قال نعم فطلبه له ...( ابن ماجه ) .

ط ـ طلب العواد الدعاء من المريض :
" إذا دخلت على مريض فمره فليدع لك فإن دعاءه كدعاء الملائكة ولاشك أن طلب الدعاء منه يشعره بالراحة النفسية من حسن نظرة الناس إليه وأن مرضه كفر عنه كثيرا من ذنوبه وجعله يعيد النظر فيما سلف من أمره .

ي ـ تذكير المريض بعد عافيته بالوفاء بما عهد الله عليه :
ومما روي فى ذلك حوار جري بينه صلى الله عليه وسلم وبين الصحابي ( خؤات ) بعد أن عوفي من مرضه ، حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم صح الجسم يا خوات ، فإجابه وجسمك يارسول الله ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فف الله بما وعدته ، فقال خوات : ما وعدت الله شيئا ، قال : بلي ، ما من عبد يمرض إلا وعد الله خيرا فف الله بما وعدته .

لمحات فى فقه الطبيب وأدبه وهي لتنوية والتمثيل لا للاستيعاب فله مجال آخر . ومن ذلك يتبين ما للطب من منزلة فى الشريعة وما له من موقع فى فقهها وآدابها ... ولا أجد للختام أروع من كلمة مأثورة عن الإمام الشافعي عن التواؤم بين علاج الأبدان ، وعلاج الاديان بإصلاح النفوس وحل مشكلات الحياة حيث يقول : لاتسكن فى بلد ليس فيه فقيه، وطبيب .

المراجع

(1 ) معالم القريه لابن الاخوة 165 ـ 166
(2 ) الهداية 1/126
(3 ) الهداية 1/206
(4 ) ابن مفلح : الفروع ، 2/53 .
(5 ) النووي : المجموع ، شرح المهذب ، 2/315 .
(6 ) ابن قدامه المغني ، 5/400 ابن حزم المحلي ، 8/196 . الدردير الشرح الصغير 4/75 .
( 7 ) الهداية 2/194 و 3/179 مجمع الضمانات 47 ـ 48 وفيه تفصيلات طريفة .
(8 ) المغني 4/315 وهناك كتاب مطبوع باسم ( مقاييس الجراحات ) فيه مزيج بين الرياضيات والطب كوسيلة لتحقيق عدالة التنفيذ .
المغني 5/398 ، ابن رشد : بداية المجتهد ، 2/349 ، البدائع 7/305 ، الشرح الصغير 4/47 ، الحطاب 6/321 ، نهاية المحتاج 8/2 .
( 9 ) غذاء الألباب 2/21 ـ 23
(10 ) لابن تيمية كلام دقيق فى التداوي بالمحرم ومناقشته من زعم تعين الدواء فى بعض المحرمات . مجموعة فتاوي ابن تيمية 4/272 = 276 .
( 11 ) غذاء الألباب شرح منطوقة الآداب للسفاريني 2/20 حاشية ابن عابدين 6/370 .
(12) يشير صاحب معالم القربه فى الحسبة " فى معرض الحض على تعليم الطب بقوله هو من فروض الكفاية ولا قائم به من المسلمين ، وكم من بلد ليس فيه طبيب الا من اهل الذمه ولايجوز قبلو شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الطب ... ( ص 166 ) .
(13) التاج السبكي : معيد النعم ومبيد النقم ، ( ص 133 )
(14 ) معالم القربه 159 ـ 169 نهاية الرتبة 89 ـ 102 وغيرهما ... يرجع إلى كتاب علم آداب الطب للدكتور شوكت الشطي طبع جامعة دمشق " وكتاب الطب العربي " للدكتور أمين اسعد خيرالله المطبعة الاميركانية ـ بيروت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:23 PM
الإجراءات الطبية الحديثة
وحكمها في ضوء قواعد الفقه الإسلامي

الدكتور/ أحمد شرف الدين
الكويت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:23 PM
بعد أن أصبح الطب، بفضل التقدم العلمي، أكثر فاعلية وطموحا وفي نفس الوقت أكثر قوة وخطورة ،فإنه يتعين بيان الحدود التي يجوز فيها شرعا استخدام الاكتشافات الحديثة للعلوم الطبية والبيولوجية. ومن المفيد، بل من الضروري، قبل الخوض في بيان حكم الشرع في التطبيقات الحديثة للطب والجراحة، أن نبرز القواعد العامة. التي تحكم مزاولة أعمال الطب والجراحة على جسم الإنسان وجثته، فهي تضع بعض القيود على هذه الأعمال حتى
لا تخرج عن الهدف الأسمى الذي أبيحت من أجله.

المبحث الأول
القواعد الكلية في المجال الطبي والجراحي
(قواعد الطب الإسلامي)
رأينا انه من المناسب، في محاولة منا لاستخلاص أكبر فائدة من القواعد الكلية، أن نوزعها بين ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: قواعد التصرف في الحق في سلامة الحياة والجسد:

(1 م) من أهم هذه القواعد ما يأتي:

أ- حق الله وحق العبد في نفس وجسم هذا الأخير يوكلان لمن هو منسوب إليه ثبوتاً وإسقاطا. (1)
ب- لا يجوز لأحد أن يتصرف في حق غيره بلا إذنه. (2)
جـ- قتل الإنسان أو قطع عضو من أعضاء لا يحتمل الإباحة بغير حق. (3)
د- إسقاط الإنسان له، فيما اجتمع فيه حقه وحق الله، مشروط بعدم إسقاط حق الله (4)
هـ- يقدم ما كان فيه حق الله وحق العبد على ما كان فيه حق الله وحده. (5)
و- حقوق الله مبنية على التسهيل، في حين أن حقوق الآدمي مبنية على التشديد في حالة الضرورة. (6)

الطائفة الثانية: قواعد المفاضلة بين المصالح والمفاسد:

( 2 ) يمكن استخلاص هذه القواعد من مصادر الشريعة الإسلامية التي وردت بها نصوص صريحة للترجيح بين المصالح، من هذا قوله تعالى (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) (2/ 61) (7)، وهو صريح في ترجيح المصلحة الأعلى على المصلحة الأدنى (8) ويمكن لنا أن نستخرج من هذا الأصل القواعد الآتية:

1 ـ ارتكاب أخف الضررين دفعا لأعظمهما:

أ- عند المفاضلة بين المصالح المجتمعة في عمل واجب إن أمكن تحصيل المصالح جميعا كان بها فان تعذر ذلك
حصلنا الأصلح فالأصلح والأفضل فالأفضل ، فالواجب تحصيل أعلى المصلحتين (9)، فإذا تعذر المفاضلة بينهما، للتساوي بينهما فإنه يرخص في الاختيار في التقديم والتأخير بينهما (10).

ب- عند المفاضلة بين المفاسد المجتمعة في عمل معين، الواجب درء الجميع فان تعذر ذلك درأنا الأفسد فالأفسد، فالواجب دفع أعظم المفسدتين (11)، فإن تساوت فيباح التوقف أو التخيير (12).

جـ - إذا اجتمعت المصالح والمفاسد في عمل معين، فان أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد جميعا فعلنا، وان
تعذر التحصيل والدرء معا، وكانت المفسدة أعظم من المصلحة أو تساويا درأنا المفسدة وفوتنا المصلحة لأن درء المفاسد أولى من جلب المنافع (13 )أما إذا كانت المصلحة أعظم من المفسدة التي تقابلها فتقدم المصلحة (4ا) وتطبيقا لذلك أبيح التشريح العلمي والمرضى والجنائي (14).

د- يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام (15).

2- الضرورات تبيح المحظورات (16):

أ- يجب أن تكون المصلحة التي تقتضيها الضرورة أعظم من مفسدة المحظور.
ب- تقدر الضرورة بقدرها (17).
جـ - الضرر لا يزال بمثله (18).
د- الحاجة تنزل منزلة الضرورة سواء كانت الحاجة عامة أو خاصة(19).

الطائفة الثالثة: قواعد مزاولة العمل الطبي أو الجراحي:

(3) تتعلق هذه القواعد إما بحق الطبيب أو الجراح في ممارسة عمله أو بكيفية مزاولة هذا العمل ومسئوليته عنه.

أولا: حق التطبيب والجراحة:
ا- إذا أوجب الشارع شيئا تضمن ذلك إيجاب ما يتوقف عليه. (20)
2- التطبيب واجب كما أن التداوي واجب. (21)
3- لا تنقلب الرخصة التي أنشأها الشرع للطبيب أو الجراح بممارسة عمله على أجسام الناس إلى حق إلا برضاء المريض.

ويستثني من ذلك حالات الاستعجال والضرورة. (22)

ثانيا: أصول العلاج:
يراعى في اختيار العلاج ما يأتي من القواعد:-
1- أهداف العلاج (23) : ـ
ا- حفظ الصحة الموجودة.
2- رد الصحة المفقودة بقدر الإمكان.
3- إزالة العلة أو تقليلها بقدر الإمكان.
4- تحمل أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما.
5- تفويت أدني المصلحتين لتحصيل أعظمهما.
ب- حدود العلاج:
1- يجب ألا يستهدف الطبيب من عمله مجرد إزالة العلة دون النظر إلى عواقبه فالواجب إزالة العلة على وجه يأمن حدوث علة أعظم وأصعب منها، فان لم يأمن ذلك أبقى العلة الأصلية كما هي (34) .

2- إذا كانت العلة لا يمكن علاجها امتنع الطبيب عن العلاج (25). ولكن للطبيب الحاذق أن يعمل قدرته على التخيل للاستعانة على المرض بكل معين (26)، وله أن يجرب الدواء بما لا يضر أثره، ولكن ليس له أن يجربه بما تخاف عاقبته (27)

جـ - طرق العلاج:
1- العلاج بالأسهل فالأسهل، فلا ينتقل من الدواء البسيط المعتاد إلى الدواء المركب إلا إذا فات أثر الأول (28).

2- الجمع بين علاج البدن وعلاج الروح (29)، فقد يكون اعتلال البدن بسبب اعتلال النفس، وقد يكون تقوية النفس أعظم أثرا في الشفاء من الأدوية المعتادة.

3- لكي يكون الطبيب حكيماً يجب، فضلا عن توافر المهارة لديه، أن يكون لديه القدرة على أن يكسب المريض القوة على تحمل الألم ومواجهة العلة والصبر على احتمال العجز، وهو الذي يقنع المريض بحكمة المرض مع تحمله ومواساته.

ثالثا: مسئولية الطبيب أو الجراح :
ا- الجواز الشرعي ينافي الضمان، فإذا فعل الطبيب ما يجوز له فلا يسأل عن الضرر الحادث ولو كان سببا له. (30).

2- لا يتقيد عمل الطبيب بشرط السلامة (31) ولا يطلب منه إلا القيام بالمعتاد من العناية ولا يسأل إلا عن تقصيره فيها.(32)

3- الرضا بالشيء رضا بما يتولد عنه، (33) فلا يسأل الطبيب مدنيا عن الضرر الذي يصيب المريض الذي اختار علاجا
معينا أو رضى به متى كان الطبيب قد راعى أصول مهنة الطب في عمله. (34)

(4) وهكذا فان الصياغة المرنة للقواعد الكلية السابق بيانها تترك المجال أمام أصحاب الفطرة السليمة ليلتمسوا في أطرها العامة موضعا عند الحكم على ما هو مستحدث من أعمال الطب والجراحة على ضوء المصالح والمفاسد المترتبة عليها، والتي يقتضي تميزها عن غيرها حكماً فريداً وإذا كان الأمر كذلك فلنحاول استخلاص أحكام بعض الأعمال المستحدثة للطب والجراحة

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:23 PM
المبحث الثاني
استقطاع الأعضاء البشرية بغرض الزرع

(5) إذا كان من الجائز شرعا أن يتدخل الطبيب في جسم المريض تحقيقاً لمصلحة معتبرة عند هذا الأخير، وقد يصل الأمر إلي قطع جزء من جسمه إنقاذا لحياته (35) فهل يجوز شرعا للطبيب أن يعمل مبضعه في جسم إنسان حي سليم، أو في جثته تحقيقا لمصلحة علاجية لإنسان آخر مريض؟ تلك هي حالة استقطاع عضو من جسم إنسان أو جثته (ونسميه المعطي) بغرض زرعه في جسم إنسان آخر مريض (نسميه المتلقي) يقتضي علاجه القيام بمثل هذا العمل.

لا صعوبة بالنسبة للشق الثاني من هذا العمل، وهو زرع العضو في جسم المريض المتلقي، فهو يدخل في عداد الأعمال الطبية أو الجراحة المباحة بإذن الشرع وبإذن المريض إذا توافرت شروط الإباحة (36)، ولكن الصعوبة كلها تكمن في الشق الأول من العملية، ألا وهو استقطاع العضو من إنسان سليم غير مريض، فكيف يباح شرعاً مثل هذا العمل الذي لا تقتضيه ضرورة صحية عند الإنسان المستقطع من جسمه العضو؟ فإن قيل إن ذلك العمل لا يباح إلا في حالة الضرورة فإن مؤدي ذلك أنه يطلب من الطبيب أن يجمع مصالح شخصين في إطار واحد لكي يقيم الموازنة بينهما بارتكاب أخف الضررين. ولكن السؤال الذي يعرض هنا هو مثل هذه الموازنة بين قيم إنسانية متعارضة"هل هو أمر مسموح به في مصادر الشريعة الأصلية، وهل يوجد في الإطارات الفقهية التي يعرفها الفقه التقليدي وسيلة يمكن بها بلورة هذه الموازنة؟

(6) فيما عدا النصوص القرآنية الخاصة بالانتفاع بلبن المرضعات (37) لا يوجد، على حد علمنا، نص صريح ومباشر في القرآن أو السنة يعالج مسألة استقطاع الأعضاء البشرية بغرض زرعها في حالة الضرورة (38). فإذا توجهنا بعد ذلك
إلى القواعد الفقهية، لوجدنا أنها تتطلب منا أن نراعي ثلاثة أمور:

الأول: ديني يتصل بمدى جواز الانتفاع بأجزاء الآدمي حيا أو ميتا، والثاني: فقهي، وان شئت قل قانوني، يتعلق بالوسيلة الفنية التي يمكن بها تجسيد أو بلورة هذا الانتفاع، أما الأمر الثالث فهو يتعلق بالمفاضلة بين المصالح المتزاحمة. فإذا شرعنا قي تطبيق القواعد الفقهية، مع مراعاة الأمور الثلاثة السابقة على الاستخدامات الحديثة للأعضاء البشرية، كما طبقها بعض الفقهاء من قبل على بعض أجزاء الآدمي، لوجدنا أن المجال يتسع لاختلاف الرأي في مدى شرعية استقطاع الأعضاء بغرض الزرع، ويتعين علينا حينئذ الترجيح بين أدلة الإباحة وأدلة التحريم.

المطلب الأول
(الإطار الفقهي للمشكلة)
(التعاقد على أجزاء الآدمي)

(7) لا يحل لإنسان الانتفاع بشيء مملوك لإنسان آخر إلا من خلال أحد الإطارات الشرعية التي حدد الفقهاء شروط صحتها. ومن بين هذه الإطارات العقود مكان الصدارة. ويشترط لصحة العقد، بصفة عامة، أن يكون محله قابلاً للتعاقد شرعاً وهو لا يكون كذلك، عند الفقهاء، إلا إذا كان ما لا متقوماً يجوز الانتفاع به وكان مملوكا للعاقد (39). فإذا وقع العقد على شيء لم يستوف هذه الشروط فلا أثر في نقل الملك أو الانتفاع (40). وهنا يثو ر التساؤل عما إذا كان يجوز شرعاً التعاقد الذي محله جزء من أجزاء الإنسان؟ لقد تعرض الفقهاء لمثل هذه المسالة بخصوص التعاقد على لبن الآدميات، واختلفوا في مدى جوازه، وكان خلافهم هذا متفرعا على اختلافهم في استيفاء محل التعاقد لشروط صحته . فلنحاول هنا أن نبرز الأمور التي قد تمنع الانتفاع بأجزاء الآدمي من خلال تعرضنا لمدى انطباق أهم شروط محل التعاقد عليها (1). وأحب أن انوه هنا إلى أن القيام بهذه المحاولة اقتضى منا التعامل مع تفصيلات كثيرة احتوتها كتب الفقه الإسلامي الأصيلة.

لذلك رأيت من المناسب هنا، مراعاة لحجم البحث. أن أختصرها بقدر الإمكان بحيث أخلص إلى الأصول الأساسية التي ترتكز عليها هذا التفصيلات، حتى يمكننا بعد ذلك التساؤل عما إذا كانت مقتضيات هذه الأصول تظل قائمة في حالات الاضطرار إلى الانتفاع بأجزاء الآدمي.

أولا: حكم الانتفاع بأجزاء الآدمي في حالة السعة (الاختيار):-

لا يجوز التصرف في شيء إلا إذا كان مالا، كما لا يحل الانتفاع به إلا إذا كان طاهراً.
1- هل جسم الإنسان من الأموال؟:

(8) لا يصح، من الناحية الفقهية، أن يكون الشيء محلا للتعاقد إلا إذا كان مالا متقوما يجوز الانتفاع به في حالة السعة أي في غير حالات الاضطرار الاستثنائية، وللفقهاء تعريفات متعددة للمال المتقوم تدور كلها حول ذلك الشيء الذي يحل الانتفاع به وقت السعة، ويقع تحت الحيازة ويتموله الناس بأن تكون له قيمة في السوق يضمنها متلفه (42) ونحن إذا طبقنا مقاييس اعتبار الشيء مالا متقوما على جسم الإنسان في مجموعة لوجدنا أنها لا تنطبق عليه. لذلك ذهب الفقهاء إلى أن الإنسان، حيا أو ميتا، لا يمكن أن يكون محلا ممكنا ومشروعا للمعاملات (43).

فالإنسان ليس مالا (44) لا في الشرع ولا في الطبع ولا في العقل، فالشرع يأبى أن يعامل الإنسان، الذي كرمه الله ، معاملة الأموال(). والشيء لا يعتبر مالا، في الطبع أو في العرف، إلا إذا كانت له قيمة في الأسواق (46)، ومن الواضح أن هذا لا يصدق في حق الإنسان (74) كما أن اعتبار الإنسان مالاً فيلف العقل لأن اعتبار الشيء مالاً يقتضي أن يكون هذا الشيء خارج الإنسان في حين أن جسم الإنسان ليس شيئا خارجاً عنه (48).

وإذا كان مبدأ عدم تقوم الإنسان بالمال يصدق في حق الإنسان في مجموعة جسمه وحياته وجثته، فهل يصد ق ذلك
أيضا في حق أجزائه بعد انفصالها عن جسده أو جثته (49)؟ من المفيد أن نبرز هنا الاتجاه الذي يسود المذهب الحنفي والذي قوامه أن أطراف الإنسان تعتبر من قبيل الأموال بالنسبة لصاحبها (50). ومعنى الأطراف هنا ينسحب، فيما يبدو، على كل عضو أو جزء في جسم الإنسان بصفته المنفردة أي منعزلا عن باقي الأعضاء التي لا يجوز أن يرد التصرف على مجموعها. ولذلك فإنه يجوز للإنسان عند الحنفية أن يتصرف في جزء من جسمه لغاية مشروعة. كأن يضحي بجزء من جسمه لإنقاذ حياته (51) فهو كالمال خلق وقاية للنفس (52).

وهكذا يتضح مما سبق أن جسم الإنسان وجثته لا يعد مالا عند جمهور الفقهاء (53) في حين أن الحنفية يعتبرون ما ينفصل من الجسم أو الجثة من قبيل الأموال.

والسؤال الآن هل يحل شرعا الانتفاع بالجزء المنفصل؟.
2- هل أجزاء الآدمي طاهرة؟

9- يشترط في محل العقد أن يكون طاهرا منتفعا به في الطبع وفي الشرع (54). وإذا كان لا يجوز بيع الشيء الطاهر الذي لا منفعة فيه (55)، فإنه لا يجوز أيضا أن تكون النجاسات أو بصفة عامة المحرمات محلا للعقود (56) وهنا أيضا يثور التساؤل عما إذا كانت أجزاء الآدمي طاهرة أم أنها من المحرمات التي لا يحل الانتفاع بها في حالة السعة والاختيار.

بالنسبة للجزء المنفصل من الجسم الحي لم يتفق فقهاء المذاهب على طهارته وجواز الانتفاع به ، ولهم في ذلك تفصيلات وأقوال كثيرة تعمدنا ألا نعرض منها هنا إلا ما يفيدنا في استخلاص الأصول. والراجح في هذه الأقوال أية على فرض أن الجزء المنفصل يعد طاهرا فانه لا يجوز مع ذلك الانتفاع به احتراما له من الابتذال فالانتفاع به يتعارض مع كرامة الإنسان وحرمته في الشرع (57) والأمر كذلك بالنسبة لأجزاء الجثة التي يتعين دفن ما انفصل منها فهذا ما تقتضيه حرمة الموتى (58).

ولكن إذا كان الأصل الذي يقضي بعدم جواز الانتفاع بأجزاء الآدمي يرجع إلى أنها من المحرمات، فان هذا الأصل لا يمنع الإنسان الذي انفصلت من جسده أن ينتفع بها كدواء إذا كان لا يوجد شيء آخر يقوم مقامها في التداوي، ذلك أن هناك أصلا آخر يقضى بإباحة التداوي بالمحرمات إذا كان لا يوجد في الأشياء المباحة ما يقوم مقامها (59). فإذا تعين الشيء المحرم دواء وحيدا للمريض فإنه يحل الانتفاع به (60). فالحرمة ساقطة، كما يقول ابن عابدين، عند الاستشفاء (61)، كما أن مصلحة العافية والسلامة أكمل من " مصلحة اجتناب المحرمات (61) وهذه قاعدة من القواعد الكلية في المجال الطبي والجراحي. وإذن ففي حالة الضرورة يجوز للإنسان أن ينتفع بجزء من أجزائه للتداوي بشرط أن تكون المصلحة في ذلك أعظم من ترك الجزء في مكانه (63).

ولكن هل يجوز لإنسان أن يتداوى بأجزاء إنسان غيره إذا لم يوجد شيء آخر يقوم مقامها ؟

هذه مسألة لا تتعلق بمدى جواز الانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار سنبحثها فيما بعد، ويكفينا هنا أن نلاحظ أن الرأي الغالب في الفقه يرى حرمة ذلك إما لكرامة الإنسان وإما مخافة هلاك الإنسان المأخوذ منه الجزء.

(10) إلى هنا نستطيع أن نقول إن المقدمات التي يرتكز عليها الفقه التقليدي تقضي بأن الجزء المنفصل، وان كان يظل منتفعا به في طبيعته، خاصة إذا حافظنا على حياة خلاياه، فإنه يمتنع في الشرع نقل الانتفاع به إلى إنسان آخر. لانه يفترض أن ذلك لا يتم الا بوسيلة تتعارض مع كرامة الإنسان، وهي من الوسائل التي يعرفها الفقهاء للتعامل في الأموال. فكان العقبة من انتفاع إنسان بجزء من جسم إنسان آخر إنما هي عقبة فنية ترتبت على التحليل الفقهي التقليدي الذي لا يعرف إلا الأدوات (العقود) التي يتعامل فيها في الأموال (64) ولكن إذا كان الفقه الإسلامي فقها عمليا يحرص على إشباع حاجات الناس المشروعة فيجب ألا تقف صعوبة اختيار وسيلة الانتفاع بأجزاء الآدمي حجر عثرة أمام ضيق حاجات إنسانية تتفق مع المقاصد العامة للشرع، خاصة إذا كان هذا الانتفاع في ذاته ، ومجرؤا على وسيلته لا يتعارض مع الكرامة الإنسانية. ولقد تغلب بعض الفقهاء التقليديين على هذه الصعوبة وهم بصد د بحث الانتفاع بلبن الآدميات.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:24 PM
3- التعاقد على لبن الآدميات:
(11) اتفق الفقهاء على أن لبن الآدميات، باعتباره جزءا منفصلا عن جسم آدمي يمكن الانتفاع به في الشرع لورود آيات بينات في هذا المعنى ، (65) ولا العرف لأنه مخصص بطبيعته للخروج من جسم المرأة لينتفع به غيرها (66) غير أن الفقهاء اختلفوا، بعد ذلك، في تحديد العقود التي يمكن أن يتعلق محلها بلبن الآدميات ويرجع اختلافهم هذا إلى عدم اتفاقهم على تحديد طبيعة اللبن، وإلى ما إذا كانت إجازة الشرع للانتفاع به هي إجازة مطلقة أم إجازة مقيدة بالضرورة. ونحن إذ نعرض هنا للنتائج التي توصل إليها الفقهاء، في هذه المسائل، إنما نقصد من ناحية التأكيد على أن مسألة الانتفاع بأجزاء الآدمي، فيما لم يرد به نص شرعي، إنما هي مسألة اجتهادية يختلف فيها الرأي بحسب الاعتبارات، وهذه هي الناحية الأخرى التي تتنازع هذه المسألة إضافة إلى مبررات تغليب اعتبار على آخر.

(12) اتفق الفقهاء على أنه يجوز الانتفاع بلبن الآدميات عن طريق وسيلة عقدية تسمى إجارة الظئر ومعناها أن المرأة تستطيع أن تلزم نفسها بإرضاع طفل لا تلتزم شرعاً بإرضاعه مقابل أجر( 67).

ولقد روعي في إجازة هذا العقد أن تنفيذه لا يؤثر في السلامة الجسدية للمرأة لأن لبنها مخصص بطبيعته للخروج من جسدها كما أنه متجدد شأنه في ذلك شأن النشاط العضلي في عقد إجارة الآدمي (عقد العمل) (68) واختلف الفقهاء في تحديد ما ترد عليه إجارة الظئر، فقال البعض إنه يرد على اللبن ذاته (69)، حين ذهب البعض الآخر إلى أن العقد يرد على خدمات المرأة، أي على منافعها وليس على ذات اللبن (70). ولن نقف عند التفصيلات التي أوردها الفقهاء لتكييف العقد الذي يرد على اللبن، هل هو بيع أم إيجار، ولتحديد ما إذا كان من الأموال أم لا، إن ما يهمنا أن نبرز هنا نتيجة في منتهى الأهمية ألا وهي أن لبن المرأة باعتباره جزءا من آدمي، وإن كان لا يعد، عند الحنفية. محلا ممكنا وشروعا للعقد أصلا، إلا أنهم أجازوا عقد الرضاعة كاستثناء، أي استحسان تبرره ضرورة المحافظة على حياة الطفل.

فكان مبدأ عدم جواز التصرف في أجزاء الآدمي، الذي يقوم على قضية كرامة الإنسان، يحتمل استثناء إذا وجدت ضرورة تبرره عند آدمي آخر وكأن هذه القضية ليست قضية مطلقة. وهذه الضرورة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار متى
كانت المصلحة المترتبة على رعايتها تعلو، في سلم القيم، أي اعتبارات أخرى ولو كانت اعتبارات فقهية بأركان العقود.

إن الشرع ذاته أذن بالتعاقد على اللبن يرجح المصلحة التي تترتب عليه على قضية كرامة الإنسان وإذن فالمسألة التي تستحق النظر هي مسألة الترجيح بين المصالح المتزاحمة في موضوع الانتفاع بلبن الآدميات بصفة خاصة وبأجزاء الآدمى بصفة عامة.

وإذا كانت الضرورة تجعل من القيمة التي يحفظها مبدأ كرامة الإنسان قيمة مرجوحة أمام قيمة المصلحة المترتبة على الانتفاع بأجزائه، فهل تبرر الضرورة أيضا الضرر الذي يمكن أن يعود على الإنسان من استقطاع أجزاء من جسمه لمصلحة شخص آخر؟

ثانيا: حكم الانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار
(13) حين أباح الشارع الحكيم أكل المحرمات في حالات الاضطرار(71) فإنه يكون بذلك قد أباح العلاج بها، فضرورة الغذاء كضرورة العلاج تبيح المحظورات (72) لان الهلاك أو التلف الذي يمكن أن يعود على الإنسان من عدم التغذي يمكن أن يصيبه من عدم التداوي (73). والأصل في أجزاء الآدمي حرمتها على بني جنسه (74). وإذا كان الفقهاء لا يتعرضون عادة للانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار إلا بصفتها غذاء، فان تحليلهم الفقهي لأحكام هذه الحالات يسرى، بطريق القياس، على استعمال هذه الأجزاء كوسيلة للعلاج. وإذا كانت الضرورة تبيح، في رأي بعض الفقهاء التداوي بالمحرم إذا لم يوجد غيره من المباحات يقوم مقامه، فان السؤال الذي يعرض هنا هل تبرر حالة الضرورة استقطاع أجزاء من جسم الإنسان أو جثته كوسيلة لعلاج إنسان آخر؟.

(14) ذهب غالبية الفقهاء (75) إلى أن الضرورة لا تبرر انتفاع الإنسان بأجزاء آدمي غيره ولو كان ميتا ويتجسد 7 سبب هذا الحكم عند بعضهم في كرامة بني آدم وخشية الهلاك أو التلف الذي يصيب الإنسان الحي منه، في حين يري البعض الآخر أن هذا السبب تعبدي لا تدرك عته. وإذن فتحريم أجزاء من بني آدم تحريم مثقل لا يباح حتى لضرورة (7.

وعلى العكس من ذلك، يجيز الشافعية للمضطر أن ينتفع بأجزاء الآدمي المهدر أو المعصوم الدم وفقا للتفصيل
ا لآتي:-

فيجوز للمضطر أن يستعمل جسم إنسان مهدور الدم كالحربي والزاني المحصن أو جثته في الغذاء (77)، أما بالنسبة للمعصوم فإن كان ميتا فيجوز للمضطر أن ينتفع بجثته كغذاء إن لم يجد غيره لأن حرمة الحي أكد من حرمه الميت (78) أو لأن المفسدة في أكل لحم ميتة الإنسان أقل من المفسدة في فوات حياة إنسان (79) 0

أما إذا كان المعصوم حيا فيجوز للمضطر، عند الشافعية، أن يقطع جزءا من جسمه كغذاء، وكذلك لا يجوز لمعصوم الدم نفسه أن يقطع جزءاً من نفسه ليقدمه للمضطر( 80)، لأن الضرر لا يزال يمثله (81). ولكن يجوز للمضطر، عند الشافعية، أن يقطع جزءا من جسمه ليأكله إن لم يجد غيره،. لانه إحياء للنفس بإتلاف عضو فجاز وهذا من باب استبقاء الكل لزوال الجزء (82). ومؤدى هذا الحكم الأخير أنه يجوز استقطاع جزء من جسم شخص تحقيقا لمصلحته هو، كما لو استقطع جزء من جلده لترقيع جرح في جسمه.

ويشترط لإباحة الانتفاع بأجزاء الآدمي الميت، في حالة الضرورة، ألا يجد المضطر غيره، وأن يكون المضطر معصوم الدم، غير دامي أو معاهدا إذا كانت الميتة لمسلم، وأن يكون الضرر المترتب على عدم الانتفاع أعظم من الضرر المترتب على عدم مراعاة المحظور، أي أن تكون المصلحة في الاستقطاع أعظم من المفسدة التي اقتضت حظره.

(15) وهكذا فإن الضرورة، في أكثر المذاهب توسعا في إباحة الانتفاع بأجزاء الآدمي المعصوم، لا تبيح هذا الانتفاع إذا حدث الاستقطاع من جسم إنسان حي، والعلة في ذلك تتمثل إما في شرفه وكرامته أو في أن الاستقطاع بفصي
إلى الهلاك أو التلف، والضرر لا يزال يمثله.

والسؤال الذي يعرض على الفور هو هل ينقلب الخطر إلى إباحة في حالة الضرورة إذا كان الهدف من الاستقطاع
لا يتعارض مع الكرامة الإنسانية وكانت المصلحة المترتبة عليه أعظم من ضرره؟ الإجابة على هذا السؤال تضع الحد الحاسم في الترجيح بين أدلة الإباحة وأدلة التحريم

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:24 PM
المبحث الثالث "
الحدود الشرعية للإنعاش الصناعي

(29) نعتقد أن الحكم الشرعي للأعمال المستحدثة في مجال الطب والجراحة، فيما لو لم يرد نص شرعي صريح، يبحث عنه في ضوء الأهداف العامة للشرع، وبصفة خاصة حفظ النفس والعرض والعقل ، وقواعده العامة خاصة قاعدة تحصيل أعلى المصلحتين واعظم المفسدتين، ونحن نقدم هنا الإنعاش الصناعي كنموذج للأعمال الطبية التي يمكن أن يتأرجح حكمها بين الإباحة والتحريم بحسب ما إذا كان الهدف "منها حفظ حياة قائمة أو أطإلة موت ثابت. ولقد أثار الإنعاشالصناعي مشكلة دينية تتعلق بالقدرة على إعادة الحياة للموتى، فلقد قيل بأن هناك أشخاصا ماتوا وأعيدت لهم الحياة بوسائل طبية، وهو الأمر الذي يتعارض من الحقيقة العقائدية التي تقضي بأنه ليس في مقدور البشر إعادة الحياة لمن مات إلا إذا كان ذلك بمعجزة أنزلها الله بسلطان من عنده ولحكمة يراها، وحتى يتبين لنا وجه الحقيقة فيما شاع حول الإنعاشالصناعي فإنه يلزم تحديد صالة الإنسان الذي تستخدم عنده من حيث الحياة أو الموت.

المطب الأول "
ا لإنعاش الصناعي إطالة للحياة

(30) لا تستغرق المدة بين توقف القلب والرئتين عن العمل (الموت الإكلينيكي) وبين موت المخ أكثر من بضع دقائق قليلة، وفي هذه المدة القصيرة يعد الإنسان فيها بين الأحياء (113) ويتعين من ثم إنقاذه، حتى لا تموت خلايا مخه.

إذن فالغرض من استخدام أجهزة الإنعاش الصناعي في هذه الحالة هو إطالة حياة المريض، ولا يعد ذلك من قبيل
إعادة الحياة إليه لأنه ما زال حيا في حكم الشرع حتى ولو كانت بعض مقومات حياته قد توقفت عن العمل التلقائي. فمن قربت نفسه من الزهوق ،له من الحرمة ما للإحياء منها بحيث يستحق من يتسبب في إزالة ما تبقى له من الحياة العقاب (118) ،مؤدى ذلك أنه إذا نفذ الطبيب التزامه الشرعي أو القانوني أو التعاقدي بتركيب أجهزة الإنعاش الصناعي لمريض، فلا يجوز له، قبل موت مخه، أن يفصل هذه الأجهزة والإتسبب في موت المريض موتا حقيقيا لا رجعة فيه (119) ولا يشفع للطبيب في فعلته هذه وجود أناس آخرين في نفس حالة المريض، في حاجة إلى أجهزة الإنعاش الصناعي لأن مبدأ التساوي بين الناس، معصومي الدم، يمنع التضحية بحياة إنسان لإنقاذ حياة أخرى(120)، كما أن الضرر لا يزال بمثله، والدليل على تساوي الناس في نظر الشرع، لافرق بين حياة أحدهم وحياة آخر(ا 12) أنه أوجب جزاء لا يختلف في نوعه أو مقداره (القصاص أو الدية) باختلاف المعتدى عليه، لان هذا الجزاء يقوم على ما لكل إنسان من حق في سلامة حياته وبدنه، وهو حق يستوي فيه الناس جميعا (122) وفي الحديث النبوي الشريف " " المسلمون تتكافأ دماؤهم، (109).

(31) عن، أن مبدأ المساواة هذا بين حقوق الناس في الحياة، وإن كان يمنع الطبيب من حرمان إنسان من الأجهزة التي ركبت فعلا على جسمه ليضعها على جسم إنسان آخر في نفس حالة الإنسان الأولى، فإن الطبيب يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه إذا وجد أمامه أكثر من إنسان في النزع الأخير وهو لا يملك إلا جهازا واحداً أو أجهزة بعدد قليل لا يكفيهم، فهنا إذا تساوت المصالح فإن الطبيب مخول، طبقا للقواعد الكلية، بالتخير في التقديم ،التأخير بشرط أن يقوم اختياره على معايير موضوعية واعتبارات اجتماعية تتصل بمدى نفع الشخص للمجتمع وبمدى إمكان إنقاذ حياته، وليس على اعتبارات شخصية تعتمد على المال أو النسب أو السلطة ذلك أنه إذا كانت المزايا التي يخولها الحق في الحياة بالنسبة للإنسان لا تختلف من إنسان لآخر، فإنها تختلف مع ذلك في منفعتها للجماعة (123). فالمصالح هنا متساوية على المستوى الفردي ولكنها متفاوتة على المستوى الاجتماعي والواجب، طبقا للقاعدة الكلية، تحصيل أعلى المصلحتين. ومن المناسب ألا يوكل الاختيار المشار إليه إلى فرد واحد بل ينبغي أن يتخذ القرار بواسطة فريق طبي.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:25 PM
المطلب الثاني "
" الإنعاش الصناعي إطالة للموت "

(32) في مراكز الرعاية المركزة، حيث لا تكفي الأعداد المتوفرة من هذه الأجهزة باحتياجات المرضى، يقف الأطباء "في حيرة بين حالتين: حالة تحتكر الجهاز لا لسبب إلا لتأجيل إعلان الموت، وحالة في حاجة إلى الجهاز لإنقاذ
حياتها ولا تجده " ويهمنا هنا أن نبين من جهة أن الحياة الصناعية التي يحياها المريض، الذي ماتت خلايا مخه ليست إحياء للموتى، ومن جهة أخرى أن إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي في هذه الحالة، يعد أمرا جائزا في الشرع والقانون.

أولا: هل الإنعاش الصناعي إحياء للموتى؟
(33) سبق أن بينا أن إعادة القلب والرئتين إلى عملهما، وقبل حدوث موت المخ، لا يعد إعادة الحياة للموتى. (فذلك لا يعد من قبيل العودة للحياة بعد الموت استيقاظ الإنسان من الغيبوبة العميقة (120) حيث يتوقف المخ عن عمله رغم أن خلاياه مازالت حية. أما إذا ماتت خلايا المخ فإن صاحبه يفقد كل الصفات التي تتميز بها الحياة الإنسانية الطبيعية ويعد في حكم الموتى طبيا وشرعياً، وليس في مقدور بشر، بعد ذلك، أن يعيد الحياة الطبيعية إليه. وإذا كانت أجهزة الإنعاش الصناعي لا تكفل في هذه الحالة الأخيرة إلا الحياة الصناعية لبعض خلايا الجسم فلا يصح القول بأنها تعيد الحياة إلى الموتى.

ونظراً إلى أن مثل هذا القول يتعارض مع الأسس التي تقوم عليها الأحكام العقائدية في الشرع فلقد ذهب البعض ( 126) إلى أن الموت الحقيقي، الذي لا رجعة إلى الحياة من بعده، لا يتحقق بتوقف أجهزة الجسم عن عملها، لكن بموتها وتحللها إلى عناصرها الأولية. وفي اعتقادي أن الموت الحقيقي للإنسان يتحقق في وقت يسبق تحلل جسمه إلى التراب كما أنه ليس في مقدور بني آدم حتى في هذه الحالة إعادة الحياة للموتى. بيان ذلك أن الموت الحقيقي، بحسب ما استقر عليه الطب الحديث، يتحقق بموت المخ والتوقف التلقائي لأجهزة الجسم التي تقوم بالوظائف الأساسية للحياة (المراكز العصبية العليا والقلب والرئتين) وهو أمر يسبق بمدة قصيرة تحلل الجسم إلى عناصره الأولى. والقول بأن الموت الحقيقي للإنسان يتجسد في تحلل خلاياه إلى عناصره الأولى هو قول يخالف الواقع لانه أمكن حفظ الجثث من التحلل، على مدى ألوف السنين عن طريق التحنيط مع أن صاحب الجثة قد مات موتا حقيقيا، ويمكن أن يستفاد حدوث الموت الحقيقي للإنسان قبل تحلل جسمه إلى عناصره الأولي من قوله تعالي : (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون) (23/ 35) (27 1). فالعطف الوارد في الآية الكريمة يفيد المغايرة أو على الأقل يفيد أن تحلل الجسم إلى التراب ما هو إلا نتيجة للموت الذي حدث من قبل
(128) ويؤيد بأني قولنا أن الموت الحقيقي للإنسان في نظر الشرع إنما يتجسد في موت الجهاز الذي يعتمد عليه عمل المراكز العصبية العليا في التنسيق بين وظائف أجهزة الجسم، أن القرآن الكريم يعبر عن جملة الوجود الجسدي للإنسان
بالإشارة إلى هذه المراكز، ونجد هذا في قوله تعالى"وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " (129) والمقصود بالظهور في الآية الكريمة العمود الفقري لهيكل الإنسان الذي هو قوام بنيته ومركز النخاع الشوكي الذي يتحكم في حياة الإنسان بتوجيه من المخ (130).

(34) فإذ مات الإنسان موتا حقيقيا، بموت خلايا مخه، فإن القول بإعادة الحياة إليه عن طريق الإنعاش الصناعي، فضلاً عن أنه يخالف الواقع لأنه لا يعيد خلايا المخ إلى الحياة، يخالف الحقيقة العقائدية التي تقضي بأن الإحياء والاماته إنما هي من الأفعال التي لا يشارك أحد فيها الله تعالى (131) (أنا نحن خفي الموتى) ( 36/12) (32 1).

ومن المنكرات أن يدعي العبد لنفسه ما هو من اختصاص الله تعالى ( 133 ) الذي يستطيع هو وحده أن يميت الإنسان، ويعيده للحياة ليس فقط في الآخرة (134) ولكن أيضا في هذه الحياة الدنيا ذاتها (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) (243/2) (135). فحقيقة منح الحياة وسلبها وإعادتها هي سنه كونية خفية لا يملك الإنسان منها شيئا (136): (ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا) (25/3) (137)، إلا ما أذن الله تعالى (138)، كما أن إعادة الحياة للموتى تعتبر خارقة، كخارقة الحياة الأولى،وهي بيد الله وحده الإ ما أذن الله (139)، كمعجزة تثبت وجوده (140). فإذا قضى الله، بحكمته، بموت إنسان، فليس في مقدور أحد أن يؤخر قضاءه. (ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها) (63 / ا ا) (141). ولن يستطيع أحد من الخلق أن يمنع قضاء الله ويعيد الحياة لمن أماته: (فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (3/ 168) (142).

إذا كان من المستحيل بالنسبة لبني آدم إعادة الحياة لمن ماتت خلايا مخه (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون) 71/4) (143) فهنا يحق لنا أن نتساءل عن فائدة تركيب أجهزة الإنعاش الصناعي على جثته، وبالتالي عن مدي، شرعية إيقاف عمل هذه الأجهزة.

ثانيا : هل إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي جائز شرعا ؟ : ـ

(35) إذا كان الشارع قد أباح العمل الطبي والجراحي لأنه يحفظ مصالح راجحة اجتماعية تتمثل في المحافظة على الحياة وصيانة الصحة، فإن علة الإباحة تزول متى زالت الحياة التي تتوفر لها صفات الحياة الإنسانية، ويتعين من ثم التوقف في العمل. وهذا الأمر يصدق على العمل الطي المتمثل في الإنعاش الصناعي لإنسان ثبت موت مخه رغم تمتعه بحياة صناعية. وبينما يعتبر علم الطب أن مثل هذا الإنسان قد مات فان الفقه ، والقانون لا يعتبران إنسانا ما قد مات طالما قلبه ينبض، ويلزم لاعتباره ميتا اتخاذ إجراءات معينة كتحرير شهادة الوفاة بعد توقف قلبه عن النبض تلقائيا. وإذا كان الفقه والقانون يبدوان هكذا متخلفين عن ركب الإمكانيات الحديثة للطب فإن ذلك يرجع إلى تمسكهـا بحماية حقوق الإنسان إلى أبعد مدى في مواجهة هذه الإمكانات التي لا تخلو، على الرغم من مزاياها التي لا تنكر، من مضار.

إن الصعوبة الشرعية والقانونية تكمن فيما إذا كان الفرد الذي توقف مخه عن العمل بصفة نهائية لموت خلاياه يمكن
اعتباره شخصا مكلفا بالأحكام الشرعية حين يقف الفقه والقانون بجواره لحمايته، أو أنه لا يعدو أن يكون مجموعة من الأعضاء والخلايا المجردة من كل إرادة إنسانية والتي لا عمل لها في جسم صاحبها ولاتحظي من ثم بحماية الفقه والقانون. ولعله مما يساعد على تذليل هذه الصعوبة ويؤدي إلى وضوح الرؤية أن نفصل، بالنسبة للميئوس من حياته، بين الحياة العضوية والحياة الإنسانية، وهذه الأخيرة هي التي تجعل الحياة الأولى نافعة للإنسان والمجتمع، فإذا انتهت الحياة الإنسانية تلقائيا فهل يكون من الجائز في الشرع والقانون إنهاء الحياة العضوية؟

تتضمن الحدود الشرعية والقانونية للإنعاش الصناعي من ناحية الكشف عن حكم إيقافه بالنسبة لمن تجردت حياته
عن 3 صفاتها الإنسانية ومن ناحية أخرى وضع قيود تمنع من حرمان المريض مما تبقى له من حياة إنسانية.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:25 PM
1- حكم إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي:

(36) إذا استحال عودة الوظائف الأساسية للحياة تلقائيا بعد توقفها بسبب توقف عمل المركز العصبية العليا بعد موت المخ، فهل يتمتع من وصلت حالته إلى هذا المستوى بحياة إنسانية جديرة بالحماية؟

حكم الحياة الإنسانية أي مقوماتها التي تميزها عن غيرها، هو الإدراك والشعور والقدرة على الاتصال بالعالم الخارجي والتعامل معه (144). ولا شك أن من مات مخه (145)، لا يستطيع أن يتحكم في تعاملة مع العالم الخارجي، وتزول من ثم حياته الإنسانية ويصبح في حكم الأموات. ولما كان الإنعاش الصناعي لا يعيد للحياة الإنسانية مقوماتها، الإدراك والشعور والقدرة على الاتصال بالعالم الخارجي، بعد أن ماتت خلايا المخ للإنسان، فلا يعد إيقاف عملهـا حرمانا له من حياة إنسانية بعد أن فقدها من قبل، والمفروض أن لا يعد فعله هذا أيضا جريمة قتل في حكم الشرع والقانون لأن هذه الجريمة لا تقع إلا في محل هو حي بحسب تعبير الفقهاء (126) أو في عبارة أخرى لأن جريمة القتل تفترض وجود حياة إنسانية طبيعية. فإذا ثبت أن الاعتداء وقع على إنسان ميت فإن فاعله لا يعد قاتلا، ولا يعاقب، بعقوبات الاعتداء على الحياة (147) كذلك فإن الطبيب، الذي اقتنع بأنه يتعامل مع جثة، مطالب بالا ينسى، في كفاحه ضد الموت، الاحترام الواجب للموت، فإذا كان الإنسان قد فقد علاقاته مع العالم الخارجي فأي قيمة لحياة لم تعد موجودة. أن احترام الموت واحترام حياة الأقارب وحرمة الطب ذاته هي أمور تقضى الانحناء أمام ما هو قائم فعلا (ما أصاب من مصيية في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) (57/22) (148) فإذا ترك الطبيب أجهزة الإنعاش الصناعي تعمل على جثة المريض ، بعد ذلك فإنه لا يفعل أكثر من إطالة الحياة العضوية بطريقة صناعية قد هجرتها إلى غير رجعة، الحياة الأنسانية( 149 ) أو إطالة احتضاره، وهذا ضرب من العبث طالما أنه لا فائدة لأحد، يجب أن يتنزه عنه الطب ويتعين من ثم فصل أجهزة الإنعاش عن الجثة لاستخدامها عند الأحياء، فهذا هو ما يقضى به القانون، الإنساني الذي يعطي الأولوية. لصالح الأحياء (150). ومن المفترض أن المريض الذي فقد حياته الإنسانية، ما كان ليريد أن يكون طريقه إلى الموت مطربا مليئاً بالعقبات (151). لذلك فمن حق الأسرة أن تطلب إلى الطبيب إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي، كما أن من حق الطبيب أن يوقف عملها وهذا ما يمليه عليه واجبه الإنساني. ويجب ألا ننسى أن للطبيب، بصفة خاصة إذا كان يعمل كل من مرفق عام دوراً اجتماعيا يقوم به إلى جوار دوره في إنقاذ المرضى.

(37) إذا كان لا صعوبة في القول بأن إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي يعد قتلا، إذا تم قبل موت مخ المريض وأنه على العكس لا يعد قتلا إذا كان تركيب هذه الأجهزة قد تم بعد موت مخ المريض فحياته هنا كانت غير متحققة، فإن الصعوبة الحقيقية توجد في حالة ما إذا كانت هذه الأجهزة قد علقت على المريض قبل موت مخه، فحياته هنا كانت متحققة، وأوقفت عن العمل بعد ثبوت موت مخه. فالمريض في هذه الحالة وان كان قد فقد الحياة في رأي الطب إلا أنه ما زال يتمتع بها في نظر الفقه والقانون طالما لم تتخذ الإجراءات الرسمية لإعلان وفاته (152) 0

إن واجب الطبيب في مفهوم الفقه والقانون، يكمن في المحافظة على الحياة أو ما تبقى منهـا وليس في إطفاء شعلة
الحياة التي تظل جذوتها قائمة، في نظريهما، لحين إعلان الوفاة رسمياً فإذا كان الطبيب قد تدخل قبل موت المريض، لإنقاذه كالتزام وقع في ذمته بحكم الشرع أو القانون أو العقد، فلا يجوز له أن يتحلل من التزامه هذا بإرادته المنفردة لمجرد اقتناعه بحدوث الموت الذي لا رجعة فيه. فتشبث الفقه والقانون بحماية الحياة الإنسانية أدى
بهما إلى عدم التسليم بالموت إلا باتخاذ إجراءات رسمية تلي ثبوت الموت الحقيقي عند الطبيب، وإذا كان لموقف
الفقه والقانون هذا آثاره الحميدة في حماية الحياة الإنسانية، حتى في الأحوال التي يشك في وجودها، فأنه يرتب
أثاراً إنسانية وهي الآلام النفسية لدى الأقارب، وأخرى اقتصادية وهي تعطيل الأجهزة القليلة العدد فيما لا طائل
منه، يجب وضع حد لها تنتهي عنده بنهاية الحياة الإنسانية لذلك فإن التوفيق بين حماية حق الإنسان في الحياة وبين حقوق الآخرين ومنهم أسرة المريض والمجتمع، يقتضي وضع نظام تراعى في أركانه تغليب مصلحة الأحياء.

2- الضمانات الواجب توافرها في قرار إيقاف الحياة الصناعية:
(38) لا شك في أن هناك مصالح متعددة يمكن أن تتأثر بإيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي القليلة العدد، فهناك مصلحة المريض المعلقة عليه هذه الأجهزة في المحافظة على حياته أو على مابقي منها ومصلحة غيره من المرضى الأحياء الذين تقتضي المحافظة على حياتهم تركيب هذه الأجهزة على أجسامهم. ولقد سبق أن رأينا كيفية حل التنازع بين هذه المصالح إذا كان المريض لم يفقد اتصاله بالعالم الخارجي. أما إذا فقد المريض وعيه إلى غير رجعه بموت خلايا مخه فهنا تجتمع في عمل واحد وهو إيقاف الإنعاش الصناعي، مصالح، ومفاسد، مصالح غيره من، المرضى الأحياء ومفسدة حرمان المريض من حياة عضوية صناعية مجردة من كل معني إنساني، وبالتالي حرمان أهله من الأمل في عودته لحالته الطبيعية، ونحن نعلم أنه إذا تعذر تحصيل المصالح ودرء المفاسد جميعا فإنه يجب، طبقا للقواعد الكلية، تقديم المصلحة إن كانت أعظم من المفسدة، ولا شك أن مصلحة إنقاذ الأحياء أعظم من مفسدة حرمان مريض من مجرد حياته العضوية الصناعية، كما أن مصلحة الأحياء في المحافظة على حياتهم الطبيعية أو لى من مصلحة مريض في المحافظة على حياته الصناعية.
(139) ونظرا لخطورة مركز القائم على ترجيح كفتي ميزان المقارنة بين المصالح فإننا نقترح هنا نظاما لا فيلف الشرع والقانون ويبعد كل شبهة عن قرار إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي عن مريض ثبت طببا موته موتا طبيعيا وحقيقيا بموت. خلايا مخه.

ويتلخص هذا النظام في أن الطبيب لا يجوز له أن يقنع برأيه الفردي بعدم إمكان عودة المريض للحياة الطبيعية، بل يعهد "مثل هذا الأمر على فريق طبي متخصص. فإذا ثبت لدى هذا الفريق أنه لا أمل في عودة الحياة الطبيعية للمريض، فإنه يستأذن جهة رسمية في إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي وهذه الجهة الرسمية لن توافق على تنفيذ قرار إيقاف هذه الأجهزة إلا بعد اتخاذ إجراء لإعلان الوفاة كتحرير محضر أو شهادة الوفاة وموافقة الأسرة على هذا الإيقاف فإذا أوقف الطبيب أجهزة الإنعاش تنفيذا للقرار المصدق عليه المستوفى لشروطه فإن هذا الإجراء يكون سليما من الناحية الشرعية والقانونية ولا يؤاخذ عليه الطبيب.

كان هذا مجرد اقتراح، قد يكون صائبا وقد لا يكون، استهدفت به التوفيق بين المصالح المتزاحمة في هذا المجال، ورعاية منا لمصالح الأحياء دون إهدار للمصالح التي تتعلق بالمريض المركبة عليه أجهزة الإنعاش .

(40) ونود في النهاية أن نقول إن صراع الإنسان ضد الموت يجب ألا ينسيه الحقيقة الازكية وهي أن هذه الحياة الدنيا إنما هي دار عبور، وهي لا بد إلى فناء ولا يبقى إلا وجه ربك ذي الجلال والإكرام: (بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى) (87/16) ولو أدرك الإنسان عن عمق واستنارة هذه الحقيقية لاقتنع بأن للعلم وبالتالي الطب، حدوداً يجب ألا يتعداها، ولتبين أن الأولى، عند اليأس من الحياة أن يكون نافعاً للناس حتى في مماته، وأن هذه وسيلة لخلوده في الآخرة- وليعلم من سلك سبيل الطب أن لله سننه في خلقه " وفي موتهم: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً وما تحمل من أنثى ولا تضع الا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير) (35/ 11)

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:25 PM
لخاتمة "

(41 ) لقد كان للاكتشافات العلمية في مجال الطب والجراحة وقع القنابل في عالم تسوده المبإديء التقليدية التي ترى أن. حرمة النفس والجسم والجثة هي أحد الأركان الأساسية للنظام الشرعي والقانون السائد. هذه الأكتشافات ، التي لو تركت بدون ضابط فإنها ستؤدي إلى تغيير الأعراف والأفكار بل الأخلاق، يجب أن يتسلح الفقهاء لمواجهتها بحكمها الشرعي حتى لا تتعدى حدودها فتصطدم بسنة الله (ولن تجد لسنة الله تبديلا) (48 /23) ،"(ه ه ا) إن الفقه مطالب بالبحث عن أحكام مستحدثات الطب في الشريعة حتى لا نكون تابعين حتى في هذه الأحكام.

وإذا كان يطلب من الفقه والقانون أن يراعيا الامكانيات الحديثة للطب والبيولوجيا في وضع احكامها، فإن ذلك
مقيد بعدم التعارض مع كليات الشريعة وبقدر ماتحفظه هذه الامكانيات من مصالح جديرة بالرعاية، والا فإن للاكتشافات. الحديثة للعلوم البيولوجية والطبية استعمالات لا فائدة منها بل إنها قد تكون مضرة. أن قواعد الشريعة على سعتها وترحيبها بكل تقدم علمي لمصلحة البشرية لا يمكن أن ترضخ للامكانيات الحديثة للعلوم، لان الشرع يحيط بعلمه وبأحكامه ، كل شيء، في حين أن العلم لا يمكن ان يتسع لاراك عواقب اكتشافاته (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولايحيطون بشىء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض) (2/ 255) (156).

وإزاء طرقات العلم، المفيده منها والضارة، على أبواب الفقه والقانون فإن الفقيه يجد نفسه أمام طريقين متقابلين الأول طريق اليقين طريق الله الخالق العالم بمن خلقه، والثاني طريق العلم والتجارب وهو طريق لا يتسم بالثبات أو باليقين. وليس معنى اختيار الفقيه للطريق الأول أنه يرفض سلوك الطريق الثاني، ولكن معناه أنه لا يأخذ من العلم مايحفظ مصالح راجحة في الشرع، فحيث توجد المصلحة فثم شرع الله إنما يجب على الفقيه، وهو بصدد بيان الحدود الشرعية لمكتسبات العلوم ألا يقيد نفسه باجتهادات فقهية تقليدية صدرت في عصر لم يكن يعي بعد الكنوز التي اكشفها العقل البشري في العصر الحديث.

فلكل حدث جديد فقه جديد يستند إلى أصول الشريعة ذاتها الواردة في القرآن والسنة، فالأحكام الفقهية، التي هي مجرد اجتهادات وتفسيرات لما أجمل في القرآن والسنة تتغير بتغير الزمان ولا يبقى ثابتا الا أصول الشريعة الواردة في القرآن والسنة. لذلك فإن المعيار الذي استندنا إليه في البحث عن الحكم الشرعي للانجازات الطبية الحديثة هو مدى "اتفاق هذه الإنجازات مع كليات وأصول الشريعة، بينما يقتصر دور، الفروع والاجتهادات الفقهية على تحديد الاطار الشرعي الذي يجب ان تبحث فيه المسألة.

(42) ومن المهم أن أبرز هنا أحد الدروس المستفادة من هذا البحث إلا وهو انه لما كان الحكم الفقهي يجب أن يبنى على معلومات علمية صحيحة، فمن الضروري أن تتضافر جهود علمائنا المتخصصين في العلوم الكونية والشرعية
للكشف عن حكم الشرع في دقائق العلم الحديث.
وأحب أن أشير أخيرا، إلى أن أهمية البحث عن الحكم الشرعي للإنجازات الحديثة للطب لا تقتصر على نطاق العلوم الشرعية، ولكنها تتعدى ذلك إلى مجال علوم القانون الوضعي، ففي كل مرة يثبت فيها حكم الإباحة لعمل من الأعمال الطبية أو الجراحية ، إذا استوفى عدة شروط، فان الطبيب الذي يمارسه إنما يستعمل حقا له، ولا يجوز بعد ذلك مساءلته عنه.

وتظهر أهمية هذه النتيجة في القوانين الوضعية التي تجعل من الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع الوضعي،فما تعتبر حقا في الشريعة يجب أن يعتبره التشريع أيضا حق

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:26 PM
دور الطبيب المسلم في تركيز تعاليم الإسلام

للأستاذ الدكتور سليم عمار
تونس

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:26 PM
إن الأقطار الإسلامية السائرة في معظمها في طريق تتعرض اليوم إلى مشكلات عصبية في الميادين العمرانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبالتالي في الميدان الصحي وهي بلا شك أكثر خطورة وأشد حدة مما يتعرض لها الغرب.

وفي كل المجالات وخاصة المجالين الثقافي والديني فإن مقوماتها الحضارية الأصيلة لا تزال تجابه مقومات الغرب من خلال مسيرة طويلة فيها ما فيها من الاقتباسات والتسويات التناقضات والملابسات، وفي حقل الصحة العامة فإن معدل وفيات الأطفال فيها أعظم مما هو عليه في البلدان النامية ومعدل طول الحياة أقصر ونسبة الأطباء أضعف ومشكلات الوقاية والتغذية والوعي الصحي أوسع نطاقا وأشد وطأة بالإضافة إلى خصوصية مسبباتها وعقباتها.

أما الطبيب المسلم الذي يمتهن الطبابة في البلدان الإسلامية أو خارجها فهو يتلقى تعليمه إما في بلده بالذات مضيفا له فترة تربص أو تخصص بالخارج أما بالكليات الأجنبية من البداية إلى النهاية بيد أن هذا التعليم يمتاز بقلة عنايته بالأخلاقيات وخاصة الإسلامية منها كما هو الشأن في بعض الأقطار الإسلامية اليوم وخاصة بتونس.

وهذا التعليم على اختلاف الأصقاع والمدارس، يرتكز أساسا على تقنيات تزداد كل يوم تعقدا وغلاوة في حين أنه لا يبدي اهتماما بالغا بآداب الطب ولا بمبادىء التضامن بين البشر وبين الأطباء أنفسهم، ولا بقواعد الروابط الإنسانية التي ينبغي أن تسود بين الطبيب والمريض مع أنه يصبح أحيانا لا يفيد تقنيا إلا أقلية من المحظوظين ذلك أن هذه المعلومات الفنية الصرفة التي غالبا ما تعرض لطلبة الطب المسلمين في إطارها الغربي المحض لا بد أن تتأثر بالمناخ الثقافي التي تنبثق منه وهو لا يصفو من الغيوم والملابسات نتيجة الأزمات المذهبية والانحرافات الأخلاقية التي تعكر آفاقه فيصبح الطبيب يتخبط بين الرغبة والرهبة وفي مسابقة مديدة لتحقيق المتعة ومصارعة شديدة خالية من الرحمة قصد النجاح بكل الوسائل على حساب الأخلاق والفضائل فيزداد الصراع تارة بقلة الأطباء وتارة بتكاثرهم وتناطحهم .

وكما هو الأمر اليوم خاصة بتونس فإن الطبيب المسلم يتعرض في بلاده إلى مشكلات عديدة ومن أهمها ما ينجم عن :

أ- جهل وتشويه الأهالي لمباديء الوقاية وقواعد حفظ الصحة العامة .

ب- قصور عند كثير من الناس في درجة التمسك بأصول الدين وبقيمه الصحيحة أو عن تجاهلها أو تحريفها أو انتهاكها .

ج - تفكك روابط التضامن بين أفراد العائلة والمجتمع الناتج عن ظاهرة النزوج والتصنيع وعن تخلخل أركان العائلة التقليدية .

د- تأثر بعض الأوساط بالقيم الاجتماعية والثقافية المذبذبة المستوردة من الغرب والتي تسبب انخفاضا في الوازع الديني فتتغلب حينذاك الأنانية المفرطة على مبدأ الرحمة والوئام ويسيطر حب الذات على مبدأ التآزر بين البشر .

ومع هذا فيجدر التأكيد بأن القيم الدينية الأصيلة لا تزال مترسخة في أذهان الناس قوية الجذور على أنها تحتاج إلى مزيد من التذكير والتدعيم وأحيانا إلى شيء من التطهير والتقويم .

ولقد تجلى ذلك شيئا فشيئا في أعيننا بكل دقة ووضوح انطلاقا من مقتضيات الواقع الذي تمارسه في تونس خاصة وفي بلدان المغرب العربي عامة الذي ما قاسى من الاستعمال الفرنسي وبقي في عهد الاستقلال يتأثر لا محالة بقيم الغرب وبتغييراته الحضارية المعقدة .

ولقد أدت الحاجة منذ ما يزيد ثلاثين سنة إلى حتمية اتخاذ التدابير الآتية وذلك انطلاقا من تجربتنا الميدانية في مجال الطب النفسي الذي يتداخل ملا محالة مع الاختصاصات الطبية الأخرى ويتعامل حتميا معها ومنها :

ا- ضرورة الاعتماد على العقائد الدينية الأصيلة:

من حيث أسسها الجوهرية ومعانيها الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان وقد يعرفها البعض الآخر فكثيرا ما تصبح تحتاج إلى التذكير والتحليل والتفسير في شتى الظروف والحالات التي يعالجها الطبيب اثناء عمله ، ولهذه التوعية أهمية بالغة على صعيد الوقاية والعلاج لما فيها من صلوحية لتركيز علاقات صادقة بين الطبيب والمريض وأقاربه من جهة ومن جهة أخرى ، بين الطبيب وأعراف المريض ورؤسائه ومرءوسيه وكل من يجاوره بصفة أعم .

2- تشجيع الطبيب لهذه القيم العالية والسعي بكل قواه إلى الاقتداء بها العمل على نشرها والتبشير بها وإعطاء بدوره مثل الاستقامة والتفاني لأنقاذ الأرواح والبشرية المقدسة التي وضعها الله بين يديه .

كما علية أن يقتدي في هذا الصدد بسيرة أعلام الأطباء العرب والمسلمين وبماثور كلامهم وبذا يهتدي إلى طريق السداد ن فيهديه الله تعالى إلى الحكمة والرشاد ، حتى يصبح الداعي المسموع ، في كل الأصقاع والربوع ، معززا بسيرته أصول الدين الحنيف ، مطهرا بلسانه كل ما يشوه العقيدة من غموض وتحريف ، وناشرا حوله التوعية المعقولة الصالحة على أسس مقبولة ناجعة .

3 - أمهات المشاكل التي تتعرض ضد الطبيب أثناء عمله:

- في مجال الوقاية ومنها بالخصوص :
أ- جهل مباديء حفظ الصحة عند الكثير من الناس.

لذا على الطبيب آن يفسر مفعول الجراثيم وأخطار العدوى ويركز على الأضرار الناتجة عن الأوساخ واختلاط الناس بعضهم بعضا وعن كل أسباب التلوث معتمدا في ذلك على ما أكدته الشريعة والسنة في شتى ميادين حفظ الصحة وخاصة في ميدان التغذية والأطعمة والأشربة والحمية وطهارة العلاقات الجنسية ، إلخ . حيث نجد كثيرا من الأحاديث النبوية المشهورة في هذا الصدد لا يمكن التذكير بها بأكملها وهي تتعلق بنظافة الطعام والشراب والأواني واللبس والساحات والمساكن وغير ذلك وتحث على الاعتدال في كل الأمور وتنهي عن كل ما من شأنه أن يضر بالناس على أنه وبصفة أدق بالنسبة لبعض المواضيع يمكن الاستشهاد بالأحاديث الآتية : " اتقوا الملاعن الثلاث : التبرز في الظل وفي الموارد وفي طريق الناس " وكذلك " إن الله طيب يحب الطيب ، نظيف يحب النظافة ، كريم يحب الكرم . فنظفوا فنائكم وساحاتكم " ( أخرجه البزار) ، وفي تونس يمكن التذكير بكل جدارة بهذا القول الشائع : " النظافة من الإيمان والوسخ من الشيطان " .

أما في مجال صحة العقل والجسد وبصفة آعم يجوز الاستدلال بهذا الحديث- "إن لربك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا " وكذلك "إن لجسدك عليك حقا" (أخرجه البخاري ومسلم) وتبعا للحديث " لا ضرر ولا ضرار" وكذلك للحديث " اعزل الأذى عن طريق المسلم " فعلى الطبيب أن يحذر المريض وكل من يجاوره ثمن كل ما من شأنه أن يؤذيهم من أوساخ قذرة أو علل خفية أو مرض معد أو خطر لاحق أو حادث طاريء ناتج عن قلة الانتباه لما تقتضيه ، اليوم قواعد الصحة العامة في كل المجالات.

ب- تجاهل أو انتهاك مباديء الصحة النفسية.

ذلك أن الطبيب النفساني المجرب كثيرا ما يستنتج من ممارسته أن عديدا من الاضطرابات النفسية تملأ وتتضاعف بسبب شتى العيوب والرذائل ومنها النرجسية والأنانية وحب الذات ، التي تؤدي تارة إلى وضعية الكبرياء والإغراق في الشهوات ، وتارة بالإحباط والشعور بالحرمان ، فيترتب عن ذلك الشره والحقد والفساد ، ثم التأويل بالخسران والسحر والاضطهاد ، فيشتد البهتان ويكثر العدوان ، كما يزداد الشعور بالنقص والقصور ، واتهام الذات بالإثم والنفور .

وينتج عن ذلك وضعية الهروب والكذب ، وكبت العيوب وكشف الكرب ، فيظهر التخيل والتخريف ، والتزوير والتحريف ، ويتضاعف الهبوط والخذول ، والاكتئاب والذهول ، ومنها أيضا الانفعال والغضب ، والخوف والشك والشغب ، وردود الفعل القاسية ، ودوافع العدوان الطافية فينجم عن كل ذلك سلوك منحرف يتميز بالشذوذ والتمرد ، وبالعنف والتشرد ، ثم بالاعتداء بالفعال الفاحشة وبالتالي بالقساوة والأخلاق الشرسة .

ومن ذلك يجدر بنا أن نقدر أهمية الفضائل حق قدرها ، المنافية لكل هذه الرذائل ، قصد الاتقاء منها أو محوها إذا وجدت وذلك في شتى الأمراض النفسية المعروفة عصابية كانت أو ذهانية وظيفية كانت أو بيولوجية .

ومن هنا الفضائل البر والإحسان والاستبصار والعرفان والتفاؤل ، بالخير والرفق بالغير ، والصبر والاحتمال والقناعة والاعتدال ، ومنها حسن العهد والوفاء ، والعفاقة والسخاء ، ونكران الذات والتواضع ، والتحكم في النفس في كل المواضع ، والتحلي بالحزم والإقدام وبالعزم إلى الوئام .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:27 PM
ج - ضرورة الاعتماد في ذلك على تعاليم الإسلام:
هذا وكم من آيات. بينات وسط أحاديث شريفة يمكن الاستدلال أن بها فيما يخص النفس الشريرة وما يحوى في الصدر من رذائل مريرة، فعل هذه الأحكام نعتمد لنتقي شرها لا نبتعد، ومن ذلك سور. الناس (114) " الفلق (113) والهمزة (104) والعصر (103) وكذلك الآيات البينات " واصبر فإن الله لا يضيع أجبر المحسنين" (11/ 115) وكذلك " بل الإنسان على نفسه بصيرة " (75/ 14) ، وكذلك " يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين " (10 /57) هذا وإن الله عز وجل غفور رحيم بعباده التائبين .

ولقد قال الرسول المصطفى " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " وكذلك " رحم الله عبدا قال فغنم أو سكت فسلم " ، وفى هذا المضمار أيضا " من صمت نجا " (وفي نفس الصدد " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " . وكذلك " اجتنب الغضب " وأما فيما يخص القناعة والاقتناع ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام. " البذاذة من الإيمان يعني التقشف " ، وفي شأن الورع والشك والوسواس. ( دع ما لا يريبك إلى مالا يريبك " ، بالإضافة إلى الزور وهو من أشنع الرذائل كثيرا ما يؤدي المصاب به إلى هذيان بالغ الخطورة على الذات والمجتمع في آن واحد وفي ذلك قول النبي المصطفى لصحابته. " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ هي الإشراك بالله وعقوق الوالدين " تم صمت مليا وردد مرتين " ألا وقول الزور" ، وقد قال أيضا في البر والإثم : ( البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس " وفي شأن التآمر البغض والحسد قال أيضا : " لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا " وغيرها من الأحاديث الشريفة التي تعالج مختلف المجالات المذكورة آنفا ، ولا ننسى منافع الصلاة والصيام التي برهنت الأبحاث القديمة والحديثة على صلاحيتها لرياضة النفس والجسد .

وتطبيقا لما جاء في القرآن وفي سيرة وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام فإن الشريعة والسنة تحث بكل دقة ووضوح على اجتناب العقبات الوخيمة التي تمس بصحة النفس والناجمة عن إدمان الكحول والتفكير في الانتحار ومحاولة قتل النفس والاعتقادات المرضية في السحر والتسحير وانهيار القوى النفسية بعد الكوارث والمصائب وموت الأقارب وكل الشدائد الناتجة عن حالات الضيق والقلق والحصر والكآبة واليأس فيسلم المؤمن بقوة عقيدته وإيمانه .

د - من استنتاجات تجربتنا الطويلة في الطب النفسي :
وكم اعتمدنا من مرة في عملنا الطبي الذي نمارسه منذ سنوات على هذه التعاليم والأحكام القدسية وقد وفقنا الله تعالى لما فيه الخير والعافية لعديد من المرضى الذين امتثلوا لها ، ومنها " لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا مؤمن بسحر " وكذلك " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ثم " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله بكم رحيما " (4/29) بالإضافة إلى هذا القول الشائع في تونس " سبق الخير تلقي الخير " وكذلك الحديث الآتي " لا طيرة ويعجبني الفأل الصالح والكلمة الحسنة " ، وذلك زيادة عن كل التعاليم التي تحث على قبول الواقع بصدر رحب والمصير الذي كتبه الله لنا بدون ملل أو شغب ، والتي تحمي المرء من الإغراق في اليأس كي يسلك الطريق المستقيم ، فيمتنع من الانفعال حتى يهتدي إلى الاعتدال ، يقول تعالى : " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " 9/51) وهكذا يتدرج المؤمن بالصبر والسلوان عند المصائب والشدائد . وبعد الكوارث والمكائد ، فعندما يفاجئه مصاب جلل في موت عزيز عليه يتذكر أن الحداد لا يجوز أن يجاوز ثلاثة أيام فينجو أحيانا من أمر العقبات ومن أشد المضاعفات بعكس الذي يحاصره الحداد فيفقده الرشاد ، ويشغل باله ويفسد أفكاره ، الأمر الذي يكاد يعتبره كل علماء التحليل النفسي المعاصر طبيعيا لا مناص منه .

وهكذا تتجلى أهمية هذه التعاليم السامية التي امتاز بها الدين الإسلامي ودعيت لهـا البشريى على الإطلاق ويتبلور مردودها الطيب على التوازن الجسدي لكل عباد الله .

وقد أدهت بنا تجربتنا الطويلة بتونس في مجال العلاج النفسي وهي تزيد عن ثلاث وثلاثين سنة إلى تلخيصه استنتاجاتنا في مجموعة من خمس وعشرين نصيحة في الصحة النفسية منبثقة من التعاليم الإسلامية العالية داعية لها ولوصول المعرفة ، معتمدة عليها وعلى أحكام التجربة وقد أصبحنا نسلمها لكل مريض ولكل من يرافقه مغتنمين كل الفرص لتوزيعها ونشرها وهي ترمي إلى الاهتداء بالصبر والغفران، وبالرفق والسلوك وبالتحكم في النفس وقبول الأمر الواقع تطبيقا للقضاء والقدر مع العمل لتحسين الوضع في تلاؤم وانسجام بناء مع الغير كما تنهى عن الجدل الأجوف والغضب الأحمق وبالضبط عن مشاهدة أفلام التلفزيون التي تمجد العنف وتنافي الأخلاق وتحث عوض ذلك على الاستماع إلى القرآن الجليل في من الخشوع التبجيل وإلى الذكر والمدائن وإلى الموعظة والنصائح، وعلى اختيار أنغام الموسيقى الهادئة الخالية من الألفاظ المهيجة التي تثير العواطف والإحساس كما تدعو هذه النصائح إلى الإقدام والشجاعة لكل من يخذل ويسقط، وعلى الرصانة والقناعة ، لكل من يبالغ ويفرط ، وهي تحرض جميع الناس على التضامن والتلاؤم وعلى التآزر والتفاهم بعضهم لبعض.

وقد أضفنا لها في قاعة انتظار المرضى وفي بهو الأقسام بالمستشفى تجويد الآيات البينات المركزة على مقامات مريحة وقع اختيارها على أسس فنية وقواعد علمية ثابتة ينشرح بها الصدر وتطمئن بها النفس أكثر من غيرها من المقامات.

وقد أحدث ذلك بأتم معنى الكلمة جوا خارقا للعادة كله هدوء وتوقير وسكون وتقدير وانشراح وإجلال وانفتاح وامتثال وقد أتت هذه التجربة منذ سنتين تقريبا وفي كثير من الحالات بنتائج فائقة وفوائد رائعة، فأصبحت العائلات تصور هذه المناشير، وتخرج وتوزع النصوص منها قصد الإرشاد والتبشير ، وقد نشرتها الجرائد اليومية الشائعة

مثل جريدة الصباح بتونس والرأي العام بالكويت فكان مردودها طيبا لدى المواطنين كما عايناه بأنفسنا في تونس لا سيما لدى المرضى وأقاربهم وقد تأثر بها البعض منهم بصفة عجيبة وبلغوا بفضلها تمام الصحة والعافية.

هذا فيما يخص الطب النفسي أما في مختلف مجالات الطب فهو معروف إلى حالات وظروف أخرى ومن أهمها:

- أثناء العلاج بذاته قلة عناية الأقارب بمرضاهم

وكثيرا ما يزيد ذلك في تعكر حالة المريض وحتى في تفاقم الأمراض العضوية نفسها حيث لا يساعد أبدا على التخفيف من آلام المرضى ويعرقل علاجهم وبرأهم وكثيرا ما تأسفنا لترك الأولاد أولياءهم والرجال نساءهم، والإخوان أخواتهم وعموما لإهمال بعض العائلات قريبا لهـا يتيما كان أو غريبا إلخ من المآسي المؤلمة اللا إنسانية المنافية للأخلاق والتي يحرمها الدين ويعاقبها القانون، هذا وبمقتضى ذلك :

- في صلب العائلة.

فكثيرا ما نردد عند الحاجة هذا القول الشائع بالمغرب العربي ألا وهو" الله ورضا الوالدين " وكذلك الآية الكريمة:( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) (23/17) بالإضافة إلى (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا) (46/ 15)، وبالأخرى وفيما يخص الأم نردد هذا الحديث " ألزمها فالجنة تحت قدميها" وفي نفس المضمار " أعظم الناس حقا على الرجل أمه ".

وإذا كان الأب هو المريض فنحن نذكر الناس بالحديث الآتي " الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد " ، وفي الأطفال الصغار أو الشيوخ الكبار " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا " ، وأخيرا وفي شأن واجبات الرجل نحو امرأته " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم " .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:27 PM
- أما خارج العائلة.
أ- واجب التضامن الحق.
من أسمى الواجبات وأصعبها تطبيقا في الواقع فلا ملل إذا في ترديده والتركيز عليه تبعا للآية الكريمة: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) (51/ 55) ويقول الله عزل وجل( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ) (49/ 10) وكذلك " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) (5/ 2) بالإضافة إلى هذا الحديث " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " ، وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بالجار ، فالجار قبل الدار كما نحب أن نقول في تونس زيادة عن هذا القول الذي يتجلى من صميم القيم وأفضل الحكم التي أنزلت إلى البشر " أحب لغيرك ما تحب لنفسك " وكذلك " المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا " وأخيرا فلنذكر بواجب من واجبات المسلم الخمسة المتمثل في ضرورة عيادة المرضى (حديث أخرجه البخاري ومسلم).

ب- ضرورة فعل الخير ومواساة المرضى وتفريج كربهم.

وهي من أقدس الواجبات الملقاة على المؤمن فالرسول r يقول " من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة "وكذلك " أثقل شيء في الميزان الخلق الحسن " كما على الأطباء أن يقتدوا أثناء عملهم بهذه الحكمة النيرة التي لها من أبعاد في كل أطوار التشخيص والعلاج والمتمثلة في هذا الحديث. " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " وبناء على أن الدين الإسلامي أنزل للعالمين وللبشرية جمعاء " فليست الرحمة أن يرحم الرجل قومه إنما يرحم الناس جميعا " وكذلك وفي نفس المضمار " المسلم من سلم الناس من لسانه ويده " ومن كلام الله عز وجل، (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) (قرآن 2/ 195) وفي نفس الاتجاه ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) (16/ 90).

ج- الفضائل الأخرى:
وكم من فضيلة أخرى يمكن الاستدلال أن بها كمثل السمت الصالح وهو بالإضافة إلى " الهدى الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة" هذا ومن الأخلاقيات الفاضلة الأخرى التي أوصى بها القرآن والرسول الكلمة الطيبة وهي صدقة، والحياة تبعا للحديث "إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء " ، والرحمة " ارحموا من من في الأرض يرحمكم من في السماء " والرفق " لا يحل لمسلم أن يروع مسلما " ، والتواضع تبعا لقوله تعالى ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) ، والأخلاق الحميدة تطبيقا لعديد من التعاليم ومنها هذا الحديث " خياركم أحاسنكم أخلاقا " وكذلك " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " وكذلك " وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل " وأخيرا "خير الناس أنفعهم للناس ".

وعن الفضائل الأخرى التي أوصى بها القرآن والرسول، الصبر والاحتمال والبال الواسع وغض البصر وكتم الأسرار ونكران الذات والتعفف وحسن النية والصدر الرحب والبشاشة والصحبة الطيبة (41)، إلخ... من الأخلاق العالية التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن في سيرته وسلوكه كما يجب أن يزدان بها الطبيب في امتهانه الطبابة وأدائه رسالته المقدسة على أحسن وجه.

د- ضرورة مساعدة المريض طيلة العلاج.
هذا وفي إطار العلاج بالذات فلا يسعنا إلا أن نذكر بأن الكتاب العزيز هو للذين آمنوا هدى وشفاء (41/ 44). أما القول الشائع في تونس هو" أن الله خلق الداء والدواء " وكذلك " على الطبيب الدواء وعلى ربي الشفاء " كما أراح الله تعالى المريض من كل الضغوط بقوله ( ولا على المريض حرج ) (24/ 61) والله عز وجل جلاله يبشر باليسر والعافية كما يذكر به الرسول r يقول : " يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء " وكذلك " إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله فإن ذلك لا يرد شيئا ولطيب نفسه " (43) بالإضافة إلى تلكم الآية الكريمة الرائعة التي تنشرح بها صدور العباد وتستريح بها الأنفس والأجساد ألا وهي ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) (31/28).

هذا ولا شك آن لكل هذه الأحكام السامية أهمية بالغة فضلا عما هو بالنسبة للمريض بصدد تطبيقه السليم لما يأمره به والطبيب وعما هو بالنسبة لأقارب المرضى لتزداد العناية بهم فهي مهمة لتقوية إيمان الطبيب نفسه وحثه على بث الدعوة والإرشاد " التبشير بكل دراية وسداد.

هـ- سيرة الطبيب المثلى :

هذا ولا يمكن للطبيب أن يذكر عن جدارة بهذه التعاليم ويوفقه الله على نشرها وإقناع الناس بها وحث المريض على ما يفيده منها إلا أذى اقتدى به هو الأول بكل إخلاص وصدق وتشبع بها بكل إدراك وعمق. فهذه التعاليم تهمة بالذات، حيث يجب أن يتحلى بالقيم الأخلاقية التي ترتكز عليها آداب الطب ويسطرها قسم الطبيب منذ القدم، كما ينبغي أن يعمل لتوفيقها مع أصول الدين الحنيف وقواعد الإيمان الصحيح. ولقد يجد أجمل المثل في سيرة ومأثور وكلام أعلام الأطباء العرب والمسلمين الذين أناروا له أحسن السبل وتركوا للبشرية جمعاء تراثا عظيما بفضل مؤلفاتهم الرائعة وابتكاراتهم الرائدة.

مأثور أعلام الطب العربي الإسلامي
هذا ويمكن للطبيب المسلم المعاصر أن يستدل في هذا المضمار بفيلسوف العرب يعقوب الكندي القرن 3 هـ) حيث قال : " وكما يجب أن يقال إنه كان سبب عافية المريض وبرئه كذلك أن يحذر أن يقال إنه كان سبب علته وموته " ، ولقد نسج على منواله أبو أبو بكر الرازي العظيم (القرن 4 هـ) في رسالته " في أخلاق الطبيب "، فوصف الحكيم بأنه " من عرف شروط البرهان وقوانينه واستدرك وبلغ العلم الرياضي والطبيعي والعلم الآلهي مقدار ما وسع الإنسان بلوغه فعليه أن يتكل في علاجه على الله ويتوقع البرء منه ولا يحسب قوته وعمله ويعتمدها كل أموره عليه ". كما يذكر أبو القاسم الزهراوي الأندلسي (313/251 هـ) كل من يتعاطى الجراحة بأن الله عز وجل يراقبه في أعماله ويحرم عليه أن يستعمل يده طلبا للرزق . أما الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا، فهو يوصي بعض أصدقائه " ليكن الله تعالى أول فكر له وآخره وباطن كل اعتبار وظاهره ، فإذا انحط إلى قراره فليرى الله تعالى في آثاره.. وليعلم أن أفضل الحركات الصلاة وأمثل السكنات الصيام وأرفع البر الصدقة وأزكى السر الاحتمال.. ولن تخلص النفس ما التفتت إلى قيل وقال ، ومناقشة وجدال وانفعلت بحال من الأحوال.. والحكمة أم الفضائل ومعرفة الله أول الأوائل " .

أما على بن رضوان، رئيس أطباء مصر زمان الفاطميين، فهو يعتبر من أبر أطباء العرب وأتقاهم ، كون نفسه بنفسه وخلف لنا أبدع ما يكون من النصح لتركيز تعليم الطبابة على أسس ثابتة تابعة لماذا آداب الطب من شرف وقداسة قصد التطرق إلى التقوى والعبادة لما فيه الخير والسعادة .

وفي القرن الخامس المجري ، يقود رشيد الدين على بن خليفو " إذا تطببت فاتق الله واجتهد أن تحمل بحسب ما تعلمه علما يقينا فإن لم تجد فاجتهد أن تقرب منه ". بينما ينسب إلى أبي الوليد بن رشد (القرن 6 هـ) هذا القول وقد شك البعض في قوة إيمانه قال: " من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانا بالله ". أما الحكيم الأديب عبد اللطيف البغدادي (القرن 6 هـ. أيضا)، فهو ينصح الطبيب قائلا. " ينبغي أن تكون سيرتك سيرة الصدر الأول فاقرا سيرة النبي r وتتبع أفعاله وأحواله واقتف آثاره واعلم أن الناس عيون الله على العبد يريهم خيره وإن أخفاه ، وشره إن وستره. فباطنه مكشوف لله والله يكشفه لعباده ".

أسا القلقشندي (القرن 7 هـ) الذي جدد بدوره في بلاد الشام أركان تعليم الطب وأثبتها بمزيد من الدقة والحكمة. فقد. كان يشترط في الطبيب "أن يتحلى بالإيمان وشرعة التقوى.. وفي رئيس الأطباء العلم والمعرفة والدراية بالإضافة إلى الدين والأمانة " وعلى الطبيب أن يعتدل ويتحذر " وليعلم أن الإنسان هو بنية الله وملعون من هدمها والطبيعة مكافئة وبؤس لمن ظلمها وقد سلم الأرواح وهي وديعة الله من هذه الأجسام فليحفظها وليتق الله ففي ذلك جميع الأقسام" كما تحدث تاج الدين السبكي عمل واجبات الطبيب بشكل عام المتمثلة في استكمال الأهلية المطلوبة وفي بذل النصح والرفق بالمريض قائلا : " وليعلم أن طبه لا يرد قضاء ولا قدرا وأنه إنما يفعل امتثالا في الشرع وأن الله تعالى أنزل الداء والدواء ".

وبمصر أيضا وفي القرن الثامن الهجري يحدثنا العالم المالكي أبو عبد الله العبدري فينصح: " أن يكون الطبيب خالص النية في عمله لله تعالى حتى يكون عمله من أعظم العبادات " أما إسماعيل الجرجاني فهو أعظم أطباء فارس (القرن 6 هـ) وهو الذي ألف ألف ذخيرة خوارزم شاه وهي أعظم موسوعة طبية كتبت بالفارسية، فكان تقيا إلى ربه، كريما بذاته مبتعدا عن شهوات دار الدنيا وكان يقول بالعربية لصديق له: " إن الجسد هو أخبث مسكن للنفس صعب المقادة. عسر الإجابة لقوتك العاقلة التي تؤديك جنة المأوى وترقيك الدرجة العلياء " ومن أواخر أطباء العرب العظام داود الأنطاكي (القرن 10 هـ) فكان ينصح بالقناعة والعفة والحذر وترك الملذات مؤكدا أنه يجب على الطبيب " أن يكون متينا في دينه متمسكا بشريعته، دائرا معها حيث دارت واقفا عند حدوث الله تعالى ورسوله نسبته إلى الناس بالسواء ، خلي القلب من الهوى، لا يقبل الارتشاء ولا يفعل حيث يشاء، ليؤمن معه الخطأ وتستر يح إليه النفوس من العناء".

وفي الختام ، فهذا ما يمكن استخلاصه من تلكم النصائح والقيم ومن كل هذه الشرائط والحكم، اعتمادا على بعض الأوامر الإلهية والتعاليم المحمدية، التي رأينا في هذا البحث أن نذكر بها دون سواها بينما يمكن الاستدلال بعديد من الآيات القدسية والأحاديث النبوية الأخرى وكلها تشمل تطبيقا للشريعة والسنة أسمى القيم الطبية، وأثمن المثل الإنسانية، وهي تنير طريق الطبيب إلى الخير والهناء، وسير المريض إلى العافية والشفاء، ولو لخصناها لانحصرت في الحديث الآتي " لو لم يكن لابن آدم إلا إسلامه والصحة لكفاه " مع أن أسباب الصحة والعافية تتوفر بفضل تعاليم الإسلام ، والإسلام أكبر ضمان لمزيد الشفاء والسلام.

الخاتمة:

يستنتج من هذا البحث أن الطبيب المسلم الذي يمتهن الطب في بلاده أو خارجها لابد أن يعتمد في عمله كما هو الأمر خاصة اليوم بتونس على مقومات الأمة الأساسية من حيث العقيدة والدين وذلك بالإضافة ، إلى ما تلقاه من فنيات طبية وتقنيات علمية رائدة فيجب أن يكون على وعي بالإسلام وبتعاليمه، وعلى التزام به وبفضائله، زيادة عن التحكم في أحدث ما وصل إليه العلم في اختصاصه ، ولا يؤمل أن يفهمه الناس على جدار ، ويعترفون له بالمهارة إلا إذا تحلى بالأخلاقيات السامية وبالأدبيات العالية، وخاطبهم بما يدركون، حسب المفاهيم التي إليها يستندون، وعليه أن يقتدى في سيرته بأمهات الفضائل ويجتنب كل الرذائل فيهتدي إلى القيم المثلى ، حتى يهب للناس الموعظة العظمى ، وينال بدوره السعادة القصوى.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:28 PM
دور الطبيب المسلم فى نشر تعاليم الإسلام

الدكتور حمدي مسعود
فرنسا

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:28 PM
مقدمة :

الإسلام بوصفه الرحمن المهداة إلى البشر من رب العالمين ، هذا الذي أراده الله نظاما يحكم حياة الإنسان في كلياتها وجزئياتها ، هو نظام صلاح ونظام "صحة" .. وأن الصحة بمعناها الواسع الشامل هي هدف رئيسي من أهدافه .. والصحة بمعناها الواسع تشمل كل معاني الاستواء والتوازن ، وهي في معناها الشامل تستوعب حياة الإنسان بكاملها : جسما وعقلا وروحا ، وخلقا وسلوكا ، فطرة واكتسابا .

والفرد ، وهو اللبنة الأولى للحياة الإنسانية، يحظي بقدر هائل من اهتمام هذا النظام الفريد ويعطي عناية خاصة لينشأ "سليما صحيحا " وبه متجمعا يتحقق المجتمع "السليم الصحيح " تلك السلامة والصحة التي يهدف إليها الإسلام وهي سلامة وصحة ذات مفهوم تعجز كل النظم الأخرى عن استيعاب جوانبه فضلا عن محاكاته.

ومن هذا المفهوم يأخذ "الطب الإسلامي" معنى مغايرا لمفهوم الطب المعاصر الذي اكتسبناه من المفهوم العربي الحديث للطب ومن هذا المنطلق يأخذ الطب مساحة أشمل في حياة الفرد ويتشعب دوره في حياة المجتمع أكثر بكثير من دوره المحدود على اتساعه في واقعنا الطبي اليوم ذلك الذي يعتني بصحة الفرد الإنساني في حدود دائرته المادية فقط ، سواء جسميا أو عقليا أو نفسيا .

والطبيب المسلم له دور، بل عليه واجب كبير متعدد الجوانب ، يبدأ من نقطة جذرية أصيلة في المفهوم الإسلامي للإنسان والحياة. هي تلك الوحدة المتكاملة المتمثلة في الوجود الإنساني ذاته والتي نجمع في كيانه طرفي النقيض في توازن متسق بديع والتي تحلق بروحه في السماء وهي تضع قدمه على الأرض، وتجعل من وجوده الدنيوي ووجوده الأخروي وحدة متناسقة ، وبذلك تخرج منه عالما شاملا ، يحتاج لصحته علاجا شاملا متوازنا ، لا يفصل جسده على روحه ، ولا فكره على قلبه ، كما يفعل طب العلم المادي المسيطر على عالم اليوم ، وهذا كله يجعل واجب الطبيب المسلم أولا وقبل كل شيء ، ربط مفهوم "الصحة" في العلم الطبي الحديث ، بمفهوم "الصحة" بكل سعته الشاملة التي جاء به الإسلام .

هذا الهدف ، أو هذا الواجب يستلزم ابتداء أن يتحقق وجود " الطبيب المسلم " أو على الأصح " المسلم الطبيب " .

والطبيب المسلم هو قبل أن يعرف الطب علماي وممارسة عملا هو " فرد مسلم " متميز عن أقرانه في المجتمعات غير الإسلامية ، فهو إنسان قد عاش نعمة " الاستواء الصحي " عقيدة وخلقا وسلوكا ، وتكيف بهذا الاستواء والشمول ، وأصبح مهيأ بتكوينه هذا أن يجعل من علمه الطبي الحديث ـ وهو قاصر رغم منجزاته الهائلة ، بسب انفصاله عن الحقيقة الكبرى ـ علما شاملا يأخذ بيد المريض ، بل بيد الإنسان كله إلى " الاستواء الصحي " المنشود للحياة الإنسانية ، علما يربط المكتسبات العلمية المحدودة بالعلم الرباني الواسع الذي أهداه الله للإنسان عن طريق أنبيائه صلوات الله عليهم ، وكما جاءنا في صورته الأخيرة على يد محمد صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا ، وفي القرآن الكريم وفي سنة رسوله الكريم ما يفتح للطبيب آفاقا واسعة إلى علم هذا الاستواء الصحي المنشود .

وإذا تيقن الطبيب المسلم أن "الاستواء الصحي" بمعناه الواسع هو الذي يصلح حياة الفرد الإنساني ، ومن ثم حياة المجتمع البشري فإنه يستطيع أن ينشيء طبا يكون فتحا في عالم الطب ، ونورا يهدي إلى البشرية التي تتخبطها ظلمات الحياة رغم منجزات العلم الهائلة .

وأحب في هذه المقدمة عن (دور الطبيب المسلم في نشر تعاليم الإسلام من خلال رسالته الطبية " وقبل أن أدخل في تفاصيل هذا الدور وشروطه أن اشير إشارة سريعة إلى الفارق الجذري بين هذا الدور وبين الدور الذي كثيرا ما يوكل إلى الطب في البلاد التي تعتنق نصرانية الكنيسة . هذا الدور التبشيري العنصري الذي يهدف إلى الهدم لا إلى البناء ، كما صرح بذلك الأب زويمر ، والذي يجند الطب وهو مهنة إنسانية نبيلة في هذا الهدف التخريبي الذي يفسد القلب والروح في مقابل إصلاح مضغة في الجسد ، ويقوم بدور أقرب أن يكون نوعا من اللصوصية المقنعة .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:28 PM
دور الطبيب السلم ولما يجب أن يتميز به:

فيما سبق من الحديث في هذه المقدمة ذكرنا بإجمال ثلاث مسائل هامة إحداها تتعلق بالطبيب ، والأخرى تعالج موضوع الطب ذاته ، وأما الثالثة فتلمس الهدف المرجو من وراء وجود طب إسلامي وطبيب مسلم ، وفي عالم مزدهر " بالعلم | ومزهو بما عنده من العلم ، مليء بالأطباء الجهابذة في كل تخصص ، هذا العالم الذي نراه أفقا نحاول اللحاق به . وفي هذا القطاع من البحث سنحاول أن نرسم ملامح مفصلة لهذه المسائل الثلاث ، نبدؤها بالحديث عما يجب أن يتميز به الطبيب المسلم ليكون صالحا لأداء دوره الإسلامي من خلال أداء رسالته الطبية .

ولقد أشرت إشارة سريعة إلى أن أول ما يتميز به هذا الطبيب أن يكون " مسلما طبيبا " لا طبيبا مسلما " فحسب ، وهذا يعني الكثير .

يعني قبل كل شيء أن يكون هدفه الأول هو الإسلام ، وأما الطب فهو وسيلة لخدمة هذا الهدف أولا ، ثم لكسب عيشه في حياته الدنيا ثانيا ، مدركا بذلك قوله تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " .

ويعني أن يكون قد أعد إعدادا صحيحا كافيا وواعيا ، بحيث يكون مدركا لحقائق الإسلام ، عقيدة وتعاليم وخلقا وسلوكا وهدفا ، فلا يكون إسلامه مجرد عواطف مشبوبة لا تؤدي دورا إيجابيا في واقع الحياة وإنما يكون مدركا بعمق وعيه وسعة ثقافته موضعة في الأرض وموقف العالم منه ، عارفا بحقيقة دور الإسلام للبشرية ومطلعا على آفاق المعركة الدائرة بين الحق والباطل ، بين الإسلام ومبغضيه ثم يكون مع ذلك كله محققا للإسلام في ذاته أولا وفي أسرته ما أمكنه ذلك ، ملتزما بتعاليمه متخلقا بخلقه .

ويعني أن يدرك حق الإدراك مهنته الطبية ـ وإن كانت هي وسيلته للعيش ـ هر رسالة إنسانية بالدرجة الأولى ، فلذلك مقتضى من مقتضيات إسلامه وقد علمه إسلامه خلقا وسلوكا واعتقادا متميزا في هذا المجال ، علمه أن الرزق بيده الله ، و " إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين " ، ولا يجوز للإنسان أن يفقد أخلاقياته الإنسانية طلبا لرزق مقدور عند الله من قبل .

وعلمه أن عملا للخير يبتغي به وجه الله هو خير له من ذلك الرزق العاجل في العمر القصير : " ما عندكم ينفد وما عند باق " " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فألئك كان سعيهم مشكورا " .

وهو يعني كذلك أن يكون متواضعا بعلمه : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ".. وقد علمه إسلامه قبل أن يكون طبيبا ، وعلمه من خلال دراسته لطلبه وممارسته له مدى ضآلة علمه بالقياس إلى علم خالق هذا الكيان المعجز : " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " .

كذلك فإنه مقتنع تماما بمدى عجز قدرته ـ وإن بدت هائلة بما وهب الله الإنسان من قدرات بالقياس إلى قدرة الخالق المدبر الذي بيده الصحة والمرض ، والحياة والموت : " تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير " " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " .

ثم فلقد علمه إسلامه أن المريض في حاجة إلى عطفه ورعايته مع علمه وقدرته لأن المرض ضعف ، والضعف موضع اعتبار وتقدير وعطف في المجتمع الإنساني الذي يريده الإسلام فيخالف به مخالفة جذرية مجتمع " الغابة " الذي تنشئه الجاهلية والذي لا يقدر غير القوة : " الضعيف أمير الركب " ( المسلون يسعى بذمتهم أدناهم ) .

كذلك هو يعني بالضرورة أن يكون الطبيب متمكنا من عمله الطبي ، بارعا فيها ما ستطاعت طاقته ، فإنه يعرف يقينا أن افسلام دين تفوق وقوة ، وأنه أنزل من عند الله ليكون نبراسا للبشرية ، ويكون أهله قادة للأرض ، شهداء عليهم : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " . ولن يكونوا ذلك النمط القائد إلا أن يكون في حوزتهم علم الدين والدنيا فهما في المفهوم الإسلام علم واحد ، هو علم عمارة الأرض بأمر الله وفي سبيله ، والآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تحض على العلم كثيرة ، نذكر منها القليل شاهدا على ما نقول : " يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب " ، ويقول الرسول الكريم : " فضل العالم على العابد كفضل البد ليلة التمام على سائر الكواكب " . " قل هل يستوي الذي يعلمون والذين ولا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب " . ويقول : " اطلبوا العلم ولو في الصين " ، ويقول كذلك : " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة " .

ومن أجل ذلك يرفض الإسلام ذلك النمط من الطب والأطباء المتقوقع داخل ذاته لا يعلم من أمر الدنيا إلا القليل ولا يعلم من أمر دينه غير الأقل ، ولقد اكتسبنا هذا النمط من الطب والأطباء من الطب الغربي الحديث الذي يزداد تقوقعا وتجزءا كلما تقدم في " العلم " وكلنا يعرف كيق كان حال الطبيب في تاريخنا الإسلامي، وكيف كانت مساحة المعرفة بين علمه وفنه التقني ، وبين مجالات الثقافة الواسعة والوعي الإسلامي الصحيح فالتكامل والشمول صفتان منبثقتان انبثاقا مباشرا من الإسلام وهما ملازمتان لشخصية المسلم " الصحيح " فهما في الطب ألزم ، لأن مهمة الطب والطبيب هي المشاركة الفعالة في أيجاد الإنسان " الصحيح " سواء بعلاج المرض أو تفادي وقوعه علاجا لا يعتمد فقط على التحديد القاصر لمفهوم الصحة والمرض في العلم المادي ، ولكن بمعناها الشامل المتكامل كما يبدو من خلال المفهوم الإسلامي .

وأخيرا فإن تعبير " المسلم الطبيب " يعني بالضرورة أن يكون هذا الطبيب قدوة صحيحة ممثلة للإسلام خير تمثيل بواقعه كله ، فما أسوأ أن ينفصل القول عن العمل ، والواقع عن المثال ، وما أخطر النتائج التي تترتب على مثل هذا الانفصال ، في الدنيا على مرضاه وتلاميذه ومعاونيه في العمل ، وفي الآخرة حيث يكون المقت الشديد عند الله والعياذ بالله ، فهو الذي يقول : " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ملا تفعلون " .

ذلك النموذج الإنساني الرائع متمثلا في طبيب هو الذي يستطيع حقا أن يأخذ بيد المريض إلى الشفاء ، شفاء الجسد والروح في آن بما يسر له الله من علم ناف للجهالة ومما وفقه إليه من رفعة إنسانية محببة إلى القلوب .. هذا الطبيب هو الذي يستطيع أن يقود مريضه إلى معرفة الله الحق ، ككل صفة من صفاته التي أسلفنا الحديث عنها تقوم بدورها في الأخذ بيد المريض في هذا الطريف ، وسوف نعود إلى ذلك إن شاء الله حين نتحدث عن الهدف المرجو من وراء وجود طب إسلامي وطبيب مسلم .

والآن فما هي المكونات الخاصة التي تكفل نشأة هذا الطب الإسلامي ، هذا الذي يدرك مفهوم " الصحة " على وجهها الواسع الشامل ، ويدرك مفهوم " المرض" كذلك في حقيقته الجذرية لا في مظاهره المحدودة ؟ .

إن نشأته لن تكون إلا بمعرفة حقيقية " بالإنسان " وبالتالي معرفة واعية مما يصلح حياته وما يفسدها ، ومفهوم المرض والصحة في حقيقته عميق الارتباط بصلاح الإنسان وفساده ، وبصلاح أوضاعه الاجتماعية والأخلاقية ، بل أوضاعه الاقتصادية ـ والسياسية كذلك ، بغير هذه الفواصل التي تفرضها تخصصات العلم الحديث .

ولذلك فمع فساد الحياة البشرية في عالم اليوم لا يكون دور الطبيب إلا المحاولة المستميتة لتنظيف المصب الذيب يمتليء كل لحظة بأدران المنبع ! وها هي مجموعة الأمراض المستشرية حديثا شاهد على ما أقول ، فالفساد الخلقي في أبشع صوره يلقي إلى الطب بأدرانه ، فلا يكون دوره فيها إلا المحاولة الدائبة وإيجاد " العلاج " علاج الناتج لا علاج الجذور ، علاج ظاهرة المرض لا علاج مسبباته أي تنظيف المصب إن أمكن ذلك ، لا تطهير المنبع والتغلب على المرض تغلبا حقيقيا !

والكثير من الأمثلة على هذا تملأ ، ولنأخذ مثلا السجائر أو الكحول ، أو الفوضى الجنسية ، أو ما لا يحصى من صيغ الحياة " الحديثة " وما تجر إليه من أمراض ناتجة أساسا من تلك المنابع ومن رهق التوتر العصبي وثقل الحياة الحديثة وضراوة الصراع فيها .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:29 PM
إن نشأة طب حديث إسلامي ، مزود بمعرفة حقيقية " بالإنسان " وهو ما لا يمكن أن يتوفر إلا عن طريق الدين الذي يملك أن يزودنا بهذه المعرفة ، لأنها آتية من عند العليم الخبير الذي خلق ويعلم من خلق ، ويعلم ما يصلح حياة هذا المخلوق وما يفسدها : " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " " ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " … هذا العلم الذي يرسم لنا في يسر الطريق التي تهب لهذا الإنسان " الصحة " بمفهومها الشامل كذلك .

إن طباً من هذا النوع سوف يكون فتحا في حياة البشرية ، وسوف يكون جزءا من رسالة الإسلامي للعالم ، ومساهمة فعالة في صياغة الحياة البشرية صياغة جديدة ، تعين الإنسان على الوصول إلى الصحة وتجنب المرض بالقدر الذي يسمح به وجوده الرضي ، إنها سوف توجهه إلى أصح صورة يمكن أن يمارس بها حياته ، وفي الوقت ذاته تعطي مفهوما صحيحا " للمرض " حين يكون جزءا من قدر الله ولا دخل للفساد البشري فيه ، يخفف كثيرا من وطأته فيحوله من لعنة ينوء بها الإنسان إلى ابتلاء واجتباء يتقبله القلب بالرضاء والتسليم ، وهي مشاعر تساعده مساعدة فعالة في الشفاء ، ويكفي المريض المسلم أن يستمع إلى قول الرسول الكريم r : " ما يشاك المؤمن من شوكة فما فوقها إلا حط الله عنه بها خطيئة أو رفعه بها درجة " .

هذا الطب الإسلامي، الذي هو أول واجب من واجبات "الطبيب المسلم "، وإن شئنا تعبيرا أصح نقول "الأطباء المسلمين" ذلك لأنه عمل جماعي لا يستطيع أن- يقوم به الفرد مهما تكن قدراته، هذا الطب يقوم على دعامتين أساسيتين: الدعامة الأولى. هي "الإيمان بالله وحده " حسب المفهوم الإسلامي النقي من كل شائبة ، بما ينبثق تلقائيا عن هذا الإيمان من يقين بالآخرة وبالقدر خيره وشره ، هذا الإيمان الذي يضع الحياة في حجمها الحقيقي في القلب البشري ، فليس النقص فيها والحرمان من بعض متاعاتها ، ومنها الصحة ، ثقل ينسحق الإنسان تحته وعامل فعال من عوامل استفحال المرض وتعذر شفائه.

فأما الدعامة الثانية فهي " الإسلام" بمعنى الخضوع الكامل لبرنامج الحياة الذي رسمه الله للناس رحمة منهم في دنياهم وآخرتهم : " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون " .. ذلك البرنامج الذي جاءت ـ أساسياته ثم الكثير من تفصيلاته في القرآن والسنة ، والذي لو اتبع حق الاتباع لأنشأ حياة صحيحة حقا يكون المرض فيها هو الاستثناء لا القاعدة ، ويكون الشفاء من المرض فيها ـ حين يحيا ـ أقرب وأيسر ، ولا يكون فيها المرض الذي لا يتحقق شفاؤه فيكون كارثة تنقل كاهل الفرد والجماعة.

ذلك بأن هذا البرنامج بما حمل من نظام متكامل للحياة ، قد جفف ـ قدر ما تسمح طبيعة الحياة في الأرض ـ منابع المرض . والأمثلة على ذلك كثيرة في كل مجالات الطب لا نملك أن نحصيها هنا ، فهي تكون بحوثا مستقلة ولكننا نستطيع أن نضرب لها بعض الأمثال … ولنأخذ مثلا شرب الخمر الذي حرمه الإسلام تحريما قاطعا ، كم من الأمراض يعود إليه مباشرة . وكم من الأمراض يكون هو سببا في استفحالها ؟ وكم منها تكون الخمر سببا في تقليص نسبة الشفاء منها أو إطالة العلاج . وما نقوله عن الخمر نقوله عن كل مخدر مما هو منتشر في الأرض اليوم نتيجة طبيعية للفساد الناشيء من تجنب طريق الله ونقوله كذلك عن السجائر التي هي أكثر الموبقات ـ انتشارا وأيسرها تداولا .

فإذا تتبعنا أوامر القرآن ووصايا الرسول r في الطعام والشراب مثلا سواء من حيث الكم أو الكيف من كف عن الإسراف ، أو تحريم لكل ما هو ضار من الطعام فكم نجد لهذا النظام المحكم من فضل على الإنسان ومن صلات فاعلة في أمر الصحة والمرض ؟ .

كذلك لد تبينا ما في نظام النوم والصحو من تأثير الصحة والمرض ، ولو فحصنا نظام الصلاة والصوم والوضوء والغسل ، ولو بحثنا في نظام الزواج والحياة الجنسية ملها من خلال تعاليم القرآن والسنة ، من تحريم للواط ومنع للزنى بكل صوره من توصية بالتبكير بالزواج ، وإتاحة السبل إليه وتيسيره اجتماعيا واقتصاديا ، ولو تفحصنا النظام الإسلامي في كل جوانبه ومحاولته البارعة لإنشاء حياة يغلب فيها الأمن والعدل والاستقامة ، لو تبينا كل ذلك بالصحة والمرض عرفنا كيف يمكن أن ينشأ في الأرض " علم طب إسلامي " تتفوق فيه برامج الطب الوقائي على كل ما عرفه علم الطب الوقائي في عصرنا الحاضر ، وتكتمل فيه جوانب النقص في الطب العلاجي الحديث هذا النقص الذي يتبع حتما ا النقص في معرفة "الإنسان " ورؤيته كوحدة متكاملة لا تنفصل مكوناتها الرئيسية .

هذا الطب الإسلامي حين يوجد ، يكون وجوده بذاته دعوة إلى الطريق المستقيم ونبراسا يهدي البشر إلى الإسلامي ، سبيله الحق ، ويكون هذا دوره الأول في حياة البشرية ، ويأتي دوره الثاني ، وهو دور مهم كذلك هو إصلاح الحياة في مجال الصحة والمرض وهذا جزء لا يتجزأ من عبادة الله بعمارة الأرض بتوجيه من الله .

أما كيف يصل الطبيب المسلم من خلال أداء دوره الفردي إلى الأخذ بيد مريضه إلى الطريق الموصل إلى الله فقد بينا ونحن نتحدث عن الشروط التي يجب أن تتوفر فيه ، الكثير منها ، ذلك أن تلك الصفات التي أسلفنا ذكرها لها دور فعال ، كواقع حي للإنسان المثل . في الوصول بقلب المريض إلى الله وإلى طريقة الحق ، ذلك أن الإنسان في حالة المرض يكون أقرب ما يكون نفسيا إلى تلمس الحق . هذا الحق الذي يتوارى بعيدا عن القلب في عنفوان القوة والصحة : " كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى " . " وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه " .

ولكن هناك جوانب أخرى أيضا ـ غير هذه المتحققة في شخصية الطبيب ـ يجب عليه أن ينتبه إلى أدائها حق الأداء في أثناء التعامل مع مرضاه نذكر منها .

أن يحاول قدر ما يسمح له الوقت المعطى للمريض أن يدخل عقله وقلبه المفاهيم الإسلامية الصحيحة " للمرض والشفاء " .. " والحياة والموت " .. فارمض ليس لعنة ، وليس بالضرورة عقوبة ، ولكنه ابتلاء تكفير أو رضاء وهو في الحالين خير ، ويطمئن القلب ويهديء الجزع ، ويستشعر القلب قرب الله ورحمته .. والمرض جزء أصيل في كيان الحياة الدنيا لأنه جزء من المعاناة والكدح " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه " فهو إذن وسيلة للأجر من الله إذا حقق المريض الالتزام الصحيح بالعلاج وبالصبر ، وكلها معان تقرب القلب من الله وتقوده إلى المعرفة الصحيحة بدين الله ، وحين يعرف المريض أن المرض والشفاء كلاهما أمر من الله : " تداووا فإن الذي انزل الداء أنزل الدواء " ، يستشعر القرب من الله ويعرف قيمة التوكل الصحيح عليه ، وينحسر في دور الطبيب إلى مكانه الحقيقي ، ويستيقن أن الله هو الملجأ والملاذ .

كذلك أمر " الحياة والموت " ، فهما من أمر الله " الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " فالطب والطبيب ليسا شركاء الله في هذا الأمر إنما هما وسيلة من وسائل قدره ، دورهما هو القيام بالواجب الملقى عليهما من الله في محاولة للتخفيف من المرض وإصلاح شأن الحياة بكل ما أعطاها الله من قدرة حتى ينفذ قضاؤه بما يحب ، وبما هو الخير في كل حال .

ومن خلال هذه المفاهيم الصحيحة يستطيع الطبيب أن يقرب إلى مرضاه حقيقية التوحيد برد الأمور كلها إلى الله في حقيقتها ، ويوضع الإنسان بكل قدراته حتى ولو كان طبيبا عالما وضعه الصحيح الذي يتمثل فيه العجز والقصور البشريين ، وهي قمة في التعريف بوحدانية الله وبتوجيه القلب للتعلق بالله الفرد الصمد ، ذلك أن المريض عادة يتطلع في حدة مرضه وخطورته إلى طبيبه ، كما لو كان بيده " الشفاء " " والحياة "! ورده إلى الحقيقة الكبرى ، وهي وحدانية الله وتفرده بالفعل ، أمر ذو خطر عظيم في رد القلب في حالات العسر إلى الله وحده الفعال . وهذا مدخل من أعمق المداخل للوصول بالإنسان إلى حقيقة الإسلام ، بل إلى حقائقه وكبراها وهي التوحيد ثم ربط قلبه بالله الذي بيده ملكوت كل شيء أمر آخر يجب أن يقوم الطبيب بتعليمه لمرضاه ونشره بينهم ، وذلك بكل الوسائل المتاحة له ، هو البرنامج الذي جاء به القرآن وفصلته سنة الرسول الكريم هذا البرنامج المؤدي إلى صحة الجسم والعقل والقلب جميعا ، فيتيح لمرضاه ثقافة صحية متميزة تؤدي إلى خير الدنيا والآخرة … خير الدنيا : عن طريق المساهمة الفعالة في الوقاية من المرض ومن ثم إنشاء عالم صحيح بدنا ونفسا وعقلا ، وخير الآخرة بالوصول للمريض إن كان مسلما إلى الاعتزاز بدينه والاستياق من حقيقة تفوقه على كل ما عداه من برامج الأرض . أو بتعريفه بالإسلام إذا كان مريضه بعيدا عنه بعدا كاملا أو جزئيا …

وقد ذكرنا بعض النماذج القليلة الواردة في هذا البرنامج وهناك الكثير غيرها مما يحتاج إحصاؤه إلى بحث مستقل وإن كنت أذكر هنا جزئية من اصغر جزئياته أستشهد بها على دقة هذا الدين وشموله اللذين لا مثيل لهما !فلنأخذ مثلا " أمر السلوك وتوصية رسول الله r به : لقد أثبتت التجربة أن مستعمل السواك يظل حياته كلها سليم الأسنان وكم وراء سلامة الأسنان من سلامات في الجسد ، وكم وراء تلف الأسنان من أمراض يمكن أن تكون متلفة للبدن ؟

وهكذا يقوم الطبيب ، من خلال ثقافته الإسلامية الواسعة بنشر الوعي المقرب من الإسلام وربط قلب المريض وعقله بحقائق مجهولة اليوم في هذا الدين الحق وهو يقوم بدوره الطبيعي كطبيب ، معالجا لمرضاه وموجها لهم " الصحة " في الحياة الدنيا .

المجالات التي يمكن للطبيب أن يقوم بدوره من خلالها.

يأتي الآن دور الحديث عن المجالات المختلفة والهيئات والمؤسسات التي يمكن أن يقوم بدوره من خلالها ..

وأول هذه المجالات بالطبع هو أقربها إلى الطبيب وألصقها به ، العيادة الخاصة ، والمستشفى الخاص والعام ثم المستوصفات ، وهي الأماكن التي تكاد تستوعب الأكثرية الغالبية من الأطباء ، وكذلك من المرضى ، وفي هذه المجالات يكون الاحتكاك المباشر بين الطبيب ومرضاه هو وسيلة إلى هدفه الأول . ألا وهو الأخذ بيد مرضاه إلى صحة القلب والعقيدة وصحة الجسد المادي .
ويأتي في المكان الثاني في الفاعلية مشاركة الطبيب في أجهزة وهيئات الصحة الوقائية والعلاجية على اختلاف مستوياتها وأماكنها ، دولية كانت أم وطنية أم إقليمية ، حيث يستطيع أن يساهم بما عنده من العلم بما يجعل ذلك من تعريف بهذا الدين المنبع لهذا العلم الذي يتسم بالشمولية والعمق .

ثم محاولة إنشاء هيئات متخصصة على مستوى البلاد الإسلامية ن واختيار أطباء مسلمين تتوفر فيهم تلك الشروط التي ذكرناها آنفا ، وبذلك تتكون نواة صالحة لإنشاء مؤسسة طبية إسلامية موحدة تأخذ على عاتقها أمورا كثيرة وخطيرة ، وأولها تجميع الطاقات الإسلامية المتفوقة في مجالات الطب المختلفة لإنشاء " علم طب إسلامي " يفرض وجوده عالميا بجانب التفوق الغربي في هذا المجال هذه الأجهزة المنبثقة من منطلق موحد والهادفة إلى هدف موحد تحمل في طياتها أسباب نجاحها إن شاء الله ما أخلصت لله أعمالها . وهي بذلك تسد ثغرة هائلة في مجالات الاحتياجات الطبية في العالم الإسلامي وما أكثرها … فهي تستطيع مثلا اختيار الأطباء الصالحين للمشاركة في العمل الإسعافي أثناء الكوارث والنكبات العالمية والمحلية . فلا يترك هذا المجال كاملا إلى أطباء الغربيين كما هو سائد الآن ، والحال في افغانستان خير شاهد على ما أقول : والبلاد الإسلامية ، كما هو واضح على خريطة العالم ، هي أكثر البلاد اصطلاء بهذه الكوارث سواء كانت طبيعية أو ناتجة عن الحروب .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:30 PM
واجبات الطبيب المسلم وحقوقه

للدكتور محمد الأحمدي أبو النور
وزير الأوقاف المصرى السابق

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:31 PM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

فكم أشكر لسعادة السيد الدكتور عبد الرحمن العوضي رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت وسعادة السيد شاه محمد باشا خورو وزير الصحة الباكستاني دعوتهما الكريمة لي إلى هذا المؤتمر.

وبكل الاعتزاز والامتنان كانت تلبيتي لهذه الدعوة الحميمة التي تهادت تعبرالترابط الوثيق بين-حملة الإسلام ودعاته، بين هيآته ومؤسساته، بين أبنائه وعلمائه.

ثم كنا معا في هذا المؤتمر الرابع الذي يمثل مع سوابقه من المؤتمرات نبض الإسلام العالي، لصون تراثه التالد ، كما يجسد تصميمكم عام مواجهة التحدي المعاصر بإثبات قدرة الإسلام على الإسهام في خير البشرية بتراثه الحضاري الماجد، وميراثه الإنساني العريق .

ثم كان هذا الموضوع :

واجبات الطبيب المسلم وحقوقه:
وجاء مكملا لما أثير من موضوعات علمية وتجريبية واجتماعية ثم جاء محاولا أن ينوه بالقاعدة الإيمانية وبالسياج الأخلاقي وبالتقويم الديني لعمل الطبيب وسلوكه حتى يتبين الخط الفاصل بين ما عليه من واجب، وماله من حق، وليتضح أثر البعد الديني في حياة الطبيب بصفة خاصة، وفي حياة من يتعامل معهم الطبيب بصفة عامة.

واجبات الطبيب المسلم:

واجهه هذا الموضوع كما نرى بشعبتي البحث، فثمة واجبات على الطبيب المسلم من جهة كونه مسلما، وأخرى من حيث كونه طبيبا .

ولنبدأ بالشعبة الأولى .
واجبات الطبيب المسلم من حيث كونه مسلما:
تتلخص هذه الواجبات أو أهمها فيما يلي :

ا- تعميق الوعي بأن الله تعالى هو المؤثر الحقيقي في هذا الوجود: فهو وحده- الخلاق العليم، وهو- وحده- الرزاق ذو القوة المتين، وهو الولي الحميد، وهو الناصر والمعين. ثم هو- وحده- واهب النجاح للطالب والرواج للتاجر، والنتاج للصانع، والحصاد للزارع، والشاء للمريض.

2- التوسل إلى هذا الوعي الإيماني بقراءة كتاب الله المسطور ، القرآن الكريم، وكتابه المنظور: الكون، واستجلاء ما فيهما من آيات تزيد صلة المرء بربه، وتنمي معرفته بنعمه، وتسمو بوجدانه عن جوانب الماديات من حوله، وتخلق منه نمطا إنسانيا فريدا ، قلبه مع الله يقود خطاه في هذه الحياة، ليستشعر أنه يقرض الله حين يعطي السائل، ولقدم لنفسه حين ينفس عن مكروب ، ويعود الله حلت يعي مريضا، ويشكره سبحانه حين يحسن كما أحسن الله إليه،
وحين ينفق كما أنفق الله عليه.

3- تعميق الوعي بقيمة النفس البشرية، ومراعاة ما لها من حرمة تستوجب الحرص على تنميتها وصونها، وإزالة المعوقات من طريقها.

4- تعميق الوعي بضرورة التزام منهج الإحسان أعني التقوى والمراقبة كقاعدة وسياج للفكر والعزم والقول والسلوك .

من النصوص التي تعمق هذا الاعتقاد:

قال تعالى: ( قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت
أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ) . الأ نعام/ 12.

ولعل سائلا يبادر: وما علاقة هذا بما نحن فيه ؟

إننا نبحث عن الآن عن واجبات الطبيب المسلم التي تقوم بها شخصيته، ويتحدد بها سلوكه، ومن هذه المقومات : الفكر والمعتقد، وليس لذلك من نهج أقوم من كتاب الله وسنة رسوله فمن أراد أن يكون إيمانا، وينمي يقينا، ويزكي نفسا، ويقوم شخصية ، فهذا هو السبيل.

هذا النموذج القرآني :

أريد أن ألفت النظر- سريعا- إلى نموذج من القرآن الكريم يعطينا صورة شائقة لسنة القرآن في التأثير القلبي والعقلي معا حين ، نريد أن نكون معتقدا، أو نقوم سلوكا في الفرد المسلم بصفة عامة وفي الطبيب المسلم بصفة خاصة .

تلك آيات الكتاب العزيز ، أن سورة الأنعام وهي إحدى السور المكية التي نزلت دفعة واحدة على نبينا r في إحدى الليالي التي كان عليه السلام يعاني فيها ما يعاني من صلف المشركين وعنادهم، وعتوهم واستكبارهم سيما في الحوار والمجادلة. تستهدف تعميق عقيدة التوحيد حيث كان المجتمع يحاول بالشرك، ويطاول بالوثنية، في الوقت الذي يطأطيء فيه للمادة، ويخلد فيه إلى أرض الهوى والشهوة .

وتتنزل سورة الأنعام.
تتنزل هذه السورة الكريمة مستهدفة أمرين:
الأول: إيتاء النبي r الحكمة وفصل الخطاب بالأدلة الدامغة، والآيات المفحمة بم تثبيتا لفؤاده، وإعلاء لحقه، ودحضا لباطل عدوه.

والأمر الثاني: تربية العقيدة الإيمانية كأساس للصلة بالخالق من جهة، والتعامل مع الخلق من جهة أخرى. ولنجتزيء - معا- بهذه الآيات:
( قل لمن ما في السماوات والأرض ) ؟

قل يا محمد ويا كل من يتأتى منه الخطاب : لمن ما في السماوات والأرض ولا تنتظر من أحد جوابا.. فلا جواب إلا هذا.. قل لله.. وستتساءل: سلمنا أن كل من ما في السماوات والأرض لله فهل يتفق مع قضية الألوهية أن يعطي الكافر عطاء ممن كفر به، أو أن يعطي الفاسق رزقا بمن فسق عن أمره؟

لقد كان المتبادر كذب كل ملك وكل رئيس أن العطاء لمن أطاع واستقام فأما أن نرى العطاء كذلك لمن يحادون الله ويشاقون رسوله فهذا ما لا نسيغ له فهما، فهل إلى مقنع من سبيل؟

ويوافي الرد في الآية: كتب ربكم على نفسه الرحمة فما دام الله تعالى قد كتب على نفسه الرحمة، وكتب أنها تسبق غضبه، هي إذا ليست رحمة الجزاء ولكنها رحمة العطاء.

إن رحمة العطاء تسع كل شيء، وقد قال تعالى ( ورحمتي وسعت كل شيء ) ثم إن رحمة العطاء تسبق أو تغلب رحمة الجزاء.

وفي كتاب التوحيد من صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي r قال:
لما خلق الله الخلق كتب في كتابه، وهو يكتب على نفسه، وهو وضع عنده على العرش. (إن رحمتي تغلب غضبي) وفي رواية (إن رحمتي سبقت غضبي) ثم إنه سبحانه (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم وهو الممتحنة/22.

والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة التي تسع العطاء لكل من يمشي في مناكبها ليأكل من رزقه بعلمه وعمله وسعيه برا كان أو فاجرا، مؤمنا كان أو كافرا هذا في الدنيا.

وأما الرحيم فهو ذو الرحمة الدائمة في الآخرة مع الدنيا لمن آمن وعمل صالحا، ولمن نجح في الاختبار الإلهي، فقد خلق الله الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور.

( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) .

والعطاء الخليق بأن نسعى له هو العطاء الموصول ما بين الدنيا والآخرة.

وإذا فمن أراد مقنعا فليعلم أن هذه هي السنة الإلهية، وأن هذه السنة تشير بأنه لا معدي عن يوم تجازي فيه كل نفس بما اختارت في هذه الحياة فهذا التفاوت في المعتقد وفي العمل والكون كله لله قاض بأن يوم القيامة لا ريب فيه وأن الربح الحقيقي يؤمئذ للإيمان والعمل الصالح وأما الكافرون فهم الخاسرون وأن الكفر هو الخسارة الحقيقية فلا تعجب فهذا هو القانون.

ومن هنا تعقب الآية الكريمة بقوله تعالى :
( ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون .
وتمضي الآيات في تكوين شخصية المسلم؟ إذ تمضي في تكوين شخصية أول مسلم.
إن لله ما في السماوات وما في الأرض ، ومن في السماوات ومن في الأرض.. نعم فهذا هو المجال المكاني للكون.. فماذا عن المجال الزماني؟

إنه سبحانه وحده صاحب التدبير والتقدير والإحكام والإتقان في المجال الزماني كذلك، فما من حركة أو سكون وما من متحرك. أو ساكن إلا وهو بيده ولهذا جاء قوله تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم ) عقب الآية السابقة؟ ليفيد شمول قدرته سبحانه وإحاطة علمه وتدبيره وحكمته للمجال الزماني بعد إحاطة ملكه وحكمه للمجال المكاني ؟.

وبذلك أخذ التصور الإسلامي صدقه وعمقه ليهىء قلب المرء وعقله للنتائج المستفادة من هذه المرحلة الفكرية والوجدانية كما تشير إليه الآيات التالية عقب ذلك على النحو التالي:

ا- مادام هو سبحانه مالك الملك، ومدبر الكون، وقيوم السماوات والأرض والحركة والسكون والليل والنهار، والزمان والمكان فمن عيره يتولى أمر الإنسان عناية ورعاية، وتربية وتنمية، وتدبيرا وتيسيرا، وأمنا وعونا، وهداية وتوفيقا (قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ). الأنعام/ 14

2- إن ولاية الله للمرء لا يريد الله منها مقابلا يعود عليه منها ؛ كيف وهو الغني له ما في السماوات وما في الأرض.

إنه سبحانه لا تنفعه طاعة طائع كما لا تضره معصية عاص ( وهو يطعم ولا يطعم ) ويشفي ولا يشفى، ويعين ولا يعان، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكه سبحانه شيئا .

3- إنه سبحانه المالك والمدبر والمعين ثم إنه وحده الذي يتولى أمرنا دون أي عائد نفعي يعود عليه فمن نعبد؟ وإلى من نتجه؟ وبمن نستعين؟ ولمن نسلم ذواتنا وطاقاتنا واختياراتنا؟

إنه لا مجال للتردد أن المجال مجال التسابق وهذا هو مسك ختام هذه الرحلة مع الله ومع الكون ( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ) الأنعام/ 14.

وذلك هو طريق النجاة والفوز:
( من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ) الأنعام/ 16.
ذاك. نموذج من تربية القرآن للمسلم ذكرناه هنا لأننا بصدد الواجبات الاعتيادية والسلوكية للطبيب المسلم.

إذ من، واجب كل مسلم أن يعرف عن عمق وعن شمول ما استطاع إلى ذلك سبيلا عن الله وتدبيره لخلقه ما يحدد علاقته بالله ، وما يحدد دوره وعلاقته في هذه الحياة .

وفي هذا الإطار فمن واجب الطبيب المسلم من حيث هو مسلم أن يدرك القاعدة العامة، فيما يتعلق بدور كل إنسان بالنسبة لأهدافه وغاياته. أن عليه أن يسعى بمقتضى نحو قوله تعالى: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) الملك/22. قوله سبحانه. ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) الأنفال/ 60.

ثم ماذا ؟ ثم إن الغاية وتحقيق الهدف ليس مما يكلف به المرء، لأنه ليس في مقدوره، ولنقرأ نحو قوله تعالى : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ).

و قوله : ( وما النصر إلا من عند الله ) .

وقوله سبحانه : ( أفرأيتم ما تحرثون أ أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون ) الواقعة/63، 64 ، 65 .( أفرأيتم الماء الذي تشربون أ أنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ) الواقعة/ 68، 69 . ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله) ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) الكيف/ 23/ 24.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:31 PM
الإنسان ودوره بين الأسباب والمسببات:
إذا ما الإنسان وما دوره؟

إن الإنسان هو هبة الله في هدا الكون، وهو أفضل الكائنات، وهو المتميز بالعقل وبالقدرة على الاختيار والإبداع وهو المستأهل للإفادة مما سخر الله في البر والبحر والجو، وهو المستخلف لعمارة الأرض وإدارتها بالحق والعدل.

ومع ذلك، مما هي قدراته وما هو دوره؟

إن قدراته: محدودة ومع أنها هبة من الله الموجد لكل ما في السماوات والأرض ، فهي عندما تندفع لتحقيق غاياتها لا تمضي في سبيل إلا بتيسير الله وإقداره ، ولا تصل إلا بعونه واختياره.

لقد خلق الله الإنسان فقدره، ثم السبيل يسره.

وإذا فهذه حقيقة ينبغي أن يعيها الإنسان عموما، والطبيب بصفة خاصة.

وعي هذه الحقيقة:
إن وعي هذه الحقيقة سوف يدفع الطبيب إلى ما يلي .

ا- إدراك دوره هو فيما يتعلق بعلاج المريض وشفائه وكيف أنه دور ضئيل يكاد ينحصر فيما عدا التيسير والتهيئة ومشيئة الشفاء وإنجازه بالفعل .

وما يقوم بعه الطبيب كالذي يقوم به الزارع والمربي !
إن هذا الذي يقوم به الطبيب يتمثل في امتثال أمر الله : أن يؤدي رسالته في هذه الحياة، ويعبده بهذا الأداء .

ولعل أروع تمثل لهذا المعنى هو قول النبي r. " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".

إننا نعمل ونتعلم ليكون عملنا على أساس علمي وإن أعمالنا على تنوعها ما هي إلا مظهر من مظاهر عبادتنا لله إن أعمالنا عبادة لله حيث تنطلق من قاعدة الإيمان والالتزام بأمر الله ثم حيث تتحرك في إطار المراقبة لله. ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) التوبة/ 105 ثم حيث تحقق الغاية المثلى من خلق الغاية المثلى من خلق والإنس والجن ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) .

ثم حيث يتوقف التطوير والبناء وإثراء حضارة الإنسان على تنوع مجالات العمل ، واختلاف التخصصات العلمية والمهنية، كما يشير إلى ذلك نحو قوله تعالى.
( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) الزخرف/ 32

أي ليكون بعضهم بعلمه وعمله ومهنته وحرفته في خدمة بعض .
وأحسب أن من أهم غايات الصلاة والصيام والحج وباقي العبادات إذكاء روح العبودية والالتزام والمراقبة التي تصل بالمرء إلى مقام الإحسان .

حتى إذا ما خلا المرء إلى مصنعه أو إلى لمزرعته أو إلى مرضاه، كان امتدادا بعبوديته وتقواه، وكان متحركا في عمله بإيمانه وقيمه، لا يساوره شك في أن ما يؤتاه إنما هو فيض الله وفضله، كل قال تعالى: ( وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ) المزمل/ 20.
والعمل- بهذا- عبادة ، والعبادة عمل.
وحين نصل إلى أن تكون حياتنا كلها بهذا الأفق الرحيب عبودية وعبادة فقد وصلنا إلى لمستوى التوازن بل إلى مستوى التساوق في موقفنا بين يدي الله، وفي مناشطنا في هذه الحياة.

ولهذا آثاره وثمراته التي لا تخفى في الدنيا والآخرة.

وعودا على بدء :
فحين يدرك الطبيب المسلم دوره في هذا الإطار فسوف يدفعه ذلك أو سوف يسلمنا ذلك إلى واجبات المسلم كطبيب وحسبنا أن نشير منها إلى ما يلي .

ا- استشعار أنه وهو يمارس عمله في عبودية لله وطاعة له، وهذا الاستشعار عن قرب يثمر أمورا.

الأول: أن تتم هذه الممارسة على أحسن ما يكون فهي تتم في إطار مقام الإحسان حيث يتعامل المرء مع الله قبل أن يتعامل مع المريض .

2- بذل أقصى الجهد ، واستفراغ الوسع في تشخيص المرض، وعلاجه بكل الأمانة والدقة.
3- أن يعلم أنه مادام في عبادة فعلية مع المراقبة لله أن يبتغي بما يبذله وبما يعمله وجه الله.
4- أن يدرك أنه بذلك مثاب توابا غير منظور آنيا وقد يرى أثر ذلك في الدنيا وقد صد له بالآخرة.

وقد حدث الرسول r إن الساعي عام الأرملة والمسكين وابن السبيل كالصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر.

5- أن يتواضع لله عز وجل عرفانا بفضله، فهذا دوره وأن لا يكون كمن قال إنما أوتيته على علم عندي .
6- أن يدفعه هذا التواضع إلى عدم المغالاة مع المريض سيما من كان غير قادر ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) .
7- أن يشكر الله على أن جعله يد العناية الإلهية، ومجرى الرحمة الربانية، الذي يمس بما وظف له أعز ما يملك المرء. العقل والنفس والروح والحياة .
8- أن يدرك أنه المصدف فيما فيه المريض به من تلخيص ، وفيما ينصح به من علاج وهذا يحتم عليه التزام الصدق فأكذب الكذب أن تحدث غيرك بحديث يعتقده صادقا بينما هو غير صادق .
9- حين يسلم الناس أنفسهم إليه- بما عاهد الله عليه. فليتذكر إحاطة الله به، وقدرته عليه فلا يأت منكرا، وليذكر ما كتب الله على بني آدم عموما وبني إسرائيل خاصة ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) المائدة/ 32.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:32 PM
العلاقة بين العلاج وبين التوكل على الله :
لقد عرفنا دور الطبيب، وكيف ينبغي أن يستثمره الطبيب سلوكيا مع الله ومع مرضاه .
ونضيف الآن أن هذا الدور يمثل الأخذ بالأسباب.. وهذا قصارى ما على المرء..

وعليه بعد هذا ما يلي .
ا- أن يدرك أن هذا التشخيص وأن هذا العلاج سبب أمر الله باتخاذه توسلا للشفاء بيد أنه ليس وسيلة للوفاء بذاته، بل بإرادة عليا هي إرادة الله عز وجل.
2- أن على الطبيب حين يتوسل بهذا العلاج إلى الشفاء أن يترجم عن هذا التوسل بالضراعة إلى الله أن يجري الشفاء على يديه فهو وحده الشافي ولا شفاء إلا شفاؤه.
3- إن هذا الدعاء لا يعني أن يتوانى الطبيب في اتخاذ أقصى ما يستطيع من وسائل تشخيصية وعلاجية فهذا تواكل منهي عنه .
4- لقد قال r اعقلها وتوكل...

وتطبيقا لهذا المبدأ فعلى المرء حين يتخذ ما يستطيع من وسائل أن لا يعتمد عليها وحدها فهي وسائل عادية قد توصل وقد لا توصل، وإنما المعتمد على الله الذي يشاء أن توصل، وقد لا يشاء، وقد يشاء أن ينقلب الدواء داء والأمثلة من الواقع كثيرة .

والقادر على جعل النار محرقة هو الذي جعلها بردا وسلاما على إبراهيم .

بين العمل والاستعانة بالله عز وجل:
وحين يدرك الطبيب أنه في عمله في عبادة وأنه مكلف أن يتخذ الأسباب وأن يضرع إلى رب الأرباب لتصل هذه الأسباب إلى غايتها فهو متوكل على الله حتما وهو يعبر بهذا أو بنحو هذا عن معنى قوله تعالى ( إياك نعبد وإياك نستعين ) .

حديث جابر في هذا:
وإلى هذا يشير ما رواه مسلم في صحيحه من الحديث المشهور عن جابر: " لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى " وعلماؤنا القدامى كانوا يقولون تعليقا على هذا الحديث .
حديث جابر يفيد أن الشفاء متوقف على الإصابة- أي للعلاج- بإذن الله فالدواء قد يحدث معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكلية فلا ينجع ، وربما أحدث داء آخر...
تم كانوا يقولون تعليقا على الأحاديث الواردة في ذلك. وفيها كليا إثبات الأسباب وإن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وتقديره.
وأنها لا تنجع بذاتها بل بما قدره الله تعالى فيها وأن الدواء قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك. فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته. تلك واجبات الطبيب نحو ذاته..
أما واجباته نحو مريضه فحسبنا أن نشير منها إلى ما يلي :

1- أن لا يداويه بحرام، والنصوص في هذا مشهورة لا حاجة بنا إلى ذكرها لكن نحب ان ننبه إلى أمرين:
الأول: أن تحريم العلاج بالمحرم يستحث الطبيب على أن لا يكتفي بما تداوله علماء الطب، ولا بما تعارفوه فيما بينهم؟ فهذا التحريم يقتضيه أن يبحث مع غيره من أطباء المسلمين عن الأدوية الخالية من المحرم، وعند إشارته r إلى أن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له شفاء قال. علمه من علمه وجهله من جهله، وليس الجهل حجة على العلم وإنما الجهل بالشي، مع الاستيقان بوجوده أمر يدفعنا إلى البحث حتى نعلم فتحريم العلاج بالمحرم يستحث الطبيب على البحث عن العلاج المباح ولا يقعد به عنه.
ونحسب أن هذا نوع من التواصي بالحق والتواصي بالصبر...

الثاني. أن الطبيب إذا استفرغ طاقته لا البحث مع غيره حتى أعياهم البحث آنيا وبين أيديهم مريض توقف علاجه على دواء به محرم فلا بأس بوصفه والاكتفاء منه بقدر الضرورة فالضرورة تقدر بقدرها وكلنا يعرف أن الضرورات تبيح المحظورات .

لكن على ألا يقعد بنا هذا عن استئناف البحث عن الدواء المباح لهذا الداء أو ذاك.
ومن واجب الطبيب نحو مريضه:
تعهده ومتابعته وعيادته على أن ذلك عبادة لا مجرد عمل مهني.
إن عيادة المريض دون علاج عبادة تفضي إلى الجنة فكيف اذا أضيف إليها العلاج ؟
وقد روى مسلم في كتاب البر والصلة والآداب: باب فضل عيادة المريض 4/ 1989أن حديث ثوبان: عائد المريض في مخرفة الجنة حتى يرجع.

المخرفة: سكة بين صفين من نخل يخترف من أيهما شاء أي يجتني وقيل هي الطريق أي أنه على طريق تؤديه إلى طريق الجنة .

خرفة الجنة : الخرفة اسم ما يخترف من النخل حتى يدرك وقيل هي الثمرة إذا نضجت وعند البخاري في الأدب المفرد، قلت لابن قلابة ما خرفة الجنة؟ قال: جناها.
وروى مسلم عن قربان. " من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة قيل يا رسول الله
وما خرفة الجنة؟ قال: جناها".

عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله r:
أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني .

عن البراء بن عازب
أمرنا رسول الله r " أن نتبع الجنائز، ونعود المريض، ونفشي السلام "
قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب بمعنى الكفاية كإطعام الجائع، وفك الأسير.
ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل والألفة
وجزم الداودي بالأول فقال: هي فرض يحمله بعض الناس عن بعض
وقال الجمهور هي في الأصل ندب
وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض وعن الطبري تتأكد في حاله من ترجى بركته وتسن فيمن يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك .

ابن حجر: ويلتحق بعيادة المريض تعهده وتفقد أحواله والتلطف به وربما كان ذلك في العادة سببا لوجود نشاطه وانتعاش قوته.
ومن واجبات الطبيب نحو مريضه بذل النصيحة له
وهذا أمر يتميز به الطبيب المسلم عن غيره ففي أوربا الحديثة ينهون الطبيب عن أن ينصح مريضه بالإقلاع عن أسباب مرضه كما نبه على الأطباء هناك أن يقتصروا مع مرضى الايدز على العلاج وحده؟ كمهمة محددة طعم لا يتعدونها إلى غيرها من النصيحة أو الوعظ .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:32 PM
الطبيب المسلم حريص على صالح مريضه:

وبدافع هذا الحرص فإن الطبيب حين يأخذ في علاج المدمن ، أو المبتلي بمرض وبائي يضيف إلى علاجه المادي ما يمكن أن يستثمر مع المريض نفسيا وروحيا ، في عدم الإقدام على أسباب المرض مرة أخرى .

ولا بأس أن يبين لمريضه كيف أن طاقته أمانة، وكيف أن فكره وماله أمانة وأنه مسئول عن عمره فيم يفنيه ، وعن شبابه فيم يبليه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن أسرته كيف فرط في حقها، وعن مجتمعه ماذا عمل من أجله؟

ومن نصح الطبيب لمريضه:
أن يحدد له قائمة طعام لا يتعداها
ذلك أن الطبيب أدرى من المريض بما يلائمه من أطعمة وأشربه.
وقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه بأسانيدهم من حديث أم قيس الأنصارية قالت: دخل علي رسول الله r ومعه علي ، وعلى ناقه، ولنا دوالي معلقة، فقام رسول الله r يأكل منها، وقام علي ليأكل؟ فطفق رسول القه r يتول لعلي: مه إنك ناقه؟ حتى كف علي .

قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به، فقال رسول الله r يا علي أصب من هذا فإنه أنفع لك.
ومن نصح الطبيب لمريضه أن يحدثه بآثار البلاء وثمراته:

ا- ومن ذلك أن البلاء يكفر الخطايا:
وفي ذلك يروي مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله r قال: " لا تصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا حط الله بها من خطيئته " ومن حديث عائشة- رضي الله عنها- كذلك؟

" ما من مصيبة يصاب بها المسلم إلا كفر بها عنه حتى الشوكة يشاكها ".

2- ومن ذلك أن البلاء قد تكتب به حسنة، أو تزال به سيئة
وفي ذلك يروي مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله r قال. " ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة أو حط عنه بها خطيئة ".

3- ومن ذلك رفع الدرجة:
وفي ذاك يروي مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله r قال: " ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة "

4- ومن ذلك أن الأجر في ذلك يكون على قدر البلاء.
فقد روى البخاري في كتاب المرضي: باب شدة المرضى (10/ 110):
من حديث ، عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال.
" أتيت النبي r في مرضه وهو يوعك وعكا شديدا، وقلت إنك لتوعك وعكا شديدا، قلت: إن ذاك بأن لك أجرين؟! قال: أجل! ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه كما تحات ورق الشجر "
حات- حاتت=- فتت وأذهب خطاياه.

تساؤل لابد من إيراده
هل البلاء كفارة للذنوب سواء اقترن به الرضا أم لم يقترن؟
وماذا لون يكن للمرء ذنوب، ثم ماذا عن الكفارة حينئذ؟
ولقد أجاب القرافي عن الأول بقوله:
إن المصائب كفارات جزما، سواء اقترن بها الرضا أم لا
لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل..

وروى ابر حجر فقال: كذا قال، والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها وبالرضا يؤجر على ذلك.

وعن الثاني أجاب ابن حجر:
فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه.

ومن واجب الطبيب نحو مريضه.
أن ينهاه عن الضيق بالألم، والخروج عن الحكمة:
مسلم 19931/4 من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله r دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال ما بك يا أم السائب أو يا أم المسيب تزفزفين ( تتحركين حركة شديدة أي ترعدين) ؟ قالت: الحمى لا بارك الله فيها فقال: لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد ".

وأن ينهاه عن اليأس في الشفاء وتمني الموت
في المرضي: باب تمني المريض الموت 127/10
روى أنس : " لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لابد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفي ما كانت الوفاة خيرا لي ".

وروى أر هريرة: " لن يدخل أحدا عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة فسددوا وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب ".

يستعتب أي برجع عن موجب العتب عليه.
وأن يرشد إلى العلاج الروحي والنفسي مع ما يأخذ به من أسباب مادية:

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:32 PM
العلاج الروحي
في كتب الطب. باب رقية النبي r (206/10)

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي r كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس اذهب الباس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقها.

عن العزيز بن صهيب قال. دخلت أنا وثابت البناني على أنس بن مالك، فقال ثابت يا أبا حمزة (كنية أنس)

اشتكيت وفي رواية إني اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله r؟ قال. بلى قال. اللهم رب الناس ، مذهب البأس اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما.

يمسح بيده اليمنى على الوجع قال الطبري. هو على طريق التفاؤل لزوال ذلك الوجع.
عائشة: كان يقول للمريض بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا.

قال التوربشتي: كان المراد بالتربة الإشارة إلى فطرة آدم. والريقة الإشارة إلى النطفة، كأنه تضرع بلسان الحالة. إنك اخترعت الأصل الأول من التراب ثم أبدعته منه من ماء مهين فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته.

ومن وجب الطبيب نحو مريضه:
أن يجيب عنه بما يشعر برضى المريض عن الله في بلائه. إن الطبيب أدرى من غيره بحال المريض.

وإنه قبلة أقارب المريض والمحيطين به في السؤال عنه.
فينبغي أن يكون من الدقة بحيث لا يهول المرض ولا يهون منه، ولكن يحدث عن المريض بما يشعر أنه بريء من الضيق بالمرض ، دائم الصلة بربه ، والأمل في رحمته.

وقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما:
أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله r في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن! كيف، أصبح رسول الله r؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا "

يقصد أصبح رسول الله مفيقا ، وبارئا من الضيق والضجر، حامدا لله شاكرا لأنعمه يحب لقاء الله، ويحب الله لقاءه.

قال ابن حجر: ينبغي لكل من يسأل عن المريض أن يجيب بما يشعر برضى المريض بما هو فيه عن الله تعالى، وأنه مستمر على حمده وشكره لم يغيره عن ذلك شدة ولا مشقة، وبما يؤذن بخفة مرضه أو بخفة عافيته.

ومن واجبات الطبيب نحو مريضه:

أن يذكره عن الموت بما يبشره بمكانته عند الله.
وقد روى البخاري في فضائل الصحابة. مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
عن المسور بن مخرمة قال:

لما طعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس- وكأنه يجزعه- يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله r فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر، فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحب صحابتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون .

قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله r ورضاه فإنما ذلك من من الله تعالى من به علي .

وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذلك من الله الذي ذكره من به علي .
وأما ما تري من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن: أراه .

يجزعه : ينسب إلى الجزع ويلويه عليه، أو يزيل عنه الجزع ـ فزع عن قلوبهم: أزيل عن قلوبهم الفزع .

ومنه مرضه : إذا عاق معه إزالة المرض ولئن كان ذاك . وفي رواية ولا كل ذلك أي لا تبالغ في الجزع مما أنت فيه- وفي رواية ولا كان ذلك- أي لا يكون ما تخافه. أو لا يكون الموت بتلك الطعنة.

من= عطاء ومنة

من أجلك ومن أجل أصحابك- أي من جهة فكرته فيمن يستخلف عليهم أو من أجل فكرته في سيرته التي سارها فيهم وكأنه غلب عليه الخوف في تلك الحالة مع هضم نفسه وتواضعه لربه- أو من أجل توقعه لفتن تقع بعده في أصحابه.

طلاع الأرض ملؤها، وأصل الطلاع ما طلعت عليه الشمس والمراد هنا ما يطلع عليها ويشرف فوقها من المال.

قبل أن أراه : أي العذاب.
وماذا بعد أن يموت المريض ؟
لعل الطبيب في بعض الحالات التي يكون المريض فيها بعيدا عن أهله، ويكون الطبيب هو المشرف عليه، لعل الطبيب يكون أول من يعرف بموته حين يوافيه الأجل بعد استفراغ الوسع وبذل الجهد، فماذا على الطبيب حينئذ؟

إن السنة في هذا يبينها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت.

دخل رسول الله r على أبي سلمة ، وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال. إن الروح إذا قبض تبعه البصر. فضج ناس من أهله ، فقال . لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، تم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهذبين، وأخلفه في عقبه الغابرين ، واغفر لنا وله يا رب العالمين.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:33 PM
حقوق الطبيب، المسلم أو ماذا للطبيب بعد هذا ؟

أ- عند المريض: أن يقدر عطاء الطبيب بما يلائم علمه وعمله وجهده ومكانته، وبما يلائم قدرة المريض وطاقته، ولا يرى الإسلام بأسا أن يعطي المعالج عطاء يتساوق وقدرة المريض أكثرهن تساوقه لقدرة الطبيب، وفي حديث الرقية المشهور بصحيح البخاري أن المريض كافأ الراقي بثلاثين شاة وأن النبي r لم ير بأسا بذلك وقال:
إن حق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله.

2- وعند المجتمع: أن يكفل للطبيب الحياة الكريمة التي تتفق مع دوره ورسالته، وأن يعوضه مالا يستطيع المريض بذله ، وأن، يجمع له بين التقدير الأدبي والتقدير المادي بين الحين والحين.

3- وعند الله. الثواب والمحبة وناهيك بهما
إن الطب عمل إنساني يدفع إليه، دافع إيماني، وحين يمضي المرء مع إنسانيته ويخفف عن غير القادرين ما دام ذلك في مكنته، فذلك طريقه إلى محبة الله ورضوانه سيما إذا كان ذلك منه ابتغاء وجه الله ومثوبته، والخلق عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، وماذا إذا أحب الله طبيبا ؟

يروي الترمذي في ذلك بإسناد حسن صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه، قال فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قول الله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) مريم/ 96.

هذا عن المحبة. فماذا عن المثوبة؟

أما عن. عمل الطبيب إذا لم يقدر الفرد ولا المجتمع على جزائه وما هم بقادرين فإن الله وحده يتولى ثواب ما عجزوا عنه سيما إذا مضى في عمله على أنه- كما قلنا- صورة من العبودية لله ، ونوع من العبادة له.

وحسنا أن يعيش الطبيب العابد في عيادته، والمتبتل في عبادته في ضوء نحو قوله تعالى: ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) الكهف/ 30.

تسامح الطبيب في حقه المادي مع المريض يساوي إنفاقه بقدر ما تسامح فيه عليه
وإلى هذا النوع المتسامح المتسامي نأتي إلى نهاية حديثنا بمسك ختام الحديث بقوله r : إن الله تبارك وتعالى قال لي: أنفق أنفق عليك.

وقال رسول الله r " يمين الله ملأى، لا يغيضها شيء، سخاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه ".
ثم أما بعد

فهذا هو القطر الذي يمثل أول الغيث في الحديث عن واجبات الطبيب المسلم وحقوقه.
ولعلنا نزيد الحديث عن الواجب العلمي للطبيب سيما ما يتعلق بالمنهج الذي ينبغي أن يشق عباب البحث في الجانب الديني.

وأما فيما يتعلق بما له عند الناس بل بما له عند الله فحسبنا أننا فقط أشرنا إشارة.
أما عن حقه الحقيق به فلا يقدره إلا العليم به، أفترونني مبالغا إن قلت إن الطبيب المسلم في الإطار الإيماني الذي حدثنا به والذي رأينا كيف يمثل عمله عبادة من أجل العبادات أفترونني مبالغا إذا رأيت الطبيب الساهر بكل توجهه، والذي يتجافى جنبه بالليل ليعطي مريضه بلسما أو ليراقب حياة مشرف على الخطر.
أترونني مبالغا إن قلت أنه بهذا الإطار يدخل فيما يشير إليه الحديث الشريف:
أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).

لقد روى النبي r هذا عن ربه ثم قرأ هذه الآية ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) السجدة/16/17.

هذا وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:34 PM
ندوة رؤية إسلامية للمشاكل الاجتماعية لمرض الايدز

الإيدزـ طرق العدوي ـ طرق الوقاية ـ آثارة الاجتماعية المدمرة ـ حكم تعمد أحد الزوجين عدوي الآخر ـ طرق التعامل مع مريض الإيدز ـ هل يجوزعزله؟ هل يجوز إفشاء سره ؟ واجباته ـ حقوقه .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:35 PM
واتخذت الندوة التوصيات الاتية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.إن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لتحمد الله جلت قدرته على فضله ونعمته أن استأنفت نشاطها في مجالاتها المختلفة وأداء الرسالة الملقاة على عاتقها، والنهوض بما يستوجبه نظامها الأساسي وذلك إثر توقف قهري بسبب الاحتلال العراقي وما لحق مقر المنظمة من تخريب وتدمير وإتلاف على يد قوات الاحتلال العراقي الغادر.
وإن المنظمة ما كانت لتواصل مسيرتها لولا عون من الله ثم الدعم المستمر والتأييد المتصل الذي تلقاه من لّدن حضرة صاحب السمو أمير دولة الكويت وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء والحكومة الرشيدة بدولة الكويت ووزارة الصحة ممثلة بوزيرها والمسؤولين فيها.
وبحمد الله وحسن توفيقه بدأت المنظمة أولى خطواتها بعد تحرير دولة الكويت حيث تم انعقاد (الندوة الفقهية الطبية السابعة) وموضوعها: "رؤية إسلامية للمشاكل الاجتماعية لمرض الأيدز). بالتعاون مع وزارة الصحة بدولة الكويت- مجمع الفقه الإسلامي بجدة- والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالإسكندرية في الفترة من 23- 25 جمادى الآخرة 4 1 4 1 من الهجرة التي توافقها 6- 8 ديسمبر 1993 للميلاد، وذلك تحت رعاية حضرة صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت. وقد شارك في أعمال الندوة ما يربو على 130 شخصاً من الفقهاء والأطباء والعلماء الذين قدموا من أكثر من ثلاث وعشرين دولة.
عقد حفل الافتتاح بقاعة الاجتماعات الكبرى بمقر المنظمة بمركز المرزوق للطب الإسلامي شهده عدد كبير من المسؤولين في الدولة والسفراء وجمع غفير من المهتمين بالأمور الفقهية والشؤون الطبية، وقد استهل الحفل بتلاوة من القرآن الكريم أعقبها كلمة مندوب حضرة صاحب السمو أمير البلاد راعي الحفل والتي ألقاها سعادة وزير الصحة بدولة الكويت الدكتور عبد الوهاب سليمان الفوزان ثم كلمة للأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة ألقاها فضيلة الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة تلتها كلمة منظمة الصحة العالمية ألقاها الدكتور محمد هيثم الخياط ، وكان ختام الحفل كلمة رئيسا المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ألقاها سعادة الدكتور عبدالرحمن عبدالله العوضي.
وقد تشرف أعضاء مجلس أمناء المنظمة وعدد من المشاركين في الندوة بمقابلة حضرة صاحب السمو أمير البلاد ومقابلة سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، وقد ألقى عدد من المشاركين كلمات أمام حضرة صاحب السمو أشادوا بإنجازات المنظمة في السنوات السابقة وأشادوا بدعم سموه وسمو ولي العهد وتعاون وزارة الصحة في تعزيز أعمالها ثم استمعوا إلى توجيهات وإرشادات سمو الأمير وسمو ولي العهد.

ثم بعد ذلك واصلت الندوة أعمالها في فندق ميريديان، وكانت ذات شقين:

أولاً- الجوانب الطبية لمرض الأيدز من حيث أسبابه وطرق انتقاله وخطورته.

ثانياً- الجوانب الفقهية وتشتمل على:
1-حكم عزل مريض الأيدز
2-حكم تعمد نقل العدوى
3- حقوق الزوج المصاب وواجباته.

أحكم إجهاض الأم المصابة بعدوى الأيدز.
جواز حضانة الأم المصابة بالأيدز لوليدها السليم وإرضاعه.
حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى الأيدز.
حق المعاشرة الزوجية.
4- اعتبار مرض الأيدز مرض موت.

وعلى مدى ثلاثة أيام استغرقتها الندوة في الأبحاث والمناقشات انتهت في جلستها الختامية- التي عقدتها في مركز الطب الإسلامي إلى الآراء والتوصيات التالية:

أولاً- عزل المريض:
تؤكد المعلومات الطبية المتوافرة حالياً أن العدوى بفيروس العوز المناعي البشري (الأيدز) لا تحدث عن طريق المعايشة أو الملامسة أو التنفس أو الحشرات أو الاشتراك في الأكل أو الشرب أو المراحيض أو حمامات السباحة أو المقاعد أو أدوات الطعام أو غير ذلك من أوجه المعايشة في الحياة اليومية العادية، وإنما تنتقل العدوى بصورة رئيسية بإحدى الطرق التالية:
الاتصال الجنسي بأي شكل كان.
نقل الدم الملوث أو مشتقاته.
استعمال المحاقن الملوثة، ولا سيما بين متعاطي المخدرات.
الانتقال من الأم المصابة إلى طفلها.
بناء على ما تقدم فإن عزل المصابين من التلاميذ أو العاملين أو غيرهم عن زملائهم الأصحاء ليس له ما يسوغه.

ثانياً- تعمد نقل العدوى:
تعمد نقل العدوى بمرض الأيدز إلى السليم منه بأية صورة من صور التعمد عمل محرم ويعد من كبائر الذنوب والآثام، كما أنه يستوجب العقوبة الدنيوية وتتفاوت هذه العقوبة بقدر جسامة الفعل وأثره على الأفراد وتأثيره على المجتمع.
فإن كان قصد المتعمد إشاعة هذا المرض الخبيث في المجتمع فعمله هذا يعد نوعاً من الحرابة والإفساد في الأرض ويستوجب إحدى العقوبات المنصوص عليها في آية الحرابة. [ سورة المائدة، آية: 33].
وإن كان قصده هن تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه وكانت طريقة الإعداء تصيب به غالباً وانتقلت العدوى وأدت إلى قتل المنقول إليه يعاقب بالقتل قصاصاً.
وإن كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه وتمت العدوى ولم يمت المنقول إليه بعد، عوقب المتعمد بالعقوبة التعزيرية المناسبة وعند حدوث الوفاة يكون من حق الورثة الدية.
وأما إذا كان قصده هن تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه ولكن لم تنتقل إليه العدوى فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية.

ثالثاً- إجهاض الأم المصابة بعدوى الأيدز:
كانت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية قد عقدت ندوة حول الإنجاب فـي ضوء الإسلام، وتوصلت في موضوع حكم الإجهاض إلى مـا يلي:
- "إن الجنين حي من بداية الحمل، وإن حياته محترمة في كافة أدوارها، خاصة نفخ الروح، وأنه لا يجوز العدوان عليها بالإسقاط إلا للضرورة الطبية القصوى، وخالف بعض المشاركين فرأى جوازه قبل تمام الأربعين يوماً وخاصة عند وجود الأعذار". وترى الندوة أن هذا الحكم ينطبق على الأم الحامل المصابة بعدوى الأ يدز.

رابعاً- حضانة الأم المصابة بالأيدز لوليدها السليم وإرضاعه:

لما كانت المعطيات الطبية الحاضرة تدل على أنه ليس هناك خطر مؤكد من حضانة الأم المصابة بعدوى الأيدز لوليدها السليم، شأنها في ذلك شأن المخالطة والمعايشة العادية فترى الندوة أنه لا مانع شرعاً من أن تقوم الأم بحضانته.
لما كان احتمال عدوى الطفل السليم من أمه المصابة بعدوى الأيدز أثناء الرضاعة نادراً جداً ، وإن كان ذلك وارداً بسبب ما يحتويه لبن الأم من فيروس أو ما يتسرب إلى فم الرضيع من دم الأم بسبب تشقق الحلمة، فللأم أن ترضع طفلها لما في الإرضاع من المزايا العديدة، وعليها أن تتخذ من الوسائل ما يخفف احتمال عدوى رضيعها. ويجوز لها أن تمتنع من إرضاعه إذا أمكن أن توجد للرضيع مرضعة ترضعه، أو أن تتوافر له من بدائل لبن الأم تغذية كافية.
خامساً- حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى الأيدز:
ترى الندوة أن لكل من الزوجين طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى الأيدز باعتبار أن الأيدز مرض مغل! تنتقل عدواه بصورة رئيسية بالاتصال الجنسي.

سادساً- حق المعاشرة الزوجية:
إذا كان أحد الزوجين مصاباً بالأيدز، فإن لغير المصاب منهما أن يمتنع عن المعاشرة الجنسية، لما سبق ذكره من أن الاتصال الجنسي هو الطريق الرئيسي لنقل العدوى .
أما إذا رضي الزوج السليم بالمعاشرة الجنسية، فإن الاحتياط يستوجب استعمال العازل الذكري الذي يقلل من احتمالات العدوى والحمل إذا أحسن استعماله.

سابعاً- اعتبار مرض الأيدز مرض موت:
لا يعد الأيدز مرض موت شرعاً إلا إذا اكتملت أعراضه، وأقعد المريض عن ممارسة الحياة العادية، واتصل بالموت.

توصيات عامة

1- على الجهات الرسمية والشعبية العمل على توعية أفراد المجتمع بخطورة مرض الأيدز، وكيفية انتقال عدواه، وسبل الوقاية منه؟ ولا سيما التمسك بالعفة، والحث على الفضيلة.

2- ينبغي إدخاله التربية الإسلامية في المناهج المدرسية لجميع المستويات التعليمية، بحيث تتكامل مع المناهج الدراسية الأخرى في سبيل بثاء شخصية الفرد بما يحقق مصلحة الأفراد والمجتمع ويضمن الوقاية من هذا الوباء.

3- من أجل حماية الشباب من الانحراف الجنسي، ينبغي تشجيع الزواج المبكر، وإزالة العقبات التي تسبب تأخير سن الزواج.

4- من حق المصاب بعدوى الأيدز أن يحصل على العلاج والرعاية الصحية اللذين تتطلبهما حالته الصحية، مهما كانت طريقة إصابته بالعدوى. وعليه أن يعلم طبيبه بإصابته حرصاً عليه وعلى مراجعيه من احتمال انتقال العدوى إليهم. وعلى الطبيب أن يلتزم بعلاجه متخذاً من الاحتياطات ما يقي به نفسه وغيره. ويجب توعية المصاب بعدوى الأيدز بكيفية الحفاظ على حالته من مزيد من التدهور، وكف العدوى عن الآخرين. ولا يجوز أن يظلم أو يخذل أو يلمز بسبب مرضه.

5- تدعو الندوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية التي هي عصمة للأمة الإسلامية من مثل هذه الأمراض والآفات التي تفتك بالجماعات والأفراد.

6- لوسائل الإعلام دور هام في توعية الناس بمخاطر الأيدز وسبل الوقاية منه، ولا سيما في الحضّ على العفّة، كما أن عليها أن تتجنب عرض كل ما من شأنه إثارة الغرائز أو الإغراء بالرذيلة

7- على الجهات الرسمية توفير الكواشف الضرورية لتشخيص الإصابة بعدوى الأيدز على أوسع نطاق، لما للكشف المبكر من أثر فعّال في الوقاية من انتشار المرض.

8- تناشد الندوة جميع المتدينين والعقلاء في كل أنحاء العالم أن يضموا صفوفهم وجهودهم إلى المسلمين في دعوتهم إلى العفة ومحاربة جميع سبل الاتصال الجنسي خارج إطار الزواج الشرعي.

9- أناب المشاركون سعادة الدكتور عبدالرحمن عبدالله العوضي بإرسال برقيتي شكر لصاحب السمو أمير دولة الكويت الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح حفظه الله وسمو ولي عهده الأمين على دعم المنظمة واستقبال سموهما لمجلس الأمناء وبعض المشاركين في الندوة.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:36 PM
فقدان المناعة المكتسب:"AIDS
دور الشرعية الإسلامية في الوقاية من هذا المرض

للدكتور عبد الوهاب نور ولى
والدكتور عبد الرحمن العوضي
المملكة العربية السعودية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:36 PM
فقدان المناعة المكتسب:"AIDS
دور الشرعية الإسلامية في الوقاية من هذا المرض

للدكتور عبد الوهاب نور ولى
والدكتور عبد الرحمن العوضي
المملكة العربية السعودية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:37 PM
فقدان المناعة المكتسب:"AIDS
دور الشرعية الإسلامية في الوقاية من هذا المرض

للدكتور عبد الوهاب نور ولى
والدكتور عبد الرحمن العوضي
المملكة العربية السعودية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:39 PM
مقدمة

في عام 1981 م ظهرت أولى حالات مرض فقدان المناعة المكتسب "AIDS" ولقد كانت هذه الحالات عبارة عن أنواع من الالتهابات الشديدة التي تصيب الرئتين إضافة إلى نوع نادر من سرطان الجسم المسمى بـ KAPOSIS SARCOMA ولقد اتضح أن معظم هذه الحالات الأولى التي تم اكتشافها في ذلك الوقت كانت تصيب الرجال الشاذين جنسيا في ولايتي كلفورنيا ونيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية. ولقد تبع ظهور هذه الحالات اهتمام عالمي بهذا النوع الغريب من المرض وخاصة بعد ظهور حالات أخرى في دول مختلفة من العالم.
ولقد فاق عدد حالات مرض فقدان المناعة المكتسب التي ظهرت في الولايات المتحدة ودول أوربا الغربية الألفين حالة حتى اليوم ، واتضح أن نسبة الشواذ جنسيا الذين ظهر فيهم هذا المرض كانت حوالي 71% من مجموع جميع الحالات التي اكتشفت كم ظهرت أيضا بعض حالات هذا المرض عند عدد من النساء اللاتي مارسن العمليات الجنسية مع المصابين بهذا المرض من الرجال.
واتضح أن جميع الإحصائيات الوبائية عن هذا المرض الغامض تشير إلى أن انتقال هذا المرض من شخص لآخر يمكن أن يتم عن طريق الاتصال الجنسي ، كما تبينت أهمية ذلك حيث أن معظم المصابين بهذا المرض أما أنهم من فئة من الشواذ جنسيا . وإما أولئك الذين كانوا يمارسون الجنس مع عدة أشخاص.
ولقد نبع الاهتمام العالمي والخوف المصاحب لهذا المرض أساسا من عدم معرفة العوامل المسببة لهذا المرض بالإضافة الى نسبة الوفيات العالية التي تصاحب ظهور هذا المرض. ولقد اتضح أن مرض فقدان المناعة المكتسب يؤثر تأثيرا مباشرا على جهاز المناعة مما يؤدي إلى ضعف في المناعة التي تكون عن طريق الخلايا اللمفاوية والذي يؤثر بالتالي على مقدرة الجسم المناعية ضد الإصابة بالالتهابات وحدوث الأنواع المختلفة من السرطان. وأكثر الخلايا تأثرا بهذا النقص في جهاز المناعة هي الخلايا اللمفاوية والتي ينقص عددها بشكل ملحوظ المقارنة مع خلايا الدم البيضاء الأخرى ويؤدي هذا الى تغير في النسبة TH/TS، علما بأن المناعة المكتسبة عن طريق بلازما الدم تكون طبيعية.

تحذير من انتشار- الفاحشة في المجتمع:-

عن عبد لله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله r فقال: يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا.

في هذا الحديث وردت كلمة الفاحشة بمعنى الزنا والشذوذ الجنسي وكلاهما أصبحا اليوم من الممارسات المألوفة في المجتمع الغربي وكان من نتائج هذه الممارسات الإباحية أن انتشرت الأمراض الجنسية وأصبحت على درجة من الخطورة حتى كادت تهدد صحة المجتمع بأسره.

وليس غريبا أن تظهر أمراض حديثة وخطيرة لم تكن معروفة سلفا نتيجة لانتشار هذه الممارسات غير الشرعية ، ولقد كان ظهور هذا المرض AIDS الجديد الغامض بمثابة مثال صادق لما ورد في حديث رسول الله r حيث أن الفاحشة " الزنا والشذوذ الجنسي " قد عمت وانتشرت وأصبحت تمارس علنا ومما يجدر ذكره أن الحديث الشريف لم يقتصر على ذكر ظهور الفاحشة فقط وإنما أكد على ظهورها وانتشارها ثم الإعلان عنها وهذا هو الحال الذي تعيشه كل المجتمعات الغربية.

كما أن الحديث يحذر من أنه إذا انتشرت الفاحشة في مجتمع ووصلت ذروتها فإن ذلك قد يؤدي إلى انتشار أمراض فتاكة كالطاعون أو ما شابهه. مع أنه لم يرد ذكر لانتشار مرض الطاعون في المجتمعات التي ظهر فيها هذا المرض الغريب ولكن هناك نوع من التشابه بين الطاعون ومرض فقدان المناعة المكتسب من حيث الانتشار الوبائي وارتفاع نسبة الوفيات في كليهما، وهذا التشابه السابق ذكره فليس بغريب أن يطلق على هذا النوع من المرض اسم " طاعون الشواذ جنسيا " GAYSPLAGUE بين عامة الناس في الولايات المتحدة الأمريكية ، ولقد جاء استعمال هذا المصطلح " طاعون الشواذ جنسيا مؤكدا على ما ورد ذكره في الحديث الشريف من أن انتشار الفاحشة والإعلان بها سيؤدي إلى ظهور الطاعون وأمراض أخري غامضة وخطيرة لم تكن معروفة من قبل- وحيث أن العوامل المسببة لمرض فقدان المناعة المكتسب غير معروفة في الوقت الراهن فإنه من المحتمل أن توضح الأبحاث الجارية الآن أن هنالك ثمة علاقة بين الطاعون وبين هذا المرض الغامض.

وفي حديث آخر قال الرسول r:- " ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم الموت "

لقد اتضح حديثا أن حق مضاعفات مرض المناعة المكتسب هو ارتفاع نسبة الوفيات والتي تصل إلى 40% مما يؤكد ما ورد في هذا الحديث الشريف من أن انتشار الفاحشة قد يكون من أهم العوامل المسببة لانتشار الأمراض الفتاكة والتي قد تؤدي إلى الموت وقد توصل الباحثون إلى أن ارتفاع نسبة الوفيات في هذا المرض قد يكون ناتجا عن الإصابة بالتهابات حادة مع ظهور أنواع مختلفة من السرطان.

بالإضافة إلى هذا المرض الغامض فالأمراض الجنسية الأخرى مثل الزهرى وسرطان الرحم والهيربس التناسلي والتهاب الكبد الفيروسي " ب " تكون مصحوبة دائما بمضاعفات خطيرة قد تؤدي في النهاية إلى الموت.

الوقاية من مرض فقدان المناعة المكتسب والأمراض المشابهة:
قال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) .

لقد وضع الإ سلام قواعد واضحة تمنع ظهور وانتشار مثل هذه الأمراض الجنسية الغريبة بتأكيده على ضرورة العلاقة الجنسية المشروعة " الزواج " حيث أنه شجع على الزواج وسهل الطريق لإتمامه فلقد ورد في الحديث الشريف:- " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج"

فلم يمنع الإسلام الفاحشة فقط وإنما منع أيضا كل السبل والوسائل غير المشروعة التي قد تؤدي الى إثارة الغريزة الجنسية وارتكاب الفاحشة- فمثلا قد حرم الإسلام الاختلاط بين الرجال والنساء، كما منع أيضا تصوير المرأة وإبرازها في صورة مادة جنسية إضافة إلى تحريمه للخمر.

وإذا رجعنا إلى الآية السابقة ( ولا تقربوا الزنا ) .

نجد أن الآية لا تحذر فقط من ارتكاب الزنا وإنما تأمر بالابتعاد أيضا من السبل والوسائل التي قد تساعد على الإثارة الجنسية وتؤدي بالتالي إلي ارتكاب الفاحشة.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:41 PM
الإيدز مشكلة العالم المعاصر
ونظرة مستقبلية إسلامية

للدكتور / محمد حلمي وهدان
جمهورية مصر العربية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:42 PM
عندما تم لأول مرة التعرف على متلازمة العوز المناعي المكتسب ( الإيدز) على أنها كيان سريري مستقل ، عام 1981 م ، كان الظن أنها لا توجد إلا في الولايات المتحدة الأمريكية ، ولا سيما في زمر معينة ، هي مجموعات الشواذ جنسيا والمتعاطين للمخدرات بالوريد . ولكن ، سرعان ما تبين خلاف ذلك بعدما أبلغت بلدان أخرى في أوروبا وأمريكا في عامي 1982 ، و1983 عن وجود المرض فيها . وقد أصبح هذا المرض الآن يتصدر اهتمامات رجال السياسة والعاملين في مجال الصحة العمومية والصحافة والجمهور .

الوضع العالمي للإيدز :

لقد كان فيروس الإيدز واسع الانتشار في كثير من البلدان ، قبل أن يدرك العلماء وجوده ، وقبل الإبلاغ عن حالاته الأولى في عام 1981 م . وقد تم منذ التعرف لأول مرة على الإيدز وحتى نهاية شهر يوليو 1988 م . إبلاغ منظمة الصحة العالمية بما يزيد على مائة وثمانين ألف حالة من مئة وأربعين بلدا ويبين الجدول 1 عدد الحالات المبلغة بحسب القارة والسنة .

وقد تم الإبلاغ عن أكبر عدد من الحالات ( أكثر من 000 , 79 حالة ) من الأمريكتين ، حيث بلغت المعدلات التراكمية المبلغة لحدوث الإيدز ، أعلى مستوياتها في جزر الكاريبي ، لا سيما برمودا وغيانا الفرنسية ، إذ تجاوزت هذه المعدلات 100 / 000, 100 من السكان . ويوجد في الولايات المتحدة الأمريكية أكبر كم من الحالات في العالم ( أكثر من 000, 69 حالة ) ، ويبلغ المعدل التراكمي لحالات الإيدز المبلغة 28 / 000, 100 من السكان ، وتقدر دائرة الصحة العمومية الأمريكية أنه بحلول عام 1991 سيكون قد حدث أكبر من ربع مليون حالة في الولايات المتحدة .

وفي أفريقيا أبلغ 45 بلدا عن وجود ما يقرب من 000, 15 حالة . وهناك اختلافات كبيرة في معدلات الحدوث التراكمية ، وتبلغ هذه المعدلات أعلاها في الكونغو (58 / 000 , 100 ) ، تليها بورندي فأوغندا فرواندا حيث تزيد على 10 / 000, 100 . أما في جمهورية أفريقيا الوسطى وملاوي وزامبيا وتنزانيا وكينيا وزمبابوي وزائير فتتراوح هذه المعدلات بين 1 , 10 / 000, 100 .

وفي أوروبا ، أبلغ 28 بلدا عن وجود أكثر من 000 , 13 حالة ومعدلات الحدوث في أوروبا الشرقية تقل كثيرا عن نظائرها في أوروبا الغربية حيث تعتبر معظم بلدانها عرضة لوباء الإيدز . وتوجد أعلى معدلات حالات الإيدز التراكمية المبلغة في فرنسا ، وسويسرا ، والدانمارك ، وأسبانيا ، وألمانيا الاتحادية ، وبلجيكا ، وإيطاليا .

عن أنه يجب تذكر ما يلي :

إن المعطيات المتاحة تقدم عدد الحالات التي أبلغتها البلدان باختيارها ، وهي لا تعكس بدقة معدل حدوث المرض على الصعيد العالمي ، وتقوم بعض البلدان بالإبلاغ عن الحالات فيها بانتظام ، ويقوم بعضها بالإبلاغ دوريا في حين لا ترد أي بلاغات على الإطلاق من بعضها الآخر ، ومن المرجح أن التقدير الحالي لعدد حالات الإيدز يبلغ الآن ضعفي العدد المبلغ عنه منذ بداية جائحة الإيدز ، ألا وهو 000, 200 حالة تقريباً .

إن الحالات المبلغة لا تمثل سوى علامة صغيرة لوضع كامن بالغ الخطورة ، فكثيرون من المخمورين دون أعراض بعد ، ينتظر أن تظهر فيهم الأعراض في المستقبل ، ففي خلال خمس سنوات من العدوى تظهر أعراض الإيدز على ما يقرب من 25 % من المخموجين ، في حين يصاب 40 % آخرون بحالة تعرف باسم المتلازمة المرتبطة بالإيدز . أما الـ 35 % الباقون . فنجهل مدى احتمال حدوث المرض فيهم . ولا نعرف إلا قليلا لماذا يبدي بعض المخموجين أعراضا ولا يبديها غيرهم . وربما كان ثمة عوامل معينة تثير تطور الخمج إلى مرض . ومنها التعرض المتكرر للعدوى ، والخمج بأمراض تنتقص الوظائف المناعية كالتدرن أو البرداء ، ثم الحمل ، وربما العوامل الوراثية .

يعتقد أن الخمج متى وقع استمر مدى الحياة . ولما كان الخمج لا يتطور بسرعة إلى مرض يعقبه الموت أو الشفاء ، فإن هناك زيادة تراكمية في عدد المخموجين . ولا يعرف على وجه اليقين العدد الحقيقي للأفراد المخموجين بفيروس العوز المناعي البشري في مختلف البلدان . وإن كانت معرفته من المتطلبات الأساسية لوضع الاستراتيجيات الوطنية للوقاية والمكافحة . ووفقا للتقديرات الحالية ، يوجد في العالم حوالي 5 ـ 10 ملايين شخص يعتقد أنهم مخموجون بالإيدز ، ومن ثم فإنهم معرضون للمشاكل الصحية المرافقة لفيروس العوز المناعي البشري . ويعني هذا وجود 50 ـ 100 مخموج أو أكثر بهذا الفيروس ، مقابل كل حالة من حالات الإيدز المقدرة المعروفة .

يقدر أنه خلال السنوات الخمس القادمة سيظهر مليون إلى مليوني حالة جديدة من حالات الإيدز في أشخاص مخموجين الآن بالمرض . ويمثل هذا زيادة تقدر بعشرة أضعاف عدد الحالات المبلغة حتى الآن . وقد يتجاوز عدد الحالات المتوقعة خلال عام 1988 وحدة … , 100 حالة . وإذا ظلت جائحة المرض تستشري ، لا يكبح جماحها شيء فإن عدد المخموجين في العالم في السنوات القادمة سيكون مخيفا حقا ، وسيتزايد بعد ذلك بنسب تتعذر السيطرة عليها .

والصورة الوبائية للمرض في شتى أنحاء العالم ذات أنماط متميزة ثلاثة :

1 - أما النمط الأول فيلاحظ في الولايات المتحدة الأمريكية ، وأوروبا الغربية ، واستراليا ، ونيوزيلندا ، حيث تقع معظم الحالات بين الجنوسيين ( الشواذ جنسيا) ، لا سيما الذكور ، الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و 49 عاما ، إذ تتراوح نسبة الذكور إلى الإناث من 10 : 1 إلى 15 : 1 . وتحدث العدوى غالبا من خلال المقارفات الجنوسية . أما العدوى الناجمة حتى الآن عن الجماع بين الجنسين ، فلا تتسبب إلا في نسبة صغيرة من الحالات ، وإن كانت الآن في تزايد ، وأما العدوى الناجمة عن الدم ومنتوجاته ، إذا استثنينا تعاطي المخدرات بالوريد ، فإن أهميتها في تناقص ، لما تتخذه معظم هذه البلدان من إجراءات لتحري الدم . وما زالت العدوى حوالي الولادة قليلة الأهمية ، لأن معدل الانتشار المصلي في المجتمع هو في حدود 1 % ، وإن كان هذا المعدل يرتفع في الشواذ جنسيا فيبلغ 50% في بعض المجتمعات .

2 - وأما النمط الثاني فهو النمط السائد في شرق أفريقيا ووسطها وجنوبها ، حيث تنتقل العدوى غالبا عن طريق الجماع بين الجنسين ، وتبلغ نسبة الذكور إلى الإناث ، 1 : 1 , كما تشيع العدوى حوالي الولادة ، وقد يكون للحقن دور هام في انتقال العدوى لأن التعقيم الصحيح للمحاقن والإبر شائع ، والمحاقن الوحيدة الاستعمال غير مستخدمة على نطاق واسع . ومعدل الانتشار المصلي مرتفع ، وقد يصل في بعض الفئات ، لا سيما صغار البالغين ، إلى 15 % . وتتجاوز معدلات الخمج بفيروس العوز المناعي البشري 80 % بين البغايا في بعض المجتمعات .

3 - وأما النمط الثالث فهو النمط الذي يغلب الإبلاغ عنه في الشرق الأوسط وآسيا وفي عدد كبير من بلدان المحيط الهادي ، حيث يبدو أن الفيروس قد دخل هذه الأجزاء من العالم مؤخرا ، وحيث تحدث العدوى بالاتصال بين أفراد من الجنس الواحد أو الجنسيين على السواء ، وتصادف الحالات عموما في أشخاص سافروا إلى مناطق متوطنة أو خالطوا أهلها ، وفي أناس نقل لهم دم مجلوب من بلاد ينتشر فيها الإيدز . ومعدل حدوث المرض في تزايد ، ولكن معدل الانتشار المصلي ما زال منخفضا جدا . مما يوحي بالانخفاض النسبي لمعدلات الغزو في المجتمع .

الطراز الوبائي للإيدز في الدول الإسلامية ودول إقليم شرق البحر المتوسط :

إن الطراز الوبائي للإيدز وللخمج بفيروس العوز المناعي البشري في الدول الإسلامية يختلف كل الاختلاف عنه في الولايات المتحدة وأوروبا أو في أفريقيا . ويرجع ذلك إلى عوامل عديدة ، منها أن الفيروس كان قد انتشر على نطاق واسع في الولايات المتحدة وفي بعض البلدان الأخرى التي تبلغ الآن عن معظم الإصابات ، قبل أن ينتبه العلماء إلى وجوده ، وقبل الإبلاغ عن الحالات الأولى في عام 1981 . وربما كان هناك بالفعل مئات الألوف من المصابين عندما تم الإبلاغ عن أول الحالات وكان مما سهل إلى حد كبير غزو الفيروس وانتشاره في الولايات المتحدة وفي أجزاء من أوروبا ما سمي بالثورة الجنسية التي بدأت في الستينات واستمرت حتى السبعينات ـ ولقد حاول الجنوسيون (اللواطيون) أن يحصلوا في إطار تلك الحركة على الاعتراف بشرعية نشاطهم ، وقطعوا في هذا الاتجاه شوطا بعيدا . فأنشئت نواد كبيرة للجنوسيين (الشواذ جنسيا) كانت تروج فيها بمزيد من الحماس تعددية القرناء الجنسيين ويمكن تصور أبعاد هذا الطراز السلوكي من خلال نموذج مستمد من دراسة أجريت قبل ظهور الإيدز في أحد مجتمعات الجنوسيين في الولايات المتحدة الأمريكية ، فلقد سجلت هذه الدراسة أن 60% من الأشخاص الذين زاولوا الجنس معا فعلوا فعلتهم حتى قبل أن يعرف الواحد منهم اسم الآخر . وكان من شأن هذا السلوك الجنسي أن يمهد الطريق لسرعة انتشار الفيروس قبل ان يتبين العلماء أنه موجود .

أما في الدول الإسلامية فالبينات جد قليلة حتى الآن على انتقال العدوى محليا ، إلا في عدد قليل من البلدان ، ولقد وقعت معظم الإصابات ضمن فئتين رئيسيتين :

أولئك الذين أجريت لهم عمليات نقل دم مستورد من بلدان ينتشر فيها المرض ، ونجمت عن تلك الوسيلة نسبة كبيرة من أخماج فيروس العوز المناعي البشري ، ولا سيما أن بعض البلدان كانت تستورد كل احتياجاتها من الدم ومنتجاته أو تكاد .

وأولئك الذين اتصلوا جنسيا بآخرين في مناطق تتفشى فيها العدوى ، وتشمل هذه الفئة ، العاملين المقيمين في أوروبا ، والمواطنين الذين سافروا لتمضية عطلاتهم في الخارج .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:42 PM
طرق العدوى :

تم استفراد العوز المناعي من الدم والمصل وسائل أجزاء الجسم المختلفة ، بما فيها المني ، وسائل عنق الرحم والمهبل ، ولبن الثدي ، والدموع ، واللعاب ، بيد أن الدراسات الوبائية التفصيلية التي أجريت في شتى أنحاء العالم تعزو العدوى بوجه خاص إلى الدم والمني وإفرازات عنق الرحم والمهبل ، واستفراد الفيروس من أحد سوائل الجسم لا يعني حتما أن لهذا السائل شأنا في العدوى . فقد أوضحت جميع الدراسات الوبائية أن هنالك ثلاثة طرق رئيسية للعدوى هي :

1 - المقارفة الجنسية .
2 - والحقن .
3 - والعدوى حوالي الولادة .

1 - العدوة عن طريق الجنس :

فيروس العوز المناعي فيروس ينتقل عن طريق الجماع بين أفراد الجنس الواحد أو الجنسين على السواء ، وهذا الطراز من العدوى مسئول عن أكثر من 90 % من حالات الخمج . غير أنه ينبغي أن لا يغيب عن الذهن أن لا خطر من العدوى عن طريق الاتصال الجنسي إذا كان طرفاها غير مخموجين ، كأن يكونا زوجين علاقتهما الجنسية مقصورة عليهما ، شريطة أن لا يكون أحدهما قد انعدى قبل الزواج ، أو بطريق آخر من العدوى ، مثل نقل الدم ، وهناك ممارسات وعوامل جنسية معينة تزيد من خطر العدوى ، مثل الجماع في الشرج ، وتعدد القرناء الجنسيين ، ووجود أمراض أخرى منقولة جنسيا ، والمخالطة الجنسية للبغايا ، فالجماع في الشرج أخطر من الجماع في المهبل ، لا سيما بالنسبة للقرين المتلقي ، لأنه كثيرا ما يؤدي إلى حدوث تمزقات طفيفة في الغشاء المخاطي للمستقيم يمكن من خلالها للمفاويات المخموجة ولفيروس العوز المناعي أن تدخل في أنسجة هذا القرين ومجري دمه . أما الجماع في المهبل فيمكن أن يؤدي إلى انتقال الفيروس من رجل مخموج إلى امرأة أو من امرأة مخموجة إلى رجل.

2 - العدوى عن طريق الحقن :

أما حالات الإصابة بالإيدز عن طريق نقل الدم ومنتوجاته ، فتمثل نسبة ضئيلة ولكنها هامة من مجموع الحالات ، إذ تبلغ 2 ـ 5 % .

ويحدث هذا النمط من العدوى بنقل الدم المخموج أو منتوجاته ، واستعمال الإبر والمحاقن الملوثة وسائر الأدوات الملوثة التي تخترق الجلد . ويتضح من الدراسات التي أجريت على حالات التعرض لحقنة واحدة ، أن خطر العدوى بالفيروس يتعلق باللقاحة ، فالذين ينقلون وحدة واحدة من الدم من شخص مخموج ، معرضون بشدة لخطر العدوى ( بنسبة 90% تقريبا ) . وقد تبين حتى الآن أن ما يؤدي إلى العدوى بالفيروس هو الدم الكامل ومكوناته الخلوية (الكريات) والمصورة (البلازما) وعوامل التجلط ، ولم تثبت العدوى بالمنتوجات الأخرى المستحضرة من الدم (الغلوبلينات المناعية ، والأليومين ، وأجواء بروتين (البلازما) .

وقد تصبح العدوى عن طريق الدم ونواتجه مشكلة هامة في البلدان التي لم تقم بعد بتنفيذ برنامج لتحري الدم على النطاق القطري بحثا عن الإصابة بالفيروس .

وفي البلدان التي ترتفع فيها معدلات الإصابة يوجد فيما يبود ، علاقة بين الإيدز والحقن لأسباب طبية ولأغراض الطقوس العقائدية ، لا سيما حيث لا تتوافر المحاقن والإبر وحيث إجراءات التعقيم غير الكافية .

3 - العدوى من الأم للجنين :

قد تحدث العدوى حوالي الولادة قبل ميلاد الجنين أو أثناءه أو بعده بقليل، وعلى الرغم من توثيق طرق العدوى الثلاثة هذه . فإن الأهمية النسبية لكل منها لم تتحدد بعد . وعموما فإن أخطار انتقال الفيروس من الأم المخموجة إلى رضيعها يتراوح بين 25 % و 50% فقد أبلغ عن تعرض الرضع للإصابة بالعدوى بعد الولادة من أمهات أصابهن الفيروس بعد الوضع . ويظن أن لبن الثدي هو الطريق الممكن للعدوى في هذه الحالات .

وتختلف الأهمية النسبية لطريق العدوى المختلفة من قارة إلى أخرى ، ومن بلد لآخر ، بل حتى داخل البلد الواحد من جماعة إلى أخرى ، وهي تتصل أيضا بإدخال طرق تحري الدم ومنتوجاته ، مما يحد من دورها في العدوى .

ولا توجد حتى الآن بينات على إمكان انتقال الفيروس عن طريق الجهاز التنفسي أو الأمعاء أو المخالطة الشخصية العارضة أو في محيط الأسرة أو العمل أو المدرسة أو المحيط الاجتماعي .

كما لا توجد بينات عن أن المرض ينتقل عن طريق الحشرات أو الطعام أو الماء أو المراحيض أو حمامات السباحة ، أو المقاعد أو أواني الأكل والشرب المشتركة أو غيرها من الأصناف ، مثل الملابس المستعملة أو أجهزة الهاتف .

ولدى الجمهور مخاوف من انتقال العدوى عن طريق اللعاب ، كأن يكون ذلك باستعمال أدوات يستخدمها المصابون أو أثناء أعمال طب الأسنان . ويبعث على الاطمئنان ملاحظة أن معدل استفراد الفيروس من اللعاب منخفض جدا (1 - 2 %) من المصابين .

وبعد ، فإن فيروس العوز المناعي البشري لا ينتشر بشكل عارض ، وإنما نتيجة لنشاط آدمي يمكن للإنسان التحكم فيه . فالعدوى يمكن الحد منها إلى مدى بعيد بضبط الممارسات الجنسية ، وتحرى الدم قبل نقله ، واجتناب إعادة استعمال الإبر والمحاقن الملوثة أو الاشتراك في استعمالها .

الجوانب الاجتماعية للإيدز :

سبق أن وصف الإيدز في مناسبات كثيرة بأنه مشكلة اجتماعية أكثر من كونه مشكلة طبية ، وهذا صحيح ، لأن وقوع الإيدز ، شأنه شأن الأمراض الأخرى المنقولة جنسيا ، يرتبط بعدد من العوامل الاجتماعية ، أهمها الجنوسية ( الشذوذ الجنسي ) وتعاطي المخدرات والبغاء وكذلك نرى أن من المهم تناول هذه الجنوسية (الشذوذ الجنسي) وتعاطي المخدرات والبغاء ولذلك نرى أن من المهم تناول هذه الجوانب الثلاثة بإيجاز من منظور هذا الإقليم الذي يشمل العديد من الدول الإسلامية .

أ - الجنوسية (الشذوذ الجنسي)

في هذا الجزء من العالم ، ليس هناك من شك في أن الشذوذ الجنسي ، رغم وجوده ، سلوك ممجوج اجتماعيا ، ومرفوض قانونيا ، أضف إلى ذلك أن الجنوسيين ليس لهم ذلك الوضع الاجتماعي المرتفع ولا النفوذ الاقتصادي أو السياسي القوي ، ولا المركز المرموق في نظر المجتمع كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا حيث تتيح لهم أعدادهم الكبيرة وجود من يندي بتقبلهم ويدافع عما يسمونه حقوقهم المشروعة .

ومن المهم أيضا ملاحظة أن نمط الجنوسية في هذه المنطقة من العالم مختلف جدا عنه في المناطق الأخرى ، وبصفة خاصة في بعض جوانبه الهامة ذات الصلة بانتشار الإيدز ، فالجنوسيون في هذا الإقليم لا يفارقون في العادة قرناء متعددين . أما جماعاتهم ـ إن هم تجمعوا ـ فهي لا تعدو أن تكون ضئيلة الحجم .

ولا بد لنا أن نذكر ـ من ناحية أخرى ـ أن إنكار وجود الشذوذ الجنسي في مجتمعاتنا ليس من شأنه أن بوقف خطره في نقل الإيدز في هذا الإقليم ، حتى وإن كان ذلك الخطر محدودا . بل إن الأمر على عكس ذلك . فمن الأهمية بمكان أن نعرف المزيد عن هذا السلوك البالغ الخطورة ، حتى يمكن التوصل إلى النهج الأمثل للوصول إلى الأفراد المعنيين وتثقيفهم ، لا سيما وأن برامج الإعلام العامة لا تستطيع في العادة أن تحدث من التغيرات السلوكية بين الشواذ جنسيا ، ما يخفض كثيرا من خطر انتشار العدوى .

ب - البغاء :

ثمة بينات على انتقال العدوى فيما بين الجنسين يلعب دورا متزايد الأهمية في نقل فيروس العوز المناعي البشري في هذا الجزء من العالم وللبغايا في هذه المشكلة دور لا ينكر فلقد ثبت في بعض الظروف أنهن كن حلقة الوصل التي تتسرب من خلالها العدوى إلى بعض المجتمعات .

لقد كان البغاء موجودا على مدى التاريخ البشري كله ، رغم المحاولات التي لا حصر لها للقضاء عليه ، وهي محاولات كانت تتسم بالعنف في بعض الأحيان . ولم يعد وجود البغاء كما كان في الماضي مقتصرا على ظروف الفقر والتعاسة الاجتماعية وحدهما . والبغاء محظور قانونا في معظم بلدان هذا الإقليم ومع ذلك فإن أحدا لا ينكر وجود بعض الأوضاع التي يباع الجنس فيها ويشترى دون رقيب ولا حسيب ، ولا يعرف الحجم الحقيقي لهذه الأنواع من الدعارة في هذا الإقليم وتزعم بعض السلطات الوطنية مثل هيئات الشرطة والأمن أنها تعرف أبعاد هذه المشكلة ، وإن كان واضحا أنها لا تتخذ إزاءها من الإجراءات إلا القليل.

إن حجم مشكلة البغاء غير معروف ، ليس فقط في هذا الإقليم وإنما على الصعيد العالمي أيضا . ففي البلدان التي يباح البغاء فيها يبلغ عدد البغايا غير المسجلات ما بين خمسة وعشرة أمثال عدد البغايا المرخصات .

وتصطدم جهود مكافحة البغاء بالعديد من الصعوبات . ففي بعض البلدان حاولت السلطات الوطنية أن تخفض عدد البغايا بإتاحة مصدر رزق بديل لأولئك اللآتي كان البغاء وسيلتهن الرئيسية لكسب العيش ، ولكن ثبت بالتجربة أنهن كن يقبلن هذا الدعم ويواصلن في الوقت نفسه عرض بضاعتهن .

ج - تعاطي المخدرات بالوريد :

إن تعاطي المخدرات عن طريق الوريد سلوك ذو شأن كبير في انتقال الإيدز ، ومن المعروف أنه في الولايات المتحدة وأوروبا يتعاطى المخدرات وريديا بانتظام ما بين 1 و 3 في الألف من السكان ، بالإضافة إلى ما بين 1 ، 3 في الألف يتعاطونها في بعض الأحيان . ومن ناحية أخرى لا يعرف أحد حجم مشكلة تعاطي المخدرات بالوريد في هذا الإقليم ، ومن المرجح أنه أقل بكثير مما هو في الولايات المتحدة وأوروبا .

ويشكل متعاطو المخدرات مجموعة منعزلة لا تصل إليها السلطات الصحية بسهولة لأنها تتكون عادة من أشخاص مضطهدين ممن لا يستجيبون للتثقيف الصحي . وعادة ما يضطرهم إدمان المخدرات إلى مزاولة السرقة والعنف والبغاء .

إن اقتراح إجراءات لمعالجة مشكلة المخدرات فيما يتعلق بانتشار الإيدز ، سهل الكلام ولكنه صعب التطبيق . وبعض الناس يروجون حلولا ساذجة لمشكلات معقدة ، مثال ذلك الدعوة إلى توزيع المحاقن بالمجان . ولا يمكن لأحد أن يصدق أن هذا هو الحل ، خصوصا إذا أخذنا في الحسبان أن ثمن الحقنة والإبرة لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من ثمن المخدر ، ويتحدث بعض الناس أيضا عن مناشدة المدمنين أن يتفهموا عواقب مسلكهم الخطر ويتحملوا مسؤولياتهم الأدبية . ولكن بعض علماء الاجتماع يعتقدون أن ذلك أمر متعذر التحقيق بين فئة يتقمصها بالفعل سلوك غير رشيد كتعاطي المخدرات . وهم يرتابون في إمكانية التوصل على المدى البعيد . إن سبيلا واحد فقط هي التي من شأنها السيطرة على العدوى بفيروس العوز المناعي البشري من خلال تعاطي المخدرات ، ألا وهي برامج معالجة المتعاطين للمخدرات .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:43 PM
المعالجة :

لا يوجد نظام علاجي معروف لترميم الحالة المناعية لمرض الإيدز . وتشتمل رعاية المريض بالخصوص على معالجة الأخماج الانتهازية . ونظرا لأن المريض يعوزه الدفاع المناعي فإن معالجته بالمستحضرات الكيميائية والمضادات الحيوية تكون أقل فعالية مما تكون في غيره من المرضى الأصحاء المناعة .

وتبذل جهود كبرى لابتكار طرق لعلاج مرضى الإيدز والمتلازمة المرتبطة بالإيدز . والبحوث جارية بهذا الشأن في عدة ميادين .

وقد تحقق تقدم ملحوظ نحو استعراف العوامل المضادة للفيروسات . فقد أجريت دراسة سريرية مزدوجة التعمية مشهدة بمادة عفل فأظهرت أن بعض فئات مرضى الإيدز الذين يتلقون الأزيدوتيميدين قد زاد وزنهم وانتابهم شعور بالعافية . واستعاد جلدهم فاعليته وزادت الكريات البيضاء المساعفة في دوران دمهم ، مما يعني أن هذا الدواء يبدو أنه يطيل عمر مرضى الإيدز ، على أن لهذا الدواء آثارا جانبية ، بما فيها السمية التي تؤثر في نقي العظم فتؤدي في بعض الحالات إلى فقر الدم وقلة الكريات البيضاء الشديدين .

والدواء متوافر الآن في السوق غير أنه ما يزال غاليا جدا . وقد بدأ إجراء تجارب هامة على المخموجين بفيروس العوز المناعي البشري باستخدام الأزيدوتيميدين وأدوية أخرى لاكتشاف إمكان كبح تقدم الإيدز .

كما يجرى الإعداد لعدة تجارب سريرية أخرى باستخدام أدوية أخرى ، بما فيها الريبافيرين والديديوكسيتيدين ، والريفاصيسين، والسيكلوسبورين ـ أ ، والانتروفيرون ، وعدة أدوية اخرى قد تبعث على الأمل .

وقد أفادت التقارير عموما ، بأن العوامل المضادة للفيروسات تثبط تنسخ الفيروس في المرضى ، غير أنه اكتشف أن الفيروس يعود للظهور عند وقف استعمال الدواء ، ومن ثم فقد تلزم المعالجة الصيانية مددا طويلة بعد توقف تنسخ الفيروس .

إيجاد اللقاح :

إن البحث عن لقاح فعال أمر يلقى عناية خاصة . وإذا كانت الطرائق الحديثة في مجال البيولوجيا الجزيئية قد مكنت العلماء من اكتشاف كيمياء الفيروس على وجه الدقة . فإن تفاعلاته البيولوجية داخل الثوي ، وهو مفتاح التدخل الفعال في عملية الخمج ، ينطوي على صعوبات خاصة بسبب نمط الأضداد التي يتم إنتاجها . والأضداد الناتجة استجابة للخمج بالفيروس هي من الضروب اللا مستعدلة ، أي أنها غير ذات أثر فعال ، فهي قد تختلف عن الأضداد المحرضة بالخمج الطبيعي .

وكون البنية الجينية للفيروس تختلف من ذرية إلى أخرى ، لا سيما داخل الغلاف ، هو أمر يتوقع أن يمثل عقبة أخرى في إعداد اللقاح . وقد اكتشف الباحثون مؤخرا أن جزءا من الغلاف يبقى دون أي تغير في جميع الذراري مما يجعل إنتاج لقاح يحرض الأضداد التي تتعرف على هذا الجزء ، أمرا ممكنا . واستعمال لقاحات الفيروس الكامل الحي أو المعطل أمر لا يلقى التشجيع لما ينطوي عليه من خطر اندماج الحمض النووي في داخلية الثوي . فمعظم المحاولات الجارية لابتكار لقاحات . تستخدم فيها المادة الفيروسية المنقاة الخالية من الحمض النووي .

والعمل جار في المعهد الوطني الأمريكي للأرجيات والأمراض الخمجية لإجراء أول تجربة سريرية معتمدة للقاح مرشح للإيدز ، تستهدف اساسا قيام مأمونية هذا للقاح الذي يقوم على بروتين معدل من فيروس الإيدز ، هو 160 جي . بي . الذي يؤلف الغلالة الفيروسية ، ومن جزء غشائي . وينتظر استكمال هذا الطور بنهاية عام 1988 ولو ان المعهد المذكور غير قادر على اجتذاب العدد الكافي من المتطوعين .

وبعد أن يتم استنباط اللقاح بالفعل ، فإن اختباره سيمثل مشكلة كبرى إذ يلزمه نموذج حيواني . أما المشكلة الثانية فتتعلق بالتعرض للعدوى .

وسوف تكون هنالك مشاكل أخرى ، قانونية وإمدادية ، ومشاكل تتعلق بالتكاليف ، ولكن الأهم هو أن التلقيح به قد يأتي بعد فوات الأوان ، فالعدوى تنتشر في العالم بسرعة بالغة .

نظرة إسلامية على الوقاية من مرض الإيدز

إن الإنسان يفترض فيه أنه بحكم طبيعته وما جعل الله فيه من عقل ووجدان سوف يبتعد عن كل مواطن الشر . وتقوي الأديان هذه الفطرة وتلك الغريزة في نفس الإنسان فتذكرنا دائما بالحرص على الوقاية في الدنيا والحرص من عذاب الآخرة . فيقول الله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) . لقد نهت هذه الآية أن يلقي الإنسان بنفسه وبرضاه وباختياره إلى مواطن الهلاك .

إن مرض الإيدز بقدر ما يمثل مشكلة خطيرة يقف الطب العلاجي عاجزا أمامها فإنه بالمقابل يمثل مرضا يمكن أن يكون الأسلوب الوقائي كفيلا بالقضاء عليه وأساس الوقاية هو الالتزام بالسلوك البشري الذي يعتمد في جوهره على القيم المستمدة من التراث والتقاليد المتأصلة في العقائد الدينية لأبناء الأمة الإسلامية . إن انتشار المرض في المجتمعات التي استباحت الممارسات الجنسية غير المشروعة مثل ممارسة اللواط والدعارة وتعاطي المخدرات لدليل على تأكيد حكمة الأديان السماوية التي تنهي عن هذه العادات والممارسات . قال تعالى ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ) .

إن رسول الله r عندما تحدث عن الفاحشة ومضارها وقال " ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ابتلوا الطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا " . إن ظهور مرض الإيدز إنما هو أبلغ دليل على النبوءة لرسول الله r . لقد ظهرت الفاحشة في المجتمع الغربي وأعلنوا بها خلال العشرين عاما الماضية . لقد أصبح لممارسي الفاحشة نواد وجمعيات رسمية معترف بها وأصبحوا يعلنون أنهم يمارسون الفاحشة وإزاء ذلك تحقق الشرط في حديث الرسول r وأصبح لزاما أن يتحقق الجواب وهو تفشي مرض الإيدز والأمراض الجنسية والتناسلية والتي أطلق عليها المجتمع الأوروبي نفسه كلمة الطاعون التي جاءت في حديث رسول الله r .

إن الاتصال الجنسي هو أهم طرق العدوى والتعفف عن العلاقات الجنسية غير المشروعة كما تأمرنا جميع الأديان ، والزواج المستقر الآمن القائم على المودة والألفة والوفاء كفيل بالوقاية من العدوى عن هذا الطريق . إن العلاقة بين الزوجين من أقدس العلاقات وأقواها في المحيط الإنساني ربط الله عليهما وأكدها لتستمر وتزدهر دعما لاستمرار البشر وتقوية لأوامر المجتمع قال تعالى ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ).

والأديان كلها تنظر إلى الأسرة التي تتكون من الزوجين والأولاد على أنها البنية الأساسية للمجتمع إذا صلحت صلح المجتمع ومن ثم فإن الواجب الديني المحافظة على الأسرة وتقوية روابطها . إن دخول فيروس الإيدز إلى الأسرة يهدمها تماما ، فالشخص البالغ إذا أصيب بالعدوى فإنه ينقلها إلى زوجه أو زوجته ومنها إلى الأطفال فيقضي بأسرته كلها إلى الموت والهلاك بدلا من أن يوفر لها الأمن والحماية من المخاطر والمحافظة على الحياة ، فإن من يعرض نفسه للعدوى بالإيدز يتسبب في فقد الأسرة لعائلها وفي فقد فلذات الأكباد الذين يولدون مصابين يقاسون من المرض الذي ينتهي بالهلاك . وإذا تذكرنا قول رسول الله r " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول " فإننا نتبين من أن الوقاية من مرض الإيدز واجب ديني وفرض اجتماعي بل والتزام قومي . إن الوقاية من مرض الإيدز وقاية دنيوية وأخروية فإن ما ينهي عنه الإسلام من التردي في المعاصي عن طريق إطاعة مطالب النفس من شهوات جنسية في غير ما أحل الله تفضي به في الدنيا إلى العلل والأمراض وفي الآخرة إلى الهلاك والنار .

أعود فأكرر إن الذين يتعرضون للعدوى هم في الأساس من يرتكبون فاحشة الزنا ومن يدمنون المخدرات ولقد ألقى الله سبحانه وتعالى في قلوبهم الرعب والقلق والخوف في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم إن كل هذه المجتمعات ترتعد خوفا . لقد أصابها الرعب والقلق وهو نوع من عذاب الله سبحانه وتعالى في الدنيا قبل أن يلحق بهم عذاب الآخرة . إن المؤمنين بما هداهم الله سبحانه وتعالى وأنعم عليهم بالبعد عن الفاحشة آمنون على أنفسهم من هذا الخوف ومن المرض . إن من واجب المسلمين جميعا أن يثبتوا للعالم أجمع أن اتباع الدين الإسلامي في البعد عما ينهي عنه كفيل بأن يقي الإنسان ليس فقط من عذاب الآخرة ولكن أيضا من عذاب الدنيا بالعلل والأمراض وأكثر من ذلك بالخوف .
وفقنا الله إلى اتباع أوامره والانتهاء عن نواهيه .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:44 PM
ندوة التعريف الطبي للموت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:44 PM
التعريف الطبي للموت تطرقت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لهذا الموضوع الشائك بعد أن كثر الحديث واللغط حوله ، البعض يري اتخاذ موت جذع المخ أساساً لتعريف الموت والبعض الآخر يري تناقض ذلك مع الأعراف العلمية ويجب ألا تصدر شهادة الوفاة إلا بعد خمود كل مظاهر الحياة في جميع أعضاء الجسم بما في ذلك القلب .
لذلك وحسما لهذا النقاش ومحاولة من المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية للوصول إلى الحقيقة جمعت جميع الأطراف المعنية والمتخصصة فى هذا الشأن مع بعضهم لمحاولة حسم الموقف لكن للأسف أصر كل فريق على رأيه المعاكس للآخر .
وإزاء هذا أخذت المنظمة برأي الأغلبية وخرجت بوثيقة هامة في هذا المجال .

وصدر عن هذه الندوة بيان : بيان التعريف الطبي للموت :

سبق للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أن عقدت في عام 1985، ندوة ضمت نخبة من الفقهاء والأطباء ورجال القانون والعلوم الإنسانية، درست فيها موضوع نهاية الحياة الإنسانية دراسة مستفيضة، ومحو ت هذا الموضوع تمحيصا دقيقا، ووافقت على ما يلي:

أولا: رأت الندوة أنه في أكثر الأحوال عندما يقع الموت فلا تقوم صعوبة في معرفته استنادا إلى ما تعارف عليه الناس من إمارات، أو اعتمادا على الكشف الطبي الظاهرة الذي يستبين غياب العلامات التي تميز الحي من الميت.

ثانيا:تبين للندوة أن هناك حالات قليلة العدد، وهي عادة تكون ملاحظة طبية شاملة ودقيقة في المستشفيات. والمراكز الطبية المتخصصة ووحدات العناية المركزة، تكتسب أهميتها الخاصة من وجود الحاجة الماسة إلى تشخيص الوفاة فيها، ولو بقيت في الجسم علامات تعارف الناس من قديم على أنها من علامات الحياة، سواء أكانت هذه العلامات تلقائية في بعضا أعضاء الجسم، أم كانت أثرا من آثار أجهزة الإنعاش الموصولة بالجسم .
ثالثا: وقد تدارست الندوة ما ورد في كتب التراث الفقهي
من الإمارات التي تدل على الموت، واتضح لها أنه في غيبة نص شرعي يحدد الموت، تمثل هذه الاجتهادات ما توفر آنذاك من معرفة طبية. ونظرا لأن تشخيص الموت والعلامات الدالة عليه كان على الدوام أمرا طبيا يبنى بمقتضاه الفقهاء أحكامهم الشرعية، فقد عرض الأطباء في الندوة الرأي الطبي المعاصر فيما يختص بحدوث الموت.

رابعا: وضح للندوة بعد ما عرضه الأطباء:
أن المعتمد عليه عندهم في تشخيص موت الإنسان، هو خمود منطقة المخ المنوطة بها الوظائف الحياتية الأساسية، وهو ما يعبر عنه بموت جذع المخ.
أن تشخيص موت جذع المخ له شروطه الواضحة، بعد استبعاد حالات بعينها قد تكون فيها شبهة، وأن في وسع الأطباء إصدار تشخيص مستقر يطمئن إليه بموت جذع المخ.
أن أيا من الأعضاء أو الوظائف الرئيسية الأخرى كالقلب والتنفس قد يتوقف مؤقتاً، ولكن يمكن إسعافه واستنقاد عدد من المرضى، ما دام جذع المخ حيا.. أما إن كان جذع المخ قد مات فلا أمل في إنقاذه وإنما يكون المريض قد انتهت حياته،، ولو ظلت في أجهزة أخرى من الجسم بقية من حركة أو وظيفة هي بلا شك بعد موت جذع المخ صائرة إلى توقف وخمود تام.

خامساً: اتجه رأي الفقهاء تأسيسا على هدا العرض من الأطباء، إلى أن الإنسان الذي يصل إلى مرحلة مستيقنة هي موت جذع المخ، يعتبر قد استدبر الحياة، وأصبح صالحا لأن تجرى عليه بعض أحكام الموت، قياسا- مع فارق معروف- على ما ورد في الفقه خاصا بالمصاب الذي وصل إلى حركة المذبوح. أما تطبيق بقية أحكام الموت عليه فقد اتجه الفقهاء الحاضرون إلى تأجيله حتى تتوقف الأجهزة الرئيسية.
وتوصي الندوة بأن تجرى دراسة تفصيلية أخرى لتحديد ما يعجل وما يؤجل من الأحكام.

سادسا: بناء على ما تقدم اتفق الرأي على أنه إذا تحقق موت جذع المخ بتقرير لجنة طبية مختصة جاز حينئذ إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعية.
وانطلاقاً من حرص المنظمة على متابعة جميع المستجدات العلمية على الساحة العالمية والإقليمية، وحرصا منها على جلاء بعض الشبهات التي نجمت في الآونة الأخيرة عما نشر في الصحف السيارة وأذيع على شاشات التلفزيون، من تشكيك في المفهوم المتفق عليه عالميا والقائل باعتبار موت الدماغ brain مع موت جذعه موتا كليا لا رجعة فيه، أساسا لتحديد لحظة الموت.
ولما كانت الساحة العلمية بطبيعتها ساحة متحركة، فقد رأت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أن من واجبها تحرى الحقيقة وتسليط الضوء من جديد على هذا الموضوع استجلاء لوجه الحق فيه، فقامت من أجل ذلك بخطوتين:

أما الخطوة الأولى: فتمثلت في مشاركة المنظمة في المؤتمر الدولي السنـوي "لشبكة موت الدمغ وتحديد الموت " الذي انعقد بمدينة سان فرنسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر 996 ا م، للتعرف على أية مستجدات في الموضوع. وقد تأكد لممثلي المنظمة في هذا المؤتمر أنه لم يطرأ أي تعديل على المفهوم المتفق عليه، والقائل باعتبار موت الدماغ وجذعه موتا كليا لارجعة فيه أساسا لتحديد لحظة الموت، وأنه ما من حالة صح فيها تشخيص موت الدماغ وجذعه عادت إليها الحياة، وما من حالة عادت إلى الحياة توفرت فيها الشروط الأساسية لتشخيص موت الدماغ وجذعه، وأن كل الاختلافات التي ظهرت أثناء المناقشات إنما انحصرت في أمور فلسفية بحتة لا أثر لها في تحديد لحظة الموت.

وأما الخطوة الثانية: فكانت إقامة ندوة بالكويت من 17- 19 ديسمبر 996 ا م ضمت نخبة من الأساتذة المختصين في الأمراض العصبية، وجراحة الأعصاب، والتخدير، والعناية إن المركزة، وجراحة القلب، وزرع الأعضاء، والطب الباطني، وطب الأطفال، والأمراض النسائية، والجراحة العامة ومختصين في التشريع الطبي، وفدوا من المملكة العربية السعودية والكويت ومصر ولبنان وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية، كما حضرها المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية.
وقد فصل الأمر خلال الندوة تفصيلا كاملا، ودار نقاش طويل واف للموضوع على مدى ثلاثة أيام، وتبين للمجتمعين أنه ما من حالة تأكد فيها تشخيص موت الدماغ وجذعه عادت إليها الحيـاة، وما من حالة عادت إلى الحياة توفرت فيها شروط تشخيص موت الدماغ وجذعه، وأن كل الحالات التي استشهد بها من شكك في هذا المفهوم كانت إما حالات لم يتم الالتزام فيها بمعايير التشخيص التزاما صارما، وإما حالات نجمت عن خطأ في التشخيص أو الاستنتاج أو الاستدلال.
وبعد جلاء الموضوع، وتصفيته مما ثار حوله، والكشف عن وجه الصواب كما فصله الأساتذة الحاضرون، تأكيدا لرسالة الطبيب الملتزم بتعاليم دينه، والمطلع على أحدث ما وصل إليه العلم الحديث، وكما خلص إليه الرأي العالمي في العديد من المؤتمرات العالمية السابقة على هذه الندوة، وفي ضوء الخبرات الجيدة التي عرضت في الندرة من المنطقة ولا سيما ما قام به العاملون في المجال الصحي في المملكة العربية السعودية وما يلتزمون به من احتياطـات شرعية وعلمية، طمأنت المجتمعين إلى أن هذه الخبرات تتفق مع آخر ما توصل إليه العلم الحديث، فقد أصبح واضحاً للمجتمعين أن الموضوع لم يجد به جديد وأن ذلك يدعو المنظمة للتمسك بتوصياتها السابقة في ندوتها "الحياة الإنسانية: ء بداياتها ونهايتهـا" التي عقدت بالكويت عام 1985، والفتاوى الصادرة من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي عام 986 ا م، بل إن كل ما استجد يؤكد صحة ما انتهت إليه تلك التوصيات.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:44 PM
وقد أقرت المنظمة، بناء على معالجات ومناقشات أهل الذكر والتخصص الطبي الثقات، المفاهيم والمعايير والضوابط التشخيصية التالية لتحديد لحظة الموت، وذلك للاسترشاد بها في إصدار التشريعات والقرارات التنظيمية في هذا الصدد وهي تمثل الضوابط والمعايير المتفق عليها عالميا، والتي وثقتها التجربة والممارسة.

أولا- العلامات التي يعرف بها الموت:
يعتبر الشخص ميتا في إحدى هاتين الحالتين:
أ- التوقف الكامل الذي لا رجعه فيه لوظائف الجهاز التنفسي والجهاز القلبي الوعائي.
ب- التوقف الكامل الذي لا رجعة فيه لكل وظائف الدماغ brainبأجمعه، بما في ذلك جذع الدماغ brain stem. ويجب التحقق من حصول إحدى الحالتين السابقتين حسب المعايير الطبية المقبولة.

ثانيا- الدلائل الإرشادية لتقرير موت الدماغ بما فيه جذعه:
-يتطلب نجاح هذه الدلائل الإرشادية وجود طبيب حكيم مختص وحاذق، ذي خبرة في الفحص السريري (1لاكلينيكي) لحالات موت الدماغ وما يتطلبه ذلك من إجراءات.
- تستدعي فترات المراقبة الموصوفة أن يكون المصاب تحت رعاية تامة من قبل الطبيب،. وفي مركز متخصص تتوافر لديه الإمكانات اللازمة لهذا الأمر.
- ينصح بالاستشارة من متخصص ذي خبرة كلما تطلب الأمر ذلك. الشروط المسبقة preconditions الواجب توافرها قبل التفكير في تشخيص موت الدماغ brain death ":
ا- أن يكون المصاب في غيبوبة عميقة لم يمكن استفاقته منها.
2- أن يكون سبب الغيبوبة هو حدوث تلف شديد في بنية الدماغ بسبب إصابة شديدة (مثل رض شديد على الرأس أو نزف جسيم massiveداخل الدماغ)، أو في أعقاب جراحة على الرأس، أو ورم كبير داخل الجمجمة أو انقطاع التروية الدموية عن الدماغ لأي سبب، وتأكيد ذلك بالوسائل التشخيصية اللازمة.
3- أن يكون قد مضى ست ساعات على الأقل من دخول المصاب في غيبوبة.
4- إلا يوجد لدى المصاب أي محاولة للتنفس التلقائي. ولتشخيص التوقف الكامل الذي لا عودة فيه لوظائف الدماغ بما في ذلك جذع الدماغ فإن ذلك يستلزم:
1 - غيبوبة عميقة مع انعدام الإدراك unreceptivity " والاستجابة unresponsivity
2- العلامات السريرية (الإكلينيكية) لتوقف وظائف جذع الدماغ وتشمل غياب منعكسات الحدقة والقرنية، واختفاء المنعكسة الرأسي ا لعيني oculocepja;oc reflex والمنعكس العيني الدهليزي oculovestibular reflex والمنعكس البلعومي Gag reflex ومنعكس السعال والتقيؤ " cough and vomiting reflexes "
3- انعدام قدرة المصاب على التنفس التلقائي بالاختبار المعتمد ،Apnea test أثناء توقف مضخة التنفس لفترة محددة.

ويلاحظ في هدا الشأن:
- أن بعض المنعكسات النخاعية الشوكية يمكن أن تبقى حتى بعد حدوث الموت ولا تتعارض مع اكتمال تشخيص موت الدماغ.
وأن وضعيات التشنج المميزة لفصل القشرة decortication أو فصل المخ decerebrationوكذلك الاختلاجات الصرعية seizures لا تتوافق مع تشخيص موت الدماغ.
كما يجب استبعاد كل الحالات المرضية التي يمكن علاجها أو تراجعهـا ونقا لما يلي:
1 - استبعاد أي احتمال لكون المصاب تحت تأثير المهدئات sedatives أو المواد المخدرة narciotics أو السموم poisons أو مرخيات العضلات muscle relaxants، أو هبوط حرارة الجسم دون 33 مئوية، أو أن يكون المصاب في حالة صدمة قلبية وعائية لم تعالج.
2- استبعاد ا لاضطرابات الأستقلابية (الأيضية) ++++bolic أو الغدية التي يمكن لها أن تؤدي إلى تلك الغيبوبة.
3- التأكد من توقف كلي في وظائف الدماغ توقفا يستمر لفترة من الملاحظة والمعالجة وهي:
- 12 ساعة منذ تشخيص غيبوبة اللاعودة.
- 24 ساعة حين يكون سبب الغيبوبة هو الانقطاع الشامل في الدورة الدموية (كما يحدث في توقف القلب مثلا).
- وفي الأطفال دون سن الشهرين تمدد فترة الملاحظة والعلاج إلى 72 ساعة مع إعادة تخطيط كهربية الدماغ بعد فترة الملاحظة أو تجرى اختبارات الدورة الدموية على الدماغ.
- أما الأطفال من شهرين إلى اثني عشر شهرا فيحتاج تقرير حالة الأعودة فيهم إلى زيادة فترة الملاحظة والعلاج إلى 24 ساعة مع إعادة تخطيط كهربية المخ بعد فترة الملاحظة.
- ويعامل الأطفال فوق السنة الأولى من العمر معاملة البالغين.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:45 PM
مواصفات الفريق المخول إليه تقرير موت الدماغ:
ا- يتكون الفريق من طبيبين مختصين على الأقل، من ذوي الخبرة في تشخيص حالات موت "الدماغ، ويفضل " استشارة طبيب ثالث مختص في الأمراض العصبية عند الحاجة.
2- ينبغي أن يكون أحد الطبيبين على الأقل مختصا بالأمراض العصبية أو جراحة الدماغ والأعصاب أو العناية المركزة.
ودرءا لأية شبهة أو مصلحة خاصة قد تؤثر على القرار، يستبعد من هذا الفريق أي من المذكورين فيما يلي:
ا- أي فرد من فريق زرع الأعضاء.
2- أي فرد من عائلة المصاب.
3- أي فرد آخر له مصلحة خاصة في إعلان موت المصاب (كأن يكون له إرث أو وصية مثلا).
4- كل من ادعى عليه ذوو المصاب بإساءة التصرف المهني تجاه المصاب.

نموذج إرشادي لإصدار شهادة موت الدماغ
يقترح إعداد استعارة تحتـوي على. مكان لتوقيع كله من الأطباء الفاحصين مقابل في شرط- من الشروط.

الفحص الأول الفحص الثاني
عنده التشخيص بعد 6 ساعات
من المبدئي لموت الدماغ الفحص الأول أ - استيفاء الشروط المسبقة
- حدوث تلف لا يمكن- شفاؤه
أصاب الدماغ وذلك بسبب
(يذكر السبب مثل النزف الدماغي الجسيم )
- مضي ست ساعات على الأقل- بعد
الدخول في الغيبوبة
عدم تمكن المصاب من التنفس
التلقائي

ب ـ استبعاد" الأسباب المشتبهة:
ـ هل حرارة باطن الجسم .، دون 33
ـ هل المصاب لم يعالج بأدوية تحدث الغيبوبة.
أو بمرخيات العضلات.. الخ؟
- هل تم إجراء قياس معملي (مختبري )
لمستوى الأدوية التي يمكن أن تحدث الغيبوبة.
- هل المصاب في حالة صدمة قلبية
وعائية لم تعالج؟

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:45 PM
الجهاز المناعي للدماغ




يتألف الجهاز المناعي للدماغ من خلايا تدعى الخلايا الدبقية المكروية (الصغرية) تكون في الحالة السوية دفاعية لكنها يمكن أن تصبح هدامة بشكل مذهل. كما يمكن لهذه الخلايا أن تسهم في حدوث
بعض الأمراض التنكسية العصبية والخرف الناجم عن الإيدز..

.J.W سترايت - .A.C كينكايد - كولتون


عندما يفحص علماء البيولوجيا مجهربا نسجا سليمة مأخوذة من الدماغ أو النخاع (الحبل) الشوكي ، فإنهم قلما يرون خلايا الدم البيضاء التي هي أهم جنود الجهاز المناعي، والسبب وجيه ، فمع أن خلايا الدم البيضاء تضطلع بدور المدافع ضد الخمج infection والسرطان، فإنها تستطيع كذلك أن تفرز مواد قادرة على قتل العصبونات الخلايا العصبية) neurons التي لا تعوض. ويقلل الجسم من هذا التخريب بالحد من عبور الخلايا المناعية من الأوعية الدموية إلى الجهاز العصبي المركزي فالخلايا البيضاء هذه لا تتسلل عموما إلى داخل النسج العصبية إلا حينما تتأذى الأوعية الدموية بسبب الرضح (الرض) trauma ، أو المرض.

وقادت مثل هذه المشاهدات إلى الاعتقاد الذي ساد في السابق بأن الجهاز العصبي المركزي تنقصه الحماية المناعية.. أما اليوم فقد أثبت الباحثون أن تلك الخلايا المدهشة المسماة الخلايا الدبقية (الدبقيات) المكروية microglia تشكل هناك شبكة دفاعية واسعة الانتشار. وتقوم الخلايا الدبقية المكروية (الصغرية) بعملها في أكثر الأوقات دونما إيذاء للعصبونات. إنما تتزايد الأدلة المشيرة إلى أن هذه الخلايا تفقد صفتها الحميدة أحيانا. وفي الواقع فهناك من الدلانل ما يشير إلى أنها يمكن أن تساعد على حدوث أو تفاقم عدة حالات مسببة للعجز، كالسكتة الدماغية stroke وداء الزايمر Alzheimer's disease والتصلب المتعدد (المنتثر) multiple sclerosis واضطرابات تنكسية عصبية أخرى .

إن الخلايا الدبقية المكروية تنتمي إلى صنف خلوي هو الدبق glia المشتق من الكلمة الإغريقية (glue ، أي الغراء)، وقد تم تعرفه لأول مرة في القرن الماضي. وفي البداية أعتقد البيولوجيون خطأ أن الدبق يتألف من وحدة بنيوية واحدة ويؤدي دورا عديم الأهمية كمعجون يتوضع ما بين العصبونات في الدماغ والنخاع الشوكي . وبحلول العشرينات من هذا القرن تمكن العلماء بمساعدة المجاهرمن تحديد ثلائة أنماط من الخلايا الدبقية: الخلايا النجمية astrocytes والخلايا القليلة التغصنات oligodendrocytes والخلايا الدبقية المكروية. وبحلول السبعينات، اتضح أن النمطين الأولين على الأقل يضطلعان بمسؤوليات هامة.

فمثلا وجد أن الخلايا النجمية- وهي كبرى الخلايا الدبقية من حيث الجسم الخلوي- ترتشف جزئيات الناقل العصبي الفائضة حول العصبونات، حامية بذلك هذه العصبونات من استقبال قدر مفرط من التنبيه أنظر: "الخلايا النجمية للدبق العصبي العلوم العد د 7 (1990)، ص 48. كما تبين أن الخلايا القليلة التغصنات، والتي تلي سابقتها من حيث الحجم، تولد غمد النخاعين (الميلين) myclin الذي يعزل المحاوير axons (وهي استطالات ممتدة من أجسام العصبونات وتحمل الإشارات الكهربائية). وقد خمن بعض الباحثين بأن يكون للخلايا الدبقية المكروية الأضأل حجما دور مناعي خاص، إنما لم تتوافر الأدوات اللازمة لإثبات هذا التخمين حتى الثمانينات من القرن الحالي.

نشأت الفكرة أساسا نتيجة لبحوث مكثفة أجراها P. ديل ريو أورتيكا في أوائل القرن العشرين. ونذكر أن هذا الباحث هو تلميذ سابق لعالم التشريح الإسباني الشهير: سانتياكو رامون كاجال. ففي العام 1919 طور ديل ريو- أورتيكا مادة ملونة تعتمد على كربونات الفضة، أتاحت إمكان تمييز الخلايا الدبقية المكروية عن العصبونات والخلايا النجمية والخلايا القليلة التغصنات في الشرائح الرقيقة لأدمغة الثدييات. وفي فترة لاحقة أمضى هذا الباحث أكثر من عقد من الزمن محاولا تعلم كل ما أمكنه عن هذه الخلايا الغريبة.
وتوصل ديل ريوأورتيكا إلى أن الخلايا الدبقية المكروية تظهر بادىء ذي بدء في الدماغ المتنامي كأجسام عديمة الشكل ، ثم لا تلبث في نهاية الأمر أن تتمايز Differentiate إلى أشكال شديدة التفرع (التشعب) تسكن كل أنحاء الدماغ وتلامس العصبونات والخلايا النجمية إنما لا تمس إحداها الأخرى. ورأى كذلك بأن هذه الخلايا تستجيب بشكل مثير إذا ما أصيب الدماغ بأذية شديدة. فقد لاحظ مثلا بأن الخلايا المتفرعة تسحب فروعها الدقيقة استجابة لجرح طاعن، بحيث بدت وكأنها تعود لهيئتها المتكورة غير الناضجة.

وفي هذه الحالة الأخيرة رأى ديل ريو- أورتيكا أن الخلايا الدبقية المكروية تشبه البلاعم (البلعميات الكبيرة) ، التي هي شكل من أشكال خلايا الدم البيضاء الموجودة في النسج خارج الدماغ. كما عرف أيضا بأن البلاعم حينما تستشعر حدوث أذية أو خمج في النسج فإنها تهاجر إلى المنطقة المصابة حيث تتكاثر وتصير شديدة البلعمة، أي إنها تغدو خلايا قمامة (جامعة فضلات) تستطيع ابتلاع وتقويض الميكروبات (الجراثيم) والخلايا الميتة. وبحلول العام 1932 استطاع هذا العالم أن يفترض بأن تكور الخلايا الدبقية الناضجة إنما يعكس تحولها الشكلي إلى الحالة البلعمية. وبكلمات أخرى اعتقد ديل ريو أورتيكا بأن الخلايا الدبقية المكروية هي بلاعم الجهاز العصبي المركزي.

تأييد لدور مناعي
ومع أن أفكار ديل ريو أورتيكا كانت معقولة ، فإن قلة من العلماء تابعتها في الخمسين سنة اللاحقة. ويعود ذلك على الأغلب إلى أن الطريقة التي اتبعها أورتيكا " في التلوين أثبتت عدم موثوقيتها. فمن دون وجود طريقة موثوقة لتمييز الخلايا الدبقية المكروية عن سائر الخلايا، لا يستطيع أحد أن يعرف الكثير عن وظائفها. ولم يسقط هذا الحاجز إلا في الثمانينات من هذا القرن بعد أن شرع ، .H.V بيري وزملاؤه (من جامعة إكسفورد) بتقصي مقدرة الأضداد الوحيدة النسيلة monoclonal antibodies .

توحي البحوث المجراة على الخلايا الدبقية المكروية المستنبتة
وفي الأدمغة المريضة بأن هذه الخلايا تؤذي أحيانا
العصبونات الموكل إليها حمايتها.

على الارتباط بالخلايا الدبقية المكروية. ويتعرف كل ضد من الأضداد الوحيدة النسيلة هدفا بروتينيا شديد النوعية ، أو ما يسمى مستضدا antigen. وتوصلت هذه المجموعة إلى أنه إذا ما وجدت مثل هذه الأضداد أهدافا لها على الخلايا الدبقية المكروية- من غير أن تكون هذه الأهداف موجودة على الخلايا الأخرى للجهاز العصبي المركزي- فإنه يمكن استخدامها كنوع جديد من الملونات بمجرد وسمها بمادة يمكن الكشف عنها ، من أمثال المركبات الومضانية (المفلورة) fluorescent.

وفي العام 1985 بينت مجموعة بيري أن الأضداد الوحيدة النسيلة المختلفة التي أنتجتها مجموعات أخرى تستطيع حقا أن تميز الخلايا الدبقية المكروية في النسيج الدماغي. وسرعان ما توافر مزيد من الأضداد التي تستطيع أداء مثل هذا الغرض. وبتوافر هذه الأضداد إضافة إلى ابتكار طرائق جديدة للمحافظة على تجمعات نقية من الخلايا الدبقية المكروية في المستنبتات في أواسط الثمانينات- أمكن مؤخرا تفحص فاعليات هذه الخلايا بالتفصيل.

فعلت الأضداد ما هو أكثر من تحديد هذه الخلايا وإظهارها إذ قدمت كذلك دعما قويا لفكرة كون هذه الخلايا تلعب دور مدافعات مناعية في الدماغ والنخاع الشوكي. فقد تمكنت الأضداد المختلفة التي تتعرف البروتينات الموجودة حصرا على خلايا الجهاز المناعي دون غيرها، أن تعثر على أهداف لها على الخلايا الدبقية المكروية. وأكثر من ذلك فقد بينت أضداد معينة أن هذه الخلايا ربما سلكت سلوك البلاعم.

وتعتبر البلاعم وبعض أقرانها خلايا عارضة (مقدمة) للمستضد ) antigen presenters حيث تقوم بتقطيع البروتينات التي تصنعها الميكروبات لتعرض هذه القطع في خزائن عرض جزيئية تعرف باسم مستضدات التوافق النسيجي الرئيسة من الصنف الثاني class 11 major histocompatibility antigens. وتساعد مثل هذه المعروضات على حث خلايا مناعية أخرى على شن هجوم شامل ضد الغزاة. وفيما بين عامي 1985 و 1989 بين باحثون آخرون من مختلف انحاء العالم أن الأضداد الوحيدة النسيلة القادرة على الارتباط بمستضدات التوافق النسيجي الرئيسة من الصنف الثاني ، غالبا ما ترتبط بكفاءة بالخلايا الدبقية المكروية. وعنى هذا السلوك أن الخلايا الدبقية المكروية- وعلى عكس الآراء السائدة- تولد مستضدات توافق نسيجي رئيسة من الصنف الثاني، وبالتالي فإنها ربما كانت في حد ذاتها خلايا عارضة للمستضد.

وتنسجم نتائج الأضداد تماما مع البحث الذي أجراه ، W.G. كروتزبيري، وزملاؤه، من معهد ماكس بلانك للطب النفسي في مارتنسريد. فقد قامت المجموعة الألمانية- وهي إحدى المجموعات القليلة ذات الباع الطويل في الاهتمام بوظيفة الخلايا الدبقية المكروية- باختبارمقدرة الخلايا الدبقية المكروية على أن تسلك سلوك البلاعم لدى مواجهتها لعصبونات شديدة التأذي في أدمغة القوارض. وفي الوقت نفسه اختبرت المجموعة صحة مقولة بعض الباحثين بأن الخلايا الدبقية المكروية لا تعيش في الجهاز العصبي المركزي على الإطلاق، بل هي عبارة عن وحيدات (خلايا وحيدة) monocyles تفيض إلى داخل الدماغ أو النخاع الشوكي حينما تتأذى الأوعية الدموية في النسج العصبية. وقد كان من الصعب دحض هذا الادعاء، لأن الأضداد والملونات التي تتعرف الخلايا الدبقية المكروية تتعرف كذلك البلاعم المشتقة من الوحيدات التي في الدم.

طبق كروتزبيري وزملاؤه طريقة بسيطة لحل المعضلتين معا. ففي البداية توجهوا للعصبونات ذات الأجسام الخلوية. المتوضعة في الدماغ والمحاوير المنتهية في العضلات خارج الدماغ. فقاموا بحقن ذيقان في موضع بالقرب من نهايات المحاوير وسمحوا لهذا السم أن يسري من خلال العصبونات ويقتلها من دون أن يؤثر في الأوعية الدموية. ضمنت هذه الطريقة البارعة أن تكون جميع الخلايا الشبيهة بالبلاعم والمستجيبة للأذية هي من الخلايا المقيمة في النسيج الدماغي وليست متسللة إليه من الدم. وأخيرا قامت المجموعة بفحص المنطقة المحتوية على بقايا العصبونات المتأثرة ، فتبين بتحليل النسج المأخوذة من عدة حيوانات بأن الخلايا الدبقية المكروية تهاجر بالفعل نحو العصبونات الميتة وتتكاثر وتزيل هذه الخلايا. وباختصار فإن الخلايا الدبقية المكروية هي البلاعم الخاصة بالدماغ.

واليوم فقد ساعدت التجارب المجراة على مجموعات نقية من الخلايا الدبقية المكروية في المستنبتات على إقناع أكبر المشككين بأن الخلايا الدبقية المكروية هي الجنود المناعية التي ظنها ديل ريو- أورتيكا كذلك. وأكدت هذه الدراسات أن تلك الخلايا هي غاية في الحركية- وهي خاصية أساسية بالنسبة لخلايا يفترض فيها سهولة التحرك باتجاه المناطق المتأذية في الدماغ. كما بينت هذه الأبحاث أيضا بأنه يمكن تحريض الخلايا الدبقية المكروية على إنتاج تشكيلة واسعة من المواد الكيميائية التي تصنعها البلاعم في النسج الأخرى

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:46 PM
كيف تسلك الخلايا الدبقية المكروية السوية

وهكذا فقد سوغت البحوث المجراة حديثا قناعة ديل ريو أورتيكا بالخصائص المناعية للخلايا الدبقية المكروية. كما أوضحت هذه الدراسات آلية عمل هذه الخلايا في الجهاز العصبي المركزي الصحيح والمريض على حد السواء.

وتعد الخلايا الدبقية المكروية حيوية للتنامي الناجح للجنين، إذ يمكنها أن تفرز عوامل نمو هامة لتكوين الجهاز العصبي المركزي، إلا أن دورا آخر لهذه الخلايا أمكن تحديده بشكل مؤكد. فالجنين أثناء نموه ينتج كمية من العصبونات والخلايا الدبقية تفوق حاجته. وبمرور الوقت تموت الخلايا غير المستخدمة وتقوم الخلايا الدبقية المكروية الفتية- التي لا تزال على هيئتها الأولية غير المتفرعة- بإزالة هذه المواد الميتة.

وفيما يتم تشكل الجهاز العصبي المركزي تختفي الحاجة إلى تقويض الأعداد الكبيرة من الخلايا، ومن ثم يبدأ تمايز differentiatiation الخلايا الدبقية المكروية لتأخذ شكلها في حالة الاسترخاء ذا التفرعات الغزيرة. ويسهل هذا التحول البنيوي على الخلايا الدبقية المكروية عملها الذي يتلخص بفرض رقابة صارمة على صحة الخلايا التي تقع بجوارها. ومع أنه لا يعرف بعد الكثير عن الوظائف الأخرى للخلايا الدبقية المكروية المستريحة، فإن الأدلة غير المباشرة تشير إلى إفراز هذه الخلايا لمستويات منخفضة من عوامل النمو التي تعزز في هذه المرحلة بقاء العصبونات والدبق الناضجين. وقد تتضمن هذه العوامل عامل نمو الأرومات الليفية fibroblast growth factor وعامل النمو العصبي- وهما بروتينان استطاع الباحثون حث الخلايا الدبقية على إفرازهما في المستنبتات.

أما الأمر المؤكد فيتمثل في أن الخلايا الدبقية المكروية المستريحة تستجيب بشكل فوري تقريبا (خلال دقائق) للاضطرابات في محيطها المباشر، حيث تستعد للإحاطة بالعصبونات أو الخلايا المتأذية الأخرى. أما العلاقات الخارجية لمثل هذا التحول فتتمثل بانسحاب فروعها، وبتغيرات شكلية أخرى، وبإنتاج بروتينات لم تكن موجودة سابقا، إضافة إلى ازدياد ملحوظ في اصطناع بروتينات كان يتم اصطناعها في السابق بكميات قليلة. فمثلا يتعززبشكل واضح تعبير expression مستضدات التوافق النسيجي الرئيسة. لكننا لا نعرف بعد فيما إذا كانت الخلايا تفرز المزيد من عوامل النمو، غير أنها يمكن أن تنحو هذا النحو في محاولة منها لإصلاح العصبونات المتأذية.

ويبدو أن الشكل الذي تأخذه الخلايا الدبقية المكروية المنشطة حديثا يعتمد إلى حد كبير على الهندسة البنيوية للمنطقة التي تعيش فيها هذه الخلايا. فإذا كانت المنطقة غنية بشكل أساسي بالمحاوير، فإن هذه الخلايا تميل لأن تصبح متطاولة ودقيقة حتى. تصلح للعمل بين الاستطالات. أما إذا كان هناك متسع للمناورة كما هو الحال في. معظم أرجاء الدماغ، فإن هذه الخلايا غالبا ما تأخذ شكلا شجيريا bushy

إن الخلايا المنشطة لا تصير بلعمية بشكل تلقائي ، إذ أنها قد تعود لحالة الاسترخاء إذا ما كانت الأذية التي تواجهها خفيفة الوطأة أو عكوسة . أما إذا كانت الأذية شديدة إلى حد يقتل العصبونات فإن الخلايا البقية المكروية تباشر مهمتها كبلاعم مكتملة الفاعلية . أما المصير النهائي لهذه البلاعم فليس واضحا ، ولكن تحرى الخلايا الدبقية المروية في المستنبتات وفي الأدمغة المريضة يوحي بأن هذه الخلايا تتحول أحيانا لتؤذي العصبونات التي يفترض أن تقوم بحمايتها .

إن الاشتباه باحتمال إسهام الخلايا الدبقية المكروية في الاضطرابات العصبية أثاره جزئيا ما سبق ذكره من اكتشاف أن هذه الخلايا يمكن أن تطلق العديد من الوسائط الكيميائية المماثلة لتلك التي تبثها البلاعم خارج الجهاز العصبي المركزي ـ ويكون بعض هذه المواد خطرا على الخلايا إلى حد حتمية قتله للعصبونات في حال إنتاجه بكميات كبيرة. فمثلا وجدت إحدانا(كينكايد- كولتون) بالاشتراك مع زملائها (في جامعة جورج تاون) أنه حينما تتعرض الخلايا الدبقية المكروية المنشطة في المستنبتات لمكونات بكتيرية معينة فإنها تقوم شأنها شأن البلاعم الأخرى بتوليد جزئيات شديدة التدمير تعرف بالأصناف الأكسجينية الارتكاسيةreactive oxygen species. ومن هذه المركبات الأنيون الفائق الأكسيد وجذر الهيدروكسيل (أحد أشد المركبات سمية في الجسم) hydroxyl radicalويبروكسيد الهيدروجين hydrogen peroxide. وتستطيع هذه المركبات إضافة إلى قتلها الميكروبات، إتلاف الأغشية والبروتينات والدنا في العصبونات والخلايا الأخرى.

تنتج الخلايا الدبقية المكروية والبلاعم العالية التنشيط مركبات أخرى ذات قدرة تدميرية، نذكر منها الإنزيمات المسماة البروتيازات proteases التي تهضم البروتينات وتستطيع فتح ثقوب في الأغشية الخلوية. إضافة إلى هذا، تشتمل هذه الخلايا- على الأقل- على جزيئين مرسالين متعددي الإمكانات، أو ما يسمى بالسيتوكينات cytokines يمتلكان القدرة على إذكاء التفاعل الالتهابي inflammation وذلك لأن هذه السيتوكينات، التي تضم بينها الإنترلوكين interleukin. 1 وعامل نخر الورم م tumor necrosis factor كثيرا ما تساعد على استقدام عناصر جديدة من الجهاز المناعي إلى موضمع الأذية. انظر: "عامل نخر الورم العلوم العدد 6 (989 1)، ص 80 قد يكون التفاعل الالتهابي ضروريا لاستئصال شأفة الأخماج والسرطانات الناشئة، ولكن قد يكون له أيضا تأثيرات جانبية خطرة تؤدي إلى أذية الخلايا غير المخموجة. وفي بعض الظروف تستطيع السيتوكينات إيذاء العصبونات بشكل مباشر، كما يستطيع عامل نخر الورم أن يقتل الخلايا القليلة التغصنات.

إن إمكان قيام الخلايا الدبقية المكروية باصطناع جميع هذه المواد في المستنبتات لا يبرهن على أن هذه الخلايا تستطيع، " تعطيل الدماغ الحي. وفي الواقع يسيطر الجهاز العصبي المركزي على الخلايا " الدبقية المكروية بشكل محكم بحيث يجبرها على إبقاء مفرزاتها المقلقة في الحدود الدنيا، حتى أثناء استجابتها للأذية أو المرض، ولولا ذلك ما عاش إنسان يمتلك خلايا دبقية مكروية في كل مكان من دماغه. ومع ذلك توحي البحوث بتراخي السيطرة هذه في بعض الاضطرابات العصبية، إما بسبب عيب في الخلايا الدبقية المكروية نفسها أو بسبب آلية مرضية أخرى تتسبب في إضعاف الرقابة السوية على سلوك هذه الخلايا.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:46 PM
الخلايا الدبقية المكروية والمرض

لا شك بأن لنشاط الخلايا الدبقية (الدبقيات) المكروية المفرط دورا في الخرف (العته) الذي يصيب أحيانا مرضى الإيدز. ففيروس عوز المناعة البشري human immunodeficiency virus الذي يسبب هذا المرض، لا يهاجم العصبونات إنما يخمج الخلايا الدبقية المكروية. وقد تبين أن مثل هذا الغزو يحث الخلايا الدبقية المكروية على إنتاج مستويات مرتفعة من السيتوكينات الالتهابية والجزيئات الأخرى السامة للعصبونات.

ويمكن أن يلعب التنظيم المختل للخلايا الدبقية المكروية دورا في داء الزايمر أيضا فأدمغة هؤلاء المرضى تتميز بوجود أعداد كبيرة من اللويحات الشيخية senile plaques وهي مناطق غير سوية تحتوي على ترسبات من قطع بروتينية تدعى المادة النشوانية البيتاوية beta amyloid ممزوجة بخلايا دبقية مكروية وخلايا نجمية ونهايات عصبونية متأذية. ويعتقد أن هذه اللويحات تسهم في موت العصبونات الذي يسبب تردي الحالة العقلية في داء الزايمر. أما كيفية إيذاء اللويحات للعصبونات فغير معروفة وتبقى ، موضع جدل ساخن. ويشتبه كثير من الباحثين في أن المادة النشوانية البيتارية هي مصدر المشكلة. في حين نعتقد نحن بأن المادة النشوانية البيتاوية يمكن أن تؤذي أن خلال تأثيرها في الخلايا الدبقية المكروية. فمثلا، يتضح الآن أن مستويات الإنترلوكين 1 والسيتوكينات الأخرى التي تصنعها الخلايا الدبقية المكروية أحيانا، ترتفع في اللويحات الشيخية. ويعني مثل هذا الارتفاع أن شيئا ما (ربما كان المادة؟ النشوانية البيتاوية) يدفع بالخلايا الدبقية المكروية في اللويحات إلى حالة من الفعالية المفرطة. وفي هذه الحالة يفترض أن تقوم هذه الخلايا أيضا بإطلاق أصناف مؤكسجة وإنزيمات مفككة للبروتين تستطيع بوساطتها تخريب العصبونات.

كما توحي مكتشفات أخرى بأن الخلايا. الدبقية المكروية يمكن حتى أن تسهم بتشكيل اللويحات. ويبدو أن هذه الخلايا تستجيب للأذية فى الجهاز العصبي المركزي بصنع شكل من أشكال البروتين طليعة النشواني amyloid precursor وهو الجزيء الذي يعطي المادة النشوانية البيتاوية حينما تنشطر بطريقة معينة. وأكثر من ذلك، فقد أظهرت الدراسات على هذه الخلايا في المستنبتات أن الإنترلوكين يؤدي بالخلايا المختلفة الأخرى (بما في ذلك العصبونات ربما) إلى إنتاج جزيئات طليعة نشوانية. وفي النهاية تعزز الأصناف الأكسجينية الارتكاسية التي تصنعها الخلايا الدبقية المكروية ، تكدس القطع (الشدف) fragments النشوانية.

وهكذا يسهل علينا تصور إمكان حدوث حلقة مفرغة إثر قيام منبه ما بزج الخلايا الدبقية في حالة فعالية مفرطة. فإذا ما صنعت هذه الخلايا بروتين طليعة النشواني، يمكن عندئذ لبروتيازاتها أن تنشطر بدورها ذلك الجزيء ليعطي المادة النشوانية البيتاوية. وفي الوقت نفسه يمكن للإنترلوكين 1 أن يستحث كذلك خلايا أخرى على إنتاج المادة النشوانية. ومن ثم يمكن للأصناف الاكسجينية الارتكاسية أن تسبب تكتل المادة النشوانية المنطلقة من الخلايا الدبقية المكروية أو مجاوراتها. ويمكن لهذا التكتل أن يؤدي بدوره إلى تنشيط خلايا دبقية مكروية إضافية، وبالتالي إلى توليد المزيد من المادة النشوانية وتشكيل المزيد من اللويحات، وهكذا دواليك.

يكتسب المصابون بمتلازمة داون (المنغولية) Down's syndrome الولادية أعدادا مرتفعة من اللويحات الشيخية في أدمغتهم، وفي وقت أبكر منه عند مرضى داء الزايمر. ولما كانت التبدلات الدماغية في كلتا الحالتين على قدر كبير من التشابه، بدأت كينكايد - كولتون وزملاؤها بسبر احتمال قيام الخلايا الدبقية المكروية بالتسبب في الأذية الدماغية عند هؤلاء المرضى. وقد قدموا بعض الدعم لهذه الفكرة عبر دراسات أجريت على فئران تحمل عيبا جينيا مشابها للعيب المسؤول عن حدوث متلازمة داون لدى الإنسان. تكون الخلايا الدبقية المكروية لدى هذه الأجنة المكتملة غزيرة وارتكاسية بشكل غير عادي. يضاف إلى ذلك أن الخلايا الدبقية المكروية لدى الفئران "الداونية" تطلق كميات زاندة من الأصناف الأكسجينية الارتكاسية والإنترلوكين 1 والسيتوكينات الأخرى التي يمكن أن تضر بالنسيج العصبي.

يفقد ضحايا السكتة الدماغية عصبونات تهضمها الخلايا الدبقية المكروية ذات النشاط المفرط، وذلك حسبما تشير التجارب التي أجراها أحدنا (سترايت) ومعاونوه في جامعة فلوريدا) على الجرذان. فحينما ينسد أحد الأوعية الدموية المغذية للدماغ الأمامي forcbrain سرعان ما يموت النسيج الدماغي المعتمد على ذلك الوعاء. ويموت كذلك في غضون الأيام القليلة التالية عصبونات حساسة تقع في جزء من المنطقة المحيطة بالإصابة، تدعى المنطقة CAI من الحصين hyppocampus. وقد اكتشفت مجموعة " سترايت أن الخلايا الدبقية المكروية تنشط في غضون دقائق قليلة من بدء الإصابة وقبل موت العصبونات الحصينية بزمن. (يتضح هذا التنشيط في التبدلات الشكلية والازدياد في قابلية تلون هذه الخلايا). هذا ونستطيع أن نتصور أنه إذا ما تحسست الخلايا الدبقية المكروية الخطر فإنها تحاول حماية العصبونات غير الشروع في إفراز ، أو زيادة إفراز، عوامل نمو ذات قدرة كامنة على إصلاح الأذيات. ولكن من المحتمل أيضا أن تؤدي الكيمياء المتبدلة في المنطقة إلى حل الكوابح السوية على سلوك الخلايا الدبقية المكروية ، مما يدفع هذه الخلايا إلى حالة " تصبح معهاخطرة.

وتشير الأدلة الأولية إلى احتمال مشاركة " الخلايا الدبقية المكروية في مرض التصلب " المتعدد (المنتثر) وداء باركنسون Parkinson's disease والتصلب الجانبي الضموري (داء كهربك) amyotrophic lateral sclerosis. كما تتبدل الخلايا الدبقية المكروية بتقدم العمر، ويتضح ذلك من زيادة عرض مستضدات التوافق النسيجي الرئيسة على سطوحها. وقد يكون في هذا إشارة إلى تراخي الكوابح التي تحد من تحول هذه الخلايا إلى الحالة النشطة الخطرة بمرور الزمن. وسيؤهب تراخي هذه الضوابط من دون شك لتخريب العصبونات وبالتالي سيسهم في اضمحلال الذاكرة والشيخوخة.

الأخبار السارة

إن قدرا جيدا من البحوث حول الصلة ما بين الخلايا الدبقية المكروية والاضطرابات الدماغية يسم هذه الخلايا بالشر، إلا أن المعطيات المتوافرة تحمل بعض التضمينات المشجعة فإذا كان للخلايا الدبقية المكروية دور محوري بحق في الأمراض العصبية ، فقد يكون بالإمكان التخفيف من هذه الحالات باللجوء إلى التثبيط النوعي لهذه الخلايا أو بإبطال فعالية منتجاتها. وبالفعل، فقد بدىء باختبار المعالجات الدوائية التي تخدم هذه الغايات على المرضى المصابين بداء الزايمر.. فمثلا، تجرى الآن بعض الدراسات المحدودة لاختبار سلامة ونجاعة مادة مضادة للالتهاب قادرة على تثبيط الخلايا الدبقية المكروية المنشطة. وعلى النقيض من ذلك، فقد يستطيع العلماء الاستفادة من النواحي الدفاعية لهذه الخلايا في محاولة لتعزيز إنتاجها لعوامل النمو.
منذ عشر سنوات أنكر بعض الباحثين مجرد وجود الخلايا الدبقية المكروية . ومنذ خمس سنوات كان معظم الأطباء يضحكون إذا ما أشار أحد إلى أن هذه الخلايا يمكن أن تؤدي دورا محوريا في تطور داء الزايمر والحالات التنكسية الأخرى في الدماغ ، أما اليوم فإن الشكوك أخذة بالاضمحلال. وفي الواقع فقد غدا العديد من الباحثين على ثقة بأن دراسة الخلايا الدبقية ستقدم في النهاية معالجات جديدة لبعض من أكثر الأمراض " المفجعة التي تصيب البشر.

والتي يمكن تجميعها على شيبة واحدة. إنها مسالة وقت فقط، ويتوتع إنتاج الأدوات الإلكترونية الجديدة في وقت قريب.

في السابق، وخلال مواجهة الباحثين لمشكلة محدودية طريقة الترقيق، فإن عددا منهم قد توصل خطأ إلى أن السليكون كان يقترب من نهاية حياته كمادة إلكترونية. في غمرة هذا الواقع، صادفتني صورة معفقة على حائط مكتب صديق لي، رسمت فيها الأضواء الخلفية لسيارة وقد اخحتفت- هذه الأضواء- تحت غيمة من دخان العجلات ، وكتب عليها عبارة: "زرنيخيد الكاليوم يترك السليكون في الغبار" في الحقيقة ، إن العكس تماما هو الصحيح. وأود هنا أن أذكر أن فريقنا قد بين - بشكل واضح- أن السليكون لا يزال إلى حد كبير في ميدان السباق، وأن المراهنة على أنه لن يستمر طويلا ، في نجاحه مراهنة خاسرة.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:47 PM
ندوة رؤية إسلامية لزراعة بعض الأعضاء البشرية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:47 PM
زراعة الأعضاء : كان لابد من التصدي لمناقشة هذه التقنية الحديثة والتي ستصبح يوما ما وسيلة لعلاج معظم الأمراض بعد التغلب على ندرة الأعضاء، ولذلك تطرقت المنظمة إلي الشروط والضوابط الواجب الالتزام بها ومدى مطابقة ذلك للشريعة الإسلامية .

ثم تطرقت المنظمة إلى أحدث صيحة في مجال زراعة الأعضاء ، وهي زراعة خلايا المخ ،والجهاز العصبي والتي مازالت في طور التجريب للقضاء على مرض الشلل الرعاش ، وكذلك الشلل العادي .

كما ناقشت المنظمة نقل الأجهزة التناسلية خاصة المبيض في المرأة والخصيتين في الرجل وما حكم الشرع في ذلك من حيث الحل والحرمة ؟

ثم درست مدي الاستفادة من أعضاء الأجنة المجهضة خاصة بعد توارد هذه الحوادث ورواج تجارة إجهاض الأجنة في مراحل معينة لاستخدامها في أغراض كثيرة .

ثم اتخذت الندوة التوصيات الآتية :

بتوفيق الله وعنايته عقدت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بدولة الكويت بالاشتراك مع مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة/ - الندوة الفقهية الطبية السادسة من سلسلة ندواتها حول "الإسلام والمشكلات الطبية المعاصرة" في الفترة ما بين 23- 26 من ربيع
الأول سنة 1415هـ والتي توافقها الفترة من 23- 26 أكتوبر 1989 م وكان عنوان الندوة "زراعة الأعضاء".
وخصصت هذه الندوة لمواضيع:
زراعة خلايا المخ والجهاز العصبي ومدى الاستفادة من المولود اللادماغي والأجنة المجهضة
- ونقل بعض الأجهزة التناسلية
وتتميز هذه الندوة بأنها تأتي ثمرة يانعة للتعاون بين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية والمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي وفقا لميثاق التعاون الموقع منهما....
ودعي إلى الندوة حشد كريم من الفقهاء، والعلماء، والأطباء وقدمت أبحاث طبية وفقهية في موضوعات الندوة.
وقد أقيم حفل الافتتاح بمركز الطب الإسلامي وبدىء بآيات من القرآن الكريم ثم تحدث فيه كل من سعادة الدكتور/ عبدالرحمن عبدالله العوضي رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ووزير التخطيط ووزير الصحة العامة بالنيابة في دولة الكويت وسماحة الشيخ الدكتور/ محمد الحبيب بن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة- والدكتور/ علي يوسف السيف الأمين العام للمنظمة.

وقد شكلت لجنة الصياغة من الفقهاء والأطباء (المرتبة) أسماؤهم ألفبائيا وهم:

- الدكتور/ أحمد رجائي الجندي مقرراً
- الدكتور/ أحمد القاضي
- الدكتور/ حسان حتحوت
- الدكتور/ خالد المذكور رئيسا
- الدكتور / عبد الستار أبو غدة
- الدكتور / عجيل جاسم النشمي
ـ الدكتور / علي يوسف السيف
ـ الدكتور/ محمد جبر الألفي
ـ الدكتور/ محمد سليمان الأشقر
ـ الدكتور / مختار المهدي
ـ السيد/ يحيى أبو الفتوح

وقد حظي ممثلو الندوة بمقابلة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح حفظه الله.

واستمعت إلى توجيهات سموه والتي تركزت حول ضرورة توسعة أنشطة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وزيادة التعاون مع الجهات والمؤسسات العلمية داخل البلاد وخارجها في شتى مجالات العلوم والمعارف المختلفة حتى تأتي مطابقة للتعاليم الشاملة لديننا الإسلامي الحنيف.

كما حظيت الندوة بمقابلة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء واستمعت إلى آرائه وتوجيهاته السديدة، وقد طلب سموه أن تستمر المنظمة في نشاطاتها الإسلامية والعلمية بما يعود بالنفع على المسلمين...

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:47 PM
وقد توصلت الندوة للتوصيات الآتية:

زراعة خلايا المخ والجهاز العصبي:

عرضت الندوة لموضوع زراعة خلايا المخ والجهاز العصبي (ولا يقصد بذلك نقل مخ. إنسان لإنسان آخر) والغرض من هذه الزراعة إما لعلاج قصور خلايا معينة في المخ عن إفراز مادتها الكيميائية أو الهرمونية بالقدر السوي فيستكمل هذا النقص بأن تودع في موطنها من المخ خلايا مثيلة من مصدر آخر أو لعبور فجوة في الجهاز العصبي نتيجة بعض الإصابات كما يستبدل بقطعة من سلك تالف قطعة صالحة...

- والمصدر الأول للحصول على الأنسجة هو الغدة الكظرية للمريض نفسه وترى الندوة أنه ليس في ذلك من بأس شرعا وفيه ميزة القبول المناعي. لأن

- الخلايا من الجسم نفسه.

- والمصدر الثاني هو الحصول على الأنسجة من خلايا حية من مخ جنين باكر (في الأسبوع العاشر أو الحادي عشر).

وهناك طرق للحصول على هذه الخلايا.

الطريقة الأولى:

أخذها من جنين حيواني وقد نجحت هذه الطريقة بين فصائل مختلفة من
الحيوان ومن المأمول نجاحها باتخاذ ألاحتياطات الطبية اللازمة لتفادي- الرفض
المناعي، وترى الندوة أنه لا مانع شرعا من هذه الطريقة إن أمكن نجاحها.

الطريقة الثانية:

أخذها مباشرة من الجنين الإنساني في بطن أمه بفتح الرحم جراحيا...
وتستتبع هذه الطريقة إماتة الجنين بمجرد أخذ الخلايا من نحه، وترى الندوة حرمة
ذلك شرعا إلا إذا كان بعد إجهاض مشروع لإنقاذ حياة الأم. وبالشروط التي
ترد في موضوع الاستفادة من الأجنة..

الطريقة الثالثة:

وهي طريقة قد يحملها المستقبل القريب في طياته باستزراع خلايا المخ في
مزارع أجيالا بعد أجيال للإفادة منها. وترى الندوة أنه لا بأس في ذلك شركا إذا
كان المصدر للخلايا المستزرعة مشروعا...ة "

المولود اللادماغي:-

طالما بقي حيا بحياة جذع مخه لا يجوز التعرض له بأخذ شيء من أعضائه
إلى أن يتحقق موته بموت جذع دماغه، ولا فرق بينه وبين غديره من الأسوياء في
هذا الموضوع،

فإذا مات فإن الأخذ من أعضائه تراعى فيه الأحكام والشروط المعتبرة في
نقل أعضاء الموتى من الإذن المعتبر وعدم وجود البديل وتحقق الضرورة، وغيرها
مما تضمنه القرار رقم (1) من قرارات مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة
والذي جاء فيه :

أولاً:
يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه مع
مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليهما وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسيا أو عضويا...

ثانيا:
يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر إن كان هذا العضو
يتجدد تلقائيا، كالدم والجلد ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.

ثالثا:
تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية.

رابعا:
يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.

خامسا:
يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته وإن لم
تتوقف سلامة أصل الحياة عليها كنقل قرنية العينين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءا من وظيفة أساسية فهو محل بصما ونظركما يأتي في الفقرة الثامنة.

سادسا:
يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو أو تتوقف
سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك بشرط أن يأذن الميت أو ورثته بعد موته أو
بشرط موافقة ولي المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له.

سابعا:
وينبغي ملاحظة أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم
بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو. إذ لا يجوز إخضاع أعضاء
الإنسان للبيع بحال ما...

أما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند
الضرورة أو مكافأة وتكريما. فمحل اجتهاد ونظر.

ثامنا:
كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع فهو
محل بحث ونظر ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة على ضوء المعطيات
الطبقة والأحكام الشرعية.

ولا ترى الندوة ما يمنع من إبقاء هذا المولود اللادماغي على أجهزة الإنعاش
إلى ما بعد موت جذع المخ (والذي يمكن تشخيصه) للمحافظة على حيوية
الأعضاء الصالحة للنقل توطئة للاستفادة منها بنقلها إلى غيره بالشروط المذكورة أعلاه.......

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:48 PM
البويضات الملقحة الزائدة عن الحاجة

عرضت الندوة للتوصيتين الثالثة والرابعة المتخذتين في الندوة الثالثة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت في الفترة 25-23 شعبان 7 0 4 1 هـ الموافق 18- 1 2 لم 4 لم 987 ام ونصها: "مصير البويضات الملحقة"

إن الوضع الأمثل موضوع (مصير البويضات الملقحة) هو أن لا يكون هناك فائض منها وذلك بأن يستمر العلماء في أبحاثهم قصد الاحتفاظ بالبويضات غير ملقحة مع إيجاد الأسلوب الذي يحفظ له ا القدرة على التلقيح السوي فيما بعد:

وتوصي الندوة ألا يعرض العلماء للتلقيح إلا العدد الذي لا يتسبب فائضا فإذا روعي ذلك لم يحتج إلى البحث في مصير البويضات الزائدة.
أما إذا حصل فائض فترى الأكثرية أن البويضات الملقحة ليس لها حرمة شرعية من أي نوع ولا احترام لها قبل أن تنغرس في جدار الرحم وإنه لذلك لا يمتنع إعدامها بأي وسيلة.
ويرى البعض أن هذه البويضة الملقحة هي أول أدوار الإنسان الذي كرمه الله تعالى وفيما بين إعدامها أو استعمالها في البحث العلمي أو تركها لشأنها للموت الطبيعي يبدو أن الاختيار الأخير أخفها حرمة إذ ليست فيه عدوان إيجابي على الحياة.

واتفق الرأي على تأكيد التوصية الخامسة في (ندوة الإنجاب في ضوء الإسلام) من تحريم استخدام البويضة الملقحة في امرأة أخرى وأنه لا بد من اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بالحيلولة دون استعمال البويضة الملقحة في حمل غير مشروع وكذلك تأكيد التوصية الرابعة من ندوة الإنجاب أيضا بشأن التحذير من التجارب التي يراد بها تغيير فطرة الله أو استغلال العلم للشر والفساد والتخريب وتوصي الندوة بوضع الضوابط الشرعية لذلك.

وقد أقرت الندوة هاتين التوصيتين وأضافت إليهما ما يلي:

أ- بالإشارة إلى ما جاء في صدر التوصية الثالثة عشرة من أن الوضع الأمثل تفادى وجود بويضات ملقحة زائدة بالاعتماد على حفظ البويضات غير: ملقحة للسحب منها. أحاطت الندوة علما بأن ذلك أصبح ممكنا تقنيا وأخذت به بعض البلاد الأوروبية ( ألمانيا الغربية).

ب- على رأي الأكثرية (الذي خالفه البعض) من جواز إعدام البويضات الملقحة قبل انغراسها في الرحم بأي وسيلة، لا مانع من إجراء التجارب
العلمية المشروعة دون التنمية عليها واعترض البعض على ذلك تماما.
وتوصي الندوة بتكوين لجنة لتحديد ضوابط المشروعية.



استخدام الأجنة مصدرا لزراعة الأعضاء والتجارب عليها:

ترى الندوة أنه لا يجوز استخدام الأجنة مصدرا للأعضاء المطلوب زرعها في إنسان آخر أو التجارب عليها إلا بضوابط لا بد من توافرها حسب الحالات التالية:

لا يجوز إحداث إجهاض من أجل استخدام الجنين لزرع أعض إنه في إنسان آخر بل يقتصر على الإجهاض التلقائي أو الإجهاض للعذر الشرعي .

إذا كان الجنين قابلا لاستمرار الحياة فينبغي أن يتجه العلاج الطي إلى استبقاء حياته والمحافظة عليها لا إلى استثماره لزراعة الأعضاء.

لا يجوز أن تخضع عمليات زرع الأعضاء للأغراض التجارية على الإطلاق.

لا بد أن يسند الإشراف على هذه الأمور إلى هيئة معتبرة موثوقة.

وفي كافة الأحوال يجب احترام جسم الإنسان وتكريمه.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:48 PM
زرع الأعضاء التناسلية:

أولا: الغدد التناسلية:

انتهت الندوة إلى أن الخصية والمبيض بحكم أنهما يستمران في حمل وإفراز
الشفرة الوراثية للمنقول منه حتى بعد زرعهما في متلق جديد فإدط زرعهما محرم
مطلقا نظرا لأنه يفضي إلى اختلاط الأنساب وتكون ثموة الإنجاب غير وليدة من
الزوجين الشرعيين المرتبطين بعقد الزواج.

ثانيا: الأعضاء التناسلية غير الناقلة للصفات الوراثية

رأت الندوة بالأكثرية أن زرع بعض أعضاء الجهاز التناسلي ما عدا العورات المغلظة التي لا تنقل الصفات الوراثية جائز استجابة لضرورة مشروعة ووفق الضوابط والمعايير الشرعية التي جاءت في القرار رقم (1) من قرارات الندوة الرابعة لمجمع الفقه الإسلامي المشار إليه سابقا.

تدعو الندوة جميع الحكومات الإسلامية بأن تسعى لوضع تشريعات لضمان
تنفيذ هذه التوصيات... والندوة تنتهز هذه الفرصة لتقدم أسمى آيات الشكر والامتنان إلى حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ جابر الآحمد الصباح حفظه الله لرعايته الأعمال الإسلامية بصفة عامة، ودعمه المستمر للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية خاصة مما انعكس على إنجازاتها ونشاطاتها وتعاهده بأن تستمر على نفس النهج وأن تضع توجيهات سموه موضع التنفيذ.

كما تتقدم بالشكر الجزيل إلى سمو ولي العهد رئيس مجلسه الوزراء الشيخ
سعد العبد الله الصباح وإلى حكومة الكويت وشعبها لما تقدمه للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية من مساندة وعون...

ويرى المشاركون توجيه برقيتي شكر إلى حضرة صاحب السمو أمير البلاد وسمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء والحكومة الرشيدة وتكليف كل من الدكتور / عبدالرحمن عبدالله العوضي رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية والشيخ الدكتور / محمد الحبيب بن الخوجة أمين عام المجمع الفقه الإسلامي بجدة برفع البرقيتين...

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:49 PM
رؤية اسلامية لبعض المشاكل الصحية
المواد المحرمة والنجسة فى الغذاء والدواء

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:49 PM
تدراست المنظمة إنشاء بنوك للجلود البشرية إذا ثبت طبياً أن من يتعرض للحريق بصورة كبيرة فإن المنقذ له ـ في هذه الحالة ـ هو استخدام جلد بشري يحميه من العدوى ، وتبخر السوائل من جسده ، ولذلك أنشأت معظم الدول لديها بنوكا أسمتها بنوك الجلود

فكان لابد من بحث الجوانب الطبية والفقهية للترقيع الجلدي وانطلاقاً من إيمان المنظمة بتنامي حجم الجالية الإسلامية في المهجر،وحقهم على العالم الإسلامي بضرورة تسهيل حياتهم اليومية وتبيان الحلال والحرام في الغذاء والدواء ، لهذا كله بحثت المنظمة مدي الحل والحرمة في المواد المحرمة في الغذاء والدواء والتداوي بالمحرمات مثل :ـ

وجود نسبة معينة من الكحول في الأدوية أو في الأغذية والمشروبات الغازية ،وأنواع الشكولاته و الأيس كريم كذلك وجود نسبة محولة من دهن الخنزير كمواد إضافية في الغذاء والجيلاتين والمواد المحافظة والملونة وغير ذلك .

ثم اتخذت الندوة التوصيات الآتية :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبحوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد،
فاستمرارا لمسيرة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في تصديها للمشاكل الطبية والصحية من خلال رؤية إسلامية والتي تمثلت في العديد من ندواتها المتتابعة.
ولما كانت الحاجة تدعو لاستخدام الترقيع الجلدي وسبله لإنقاذ حياة من يتعرض لفقد نسبة كبيرة من جلده لسبب أو لآخر مثل الحروق وغيرها، رأت المنظمة أن تعرض هذا الموضوع في ندوتها الثامنة.

كما أن المنظمة رأت ضرورة بحث "المواد المحرمة والنجسة في الغذاء والدواء" نظرا للتوسع الكبير في تكنولوجيا الغذاء والدواء واستخدام مواد فيها شبهة الحرمة والنجاسة.
وقد تم بفضل من الله وعونه عقد الندوة الثامنة، وموضوعها "رؤية إسلامية لبعض المشاكل الصحية"، وذلك بمشاركة الأزهر الشريف ومجمع الفقه الإسلامي بجدة والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالإسكندرية ووزارة الصحة بدولة الكويت، وذلك في الفترة من
22-24 من شهر ذي الحجة 1415هـ الذي يوافقه 22-24 من شهر مايو 1995 وتحت رعاية حضرة صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح أمير البلاد.

وقد ساهم في أعمال الندوة جمع من كبار الفقهاء والأطباء والصيادلة والعلماء من علوم إنسانية أخرى.

وعقد حفل الافتتاح بقاعة الاجتماعات الكبرى بمركز المرزوق للطب الإسلامي، واستهل بتلاوة من القرآن الكريم أعقبها كلمة مندوب حضرة صاحب السمو أمير البلاد راعي الحفل ألقاها سعادة وزير الصحة الدكتور عبد الرحمن صالح المحيلان، ثم كلمة شيخ الجامع الأزهر ألقاها الدكتور عبد الله النجار، ثم كلمة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة ألقاها فضيلة الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة، فكلمة منظمة الصحة العالمية ألقاها الدكتور حسين الجزائري، وختمت الكلمات بكلمة رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية الدكتور عبدالرحمن العوضي، وقد تلا ذلك محاضرة تذكارية ألقاها فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي موضوعها "الحلال والحرام في الإسلام ".

بعد ذلك باشرت الندوة أعمالها- في فندق ميريديان- فتدارست في اليوم الأول موضوع "إنشاء بنوك للجلود البشرية"، حيث عرضت الجوانب الطبية والجوانب الفقهية للترقيع الجلدي، وجرى بحث ونقاء مستفيضان لتلك الجوانب، وخصص اليوم الثاني للمجال الآخر من الندوة وهو "المواد المحرمة والنجسة في الغذاء والدواء"، وقد تم تدارس ما عرض في جلسات المجالين المذكورين وما دار فيهما من آراء وأفكار واقتراحات، ثم توصلت الندوة في- تام عملها- في اليوم الثالث- إلى التوصيات التالية:

أولاً- الترقيع الجلدي:
ا- للآدمي، مسلماً وغير مسلم، حرمة ذاتية. وتكريم الآدمي والحفاظ على حرمته مقصد من مقاصد الشريعة، لذا فإن عمليات الترقيع الجلدي حائزة بشروط، سيأتي بيانها، لا تتنافى مع هذا المقصد بل تحققه وترسخه.

2- الجلد عضو حي ينطبق عليه من حيث النقل ما ينطبق على نقل الأعضاء وزرعها طبقا لما قررته المجامع الفقهية.

3- عمليات الترقيع الجلدي برقعة من مصدر آدمي ضرورة شرعية أنه تخضع في أحكامها للشروط العامة للضرورة.

4- الرقعة الجلدية المأخوذة من مصدر آدمي " ذاتية (هن الشخص 11 لنفسه)، أو مثلية (من آدمي حي أو ميت لآدمي)، طاهرة شرعاً .

5- يتوقف جواز عمليات الترقيع الجلدي برقعة من مصدر آدمي على توافر الشروط التالية:

أن يكون الترقيع الجلدي هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لعلاج المريض.
ألاّ يتسبب نزع الجلد، في حالة التبرع من الحي، في ضرر يماثل ضرر المتبرع له أو يفوقه.
أن يبلغ نجاح عملية الترقيع حد غلبة الظن.
أن يكون الحصول على الجلد الآدمي عن غير طريق البيع أو الإكراه أو التغرير، ولا مانع من بذل المال من قبل المحتاج من أجل الحصول على الجلد اللازم إذا لم يجد متبرعا.
6- الرقع الجلدية المأخوذة من حيوان مأكول مذكي مصدر يبيحه الشرع.

7- الرقع الجلدية المأخوذة من الميتة أو من حيواني حي، نجسة لا يجوز استخدامها إلا عند الضرورة.

8- الرقع الجلدية المأخوذة من الخنزير لا يجوز استخدامها إلا عند عدم وجود البديل الجائز شرعا وعند الضرورة.

9- يجوز إنشاء بنك لحفظ الجلد الآدمي مع مراعاة ما يلي:

أن يكون البنك بيد الدولة أو هيئة مؤتمنة تحمسا إشراف الدولة.
أن يكون الاختزان للجلود الآدمية على قدر الحاجة الواقعية والمتوقعة.
أن تحترم قطع الجلد التي يستغني عنها فتدفن ولا تلقى مع الفضلات.
ثانيا- المواد المحرمة والنجسة في الغذاء والدواء:

المبادئ العامة
1- يجب على كل مسلم الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، وخاصة في مجال الغذاء والدواء، وذلك محقق لطيب مطعمه ومشربه وعلاجه، وإن من رحمة الله بعباده وتيسير سبيل الاتباع لشرعه مراعاة حال الضرورة والحاجة التي تضمنتها مبادىء شرعية مقررة منها: أن الضرورات تبيح المحظورات ، وأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة ما دامت متعينة ، وأن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يقم دليل معتبر على الحرمة، كما أن الأصل في الأشياء كلها الطهارة ما لم يقم دليل معتبر على النجاسة. ولا يعتبر تحريم أكل الشيء أو شربه حكما بنجاسته شرعا.

2- مادة الكحول غير نجسة شرعا، بناء على ما سبق تقريره من أن الأصل في الأشياء الطهارة، سواء أكان الكحول صرفا أم مخففا بالماء، ترجيحا للقول بأن نجاسة الخمر وسائر المسكرات معنوية غير حسية .
وعليه، فلا حرج شرعا من استخدام الكحول طبيا كمطهر للجلد - الجروح والأدوات وقاتل للجراثيم، أو استعمال الروائح العطرية (ماء الكولونيا) التي يستخدم الكحول فيها باعتباره مذيبا للمواد العطرية الطيارة، أو استخدام الكريمات التي يدخل الكحول فيها. ولا ينطبق ذلك على الخمر لحرمة الانتفاع به.

3- لما كان الكحولي مادة مسكرة فيحرم تناولها، وريثما يتحقق ما يتطلع إليه المسلمون من تصنيع أدوية لا يدخل الكحول في تركيبها ولا سيما أدوية الأطفال والحوامل، فإنه لا مانع شرعا من تناول الأدوية التي تصنع حاليا ويدخل في تركيبها نسبة ضئيلة من الكحول، لغرض الحفظ، أو إذابة بعض المواد الدوائية التي لا تذوب في الماء مع عدم استعمال الكحول فيها مهدئا، وهذا حيث لا يتوافر بديل عن تلك الأدوية.

4- لا يجوز تناول المواد الغذائية التي تحتوي على نسبة من الخمور مهما تكن ضئيلة، ولا سيما الشائعة في البلاد الغربية، كبعض الشوكولاتة وبعض أنواع المثلجات( الآيس كريم، الجيلاتي، البوظة)، وبعض المشروبات الغـازية، اعتبارا للأصل الشرعي في أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، ولعدم قيام موجب شرعي استثنائي للترخيص بها.

5- المواد الغذائية التي يستعمل في تصنيعها نسبة ضئيلة من الكحول لإذابة بعض المواد التي لا تذوب بالماء من ملونات وحافظات وما إلى ذلك، يجوز تناولها لعموم البلوى ولتبخر معظم الكحول المضاف في أثناء تصنيع الغذاء.

6- المواد الغذائية التي يدخل شحم الخنزير في تركيبها دون استحالة عينه مثل بعض الأجبان وبعض أنواع الزيت والدهن والسمن والزبد وبعض أنواع البسكويت والشكولاتة والآيس كريم، هي محرمة ولا يحل أكلها مطلقا، اعتبارا لإجماع أهل العلم على نجاسة الخنزير وعدم حل أكله، ولانتفاء الاضطرار إلى تناول هذه المواد.

7- الإنسولين الخنزيري المنشأ يباح لمرضى السكري التداوي به للضرورة بضوابطها الشرعية.

8- الاستحالة التي تعتي انقلاب العين إلى عين أخرى تغايرها في صفاتها تدول المواد النجسة أو المتنجسة إلى مواد طاهرة، وتحول المواد المحرمة إلى مواد مباحة شرعا.
وبناء على ذلك:

الجيلاتين المتكون من استحالة عظم الحيوان النجس وجلده وأوتاره طاهر وأكله حلال.
الصابون الذي ينتج من استحالة شحم الخنزير أو الميتة يصير طاهرا بتلك الاستحالة ويجوز استعماله.
الجبن المنعقد بفعل إنفحة ميتة الحيوان المأكول اللحم طاهر ويجوز تناوله.
المراهم والكريمات ومواد التجميل التي يدخل في تركيبها شحم الخنزير نجسة، ولا يجوز استعمالها شرعا إلا إذا تحققت فيها استحالة الشحم وانقلاب عينه.
9- المواد المخدرة محرمة لا يحل تناولها إلا لغرض المعالجة الطبية المتعينة، وبالمقادير التي يحددها الأطباء وهي طاهرة العين.
ولا حرج في استعمال جوزة الطيب في إصلاح نكهة الطعام بمقادير قليلة لا تؤدي إلى التفتير أو التخدير.


توصيات عامة


ا- توصي الندوة بضرورة الاستفادة من جلود وعظام الحيوانات المذكاة لاستخراج مادة الجيلاتين التي تستخدم في الغذاء والدواء، وذلك حفاظا على الثروة الوطنية وتجنبا لشبهات استعمال مواد من مصادر غير مقبولة شرعا.

2- توصي الندوة المسئولين في البلاد الإسلامية بأن تراعى في الصناعة الدوائية والغذائية الشروط والمواصفات المقبولة شرعا من حيث المواد الخام وطرق التحضير.

3- توصي الندوة المسئولين في البلاد الإسلامية بإلزام الشركات المنتجة والمستوردة للمواد الغذائية المحفوظة ببيان التركيب التفصيلي لجميع مقومات كل عبوة بشكل واضح وباللغة الوطنية.

4- توصي الندوة بضرورة عقد ندوة خاصة عن التدخين نظرا لخطورته على المجتمع.

هذا، ولقد أناب المشاركون سعادة الدكتور عبدالرحمن عبدالله العوضي بإرسال برقيات شكر لصاحب السمو أمير دولة الكويت الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح حفظه الله، وسمو ولي عهده الأمين ورئيس هجلس الوزراء على دعم المنظمة، وللنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية، لتفضلهما باستقبال المشاركين في الندوة.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:50 PM
المواد الإضافية في الغذاء والدواء والاستحالة والمفطرات- الاستنساخ

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:51 PM
وإيماناً من المنظمة بضرورة متابعة ما يستجد على الساحة من محدثات طبية، وضرورة التعرف على الرأي الإسلامي فيها فقد ناقشت المنظمة موضوع الاستنساخ بكل صوره سواء على الحيوان أو البكتيريا أو الإنسان الذي كرمه رب العالمين حرصاً من المنظمة على ضرورة توضيح مكانة الإنسان في الإسلام وأن الاعتداء عليه ،اعتداء على البشرية جمعاء .
كما أن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية تدارست المفطرات في ضوء ما ظهر حديثاً من أشكال صيدلية جديدة تحتاج إلى تدارس الرأي الفقهي الإسلامي فيها .

واتخذت الندوة التوصيات الآتية :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد،
فلقد آلت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية على نفسها أن تبادر إلى طرح ما يستجد من مشكلات طبية معاصرة تلتمسه لها الحكم الشرعي، والرأي الفقهي عبر ندواتها التي دأبت على إقامتها في هذا المجال والتي يساهم فيها جمع من كبار الفقهاء والأطباء والصيادلة والمتخصصين في علوم إنسانية أخرى.
ولما كانت تسعى جاهدة إلى وحدة الرأي وتوحيد الكلمة وفق تصور طبي صائب لتلك المستجدات تبنى على أساسه الأحكام الفقهية التي يستنبطها فقهاؤنا الإجلاء لذلك فقد حرصت المنظمة على أن تشاركها في تحمل هذه الأمانة هيئات علمية ومؤسسات ثقافية وصحية لها دور جليل فيما تقوم به، وفي مقدمتها مجمع الفقه الإسلامي بجدة والأزهر الشريف والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالإسكندرية، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة - إسيسكو .
وكان من توفيق الله وفضله أن تقام الندوة الفقهية الطبية التاسعة وموضوعها "رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة" في الفترة من 8- اا صفر 18 4 1هـ الموافق 4 1-17 يونيو 997 1م، في مدينة الدار البيضاء بالمملكة المغربية وتحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، وأن تكون بمشاركة مؤسسة الحسن الثاني للأبحاث العلمية والطبية عن رمضان والإيسيسكو ومجمع الفقه الإسلامي والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية. باشرت الندوة أعمالها- في فندق سفير الدار البيضاء- بحفل افتتاح استهل بتلاوة من القرآن الكريم وأعقب ذلك كلمة للأستاذ عبد الهادي أبو طالب الرئيس الشرفي لمؤسسة الحسن الثاني للأبحاث العلمية الطبية عن رمضان، فكلمة سماحة الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة أمين عام مجمع الفقه الإسلامي، فكلمة الدكتور حسين الجزائري المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، ثم كلمة الدكتور عبد العزيز التويجري المدير العام لمنظمة والإيسيسكو، وأخير كلمة الدكتور عبدالرحمن عبدالله العوضي رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.

وقد اشتملت الندوة على الموضوعات التالية:
ا- الاستحالة والمواد الإضافية في الغذاء والدواء.
2- الاستنساخ.
3- ا لمفطرات.

وعلى مدى أربعة أيام عرضت الجوانب الطبية والفقهية لكل موضوع من تلك الموضوعات وتم تدارس الآراء المختلفة وجرى نقاش مسهب لكل من الجوانب الطبية والفقهية وتداول المشاركون ما عرض من أفكار واقتراحات ثم توصلت الندوة بحمد الله إلى ما يلي:
أولا- الاستحالة والمواد الإضافية في الغذاء والدواء:
تؤكد الندوة على جميع التوصيات التي وردت في الندوة الثامنة في البند-
ثانيا- المتعلق بالمواد المحرمة والنجسة في الغذاء والدواء.
واستكمالا لما سبقت دراسته في الندوة السابقة فإن هذه الندوة ناقشت الجوانب الطبية والفقهية المتعلقة بهذا الموضوع وخلصت إلى أن المواد الإضافية في الغذاء والدواء التي لها أصل نجس أو مـحرم تنقلب إلى مواد مباحة شرعا بإحدى طريقتين:
أ- الاستحالة:
تشير الندوة ابتداء إلى ما سبق اتخاذه من توصية في الفقرة (8) من البند ثانيا المتخذة في الندوة الفقهية الطبية الثامنة بشأن الاستحالة. ويقصد بالاستحالة في الاصطلاح الفقهي "تغير حقيقة المادة النجسة أو المحرم تناولها وانقلاب عينها إلى مادة أخرى مباينة لها في الاسم والخصائص والصفات "، ويعبر عنها في المصطلح العلمي الشائع بأنها كل تفاعل كيميائي يحول المادة إلى مركب آخر كتحويل الزيوت والشحوم على اختلاف مصادرها إلى صابون، وتحلل المادة إلى مكوناتها المختلفة كتفكك الزيوت والدهون إلى حموض دسمة وغليسرين، وكما يحصل التفاعل الكيميائي بالقصد إليه بالوسائل العلمية الفنية يحصل أيضا- بصورة غير منظورة- في الصور التي أوردها الفقهاء على سبيل المثال: كالتخلل والدباغة والإحراق، وبناء على ذلك تعتبر:
ا- المركبات الإضافية ذات المنشأ الحيواني المحرم أو النجس التي تتحقق فيها الاستحالة كما سبقت الإشارة إليها، تعتبر طاهرة حلال التناول في الغذاء والدواء.
2- المركبات الكيميائية المستخرجة من أصول نجسة أو محرمة كالدم المسفوح أو مياه المجاري والتي لم تتحقق فيها الاستحالة بالمصطلح المشار إليه، لا يجوز استخدامها في الغذاء والدواء مثل: الأغذية التي يضاف إليها الدم المسفوح كالنقانق المحشوة بالدم والعصائد المدماة (البودينغ الأسود) والهامبرجر المدمي وأغذية الأطفال المحتوية على الدم وعجائن الدم والحساء بالدم ونحوها تعتبر طعاما نجسا محرم الأكل لاحتوائها على الدم المسفوح الذي لم تتحقق به الاستحالة. أما بلازما الدم- التي تعتبر بديلا رخيصا لزلال البيض- وقد تستخدم في الفطائر والحساء والنقانق والهامبرجر وصنوف المعجنات كالكعك والبسكويت والعصائد ( بودينغ) والخبز ومشتقات الألبان وأدوية الأطفال وأغذيتهم، والتي قد تضاف إلى الدقيق. فقد رأت الندوة أنها مادة مباينة للدم في الاسم والخصائص والصفات فليس لها حكم الدم وإن رأى بعض الحاضرين خلاف ذلك.

ب- الاستهلاك:-
ويكون ذلك بامتزاج مادة محرمة أو نجسة بمادة أخرى طاهرة حلال غالبة، مما يذهب عنها صفة النجاسة والحرمة شرعا ، إذا زالت صفات ذلك المخالط المغلوب من الطعم واللون والرائحة، حيث يصير المغلوب مستهلكا بالغالب ويكون الحكم للغالب ومثال ذلك:-
ا- المركبات الإضافية التي يستعمل من محلولها في الكحول كمية قليلة جدا في الغذاء والدواء كالملونات والحافظات والمستحلبات- ! ومضادات الزنخ.
2- الليستين والكوليسترول المستخرجان من أصول نجسة بدون استحالة يجوز استخدامهما في الغذاء والدواء بمقادير قليلة جدا مستهلكة في المخالط الغالب الحلال الطاهر.
3- الإنزيمات الخنزيرية المنشأ كالببسين وسائر الخمائر الهاضمة ونحوها المستخدمة بكميات زهيدة مستهلكة في الغذاء والدواء الغالب.
وترى الندوة ما يلي:
ا- أن المذيبات الصناعية، والمواد الحاملة والدافعة للمادة الفعالة في العبوات المضغوطة إذا استخدمت وسيلة لغرض أو منفعة مشروعة جائزة شرعا، أما استعمالها من أجل الحصول على تأثيرها المخدر أو المهلوس باستنشاقها فهو حرام شرعا، اعتبارا للمقاصد ومآلات الأ فعال.
2- لا حرج شرعا في استخدام الذهب في مجال الأشياء التعويضية السنية (مثل تلبيس الأضراس والأسنان وشد بعضها ببعض ونحو ذلك) لغرض المعالجة الطبية للرجال، أما إذا استعمل لغرض الزينة فقط فإنه يأخذ حكم لبس الرجال للذهب للزينة، وهو محظور شرعا.
3- الأصل الشرعي حرمة لبس الحرير الطبيعي على الرجال، ويستثنى من ذلك لبسه لغرض المعالجة الطبية كأمراض الحساسية والجرب والحكة وما شابه ذلك، فإنه سائغ شرعا.
4-إستعمال الصمامات القلبية المأخوذة من الخنزير جائز شرعا للحاجة.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:51 PM
ثانيا- الاستنساخ البشري:
أ- مقدمة سبق للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أن عقدت ندوة عام 1983م عن "الإنجاب في ضوء الإسلام " عرضت فيها ورقتان لاحتمالات إنجاز الاستنساخ البشري بعد أن نجح الاستنساخ في النبات وفي الضفادع والبحريات الصغيرة. وكانت التوصية التي اتخذت في هذا الصدد تنص على الآتي: عدم التسرع في إبداء الحكم الشرعي في قضايا الاستنساخ بالنسبة للإنسان (على نحو ما أدت إليه التجارب في مجال الحيوان) مع الدعوة إلى مواصلة دراسة هذه القضايا طبيا وشرعيا مع جواز تطبيق تكنولوجيا التكاثر على مستوى الكائنات الدقيقة باستخدام خصائص الحامض النووي المعاود للالتحام لإنتاج مواد علاجية وفيرة".
والآن عاد الموضوع يطرح نفسه بشكل حاد وعاجل، منذ تم استنساخ جنين الإنسان بطريق الاستتآم عام 1993، ثم في الأشهر الأخيرة حين أعلن عن استنساخ النعجة التي سميت "دوللي " في اسكتلندا في فبراير 1997 بعد تكتم عن الأمر قرابة ثمانية أشهر، وتلا ذلك الإعلان عن استنساخ قردين بطريقة أخرى في جامعة أوريجون. ولما كانت التقانة التي استعملها العلماء للوصول لهذا الإنجاز يفترض أنها وافية بإجراء نفس التجربة على الإنسان-،. فقد اكتسب الموضوع منحي عاجلا أثار ردود فعل قوية.
ورغم أنه لم يعلن عن ممارسته في الإنسان بعد، إلا أن الحاجة إلى استباقه بالتعرف على آثاره المتوقعة ووضع ضوابطه الشرعية والقانونية والأخلاقية، حدت بكثير من الدول الغربية إلى منع التجارب البشرية، أو تجميدها سنوات حتى تتم الدراسات المطلوبة. لذلك رأت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أن تبادر ببحث الموضوع في هذه الندوة.

ب- تعريف الاستنساخ Cloning:-
الاستنساخ هو تكوين مخلوقين أو أكثر كل منهما نسخة إرثية من الآخر. وهو نوعان: الأول: الاستتآم أو شق البيضة، وتبدأ ببويضة مخصبة (بويضة دخلها منوي)، تنقسم إلى خليتين فتحفز كل منهما إلى البدء من جديد وكأنها الخلية الأم وتصير كل منهما جنينا مستقلا وإن كانا متماثلين لصدورهما عن بيضة واحدة.
الآخر: الاستنساخ العادي الذي لا يعتمد على الخلايا الجنسية وإنما يكون بوضع نواة خلية جسدية داخل غلاف بويضة منزوعة النواة. وتتكاثر الخلية الناتجة إلى جنين هو نسخة إرثية تكاد تكون طبق الأصل من صاحب الخلية الجسدية.

ج- المناقشات:
ناقشت الندوة الجوانب الطبية لهذا الموضوع مناقشة مستفيضة استجلت من خلالها المرتكزات الرئيسة التي يقوم عليها الاستنساخ من حيث الآتي:
ا- استنساخ الجنين البشري عام 1993 عن طريق "الاستتآم " وهو حفز البيضة المخصبة إلى سلوك النهج الذي تتبعه طبيعيا لتكوين التوائم المتماثلة. بحيث تتصرف كل هن الخليتين الناجمتين عن أول انقسام للبيضة وكأنها بيضة جديدة من البداية، تأخذ في سلسلة التكاثر بالانقسام في اتجاه تكوين جنين مستقل، فإن أودع الجنينان الرحم، وضعت السيدة توأمين متطابقين لأنهما نتاج بيضة واحدة. ولم يستكمل البحث نظرا لتورع العاملين المبتكرين عن زرعهما في الرحم، بل إنهما اختارا خلية معيبة لا تنهض أن تنقسم لتنمو إلا لدور مبكر ، وذلك لأن التجارب على الجنين البشري أمر حساس وخطير.
ولا بد من مرور وقت حتى توضع له الضوابط الأخلاقية والقانونية. وترى الندوة أن الطريقة من حيث مبدأ التلقيح سليمة، لكن تقويمها من ناحية النفع والضرر لا يزال في حوزة المستقبل. ومن منافعها القريبة المنال إمكان تطبيق الوسائل التشخيصية على أحد الجنينين أو خلايا منه، فإن بانت سلامته سمح أن يودع الحمل الرحم، وكذلك التغلب على بعض مشاكل العقم وينطبق عليها كل الضوابط المتعلقة بطفل الأنابيب. أما التقنية التي أفضت إلى إنتاج النعجة "دوللي " بإيداع نواة خلية جسدية داخل بويضة منزوعة النواة لتشرع في الانقسام متجهة لتكوين جنين، فقد أولتها الندوة بحثا مستفيضا وتوسمت بعض النتائج التي تنجم عن تكوين جنين (ثم وليد) جديد يكون نسخة إرثية (جنينية) طبق الأصل من صاحب الخلية الجسدية، فلا يمنع من تمام التماثل إلا وجود عدد ضئيل من الجينات في سيتوبلازم البيضة المستقبلة.
2- ظهر أن تلك القضية تكتنفها محاذير فادحة إن دخلت حيز التطبيق،من أبرزها العدوان على ذاتية الفرد وخصوصيته وتميزه من بين طائفة من أشباهه (نسخه)، وكذلك خلخلة الهيكل الاجتماعي المستقر والعصف بأسس القرابات والأنساب وصلات الأرحام والهياكل الأسرية المتعارف عليها على مدى التاريخ الإنساني وكما اعتمدتها الشريعة الإسلامية وسائر الأديان أساسا للعلائق بين الأفراد والعائلات والمجتمع كله، بما في ذلك من انعكاسات على أحكام القرابات والزواج والمواريث والقانون المدني والجنائي وغيرها، وسيقت في هذا الباب فرضيات واحتمالات كثيرة. وقد استبعدت الندوة من البداية بحث كل ما يقحم على عقد الزواج الشرعي القائم طرفا غريبا عنه فإنه حرام بلا ريب. وقد تطرق بعض السادة الفقهاء بالبحث إلى طائفة من الأحكام العقائدية والأخلاقية، والعملية- تكليفية أو وضعية- التي تتصل بموضوع الاستنساخ.
3- وقد أخذ في الاعتبار أن الدول الغربية- ومنها التي تجري فيها أبحاث الاستنساخ- قد كان رد الفعل فيها قويا وقائما على الحذر الشديد، فمنها من منعت أبحاث الاستنساخ البشري، ومنها من حرمتها من معونة ميزانية الدولة، ومنها من جمدتها سنوات حتى تبحثها اللجان المختصة ثم ينظر في أمرها من جديد. لهذا فإن الندوة تخشى أن يسعى رأس المال الخاص وشركات الأدوية إلى تخطي هذا الحظر بتهيئة الأموال واستمرار الأبحاث في دول العالم الثالث واستغلالها حقلا للتجارب البشرية كما كان ديدنها في كثير من السوابق.
4- أكدت الندوة أن الإسلام لا يضع حجرا ولا قيدا على حرية البحث العلمي إذ هو من باب استكناه سنة الله في خلقه وهو من تكاليف الشريعة. ولكن الإسلام يقضي كذلك بألا يترك الباب مفتوحا بدون ضوابط أمام دخوله تطبيقات نتائج البحث العلمي إلى الساحة العامة بغير أن تمر على مصفاة الشريعة لتمرر الحلال وتحجز الحرام. فلا يسمح بتنفيذ شيء لمجرد أنه قابل للتنفيذ. بل لا بد أن يكون خاليا من الضرر وغير مخالف للشرع. ولما كانت بعض المضار لا تظهر قبل مرور وقت طويل، فلا بد من عدم التسرع قبل التثبت والتأكد قدر الاستطاعة.
5- وتأسيسا على هذه الاعتبارات التي أجمع عليها الحاضرون، رأى البعض تحريم الاستنساخ البشري جملة وتفصيلا. بينما رأى آخرون إبقاء فرصة لاستثناءات حاضرة أو مقبلة إن ثبتت لها فائدة واتسعت لها حدود الشريعة على أن تبحث كل حالة على حدة.
6- وفي كافة الأحوال ا فإن دخول الاستنساخ البشري إلى حيز التطبيق سابق لأوانه بزمان طويل. لأن تقدير المصالح والمضار الآنية قد يختلف عليه على المدى البعيد والزمان الطويل. وإن من التجاوز في الوقت الحاضر أن نقول: إن تطبيقات الهندسة الوراثية في مجال النبات قد أثبتت سلامتها على الإنسان، رغم ما مر من سنوات. في حين لم تكد تدخل التطبيقات الحيوانية من العتبة بعد. ولعل المجهول هو أكبر الهموم في هذا الباب.. ولا ينبغي أن تنسى الإنسانية درسها الكبير بالأمس القريب في مجال انشطار الذرة.. إذ ظهر له بعد حين من الأضرار الجسيمة ما لم يكن معلوما ولا متوقعا، ولا بد أن يستمر رصد نتائج التجارب النباتية والحيوانية لزمن طويل.
7- ولاحظت الندوة مع الأسف أن عالمنا الإسلامي حتى الآن يعيش عالة وتبعاً للعالم الغربي في ملاحقته لهذه العلوم الحياتية الحديثة. وأكدت أن تكون لدينا المعاهد والمؤسسات العلمية التي تقوم بذلك وفق الضوابط الشرعية.
8- لم تر الندوة حرجاً في الأخذ بتقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية في مجالي النبات والحيوان في حدود الضوابط المعتبرة.

د- ا لتوصيات:
توصي الندوة بما يلي:
أولاً : تحريم كل الحالات التي يقحم فيها طرف ثالث على العلاقة الزوجية سواء أكان رحماً أم بويضة أم حيواناً منوياً أم خلط جسدية للاستنساخ .
ثانياً: منع الاستنساخ البشري العادي نقل نواة جسدية لبويضة منزوعة النواة) فإن ظهرت مستقبلاً حالات استثنائية عرضت لبيان حكمهما الشرعي من جهة الجواز أو المنع.
ثالثاً: مناشدة الدول بسن التشريعات القانونية اللازمة لغلق الأبواب المباشرة وغير المباشرة أمام الجهات الأجنبية والمؤسسات البحثية الأجنبية الأجانب للحيلولة دون اتخاذ البلاد الإسلامية ميدانا لتجارب الاستنساخ البشري والممارسات غير الشرعية في مجال الإخصاب البشري والترويج لها.
رابعاً : متابعة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وغيرها لموضوع الاستنساخ ومستجداته العلمية وضبط مصطلحاته وعقد الندوات واللقاءات اللازمة لبيان الأحكام الشرعية المـتعلقة به.
خامسا: الدعوة إلى تشكيل لجان متخصصة في مجال الأخلاقيات الحياتية لاعتماد بروتوكولات الأبحاث في الدول الإسلامية وإعداد وثيقة عن حقوق الجنين تمهيداً لإصدار قانون لحقوق الجنين.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:51 PM
ثالثاً- المفطرات:
المفطرات في كتاب الله عز وجل، وفي السنة الصحيحة ثلاثة، هي الأكل والشرب والجماع، فكل ما جاوز الحلق وكان ينطبق عليه اسم الأكل أو الشرب، كماً وكيفاَ، يعد مفطراً. وبناء على ذلك اتفق المجتمعون على أن الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات:
ا- قطرة العين أو الأذن أو غسول الأذن.
2- قرص النيتروغليسرين ونحوه الذي يوضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية.
3- ما يدخل المهبل من فرازج أو بيوض دوائية مهبلية أو غسول أو منظار مهبلي أو إصبع طبيب، أو قابلة فاحصة.
4- ما يدخل الإحليل- إحليل الذكر والأنثى- أي مجرى البول الظاهر، من قسطرة أو منظار أو مادة ظليلة على الأشعة أو دواء أو محلول لغسل المثانة.
5- حفر السن أو قلع الضرس أو تنظيف الأسنان أو المسواك وفرشاة الأسنان، على أن يتجنب الابتلاع.
6- الحقن الجلدية أو العضلية أو المفصلية أو الوريدية باستثناء السوائل الوريدية المغذية.
7- التبرع بالدم وتلقي الدم المنقول.
8- غاز الأكسجين وغازات التخدير.
9- ما يدخل الجسم امتصاصاً من الجلد كالدهونات والمروخات واللصقات الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.
10- أخذ عينة من الدم للفحص المختبري.
11- إدخال قسطرة في الشرايين لتصوير أوعية القلب أو غيره من الأعضاء.
12- إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها.
13- المضمضة والغرغرة وبخاخ العلاج الموضعي للفم على أن يتجنب الابتلاع.
14- إدخال المنظار أو اللولب إلى الرحم.
15- أخذ عينات (خزعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء.
ورأت أكثرية المجتمعين أن الأمور الآتية لا تعتبر مفطرة:
1- قطرة الأنف وبخاخ الأنف وبخاخ الربو.
2- ما يدخل الشرج من حقنة شرجية أو تحاميل (البوس) أو منظار أو إصبع طبيب فاحص.
3- العمليات الجراحية بالتخدير العام إذا كان المريض قد بيت الصيام من الليل.
4- الحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي حقنا في الصفاق (الباريتون) أو بالكلية الاصطناعية.
5- منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخاله سوائل أو مواد أخرى.

والندوة في ختام أعمالها لا يسعها إلا أن ترفع إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني ملك المملكة المغربية عظيم الشكر وجميل العرفان على رعايته لهذه الندوة المقامة على أرض المملكة المغربية داعية لجلالته وولي عهده بالنصر والعزة ومزيد من الازدهار والتقدم لشعب المملكة المغربية، كما تتوجه الندوة بالشكر لحكومة صاحب الجلالة والمسؤولين على حسن الاستقبال وكرم الوفادة.
والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية تتقدم بخالص الشكر لجميع المؤسسات التي شاركت في أعمال هذه الندوة وهي: (مؤسسة الحسن الثاني للأبحاث العلمية والطبية عن رمضان) و (منظمة والإيسيسكو) و (مجمع الفقه الإسلامي بجدة) و (المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية)، كما تتقدم بجزيل الشكر والامتنان للسادة الفقهاء والأطباء والعلماء الذين ساهموا في إنجاح أعمال هذه الندوة داعين الله سبحانه وتعالى أن يحتسب ذلك في ميزان أعمالهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:52 PM
توصيات
الاستنساخ البشري

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:53 PM
سبق للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أن عقدت ندوة عام 1983 م ، عن : " الإنجاب في ضوء الإسلام " ، عُرضت فيها ورقتان لاحتمالات إنجاز الاستنساخ البشري ، بعد أن نجح الاستنساخ في النبات ، وفي الضفادع ، والبحريات الصغيرة . وكانت التوصية التي اتخذت في هذا الصدد تنص على الآتي : " عدم التسرع في إبداء الحكم الشرعي في قضايا الاستنساخ بالنسبة للإنسان ، ( على نحو ما أدت إليه التجارب في مجال الحيوان ) مع الدعوة إلى مواصلة دراسة هذه القضايا طبيا وشرعيا ، مع جواز تطبيق تكنولوجيا التكاثر على مستوى الكائنات الدقيقـة ، باستخـدام الحامض النووي المعاود للالتحام ؛ لإنتاج مواد علاجية وفيرة ".

والآن عاد الموضوع يطرح نفسه بشكل حاد وعاجل ، منذ تم استنساخ جنين الإنسان بطريق الاستتآم عام 1993 ، ثم في الأشهر الأخيرة حين أعلن عن استنساخ النعجة ، التي سميت " دوللي " ، في اسكتلندا في قبراير 1997 ، بعد تكتم عن الأمر قرابة ثمانية أشهر ، وتلا ذلك الإعلان عن استنساخ قردين بطريقة أخرى في جامعة أوريجون .ولما كانت التقانة التي استعملها العلماء للوصول لهذا الإنجاز ، يفترض أنها واقية بإجراء نفس التجربة على الإنسان ، فقد اكتسب الموضوع منحى عاجلا أثار ردود فعل قوية .

ورغم أنه لم يعلن عن ممارسته في الإنسان بعد ، إلا أن الحاجة إلى استباقه ، بالتعرف على آثاره المتوقعة ، ووضع ضوابطه الشرعية والقانونية والأخلاقية ، حدت بكثير من الدول الغربية إلى منع التجارب البشرية ، أو تجميدها سنوات حتى تتم الدراسات المطلوبة .

لذلك رأت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أن تبادر ببحث الموضوع في هذه الندوة .

تعريف الاستنساخ :

الاستنساخ هو تكوين مخلوقين أو أكثر ، كل منهما نسخة إرثية من الآخر ، وهو نوعان :

الأول : الاستتآم أو شـق البيضة ، ويـبدأ ببويضة مخصبة ( بويضة دخلها منوي ) ، تنقسم إلى خليتين ، فتُحْفز كل منهما إلى البدء من جديد ، وكأنها الخلية الأم ، وتصير كل منهما جنينا مستقلا ، وإن كانا متماثلين ؛ لصدورهما عن بيضة واحدة .

الثاني : الاستنساخ العادي ، الذي لا يعتمد على الخلايا الجنسية ، وإنما يكون بوضع نواة خلية جسدية ، داخل غلاف بويضة منزوعة النواة . وتتكاثر الخلية الناتجة إلى جنين ، هو نسخة إرثية تكاد تكون طبق الأصل من صاحب الخلية الجسدية .

المناقشات : ناقشت الندوة الجوانب الطبية لهذا الموضوع مناقشة مستفيضة ، استجلت من خلالها المرتكزات الرئيسة ، التي يقوم عليها الاستنساخ ، من حيث الآتي :

1 - استنساخ الجنين البشري عام 1993 عن طريق " الاستتآم " ، وهو حفز البيضة المخصبة إلى سلوك النهج ، الذي تتبعه طبيعيا ؛ لتكوين التوائم المتماثلة ، حيث تنصرف كل من الخليتين عن أول انقسام للبيضة ، وكأنها بيضة جديدة من البداية ، تأخذ في سلسلة التكاثر بالانقسام في اتجاه تكوين جنين مستقل ، فإن أودع الجنينان الرحم ، وضعت السيدة توأمين متطابقين؛ لأنهما نتاج بيضة واحدة . ولم يستكمل البحث ؛ نظرا لتورع العالمين المبتكرين عن زرعهما في الرحم ، بل إنهما اختارا خلية معيبة ، لا تنهض أن تنقسم لتنمو إلا لدور مبكر ، وذلك لأن التجارب على الجنين البشري أمر حساس وخطير . ولا بد من مرور وقت حتى توضع له الضوابط الأخلاقية والقانونية .

وترى الندوة أن الطريقة من حيث مبدأ التلقيح سليمة ، لكن تقويمها من ناحية النفع والضرر لا يزال في حوزة المستقبل . ومن منافعها القريبة المنال إمكان تطبيق الوسائل التشخيصية على أحد الجنينين ، أو خلايا منه ، فإن بانت سلامته سمح أن يودع الحمل الرحم ، وكذلك التغلب على بعض مشاكل العقم ، وينطبق عليها كل الضوابط المتعلقة بطفل الأنابيب .

أما التقنية التي أفضت إلى إنتاج النعجة " دوللي " ، يإيداع نواة خلية جسدية داخل بويضة منزوعة النواة ؛ لتشرع في الانقسام متجهة لتكوين جنين ، فقد أولتها الندوة بحثا مستفيضا ، وتوسمت بعض النتائج التي تنجم عن تكوين جنين ، ( ثم وليد ) جديد ، يكون نسخة إرثية ( جينية ) طبق الأصل من صاحب الخلية الجسدية ، فلا يمنع من تمام التماثل إلى وجود عدد ضئيل من الجينات ، في سيتوبلازم البيضة المستقبلة .

2- ظهر أن تلك القضية تكتنفها محاذير فادحة إن دخلت حيز التطبيق ، من أبرزها العدوان على ذاتية الفرد وخصوصيته ، وتميزه من بين طائفة من أشباهه (نسخه) ، وكذلك خلخلة الهيكل الاجتماعي المستقر ، والعصف بأسس القرابات والأنساب وصلات الأرحام والهياكل الأسرية المتعارف عليها على مدى التاريخ الإنساني ، وكما اعتمدتها الشريعة الإسلامية ، وسائر الأديان ، أساسا للعلائق بين الأفراد والعائلات والمجتمع كله . بما في ذلك من انعكاسات على أحكام القرابات والزواج والمواريث والقانون المدني والجنائي وغيرها ، وسبقت في هذا الباب فرضيات واحتمالات كثيرة .

وقد استبعدت الندوة من البداية بحث كل ما يقحم على عقد الزواج الشرعي القائم من طرف غريب عنه ، فإنه حرام بلا ريب .

وقد تطرق بعض ا لسادة الفقهاء بالبحث إلى طائفة من الأحكام العقائدية والأخلاقية ، والعملية ـ تكليفية أو وضعية ـ التي تتصل بموضوع الاستنساخ .

3 - وقد أخذ في الاعتبار أن الدول الغربية ـ ومنها التي تجري فيها أبحاث الاستنساخ ـ قد كان رد الفعل فيها قويا وقائما على الحذر الشديد ، فمنها من منعت أبحاث الاستنساخ البشري ، ومنها من حرمتها من معونة ميزانية الدولة ، ومنها من جمدتها سنوات حتى تبحثها اللجان المختصة ، ثم ينظر في أمرها من جديد .

لهذا فإن الندوة تخشى أن يسعى رأس المال الخاص وشركات الأدوية إلى تخطي هذا الخطر ، بتهيئة الأموال واستمرار الأبحاث في دول العالم الثالث ، واستغلالها حقلا للتجارب البشرية كما كان ديدنها في كثير من السوابق .

4 - أكدت الندوة أن الإسلام لا يضع حجرا ولا قيدا على حرية البحث العلمي ، إذ هو من باب استكناه سنة الله في خلقه ، وهو من تكاليف الشريعة . ولكن الإسلام يقضي كذلك بألا يترك الباب مفتوحا بدون ضوابط أمام دخول تطبيقات نتائج البحث العلمي إلى الساحة العامة ، بغير أن تمر على مصفاة الشريعة ؛ لتمرر الحلال وتحجز الحرام . فلا يسمح بتنفيذ شيء لمجرد أنه قابل للتنفيذ . بل لا بد أن يكون خاليا من الضرر وغير مخالف للشرع .

ولما كانت بعض المضار لا تظهر قبل مرور وقت طويل ، فلابد من عدم التسرع قبل التثبت والتأكد قدر الاستطاعة .

5 - وتأسيسا على هذه الاعتبارات التي أجمع عليها الحاضرون ، رأى البعض تحريم الاستنساخ البشري جملة وتفصيلا ، بينما رأى آخرون إبقاء فرصة لاستثناءات حاضرة أو مقبلة ، إن ثبتت لها فائدة ، واتسعت لها حدود الشريعة ، على أن تبحث كل حالة على حدة .

6 - وفي كافة الأحوال فإن دخول الاستنساخ البشري إلى حيز التطبيق سابق لأوانه بزمان طويل . لأن تقدير المصالح والمضار الآنية قد يختلف عليه على المدى البعيد والزمان الطويل . وإن من التجاوز في الوقت الحاضر أن نقول : إن تطبيقات الهندسة الوراثية في مجال النبات قد أثبتت سلامتها على الإنسان ، رغم ما مر من سنوات . في حين لم تكد تدخل التطبيقات الحيوانية من العتبة بعد . ولعل المجهول هو أكبر الهموم في هذا الباب .. ولا ينبغي أن تنسى الإنسانية درسها الكبير بالأمس القريب في مجال انشطار الذرة … إذا ظهر له بعد حين من الأضرار الجسيمة ما لم يكن معلوما ولا متوقعا ، ولا بد أن يستمر رصد نتائج التجارب النباتية والحيوانية لزمن طويل .

7 - ولاحظت الندوة - مع الأسف - أن عالمنا الإسلامي حتى الآن يعيش عالة وتبعا للعالم الغربي في ملاحقته لهذه العلوم الحياتية . وأكدت على أن تكون لدينا المعاهد والمؤسسات العلمية ، التي تقوم بذلك وفق الضوابط الشرعية.

8 - لم تر الندوة حرجا في الأخذ بتقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية في مجالي النبات والحيوان في حدود الضوابط المعتبرة .

التوصيات :
توصي الندوة بما يلي :

أولا : تحريم كل الحالات التي يقحم فيها طرف ثالث على العلاقة الزوجية ، سواء أكان رحما أم بويضة أم حيوانا منويا أم خلية جسدية للاستنساخ .

ثانيا : منع الاستنساخ البشري العادي ، ( نقل نواة جسدية لبويضة منزوعة النواة) فإن تظهر في المستقبل حالات استثنائية تعرض لبيان حكمها الشرعي من جهة الجواز أو المنع .

ثالثا : مناشدة الدول سن التشريعات القانونية اللازمة ، لغلق الأبواب المباشرة وغير المباشرة أمام الجهات الأجنبية ، والمؤسسات البحثية ، والخبراء الأجانب ؛ للحيلولة دون اتخاذ البلاد الإسلامية ميدانا لتجارب الاستنساخ البشري ، والممارسات غير الشرعية في مجال الإخصاب البشري ، والترويج لها .

رابعا: متابعة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ، وغيرها من المؤسسات ، لموضوع الاستنساخ ومستجداته العملية ، وضبط مصطلحاته ، وعقد الندوات واللقاءات ، اللازمة لبيان الأحكام الشرعية المتعلقة به .

خامسا: الدعوة إلى تشكيل لجان متخصصة في مجال الأخلاقيات الحياتية ؛ لاعتماد بروتوكولات الأبحاث في الدول الإسلامية ، وإعداد وثيقة عن حقوق الجنين ، تمهيدا لإصدار قانون لحقوق الجنين .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:54 PM
ما هو الطب الإسلامي؟

الدكتور/ أحمد القاضي
الولايات المتحدة الأمريكية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:54 PM
يتزايد الضغط على علماء المسلمين لتجديد وتطوير العلوم الإسلامية، بتزايد تجديد القيم الإسلامية. ولكنه من الضروري أن ، يلم العالم الإسلامي إلماما واضحا وقويا بالعلم الذي سيسعى لتجديده وتطويره. فغالبية من يعملون بالمهن الصحية ليست لديهم فكرة واضحة عن ماهية الطب الإسلامي. حتى الذين يدركون بعض الأشياء فهم يختلفون في معتقداتهم وته س يفهم للطب الإسلامي.

وبالتالي فإننا نتساءل: ما هو الطب الإسلامي؟
هل هو الطب التقديم، الذي لا يزال يمارس في الشرق على أيدي من يطلق الناس عليهم لقب " حكيم "؟ هل هو الطب الطبيعي الذي يعتمد أكثر ما يعتمد على الأعشاب واتباع النظم الغذائية وتكييف أسلوب الحياة؟ هام هو الطب الذي يقتصر على التعاليم الدينية المتصلة بالصحة والتي نجدها في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة؟ هل هو شفاء المرضى عن طريق الإيمان والدعاء فحسب؟ هل هو الطب العادي وقد أطلقنا عليه عنوانا إسلاميا؟ أم هو اختراع جديد يسعى لشفاء جميع الأمراض؟ ليس الطب الإسلامي محصورا في أحدها، بل أن مقوماته تشمل كل هؤلاء مجتمعة، يزيد عليها الكثير.

وطبقا لتعاليم الإسلام فإن الله قد جعل لكل داء دواء. وهذا يعني انه يجب علينا الاستفادة من كل وسائل العلاج المتاحة،. وانه إذا استعصى علينا علاج مرض ما، فعلينا أن نسعى حتى نجد دواءه. ولذا لا ينحصر الطب الإسلامي في فرع واحد من فروع فن الشفاء، لأنه ليس بإمكانها ولا في وسعها التغلب على جميع أنواع المرض والعلاج الذي نحن بصدده هنا قد يتم عن طريق التمرينات الدينية أو الروحية أو التكيف الغذائي، أو المستحضرات الصيدلانية وسواء كانت مقوماتها من عناصر طبيعية أو عناصر مركبة، أو العمليات الجراحية، أو العلاج الإشعاعي، أو أي توليفة من هذه الوسائل.
وعلى الرغم من أن الطب الإسلامي قد يضم كل وسائل الطب الحديث، بالإضافة لمقومات أخرى عديدة، فإنه يختلف عن الطب الحديث في مطابقته للمعايير الستة التالية:-
أولا : انه طب رائد ومتميز على أشكال فنون الشفاء الأخرى.
ثانيا: انه طب يرتكز على الإيمان والأخلاقيات السماوية.
ثالثا: انه طب موجه هادف.
رابعا: انه طب شامل، يهتم بالجسد والروح، ويهتم بالفرد والمجتمع.
خامسا: انه طب كوني، يحاول الاستفادة من كل المصادر النافعة ويقدم خدماته للبشرية جمعاء. وأخيرا وليس آخر: انه طب علمي.

وإذا كان الطب الحديث ينادي بالتمسك بتلك المقاييس ألا وهي أن يكون متميزا، وأخلاقيا، وموجها، وشاملا، وكونيا، وعلميا، فإنه لم يحقق أيا منها. ويظهر افتقار الطب الحديث لهذه المقاييس لو أننا حاولنا تطيقها عليه. فإحصائيات الولايات المتحدة في السنوات العشر الأخيرة خير ممثل للطب الحديث وشاهدا عليه.
إن المعيار الأول هو التميز، ويمكننا تقييم إنجازات الطب الحديث على حسب مقدرته في مجال إنقاذ الأرواح واستئصال الأمراض أو السيطرة عليها، ورفع مستوى الصحة المعنوية والسعادة الشخصية للأفراد.
قد تعطى إحصائيات الطب الحديث انطباعا بأن متوسط عمر السكان قد زاد، وان الأرواح التي أنقذت قد زاد عددها. إن الرقم الواضح في إحصائيات الوفيات، هو وفيات الأطفال، حيث أنه يؤثر على مجموع الوفيات وتوسط أعمار السكان. تقول الإحصائيات إن وفيات الأطفال بلغت في عام 978 1 الرقم 0 1 0 22، وهذا يمثل تقدما بالنسبة للرقم الذي بلغته في عام 0 197 وهو 5 0 432. ولكن الإحصاءات الطية الحديثة تتجاهل ا تماما العدد الضخم1150776 طفلا توفوا في عام 978 1 خلال أشهرهم التسعة التي تسبق الولادة، والذين، تم تصنيفهم كحالات إجهاض وليس كوفيات. وهذا الرقم يمثل زيادة قدرها 0 0 6% عن الرقم المماثل في عام 1970، وهو 193491
فإذا ما أدخلنا في اعتبارنا عدد الأطفال المتوفين قبل الولادة فإن عدد وفيات الأطفال عام 1978 سيقفز إلى 786 172. 1 بالمقارنة مع الرقم البسيط 1 49 193 في عام 1970. أما الوفيات الناجمة عن الأسباب الرئيسة الأخرى، فان التقدم الذي أحرزه الطب الحديث في بعض الميادين يكاد يعاد ل التدهور الذي حدث في ميادين أخرى. فإذا ما أدخلنا في حسابنا كل الوفيات في جميع الميادين دون حساب حالات الإجهاض، فإن رقم الوفيات في عام 1970 وهو 818 9 80 1 قد انخفض إلى 5 39 776 1 في عام 1978، أي نسبة التحسن هي
8، ا% وهى نسبة ضئيلة جدا. فإذا ما أضفنا حالات الإجهاض، فالرقم الحقيقي الكامل لا وفيات في عام 1970 هو 03309 2.5، يزداد إلى 166 27 9. 2 في عام 978 1، أي أن نسبة التدهور هي 46 % أما فيما يختص باستئصال الأمراض أو السيطرة عليها فقد أحرز الطب الحديث بعض التقدم في ميادين قليلة. بينما أصابه التخلف في ميادين كنيرة.
لقد زادت، حالات الوقوع فيما يسمى بالأمراض الخطيرة من 2 1 5 65 1.5 في عام 0 97 1 إلى 2 5 9 1 1.28 في عام 1978، مما يمثل تدهورا في السيطرة على الأمراض يعادل20% خلال فترة ثماني سنوات. كذلك تنحدر قدرة الطب الحديث عام رفع مستوى الصحة المعنوية والسعادة الشخصية للأفراد، كما يظهر لنا ازدياد حالات الانتحار من 5 348 في عام 0 97 1 إلى27500 في 978 1، والارتفاع الرهيب في حالات الطلاق من 0 0 0 8 0 7 حالة في عام1970 1 إلى 0 0 0 28 1. 1 حالة في عام 978 1. ويتضح لنا من هذه الأرقام ومن الإنجازات الهزيلة أشتي حققها الطب الحديث، أن المعيار الأول! وهو التميز لا ينطبق عليه.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:54 PM
أما المعيار الثاني للطب الإسلامي فهو ارتباطه بالإيمان والأخلاقيات السماوية. إن كال الأدلة تبين لنا أن الطب الحديث لا يضع إيمانه بالله فوق أي سلطة أخرى، وأن أخلاقيات الطب الحديث ابعد ما تكون عن الشرائع السماوية. فالطب الحديث لا يمانع في إقامة علاقات بين الجنسين قبل الزواج وحتى أثناء الزواج وهو لا يرفض علاقات الشذوذ الجنسي ، وهو لا يرى ضررا في إدخال الكحول في معظم المستحضرات الطبية السائلة وكل هذا يعد انتهاكا لتعاليم الله مع أن الأمثلة التي أوردناها هي قليل من كثير . فإن ما يمثل السلطة العليا في الطب الحديث هو إجماع غالبية الأطباء ، غاضين النظر عن كلمة الله ، فيما يتداولون فيه آراء.
وأما ا المعيار الثالث فالطب الإسلامي فهو كونه موجها . فلو أمعنا النظر في الممارسات الطبية المعاصرة في الطب الحديث لوجدناه مضللا ومنحرفا . فالقاعدة العقائدية التي يرتكز عليها الطب الحديث؟ قاعدة مشوشة تفتقر إلى المنطق السليم. فإذا كان الطب الحديث يسعى لإنقاذ حياة أكبر عدد ممكن من البشر ، فإنه على استعداد لأن يدمر حياة الملايين الغفيرة من الأطفال الذين لم يولدوا بعد . وإذا كان الطب الحديث يهتم بأنشطة المخ الكهربائية كعلامة من علامات الحياة ولا يفرط في حياة الإنسان طالما كانت تلك النشطة قائمة بعملها ، فإنه على استعداد لأن يفرط في حياة الأعداد الضخمة من الأطفال الذين لم تتم ولادتهم على الرغم من أن أنشطة المخ الكهربائية لديهم قائمة بعملها . وإذا كان الطب الحديث يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الكحول مهلك للصحة ، فإنه على استعداد لأن يضيف الكحول لمعظم المستحضرات الطبية حتى مع وجود بديل سهل المنال. وإذا كان الطب الحديث سريع الاستجابة لتعقيم الإناث صغار السن تعقيما يستمر على مدى الحياة ، فإنه يبذل أقصى الجهود لإعادة الخصوبة لإرحام نفس هؤلاء الإناث آلائي يكتشفن فيما بعد أن قرارهن الأول كان خاطئا وأنهن لا يرغبن في عقمهن . وإذا كان الطب الحديث يدعى بأنه يبذل أقصى جهده لمنع تطور المرض وانتشاره فإنه لا يقف حائلا (بل قد يشجع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ) أمام بعض أنماط السلوك الاجتماعي الجنسي التي ثبت أنها تؤدى لتطوير المرض وانتشاره. وإذا كان الطب الحديث يدعي بأنه أنبل المهن وأشرفها فإنه لا يترع عن انتهاك وتجاهل قواعد الأخلاقيات السماوية.
أما المعيار الرابع للطب الإسلامي فهو شموليته، ورعايته لكل من الجسد والروح، للفرد والمجتمع، فلو أمعنا الفكر في طبنا الحديث، لوجدنا مداخله تتصف بقصر النظر وعد م الملائمة، مؤدية إلى نتائج مشئومة في أغلب الأحيان. فإذا كان الطب الحديث يهتم بدرجة كبيرة بالنمو الجسماني للأطفال الصغار، فهو يتجاهل احتياجات نشأتهم الأخلاقية ونموهم الروحي وقد أدى هذا التصور العاجز إلى تحول عدد كبير من هؤلاء الأطفال إلى ضحايا لمفاسد المخدرات وانحراف الأحداث وهي مشكلة ذات أبعاد وبائية نحيفة. وإذا كان الطب الحديث قد رفع من شأن تعليم الجنس، فإنه قد تجاهل الحدود الأخلاقية السليمة التي كان من الواجب تضمينها في مثل هذه البرامج وقد أدى هذا إلى زيادة في عدد حالات الحمل غير المرغوب فيها وزيادة في عدد اللقطاء، وارتفاع مخيف في حالات الأمراض التناسلية. كما أدى إلى زيادة مشاكل الزواج وعدد العائلات التعيسة، وهذه النتائج هي النقيض التام لما كانت برامج تعليم الجنس تهدف إليه أصلا .وإذا كان الطب الحديث قد تقدم بنا كثيرا في معرفة المكونات الفيزيائية لإضطرابات العصارات الهضمية والأوعية القلبية، فإن معدل حدوث هذه الاضطرابات ما زال عاليا جدا، وذلك بسبب نقص الاهتمام والرعاية التي يجب أن نعطيها لاحتياجات المريض الروحية والاجتماعية والتي قد تلعب دورا هاما في علم شفاء الأمراض.
وتتضح هنا هده النظرة السطحية أيضا على مستوى العلوم الأساسية والبحث التعليمي.فهم ينفقون الوقت والطاقة والأموال على النواحي الفيزيائية للمرض دون أن يعيروا النواحي الروحية والأخلاقية اهتماما كبيرا ، تلك النواحي التي تعتبر أسبابا أو نتائج لما يسمى بالأمراض الجسمانية.
أما المعيار الخامس للصب الإسلامي فهو انه طب كوني يحاول الاستفادة من كل المصادر النافعة، ويقدم خدماته للبشرية جمعاء. ومثل هذا الطب يكون مستعدا لأن يهتم بأي وسيلة علاجية ناجحة، وأن يخضعها للفحص المناسب، وان يستفيد منها إذا ثبت جدواها. أما الطب الحديث فهو لا يبدو راغبا في أن يتورط في أي وسيلة علاجية لا تنبثق من مدارسه الخاصة. حتى لو أثبتت بعض تلك الوسائل العلاجية " التقليدية " نفعها وتأثيرها، وأثبت مرور الزمن فائدتها، فإن الطب الحديث ينظر إليها بشك، أو حتى يدينها بتحيزـ بدلا من أن يبحث فيها بروح التقصي والبحت العلمي المتفتحونتيجة، لهذه النظرة المحدودة، فإن الطب الحديث ينقصه الكثير من الأفكار الجيدة التي قد تؤدي لعلاج كثير من الاضطرابات بطريقة بسيطة وآمنة وغير مكلفة.
وأما المعيار السادس للطب الإسلامي فهو أنه طب علمي. وإذا كان آخر شيء يمكن أن نصف به الطب الحديث هو انه غير عادي، فإن تلك هي الحقيقة مع الأسف الشديد. فهناك شروط يجب أن تنطق على المعالجة العلمية لكي تستحق إن توصف بأنها علمية. وإذا ذكرنا النزر اليسير من هذه الشروط فهي الأمانة في معالجة المعطيات المتاحة، ومراعاة الدقة في الأرقام والإحصائيات، والنظرة الشمولية لو أمعنا "لنظر في الطب الحديث لوجدنا أن هذه الشروط لا تنطق عليه. فليس هناك وضوح للأهداف، بدليل وجود هذا العدد الكبير من المواقف والممارسات المتعارضة والمتناقضة. وليس هناك اتساق بين النظرة العقائدية وبين السياسة التي تتم بها الممارسة (كما سبق أن أوضحنا في هذه المناقشة). فهم يتجاهلون كثيرا من المتغيرات، وإحصائياتهم تفتقر إلى الدقة، وبالتالي فالنتائج التي يتوصلون إليها غالبا ما تكون خاطئة.
كما انه من غير المعقول، بل من العبث، أن يكون الطب الحديث مبتلي بزيادة الوفيات وزيادة حدوث الأمراض على الرغم من القدم التقني الذي أحرزه وهذا يدل على أن هناك حلقة مفقودة، وهذا هو الواقع الفعلي.

ويحضرنا السؤال الهام: هل يستطيع الطب الإسلامي إن يتغلب على كل مشاكل الطب الحديث، وهل يستطع أن يعوض مواطن النقص فيه؟
والإجابة بكل ثقة هي: نعم. ففي كل مشاكل الطب الحديث التي أوردناها في هذا إلى البحث، ينجم الخطأ من نقص في التوجيه الأخلاقي، ومن نقص في نظام القيم المعيارية، ومن تجاهل بعض الحدود أو القواعد التأديبية، أو من تجاهل بعض الإرشادات الصحية والاجتماعية التي تحكم العلافات الإنسانية والحياة الاجتماعية. وكل ما ينقص الطب الحديث هو ما تزخر به التعاليم الإسلامية.
أما بالنسبة لتفاصيل العلاقة بين تعاليم الإسلام المختلفة وتطور الأمراض المختلفة، فهو ما لا نستطيع الدخول في مناقشته في البحث، وسوف يصبح موضع أبحاث منفصلة،. إن مزج التعاليم الإسلامية بالتقدم التقني الحالي(والذي تقره التعاليم الإسلامية) لينتج خليطا فريدا من فنون الشفاء التي ينطبق عليها عنوان " الطب الإسلامي " ليصبح طبأ حديثا ومتقدما للغاية، مع توافقه التام مع التعاليم والهداية السماوية. إن تأكيد الإسلام على أن لكل داء دواء، وأن علينا إن نسعى لإيجاده، لهو حافز قوي يحثنا على الدراسة والبحث من أجل صيغ ! تقدم ا، نظير له. وان
إقامة مثل هذا الفن الشفائي ليتطلب إعادة تقييم ومراجعة شاملة لكل العلوم الطبية الأساسية القائمة حاليا. وبالإضافة لإقامة صرح طبي جديد، فإن مراجعة النصوص واعادة تشكيل المناهج سوف تعكس الصلة بين الخالق وخلقه، مما تقوي من عقيدة التوحيد، وبالتالي تعزز إيمان طالب العلم من خلال دراسته المهنية الخاصة، وسوف تعكس هنا النصوص والمناهج أيضا وحدة الخلق حيث تظهر لنا أن النظم المختلفة للمخلوقات، النشط منها والخامل، تتبع نفس القوانين الطبيعية، أو بمعنى أدق، قوانين الله. وبهذا يتسع مجال ا الرؤية أمام طالب العلم مما يجعله بالتالي عالما أفضل وانسانا افضل. ولسوف يكون الجهد المطلوب إنجازه جهدا خارقا، ولكت "جهد يستحق العناء.

المراجع

REFERENCES;
1- Sahih Al-Bukhari, Lxx1. The Book Of Medicine,Chapter1.
2- United States Public Health Service , Washington D.C., Annual Reports.
3- United States Center For Disease Control ( CDC), Atlanta , Georgia. Abortion Surveillance 1972 and 1980.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:55 PM
(نظرة على وضعه الحالي وعلى مستقبله)
الدكتور / عبد الرحيم حجازي
فرنسا

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:56 PM
كان الطب الإسلامي يعتبر حتى نهاية الخامس عاثر، طبا كاملا لا معادل له، وكان للأطباء المسلمين شهرة واسعة، كما كانت المستشفيات وكليات الطب مثلا يقتدي به كمستشفى العضدي في بغداد، ومستشفى النوري في دمشق والمنصوري في القاهرة (1). وكان الأوربيون ينظمون مستشفياتهم ومدارسهم على ذات النمط. وكانت المؤ لفات الإسلامية تحتل مكانة بارزة في برامجهم الدراسية، وذكر على سبيل المثال مدارس ساليرن ومونبليه وباريس (2). كما كان ابن سينا يدعى (أبو الأطباء) (3)، وكان لكتاب الحاوي للرازي قيمة كبيرة، كما أنه حين وقع ريتشارد قلب الأسد مريضا، طلب طبيبا مسلما لمداواته، فأرسل له صلاح الدين طبيبه الخاص.

لكنه فيما بعد، أخذ الطب الأ وروبي المكانة الأولى: فاكتشف (باستور) الجراثيم، واكتشف (فليمينغ) البنسلين، ومن اكتشاف إلى اكتشاف، تطور هذا الطب، ونسي العالم ابن سينا والرازي وغيرهما من العرب وأصبح كبار الأطباء حاليا يدعون بالبروفيسور بار ناد، وشار نلي وكاكا... أما كليات الطب الموجودة حاليا في الدول الإسلامية فهي نسخة عن المدارس الأوروبية، تعلم فيها نفس المواد، حين تمرض شخصية إسلامية، فلا تداوى بالقاهرة أو في دمشق أو بغداد، بل إنها تعالج في باريس أو في لندن ن أو في نيويورك أو بوسطن.
وللحقيقة فإن مسئولية هذه الحالة لا تقع على أحد. إذ إن هناك شروطا تاريخية اجـتماعية، اقتصادية وسياسية لم تتح للمسلمين الاشتراك في النهضة الطبية. وقد حصلت منذ نهاية القرن التاسع عشر محاولات عدة للخروج مت هذا الطريق المسدود، ولكن للأسف أصيبت كلها بالفشل.

إن حل هذه المشكلة ليس بالمستحيل، فالغرب لا يملك العلم وحده، ولا له عليه احتكار. إذ إننا نجد علماء مسلمين يعملون في الغرب إلى جانب العلماء الغربيين، كما أننا نجد في الدولة الإسلامية مراكز صحية هامة وأطباء ذوى قيمة كبيرة. لكننا نستنتج أيضأ أن أهداف هذه المراكز ليست متكاملة مع بعضها البعض، بل إنها في أكثر الأوقات متضاربة. وإن طرح موضوع مستقبل الطب الإسلامي في حد ذاته خطوة هامة نحو الشعور بقوة هذا الطب وأهميته. وباستطاعة هذه الخطوة أن تتعدى الصعوبات وأن تمحو التناقضات وأن تحسن البناء حتى يصل الطب الإسلامي إلى هدفين:


أولأ: أن يصبح ذا جودة كبيرة لا خدمة الشعوب الإسلامية
ثانيا: أن يحتوي هذا الطب على علماء، أطباء وباحثين، ذوي علم واسع، كي يشكلوا بأعمالم وبحوثهم، مساهمة المسلمين بالتطور العلمي، وكي يصبح، للمسلمين مكانة ومركز في منصة الشعوب التي ساهمت بتقدم وتطوره ا لإنسا نية.

ليس من هدف هذا البحث تقديم برنامج أو مخطط للوصول إلى هذه الأهداف. إذ إن مستقبل الطب الإسلامي يدخل ضمن مخطط واسع: فالطب لا يمكن أن يتطور وحده دون غيره من العلوم لكننا سنحاول طرح بعض الأفكار التي إن تحققت، قد تساهم في تطور هذا الطب. تتعلق هذه الأفكار بنواح ثلاث:

- تنظيم المراكز الطبي.
- الأطباء العاملون في هذه المراكز.
- مركز الأبحاث والدعاية.

أ- تنظيم المراكز الطبية:

إن نظرتنا لمستقبل الطب الإسلامي نرى نوعين من المراكز.
- المستشفيات العامة والمستوصفات ودوائر الممرضات حيث تداوي الأمراض العادية طبية كانت أم جراحية.

- مراكز للعلاج والبحوث الصحبة: يحتوي كل مركز من هذه المراكز على أقسام عدة، كل قسم منها له اختصاص معين، مزود بأحدث المعدات، ومجهز بآخر الاختراعات في مجاله، كي يبقى كل قسم في الطليعة، وفي جميع المجالات أكان ذلك في مجال تطعيم الأعضاء أو في مجال الجراحة القلبية.ويلعب كل قسم من هذه الأقسام دورا هاما في تشكيل جيل جديد من الأطباء والباحثين، ويقوم هؤلاء فيما بعد، ببناء مراكز جديدة وتشكيل أجيال أخرى.

ب- الأطباء العاملون:

يعمل في كل قسم فريق طبي يعين أعضاؤه من قبل مؤسسة خاصة (نشرح دورها في الفترة ج) لكل فريق رئيس يهتم بمتابعة أعمال الأطباء والباحثين وتنسيق جهودهم. أما الأعضاء الآخرون، فهم أطباء شباب، خريجو أحسن الجامعات وأشهرها، ولهم خبرة طبية كبيرة وصلات وثيقة مع باحثي الجامعات والأقسام التي عملوا بها. ويتجدد هؤلاء الأعضاء مرة كل أربع أو خمس سنوات هذا التجدد يعود بالفائدة الكبرى على القسم إذ إنه يحمل في طيه دما جديدا وخبرة جديدة مما يسمح للقسم معرفة آخر ا التطورات، وللعاملين فيه متابعة الجهود بالطريق الصحيح.
وإلى جانب هذا الفريق الطبي على القسم أن يحوى فريقا من الباحثين. وللحقيقة فإن الفريقين يتكاملان:

فمشاكل كل فريق الأطباء تجد شرحا لها عند فريق الباحثين، كذلك فإن مكتشفات الباحثين، تلاقي مجالا للتطبيق عند فريق الأطباء. ومثل بسيط على ذلك: إن اكتشافات فريق علم الأنسجة تفيد حتما فرق تطعيم الأعضاء، كذلك فإن علم تحريك الدم له صلة مباشرة بجراحة القلب.

إلى جانب هذين الفريقين من الأطباء، نود أن نشدد على أهمية فرق الممرضات والعاملين حول فريق الأطباء.

إن قيمة عمل هذا الفريق تتعلق بدراستهم الأولية وتتعلق أيضأ بإكمال هذه لدراسة، بدراسات أخرى دائمة وإلا فإن عمل هذا الفريق يصبح ترديد. حركات لا معني، لها.

ولكي يكون عمل الأطباء والباحثين، والممرضات عملا فعالا فمن الواجب أن يكون هناك فريق تقني ذو مستوى عال. فالطب كغيره من العلوم أصبح يستعمل الإلكترنيك والكمبيوتر، لذلك فإنه من اللازم أن يكون هناك فريق تقني يعرف جيدا استعمال الآلات الموجودة، وكذلك تركيبها وتحضيرها مما يتيح له حل المشاكل التي قد تعترض فريق الأطباء أو فريق الباحثين. وباستطاعة هذا الفريق أن يكون صلة الوصل بين الفرقاء المعنيين كالأطباء وعلماء الفيزياء وعلماء الكيمياء وغيرهم.

ج- المركز الطبي للأبحاث والدعاية:

أهداف هذا المركز عديدة:-

ا- البحث عن الطلاب المسلمين البارعين والمتفوقين، في الجامعات المختلفة ومساعدتهم- هذه المساعدة قد تكون مساعدة شخصية، نفسية، وعلمية أو مالية.

2- عرض مراكز على من ينجح منهم، ومن يصل إلى مستوى علمي عال، وإعطاؤهم الاختيار لوجود مراكز عديدة، تحتوي على أقسام مختلفة. ويعترض هذأ الاختيار وجود مراكز عديدة، تحتوي على أقسام مختلفة في أكثر من بلد.

3- خلق أعمال وأبحاث مشتركة بين المركز الإسلامية ومؤسسات علمية أجنبية، إما بشكل اشتراك علماء مسلمين يختارهم المركز، في أعمال المؤسسات الأجنبية، أو طرح مشروع بحث يهم المركز، أو اشتراك علماء وأجاذب في أعمال الباحثين المسلمين، بواسطة منح دراسية من قبل المركز.

4- خلق " جائزة علمية" لها قيمة مالية كبيرة، تعطى مرة كل عام إلى عالم أو باحث. ومن الأفضل إعطاؤها في البداية إلى علماء أجانب مشهورين. وتعطي لهذه الجائزة العلمية يوم توزيعها، دعاية كبيرة في جميع أنحاء العالم، وعلى جميع المستويات. وحين يصير، لهذه الجائزة شهرة عالمية، تعطى تدريجيا إلى علماء مسلمين، مما يعطيهم شهرة ومعرفة، ويفتح لهم أبواب المؤسسات الأجنبية ويشجع الجيل الطالع الفتي كي يتبع خطواتهم.

حين يتحقق هذا المخطط بأوجهه العديدة تكون من نتيجته خلق نواة من الباحثين والعلماء الذين سيخرجون بدورهم عناصر أخرى من العلماء والباحثين. وسيعطي تكاثر هذه العناصر تيارا علميا قويا. وقد أثبت التاريخ أنه في داخل هذا التيار، نجد عناصر أذكى من الأذكياء، وعلماء لا معادل لهم، ممن يعملون ويكتشفون وينشرون اكتشافاتهم، وستشارك هذه الاكتشافات الإسلامية بتقدم الطب وتطوره. هؤلاء العلماء، وهذه اكتشافات سيسمحون للطب الإسلامي باحتلال مراكز هامة في منصة الشعوب التي تساهم في تقدم الإنسانية وحضارتها.

المراجع

ا- دكتور أحمد عيسى بك: تاريخ المستشفيات (البيمارستان) في العصر
الإسلامي. مؤتمر القاهرة الطبي لاحياء ذكرى مستشفى المنصوري. القاهرة 1928 م.
2- دكتور عبد الرحيم حجازي: الطب الإسلامي: عامل أساس في خروج أوربا من عصر الظلام. مؤتمر الطب الإسلامي الأول. الكويت 1981 م-
3- دكتور اندريه سوبيران: ابن سينا: أمير الأطباء أطروحة طبية.- جامعة طب باريس 1935.
4- ج- ك- ساباتية: بحث تاريخي عن جامعة بارير للطب. منشورات باييار. باريس 1837.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:56 PM
الوضع الراهن و التوقعات المستقبلية
الدكتور/ غلام محمد كريم
جنوب إفريقيا

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:57 PM
مقدمة:

الطب الإسلامي هو من أشهر ما عرفه الغرب عن التراث الإسلامي. فلم يهل القرن التاسع الهجري إلا وكان العرب يفاخرون بما لديهم من مدارس حديثة لتعليم ا (طب ومستشفيات متخصصة لعلاج مختلف الأمراض. والعرب هم الأصل في نشأة علم العقاقير (الأقرباذين) كما يرجع إليهم الفضل في قيام المنهج التجريبي في الطب باستخدام الحيوانات (1).

وكانت الحقائق العميقة التي تضمنها القرآن والحديث هي الدفعة القوية وراء تطور الطب في الإسلام؟ إذ كان الطب يعتبرمن الأشياء المقدسة لنشأته عن الرسول نفسه (2).

وبما أن التطور الثقافي والفكري لأي مجتمع من المجتمعات يعتمد على استقراره السياسي وتقدمه الاقتصادي والتزامه بعقائده، أي بحميته الدينية، فلقد عانى القلب في البلدان الإسلامية من نفسه المصير الذي غشى مجتمعات هذه البلدان، فمع زوال الهيمنة السياسية كانت هناك فترة انحسار تلتهما فترة ركود دامت طوال السبعة قرون الماضية.

ومع تقدم بلدان العالم الثالث وتطور التصنيع فيها وما يرافق ذلك من تحديث وسائل الإنتاج واستخدام التكنولوجيا الغربية، فمن المحتم أن تظهر في هذه البلدان كثير من المشاكل التي تفرزها نظم الغرب. ويتضح هذا بصفة خاصة من انتشار أنماط من الأمراض ترثها الدول النامية عن الدول المتقدمة.
ولقد اضطرت معظم البلدان الإسلامية تحت ق وطأة الحكم الأجنبي المستعمر إلى اتباع نظم التعليم المطبقة في الغرب، واعتماد النظم الأجنبية في إعداد الأطباء وغيرهم ممن يعملون في مجال الخدمات الطبية.

وفي مجال العلاج أيضا نجد أنه من الطبيعي، في ظل هذه الظروف أن تنقاد هذه الدول النامية لنفس الوسائل العلاجية التي يطبقها الغرب، مع تعارض الكثير منها مع مبادى الطب النبوي التي أوصى بها القرآن وأوصت بها السنة النبوية.

وبما أن معظم من يمارسون الطب أو يعملون في المجال الصحي يتلقون تعليمهم في الدول الغربية، فقد سادت نظرة الطب الغربي إلى العالم من المنطلق الدنيوي، الإنساني البحت، بينما ينظر الطب الإسلامي إلى العالم من منطلق ديني يركز على ما يتفق مع تعاليم القرآن وأحاديث، الرسول.

أ- الطب :
من المسلم به أن كثير من الأمراض التي تؤدي إلى الأسباب الرئيسية للوفاة في الغرب تنشأ بفعل الإنسان نفسه، ويمكن تصنيف هذه الأسباب كما يأتي:-
أ- الأمراض القلبية:Cardiovascular
النوبات القلبية والسكتات وارتفاع ضغط الدم.
2- أسباب تتعلق بامتصاص الغذاء وتمثيله (الأيض): ++++bolic
السكر، والنقرس وحصوات الكلى والمرارة وارتفاع نسبة الدسم في الدم.
3- أسباب تتعلق بالتنفسRespiratory
انتفاخ الحويصلات الرئوية والالتهاب الشعبي المزمن بسب تلوث البيئة.
4- أسباب تتعلق بتكون الأورام:، Nepotistic

ثبت أن السرطان يتسبب بفعل مؤثرات: خارجية كالإصابة بسرطان القولون بسبب نقص الألياف في الغذاء، وانتشار سرطانات المعدة بين اليابانيين بسبب عوامل غذائية،وكذلك سرطان المريء بين سكان ترانسكانيا في جنوب أفريقيا. أما سرطان الكبد فقد أمكن عزوه إلى مادة مسببة للسرطان توجد في المنتجات الغذائية من القمح والذرة. ويتعرض كثير من الهنود والباكستانيين الذين يمضغون أوراق التانبول (نبات متسلق) للإصابة بسرطان اللسان. ويعزى سرطان الرئة لتدخين السجائر وتلوث الهواء، وقد ثبت مؤخرا أن سرطان البنكرياس يحدث نتيجة للإفراط في شرب القهوة. ووجد أحد الباحثين من جنوب أفريقيا أن هناك؟ علاقة بين سرطان المبايض عند النساء وبين النواحي الغذائية، كما أن المواد التي تضاف للمنتجات الغذائية لحفظها أو تلوينها تتهم هي أيضا بأنها وراء الإصابة بالسرطان.

5- أسباب تتعلق بالعدو ى: Infective
يتعرض سكان المناطق التي تعاني من نقص في العناصر الغذائية أو عدم توازن هذه العناصر لارتفاع نسبة الإصابة بأمراض تتعلق بالجهاز التنفسي التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى الوفاة بسبب التهاب المعدة والأمعاء وتليف الكبد. وكما نرى فإن الأسباب الرئيسية للمرض والوفاة تتعلق بنواحي غذائية مما دعا الإمام الذهبي (0) إلى القول أن الطب كله قد اشتملت عليه نصف آية قرآنية هي (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) (7: 31).

وقد جاء ذكر الإصابة بالأمراض بسبب من الحقائق المسلم بها منذ أقدم عصور هذا الطب (6).
وكان التعريف الغربي للغذاء المتوازن حتى الثمانينات من هذا القرن، هو: " نظام الغذاء المتوازن هو ذلك الذي يتكون من الأطعمة وأسباب المحافظة على الصحة الجيدة ".

ولم يعتبر هذا التعريف جامعا مانعا، لأنه لم يشر إلى النسب الواجب توفرها في العناصر الغذائية، مما دعا إلى إعادة صياغة التعريف على النحو التالي:

" نظام الغذاء المتوازن هو ذلك، الذي تتوفر فيه " جميع العناصر الغذائية الضرورية (مما لا يؤذي البدن) بأصلح النسب والكميات لنمو الإنسان، إلى جانب أسباب المحافظة على الصحة الجيدة ".
ومع ذلك فإن هذا التعريف لا يتفق مع السنة؟ حيث يؤكد القرآن على أهمية الاعتدال في تناول الطعام، وذلك ما يؤكده الحديث الشريف في تقسيم) المعدة إلى ثلاث أجزاء متساوية: ثلث للغذاء وثلث للماء وثلث للهواء. ويوضح الحديث أيضا هذا الجانب من الاعتدال في الأكل عندما ما يقول: إن المعدة هي بيت الداء وإن الإفراط في الطعام يؤدي إلى الكسل وتبلد الذهن.

وما زال هناك الكثير مما يجب عمله نحو نشر الوعي بالقواعد الغذائية التي جاءت بها السنة للوقاية من الأمراض، وتشتمل هذه القواعد حتى على الوضع الذي يجب أن يتخذه الإنسان أثناء تناول الطعام، كأن لا يأكل وهو مستند إلى جدار أو مضطجع على أريكة أو فرش. ومن هذا) القواعد أيضا أن يشرب الإنسان الماء على رشفات متأنية، وأن يبعد الأحذية عن مكان تناول الطعام وأن يبسمل قبل الأكل. وليست البسملة مجرد اعتراف بفضل الله وكرمه، بل إنها تحمي الإنسان أيضا من آثار الطعام الضارة بصحته، وـقد علمنا نبينا الكريم آداب المائدة حيث كان العرب أيام الجاهلية يزدردون الطعام ويفرطون قي تناوله.

وقد نصت أوائل السور في القرآن على فربضة الصيام، كما خرفت على الإنسان أنواع معينة من الأطعمة كلحم الخنزير الذي ثبت مؤخرا أنه يحتوي على مواد دهنية عسرة الهضم تؤذي جسم الإنسان بيان هذه السور القرآنية هو: 2: 174-5: 4،5،119، 125،146-16: 116)

والمياه الغازية (الكوكاكولا وغيرها) هي أيضا من المواد المؤذية لاحتوائها على الكافيين. وهي ليست أفضل من الماء النقي النظيف الذي يقول عنه القرآن إنه رحمة من الله لبني البشر 8).

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:57 PM
- طب الأطفال:

في مجال طب الأطفال ثبت مؤخرا أن العوامل الغذائية تلعب دورا رئيسيا حتى في الوقاية من الإصابة بالأمراض القلبية وما يتصل بها من أمراض أخرى وعاد الغرب إلى الاعتراف بأهمية الرضاعة الطبيعية من ثدي الأم، بعد أن قامت الدلائل على فوائدها في التقليل من التعرض للإصابة بالأمراض وتحصين الطفل ضد أمراض كثيرة، كما ثبت أن النمو الجسماني والعقلي للأطفال الذين يتناولون رضاعة طبيعية كان أفضل بكثير من أولئك الذين يتناولون رضاعة صناعية. وقد أكد القرآن على أهمية الرضاعة الطبيعية للطفل حيث نقرأ في سورة البقرة (آية 234) أن فطام الطفل يجب ألا يتم قبل عامين. وإذا لم تتمكن الأم من إرضاع طفلها لأي سبب من الأسباب فعليها بالمرضعات لذلك يجب الحد من إغراق الأسواق بالأطعمة الصناعية، وترويج هذه الأطعمة في دول العالم الثالث عن طريق الحملات الإعلانية المتتالية

ب- طب الأسنان:

إن في استخدام المسواك لدلالة كافية على أهمية اتباع العادات الصحية، ويمكن تلخيص الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول لكي عن فوائد المسواك بأنه يعطر الفم ويقوي اللثة والأسنان ويذيب الرواسب والبلغم ويفتح المعدة أي يفتح الشهية للأكل. واستخدام المسواك نوع من العبادة ترضي الله وملائكته، ولم يأت أطباء الأسنان في عصرنا الحديث بما هو أفضل من المسواك (9). ولا يحتاج المرء لشجاعة كبيرة لكي يقول إن معالجة ماء الشرب بالفلورايد كما هو متبع في الدول المتقدمة مع المخاطرة بإمكانية حدوث آثار جانبية ضارة ما كان ضروريا لو اتبعت القواعد الصحية بالنسبة للأسنان كما أمرت بها السنة. وهذا مثل حي على أن الغرب بدلا من أن يتجه إلى علاج الأسباب، يعالج الأعراض بما يترتب على ذلك من آثار ضارة.

د- المخدرات السامة والإدمان على الخمر والتدخين:

يعاني الغرب من بلاء الخمر والمخدرات حيث أشاع الإدمان عليها الخراب في البناء الاجتماعي، وقضى على أرواح أكثر مما حدث في أي حرب ابتليت بها البشرية. ومع ذلك فإن الغرب لا يلقى بالا لما أمر به القرآن الكريم بأن كل ما يذهب العقل رجس من عمل الشيطان يجب اجتنابه.

وتتضح لنا معجزة القرآن كأداة للتغيير الاجتماعي عندما نستعرض ما حدث عندما نزلت الآيات التي تحرم الخمر فبعد لحظات من صدور هذا الأمر القرآني امتلأت شوارع المدينة المنورة بالخمر المسكوب، وتم هذا الإنجاز الرائع على أساس الإيمان وحده. بينما ينفق الغرب الملايين في محاولة علاج مدمني الخمر والمخدرات، ولا يفعل شيئا حيال تغيير الوضع النفسي والروحي لهؤلاء المدمنين، أو حيال البيئة الاجتماعية غير الإسلامية التي تفرز أمثالهم. وهذا العامل الأخير يعلل حالات النكوص الكثيرة التي تحدث لمن يبرءوا لفترة من آفة الإدمان، حيث ينحصر العلاج فيهم ولا يتعداهم إلى العوامل الاجتماعية التي تدفعهم إلى هذا الإدمان.

ويحق للمسلمين أن يفخروا بهذا الإنجاز الذي ينبغي أن يكون مثالا يحتذي به العالم كله لحل هذه المشكلة التي تعصف بأرواح الشباب. ولكن المأساة أن الأطباء المسلمين ما زالوا يؤيدون الوسائل الغربية في علاج المدمنين. وتكتسب الدعوة لمنع التدخين في الغرب كل يوم زخما جديدا منذ أن أدرك الجميع أن الدخان والملوثات الأخرى تتسبب في الإ صابة بأمراض رئوية خطيرة بما في ذلك سرطان الرئة. وقد صدرت فتوى عن الشيخ السعودي محمد بن إبراهيم تقول بأن تدخين السجائر يتعارض مع ما جاء في السنة (10) وأن المسلمـين قد وقعوا فريسة لوسائل الأعلام الغربية التي تروج بالإعلانات للتدخين. ولذلك ينبغي على الحكومات الإسلامية أن توقف على الفور استيراد السجائر وتصنيعها.

هـ- طب الشيخوخة: Gynaecology

يرجع السبب في كثير من الأمراض التي يصاب بها كبار السن إلى أخطاء في نظام غذائهم. ويمكن في الواقع التخفيف من آثار عملية التقدم في السن باتباع نظام غذائي صحيح.

كما تعزى أسباب كثير من أمراض الطاعنين في السن إلى الإلقاء بهم في بيوت العجائز وافتقارهم إلى المشاعر الأسرية الدافئة. إن أي طاعن في السن في بلادنا الإسلامية لن يجد نفسه أبدا في موقف يعاني فيه من الانعزال والشعور القاتل بالوحدة، إذا أطعنا ما أمرنا به الله في القرآن الكريم من رعاية لكبار السن من ذوي القربى وإحسان للوالدين، وألا نقل لهما أف وأن نرحمهما فالجنة تحت أقدام الأمهات إلى آخر هذه الوصايا الإلهية.

(تجد كل هذا في الآيات 6: 152- 17: 24، 25- 29: 9- 31: 15)

و- علم أمراض النساء: Gynaecology
لقد ثبت انخفاض نسبة الإصابة بسرطان عنق الرحم بين النساء المسلمات بسبب ختان الذكور. كما حرم القرآن أي اتصال جنسي بين الأزواج أثناء فترة الحيض.


يقول البروفيسور بدري إن القرآن هو أفضل كتاب متوفر حتى الآن عن علم الجنس، وقد حرر المسلمين من عوامل الكبت التي تؤثر بالسلب على تطور المجتمع السليم، كما أنه حد كثيرا من الاندفاع في تيار الفسق والفجور (11) ويقول البروفيسور أنصاري إن الإسلام يعتبر الفسق وبخاصة الفجور الجنسي أخطر من جرائم القتل أو السرقة (12).

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:57 PM
ز- الحقائق المتعلقة بالموت: Thanatology

لا ينال هذا الموضوع من اهتمام كليات الطب في الغرب إلا القدر الضئيل (13) بينما كان الطب النبوي يصف من قديم الزمان كيفية إعداد السليم للمحتضرين أو المصابين بأمراض لا شفاء منها (14).

ح- علم الأمراض الجلدية: Dermatology

لقد بلغ من أهمية النظافة الشخصية وطهارة الجلد أن نزلت في ذلك أولى الآيات القرآنية (15)، حيث إن بدن الإنسان هو أكبر عضو من أعضاء جسمه. ويقول ابن القيم إن عملية الوضوء يقصد بها إزالة الشوائب والاتساخات الخارجية باعتبار أن وجه الإنسان وبشرته هما المرآة التي يطل بها على الناس، بينما يقصد بالصلاة إزالة الشوائب والإضطرا بات الداخلية (16).

- التمرينات الرياضية والراحة:،Exercise and Rest

ذكرت التمرينات الرياضية والراحة ضمن المبادئ الستة الضرورية في مجال أسباب الأمراض وسبل الوقاية منها. وكان العلماء يعرفون منذ قرون طويلة مضت الفوائد الجسمانية للصلاة، وقد وصفوا الأوضاع المختلفة التي يتخذها المصلون وعلقوا عليها كما يلي:

إن للركوع والسجود تأثيرا على عودة الدم الوريدي للقلب وهما بذلك ينشطان القلب، بينما تعطى عضلات البطن والعمود الفقري التي تستعمل أثناء القيام حيوية وقوة للأوعية الدموية. والسجود يشفي من الصداع ( لأنه يساعد على التصريف) وما زال هذا المبدأ مستخدما في علاج احتقان الجيوب والتهابها.

على أن الفوائد النفسية هي أهم ما يعود على المصلي من صلاته. وسوف يتضح في هذا البحث أن الصلاة تسهم إلى حد بعيد في المحافظة على الصحة النفسية والعقلية بين المسلمين.

يقول الإمام الذهبي إن الصلاة تذهب بالأفكار السوداء وتطفي نار الغضب والصراع والإحباط وتدعو الفرد لأن يذعن في خشوع لخالقه. والصلاة تكبح جماح غرور الإنسان بكل ما يدفع إليه هذا الغرور من شر، أي أنها تساعد على إزالة المواقف التي يستجيب فيها الإنسان لكل ما يثير أعصابه، تلك المواقف التي إذا تكررت كثيرا أنشأت في الجسم تفاعلا كيميائيا دائما يطلق هرمونا خاصا ثبت أنه يسبب ارتفاع ضغط الدم وزيادة إفراز الأنسولين مما ينتج عنه إجهاد غير طبيعي لجسم الإنسان.

وهكذا فإن الصلاة لا تقي الإنسان شر الأمراض فحسب، بل إنها بتحقيقها للاستقرار تؤدي إلى أن يتخذ الإنسان مواقف إيجابية، بمعنى أن يعتمد الإنسان على الله في حل مشاكله ويطلب العون منه. وهذه الاتجاهات الإيجابية تساعد على إزالة معظم الاتجاهات السلبية كاليأس والانعزال والشك والاضطراب وحيرة العقل، وهي العوامل الرئيسية المسببة للاضطرابات العصبية التي تؤدي في مرحلة لاحقة إلى الشعور باكتئاب وهو أخف أنواع الأمراض العقلية التي يبتلى بها معظم الناس (17).

وكان محمد صلى الله عليه وسلم يعرف جيدا ما للانفعال من تأثيرخطيرعلى صحة الإنسان، ويتضح هذا من الحديث الشريف الذي نصح فيه رجلا جاءه التماسا للنصيحة بألا يغضب أبدأ؟ وهذا ما يؤكده القرآن أيضا عندما يعد " الكاظمين الغيظ " (3: 134) بأن لهم الجنة. وفي حديث شريف آخر إن الغضب من الشيطان، وبما أن الشيطان قد خلق من النار فترياق الغضب هو الماء. لذلك يوصف الوضوء كعلاج للغضب، وهو علاج فعال وزهيد الثمن ومتوفر للجميع لوضع حد للتوتر العصبي دون اللجوء إلى العقاقير المهدئة التي تحتوي على أضرار خطيرة. ومن مبادئ الطب النبوي أن يعالج المرض أولا باتباع نظام سليم للغذاء وباتباع السنة، ثم بالعقاقير وأخيرا بالصلاة دون أن يقتصر العلاج عليها. ويؤدي التوضؤ وإقامة الصلاة إلى جانب الاستعداد الذهني لها واستغراقه فيها إلى نمو شخصية الإنسان، حيث أن الصلاة ة تجعل الإنسان يتحلى بصفات التحمل والتسامح ونبل المشاعر.
إن عادة اللجوء إلى المهدئات التي تختصر في الغرب كوسيلة لحسم الصراعات النفسية والتوترات العصبية والمشاكل الذهنية لا تؤدي في واقع الأمر إلا إلى خلق مشاكل أكثر ولا تحل للإنسان أي مشكلة يعاني منها. وبينما يزدادا عدد المدمنين على هذه المهدئات يشير إصبع الاتهام إلى الأطباء لعدم اتخاذهم موقفا موحدا حيال مواجهة مشكلة هذه الأمراض وقد وصف النبي أيضا علاجات فريدة لعلاج الحزن والهم والخوف وهى من أهم أسباب الاضطرابات العصبية فأوصى بقراءة آيات القرآن التي تعلم الإنسان كيف يلجأ إلى الله فى الشدائد ويطلب منه أن يحفظه ويرعاه. وهذا هو الأساس الآن في علاج الاضطرابات العصبية التي يسببها الإحساس باليأس وعدم الشعور بالأمن.

يقول القرآن إن ذكر الله يضفي السكينة على القلب "أ آلا بذكر الله تطمئن القلوب، (13: 38).
على أن أهم دور للقرآن هو الوقاية من الاضطراب العقلي وعلاجه، هو أخطر الأمراض العقلية. ولكي نقدرهذه العبارة حق قدرها فيما يتعلق بمجالات علم النفس في الغرب دعنا نرسم صورة موجزة عن تكوين الوعي من وجهه النظر الإسلامية.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:58 PM
علم النفس والعلاج النفسي:

كان النبي (صلى الله عليه وسلم ) أول من لاحظ المرض العقلي بشكل موضوعي على شاب يهودي (18) ويذكر للمسلمين ، بالفضل أنهم أول من أقاموا مستشفيات للأمراض العقلية كانت تعزف فيها الموسيقى لتهدئة نزلائها (20) كما أن المسلمين كانوا أول من نبذوا النظريات التي كانت تربط بين الأمراض العقلية وبين الشياطين والعفاريت، وبذلك ارتقوا بعلم النفس والعلاج النفسي إلى المستوى العلمي. ويكفي أن نستعرض بإيجاز النظريات الغربية الخاصة بعلم النفس لكي نفهم وجهة النظر الإسلامية التي تتعارض تماما مع هذه النظريات.

الأصل في كلمة سيكولوجيا (علم النفس) هو الكلمة اليونانية " سايكي psyche وتعني الروح. ولكن التعريف الحديث للسيكولوجيا يقرر بأنها دراسة السلوك الإنساني. وندرك على الفور أن علماء النفس المعاصرين قد انحرفوا بهذا التعريف عن الآراء الأولى التي كانت أقرب إلى المفاهيم الإسلامية ونحوا بها نحوا ماديا.

وقد استقى فرويد معظم آرائه من التلمود. وبطريقة شعورية أو لا شعورية نزل بالمذهب الباطني اليهودي إلى المستوى الدنيوي؟ إذ لا نزاع أن هذا المذهب كان قد احتل مكانا بارزا في تفكيره (22). وحيث إن فرويد قد طبع على أن يكون ماديا في تفكيره، وبما أن تعاليمه قوبلت باعتراض كبير فقد اختار يونج Juny بالذات ليخلفه لكي يعطي الانطباع بوجود نوع من المصالحة بين علم النفس والدين.

وقد استأصل علم النفس الحديث يونج من جذوره وأصبح علماء النفس المعاصرين من أمثال موري وسكينر و روجرز يناصرون المعتقدات الدنيوية، وابتعدوا بذلك عن الحقائق التي بسطها القرآن والسنة فيما يتعلق بالعقل و- الروح والسلوك الإنساني.

يقول الأنصاري (23) إن شخصية الإنسان ذات أبعاد ثلاثة

أ- بعد جسماني.
2- بعد نفسي.
3- بعد علوي يقع خارج نطاق الخبرة (ولكن ليس خارج نطاق المعرفة). Transcendental
وباستخدام القرآن كمصدر نفسر به تركيب الوعي (وهو مصطلح أنسب في رأينا من مصطلح الشخصية) يمكن أن نفترض الآتي:-

- ينقسم الوعي الإنساني إلى مستويات ثلاثة: هي في الواقع ثلاثة جوانب للروح ليست منفصلة أو متمايزة، بل بالأحرى متلاقية ومتفاعلة يتداخل كل منها في الآخر ويتعايش معه.
كما أن الروح ليست جامدة أو محدودة أو مادية في تكوينها، بل تتكون من ثلاثة مراكز حيوية ثلاثة هي:
ا- النفس الأمارة.

يقول القرآن الكريم:! إن النفس لأمارة بالسوء، (12: 53). وهي أدنى مراتب الوعي الإنساني حيث نجد سائر الغرائز الحيوانية والانفعالات والعواطف المختلفة كاشتهاء الأكل والجنس والعنف والجشع وكذلك انفعالات الحب والغضب والكراهية... الخ.

2- والمرتبة الوسطى: هي ما يمكن أن نطلق عليها " القلب أو كما سماها القرآن بالنفس اللوامة، وهي الضمير الإنساني أو المستوى العقلي المنطقي من الوعي الإنساني: ولا أقسم بالنفس اللوامة، (75: 2).
3- والمرتبة العليا هي الروح وهي أقرب المراتب إلى البارئ عز وجل فالإنسان قد صنع من طين ثم نفخ فيه الله من روحه( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من ر وحي فقعوا له ساجدين، (15: 28: 29).

ويعتقد البعض خطأ أن الروح والنفس مترادفتان. وسوف يتضح من الجدول المنشور أدناه أن هذا ليس صحيحا وإنهما متعارضتان تماما. فالروح نورانية سما وية وأقرب إلى الربانية، بينما النفس أقرب للبدائية أي الحيوانية، ويمكن تشبيهها بالصابورة أو الثقل وتظل تجرجر القلب وراءها إلى العالم السفلي.
وقد بنيت هذه الدراسة على مؤلفات المحاسبي (24) الذي يشبه النفس الأمارة بكتلة ثقيلة من طاقة مشتعلة تكاد تكون نارا تؤجج الانفعالات من غضب وحب وعنف. وإذا لم يكبح القلب جماح ما تأمر به هذه النفسي فإنها تدمر نفسها والعالم أجمع. وظيفة الضمير أو القلب إذن هو توجيه هذه المرتبة الدنيا من الوعي الإنساني إلى سلوك أقوم، أي أن النفس اللوامة أو الضمير مسئولة عن تنظيم النفس الأمارة وتوجيهها، وبهذا التوجيه تساعدها على الارتقاء والتسامي إلى مرتبة النفس اللوامة. أما النفس المطمئنة فهي أعلى مرحلة يصل إليها المسلم في حياته الدنيوية المؤقتة حيث يعيش بحواسه كلها.
ووظيفة الروح هي الجذب إلى أعلى وهي ما يسميها الأنصاري (25). بعملية التزكية، أي تحويل الإنسان إلىالمستوى الملائكي أو الرباني، وهي تعمل على مستوى علوي خارج نطاق الزمان والمكان ، ويقسم نصر المعرفة الإنسانية إلى ثلاثة أنواع تعمل على هذه المستويات الثلاثة من الوعي:

ا- معرفة مكتسبة: وهى مبنية على نظام الاستجابة لمثير. ويتوفر هذا النوع من المعرفة لسائر الحيوانات ومعظم الكائنات الحية بما في ذلك النباتات والمعرفة المكتسبة تتساوى مع ما يسمى بالمعرفة النقلية، أي المعرفة التي يتناقلها جيل عن جيل .

2- المعرفة العقلية: وهي المعرفة التي تنشأ عن عمليات يقوم بها العقل لتكوين المفاهيم وغيرها.
3- المعرفة اللدنية: Intuitional (وتقوم بها الروح وتتخذ شكل الإطعام والأحلام... الخ. وهذه المعرفة من النوع أبوي ولا يمكن وصفها بش!كل محدد، وتسمى بالذوق أو الحكمة (26" Sapiential Knowledge

تركيب الوعي ، من الأهمية بمكان أن نلاحظ أ ن الشخصية أو الوعي لا تتتهي بانتهاء الإنسان عند الموت، بل تواصل الحياة على مستوى زماني ومكاني مختلف.-


ولقلب يمثل مركز الوعي، أما النفس فتمثل المستوى الدنيوي أو الأرضي Mundane وهي مكان العواطف، أما الروح فهي توجد فيما وراء الزمان والمكان ولا تموت أبدأ، وتتحول بعملية التزكية إلى مكانة أعلى (انظر سورة الشمس: 9- 11) ووسائل الروح في هذه التزكية هي الصلاة والذكر والتسبيح.
وهذه الفرضية التي تقوم على أساس النظرية السيكولوجية عند المحاسبي (27) تتفق مع دعوى فضل الرحمن عن التأثير الشامل للتكنولوجيا المعاصرة على تنظيم ملكات الإنسان الداخلية، وينتهي إلى القول بأن هناك قوى نفسية ثقافية تعمل من خلال مواد كيميائية كالهرمونات على مستوى الأفراد والشعوب. وقد نجد هنا تفسيرا لتلك الروح الوثابة التي تميز بها المسلمون الأوائل، واستطاعوا بها أن يقطعوا شوطا بعيدا في طريق التوسع والتقدم، وأن يقهروا بها أراضى شاسعة تبعد آلاف الأميال عن الجزيرة العربية، كما تتفق هذه النظرية مع وجهة نظرنا عن السلوك الإنساني وكيف يمكن تنظيمه عن طريق التزكية (تطوير الفكر عن طريق العبادة).

وهناك تفاعل دائم بين مستويات الوعي الثلاثة، إذ يحاول كل منها السيطرة والتحكم في المستويين الآخرين، ولكن القلب أو الضمير يقف دائما من هذا الصراع موقف الحكم العدل.

وتحاول النفس الأمارة دائما منع القلب من الارتفاع إلى المستوى العلوي الذي تحتله الروح وتجر الإنسان إلىأشكال السلوك الدنيا كالعدوان والصراع من أجل البقاء... الخ. ويحاول القلب دائما تعديل هذا السلوك والارتقاء به إلى مستوى إنساني ينم عن الرحمة والتعاطف.

والانفصال بين القلب والنفس الأمارة قد يحدث نتيجة لمرض أو إصابة أوتناول عقاقير مخدرة أو الحياة في الظلام،أي الحياة في ظلام الكفر بالمعنى القرآني. ويؤدي هذا الانفصال إلى سلوك الجاهلية بكل ممارساتها البربرية المجردة من الإنسانية، أي أن الإنسان في هذه الحالة يعيش حياة حيوانية. ويطلق على هذا السلوك أيضا تعبير (السلوك العصابي " Neurotic وهو مجال علماء النفس المعاصرين، كما يقع أيضا في مجالهم رد الفعل الناشئ عن التفاعل بين القلب والنفس الأمارة، وهذا التفاعل يؤثر على النفس فيما تفعله إما بالسلب أو الإيجاب فتسلك سلوكا حسنا أو سيئا.

أما إذا حدث انفصال بين القلب والروح فإن هذا يؤذن ببدء مرض نفسي خطير يطلق عليه علماء النفس مصطلح " الذهان " أو التشوش النفسي، وما زالت هناك أبحاث مكثفة في الغرب لتحديد أسباب هذا المرض على المستويين النفسي والكيميائي الحيوي.

وأكثر حالات التشوش النفسي انتشارا وأخطرها كذلك هي حالة الشيزوفرانيا أو انفصام الشخصية، وقد كانت هذه الحالة تبحث من قبل من منطلق العوامل الوراثية إلا أن مشكلة التوصل إلى تعريف واضح للمرض تجعل البحث في هذا المجال من الصعوبة بمكان، حيث تتنوع أعراض المرض من ثقافة إلى أخرى كما أن هناك تباينا في معايير التشخيص (29). وكان من أنجح الطرق الكيميائية الحيوية لدراسة الشيزوفرانيا استخدام عقاقير مؤثرة عقليا لبحث تفاعلات جهاز الإرسال العصبي في المخ، وقد وجدت عقاقير معينة بإمكانها إحداث تغييرات مشابهة لأعراض المرض ومنها الأمفيتامين Amphetamine بينما توجد مركبات مهدئة أخرى ومنها مركبات الفينوثيازين Phenothiazines تحمل على الاعتقاد بأن تفاعلات الدوبامين Dopamine في المخ هي المسئولة عن هذا المرض (30) ومن الأمور المعروفة بين المتصوفين في الإسلام أن هناك حالات معينة سن التسبيح والذكر تؤدي إلى الانفصام العقلي. وكان أول من وصف هذه الحالة وصفا علميا في المجلات العلمية الغربية هو الدكتور سو بود Subud وهو من إندونيسيا. لذلك سميت هذه الحالة عند المتصوفين باسم الذهان السوبودي ويعني هذا ضمنيا أن التسبيح يعمل على محور الروح والقلب، وهو نفس المحور الذي يعمل عليه الوحي أو الإلهام وكذلك الأحلام.

وقد اتضح مؤخرا أن الأحلام تلعب دورا حيويا في الاستقرار العقلي عند الإنسان. وقد عرف النبي (صلى الله عليه وسلم ) هذه الحقيقة من خلال القرآن، حيث يوضح القرآن أن الليل قد جعل لراحة الناس، وبالرغم من أن دراسة تفسير الأحلام ما زالت تحبو إلا أن علماء المسلمين كتبوا في هذا الموضوع رسائل كثيرة منذ قرون عديدة مضت.

والأحلام هي إحدى وسائل الاتصال بين الله وبين خليفته على الأرض، فلقد خلق الإنسان ليكون خليفة الله في أرضه، وهو بذلك لا يتحمل مسئولياته تجاه خالقه فحسب ولكن تجاه بقية المخلوقات أيضا بما في ذلك بني جنسه من البشر، لذلك يستحق موضوع الأحلام هذا اهتمام الباحثين من المسلمين، وقد جاء ذكر الأحلام في مواضع كفرة من القرآن، نجدها على سبيل المثال في سورة يوسف (في الآيات 5، 45)، كما يتحدث القرآن عن رؤيا سيدنا إبراهيم (سورة 37: آية 105) وتبين آخر دراسة أجراها روسي (33) أن عملية الحلم عبارة عن حالة متغيرة من حالات الوعي.


ومن العوامل الأخرى التي تعمل على محور القلب والروح عامل الصلاة التي يصفها الحديث الشريف بأنها معراج المؤمن، أي المستوى الأعلى الذي يرتفع إليه المسلم عندما تصبح الروح هي الجانب المسيطر على وعيه، وكلمات الله قي قرأنه الكريم لها مفعول أكيد على التفاعل بين الروح والقلب، وقد برهن على ذلك أن الخليفة عمر (رضي الله عنه) اعتنق الإسلام عندما سمع أخته ترتل آيات من سورة طه. وهذا هو المعنى الذي تنطوي عليه الآية الكريمة( الله يهدي من يشاء)
- أما الآية التي حيرت المستشرقين والتي تقول ( ويضل من يشاء)

فهي تعني أن تفاعلا محددا لا بد وأن يحدث بين المستوى العلوي والمستوى السفلي من وعي الإنسان، قبل أن يصبح مسلما بالكلمة والعمل.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:58 PM
التوقعات المستقبلية:

إن للبحث في مجال الدراسات النفسية والعلاج النفسي أهمية بالغة، حيث لم ينجح علاج الأمراض العقلية وفق المفاهيم الغربية، إذ يقتصر العلاج على إخفاء أعراض المرض تحت قناع المهدئات والصدمات الكهربائيةect ولقد تم التخلي عن هذه الوسائل حيث وجد أنها لا تؤدي إلى نتائج قاطعة. وحسب ما جاء في السنة، ففي الإسلام وسائل بكثير لعلاج الأمراض العقلية، ولا تؤدي هذه الوسائل إلى إراحة المريض من أعراض مرضه فحسب، بل إنها تعيد توجيه مراكز الطاقة لا النفس نحو المستويات العلوية للروح.

إن الدائرة التي تجمع القلب والروح تتطلب أن يتصف الإنسان بصفات النبل والأخلاق الحميدة وذلك بتنفيذ نص الحديث الشريف. " تخلقوا بأخلاق الله، أي أنه يجب على الإنسان أن يقتدي بأنبل قدوة خلاقها الله، كما جاء في آية الكريمة(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)9! 33: 21).

ومعنى ذلك أن الإنسان ينبغي أن ينسجم في أفعاله مع غيره من المخلوقات وأن يشع بالسلام والمودة وأن يقوم على خدمة الآخرين بدلا من الأنانية وخدمة الذات فقط.

المؤمن الذي يعمل على محور القلب والروح لن يفرط في طعامه وبذلك يحافظ على صحته حتى يتمكن من إزالة الظلم والعوز والجوع عن أبناء عقيدته.

ونقرأ في سورة بني إسرائيل (آية 83) وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ). والمؤمنون هم طبقة أعلى من المسلمين. وتثبت هذه الآية أن القرآن هو كتاب الشفاء.

ثم نقرأ في سورة المائدة ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) (آية 33). وتأمر الآية المسلمين بأن عليهم إنقاذ حياة من يتعرض للخطر. ومن ينقذ حياة إنسان فكأنه أنقذ حياة الناس جميعا.

ونقرأ الحديث النبوي الشريف: " ما خلق الله من داء إلا وخلق له دواء وفي هذا الحديث ما يحفز الأطباء على مضاعفة جهودهم في علاج مرضاهم وإنقاذ حياتهم.

ويقول الدكتور معطي الأمين كلاج إن الفضل كان يرجع إلى هذا الحديث الشريف في انطلاق العلماء المسلمين نحو البحث والتجريب لاكتشاف الجديد في دنيا العقاقير، وبذلك وضعوا الأساس لعلم الأقرباذين. وينبغي أن يظل هذا الحديث حافزا للأجيال الحاضرة والمستقبلة لبذل المزيد من الجهد في هذا المجال ("3).

ختاما أقول أن كل الدلائل تشير إلى ازدياد نسبة الإصابة بالأمراض العقلية في بلاد العالم الثالث تحت وطأة موجة التحديث واستخدام التكنولوجيا الغربية واتباع أساليب الحياة الغربية. وهذا الموقف يمثل تحديا أمام سائر المسلمين عليهم مجابهته لمحاولة التخفيف من آلام البشر جميعا وليكن للقرآن والسنة دور كبير في هذا المجال إن شاء الله. ويأمرنا القرآن في مواضع كثيرة بإطعام الجائع، مطلقا بذلك أعظم ثورة اجتماعية في تاريخ البشرية، كما يأمر الناس بالتآزر لدعوة الآخرين إلى الحق وإزهاق الباطل، وأن يخفضوا جناح الرحمة لأولئك الذين لم يهتدوا إلى النور والإيمان بعد. وتوشك ثورة مماثلة في مجال الرعاية الطبية على الانطلاق قريبا بإذن الله.

* المراجع موجودة في البحث المنشور بالإنجليزية.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:59 PM
منهج دراسته في كليات الطب
مشروع تدريس مادة الطب في كليات الطب

الدكتور أحمد شوقي الفنجري
الكويت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:59 PM
مقدمة:
الحاجة إلى ربط الطب بالدين
عندما بدأت أوربا عصر النهضة العلمية الحديثة بعد ظلمات القرون الوسطى حدث أول صدام بين العلم والدين. وبين العلماء ورجال الكنيسة. وقد استمر هذا الصراع حقبة طويلة من الزمن وبلغ من الشدة بحيث كانت الكنيسة تأمر بإحراق العلماء أحياء أو وضعهم على الخوازيق بتهمة السحر والهرطقة. ولم ينته هذا الصراع إلا بإقرار مبدأ فصل الدين عن العلم.

وإذا كانت هذه الخطوة في أوربا قد أفادت العلم بإطلاق حرية البحث والتفكير فقد كان عواقبها بعد العلم والعلماء عن الدين... وعن القيم والمثل العليا التي جاءت بها الأديان.
وللأسف الشديد عندما بدأ العالم الإسلامي عصر النهضة العلمية الحديثة فقد نقل عن الغرب كل نظمه العلمية وأسلوبه بغير تمييز.. بما في ذلك مبدأ فصل الدين عن العلم... وهذا خطأ كبير لا مبرر له.. فالإسلام يحث على العلم ويحترم العلماء ولا يقف عائقاً أمام حرية البحث والتفكير العلمي.
ومن هنا كان لا بد من الدعوة من جديد إلى ربط العلم بالدين.. لا في المجال الطبي وحده... ولكن في شتى العلوم والمعارف المادية والإنسانية... مثل الهندسة والعلوم والتجارة والعلوم الاجتماعية والفلسفية وعلم النفس...

والهدف من هذا الارتباط:

ا- إنشاء جيل من أهل المسلمين ملتزم بالقيم والمثل العليا والأخلاقيات التي جاءت بها الأديان.
2- القضاء على ظاهرة الإلحاد والبعد عن الله التي تفشت بين أهل العلم والأطباء المسلمين.
3- رفع المستوى العلمي بين العلماء المسلمين بفضل العودة إلى الدافع العقائدي الذي كان يحث العالم المسلم على إتقان العمل والتفاني والتبحر في العلم لكي يخدم به دينه وعقيدته.
4- خدمة الإسلام كدين وعقيدة... بفضل البحوث العلمية التي تزيد الإيمان بما تقدمه من براهين علمية.

نوعية الدراسة الدينية في الكليات العلمية:

لقد جرت أول محاولة معاصرة لتدريس الدين مع الطب بالجامع الأزهر.. ولكن هذه المحاولة لم تحقق أهدافها ولم تجد الحماس الكافي بين طلبة العلم. وذلك بسبب نوعية الدراسة واختيار المنهج.. فهي دراسة دينية تقليدية مما يدرس في كليات الفقه والشريعة.. مثل قواعد الصلاة والزكاة والحج والصوم.. أو قضايا الزواج والطلاق والمحلل وغير ذلك من الأمور التي لا ترتبط بموضوع دراستهم أو باتجاههم العلمي...

إن الدراسة الدينية في أي معهد علمي يجب أن تنتقى انتقاء بحيث تكون ذات علاقة وثيقة بالمنهج العلمي نفسه.
- ففي كلية التجارة يدرسون الاقتصاد الإسلامي.
- وفي كلية العلوم يدرس الإعجاز العلمي في القرآن.
- ولا كلية الخدمة الاجتماعية يدرس علم الاجتماع الإسلامي.
- وفي كلية الحقوق يدرس نظام الحكم والعقوبات في الإسلام.
- وفي كلية الطب يدرس الطب الإسلامي.

حقيقة أن هذه الأبحاث في هذه المجالات قليلة... وأن إنشاء مادة علمية جديدة كالاقتصاد الإسلامي والطب الإسلامي أمر يحتاج إلى جهد كبير ولجان علمية ولكن لا بد من البداية بوضع النواة من الآن...

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 06:59 PM
وهذه نبذة مختصرة عن مشروع وبرنامج تدريس مادة الطب الإسلامي.

منهج دراسة الطب الإسلامي

يشتمل المنهج على الأقسام التالية:

أ- الإسلام والطب.
ب- التراث الطبي الإسلامي.
ب- العلاج في الطب الإ سلامي.
د- التكنولوجيا العصرية في خدمة الطب الإسلامي.

(أ) الإسلام والطب:
ويتناول هذا الباب ما جاء به الإسلام كدين وتعاليم وله علاقة بمهنة الطب ومن ذلك.
ا- خلق الطبيب المسلم:
وتجمع مادة هذا الباب من القرآن وتعاليم الرسول (r) بحيث تشمل على جانبين:-
أ- المعاملات الانسانية والسلوك الاجتماعي الإسلامي بصفة عامة.
ب- ما يتعلق بممارسة مهنة الطب بصفة خاصة..- مثل كمان سر المريض " البعد عن الطمع المادي " حرمة البيوت والعائلات تجنب نظرة الشهوة إلى المريضة.. عدم غش المريض. إتقان الفحص والعلاج.

2- قسم الطبيب المسلم:
فحتى اليوم ما زال الأطباء في العالم الإسلامي يقسمون قسم أبقراط.. والذي ينص على أمور بدائية وبديهية في حين أن لدينا من تعاليم الإسلام ما هو أكثر إيجابية وأعلى مستوى من ذلك... ومن هنا فلا بد من قسم طبي إسلامي خاص بنا.

3- تعاليم الإسلام وأحكام الشريعة في القضايا الطبية:
مثل رأى الإسلام في الإجهاض.. وزرع الأعضاء.. وطفل الأنابيب وحكم الطبيب الذي تأتيه حالة حمل سفاح.. هل يلتزم بالإبلاغ عنها أم يحفظ سر المريضة وهكذا...

4- الطب الوقائي في الإسلام:
والمقصود به دراسة كل ما جاء به الإسلام من تعاليم وأوامر.
أ- لإقامة المجتمع الصحي المثالي: عن طريق النظافة: نظافة الأيدي والملابس والطعام والطريق ونظافة البيوت ونظافة مصادر المياه وشواطيء الأنهار والآبار..
ب- لوقاية المجتمع من الأوبئة: تعاليم الإسلام عن ظهور الوباء وتجنب العدوى.

5- حكمة التحريم:
يجب أن يدرس الطبيب المسلم الحكمة الطبية والعلمية للمحرمات مثل: الزنى واللواط. والميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والمخدرات بحيث يكون مؤهلاً لشرح الحقائق العلمية للمسلمين.

6- الإسلام والصحة والنفسية:
تعاليم الإسلام للقضاء على مظاهر التوتر والعنف في البيئة الإسلامية وذلك بمنع بؤ ر الفساد والتوتر كالحانات
ودار القمار واللهو غير البريء والدعارة بهدف إنشاء مجتمع السلام والطمأنينة.
وكذلك حكمة الإسلام في الحث على الصبر والقناعة وعدم الغيرة والحسد لإبعاد المسلم عن العقد النفسية وا اعلق العصبي...

7- الإسلام والصحة الجنسية:
دراسة تعاليم الإسلام حول الجنس.. وآداب المباشرة وحكمة الغسل بعدها وحكمة الختان للذكور دون الإناث، وأضرار ختان البنات والحكمة الطبية وراء إباحة الطلاق وتعدد الزوجات.

8- الصوم:
وفوائده الصحية 9هـ الأسباب الطبية التي تمنع الصوم سواء منها ما كان مؤقتاً أم دائما..

9- الإعجاز الطبي والعلمي في القرآن:
دراسة كل ما جاء في آيات القرآن من حقائق علمية أثبت العلم الحديث صدقها وخاصة ما يتعلق بالأجنة. وتخلق الانسان وتكوين النطفة وتطوير الجنين في الرحم..

(ب) التراث الطبي الإسلامي:
أ- تاريخ الطب الإسلامي:

ابتداء من عصر الجاهلية.. ثم فضغط الإسلام في فصل الطب عن السحر ثم عصر الترجمات ثم عصر الإنتاج الذاتي والنهضة

2- فروع الطب الإسلامي:
مثل الجراحة والباطنية والعيون (الكحالة) والصيدلة ومقارنة الطب الإسلامي في مرحلة ازدهاره بطب الشعوب الأخرى وخاصة في القرون الوسطى.

3- المستشفيات: الاسلامية والمريض في الإسلام ومستوى الخدمة الطبية.

4- علماء المسلمين في شتى فروع الطب:

مثل الرازي شيخ الأطباء ومثل الرئيس ابن سينا ومثل ابن النفيس طبيب القلب والدورة الدموية وابن الهيثم شيخ الكحالين وابن البيطار شيخ العطارين مع شرح دور كل منهم في فرع تخصصه وكتبه التي ألفها..

5- الأمراض والأدوية والأجهزة والحقائق الطبية التي اكتشفها أو اختراعها علماء المسلمين و طوروا بها مهنة الطب. %=6- عمل مقدمة تاريخية لكل مرض معروف في عصرنا تبين فضل علماء المسلمين في اكتشافه أو تطور المعلومات عنه مثل اكتشاف الرازي للحصبة وأنواع اليرقان وأمراض الحساسية واكتشاف ابن النفيس للدورة الدموية وتجريح القلب واكتشاف ابن سينا لخيوط الجراحةو الحقنة تحت الجلد...

ج) العلاج في الطب الإسلامي:
ا- نظرية الأخلاط في الطب الإسلامي القديم ونقدها علميا.

2- الأعشاب المستعملة في الطب الإسلامي وما استخلص منها في عصرنا الحاضر وطريقة تصنيعها وتقديمها للمرضى..

3- أعشاب استعملت وثبتت فعاليتها حتى عصرنا وكيفية تطويرها.

(د) التكنولوجيا العصرية في خدمة الطب الإسلامي:
عمل أبحاث علمية متطورة بالأسلوب العلمي العصري وبالاستعانة بالأجهزة الحديثة في مجالات تخدم الطب الإسلامي وتطوره مثل:-

ا- دراسات على عسل النحل وخصائصه الطبية ودراسة ماء الكمأة في أمراض العيون والتمر وخصائصه... الخ.

2- أبحاث متطورة على الأعشاب والوصفات الطبية القديمة التي جاءت في كتب التراث الإسلامي..

3- أبحاث علمية على العطارة والطب الشعبي الموجود في العالم العربي والإسلامي المعاصر وإمكانية تطوبر ها.

4- دراسة جبر العظام في الطب العربي والاستفادة منه في عصرنا الحاضر بعد تطويره بعد أن. لوحظ أنه ما يزال متفوقاً على علم جراحة العظام الأوربي المعاصر ونتائجه أفضل.
كانت هذه بعض الأبواب الرئيسية في دراسة الطب الإسلامي في كليات الطب. وهذا المقرر يجب أن يكون إجبارياً ومدة الدراسة ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر ويستحسن أن يتم بعد السنة الثالثة طب أي بعد أن يكون الطالب قد درس التشريح والفسيولوجيا وعلم الأمراض حتى يمكنه استيعاب حقائق الطب الإسلامي...

بلحر
06-11-2005, 06:59 PM
مغامرات صحفي في عالم السحر لطفا أدخل هناhttp://www.islamonline.net/arabic/arts/2004/03/article17.shtml

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:00 PM
أفضال الطب الإسلامي: حاضره ومستقبله

الدكتور: يوسف أحمد
باكستان

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:00 PM
نبذة:
يعرض البحث في إيجاز التسلسل، التاريخي لإسهامات العلماء والباحثين المسلمين في علوم الطب، مع بيان أثر هذه الإسهامات خلال ما يقرب من عشرة قرون في إحداث ذلك التطور الهائل الذي تشهده العلوم الطبية الحديثة.

ثم يحلل البحث الأسباب التي أدت إلى الركود الحالي في التفكير العلمي وعدم تطبيق الطرق العلمية المتقدمة في مجال الطب الإسلامي.

وفي النهاية يطرح البحث عدة مقترحات عما يجب عمله لإحياء الطب الإسلامي بما يتمشى مع الاتجاهات العلمية الحديثة حتى يلعب دوره الفعال في البرامج العالمية لرعاية الصحة، وبخاصة بلدان العالم الثالث حيث أصبح الطب الحديث بعيدا عن متناول عامة الناس.

الطب هو المحصلة النهائية للجهود الإنسانية المتصلة منذ العصور القديمة لتفسير الظواهر المختلفة كما يبدو عند الملاحظة، مثله في ذلك كمثل بقية فروع العلم الأخرى كما. ثم تصنف هذه الظواهر من خلال نظريات يتم توضيحها عند التوصل إليها والإعلان عنها، وتؤدى التجارب التي تجرى للتحقق من صدق هذه النظريات إلى عدد من القوانين العلمية، يستهدف تطبيقهما العام دفع المعرفة الإنسانية بضع خطوات على طريق التقدم لصالح البشرية جمعاء، وتظل هذه القوانين صامدة إلى أن تستبدل بأفضل منها عند اكتشاف دلائل أكثر دقة وأقرب إلى التصديق. ولهذا لم يكن العلم في يوم من الأيام حكرا على أي دولة أو قارة أو أمة أو سلالة. إن شأن العلماء دائما وفي كل زمان أن لا يتوقفوا عند حد استيعاب ما يسهم به السابقون منهم، بل يضيفون إليه من تجاربهم وآرائهم ونظراتهم الجديدة للأمور القديمة.

وعظمة ما يسهم به العلماء في فترة معينة من فترات التاريخ إنما يقاس بما وصلت إليه المعرفة في تلك الفترة بالذات، حتى نعرف إلى أي قمم جديدة حملت هذا العقول الفذة شعلة العلم والمعرفة في مجال من المجالات.

وفي هذا المطار ينبغي أن ننظر إلى ما أضافه الطب الإسلامي (أو إلى مدى تقدم العلوم الطبية في العهد الإسلامي).
ويشتمل الطب على معرفة جسم الإنسان (أو الحيوان) في حالات الصحة والمرض، وعلى معرفة أسباب المرض، وكيف يمكن إعادة المريض إلى حالته العادية. وبهذا الأسلوب العملي يصبح الطب قديما قدم الجنس البشري ويعتبر بحق أم العلوم كلها، ويعد ما أضافه العلماء المسلمون في هذا المجال من الإنجازات العظيمة بأي مقياس من المقاييس.

ولقد نشأ الطب الإسلامي مع قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم في الربع الأول من القرن السابع الميلادي، ولقد شدد النبي كثيرا على النظافة والوقاية والاعتدال والتقشف والتغذي على الأطعمة الطبيعية والأعشاب.

ويمكن استخلاص الطب النبوي وما جاء به من مبادئ الحفاظ على الصحة من مجموعات الأحاديث النبوية الشريفة (6).

وتبدو لنا من دراسة " أطلس التاريخ الإسلامي " ظاهرة فريدة في نوعها، لقد بلغ من نفوذ الإسلام أنه في خلال القرن الأول من تاريخه كان قد أتم سيطرته على شبه الجزيرة العربية كلها وعلى الإمبراطورية الساسنية( إيران حتى حدود البلقان) ثم على الإمبراطورية البيزنطية (/ سوريا ومصر وشمال إفريقيا).

وبداية من عام 661 ميلادية حكم الأمويون هذه المنطقة الشاسعة من عاصمتهم التي نقلوها إلى دمشق، ثم فتح المسلمون منطقة شمال إفريقيا بأكملها، وكذلك السند وتركستان، وتم بعد ذلك فتح أسبانيا ووضع المسلمون قدمهم في جزيرة صقلية.

وفي عام 700 م (القرن الثاني الهجري) حل العباسيون محل الأمويين، وكان أول خليفة لهم هو أبو العباس، وانتقلت عاصمة ملكهم من دمشق إلى بغداد.

وكان اهتمام العباسيين بالعلم والمعرفة يضارع اهتمام الأمويين بالأمور العسكرية. لقد تميز الخلفاء العباسيون بأفق واسع تعدى الحدود الضيقة للقوميات والعقائد، وعقدوا أواصر الصداقة والأخوة مع مختلف الأمم، وشملوا برعايتهم كل من أحب العلم واجتهد فيه، حتى ولو كان من غير المسلمين ، وقد رفع ذلك من شأنهم إلى أعلى وأسمى الدرجات ونالوا شهرة واسعة الآفاق كحماة للعلم ونصراء للحكمة والفلسفة.

وبدأ سيل من الكتب يتدفق على بغداد من كل مكان... من الهند وسوريا واليونان، وكانوا يحصلون عليها بكل السبل والوسائل. فكان بعضها جزءا من غنائم فتوحاتهـم، والبعض الأخر تم الحصول عليه عن طريق معاهدات خاصة أو صفقات متعددة. وأمر الخلفاء العباسيون بترجمة العديد من هذه الكتب إلى العربية. وقد شارك في هذه الحركة طبقة النبلاء والأغنياء في الإمبراطورية العباسية، وأصبحت اللغة العربية من أرقى لغات العصر بحسبانها لغة العلم والمعرفة.

ويميل المستشرقون إلى اعتبار القرن الذي امتد من عام 750 م إلى عام 850 م من فترات التاريخ التي سادها التسامح الديني نحو كل فروع المعرفة. ونظرا لما تميزت به هذه الفترة من رعاية للعلم وحماس شديد في طلبه، واهتمام بالغ بالبحث العلمي فإن هذه الفترة تضارع العصر الذهبي لليونان.

وكان عصرا ازدهرت فيه الترجمة وتم منها كم هائل اخذ عن حضارات أخرى وكان التعويض مجزيا. فالرعاية التي امتدت لتشمل علماء من أجناس أخرى لم تعادلها أي رعاية أخرى جاء ذكرها في حوليات التاريخ.

وانتهى القرن والعباسيون تحت حكم ا خليفتهم الشهير هارون الرشيد يسيطرون سيطرة تامة على إمبراطورية عريضة مزدهرة. وقدم المترجمون عن اللغات اليونانية والفارسية والسانسكريتية القاعدة التي بنى عليها المسلمون فيما بعد إنجازاتهم العلمية التي كانت قد ظهرت بوادرها في مؤلفات قيمة في مجالات علم الأنساب، والأحاديث النبوية والفقه الإسلامي والنحو والفلك والطب والكيمياء.

وعكست هذه المؤلفات العربية الدولية التي في اللغة العربية وإن لم يكن كل مؤلفيها من العرب مدى المساهمة المتعاظمة من العلماء الفرس وغيرهم في بناء الحضارة العباسية ومشاركتهم في أمور الدولة والمجتمع.

وفي القرن الثالث الهجري ازدهرت الثقافة الإسلامية ازدهارا مذهلا، وتفوقت تماما على كل منافسيها، واتسعت آفاق الترجمات من اللغة اليونانية وزاد معدلها، وشملت، هذه الترجمات مؤلفات أرسطو وبوقراط وجالينوس وبطليموس وأوكليدس وكثير غيرهم.
وكان معظم المترجمين وبعض المفكرين المبدعين ابن المسيحيين النسطوريين واليهود والوثنيين الذين نشطوا وأنتجو في ظل التسامح الديني الذي كان يسود البلاط الحاكم في بغداد.
ولكن كان للمسلمين أيضا، خاصة مسلمي بلاد فارس، إسهاماتهم البارزة.
وظهرت في تلك الفترة مؤلفات، عربية عامة في علم الهندسة وعلم الجبر (الخوارزمي) وحساب المثلثات، والفلك (البطاني) والجغرافيا وعلم التعدين والكهرباء والبصريات، وعلم النبات والطب (الرازي) من بين مجالات العلوم. وفي العلوم الإنسانية ظهرت أيضأ مؤلفات ا في التاريخ (اليعقوبي) والمسير الذاتية وفقه اللغة والفلسفة
(ا لكندي) والموسيقى.

وكان العرب دائما يعترفون بفضل سابقيهم من الرومان واليونان الذين تعلموا منهم، حتى أن الطب العربي أو الطب اليوناني- العربي، أو الطب الإسلامي ما زال يعرف في مناطق كثيرة من العالم بالطب اليوناني.

ويقول كنجستون (5). وهو علامة مشهور في التاريخ والفلسفة:
" ظل الإعتقاد سائدا فترة طويلة من الزمان بأن العرب كانوا مجرد أتباع للثقافة اليونانية وبعيدين كل البعد عن القدرة على إضافة الجديد في عالم الطب مما أدى إلى تجمده، إلا أن هذا الافتراض خاطئ من أساسه، فالواقع أنه عندما ظهر العرب في الأفق كان الطب اليوناني قد اختفى بالفعل وتربعت الطلاسم والتعاويذ على عرش فن الشفاء.

وفي ذلك الوقت العصيب لم يقم العرب: بمهمة إنقاذ الثقافة اليونانية من وهدة النسيان فحسب، بل إنهم أضفوا عليها ما جعلها تروق في أعين المتعلمين وتستجب لإفهامهم. إن علماء العرب بما أضافوه إلى هذه المؤلفات من شرح وتعليق ونقد أيضأ كلما استدعت الضرورة قد خلقوا جوا يشجع على دراسة العلم في الشرق والغرب، وأدوا للعالم أجمع خدمة جليلة بتبنيهم قضية العلم والمعرفة.

وكان يكفيهم فخرا لو اقتصروا على مهمة إنقاذ كنوز المعرفة اليونانية، ولكنهم أضافوا الكثير من أبحاثهم وتجاربهم مما يستحقون عليه كل ثناء وشكر ".

وكان أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (865- 925 م) بلا شك واحد من أعظم أطباء التاريخ، وقد كتب العديد من المؤلفات الطبية التي تميزت بالأصالة والبراعة،، أضاف إلى المكتبة العربية مائتي كتاب أكثر من نصفها في مجال الطب، وزاول مهنة الطب لأكثر من- خمسة وثلاثين عاما، ومع ذلك فقد وجد في وقته متسعا لتأليف مجلدات ضخمة، نذكر منها على سبيل المثال " كتاب المنصوري " الذي يتألف من عشرة مجلدات عن الطب اليوناني. واستغرق تجمع المادة العلمية لكتاب " الحاوي " ما يربو على الخمسة عشر عاما. ولا غرو، فهو موسوعة علمية شاملة عن الطب يتألف من عشرين مجلدا.

وكان واحدا من تسعة مؤلفات أخرى هي كل حصيلة مكتبة كلية الطب بجامعة باريس في القرن الثامن عشر، ولقد أضاف الكثير من علمه وفنه إلى طب العيون والولادة والنساء. بينما تناولت مؤلفاته الأخرى يعض الأمراض الشائعة في الشرق كحصيات الكلي والمرارة، كما كتب دراسة عن أمراض الأطفال، وكانت أول دراسة من نوعها في مجال طب الأطفال، وله كتاب بارز عن الجدري والحصبة يعتبر من أقدم المؤلفات الأصلية التي ميزت بين هذين المرضين.
ولقد جاء وصف الرازي لهذين المرضين جامعا مانعا حتى لا يكاد المحدثون يجدون ما يضيفونه إليه.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:01 PM
وكان الرازي أول من اكتشف فائدة الكحول للأغراض الطبية، فقد استعمل المسلمون العقاقير المخدرة في عملياتهم الجراحية، كما كان أول من يصف عملية إزالة المياه الزرقاء والفعل المنعكس لحدقة العين عند سقوط الضوء عليها.

والرازي هو أيضا أول من بدأ في استخدام الحيوانات (القردة) في تجاربه الطبية. والمفهوم الحديث للجهاز الهضمي يقوم على أساس ملاحظات ذكرها الرازي في مؤلفاته عندما وصف وجود مواد حمضية في المعدة.

ومن أبرز المفكرين المسلمين في هذا القرن الجغرافي والمؤرخ الشهير " المسعودى " وكاتب الحوليات والمفسر المعروف " الطبري " والشاعر " المتنبي "، والعالم الموسيقي الموسوعة " الفارابي " وجامع الأغاني والقصائد الشهير الأصفهاني " وصاحب الفهرس المعروف (النديم ". والفلكي وعالم الرياضيات " أبو الوفا " والجراح العلامة " أبو القاسم الزهراوي " والطبيب علي بن العباس.

وكان هذا الإنتاج الثقافي الإسلامي الغزير الذي كتب أغلبه باللغة العربية يتقدم على أي إنتاج آخر معاصر له، فقد تفوقت المدن العربية على كل منافسيها طوال القرن العاشر الميلادي.

وكان الإسلام يتربع على قمة إنجازاته العلمية والثقافية التي وقفت حكرا عليه خلال القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). وصدرت في تلك الفترة مؤلفات على أعلى مستوى تحمل أسماء أعلام في كل مجال من مجالات المعرفة. منهم البيروني العالم والجغرافي. وابن سينا الطبيب والعالم وأبن الهيثم الفيزيائي الذي تخصص في البصريات. والغزالي الفيلسوف والعالم الديني المعروف، وأبن يونس الفلكي الذي برز في حساب المثلثات والكرخي في الرياضيات، وابن حزم من علماء الدين، والبكري من علماء الجغرافيا، وغيرهم.

وكان أبو علي حسين بن عبد الله بن حسن بن علي بدأ سينا (985-1037 م) المؤلف المعروف لكتاب " القانون في الطب " المؤسس الحقيقي للمذهب اليوناني الحربي في الطب وأضاف إلى العلوم الطبية الشيء الكثير. وقد كتب في الطب ثمانية رسائل طويلة، تناولت إحداث حالات المغص التي كان أخصائيا في علاجها. وأصبح " القانون " بمحتواه الموسوعي الكتاب المدرسي المقرر على طلبة الطب في أوربا، وظل كذلك حتى القرن السابع عشر، وقال عنه الدكتور أوسلر " لقد كان إنجيل الطب، وكان أضخم من أي مؤلف طبي آخر ". ويشهد على انتشاره العريض أن طبعه قد أعيد خمسين مرة في النصف الأخير من القرنين الخامس والسادس عشر. وقد عرف ابن سينا الطب بأنه " علم تعرف منه أحوال بدن الإنسان، من جهة ما يصح ويزول عنها، لتحفظ صحة حاصلة، وتسترد زائلة ".

ويعتبر هذا التعريف حتى يومنا هذا تعريفا جامعا مانعا لم يطرح أحد تعريفا أفضل منه.

ولا شك أن الفضل يرجع لابن ـ سينا والرازي في) ارتقاء الطب إلى ذروته. وما زالت صور هذين الطبيبين العظيمين تزين جدار البهو الكبير لكلية الطب بجامعة باريس حتى الآن.

وقد تجلت عظمة ابن سينا كلمات السير وليام هارفي عندما قال: " اذهبوا إلى المنابع الرئيسية للمعرفة، واقرؤوا أرسطو جالينوس وابن سينا ". واكتشفوا العرب أيضأ عدة طرق معينة في إجراء العمليات الجراحية، أصبحت فيما بعد الأساس الذي قام عليه فن الجراحة الحديث.

وكان أبو القاسم الزهراوي (936 م) الطبيب الخاص للخليفة عبد الرحمن القرطبي- وقد ألف الزهراوي كتابا في الجراحة أسماه " كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف " وصف فيه العديد من الآلات الجراحية التي ابتكرها واستعملها في إجراء عملياته. ويقع كتاب التصريف في ثلاثين مجلدا ويعتبر من أعظم إنجازات ذلك العصر.

وظل النشاط الفكري الإسلامي طوال القرنين السادس والسابع الهجري (الثاني عشر والثالث عشر الميلادي) على قوته وأهميته.

وكانت أوربا طوال القرنين السابقين على تلك الفترة تعتمد اعتماد كليأ على إنتاج العالم الإسلامي في مجال الفكر والثقافة، واحتل المسلمون لذلك مكانة مرموقة في العالم المسيحي.

وفي إسبانيا جاء عصر ازدهرت، فيه الثقافة ازدهارا عظيما، وإن جاء متأخرا بعض الشيء، فاق حدود الإنتاج الروتيني لمسلمي الشرق.

وكان على رأس هذه النهضة الثقافية ابن رشد وابن طفيل وابن زهر وكلهم فلاسفة وأطباء. ويرمز عالم الجغرافيا الإدريس إلى أهمية أسبانيا وصقلية في نقل الثقافة الإسلامية إلى أوربا.

إن اكتشاف الدورة الدموية كما نعرفها اليوم ينسب إلى هارفي، إلا أن حقيقة الأمر هي أن هذا الاكتشاف قد تم قبل هارفي بثلاثة قرون على يد ابن النفيس (1200- 1288 م) أكبر عالم فسيولوجي في العصور الوسطى.

وبحلول القرن السابع الهجري (الثالثءشر الميلادي) كانت النزاعات الداخلية قد بدأت وشرعت معها عوامل الضعف والوهن تصيب هذا الصرح الثقافي الإسلامي الشامخ، ومع ذلك فلم يكن يندر وجود العقول الفذة.

ففي مجال العلوم الطبيعية برز ابن البيطار في علم النباتات والأعشاب، ونصر الدين الطوسي في الرياضيات والفلسفة، وقطب الدين الشيرازي في الفيزياء والفلك. وفي مجال العلوم الاجتماعية برز ياقوت وابن الأثير والجويني في التاريخ والجغرافيا، والقزويني في الجغرافيا وعلوم الكون، وابن خلكان في السير الذاتية، وفي مجال العلوم الإنسانية كان هناك سعدي الشاعر وجلال الدين الرومي الفيلسوف، تشرف هذه النخبة من الأعلام أي عصر ينتسبون إليه أو أي ثقافة يشاركون في بنائها.

وفي خلال الفترة من القرن الثامن إلى قرن الثاني عشر للهجرة (من القرن الرابع عشر إلى الثامن عشر الميلادي) ضاعت أسبانيا في الغرب، وإن بقيت أوربا الشرقية وجزء كبير من شمال أفريقيا وكل الهند تقريبا تحت الحكم الإسلامي. ومن أبرز عهوده في تلك الفترة الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحكم من عاصمتها في القسطنطينية(استنبول). على أن الأوربيين بدءوا شيئا فشيئا يتفوقون في كل مجال حتى صاروا قوى استعمارية، وبدأت تنشأ في أوربا مراكز هامة للثقافة والعلوم. وكان أثر الطب العربي عميقا في كل أنحاء القارة الأوربية وبخاصة في فرنسا، وكانت المؤلفات العربية هي العمود الفقري للدراسات الطبية في ذلك الحين.

فقد ظلت المؤلفات الطبية الإسلامية تمثل حجر الزاوية في، دراسة الطب حتى القرن السابع عشر، وقد تأثر رو جر بيكون كثيرا بابن الهيثم والزهراوي، وعلى ذلك يكون الإسلام قد ظل شامخا كقوة عالمية قرابة الألف عام وهو ما لم يحدث لأي حضارة أخرى.

حال الطب الإسلامي في الحاضر وأسباب ركوده.


يرجع السبب في اضمحلال النفوذ السياسي للإسلام إلى النزاعات الداخلية التي مزقت العالم الإسلامي، كما يرجع إلى مؤامرات القوى الأوربية وهجمتهـا الاستعمارية.

وقد أثر هذا الاضمحلال تأثيرا خطيرا على تفكير علماء العرب والمسلمين وعلى تقدمهم في العلوم والطب، وأصبح العلماء والأطباء المسلمون منغلقين على أنفسهم واعتراهم الجمود واعتمدوا التجربة العملية وحدها من غير اعتبار للعلم أو النظريات، وأعاقت المصالح الاقتصادية للقوى الاستعمارية تقدمهم بدرجة كبيرة وأشاعت فيهم إحساسا بالدونية ما زال راسخا حتى الآن.

إن العلم والمعرفة بما في ذلك الطب ليس حكرا على أمة واحدة. فأي أمة تتبع الأحكام الثابتة للقرآن والتي تصلح لكل زمان ومكان لا بد وأن تحرز تقدما سواء كانت هذه الأمة من بين المسلمين أومن غيرهم. إن ما جعل الطب الحديث يتبوأ مكانة أعلى هو أنه أصبح يقوم على الملاحظة العميقة الدقيقة التي تؤدي إلى طرح نظريات يقبلها العقل وتؤيدها التجارب المستمرة مع الاستعانة بالفروع المختلفة للعلوم والهندسة.

وهناك دائما فرصة للإضافة وإدخال تحسينات أدق. فقد أدخل اينشتاين كثيرا من التعديلات على قوانين نيوتن. وحديثا اكتشف العلماء أن القوى التي تحكم الكون هي ثلاثة فقط وليست أربعة كما كنا نعتقد دائما. وبالنظر إلى التقدم

الهائل الذي أحرزه الطب الحديث منذ مطلع هذا القران تلح علينا تساؤلات كثيرة: كل ما زال هناك مكان للطب الإسلامي؟

ألن يبدو الأمر وكأنه خطوة إلى الوراء إذا استخدمنا نوعا من الطب يقال إنه جامد ومتخلف؟.

ألن يؤدي استخدامه إلى تعريض صحة الإنسان للخطر في البلاد التي تسمح بتطبيقه؟
هل ينبغي في عصر الفضاء هذا أن نتنقل على عربات تجرها عجول؟.

لا مراء في أن الطب الحديث قد. نهض على أكتاف ذلك الصرح المهيب الذي وضع أساسه أعلام فن الشفاء في العصور الوسطى. ومع مغيب شمس الإمبراطورية الإسلامية تاركة الساحة لمارد القوى الاستعمارية الأوروبية وما أدى إليه ذلك من افتقار النشاط العلمي في الشرق الأوسط.- مهد العلوم الطبية- وغيره من البلاد التي أخضعها الاستعمار إلى الرعاية والحماية، فقد سكنت ريح هذ ا النشاط وخمدت حركته وبدأ يتنقل تدريجيا نحو الغرب. وما زال الطب القديم الذي يسود البلاد الإسلامية (ومعظم بلدان العالم الثالث) يستخدم الأعشاب والنباتات الطبية والمنتجات المستخلصة من أصل حيواني في صنع العقاقير لعلاج مختلف الأمراض.
وقد كانت أوربا تفعل الشيء نفسه في مطلع هذا القرن، إلا أنها تحولت منذ بضع عشرات من السنين إلى العقاقـير المصطنعة من مواد كيميائية، لبساطة تركيب جزئيات هذه المواد والتيقن التام من نسب هذه التركيبات، وما يتبع ذلك من قابلية هذه العقاقير لاختبارها على حيوانات التجارب، للتأكد من خلوها من أي آثار جانبية، كما يسهل إحكام الرقابة على نوعية هذه العقاقير. وهناك قبل كل شيء دافع أهم، وهو الأرباح الطائلة التي تأتي من إنتاج هذه العقاقير والمنتجات الدوائية في مصانع ضخمة على نطاق واسع. لذلك فعلى الرغم من الشوط البعيد الذي قطعه علم الشفاء العظيم على طريق التقدم العلمي والتكنولوجي إلا أنه قد تحول بهذه الاتجاهات الصناعية من عمل جليل يقصد به خدمة البشرية إلى عمل اقتصادي مادة صرف يقصد به- جنى الأرباح.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:01 PM
التوقعات المستقبلية للطب الإسلامي:

إن الوظيفة الأساسية للطب هي تهيئة الفرصة للشفاء من الأمراض والتخفيف من آلام البشر. وينبغي على أي حكومة أن تضع نصب عينيها كواجب وطني توفير العلاج لمواطنيها، إما بتكاليف يطيقها الفرد إذا تكفل بها عن نفسه أو عن أسرته، وإما على نفقة الدولة في حدود إمكانياتها. وما من شك في أن الطب الحديث مشتملأ كلى الجراحة قد أحرز تقدما ضخما" يستحق كل الإعجاب إلا أنه بالرغم من كل هذا التقدم، فقد غابت عن هذا الطب تلك اللمسة الإنسانية الرقيقة التي كانت صفة مشتركة بينه وبين الطب الإسلامي الذي قام على أكتافه.

ونجد اليوم أن هذا الطب الحديث بكل ما له من مستشفيات كاملة التجهيز، ومعاهد أبحاث متقدمة، ومراكز علاجية بديعة، وشركات أدوية متعددة الجنسيات ذات رؤوس أموال تعدى بالملايين، قد صار بعيدا عن متناول الرجل العادي الفقير الذي هو أمس الحاجة إليه،
بينما يهتم بالقطاعات المترفة من المجتمع حتى في البلاد المتقدمة، فما بالك بما آل إليه حال بلدان العالم الثالث الفقيرة.

دعني أضرب لك مثالا من الوطن الذي أنتمي إليه وهو الباكستان. إننا نستهلك سنويا أدوية- تبلغ قيمتها ما يقارب من ملياري روبية (2000 مليون روبية) وربما يصل الإنفاق على الخدمات العلاجية وتعليم الأطباء إلى أضعاف هذا المبلغ، كما ننفق حوالي ثلاثمائة مليون روبية لاستيراد المواد الأولية اللازمة لصناعة العقاقير، وربما نتكلف مثل هذا المبلغ في استيراد أشياء أخرى تتصل بهذه الصناعة بطريق غير مباشر ومع ذلك، لا يكفي كل هذا الإنفاق الضخم إلا للوفاء بحاجات ما لا يزيد عن 20% من مجموع السكان يعيش كل معظمهم في المدن الكبيرة.

ما ينبغي عمله:

في الماضي كان أساتذة الطب الكبار يستخدمون الأعشاب، والنباتات الطبية والمعادن والمنتجات المستخلصة من أصل حيواني للتخفيف من آلام المرضى، وهذه المنتجات كلها تتوفر محليا أو يمكن زراعتها في القرى حيث الناس في أشد الحاجة إليها، ولا يتطلب الحصول عليها الإنفاق من الأرصدة المحدودة للعملة الصعبة، والذي يحدث بالفعل حتى يومنا هذا أن أعدادا لا بأس بها من الناس ما زالت تلجأ إلى الطبيب الذي يمارس الطب القديم، بدلا من الذهاب إلى الدكتور الذي يمارس الطب الحديث، ويتم الشفاء للكثيرين منهم بالفعل.

ويكمن تفوق الطب الحديث في طريقة تشخيصه للمرض وتحديد درجة حدته، حيث يستعين بفروع العلم الأخرى ويستخدم أجهزة في غاية الدقة إلى جانب، إجراء التحليلات المختبرية.

بينما لا يزال الطب العربي يعتمد على الطريقة التجريبية التي تقتصر على الفحص بالعين المجردة. وأصبح لزاما على الطبيب أن يطبق الطرق الحديثة التي يتبعها دكتور الطب الحديث إذا كان يريد أن يضارعه في مستواه، ويجب عليه أن يدرس الكيمياء والكيمياء الحيوية، وعلم الميكروبات الحيوية وعلم الأمراض إلى غير ذلك من العلوم الضرورية لمهنته.

كما ينبغي عليه أن يسعى لطلب العون من المتخصصين في العلوم الأخرى كما يفعل الدكتور. وأضعف الإيمان أن يدرس كل ما درسه من يزاول الطب الحديث ، حتى يكون في وضع يسمح له بشرح وتفسير نظريات الطب العربي الذي يمارسه أو يقوم بإجراء البحوث اللازمة لشرح هذه النظريات. وعلينا أن نتذكر أن الرازي وابن سينا قد درسا كل فروع العلم التي كانت معروفة آنذاك وكانا يطبقان ما درساه فيما يزاولانه. والواقع أنهما لم يكتفيا بإتقان ما درساه بل أضافا إليه الكثير من ابتكاراتهما وتجاربهما.

وأود أن أطرح سؤالا على أولئك الأطباء الذين يعملون في البلاد الإسلامية وغيرها من دول العالم الثالث بعد أن تلقوا تعليمهم في الغرب: من منهم ابتكر أو توصل إلى اكتشاف أي عقار من تلك العقاقير التي تباع الآن في الأسواق؟ هل كتب علينا أن نظل عالة على غيرنا فيما نختاره من أدوية أو مواد أولية لصنعها أو أجهزة أو معدات أو وسائل مختبريه؟ هل يراودهم أدنى أمل أن يوفروا لشعوب بلادهم خدمات صحية كاملة تشملهم جميعا وذلك تحت الظروف الحاضرة؟ وهل الحل في أن نكتفي باتهام أطباء الطب العربي بالدجل والشعوذة؟

لماذا لا يجتمعون بهم ويشركون في هذه الاجتماعات أيضا المتخصصين في فروع العلم الأخرى بهدف التخطيط لتحسين الخدمات العلاجية، وإجراء تقويم إكلينيكي للعقاقير المستخدمة في الطب العربي الإسلامي ففي هذه العقاقير كنز ينتظر أن نمد أيدينا وننهل منه. وإذا ما أثارت هذه الجهود المشتركة بالتوصل إلى أنواع من عقاقير الطب الإسلامي تثبت فعاليتها بعد إجراء الفحوص والاختبارات العلمية اللازمة، سوف نتمكن من توفير هذه العقاقير للأعداد الهائلة من سكان المناطق الريفية في بلادنا بإنتاجها أوحتى زرعها في آلاف القرى التي تتعطش لمثل هذه العقاقير والأدوية.

وقد يترتب على هذه الجهود أيضأ أن نقدم للعالم أدوية جديدة، وفي مرحلة لاحقة يمكن إحكام الرقابة على جودة هذه الأدوية ويتم تقنين إنتاجها على
نطاق تجاري وأسس كلما دعت الضرورة، ويمكن إخضاع المزيد من العقاقير التي تبشر بالخير (كالأعشاب المفردة أو العقاقير المركبة من عدة أعشاب) إلى فحوص أكثر دقة بهدف عزل المواد الفعالة فيها وتحديد مكوناتها؟ وما من شك في أن فائدة هذه الجهود ستعم الجميع؟ إذ سيكتسب أطباء الطب الإسلامي كل أنواع المعارف الحديثة، كما سيتوصل دكاترة الطب الحديث من أبنائنا إلى اكتشاف عقاقير جديدة فعالة تتوفر محليا في بلادهم، وستجد دولنا نفسها في وضع يمكنها من توفير العلاج الشامل لكافة شعوبنا في المستقبل المنظور.

وأورد فيما يلي بعض الجهود الناجحة التي قمنا بها مع بعض الآخرين في هذا المضمار:

ا- في تقرير (8) بعنوان " أدوية الصين الأعشابية عن زيارة قام بها للصين عام 1974 وفد يمثل المعاهد القومية للشئون الصحية في ا الولايات المتحدة جاء ما يلي:
" في الفترة من أكتوبر عام 1975 إلى أوائل عام 1972 قام مستشفى تشانج شان بعلاج مائة وثلاثة مرضى من المصابين بأمراض قلبية تتعلق بالشريان التاجي، وذلك بإعطائهم ماتونج- شينج (وهو العشب الصيني) وكان العلاج يستمر في كل فترة منه لمدة شهر واحد أو أكثر، وكانت النتائج كما يلي:

كان المريض يعطى جرعة عزل طريق الفم يوميا تبلغ 4 أوقيات من هذا العشب، وفي معظم الحالات كان المريض أيضأ يحقن في العضل مرتين يوميا، تحتوي كل حقنة على 20 ملليجرام من مستخلص من العشب يساوي ما مقداره 8 جرامات من العشب نفسه.

ووجد أن من بين الحالات التي بلغ مجموعها 103 حالة ظهر على 101 حالة منهم تحسن ملحوظ بفعالية كاملة تصل نسبتها إلى 1. 98% وقبل تقديم العلاج كان هناك 98 حالة يعاني أصحابها من ألم شديد في الجزء الأمامي من القلب، وبعد العلاج اختفى الألم تماما أو قل بد رجة كبيرة في 95 حالة منهم بفعالية للدواء تصل نسبتها إلى 9. 96% وقد ظهر التحسن في أداء القلب لوظائفه على جميع الحالات بدرجات متفاوتة بعد استكمال العلاج. ومن بين 38 حالة من حالات ارتفاع ضغط الدم عاد الضغط إلى معدله المعتاد، أو إنخفض بدرجة ملحوظة في 22 حالة بنسبة فعالية تبلغ 9. 57%. وفي حوالي 75% من الحالات اختفى تنميل الأطراف والصداع والدوار بعد العلاج.

وفي بداية العلاج كانت هناك 60 حالة يشكو أصحابها من ارتفاع نسبة الكولسترول في الدم، وبعد إتمام العلاج عادت النسبة إلى معدلها المعتاد في 30حالة من هذه الحالات أو انخفضت بدرجة ملحوظة، بنسبة فعالية تصل إلى 55%. ومن بين 89 حالة كان ر سم القلب بالنسبة لأصحابها غير سوي عاد الرسم إلى وضعه الطبيعي بعد العلاج في 32حالة (36%) بينما لم يطرأ أي تغيير على 53 حالة منهم (بنسبة 50ر59%).

2- ومن غانا يقول الدكتور أدكو أمبوفو (2) وهو من الأطباء الذين تلقوا تعليمهم في الغرب:
" غالبا ما يعطى الفحص الجماعي للنباتات نتائج ضعيفة لعدم إشراك رجال الطب القديم في هذه العملية ولكن عند استشارتهم تصل نسبة النجاح إلى 50% ".
وقد عرض نتائج أبحاثه التي دلت على إمكانية القضاء التام على مرض الجنيويرم بدواء مستخلص من غلى جذور نبات الـCombretum mucronatum كما يعالج مرض القوباء المنطقية
Herpes Zoster بالنباتات الآتية:
1. Hoslundia opposita .
2. Piper guincese.
3. Roots of Picralima nitida.
4. Root barks of Balamites aegyptiaceae.
5. Hilleria
6. Securidaca longropedunculata
ويعد هذان المرضان من بين الأمراض التي لم يجد لها الطب الحديث علاجا ناجحا حتى الآن. وقد أثبت لحاء نبات Myrianthus arboreus
فعالية في التحكم في حالة السكر Diabetes mellitus

3- وجدنا الباكستان أن الجذر الكامل لنبات Serpajmaline أو Rauwolfia serpentian وهو مركب مستخرج منه أكثر فعالية في ارتفاع ضغط الدم وأقل بكثير في آثاره الجانبية من الذي يؤدي تناوله فترة طويلة إلى ظهور اتجاهات انتحارية عند المريض،. وللمنقوع المغلي من أوراق نبات مع Moringa oleifera له تأثير عميق في علاج حالات الربو القلبي. كما أن استخدام نبات Trigonella foenum -graecum يؤدي إلى خفض نسبة الكولسترول، والمواد الشحمية في الدم.
ونجري حاليا في الباكستان أبحاثا عن نباتات:
1. Rhazya Stricta,
2. Fagonia Cretica
وهي تبشر بالخير في علاج سرطان الدم وأنواع أخرى من السرطان.

وفي عام 1978 قمت بزيارة لجمهورية الصين الشعبية استغرقت واحدا وعشرين يوما كعضو في وفد حكومة الباكستان، وخلال الزيارة أتيحت لي الفرصة للقيام بجولة المستشفيات ومعاهد الأبحاث وكليات الطب ومصانع الأدوية والكميونات (المجمعات)، وقد خرجت من هذه الجولة بانطباع عام عن نجاح الصينيين في بسط مظلة الرعاية الصحية، لكي تشمل كافة أفراد المجتمع الصيني، وهم في ذلك يعتمدون على أنفسهم تماما، وهم قد ارتقوا وما زالوا يواصلون الارتقاء بمستوى الطب القديم عندهم إلى أعلى المستويات العلمية باتباع هذا الأسلوب.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:01 PM
الخلاصة

لنجاح هذا الأسلوب من الضروري عمل ما يأتي :-

ا- إعداد مسرد بأسماء النباتات الطبية في كل إقليم، مع ذكر الوصفات التي تجريها، بهدف جمع أحدث ما كتب في هذا الموضوع، بما في ذلك التعريف بكل نبات وما تم إنجازه فيما يتعلق بإجراء الأبحاث الكيميائية والإكلينيكية وغيرها على هذا النبات، ليكون بمثابة ملخص واف، تعتمد عليه الأبحاث المستقبلية.

2- إنشاء شركات أو مؤسسات لعقاقير الطب القديم، تتولى مسئولية جمع الأعشاب الأصلية والنباتات الطبية (إما من الغابات أو عن طريق زراعتها) وتوفيرها بشكل مقنن لمن يزاولون هذا الطب حيثما كانوا. وتتولى هذه المؤسسات أيضأ إنشاء معاشب سواء على المستوى الفيدرالي أو الإقليمي أوفي كل منطقة تحتوي على نماذج الأعشاب المجففة مرتبة ترتيبا منظما حتى يسهل التعرف على كل صنف منها.

3- تكوين فرق للبحث العلمي، يتألف كل، منها من طبيب ممن يزاولون الطب القديم ودكتور من دكاترة الطب الحديث أو صيدلي من المتخصصين في صناعة العقاقير وأحد العلماء، ثم يتم اختيار مجموعة من المرضى (يستحسن أن يكونوا في عيادة الطبيب) يمثلون مرضا معينا.

ويتم بعد ذلك فحص هؤلاء المرضى وإجراء التحاليل اللازمة لهم بهدف تحديد حدة مرضهم وتسجيل كل ذلك، ثم يتناول المرضى عقاقير الطب القد يم الأصلية كمواء مفردة أو مركبة حسب الوصفات) والتي تعتبر ذات فعالية للعلاج من هذا المرض بالذات. ويجب هنا اتباع نفس الطريقة التي يتبعها الطبيب في العلاج مع مرضاه.

ويبدأ فريق البحث كشكل مع متابعة فترة العلاج ومراقبة النتائج وتسجيلها بدون أي تحيز. وأفضل مكان لإجراء مثل هذه التجارب هو مستشفى- خاص للعلاج بالطب التقليدي القديم، لو أمكن بناؤه فى مرحلة لاحقة أو عدد من السرائر تخصص لهذا الغرض في المستشفيات المختلفة
ومن الأهمية بمكان إشراك الطبيب الذي يزاول الطب التقليدي يا هذه الملاحظات العلمية. فقد كانت هذه
الأبحاث تجرى في الماضي على يد العلماء بمفردهـم أو أطباء الطب الحديث بمفردهم وانتهى معظمها إلى الفشل.
ومن جهة أخرى كانت طريقة أطباء الطب التقليدي تقوم على الأساس التجريبي بدون استخدام الأجهزة والمعدات الحديثة والتحاليل المختبرية، من أجل التوصل إلى تشخيص دقيق وتسجيل نتائج تجاربه بطريقة مقبولة علمية. وتؤيد منظمة الصحة العالمية الآن هذأ الاتجاه.

4- واتباع هذا الأسلوب في البحث العلمي من شأنه أن يحدد من الأعشاب أو العقاقير المركبة منها ما تثبت فعاليته في العلاج. ويمكن بعد ذلك تقنين هذه العقاقير وإنتاجها، كلما أمكن على شكل أقراص أو مستحضرات سائلة أو على شكل شراب أو أمبولات للحقن، كما يمكن- تطوير إجراءات الرقابة على إنتاج هذه العقاقير.
5- يمكن استخلاص "هذه الأعشاب المجازة علميا لعزل مكوناتها الفعالة وتحديد كيفية تركيب هذه المكونات بالطرق الكيميائية والتحليل باستخدام الأجهزة وأخيرا تصنيعها إذا لزم الأمر.

وقد كنا نقوم بمثل هذه الأبحاث بدون التحقق علميا من، فعالية الأعشاب، ولذلك لم نحقق نجاحا يذكر في اكتشاف أدوية جديدة ولكن بهذه الطريقة يمكننا إضافة الجديد إلى عالم الطب بدلا من البقاء عالة عليه نأخذ ولا نعطي.

6- ينبغي أيضا تطوير مناهج الدراسات في كليات الطب التقليدي، ويجب أن تتضمن هذه المناهج معظم مقررات الطب الحديث بلغتهم، بالإضافة إلى موضوعات الطب التقليدي التي يدرسونها. وننتظر من الأطباء الغربيين أن يتعاونوا معنا في هذا المجال وهو ما نفتقر إليه حاليا وقد ترغب بعض كليات الطب الغربية في أن تشمل مناهجها بعض مقررات الطب التقليدي. كما يجب تزويد كليات الطب التقليدي ومستشفياته بكل المعدات والأجهزة الضرورية ويتدرب عليها الطلبة لاستخدامها في التشخيص والعلاج.

ويجب بذل كل الجهود الممكنة لتبادل الآراء والخبرات بين رجال الطب القديم والحديث حتى يمكن الوصول تدريجيا إلى دمج هذين النوعين من الطب في كل متكامل.

7- يجب أن يقبل بكليات الطب القديم الطلبة الذين يأتون من مناطق ريفية حتى تستفيد بهم قراهم بعد تخرجهم. ولن يجد هؤلاء الخريجون صعوبة في العمل بهذه المناطق الريفية، حيث إن تعليمهم يتم بلغتهم ولا يتعرضون بذلك إلى غسيل المخ الذي يتعرض له من يتعلم الطب الحديث باللغات الأجنبية.

8- لتحقيق هدف توفير الرعاية الصحية على المستوى القومي يجب اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتوعية الناس سبل الوقاية من الأمراض والعناية بنظافتهم الشخصية، وينبغي فى ذلك تدريب أطباء الطب القديم على جميع الإجراءات الصحية واختبار صلاحية المياه للشرب وتوعية الجماهير بالأصول الصحية في مأكلهم ومشربهم، كذلك يجب تدريبهم على تحصين المواطنين ضد الأوبئة والأمراض السائرة. وينبغي استخدام هؤلاء الأطباء بعد ذلك في توفير الرعاية الصحية والخدمات العلاجية بالمناطق الريفية، ويعطي لكل واحد منهـم حقيبة موحدة الشكل والمواصفات تحتوي على العقاقير والأدوية الحديثة والقديمة على حد سواء، حتى يتمكنوا من علاج سكان هذه المناطق من الأمراض الشائعة. وبذلك يمكننا تغطية حوالي 80% من الحالات على مستوى الدولة. أما العشرون في المائة الباقية فيمكن إحالتهم إلى الأخصائيين في المستشفيات القريبة.

وكذلك يمكن تدريب أطباء الطب القديم العاملين في المناطق الريفية على التعرف على الأنواع المختلفة من النباتات الطبية وزراعتها، حيث يعملون لاستعمالها لها في توفير العلاج لمرضاهم.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:02 PM
التعليم الطبي الإسلامي


الدكتور علي موسى
جنوب أفريقيا

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:02 PM
إن الغرض من التعليم الطبي هو تخريج الكوادر البشرية اللازمة للعناية بصحة الأفراد، والمجتمعات، وتحسين هذه الصحة، ولقد كان الهدف من التعليم الطبي عبر القرون، هو تخريج أطباء درسوا مناهج معينة، واستوفوا بذلك عدة متطلبات أساسية محددة، يتسلم بعدها الطبيب أو الطبيبة شهادة تفيد صلاحيته أو صلاحيتها لممارسة مهنة الطب.

ويمتد البرنامج الدراسي لإعداد الأطباء من خمس سنوات إلى ست سنوات، ويتكون من العلوم الأساسية بدءاً بالكيمياء، والفيزياء، وعلم الأحياء، ثم يتواصل ليشمل علم التشريح، وعلم وظائف الأعضاء في السنة الثانية،. ويتبع ذلك دراسة لعلم الباثولوجيا (علم الأمراض) والأقرباذين (علم العقاقير). وعادة تبدأ الدراسة العلمية الإيكلينكية في السنة الرابعة، وتستمر حتى السنة النهائية.

ولقد بدأت مؤخراً إعادة النظر في مدى علاقة الموضوعات التي تدرس خاصة في السنة الأولى بمستلزمات الدراسة الطبية، وذلك في محاولة لتطوير المناهج، وجعلها ألصق بهذه المستلزمات. و استحدثت في مناهج السنة الأولى بعض الموضوعات، كعلم النفس، وعلم الاجتماع، والعلوم السلوكية الخ... كما أعيد النظر في طريقة التدريس وفي السنوات الأخيرة أدخل في عدد من الجامعات بأوربا وأمريكا واستراليا نظام الدراسة المتكاملة الذي يقضى بأن تكون الدراسة العملية إكلينيكية جزءاً لا يتجزأ من العلوم الأساسية، وفي عهد الاستعمار. كانت مناهج كليات الطب، في دول العالم الثالث تساير تماماً مثيلاتها في الدول التي كانت تستعمرها، وما زال هذا هو الوضع القائم في كثير من هذه الدول حتى يومنا هذا إلا أن عدداً متزايداً من هذه الدول يتجه الآن إلى إعادة النظر في مدى علاقة المناهج الطبية التي تدرس في جامعاتها لشعوبها بالاحتياجات الفعلية لشعوبها ولا شك أن الطبيب الذي يتخرج من هذه الجامعات يتميز فعلاً بمهارات عالية، ودراية واسعة بكل فروع الطب العلاجي، وقدرة تامة على توفير خدمات علاجية ممتازة للأفراد الذين يلتمسون منه هذه الخدمات. إلا أن المشاكل الصحية التي تعاني منها معظم بلدان العالم الثالث لا يمكن أن تجد لها حلاً على أيدي مثل هؤلاء الخريجين لذلك ظهر إلى حيز الوجود مفهوم جديد يدعو إلى الاستعانة بطبقة من المعاونين الطبيين، يطلق عليهم اسم " الأطباء الحفاة bare foot doctor" أو الممرضين الممارسين nurse practitioners كما استحدث علم " صحة المجتمع " في المناهج الطبية، حتى فيما يسمى بالدول المتقدمة في العالم. فإلى أي مدى تفي المناهج الدراسية الطبية، وبرامج إعداد الأطباء في جامعاتنا اليوم بالمتطلبات الدراسية لكلية طب إسلامية؟ ولكى نجيب على هذا السؤال لا بد أولاً من تحديد الهدف من التعليم الطبي الإسلامي:


والهدف كما أراه، هو" تخريج الكوادر البشرية اللازمة لتحسين صحة الشعوب والمحافظة عليها "، ولكن لي فارق هام هو أن يكون هؤلاء الخريجون مفعمين بروح الإسلام، وأن يتوخوا فيما يفعلونه تعاليم هذا الدين الحنيف. لذلك يمكن أن نقول: إن الهدف من التعليم الطبي الم سلامي هو تخريج أطباء يتميزون بما يأتي:
ا- يخدمون البشرية كما أمر بذلك القرآن الكريم.

2- يقومون بإجراء أبحاث عن الأمراض التي تصيب الإنسان عملاً بقول النبي r: " ما أنزل الله داء إلا أنزل له الدواء " أخرجه ابن ماجه. فمسئوليتنا إذن أن نجد هذا الدواء. ويعنى ذلك أن ندرب أطباءنا على الأساليب الحديثة للبحث العلمي، حتى يتمكنوا من إجراء الأبحاث في مختلف النواحي الطبية.

3- يتفوق كل منهم في مجال تخصصه، حتى يستحق عن جدارة ما وصف به المسلمون من أنهم (خير أمة أخرجت للناس، (3/ 110) وعلى الرغم من أن الكثير من كليات الطب الحالية تخرج أطباء وطبيبات يقومون على خدمة الإنسانية، ويردون العديد من الأبحاث، ويتفوقون في مجالات تخصصاتهم، إلا أن أي كلية من هذه الكليات لا تستطيع الادعاء بأنها تخرج أطباء من الجنسين، يتميزون بكل هذه الأشياء، وفي نفس الوقت تتملكهم روح ا لإسلام.

فما هو السبيل إذن. لأن نبدأ في بناء مناهجنا بغرض تحقيق هذا الهدف؟

وبما أن الغرض من التعليم الطبي الإسلامي هو كما قلنا تخريج أطباء قد شربوا روح الإسلام. فمن الواضح أن الإسلام التعاليم الإسلامية يجب أن تتخلل مناهج الدراسة الطبية، لذلك يجب أن تراعى الأمور التالية:

ا- أن تكون البيئة التي تتم فيها عملية التدريس مهيأة لممارسة الحياة الإسلامية. فمثلاً: يجب أن تضم الكلية مصلى لإقامة الصلوات، وأماكن لعقد الندوات، والمناقشات الدينية. كما يجب مراعاة أوقات الصلوات الخمس عند إعداد جدول الدراسة. ونلاحظ هنا بهذه المناسبة أن المستشفيات التعليمية الإسلامية في الماضي كانت مرتبطة دائما بإنشاء مدرسة تلحق بها.

2- أن يحتوي منهج الدراسة في كلية الطب الإسلامية على التاريخ الإسلامي (وخاصة تاريخ الطب في الإسلام). وعلوم الفقه، والأخلاق، والقرآن، والحديث، والفلسفة الإسلامية، والطب النبوي و يجب أن تكون هذه المواد إجبارية بالنسبة لكل دارس في مثل هذه الكلية. وتجدر الملاحظة في هذا الصدد بأنه كان من متطلبات القبول في مدارس الطب أيام العصور الإسلامية الأولى أن تتوفر في الطالب صفة الورع إلى جانب الجد والذكاء.

3- أن يكون اختيار أعضاء هيئة التدريس بهذه الكلية مبنياً على أساس مستواهم العلمي، وخبرتهم بالبحث العلمي كل في مجاله. ولكن قبل كل شىء يجب أن يكون أيضأ مبنياً على مدى درايتهم بأمور دينهم والتزامهم بالتعاليم ا لإسلامية.

4- أن تتوفر حرية الفكر والتعبير في نطاق حدود الدين الإسلامي، ويجب أن يسور المناقشات الصريحة المخلصة جو صحي بغية التبصر بأمور الدين، كما يجب تشجيع طرق التدريس القائمة على الاستدلال المنطقي، وحث الطلاب على تحليل المعلومات تحليلاً نقدياً. وأفضل السبل لتحقيق ذلك هو تقسيم الطلاب إلى مجموعات دراسية صغيرة، بدلاً من المحاضرات التعليمية العامة، وجعلهم يكتبون أبحاثاً عن موضوعات يحددها لهم أساتذتهم (وهو ابتكار تميزت به الأساليب التربوية الإسلامية).

5- أن تبذل محاولات في سائر أجزاء المنهج الدراسي لحث الطلاب على الملاحظة والتفسير، فضلاً عن التفكر والتمعن فيما يتلقونه من معرفة، فدراسة الطالب لجسم الانسان وما به من تعقيدات مذهلة ينبغي أن تتربه إلى خالقه، كما يجب أن يجعله أساتذته " يرى الآيات لمن يريد أن يراها " وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تتضمنها النصوص الطبية المقررة ، ولكن لا توجد للأسف نصوص طبية تبرز آيات الخلق بهذا الأسلوب ، وأعتقد أن المنظمة الدولية للطب الإسلامي ، يجب أن تلعب دوراً هاماً في تشجيع العلماء المسلمين البارزين على إعادة كتابة النصوص الطبية . بهدف إبراز هذه النواحي .

وأخيرا : يجب ان نترك باب المناقشة مفتوحاً لاتخاذ قرار فيما يتعلق باتباع نظام المنهج المتدرج ، أو المنهج التكاملي وأغلب طني أن النظام التكاملي أنسب للدراسة في كلية طب إسلامية ، والواقع أن المستشفيات الجامعية الحديثة قد تطورت عن " البيمارستان " في فجر الإسلام ، حيث كانت تقدم الخدمات العلاجية إلى جانب تعليم طلاب الطب عملياً ، وهو النظام الذي أخذت به الدول الأوروبية في وقت القرن الثامن عشر ، وكان الفضل في هذا الجمع بين النواحي النظرية ، والعملية في دراسة الطب يرجع إلى أن طبيباً إسلامياً شهيراً مثل الرازي تمكن من إضافة الكثير للعلوم الطبية .

على أي حال ، أعتقد أن موضوع التعليم الطبي الإسلامي على درجة من التشعيب والتعقيد بحيث يتطلب الأمر إفراد ندوة خاصة ، أو مجموعة عمل خاصة لمناقشة ، تتولى إقامتها المنظمة الدولية للطب الإسلامي.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:03 PM
مستقبل الطب الإسلامي

الأستاذ الدكتور /إحسان دوغر وماجي
الجمهورية التركية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:03 PM
تضح من دراستنا لتاريخ الطب الإسلامي أنه كان يسبق عصره بألف سنة على الأقل، فأيام كانت لندن وباريس ما تزالان تغطان في سبات القرون الوسطى، كان هناك العديد من المستشفيات في بغداد والقاهرة وقرطبة، يعمل بها الكثير من الرجال والنساء في علاج المرضى من الجنسين وبعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بأقل من قرن أثبت المسلمون أصالتهم، وغزارة إنتاجهم من الابتكارات العلمية، ومنذ زمان بعيد في القرن التاسع الميلادي، نبذ الطب الإسلامي الطلاسم والتعاويذ والأساليب اللاهوتية، وبدأ يمارس من خلال مستشفيات متعددة الأجنحة، وتدل الأساليب الجديدة التي كان المستشفى العام ببغداد يطبقها في ذلك الحين على أن العرب كانوا روادا في هذا المجالس. ومما يثير الدهشة أنهم أنشئوا نافورات بالقرب من أجنحة المرضى المصابين بالحمى حتى يلطفوا من حرارة الهواء، وكان المخبولون، يعاملون بلطف ورقة، وهو ما لا يحدث الآن في معظم بلاد العالم إلا في القليل النادر، وكانت تعزف الموسيقى، وتحكي القصص للتخفيف من آلام أولئك المرضى الذين يعانون من القلق والتوتر،

وكانت العناية تبذل للأغنياء والفقراء على حد سواء دون أي تفرقة، وكان المعدم يمنح خسرا قطع ذهبية عند مغادرته المستشفى لمساعدته أثناء فترة النقاهة، وكانت هناك مكتبات وصيدليات ملحقة بتلك المراكز الطبية التي حشد للعمل بها العديد من الأطباء المقيمين والخارجين والممرضين، وكانت هناك أيضأ عيادات متنقلة لخدمة المعوقين والفقراء الذي يعيشون في مناطق نائية، وتلفت هذه العيادات المتنقلة نظرنا بصفة خاصة في ضوء الاهتمام العالمي الحالي بتوفير الخدمات الصحية الأولية .

ويظن معظم الناس أن إخضاع الأدوية للرقابة لتوخى جودتها هو ابتكار حديث، ولكن في الواقع كانت للطب الإسلامي لوائح لتنظيم صناعة الدواء وضمان جودتها، وكان الصيادلة من المتخصصين الذين يمارسون مهنتهم بموجب ترخيص خاص وكان عليهم تحضير العقاقير وفق ما يصفه الطبيب، وكان يحظر على الأطباء قانونيا امتلاك الصيدليات أو المساهمة فيها، إذ لم يكن يسمح على الإطلاق في بتضارب المصالح.
وبدأ نور الشرق يشع على أوروبا التي كان يلفها ظلام القرون الوسطى، فقد اشتهر العرب والفرس بعلمهم الواسع في مجالات الطب والتخدير وعلم البكتريا وإدارة المستشفيات والجراحة وصناعة العقاقير وأمراض العيون والأمراض العقلية الجسمانية والعلاج النفسي والتعليم الطبي.
وكان الإسلام منذ بدايته على صلة بالحضارة البيزنطية، وقد تميز العرب بثلاث خصال هامة وهي: الذكاء، والحيوية، والشجاعة، فلقد كانوا أولأ يتمتعون بذكاء نادر حاد استغلوه في تحقيق المنافع الحميدة. ثانيا: أكسبتهم حميتهم الدينية روح إقدام وشجاعة. وأخيرا، كان لديهم حس طبيعي بالجمال اجتمع إلى قوة الخيال والتعبير فأدى: ثم إلى تذوق كل ما هو فكري وروحي.

وبعد هذا الاستعراض للماضي المجيد، نتجه الآن بفكرنا إلى المستقبل فنقول: إنه يجب أن يكون هناك مركزا أو مركزان من المراكز الثقافية الرفيعة في المنطقة الإسلامية. وليكن أحدهما في بلد عربي كالكويت، والآخر في بلد غير . عربي في الباكستان أو تركيا على سبيل المثال: ولا بد أن تجري في هذين المركزين أبحاث في العلوم البحتة ذات المستوى الرفيع من الإتقان، ثم تجرى بعد ذلك أبحاث تستهدف خدمة المجتمع بتطبيق نتائج الأبحاث الأساسية في أقصر وقت ممكن. ومن الجوهري أن نكون مضرب الأمثال أمام دول نامية كثيرة في الارتقاء بالمستوى الصحي لسكان بلادنا في أسرع وقت ممكن. وأعتقد أنه بالتخطيط السليم والتطبيق الملتزم يمكننا أن نحقق المعجزات. وينبغى نشر الجهود المبذولة في هذين المجالين بعدة لغات عالمية، وتوزيعها على أوسع نطاق دولي، كما ينبغي أن يكون هذان المركزان أل إسلاميان على صلة وثيقة بالمراكز الأخرى في العالم الإسلامي ويجب أن يشتمل نشاطهما تبادل البرامج عن كافة النواحي الصحية والطبية المختلفة على مستوى الطلاب والأساتذة والباحثين، و.سوف ترفع هذه البرامج من المستوى الصحي والطبي لا أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي، وبالإضافة إلى ذلك ينبغي أن يهتم هذان المركزان وغيرهما من المراكز الإسلامية بعقد الحلقات الدراسية والندوات وورش العمل لتبادل وجهات النظر، والاستفادة من التقدم التكنولوجي في الدول التي سبقتنا في هذا المضمار، كما يجب تشجيع المنظمات الدولية على إنشاء مراكز إقليمية لها في البلدان الإسلامية، وذلك بتقديم كافة التسهيلات والمزايا التي من شأنها أن تجعل من بلادنا أماكن جذب لمثل هذه المراكز، وسوف تساعد مثل هذه المراكز الإقليمية على خلق جو يدفع إلى تنشيط البحث العلمي في المنطقة الإسلامية.

وعلاوة على ذلك، يجب العمل على تشجيع التعاون الوثيق مع الجمعيات المهنية الدولية المراكز الطبية العالمية، كما يجب إقامة روابط قوية مع وكالات الأمم المتحدة، وبصفة خاصة مع منظمة الصحة العالمية، ولقد أصبحت اللغة العربية إحدى اللغات الرسمية المستعملة في هذه المنظمة، و"كما يجب استغلاله إلى أقصى حد مع تشجيع الأجانب على تعلم اللغة العربية.

ولقد حان الوقت لوضع تصور بعمل دليل طبي يضم أسماء الدوريات الطبية التي تنشر في الدول الإسلامية، وخاصة تلك التي تنشر باللغات العربية والإندونيسية والفارسية والتركية والأردية.

إن الطب الإسلامي بماضيه العريق ليستحق مكانة مرموقة في الحاضر لا تقل في عظمتها عن ذلك الماضي المجيد، ومع توفر الإمكانات والموارد وخاصة تلك البادرة التي تقدم بها مركز الطب الإسلامي في الكويت فإن تنفيذ البرنامج الطموح الذي نقترحه هنا للوصول إلى هذه الغاية يصبح في حيز الإمكان.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:04 PM
بعض مشكلات البحث والدراسة
في العصور الحديثة


ا لدكتور/ نظير أحمد
الهند

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:05 PM
نبذة عن البحث:
ما زالت تعاليم الطب الإسلامي قائمة في الهند والباكستان: ويتولى عدد من المعاهد التعليمية هناك مهمة تدريس هذا الطب وإجراء البحوث في مختلف فروعه، ولكن هذه المعاهد تواجه بعض المشكلات الصعبة منها تحديد نوع الطلبة الذين يقبلون لهذه الدراسات، ونوع المقررات الدراسية التي يجب اعتمادها، إلى جانب مشاكل البحث العلمي. ولا يجب أن نبعثر جهودنا في محاولة إيجاد حلول لهذه المشاكل كل على حدة ، إذ يكمن الحل في دراسة وافية لأعمال علماء الطب المسلمين حيث ينهض الطب الإسلامي الحديث على هذا التراث الخالد. إلا أن القيام بعبء هذه الدراسات والأبحاث التي تتطلب جهدا شاقا ومعرفة واسعة قد لا ترضي أولئك الذين ينظرون إلى الأمور نظرة نفعية ضيقة، ولكن الأمثلة على فوائد هذه الدراسات كثيرة منها:-

ا- سوف تكشف هذه الدراسات عن ثروة هائلة من المؤلفات والكتب في الطب الإسلامي، وتميط اللثام عن أياديه البيضاء على فن العلاج والشفاء.

2- سوف تحدد الدور الذي لعبه علماء الإسلام في تطوير العلوم الطبية الحديثة.

3- سوف تقيم الدليل على أن العلماء المسلمين لم يكتفوا بنقل العلوم اليونانية، بل أضافوا إليها الشيء الكثير، ومن هنا كان خطأ التسمية الشائعة " الطب اليوناني " والأصح أن يسمى بالطب الإسلامي.

كانت دراسة الطب من الدراسات الهامة والشائعة في البلدان الإسلامية في العصور الوسطى، وكان ينتظر من كل متعلم أن ينال قسطا من هذه الدراسة، ويتضح ذلك من إحدى قصص ألف ليلة وليلة (1) تحكى عن جارية موهوبة عرضت للبيع على هارون الرشيد بثمن باهظ، ويوافق الخليفة على دفع هذا الثمن بشرط أن تجيب الجارية على أي سؤالا يوجهه لها أعلم الحاضرين في تلك الفروع من المعرفة التي كانت تدعي النبوغ فيها. وبدأ كبار علماء الدين والقانون وتفسير القرآن والطب والفلك والفلسفة والبلاغة والشطرنج يمتحنونها الواحد تلو الآخر، وفي كل فرع من هذه الفروع لم تكتف الجارية بإجاباتها البارعة على كل ما وجه إليها من أسئلة، ولكنها كانت تطرح على أستاذ كل فرع في نهاية الامتحان عددا من الأسئلة لم يحر لها جوابا.


وكان الامتحان الخاص بالطب يشتمل على موجز علم التشريح، وعلم وظائف الأعضاء، وتشخيص الأمراض من واقع الأعراض، وعلم الأمراض، والصحة وعلم التغذية إلى غير ذلك من فروع الطب. وتبين هذه القصة اهتمام المسلمين بصفة عامة بالعلوم الطبية كما تلقي الضوء على نوع التعليم الشامل الكامل الذي كان يتاح للمسلمين في ذلك الوقت. وشاهد آخر على ذلك نجده في " المقالات الأربعة Chahar Maqalah (2) التي ألفها نظامي أروزي السمرقندي حوالي عام 551 هجرية. يقول نظامي إن هناك أربع فئات من الخبراء لا يمكن لبلاط أي حاكم أن يستغني عنهم السكرتاريون والشعراء والمنجمون والأطباء؟ إذ لا يمكن لملك أن يقوم بتصريف شئون أعماله اليومية دون سكرتاريين أكفاء، ولن تخلد انتصاراته وفتوحاته إلا في قصائد عصماء ينظمها شعراؤه، ولن ينجح فيما يقدم عليه من مهام إلا إذا أشار عليه المنجمون الحكماء بأنسب الأوقات لأدائها، بينما لا يمكنه رعاية صحته التي هي أساس سعادته والضمان لاستمرار نشاطه إلا إذا كان محاطا بأطباء مهرة يثق لا مقدرتهم. وكانت حاجة الحكام إلى هذه الخدمات الطبية عاملا أساسيا في تخريج آلاف من الأطباء والمتخصصين في الطب الإسلامي. ولقد قيل الكثير عن هذه الظاهرة في تلك المؤلفات التي تناولت السيرة الذاتية والمنجزات للأطباء والمتخصصين في مختلف فروع الطب، ومن هذه المؤلفات فهرست ابن النديم (3) (ألفه لا عام 377 هجرية) وتاريخ الحكماء للقفطي (4) (624 هجرية) وطبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة (5) (645 هجرية). وتبين هذه المؤلفات ضخامة عدد المتخصصين في الطب، كما تبين أيضا ضخامة ما تم تأليفه في مجال العلوم الطبية على يد العلماء المسلمين إبان العصور الوسطى. ويعطينا كتاب Zur Qullen Kullen Kunde der Persischen Medizin الذي ألفه أدولف فونان Adolf Fonahn وصدر في ليبزج عام 1910 فكرة واضحة عن كثرة ما كتب في الطب باللغة الفارسية وحدها، إذ يحصى لنا المؤلف ما يربو على أربعمائة كتاب فارسي 10 لم ينشرمنها إلا النزر اليسير) تناولت موضوعات طبية إما بصفة كلية أو ضمن موضوعات أخرى، ولن يثمر البحث في هذه المؤلفات قبل إجراء فحص شامل دقيق للمؤلفات العربية، وتتميز المؤلفات الطبية الإسلامية إلى جانب ضخامتها بما يلي:-
ا- تم تأليفها بلغات إسلامية متعددة كالعربية والفارسية والتركية (6) والأردية (7).

2- صدرت في مناطق عديدة في إفريقيا وأوروبا وآسيا، وفي آسيا وحدها صدرت هذه المؤلفات في مناطق شاسعة، تمتد من تركيا إلى الهند ومن ترانزوكسيانا إلى شبه الجزيرة العربية.

3- نشأت هذه المؤلفات عن أصل يوناني ثم اكتسبت زخمأ وافرا من المصادر السريانية (8) والإيرانية (1) والهندية (10).

4- كانت هذه المؤلفات ثمرة جهود نخبة كبيرة من العلماء، من أجناس وديانات مختلفة، فمنهم الساميون والآريون والفرس والمسلمون والمسيحيون والزرادشتيون والهندوكيون.

وعلى الرغم من أن معظم المؤلفات الطبية الإسلامية كتبت في العصور الوسطى، إلا أنها ليست مقطوعة الصلة بالعصور الحديثة، إذ إن أهم المصادر بالنسبة لعلماء الطب الإسلامي الحديث تتمثل في كتاب (الحاوي) (11) للرازي، و" كامل الصناعة " (12) للمجوسي، والقانون (13) لابن سينا، وكتاب " ذخيرة خوارازمشاه " (14) لمؤلفة إسماعيل الجرجاني. وعند مقارنة هذه الأعمال بما تلاها من مؤلفات طبية سنجد أن هذه الأخيرة لم تخرج كثيرأعن الخط الأساسي الذي وضعته تلك المؤلفات القديمة، وتبرر هذه الظاهرة وحدها إجراء بحث دقيق يستهدف الإجابة أولا (15) على تساؤل هام: " هل اقتصر العرب على نقل الحكمة والمعرفة عن اليونانيين، أم إنهم أضافوا إليها من علمهم واكتشافاتهم؟ " ويتمثل الهدف الثاني من هذا البحث فيما سوف يتمخض عنه من نتائج فعالة لتطوير فن العلاج والشفاء.

ويتطلب مثل هذا البحث أن تأتلف لمن يتصدى له مجموعة من المؤهلات قل أن تتوفر لفرد واحد، منها إجادة اليونانية واللاتينية والسريانية والعربية والفارسية وحتى اللغة السانسكريتية. وإلى جانب المعرفة التامة بالطب يجب أيضأ الإلمام الكافي بعلوم الفلسفة والمنطق والفيزياء والكيمياء وعلوم ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا) وعلوم الأحياء الأخرى، إذ لم تكن الدراسة في العصور الوسطى مغرقة في التخصص كما هي الآن. وكان عالم العصور الوسطى يبرز في معظم فروع العلم والفن، مما يجعل من العسير على عالم العصور الحديثة أن يتصدى لقراءة أي من المؤلفات الكلاسيكية في الطب الإسلامي إلا إذا كان راسخا في عدة فروع من المعرفة وقد نسلم بأن مثل هذه الدراسة الشاملة والبحث المتعمق الذي يتطلب جهدا مضنيا وعلما واسعا قد لا يكون له مردود مجز، إذ إن أكثر الدراسات تعمقا لن تعود بنتائج عملية على من يزن الأمور بميزان المصلحة. الشخصية والمنفعة المادية.

ومنذ زمن بعيد في القرن الخامسة عشر الميلادي ترجمت بعض عيون الآثار الطبية الإسلامية القديمة مثل كتاب الحاوي لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي والقانون لابن سينا وغيرهما إلى اللغة اللاتينية، واعتمدت كتب مدرسية مقررة للتعليم الطبي في أوروبا لعدة قرون. ولذلك كان للطب الإسلامي تأثيره الخطير على تطور الطب الحديث،، يكفي هذا العامل وحده لإثبات جدوى الدراسة المتعمقة والأبحاث المستفيضة في الطب الإسلامي، على أن تأخذ هذه الأبحاث الاتجاهات الآتية:

ا- إعداد فهرس شامل لكل ما كتب في الطب الإسلامي بمختلف اللغات.
2- إعادة النظر فيما ترجم إلى العربية مباشرة من اللغة اليونانية، أو بطريق غير مباشر من اللغة السريانية، كذلك إعادة النظر فيما ترجم إلى اللاتينية من المؤلفات العربية القديمة.
3- اكتشاف المؤلفات المجهولة.
4- تحقيق المخطوطات النادرة ونشرها.
5- إعادة تحقيق ما حقق من مخطوطات وتنقيح النسخ المطبوعة.
6 - ترجمة الكتب الطبية من لغة إلى أخرى.
7- إعداد دراسة شاملة لتاريخ الطب الإسلامي.

ولنتناول الآن كل نقطة على حدة بشيء من التفصيل فنقول لم يصل إلى أيدينا من ذلك الفيض من المؤلفات الطبية التي صدرت في المنطقة الشرقية من الدولة الإسلامية إلا أقل القليل، حيث أدت عدة كوارث حلت بهذه المنطقة وبخاصة الغزو المغولي إلى تدمير الجزء الأكبر من هذه المؤلفات.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:05 PM
ويعلق البروفيسور براون على ذلك بقوله (16): " عندما نقرأ كتاب الفهرس الذي تم تأليفه في عام 987 ميلادية، أي بعد مرور قرن كامل على العصر الذهبي، نجد فيه مرآة تعكس لنا ما بلغه العلم في ذلك العصر، ولكننا نقف أيضا على مدى الخسارة الفادحة التي مني بها ذلك العصر فيما بعد، فإذا أحصينا عدد المؤلفات التي سجلت في هذا الفهرس لن نبالغ كثيرا إذا قلنا إن نسبة ما يوجد لدينا الآن من هذه المؤلفات تقل عن واحد في الألف حتى ولو كانت ناقصة الأجزاء ،

فلقد أدى المغول الملاعين مهمتهم التخريبية بكل حرص وإتقان، ولم ينج من الثقافة الإسلامية بعد نهب بغداد في عام 1258 ميلادية إلا أقل القليل، ومن نافلة القول أن مؤلفات الطب الإسلامي قد واجهت نفس المصير الذي واجهته مؤلفات العلوم الأخرى ، لذلك فإن ما بقي منها لا يذكر إلى جانب ما تم إحراقه، وزيادة على ذلك، لا نجد هذه المؤلفات التي بقيت في مخطوطات أصلية يمكن الاعتماد عليها. وأبرز المؤلفات القديمة سواء ما كتب منها باللغة العربية أو اللغة الفارسية كفردوس الحكمة (17) لعلي بن ربن الطبري، أو " كتاب الحاوي " (68) للرازي، أو " هداية المتعلمين في الطب " (19) للأخويني أو " كتاب الصيدلة " (20) للبيروني أو " كامل الصناعة " (21) للمجوسي، أو " ذخيرة الخوارزمشاهي " (22) لإسماعيل الجرحاني لم تصل إلينا منها نسخة واحدة خطتها يد مؤلفها أو حتى خطها كاتب معاصر لمؤلفها.
ويدعونا ذلك إلى التفكير في إنشاء مركز أبحاث كبير للقيام بمهمة البحث العلمي في الطب الإسلامي، وإعداد برامج الأبحاث التي نقترحها هنا والعمل على تنفيذها، وأول مهمة يجب أن يتصدى لها مثل هذا المركز هي إعداد فهرس ضخم لكل المؤلفات الطبية الإسلامية.

من المعروف أن الآثار الطبية اليونانية ترجمت إلى اللغة العربية في أوائل عهد الخلفاء العباسيين (23). ومما يزيد من أهمية هذه الترجمات أن بعض آمن أصولها اليونانية مفقود الآن. ولكن من سوء الحظ أن عددا قليلا نسبيا من هذه الترجمات متاح حتى ولو على شكل مخطوطات، مما يعيق الحكم على دقتها وأمانتها. وقد تمت بعض هذه الترجمات بصورة مباشرة من أصلها اليوناني، أما البعض الآخر فقد ترجم إلى العربية من ترجمات سريانية لنصوص يونانية، وليست هذه الترجمات غير المباشرة ذات مستوى رفيع. وإلى جانب ذلك فإن الترجمات التي تمت بعد بعدة قرون لنقل المؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية ليست ممتازة، وعلى كل من يدرس الطب الإسلامي دراسة جادة أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار؟ ففي المخطوطات النادر " فردوس الحكمة " (24) للطبري نجد كلمة كتبت مرتين بشكلين مختلفين وكلتاهما تعني " صداع " وفي كلتا الحالتين كانت التهجية خاطئة؟ إذ نجدها مرة " سنوريا " ومرة أخرى " سورتا " والمقصود بهما الكلمة السريانية " سانوارتا Sanawartaويرى البروفيسور براون أن أصل هذه الكلمة هي الكلمة الفارسية " سربند " أو " سروند " ويوضع حرف (ر) قبل حرف (ن) مع إضافة حرف المد "أ" في اللغة السريانية نجد أن النتيجة هي كلمة " سا نوارتا " السريا نية.

ويوضح هذا المثال نوع المشاكل التي يمكن أن يعاني منها من يتصدى لقراءة المؤلفات الطبية العربية القديمة أو لترجمتها، ويعاني من هذه المشاكل أكثر منهما من يتصدى لتحقيق هذه المؤلفات، وكما ذكرنا من قبل فلقد فقد الجزء الأعظم من المؤلفات الطبية الإسلامية، وهناك عدد ممن نعرفهم من الأطباء ومؤلفي الكتب الطبية لم يبق من مؤلفاتهم أي أثر، بينما يوجد عدد آخر وصل إلينا من مؤلفاتهم ما لا يكاد يصل إلى النصف ولا أكاد أذكر مؤلفا واحدا بقيت جميع مؤلفاته سليمة.

لذا يجب أن ينسق المهتمون بالطب الإسلامي جهودهم حتى يجد فريق ما ينقص لديه من مخطوطات عند الفريق الأخر ويستكملون بذلك الحلقات المفقودة، وهذه مهمة شاقة ولكنها لا بد أن تؤتى ثمارها إذا اتخذ البحث هذا الاتجاه.

ومما لا شك فيه أن بعض العلماء قد نجحوا في العثور على بعض المخطوطات النادرة، وقد تم تحقيق عدد منها مؤخرا كما تم نشرها، ومن أمثلة ذلك فردوس الحكمة " الذي حققه المرحوم الأستاذ محمد زبيرصديقي في عام 1928 وهداية المتعلمين للأخويني الذي تم تحقيقه بالرجوع إلى محطوط قديم يرجع تاريخه إلى عام 478 هجرية، (وهو يأتي في المرتبة الثالثة بين أقدم المخطوطات المكتوبة باللغة الفارسية)، والمثال الثالث هو كتاب الأبنية (25) وقد تم عمل دراستين نقديتين عنه مع تحقيقه وعمل نسخة طبق الأصل منه بناء على مخطوط رائع نقله عنه وعام 447 هـ الشاعر والكاتب الفارسي الجليل أسدي توسى (مات في عام 465 هجرية).

ويوجد العديد من المخطوطات النادرة لنصوص طبية باللغتين العربية والفارسية في مكتبات مختلفة في أنحاء العالم، ويجب بذلك جهود لتحقيق هذه المخطوطات وإعداد دراسات نقدية عنها.

نأتي الآن إلى الاقتراحات الخاصة بإعادة تحقيق المخطوطات التي سبق تحقيقها وتحقيق النصوص المطبوعة؟ فالنصوص التي سبق تحقيقها على أساس مخطوط واحد أو بعض المخطوطات الناقصة يمكن زيادة تنقيحها عند الحصول على المزيد من المخطوطات ذات العلاقة. وعلى سبيل المثال، قام العالم التركي الفذ المرحوم الأستاذ زكي فاليدي طوغان بتحقيق جزء من كتاب البيروني " كتاب الصيدنةSaydanah كتب عنه تقريرا بعنوان " صفة المعمورة عند البيروني لما وجاء فيه بمعلومات جغرافية ونشره تحت رقم 53 في مجلة جمعية الآثار الهندية في دلهيMemoits of the Archao eliogical Survery of Indin No 53, Delhi, وقد تم تحقيقه لهذا الجزء من كتاب البيروني على أساس مخطوط تحتفظ به مكتبة كورشونلو جامي Kurshunlu Gamiفي بروسيا Brussa بتركيا قام بنسخه في عام 678 هجرية في قونيا الطبيب غضنفر التبريزي (26) وهو من معاصري مولانا جلال الدين الرومي، ويوجد بهذه النسخة ثغرات كبيرة في خمسة مواضع على الأقل ونتج عن ذلك اختفاء الفقرات الآتية،
من بانتكان إلى بقلة الحرس
من تين إلى جند بيد ستر
من الدمرام إلى زيب
من سويق إلى صبر
من قطران إلى كرم

وعندما اكتشف فيما بعد مخطوطان آخران أحدهما في مصر والآخر في بغداد كانت النتيجة ملء هذه الثغرات (27) في النسخة المحققة من كتاب " كتاب الصيدنة " الذي طبع في كرا تشي بالباكستان عام 1973 م.

ويلاحظ أن هناك ظواهر معينة في حروف الكتابة العربية والفارسية كالنقط التي توضع فوق بعض الحروف أو تحتها، وهي تختلف من نقطة واحدة إلى ثلاث نقاط، وهناك حروف تتغير أشكالها عند اتصالها بحروف أخرى. ومن الحروف ما يتصل بغيره ومنها ما لا يتصل به. ومن هذه الحروف ما لا يتصل بغيره إلا إذا جاء بعده ولا يتصل به إذا سبقه، وهناك أيضأ الشك في نهاية بعض الكلمات. ولقد لعبت هذه الظواهر دورا كبيرا في إشاعة الفوضى في المخطوطات العربية، وكانت الفوضى أعم وأشمل في المخطوطات الفارسية، ونتج عن لك أنك لا تجد مخطوطين لنص واحد يتفقان في جميع الوجوه، ومن ثم فإنه كلما كان الكتاب واسع الانتشار كلما زاد اختلافه عن الأصل، وتبرر هذه الظاهرة إعادة تحقيق ونشر جميع النصوص الطبية بدون استثناء. وينبغي أن تستمر هذه العملية إلى أن يأتي الوقت الذي نطمئن فيه تماما لصحة النصوص بما لا يدع أي مجال للثمك. وباختصار شديد ما زالت النصوص الطبية المطبوعة سواء بالعربية أو الفارسية بعيدة كل البعد عن الشكل النهائي الذي يجب أن تكون عليه، ولنتصور خطورة الأخطاء في هذه النصوص خاصة إذا حدثت هذه الأخطاء في وصف علاج أو دواء. وأذكر أنني كنت أجمع النص المطبوع لكتاب فارسي شهير بعنوان " اختيارات البديع Ikhtiatut - I - Badii من مخطوط بالغ القيمة. وفي أحد المواضع كان يوجد بالنص المطبوع الكلمات " ينج درم " وهي تحريف للكلمات " بيخ دي. ويمكننا إدراك ما ينتج عن قراءة وصفة طبية مبنية على نص محرف، وفي النص العربي المطبوع عن " القانون " لابن سينا نجد اسما لمرض غامض " قرانيطس Qaranitus ويتضح أنها قراءة محرفة لكلمة " فرانيسطس <Fir-ranistis التي توجد في مخطوط قديم رجع إليه البروفيسور براون (29).

وترجمة النصوص الطبية من لغة إلى أخرى من شأنها أن توسع نطاق الانتفاع بهذه النصوص، وكان ينبغي مواصلة هذا التقليد الذي سار عليه الأساتذة القدامى؟ إلا أنه يجب تأجيل إعداد دراسة حديثة شاملة عن تاريخ الطب الإسلامي إلى الوقت الذي يتم فيه نشر نصوص محققة تحقيقا دقيقا عن معظم المخطوطات القديمة والمقالات التي كتبت عن حياة سائر الأطباء البارزين وإنجازاتهم.

وأود الآن أن أشير إلى إحدى المشاكل الرئيسية التي تواجهها المعاهد الحديثة لتعليم الطب الإسلامي خاصة في الهند، وربما في الباكستان أيضا. ويؤسفني أن أعترف بأن هذا النوع من الدراسات لا يجتذب النابهين من الطلاب، هذا إلى جانب أن من يقبلون على هذه الدراسات ينقصهم الإعداد اللازم لمتابعتها، ويندر أن تجد بينهم من يجيد أكثر من لغة إسلامية واحدة، وما يعرفونه عن العلوم الأخرى ضئيل بالغ الضآلة، على الرغم من أهمية معرفة عدد من العلوم الأخرى كشرط مسبق لفهم المؤلفات الطبية القديمة فهما صحيحا، سواء ما كان منها بالعربية أو الفارسية. ولذلك لا يستوعبون الموضوع كما يجب أن يكون الاستيعاب الجيد، وليس من المحتمل والحالة هذه أن يقوموا بأي أبحاث متعمقة، وكان طلاب العلم في الماضي يهتمون بإجادة اللغة التي تكتب بها العلوم قبل البدء في دراسة هذه العلوم والتعمق فيها، ويحكى لنا القفطي (30) كيف أن يوحنا بن ماسوية (32) وبخ ذات يوم حنين بن إسحاق (31) قائلا له " ما لشعب الحيرة ودراسة الطب؟ اذهب إلى الشوارع حيث يعملون في تبادل العملات " ولم يزد هذا الكلام حنينا إلا إصرار على متابعة الدراسة، وعندما عاد أخيرا بعد أن أتقن اللغة اليونانية ابتهج جبريل بن بختيشوع (33) لذلك، وتنبأ له بأنه سيصبح معجزة في العلم، ولقد نال حنين بعد ذلك حظوة كبيرة لدى الخليفة العباسي في بغداد.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:05 PM
وأورد فيما يلي آراء نظامي أروزي عما يجب أن يتصف به الطبيب وعن نوع الكتب التي يجب أن يدرسها.

يقول أروزي (34): " يجب أن يكون الطبيب ذا نزعة رقيقة وطبع حكيم مهذب. وفوق كل شيء، يجب أن يكون قوي الملاحظة قادرا على نفع مرضاه بتشخيصه الدقيق، أي باستنتاج المجهول من المعروف. ولن تكون للطبيب نزعة رقيقة ما لم يسلم بنبل الإنسان أو طبيعة فلسفية ما لم يعرف المنطق أو قدرة على الملاحظة الدقيقة ما لم تدعمه هداية الله. ومن يفتقر إلى قوة الملاحظة لن يتوصل أبدأ إلى فهم سبب العلل. وعندما يتعلم الطبيب المنطق ويصبح قوي الملاحظة ويعرف ما هي الحمى؟ (التي يعاني منها المرء) وما هي طبيعتها؟ وما إذا كانت بسيطة أو مضاعفة فسوف يبدأ في الحال في مباشرة العلاج. ولكنه إذا فشل في معرفة طبيعة العلة، وجب عليه أن يلجأ إلى الله راجيا هدايته ونعماءه، وحتى إذا فشل في علاج مريض من مرضاه وجب عليه أن يلجأ إلى الله طالبا عفوه الم لهي ورحمته الواسعة لأن مآل كل شيء إليه سبحانه.

وبعد عرضه لهذه الآراء يقص علينا أروزي حالة مريض تم له الشفاء بالدعوات والصلاة، ثم يقوله: " كنت أعرف أن هذا (الشفاء) قد تم ببركات فاتحة الكتاب، وأن هذا الشراب قد أعد بتوجيه من الله، وكأنه أعد في المستشفى الرباني. ولقد اكتسبت خبرة عظيمة من هذه الحالة وصرت فيما بعد أصف هذا العلاج في كثير من الحالات وثبت نفعها وشفى به الكثير من المرضى. لذلك يجب أن يكون إيمان الطبيب بربه قويا راسخا وأن يراعى أوامر الله ونواهيه ".

ثم يعطينا المؤلف قائمة بأسماء الكتب التي يجب أن يدرسها كل من يتطلع إلى مهنة الطب:
أ- " فصول بقراط " (35)، " مسائل حنين بن إسحاق "، " المرشد " (36) لمحمد بن زكريا الرازي، ثم " شرب النيلي " (37). وبعد دراسة هذه الكتب على يد معلم كريم، ينبغي أن يتخير الطالب أستاذا متعاطفا معه لتدريسه كتبا متوسطة منها " الذخيرة Thesaurus لثابت بن قرة (38)، أو المنصوري (39)، لمحمد بن زكريا الرازي، أو " التوجيه " The Direction لأبي بكر الأخواني، أو " الكفاية " (.40) Sufficiency لأحمد بن فرج، أو " الأهداف " (1") لسيد إسماعيل الجراجاني.

وبعد ذلك، يجب على الطالب أن يحصل على أحد الكتب الشاملة الآتية ليقرأه بتوسع في أوقات فراغه

" الرسائل الستة عشر (42) لجالينوس، أو Continens وهي الترجمة اللاتينية لكتاب " الحاوي " لمحمد بن زكريا، أو كتاب الملكي Liber Regius لعلي بن العباس المجوسي، أو الفصول العشرة 3 Ten Chaptersلأبي سهل المسيحي (43)، أو القانون لأبي علي بن سينا. وينتهي الأروزي إلى القولي بأن " للطالب أن يكتفي بقراءة القانون لابن سينا إذا أراد أن يبتعد عن المؤلفات الأخرى " ويضع الأروزي ابن سينا في المرتبة التالية لأرسطو ويمتدحه بأرفع الصفات قائلا: " إن ابن سينا هو المفكر الوحيد خلال هذه القرون الخمسة عشر الذي سبر غور الفلسفة الأرسطوطالية وامتلك ناصيتها.

ويستطيع الطلاب الذين يتم إعدادهم بهذا الشكل الجيد أن يتصدوا لمهام البحث العلمي في الطب الإسلامي خاصة فيما يتعلق منه بمؤلفاته.

ولا بد أن تظهر جهودهم قي هذا المجال أن أهمية الطب الإسلامي لا تكمن فقط في نقل الحضارة اليونانية القديمة بعلومها وفلسفتها إلى الأجيال التالية، ولكنها تكمن أيضأ في اصالته وإثرائة لهذه العلوم بما أضاف إليها من تفسيرات واكتشافات جديدة.

وأخيرا، يجدر بنا أن نلاحظ أن المجموعة التي تتألف منها مقررات بعض كليات الطب الإسلامي في الهند لا تخدم أهداف هذا الطب على الوجه الصحيح، بمعنى أن معظم الخريجين الذين يتم إعدادهم في هذه الكليات يلجئون إلى أسهل الطرق للتخلص من صعوبة هذه المقررات، وذلك باتباع وسائل الطب الحديث في حين أنهم لسوء الحظ لم يهيئوا له. وتكون النتيجة أنهم لا يستطيعون إثبات كفاءتهم في أي من المجالين.

ولقد حان الوقت لأن تطور المعاهد الحديثة للطب الإسلامي مقرراتها الدراسية، بحيث ينال الطب الإسلامي ثقة خريجي هذه المعاهد، ويصرون على الاستمساك به باعتباره الوحيد الذي تم إعدادهم إعداد قويا لممارسته وبهذا يمكننا الإعلاء من شأن الطب الإسلامي وخدمة أهدافه.

المراجع

ا- ألف ليلة وليلة Nights 449- 454. ونجد هذه القصة في كتاب " الطب العربي " Arabian Med. للبروفيسور إ .ج براون كامبريدج 1962 - ص 31-
2- نظامي أر وزي سمرقندي تحقيق ونثر القزويني لايدن.
3- كتاب الفهرس: من أشهر وأشمل المؤلفات التي تعطي معلومات وافية عن سائر المصادر التي تتناول الثقافة الإسلامية. وقد ألفه ابن النديم عام 377 هجرية وتوفي في عام 5 38 هجرية.
4- علي بن يوسف بن إبراهيم الشيباني القفطي (توفي عام 646 هـ) كان من أشهر العلماء. ويمكن الحصول على كتابه! تاريخ الحكماء في نسخة مطبوعة- القاهرة- 1346 هـ.
5- موفق الدين أبو العباسي أحمد بن قاسم بن خليفة الذي اشتهر بابن أصيبعة (توفي عام 668 هـ) ألف كتاب " عيون الأنباء في طبقات الأطباء لا عن السيرة الذاتية لأربعمائة طبيب إسلامي إلى جانب أطباء من بلاد أخرى أهمها اليونان. يمكن الحصول عليه في نسخة مطبوعة. طبعة القاهرة في مجلدين، 1882م.
6- يمكن تكوين فكرة عن المؤلفات الطبية باللغة التركية من مقال نشره جوليوس جرمانوس في مجلة " الثقافة الإسلامية حيدر أبار، رقم 8، 1934، ص ا- 4 1.
7- على الرغم من أن الأردية ليست من اللغات الموغلة في القدم إلا أن مئات الكتب في الطب الإسلامي كتبت بهذه اللغة وما زال هذا التقليد متبع حتى الآن، وتستعمل اللغة الأردية كلغة تدرس بها مواد الطب الإسلامي في معاهد الطب الإسلامي بالهند والباكستان،
ولقد ترجمت بعض الآثار الطبية إلى اللغة الأردية منذ زمن بعيد ومنها القانون وكامل الصناعة والملكي، "ونشرت في عام 1889 بينما ترجم كتاب ذخيرة الخوارزمشاهي عام 1883.
8- ترجمت الآثار الطبية اليونانية إلى اللغة السريانية في القرن السادس الميلادي، ولم يبق الكثير من هذه الترجمات التي نقل معظمها إلى اللغة العربية، ولكن يمكننا تكوين فكرة عن نوعيتها من الترجمة الفرنسية التي قام بهاM.H. Pognon للنسخة السريانية من فصول بقراط، وكذلك من الكتاب السرياني لأنواع الطب الذي ألفه دكتور بدج (الطب العربي، ص 21- 22).
9- قبل ميلاد نبينا محمد صلى الله علية وسلم كانت تسود تقاليد المدرسة الساسانية القديمة لجند شابور، وفي زمن الرسول بلغت هذه المدرسة أوج مجدها، وكان تعليم الطب في هذه المدرسة يتم باللغة اليونانية، ولكن كانت الفارسية تستعمل أيضأ خاصة في مادة الأقرباذين (نفس المرجع).

أنظر أيضا كتاب تاريخ العرب Hist. Of Arabs فيليب ك. هيتي Hitti نيويورك، 68 9 1 صح9 0 3.
10- نتبين ما كان للطب الهندي من تأثير عندما نقرأ المقالة الرابعة والمقالة الأخيرة من الجزء السابع من كتاب فردوس الحكمة لعلي بن ربن الطبري. والكتاب يوجز الطب الهندي في 36 فصلا (طبعة برلين 1928، ص 557- 0 0 6) ويذكر أبو منصور موفق بن عاب الحيراوي في كتاب الأبنية (المقدمة ص 4) أن الطب الهندي كان منفصلا عن الطب اليوناني. وتجدر ملاحظة أن الطب اليوناني اتصل بالطب الهندي اتصالا وثيقا في الهند ونتج عن ذلك أن العديد من علماء الطب الإسلامي ألفوا كتب عن الطب الهندي وبرزت في هذه المؤلفات أسماء ميان بهوفا وزير السلطان سيكاندر لودي (894- 923 هـ.)، ومحمد قاسم فيريشتا.
11- كتاب الحاوي: الذي ألفه الرازي (توفي عام 323 هـ) تم جمعه بعد وفاته بوساطة تلاميذه، ولكن نظرا لضخامة حجمه لا يسهل العثور علي المجموعة الكاملة من مخطوطاته، ولم يعثر علي بن عباس المجوسي الذي كتب بعد وفاة" الرازي بما لا يزيد عن خمسين أو ستين عاما إلا على نسختين كاملتين (كامل الصناعة، طبعة القاهرة، المجلد الأول: صح5، 6) ولقد تم تحقيق كتاب الحاوي مؤخرا ونشرنه دائرة المعارك في حيدر آباد على أساس مخطوط إسكوريال النادر؟ إلا أنه يمكن الحصول على مخطوطات غير مستكملة من هذا الكتاب في المكتبات الهندية والأجنبية، ولكن الترجمة اللاتينية له نشرت في برشيا Brescia عام 1486م ثم في البندقية عام 1542م.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:06 PM
نظرة الإسلام للطب

الدكتور/ إبراهيم الصياد
الكويت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:06 PM
أولا: الإسلام وعلم الطب

- علاقة الإسلام بالطب هي عنصر جزئي ينطلق من حقيقة كبرى تحكم نظرة الاسلام للانسان، فالانسان في القرآن الكريم هو خليفة الله في الأرض، وهو مخلوق الله المكرم الذي أمر الملائكة فسجدت له وسخر له الأرض ليبني فيها ويعمر.
هذه القيمة العظمى للإنسان هي التي فرضت إحاطة مخلوق الله المكرم بسياج من الضمانات التي قررتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لدرجة ان العدوان على الإنسان هو اعتداء على المجتمع بأسره يقول القرآن الكريم:
(من قتل نفسا بغير نفس إفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) (32/5).
ويقرر الرسول: " المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه "
وإزاء هذه القيمة العظمي والمسؤولية الكبرى للإنسان فإن الله تعالى قد سلح الإنسان بالمعرفة: (الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان) (55/ 1- 4)
وهكذا تتضح الصورة: إنسان كرمه الله ، ثم حمله مسؤولية كبرى وهي حمل أمانة الله في الأرض ثم أعطاه الأساسي وهو " العلم والمعرفة ".

- وعلم الطب هو أبرز وسائل المعرفة لحماية ذلك المخلوق الذي كرمه الله لكي يؤدي رسالته على الأرض فالطب ترجمة لحق البدن على صاحبه كما يقول الرسول:
إن لربك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا )

- والعلم الحق هو الذي يهدي الى الإيمان، والإيمان الحق هو الذي يعطي مجالا للعلم وهذا هو العلم الذي يريده الإسلام، يريده علما في ظل الإيمان وفي خدمة مثله العليا وفي ذلك أشار القرآن: (أقرا باسم ربك) (96/ 1) وهكذا طلب القرآن قراءة مقيدة بقيد خاص وهو ان تكون باسم الله. وبهذا تكون موجهة إلى الخير.


- الإسلام يفضل طلب العلم على العبادة غير المفروضة. فعن رسول الله قوله " فضل العالم على العابد كفضل على أدناكم "
وذلك أن معظم العبادات قاصرة النفع لا تتجاوز صاحبها فالذاكر وتعالي القرآن يتعبدون بما يزكى أنفسهم ويزيد في حسناتهم ولكن المجتمع لا ينال من عبادتهم فائدة مباشرة تحقق له النفع، أما العلم فنفعه متعد لا يقتصر علي صاحبه بل يفيد منه الناس.
- لذلك كان للعلوم التطبيقية مثل الطب مكانة رفيعة في الإسلام. ففي الآية الكريمة: (ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء) (27/35- 28) وكانت خشية الله عائدة على العلماء المشتغلين بالعلوم التطيقية التي وردت في الآية الكريمة مثل الجيولوجيا والطب والأحياء.
- قيل أن العلم النافع للبشرية يتميز علي العبادات بأن ثوابه لا ينقطع بانتهاء الحياة قال رسول الله " اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له "
- وعلى ذلك نقول اذا كانت العبادات وسيلة الى رضا الله فإن العلم ايضا وسيلة الى رضا الله والي نفع العباد، وهذا يستلزم من العلماء ان يوجهوا علمهم إلى ما يرضي الله "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه الا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" "من طلب العلم ليجاري به العلماء او ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس عليه أدخله الله جهنم " ولما كان العلم سلاحا ذا حدين دعا الرسول الى تقوى الله في استخدامه حيث يقول " العلم: الخشية وتقوى الله".
- وبالرغم من اهتمام الاسلام بالطب فإن هناك توضيحا للعلاقة بين القرآن والعلوم الطبية. ان القرآن ليس كتابا في الطب أو الفلك كما يحاول بعض اعدائه أن يجدوا فيه تبيانا مع هذه العلوم. ان مادة القرآن أكبر من تلك المعلومات الجزئية فمجال القرآن هو الانسان ذاته: اعتقاده ومشاعره وسلوكه وأعماله وعلاقاته بخالقه وبما حوله، وبذلك يصحح له مفاهيمه وتصوراته عن الحياة، ويضعه على الطريق السليم ليستخدم طاقاته ومنها طاقته العقلية لتعمل بالبحث العلمي في الحدود المتاحة للانسان، كما يعالج بناء المجتمع الانساني الذي يسمح لهذا الانسان بأن يحسن استخدام طاقاته في الخير بما يرضي الله.
إن القرآن الكريم كناب هداية يهدف الى تكوين المجتمع المسلم الذي يقيم رسالة الله في الأرض. والسنة النبوية التي تعتبر شرحا وتطبيقا لكتاب الله، تناولت من الجوانب الطبية ما يهم صالح المجتمع المسلم كما سنوضح فيما بعد. فرسول الله ليس طبيبا، ولم يدع لنفسه القدرة على الشفاء بل كان يقول لأهل المريض "ارسلوا الى طبيب " وبعبارة أوضح فالكتاب والسنة وضعا الخطوط العريضة للتشريع في مختلف مجالات الحياة دون الدخول في التفاصيل ووضعا القواعد الاساسية التي في حدودها يمكن الاجتهاد لتتناسب الشريعة الاسلامية مع كل زمان ومكان في حدود جلب المصالح وتجنب الضرر والضرار.
- ان وجود بعض المصطلحات مثل " الطب الاسلامي " أو " الطب النبوي " لا يعني ان الطب الذي يمارس اليوم في العالم طب غير اسلامي. هذه المصطلحات تحمل معنى تخليد التراث الحضاري للأمة الاسلامية في عهد ازدهار الدولة الاسلامية، ذلك الازدهار الذي انعكس على محتلف العلوم ومنها الطب فكانت نهضة حقيقية تستفيد بما قبلها وتناقشه وتنقحه وتضيف له خلاصة تجاربها وإنتاجها ثم تصدره للعالم في أفضل صورة متاحة للبشرية في ذلك الحين. وفي كل هذه المراحل كان الفضل للإسلام: في مرحلة الترجمة كان الدافع هو ان " الحكمة ضالة المؤمن ينشدها أنى وجدها " وفي مرحلة الانتاج الذاتي كان الدافع هودعوة القرآن والرسول للعلم في مواضعها الكثيرة.
وفي مرحلة التصدير كان الدافع هو أن الاسلام يرفض الاحتكار لأي شيىء ولذا لا بد من نشر المعرفة. والآن وبعد التخلف الحضاري والتفتت الاقليمي للامة الاسلامية فانها مطالبة بالاستفادة من الطب الذي يتقنه الآخرون بل اللحاق بهم. إن تذكر أمجاد الماضى يجب أن يكون دافعا لانجازات المستقبل لا للتوقف عند الحد الذي وصلوا اليه. وكل ما ينجزه العقل البشري من علم نافع يقبله الإسلام بل يباركه الرسول مشجعا للمتخصصين في علوم الحياة رافضا ان يفرض عليهم أي وصاية حين يقول: " أنتم أعلم بأمور دنياكم "

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:07 PM
ثانيا: الاسلام ومهنة الطب
ا- الاسلام يحترم العمل المهني من أجل الكسب الحلال. فالرسول يقول: "أن أطيب ما أكل الرجل من كسب يده "والطب مهنة للكسب الحلال امتدحها رسول الله: "نعم العبد الحجام " وورد انه احتجم وأعطى الحجام أجره.
2- والمسلم في عمله الحلال له ثواب العبادة. فرسول الله أعاد شابا عن الجهاد لكي يعمل لتوفير الرزق لوالديه المسنين وقال له: "ففيهما جاهد" ولكي يكون العمل في منزلة العبادة لا بد أن تتوفر في ممارسته نية صادقة بأنه موجه الى رضا الله فالرسول يقول: "من ابتغى وجه الله فإن نومه ونبهه أجركله "
3- لذلك فان الاسلام يدعو الطيب المسلم لأن ينطلق في ممارسة مهنة الطب من قواعد ثلاثة:.
أ- دفع الضرر عن المجتمع المسلم بتوفير مقومات الصحة للمجتمع. والرسول يقول:: " ان المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" والطبيب في مجال تخصصه مطالب بأن يقدم علمه وخبرته لصالح المجتمع المسلم. يقول الرسول: " اعزل الأذى عن طريق المسلمين "" والله يكره أذى المؤمن "
ب- اداء واجب الأخوة في الله نحو أخيه المسلم المريض ففي الحديث الجامع عن رسول الله " المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله به طريقا إلى الجنة " وبذلك يكون هدف الطبيب في تخفيف آلام المريض أسمى من الرغبة في الاجر والجزاء الدنيوي وأرفع من اشباع النفس بلذة الشعور بالمهارة في المهنة.
ج - الرحمة الانسانية التي تتسع لكل البشر مسلمين وغير مسلمين بل تتسع لكل كائن كما يقول الرسول "لكم في كل ذات كبد حرى أجر". " لن تؤمنوا حتى تراحموا ". قالوا كلنا رحيم يا رسول الله. فقال الرسول " ليست الرحمة أن يرحم الرجل قومه انما يرحم الناس جميعا "
وموقف الطبيب في العملية العلاجية هو انه اداة الرحمة الإلهية والوسيلة التي يخفف الله بها آلام الناس، فعندماقال أبو رمثة لرسول الله: دعني أعالج ما بظهرك فإني طبيب، فقال له الرسول: " انت رفيق والله الطبيب " أن ذلك يجعل الطيب دائم الصلة بالله يسأله التوفيق في عمله. كما أنه يقيه من الغرور المهني عند نجاحه في عمله لأن ذلك يحبط العمل ويزيل الأجر.


ثالثا: نظرة ا لاسلام للمرض
- يعترف الاسلام بالمرض كحالة غيرطبيعية تصيب اعضاء معينة من الجسم ، فرسول الذ يقول لسعد بن ابي وقاص حيث أصيب بمرض القلب: "انك رجل مفؤود فأت الحارث بن كلدة اخا ثقيف فإنه رجل يتطبب ". اذن ليس المرض ناتجا عن الشياطين والنجوم والأرواح الشريرة، لذلك منع الاسلام كل الممارسات المبنية على هذه المعتقدات الخاطئة مثل التطير والتمائم والعرافة وغيرها. يقول الرسول في احاديثه: " من علق تميمة فقد أشرك "، "من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما انزل على محمد"، " لا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة "، " إن الرقى والتمائم والتولة شرك ".
- صحيح أن الاسلام لم يوضح العوامل والاسباب المرضية بالصورة التي نفهمها الآن، لأن الحضارة الانسانية في هذا العصر لم تكن لتستوعب هذه المعلومات. ومع ذلك فقد أعطى ارشادات محددة تهدف لسلامة المجتمع المسلم، مثل ما ذكره الرسول في العدوى وصحة البيئة والتغذية والنظافة الشخصية. وهذه لا تختلف عما يقوله عالم في العصر الحديث يعرف مسببات الامراض ووسائل مكافحتها. وحديث الرسول عن الطاعون ما هو الا أسلوب الحجر الصحي الحديث للأمراض الانتقالية ولكن دون أن يذكر العامل المرضي (الميكروب) وطريقة انتقاله بصراحة. عن اسامة بن زيد قال رسول الله: " إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها".
- المسلم مطالب بحفظ صحته والمجتمع مطالب بوقاية نفسه من الامراض بل توفير الصحة الايجابية بمفهومها الحديث، يقول الله تعالى: (ان خير من استأجرت القوى الامين) (26/28) ويقول الرسول: " لو لم يكن لابن آدم الا اسلامه والصحة لكفاه ".
وليس ذلك بغريب فالمؤمن القوي الصحيح أقدر على اداء الرسالة التي خلق الله الانسان من أجلها ليعيش على الأرض ويؤدي الامانة التي تقبل ان يحملها. ان القرآن يعيب على أولئك الكافرين الذين يريدون الحياة- أي حياة- لمجرد الحياة (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب ان يعمر) (96/2) 0 ان الاسلام لا يقبل أن تكون أمة المسلمين غثاء كغثاء السيل تعيش هامش الحياة في عجز جسماني وفكري. فعندئذ يكون بطن الأرض خيرا لها من ظاهرها.
- بل أن كره المرض أمر طبيعي يقبله الاسلام فعندما ما قال ابو الدرداء لرسول الله " لأن اعافى فأشكر احب إلى من ابتلى فأصبر " فقال الرسول: " الله يحب معك العافية " " اسألوا الله العافية فإنه ما أوتي احد بعد يقين خيرا من معافاة ".
- ولكن اذا ما حدث المرض فإن المسلم أقدر على تقبل هذا الواقع المؤلم بصبر ينبعث من إيمانه بنظرية الابتلاء. فالمرض ليس غضبا من الله أو عقابا من السماء لكنه ابتلاء يكفر الذنوب ويرفع الدرجات اذا تلقاه المسلم بصبر واحتساب. يقول الرسول " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه ".
- بل أن هناك جانبا يتميز به الاسلام في موقفه من المرض وهو وان بدا أمرا يتعلق بالسلوك الا انه في نهاية الأمر نوع من العلاج النفسي لنا أن نصنفه في جانب العلم بأكثر مما يصنف في جانب الآداب والاخلاقيات. فللمريض حق على الصحيح وهو حق العيادة، كما أن له حقا على الطبيب هو حق الطبابة. وهذه الحقوق تستمد من التأكيد الشديد الذي ركزت عليه احاديث الرسول في عيادة المريض إلى ما يشبه الوجوب وانها من حقوق المسلم على المسلم انها ليست مجرد تخفيف عنه وصلة له ولكنها قربى إلى الله. يقول الرسول في الحديث القدسى: "إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا بن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب: كيف اعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده. أما علمت انك لو غدته لوجدتني عنده؟ " وهكذا فالمريض قريب من الله كما يقول الرسول الكريم: " عودوا المرضى ومروهم فليدعوا لكم فإن دعوة المريض مستجابة وذنبه مغفور "، " اذا دخلت على مريض فمره يدعو لك فإن دعاءه كدعاء الملائكة ".
- بهذه الفلسفة يكون المريض قادرا على التماسك والتحمل ولا يكون المرض البدني سببا في تولد المرض النفسى أو الاضطرابات العضوية النفسية. بل ان صلابة النفس كثيرا ما تساعد في شفاء المرض الأصلي.
- ويتفرع من تلك الفلسفة ايضا ان الازمات الصحية مهما اشتدت لا تقود المسلم الى التفكير في التخلص من حياته. بل لا يجوز له أن يتمنى الموت. عن انس بن مالك عن رسول الله: "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني اذا كانت الوفاة خيرا لي ".
- أعطى الاسلام المريض رخصة تعفيه من الالتزامات الشرعية حسب ما تمليه الضرورة. ففي القرآن الكريم: (ولا على المريض حرج) (61/24 لم ولذا يباح الذهب في العلاج التعويضى كما أمر رسول الله عرفجة بذلك، كما يباح استعمال الحرير في المرض الجلدي فرسول الله رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبس الحرير لحكة كانت بهمامع أن كليهما محرم على الرجال.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:07 PM
رابعا: نظرة الإسلام للوقاية والعلاج:
ا- دعا الاسلام الى تطبيق أسس الرعاية الصحية الثلاثة وهي الوقاية والعلاج والتأهيل.
2- وحيث أن الطب الوقائي يهدف إلى تدعيم الصحة الايجابية، لذلك أولاه الاسلام أهمية خاصة. فالمجتمع المسلم الصحيح أقدر على حمل الامانة وأداء رسالة الله في الأرض. وعلى ذلك نجد أن احاديث الرسول في الصحة الوقائية تتميز بالتفصيل وتنتهج أسلوبا أقرب الى الإلزام. أما الطب العلاجي فقد تناولته بالمنهج العادي في التشريع وهو وضع القواعد الاساسية التي تضمن السير في الطريق الصحيح دون الدخول في التفاصيل.
3- ففي مجال البيئة ذجد الاسلام قد وضع أنموذجا رائعا لارتباط كل فرد مسلم بأمة الاسلام ويتمثل ذلك في مسؤولية كل فرد عن سلامة المجتمع والتزام كل مؤمن بسلامه أخيه تماما كالتزامه لنفسه فالقرآن الكريم وضع القواعد الاساسية: (انما المؤمنون إخوة فأصلحوا ينن أخويكم) (49/ 10) والرسول يقول: " لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " و "المسلم للمسلم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمي ".
وانطلاقا من ذلك فان المحافظة على الصحة الشخصية لا تكفي بل لا بد من الحرص على صحة البيئة ويتمثل ذلك في الاحاديث: " ان الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم فنظفوا افناءكم وساحاتكم "، "أنظر مايؤذي الناس فاعزله " "لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ".
4- وفي مجال الوقاية من الا امراض المعدية وضع الرسول قيودا على حركة المريض: " لا يحل المرض على المصح وليحل المصح حيث شاء ". بل ان المسلم مطالب بالالتزام بقواعد الحجر الصحي في حالة الوباء ولو أدى ذلك إلي التضحية بنفسه فالرسول يقول: " الطعون شهادة لكل مسلم ".
5- وفي مجال الصحة الشخصية فإن طهارة البدن شرط لدخول الاسلام والنظافة شرط لأداء أهم أركانه وهي الصلاة. ونقرأ لأهمية صحة/ الانسان وانعكاساتها على أجهزة الجسم المختلفة جعل العناية بها تكاد تكون ملزمة كما في قول الرسول: " لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك قبل كل صلاة".
وكثيرمن أحاديث الرسول تناولت صحة الغذاء والأواني والطعام.
6- وفي مجال السلامة والوقاية من الحوادث: وضع الاسلام القاعدة الاساسية لهذا العلم الذي لم يتبلور الا في اواخر القرن العشرين: فلكل حادثة سبب، ولتجنب الحوادث يجب على المسلم ازالة اسبابها وقاية لنفسه. في القران الكريم: (ولا تلقوا بأيديكم الي التهلكة) (2/ 195)، (ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما) (4/ 29)
وحديث الرسول: " لاتتركوا النار في بيوتكم حين تنامون "، "ارشادك الرجل في ارض الضلال صدقة، واماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة ".
7- وفي الطب العلاجي أمر الاسلام بالتداوي امرا صريحا وحازما، فالمسلم ليس قدريا يهمل العلاج ويترك نفسه للقئدار بل لا بد من العلاج الذي جعله الله سببا للشفاء.. وعندما سئل الرسول عن دواء يتداوى به هل يرد من قدر الله شيئا فقال الرسول: " هي من قدر الله "، وحديث الرسول المعروف عن العلاج " يا عباد الله تداووا، ان الله عز وجل لم ينزل داء الا انزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله "، " فاذا أصيب دواء الداء برأ باذن الله "
هذ التعليمات الواضحة غيرت مفاهيم البشرية نحو المرض والعلاج ووضعت حدا للخرافات الشائعة عن اسباب الامراض ووسائل علاجها. ووضعت الناس على الطريق الصحيح ليبحثوا في الداء والدواء ليعلم من لم يكن يعلم.
8- واستكمالا للدقة في تحديد المسار الصحيح للطب العلاجي دعا رسول الله الى احترام التخصص في فروع الطب فينادي الحارث بن كلدة للمريض المفؤود. وعندما يواجه طبيبين متقدمين لعلاج مريض يسألهما: " أيكما أطب بهذا؟ " حتى يتلقى المريض أفضل رعاية متخصصة.
9- هناك ادوية معينة كانت شائعة في عهد الرسول وبطبيعة الحال فانه استعملها في مرضه مثل سائر الناس ومن هنا بدأ بعض الكتاب والمؤرخين في استعمال تعبير (الطب النبوي) وبمرور الزمن ظهر اتجاه الى تقديس كل ما مارسه رسول الله من طعام وشراب وعلاج والالتزام به مع ان حديث رسول الله صريح في انه أمر بالالتزام بما جاء به الوحي من أمور الاسلام. أما الممارسات الدنيوية التي لا تتعلق بالعقيدة فالاجتهاد فيها مفتوح في اطار الالتزإم بحدود الاسلام.: " انتم أعلم بأمور دنياكم " فالأسلام لا يقبل ان يمتنع المسلم عن استعمال دواء حديث لمجرد ان رسول لم يستعمله لأنه لم يكن موجودا في ذلك العصر. واعتقد أن أحاديث الرسول فيما يتعلق بالعلاج تلتزم ايضا بالمنهج العام للتشريع وهو اعطاء الاطار الواسع للعموميات. فعندما علم رسول الله ان سيدة تستعمل مادة مهيجة للامعاء كوسيلة مسهلة نصحها بأن شستعمل السنا. وأرى أنه يقصد بذلك أن يضح قاعدة التداوى بما لا يضر او بما هو أقل ضررا اكثرمما يقصد ان يلزم الناس باستعمال السنا.
وهكذا نرى أن التشريع يقترب من الألزام في جانب الوقاية ودفع الضرر عن المسلمين ويتجه الى وضع القوعد العامة التي تتمشى مع روح الاسلام فيما يتعلق بالعلاج.
01- أما التأهيل فيهدف الى منع العجز بسبب المرض. والاسلام يعود المسلم الا يستسلم للعجز بل يصلي ولو للايماء. الكل مطالب بالعمل حسب طاقته فالحديث. " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " والاسلام لا يرضى للمسلم ان يعيش عالة على غيره والحديث يقول: "اليد العليا خير من اليد السفلى" حتى في مجال التأهيل بالجراحة التعويضية اباح الأسلام استخدام الذهب في العلاج التعويضى رغم انه محرم على الرجال. أما الممارسات التي قصد بها تشويه جسم الانسان او تغيير صورته الجميلة مثل الوشم فان الرسول حرمها بقوله "لعن الله الواشمات "وقديما كانوا يكسرون جزءا من الاسنان اذا كان بارزا لاغراض التجميل وبذلك يزيلون طبقة المينا الواقية علي سطح الاسنان وهذا فيه ضرر وهنا يتغلب دفع الضررعلى التجميل فيحرمها الرسول بقوله "لعن الله الواشرات والمستشورات " اما الجراحة بقصد التجميل اذا لم يكن فيها ضرر او احتمال واضح للضرر فانها تدخل في القاعدة العامة: " ان الله جميل يحب الجمال ". والمرأة المسلحة مطالبة بأن تبدو بأجمل صورة في عيني زوجها.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:07 PM
خامسا: الاسلام وآداب ممارسة مهنة الطب:
ا- لا يجوز فصل آداب المهنة عن الاخلاقيات العامة التي يجب أن يتصف بها كل مسلم في سلوكه، فالاسلام يهدف الى تكوين الذات الاسلامية منذ الطفولة بحب يمتزج الخلق الأسلامي مع تكوين الفرد وطباعه. ومن واجب الاسرة والمدرسة والدولة ان يوفروا البيئة الصالحة التي لا يشيع فيها المنكر ويكون المثل الاعلى فيهما قول الله تعالى:
(وانك لعلى خلق عظيم) (4/68) وبذلك ينشأ الجيل منسجما مع فطرته النقية بسهولة بلا تناقضات ويجد طريق الخير امامه سهلا وبذلك يتحقق قول الله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيءكل امرى بماكسسب رهين) (52/ 21)
والطيب المسلم الذي يحمل أمانة الاسلام اولا، وأمانة المحافظة عاى صحة المسلمين ودفع الضرر عنهم ثانيا، أولى الناس بأن تكون تربيته اسلامية وسلوكه محمديا. وعندما سئلت عاثشة زوجة الرسول عن اخلاقه قالت: كان خلقه القرآن. وبذلك يكون الالتزام بخلق الاسلام جزءا من طبع الطبيب يمارسه بلا تكلف في جهره وعلانيته ونذكر قصة المعلم الذي قال لتلميذه الصغير: اذبح هذا الطائر في مكان لا يراك فيه احد، فغاب الغلام ثم عاد ومعه الطائر حيا وقال لأستاذه. لم أجد المكان الذي اكون فيه وحيدا تماما لاني كلما اختبأت في مكان شعرت أن الله معي. والطبيب المسلم الذي يشعر أن تعامله مع الله وان عليه رقابة دائمة: (عن اليمين وعن الشمال قعيد) (17/50) لا بد أن يتقي الله في التعامل مع خلق الله. إذا تذكر قول رسول الله: " عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا " فان نظرته الى الكائنات الحية كلها ستكون نظرة رحمة فأولي به أن يكون رحيما مع الانسان- أفضل مخلوقات الله - الذي كرمه الله وجعله خليفة في الأرض. لقد جرت العادة منذ عهد ابقراط ان يبدأ الطيب حياته المهنية بترديد قسم يلتزم بأدابه في ممارسة الطب. ان قضية السلوك المهني لا تحل بقسم، ولا تستوفى بدراسة مقرر علمي في اداب ممارسة الطب، ولا تحكمها قواعد قانونية تقررها نقابة طبية أو دستور وضعي، ان الرعاية بالمريض تحمل التزامات اخلاقية. والطبيب في ممارسته اليومية ستواجهه كثير من المواقف تستلزم استفتاء الضمير. وهنا ستتأثر قراراته بمدى التزامه تجاه ربه. وهنا ينبعث حكمه من قول رسول الله: "والإثم ما حاك في النفس وكرهت ان يطلع عليه الناس " . ان مفهوم الواجب في الاسلام هو أن تعمل لا بقصد رضاء الناس بل يقصد به وجه الله. (قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) (6/ 162)
2- هذه القاعدة الاساسية تندرج تحتها كل الفضائل والاخلاقيات التي أوصى بها القرآن والرسول الكريم ومنها:
أ- الصبر: (واصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين) (11/ 115)
ب- الاحسان في العمل: (واحسنوا ان الله يحب المحسنين) (2/ 195)،
(ان الله يأمر بالعدل والاحسان) (16/ 95)
!- السمت الصالح: " ان الهدى الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة"
د- الكلام الطيب: الكلمة الطيية صدقة"
هـ- الابتسام: "تبسمك في وجه اخيك لك صدقة"
و- الحياء: "ان لكل دين خلقا وخلق الاسلام الحياء"
ز- الرحمة: "ارحموا اهل الارض يرحمكم من في السماء"
ح- الرفق: "لا يحل لمسلم ان يروع مسلما"
ط- التواضع: "من أحب ان يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار"
ى- الصحبة الطيبة: "لا تصاحب الا مؤمنا، ولا يأكل طعامك الا تقي "
3- ولكن هناك بعض جوانب اخلاقية معينة تمس عمل الطبيب اكثر من غيره ويلزمه ان يتذكر دائما حكم الاسلام فيها. ومن ذلك جوانب علاقته بالمريض كما يلي:
أ- غض البصر: يقول القرآن: (قل للمؤمنين يغضوا من أبضارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم) (24/ 30) فلا يجوز أن يكون الترخيص بالاطلاع على عورات الناس عند الضرورة مبررا للتخلي عن الحياء الواجب على كل مسلم. وعلى الطبيب الا يطلع الا على ما هو ضروري. وان شعور المريض بحياء الطبيب في هذا الموقف يعطيه
ثقة اكثر في طبيبه.
ب- لا يجوز اخبار المريض بخطورة مرضه ولو كان ميئوسا من شفائه. ان حالة المرض من الحالات القليلة التي رخص فيها الاسلام باخفاء الحقيقة قال رسول الله "اذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله، فان ذلك لا يرد شيئا ويطيب نفسه ".
بر- وتطبيقا للقاعدة الشرعية: " لا ضرر ولاضرار" فان الطبيب عليه أن يخطر المريض المصاب بمرض معد، ويدعوه الى الاعتزال لمنع الضرر عن المسلمين، وهناك فرق بين أن يفقد المريض الامل في الشفاء وان يعرف انه مصدر ضرر للآخرين فيبتعد عنهم. اذا تعارضت مصلحة المجتمع مع مشاعر الفرد تفضل مصلحة المجتمع. فعندما علم رسول الله ان مريضا بالجذام قادم اليه ليبايعه مع المسلمين ارسل اليه ليرجع قائلا: " ارجع فقد بايعناك "
د- والطبيب في مهنته معرض للاطلاع على اسرار المريض فيجب أن يتخلق بخلق الاسلام في هذا المجال: " من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ".
هـ- واذا استشاره المريض فليلتزم بالامانة في ابداء المشورة وليحافظ على ما استشير فيه فالرسول يقول: " المستشار مؤتمن ".
و- فحص الطبيب للمريضة يجب أن تحضره ممرضة او احد محارم المريضة تطبيقا لقول الرسول: "لا يخلون رجل بامرأة الا ذو محرم ".
4- وهناك جانب آخرمن سلوك الطبيب يمكن أن نسميه " اسلاميات ممارسة المهنة "ومنها ما يلي:
أ- بدء الفحص أو العلاج بذكر اسم الله فان ذلك له عدة اعتبارات:
- ادعى للتوفيق في العمل فالرسول يقول " كل عمل ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو ابتر".
- استشعار لدوره كسبب نفاذ ارادة الله في العلاج وهذا هو موقف العبودية لله.
- توجيه عمله لله حتى يثاب عليه.
- منح المريض دفعة روحية، هو في موقف حساس: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) (51/ 55).
ب- قد يشهد وفاة المريض وبصفته مسلمات قبل ان يكون طبيبا فعليه أن يلقنه الشهادتين كما يقول. " لقنوا موتاكم لا اله الا الله ".
ج- تجنب ما حرم الله في العلاج تنفيذا لقول الرسول " ما جعل الله شفاءكم فيماحرم عليهم ".
وفي الطب الحديث لكل علاج محرم بديله الحلال.
د- تجنب الممارسات كالاجهاض والوشم فقد قال الرسول: " لعن الله الواشمات والمستوشمات والواشرات وا لمستوشرات ".
هـ- الا يقدم على ممارسة الا اذا كان مطمئنا الى كفايته لتنفيذها فالرسول يقول: " لا حكيم الا ذو تجربة " ويحترم التخصص المهني تنفيذا لقول الرسول: " من تطبب ولم يعلم عنه طب فهو ضامن ".
و- ان يحافظ على كفاءته العلمية بالتعليم المستمر فان مهنته تتعداه الى غيره وعلمه من النوع التطبيقي والرسول يقول: " الحكمة ضالة المؤمن اني وجدها ينشدها ".
ز- ان يتعامل مع زملئله الاطبآء على أسس من تعاليم الاسلام فيتجنب الغيبة والتجريح وليحترم الكبير: " لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا " ولا يتعالى على الصغير: " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا" ويقدم النصح لمن يحتاجه "الدين النصيحة " وان يسعى لتعليم زملائه الأقل خبرة " من دل على خير فله مثل اجر فاعله)، " يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون فاذا جاؤكم فاستوصوا بهم خيرا".
ح- ان يفيد بعلمه كل مريض يمكنه مساعدته فالرسول يقول: " اللهم انى أعوذ بك من علم لا ينفع ""من كتم علمه عن أهله ألجم يوم القيامة لجاما من نار ".
ط- أن يذيع ما يكتشفه من جديد في العلاج تعميما للفائدة ولا يحتكرطريقة في العلجي بقصد الكمسب منها فالرسول يقول: " لا يحتكر الا خاطىء ".
ى- وان يراعي حرمة الميت كما يراعي حرمة الحي فالرسول يخاطب الكعبة قائلا: " والمؤمن اعظم حرمة عند الله منك ". ويقول: " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الاثم ".
ان آفاق التعاليم الاسلامية تتسع لكل ممارسة طبية يقصد بهاءالخير للانسان، وحتى في المواضع التي لم يرد فيها نص صريح فان التشبع بروح الاسلام يعطي الطبيب المسلم امكانية التصرف طبقا للمصالح المرسلة التي يراها نافعة للبشرية.
وهذا يزيد من حاجة المجتمع المسلم لان يكون الاطباء أقرب الى الله وأكثر التزاما بما أنزل الله وجاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.


ا لمرا جع
- الكتاب والسنة.
- القران الكريم (رقم السورة/ رقم الاية)
ا- صحيح البخاري
2- صحيح مسلم
3- سنن ابي داود
4- جامع الترمذي
5- سنن ابن ماجه
7- موطا مالك*
8- مسند احمد بن حنبل.
9- معجم الطبراني
10- سنن الدارامي
11- الجامع الصغيرللسيوطي
12- المستدرك للحاكم.
13- مسند البزار
14- التاج الحاصر للاصول فى احاديث الرسول.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:08 PM
الطب الإسلامي وجالينوس

الدكتور/ منصف المرزوقي
الجمهورية التونسية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:08 PM
ملخص :
مراد هذا المقال، إظهار مدى الاستقلال الفكري الذي أظهره الأطباء المسلمون تجاه التراث الإغريقي والروماني الذي مثله جالينوس طيلة قرون، كما نرى من خلال تعاملهم مع هذا التراث دورهم الهام في بلورة المنهجية العلمية التي تشكل مساهمتهم الكبرى في تطور الطب، ومن ثمة التحامل المغرض لبعض المواقف الغربية المبتذلة التي تعود دورياً إلى السطح للنيل من أهمية الطب الإسلامي باعتباره مجرد نقل سلبي للتراث القديم بلا زيادة أو نقصان.

الطب الإسلامي وجالينوس
يواجه البحث الموضوعي كلما تطرق إلى تاريخ الطب الإسلامي سؤالين رئيسين، أولها: مكانة هذا التراث ودوره في تطور الأفكار التي مكنت الطب المعاصر من الوصول إلى المصاف الذي وصل إليه، وثانيهما: نوعية المساهمة التي أداها الطب الإسلامي في إطار كفاح الإنسانية ضد المرض.

وقلما يكون الرد على السؤالين هادئا موضوعياً إذ يدخل لاشعورياً في نطاق حرب قائمة منذ القديم بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، ساخنة تارة وباردة أخرى، على هذا الصعيد أو ذاك، ولكنها للإسف الكبير لم تضع اوزارها إلى الآن.

ويمكن الرد على السؤالين من زوايا مختلفة سنتعرض لها بإسهاب في اجتماعنا هذا، وقد اخترنا من جهتنا المساهمة في النقاش بالتركيز على استقلال الأطباء المسلمين الفكري تجاه الممثل الرئيسي للتراث القديم الطبيب الروماني جالينوس (151- 201 م) الشيء الذي مكنهم من بلورة المنهجية العلمية الصحيحة. فقد ترجم جالينوس إلى العربية في القرن التاسع الميلادي وأعجب به الأطباء المسلمون وأخذوا عنه الكثير، وهو- رغم إعجابه بنفسه (خلافاً لأبقراط) وثقته بأن لكلامه صدق القوانين الموضوعية، ضيقة علم من أعلام الطب، فهو أحد آباء الفسيولوجيا اذ كان أول من اكتشف دور المخ في الحركة الارادية، وأول من وصف سبعة أعصاب قحفية كما عرف بعض خصائص الأعصاب والعضلات واحتواء الشرايين على الدم، أما دوره في دراسة النباتات واستعمالها الصيدلي فمعروف بما فيه الكفاية.


لكن جالينوس رغم سعة علمه بالقياس للعصر أخطأ في كثير من المواضيع فقد أكد أن الدم يتولد في الكبد الذي يلعب دور ضخه، وأن هناك اتصالا ًمباشراً بين بطيني القلب مما جعله لا يفهم الدورة الدموية، أو أن عظم الفك الأسفل عظمين، والاهم من هذا منهجيته العقيمة إذ كان يشرح الحيوان ويطبق على الإنسان وكأن لا اختلاف بينهما، ومن ثم كثرة أخطائه العضوية والفسيولوجية. كما نعلم أن تبويبه للإمراض كان خاطئاً إذ كان تصنيف وجمع الأعراض يخفي الأمراض حيث يقع الخلط بينهما. أما وصفاته في العلاج فكانت عادة على قدر كبير من الطرافة ومن الغرابة، وكان جالينوس لا يتراجع أمام استعمال التعاويذ والطقوس السحرية التي تدل على تمازج العقلية العلمية عنده بالعقلية الخرافية.
ونحن لا نستطع فهم طبيعة موقف أطباء المسلمين منه وتقديره حق قدره أن لم نركز على الشهرة الكبيرة التي كان جالينوس يتمتع بها على مر العصور فقد اعتبره الكثير من أطباء الشرق والغرب إلى بداية النهضة الغربية المرجع الأول والأخير لأغلب المسائل الطبية فأصبح اسمه وحده حجة وذريعة وبالتالي فانه لعب نفس الدور الذي لعبه أرسطو في الفلسفة أي أنه نأى بكل صيته على مقدرات الطب، فشل من حركية البحث والتنقيب لتشبث اتباعه بكل ما كتب وصنف، ولإيمانهم الأعمى بأن فيه كل الحقيقة وهذا الصيت الذائع هو الذي جعل ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء يسمى الرازي بجالينوس العرب مثبتاً أهمية الرجل القصوى. ومن النوادر التي تعطينا فكرة عن طغيانه الفكري قول بعض اتباعه بأن بنية الإنسان تغيرت منذ عهده لما اضطروا لتفسير أخطائه المتعددة في علم الأعضاء. كمال يحفظ التاريخ صرخة شهيرة لأحد أطباء الإنجليز في بداية القرن السابع عشر لما ووجه بنظرية الدورة الدموية المنسوبة له في تعبير عن مدى التحجر الفكري الذي بلغه الأطباء الدوغماتيون من تلامذته: " أنني أفضل أن أخطئ مع جالينوس على أن أصيب مع هذا الأفاق المدعو هارفي ".

الشيء الهام أن المتتبع للتاريخ الإسلامي في الطب يكتشف بسرعة أن الأطباء المسلمين وان أعجبوا بجالينوس،وأخذوا عنه فانهم لم يماشوه في كل ما قال بل نجد عند الكثير منهم نقداً حاداً له وتجاوزا لأقواله ولنظرياته ونحن قلما نجد ذلك الإيمان الأعمى بكل ما يصدر عن أصحاب الأسماء الهائلة عند أطباء المسلمين، هذا الإيمان الذي أصبح بديلاً للمنهجية العلمية بالنسبة لاغلب مفكري وأطباء الغرب إلى عهد جاليلي الذي جعل من الحرب ضد التحجر الفكري هدف كفاحه وهذا التحرر من الدوغامتية في الفكر هو ما نستشفه من قول الرازي " أن الحقيقة في الطب لا تدرك بالعلاج بما تصفه الكتب دون أعمال الماهر الحكيم رأيه " "وهو يقصد بالطبع كتب جالينوس خاصة. كما خالفه الرازي في منهجيته حيث أننا لا نعرف له هذا التمازج الغريب بين العقلية العلمية والعقلية الخرافية الذي نجده عند الطبيب الروماني، فهو لا يقول إلا بالتجربة، وهو من الأوائل الذين جربوا العقاقير على الحيوان قبل إعطائها للمرضى، فلا طقوس ولا تعاويذ ولا خلط عجيب وعشوائي بين كل المواد الممكنة، وانما التفكير الموضوعي الذي يحاول الربط بين علة ودواء محتمل يؤثر على الجسم بصفة مباشرة. وهذه المنهجية العلمية هي التي نستشفها وراء دراساته السريرية فهو خلافاً لجالينوس لا يخلط بين الأعراض والأمراض بل يحاول إثبات خاصيات واستقلال كل مرض رغم تشابه الأعراض، وفي دراسته التفريقية الشهيرة بين الجدري والحصبة. وكان ابن سينا الذي نقل كثيراً من أخطاء جالينوس لا يخشى هو الآخر من الاستقلال برأيه فيدلي برأي المعلم في القانون ومضيفاً عند الحاجة "يقول جالينوس وأقول ". ونحن نجد نفس الاستقلال والمنهجية العلمية عند ابن زهر الذي كان يشرح الموتى غير مقتنع بتشريح جالينوس للحيوان وابن زهر هو الذي كان أول من حاول الربط بين مرض معين واصابة محددة في الجسم وذلك واضح في دراسته لرطوبة غشاء القلب وأورام الصدر هذا وقد أكد مرارا على أهمية التجربة والملاحظة وتفوقها على الآراء الدوغماتية التي ترتكز على صيت جالينوس.

وأحسن من ركز بقوة على هذه النقطة عبد اللطيف البغدادي (بداية القرن الثاني عشر ميلادي) الذي لم يكن يرضى بديلاً للتجربة (الحس حسب تعبيره) ساخراً من كل العقول الذليلة التي تكتفي بما في كتب جالينوس بدلاً من الالتجاء إلى حكم الواقع وهذا ما يتضح من خلال نص له:

"ومن العجيب ما شاهدناه أن جماعة ممن يتعاطون الطب وصلوا إلى كتاب التشريح لجالينوس فكان يعسر إفهامهم لقصور القول عن العيان فأخبرنا أن في المقطم تلا عليه رمم كثيرة فخرجنا إليه فشاهدنا من شكل العظام ومفاصلها وكيفية اتصالها وتناسبها وأوضاعها ما أفادنا علماً لا نستفيده من الكتب، أما أنها سكتت عنها أو لا يفي لفظها بالدلالة عليه، أو يكون ما شاهدناه مخالفاً لما قيل فيها. والحس أقوى دليلاً من السمع، فإن جالينوس وان كان في الدرجة العليا من التحري والتحفظ فيما يباشره ويحكيه فإن الحس أصدق منه.

وهذا التحرر الفكري والاعتماد بالأول على التجربة والملاحظة هو الذي مكن عبد اللطيف البغدادي من إثبات بعض أخطاء جالينوس كالقول بأن عظم الفك الأسفل عظمان جمعاً بمفصل وثيق عند الحنك. فقد رفض البغدادي الاستكانة إلى "هذا الرأي بدون التثبت من صحته وهو أمر نعتبره بديهياً في عصرنا الذي سادت فيه المنهجية العلمية إلا أنه لم يكن كذلك في عصور كثر فيها الخشوع أمام الأسماء الهائلة والتشبث الأعمى بأقوال القدماء، وتفضيل النظرية على التجربة، والخلط بين المستوى الخرافي للأمور ومستواها الواقعي.

فالبغدادي لا يخشى من تسفيه رأى المعلم الكبر بأن الحس أصدق منه كما نرى في قوله: "والذي شاهدناه من حال هذا العظم أنه عظم واحد ليس فيه مفصل ولا درز أصلاً واعتبرناه ما شاء الله من المرات في أشخاص كثيرين تزيد على ألفي جمجمة بأصناف من الاعتبارات فلم نجده إلا عظما واحدا في كل ما شاهدناه منه وما حكيناه " وقد ماشاه ابن النفيس في نفس الاتجاه إذ يقول:

" أما منافع الأعضاء فيعتمد في تعريفها على ما يقتضيه النظر المحق والبحث المستقيم، ولا علينا وافق ذلك رأي من تقدمنا أو خالفه "، ونحن نعلم أن رفض ابن النفيس المبدئي لآراء جالينوس حول وظيفة الكبد والقلب والرئتين هو الذي كان بداية اكتشاف الدورة الدموية الصغرى إذ لم يؤمن بنظريته القائلة بأن الدم ينساب من البطين الأيمن إلى البطين الأيسر عبر ثقوب، وان وظيفة الرئتين الرفرفة فوق القلب لتبريده.

فالملاحظة الموضوعية التي آمن بدورها الرئيس كل الأطباء المسلمين لا تثبت وجود هذه الثقوب، ومن ثم وجب إعادة النظر في وظيفة القلب والرئتين. وفي هذا يقول ابن النفيس: " فإن جرم القلب هناك سميك ليس فيه منفذ ظاهر كما ظنه جماعة (أي جالينوس وتلامذته) فلا بد أن يكون هذا الدم إذا لطف نفذ في الوريد الشرياني لينبث في جرمها ويخالط الهواء ويتصفي ألطف ما فيه وينفذ إلى الشريان الوريدي ليصل إلى التجويف الأيسر من تجويفي القلب لا.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:09 PM
وهكذا يظهر من خلال تعامل أكبر الأطباء المسلمين مع جالينوس نبراس التراث الإغريقي الروماني تحامل الدعوى المبتذلة التي يروج بها بصفة دورية البعض من مؤرخي الغرب، فالطب الإسلامي لم يكن مجرد ثلاجة أودع فيها التراث
إلى أن تلقنه العقول النيرة أبان النهضة الأوروبية، بل بالعكس إذ شكل مرحلة عمل إيجابي خلاق والأهم من هذا أننا
نرى بوضوح من خلال هذه العلاقة نوعية مساهمته، فمن المغالاة مثلاً أن نقول أن الطب الإسلامي عرف كل شيء أو
كان السباق في كل الميادين، وهذا ما يدعيه بعض المؤرخين المسلمين الذين يرتكبون الخطأ المعاكس لمؤرخي الغرب.
وهذه المساهمة تمثلت بالأول في تكريس المنهجية العلمية الصحيحيه أي:

- رفض الاعتماد على صيت الأسماء الهائلة في تتبع الحقيقة.
- الدعوة إلى أعمال الماهر الحكيم رأيه كما يقول الرازي.
- تفضيل التجربة لان الحس أصدق من السمع كما يقول عبد اللطف البغدادي.
- رفض تعميم المعارف المشتقة من الحيوان إلى الإنسان ومحاولة دراسة الجسم الإنساني مباشرة .
- إخضاع النظرية للمعاينة العلمية فإن حصل التوافق قبلت وان لم يحصل لفظت كما فعل ابن النفيس.
بالإضافة إلى فكرة التفرغ للطب، وللطب وحده، كما فعل ابن زهر، والتركيز على أهمية ونبل الممارسة الجراحية
المرتكزة على معرفة حقيقية لعلم الأعضاء كما فعل الزهراوي.

أن الأفكار التي تبدو لنا من البديهيات كانت ثورية وجديدة وخلافة. وقد شكلت بدون أدنى شك مساهمة الطلب
الإسلامي الحقيقية ورافداً من روافد النهضة الأوروبية التي مهدت لانفجار المعارف الطبية.

فنحن نجد خط غير متقطع يربط بين دعوة الرازي إلى أعمال الحكيم الماهر رأيه وثورة باراسلز eslecarap(1493- 1541 ( تم الذي احرق كتب جالينوس وابن سينا في أول درس له معلنا بهذا وصول التمرد ضد التحجر والدوغماتية الذي جمد الفكر في الغرب إلى جامعات أوروبا وذلك بعد خمسة قرون من ظهور هذا التمرد في الفكر الا سلامي.

كما أننا نجد صلة واضحة بين تعطش عبد اللطيف البغدادي إلى المعرفة الصحيحة في علم الأعضاء ورفضه لتشريح جالينوس والعالم الكبير فيزال elaseV(1564- 1514 م) الذي ترك كتب جالينوس ليبحث وينقب ويشرح . بنفسه كذلك نكشف نفس الصلة بين ابن زهر ومقارنته بين أعراض المرض،؛ والإصابة العضوية وبين مورقاني (682 ا- 1711 م) الذي جعل من هذه المقارنة الدائمة ركيزة الطب لمدة قرون وهي التي نراها عند ابن النفيس أي إخضاع النظرية إلى خصائص الأعضاء ومحاولة اكتشاف الصلة الموضوعية التي تربط بينهما.

وفي الختام نود التذكير بأنه من الغريب أن هذه العلمية الصحيحة التي تشكل المساهمة الحقيقية للطب الإسلامي،
لم تظهر في الغرب إلا لتختفي في عالمنا إذ تلاشت هذه الحرية الفكرية أبان عصور الانحطاط وعاد الأطباء المسلمون إلى
كل ما حاربه من سبقهم من تحجر فكري وتعيش ذليل على تراث جامد إلى عودة الفكر الخرافي إلى الساحة. أي أنه حصلت ردة خطيرة تماشت مع كل مظاهر الانحطاط الأخرى وأدت بنا إلى الوضعية الحالية التي لا يجب أن نغفل عنها لحظة والتي نحاول لها حدا وهاته الوضعية كما تعلمون تتلخص في المستوى المتردي للحالة الصحية لأغلب الشعوب الإسلامية والناتجة عن تخلف المجتمع ككل وتخلف القطاع الطبي على وجه الخصوص والغياب الكلي للأطباء المسلمين من ساحة البحث والتنقيب أبان هذا القرن الذي شهد انفجاراً لا مثيل له في المعرفة والقدرة الطبية، هذا القرن الذي مهد له الأجداد ولم يسايره الأحفاد.

نحن نتمنى في الأخير أن يكون الملتقى فرصة لربط الماضي بالحاضر، أي لا نركز على الماضي إلا لكي نتعامل مع الحاضر والمستقبل بفاعلية أكثر. وما أحوجنا إلى ملتقى آخر يكون موضوعه مستقبل الطب الإسلامي وكيف نستطيع التعجيل بعودته إلى ساحة البحث والتنقيب، لكي يقع بين ماض مشرق ومستقبل أشرق، ونحن إذ نتطلع إلى تحقيق هذا الهدف فليس من باب الصراع العقائدي مع هذا أو ذاك وانما لكي لا نشعر تجاه من سبقونا بأننا قصرنا في الرسالة، وخاصة من باب بغية المساهمة اللائقة بنا في مغامرة الفكر البشري وصراعه ضد الجهل والألم والمرض.

المراجع:

- أبو الفتوح التوانسيى: من إعلام الطب العربي، الدار القومية للطاعة.
- جلال مظهر: آثار العرب في الحضارة الأوروبية- دار الرائد- بيروت.

Amman Sleim : en souvenir de la médecine arabe - Tunis1960 Barety et coury : histoire de la médecine paris 1963 Fayard . GALLEN : in encyclopedie francaise .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:09 PM
طب الأمومة في الإسلام

للدكتور فؤاد الحفناوي
القا هرة

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:10 PM
ملخص البحث:
اتفقت الآراء الطبية الحديثة في تحديد أهداف رعاية الأمومة مع ما جاء به الإسلام منذ 14 قرنا، فقد أولى الاسلام الأمومة قيمة رفيعة حتى جعلها أشرف مقاصد الزواج باعتبارها مناط النسل وفي نطاق التشريع الإسلامي احكام تنظم حياة الام وترتب لها حقوقا وميزات في الحمل والرضاعة والحضانة.
وقد تمشى طب الأمومة مع الحضارة العلمية منذ فجر الإسلام وتتابعت جهود رواد الطب العربي في مجال الطب النسوي والقبالة وتعليم القوابل طرق الفحص ووسائل التداوي وإجراءات التوليد.
وفي مقدمة مشاكل الأمومة في المجتمع الإسلامي، ارتفاع نسبة وفيات الأمهات بسبب عدم توافر الخدمات الصحية والاجتماعية والثقافية والغذائية، وجميعها يمكن تلافيها بتوفير الوسائل الوقائية والعلاجية، وتخطط حدوث الحمل في السن المناسب والوقت المناسب دون اللجوء الى الإجهاض او الاعقام الذي يرى الطب والإسلام خطرهما إلا إذا توفرت دواع طبية، كما اتفق العلم الحديث مع الإسلام وتعاليمه في شأن الإرضاع وأهمية علاج العقم وتنظيم النسل.
وانتهى البحث إلى عرض بعض التوصيات بأهمية جمع البيانات الإحصائية وعمل البحوث الميدانية لتقويم خدمات رعاية الأمومة وضرورة رفع مستوى تدريب القوي البشرية وتوفير وسائل رعاية الحوامل وتدبيرارة للولادة- بالمستشفيات والوحدات الصحية وتحقيق الرعاية الطبية للولادات المنزلية وذلك في ضوء التعاليم الإسلامية.
انتهت منظمة الصحة العالمية في هيئة الأمم المتحدة الى تحديد اهداف الامومة في أن تنال الام حقها من الرعاية الصحية، وان تتعلم فن العناية بالطفل، وان تحظى بولادة طبيعية، وتلد طفلا طبيعيا، وتأتي بأولاد عن طريق الاختيار لا بمحض المصادفة، وأوصت المنظمة برعاية الام والطفل في نطاق الخدمات الآتية:
- توفيرالعناية بالمرأة قبل الزواج وقبل الحمل وفي أثنائه وعند الولادة وبعدها.
- توفيرخدمات تنظيم الاسرة وعلاج العقم وخدمات التوليد السليم.
وهذا الدستور الطبي الذي يعد أحدث ما وصل اليه الفكر البشري في العصر الحديث ليس جديدا على الاسلام على امتداد اربعة عشر قرنا خلت، فقد تضمن القرآن الكريم والسنة البوية واحكام الشريعة الاسلامية مايحقق تلك الاهداف في تأكيد والتزام.

لقد لقيت الامومة تحت راية الاسلام ما يرقى بها الى مرتبة القدسية، اذ جعل الله رعاية الام قرين عبادته سبحانه، اذ قال الله تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا) (23/17) وعن النبي صلوات الله عليه أنه قال في شأن الأم " الزمها فالجنة عند قدميها "
وقال: " اعظم الناس حقا على الرجل أمه " ولما كرر خصوصية الأم بالرعاية في قوله: " امك، ثم امك ، ثم أمك " وفسر العلماء تكرار ذلك بأن لها ثلاثة امثال البر والتكريم، وذلك للحمل، والوضع، والارضاع.
وبلغ من تقديم الاسلام للأمومة ان حفظ لها حقها في بر الولد بأمه، وان كانت على غير الملة، وكذلك حفظ لها حقها في حضانة ولدها من أبيه المسلم وان كانت من أهل الكتاب.
وليس أقوى في تقدير الامومة في الحمل والولادة من التعبير عنها في القرآن الكريم بأنهما "كره " وبأنهما " وهن على وهن " اذ قال تعالى: (ووصينا الانسان بوالديه احسانا، حملته امه كرها ووضعته كرها) (46/ 15) وقال سبحانه: ووصينا الانسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن) (14/31) فان في التعبير عن الحمل والولادة بأنهما مشقة وضعف ما يرشد الي أن رسالة الامومة وان كانت وظيفة فسيولوجية، انما تستوجب لما فيها من الكره والوهن اشرافا دقيقا يحول بينها وبين أن تصبح حالة مرضية للام او للطفل ربما ادت الى وفاة احدهما وربما أودت بحياتهما معا.
لذلك حرص الاسلام في احكامه على توفي الامن للأم والتيسير عليها، والتخفيف عنها في العبادات وفي غيرها من الانظمة والاوضاع. ففي مجال الفرائض اباح الاسلام للأم الفطر في الحمل والولادة اذا خشيت أن يلحق بها أو بولدها ضرر وأباح الاسلام تأجيل تنفيذ العقوبة في الحوامل والامهات المذنبات حتى ينتهي حملهن وارضاعهن اذا كان في تنفيذ العقوبة والجزاء ما يلحق الضرر بهن أو بمن ولدن، فهن بمنجاة من الحدود ما دمن في زمن الحمل او الارضاع.
وكفل الاسلام للأم حقها في حضانة الولد، وأوجب عليها ارضاعه ديانة، وقضاء، والزم بالانفاق عليها وهي حاضنة ومرضع. واعتبر الاسلام الارضاع أمومة وان لم تكن المرضع اما للرضيع.
والذين يتتبعون احكام الشريعة الاسلامية، ويتفقهون فيها يجدون أن الاسلام ينظر الي المرأة نظرة جليلة، ويعدها محور الاسرة التي هي خلية المجتمع ووحدته المتكررة، لأنه يعتبر الأمومة أشرف مقاصد الزواج، ومن ثم حرم وأد البنات، وحرص على أن يحوط المرأة من وسائل الرعاية والصون بما يكفل لها أداء رسالتها الانسانية الكبرى: طفلة، فبنتا فزوجا، فأما.
وعلى هدى من التوجيه الديني الرشيد، تمشى طب الأمومة مع الحضارة العلمية منذ فجر الاسلام. وعلى الرغم من أن المرأة العربية- والمرأة المسلمة بوجه خاص- تتحرج أن يتولى فحصها الرجل فيما يتعلق بأحوالها النسوية، فان الطب النسوي الاسلامي مضى قدما في مناهجه العلمية لم يتخلف عن غيره من فروع الطب الاخرى، وذلك بفضل ما لجأ اليه الاطباء المسلمون من مواجهة للتصون النسوي، وذلك بأن مارسوا تعليم النساء طرائق الكشف والتعرف وطلبوا منهن الادلاء بما يجدن من الاعراض والعلامات، ورغبوا اليهن في اجراء الوان من التجربة والتطبيق، وأطلقوا عليهن اسم " القوابل "، فكانت القوابل وسائط عملية علمية بين الرجال والطب النسوي " ويحفظ لنا التاريخ اسم طبيب اشتدت بذلك حتى سمى " القوابل"، وعلي يديه تخرج جمع من القوابل في ايامه تعلمن منه وعلمن غيرهن.
وفيما كتبه " الرازي " و" الزهراوي " وسواهما ما يفصح عن ذلك الاسلوب الذي توصل به الاطباء المسلمون لمواجهة الطب الامومي بين المسلمات مع تحرجهن من مزاولة الاطباء الرجالى للفحص والعلاج.
لقد استطاع الاطباء المسلمون، مع صعوبة الاسلوب الذي لم يكن منه بديل في تعرف الطب النسوي، أن يحصلوا على معلومات دقيقة وان يكتشفوا اشياء غامضة، وان تكون لهم من ذلك حصيلة يباهي بها تاريخ الطب عام الصعيد العالمي.
قام الاطباء المسلمون بلراسة الطب واحتباسه، وما يعتري الارحام من الشقوق والبثور والقروح، وزاولوا علاج العقر، وعسر الحمل. وفي مجال القبالة والتوليد عرفوا تكوين الجنين، ووصفوا طرق العناية بالحامل وتدبيرها، وتتبعوا أسباب الاسقاط، وكشفوا عن الحمل خارج الرحم، وتعرفوا التوأم وعلامته، وميزوا بين الاشكال الطبيعية وغير الطبيعية للحمل والولادة، وكيفية التدبير في كل حالة، وأبانوا احوال النفاس، وتدبير المولود والرضاعة، ووصفوا العمليات الجراحية في التوليد.
ولا يفسح المقام لتفصيل تلك الجهود العلمية الفنية، والمزاولات التجريبية التي نهض بها الاطباء المسلمين، مباشرة بأنفسهم، أو بواسطه القوابل في عصور متوالية وسبقوا بها النهضة العلمية الحديثة في الغرب.
وعزيز علينا أن نشير الى أن تراثنا العلمي في الطب النسوي قد فقدنا منه الكثير على مر العصور، ولا تدلنا عليه الا اسماء أو شذرات منقولة هنا وهناك.
على أن لدينا أثارة من تلك الامجاد، وأن يكن بعضها ما برح متناثرا أو مخطوطا تنطوي عليه المكتبات العامة. ومن بين ما حفظه لنا تاريخ الطب النسوي ما كتبه " الرازي " في كتابه " الحاوي " وما كتبه "علي بن عباس " في كتابه " كامل الصناعة الطبية " وما كتبه " ابن سينا " في كتابه " القانون " وما كتبه " الزهراري " في كتابه " التصريف لمن عجز عن التأليف " وما كتبه " جذب الدين " في كتابه " المختارات في الطب " وما كتبه " أبو الفرج بن موفق " المعروف " بابن القف " في كتابه " العمدة في الجراحة ".
ولئن وقفنا هذه الوقفة القصيرة، نتصفح فيها ماضينا المجيد قي الطب النسوي، أو على الاصح في طب الامومة، ونتغنى بما ترك اسلافنا من علامات مضيئة في طريق كان يفترشه الغموض والظلام، اننا في الحق لا نقف تلك الوقفة عن غرور وتقاعس بل نقفها متطلعين الى الامام، نستمد من تراثنا الخالد عزما عام أن:
نبني كماكانت أوائلنا تبني، ونفعل مثلمافعلوا
وذلك بأن نواجه مشكلات الامومة في العالم الاسلامي بوجه عام، وفقا لتعاليم الاسلام.
ولعل في مقدمة هذه المشكلات ان الاحصاء المتوفر يصارحنا بأن نسبة وفيات الامهات قي المجتمع الاسلامي تزيد زيادة مزعجة على نسبتها في الدول المتحضرة، وتلك هي الارقام الاحصائية الرسمية لهيئة الصحة العالمية تقرر ذلك وتؤكده، ولا أظن أن ذلك يرضى عنه الضمير الاسلامي لأمتنا المؤمنة، فان من المحزن، أو من المؤسف الذي لا يليق بنا السكوت عليه، أن يكون نصيب الامهات المسلمات هو الممات، فيقضى عليهن وهن يؤدين بالحمل والولادة أشرف الواجبات.
اذا تتبعنا اسباب هذا الارتفاع الهائل في نسبة وفيات الامهات، امكن لنا أن نرجعها الى أن الام لم يتوافرلها الحظ المقبول من الوعي الثقافي، والقدر الكافي من الامن الغذائي ولم تتح لها كذلك الخدمات الصحية والاجتماعية على المستوي المعياري. ومن حق الام المسلمة ان تنال رعاية طوال فترة الحمل لاكتشاف المضاعفات وعلاجها قبل الوضع، كما ان من حقها ان تحظى بخدمات أثناء الولادة تمنع مخاطرها وقد ثبت ان اجراء عملية الوضع بالمستشفيات اكثر أمانا للوالدة ووليدها، لتوافر الخدمات فيها اكثر مما هي بالمنازل، حيث لا يمكن تقديم علاج للنزف أو تسممات للحمل أو ما بقي من الالتهابات وفي المجتمعات التي ليس فيها أسرة للولادة بالمستشفى يجب أن تصل الخدمات للمنازل على ايد مدربة. والى جانب ذلك كله يدخل في اسباب الوفيات التخلص من الحمل غير المرغوب فيه بوسيلة الاجهاض المحرم. وكذلك من الاسباب كثرة الانجاب في فترات قصار، وحدوث الحمل في سن مبكرة او في سن متأخرة.
وليس من شك في أن هذه الاسباب ليست من المعضلات المستعصية التي لا مفر منها فانها جميعها يمكن تلافيها الى الحد الاقصى، وذلك بمواجهة كل سبب منها ومقاومتة مقاومة فعالة، وذلك بتوفير الوسائل الوقائية والعلاجية التي تسد منافذه، بفضل التشخيص المبكر والرعاية المستمرة المنتظمة

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:10 PM
ويعنينا في هذه العجالة ان نوجز القول في اهم مخاطر الامومة:
فيما يتعلق بتلاحق الولادات، ثبت علميا ان من الضروري صحيا ان يكون بين الحمل والحمل ثلاث سنين او سنتان على الاقل، وفيما يتعلق بوفرة الولادات ثبت علميا كذلك ان الحمل الخامس فما يليه يعرض الام للخطر، ويرتفع مدى هذا الخطر، كلما زاد العدد وفيما يتعلق بالسن المناسبة للحمل ثبت علميا ايضا ان الحد الادنى هو سن العشرين وان الحد الاقصى هو سن الخامسة والثلاثين، فما بين العشرين والخمس والثلاثين هي السن المثلى للحمل المامون، وأما ما يحدث من الحمل قبل الحد الادنى وبعد الحد الاقصى فان الام تتعرض فيه لاخطار على وجه الاحتمال، وكذلك تتعرض فيه الأجنة لاحتمال حد وث التشوهات او حدوث الوفاة.
وان الحديث في تتابع الولادات ووفرتها وسن الحمل المناسبة يجرنا الي الحديث في الموضوع الذي خاض فيه الباحثون على اختلاف تخصصاتهم الدينية والاجتماعية والطبية وهو الموضوع الذي يتعلق بالنسل، وموقف الطب الذي استقرت عليه المنظمات الدولية هو تخطيط وتنظيم لزيادة النسل او نقصانه، وليس لتحديده او ضبطه. فالذي يعنيه الطب في هذا المجال هو أن يقرر الحقائق العلمية، ويكشف مايخفى عن غير الخواص من شؤونهم الصحية أضرارا كانت أو مزايا، وفي هذا الصدد لا يدخر الطب وسعا في مواجهة المشكلات من الجانب الصحي، وهو في هذا يساير التشريع السماوي الذي يدعو الى المحافظة على الصحة ويحرم ازهاق الروح، وينهي عن الالقاء بالنفس الى التهلكة ويحمي حق الحياة لكل كائن حي، ويكفينا في ذلك ما أوضحه مفخرة الفكر الاسلامي، الامام (الغزالي) وكما يتعرض الطب للانجاب لتلافي أخطاره في الحالات المعينة، يتعرض كذلك للعقم، محاولا علاجه للتخلص من أضراره. فالطب اذن ليس عدوا للنسل، بل هو يعادي الاخطار التي تتربص بالنسل وبتلافي هذه الاخطار وأثرها علي الامهات وما يلدن، ايمانا منه بحق السوية لهؤلاء الامهات ولحملهن المنثسود.
وفيما يتعلق باعقام المرأة يتفق العالم الحديث مع تعاليم الاسلام في ان الاعقام الدائم لغير سبب صحي أمر ينافي الحق الانساني، وهو مضر نفسيا وصحيا واجتماعيا، ولكن لا يسع منصفا ان ينكر ان الاعقام ضرورة طبية للمرأة في بعض الاحوال اذا استبان بالفحص الدقيق ان الحمل خطرعلى حياتها، اوعلى حياة وليدها.
وفيما يتعلق بالاجهاض يتفق العلم كذلك مع الاسلام في أن الاجهاض للتخلص من حمل غير مرغوب فيه أمر له أضراره الصحية والنفسية بالمرأة، وقد يؤدي الى مضاعافات تؤدي بالحياة أو تسبب اصابة العاقم، فتحرم المرأة امكان الانجاب حين ترغب فيه. ولذلك يري الطب مع الاسلام ان الاجهاض محذور، الا اذا توافرت دواعيه طوعا لرعاية صحة المرأة وضها قبل حملها وبعده في أن تعيشه.
ونجد لزاما علينا أن ننوه بأن العلم الحديث يتفق مع الاسلام وتعاليمه في شأن الارضاع، فاقد أوصى به الله في كتابه غير مرة، ولقد أثبت العلم أهمية الرضاعة من الثدي ومزاياها للام والطفل من الناحية الصحية والناحية النفسسية معا وكذلك ثبت ان الرضاعة المديدة وسيلة طبيعية مأمونة لتأجيل الحمل اللاحق. على انه قد ثبت علميا كذلك ان حدوث الحمل في زمن الرضاعة يوقف ادرار اللبن، ويحرم الوليد غذاءه الامثل، وذلك ما عبر عنه في الحديث النبوي بأنه "غيل ". وهو بجانب ذلك مضرة للام وللجنين ايضا.
وجدير بالذكر أن مشكلات الامومة في العالم الاسلامي كانت موضع البحوث والدراسات في مؤتمرات ثلات في السنوات القريبة الماضية عقدها المركز الدولي الأسلامي للدراسات والبحوث السكانية بجامعة الازهر، وكان موضوعها مكانة المرأة في الاسرة الاسلامة ومستقبل الطفل في العالم الاسلامي، والامومة في الاسلام. وقد تمخضت الآراء. والمناقشات عن أفكار وتوصيات ايجابية يمكن ايجازها، عسى أن تكون مجالا لمزيد من الحوار:
- انشاء مراكز معلومات في البلاد الاسلامية لجمع ونشر بيانات احصائية متجددة من مصادرها الاصيلة عن صحة الاسرة ويمكن الاطمئنان الى سلامتها والاعتماد عليها في تخطط البرامج الصحية في العالم الاسلامي بحيث تستجيب لاحتياجاتنا للدراسة والتخطيط للاسرة المسلمة.
- انشاء معاهد او وحدات او مراكز أو مجمعات للامومة تتكامل بها الوسائل والخدمات للعناية بصحة الام، على منهج علمي عملي.
- ابراز اهمية الاختبار الطبي قبل الزواج، وذلك بوضع أنظمة لجمع المعلومات في شكل شهادة صحية بناء على فحص طبي للزوجين، ضمانا لسلامة الانجاب وسلامة الاسرة بوجه عام.
- توفير عيادات لفحص الحوامل، واعداد أسرة للولادة بالمستشفيات والوحدات الصحية تستوعب- بقدر الامكان- حالات الوضع وكذلك تدبير خطة يتم بها تحقيق الرعاية الطبية للولادات المنزلية، بواسطه ذوي خبرة وتأهيل ويمكنهم من أن يحيلوا الى المستشفيات ما يستعصى من حالات الولادة العسرة ومضاعفاتها.
- اجراء بحوث ميدانية يشترك فيها فقهاء الشرع ورجال العلم للتثبت من مدي الاخطار التي تتعرض لها الام والطفل، وذلك لاستخلاص نتائج يستند اليها في التقويم والتخطيط.
- اعتبار النسل أمرا خاصا لكل أسرة، وحقا من حقوقها الانسانية، بحسب أوضاعها المناسبة، ومهمة البحث العلمي في شأن النسل هي التوعية والتبصير لتتصرف كل أسرة في كل حالة بحسب ما يحيط بها من ظروف صحية واجتماعية وا قتصادية.
- نظرا لارتفاع نسبة الوفيات بين الامهات عند الوضع، وفي خلال فترة النفاس ووفيات الاطفال في سن الرضاعة في المجتمع الاسلامي ارتفاعا يزيد عن المعدلات العالمية في الدول المتقدمة، ندعو الى ضرورة انشاء وتدعيم الخدمات الخاصة بالام والطفل في العالمين الاسلامي ومن بينها المباعدة بين حمل وآحر واختيار السن المناسبة للحمل، وتجنب الولادات المتكررة والمتقاربة صونا لصحة الام مع ارشاد الامهات طبيا الي ذلك، وتوفير الوساثل اللازمة!ا.
- يراعى في وساثل تأجل الحمل ، ألا تستعمل الوسائل التي تضر بصحة الام او الوسائل التي تسبب العقم الدائم.
- استبعاد الاجهاض كوسيلة من وسائل تنظيم الاسرة.
- ابراز اهمية الرضاعة الطبيعية، التزاما بما هدت اليه الشريعة الاسلامية ووتحقيقا لما أيده العلم الحديث الى جانب ان فترة الرضاعة فرصة طبيعية لتأجيل الحمل.
- رفع المستوى التعليمي والتدريبي للقوى البشرية في ميدان الأمومة والطفولة ويشمل ذلك مع الاطباء الحديثي التخرج القابلات والدايات التقليديات على أن يكون التدريب طبيا واجتماعيا ودينيا، وبخاصة في المناطق الريفية والمناطق النائية.
- رفع معدل الاستثمارات المالية في المجالات الصحية والتعليمية والجتماعية المتعلقة بالامومة والطفولة باعتبار ان هذه الاستثمارات من قبيل استثمارات الانتاج المرتقب، ان الطفل هوثروة الغد، وهو موجه المستقبل.
واخيرا يطب لي أن انادي بضرورة الاهتمام بتراثنا في طب الامومة، والطب النسوي عامة، وهو متفرق مبعثر في مختلف المؤلفات، أو مختزن في مخطوطات نادرة فعلينا اذن نجمع ما تفرق، وننشر ما انطوى، بطريقة منهجية علمية تصل بين الماضي والحاضر وتوازن بين القديم والحديث، حتى تكون بين يدي الاجيال المعاصرة زادا علميا تاريخيا يعتزون فيه بحضارة الاسلام.
وليس من شك في أن وعينا الصحيح بتعاليم الاسلام فيما يتعلق بالاوضاع الصحية للافرد والمجتمع هو الحافز القوي الذي يكفل للآراء النظرية والافكار العلمية أن تصيب اهدافها في المجالات الطبية بوجه عام، وفي طب الامومة بوجه خاص.
ثم شكر رئيس الجلسة الدكتور فؤاد الحفناوي علي التأكيد على هذه النقاط الرئيسية أولها الأمومة ومنزلتها القدسية في الاسلام وكل البحوث جاءت لتأكيد هذا فيما يتعلق بالطابع الأول. نفسية الطفل هي طابع الأم قبل أن يكون طابع الأب وهذا مثال واحد قصير: تزوج رجل موسيقي من امرأة موسيقية وكان الأولاد موسيقيين. بعد ذلك توفيت الأم وتزوج من امرأة غيرموسيقية فلم يكن الأولاد موسيقيين مما يدل على الطابع وأن رفعة الاسلام أنه من السماح.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:11 PM
الطب في الإسلام
بين التشريع والممارسة والتخطيط

للأستاذ الدكتور عبد العزيز كامل
الكويت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:12 PM
السيد الرئيس:
السادة الزملاء:
(1) تحية
يسعدني أن أضم صوتي إلى أصوات سبقت إلى هذا المنبر، وأصوات تتعاقب عليه في شكر تركيا رئيسا وحكومة وشعبا أن استضافت هذا المؤتمر الإسلامي الطبي الكبير.
ومن حق مدينة استنبول ونحن نلتقي في رحابها، أن نربط مجدها العريق بما نحن بسبيله من تعاون على بناء حاضر ومستقبل
وفي زيارتي لهذه المدينة تسبق إلى ذهني ثلاثة جوانب من تراثها: الإيمان والعلم والتخطيط.
فلقد استمرت محاولات المسلمين ثمانية قرون حتى تمكن السلطان محمد الفاتح من فتح أبواب القسطنطينية عام(857 هـ/ 1453 م) وتمثلت عبقرية هذا السلطان الشاب في أنه استطاع لأول مرة أن يجمع بين عمق العقيدة وارتفاع المستوى العلمي القادر على التغلب على حصون المدينة وأسوارها، فالتقت تحت قيادته القوتان: الإيمان والعلم.
ولم يكن الإيمان ينقص المحاولات السابقة، ولكن ينقصها المستوى العلمي القادر على التحدي والانتصار.
ويأتي العنصر الثالث وهو التخطيط: وأراه واضحا في خط السماء في استنبول ويبرز فيه اسم عبقري العمارة خوجه سنان وهو عبقري بأي مستوى وضعته فيه: بين قومه الأتراك، وبين أهل عقيدته المسلمين، وبين أصحاب تخصصه من عظماء العمارة في العالم.
واستطاع سنان في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي أن يضع اللمسات الأساسية في خط السماء في استانبول، وأن يمد تأثيره على العمارة التركية والإنشاءات الدينية والمدنية في أكثر من قطر من أقطار الدولة العثمانية. وإذا كان، سنان قد اختار ثلاثة مساجد لتمثل مراحل تطوره وهي


شاه زاده وسليمية في استانبول وسليمية في أدرنه، فإن هذه المساجد لقاء بين الإيمان والعلم والتخطيط معا.
ولا زلنا حتى الآن حين ننظر إلى خط السماء في استانبول وحين نشرف على أدرنه، وعلى أكرمن مدينة في تركيا، نحس أن عبقرية سنان وزملائه ترحب بنا، بعد أن بارح دنيانا في عام (996 هـ/ 1588 م) هو ترحيب تعبر عنه هذه الكلمات الثلاث: الإيمان العلم التخطيط.
(2) الصحوة الثانية
السيد الرئيس:
السادة الزملاء:
ونحن نعيش مع مطلع القرن الخامس عشر الهجري ما اصطلحنا على تسميته بالصحوة الإسلامية الثانية. وقد انتشر استخدام هذا المصطلح في كل من العالم الإسلامي والدوائر العلمية في خارجه.
وقد يكون في هذه التسمية شيء من التجاوز أو الظلم لجهود إسلامية سابقة.
نتفق على أننا نعيش صحوة، ولكنها ليست الثانية، فلقد تعثر العالم الإسلامي بعد اليقظة الأولى التي شملت عهود الخلافة الراشدة والأمويين والعباسيين، وسيظل سقوط بغداد (عام 656 هـ/ 1258 م) يمثل زلزلا كبيرا في تاريخ الحضارة
الإسلامية.
ولكن عندا هذا الزلزال ومقدماته وآثاره لنا وقفة وثيقة الارتباط برصيد الحضارة الإسلامية وتاريخها. والطب جزء منها.
وسأترك بغداد مؤقتا لأتحدث عن القسطنطينية.
الغرب يتحد ث عن عام 1453 م: بأنه عام " سقوط القسطنطينية ". ومؤرخو الإسلام يتحدثون عن " محمد الفاتح " وعن " فتح القسطنطينية، وكيف غاب الاسم القديم ليبرز اسم استانبول.
ونقرأ في كتب الحضارة عن تأثير سقوط القسطنطينية على قيام عصر النهضة في أوروبا، وأن هجرة العلماء منها كانت من الأسباب التي أدت إلى انطلاق الفكر الأوربي ونهضته، وأن سقوط الدولة البيزنطية كان يحمل بذور العهد الجديد والنور الجديد.

بهذا الربط سرعان ما يتجدد الأمل في نفس الشاب الأوربي وهو يقرأ تاريخه: فبعد الهزيمة نصر، وبعد الظلام نور، وتغيب الأحزان لتخلي المكان والصدارة للآمال المرتقبة والتطلع إلى مستقبل أفضل.

وغير هذا نقرؤه عند مؤرخي الحضارة الإسلامية. نقرأ مراثي سقوط بغداد، ومراثي الانسحاب لمن الأندلس بعد سقوط غرناطة (عام 897 هـ/ 1492 م). ولا نربطها كثيرا بما حدث بعدها من صحوة ومن جهود علمية رافضة للهزيمة.
أما في مجال الطب فقد استطاعت بغداد أن تستقطب منذ ازدهارها في العهد العباسي الأول، شخصيات تألقت فيها ممارسة وإبداعا علميا.
- علي بن ربان ا (طبري مؤلف " فردوس الحكمة " وهو أول كتاب إسلامي منظم في الطب.
- محمد بن زكريا الرازي (المتوفى عام 313 هـ/ 925 م) صاحب موسوعة الحاوي، التي تقوم على ملاحظاته الشخصية في فرص المرضى وعلاجهم، وكتابه المنصوري والمعرفة به واسعة في الغرب.
- علي بن العباس المجوسي (المتوفى عام 384 هـ/ 994 م) مؤلف " كامل الصناعة " ويعرف أيضا باسم الكتاب الملكي.
- أما ابن سينا (وتوفي عام 428 هـ/ 037 1 م) فقد عاش طول حياته في فارس، وهو بحق فيلسوف العلماء وعالم الفلاسفة، ولعل، كتابه "القانون في الطب " أبرز ما كتب عالم فرد في تاريخ الطب.
وفي ذات الوقت كانت شمس العلم الإسلامي تشرق في أقصى الغرب.
فقد عاشر في ديار الأندلس أعظم جراح في تاريخ الطب الإسلامي، وهو أبو القاسم الزهراوي صاحب (كتاب التصريف ".

وليس هذا مجال استقصاء (1) ولكن أذكر هذا لأحدد به نمطا كانت به دار الخلافة أكبر المراكز العلمية، وأقدرها على اجتذاب العلماء ومن بينهم رجال الطب، وفي فلكها تدور عواصم أخرى لها علماؤها، ولم تخل ديار الإسلام، حيث قامت الدول المستقلة عن الخلافة من أعلام آخرين تركوا أثرا باقيا في تاريخ الطب الإسلامي.

وعندما سقطت الخلافة العباسية زاد إحساس العواصم الإسلامية الأخرى بالمسئولية، وحاولوا تعويض ما فقدته الحضارة الإسلامية بعد تدمير مكتباتها وتشريد علمائها وتخريب مؤسساتها، واندفع العلماء في رفض عنيد للهزيمة إلى عصر الموسوعات، وأخذوا يجمعون ما استطاعوا من التراث، وقد هاجم منهم ومن التجار وأصحاب الحرف من استطاع الهجرة إلى ديار الشام ومصر، وإلى عالم المحيط الهندي جزائره في الملايو وإندونيسيا وما وراءها إلى الفليبين الحالية، وبقي منهم نفرا في الأرض المحترقة واستطاعوا أن ينبتوا أجيالا جديدة من العلماء في الدول الإسلامية الجديدة، التي قامت بعد أن هدأ الإعصار المغولي، وتحولت العاصفة إلى مياه جارية تروى أرضا وتثمر زرعا (2).

ولنذكر بعض عناوين الموسوعات الكبرى التي لحقت سقوط بغداد، وميزت طبيعة هذه المرحلة في التأليف.
- مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله العمري (749 هـ/ 1348 م).
- نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري (733 هـ/ 332 1 م).
- صبح الأعشى في صناعة الإنشا للقلقشندي (821 هـ/ 1418 م).
ومن القواميس اللغوية الكبرى:
- لسان العرب لابن منظور الأفريقي (711 هـ/ 1311 م).
في المجال الطبي أدت هجرة العلماء إلى ازدهار الأنشطة الطبية في الشام ومصر، وهي هجرة إذ اشتدت بعد سقوط بغداد فقد كانت بوادرها منذ العهد العباسي الثاني وغياب الخلفاء العظام:
- ألف ابن أبي أصيبعة عيون الأنباء ني طبقات الأطباء " 1 668 هـ/ 269 1 م).
- قام قطب الدين الشيرازي (710 هـ/ 1311 م) بشرح كتاب القانون لابن سينا، ويعتبر كتابه " التحافة السعدية " أدق شروح القانون وأعمقها.
- مارس علاء الدين بن النفيس (687 هـ/ 288! م) نشاطه في كل من الشام ومصر وهو الملقب بابن سينا الثاني، وهو أول من اكتشف الدورة الدموية الصغرى، وقد عاد إليه حقه العلمي واعتبر السلف الحقيقي لوليم هارفي ولابن النفيس موسوعة طبية باسم " الشامل في الصناعة الطبية.
وظهرت مراكز طبية وازدهرت في المغرب وفارس والهند.
وفي الجزء التركي من العالم العثماني برزت أسماء طبية ممتازة في المجال الطبي:
- حجي باشا خضر الاييديني (في القرن التاسع الهجري/ الخامس عثر الميلادي).
- محمد الكوزوني طبيب سليمان الأول وسليم الثاني في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي).
- داود الأنطاكي وهـو من أنبغ الشخصيات المتأخرة في تاريخ علوم الإسلام وكتابه، التذكرة " من أهم وأوسع المراجع الطبية انتشارا في هذه الفترة الأخيرة (3).
وإذا كان نفوذ الطب الغربي قد وصل إلى أكثر ديار الإسلام، فلا زالت بعض الأقطار محافظة على تراثها الإسلامي في شبه القارة، حيث الهند وباكستان وبنجلادش مع إفادتها من الطب الغربي.
إن المحافظة على التراث الطبي الإسلامي أخذت تكسب أرضا جديدة حتى في ديار الغرب نفسها، واصبحت إعادة النظر في هذا التراث بخاصة، والتراث التقليدي بعامة جزءا من الاهتمامات الإسلامية والوطنية والعالمية الآن. يبدو من هذا أنه بين الصحوة الأولى، وما أطلق عليه الصحوة الثانية حدثت عدة صحوات، وقامت دول جديدة بعضها فوق أرض احتفظ بها الإسلام، وبعضها فوق أرض كسبها، وبعضها فوق أرض استردها، وبرزت أهمية مدن وعواصم بعضها قديم، والبعض جديد، ولعلماء الإسلام قي هذا كله عطاء وحركة وتواصل مستمر.
بعبارة أخرى نستطيع القول: إنه رغم الخسارة التي لحقت بالحضارة الإسلامية بعد الإعصار المغولي من الشرق،
ورغم الخسائر والمجهود التي استنزفها الإعصار الغربي الذي تمثله الحروب الصليبية، بل بسبب هذه التحديات، فقد انبعث من احتكاكها وهج نهضة جديدة ودورات من العطاء نحتاج إلى تاريخ جديد للحضارة الإسلامية، يعنى بتسجيل مقاومة روح الهزيمة العلمية، والعناية بالتأليف، وحفظ التراث والإضافة إليه، وتخريج الأجيال الجديدة من الباحثين. هي دورات لها ذمم وقيعان تتباين أبعادها، ولكن فيها استمرار الحياة والإصرار على البقاء.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:12 PM
وفي نفس الوقت نحن لا نريد أن نغض الطرف عن الاسئنزاف الإسلامي الداخلي، وما شجر بين دول الإسلام من حروب، والنيران التي لا تزال مشتعلة، تأتي على زهرة الشباب، وعلى أرصدة المستقبل، بل علينا أن نبين تأثيرها السلبي على المسار الإسلامي.
وعلينا بقدر ما نستطيع أن نوسع دوائر التعاون، وأن نضيق دوائر الخلاف والنزاع. وليكن مما ننادي به أن نحفظ جهود العلم بعيدة عن الصراعات الداخلية، وأن تكون لرجال العلم ومعاهده وأجياله " حصانة " تمكنهم من القيام بمسئولياتهم، ومن بينها أن يقوموا بأنفسهم بكتابة تاريخ حضارتهم والطب جزء منها.
ولعل أن يكون هذا فيما نتواصى به في هذا اللقاء مع تنسيق الجمود التي تقوم بها أكثر من هيئة علمية العالم الإسلامي وهي جهود فيها تشابه وتداخل وتكرار.
(3) الطب بين الشريعة والممارسة
ترتبط العلاقة بين الشريعة والممارسة بنظرة الإسلام إلى الإنسان، يقول الله تعالى (لقد كرمنا بني آدم ) (4) والإنسان هو خليفة الله في أرضه: حقه وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ومن أجله خلق الله الوجود وأكرمه بالحواس والفكر (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) (6).
( قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (7).
ولقد ذكر فقهاؤنا أن مقاصد التشريع الضرورية خمسة هي: حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل. ويقول الإمام الشاطبي هذه الخمسة لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، وفي الأخرى (أي يوم الحساب) فوت النجاة والنعيم، والحفظ لها (أي للمقاصد الخمسة) يكون بأمرين: ما يقيم أركانها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها. وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم (8).

ويلحق بهذه الضروريات مستوى يعين على تحقيقها يسميه الشاطبي " الحاجيات "، ومن دونه مستوى ثالث يسميه " التحسينات " وهي الأخذ بمحاسن العادات.

فإذا كانت الضروريات الخمس أساسا، فالحاجيات عون، والتحسينات جمال في الأداء، وهي جميعا بتقسيمها الخماسي والثلاثي، أي الأفقي والرأسي تدور حول محور واحد هو كرامة الإنسان، ومن هذه الكرامة تنبع العناية بالإنسان في صحته ومرضه: الصحة بمفهومها الشامل جسميا ونفسيا وروحيا، والمرض بمفهومه الشامل أيضا الذي يضم هذه الجوانب، ويستوي فيه أن يكون المرض الذي أصيب به الإنسان من عمل يده أو أصابه دون حول منه ولا قوة.

(4) الموقف من المريض.

وارتبط بهذا أيضا موقف الإسلام- كدين- من المريض، فرعايته بين أهله، من صحبة المعروف والتقوى التي نقرؤها في قول الله تعالى ( وبالوالدين إحسانا " (9) وقوله ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ومن تمام الإحسان وصلة الرحم رعاية المريض من الأهل، وهو حق مضاف إلى حقه الأول كإنسان.

إن الرعاية بالنسبة إلى المجتمع فرض كفاية، إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين. ولا فرق في الإسلام بين حاجة الفرد إلى الطعام الشراب وحاجته إلى العلاج، وفي حياتنا المعاصرة التي تحمل فيها الدولة المسئولية مع أجهزة الحكم المحلي والمؤسسات الآتي أقامها أصحابها للغير أصبح تخطيط الرعاية الصحية مسئولية منظمة، تتحول فيها المبادرات الفردية والجماعية إلى قنوات خدمات تتكامل مع ما تقوم به الأجهزة الحكومية....

(5) الموقف من المرض

والمرض في الإسلام انحراف عن الصحة، والرسول صلى الله عليه وسلم ينصحنا بقوله (تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد هو الهرم) (11).
ولا نلقي في الإسلام أي أساس لموقف سلبي من المرض، فعلى الإنسان أن يحفظ صحته، وأن يلتمس سبل الشفاء إذا مرض، وعالما المجتمع أن ييسر له ذلك ما استطاع إليه سبيلا.
ولا نلقى في الإسلام موقفا عدوانيا على مريض، كما كان يحدث لضعاف العقول في أوربا في العصور الوسطى،عندما نسبوا ضعف العقل أو الجنون إلى الأرواح الشريرة.
والجذر اللغوي لهذه الكلمة وهو" ج ن ن " لا يدل على فقد، وإنما يدل على استتار أو حجب فقط، ومنه المجن الذي يستر المحارب، والجنة أي الحديقة لأن أشجارها تتستر من فيها، والستر يقتضي الوجود كأنه عاقل إنسان في الجنون مستور، وإذا استطعنا رفع الستار عاد إلى الظهور (12).
وموقف المريض من مرضه، مادام يعقل، هو التحمل والصبر والسعي إلى العلاج.
إن المرض في الإسلام اختبار من الله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا غم ولا حزن- حتى الهم يهمه إلا كفر الله به سيئاته) (13).
وبهذا كان تحمل الألم عبادة، وهو يشيع في النفس قدرا من السكينة تعين المريض على عبور جسر الألم، وتعين طبيبه على العلاج في نفس الوقت، وتراثنا القديم والحديث زاخر بمواقف الصالحين من المرض صبرا عليه وتحملا، وسعيا إلى العلاج إن استطاعوا، ورضى به إذا كان فوق طاقة الطب والعلاج (14).
وكان هذا التعاون بين المريض والطبيب والمجتمع يتم في جو من المودة والرعاية المتكاملة (جسميا ونفسيا وإعدادا للحياة العامة) وتشهد المستشفيات التي أنشئت في دورات الازدهار الإسلامي في كثير من عواصمه.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:12 PM
(6) مناقشة لبعض مشكلات الأحاديث النبوية فى الطب

ومع هذا الخط العريض في طلب الدواء والشفاء دارت مناقشات حول أحاديث شريفة من أبرزها قوله عليه الصلاة والسلام( لا عدوى) (15).
هذا مع أحاديث أخرى توصي باجتناب المرض، وأحاديث تحث على رعاية المريض.
وبهذا تبدو الصور العملية وفيها اقتراب من المرض والمريض لعلاجه، وحذر من العدوى، وإبعاد للأصحاء عن المريض ووقاية .
وكل موقف من هذه المواقف يتلاءم مع حديث أو أكثر للنبي عليه الصلاة والسلام.
ا- بعض علماؤنا قالوا إن أحاديث الطب ليست تشريعا وإنما هي تمثل خبرة العصر (16) ولو كانت تشريعا لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يصف بنفسه الدواء لكل ما يعرض له. ولكنه كان يصف أحيانا وكان يوصي بأن يسألوا بعض المختصين: فعندما مرض سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (ادعوا له الحارث بن كلدة فإنه يطبب) (17).
ب- والبعض ذكر أن حديث لا عدوى كان يحدث به أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سكت عن التحديث به.
جـ- والبعض اتجه إلى التوفيق بين هذه الأحاديث، وأن كلا منها كان لهدف وظرف ومستوى من الإيمان، ولن نطيل الوقوف عن هذا الحوار، ونستطيع أن نرجع إليه في مراجعه كتهذيب الآثار للطبري وزاد المعاد لابن القيم (18).

ذلك لأن الممارسة الإسلامية كانت هي التماس العلاج لكل مرض، وتجنب العدوى، مع رعاية المرضى والعناية بهم، واعتبار هذرا كله مسئولية دينية واجتماعية في آن واحد، وهي لا المصطلح الإسلامي عبادة، ذلك لأن العبادة قصد الله به كل خير يقدم في المجتمع، سواء قدمه الفرد إلى نفسه أو أهله أو المجتمع الكبير.
وعندنا مثال قريب من تركيا:
فعندما كان الجدري يفتك بالشعوب الأوربية في القرن الثامن عشر كانت الدولة العثمانية تمارس التطعيم، وقد كتبت السيدة ماري منتاجو زوجة السفير البريطاني لدى الدولة العثمانية ما لاحظته عندما زارت أدرنه عام 1717 فوجدت الجدري خفيف الوطأة في الشرق، وسألت عن السبب فعرفت أنه التطعيم. واقتنعت بفائدته وجربته في أولادها، ثم أشارت على قومها أن يجربوه، وتعرضت السيدة للاتهام بالدجل والشعوذة ومعارضة إرادة الله، ولكنها صمدت حتى أقنعت الأسرة المالكة بذلك، ومارست التطعيم في أفرادها بعد تجارب تمهيدية من خارج الأسرة. وأخيرا اقتنع القوم به ومارسوه رسميا، وكانت وفاة هذه السيدة الفاضلة عام 1762 م وبعد ذلك بستين عاما أقاموا لها شاهدا تذكاريا على قبرها، يسجل فضلها فيما حملت إلى قومها من خير وعلم تجريبي كان يمارس في تركيا (19). فالتطبيق التجريبي لحديث رسول الله الموجز (تداووا عباد الله) كان ممارسا على أوسع نطاق، وكان الفكر الإسلامي ونرجو أن يظل هكذا دائما قادرا على التمثل والمشاركة والإبداع.

(7) مسئوليات الحاضر والمستقبل
هذه المسئوليات شريحتان:
الأولى: متابعة المسئولية نحو الماضي باعتبار الحاضر نقطة متحركة على مسار الزمن ويومنا هذا موعد الأمس، وأمس الغد.
وأهمية هذه المتابعة أنها لا تقف بنا عيد عهد معين ولا دورة من الازدهار، وفي محاولتنا إعادة كتابة الحضارة الإسلامية،- الطب جزء منها.
نحن لا نتصور عهد ذهبيا عقم بعده الوجود الإسلامي أن يلد جديدا، ولو في مجال جزئي.
وهذا الرصيد يتناول العالم الإسلامي في شموله، وتتحرك في داخله دوائر إقليمية ووطنية، وهو بهذا دائرة وسطى أو داخلية إذا درسناه في المنظور العالمي.
وفي دراسة ص-5 العلاقات يمكن أن نجمع بين عدة مناهج: كالإقليمي والموضوعي وأن يكون هذا بتعاون مع المنظمات المسئولة عن تاريخ الحضارة في العالم الإسلامي، وعلى الصعيد العالمي، مع الإفادة من جهود سبقت، وإضافة ما يكشفه نشر الوثائق العلمية والمخطوطات. وهي عناية زادت مع الصحوة المعاصرة في العالم الإسلامي.
الثانية: تخطيط مسئوليات المستقبل، وتقتضي تحركا من موقعنا هذا في الدوائر السابقة جميعا وأبرز هذه المسئوليات نحو:
ا- الطب الوقائي
2- الطب العلاجي
3- البحوث العلمية.

(8) بين الوقاية والعلاج

في كثير من قطار العالم الثالث أو النامي نستطيع أن نعتبر الطب الوقائي هو" الطب المغبون ".
يقول الدكتور/ نبيل الطويل في كتابه " الحرمان والتخلف في ديار المسلمين " (4 5 14 هـ- 1984 م).
إن أولوياتنا في العالم الإسلامي والنامي المتخلف مقلوبة، نجد فيه خدمات " الصحة العامة عادة ضيقة ومحصورة في المراكز الحضرية، وتشكو من عدم الاهتمام الجاد بها. ويكتسح الطب العلاجي أكثر جوانب الميزانيتين العادية والإنمائية، ذلك لأن الطب العلاجي إنجازه له بريق، وله كيان مادي ملموس من المباني والأجهزة، يمكن أن تحتفل به أجهزة الإعلام، وأن يدعم كيان جهاز حاكم.

أما الطب الوقائي فليس له هذا التأثر النفسي (20) المطلوب، وتتوزع خدمات الطب الوقائي على قاعدة شعبية أوسع، وتزداد الحاجة إليه مع انخفاض المستوى الاجتماعي، حيث غير القادرين على إيصال أصواتهم عالية إلى مراكز اتخاذ القرار وتحديا. وتوزيع الميزانيات والخدمات.
وغير ذلك كائن في الطب العلاجي، فمهما قيل فيه فهو طب لاحق للطب الوقائي.
ويأتي علاجا لخطر قائم، بينما الطب الوقائي حماية من خطر متوقع، وفي الطب العلاجي خصوصية لاقتصاره على المرضى، وخصوصية أخرى لأن أكثره يمارس في مؤسسات حكومية أو أهلية.
وإذا كان الغالب في الطب الوقائي أن تنتقل الخدمة إلى الأفراد، فإن الغالب في الطب العلاجي أن ينتقل الفرد إلى مركز الخدمة، وإذا كان الاثنان متكامل فإن الوقاية أصل باعتبارها امتدادا للوضع السوي، والعلاج فرع باعتباره عودة بالمريض إلى الوضع السوي أو ما يقرب منه.

(9) البحوث العلمية

إن البحث العلمي المعاصر نشاط جماعي لم يعد يلائم الباحث والعالم المنعزل، ولا المجموعة العلمية المنعزلة وقد أصبح التعاون العلمي ضرورة على المستويات الوطنية والإسلامية والعالمية، وهو تعاون لا تغني فيه القراءة والمراسلات عن اللقاء والحوار المباشر (21).

وفي المجال الطبي نحن محتاجون في العالم الإسلامي إلى بحوث تشمل أفاقا رئيسية خمسة عام الأقل:
الأول: مزيد من العناية بالتراث الطبي في أرض الإسلام، وذلك من الناحية التجريبية، حتى نرفع النسبة المئوية من اعتمادنا عليه ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، وذلك على قواعد علمية سليمة.
الثاني: العناية بالطب التقليدي في مهاد الحضارات القديمة كالصوت والمسند.
الثالث: الاتصال المنتظم بمراكز البحوث العلمية في العالم المتقدم.
الرابع: دعم ا لحوار بين رجال الطب ورجال الشريعة الإسلامية والأخلاق، وهو حوار قد بدأ فعلا على الصعيدين العالمي والإسلامي.

أ- على الصعيد العالمي أشير إلى ندوة فارنا عن " علم الحياة والأخلاق " وكان عقدها في يونيو 1975 (32).
وكان علم الحياة فيها ذا مفهوم واسع، شمل كل العلوم المتصلة بحياة الإنسان، وجاءت بعدما ندوات ومؤتمرات متخصصة، تربط بين الجوانب الطبية والأخلاقية لظاهرة خاصة كالمسكرات
مثلا..
ب- على الصعيد الإسلامي: صدرت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية " الدستور الإسلامي للمهنة
الطبية " (1401 هـ - 1981 م).
وشهدت الكويت ندوة متخصصة عن الإنجاب بتاريخ (شعبان 3 0 4 1 هـ/ مايو 983 1 م) وصدر عنها كتاب من المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية هذا العام، وقد ضمت الندوة رجال طب ورجال دين في حوار مغلق خصب، وفي جو علمي موضوعي، وكانت الندوة استطلاع طريق جديد في الحوار المباشر الذي يحاول فيه الجميع حل مشكلات تتعلق بحاضر ومستقبل المسار الإسلامي، في عصر تفتح فيا. الكشوف العلمية أبوابا جديدة في الأنفس والآفاق.
الخامس: القيام بالدراسات الميدانية التي تظهر بها أبعاد المشكلات وجوانبها المادية والبشرية، والت تمهد لاستنبات الحلول في أرض تتقبلها ولا ترفضها.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:13 PM
10) ضوء على أفق التعاون العالمي

أولا: هناك. الاتجاه العالمي إلى تكوين أخلاقيات جديدة تأخذ في اعتبارها إنجازات العلم وأن تضعه في خدمة الإنسان وصالح الجماعات الإنسانية في كل من الدول المتقدمة والنامية، وتحقيق الرغبة التي أبداها العلماء في أن يتابعوا الحوار مع رجال الأخلاق، ليعين كل جانب منهما الآخر، ولتقوم حقوق الإنسان على أساسين من العلم والأخلاق.

وسيعين هذا الحوار على تحديد المفاهيم بينهما، واللغة المشتركة التي يتعاملون بها، ويحل تكامل البحوث محل توازيها أو تتابعها.

وإن الأمل الذي تمنته ندوة فارنا أن تنتقل هذه المفاهيم من المستوى البحثي إلى المستوى التعليمي في الجامعات والمدارس المتخصصة، ثم التعليم العام، ثم المستوى الثقافي في المجتمع العريض. وأن يتم هذا بالتعاون بين المنظمات المتخصصة في الأمم المتحدة، وفي مقدمتها اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية.
ولقد برزت الحاجة العالمية إلى هذا الميثاق العلمي الأخلاقي بعد الحرب العالمية الثانية.

كان العام قبلها وفي القرنين السابقين أكبر إنجاز للإنسانية، والعلماء هم قادة الفكر ورواد التقدم، وبكشوفهم وابتكاراتهم تحسب خطوات الشعوب نحو مستقبلها ولكن عام 1945 كان حاسما في تعدي النظرة إلى العلم، فبعد إلقاء القنبلة الذرية الأمريكية الأولى على هيروشيما والثانية على نجازاكي، بدأ العلم كائنا له وجهان: ملاك وشيطان، نار ونور.

فقد أخرج الإنسان المارد من القمقم، وأصابت الدين ومثالياته ضربة قاتلة، كما يقول المؤرخ العالمي ارنولد توينبى 241).

ودخل العلم السياسة والحرب، وارتفعت نفقات بحوثه، واتسعت آفاقه، وبرزت سيطرة الدولة على كثير من أجهزته الكبرى.
وظهرت أسلحة جديدة تهدد الوجود الإنساني كله، وأصبحت الحياة معلقة بميزان الردع أو الرعب أو الخوف النووي لا فرق وفي غزو يخترق جدار الطب ظهرت حروب الجراثيم والإشعاع، وتدمير المراكز العصبية في الإنسان (23).
وتعيش الإنسانية عصرا تختلط فيه القوة بالخوف، والتعاون العلمي بالتنافس والتسابق، وأسـرار الطبيعة بأسرار الدول، وحراسة المنشآت العسكرية بحراسة المنشآت العلمية.
وفي كثر من لقاءات المنظمات العالمية التي تستطيع أن ترتفع فيها أصوات الشعوب، نسمع الدعوة إلى الحد من التسليح، وتوجيه بعض نفقاته إلى التنمية والوقاية والعلاج والتعليم. وحساب ما ينفق عام الدمار، أو الاستعداد له، أو الخوف منه.
وفي مقابل هذا نسمع أصواتا من رجال السياسة، تدعو إلى الحد من هذه الآمال العريضة، وعدم الاعتماد عليها في تمويل مشروعات السلام والتنمية، ومنها آمالنا في صحة أفضل للإنسان، كل إنسان.
" وقد عرض ! ريتشارد نكسون الرئيس الأسبق للولايات المتحدة هذا الأمر، في كتابه السلام الحقيقي (1983! يقول: إن الحرب خيار مضى وقته، والسلام هو الخيار الوحيد للمستقبل، ومع أننا نرى الحرب عديمة الجدوى ففي صيف 1983 كانت هناك خمسة عشر حربا بالإضافة إلى عشرات من الحروب الصغيرة في العالم الثالث، منذ الحرب العالمية الثانية قامت مائة وأربعون حربا، مات فيها ما لا يقل عن عشرة ملايين، إن السلام ليس نهاية الصراع، ولكنه أسلوب لمعايشة الصراع وعند إقامته لابد له من رعاية دائمة، وإلا فارق الحياة " (26).
ولنتأمل طويلا في عبارته التالية:
" إن من الخطر أن نخلط بين السلام الحقيقي والسلام الكامل، إن المثاليين يأملون في عالم بلا صراع، وهو عالم لم يكن ولن يكون، ومن أجل حقائق الحياة لا يتحقق هذا السلام الكامل إلا في مكانين: القبر، وأمام آلات الطباعة. إنه مادة الشعر والمقالات الصحفية التي تضع الأفكار الجميلة في الكلمات الجميلة.

أما السلام الحقيقي فهو سلام أرضي في عالم الواقع، يقوم به قادة عمليون ينظرون إلى مصالح شعوبهم نظرة جسورا فيها صلابة الماس " (27).

وانتهى إلى وجوب توفير قوة عند كل من الدولتين الأعظم، قادرة على حماية نفسها، وردع الطرف الآخر، ثم اقترح أن يكون العمل في العالم الثالث مزجا بين منهج الصقور والحمائم، وموازنة بين استخدام القوة والعون الاقتصادي (28).
ذكرت هذا التلخيص لأبين أمرا أساسيا. هناك جانب من العون قد يأتي من هذه الدول الكبرى المشغولة بقضية الصراع العالمي والتسابق فيه، وعون يأتي من المنظمات العالمية. وقد أخذت الضغوط تشتد عليها مع ارتفاع أصواتها بالسلام، كما حدث مع اليونسكو في ديسمبر 1983 م ذلك لأمهد لأمر أساسي: هوأن يكون اعتماد العالم الإسلامي في تنميته على نفسه أولا هذه النفس المؤمنة بالله وبالإخاء وبالتخطيط العلمي.
(11) ضوء على أفق التعاون الإسلامي
وإذا كنا شئنا أم أبينا جزءا من هذا الكيان العالمي، ومصائرنا مرتبطة به إيجابا وسلبا، فعلينا أن نتحرك أفضل تحرك ممكن في حدود طاقاتنا فيما نحن بسبيله تحت مظلة هذا المؤتمر.
وأول هذه الجهود التنسيق بين جهودنا ومواردنا، وما تقوم به المنظمات ذات الطابع الإسلامي العالمي، والدوائر الأصغر التي تتحرك في هذه المجالات في قطاعات العالم الإسلامي.
ولنذكر مثالا بفتح الطريق لآفاق هذا التعاون، بادئين بأهم هذه المنظمات، وهي منظمة المؤتمر الإسلامي، ففي مطلع عامنا هذا (4 0 14 هـ/ 984 ام) شهدت مدينة الدار البيضاء بالمملكة المغربية مؤتمر القمة الإسلامي الرابع. وكان من بين اللجان التي شكلها مؤتمر القمة الإسلامي الثالث بمكة المكرمة (يناير 981 ام) لجنة التضامن مع دول الساحل (سيلس) هذه الدول التي تلي الصحراء الكبرى جنوبا، كأنها الساحل المعمور المطل على هذا البحر الرملي الواسع.
ونحن نعلم ما تقاسي منه هذه الدول من زحف الصحراء جنوبا، وتراجع العمران والخضرة أمام هذا الغزو الرملي الصامت المستمر، وقد أوكل مؤتمر القمة الإسلامي إلى هذه اللجنة مهمة متابعة وتطبيق الإجراءات الكفيلة بمساعدة دول الساحل، وذلك بمكافحة الجفاف واتخاذ المبادرات التي تراها صالحة في هذا المجال، وأقرت إطارا عاما للمساعدة الطاردة من الأغذية، ولمشروعات التنمية الريفية العاجلة، وقدمت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت والجمهورية العراقية ودولة الإمارات العربية المتحدة مساهمة مالية لهذا الهدف.
الذي أود أن أقوله هنا أن هذا العمل الوقائي، قطاع جغرافي من جبهة طويلة تمتد في العالم الإسلامي بين المحيطين الهادي والأطلسي، وقطاع موضوعي من مشكلة التنمية في شمولها الذي يضم مقاومة العقبات التي تعوقها، ودعم الإيجابيات التي تسارع في تقدمها.
فنحن إذن بحاجة ماسة إلى أطلس خدمات للعالم الإسلامي، وعلى هذا المؤتمر، فيه الجزء الخاص بالخدمات الطبية بجوانبها الثلاثة.

وإذا كانت منظمة المؤتمر الإسلامي ذاتها قد درست في اجتماع للدار البيضاء (يناير 1984 م) موضوع تداخل الاختصاصات بين الأجهزة المنبثقة منها، وهي تسعى إلى تعديل في هيكلها الإداري، فإن الحاجة إلى التنسيق تكون أشد إذا ما نظر، إلى التعاون العلمي على مستوى يجمع المنظمات والأجهزة العاملة في الصعيد الإسلامي العالمي.
وهذا التنسيق الممهد لوضع أطلس الخدمات الطبية الاسلامية، هو جزء من أطلس الخدمات الإسلامية الشامل، وهو بدوره جزء من صورة المستقبل الإسلامي.
(12) الخاتمة

السيد الرئيس:
السادة الزملاء:
في مطلع أرزا القرن الهجري الخامس عشر تنادى المسلمون باستثمار هذه المناسبة التاريخية، التي تواكبت مع صحوة إسلامية، لترشيد هذه الصحوة التي توفرت لها بين المسلمين رغبة في التعاون، وتقارب وسهولة في الاتصال، وفضل من المال وزيادة في الطاقة البشرية المتعلمة وزيادة إحساس بحاجات العالم الإسلامي.

وتنادوا بمشروعات تنمية مشتركة، وإقامة محكمة عدل إسلامية، تفصل في قضايا الدول الإسلامية، وتقيم بينهم السلام والصلح والعدل.

برز هذا في مقررات مؤتمر القمة الإسلامي الثالث والرابع. ورغم اشتداد الحاجة إلى كل جهد بشري ومادي، تشتعل الحروب عنيفة في العالم الإسلامي على مستوى الدولة الواحدة أو الجيران الأقربين أو إخوة العقيدة، فهل نأمل في أن تضع الحرب في إيران والعراق أزرارها، ويعود السلام إلى ربوع لبنان، ويعود أبناء الأرض إلى وطنهم فلسطين ويعود كل لاجيء أو مشرد إلى وطنه؟

على الصعيد الإسلامي يدعونا ربنا إلى هذا، وإليه ندعو الأفراد والشعوب والصالح الإسلامي العام.

ونحن هنا رجال علم وفكر، عدتنا الكلمة الطيبة والنصح وتقديم المشورة لقومنا وإخوتنا في العقيدة وكل محب للحق والسلام والعدل.

ولقد تعودنا الصبر على طلب الحق والحقيقة. ونحس أن المسئوليات الكبيرة التي ينبغي على العالم الإسلامي علميا وعمليا أن يلقاها تحتاج إلى جهود الكثيرين. وأن علينا أن نقيم المعابر بين العلم والدين، وأن نجمع بين الذين يعملون في مجالات البحوث العلمية ومجالات التشريع لدراسة مشكلات كثيرة (كهندسة الوراثة والإنجاب).

وصفوة القول: إن علينا أن نعيد كتابة تاريخ الحضارة الإسلامية- والطب جزء منها- في ضوء جديد، وهذا هو حق الماضي، أما حق الحاضر والمستقل، فهو دراسة مشكلات الوقاية والعلاج والبحوث في آفاقها الخمسة التي عرضناها، وتنسيق العلاقات العلمية الإسلامية، لتوفر لنا أعلى مردود، مع اختصار الوقت والجهد.

وأشكر لكم حسن استماعكم،،،

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:13 PM
وصمة البرص * والطب الإسلامي

للدكتور كمال محمود
اندونيسيا

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:14 PM
إن الخوف غير المعقول من البرص أو الجذام ظاهرة عالمية مبنية على الأفكار الدينية العالمية بخصوص هذا المرض في واقع الأمر ، إن بعض الخائفين من الجذام متواجد في وسط بعض المجموعات الإسلامية. إن هذا الخوف في حد ذاته عقبة أمام برنامج المراقبة على هذا المرض.

هل من المعقول لدينا كمسلمين تقليد أفكار معتنقي الأديان الأخرى نحو الوصمة اللاصقة على الجذام؟ إن الدراسة المقارنة لنظريات الأديان الأخرى عن الجذام تعطينا نتيجة " بأنه ليس هنالك سبب للمسلمين يجعل اعتبار الجذام مرضا داخلا في الطقوس الدينية، ولكنه مرض ذو صلة وثيقة بالإدراك الطبي العلمي فحسب. هكذا فإننا كمسلمين يجب، إبعاد وصمة الجذام من الحقل الطبي وذلك عن طريق الطب الإسلامي لمصلحة مرضى الجذام في العالم كله.

المدخل:
إن النظر المتعمق للجذام يفيد بأنه أحد الأمراض القديمة المعروفة لدى الإنسان نتيجة اتصالهم بالكتب المقدسة للأديان العالمية التي ذكرت هذا المرض دائما. ولسبب تأثر كل دين جعل الجذام منذ القدم يظهر في صورة من البلبلة وهي بلبلة خليطة بين الخرافات والبحث الاكلينيكي الذي قليلا ما يؤدي إلى علاج شامل (1).

وبناء على العلم الطبي الحديث حالياً اعتبر الجذام مرضا معديا لوجود ميكروب ،عضوي خاص كبكتريا فطري لجذام " هانسن، الضعيفة قوة اعتدائه وتوليده للأمراض في المرحلة الأولية يمكن معرفة الشذوذ المقنع المعروض والمركز في الجلد في مناطق، خفيفة زائلة بما في ذلك حدوث تغييرات محدودة في ذاتها إما بالاختصاب أو بالحساسية الملموسة أو عرق في هذه البقع من الجلد،قد تكون واحدة أو كثيرة وتحدث على صورة متميزة على الجلد وعلى المناطق العليا من الأطراف وفي الحالات المتقدمة جدا تظهر تشويهات كبيرة، وتساقط في الأطراف، وتعتبر ـ في الواقع- نتيجة المرحلة الثانية أو بانتقال التشويه إلى تشويه خارجي بعيد عن المركز الأصلي إلى أعضاء أخري لسبب انتشار التسمم وفرط حساسية الأنسجة.

هذه التشويهات تلاحظ على وجه العموم في الصور الأساسية للجذام وهي عبارة عن تسمم وتؤدي مما إلى عرقلة قبول المريض في المجتمع.
منذ سنة 1943 حين بدأ " فاسيت " و فوج " (3) العلاج التجريبي للجذام باستعمال "قرومين " فيمكن شفاء الجذام في الحالات الفردية مع ملاحظة وضعه في المجتمع. وإذا بدأ العلاج في مرحلة مبكرة من المرض في حدود أقل من سنة ومع استمرار العلاج بانتظام فإن المريض بالجذام يمكن شفاؤه نهائيا دون ترك أي داء ثانوي وتشويه ما (3).

برنامج مراقبة الجذام لتلافي تشويهه:
إن الأهداف الأساسية لمراقبة الجذام هي العثور على المريض، وعلاجه علاجا فعالا مع مراقبة تناول الأدوية بانتظام على الخطة الصحية لا يختلف ذلك عن مراقبة الأمراض المعدية الأخرى. إن برنامج تناول الدواء ومراقبة الصحه له أثر فعال إذا كان الناس يتقبلونه ويتجاوبون معه.

الجذام- كيفما كان أمره- فهو مرض وحيد في حاجة إلى مراقبة العناصر النفسية الهامة، إذ العوامل النفسية كلها تتسبب في وجود برنامج مراقبة الجذام، وقد يفشل تارة لأن الجذام مفزع من أجل التشويه الذي ينتج عنه. فلهذا يرى المجتمع بدل إجراء عملية المراقبة إخفاء هذا المرض قدر المستطاع إلى استمرار توطن المرض.

هذا التشويه يأخذ شكلا غير معقول من الخوف من الجذام الذي يمكن شرحه، وذلك حادث عن طريق أعراض المرض نفسه، والذي أتي بهذا الشعور هو الخوف من هذا الاسم الواقعي الأثر لكلمة الجذام وقد أشير إليه في الكتب المقدسة لكل الأديان. من ذلك حدث إن الخوف الجذامى عميق الجذور في الفكرة الدينية الآتية من الكتب المقدسة المعنية.

فكرة الدين الهندوكي عن الجذام:
ذكر الجذام ووصف في الكتب الدينية الهندوكية وذلك في كتابي " سمريتيس" و "فرديا " الهندوكيين. ونطلق عليه اسم "كوشتا " وهي كلمة سانسكريتية وتشير إلى مرض جلدي على وجه العموم، والبارز منه ما هو معروف باسم الجذام (4).

يقول أطباء " أيور فرديك " القدماء إن الجذام كان مرضا محيراً وسريا في آن واحد ونتج عن ذلك أن العلاج الموجود كان غير مرض.ومن ثم أتت فكرة أن هذا المرض غير قابل للعلاج وهو خبيث، وهو ناتج عن بعض ذنوب ارتكبها المريض في حياته أو في أيامه الماضية.

ولهذا كان التشخيص لمرض الجذام لا يدفع إلي الحماس لأدائه بخلاف ما هو حادث مع الأمراض الأخرى.

فكلمة " الجذام " إلى وقتنا الحاضر تشير إلى معنى المصاب بالجذام، وتحمل في طيها الشعور بالاشمئزاز. واستعمالها منتشرة في الكتب. وبناء على إعطاء الوصف الواقعي لهذا المرض المفزع يتعرض المجذوم لأن يصبح عينة سيئة لهذا المرض، بل قد يستعمل الناس كلمتي المجذوم والجذام للعن الناس والإساءة إليهم.

منذ حوالي 200 سنة قبل الميلاد كانت تلك الأفكار نابعة من القوانين والقرارات والأنظمة الموضوعة في الهند والتي حرمت ضحايا الجذام من كل وسائل الحياة الممكنة إذ قرر القانون الهندوكي بأن المريض بالجذام يحرم من الميراث، ويحكم عليه بالانفصال والطلاق الشرعيين، ويمنع من السفر في مكان واحد مع الأصحاء، ولم يسمح له بالحصول على رخصة القيادة في المواصلات العامة ولو كان المريض لم يظهر لديه بعد أية علامات التشويه.

هذه العادات والتقاليد التي رفضت قبول المرضى بالجذام في المجتمع الهندي دون أي ذنب ارتكبوه ما زالت سائرة في الهند إلى الآن، ولا تختلف عن الماضي في شيء (5).

النظرية المسيحية بخصوص الجذام:
ذكر الجذام ووصف بوضوح في بعض أبواب العهدين القديم والجديد. ففي العهد القديم، ليفيتيكس 13: ا- 3 و 45- 46 (6) أن الجذام ترجمة عن الكلمة العبرية " شرطة" التي وصفت بأنها تشويه حرشفي على الجلد أو القماش. وهذه التشويهات الجلدية مصاحبة بتلويث طقسي ولا ينظر إليها كمرض في الشعور الطبي. الجذام يعد كشيء حقير ودنيء وضحاياه يفنون خارج المخيم.

وبناء على العهد الجديد، ماتيوس 8: ا-3 (7) المسيح لم يبريء الجذام ولكن طهره من التلويث الطقسي.

ليس مستغربا أن كلمة " الجذام " تحرض إلى حدوث الامضاض السريع والعاجل غير المنقاد، وقد وصفه الفراعنة بذلك.

بعض الأخصائيين في مرض الجذام المسيحيين يعتبرون كلمة " مجذوم" من الأسباب العادية للانتحار وارتكاب الجريمة، وهو في حد ذاته أذى يحطم المرضى سواء بأضغاث أحلام أو صدمة مريعة (8).

فالجذام اسم مبهم غامض وفيه يوجد ظلام القرون الوسطى، يعني ألف سنة من اللعنة والخرافة.

أصدر بيبين الفرنسي مرسوما في سنة 757 يحكم فيه بأن الزواج من المصاب بالجذام غير شرعي، والمرض في حد ذاته مسبب للطلاق.

فيليب الرابع (1285- 1312) ملك فرنسا قد أوعز بأن يحرق المصابون بالجذام إذ يجمعون فيهم هذا الحكم دائما حتى يستأصل هذا المرض نهائيا (9).

وطبيب الإرسالية الهولندية " جرامبرج " (10) الذي خدم الجذام 25 سنة في جاوة أندونيسيا قال في مقال له في مجلة " العقيدة والعلم، إن الإنجيل مسئول عن الحظ المفزع الثقيل المللقي على عواتق المجذومين في كثير من بلاد العالم. وتسرب المسيحية إلي المجتمع الجاوي أتي بالخوف من الجذام الذي في واقع الأمر يوجد من قبل. والجاويون المسلمون لايتقززون من الجذام، ولكن المسيحيين الجاويين يشعرون بهذا الاشمئزاز.

إن الأعراض المذكورة في كتاب " موسى ليفتيكس " في الفصل الثالث عشر والفصل الرابع عشر يدل على التوافق بين نموذجات الجذام الحالي غير المعروف من قبل، ويوعز إلي الفصل بين الجذام المتسبب من الجرثومة الفطرية التي ذكرها " هانسن " مقتبسا من كلمات الإنجيل وفهمه وبين فهم الإنجيل الذي ليس مطابقا البتة مع المقصود الحقيقي، إنما الغرض هو إزالة الخوف والفزع اللذين مازالا يحيطان المريض بالجذام.

والمتابعات والتجارب للكاتب أثناء خدمه لمدة ثمان وعشرين سنة في مجال مراقبة الجذام ومعالجته تؤكد صحة تصريح " جرامبج "بتأثير التنصير على الشعب في أندونيسيا. حقا من الوضوح وجود الخوف من الجذام لدى أوساط المسيحيين الاندونسيين بينما المجذوم المسلم يعالج في أي مكان بالطريقة التي تماثل طريقة معالجة الأمراض الأخرى.

في البرازيل- إحدى البلاد المسيحية- التي مازال الجذام فيها يعتبر مرضا مستوطنا فالمجذوم وصمة لعدم سماح السلطة التعليمية المعادية للجذام بتوقيفه بل يسبب آلاما للمرضى دون مبرر، وفي نفس الوقت تحاصر كل المحاولات لتنوير المجتمع في أي مستوى كان، ويعرقل بشدة تطوير البرامج الوقائية والاجتماعية المستندة على نتائج التحليل والعلاج إذ المقصود منه قبول المجتمع لهؤلاء المرضى (8).

لهذا فإن ندوة الوقاية من الجذام الثامنة عشرة في المؤتمر الصحي البرازيلي (سان بولص سنة 1970) تقترح تبديل كلمة " الجذام " ومشتقاتها " هاسينسية " رغبة في المحو التدريجي لذلك الاصطلاح القديم. هذا الاقتراح بتغيير الاصطلاح القديم للجذام الصادر بإنجلترا مقبول لدى الكنيسة كما ورد في إنجيل النبأ السار المنشور في إنجلترا سنة 1976 م " الجذام المجذوم ".

في ليوفيتكس 13 ( 11) كما هو في ماتيوس 8 (12) في الإنجيل المذكور أعلاه فإن كلمة الجذام والمجذوم بالتوالي هو المرض الجلدي المرعب والشخص المصاب بالمرض الجلدي المرعب. كمعاقبة للمجتمع المدرك للتشويهات الملاحظ وجودها في العلاج الاكلينيكي مع الطقوس التنجيسية التي صاغتها الفكرة الدينية عدم الجذام في العالم المسيحي، فوصمة الجذام إنما يعتمد عليها المحيط الإنساني من الإشاعة والعادات الشعبية. أما في وسط المجتمع المثقف ولا يستثنى منه الأطباء، فإن هنالك انشقاقا فكرياً شديداً وكثيراً ما يحدث فلربما يوجد من يقبل التوعية التثقفية للحقائق العلمية عن الجذام وقد يوجد الفرد الواعي كذلك لهذه الحقائق بناء على الاعتقادات التقليدية المرعية كما شرح أعلاه (13).

والواضح أن الدين الهندوكي كما هو الشأن بالدين المسيحي فهما يعتبران الجذام كأي مرض آخر باعتبار العلاج كما يعتبران أنه عقاب لبعض الذنوب ارتكبها المصاب وهذا بناء على فكرة الطقوس الدينية. وفي الواقع إن الفكرة الدينية تلقي وصمة للمجذوم نفسيا واجتماعيا.

إن الحقيقة تدل على أن إحدى الفكر العالمية القديمة أن كل الأمراض ناتجة عن ذنب سابق، ومعاقبة لقيام المريض بعض التصرفات الساذجة التي تخالف الطريقة لم تظهر لها نتيجة بعد وهي ربط الإنسان بالآلهة في التلاؤم الدنيوي (14).

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:14 PM
الفكرة الإسلامية عن الجذام:
قبل كل شيء يجب ملاحظة الآيات القرآنية الآتية: (15)
(وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) (أ)

والحديث، الصحيح من مجموعة أحاديث البخاري (16):
" عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذي ولا غم حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه ".

من الآية والحديث السابقين نستطيع سحب خلاصة، بأنه حسب الفكرة الإسلامية إن المرض غير ملاحظ فيه أنه عقاب على ذنب، لكن على العكس إن المرض بما فيه الجدري تكفير عن الذنوب.

كلمة "الأبرص" المأخوذة من البرص ذكرت في القرآن الكريم كما أن المجذوم مأخوذ من الجذام ووارد في الحديث لاسيما كتب الحديث الستة.

ا- القرآن الكريم تحدث عن الجذام:
إن كلمة " الأبرص " ذكرت في آيتين من آيات القرآن الكريم كالآتي: (17)
1ـ (ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبريء الاكمه والأبرص وأحي الموتي بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لأية لكم أن كنتم مؤمنين ) (ب).

2- (إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا، وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوارة والانجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبريء الاكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتي بإذني وإذ كففت بني اسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ) (جـ).

في التعليق على هذه الآية، قال المراغي (18): " إن عيسى عليه السلام فاق الأطباء المثقفين في عهده بقوة المعجزات المبرئة للبرص أو الجذام ".

من ذلك فإن الفكرة الإسلامية تقول بشفاء البرص بالدواء جريا مع الحديث الشريف الآتي الذي أخذ كذلك من مجموعة أحاديث الإمام البخاري (19):

"عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء".

إلى حين سنة 1943، في عهد قبل السلفونيك، فهنالك لا يوجد حقا الشفاء الفعال للجذام. والمرض ينتهي بالشفاء الذاتي من غير تشويه اعتمادا على درجة حصانة ما مات من المريض.

في هذه الأيام يوجد كثير من الأدوية الفعالة ضد الجذام من النوع الرخيص الذي هو في الأساس ابتداء من أدوية للتجميد للجراثيم إلي الغالي الثمن السريع المفعول مع القوة الشديدة الانفعال في قتل الجراثيم. (20).

إذا أنه قد انقضى حوالي 14 قرنا عام حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى ظهر ذلك الحديث في النور.

2- الحديث عن الجذام:
إن كلمة مجذوم ذكرت في مجموعة كتب الحديث الستة كالآتي:

ا- البخاري (21).
" حدثنا سعيد بن ميناء قال سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا سفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد "

2- مسلم (22):
عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلي الله عليه وسلم : " إنا قد بايعناك فارجع ".

3- أبو داود (23).
" عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلي الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة ثم قال: "كل ثقة بالله وتوكلا عليه ".

4- ا لترمذي (24):
" عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلي الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة ثم قال: (بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه ".

5- النسائي (25) :
" عن رجل من آل الشريد يقال له عمرو عن أبيه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي صلي الله عليه وسلم " ارجع فقد بايعتك ".

6- ابن ماجه (26):
" عن حبيب بن الشهيد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلي الله عليه وسلم أخذ بيد المجذوم فأدخله معه في قصعة ثم قال: " ثقة بالله وتوكلا على الله".

إذا نظرنا عن كثب إلى مجموعة كتب الأحاديث الستة نجد ثلاثة من أحاديث رسول الله صلي الله عليه وسلم ، رواها أبو داود والترمذي وابن ماجه هي في صالح المجذوم. والثلاثة الأخر رواها البخاري ومسلم والنسائي ليست في صالح هؤلاء المصابين نسبيا، ولكن الفكرة في هاتيكم الأحاديث الأخيرة لا تثير الشعور بالازدراء مثل القذارة والاشمئزاز من الوصمة في الشعور الديني. مهما كان الأمر، فإن الجذام لا يتصل بشيء ما مع بعض الذنوب أو الفكرة الطقوسية.

إن المخالفة الظاهرة في النوعية من الأحاديث يمكن شرحها بالحقائق العلمية الحديثة عن الجذام.

إن الحديث الأول الذي يشير إلى أنه لا يوجد ضرر في الاختلاط مع المجذوم إنما هو للذين يملكون المناعة المؤهلة من السكان وهم الذين، يملكون الدرجة العليا من حصانة الخلايا الموصلة ويستطيعون إفناء الجرثومة الفطرية للجذام من الجسم. ومن ناحية أخرى فإن الأحاديث الثانية التي تقترح الفرار من المجذوم أو عدم الاقتراب منه. إنما هو يطبق لمن يملك مناعة ضعيفة من السكان الذين غابت عنهم حصانة الخلايا الموصلة وليس في استطاعتهم الدفاع عن هجوم الجراثيم الفطرية للجذام وإيقاف التضاعف البكتيري العظيم في الجسم (27، 28).

يوجد التوافق بين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والحقائق العلمية الحديثة عن الجذام الآن من نظرتنا كمسلمين، الخاضعة تحت كثير من المعجزات التي تدل على أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسوله محمد صلي الله عليه وسلم .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:15 PM
الحوادث التاريخية الإسلامية المتصلة بالجذام:
إن تاريخ الطب أشار إلى أن الإسلام والطب الإسلامي قد لعبا دورا ذا معنى كحلقة اتصال بين الطب اليوناني والروماني الحديث والطب العلمي الحديث اليوم (29) 0 الطب الإسلامي كطب حديث على تمييز متضاد مع الطب البدائي أو التقليدى، بالنسبة للجذام كمرض ذي شعور اكلينيكي كما أشير بالحقائق التالية:ـ
أ- الإجراءات الخيرية للخليفة الوليد بخصوص المجذوم:
أثناء حكمه (705- 715) أنشأ الخليفة الوليد بن عبد الملك عدداً من المستشفيات للأمراض العادية، والأمراض العقلية والأمراض المعدية، وأمر كذلك بمنع المجذومين من التسول وجهز لهم وللمصابين بالأمراض المزمنة مستشفيات خاصة يعيشون فيها على نفقة خزينة الدولة.

من بين أنشطة الوليد العديدة محاولته الخاصة لتحسين وضع المجذومين، وذلك تقليدا برسول الله صلي الله عليه وسلم بتقديمه العلاج الخير وحمايتهم من أي ضرر جسماني أو نفسي. وقد عين أطباء وخدما لهم وخصص مبلغا كافيا لتغطية مختلف احتياجاتهم وعين خدما خاصين لملاحظة أي مجذوم يشير مرضه إلى خطورة ما.

ولأجل علاج المجذوم علاجاً عاديا بني الوليد فى دمشق بيت الجذام وأبرز شئ فيه عدم مشابهته لأي بيت كاد أن يكون سجنا آنذاك بل قيل إن بيت الجذام كان قصرا واسعا محاطا بالحدائق الجميلة حيث يلقى المرضى علاجا حسنا يحاولون نسيان مرضهم (30).

ب- الجذام حب رأي الأطباء المسلمين في القرون الوسطى:
مفهوم الجذام لدى الدين الإسلامي كمرض ما في المجال الطبي يمكن علاجه بوصفات بعض الأطباء الإسلاميين في القرون الوسطي.

ا- أبو القاسم: خلف بن عباس الزهراوي (936- 1013):
هذا الطبيب القرطبي الجنسية مؤلف كتاب التصريف، وصف أربعة أنواع من الجذام وهي: ليونتينا،
(الأسدي)، والفنيتا، (الفيلي) وسرفنتنا (الثعباني) وفلبينا (الثعلبي). المرض يمكن معرفته من التلوث
الوراثي باستعمال الأكل الفاسد مثل لحم ذكر المعز البقر وغير ذلك كفيروس عق طريق التنفس. إنه وصف كل تطورات المرض باهتمام بالغ أكثر من أي مؤلف قديم آخر. في المرحلة الأخيرة قال: إن الأنف والشعر يتساقطان والصوت يختنق وهنالك فتحات قرح على الجلد وأخطار تميت الجسد وتتساقط أجزاؤه والنفس كريه الرائحة.

2- علي بن العباس الماجوسي (توفي994 م):
هو الطبيب المسلم من الفرس، الذي كان أبرز الشخصيات في عصره، يعتبر الجذام معديا وقال إنه يمكن معرفته من النفس وينتج عنه ذهاب الحاجب وتساقط الأنف.

3- أبو علي الحسن بن سينا (0 98-37 0ا) :
هذا الطبيب المولود في بخارى، مؤلف كتاب طبي باسم "القانون "وفيه تحدث عن عسر البول وألم القضيب كعلامة للجذام وتظهر أثناء الجماع. (31)

التشويه الجذامي في المجتمع الإسلامي:
رغم الفكرة الإسلامية الظاهرة الخالية من التحيز عن الجذام والخرافات والاجتماعات كوصمة نفسية، فإن المؤلف لهذه الرسالة، كعامل في الحقل الجذامي يلاحظ أن هنالك بعض أنواع من الخوف الجذامي في أوساط بعض المجموعات الإسلامية الأندونيسية فبعض منها لا تستطيع فهم " لماذا استطاع الكاتب الثبوت في خدمته للمجذومين سنين طويلة؟ ". كثير من يوبخه ويسخر منه كطبيب لحثالة المجتمع فلا يقدر مثل زملائه الآخرين.

هنالك مصدران لبعض الخوف في وسط بعض المسلمين وهما منهج التوضيح للقرآن الكريم وللثقافة الغربية.
أ- منهج التوضيح للقرآن الكريم:
المراغي يعطي توضيحا على المجذوم كالآتي (32):
الأبرص هم الذي به برص أي بياض في الجلد ويتطير منه.
محمد علي (33) في توضيحه عن شفاء المجذوم يعطي تلخيصا بأن في هذه الحالة الشفاء لا يرجع إلا إلى شفاء المريض روحياً. فسرد آيات متى: 5: 11 في العهد الجديد.

إذا كان تو ضيح المراغي على وجه التقريب نفس رأي العهد القديم فإن رأي محمد علي مماثل لرأي العهد الجديد.

ونقول عن الأول بأنه وصية اسرائيل، والثاني وصية مسيحية، وهما وصية أهل الكتاب.

بمقتضى هذه التوصيات المتقدمة فإنها تتمشى مع القول " وأبريء الأكمه والأبرص " الوارد في الإنجيل، بينما نحن المسلمين نتذكر الحديث الذي رواه أبو هريرة (البخاري): " إن أهل الكتاب يعتادون قراءة التوراة بالعبرية ويشرحونها بالعربية للمسلمين.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ولكن قولوا نؤمن بالله وما أنزل علينا "(34).

ب- الثقافة الغربية:
يوجد الخائفون من الجذام وسط المثقفين الغربيين والأندونيسيين المسلمين الذين أتيح لهم فرصة الحصول على الثقافة الغربية من الهولنديين أثناء دراستهم وحياتهم الاجتماعية مع الغربيين فتبنوا فكرة الخوف من المجذوم الذي لم يكن من قبل موجودا في مجتمعهم في أندونيسيا فقال لورد (35 )، الطبيب الهولندي الذي كان يعمل في خدمة الجذام في أندونيسيا، في هذا الصدد: " إن هنالك بعض أنواع من الخوف من الجذام وسط المثقفين الهولنديين بينما القرويون الأندونيسيون الذين ليس لهم اختلاط اجتماعي بالغربيين لا يعرفون البتة هذا الخوف ".

مهما كان الأمر فإن المؤلف ليست لديه حادثة ما لاعتراض المجتمع المسلم أثناء مسحه الميداني للجذام والمعالجة الشعبية للمجذوم. إن الاختيار والعلاج لهؤلاء المرضى يمكن إحراؤهما في المركز الصحي العمومي أو في مكتب رئيس القرية دون أي اعتراض من عائلات المرضى أو القرويين أنفسهم.

هذه الحالة كذلك كانت من تجارب أطباء الجذام السابقين مثل كوريجات وسبتنالا (36) وكابتين (37) وبيامين وسود رسونو(38).

إن ثبات المؤلف في مجال خدمة الجذام منذ سنة 1955 إلى وقتنا الحالي إنما هو عن عقيدة بأن الجذام مرض في المجال الطبي معتمدا في ذلك على التعاليم الإسلامية كمصدر للطب الإسلامي.

النتيجة:
بناء على الآيات القرآنية الخاصة بالجذام والأحاديث الواردة عن الأمراض وعلاجها نستطيع استخلاص بأن الجذام في الإسلام يعتبر مرضا من الأمراض في مجال الطب الحديث ويمكن علاجه بعقار ضد الجذام وهنالك وصمة تتولد مع هذا المرض ففي هذه الحالة قام الإسلام بتصحيح وتعديل الخطأ الفكري عن الجذام السائد أمره في العالم ولا سيما في العالمين اليهودي والمسيحي مؤيدا في ذلك بالآية الآتية من القرآن الكريم (39):

(يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها" (د).

من ثم فإن الإسلام مبرئ كل المجذومين من تشويه الجذام المربع وينظر إليهم كبشر في وقار مساو مع الآخرين أمام الله. في هذا الصدد فنحن المسلمين نذكر بصدق الآيتين الآتيتين من القرآن الكريم: (40، 41).

أ- (آلر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد " (هـ).
2- (وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين، (و).

في هذا المجال أرسل الرسول محمد صلي الله عليه وسلم رحمة لكل المجذومين كجزء من الأمم.

هذا الرأي الإسلامي الجديد عن الجذام يجب أن يطبقه الأطباء المسلمون لإنقاذ مرضى الجذام في العالم من التحامل المشترك والرفض الاجتماعي غير الإنساني.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:16 PM
الزوجية في الكائنات الحية


للدكتور ميسرة نصوح السعدي
والدكتور توفيق التميمي

المملكة العربية السعودية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:17 PM
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } (1)

نبدأ بهذه لآية الكريمة لكي نوضح أن الله سبحانه وتعالى وعد في كتابه العزيز أنه كاشف بعض أسرار كونه العريض وأنه يرى ، الناس بعض ما في ذوات أنفسهم.

وهذه البداية ضرورية حتى يتضح أن هدفنا التبصر في خلق الله تبارك وتعالى عملا بالآيات العديدة التي تدعونا إلى النظر في خلق الله والسماوات والأرض والإبل والثمر وغيرها والتي تؤكد لنا وجوده سبحانه وتعالى وعظمته.

ونحن حين نفعل ذلك ندرس ونتفحص ونمعن النظر فيما على الأرض.. ونثبت ذلك كله، دون أن نحمل آيات القرآن الكريم معاني قد لا تحملها.

من هذا المنطلق بدأ التفكير في الآيات القرآنية التي عرضت للزوجية في كل شيء مخلوق. في الثمرات وكل ما أنبته الله في الأرض وفي أنفس البشر والأنعام، وفي قوله تبارك وتعالى أنه خلق الزوجين الذكر والأنثى. وأدق هذه المعاني موجود في قوله سبحانه وتعالى: { ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون } (2).

وتدعو هذه الآية إلى تفكر عميق وتذكر. والقصد من ذلك التوصل إلى عظمة الله سبحانه وتعالى ووحدانيته وأحكام خلقه.

وفي هذه الآية الكريمة تحد . تحد أن يكون الخلق غير ذلك من كل شيء خلق الله زوجين (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون } (3).

الشيء مصدر شاء، وهي تطلق على ما يصح أن يعلم ويخبر عنه حسيا كان أو معنويا.

وشاء معناها أراد والإرادة تجلية لإيجاد المعدوم (معجم ألفاظ القرآن الكريم- مجمع اللغة العربية. القاهرة 1390- 151970).


الزوجية في اللغة كل واحد معه آخر من جنسه، فهو واحد من اثنين له شريك ولا تطلق على فرد واحد أبدا بل على شيء له قرين.
وهو كذلك الشكل يكون له نقيض كالرطب واليابس والذكر والأنثى والليل والنهار والحلو والمر والقرين والنظير فهو خلاق الفرد.

أتي في تفسير الطبري لهذه الآية الكريمة أنها تعني: ومن كل شيء خلقنا نوعين مختلفين كالشقاء والسعادة والهدى والضلالة ونحو ذلك كالكفر والإيمان.. والليل والنهار والسماء والأرض والإنس والجن والشمس والقمر والذكر والأنثى.

وذكر كذلك أن الشيء الذي خلقه الله وخلق له من خلقه ثانيا له مخالفا له في معناه، فكل واحد فيها زوج للآخر.

وبذلك ينفرد الله سبحانه وتعالى عما خلق، فهو واحد أحد كل ما سواه مخلوق، وكل ما سواه من الأشياء له زوج. وحتى لو نظرنا الى الزوج على أنه فرد فإنه ناقص لأن صفته فعل نوع واحد لا غير كالنار شأنها التسخين فهي لا تصلح للتبريد والثلج شانه التبريد ولا يصلح للتسخين، فكل منهما لا يجوز أن يوصف بالكمال.

فكل فرد مخلوق ناقص بعيد عن الكمال.
الزوجية قاعدة الخلق في الكون كله. فالأشياء زوجية والأحياء زوجية حتى أن عموم الزوجية في كل شيء.

يقول سيد قطب في الظلال: " إن البحوث العلمية الحديثة سائرة في طريق الوصول إلى الحقيقة، وهي تكاد تقرر أن بناء الكون يرجع إلى الذرة وأن الذرة مؤلفة من زوج من الكهرباء، موجب وسالب.

فالمعروف ، أن كتلة الذرة مركزة في وسطها في نواة موجبة التكهرب يلف حولها عدد من جسيمات سالبة التكهرب هي الإلكترونات ومجموع شحناتها مساو لشحنة النواة وفي حالة تعادل معها وتتحرك بسرعة عظيمة حول النواة تبلغ مئات الأميال بالثانية لكي تمنع سقوطها عليها تحت تأثير التجاذب فيما بينهما. وأن كتلة النواة تبلغ بضعة آلاف المرات قدر كتلة مجموع الإلكترونات وأنه يفصل بينهما فراغ هائل وأن حجم كل منهما ضئيل جدا بالنسبة لحجم الذرة الذي كله فراغ تقريبا.

هذه هي صورة الذرة كما وصفها حنفي أحمد في كتابه"التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن".

وتطرق بعد ذلك إلى القول أن تكوين الذرة يشبه تكوين المجموعة الشمسية كما اتفق العلماء على ذلك.

والمعروف أن كل عنصر مكون من ذرات وأن المركبات مؤلفة من عناصر والخلية من مركبات والنسيج من خلايا والأعضاء من ، أنسجة والأجهزة من أعضاء والكائن من أجهزة.

فيكون أصل الكائن الحي من ذرات تركيب كل منها سالب وموجب والأشياء جمع الشيء وهو وصف لكل ما هو مخلوق.

وبعد العناصر ننظر إلى الأشياء فنرى أنها حي وغير حي .

والحي منه النبات ومنه الحيوان ومنه الإنس ومنه الجن والزوجية هنا صفة واضحة. والزوجية كذلك موجودة في السماء والأرض، الشمس والقمر، النجم والكوكب والأرض فيها الزوجين: يابسة وماء وجبل وسهل والماء حلو ومالح.

ففي الأشياء الحية.. إذا نظرنا إلى النبات لوجدنا أن كل نبتة مكونة من خلايا، والخلية هنا عبارة عن شيء صغير يحده جدار في داخله غشاء في داخله مادة لزجة تسمى السيتوبلازم تحيط بالنواة.

ولننظر إلى الجدار فهو من طبقتين: جدار أولي وجدار ثانوي، وغشاء السيتوبلازم كذلك من طبقتين دهنيتين عليهما نوعان من البروتين منغمسان.

والعضيات في السيتوبلازم محاطة بغشاء ثنائي الطبقة كذلك، وهذا الأمر واضح في النواة والميتوكوندريا والشبكة الاندوبلازمية والتي منها الخشن ومنها الناعم والريبوسومات والفقاعات الهوائية والفجوات وغيرها.

وما قيل عن خلية النبات لا يختلف كثيرا عن خلية الحيوان.. اللهم إلا عند الفروق بين الاثنين مثل وجود الجدار والأجسام الخضراء عند النبات وانعدامها عند الحيوان.

وما دمنا نتحدث عن الخلية، فإن أية خلية إما بدائية ليس لها نواة مميزة أو حقيقية ذات نواة مميزة. الزوجية سبحان الله في كل ذلك.

ونعود إلى النبات. فإنه يتنفس وهو كذلك يقوم بعملية التمثيل الضوئي.

والتنفس يؤخذ فيه الأوكسجين ويطرد عن طريقه ثاني أكسيد الكربون. أما التمثيل الضوئي فيحصل فيه عكس ذلك، فيؤخذ ثاني أكسيد الكربون أول الأمر وينتج الأوكسجين آخره بمساعدة اليخضور الذي يمتص الضوء (الكلوروفيل وهو نفسه نوعان يخضور (أ) و (ب).

إن عملية التمثيل الضوئي مكونة من مرحلتين أو نظامين أساسيين: الأول والثاني. يتم في الأول صنع مركب فحمي مكون من خمسة جزيئات من ثاني أوكسيد الفحم وفيه يزداد منسوب الطاقة ويتقبل الإلكترون في نهايته وينتقل على سلسلة نقل الإلكترونات إلى النظام الثاني. وفي مرحلة الانتقال هذه تنتج الطاقة.

ويتم في النظام الثاني صنع مركب سداسي الفحم وينتج الأوكسجين في نهايته. فالزوجية حتى في التمثيل الضوئي.. والنباتات في تصنيفها إما أن تكون بدون أوعية أو وعائية، والوعائية إما لها بذور أو بدون بذور.. وذات البذور بذورها إما عارية أو لها الأزهار.. وذات الأزهار إما ذات فلقتين أو ذات فلقة واحدة والأزهار إما وحيدة أو مجموعة.

وإن كانت مجموعة فهي على ساق ينتهي بالتخت وهو يتكون من عقد وما بين العقد.
وللزهرة نوعان من الأطراف العقيمة: السبلات وتجمع كلها لتشكل الكأس.. والبتلات التي تشكل التويج.

وفي الزهرة السداة.. وهو عضو الذكورة مكون من ساق رفيع عليه المثبر وهو من فلقتين والذي يحمل حبات اللقاح، وفيها الخباء وهو عضو الذكورة وفيه المبيض ومنه يخرج الميسم.

ويكون التكاثر في النبات جنسيا أو غير جنسي. وإن سأل سائل عن الزهرة الواحدة ففيها عضوا الذكورة والأنوثة. ألا يحصل فيها التلقيح الذاتي، نقول إن في تلك الحالة من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يقع التلقيح الذاتي لكون الزهرة تكيفت ضد ذلك بطرق عديدة تمنعها من ذلك، منها أن يكون الميسم وهو الجزء العلوي من الخباء والذي يؤدي إلى المبيض مغطى بشمع لا يتمكن اللقاح المنتج على مئبر الزهرة نفسها من إذابته بينما يمكن للقاح منتج في زهرة أخرى مختلفة من النوع نفسه من أن يذيب هذا الشمع. لذلك لابد من أن يتم التلقيح عن طريق لقاح من زهرة وبويضات من زهرة أخرى.

ومن طرق منع التلقيح الذاتي كذلك كون الميسم أعلى بكثير من المئبر. أو كون مجموع المآبر بعيدة عن الميسم الذي يتوسطها وغير ذلك .

وفي بعض النبات البذر.. ومن البذرة يخرج الجذر والجذع.
وأنسجة النبات إما أساسية أو غير أساسية ، وغير الأساسية إما وعائية أو قشرية.. والوعائية إما خشبية أو لحائية.. والقشرية ، إما أولية أو ثانوية والثانوية إما كامبيوم فليني أو قشري.

والجذور إما أولية أو فرعية ، وإما تحت الأرض أو هوائية وإما مثبتة للنبتة فقط أو مخزنة للغذاء.. والجذع فيه القشرة وفيه اللب.. والجذع يحمل الأوراق.

والورقة مكونة من نصل وساق.. وأوراق النبات ذات الفلقتين إما بسيطة أو مركبة. والمركبة نوعان: ريشية بحيث تكون الاتصال معلقة على جانبي الساق، أو راحية بحيث تكون كلها معلقة على طرف الساق عند قمته.

وللنصل سطحان، وعلى السطح فتحات التهوئة أو الثغور التنفسية وكل منها محاطة بخليتي حراسة.

يصنع النبات الأخضر من المواد البسيطة مواد مركبة، منها السكريات والدهنيات والبروتينات وكذلك الهرمونات.

ومن الهرمونات الأوكسينات ومعروف عنها أنها تطيل الجذع. فإذا وجه الضوء من ناحية ترى الجذع يتجه نحوه وذلك بفعل الأوكسينات، وتطيل الأوكسينات الجذع وتساعد في نضج الفاكهة وفي نمو الكامبيوم وفي تخصص الخلايا.

وتكون بذلك منشطة. إلا أن الأوكسينات لها دور مثبط فهي تمنع نمو البراعم الجانبية عليه، فالزوجية واضحة في عمل الهرمونات النباتية كما هي واضحة عند النبات..

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:17 PM
ولننتقل إلى الحيوانات..
فالحيوانات إما أن تكون متطابقة أو غير متطابقة.. والتطابق إما ثنائي أو غير ثنائي مثل الشعاعي أو الكروي.

ومن الحيوانات وحيدة الخلايا، وتتكاثر بطريقتين: جنسية ولا جنسية، وفي كلتيهما الزوجية ظاهرة، ففي الجنسية هناك الذكر وهناك الأنثى. فالتكاثر إذن جنسي أو غير جنسي عند الحيوان وعند النبات.

أما طريقة التكاثر غير الجنسية فتكون عن طريق الانشطار، وهو انقسام الجسم إلى جزئين يشكل كل منهما بالنتيجة كائنا مستقلا ينفصلان عن بعضهما. وحتى هذا التكاثر ناتج عن تضاعف عددي للـ Dna الحامض النووي المختزل والذي يشكل الجزء الأكبر من الصبغيات .

هذا الحامض النووي هو أصل الحياة ، إنه مركبها الأساسي، وهو عبارة عن خيطين أو شريطين واحد من الأب والثاني من الأم وكل منهما مطابق للآخر مختلف عنه ولكنه يطابق، فهنا الزوجية موجودة والـ Dna هذا أصل الحياة لأنه قادر على أن يصنع نسخا لنفسه شبيهه بالأصل ولأنه يحمل المعلومات الدقيقة عن صفات الكائن الحي.. وهنا أصل الحياة . وفي هذا الحامض وعلى الخيطين توجد الجينات ، والجينات زوجان دائما كل منهما يحمل صفة، فإما أن تكون سائدة سائدة أو ضعيفة ضعيفة أو سائدة ضعيفة، والجيات هذه مسئولة عن حمل المعلومات التي تخص الفرد، تصنع بناء على معلوماتها الأنزيمات أول الأمر وهي التي تختزن صفات الفرد من لون العين والجلد والطول والبدانة والذكاء.. الخ وهي التي تورث الحيوان في المني والبويضة.

وفي النبات كما في الحيوان تكاثر جنسي وعندها الحيوان المنوي وعندها البويضة، والتشابه قائم.

فالزوجية موجودة واضحة في خلق الله .

والحامض النووي هذا نفسه مركب سالب الشحنة عليه غطاء بروتيني موجب ويترابط الخيطان فيه عن طريق قلويات أربعة كل اثنين منها متزاوجان وهي تعرف بـ A&t,c&g.

وقد يكون التكاثر اللاجنسي عن طريق البراعم كما عند بعض النبات والهيدرا ، أو كحلقات الدودة الشريطية ، كما قد يكون عن طريق الحويصلات كما هو في الفطريات والبكتريا والطحالب.

والتكاثر اللاجنسي مرده إلى الانقسام الخلوي المعروف بـ Mitosis حيث تنقسم الخلية الأم إلى خليتين مشابهتين بها من ناحية عدد الصبغيات ويتم ذلك بعد أن يتضاعف عدد الصبغيات طبعا قبل البدء بالانقسام.

أما التكاثر الجنسي فعبارة عن اتحاد خلية ذكرية (الحيوان المنوي) مع خلية أنثوية (البويضة) كل منهما فيه نصف عدد الصبغيات الموجودة في خلية الأب أو الأم وينتج عن تزاوجهما كائن له عدد كامل من الصبغيات.

وحتى تصنع الخلية الذكرية والخلية الأنثوية لابد من وجود الذكر والأنثى كل منهما يختلف عن الآخر بتركيب الصبغيات فيه ، فعند الإنسان الذكر توجد في نواة الخلية صبغية (y) مع صبغية (x)، بينما هي عند الأنثى (xx).

وحتى يأتي الحيوان المنوي الذي هو إما فيه Y او X فقط والبويضة التي فيهاx لابد من انقسام اختزالي يعرف بـ (metosis) يحدث عند الذكر في الخصية وعند الأنثى في المبيض .

وهذه هي الزوجية كما يعرفها معظم الناس.
وبعد ذلك ترى الزوجية في كل شيء..

تراها في شكل الجسم النهائي.. ولنأخذ الإنسان، فإن له يدين ورجلين وشفتين وأذنين وعينين وفي كل يد خمسة أصابع وكذلك في كل رجل.

وله رأس تقابله القدمان ، وله ظهر وله بطن ، والإنسان جسد وروح. فإذا أمعنت النظر إلى أعضائه وأجهزته ووظائفه ظهرت لك الزوجية إن لم يكن في كل شيء ففي معظم الأشياء، القلب قلبان أيمن وأيسر وهناك مبيضان وخصيتان وهناك الرثتان والكليتان والجهاز العصبي تخرج منه الأعصاب زوجين زوجين واحد عن يمين والآخر عن شمال

وفي التنفس يأخذ الجسم الأوكسجين ويطرد ثاني أكسيد الكربون والدم فيه سائل وفيه الخلايا أو الكريات. والكريات بعضها أبيض وبعضها أحمر والأوعية التي تحمل الدم نوعان شريان ينقل الدم من القلب ووريد ينقل الدم إلى القلب ولا يكاد يكون هناك شريان إلا وله وريد يقابله.

والجهاز العصبي يحتوي على قسمين شفيق وما وراء الشفيق عمل كل منهما معاكس للآخر فإن كان أحدهما ينشط عملا فإن الآخر يثبطه.

فالشفيق مثلا ، يوسع إنسان العين ويثبط إفراز اللعاب ويزيد من دقات القلب ويوسع الأوعية في الرئة والشعاب، ويثبط إفراز الجهاز الهضمي وحركة الأمعاء وينشط تحول الغلايكوجين إلى الجلوكوز ويمنع انقباض المثانة البولية أما ما وراء الشفيق فإنه يعمل عكس ذلك كله يضيق إنسان العين ويزيد إفراز اللعاب ويقلل من دقات القلب ويضيق أوعية الرئة والشعاب وينشط إفرازات الجهاز الهضمي وحركة الأمعاء ويؤدي إلى انقباض المثانة البولية.

إنها الزوجية واضحة..
وفي الجم أنزيمات يزيد عدد ما تقدر الخلية الواحدة على إنتاجه عن خمسين ألفا. وكما هو معروف فإن الإنزيم يساعد التفاعلات الكيميائية الحيوية لتعمل عملها ولولاها لما حدثت هذه التفاعلات في درجة حرارة جسم الإنسان. انظر إلى هذه الأنزيمات فإنها كلها بروتينات وهي نوع واحد من أثنين لأن هناك نوعا آخر من البروتينات وهي الهيكلية التي تستخدم في صنع لأنسجة والأعضاء في الجسم.

والأنزيمات تستخدم في البناء وفي الهدم.. ففي البناء تساعد على تركيب المواد من بروتينات أخرى أو مواد حيوية أخرى كالنشويات والدهنيات كما أنها تعمل على تحطيم بعض المواد فتساعد في حرق السكر مما ينتج عنه الطاقة.

والأنزيمات في عملها إما أن تكون نشطة حين تناسبها البيئة التي هي فيها من حرارة وحموضة ووفرة المركبات التي تعمل عليها وقد تكون مكبوتة بفعل سم أو بيئة غير مناسبة.

فالزوجية واضحة في هذه القطة.
كما أن البروتينات وغيرها من المركبات الأساسية قد توجد على شكلين في تركيبها شكل يدور إلى اليمين والآخر إلى الشمال مع أن ليس منهما التركيب نفسه من ناحية العناصر وعددها.. وهنا الزوجية.

وجهاز الغدد الصم.. واحد من اثنين، فهناك الغدد غير الصم مثل اللعابية والعرقية والزيتية والمعدية وتلك الموجودة في الرحم والمهبل والمخاطية. وهذه تخرج إفرازاتها إجمالا إلى خارج الجسم عن طريق أنابيب. إنها الزوجية هنا: غدد صماء وغدد غير صماء.

والغدد الصم كثيرة تفرز الهرمونات.. والهرمونات نوعان: واحد منشط وآخر كابح مثبط ويكاد ذلك يكون في كل شيء ، فللسكر هرمون الأنسولين وعمله تخفيض مستوى السكر في الدم وهناك ما يقابله وهو هرمون الغلوكاجون وعمله زيادة مستوى السكر في الدم.

فالأنسولين يعمل حين يزداد نسبة السكر في جسم الإنسان الطبيعي المعافى بعد تناوله الطعام وهضمه، فيقوم الأنسولين بعمله المعروف وهو تنشيط خلايا الكبد لتحول الجلوكوز إلى جليكوجين وإلى دهنيات كما أنه يجعل خلايا الجسم أكثر مرونة في إدخال الجلوكوز إليها حيث تستعمل للحصول على الطاقة. أما الجلوكاجون فالمعروف أنه ينشط تحول الجلايكوجين إلى الجلوكوز.

وللكالسيوم البراثورمون الذي تفرزه مجاورات الدرقية وعمله زيادة مستوى الكالسيوم في الدم عن طريق طرح العظام له، وعن طريق زيادة امتصاصه من أنابيب الكلية، وهناك هرمون الكالسيتونين الذي تفرزه الغدة الدرقية وعمله هو عكس عمل البراثورمون حين يؤدي إلى خفض مستوى الكالسيوم في الدم.

والحقيقة أن هناك صفة واضحة في طبيعة عمل الغدد الصم والهرمونات فإن أحدها منشط والآخر كابح مما يؤدي إلى التوازن. وهذا واضح فيها كلها.. فالزوجية في الغدد الصم تؤدي إلى التوازن.

حتى في عمل الغدة الواحدة هناك زوجية تؤدي إلى التوازن. فإذا اختل عملها كانت هناك زيادة مثل زيادة إفراز الغدة الدرقية وإن قل كان هناك نقصان مثل نقصان إفراز الغدة الدرقية على سبيل المثال.

والزيادة والنقصان هنا حالتان مرضيتان فيهما الزوجية واضحة. وهذه الصفة تطبق على الغدد الصماء كلها.

ومجال الغدد الصماء واسع كبير لا أرغب في حصره وتغطيته ولكني أختار منه الأمثل للزوجية.

في الحمل يفرز هرمون البروجسترون ، وهو هرمون نسائي يفرز في المبيض أول الحمل ثم من المشيمة، وعمله هو المحافظة على الحمل عن طريق تنشيطه لجدار الرحم والحفاظ عليه سميكا مغذي بالدم والشعيرات محتفظا بشكله الاسفنجي.. فإذا ما انخفض مستوى البروجسترون بسبب علة ما أو حان وقت المخاض فإن الرحم يبدأ في الانقباض ويخرج الجنين منه ، ويزداد إفراز هرمون الأستروجين الذي يساعد على نضوج البويضة وخروجها إلى قناة الرحم. فهنا زوجية.

ويعمل الهرمون المنشط للغدة الدرقية عكس عمل هرمونات هذه الغدة، كذلك الهرمون المنشط لغدة قشرة الكظر الذي تكبحه هرمونات هذه الغدة. والأمر نفسه يحصل بين الغدد المنشطة للمناسل وهرمونات المناسل . وبين الهرمونات المرسلة التي يفرزها الدماغ، وبين هرمونات الغدة النخامية.

نعم الزوجية واضحة، واحد يزيد والآخر ينقص فينتج عنه الوسط الذي هو توازن وخير الأمور الوسط.. فالوسطية إذن نتيجة للزوجية.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:17 PM
انظر إلى الكلية: فيها القشرة وفيها النخاع. وفي القشرة الجمع وهي الشعيرات الدموية الموجودة داخل حويصلة بومان ، إليها يتصل شريان داخل ومنها يخرج شريان خارج. ووحدة الكلية فيها الأنبوبة القريبة وفيها البعيدة ، والتواء هتلي فيه الذراع الهابط والجزء الصاعد والعضلات إما مخططة: ومنها الهيكلية والقلبية، وإما غير مخططة ، والهيكلية فيها الاكتين وفيها الميوسين. وخلايا الأعصاب فيها الاسطوانية المحورية وفيها الشجيرة.

الزوجية واضحة ، لدرجة أنها تقول: انظروا كل شيء زوجين " سبحان الله ". نعم هذا هو الواقع في عمل الخلايا والأنسجة والأعضاء والأجهزة في الجسم كله وحتى في تصرفات الإنسان.

في تصرف الإنسان الزوجية واضحة ، فهو يحب ويكره وهو يعدل ويظلم وهو يكرم ويبخل.. وهو أمين أو غير أمين.. صادق أو كاذب حليم أو غاضب.. عالم أو جاهل، مؤمن أو كافر.. حي أو ميت. عطشان أو مرتو.. جائع أو شبعان.، سعيد أو تعيس صبور أو غير صبور.

نعم الزوجية في كل شيء ، فسبحان الله.
في الحياة والموت والولادة والوفاة.. في السرعة والبطء.. في العقل والحماقة في الصغر والكبر.. في النور والظلام في الجنة والنار.. في الجن والإنس.

وي الجسم عضلات فيها الملساء ومنها المخططة.. والملساء منها الطولي ومنها الدائري وتعمل عكس بعضها البعض. والعضلات المخططة الإرادية بعضها يحرك العظام إلى جهة وبعضها يحركها إلى الجهة المقابلة فتعمل بعضها عكس بعض.

وهناك الشهيق وعكسه الزفير.. وهناك الشرب وعكسه التبول والعرق. وهناك الأكل وعكسه التبرز.

الزوجية في كل شيء

في الشكل وظله.. وفي الطول والقصر.. وفي السمنة والنحافة.. في الخفة والثقل، وفي الضحك والبكاء، في التقعر والتحدب، في الحرب والسلم في النوم واليقظة.

فالزوجية في الخلق واضحة. واضحة في صفات الكائن الحي ، ومنها الأيض أو الاستقلاب الذي يمكن تلخيصه بالبناء والهدم.

ومنها الاستجابة وفيها التحدي.. ورد الفعل.. وفيها المستقبل وفيها المنفذ.

حتى الماء الذي خلقت فيه الكائنات الحية وهو السائل إن زادت الحرارة كثيرا صار بخارا. وإن قلت كثيرا صار ثلجا. حتى الماء نرى الزوجية فيه.

وقد تتحرك الخلية عن طريق أهداب أو عن طريق السياط ، والنقل من وإلي داخل الخلية عن طريقين: الانتشار من الأكثف إلى الأقل كثافة أو النقل النشط من الأقل كثافة إلى الأكثر كثافة.

نحم الزوجة هنا كما هي هناك.
والتغذية عند الكائن الحي قد تكون ذاتية كما هو حاصل عند النبات وقد تكون غير ذاتية كما هو عند الحيوان.

والهضم قد يكون داخل الخلايا كما هو في الأميبا والبكتيريا وكريات الدم البيضاء وقد يكون خارجها في قناة الجهاز الهضمي.

والطاقة التي تحتاج إليها الخلية ويحتاج إليها جسم الكائن الحي يمكن الحصول عليها عن طريقتين: واحدة بوجود الأوكسجين والثانية بغيابه.

والزوجية واضحة في دورة الماء على الأرض فإن ماء البحر يتبخر وتتشكل السحب ثم تتكشف هذه السحب فيهطل المطر.. تبخر وهطول.

والجهاز الدوري عند الحيوان إما مفتوح كما عند الحشرات أو مغلق كما هو عند الإنسان.

والدم إما سائل أو متخثر.
والزوجية في الإنسان فجهاز المضغ عبارة عن قوسين من الأسنان: فك علوي وفك سفلي. والعلوي عظمتان: الفك العلوي الحقيقي والعظمة المعروفة بما قبل الفك العلوي. والسفلي عظمتان: يمنى ويسرى ملتحمتان عند الوسط.

وتنمو الأسنان على مرحلتين: أسنان مؤقتة لبنية وأسنان دائمة عظمية والمؤقتة عشرة أزواج والدائمة ستة عشر زوجا.

يبدأ السن برعما ثم تكسوه القبعة ، والقبعة من خلايا طلائية داخلية طويلة عمودية وخارجية مكعبة ينمو بينها المينا ثم تتكون الخلية السنية والكيس السني، وينتج من الحليمة السنية العاج- أما الكيس السني فإنه يعمل مع الحليمة .غيرها من أجزاء السن لتشكيل الأنسجة المكونة للسن بأكمله وأربطته.

ثم يأخذ المينا شكل الجرس وهو شكل السن. فإذا نظرنا إلى العاج لوجدنا أنه يتكون على مرحلتين الأولى بدون تكلس والثانية فيها التكلس.

أما المينا فتغطي سطح التاج وتصنع كذلك على مرحلتين: ترسب ملحي معدني ثم نضج تدريجي. وحتى ظهور الأسنان يتم على مرحلتين: ما قبل البزوغ وفيه يحدث تكون طبقة العاج الصلبة، وثانيا مرحلة البزوغ وفيها تتكون الجذور وتصل السن إلى مستوى الأطباق.

وفي تكوين الإنسان ونموه وهو جنين الزوجية . يتحد الحيوان المنوي وهو النطفة المذكرة وعدد صبغياته (23) وهو من الأب مع بويضة الأم وهي النطفة المؤنثة وعدد صبغياتها (23) هي من الأم ليتكون من ذلك النطفة الأمشاج (البويضة الملقحة . فيعني ذلك أن بداية الإنسان فيها الزوجية. ثم تبدأ النطفة الأمشاج في الانشطار إلى خليتين فأربع فثمان وهكذا وتستمر المرحلة في قناة المبيض إلى أن تصل إلى الرحم فتبدأ مرحلة العلقة وهي قسمان من الخلايا: خارجي وداخلي. ويستمر تطور الجنين ونموه وتقسم خلاياه الداخلية إلى طبقة خارجية (ECTOOERM) وأخرى داخلية (ENDODERM) وبعدها يبدأ الطور الثالث بعد ظهور الطبقة الوسطى (MESODERM) وتكون الكتل البدنية منها (SOMITES) ويعرف هذا بطور المضغة.


فإذا انتقلنا إلى أعضاء الإنسان لوجدنا فيها الزوجية- وهي كلها مشتقة من الطبقات الثلاث آنفة الذكر.

فمن الخارجية Eclodem يتكون الجهاز العصبي وهو زوجي: مركزي وجانبي. والمركزي دماغ ونخاع شوكي والدماغ زوجي كذلك: فيه أقسام ثلاثة المخ والمخيخ والمخ الجذري وكل منها مزدوج. فالمخ نصفان أيمن وأيسر وهو مجموعة فصوص أربعة: جبهية وجدارية وصدغية وخلثمية. والمخيخ أيمن وأيسر تربطهما الدودة والدماغ الجذري عبارة عن نخاع وقنطرة ووسط وما يعرف بالدايانسيفالون. ومن الدماغ تخرج الأعصاب مزدوجة وعددها 12 زوجا. أما النخاع الشوكي فنصف أيمن وآخر أيسر تخرج منه الأعصاب الطرفية مزدوجة.

أما الطبقة الوسطى (MESODERM) فمنها النسيج الضام والنسيج العضلي والجهاز البولي والتناسلي والدم ونخاع العظم والأغشية.

وفيها كلها زوجية: في العظام الغضروف والغشاء الأول تتكون منه عظام الجسم والثاني معظم عظام الجمجمة.

والزوجية في كل منهما: الأطراف علوية وسفلية والضلوع زوجية. والفقرات من قطعتين هيكليتين. وعظام الجمجمة اثنين اثنين.

ومن الطبقة الوسطى الطحال والزائدة الدودية، وقد يسأل سائل أين الزوجية فيهما؟، وتقول لقد وجد بعض علماء التشريح طحالا زائدا وكذلك الزائدة وقد لا تكون الزوجية واضحة في تركيب الطحال، ولكنها جلية في عمله فهو يصنع نوعين من الخلايا الدماغية: ليمفاوية ومونوصابتس. والبحث دائر مستمر لمعرفة الزوجية في الطحال وفي الزائدة.

أما الطبقة الداخلية (ENDODERM) فمنها الغشاء المبطن للجهاز الهضمي ومنها الكبد والبنكرياس والغدة الدرقية ومجاوراتها والتايموس وغشاء الجهاز التنفسي- والمعدة ولها مدخل ومخرج وهي منحنية انحناء صغيرا وكبيرا ولها شريان أيمن وشريان أيسم، ولها عصب أيمن وآخر أيسر.

أما الكبد فمن برعمين حين يبدأ. وأما ما هو ظاهر لنا فأربعة أجزاء فص أيمن وأيسر وخلفي ورباعي.

والبنكرياس متكون من برعم أمامي وآخر خلفي يلتحمان ليتكون منهما البنكرياس وهو يؤدي وظيفتين: هضمية بإفرازاته وأنزيماته، وهرمونية بإفراز الأنسولين وكذلك هرمون الغلوكاجون.

أما الأمعاء: فدقيقه وغليظة.
فالزوجية تكشف عن نفسها وتقول انظروا:
{وفي أنفسكم أفلا تبصرون} (4)

{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } (5)
حتى الملائكة لها أجنحة والأجنحة فيها الزوجية كذلك مثنى وثلاث ورباع.. { الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء } (6)

وقد يسأل سائل ماذا تريد أن تقول ولم هذا كله؟.. نقول:
نعم الزوجية في كل شيء.

فكيف نجيب من يقول ولكنك ذكرت أمثلة عن أشياء لا زوجية ظاهرة فيها.
والجواب: لم يحث أمرها بدقة وإننا متى تمعنا ذلك فإننا إن شاء الله واجدون هذه الحقيقة الصارخة.. حقيقة الزوجية فيها.. والله ، أعلم.

ونختم قولنا أن الغاية من هذا البحث ليست إثبات أن القرآن الكريم صحيح. بل هو صحيح سواء أثبتناه نحن أم لا؟ لأنه من عند خالق كل شيء.

إن الغاية من هذا البحث تعريف ما توصل إليه العلم وما وصل إليه ، من أن كل شيء زوجي.

ولو كان من يبحث في التركيب والوظيفة على علم بالآيات الكريمة لما أمضى الوقت الطويل في بحثه حتى يصل إلى الزوجية، ولو كان واطسون وكريك يقرئان القرآن لما أخذ، منهما اكتشاف أن الـ DNA خيطان متطابقا الوقت والجهد والمال الذي صرفاه على أبحاثهما حتى حصلا بالنتيجة على جائزة نوبل لو علما ما ذكر في القرآن لكان اكتشافهما أسرع وأبرع. ولكنها حكومة الله.. {سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} (7)

شكر

نتوجه بالشكر إلى الدكتور حسين عباس زكي والدكتور يحيى خواجي لتقديمهما المعلومات عن الزوجية في الإسلام وفي تكون الإنسان ، كما نشكر الأستاذ فتحي إبراهيم حشيش على طباعة المقال.

المراجع
(1) فصلت / 53 .
(2) الذاريات / 49 .
(3) الذاريات / 49 .
(4) الذاريات / 21 .
(5) فصلت / 53 .
(6) فاطر/ 1.
(7) فصلت/53.
(8) تفسير الطبري.
(9) تفسير ابن كثير.
(10) سيد قطب، في ظلال القرآن الكريم.
(11) فؤاد خليل، رشاد الطوبي ، أحمد حماد الحسيني، محمود حافظ وعطا الله الدويني: علم الحيوان العام- مكتبة الانجلو المصرية القاهرة 19760 م.
(12) حسن العروسي وعماد وصفي: مورفولوجيا وتشريح النبات.
دار المطبوعات الجديدة- الإسكندرية 1981 م.
(13) مجمع اللغة العربية: معجم ألفاظ القرآن الكريم- القاهرة 1970 م.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:18 PM
الطب النبوي

لفضيلة الشيخ محمد المختار السلامي
مفتي الجمهورية التونسية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

بنيت بحثي هذا على خمس عشرة مقدمة رأيت أنه من الضروري إبرازها من أول الأمر إذ عليها قام البحث ومنها استخلص ما تيسر لي من نتائج :

أ- إن الدين الإسلامي دين حرر الفرد وخلصه من كان ما حملته الشرائع السابقة من آثام البشرية فيما مضى كما فتح له سبيل التسامي بتطهير روحه من دنس المعصية بالعبادة والتوبة. فأغناه صح تعذيب نفسه أو تحميلها المشاق.

2- إنه كرم الإنسان بتحميله أمانة الخلافة في الأرض . وأعانه على ذلك بنعم الوحي والعقل والإرادة والقدرة.

3- إن الوحي له ميدانه وهو مالا يستطيع العقل أن يصل إليه أصلا ، ولا يقدر على بلوغه في اطمئنان على أنه على حق ، كالغيب وتفاصيل العبادة والتشريع . فإن العقل يبدو عاجزا عن الإدراك الكامل للذات الإلهية أو لشؤون الحياة الآخرة ، أو لما طواه الزمن وذهبت آثاره الدالة عليه ، أو لما سيحدث في المستقبل أو للطريقة التي يرتضيها رب العزة في التقرب لعلي ذاته ، أو التشريع الذي يحدد علاقات البشر والمجموعات الإنسانية تحديدا لا يحابي ولا يختلف ( وكذلك أوحينا روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ) (الشورى : 52 ـ 53 ) .


4- إن العقل له ميدانه فكل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان بعقله أوكله الله إليه ليحقق معنى الخلافة وينعم بثمرات كشوفه ويثاب على اجتهاده وحسن تصرفه. وهنا جاءت الآيات الداعية إلى النظر أمرا وحثا، أو تفريعا وتوبيخا على الكسل والتراخي.

5- إن كل ما بلغنا عن رسول الله r من وحي، قولا كان أو فعلا ، أو تقريرا قرآنا أو سنة هو حق وصدق ، ورفضه تكذيب وردة

6- إن الرسول r بعد أن أكرمه القه بوحي زاد ذكاؤه قوة ، وفطنته إشراقا وتألقا ، ولم يعدم صفته الإنسانية: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ) (فصلت 7/6).

7- إن الرسول r لم ينخلع عمل كل معارفه وتجاربه. بمجرد أن أكرمه الله بوحيه.. فقد ربي في قريش وبقى يحتفظ بكثير من العادات الطيبة التي لم يزدها الوحي إلا رسوخا وصلة أوضح بالله . روى البخاري ومسلم ومالك. واللفظ للبخاري عن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله r بيت ميمونة فأتى بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله r بيده فقال بعض النسوة أخبروا رسول اللله r بما يريد أن يأكل فقالوا هو ضب يا رسول الله. فرفع يده فقلت أحرام هو يا رسول الله ؟ فقال لا. ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ، قال خالد : فاجتررته فأكلته ورسول الله r ينظر.

8- إنه لا يعرف بشر في الدنيا اعتنى الناس بحفظ أقواله وأفعاله وتقريراته و طريقة صفاته كما تم ذلك لرسول الله r فقد نقل الصحابة كل ما شاهدوه أو سمعوه منه، كما كان شوق التابعين لمعرفة كل شيء عن حياة رسول الله شوقا قويا فسألوا الصحابة وحفظوا وبلغوا، جازاهم الله عن هذه الأمة خير جزاء وأوفاه. نقلوا حياته، في بيته في ليله ونهاره، ويقظته ونومه، في السوق وفي المسجد، في الحضر وفي السفر. في السلم وفي الحرب، في الصحة وفي المرض، مع أسرته ومع أصحابه ومع أعداء الإسلام، في مجلس القضاء والحكم، وفي مجلس الوعظ والإرشاد، ونبين أحكام الله . وقد يبلغ الوصف هذا من الدقة ينقل الدارس إلى المدينة المنورة فيرتوي بخياله من الصورة الوضيئة كأنه عاش عصر النبوة وسعد بالصحبة .

9- إن رسول الله r وهو يتصرف بالقضاء هو غيره وهو يرشد الناس أو يتصرف بالفتوى وبيان أحكام الله أو ينزل الحكم على الواقعة المعينة. وهو يخبر عن الله غيره وهو يخبر عن تجاربه وما أدركه من معرفة ذاتية غير متصلة بوحي الله وقد يشتبه الأمر على الصحابي فيسأله كما في أكل لحم الضب أحرام هو يا رسول الله ؟.

10- إن المتتبع للسنة لابد أن يعرف وجه تصرفه r . وقد أشار إلى هذا الإمام شهاب الدين القرافي في "الفروق " في الفرق السادس والثلاثين قال (إن غالب تصرفه بالتبليغ لأن وصف الرسالة غالب عليه ثم تقع تصرفاته r منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعا. ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة. ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين فصاعدا، فمنهم من يغلب عليه رتبة ومنهم من يغلب عليه أخرى. ثم تصرفاته بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة فكل ما قاله r أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكما عاما على الثقلين إلى يوم القيامة، فإن كان مأمورا به أقدم عليه كل أحد بنفسه وكذلك المباح. وإن كان منهيا عنه اجتنبه كل أحد بنفسه. وكشف ما تصرف فيه عليه السلام بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به عليه السلام ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك. وما تصرف فيه جمع بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداء به r ولأن السبب الذي لأجله تصرف r يوصف القضاء يقتضي ذلك .

فالعمل بالسنة الثابتة عن رسول الله متوقفة على التعرف على الجهة التي عنها صدر فإذا علمنا الجهة يقينا كان علمنا ذاك موجها لقيم النصر وللعمل به.

وقد ذكر الأصوليون أن فعله r إن كان من الأفعال الجبلية كالقيام والقعود والأكل والشرب أنه مباح وما اقترن فيه أمر العبادة . كركوبة في الحج فالظاهر إلحاقه بالمباح.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:19 PM
11- إن عدم التأثير في وجه تصرفه قد تسبب عنه مضايق كثيرة وتمحلات في الإجابة لا ترتاح لها النفس ولا يطمئن لها المتأمل. وقد فصل القول في ذلك الشيخ محمد الظاهر ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة يقول. إن لرسول الله r صفات وأحوالا تكون باعثا على أقوال وأفعال تصدر منه فبنا أن نفتح لهـا مشكاة تضيء في مشكلات كثيرة لم تزل تعنت الخلق وتشجي الخلق. وقد كان الصحابة يفرقون بين ما كان من أوامر الرسول r صادرا في مقام التشريع وما كان صادرا في غير مقام التشريع وإذا أشكل عليهم أمر سألوا عنه. ففي الحديث الصحيح أن بريرة لما أعتقها أهلها كانت زوجة لمغيث العبد فملكت أمر نفسها بالعتق فطلقت نفسها وكان مغيث شديد المحبة لما وكانت شديدة الكراهية له فكلم مغيث رسول الله r في ذلك فكلمها رسول الله في أن تراجعه فقالت : أتأمرني يا رسول الله ؟ قال: لا لكني أشفع. فأبت أن تراجعه ولم يثربها رسول الله r ولا المسلمون.

تم يقول وقد عرض لي الآن أن أعد من أحوال رسول الله r التي يصدر عنها قول منه أو فعل اثني عشر حالا. منها ما وقع في كلام القرافي ومنها ما لم يذكره. وهي: التشريع ، والفتوى ، والقضاء، والإمارة، والهدي ، والصلح ، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس ، وتعليم الحقائق العالية ، والتأديب والتجرد عن الإرشاد.

ثم أخذ يحلل التجرد عن الإرشاد . فقال إن التجرد عن الإرشاد يتعلق بغير ما فيه التشريع والتدين وتهذيب النفوس وانتظام أمر الجماعة. ولكنه أمر يرجع إلى العمل في الجبلة وفي دواعي الحياة المادية، وأمره لا ينتبه فإن رسول الله r يعمل في شؤونه البيتية ومعاشه الحيوي أعمالا لا يقصد منها إلى تشريع ولا إلى طلب متابعة. وهذه كصفات الطعام واللباس والاضطجاع والمشي والركوب ونحو ذلك، سواء كان خارجا عن الأعمال الشرعية كالمشي عن الطريق والركوب في السفر أم كان داخلا في الأمور الدينية كالركوب على الناقة في الحج والهوى باليدين قبل الرجلين في السجود عند من رأى أن رسول الله r أهوى بيديه قبل رجليه حين أسن وبدن وهو قول أبي حنيفة وكذلك ما يرويه أن النبي r نزل في حجة الوداع بالمحصب الذي هو خيف بني كنانة ويقال له الأبطح فصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم هجع هجعة ثم انصرف بمن معه إلى مكة لطواف الوداع . فكان ابن عمر يلتزم النزول به في الحج فيراه من السنة كما فعل رسول الله r.

وفي البخاري عن عائشة أنها قالت إنما كان منزلاً ينزله رسول الله r ليكون أسمح لخروجه تعني بالأبطح. تم روى عن ابن عباس: ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله r ويقولها قال مالك.

12- إن إشارة الرسول r على بعض أصحابه بتناول نوع من أنواع الأدوية المادية بعد ثبوت صحة الحديث لا يخلو أمر تلك الإشارة من أن تكون تبليغا لوحي أوحاه الله إليه، أو اجتهادا منه r أو اقتناعا بما كان معروفا عند بعض أهل الطب من بني قومه وعلمه.

فإذا كان إخبارا بما علمه أن تجارب عصره فليس في هذا ما يدل على حكم شرعي ولا هو من قبيل ما يشرع فيه الاقتداء لا وجوبا ولا ندبا.

إن كان نتيجة اجتهاد فهو اجتهاد في أمر دنيوي فهو غير دال على العصمة فيه. وإذا انتفت العصمة من الخطأ التي ضمنها الله لرسوله في التشريع خاصة وفي تبليغ الوحي، إذا انتفت العصمة فالاتباع لم يشرع.

روى الإمام مسلم عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررت مع رسول الله r بقوم على رؤوس النخل فقال ما يصنع هؤلاء فقالوا يلقحون يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح. فقال رسول الله r ما أظن يغني ذلك شيئا. قال فأخبروا بذلك فتركوه فأخبر رسول الله بذلك فقال إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إن حدثتكم عن الله شيئا فخذوه فإني لن أكذب على الله .

يقول الإمام المازري وأما أمر الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان رسولا مفضلا من أجلها فغير بعيد أن يخيل إليه في شيء من أمرها مالا حقيقة له.

وفي رواية عن رافع بن خديج أنه قال إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر وفي رواية أنس أن رسول الله r قال أنتم أعلم بأمور دنياكم.

إن تمام القصة حسب الروايات الثلاث التي رواها أصحابه طلحة ورافع بن خديج وأنس بن مالك تؤكد نفي العصمة فيما كان من أمور الدنيا لا يرجع إلى الوحي وإنما تصرف فيه لمجد بوصف البشرية.

وقد تكون إشارته بتناول نوع من الأدوية مع قيام قرينة على أنه إنما تصرف فيه بوحي أوحي إليه كما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد قال جاء رجل إلى النبي ولا فقال إن أخي استطلق بطنه فقال اسقه عسلا فسقاه قال إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال صدق الله وكذب بطن أخيك .

وعند مسلم ثم جاء الرابعة فقال اسقه عسلا فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال رسول الله r : صدق الله وكذب بطن أخيك فسقاه فبرأ.

إن ما كان من طريق الوحي لا يفيد النص إلا أنه نوع من أنواع الأدوية لا يتجاوز الحالة التي وصفها رسول الله r إلى غيرها إلا إذا ثبت تساوي الحالتين. ذلك أن الأبدان يختلف تركيبها والأمزجة يختلف قبولها وتلاؤمها مع الأدوية وحتى مع الأطعمة. أذكر أن صديقا لي وكان طبيبا تزوج بأجنبية. فأخذت تظهر على جلدها قروح واستشار زملاءه من الاختصاصيين وغيرهم ولم ينفعها أي دواء وقاموا بمختلف أنواع التحاليل وأخذ المرض يؤثر على سلامتها النفسية فأخذها إلى أستاذ في باريس اختصاصي في الأمراض الجلدية وتعرف أولا على تاريخ حياتها فاستبان له أنها نشأت في الولايات المتحدة وشبت هناك. وكان وصفه لأسباب الداء وليد هذه المعلومة ذلك أن كثيرا من الأمريكيين إذا شربوا اللبن من البقر المختلفة، المرعى عن البيئة الأمريكية تسبب ذلك في ظهور قروح على الجلد وقاءاً بالتجربة فأثار مكانا في يدها بمبضعه ووضع عليه قطرة من اللبن فتورم. وهكذا فما يصلح لمريض قد يكون قاتلا لمريض آخر لمزاج أو لوجود داء أخر. كما أن كمية الدواء وطريقة إعداده وكونه مركبا أو بسيطا كان ذلك يفرضه عدم تناول الدواء إلا بوصف عارف. فإذا جاء الوحي عن رسول الله r أن هذا الدواء نافع لشخص فهو كما قال لا يجوز الشك في ذلك أبدا ، أما تجاوز الحالة المعينة إلى حالات مشابهة فهو من ظن المتجاوز لا من تقرير رسول الله r .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:19 PM
13- إن هذه القاعدة الضرورية من أن معرفة المرض والمريض والدواء هي من القواعد الضرورية في التطبيب يؤكدها ما رواه الحاكم بسنده إلى جابر أن رسول الله r قال لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل. كما روى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله r ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه شفاء علمه من علمه وجهله من جهله .

14- إن رسول الله r كان يرجع إلى الأطباء للتداوي أخرج الحاكم عن هشام بن عروة عن أبيه قال قلت لعائشة رضي الله عنها قد أخذت السنن عن رسول الله r والشعر والعربية عن العرب فعمن أخذت الطب؟ قالت إن رسول الله r كان رجلا مسقاما وكان أطباء العرب يأتونه فتعلم منهم. وصححه الذهبي فرسول الله r لم يكن طبيبا. وكان يعتمد أهل الطب من العرب. فقد روى مالك في موطئه عن زيد بن أسلم أن رجلا في زمان رسول الله r جرح فاحتقن الدم وأن الرجل دعا رجلين من بني أنصار. فنظرا إليه فزعما أن رسول الله r قال لهما أيكما أطب فقالا أولا الطب خيريا رسول الله؟ فزعم زيد أن رسول الله r قال: أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء00

15-- إن اعتبار ما نقله الصحابة رضوان الله عليهم من وصف رسول الله r للأدوية أو التنويه ببعضها لا يحمل على الأمر به أو أنه تشريع . إذ اعتبار ذلك مستندا إلى الوحي قد كان سببا للطعن في صحة السنة أو تجاوز ذلك إلى الطعن في رسول الله r في مهمته الأولى أعني الرسالة لأن الدواء والتمريض المادي لا يقفان عند حد، وما يكشف اليوم من أدوية هو خاضع لسنة التطور القائمة دوما على مراجعة التجربة لزيادة الضبط والتأكد وإصلاحا لأخطاء الماضية، ما أظن أن علم الطب وقف في شعبة من شعبه ليقول قد وصلت إلى النهاية ولا مطمح في الزيادة، لأن كل أجهزة الجسم متشابكة ومترابطة ولم يستطع العلم البشري أن يبلغ غاية المعرفة في جميعها. بينما التشريع والعقيدة قد بلغا الغاية. ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) فخلط الكامل بالناقص وإجراؤهما في سكة واحدة بمعايير واحدة ليسمع سليما بداية وغاية .

إن التأمل في هذه المقدمات لتؤكد الاقتناع بأن رسول الله r لم يبعث طبيبا يداوي أسقام الأبدان. فإن هذه الوظيفة قد أوكلها الله إلى الخلق ينظرون في قوانين الكون وسنن الله في الصحة والمرض .

والرسول r بوصفه بشرا كأذكى وأنبه ما يكون إنسان على وجه هذه البسيطة قد باشر العلاج وأشار بصفته هذه- أعني البشرية لا الرسالة- أشار ببعض الأدوية حسب المستوى المعرفي الذي كانت عليه الإنسانية في ذلك العصر. ولم يبعث r على العثور ويعطيه الحلول الجاهزة وذلك لأن الله استخلف الإنسان في الكون وأعانه على تحمل المهمة بأمرين الوحي والعقل " الوحي فيما لا يستطيع أن يصل إليه بذاته والعقل وآلاته فيما يمكن أن يصل إليه بذلك. ولذلك يكون طلب الكشف عن قوانين الحياة والكون من الوحي هو كالاعتماد على العقل وحده في التشريع أو إدراك المغيبات، كلاهما منهج معكوس عقيم لا يولد حقائق ثابتة يطمأن إليها. وهذا الذي دعاني إلى الاعتماد على الطب النبوي الروحي والنفسي زيادة على ما وجدته من الاختلاف بين شراح الحديث في تعيين المراد من الدواء الذي ذكره r . وذلك كما جاء في الحديث الذي أخرجه أصحاب الصحيح واللفظ لمسلم . عن أبي هريرة أن رسول الله r قال : " في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام " والسام الموت . والحبة السوداء الشونيز . يقول عياض : تفسيرها بالشونيز هو الأشهر . وقال الحسن هي الخردل وقيل هي الحبة الخضراء والعرب تسمى الأخضر أسود والأسود أخضر والحبة الخضراء ثمرة البطم المسمى بالضرو .

ففي تعيين المراد من الحبة السوداء مذهب ثلاثة ولعل هذه المذاهب ستتضاعف إذا أوكلنا أمر تعيين كل تسمية إلى اجتهاد المجتهدين لضبط المراد بالبطم . والشونيز.

أما الجانب الذي أعتقد أن النبي r أولاه عنايته وأصله الوحي لا شك في ذلك فهو الجانب النفسي والروحي للمصاب. وهذا النوع يتناول هديه للمريض وهديه للممرضين وهديه في بيان علاقة المريض بالأصحاء.

أولا: علاقة الأصحاء بالمرضى وينحل إلى شعبتين: عيادة المرضى، قضية العدوى .
أ) عبادة المرضى إن اختلال الجسم يؤثر حتما على نفسية المصاب. ويلازمه الشعور بالضعف فهو في حاجة أكيدة إلى سند قريب وفي حاجة أيضا إلى المجتمع يؤكد له أنه عضو منه لم يقطع صلاته به. ذكرت جريدة (أفريقيا الفتاة) (جون افريك) في أحد أعدادها سنة 85 أن أحد الأطباء الفرنسيين ألف كتابا حول حق الطبيب في تعجيل موت الميؤوس منه. وكان مما ذكره أن امرأة أصيبت بمرض السرطان وظهرت آتاره على المصابة في الثدي في سن الثامنة والعشرين- ثم ظهرت الأورام الجلدية. وكانت تبدي من الصبر والجلد ما هو أثر من آثار قوة شخصيتها. وجاءت إلى هذا الطبيب تسأله في يوم من الأيام أن يساعدها على التخلص من عذابها الذي تجاوز طاقة تحملها. تقول. إنها تمر الأيام وتتلوها الأسابيع دون أن يطرق بابها أحد. لم يبق لها في الوجود ممن يتصل بها من أصدقائها وأقاربها إلا أختها وبعد مدة طويلة. إنها تنظر إلى الهاتف شبحا مزعجا في حياته إنه أخرس لا يرن جرسه أبدا. فقدت كل اتصال بالبشر فغدت في عزلتها معذبة أشد من العذاب الذي تسببه لها الأورام. يقول الطبيب إنها كانت تحدثه بكل شجاعة. وان اختيارها لم يكن وليد انهيار عصبي. وفعلا استجاب الطبيب لمساعدتها على إنهاء حياتها وضرب لها موعدا في بيتها بعد الساعة الثامنة وكان الفصل شتاء اختلطت الظلمة بالمطر فلم يستطع أن يبلغ منزل المرأة. فعاد أدراجه. وفي الغد دق جرس الهاتف فإذا هي أختها تعلمه أن المريضة انتحرت بقذف نفسها من الطابق السابع ليلا وتهشمت على الرصيف.

إن هذه الحالة ليست فريدة في دنيا العالم الذي فقد الإحساس بالترابط الإنساني وطغت فيه الأنانية إلى حدود جعلت الأصحاء والمرضى يشعرون بالانبتات رغم المدن الكبيرة والأعداد الضخمة من البشر التي تموج بها تلكم التجمعات الصورية والمساكن المندمجة في العمارات الشاهقة وتضاعف عدد الأطباء النفسانيين ومع ذلك كان العدد الضخم عاجزا عن رد التوازن المفقود. ولذا نجد الإسلام يولي عنايته هذه الناحية. ففي كل كتب الحديث تجد أحاديث عن رسول الله r تؤكد على زيارة المريض. والإمام البخاري يراها واجبة فقد عنون في صحيحه الباب الرابع كتاب المرضى باب وجوب عيادة المريض. مرجحا أن الأمر الوارد هو للوجوب في الحديث الذي رواه عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله r قال: (أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني) وحديث البراء بن عازب أن رسول الله r أمرنا أن نتبع الجنائز. ونعود المريض ونفشي السلام ثم أتبع هذا الباب بأبواب أخرى قصد التعميم. فعقد بابا لعيادة المغمى عليه وبابا لعيادة النساء الرجال. وبابا لعيادة الصبيان. وبابا لعيادة الأعراب. وبابا لعيادة المشرك وغير ذلك من الأبواب كما أخرج الأحاديث الدالة على عيادة المريض في كثير من كتب صحيحه لتلتئم مع ما أخرجه علماء الحديث في هذا المعنى ليكون منها ما يسمى بالتواتر المعنوي اليقيني.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:20 PM
بعض تفاصيل عن العيادة
ا) متى يعود المؤمن المريض؟

روى ابن ماجه قال حدثنا هشام بن عمار. حدثنا مسلمة بن علي حدثنا ابن جريح عن حميد الطويل عن أنر بن مالك قال: كان النبي r لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث .

وأئمة الحديث على توهين هذا السند لأن مسلمة بن على منكر الحديث وإن رأى السندي أن أحاديثه رويت بروايات أخرى يتقوى بعضها ببعض . فالذي نطمئن إليه أن الزيارة المأمور بها مرتبطة بوضع المريض وحاجته للمواساة وما جرى من أعراف وعادات لا تصادم أصلا شرعيا.

2) ما يقوله الزائر للمريض روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله r كان إذا دخل على مريض يعوده يقول له: لا بأس طهور إن شاء الله .

وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله r: (إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب نفس المريض) .

وعن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص أن أباها قال تشكيت بمكة شكوى شديدة فجاءني النبي r يعودني قال ثم وضع يده على جبهته ثم مسح يده على وجهي وبطني ثم قال اللهم اشف سعدا وأتمم له هجرته فما زلت أجد برده على كبدي، فيما يخال إلي حتى الساعة.

فالهدي النبوي واضح في هذا الأمر أن الزائر يلاطف المريض بجملة من أنواع الملاطفة تشمل فيما تحمل تشجيعه على تحمل المرض بتوهين أمره وعدم خطره وبتذكيره بالأجر والثواب للمبتلي . والتقرب منه حسب مكانة الزائر دينيا واجتماعيا فما يصح لكل فرد أن يمسح بيده على وجه المريض وجسده. وإن احتج محتج بفعله r فإن بركة يد رسول الله r قد ظهرت آثارها في النماء والشفاء وأنى لغيره أن يكون مثله وإنما يفعل هذا من ترجى بركته لصلاحه وتقواه أو لكونه أصلا من أصوله.

والدعاء هو جماع الأدب وأبرز مظهر للمواساة وأقوى باعث للأمل. فقد روى البخاري عن عائشة أن رسول الله r كان إذا أتى مريضا أو أتي به إليه قال عليه الصلاة والسلام- اذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك. شفاء لا يغادر سقما .

ب- ا لعدوى

روي فى العدوى أحاديث كثيرة . بعضها يفيد بظاهرة نفى تأثير العدوى وبعضها يفيد خلاف ذلك فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال. قال رسول الله r : لا عدوى ولا صفر ولا هامة فقال أعرابي يا رسول الله فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها فقال فمن أعدى الأول؟ رواه الزهري عن أبي سلمة وسنان بن أبي سنان .

وعن أخنس أن النبي r قال : لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح .

وعن ا بن عمر أن رسول الله r قال: ( لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث: المرأة والدار والدابة) كما روي عن ابن عباس أن رسول الله r قال لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة) فذكر سماك أن صفر دابة تكون في بطن الإنسان فقال رجل يا رسول الله تكون في الإبل الجربة في المائة فتجربها قال النبي r فمن أعدى الأول.

وعن عبد الله بن مسعود. قال قام فينا رسول الله r فقال لا يعدي شيء شيئا فقام أعرابي فقال يا رسول الله النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها فقال رسول الله r فما أجرب الأول؟ لا عدوى ولا هامة ولا صفر خلق الله كل نفس فكتب حياتها و مصيبتها ورزقها. فهذه الأحاديث المروية مسندة إلى النبي r بواسطة جملة الصحابة أبي هريرة وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك كلها تدل على نفي العدوى كما روى مسلم ومن ناحية أخرى روى البخاري. أولا عن أبي هريرة أن رسول الله r قال لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد .

وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله r لا يوردن ممرض على مصح. وأنكر أبو هريرة الحديث الأول، وقلنا ألم يحدث أنه لا عدوى؟ فرطن بالحبشية، قال أبو سلمة فما رأيته نسي حديثا غيره. وهذا الحديث الذي رواه البخاري روى مسلم ما هو أوضح منه عن ابن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثه أن رسول الله r قال لا عدوى ويحدث أن رسول الله r قال لا يورد ممرض على مصح قال أبو سلمة كان أبو هريرة يحدثهما كليهما عن رسول فالهدي النبوي واضح في هذا الأمر أن الزائر يلاطف المريض بجملة مدى أنواع الملاطفة تشمل فيما تشمل تشجيعه على تحمل المرض بتوهين أمره وعدم خطره وبتذكيره بالأجر الثواب للمبتلي . والتقرب منه حسب مكانة الزائر دينيا واجتماعيا فما يصح لكل فرد أن يمسح بيده على وجه المريض وجسده. وإن احتج محتج بفعله r فإن بركة يد رسول الله r قد ظهرت آثارها في النماء والشفاء وأنى لغيره أن يكون مثله وإنما يفعل هذا من ترجى بركته لصلاحه وتقواه أو لكونه أصلا من أصوله.

والدعاء هو جماع الأدب وأبرز مظهر للمواساة وأقوى باعث للأمل. فقد روى البخاري عن عائشة أن رسول الله r كان إذا أتى مريضا أو أتي به إليه قال عليه الصلاة والسلام- اذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك . شفاء لا يغادر سقما.

ب- العدوى
روي في العدوى أحاديث كثرة . بعضها يفيد بظاهره نفي تأثير العدوى وبعضها يفيد خلاف ذلك فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال. قال رسول الله r لا عدوى ولا صفر ولا هامة فقال أعرابي يا رسول الله فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها فقال فمن أعدى الأول؟ رواه الزهري عن أبي سلمة وسنان بن أبي سنان .

وعن أخنس أن النبي جمح قال. لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح .
وعن ابن عمر أن رسول الله r قال: لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث: المرأة والدار والدابة) كما روي عن ابن عباس أن رسول الله r قال (لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولاهامة) فذكر سماك أن صفر دابة تكون في بطن الإنسان فقال رجل يا رسول الله تكون في الإبل الجربة المائة فتجربها قال النبي r فمن أعدى الأول .

وعن عبد الله بن مسعود. قال قام فينا رسول الله r فقال لا يعدي شيء شيئا فقام أعرابي فقال يا رسول الله النقبة من الجرب تكون بمشافر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها فقال رسول الله r فما أجرب الأول؟ لا عدوى ولا هامة ولا صفر خلق الله كل نفس فكتب حياتها و مصيبتها ورزقها. فهذه الأحاديث المرونة مسندة إلى النبي جمع بواسطة جملة الصحابة أبي هريرة وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك كلها تدل على نفي العدوى كما روى مسلم ومن ناحية أخرى روى البخاري. أولا عن أبي هريرة أن رسول الله r قال لا عدوى ولا طيرة ولا طامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد .

وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله r لا يوردن ممرض على مصح. وأنكر ألو هريرة الحديث الأول، وقلنا ألم يحدث أنه لا عدوى؟ فرط بالحبشية،، قال أبو سلمة فما رأيته نسي حديثا غيره. وهذا الحديث الذي رواه البخاري روى مسلم ما هو أوضح منه عن ابن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثه أن رسول الله r قال لا عدوى ويحدث أن رسول الله r قال لا يورد ممرض على مصح قال أبو سلمة كان أبو هريرة يحدثهما كليهما عن رسول الله r ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله لا عدوى وأقام على أن لا يورد ممرض على مصح قال فقال الحارث بن أبي ذياب وهو ابن عم أبي هريرة قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثا آخر قد سكت عنه كنت تقول قال رسول الله r لا عدوى فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك وقال لا يورد مرض على مصح فماراه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة فرطن بالحبشية ققال للحارث أتدري ماذا قلت؟ قال لا. قال أبو هريرة قلت. أبيت. قال أبو سلمة ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله r قال لا عدوى فلا أدري أنسي أبو هريرة أم أحد المقولين الآخر .

كما روى النسائي وأحمد عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال قدم وفد من ثقيف ليبايع وكان فيهم رجل مجذوم قال فأتيت النبي r ذلك له فقال ائته فأخبره أني قد بايعته فليرجع.

كما روى مالك بسنده إلى إبن أبي مليكة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بامرأة مجذومة وهي تطوف بالبيت فقال يا أمة الله لا تؤذي الناس لو جلست في بيتك. فجلست فمر بها رجل بعد ذلك فقال لها إن الذي قد نهاك قد مات فاخرجي فقالت: ما كنت لأطيعه حيا وأعصيه ميتا.

إن ظاهر هذه الأحاديث أن بينها تعارضا إذ القسم الأول ينفي العدوى والأحاديث الثانية تثبت العدوى: ولنتتبع موقف العلماء من هذا الظاهر.

قبل كل شيء لابد من معرفة ما تسلط عليه النفي في قوله r لا عدوى. فإن حملنا النفي على نفي ذات العدوى كانت الأحاديث متناقضة ولا يمكن أن يكون الثاني ناسخا فعمدوا إلى التأويل: إن العدوى معدومة وإن النهي عن إيراد الممرض عن المصح والفرار من المجذوم خوف أن يمرض الصحيح فيسوء اعتقاده بتأثير العدوى وهذا مذهب جمهور المحدثين.

وذهب المحققون إلى أن النفس ليس للذات وإنما هو نفي مسلط على مقدر. (من باب دلالة الاقتضاء) تأثير أي نفي ما يعتقدونه من أن بعض العلل مؤثرة بنفسها في نقل المرض. فبدت لهم أن المرض إنما هو بقدر الله وقدرته وهذا ما يشير إليه قوله r فمن أعدى الأول؟

ونكمل هذا المفهوم من ناحية أخرى هو أن الله تعالى أجرى أمور الكون على أسباب ربط بحكمته بينها وبين مسبباتها على أن معنى القربان أن المجذوم ونحوه هو سبب ظاهر في ناقل المرض وليس سببا موجبا إذ الفاعل الحقيقي هو الله تعالى. ومن حكمة المؤمن أن يتقي الشبهات والريبة سواء في الأمور المادية أو في الأفعال.

قال الطيبي : العدوى تجاوز العلة، والأطباء يجعلون ذلك في سبع علل : الجذام والجرب والحصبة والبخر والرمد والأمراض الوبائية.

قالت الأبي: ورجح القول الأخير لأنه يجمع بين الأحاديث وأيضا فإن القول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية ولم يرد الشرع بإبطالها بل ورد باعتبارها على وجه لا يناقض التوحيد ولا مناقضة على الوجه المذكور.. وأيضا فإن حديث ابن عباس يؤكد هذا الفهم فالزيادة التي في آخره: (خلق الله كل نفس فكتب حياتها ومصيبتها ورزقها. تدل هذه الزيادة على أن سور النفي المسلط على العدوى وما عطف عليه ليس ننمي الذات وإنما هو نفي التأثير الذاتي لإثبات أن الأسباب تتحرك لتولد ما تولده حسب القدر السابق.

مما روى الترمذي بسنده إلى جابر بن عبد الله أن رسول الله r أخذ بيد مجذوم فأدخله معه القصعة. ثم قال قل بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه، وعلق عليه ابن العربي: إن النفوس تعاف مخالطة أهل الأدواء. وإن كان لا يعدي داء على صحة. وإن كان الله قد أجرى العادة بتضرر الصحيح بالسقيم ولكنه يضر الخلق عادة لا وجوبا. وأمرهم بعد ذلك بالتحرز.

إن علاقة المريض- بالأصحاء من خلال النصوص التي عرضناها تبدو متجهة إلى القضاء على عقدة الخوف من الإنسان. خوفه من الموت إذا كان مريضا وخوفه من إصابته بالمرض إذا كان صحيحا. وهذه ناحية هامة في توازن شخصية المسلم في حالتي السقم والصحة إذ يساعده العطف والكلام الطيب المتمثل في التخفيف عليه من حدة المرض (التنفيس في الأجل) والاعتقاد بأن الضر والنفع بيد الله وليس للعدوى أثر لابد منه، يساعده على التحصن بالشجاعة في مقاومة المرض. وعدم الهلع عند انتظار الأوبئة والأمراض المعدية وكم كشف الأطباء عن مرضى يحسون بآلام مختلفة وقد تكون مبرحة وما هي إلا من خداع النفس عندما تنهار ويحيط بها الخوف.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:20 PM
ثانيا الممرضون:
نني بالممرضين طائفة خاصة رزقوا قدرة على التأثير في غيرهم. إما تخريبا لصحتهم وإما إصلاحا لما اختل من استقامة البدن والروح.

ا) الطائفة المخربة تشمل العائنين والسحرة

أثبتت السنة أن العين تؤثر في الإنسان فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله r قال العين حق .

وروى مالك في موطئه عن محمد بن أبي أسامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول اغتسل أبي بالخرار (موضع قرب رابغ) فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر قال: وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة : ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء قال: فوعك سهل مكانه واشتد وعكه. فأتي رسول الله r فأخبر أن سهلا وعك. وأنه غير رائح معك يا رسول الله فأتاه رسول الله له فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر بن ربيعة فقال رسول الله r علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت إن العين حق توضأ له. فتوضأ له عامر فراح سهل مع رسول الله r . ليس به بأس.

إن هذه الأحاديث تثبت تأثير العنت بقدر الله قطعا. وأن التبريك يدفع الضرر. يقول أبو عمر بن عبد البر. والتبريك أن يقول. تبارك الله أحسن الخالقين اللهم بارك فيه .

يقول المازري . أنكر العين طوائف من المبتدعة ويرد عليهم أن ما ليس بحال في نسه. ولا يصدق إلى مخالفة دليا هو جائز وإذا أخبر الشارع بوقوعه وجب اعتقاده ولا فرق بين التكذيب به والتكذيب بشيء من أحوال الآخرة وزعم بعض الطبائعيين المثبتين للعين أن العائن تنبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعيون فيهلك أو يفسد قالوا ولا يستند هذا كما لا يستنكر انبعاث ذلك من الأفعى والعقرب ثم أنكر عليهم التعبير بكلمة قوة ثم قال وأقرب طريق اقتحمها من ينتمي للإسلام أن قالوا غير بعيد أن تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية تتصل بالمعيون وتتخلل مسام جسمه فيخلق الله سبحانه الضرر عندها. وعقب على ذلك بأن هذا ممكن لا دليل عليه .

وقد نقل العلماء ما يؤكدها وقع لسهل بن حنيف فقد ذكر ابن عبد البر أن سعد بن أبي وقاص خرج يوما وهو الكوفة فنظرت إليه امرأة فقالت إن أميركم هذا لأهضم الكشحين فعانته فرجع إلى منزله فوعك ثم إنه بلغه ما قالت فأرسل إليها فغسلت أطرافها ثم اغتسل به فذهب ذلك عنه وقال عن المدائني عن الأصمعي قال حج هشام بن عبد الملك فأتى المدينة فدخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر فلما خرج من عنده قال هشام لا رأيت ابن سبعين أحسن كدنة منه (غلظ الجسم وكثرة اللحم) فلما صار سالم في منزله حم فقال أترون الأحول لقعني بعينيه، فما خرج هشام من المدينة حتى صلى عليه.

وروى الأبي عن شيخه ابن عرفة، أنه كان ببجاية رجل مشهور بإصابة العين فلما رجع الأمير أبو الحسن سلطان المغرب قافلا عن أفريقية إلى المغرب في الأسطول المعروف. وكان ببجاية حينئذ أمير من قبل الموحدين فأمره هذا الأمير أن ينظر إلى ذلك الأسطول ويعينه فكان من أمر الأسطول وإتلاف أكثره ما كان .

وحاول ابن قيم الجوزية إثبات تأثير العين في المعين بأن التأثير الروحي يقيني لمن تأمل، فروح الحاسد مؤذية للمحسود. إذ تتكيف بكيفيات خاصة وتقابل السود فتؤثر بتلك الخاصية.

وإذا كان الناظرون مختلفين في القدرة على التأثير مع عدم الاتصال المباشر إثباتا ونفيا يحتج النافي بالاستحالة العادية ويحتج المثبت بالإمكان العقاب وبالخبر الصادق فإن التقنية المعاصرة قد تجاوزت ذلك إذ أخرجته من حد الفرض إلى الواقع المادي في الكون. فالاليكترون وما بلغه من مستوى في التأثير يؤيد تأييدا يرفع كل شك في التأثير مع الانفصال. فالأقمار الصناعية والكواكب الفضائية يتحكم في سيرها المراقبون في الأرض والواحد منا يتحكم في جهاز التلفاز تغييرا وإشغالا وتعطيلا بواسطة جهاز الكتروني لا يتصل الاتصال المادي. أنه كلما تقدم العلم زاد تحكم الإنسان في الكائنات الكونية دون ، احتياج إلا مباشرة فعلية.

وكما خلق الله في النفس الإعجاب بكل فائق في كماله ورتب على ذلك أن بعض المعجبين قد يؤذون ما تسلطت عليه عيونهم لخواص في تركيبهم النفسي، فإنه سبحانه حسب سننه الكونية بين للناس طرق الوقاية والعلاج.

أما الوقاية فقد علم رسول الله اسم كل من أعجب بشيء أن يذكر اسم الله ويبرك عليه ولو كان متعلق الإعجاب ذاته أو أحد أحبائه فإن ضرر العين غير مرتبط بالكراهة والبغض كما تكون الوقاية بالرقية. يدل لذلك مارواه مالك في موطئه عن حميد بن قيس المكي أنه قال دخل على رسول الله كله بابني جعفر بن أبي طالب فقل لحاضنتهما مالي أراهما ضارعين؟ فقالت يا رسول الله إنه تسرع العين إليهما، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أننا لا ندري ما يوافقك من ذلك فقال
رسول الله r استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين.

وأخرج أبو عمر بن عبد البر بسنده إلى ابن عباس قال كان رسول الله r يعوذ حسنا وحسيا. (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة) ثم يقول هكذا كان أبي إبراهيم يعوذ إسماعيل وإسحاق .

وأما العلاج فيكون بالوضوء وفي وصف الوضوء من أجل العين صور كثيرة أقربها إلى الصحة هي الطريقة التي رواها الرواة عن الزهري راوي حديث الوضوء من العنت. قال: يغتسل العائن في قدح من ماء يدخل يده فيه فيمضمض ويمجه في القدح ويغسل وجهه فيه ثم يصب بيده اليسرى على كفه اليمنى ثم يصب باليمنى على كفه اليسرى ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على مرفق يده اليمنى ثم بيده اليمنى على مرفق يده اليسرى ثم يغسل قدمه اليمنى تم يدخل اليمنى فيغسل قدمه اليسرى ثم يدخل يده اليمنى فيغسل الركبتين ثم يأخذ داخلة إزاره فيصب على رأسه صبة
واحدة وإلا يضع القدح حتى يفرغ .

2) الطائفة المصلحة وهي تشمل من يقوم على تمريض المصاب. فيعنى به في مأكله ودوائه وكل ما يحتاج إليه ومن يقوم على الرقيا. يجد المتتبع للسنة صورا من هدي النبوة في معاملته للمريض.

إن أول ما يلفت النظر هو التأكيد على احترام المريض وعدم الضغط عليه لأن المريض وإن كان مختل المزاج البدني إلا أن قدرته على الاختيار باقية سليمة وهو أحرص الناس على صلاح نفسه لأن حب الحياة غريزة مركوزة في باطن كل إنسان يشعر بها ويتفاعل معها بمقدار يفوق ما يشعر به غيره نحوه.

يدل لهذا ما أخرجه البخاري في مسنده إلى عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لددنا رسول الله r في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فقال r لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم .

واللدود هو دواء يصب في جانب الفم.

هذا الحديث يصور لنا تأديبا عمليا أذن فيه رسول لله r ليقتلع عادات وتصورات ألفوها. فعندما يلد كل فرد كما لد هو في ، الوقت الذي لا حاجة به إلى ذلك يشعر بالأمر الذي يؤلم النفس في الوقت الذي يكون المريض أحوج ما يكون إلى من يساعده على الثقة في نفسه. ولا يقتصر الهدي النبوي على الدواء بل كذلك الطعام لا يجبر عليه.

روى الترمذي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال قالت رسول الله r ليقتلع عادات وتصورات ألفوها فعندما يلد كل فرد كما له هو في الوقت الذي لا حاجة به إلى ذلك يشعر بالأمر الذي يؤلم في الوقت الذي يكون المريض أحوج ما يكون إلى من يساعده على الثقة في نفسه . ولا يقتصر الهدى النبوي على الدواء بل كذلك الطعام لا يجبر عليه .

روى الترمذي أن الله يخلق لهم القوة الكافية عن تناول الطعام والشراب فعبر عن القوة بسببها فهو أحد قسمي المجاز.

يعلق عليه ابن القيم قائلا: وفي قوله r فإن الله يطعمهم ويسقيهم معنى لطيف زائد على ما ذكره الأطباء لا يعرفه إلا من له عناية بأحكام القلوب والأرواح وتأثيرها في طبيعة البدن وانفعال الطبيعة عندها كما تنفعل هي عن الطبيعة ونحن نشير إليه إشارة فنقول إذا حصل لها ما يشغلها من محبوب أو مكروه أو مخوف اشتغلت به عن طلب الغذاء والشراب فلا تحس بجوع ولا عطش ولا حر ولا برد بل تشتغل به عن الإحساس بالمؤلم الشديد الألم فلا تحس به. وما من أحد إلا وقد وجد في نفسه ذلك أو شيئا منه والنفس إذا اشتغلت بما داهمها وورد عليها لم تحس بألم الجوع فإن كان الوارد مفرحا قوي التفريح قام لها مقام الغذاء وإن كان الوارد محزنا أو مخوفا اشتغلت بمحاربته فهي في حال حربها في شغل عن طلب الطعام والشراب إن ظفرت في هذه الحرب انتعشت وأخلفت عليها نظير ما فاتها من قوة الطعام والشراب وإن كانت مغلوبة مقهورة انحطت قواها بحسب ما حصل لها من ذلك.

فالمريض له مدد من الله تعالى يغذيه به زائدا على ما ذكره الأطباء وذلك بحسب ضعفه وانكساره وانطراحه بين يدي ربه. عز وجل فيحصل له من ذلك ما يوجب قربا من ربه فإن العبد أقرب ما يكون من ربه إذا انكسر قلبه ، ورحمة ربه قريبا منه. فإن كان وليا له حصلت له من الأغذية القلبية ما تقوى به قوى طبيعته وتنتعش به قواه أعظم من قوتها وانتعاشها بالأغذية البدنية وكلما قوي إيمانه وحبه لربه وأنسه به وفرحه به وقوي بيقينه بربه واشتد شوقه إليه ورضاه به وعنه، وجد في نفسه من هذه القوة مالا يعبر عنه ولا يدركه وصف طبيب ولا يناله علمه .

فابن القيم عمل على تقريب الحكمة التي من أجلها أرشد r إلى ترك إكراه المريض على تناول الطعام وليس معنى ذلك، أنها يقينا الحكمة التي قصدها رسول الله r كما أنها ليست الحكمة الوحيدة وعلى كل فإن في كسر نفس المريض والتقوي عليه وإلزامه مالا يرغب ولا يستطيع دفعه لوهن قواه البدنية في ذلك ضرر محقق بقدرته الباطنية وتحطيم لقواه المعنوية التي لا تعود على المريض إلا بالضر.

إن عدم الإكراه يصحبه ما قدمنا من توهين أمر المرض ، والدعاء للمريض، وتقوية طاقة تحمله بالتنفيس في أجله. وبهذا يكون الجو العام الذي يحيط بالمريض هو جو رفيق مؤنس يرتاح له المصاب يقضي على الخوف ويحقق الطمأنينة. ذلك أن الخوف يؤثر على نبضات القلب ويصحبه من الإفرازات ما يجعل الاضطراب في سير بعض الأجهزة الإنسانية يتبعه حتما اختلال في توزيع الدم على الأعضاء .

ومن ناحية أخرى فإنه مما استقر في نفس المؤمن من حسن التوكل على الله والالتجاء إليه ينفتح باب الرجاء ويقضي عن، اليأس والظلام الباطني المحبط للنشاط والمعوق للإرادة عن الفعل الباطني، يبدو ذلك في صرف الإنسان عن التفكير في أساه والسمو إلى الله مع إشراقة الرجاء. قال تعالى (أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) (سورة النمل آية 62). ( وإذا مرضت فهو يشفين (الشعراء آية 80).

إنه بواسطة التحويل من الاستغراق في الإحساس بالألم إلى التوجه إلى الله لعبادته ولدعائه ثم تقبل النهاية الحتمية بأن قضاء الله يجب الرضا به يكون التعليم النبوي قد انتشل المريض من العذاب النفسي. إن آخر كلمة نطق بها رسول الله r تعلم المؤمن كيف تكون صلته بقضاء الله إنها صلة الرضا الكامل إنها الابتسامة التي تنفرج بها شفتا المؤمن عندما يودع هذه الحياة إلى الحياة الآخرة. فقد روى مسلم عن عائشة قالت لما مرض رسول الله كثر وثقل أخذت بيده لأصنع به نحوها ما كان يصنع فانتزع يده من يدي ثم قال. اللهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى قالت فذهبت أنظر فإذا هو قد قضى .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:20 PM
الرقية: هي مجموعة من التوجهات قد تصحبها إشارات وحركات يقوم بها المريض أو غيره قصد تحصيل الشفاء أو التخفيف .

والرقية قديمة عرفها العرب قبل البعثة المحمدية ولعلها من بقايا الديانة الإبراهيمية فيما بقي منها متوارثا عندهم صحفت حسب انحراف العقيدة وما لا بسها من وثنية، ونجد في السنة النبوية الصحيحة أحاديث تأذن بالرقية وأحاديث يفهم منها النبي عن الرقية.

فمن الأحاديث الدالة بظاهرها على عدم الإذن ، الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي r (عرضت علي الأمم فأجد النبي يمر معه الأمة والنبي يمر معه النفر والنبي يمر معه العشر والنبي يمر معه الخمسة والنبي يمر وحده فنظرت فإذا سواد كثير قلت يا جبريل هؤلاء أمتي؟ قال لا ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد كثير قال هؤلاء أمتك وهؤلاء سبعون ألفا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب قلت: ولم؟، قال: كانوا لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم قال (اللهم اجعله منهم) ثم قام إليه رجل) آخر قال ادع الله أن يجعلني منهم قال (سبقك بها عكاشة) .

الحديث يدل بظاهره على أن الذين لا يسترقون لهم ميزة يوم القيامة تتمثل في السبق إلى الجنة بدون حساب فمعنى هذا أن الذين يسترقون أحط رتبة منهم والنزول عن مراتب الكرامة لا يكون أثرا للحلال والمندوب والواجب وإنما هو للمكروه والحرام وهذا الظاهر يعارضه أحاديث أخرى جاءت في تفصيل الرقية وأنه r فعلها وأقر عليها وأذن بها. فقد اجتمعت في الرقية ضروب الهداية بالسنة من جميع وجوهها القول والفعل والإقرار ويستحيل أن يكون الأمر الواحد مأمورا به منهيا عنه فلابد من تعميق النظر للجمع بين النصوص.

نقل عياض عن الداودي أن النهي عن الرقية هو منصب على من يفعل ذلك في الصحة معناه اتخاذ الرقية وسيلة وقاية.، وهذا تأويل لا يدل عليه الحديث وزيادة غير مستندة لأصل وثانيا فقد وردت أحاديث صحيحة تدل على أن الرقية قد أذن فيها في الصحة كما سيأتي.

تم ذكر أن الحديث لا يحوج إلا التأويل لأن النبي r لم يذم من قال بالكي والرقى وإنما أخبر عن كرامة السبعين ألفا من أمته قاله على وجه التفسير لهـم. هم كذا وليس السبب من كرامتهم تجنبهم اعتقاد نفع الأدوية.

وتعقب الأبي هذا التوجيه أن الحديث عند من أخذ منه الكراهة خرج مخرج المدحة على الترك وهو خاصية المكروه لا مخرج التفسير والرد عليه بأنه لم يذم لا يتم لأن الذم على الفعل خاصية المحرم ، والذي يظهر لي أن المزية لا توجب الأفضلية فليس معنى الحديث أنهم أفضل من غيرهم بل قد يكون أن هؤلاء الذين جمعوا بين الصفات الواردة في الحديث (1) لا يكتوون (2) لا يتطيرون (3) لا يسترقون (4) يتوكلون على الله حق التوكل قد وعدهم الله مما وعدهم الله مع أنه يمكن أن يكون غيرهم أفضل منهم وهو لا يدل على الكراهية كما روى أبو داود عن رسول الله r لا رقية إلا من عين أو حمة وقد أجاب عن هذا الحديث ابن القيم في زاد المعاد وفي الطب النبوي بأن محمله على الأولوية أي لا رقية أنفع من رقية العين والحمة.

وأما الأحاديث الدالة على الرقية فكثيرة جدا مروية صت عائشة وعن أسماء بنت عميس وعن جابر وعوف بن مالك الأشجعي وعثمان بن أبي العاص الثقفي وعن أم سلمة وعن أنس بن مالك وعن الشفاء بنت عبد الله وصف سهل بن حنيف، وعن أبي هريرة وعن ابن عباس وعن ميمونة بنت أبي عسيب وعن كعب بن مالك وعن أبي سعيد الخدري وعن عبادة بن الصامت وعن أبي الدرداء وعن رافع بن خديج وعن ابن عمر وعن جبلة بن الأزرق وعن عمار بن ياسر وعن علي بن أبي طالب وعن الحارث بن عمرو البرجمي وعن بديل بن عمرو الخطمي وعن محمد بن حاطب.

هؤلاء الصحابة وغيرهم رووا أحاديث عن رسول الله r كلها تثبت صيغا من الرقى أو تنقل إذنا منه في الرقية كما وقع ولآل حزم وخال جابر وعوف بن مالك الأشجعي كما رواه مسلم في صحيحه .

وكما ثبت عن رسول الله r الرقية بعد الإصابة روي عنه الرقية المحصنة من الإصابة فقد روت عائشة عن النبي r أنه كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقُل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعا ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده قالت عائشة فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل به ذلك.

وناحية أخرى أرشد إليها رسول الله r هي الاستقرار النفسي بالرقية مع عدم المرض ولكن من أجل التشويش الذي يحصل في العقل فقد روى مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي r فقال يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي فقال رسول الله r ذلك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا ففعلت ذلك فأذهبه الله عني .

كما روى البيهقي عن أبي العالية أن خالد بن الوليد قال يا رسول الله إن كائدا من الجن يكيدني قال. (قل أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر ما يعرج في السماء وما ينزل منها ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان (قال ففعلت ذلك فأذهب الله عني .

إن كل الرقى التي رويت عن رسول الله جميع ، تؤكد صلة المسلم بربه وتزيده وثوقا بأنه غير مهمل وأن حفظ الله يرعاه وأن عونه يسعده وأن قدرته لا يعجزها أمره وأن رحمته تسع كل داء فتشفيه إذا ما تعلقت الإرادة وسبق القضاء وهي بهذا تفارق كل ما عرف من الرقى الجاهلية التي كانت تعتمد الكهانة والكلام غير الواضح والطلاسم أو التقرب للأرواح الشريرة واستعطافها لتزيح غضبها كما أنه من ناحية أخرى أزال الاختصاص الذي كان يدعيه بعض البشر من اقتدارهم على طرد الأرواح الشريرة إذا وصل بين المؤمن وبين ربه يدعوه بكلام واضح ويلجأ إليه بقلب واتق في الرحمة الربانية.

وأعظم من كل ذلك ما أكد عليه الإسلام فجعله الركن الثاني من أركان هذا الدين أعني الصلاة.

إن الصلاة كما يتقدمها من طهارة وإقامة تساعدان على التركيز والتحول والسمو وما تألفت ومنه من نية وأقوال واضحة وأفعال أن تصحبها أقوال لتعتبر أفضل ما يعيد للإنسان طمأنينته ويرخي توتره الباطني ويعطيه مناسبة للاعتدال النفسي بل حتى المادي.

كتب الصحفي كينيث بريغر، بصحيفة النيورك تايمز فصلا عن الصلاة كان ما جاء فيه أن الدكتور هوبرت بنسون أخصائي القلب وضغط الدم بهيئة التدريس بكلية الطب بجامعة هارفارد قال : إن ممارسة الصلاة يمكن أن تخفض ضربات القلب وضغط الدم والأيض ومن ثم تخفض من مستويات التوتر وأوصى لمرضاه بتكرار كلمة أحد في حالة من سلبية كاملة للعقل مدة 20 دقيقة كل صباح وكل مساء ثم يقول كيف يحدث هذا؟ نحن لا نعرف لكن هناك صفاء العقل وتخفيض ملموس في التوتر وتوسيع القدرة على الإبداع لدى كثير من الناس.

وإن تربية المؤمن التي كون عليها رسول الله r المؤمنين لتمثل في الاتصال الدائم بالله ذكرا له ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) (الرعد 28). واستسلاما رضيا إلى عزته ورعايته ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) (الأنعام آية 162- 163). وإن هذا الإسلام إلى الله هو سنة المرسلين. كما جاء على لسان إبراهيم ( الذي خلقني فهو يهدينِ والذي هو يطعمني ويسقينِ وإذا مرضت فهو يشفين ) (الشعراء: 78، 79، 0 8).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عليه توكلت وإليه أنيب.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:21 PM
مدى الاحتجاج بالأحاديث النبوية
في الشؤون الطبية والعلاجية

للدكتور محمد سليمان الأشقر
الكويت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:22 PM
الفصل الأول
في الأحاديث الواردة في الشؤون الدنيوية بصفة عامة

الأصل في أقوال النبي محمد r وأفعاله وتقريراته أنها حجة شرعية على عباد الله ، إن ثبتت بطريق صحيح . وقد تكفل ببيان ذلك والاستدلال له علم أصول الفقه.

وهذا واضح كل الوضوح فيما كان من ذلك مبينا لأمور الدين، كالإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، وكالأحاديث المبينة لأحكام الله تعالى من الحلال والحرام والفرائض وأنواع التعبدات والمعاملات وغيرها من أمور الشريعة.

أما ا الأمور الدنيوية، فهل يلزم أن تكون اعتماداته وأقواله: r فيها مطابقة للواقع بمقتضى نبوته ، أو أن هذا أمر لا صلة له بمنصب النبوة؟

اختلف العلماء في ذلك على مذهبين :

المذهب الأول: أنه r معصوم من خطأ الاعتقاد في أمور الدنيا، بل كل ما يعتقده في ذلك فهو مطابق للواقع، وكذلك ما يقوله ويخبر به.

ولم نجد أحدا من قدماء الأصوليين صرح بمثل هذا المذهب.
ولكنه لازم لمن جعل جميع أقواله وأفعاله r حجة حتى في الطيبات والزراعة ونحوها. وهو لازم أيضا لمن صحح منهم أن تقريره r لمخبر عن أمر دنيوي يدل على صحة ذلك الخبر، كما فعل السبكي وأيده المحلي والبناني.

وابن القيم في كتابه (الطب النبوي) يذهب إلى حجية أقواله وأفعاله r في الطب. وقال : طب النبي r متيقن قطعي إلهي ، صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل.

ويظهر أن هذه طريقة المحدثين. فإنا نجد عند البخاري مثلا هذه الأبواب (باب السعوط) (باب أي ساعة يحتجم) (باب الحجامة في السفر) (باب الحجامة على الرأس) (باب الحجامة من الشقيقة والصداع) وعند غيره من المحدثين ، كأصحاب السنن، تبويبات مشابهة. ويوافقهم الشراح غالبا على ذلك ، فيذكرون استحباب أدوية معينة لأمراض معينة، بناء على ما ورد في ذلك أن الأحاديث النبوية.

المذهب الثاني: أنه لا يجب أن يكون اعتقاده r في أمور الدنيا مطابقا للواقع، بل قد يقع الخطأ في ذلك الاعتقاد قليلا أو كثيرا ، بل قد يصيب غيره حيث يخطيء هو r.

قالوا: وليس في ذلك حط من منصبه العظيم الذي أكرمه الله به ، لأن منصب النبوة مُنصب على العلم بالأمور الدينية ، من الاعتقاد في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومن الأمور الشرعية. أما إن اعتقد أن فلانا مظلوم فإذا هو ظالم، أو أن دواء معينا يشفي من مرض معين، أو أن دواء معينا يشفي من مرض معين ، فإذا هو لا يشفى منه ، أو أن تدبيرا زراعيا أو تجاريا أو صناعيا يؤدي إلى هدف معين، فإذا هو لا يؤدي إليه، أو يؤدي إلى عكسه، أو أن تدبيرا عسكريا أو إداريا سينتج مصلحة معينة ، أو يدفع ضررا معينا ، فإذا هو لا يفعل ، فإن ذلك الاعتقاد لا دخل له بالنبوة ، بل هو يعتقده من حيث هو إنسان، له تجاربه الشخصية، وتأثراته بما سبق من الحوادث، وما سمع أو رأى من غيره، مما أدى إلى نتائج معينة. فكل ذلك يؤدي إلى أن يعتقد كما يعتقد غيره من البشر، ثم قد ينكشف الغطاء فإذا الأمر على خلاف ما ظن أو اعتقد.

وقد صرح بأهل هذا المذهب، دون تفاصيله، القاضي عياض ، والقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي والشيخ محمد أبو زهرة . وظاهر الحديث أنه r كغيره من الناس في ذلك، بل فيه التصريح بأن أصحاب الخبرة في صنائعهم وتجاراتهم وزراعاتهم قد يكونون أعلم منه بدقائقها، إلا أن القاضي عياضاً أوجب أن يكون الخطأ في ذلك نادراً لا كثيرا يؤذن بالبلة والغفلة.

ويحتج لهذا المذهب بأدلة، منها:
أولا: حديث تأبير النخل. ففي صحيح مسلم عن رافع بن خديج ، أنه قال " قدم النبي r المدينة، فإذا هم يأبرون النخل- يقول: يلقحون النخل- فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنفضت، فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر ".

وفي رواية طلحة، قال r " ما أظن ذلك يغني شيئا " فأخبروا بذلك، فتركوه. فأخبر رسول الله r بذلك. فقال: " إن كان ينفعهم ذلك فيصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولست إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله ".

وفي رواية عائشة وأنس: " أن النبي r مر بقوم يلقحون، فقال: لو لم يفعلوا لصلح. قال: فخرج شيصاً ، فمر بهم فقالوا : ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا. قال: " أنتم أعلم بدنياكم " .

وشبيه به حديث ابن عباس في قصة الخرص ، وفيه: فقال رسول الله r " إنما أنا بشر، فما حدثتكم عن الله فهو حق ، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطيء وأصيب ".

وقد زذ الاستدلال بهذا الحديث بأن المراد: أنتم أعلم بدنياكم من أمر دينكم . ويكون توبيخا لهم .

وسياق الحديث على اختلاف رواياته يأبى هذا التأول ويبطله.

ثائيا: حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي لما قال: " إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلى. ولعل بعضكم أدن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار ".

وفي رواية الزهري للحديث المذكور " إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم. فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق ، فأقضي له بذلك ".

رأينا في ذلك:
نختار المذهب القائل بأن أقوال النبي r وأفعاله الدنيوية ليست تشريعا، وذلك لأجل الأدلة الآتية:
ا- قوله تعالى: ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى ) وقوله (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) وقد تكرر التأكيد في الكتاب على بشرية الرسول r وأنه لا يعلم الغيب وأنه ليحس ملكا، ومن المعلوم أنه لما نبأه الله عز وجل، لم يمنعه من تصرفاته البشرية كما يتصرف غيره من الناس على غالب الظنون والتقادير التي تخطيء وتصيب، ولا تعهد له بأن يمنعه من الخطأ في ذلك. وهذا بخلاف أمور الشريعة، فإن كلامه فيها لا يستقر فيه خطأ، كما هو ثابت في علم أصول الفقه. فالأصل استمرار حاله في أمور الدنيا كما كان قبل النبوة ، لما لم يدل على انتقاله عن ذلك دليل.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:22 PM
وقد أكدت السنة النبوية ما بينه القرآن من ذلك. كما يأتي.
2- قوله r " إنما أنا بشر، فإذا أمرتكم بأمر دينكم فاقبلوه، وإذا أمرتكم بشيء من دنياكم فإنما أنا بشر " وفي رواية: " أنتم أعلم بدنياكم " وقد تقدم هذا الحديث.

وبهذا الحديث، برواياته المختلفة، يؤصل النبي r أصلا عظيما في الشريعة، ويبينه لنا، ويشعرنا بأن بعض أفراد الأمة قد يكونون أحيانا أعلم منه r بما يتقنونه من أمور الدنيا، والمقصود أهل الخبرة في كل فن وصناعة، وأنه لا داعي شرعا لالتفاتهم إلى ما يصدر عنه r من ذلك إلا كما يلتفتون إلى قول غيره من الناس.

3- ما ذكر ابن إسحق في سيرته في سياق غزوة بدر، قال: حدثت عن رجال من بني سلمة، أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر، قال: يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فنزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسوله الله r: لقد أشرت بالرأي.

4- ما ورد في الحديث أن نفرا دخلوا على زيد بن ثابت، فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول الله r. قال: كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته له. فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرها الطعام ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله r!؟ .

5- ما ورد عن هشام بن عروة، أن عروة بن الزبير كان يقول لعائشة " يا أماه، لا أعجب من فهمك ، أقول: زوجة رسول الله r وبنت أبي بكر. ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس، أو من أعلم الناس. ولكن أعجب من علمك بالطب ، كيف هو ومن أين هو؟ " قال: فضربت على منكبه، وقالت: " أي عربة ! إن رسول الله r كان يسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره. فكانت تقدم
عليه وفود العرب من كل وجه، فينعتون له الأنعات ، وكنت أعالجها له ".

وممن صرح بهذه القاعدة بصفتها العامة، من الأصوليين القدامى القاضي عبد الجبار.
وصرح به حديثا الشيخ ولي الله الدهلوي ، والشيخ محمد أبو زهرة ، والشيخ عبد الوهاب خلاف، والشيخ عبد الجليل عيسى ، والشيخ فتحي عثمان.

أما من حيث التفصيل فقد قال ابن خلدون: " الطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل (يعني طب البادية المبني على تجارب قاصرة) وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديا للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبي r من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه r إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع. فقال: " أنتم أعلم بأمور دنياكم ". قال: " فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه، اللهم إلا إذا استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني، فيكون له أثر عظيم النفع، وليست ذلك في الطب المزاجي " .

وقال القاضي عياض في الشفاء: (فصل) فأما أحواله في أمور الدنيا فنحن نسير بها على أسلوبنا المتقدم بالاعتقاد والقول والفعل . فأما العقد بها أيعني اعتقادها، فقد يعتقد في أمور الدنيا الشيء على وجه ويظهر خلافه، أو يكون منه على شك أو ظن، بخلاف أمور الشرع .

ثم ذكر القاضي عياض حديث تأبير النخل، وحديث الخرص ، ثم قال: وهذا على ما قررناه فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها، لا ما قاله من قبل نفسه واجتهاده في شرع شرعه وسنة سنها. ثم ذكر القاضي عياض حديث ابن إسحاق في قصة غزوة بدر، وما أشار به الحباب بن المنذر على النبي r ، وأنه قال: " أشرت بالرأي " وفعل ما قاله. وقد قال الله تعالى له r ( وشاورهم في الأمر) ، وأراد مصالحة بعض عدوه على ثلث ثمار المدينة، فاستشار الأنصار، فلما أخبروه برأيهم رجع عنه. قال القاضي عياض: فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها يجوز عليه فيها ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجلها همه وشغل نفسه بها ، والنبي r مشحون القلب بمعرفة الربوبية ، ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية. ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ويجوز في النادر وفيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة. انتهى كلام القاضي عياض. وقال شاه ولي الله الدهلوي:

" باب بيان أقسام علوم النبي r: اعلم أن ما روي عن النبي r ودون في كتب الحديث على قسمين: أحدهما ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فمنه علوم المعاد، وعجائب الملكوت، ومنه شرائع وضبط للعبادات والارتفاقات الخ.

والقسم الثاني: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله r " إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر " وقوله r في قصة تأبير النخل " إني إنما ظننت ظنا ولا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لم أكذب على الله " قال: فمنه الطب ، ومنه باب قوله r : " عليكم بالأدهم الأقرح " ومستنده التجربة، ومنه ما فعله r على سبيل العادة دون العبادة... وقول زيد بن ثابت حيث دخل عليه نفر، فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول الله r. قال: كنت جاره. فكان إذا نزل عليه الوحي بعوث إلي ، فكتبته له، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله r؟!

وقال الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه " تاريخ المذاهب الإسلامية " في شأن حديث تأبير النخل " الحديث يتعلق بالصناعات وفنون الزراعة، وتثمير الأشجار، فهل يتصور أن النبي يمكن أن يكون حجة وذا خبرة في فنون الزراعة والتجارة، وصناعة الزجاج والجلود، ونسج الأقطان والحرير، وغير ذلك مما يتعلق بالمهن المختلفة!؟ إن كانوا يتصورون ذلك، فقد خلطوا خلطا كبيرا، ولن يميزوا بين رسول جاء بشرع من السماء، وصانع ذي خبرة فنية، وتاجر عالم بالأسواق.

إن الحديث وارد في مثل موضوعه، وهو تأبير النخل وغيره من الصناعات والزراعات ونحوها، فما كان الرسول مبعوثا لمثل هذا، والتشريع فوق هذا، وهو الذي جاء به النبي " ا هـ كلام الشيخ أبي زهرة.

والأمور الدنيوية التي هذا سبيلها، ووردت فيها أحاديث نبوية، هي على ثلاثة أنواع:

النوع الأول:
الأمور الغائبة عنه r مما شأنه أن يعرفه من رآه أو سمع به، ولا يعرفه الإنسان المعتاد بمجرد الفكر، كمعرفة ما في بيت مغلق، أو معرفة ما يجري في مكان بعيد من أرض الله. فهذا من علم الغيب، لا يعلمه إلا الله، لقوله: (قل يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) وقوله (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ) فلا يعلم النبي r مثل ذلك إلا بطرق المعرفة المعتادة، ما لم يخبرنا أن الله أطلعه عليه،) وأوحى إليه به. كما ورد أن ناقة نبيئ الله r ضلت فخرج بعض أصحابه يبحثون عنها. فقال بعض المنافقين: يزعم محمد أنه نبي ولا يدري أين ناقته؟! فلما علم بذلك النبي r
: " إني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وإن الله قد دلني عليها. وهي في هذا الوادي، في شعب كذا وكذا، قد حسبتها شجرة بزمامها " فذهبوا فأتوا بها.

النوع الثاني:
أمور البشر وأسرارهم، وما في قلوبهم ، وما عملوا في حال غيبتهم، فلا يعلم النبي قال ذلك بغير اطلاع خاص من الله تعالى، كما أطلعه على حال بعض المنافقين. ثم قد يعتقد الشيء من ذلك الذي لم يوح إليه به على غير ما هو عليه. قال القاضي عياض: أما ما يعتقده في أمور البشر الجارية على يديه وقضاياهم، ومعرفة المحق من المبطل، وعلم المصلح من المفسد ، فكذلك، لقوله r إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار " وفي رواية الزهري عن عروة. " فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له " وكان يجري أحكامه r على الظاهر وموجب غلبة الظن، بالشاهدين، أو يمين الحالف، أو مراعاة الأشبه، أو معرفة القرائن. ولو شاء الله لأطلعه على سرائر عباده ومخبات ضمائر أمته، ولكته غيب عنه ذلك.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:22 PM
النوع الثالث:
ما يدخل من أمور الدنيا ضمن ما يسمى العلوم البحتة والعلوم التطبيقية، وهي ما يفعله الإنسان بقصد تحصيل نفع في البدن أو المال، له أو لغيره، أو دفع ضرر كذلك، أو يدبر تدبيرا في شأنه خاصة، أو شؤون المسلمين عامة، لغرض التوصل إلى جلب نفع أو دفع ضرر.

ويشمل هذا النوع الأضرب التالية:
الضرب الأول: الأمور الطبية، وهي ما يجريه على بدنه خاصة، أو أبدان غيره من الناس بقصد دفع مرض حاضر أو متوقع.

فقد تناول النبي r، أو أعطى غيره، أو وصف له، أطعمة وأشربة متنوعة على سبيل حفظ الصحة، أو لدرء أمراض معينة، كألبان الإبل وأبوالها .

وكذلك تعاطى أو أعطى أنواعا مختلفة من العلاج، فقد احتجم واستعط، وكانت حجامته في وسط رأسه، وكانت حجامته من شقيقة كانت به. ولما اشتد به وجعه أهريق عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، ولما جرح بأحد ألصق على جرحه رماد حصير ليرقأ الدم . وداوى بريقه مع تراب . ورفض أدوية معينة كاللدود .

الضرب الثاني: شؤون الزراعة، بأن يزرع الإنسان أنواعا معينة من النبات، أو يزرع بطريقة ما، أو يسقي المزروعات كذلك، أو يفعل بالنبات شيئا بقصد تكثير إنتاجه أو تحسينه أو نحو ذلك.

وشبيه بها ما يفعل بالحيوان بقصد تكثير إنتاجه وتحسينه، كإطعامه أعلافا معينة، أو المزاوجة بين سلالات منه مختلفة بقصد الحصول على نسل أجود.

الضرب الثالث : الصناعة ، بأن يصنع الإنسان بمادة شيئا ما بقصد تحويلها إلى شكل ذي أوصاف مخالفة لشكلها الأول ، لتكون أنفع، أو يحلل مادة ما إلى حالات أبسط، أو يركب مادة مع مادة بقصد الحصول منهما على مادة جديدة ، هي أنفع من الأصل.

الضرب الرابع: التجارة، بأن يعمل في البيع والشراء، في أشياء معينة، في ظروف معينة ، بقصد تحصيل مكسب عن فروق الأسعار.

الضرب الخامس : أنواع أخرى من المكاسب كرعي الغنم، أو العمل للغير بأجر.
الضرب السادس: مثل التدابير الفنية التي اتخذها r في الحرب، من استعمال المجانيق والسيوف والرماح والسهام، وتربية الخيل للقتال، وحفر الخنادق، وترتيب الجيوش وتدريبها.

الضرب السابع : مثل التدابير التي اتخذها r في الإدارة المدنية، من اتخاذ الولاة والكتاب والحراس والحجاب والسفراء ، وكذلك الأعلام والشعارات، والمرافق من الطرق والحصون وغيرها.

فهذه الأضرب وأمثالها قد وقع من النبي r الكثير من أفرادها ونقل إلينا أشياء من ذلك.

والنظر في الأحكام التي يمكن أن تدل عليها مثل تلك الأحاديث من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أصل الطب والزراعة والصناعة والتجارة والقصد إلى تحصيل المكاسب، والسعي لتحقيق التدابير المدنية والعسكرية المناسبة، ونحو ذلك : تعتبر أقواله r في ذلك حجة يجب اعتقادها واتباعها، ويستفاد من الأحاديث القولية والفعلية في ذلك إباحته، وأنه لا يخالف العقيدة ولا الشريعة. وقد يرتقي إلى درجة الاستحباب أو الوجوب، بحسب الأحوال الداعية إليه ودلالة نطقه في ذلك.

وفي الحديث إشارة إلى ذلك حيث قال r : " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده " فهذا في الصناعة، وقال: " التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين يوم القيامة " فهذا في التجارة، وورد في الزراعة وغيرها أحاديث أخرى، وتأتي الأحاديث التي تأمر بالتطبيب والعلاج .

الوجه الثاني: إرشادات وتوجيهات شرعية في ممارسة تلك الأعمال، كتجنب البول وقضاء الحاجة تحث الشجر المثمر، ووجوب إحسان الذبح، وتحديد الشفرة، لئلا يتعذب الحيوان المذبوح، وإمكانية استعمال المنجنيق في الحرب، وتجنب قتل النساء والأطفال فيها، ونحو ذلك، فهذا شرع يؤخذ كما يؤخذ غيره من الشرع في العبادات ونحوها.

الوجه الثالث: الأمر الذي عمله بخصوصه ، هو مباح له، وقد يكون مستحبا له، أو واجبا عليه، لاعتقاده r أنه هو المؤدي إلى غرض مستحب أو واجب. ولكن هل يكون حكم مثله بالنسبة إلينا كذلك؟ كما لو شرب دواء معينا لعلاج مرض معين، فهل يستحب لنا شرب ذلك الدواء لذلك المرض مثلا، أو يجب، بل هل يباح بناء على ذلك أم لا؟

هذا ينبني على القاعدة التي سبق تحريرها، وقد رجحنا فيها قول من قال من العلماء إن أقواله r وأفعاله في ذلك الباب ليست حجة، ولا يلزم الأخذ بها، بل هي أقوال وأفعال مبنية في الأصل على التجارب الشخصية للنبي r من حيث هو بشر ، وما قد سمع به من أهل التجربة والمعرفة، وكثيرا ما تكون تلك المعرفة والتجربة صحيحة، ولكن احتمال الخطأ قائم، كما قال r " إنما أنا بشر أخطىء وأصيب ".

وأحب أن أنبه هنا إلى أنه إذا نص القرآن على أمر دنيوي فهو حق لا مرية فيه، لأنه من الله تعالى الذي لا يخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.

فإذا كان الحديث النبوي في الشؤون الدنيوية استجابة لإرشادات القرآن التي تتعلق بذلك الأمر، فيكون الفعل بيانا أو امتثالا للقرآن، ويحمل على الشرعي. ولعل خير مثال على ذلك شربه r العسل للتداوي ، فإن ذلك تطبيق لقوله تعالى: ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) .

وشبيه بذلك ما أخبر r أنه فعله عن وحي من الله تعالى.
وأنبه إلى أمر آخر وهو أنه إذا تردد الفعل بين أن يكون دنيويا أو دينيا، حمل على الديني، لأنه الأكثر من أفعاله r . والله أعلم.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:23 PM
الفصل الثاني
في الأحاديث الواردة في شأن الطلب والعلاج

بعد تأصيل القواعد العامة التي ذكرت في الفصل الأول، والتي تصدق على جميع الأحاديث النبوية المتعلقة بالشؤون الدنيوية المختلفة ، نخص بالكلام الأحاديث الواردة في الشؤون الطبية بالذات، بتطبيق القواعد السابقة عليها:

فنقول: إن الأحاديث المذكورة نوعان رئيسيان: أولهما: ما يعتبر شرعا يتبع، ويعمل به، كسائر الأحاديث الواردة عنه r في شؤون الاعتقادات والعبادات والمعاملات والأحكام المختلفة التكليفية والوضعية. والثاني: مالا يعتبر شرعا، ولا يلزم العمل به، وسبيله سبيل الشؤون الدنيوية التي تقدم بيانها، يعتبر قول النبي r فيها كقول سائر الناس:

النوع الأول
وهو ما ورد من الأحاديث في الطب ويعتبر شرعا يتبع:
ويشمل فئات:

الفئة الأولى:
أ- ما كان من الأحاديث الواردة في حكم أصل العمل بالطب والمعالجات وتناول الأدوية.
فهذا النوع شرع يتبع، لأن الطمث فعل من أفعال المكلفين، والشرع جاء ليحكم أفعال المكلفين ببيان ما يوجبه الله منها وما يحرمه، أو يستحبه أو يكرهه، أو يجيزه بلا تفضيل لفعله على تركه ولا عكسه، وهي الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب، والمحرم، والمستحب، والمكروه، والمباح، ولا يخرج عنها أي فعل من أفعال المكلفين.

وقد وردت في أصلى العمل بالطب أحاديث منها:
حديث الأمر بالتداوي، وأن الله تعالى ما أنزل داء إلا أنزل له دواء، غير داء واحد، اختلفت الأحاديث في تعيينه، ففي بعضها: هو الهرم، وفي بعضها: هو الموت. فمن ذلك حديث أسامة بن شريك أن رسول الله r قال: " يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم ". رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة.

وحديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، إلا السام، وهو الموت " رواه الحاكم. وبمعناه من حيث الجملة روى من طريق أنس ، وأبي هريرة، وأم الدرداء ، وابن مسعود ، وجابر. ورواه البخاري من حديث أبي هربرة مرفوعا مختصرا هكذا " ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء " وفي صحيح مسلم من حديث جابر " لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى " وفي الموطأ مرسلا " أن النبي r قال لرجل: أيكما أطب ؟ قالا: يا رسول الله، وفي الطب خير؟ فقال: أنزل الداء الذي أنزل الدواء " .

قال ابن حجر: في هذه الأحاديث الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على الإصابة بإذن الله، وفيها الإشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد ، وفيها إثبات الأسباب، وأن العمل بالطب لا ينافي التوكل على الله، لقوله " بإذن الله " والتداوي لا ينافي التوكل كما لا تنافيه سائر الأسباب، كدفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكتجنب المهلكات، وكالدعاء بطلب العافية، ودفع المضار، ونحو ذلك.

وقد أخرج ابن ماجه حديث أبي خزامة عن أبيه قال " قلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، هل يرد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله ".

ومثلها الأحاديث الواردة التي تفيد أن النبي r كان إذا مرض يتداوى، وربما سأل الأطباء عن دواء مرضه، وكانت وفود العرب تصف له الأدوية، فكانت عائشة رضي الله عنها تعالج له تلك الأدوية أي تمزجها وتهيئها، ومن ثم كان لها علم بالطب. وكان إذا مرض غيره وصف له دواء، وربما أرشده إلى طبيب ليداويه، كما يعلم من سائر الأحاديث الواردة في هذا البحث.

فكل ذلك يشير إلى أن الطب من حيث الأصل مشروع، والتداوي مطلوب شرعا، فليس هو حراما ، ولا يخالف عقيدة الإسلام ولا شريعته. وذلك واضح من القواعد الشرعية العامة أيضا، فإن الشريعة تأمر بالسعي في أسباب المصالح، ودرء المفاسد، وتوقي الأضرار والمهلكات.

لكن هل التداوي في حيز الواجبات، أو حكم المستحبات، أو حكم المباحات ؟

حكم التداوي:
اختلف العلماء في حكم التداوي لمن به مرض:
فذهب الشافعية إلى أنه سنة، واحتجوا بالحديث المتقدم " ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء " وقالوا: قد فعله النبي r.

قالوا: ولا نقول بوجوبه، لأنه لا يقطع بنفعه ، أي بخلاف الطعام والشراب لمن هو في مخمصة وخشي الهلاك ، فإنه يجب عليه تناوله لأنه مقطوع بنفعه.

لكن قال الأسنوي من الشافعية : يحرك ترك التداوي في جرح يظن فيه التلف ونحو ذلك. (44) أي لأنه لو كان جرحا بالغا وتركه ينزف لمات منه، وربط الجرح حينئذ نافع يقينا أو شبه اليقين. وقد داوى النبي r جرحه يوم أحد. غير أن بعض الفقهاء، منهم النووي في شرح المهذب ، ادعوا أن ترك التداوي توكلا أفضل. وقال بعضهم: التداوي لضعيف التوكل ، وترك التداوي لقوي التوكل أفضل.

وهذا لا يستقيم مع ما علم قطعا أن النبي r تداوى مرات كثيرة، وأنه كانت وفود العرب ترد عليه، وتنعت له الأدوية ، فتصنعها له عائشة ، كما تقدمت الرواية بذلك، وهو أقوى المتوكلين بلا شك. وقد قدمت قول ابن حجر إنه لا منافاة أصلا بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل.

ولم يرد في القرآن فيما نعلم ما يفيد المنافاة المذكورة.
وورد في السنة في باب الطب حديثان ظاهرهما يفيد ذلك:

أولهما: حديث عمران بن حصين عند أحمد والبخاري ومسلم، وفيه أن النبي r ذكر سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم قال : " هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون ".

فهذا ظاهره أنهم تركوا التداوي بالكي توكلا على الله.
ولكن يحتمل أن صفة التوكل في الحديث ليست متعلقة بالأمور الثلاثة، وهي ترك الاسترقاء والتطير والاكتواء، بل هي أمر رابع مستقل مضاف إلى الثلاثة، فلا تنافي أصلا .

ويحتمل- وهو الأوجه - أنه لما كان الكي منهيا عنه ، لما فيه من التعذيب بالنار، فقد أمرنا بتركه والبحث عما سواه من أنواع المداواة، مع التوكل على الله في أن ييسر دواء آخر. قال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه " لم يتوكل من اكتوى " والثاني كي الجرح إذا نغل أي فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي يشرع التداوي له. فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى ، لما فيه من التعذيب بالنار لأمر غير محقق .

وثانيهما: حديث في الكي أيضا ، وهو ما رواه المغيرة أن رسول الله r قال: " من استرقى أو اكتوى برىء من التوكل " رواه أحمد والترمذي. والقول فيه شبيه بما تقدم.

ونقل ابن حجر في موضعا خر، بعض كلام من أوغل في هذا الباب، وادعى أن خواص الأولياء الذين اشتد توكلهم لا يضرهم ترك الأسباب. وأن الأسباب وفوض وأخلص في ذلك كان أرفع مقاما، أي ممن باشرها، وأن الذي يستحق اسم التوكل هو من لم يخالط قلبه شيء، حتى من المع الضاري، والعدو، ومن لم يسع في طلب رزق، ولا مداواة ألم.

وعندي أن هذا من أعظم الانتكاسات التي طرأت على العقلية الإسلامية بتأثير ثقافات الشعوب التي دخلت في الإسلام، والتي أدت إلى التواكل، والانصراف عن الأخذ بأسباب الصحة والقوة والتقدم والنصر، اعتمادا على وضع فكرة التوكل في غير موضعها. وأصبح ذلك في الأمة الإسلامية مرضا مزمنا عر علاجه، وأيس منه الأطباء، إلا من شاء الله له أن يستمسك بالكتاب والسنة الصحيحة، عالما أن الحق كل الحق فيما ورد فيهما بعد أن يفهما حق الفهم، والله المستعان.

وقد سأل رجل الإمام أحمد قائلا. إنه يريد أن يخرج من العراق إلى مكة للحج بلا زاد، توكلا على الله. فقال الإمام أحمد للسائل : أخرج مع غير القافلة. قال: لا أستطيع. فقال: إنك لم تتوكل على الله ، ولكن توكلت على أزواد الناس.

ولذا قال ابن حجر رحمه الله " الحق أن من وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطي الأسباب اتباعا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر r بين درعين، ولبس على رأسه المغفر ، وأقعد الرماة على فم الشعب ، وخندقا حول المدينة ، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب ، وأدخر لأهله قوت سنتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك. وقال للذي سأله: " أعقل ناقتي أو أدعها ؟ " قال " اعقلها وتؤكل " فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل . كلام ابن حجر.

وأنا ألتمس من كل من يذهب هذا المذهب المردود المرفوض، أن يدلني ولو على واقعة واحدة ترك فيها النبي r الأخذ بسبب معتاد، وهو يقدر عليه، في أمر يحتاج إليه، فترك الأخذ بالسبب توكل! على الله. بل كان r يأخذ بالأسباب التي يقدر عليها ويتوكل على الله .

وقد قال ابن القيم في ذلك كلمة عظيمة لمن يعقلون شرع الله، قال: "التداوي لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها ، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا ، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه، من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، الذي حقيقته: اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره فيهما، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا " .

ب- ومنها حديث أبي رمثة أن النبي r قال لطبيب " الله الطبيب، بل أنت رفيق، طبيبها الذي خلقها " رواه أبو داود.

هذا الحديث إقرار للعمل بالطب. وفيه التنبيه إلى قوى البرء المركبة في البدن الإنساني في أصل خلقته، وأن مهمة الطبيب الرفق بالمريض لإتاحة الفرصة لهذه القوى كي تعمل عملها.

وشبيه بهذا قول النبي r في رقية المريض، كما في صحيح البخاري، عن عائشة " اللهم اشف، وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك " فبين أن حقيقة الشفاء هي بيد الله تعالى وحده.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:23 PM
الفئة الثانية:
أحاديث فيها توجيهات شرعية متعلقة بعملية التداوي وشؤون المرضى :

أ- من ذلك حديث البخاري عن الصحابية ربيع بنت معوذ ، قالت " كنا نغزو مع رسول الله-حب نسقي القوم، ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة " وفي رواية " ونداوى الجرحى ".

ففيه جواز مداواة المرأة للجرحى من الرجال. قال ابن حجر : يجوز عند الضرورة، وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك .

وهذا الذي قاله عندي فيه نظر، فليس في الحديث إشارة إلى أي ضرورة، بل هي الحاجة إلى العلاج، والحاجة أخف من الضرورة. وقد كان يمكن تفريغ بعض الرجال لذلك العمل، لو كان في الأصل محرما.

وأيضا ما ورد أن رفيدة الأسلمية كان لها خيمة بالمسجد تداوي فيها الجرحى، ينفي وجوب الاقتصار على قدرا لضرورة.

ب- ومنها أحاديث الأمر بعيادة المريض ، وأن النبي r كان يعودهم، حتى " إن غلاما يهوديا كان يخدم النبي r ، فمرض، فأتاه النبي r يعوده فقال: أسلم. فأسلم " وكان إذا عاد المريض ربما وضع يده على جبهته، ومسح على صدره وبطنه، ودعا له. نقل البخاري أنه r فعل ذلك عندما زار سعدا. وربما رقى المريض.

ففي صحيح البخاري من حديث عائشة: " أن النبي r كان إذا أتى مريضا، أو أتى إليه به قال: "أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما "
ج - ومنها حديث النهي عن التداوي بالمحرمات:
كحديث أنه r سئل عن الخمر يتداوى بها فقال: " إنها ليست بدواء ولكنها داء " رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي .

وكحديث: " أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " رواه عبد الرزاق والطبراني مرفوعا. ورواه الحاكم عن ابن مسعود موقوفا.

وكحديث " إن الله جعل لكل داء دواء، فتداووا ، ولا تتداوا بحرام "
فهذه الأحاديث هي من قبيل الشرع، لأنه r ناط الحكم بمعنى شرعي، وهو التحريم، فما كان من المواد محرما لم يجز التداوي به.

ولا يعني هذا أنه لا يجوز استعماله عند الضرورة، مع عدم وجود دواء آخر غير الدواء المحرم، بل إن الضرورة تبيح المحظور، فيعود حلالا لذلك المضطر، لقوله تعالى: ( وقد فضل لكم ما حرتم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) فإذا عاد حلالا لم يكن داخلا في قوله (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ) ومن هذا القبيل التداوي بالنجاسات.

وفي كل من النوعين خلاف يعرف بالرجوع إلى كتب الفقه.

د- ومنها: حديث أم سلمة عند البخاري " أن امرأة توفي زوجها، فاشتكت عينها، فذكروها للنبي r ، وذكروا له الكحل وأنه يخاف على عينها " في الحديث أنه نهاها عن ذلك، أي لأن المعتدة لا يحل لها شرعا أن تتزين بكحل أو غيره.

أما إن كان النهي عن الدواء لا لعلة شرعية ، بل لكونه r قدر فيه ضررا بمقتضى تجربته وخبرته الدنيوية فلا يكون من هذا الباب ، بل يكون من النوع الثاني ، وهو ما لا يكون شرعا يتبع. فمنها النهي عن الغيل، وهو رضاع الحامل، ومنها النهي عن علاج العذرة بالعلاق كما يأتي في النوع الثاني.

الفئة الثالثة:
أحاديث أبطلت أنواعا من المعالجات، كانت سائدة في الجاهلية، تنافي صحة الاعتقاد الإيماني، لأنها ليست أسبابا حقيقية للشفاء:

أ- من ذلك ما و رد أن النبي r " دخل عليه رجل وفي يده حلقة من صفر. فقال ما هذا؟ فقال: من الواهنة. فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، وأنت لو مت وأنت ترى (أي تعتقد) أنها تنفعك لمت على غير الفطرة " رواه أحمد والطبراني من حديث عمران بن حصين. ورواه الطبري.
(الواهنة ريح تأخذ في المنكبين عند الكبر. وقيل مرض يأخذ في عضد الرجل. كذا في لسان العرب).

ب- ومنها " أن عبد الله بن عكيم الجهني الصحابي رضي الله عنه خرج به خراج، فقيل له. ألا تعلق عليه خرزا؟ فقال: لو علمت أن نفسي تكون فيه ما علقته. ثم قال: إن نبي الله r نهانا عنه " رواه ابن جرير وصححه .

ج- ومنها قوله " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث ابن مسعود. ومثله حديث: " من علق تميمة فقد أشرك " والمراد بالرقى الرقى المجهولة، وما كانت الاستعاذة فيها بغير الله تعالى، بخلاف الرقية بالفاتحة والمعوذتين والأدعية المشروعة. والمراد بالتمائم الأحجبة التي تعلق على الأطفال والبيوت والسيارات ونحو ذلك، يزعم الجهلة أنها ترد العين، أو تمنع المرض والحوادث. والتولة شيء كانوا يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها.

الفئة الرابعة:
أحاديث أمرت بأدوية ومعالجات ربطتها بأحكام تعبدية وشعائر دينية.

أ- من ذلك حديث أحمد والنسائي عن عائشة مرفوعا: " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " وفي صحيحي البخاري أيضا " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ".

ب- ونهى أحاديث الاسترقاء ، منها ما في صحيح البخاري من حديث عائشة قالت: كان رسوله الله r إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به " ثقته يا رواية عند البخاري أيضا بأنها كانت تمسح جسد النبي r بيد نفس " بعد أن ينفث هو بها.

ج- ومنها أحاديث الدعاء للمريض ، كقوله r " اللهم رب الناس، مذهب الباس ، اشف وألت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما ".

د- ومنها حديث " داووا مرضاكم بالصدقة " .

الفئة الخامسة:
أحاديث مبنية على النص القرآني:

أ- فمن ذلك أحاديث التداوي بالعسل، منها حديث البخاري عن جابر بن عبد الله أن النبي r قال " إن كان في شيء ، من أدويتكم خير ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء. ولا أحب أن أكتوي ".

وإنما قلنا إنها حجة لكونها أخذا بنص القرآن: ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ).

ب - ومنها ما روى عمر بن الخطاب عند أحمد والترمذي والحاكم أن النبي r قال " كلو! الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة " فإنه ينظر إلى قوله تعالى: ( وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ) .

الفئة السادسة:
أحاديث فيها ذكر أدوية أو معالجات يخبر النبي r أنه علمها بطريق الوحي ، أو إخبار الملائكة، أو أن الله يحبيا، أو يكرهها، و نحو ذلك.

وإنما كان هذ ا النوع من الأدوية صحيحا ومشروعا لأنه منسوب إلى الله تعالى أو ملائكته. وقد تقدم قول النبي r في حديث تأبير النخل " ما حدثتكم عن الله فخذوا به، وما حدثتكم من رأي فإنما أنا بشر أخطىء وأصيب " فهذه الفئة منضمة إلى ما حدثنا به النبي r عن الله تعالى من سائر أمور الدين، فلزمنا العمل به، سواء كان نهيا، فيمنع التداوي به، أو أمرا فيكون دواء مقبولا.

أ- فمز ذلك أحاديث الأمر بالتداوي وأصل العمل بالطب كما تقدم في الفئة الأولى لأن فيه " أن الله ما أنزل من داء إلا " أنزل له شفاء " فأسند ذلك إلى الله تعالى، ومنها أحاديث الني عن التداوي بالمحرمات كما تقدم في الفئة الثانية ، كما في رواية " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ".

ب- ومنها ، حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود والحاكم أن النبي r قال: " إن كان في شيء مما تتداوون به خير فالحجامة " في رواية ابن مسعود أنه قال: " ما مررت ليلة أسري بي بملأ من الملائكة إلا قالوا: يا محمد بشر أمتك بالحجامة " رواها الترمذي.

وروى مثلها أحمد والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا. وأحاديث الأمر بالحجامة كثيرة ، ولكن ليس في شيء منها إسناد الخبر عنها إلى الملائكة، إلا رواية ابن مسعود، فإن صحت رواية ابن مسعود، وإلا تكون أحاديث الحجامة كلها من النوع الثاني، وهو ما لا حجة فيه.

تنبيه:
لابد لاعتبار الأحاديث التي صت هذه الفئة الأخيرة حجة في باب الطب ليس أحد أمرين.
الأول: أن يكون الحديث على درجة عالية من الصحة، لأن تطبيقه على الأجسام الإنسانية قد يكون فيه ضرر كبير، فإن وقع الضرر فلا يكون للطبيب عذر أن يتبين كون العلاج مبنيا على حديث صحيح ظاهرا لكنه في الحقيقة موهوم أو مكذوب .

ولذا أقترح أن لا يعتبر حجة من الناحية الطبية الصرفة حديث ما لم يكن ثابتا على سبيل القطع، وهو الحديث المتواتر، أو على شبه القطع ، وهو ما ورد من طريقين على الأقل ، منفصلين، من أول السند إلى آخره ، بحيث يعرف أنه لم ينفرد برواية الحديث راو واحد في أي طبقة من طبقات السند ، حتى ولو كان صحابيا ، لاحتمال الوهم والغلط ، مع اشتراط كون كل من الروايتين أو الروايات صحيحة لذاتها، طبقا لما هو معمول به في علم مصطلح الحديث. وهذا الأمر إذا أريد تحقيقه يطرح عبئا على المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ، لتكليف بعض أهل الاختصاص العمل لذلك، حتى يعرف من الأحاديث الطبية ما هو مقطوع به طبقا لما ذكرنا هنا.

الثاني. أن يخضع مضمون الحديث للتجارب الطبية تحت نظر الاختصاصيين. فإن ثبتت صلاحيته كفى ، وتكون التجارب هي الحجة في ذلك

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:24 PM
النوع الثاني
وهو مالا حجة فيه من أحاديث الطب
وهو سائر الأحاديث النبوية الواردة في الطب والعلاج ، وليس فيها ما يشعر أنها من قبل الله تعالى، أو أنها من قبيل الشرع.

وقد وضح من القواعد المذكورة في الفصل الأول أن هذا النوع ثمن الأحاديث ليس من قبيل التشريع.
ونحن نذكر جملة من تلك الأحاديث على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:
ا- فمنها حديث: " أصل كل داء البردة " رواه ابن السني وأبو نعيم في " الطب " والدار قطني في " العلاج "، من حديث علي وأبي سعيد وأنس بن مالك.

البردة : برودة المعدة.
2- ومنها حديث مقدام بن معد يكرب عند أحمد والترمذي مرفوعا "ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وتلث لنفسه. "

ومنها حديث.... عند الإمام أحمد مرفوعا " كلوا الرمان بشحمه فإنه دباغ المعدة "
3- ومنها أحاديث الحجامة، كما تقدم في الفئة السادسة من النوع الأول، إن لم يصح الحديث بأن الملائكة أمروا النبي r بها .

فمنها قوله r " إذا اشتد الحر فاستعينوا بالحجامة ، ولا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله " رواه الحاكم الحاكم من حديث أنس . .

4- ومنها حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود مرفوعا " إن كان في شيء مما تتداوون به خير فالحجامة " .
في أحاديث مختلفة جمعها صاحب كنز العمال ، أن الحجامة تذهب الدم ، وتجلو البصر، وتجف الصلب، وتنفع لن وجع الرأس الأضراس ، والنعاس، والبرص ، والجنون.

وروى عبد الرزاق من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن يهودية قدمت للنبي r في خيبر طعاما مسموماً فأكل منه ، وأكل منه بعض اصحابه . وفي القصة أن الوحي أخبره بالسم ن فاحتجم النبي r ثلاثة على الكاهل ، وأمر أصحابه أن يحتجموا ، فاحتجموا فمات بعضهم .

5 - ومنها حديث ابن عباس عند الترمزي ولحاكم ، وحديث ابن مسعود عن
الترمذي وأبي نعيم في الطب " إن خير ما تداويتم به اللدود والسعوط والحجامة والمشي ، وخير ما اكتحلتم به الإثمد ، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر " .

اللدود : هو الدواء الذي يسقاه المريض من أحد جانبي الفم .

والمشي : الإسهال . والمراد أخذ المسهل .

6- ومنها حديث أنس عند مالك وأحمد مرفوعا " أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري " .
(القسط البحري : عود يجاء به من الهند ، يتبخر به النساء والأطفال. وقيل هو العود المعروف (كذا في لسان العرب) أي هو عود الطيب الهندي ).

7- ومثل هذا حديث آخر في العود ، وهو ما رواه أحمد والبخاري ومسلم من حديث أم قيس بنت محصن أن النبي r قال: " علام تدعرن أولادكن بهذا العلاق ؟ عليكن بهذا العود الهندي ، فإن فيه سبعة أشفية من سبعة أدواء ، منها ذات الجنب ، ويسعط به من العذرة ، ويلد به من ذات الجنب ".

جاء في لسان العرب ، ومثله في فتح الباري (10/ 149) 0 العذرة وجع في الحلق يهيج من الدم . وقيل هي قرحة تخرج في الحزم الذي بين الحلق والأنف، يعرض للصبيان عند طلوع العذرة (وهي نجم يطلع في أيام الحر) فتعمد المرأة إلى خرقة، فتفتلها فتلا شديدا، وتدخلها في أنف الصبي، فتطعن ذلك الموضع ، فينفجر منه دم أسود ربما أقرحه. وذلك الطعن يسمى الدغر .

8- ومنها- حديث عائشة مرفوعا، عند أحمد " مكان الكي التكميد ، ومكان العلاق السعوط ، ومكان النفخ اللدود ".

9- ومنها. حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم وأبي داود " من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا يسخر. "

وحديث عائشة مرفوعا عند مسلم " إن في عجوة العالية شفاء ، وإنها ترياق أول البكرة ."

(العالية القرى والحوائط التي بجوار المدينة المنورة من جهتها العليا من جهة نجد ، والسافلة ما كان من أسفلها من قبل البحر ، والترياق دواء السم ) .

وحديث عائشة مرفوعا أيضا عند ابن عدي وأبي نعيم في " لطب " : " ينفع من الجذام أن تأخذ سبع ثمرات من عجوة المدينة كل يوم ، تفعل ذلك سبعة أيام " .

10 - ومنها حديث سعد مرفوعا عند أبي داود " إنك رجل مقؤود ، ائت الحارث ابن كلدة أخا ثقيف ، فإنه رجل يتطبب ، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة ، فليجأهن بنواهن ، ثم ليدلك بهن " .

11- ومنها حديث عائشة مرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم " التلبية مجمة لفؤاد المريض ، تذهب ببعض الحزن " وحديثها المرفوع ، عند ابن ماجه والحاكم " عليكم بالبغيض النافع ، التلبية ، فوالذي بيده إنه ليغسل بطن أحدكم كما يغسل أحدكم الوسخ عن وجهه بالماء " .

12 - ومنها حديث ابن عباس مرفوعا ، عند أحمد والبخاري ومسلم " الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء " وروى مثله عن ابن عمر وعائشة ورافع بن خديج وأسماء بنت أبي بكر .

13 - وحديث عائشة أنه r في مرض موته " صب عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن" .

14- ومنها حديث أبي هريرة مرفوعا عند أحمد والترمذي " العجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم ، والكمأة من المن ، وفيها شفاء للعين " وروى مثله أبو سعيد وجابر مرفوعا عند أحمد والنسائي . وروى نصفه الثاني البخاري ومسلم وأحمد والنسائي مرفوعا من حديث سعيد بن زيد .

15- ومنها حديث أنس عند أحمد والحاكم " شفاء عرق النسا ألية شاة أعرابية، تذاب، ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ، ثم تشرب على الريق كل يوم جزء ".

16- وحديث طارق بن شهاب عند أحمد، وابن مسعود عند الحاكم ، مرفوعا " عليكم بألبان البقر فإنها ترم أن كل الشجر، وهو شفاء من كل داء " وفي رواية الطبراني في الكبير" عليكم بألبان البقر فإنها دواء، وأسمانها شفاء ، وإياكم ولحومها فإنها داء ".

17- وحديث أبي هريرة مرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم، ومثله عند أحمد عن عائشة، وعند ابن ماجه عن عمر مرفوعا "في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام " والسام الموت .

18- ومنها حديث أنس عند النسائي مرفوعا ، ونحوه عند أحمد والترمذي والحاكم عن أسماء بنت عميس مرفوعا " ثلاث في فيهن شفاء من كل داء إلا السام: السنا والسنوت "

19- وحديث ط لمحة عند الطبراني والحاكم والضياء مرفوعا . " أتيت النبي r وبيده السفرجل ، فقال: دونكها يا أب محمد فإنها تشد القلب، وتطيب النفس، وتذهب بطخاوة الصدر " .

20- ومنها حديث أحمد والبخاري وأبي داود عن أبي هريرة مرفوعا " إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء " زاد أحمد في رواية " وإنه يتقي بجناحيه الذي فيه الداء ، فليغمسه كله " وأخرجه كله أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية أبي سعيد الخدري مرفوعا .

21- ومنها الأحاديث الواردة في العدوى :
فمنها حديث أبي هريرة مرفوعا " لا يوردن ممرض على مصح " رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود .
الممرض هو الذي له لإبل مريضة ، نهاه أن يوردها على الإبل الصحيحة .
ومنها حديث أبي هريرة عند البخاري أن النبي r قال " لا عدوى ولا صفر ولا هامة . فقال أعرابي : يا رسول الله ، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء ، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها ؟ فقال رسول الله r : " فمن أعدى الأول ؟ " .
ومها حديث أحمد والبخاري عن أبي هريرة مرفوعا " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ، وفر من المجذوم فرارك من الأسد " .
وروى مسلم أوله .

22- ومنها أحاديث الجذام :
أ- كحديث ابن سعد عن عبد الله بن جعفر مرفوعا " اتقوا صاحب الجذم كما يتقى السبع: إذا هبط واديا فاهبطوا غيره ".
ب-- وحديث أحمد والطبراني وعبد الرزاق وابن جرير عن الحسين مرفوعا " لا تديموا النظر إلى المجذومين إذا كلمتموهم فليكن بينكم وبينهم قيد رمح " .
وفي صحيح مسلم كن حديث جابر أنه r قال للمجذوم " ارجع فقد بايعناك " .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:24 PM
23- ومنها أحاديث الغيل:
أ-- كحديث مالك ومسلم عن جذامة بنت وهب مرفوعا. " لقد هممت أن أنهى عن الغيل، فنظرت في فارس والروم فإذا هم يجيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا. " .
ب-- وكحديث أحمد وأبي داود من حديث أسماء بنت السكن مرفوعا: " لا تقتلوا أولادكم سرا، فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثرة " (100) قال السيوطي: وقد فسر مالك الغيل بأن يطأ الرجل امرأته وهي ترضع.
وفسره إبن السكيت بأن ترضع المرأة وهي حامل. كان الأطباء يقولون إن ذلك اللبن داء. والعرب تكرهه وتتقيه .

24- ومنها أحاديث الطاعون، كحديث أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوف عند البخاري " إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها " رواه مسلم .

25- ومنها ما رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي r بعث إلى أبي بن كعب طبيبا، فقطع له عرقا وكواه عليه. "

26- ومنها حديث عند الإمام أحمد مرفوعا " إن في أبوال الإبل وألبانها شفاء " وحديث ابن عباس مرفوعا عند ابن المنذر، " عليكم بأبوال الإبل فإن فيها شفاء للذربة بطونهم ".
ومثله ، حديث أنس في الصحيحين " أن ناسا اجتووا في المدينة ، فأمرهم النبي r أن نموا براعيه- يعني راعي الإبل- فيشربوا من أبوالها حتى صلحت أبدانهم.. الحديث " وفي رواية النسائي " فاجتووا المدينة حتى اصفرت ألوانهم وعظمت بطونهم ".

27- ومنها حديث ابن عباس عند الترمذي وحسنه ، وابن ماجه ، وابن حبان وصححه مرفوعا " (اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشر " .

28- ومنها حديث استعمال أن الرماد لقطع دم الجرح ، وهو ما رواه البخاري في قصة أحد لما دمي وجه النبي r " غمدت فاطمة إلى حصير فأحرقتها وألصقتها على جرح رسول الله r فرقا الدم " .

29- ومنها حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي r قال في الأبتر وذي الطفيتين من الحيات. " إنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحبل " .

30- ومنها حديث جابر في صحيح مسلم مرفوعا " غطوا الإناء، وأؤكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليست عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء ، إلا وقع فيه ذلك الداء " .

فهذه الأحاديث المذكورة في هذا النوع الثاني، ونحوها من الأحاديث التي تدخل في صلب الأمور الطبية والعلاجية، لا ينبغي أن تؤخذ حجة الطب والعلاج ، بل مرجع ذلك إلى أهل الطب ، فهم أهل الاختصاص في ذلك، وقد تقدم إثبات ذلك في الفصل الأول من هذا البحث، ونقلنا هناك قوله r لأهل النخيل والزراعة " أنتم أعلم بأمور دنياكم " وشؤون الطب الصرفة هي من هذا الباب ، أهل الطب هم أهل الحذق والمعرفة بها، وإلى المرجع في هذا الباب. وقد يتبين في شيء من هذه الأحاديث الخطأ من الناحية الطبية الصرفة، وكما قال الماضي عياض: ليست في ذلك محطة ولا نقيصة، لأنها أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همة وشغل ننساه بها، ولذا يجوز على النبي r فيها ما ذكرنا- يعني الخطأ والصواب.

ثم إنه وإن قلنا في هذه الأحاديث التي من النوع الثاني من الفصل الثاني وفي أمثالها إنها ليست بحجة في باب الطب ، لأنها في نظرنا لا تدخل في الفئات الست المذكورة في النوع الأول، فذلك على الأصل في الأحاديث الواردة في الشؤون الطبية لكن قد يبدو لبعض أهل العلم في شيء منها ملحظ صحيح يكون قرينة على أنها تشريع، فتخرج بذلك عن أن تكون من هذا النوع الثاني، وتدخل في النوع الأول، وتعتبر حجة في باب الطب، كما ظهر لنا في الفئات الست. والله أعلم .

إثبات فاعلية هذه الأدوية والمعالجات:
إنه وإن قلنا في أحاديث هذا النوع الثاني وأمثالها إنها ليست حجة في الأمور الطبية، فإنه لا ينبغي مع ذلك إطراحها بالكلية ، بل ينبغي أن تثير احتمالا بالصحة، كسائر الأقوال الطبية المأثورة عن أهل التجارب والمعرفة من غير أهل الاختصاص، بل هي أولى منها ، للشبهة في أنها قد تكون مبنية على الوحي، ولو كانت شبهة ضعيفة، ولا يخفى ماذا حدث الطاعون المتقدم ذكره من الحكمة البالغة التي يؤيدها الطب الحديث كل التأييد، عام ما هو معلوم.

ولذا أرى أن تخضع للتحليل وللتجارب على الأسس المتعارفة عند أهل الاختصاص. فإن و جدت صالحة أدخلت حيز العمل ، و يكون التحليل والتجريب هو الحجة في صلاحيتها، دون كونها مما ورد عن النبي r، وخاصة وأن الكثير منها لا يثبت من حيث الرواية بطريق القطع أو شبهه على الوجه الذي تقدم بيانه في آخر الكلام على أحاديث النوع الأول، فالحاجة إلى إثبات صلاحيتها أو عددها قائمة أيضا لهذا المعنى .

وإن لم تثبت صلاحيتها أو ثبت ضررها فلا مانع من بيان ذلك للجمهور لئلا يستمر العمل بها.

تناول الأدوية المأثورة على أساس الاعتقاد الإيماني :
إن ابن: خلدون رحمه الله بعد كلامه الذي نتلقاه سابقا (ص) من أن الطب المنقول في الشرعيات عن النبي r لا ينبغي أن يحمل على أنه مشروع، وأنه ليس هناك ما يدل على ذلك ، تابع كلامه قائلا " إلا إذا استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني ، فيكون له أثر عظيم في النفع ، وليس ذلك في الطب المزاجي ، وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية " .

وقال ابن ، حجر " استعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله، وبدفع الله عنه الضرر بنيته، والعكس بالعكس " ولعله يعني بالعكس أن من استعمل الأدوية المذكورة مع عدم تصديق بها ولا يحصل بفائدتها لا يحصل له انتفاع بها. وفي بعض كلام ابن حجر في فتح الباري تشبيه ذلك بالشفاء القرآني لما في الصدور، كما قال الله تعالى ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) أي. فكما أن مواعظ القرآن لا ينتفع بها إلا من كان مؤمنا بالقرآن وهدايته، فكذلك الأدوية النبوية للأجسام لا ينتفع بها إلا من كان مؤمنا بنفعها لصدورها عن النبي r.

والذي نقوله أنه لا شك أن من فضائل النبي r أنه يجوز التبرك بآثاره، والاستشفاء بها، فقد نقل أنه r دعا بقدح فيه ماء ، فغسل يديه ووجهه ومج فيه، ثم قال لأبي موسى وبلال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما. وتوضأ وصب على جابر.
وأمر بشعراء أن يقسم بين المسلمين.
وبعض ثيابه كانت تغسل بعده ويعطى ماؤها للمرضى يستشفون بها. ثبت ذلك في صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث أسماء بنت أبي بكر.
وحنك بعض صبيان الأنصار بالتمر.

وكل هذا من خصائصه r. فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يتبركوا بأفاضلهم. وليس في الأمة بعد نبيها أفضل من أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، فلم ينقل عن أحد من الصحابة، ولو حادثة واحدة، أنهم تبركوا بهؤلاء الأولياء الأربعة أو غيرهم فهذا إجماع منهم على الترك .
إذا علم هذا ، فهل يكون ما ورد من النبي r من المعالجات الطبية هو من جنس آثاره وملابسه ونحو ذلك ، حتى يستشفى بها ويتبر بها ؟

يبدو أن في هذا نظرا ، فإنه لما ثبت أن النبي r نبه على أن كما يصدر عنه في مثل ذلك هو مجرد رأي يراه ، وأنه بشر يخطيء ويصيب ، وأن الناس يأخذون من كلامه في الشؤون الدنيوية بما حدث به عن الله تعالى ، وأما ما حدث به من قبل نفسه فهم أعلم بدنياهم ، فكيف يتساوى ما نبه على عدم نفعه من الشؤون التي قالها من عند نفسه ، ما أذن فيه من التبرك بآثاره r.

ثم إن الصحابة الذين تركوا تأبير النخل إنما تركوه تصديقا لرسول الله : r وإيمانا به ، وعملا بقوله ، ومع ذلك خرج ثمره ذلك العام شيصا ، أي تالفا غير صالح، ولم يأت إيمانهم وتصديقهم كافيا ليصلح به الثمر، لأنه ليس في الحقيقة سببا لذلك . ولذلك فإن النبي r صحح لهم اعتقادهم ، وأعلمهم أنهم ما كان لهم أن يأخذوا بقوله في ذلك، فإن ذلك من شؤون الدنيا وهم بها أعلم. فكذلك هذه الأمور الطبية الصرفة ، هي من صميم الأمور الدنيوية ، لا يكفي فيه مجرد الإيمان- التصديق مع كونها ليست أسبابا في حقيقة الأمر .

وأما القياس على الشفاء القرآني بالمواعظ فهو قياس فاسد ، فإن مواعظ القرآن من لم يصدق بها لا يستمع إليها ، وإن استمع إليها فإنه لا يقبلها ولا يعمل بها، فكيف تنفعه؟ كالدواء المادي إذا لم يتناوله المريض لا ينفعه. أما إن تناوله فإن تأثيره في الأجسام لا يختلف بالتصديق وعدمه.

هذا ما ظهر لي من نتائج هذا البحث ، وآمل أن تكشف مناقشات هذا المؤتمر عن وجه الصواب في هذأ الأمر، ليكون المسلمون- وخاصة العاملين في ميادين الطب- على بصيرة فيه من أمر دينهم ودنياهم .

والله أعلم. وصلى الله على عبده ورسوله نبينا وحبيبنا محمد وآله وصحبه وسلم.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:25 PM
الطب الوقائي في الإسلام
تطبيق التعاليم الإسلامية المتعلقة
بالتحكم في بعض الأمراض السارية

للدكتور عدنان أحمد البار
والدكتور جنق ليو

المملكة العربية السعودية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:25 PM
مقدمة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
للطب الوقائي ارتباط وثيق بثقافة المجتمع ودينه. والتعاليم الإسلامية غنية بالقيم الوقائية. وهذه الدراسة تلقي الضوء على بعض هذه التعاليم وتبين كيفية الاستفادة منها في السيطرة على الكثير من الأمراض السارية عن طريق البراز والهواء والماء.

إن بعض هذه الأمراض يشكل خطرا صحيا في مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك بعض الدول الإسلامية نتيجة لإهمال المسلمين لبعض دقائق أمر دينهم.

المحتويات:

(أ) السيطرة على بعض الأمراض الناتجة عن البراز:

ا- يعتبر تناول الأطعمة الملوثة من أهم وسائل انتقال الأمراض كالتيفوئيد والزحار وشلل الأطفال والتهاب الكبد الفيروسي ونحوها حيث تنتقل جراثيم المرض من براز المريض أو حامل المرض إلى الإنسان المعرض للإصابة. إن انتقال الجراثيم من براز المصاب إلى الآخرين عن طريق اليد أو الآنية ونسبة حدوث ذلك تعتمد اعتمادا كبيرا على مستوى نظافة البيئة وتطورها- ومتى طورت وسائل النظافة والتثقيف الصحي أمكن خفض نسبة حدوث هذه الأمراض .

يحث الإسلام عام استخدام اليد اليسرى لغسل السبيلين مع إبقاء اليد اليمنى نظيفة للوضوء والأكل، ففي الحديث عن عمر بن أبي سلمة (رضي الله عنه) قال كنت طفلا في حجر رسول الله r وكانت يدي تطيش في الصفحة فقال لي رسوله الله r " يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " رواه البخاري ومسلم*

وعن عائشة رضي الله عنها قالت " كانت يد رسول الله r اليمنى لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه وما كان من أذى ".. رواه أبو داود.


إن هذا النظام يضمن نظافة اليد اليمنى من البراز في حين يمنع الأكل باليد اليسرى وبذلك اقلل من نسبة انتقال الجراثيم الموجودة و، البراز إلى الفم عن طريق اليد.
2- إن المناطق الباردة الرطبة وذات الظل تعتبر جوا ملائما لنمو أغلب أنواع البكتيريا وبويضات الديدان ، ويساعد في ذلك خلوها من تأثير الأشعة فوق البنفسجية القاتلة للجراثيم والبويضات فعلى سبيل المثال ثبت أن بويضات دودة الإسكارس يمكن أن تعيش في هذه الأجواء لمدة عامين مع بقائها معدية .

وبما أن البول والبراز يعتبران من مصادر هذه الجراثيم والديدان- لذا ينصع بعدم التبول والتبرز في الظل، (كظل الشجر والبنايات ونحوها).

ولقد أمر بذلك رسول الله r قبل العلم الحديث بألف وأربعمائة سنة، حيث روى أبو هريرة رضي الله عنه فال: قال رسول الله r " أتقول اللاعنين قالوا وما اللاعنان؟.. قال الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم " رواه مسلم، والتخلي هو التجول والتبرز.

3- إن الكثير من الديدان كالأنكلستوما والسترنقولويديز ونحوها تصيب الإنسان عن طريق اختراق جلد القدم ويحصل ذلك عادة إذا ما سار الإنسان حافيا خصوصا في الطرقات العامة وأماكن الظل ومصادر المياه كالعيون ونحوها. فالتبول والتبرز في هذه المناطق وسير الإنسان حافيا فيها يعطي هذه الديدان فرصة أكبر لاختراق أخمص القدم وحصول المرض، ولقد وضع الإسلام قواعد كفيلة بالسيطرة على هذه المشكلة حيث نهى عن التبول والتبرز في طريق الناس وظلهم كما سبق ذكر ذلك في الحديث السابق ، وفي نفس الوقت حث على لبث النعال والإكثار من ذلك حيث روى جابر قال سمعت رسول الله r يقول في غزوة غزوناها " استكثروا من النعال فإن الرجل ما يزال راكبا ما انتعل " رواه مسلم قال النووي في شرح هذا الحديث معناه أنه شبيه بالراكب في خفة المشقة عليه، وقلة تعبه وسلامة رجله مما يعرض لها في الطريق من خشونة وشوك وأذى ونحو ذلك أ. هـ.

(ب) التحكم في الأمراض التي تنتقل عن طريق الهواء:

إن نفخ الرذاذ وزفره يؤدي إلى انتقال كثير من الأمراض المعدية كالانفلونزا والقوباء (الهيربز البسيط) وشلل الأطفال والنكاف والحصبة الألمانية والرشاح والتهابات الحلق والعنجز والسل وغيرها من الأمراض وخاصة الفيروسية ولذلك فإنه ينصح بعدم النفخ والتنفس في آنية الأكل والشرب كما يستحسن تغطية الوجه أثناء العطاس والتثاؤب . ولقد وجه الإسلام أتباعه إلى هذه الوسائل الوقائية من أيام الرسول r وحتى قيام الساعة فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال ". نهى رسول الله r أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه " رواه أبو داود..

وفي الحديث أن النبي r نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ قال: أهرقها. قال فإني لا أروى من نفس واحد ؟ قال فأبن القدح إذا عن فيك " رواه الترمذي وحسنه الأرنؤوط في تحقيق جامع الأصول برقم 3100.

إن الحوار بين رسول الله r وهذا الصحابي وإصراره r على عدم النفخ في الشراب يجعل الأمر في حكم الواجب ويبين إدراكه r لخطورة ذلك الأمر الذي لم يكن واضحا لصاحبه في ذلك الوقت في حين أنه بديهي للطب الوقائي الحديث.

وبالنسبة للعطاس والتثاؤب.. جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول r " كان إذا عطس غطى وجهه بيديه أو بثوبه وغض بها صوته " رواه الترمذي وحسنه الأرنؤوط في تحقيق جامع الأصول برقم 489.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: " إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه.. " رواه مسلم

(ج) التحكم في الأمراض المتنقلة عن طريق الماء:

ا- أ- يعتبر الماء الراكد جوا ملائما لنمو الكثير من البكتريا كالكوليرا والسالمونيلا والشيجلا والليبتوسبايرا وغيرها .

ب- تحتاج كثير من الديدان كالزحار الأميبي والديدان المستديرة والبلهارسيا لإكمال دورة حياتها خارج جسم الإنسان، ويساعد التبول والتبرز على نمو هذه الديدان وسرعة تكاثرها وانتشارها .

والتعاليم الإسلامية العام منها والخاص تسهم في الحد من هذه المشكلة. فالقرآن والحديث مليئان بالتوجيهات العامة التي تحث ، على النظافة قال تعالى: { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين }. أما الأوامر الخاصة ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله r يقول: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه " متفق عليه .

2- إن نظافة الماء أمر في غاية الأهمية في الطب الحديث ، ولقد حثت الأحاديث على ذلك.. ففي الحديث نهى رسول الله r عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة أراها في الإناء قال: أهرقها.. الحديث " رواه الترمذي .

في الحديث يؤكد لنا أهمية نظافة الماء وذلك:

أ- بتذكيرنا بخطورة نفخ الرذاذ في الماء.
ب- بالأمر بإهراق القذاة ، وهي القشة الصغيرة من الوسخ.

هذا وتختلف وسائل تنظيف الماء بحسب الزمان.

مناقشة واستنتاجات:

لقد رأينا أنه باتباع التوجيهات الإسلامية يمكن التحكم في الكثير من الأمراض السارية والوقاية منها.. ونتيجة لإهمال بعض المسلمين لهذه التعاليم القيمة انتشرت بعض الأمراض في أوساطهم (حتى استوطن بعضها) ، مع إمكانية التحكم فيها والوقاية منها، وهذه بعض الأمثلة:

ا- يعتبر الدرن من الأمراض الشائعة في بعض الدول الإسلامية (وهو ينتقل عن طريق الهواء).

ولقد أجرى الدكتوران أحمد الحسن وتاج الدين دراسة على درن الأمعاء في السودان ووجدا أن السبب الرئيسي لدرن الأمعاء في السودان هو جرثومة الدرن الإنسانية بعكس ما هو معروف عالميا من أن السبب هو الجرثومة الدرنية البقرية ويعتقد الباحثان أن تفسير ذلك هو العادة المتبعة في خض اللبن وصنع الزبدة منه حيث يتم ملء القربة إلى نصفها باللبن ثم تنفخ المرأة (والتي قد تكون مصابة بدرن الصدر) بفمها في القربة لتملأ النصف الآخر بالهواء ثم يبدأ خض اللبن وتفصل الزبدة ويشرب اللبن (الروب) بدون غلي أو تسخين (وبالتالي ينتقل المرض من صدر المرأة إلى أمعاء الآخرين). وتنتشر هذه العادة في كثير من بلاد المسلمين مع أنه منهي عنها شرعا.

2- تستوطن البلهارسيا (وهي مرض ينتشر عن طريق الماء الملوث) في مصر والسودان وبعض الدول المدارية، ففي مصر وحدها توجد أربع عشرة مليون حالة بلهارسيا (12) .

3- تكثر الإصابة بالأنكلستوما والديدان المستديرة وغيرها في المناطق المدارية ومنها دول إسلامية وتؤدي عادة التبول والتبرز في الطرقات العامة والظل ومصادر المياه إلى زيادة نسبة الإصابة خصوصا مع انتشار الحفا.. علما بأن هذه العادات منهي عنها شرعا، ويأثم المسلم إذا فعلها.

وفي الختام قد يقول قائل بأن هذا البحث لم يأت بجديد فكل هذه الأوامر معروفة للطب الوقائي الحديث. وللإجابة نقول أن هذه الدراسة أثبتت ما يلي:

أ- هذه التوجيهات التي عرفها الطب مؤخرا أمر بها الإسلام منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام وجعلها جزءا من الدين.

ب- يحث الدين الإسلامي على النظافة.
ج- يجهل الكثير من المسلمين هذه التعاليم ، ولذا فهم يعانون من هذه الأمراض.

توصيات:

أ- ينبغي أن يتمسك المسلمون بهذه التعاليم.. أولا لأنها جزء من الدين.. وثانيا لثبوت فائدتها للصحة .

ب- إن " التهجم الطبي الإسلامي " أثمر ضروري، فعال الأطباء والعاملين الصحيين المسلمين تعلم هذه التوجيهات والتمسك بها ونشرها بين أفراد المجتمع.

ج - على كليات الطب في العالم الإسلامي إدخال أمثال هذه التعاليم ذات الصلة بالطب الوقائي وتدريس لطلاب الطب.

شكر:
لا يفوتني أن أشكر الدكتور توفيق التميمي عميد كلية الطب والعلوم الطبية بجامعة الملك فيصل والشيخ عبد المجيد الزنداني.. على دعمهما المستمر لهذا الجهد... كما أشكر كلا من الدكتور أحمد الحسن رئيس لجنة البحوث والترجمة والنشر والدكتور سيف الدين بلال الأستاذ المساعد بقسم طب الأسرة والمجتمع والدكتور ت. ك ويليامز الأستاذ المساعد بقسم طب الأسرة والمجتمع، العاملين بكلية الطب والعلوم الطبية بجامعة الملك فيصل على توجيهاتهم واقتراحاتهم .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:26 PM
النظرية الطبية الإسلامية في الوقاية والعلاج

الدكتور إبراهيم الصياد
الكويت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:26 PM
مقدمة :

يضع الإسلام تصورا عاما للحياة ينبثق من العقيدة ويهتدي بهداها . وفي ضوء هذا التصور يقدم منهجا متميزا للاقتصاد الإسلامي والطب الإسلامي وكافة أنشطة الحياة ، فالإسلام عند المسلم عقيدة روحية ومذهبية اجتماعية ومنهاج يسلكه في أمور دينه ودنياه . وسوف نعرض خصائص التصور الإسلامي ثم نوضح انعكاساته على النظرية الطبية في الإسلام .

يقوم التصور الإسلامي على المباديء التالية : ـ

1 - توحيد الخالق .
2 - وحدة المخلوقات .
3 - وحدة الأمة .
4 - الاستخلاف في الأرض .

أولا - توحيد الخالق

توحيد الألوهية معناه رد السلطان إلى الله سبحانه وتعالى سواء في ضمير الفرد أو في واقع الحياة . وبقدر ما تستقر في النفس عقيدة التوحيد بقدر ما يتخلص الإنسان من العبودية لغير الله . وهذا من مقومات الكرامة الإنسانية . والعباد كلهم سواسية أمام الله وليست هناك حاجة إلى وسيط بين العبد وربه . وعلى أساس الإيمان بالله الواحد تلتقي عقول المسلمين وقلوبهم على عبادة الله وتتضافر جهودهم على إقامة شريعته .

ثانيا - وحدة المخلوقات

الكون كله مخلوق لله تعالى ومن حكمته أنه خلق الكائنات متصلة مترابطة ، فكل كائن وجوده مرهون بوجود غيره بدءا من الذرة وانتهاء بالكائنات الحية الراقية . وقد أودع الله تعالى في الكون المادي قوانين أزلية تحكم حركته وهذه من سنن الله في خلقه . وأمرنا باستخدام العقل والحواس في البحث عنها وفهمها . وبقدر ما يدرك الإنسان نواميس الكون بقدر ما يتمكن من استخدامها في عمارة الأرض . وكلما أدرك تناسق هذه القوانين زاد إيمانه بوحدة المخلوقات وعظمة الخالق الواحد.

ثالثا - وحدة الأمة


رسالة الحق إلى المخلوقات واحدة منذ عهد آدم . والخلق الذين آمنوا بالله وأحسنوا العمل يكونون على دين واحد يمتد عبر الرسالات السماوية . يقول تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذين أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيها ) " الشورى 13" . فوحدة الأمة نتيجة حتمية لطبيعة الإسلام الذي قام على توحيد الخالق ووحدة الكون والدين . وتتجلي وحدة الأمة في وحدة المنهج الذي هو شريعة الله المنزلة ووحدة القيم والمعايير التي لا تحتمل النسبية ولا تخضع للأهواء . فالعدل مثلا ينبع من عقيدة التوحيد لأن الكل سواء في العبودية لله تعالى فتنطبق عليهم نفس القيم والقوانين . وينبع من وحدة الأمة شعور الانتهاء والالتزام بقوانين المجتمع بوازع من الضمير لا خوفا من القانون .وهذا الانتماء قد يصل إلى حد التطوع للتضحية بالنفس في الجهاد أو بتجنب الهجرة من موطن الوباء حفاظا على سلامة باقي أجزءا الوطن من أن ينتشر فيها الوباء بين المسلمين .

رابعا- الاستخلاف في الأرض

قال تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) (البقرة 30) .
أناب الله الإنسان في الأرض للتصرف فيها وعمارتها. والاستخلاف ينبع من مبدأ وحدانية الخالق فهو المالك الواهب الذي منح الإنسان أمانة الخلافة في الأرض . ورزقه من العقل والإرادة ما يمكنه من عمارتها واستغلال خيراتها . وللخلافة ضوابط ، فالمالك الحقيقي هو الله تعالى والإنسان موكل في التصرف حسب ما أ مره الله به وبما شرعه له وليس كما يريد الإنسان لنفسه. ولكي يحقق الإنسان وظيفته كخليفة في الأرض لابد أن يستوفي ثلاثة عناصر هي :-

ا- إعمار الأرض وإقامة الحضارة.
2- حماية هذه الحضارة من الإفساد.
3- إصلاح ما قد يطرأ عليها من فساد.

ا- إعمار الأرض وإقامة الحضارة:
الحكمة من خلق الإنسان وعلة وجوده هي ابتلاؤه باستخلافه في الأرض لعمارتها وحمايتها وإصلاحها. يقول تعالى :

(هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) (هود 61).
(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ) (الملك- 2).

فإذا قام الإنسان بمهمة الخلافة متبعا شرعة الله فذلك لب العبادة. وكل طاقات الإنسان وقدراته يجب أن يسخرها لأداء هذه المهمة . روى الترمذي عن أبي برزة نضلة بن عبيد الله الأسلمي عن النبي:r قال .
" لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع. عمل عمره فيم أفناه ، وعن علمه فيم فعل فيه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه ".

فالجسد والمال والعلم والوقت هي وسائل الإنسان لعمارة الأرض، وسوف يحاسب يوم القيامة على ما قدمه في حدود طاقته .

وعمارة الأرض مهمة ربانية يؤديها الإنسان ولا يشترط أن يكون هو المستفيد منها . روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي r قال : " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهمية إلا كان له بها صدقة " .

والمحصلة النهائية للنشاط الفردي المتعاون على الخير هي إقامة مجتمع متقدم متحضر . وغياب التحضر والعمران يعني أن المجتمع لا يقوم بواجب الخلافة .


2- حماية الحضارة من الإفساد:

الكون في عقيدة المسلم جزء من خلق الله ، وكل شيء فيه يسبح بحمد الله، يقول تعالى :-
( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) (الإسراء44 ).

لذلك فموقف المسلم من الكون موقف ألفة ومحبة، وإذا كان غير المسلم يسعى للمحافظة على البيئة من أجل رفع مستوى الحياة المادية ، فإن نظرة المسلم للبيئة أسمى من ذلك ، فهي توجيه رباني بالحماية من الإفساد طبقا لمستلزمات الخلافة في الأرض بصرف النظر عما تجلبه له هذه الحماية من مصلحة. والمسلم يحب الكون شكرا لنعم الله تعالى عليه، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قطع شجرة في الغزو إلا لطعام. والقرآن الكريم ينهي عن أي عمل يؤدي إلى الفساد في الأرض . يقول تعالى : ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) (الأعراف : 56 ) .

ويحذر الرسول عليه الصلاة والسلام من أن يكون المسلم مصدرا للشر والضرر. وروى ابن ماجه عن أنس بن لمالك رضي الله عنه عن النبي r قوله:-

(إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح للخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه ".

3- الإصلاح :

الإصلاح مستوى رفيع لمن الإيجابية يتحدى مرحلة التمني السلبي للخير والامتناع عن الضرر والإفساد، حيث يرتقي المسلم في إحساسه بالانتماء للجماعة والمسئولية نحوها فيسعى لإزالة الخطر والضرر من حياة المسلمين . والطبع لا يشترط أنيكون هذا الفرد المصلح هو مصدر الضرر حتى يتقدم لأزالته بل إنه يتطوع لإزالة أي ضرر تسبب فيه غيره وقصرت همته عن أن يزيله ، فالمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى .

يقول تعالى :
( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ) ( هود : 88) .

ويوضح رسول الله r أهمية الموقف الإيجابي الإصلاحي للمسلم في حديث النعمان بين بشير الذي رواه البخاري حيث يقول :

" مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسلفها ، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أن خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا . فإن تركوهم ما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا أيديهم نجوا ونجوا جميعا " .

وقد اعتبر الإسلام إنكار الفساد ومحاولة إصلاحه مقياسا لدرجة الإيمان حيث روى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبيr قوله :
" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"

وفي هذا دعوة لكل مسلم ألا يكون سلبيا تجاه أي خطر يهدد المجتمع . وهكذا تتضح وظيفة الخلافة في الأرض: إعمار الأرض وإقامة الحضارة ثم حمايتها من الضرر والفساد والتطوع لإصلاحها مما قد يطرأ عليها من فساد وضرر. ومفهوم الخلافة- عنصر أساسي من النظرية الإسلامية التي تقوم على توحيد الخالق ووحدة المخلوقات ووحدة أمة الحق على أيدي رسالات الأنبياء. وهذا المفهوم ينعكس على كافة الأنشطة الإنسانية في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والطب .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:27 PM
الصحة في ضوء مفهوم الاستخلاف

خلافة الإنسان في الأرض تتحقق بعمارتها وحمايتها وإصلاحها ، والمؤهلات التي منحها الله للإنسان لتمكنه من أداء وظيفة الخلافة هي العقل والإرادة الحرة وقوة البدن وهذه نعم من الله عز وجل لابد من توظيفها فيما يرضي الله تعالى حتى تكون حياة الفرد عبادة. فالصحة والعافية نعمة تلي نعمة الهداية إلى الإيمان. روى أحمد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي ، rأ نه قال :

" سلوا الله اليقين والمعافاة ، فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية ".

ونظرة الإسلام إلى الصحة تتطابق مع عناصر الاستخلاف وبذلك يمكن تقسيها إلى ثلاثة مستويات هي بناء الصحة وحمايتها وإصلاحها .

النظرية الطبية الإسلامية :

يتطابق المفهوم الحديث للصحة مع نظرة الإسلام للصحة في ضوء الاستخلاف وبذلك تتكون من ثلاثة مستويات :

1 - المستوى الأول : هو بناء الجسم وتحسين الصحة.
2- المستوى الثاني : حماية الصحة من الضعف والأمراض وهو ما يعرف بالطب الوقائي .
3- المستوى الثالث : إصلاح البدن من الأمراض والعجز وهو ما يعرف بالطب العلاجي والتأهيل .

المستوى الأولى: بناء الجسم وتحسين الصحة

الصحة في مفهوم المنظمة الصحية العالمية ليست مجرد الخلو من المرض أو العاهة ولكنها تعني الصحة الإيجابية وهي أن يتمتع الفرد برصيد من القوة في وظائفه أعضائه تجعله يتحمل ما قد يتعرض له من مسببات كثير من الأمراض وتحقيق الصحة الإيجابية يستلزم أن يكون نظام الحياة الشخصية والظروف البيئية والعوامل السائدة في المجتمع عوامل تساعد على تحسين الصحة . وإذا اصطبغت الحياة بصبغة إسلامية في كل المجالات تكونت ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية وروحية تؤدي بالضرورة إلى تكوين المجتمع الصحي.

أمثلة لمنهج ، الإسلام في بناء الصحة وتحسينها:

ا- يبدأ الاهتمام بصحة الفرد قبل أن يكون جنينا في بطن أمه وذلك بانتقاء الشريك الصالح لإنتاج ذرية طبية. ورد في كشف ، الخفاء عن ابن عباس مرفوعا عن النبي r قال. (تخيروا لنطفكم).

2- دعا لإسلام إلى الرضاعة الطبيعة، وفي كل يوم يكشف لنا الطب الحديث عن مزاياها في توقير القوة والمناعة الطبيعية وبناء الجسم السليم. يقول تعالى: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) (البقرة : 233).

3- يجب تعهد الطفل بالرعاية الروحية والبدنية منذ بدء نشاطه الحيوي. روى مسلم وأحمد والترمذي قول رسول الله r " مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر ".

والياقة البدنية تستلزم التدريب منذ الصغر ، وقد روى الطبراني عن مصعب ب سعد عن أبيه النبي r قال. " عليكم بالرمي فإنه خير لعبكم " .

وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت. " كنت مع الني النبي r في سفر فسابقته على رجلي فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال هذه بتلك " .

4- الحياة الصحية في بيئة نظيفة وهواء طلق من عوامل بناء الصحة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب أن يصلي في البساتين الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عه قال " كان النبي يستحب الصلاة في الحيطان ".

5- التغذية السليمة تساعد على بناء البدن فكان النبي عليه الصلاة والسلام يوصي باللبن واللحم وتنظيم الوجبات حتى يكون الغداء مصدرا للصحة وليس سببا للمرض.

6- إعطاء الجسم والنفس حقهما من الراحة من عوامل بناء الصحة ، فقد روى أبو داود حديث رسول الله r : " روحوا قلوبكم ساعة فساعة " .
وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قول رسول الله r : " سافروا تصحوا " .

7- بناء الصحة النفسية للمسلم يتم عن طريق تنمية الشخصية وتهذيبها. فالنفس تتطور من خلال عملية تكيف الفرد في المجتمع . والمسلم يدرك أن غايته في الحياة هي إرضاء الله تعالى بالأعمال الصالحة. وعندما يتعامل مع الآخرين فإنه يقوم بتكوين أو كبح قدرات داخلية معينة، فيتعود على الحب والعطاء ويتغلب على الأنانية ولذلك تنمو الصفات الإنسانية وتتحقق الصحة النفسية الإيجابية.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:27 PM
المستوى الثاني: الطب الوقائي في الإسلام

حماية الصحة والمحافظة عليها من المفاهيم الإسلامية الأصيلة، يقول تعالى:
( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) (البقرة: 195).

ومنذ صدر الإسلام ظهر مفهوم حفظ الصحة حيث إنه يعين على العبادة وأداء مهمة الخلافة في الأرض وبذلك تتحقق مصلحة الدين. والوقاية من المرض تحقق مصلحة البدن والعقل والصحة تعين على العمل والكسب والتناسل. فهي بذلك تحفظ مصلحة النسل والمال. وهكذا فإن حفظ صحة الفرد يحقق له الصالح الخمس التي طلب الشرع رعايتها وهي الدين والبدن والعقل والنسل والمال.

حفظ صحة البيئة فيه سلامة المجتمع وحماية لأمة المسلمين من الضرر وإعلاء لكلمة الله، ومن هنا نلاحظ أن الأحاديث الشريفة تتناول جوانب الوقاية والحماية بدرجة تكون أقرب إلى الأمر والإلزام. وكلما كانت الحماية مرتبطة بالمقاصد الخمس التي جاءت بها الشريعة كانت درجة الإلزام أكبر. فالإسلام يأمر الفرد بالابتعاد عن موطن الوباء ولكن وقاية المجتمع المسلم من انتشار الوباء تعلو على مصلحة الفرد الواحد وبذلك تصير التضحية بالنفس في سبيل سلامة المجتمع شهادة في سبيل الله . روى البخاري وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها عن النبي r أنه قال : " ليس من أحد يقع الطاعون ، فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد ".

عناصر الوقاية في ضوء الإسلام:
ا- الصحة الشخصية. تعاليم الإسلام تدعو إلى السلوك الصحي والنظافة الشخصية. روى البخاري عن رسول الله r " الطهور شطر الإيمان ".

وفي مجال التغذية هناك أحاديث كثيرة تتناول وصايا صحية في الاعتدال في الطعام واختيار الطعام الطيب والحرص على نظافة الطعام والشراب . روى مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي r أنه قال : " غطوا الإناء وأوكوا السقاء".

وهناك أحاديث تناولت أعضاء الجسم المختلفة كصحة الفم والأسنان وصحة العين وصحة الأنف وغيرها. ويؤكد الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذه الإجراءات الوقائية ليست من قبيل النظافة فحسب وإنما هي من قبيل العبادة . روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها عن النبي r أنه قال: " السواك مطهره للفم، مرضاة للرب ". وأخرج أبو نعيم عن سعيد بن المسيب عن النبي r قوله: " العين نطفة فإن مستها رنقت ، وإن أمسكت عنها صفت ".

وإذا كان تحريم الخمر والمخدرات من مقومات الصحة الشخصية فإنه ينعكس على الصحة النفسية والوقاية من الحوادث وحماية الأجنة من التشوهات. روى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي r قال : " كل مسكر خمر وكل خمر حرام ".

ولحماية الصحة الاجتماعية شجع الإسلام الزواج المبكر وحذر من الفاحشة التي هي مصدر الأمراض الاجتماعية روى أحمد وابن ماجه حديث رسول الله r قال : " ما ظهرت الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ".

والإسلام لا يفصل بين الصحة الاجتماعية والصحة النفسية وبين الصحة البدنية. فالمجتمع الذي يسوده الرفق والتراحم وحسن الخلق وحسن الجوار تبدو عليه علامات الصحة الإيجابية ممثلة قي طور العمر . روى أحمد عن عائشة رضي الله عنها عن النبي r قال: " أنه من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من خيري الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار ". وهذا الحديث الشريف هو أول تسجيل لارتباط العلاقات الاجتماعية بمتوسط عمر الفرد في المجتمع.

2- صحة البيئة : حماية صحة البيئة تطبيق لقاعدة إسلامية رئيسية وهي أن كل مسلم مسئول عن سلامة جماعة المسلمين تطبيق للقاعدة التي وضعها رسول الله r بأنها كالجسد الواحد، وأن من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. وهذه الحماية تلزم المسلم ألا يكون مصدر ضرر للبيئة.

روى أبو داود حديث رسول الله r : " اتقوا الملاعن الثلاثة. البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل ". وروى الترمذي- عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: " إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب، الجود، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود ".

وقد دعا الإسلام إلى الوقاية من الأمراض الانتقالية بعزل المريض عن الأصحاء، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال. " لا يوردن ممرض على مصح ".

3- الوقاية من الحوادث: وضع الإسلام القواعد الأساسية للوقاية من الحوادث قبل أن يظهر علم السعادة ويتبلور في إجراءات محددة في مجالات الصناعة وحوادث الطرق وحوادث المنازل. فالإسلام يكره التواكل ولكنه يأمر باتخاذ الأسباب الدنيوية ثم بعد ذلك بالتوكل على الله. يقول تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) (النساء : ا 7). وروى ابن حبان والطبراني أن أعرابيا سأل رسول الله r : هل يترك ناقته دون أن يربطها توكلا على الله تعالى فقال له النبي عليه الصلاة والسلام. " اعقلها وتوكل ".

وعلم السلامة يقوم على مبدأ أساسي وهو أن لكل حادثة سببا وبتجنب الأسباب يمكن تجنب الحوادث. روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي r أنه قال. " لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون".

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:27 PM
المستوى الثالث: الطب العلاجي والتأهيل

أمر الإسلام بإصلاح البدن مما يصيبه من أمراض وإصابات وذلك بالعلاج والتأهيل فالجسم هو أداة العبادة، وسلامته شرط لأداء وظيفة الخلافة . وقد خلص الإسلام مهنة الطب من الخرافات والكهانة والسحر التي اختلطت بهذه المهنة منذ فجر التاريخ. روى مسلم وأحمد عن عائشة رضي الله عنها عن النبيr قال : " من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد".

وتخليص الطب من الكهانة والسحر يرتبط بمبدأ عام في الإسلام وهو رد الأمر والإرادة والقدرة على النفع والضر لله وحده كجزء من عقيدة التوحيد.

والأحاديث النبوية الشريفة في الأمر بالتداوي صريحة وواضحة وملزمة لكل فرد أن يسعى إلى استعادة الصحة المفقودة. وأوضحت الحد الفاصل بين الإيمان بالقضاء والقدر وبين طلب العلاج. روى ابن السني وأبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما : سئل النبي عليه الصلاة والسلام : هل ينفع الدواء من القدر. فقال. " الدواء من القدر، وهو تعالى ينفع من يشاء وبما يشاء ".

فالأمر بالتداوي لا ينافي التوكل وعلى كل مسلم أن يلتمس كافة الأسباب للوقاية والعلاج.

منهج الطب الإسلامي في العلاج
ترتكز نظرة الإسلام للعلاج على الأسس التالية.

ا- الأمر بالتداوي روى الشيخان عن أسامة بن شريك عن النبي r قال : " تداووا. فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء. غير داء واحد هو الهرم ".

2- تقرير المنج العلمي في ممارسة مهنة الطب. وذلك بالقواعد التالية :

أ- قصر مهنة الطب على دوي الخبرة فيها : روى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي r قال : " من تطبب ولم يكن معروفا بالطب فأصاب نفسا فما دونها فهو ضامن ". ومبدأ ضمان الطبيب كان أحد عناصر نظام الحسبة في عهود الخلافة الإسلامية. والرسول عليه الصلاة والسلام لم يدع لنفسه القدرة على المداواة. روى أحمد عن هلال ابن يساب قال. دخل رسول الله r على مريض يعوده فقال : " أرسلوا إلى الطبيب " . فقال له قائل : وأنت تقول ذلك يا رسول الله . قال : " نعم " .

ب احترام التخصص في مهنة الطب فقد روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم رضي الله عنهما أن رجلا أصابه جرح فاحتقن الدم وأن رسول الله دعا برجلين من بني أنمار فقال : " أيكما أطب " فقال رجل : وفي الطب خير . فقال عليه الصلاة والسلام : " الذي أنزل الداء أنزل الدواء " .
ج - العلاج يخضع لمنطق السباب واللنتائج . فلا دواء بعد معرفة الداء . ففي كتاب افصابة لابن حجر العسقلاني عن الشمردل بن ثبات الكعبي أن النبي r قال له : " لا تداووا أحدا حتى تعرفوا داءه " .

وتأكيدا لمبدأ الأسباب والنتائج روي الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال : " لكل داء دواء فإذا أصيب داء الدواء برأ بإذن الله عز وجل " .


د- دعوة العلماء للبحث عن أسباب الأمراض واكتشاف ما يجهلونه من وسائل العلاج فليست كل الأدوية معلومة ولكن تكتشف بالتدريج . روى أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي r قال : " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله " .

والأمراض التي لم يكتشف علاجها بعد هي ابتلاء من الله تعالى للعبد فعليه أن يصبر ويحتسب وله الجنة.
روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة أتت النبي r فقالت : إني أصرع وأني أتكلف فادع الله لي قال : " إن شئت صبرت ولك الجنة. وإن شئت دعوت الله عز وجل أن يعافيك ". قالت: أصبر.

هـ - تقبل العلاج النافع أيا كان مصدره، فقد روى أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت : " إن رسول الله r كان يسقم عند آخر عمره فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فينعتون له الأنعات وكنت أعالجها له ".

3- الالتزام بالقواعد الشرعية في العلاج. ومن ذلك ما يلي :

أ- تجنب المحرمات في العلاج. والأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بتحريمها. وقد روى أبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي r قال. " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ".

ب- الاهتداء بالتوجيهات الشرعية للإجراءات الطبية : فقد أرست الشريعة كثيرا من المباديء التي تنظم المعاملات وتناولها بالتفصيل علم أصول الفقه . وكثير من هذه المباديء يمكن تطبيقه على عملية العلاج . فقواعد المصلحة توضح أن الأصل في المنافع الإباحة والأصل في المضار التحريم . كما تقوم قواعد تجنب الضرر على مبدأ ( لا ضرر ولا ضرار ) وبالمفاضلة بين المنفعة والضرر يمكن استنباط رأي الشرع في الإجراءات العلاجية . أما قواعد دفع الحرج ومراعاة الضرورة فتوضح الرخص الشرعية التي تبيح للطبيب والمريض من المحظورات بقدر الحاجة . أما قواع الحقوق فتنظم الجوانب القانونية وآداب مهنة الطب .

كل هذه القواعد تقوم على مبدأ العدل والإحسان وتكسب الممارسة الطبية صبغة إسلامية متميزة.

خاتمة.
وهكذا يبين مما سبق أن للإسلام نظرية فريدة في الطب تنبثق من التفسير الإسلامي لرسالة الإنسان في الأرض من النظرة الإسلامية للكون والوجود والحياة . فالإسلام لا يفصل الدين عن الاقتصاد أو الطب أو السياسة أو الاجتماع وإنما يضعها كلها في إطار واحد هو الإسلام ، بطريقة توظف الطاقات الروحية لخدمة التقدم الاجتماعي والاقتصادي والصحي. والغاية القصوى من هذا الازدهار البشري والتقدم الحضاري في الأرض هو إعلاء كلمة الله تعالى. يقول سبحانه:

( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز) . (الحديد : 25).

فالمسلم مكلف بإقامة حضارة تعتمد على مصادر القوة المستنبطة من خيرات الأرض وخاماتها الطبيعية وتهتدي بما أنزله الله على رسله لتسير بالحق والعدل وهذه الحضارة لا تقوم إلا في مجتمع صحيح قوي قادر على نصر كلمة الله.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:28 PM
المفهوم الوقائي والمفهوم العلاجي
في الطب النبوي

للأستاذ معالي عبد الحميد حمودة
جمهورية مصر العربية

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:28 PM
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعد

إنه من المعجز- دون جدال- حقا أن نرى شخصا أميا ينشأ بين قوم لم يقرأ ولم يكتب، ولكنه مع ذلك r يضع اللبنات الأساسية في بناء الحضارة الإنسانية . كما يضع الأصول للعلوم التي تعود فائدتها على البشرية إلى أن تنتهي الدنيا ومن فيها. إنه محمد بن عبد الله r ، الذي أنزل الله عليه الرسالة اصطفاء واجتباء فأخذ من رحيقه وأعطى للدنيا خير هذه الرسالة. وكان ولا يزال عطاؤه متجددا، ووقف أمام فيضه وعطائه علماء كل فن يأخذون من علمه، وينهلون من منهله الشريف. ومع ذلك فإن معينه لم ينضب وما من نظريات صدقها العقل واهتدى إليها المجتمع البشري إلا وتجد لها صلة من كلام النبوة .

ولقد كان للطب النبوي في فجر الرسالة الخاتمة ركائز عظيمة أساسية حملت مفاهيم طبية شاملة بلغة العصر، تلك المفاهيم التي ساعدت على بناء مفهوم الطب النبوي، ووضعت اللبنات الأساسية في بناء الحضارة الإسلامية خاصة والحضارة الإنسانية عامة. كما كان للطب النبوي أصول علمية بكل ما تحمل كلمة العلم من معان وما تشير إليه من إيماءات ، لمس المجتمع الإنساني من تلك الأصول كل النفع والفائدة.

وإننا إذ نتقدم بهذا البحث المتواضع عن المفهوم الوقائي والمفهوم العلاجي في الطب النبوي ، فإننا نسأل الله سبحانه أن يأخذ بيدنا جميعا إلى طريق الخير والرشاد. وما كان في هذا البحث من خير وتوفيق فهو من فضل المولى علينا، وإذا كان غير ذلك فهو قصور مني ، وما قصدت إلا الخير والله أعلم بالنيات، وبه سبحانه نهتدي ونتوكل وهو تعالى نعم المولى ونعم النصير.

المفهوم الوقائي

تهتم الأمم كلها في أيامنا الحاضرة بالطب الوقائي، لأنه يكفل لمواطنيها الخدمات الصحية انفي تقيهم شر الأمراض والأوبئة قبل وقوعها، ويهيئهم للعمل ويمكنهم سن الإنتاج، ويوجه الجهود إلى العناية بأوليات الصحة العامة من نقاء الهواء ، ومستوى الغذاء، ونشر الوعي الصحي الخ.

وإذا كانت الحضارة الغربية المعاصرة تروج أن الفضل يرجع لها في وضع قوانين الطب الوقائي كما فعلت انجلترا عام 1848 م عندما وضعت قانونا يكفل المحافظة على صحة الشعب ، ونشأ في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1951 معهد روكفلر للأبحاث الطبية .

إلا أن خاتم النبيين محمد بن عبد الله r كان قد توصل إلى الكثير من مفاهيم الطب الوقائي، وحفظت لنا سيرته وسنته العطرة العديد من الأساليب والأحاديث والأقوال والأفعال التي توضح ذلك.

وقد يجد القاريء اليوم شيئا غريبا فيما نقوله من أن الطب النبوي توصل إلى كثير من مفاهيم الطب الوقائي ، إذا وضعنا هذه المفاهيم في إطارها الزمني ومجالها الحضاري ، كان خليقا بأن نجد فيه سبقا لعصره بمئات السنين ، ونراه أهلا لأن يحتل مكانه من هذه اللقطات .

وإذا عرفنا الشعار المعروف (الوقاية خير من العلاج) فإن استقراء الطب النبوي في المفهوم الوقائي، يجعلنا دون أدق شبهة انحياز نشير إلى أن شعار الوقاية خير من العلاج شهد أول بذرة له في عصر الطب النبوي .

والحقيقة الخالصة أنه في فجر الإسلام وبداية دعوة محمد r حدث شيء على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للطب، ذك أن الرسول الكريم r جاء أكبر داعية لصناعة الطب والأطباء .

ويهمنا أن نقول إن رسول الله r بالإضافة إلى ما قدمه للحضارة الإنسانية من ركائز من الطب النبوي تعتمد عليها وتحيا بها ، فإن المعارف الطبية في عصر المصطفى r قومت على أسس من فرائض وسنن الشريعة الإسلامية العظيمة.

وقد كان من الإعجاز النبوي لرسول الله r أنه قدم الطب النبوي كعلم وإيمان- كعلم يعالج مرض القلوب ومرض الأبدان من جهة، وإيمان لترسيخ مفاهيم الدعوة الإسلامية والعقيدة وتعاليم الإسلام وسننه.

لقد تحدث الرسول الكريم r في الطب والصحة والمرض، والوقاية من العدوى وفي فضائل الأطباء، بل إن بعض الكب التي جمعت أحاديث الرسول r تعتبر بلغة العصر (دائرة معارف للطب النبوي) ضمنها المفاهيم الوقائية والعلاجية من منظور إيماني إسلامي.

ولا يمكن مثلا أن ننسى مقاما قاله رسول الله r من أن المعدة بيت الداء ، والحمية رأس كل دواء، وبقيت هذه المقولة الشريفة تحتل مكانها الرفيع في الممارسة الطبية طيلة العصور الإسلامية ، بل إنها قاعدة طبية أساسية معمول بها حتى وقتنا الحاضر .

وهذا ، وغيره مما سوف نراه- يدحض قول بعض المستشرقين الذين زعموا أن النواحي الصحية والطبية مهملة في الإسلام .

ينحصر المفهوم الوقائي في الطب النبوي فيما يلي .

أولا: النظافة من الإيمان

حث الإسلام على النظافة وجعلها من الإيمان ، فقد روى عر رسول الله. r أنه قال : النظافة من الإيمان .

والمعروف أن من أهم تعاليم الإسلام إيجاد جيل صحيح سليم، لا يتم ذلك إلا بالعناية بالصحة الفردية التي منها يتوصل إلى صحة المجموع ، ولذلك أشار الرسول الكريم r بقوله (العلم علمان. علم الأبدان وعلم الأديان) .

وقد قدم رسول الله r علم الأبدان لأن من لا يتبصر في نفسه لا يتمكن من معرفة ربه عز وجل .

والنظافة فوق أنها تقوى الله ومن الإيمان وهي أحد أركان الإسلام ، لأن الصلاة لا تتم إلا بها، والصلاة من أهمم أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها ، إلا أن النظافة حي وقاية من الأمراض السارية والأوبئة المعدية.

تعد نظافة ، الأقسام الظاهرة من الجسم أساسا في طهارته والتي يعتبر فيها الجلد الدرع الواقي المتين، والحصن المكين لما تحته من الأنسجة والأعضاء. وهو عرضة لملامسة مواد متنوعة من غبار غبار وجراثيم وفضلات ورواسب وأوساخ تجتمع على سطحه فتولد الأقذار الكريهة والروائح القبيحة . وقد تسد الأوساخ مسام الجلد فتحدث أمراضا عامة وموضعية .

والنظافة- والطهارة- تشمل طهارة الأجزاء المكشوفة أو الخارجية للجسم ومسام الجلد، والفم والأنف والعينين والأذنين، وطهارة الجسم العامة هي الاغتسال.

وقد جمع رسول الله r في منهج الطب النبوي ، الطب كعلم وإيمان، ففي الصلاة وطبقا لأوامر القرآن الكريم ، يلزم الوضوء ، الوضوء من الإيمان ، وهو من أكبر مفاهيم الوقاية لأن الوضوء بالماء يقي الوجه مما يعلق به ويقي العينين مما يصيبها ويلوثها، وينظف الأنف من إفرازاته التي التقطت أثناء التنفس من الأوساخ التي قد تذهب إلى القصبات، فالقصبات الرئوية، فالرئة . كما أن غسل الأذنين يزيل ما يتراكم فيها من إفرازات تفرز في الأذنين لاصطياد الجراثيم ، والضرر الذي يمكن أن يلحق بالأذنين ويؤدي إلى التهابهما، كما أن عملية الوضوء تنشط الدورة الدموية لاستحسان تدليك الأعضاء التي يجري غسلها في أثناء الوضوء .

وقد أوصى رسول الله r وأكثر بالاستنان (أي تنظيف الأسنان) بالسواك وهو عود من خشب شجر الأراك له ألياف دقيقة يستعمل لتنظيف الأسنان .

فقال رسول الله r ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك قبل كل صلاة) .

يقول الباحث عفيف عبد الفتاح طبارة.

(ولو نظرنا إليه من الناحية الطبية، أي الأراك، لوجدنا أن هذا النبات يتكون كيمائيا من ألياف السيليلوز وبعض الزيوت الطيارة، وبه راتنج عطري وأملاح معدنية وأهمها : كلور الصوديوم والبوتاسيوم واكسالات الجير) .

وقد حث الطب النبوي على التطهر من النجاسة، والنجاسة هي اسم أطلق على كل ما هو ملوث بالجراثيم، أو على الأقل عرضة لنقل العدوى والمرض إلى الإنسان لذا أمر الإنسان بالتطهر منها كوقاية، فقد قال رسول الله r : (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره ، ولا يتمسح بيمينه) .

وإعجاز الطب النبوي في هذا الحديث بالنسبة للنهي عن التنفس في الإناء إذا شرب المسلم، لأن شارب الماء قد يتنفس في إناء الشرب فيخرج مع نفسه في الزفير ما يخالط الشراب إذ الماء من اللعاب أو من غاز ثاني أوكسيد الكربون ، وربما يغص شارب الماء عند تنفسه لامتزاج النفس!والشراب وعدم وجو الهواء الكافي للتنفس.

ومن مفاهيم الطب الوقائي في الطب النبوي أن رسول الله r أمر بالوقاية من البلهارسيا قبل أن تعرف البشرية هذا المرض الخطير بمئات السنين. قال رسول الله r .
( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه).

وفي، حذا الحديث حارب النبي r البلهارسيا وغيرها من الأمراض ، ذلك أن الماء الراكد إذا بال فيه الإنسان وخاصة إذا كان مصابا بمرض ما ينقل العدوى إلى سواه. وفي قول الرسول الأعظم r حكمة نبوية طبية جليلة القدر وهي أن الماء الجاري نقل فيه العدوى إن لم تنعدم .

وقد أمر رسول الله r إجمالا بنظافة الجسم بصورة عامة ، باعتبار أن النظافة هي أرقى صور الوقاية من الأمراض .

قال رسول الله r
(خمس من الفطرة: الاستحداد والختان وقص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظافر) .

فالاستحداد ، أي إزالة شعر العانة وما حولها خشية أن تكون مقرا للطفيليات ومختلف أنواع
الجراثيم بالنظر لقربها من القبل والدبر، أما الختان فإن وجود (القلفة) وهي التي تغطي الحشفة قد يكمن تحتها بعض الجراثيم ، ولذلك وجب أن تزال ليسهل تطهيرها وإزالة ما قد يصيبها في أثناء الجماع أو التبول. أما قص الشارب فلا يعني إزالته تماما ولكن قصه بحيث لا يتكاثف شعر الشارب فيكون مترا للإفرازات الأنفية وغير ذلك. والإبط يمكن أن يكون مقرا للإفرازات الجلدية الضارة، وقد ينتقل إليه بعض الطفيليات من العانة ولذلك وجب نتف شعر الإبط. أما الأظافر فإنها كثيرا ما تخفي تحتها الأوساخ والجراثيم ولذلك وجب تقليم الأظافر وقصها .

ويمضي المنهج الوقائي في الطب النبوي بشأن نظافة الجسم، فأمر رسول الله r بالاستنجاء، وهو طهارة الناحية التناسلية وأمر بالعناية بالطعام والشراب، ونهى عن لحم الخنزير وشرب الخمر وغير ذلك .

وهكذا في المفهوم الوقائي في الطب النبوي يتضح لنا في سنن النبي r وأفعاله في نظافة الجسم ، عظمة هذا المنهج ، على الرغم من تعاقب السنين وهاهو لا يزال في جدته وصدقه لم تخفه وتقض عليه تطورات العلوم المعاصرة وتعاقب الأحداث لأنه من عند الله على لسان رسوله وصفيه r .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:29 PM
ثانيا: الطب النبوي.. والحجر الصحي

جاء الطب النبوي بأول مفهوم وقائي للحجر الصحي، بل إن رسول الله r أول من وضع قانون الحجر الصحي ، وسبق الطب النبوي بذلك الطب الحديث.

ففي الصحيحين عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله r في الطاعون؟ فقال أسامة : قال رسول الله r. (الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل ، وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه) .

هذا الطاعون الذي لو علمت أوربا بقانون الطب النبوي وعملت به حين اجتاحها الطاعون في أواسط القرن الرابع عشر الميلادي لخفت حينئذ الخسائر التي منيت بها الأرواح قد قدر عدد الموتى الذين قضى عليهم هذا المرض 25 مليون نسمة.

والطاعون من حيث اللغة. نوع من الوباء، قاله صاحب الصحاح. وهو عند أهل الطب : ورم رديء قتال، يخرج معه تلهب شديد مؤلم جدا ، يتجاوز المقدار في ذلك ، ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر ، ويؤول أمره إلى التقرح سريعا ، وفي الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع : في الإبط وخلف الأذن والأرنبة ، وفي اللحوم الرخوة .

والمقصود بما قاله رسول الله r عند وقوع الطاعون، أن الرسول الكريم جمع للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه، كمال التحرز منه فإن في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضا للبلاء، وموافاة له في محل سلطانه، وإعانة الإنسان على نفسه وهذا مخالف للشرع والعقل. بل تجنبه الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد الله إليها .

وبلغة أهل الطب ، فإن المفهوم الوقائي في حديث النبي r عن الطاعون هو ما يتبع الآن في الوقاية من الطاعون، فإذا أصيبت مدينة ما بهذا الوباء، أقيم حولها " حجر صحي " يمنع أي شخص من الخروج منها، ويمنع دخول أي شخص إليها ، ما عدا الأطباء ومعاونيهم ، وبذلك يمنع المرض من الانتشار خارج هذه المدينة، ويتم حصار الوباء في مكان واحد مما يسهل فيه مراقبة المصابين وعلاجهم .

بل إن الطب النبوي لم يغفل المفهوم الوقائي بالنسبة للحيوان، وفي ذلك يقول النبي الكريم r (لا يوردن ممرض على مصح) .

أي لا يورد، صاحب الإبل المريضة عام صاحب الإبل السليمة فيعدي مريضها سليمها .

ولقد أشار الشاعر العربي إلى ذلك بقوله .

لا تربط الجرباء حول سليمة خوفا على تلك السليمة تجرب

وقد عرف رسول اللهr العدوى ، وأوضح المفهوم الوقائي لا قبل أن الجراثيم ، وقبل أن يعرفها أطباء الشرق والغرب. قال رسول الله r :

(فر من المجذوم فرارك من الأسد )

وفي هذا الحديث ما يوضح حرص الرسول العظيم r الوبائية على ما في أخطار العدوى ومن الملفت للنظر في هذا الحديث النبوي ، أن هناك دورا من أدوار مرض الجذام يبدو فيه المصاب بوجه ذي سحنة تشبه وجه الأسد ولذلك دعيت حديثا (السحنة الأسدية)؟

وكذا رأينا من النبي الأمي r المنهج الوقائي في الطب النبوي ، هذا المنهج الذي ارتكز أساسا على الدعوة إلى نظافة الجسم ، وتأثير هذه النظافة في الوقاية في كثير من الأمراض والالتهابات . كما أن المنهج الوقائي للطب النبوي قدم لنا ما يطلق عليه بلغة العصر الحديث الآن الحجر الصحي ، قبل أن تعرفه البشرية كلها بمئات السنين .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:29 PM
المفهوم العلاجي في الطب النبوي

ارتكز المفهوم العلاجي في الطب النبوي إلى قاعدة طبية إيمانية جليلة القدر ، هي ما قاله رسول الله r أمرا بالتداوي والعلاج ، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله عن النبي r أنه قال : لكل داء دواء ، فإذا أصيب داء الدواء برأ بإذن الله عز وجل .

وفي الصحيحين : عن عطاء ، عن أبي هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله r : ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء .

وفي مسند الإمام أحمد، من حديث زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال: كنت عند النبي r وجاءت الأعراب، فقالوا : يا رسول الله. أنتداوى ؟ فقال: نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد. قالوا: وما هو: قال: الهرم .

ارتكز المفهوم العلاجي في الطب النبوي بداية على الأمر بالتداوي ، وترسيخ الأسباب والمسببات في نفوس المسلمين والمسلمات من أن الله تعالى بيده كل شيء، وأن الداء والدواء من قدر الله عز وجل .

وهذه الأحاديث التي أوردناها وعلى رأسها: لكل داء دواء، والأمر النبوي الذي يقول فيه (تداووا) فإن الله تعالى لم يضع داء إلا ووضع له شفاء . هذه الأحاديث هي من جهة قوية لنفس المريض والطبيب وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه، فإن المريض والطبيب وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه ، فإن المريض إذا استشعر في نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء ، ونجا من حرارة اليأس وانفتح له باب الأمل . وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء ، أمكنه طلبه والتفتيش عليه .

وفي هذا المفهوم العلاجي رد على من أنكر التداوي ، كل أن هذا المفهوم حارب الشعوذة والخزعبلات والأوهام، وأبطل الطلاسم والرقى مما كان يستعمله الكهنة في الجاهلية، وسفه أحلام من نسبوا بعض الأمراض للجان والعفاريت، ولقد ترك هذا المفهوم المجال للبشر لمعرفة أسباب الأمراض وكشف علاجها.

ومن إعجاز الطب النبوي كما قلنا أنه المنهج الوحيد الذي جمع فيه رسول الله r بين الإيمان والطب، أو الإيمان والعلاج، فالمسلم مطالب بالإيمان أصلا في كل عقائده وسلوكيات حياته ثم إن المسلم إذا مرض فإنه بداية يؤمن أن هذا المرض الذي ابتلاه الله به هو من قدر الله ، والمسلم كذلك يؤمن بأن التداوي أيضا من قدر الله ، وهذا منهج طبي إيماني فذ وإعجازي .

وقد حفظت لنا السنة النبوية الشريفة، وهدي رسول الله r ما يمكن أن نصفه بأنه " دائرة معارف طبية نبوية " في العلاج والتداوي .

والواقع الرسول الكريم: r لم يكن طبيبا بالمعنى الذي نعرف الآن ، ولكنه كان رسولا ملهما بالمعاني السامية التي تحمي المرء وتسدل عليه ثوب العافية نفسيا وطبيا ، وهو مقيد عليه الصلاة والسلام بتعاليم أنزلت عليه من السماء بآيات قرآنية تتضمن الحرص على صلاح الناس ولإصلاحهم في أجسامهم وعقولهم وحالاتهم الاجتماعية .

هل عرفتم إذن لماذا نشدد في وصف الطبيب المسلم بأنة صاحب أعظم مهنة إنسانية في هذا الكون .

اعترف الرسول الكريم بالطب والأطباء، وحث المسلمين على الاستفادة بكل ما يساعد الإنسان على حفظ صحته وعافيته ، وكانت أدوية الرسول الكريم مفردة لا مركبة على ما كان يوصي به وهو العدول عن الدواء المركب إذا كان الحصول على الشفاء بالدواء المفرد ..

وعن العلاج بالأدوية والمداخلات الطبية التي أمر بها رسول الله r فإن العمل بها يتطلب الإيمان بكل ما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث لا ينتفع من هذا المفهوم العلاجي إلا من تلقاها بقبول حسن واعتقد الشفاء بها، فلم يوص بها رسول الله r إلا بعد أن تلقاها بوحي من ربه تبارك وتعالى.

وسوف نورد هنا على سبيل المثال ما جاء في المفهوم العلاجي للطب النبوي.

ا- المداواة بالعسل
2- حديث الحجامة والقسط
3- حديثة الحبة لسوداء
4- حديث السنا
5- حديث مداواة الحمى

ا- المداواة بالعسل

جاء في القرآن الكريم عن عسل النحل (.. يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) .

وجاء المفهوم العلاجي للمداواة بالعسل في الحديث الصحيح
عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صحة وقال : إن أخي يشتكي من بطنه فقال اسقه عسلا ، ثم أتاه الثانية : فقال اسقه عسلا ، تم أتاه الثالثة فقال. اسقه عسلا ، تم أتاه الرجل فقال. فعلت وما زال . فقال له الرسول الكريم r : صدق الله وكذب بطن أخيك . اسقه عسلا . فسقاه فبرأ .

ويريد رسول الله r بقوله: صدق الله، قوله تعالى (فيه شفاء للناس ) وعسل النحل أمر به رسول الله في الحديث السابق ، لمداواة الإسهال بالمسهل ، لطرد الأخلاط الفاسدة من المعدة والأمعاء حسب أصول الطب الحديث .

وإذا رجعنا إلى تركيب عسل النحل كيميائيا وجدنا أنه يحتوي على 25 ــ 40 في المائة جلوكوز فالجلوكوز الموجود فيه هو بيت القصيد ، وهز سلاح الطبيب في أغلب الأمراض، واستعماله في ازدياد مستمر بتقدم الطب، فيعطى بالفم، وبالحقن الشرجية وتحت الجلد وفي الوريد ويعطى بصفته مقويا ومغذيا وضد التسمم الناشىء أمراض أعضاء في الجسم مثل :

ا- التسمم البولي الناشىء من أمراض الكبد.
2- الاضطرابات المعدية والمعوية.
3- التسمم في الحميات مثل التيفوئيد، والالتهاب الرئوي ، والسحائي المخي، والحصبة
4- في حالات ضعف القلب.
5 ـ فى حالات، الذبحة الصدرية إلى آخره .

ولعسل النحل تأثير ملطف يزيد في إفرازات الفم، فيفيد في حالات صعوبة الابتلاع ، وجفاف الحلق ، وبعض حالات السعال الجافة، ولذلك أدخل عسل النحل طبيا في تركيب كثير من الغراغر وأدوية السعال . كما أن العلم الحديث أثبت أن عسل النحل علاج عظيم لتسمم الحمل .

وهذه التجربة المفيدة في هذا المقام ، فقد تم اختيار 20 سيدة حوامل الحمل الأول في الشهور الثلاثة الأخيرة من الحمل ، وكان ضغط الدم يتراوح ما بين 140/90 ــ 160 / 100 بمتوسط قدره 75 , 147 / 5 ,
98

وحمض اليوريك يتراوح ما بين 5- 9 بمتوسط قدره 1. 7 ملجم في المائة ملليلتر دم. وكانت درجة (الأوديما) و (البروتين) في البول من متوسطة إلى شديدة. وقد تم اختيار عسل النحل للعلاج على أساس خصائصه وهو أنه مهدىء ومدر للبول واحتواؤه على مكونات مادة (البروستجالأندين) وهي المادة التي تكون ناقصة قي مرض تسممات الحمل.

وقد استخدم عسل النحل ثلاث ملاعق قبل الإفطار بساعة، وثلاث ملاعق بعد الغداء بساعتين ، وثلاث ملاعق بعد العشاء. وقد استجاب للعلاج 75 في المائة من الحالات بعد فترة متوسطها 5. 15 يوما وأصبح ضغط الدم بعد العلاج يتراوح ما بين :

وانخفض- حمض اليوريك في الدم إلى متوسط 25،5 ملليجرام في المائة ملليلتر وانخفضت الأوديما والبروتين في البول .

2- حديث الحجامة والقسط

جاء في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله r قال:
(إن أمثل ـ أي أفضل ـ ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري ) .

والحجامة من أنجح الطرق لمعالجة سكان المناطق الحارة، لأن إخراج الدم إلى ظاهرة البدن يفيد كثيرا ، ذلك لأن الأمراض إما أن تكون دموية أو غير دموية ، فإن كانت من القسم الأول فشفاؤها إخراج الدم بالحجامة من جزء مناسب من الجسم ، كابتداء الإصابة بالفالج وضغط الدم نتيجة امتلاء الشرايين به وما ينجم عنه من احتقان بالمخ وغيره .

أما القسط فقد ذكرت له عدة فوائد عديدة ، وتبنت أكثر أنواعه في بلاد الهند ، وأخصها وأحسنها المدعو بالقسط العربي أو البحري والسبب في تسميته القسط البحري لأنه ينبت أيضا في بعض جزر الهند التي يحيط بها البحر من جميع الجهات .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:30 PM
وقد صنفت، منافع القسط إلى منافع ثلاث :

ا- النوع المستعمل في الطب الباطني فهو مقو عام وخاصة للمعدة ، وإذا غاب بالماء فإنه يدر البول والطمث، وإذا طبخ بالعسل المصفى ، فإنه يفيد الجهاز التنفسي ويشفي ضيق النفس وأوجاع الكلى والكبد وقيل إنه يفتت الحصاة .

2- الاستعمال الظاهري. إذا ذر مسحوقه على الجروح جففها ، وإذا مزج مع زيت الزيتون واستعمل مروخا (دهانا بالتدليك) في أمراض الصدر وأمراض الرحم وفي الشلل وعرق النسا. وتقطير دهنه بالأذن يسكن ألمها.

3- استنشاق بخوره يقطع الرشح ويكفي الزكام ويسكن أوجاع المفاصل .
جاء في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله r دخل على السيدة عائشة رضي الله عنها وعندها صبي يسيل أنفه فقال : ما هذا؟ قالوا إنها: العذرة ، فأمر رسول الله r بالقسط يحك ويسعط به ففعلوا فشفي .

3- حديث الحبة السوداء

ثبت في الصحيحين من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله r قال. (عليكم بهذه الحبة السوداء فإن فيها شفاء من كل داء إلا السام ) .

والحبة السوداء يسمونها بالفارسية (الشونيز) وتسمى الكمون الهندي .
وتسمى في العديد من مجتمعات أمتنا العربية (حبة البركة). وهي حبة تنبت في بلاد فارس ذات طعم حريف، ورائحة عطرية، وهي تنبت كذلك بالهند وأفريقيا وصعيد مصر.

وللحبة السوداء استعمالات طبية من الباطن والظاهر، فاستعمالاتها الباطنية أنها تفيد في النزلات الصدرية وهي مقشعة للبلغم ، وهي تحلل الأخلاط الضارة بالجسم وتفرزها إلى الخارج. وقيل إنها إذا شربت بماء وعسل فإنها تفتت الحصاة، وإذا مزجت بماء الشيخ أخرجت الديدان منن الأمعاء، ودخانها طارد للهوام .

أما استعمالاتها من الظاهر فقد لوحظ أن مزجها مع غيرها من العقاقير يفيد في بعض الأمراض الجلدية وتحليل الأورام ، وإذا ما نقعت في الخل يوما ثم سحقت واستنشقها المريض سعوطا أبرأت آلام الرأس .

4- حديث السنا

السنا هو نبات حجازي ، أفضله المكي وهو دواء شريف مأمون الغائلة قريب من ، الاعتدال، يسهل الصفراء والسوداء، ويقوي القلب .

روى ابن ماجةعن النبي r أنه قال :
(عليكم بالسنا والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام).
والسنا يلين الطبيعة، ويسهل تدفق الصفراء، ويهضم الدهون ، ويمنع عسر الهضم .

وقد أورد ابن قيم الجوزية فضائل السنا من أنه ينفع في الصداع العتيق والقمل وينشر الشعر ، ويعالج الجرب والبثور، والحكة والصرع .

5- حديث الحمى

ثبت في الصحيحين ، عن نافع عن ابن عمر، أن النبي r قال:
(إنما الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء)

والطب النبوي عالج الحمى بمثل ما يعالجها العصريون والحكماء والمتخصصون وهي الماء البارد .

ولا يزال حتى اليوم نرى أطباء الحميات يصفون للمحمومين حمامات الماء البارد للقضاء على نوبات الحمى المصاحبة للالتهابات الرئوية أو الالتهابات المعوية. بل إن حالات الحميات عند اشتداد الحرارة تعالج بالماء بطريقتين :

الأولى: من الخارج على هيئة مكمدات باردة أو مثلجة، لغرض تهبيط وإنزال درجة الحرارة.

الثانية: تعاطي الماء بالفم بكثرة أثناء الحميات، يساعد جميع أعضاء الجسم- خصوصا الكليتين- على النهوض بوظائفها الحيوية للجسم .

بل إن بعض الأطباء الفاهمين يستبشرون خيرا بالحمى، ذلك أن الحمى تكون أنفع من شرب الدواء بكثير فإنها تنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يغير البدن، فإذا أنضجتها صادفها الدواء متهيئة للخروج بنضاجها فأخرجها فكانت سببا للشفاء.

وقد تبت أنه في بعض الأمراض المزمنة مثل مرض الروماتيزم المفصلي المزمن ، الذي تتصلب فيه المفاصل وتصبح غير قادرة على التحرك ، أو مرض الزهري المزمن في الجهاز العصبي تتحسن كثيرا بارتفاع درجة حرارة الجسم ، أي في حالات الحميات ولذلك من ضمن طرق العلاج الطبي في مثل هذه الحالات عمل " حمى مصطنعة " أي إيجاد حالة حمى في المريض بحقنه بمواد معينة .

وقبل أن ننهي هذا البحث الموجز المتواضع لا بد أن نشير إلى أن الرسول الكريم r عني بتثقيف أمته ثقافة صحية تلقي تعاليمها من ربه ، و واستنبط بعضها منها من كنه الحياة وإدراك خصائص النفس ، ومن ذلك التعرف إلى حاجة الجسد والنفس ، والعلم بالوسائل المؤدية إلى حفظ التوازن بين حاجة الجسم وحاجة النفس وإعطاء كل من عنصري الإنسان المذكورين الأساسيين حقه .

وقد ألقينا بعض الضوء على المفهوم الوقائي والمفهوم العلاجي في الطب النبوي ، ولا نزعم أننا أوردنا كل ما يتعلق بهذين المفهومين ، أو كل ما لايحتوي منهج الطب النبوي ، ولكن قدمنا بعض الأمثلة على سبيل المثال لتوضيح المفهوم الوقائي والمفهوم العلاجي في الطب النبوي .

وقد أوضحنا في المفهوم الوقائي كيف أن الطب النبوي كان أول من أوجد نظام الوقاية الطبية الصحية، وأن هذا المفهوم وتلك الوقاية قومت على أساس محل تنفيذ فرائض وسنن شريعة الله ، بمعنى أن الجديد الذي ذكرناه أن المفاهيم الطبية النبوية (الوقائي يعالج أمراض الأبدان من جهة ، ومن جهة أخرى ترسيخ الإيمان كما جاء به الدين الحنيف. كما أن هذه المفاهيم تدحض شبهات الذين زعموا أن الإسلام لم يهتم بأمر الصحة العامة.

وقد شرحنا ضمن المفهوم الوقائي دور النظافة وأثرها في النظرة الصحية العامة من جهة، ومن جهة أخرى دور النظافة في تطبيق شعائر وأركان الدين الحنيف. وكيف أن النظافة من أكثر الأشياء التي اهتم بها الإسلام ، وأنها هي أول الأسلحة الوقائية من العديد من الأمراض. كما شرحنا كيف أن الطب النبوي هو أول من جاء بأول مفهوم وقائي للحجر الصحي واستدللنا فيما تقدم بالأحاديث النبوية الشريفة في هذا المقام.

وعن المفهوم العلاجي في الطب النبوي فقد ألقينا بعض الأضواء على هذا المفهوم وشرحنا كيف أنه ارتكز أساسا على قاعدة إيمانية هي أن الداء والدواء من قدر الله، والأمر بالتداوي والطب والمعالجة، ثم قدمنا بعض الأحاديث للأسلوب العلاجي النبوي الذي أرشدنا إليه سيد الأولين والآخرين r .

ويهمنا أن نكرر أننا لم نورد كل ما فعله وقاله رسول الله بشأن المفهوم الوقائي العلاجي في الطب النبوي، ذلك أن الإلمام بهذا . يحتاج إلى كتب ومؤلفات لا هذا المقام .

ونحن قد التزمنا في بحثنا هذا بشروطه وعدد صفحاته، بما يوضح أننا ألقينا بعض الضوء لا الضوء كله- على المفهوم الوقائي والعلاجي في الطب النبوي .

والله من وراء القصد وصلي الله عام خاتم النبيين والمرسلين صلاة وتسليما دائمين .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:30 PM
الأمراض النفسية وعلاجها الروحي في الإسلام

للدكتور عبد الستار أبو غدة
الكويت

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:31 PM
(تمهيد)
الدراسات النفسية في التراث :-

إن من حق التراث علينا أن يكون هو النواة لكل دراسة يراد لها أن تجمع بين الطرف والتليد ، وتربط بين الحاضر والماضي المجيد. ويتأكد هذا في المجالات التي تقتصر معظم الدراسات فيها على ترسم خطى النتاج الحديث مع إغماض الطرف عن الجذور التي تساعد على تحقيق الانتماء إلى هذه الأمة في دينها وعلومها وتطبيقاتها على مدى العصور.. حتى سيطرت الهجانة على معظم مقولات العلوم وبلغ الأمر أن يزعم البعض أنه ليس في التراث مواقف تاريخية مدونة تجاه الأمراض النفسية ، وقد أتى هؤلاء من تغاير الأسماء ، وهولا يؤثر على حقيقة المسميات ، كما غفلوا عن أن علوما معروفة قد استضافت حقائق هذا العلم ، فضلا عن شواهد التاريخ التي تدحض هذه الدعوى ، وأحدها تلك البيمارستانات التي أسست لرعاية المرضى عموما، وبخاصة من جهلت علته أو استعصت على الشفاء أو استطال زمنها. وبعضها يرجع إلى عشرة قرون خلت، وفي صكوك وقفها وسجلات إدارتها نمط عجيب من الرعاية والاهتمام، ولا مجال للتوسع في ذلك بل هي لفتة للموازنة بما هو معروف من أن علم النفس الحديث لا يزيد عمره عن مائتي عام..

هذا وإن الدراسات النفسية كانت تعتبر جزءا من علم الفلسفة عند اليونان، جريا على تفريع العلوم كلها عن شجرة الفلسفة، وهو ما مشى عليه ابن سينا ومن جاء بعده. على أنه طرأ فيما بعد مزج لطيف بين مقومات كل من علم النفوس والأخلاق والدين ، وكان التصوف هو المحضن الملائم بعد أن جمع مختارات دينية وأخلاقية ونفسية وفلسفية، وظهر هذا في مؤلفات الغزالي المختلفة كإحياء علوم الدين ، وكتاب الأربعين، وميزان العمل.. حتى اعتبر بحق : أول مؤسس لعلم النفس الإسلامي .


أما قبل ذلك فقد اشتملت على بعض المقولات رسائل إخوان الصفا كتطوير لما جاء عند الفلاسفة. وللغزالي نظرة حادة على انتماء علم النفس للفلسفة وهو يعتبر الريادة فيه للمتصوفة على مدى العصور إذ يقول في كتابه " المنقذ من الضلال " وفى وهو يستعرض معارف الفلاسفة وعلومهم:-
القدرة على مواجهة في الأزمات النفسية العادية التي تطرأ على الإنسان ، ويرافقها الإحساس الإيجابي بالسعادة والكفاية، ويكون ذلك عادة بإشباع أكبر قدر من حاجاته الأساسية للأمن والحب وإثبات الذات والإنجاز والنجاح.

ومن المعايير الظاهرة لذلك أن تكون حياة الشخص النفسية خالية من الصراعات النفسية بين النوازع والرغبات أو الاتجاهات في مجال، ما من مجالات حياته، وخالية من العقد النفسية (أو الصراعات اللاشعورية) التي تعوق أداء النفس وكفايتها التفاعلية. وأصل مفهوم الصحة النفسية منبثق عما يسميه علماء الحياة : " تكيف الكائن الحي للبيئة المحيطة به " لكنه هنا (تكيف نفسي) يحكم على من لا يراعيه بأن هناك شكا في صحة حالته النفسية. وقد ازداد الاهتمام بالصحة النفسية حتى غدت علما شبه مستقل موضوعه الاهتمام برفاهية الإنسان وسعادته في جميع نواحي حياته وعلاقاته.

وسن هذا يتبين أن الصحة النفسية ليست هي مجرد الخلو من المرض، فإن هذا الخلو لا يستلزم قدرة الفرد على مواجهة الأزمات العادية، ولا يتبعه الشعور الإيجابي بالسعادة. كذلك ليست هي النتائج الفردية التي هي غاية للسعادة (الفردية) والكفاية ، لأنها لابد أن تصطدم برغبات الآخرين ما لم تكن مشروطة بالسعادة الاجتماعية فإن مراعاة التعامل الاجتماعي واجبة بحيث تتحقق النتائج الفردية إلى جانب الأهداف الاجتماعية.

كذلك (أخيرا) لا يمكن اعتبار الصحة النفسية مجرد العمل لسعادة المجتمع، لأن هذا بدوره لا يحتم سعادة الفرد وكفايته إلا إذا لاحظنا التلازم بين نقص سعادة الأفراد ونقص السعادة للمجتمع بأسره.. وهذه الملاحظة شديدة الشبه بالتصوير للأثر الفردي والجماعي في القيام بفرائض الكفاية من حيث انبثاث النفع للجميع ، أو شمول الإثم لهم كلهم، في حيز ينفرد المبادر للقيام به بالأجر وحسن الذكر..

وقد حان الآن أن نستحضر من التراث المقابل لاصطلاح ( الصحة النفسية) لدى المعنيين بذلك من القدماء ، ولعلنا نجده في إحدى كلمتين هما (الرضا) و (الاعتدال) وهما كلمتان رددهما الغزالي كثيرا في دراساته النفسية ، وهما متصلتان ببعضهما اتصالا وثيقا، أما (الرضا) فهو الانعكاس الداخلي للشخص السوي، وأما (الاعتدال) فهو المظهر الخارجي لسلوكه. وقد قرر الغزالي أن منشأ أكثر الفضائل والرذائل هو من ثلاث قوى: قوة التخيل، وقوة الشهوة، وقوة الغضب، وشرح ما في كل منها من عون للنفس أو تثبيط لها. وبعد بيان طويل مليء بالتدليل والتمثيل والنظائر دعا إلى سلوك الاعتدال قائلا: والمحمود أن تكون معتدلة ومطيعة للعقل والشرع في انبساطها وانقباضها، ومهما أفرطت إحدى هذه القوى فكسرها بوسائل منها شغل النفس بالعلوم واكتساب الفضائل .

أما الرضا فهو نهاية المطاف لمراحل متدرجة تبدأ عند الغزالي بالابتهاج، فالاستبشار، فالارتياح، فالفرح، فالشرح، فالسرور، وأخيرا الرضا. ويفسر ابن تيمية المراد بالرضا بأنه شيئان: الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ، والرضا بالمصائب التي تحل به. وليس من ذلك الرضا بالكفر والفسوق والعصيان مهما سيق ذلك مساق الحرص على التكيف مع البيئة والظروف المحيطة بالشخص (التوافق) بلغة علم النفس الحديث .

ومن الحقائق الإسلامية التي لا تدع مجالا لاتهام الإنسان واستزراعه في الشر والانحراف أن كل مولود يولد على الفطرة ".. وفي الحديث القدسي " إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا..، وأن الإنسان مأمور بتزكية النفس ومحذر من تدنيسها (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (3).

وهذه الأمراض النفسية لها مضاعفاتها المحققة في التصرف والسلوك السلبي والضار.. ولذا كان لابد من المبادرة إلى علاجها بشتى الوسائل.. وعن طبيعة المرض النفسي وحقيقته يقول ابن تيمية: مرض القلب نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته. فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار فلهذا يفسر المرض تارة بالشك والريب وتارة بالشهوة المحظورة.. ولهذا صنف (الخرائطي) كتاب " اعتلال القلوب " أي مرضها وأراد به مرضها بالشهوة.. و (مرض القلب) ألم يحصل في القلب كالغيظ من عدو استولى عليك، وكذلك الشك والجهل يؤلم القلب. ثم يقول عن (الاعتدال) مرض الجسم يكون بخروج الشهوة والنفرة الطبيعية عن الاعتدال ، كذلك مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال وهي الأهواء التي قال الله فيها (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم له (4) .

وعن (الرضا) نجد لدى عدد من الباحثين المعاصرين شبيه ما قرره الغزالي، إذ يربطون ربطا وثيقا بين (الرضا) وبين كل من الميل والاتجاه والتكيف والروح المعنوية العالية، وبعبارة أخرى: إن استجابة الشخص الأولى نتيجة الميل، وهذا الميل يولد الاتجاه الذي يؤدي بدوره إلى الرضا، والرضا يتفاعل مع البيئة فيستقر الفرد ويتكيف فإذا ما انتشر هذا التكيف أدى إلى ارتفاع الروح المعنوية في الجماعة والتجمع.

وبعد فإنه لا يختلف الأمر قديما أو حديثا ، في أن المرض هو ضد الصحة، وقد تميز الآن بالمفهوم المقابل لمفهوم الصحة النفسية بأية عبارة كانت..

تقسيم الأمراض النفسية :-
إن ما يطلق عليه (الأمراض النفسية) ليس هو الوحيد في ميدان الأحوال الطارئة على فطرة الإنسان ووضعه السوي، فهناك زمر أخرى مشابهة في الدور من حيث إحداث الاختلال وإعدام التوافق أو التكيف.. ومن هنا يؤثر أكثر الكاتبين في دراساتهم أن يتطرقوا إلى (الأمراض العقلية) جنبا إلى جنب مع الأمراض النفسية، بل يضيفون إليهما ما يشكل (نقصا أو تخلفا عقليا) أو ما هو من قبيل الأمراض (السيكوسوماتية أي النفسجسمية) وهي أمراض ذات أعراض تنتج عزل حالات نفسية في حين تأخذ أشكالا بدنية، والاهتمام بها لتلافي تنازع الاختصاص بها لازدواج طبيعتها، وهذا فضلا عن زمرة أخرى لم يتناولها الطب النفسي وحده، بل كانت الغلبة في معالجتها للأخلاق والقانون أحيانا من مثل (انحرافات سمات الشخصية) كالجبن والغضب والخجل، أو (اضطرابات السلوك) كالكذب والسرقة، أو (اضطرابات العادات) لدى الناشئة، وهذا التوسع له ما يسوغه في ظل ما يلحظ من غموض وحيرة في حصر هذه الشرائح ، توزيعها. كما أن بينها قاسما مشتركا يجمعها هو أن موضوعها هو النفس (التي سبق تعريفها بما يميزها عن كل من الروح والجسم) ، كما أنها كلها تجانب الفطرة والحالة السوية الغالبة في الإنسان.

على أن الأجدر بالحديث عنه كمرض يراد علاجه ويؤمل شفاؤه عن قرب، وفقا للأصول ذات الطبيعة النفسية هو ما يطلق عليه (العصاب) وهو كل خلل وظيفي في السلوك لا يكون- بالرغم من إزعاجه- سببا كافيا لإدخال المصاب به إلى مستشفى الأمراض العقلية، وذلك كالقلق والاكتئاب والوسواس والهستيريا.

وقد أنصف عد من الكاتبين في مشكلات الصحة النفسية حين تحاشوا رسم إطار عام لها أو مبادىء عامة مطلقة تصلح للتطبيق في النواحي الإيجابية للصحة النفسية. وأقاموا عذرهم في ذلك على أن المعلومات عن كثير من تلك المشكلات لا تزال غير كافية ، وهو ما جعلهم يقنعون بالتوجيهات المبدئية إلى أن يحظى هذا العلم الحديث بطابع الحصر والتحديد.. كما أشاروا- للتأكيد على موانع الإقدام على تلك المحاولة- إلى التعقيد الذي تتسم به مشكلات الصحة النفسية (إذا أريد تتبعها في الميادين التطبيقية المختلفة) بل إن قاموس أكسفورد لعام 1970 يقول إن مفهوم الأمراض النفسية والعقلية قد اتسع في العقود الأخيرة ليشمل أكثر من حالات التعاسة العادية التي تصاحب حياة الإنسان. كما ذكر أن هناك اتجاها في بعض المجتمعات (التي تحاول التخلص من السمات الأولية للفقر) إلى إلحاق بعض مشاكل الحياة بمصطلح الأمراض النفسية.

ولا حاجة للتنويه في ضوء ما سبق إلى الدور الذي يقوم به العلاج الروحي قاطعا جهيزة هذا الغموض والتردد ، والذي لا يزداد مع الأيام إلا شدة وإمعانا في الاختلاف.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:31 PM
وفيما يلي تسليط بعض الأضواء على أشهر الأمراض النفسية:-

1 - القلق (anxiety)
ويسمى في لغة التراث النفسي ويعرف بأنه هو الشعور بالخوف الزائد من شر متوقع، والإحساس بالعجز عن مواجهته. وهذه الحالة النفسية المرضية تتميز بعدم الرضا وعدم التأكد وبالاضطراب، وتنجم عن الخوف لكنه خوف مما يمكن أن يقع غالبا، أو مما كان قد وقع، أكثر منه خوفا من أوضاع مخيفة واضحة.

والتسمية بالحصار تذكر بالحالة النفسية التي تتصف بها بعض الفئات الضعيفة التي تلوذ بالحياد بدلا من الانتماء واختيار جبهة معينة فتعيش في قلق بسبب هذا الموقف المضطرب. قال الله تعالى في شأن من لم تتح لهم ظروفهم أن يهاجروا ليعيشوا حياة دار الإسلام (أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ) (5) ويسمى هذا النوع (الحزن) بفتح الزاي ، إذا كان خوفا لشر متوقع وله حقيقة. أي يخشى وقوعه، فإن كان الشر قد وقع في السابق فإن أثره يسمى (الهم) ولذا جاءت الاستعاذة النبوية تجمع بينهما في جملة واحدة (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن)..أي من قلق ينشأ عن أمور ماضية لا يزال المرء يجش في ظل مخاوفها كالمصائب، أو ما ينشأ من أمور مستقبلية كالوعيد والتهديد أو الخطر المتوهم.

ولعل مما يوجه الأبصار صوب العلاج الروحي ما لهذا المرض النفسي من جوانب متباينة بعضها منشؤه شعوري كالخوف أو الإحساس بالذنب أو مشاعر التهديد وبعضها لا شعوري ينشأ عن عمليات معقدة تعمل دون وعي، فلا سبيل إلى إدراك العوامل الباعثة، وإذا كان بعضه موضوعيا يمكن وضع اليد عليه لأنه منوط بخطر خارجي أو أذى متوقع فإن البعض الآخر عام غامض لا يرتبط بأي موضوع محدد، ولهذا يعبر عنه المختصون بأنه حالة من التوتر الشامل الذي ينشأ خلال صراعات الدوافع ومحاولات الفرد للتكيف، وهو مظهر للعمليات الانفعالية المتداخلة التي تحدث خلال الصراع أو الإحباط.

2- الاكتئاب (depression):-
وهي حالة انفعالية تكون فيها الفاعلية النفسية الجسدية منخفضة وغير سارة، وقد تكون سوية أو مرضية وتشير المرضية منها إلى اليأس والشعور الساحق بالتفاهة. وبعبارة أخرى هو: فقد الاهتمام بالأشياء والعجز عن التركيز وإن بعض الحالات، المبالغ فيها قد تتميز بالشعور بالعجز والميل إلى التخلص من الحياة.. والاكتئاب إذا زاد تحول إلى اضطراب عقاب والاكتئاب كثيرا ما يصاحب القلق.

هذا وإن الاكتئاب في الدراسات التراثية لا يخرج عما يطلق عليه الهم والغم والكرب والحزن، لأنها هي الأعراض التي يطلق عليها في الطب النفسي الحديث " الاكتئاب النفسي".

3- الخور، وهو يدعى الآن: )النوراستينيا (neurasthenia
ويقصد به تقليد شكوى الغير، أو كما يقول الشاعر المهجري أبو ماضي:-
أيها الشاكي وما بك داء كيف تبدو إذا غدوت عليلا

وهو خلل وظيفي في السلوك يتصف صاحبه بالتعب غير السوي، والشكايات الجسدية غير المستندة لواقع، وهو نوع من العصاب، ووجه ما في التراث من تسميته بالخور أنه عبارة عن الجبن إزاء أمور لا يجبن عنها الآخرون الأسوياء، فهو ينبع من شعور ذاتي فردي يستروح إليه صاحبه دون أن يكون له حقيقة أو مسوغ .

ولا يخفى أن علاج هذا المرض يكمن في التسلي عن المصائب والتذرع بالصبر، وإدراك النعم الأخرى السابغة على الإنسان مهما ألحقت به من آلام، وسيأتي مزيد بيان لهذا الإجمال.

4- الوسواس القهري (opsession):-
وهر وجود فكرة أو انفعال أو إلحاح مستحوذ بصورة مرضية على فرد ما. وبعبارة أخرى: الانشغال بفكرة تافهة ظاهرا لكنها مسئولية على صاحبها بحيث يعجز عن مقاومتها أو إبعادها، وهي تقتحم تفكيره حتى تعطل اهتمامه بغيرها. وعليه يشعر الفرد) أنه ملزم بأداء عمل معين بدون قناعة، لكنه يقع تحت سيطرة هذا الشعور إلى حد العجز عن فالواقع أن الدين السماوي هو نظام إلهي متكامل واجب التطبيق باعتباره معيارا للحق الثابت، وهو هدف أساسي يتبعه كل ما عداه لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به).

ثم إن هذا لا ينطبق إلا على الدين الحق ، أي الدين السماوي قبل النسخ أو التحريف، فإن الأديان المحرفة، أو الأديان المخترعة من البشر ما هي إلا مجلبة لأضرار لأحد لها على الصحة النفسية للإنسان، بعد ضررها على الدين والعقل.

إن هناك كلمة وفيرة من المفاهيم الأساسية في التربية وعلم النفس في مجال العلاج، والقدر الأكبر منها مشترك في التعويل عليه، وتتميز إسلامية علاج ما بالربط الوثيق بين جوهره وبين التطبيقات الأصيلة في القرآن والحديث والتراث الإسلامي الذي نشأ في ظلهما. وكثيرا ما تتبين الريادة والسبق الإسلامي في أساليب نحسبها عصرية وذلك كلما تم الكشف عن مزيد من الثروة العلمية والعملية مما لا يفتقر إلا لبعض الروابط ليفهم بموازين العصر و طببقا لأساليب المعرفة الحديثة.

وقد اهتم الغزالي بالمعالجة النفسية بشكل لم يضاهه فيه غيره، وأودع ذلك في أكثر من كتاب في هذا المجال، ومن أهمها في موضوعنا ، كتابه " ميزان العمل " وكتابه " معارج النفس " فضلا عما في كتابه " إحياء علوم الدين لا من أبواب تحت اسم: كتاب شرح عجائب القلب، وكتاب رياضة النفس ومعالجة أمراض القلب وكتب عن التوبة، والصبر والشكر، والخوف والرجاء. ومما قاله في ميزان العمل: " القسم الثاني- من أقسام العلوم النافعة- العلم العملي وهو ثلاثة علوم (1) علم النفس بصفاتها وأخلاقها، وهو الرياضة ومجاهدة الهوى (وهو أكبر مقصود هذا الكتاب) 0 (2) وعلمها بكيفية المعيشة مع الأهل والولد والخدم والعبيد، فإنهم خدمك أيضا كأطرافك وأبعاضك وقواك. وكما لا بد من سياسة قوى بدنك من الشهوة والغضب وغيرهما فلابد من سياسة هؤلاء. (3) وعلم سياسة أهل البلد والناحية وضبطهم... وأهم هذه الثلاثة تهذيب النفس وسياسة البدن ورعاية العدل (الاعتدال) من هذه الصفات، حتى إذا اعتدلت تعدت عدالتها إلى الرعية البعيدة من الأهل والولد ثم إلى أهل البلد، " فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" .

إلا أنه يبقى الفرق واضحا بين العلاج النفسي والعلاج الروحي، وربما يتعين لإبداء الفرق الإلمام بأحدهما على الأقل وهو العلاج النفسي للانتقال إلى تفصيل الآخر.

صور العلاج النفسي معروفة للمختصين، ولغيرهم إلمام كاف بها، وهي المتبادرة كلما ذكر المرض النفسي ، والطابع المميز لها أنها قابلة للتجريب وخاضعة لأصول ومعايير ذات مرونة. ونحن في غنى عن التوسع فيها، ولا سيما مع اشتمال المؤتمر، على قدر كبير من التعريف بها، فهناك العلاج التحليلي، والعلاج السلوكي، ولكل منهما طرائقه، ومن الوسائل التي تذكر، ولها سندها من عموميات المباديء الإسلامية المتداولة في تراث علماء النفس والتربية والأخلاق .

أ - التوجيه، ويعتبر أول الطرق الوقائية، وقوامه تقديم المشورة الهادفة إلى جعل تأثيرات المجال الذي يعايشه الشخص متلائما مع الاستعدادات المختلفة لديه سواء كانت استعدادات عقلية كالذكاء، أو انفعالية كالميول ، ويتصف التوجيه بالاستمرارية ولو حصل التدرج إلى إجراءات أخرى .

ب- الإرشاد: وهو أيضا طريقة وقائية تسلط الأضواء على أحسن سبل التعامل مع البيئة لحل بعض المشكلات التي لم تتصف بالتعقيد وذلك بهدف التعايش مع المجال الخاص بالشخص دون الإخلال بالتوازن بين الجوانب النفسية السوية.

ج - العلاج: بتقويم الانحراف في أنماط السلوك لدى الشخص، ويكون عادة بعد فوات فرص الوقاية. ولعل هذه إحدى الفوارق عن العلاج الروحي فإنه ليست هناك فرص تفوت بحيث تتوقف الإجراءات الوقائية، فإن تلك الإجراءات معظمها محل خطاب تكليفي من الشرع بدرجات متفاوتة من الفرضية العينية أو الكفائية أو الندب.

وللعلاج النفسي خطواته من (الشكوى والتشخيص) وهي شكوى لتوصيف المرض، ثم (تفريغ الشحنة الانفعالية) للتعبير عن أسباب الاضطراب.. وهذا ما يتم عن طريق طلب النصيحة والحرص على استشارة المؤتمن.. والتعاون على البر والتقوى.

كما أن هناك (الاستبصار) المراد منه إدراك الدوافع التي كان الشخص غافلا عنها أو عاجزا عن إدراكها، وما أشبه هذا بتعريف الإنسان عيوبه في مناجاة الناصح غير المتتبع للعثرات، وفي ظل مبدأي (الحسبة) و (الأمر بالمعروف والنهي عن المنح) . ومن ثم يتم (تغيير السلوك) باكتساب الاتجاهات الجديدة والعادات الفضلى ولابد مع ذلك من (المتابعة) التي ستوثق بها من تمسك الشخص بمكتسباته .

هذا، وإن مثل هذه الإجراءات والوسائل للعلاج النفسي لا تعدو أن تكون عبارة عن قوالب لتنظيم المواقف الواجب اتباعها تجاه الحالات المرضية دون أن تتطلب- بالضرورة- الالتزام بمعطيات محددة في استحضار نوع خاص من (القيم) أو أنماط معينة من السلوك محكوم عليها من وجهة نظر خاصة بأنها سوية. فلابد لمنحها الثقة أو حجبها عنها من تحري ما تشتمل عليه هذه الوسائل وما تكون وعاء له من تصرفات ليست محل تحفظ شرعي. وإلا فما جدوى علاج يشفي عللا ثانوية ويحدث شرخا في أركان الشخصية الإسلامية.

فإذا روعيت هذه الضوابط فإن المعالج مطلق اليد في التصرف بحكمة والأخذ برصيد معرفة مسلمة لديه آثارها ومأمونة عواقبها ، وملحوظ فيها كل ما يحقق الحظوة للعليل، فإن المجال هنا مجال النفس في مشاعرها وأحاسيسها وليس الجسم في عضويته الآلية.. وللمعالج المسلم استراتيجيته في خطوات العلاج وما يسبقه من توجيه وإرشاد، وفي الإرشاد متسع ل سلوك أكثر من منحى يتناسب مع مقتضى حال المسلم الكامل، وبدون التعويل على (القيم السليمة) والسعي إلى ذيوعها واستحواذها على اهتمام الفرد والتأييد الطوعي التلقائي للمجتمع ستظل الحالة المرضية هي السائدة ، ذلك أن عدم تأصيل القيم السليمة لدى الأفراد والتناقض بين قيم الفرد وما يجده في المجتمع المحيط به هما عاملان في إيجاد أنماط الشخصية غير السوية في حين أن هدف الإرشاد النفسي هو الصحة النفسية لدى الأفراد كخطوة في سبيل صحة المجتمع .

وهناك- كما في بحث الدكتور محمد رفقي فتحي عيسى، عن علاقة الإرشاد بالقيم- منهجان: (أحدهما) يهتم (بتوضيح القيم) عند الأفراد بمساعدتهم على استجلاء ما لديهم منها عن طريق الأسلوب الحواري بمناقشات محايدة لا يتدخل فيها المرشد. و (الثاني) يهتم (بإخضاع القيم) إلى سلم ارتقائي معياره الالتزام بالواجب بمناقشات أخلاقية تهدف للمستوى الأعلى.. وهذه الدراسة ترى أن في كل منهما عيبا، يكمن في افتراض نسبية القيم وعدم الخلوص إلى حل الصراع النفس في المنهج الأول ، وفي غموض المعيار وعدم الثبات أو الشمول وعدم اتساق المراحل في المنهج الثاني.. ولذا لابد إبدال هذين المنهجين بمنهج آخر هو (تصحيح القيم) وهي عملية تحليل القيم بعد توضيح المعيار الأسمى المتمثل في البناء القيمي الديني المنبثق من الدين الجامع الخاتم (الإسلام) المتميز بالعصمة والثبات والصدق والشمولية. ولئن كانت العمليات متشابهة في كل من توضيح القيم وتصحيحها فإنها في التصحيح تتميز بتحديد القيمة السليمة فتوقظ أسمى قيمة وهي (الإيمان) ويطمئن القلب والوجدان لها كمعيار فضلا عن اتخاذ موقف من البدائل المزيفة وتكون الممارسة للقيمة باعتبارها معيارا يتم الرجوع إليه في الموقف المشكل.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:32 PM
العلاج الروحي للأمراض النفسية

مما لا يسو إغفاله في المناهج والدراسات التي تهتم بها (المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية) أن كلا من الجانب الروحي الديني والجانب النفسي المستمد من المبادىء الإسلامية هما من أهم مميزات الطب الإسلامي لأن وجودهما يعزز الأسس والمبادىء المرضية في حياة الإنسان المسلم ، عليلا كان أو معافى، لأن هذا العلاج غير المادي ما هو إلا وجه من وجوه التطبيق للإسلام بعقيدته الصافية وشريعته الوافية، وهو في الحقيقة عنصر مساعد على وقاية (الطب الإسلامي) من آفة الاقتصار على العلاج المادي والتعلق به وإغفال الأثر الثابت لغيره من أساليب العلاج التي تمت بصلة مباشرة إلى العقيدة والأخلاق وهما الجانب البالغ الأهمية في حياة الإنسان .

وفي هذا يقول ابن القيم، وهو في أبحاثه القيمة يمثل السفير الناجح للجانب الروحي في ميدان الطب والعلاج: طب الطبائعية (يقصد أطباء الجسم) وعلاجهم بالنسبة إلى العلاج النبوي (يقصد العلاج الروحي) كطب الطرقية بالنسبة إلى طبعهم بل أقل. فإن التفاوت الذي بينهم وبين الأنبياء أعظم وأعظم من التفاوت الذي بينهم وبين الطرقية ، بما لا يدرك الإنسان مقداره، فقد ظهر لك عقد الإخاء الذي بين الحكمة (يقصد المعقولات المدركة) والشرع (الغيبيات) وءدم مناقضة أحدهما للآخر ".

وهناك شعار يمكن رفعه في الدعوة إلى رحابة الصدر بهذا العلاج، وهو مستمد من قول r تعقيبا على استعراضه بعض الرقى المتداولة وإقرار ما كان منها خاليا من الشوائب المخلة بالعقيدة أو السلوك الإسلامي حيث قال: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل) وإن تسليط الأضواء على هذا النوع من العلاج إتاحة للنفع ، كما أن من ينكره - عن جهل بمضمونه ومستنداته- يوصد بابا للنفع ويصد عن سبيله، وقد غاب عنه أن (وفوق كل ذي علم عليم) (6) ولم يستحضر الخطب الإلهي جملة وتفصيلا (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (7).

والعلاقة بين التوجيهات الدينية والشفاء وثيقة جدا، فالمؤمن كما يدين لخالقه في حال الصحة يستعين به في حال المرض ، والإسلام يقدم علاجات مختلفة متآزرة لإيجاد الإنسان القويم السوي، فكما يحتاج المريض إلى عقاقير الدواء يحتاج إلى عقاقير الفكر المستخلصة من العقيدة، وآثارها عبادة والتزاما.

والعلاج الروحي إما أن يكون معقول المعنى ميسور الإدراك لمن لديه مبادىء إيمانية، لما يلحظ فيه من الصلة المباشرة بمسلمات دينية تنبثق من الإيمان بالله عز وجل.. ومنها أمور لا يدرك العقل سرها لكنه في الوقت نفسه لا ينفيها لأنها لا تعارض مسلمات العقل، بل كل ما في الأمر أنه لا يستوعبها ولا يضع الإصبع على علة الأثر الذي ينسب إليها، وهذا النوع سيأتي منفصلا على حدة لأنه يحتاج مزيد من التوثيق وكثيرا من التوطئة ، وإطارا من التحرز بعدما دخلته الشوائب وتسللت إليه الغرائب.

على أن العلاج الروحي المدرك من حيث الصلة المباشرة بين التصرف والأثر يمكن تقسيمه إلى عام دائم تتحقق به الوقاية والأمان من الوقوع في براثن المرض وإلى علاج تستدعيه الحالة المرضية القائمة وهو- بالرغم من عمومية بعضه وصلاحيته لأكثر- من مرض- يعتبر من قبيل العلاج الرافع للعلة فهو يراد به البرء والشفاء في حين يراد من ذاك الأول السلامة واستدامة الصحة..

هذا ولم يهتم من تعرضوا للعلاجات الروحية بتقسيم مماثل أو مشابه لوقائي وعلاجي بقدر ما اهتموا بإحصاء تلك العقاقير الروحية وأثرها على الأدواء.. وقد أبلغها ابن القيم في معرض علاج (الهم والغم والحزن والكرب) إلى بضعة عشر، بعد أن ورد في مجالات أخرف العلاج بالتعوذات القرآنية، وبالتعوذات النبوية كما تعرض لعلاج حزن المصائب بالتفكير العميق في حقائق الأمور.

وباستعراض ذلك كله يتبين أن منه العام أو الوقائي، ومنه الخاص الموجه أساسا لمداواة مرض معين.

وللقاضي بدر الدين الشبلي اختيار آخر للعلاج الروحي يرشد فيه إلى عشرة أمور تهدف إلى معالجة الضعف الروحي الذي يتسرب معه إلى الإنسان التخبط والوسواس الناشىء عن تسلط أهل الشر من الجنة والناس .

وإن تلمس طبيعة هذه العلاجات كل على حدة، من حيث توقيت اللجوء إليها، يقتضي تصنيفها إلى ما يستهدف به الولاية وما يستهدف به العلاج والاستشفاء..

على أن التفرقة في العلاج الروحي بين الوقائي منه والشفائي ليست واضحة المعالم لسبب جوهري في طبيعتها وهو أنها في معظمها واجبات دينية ثابتة إما بصورة شخصية (فريضة عينية) أو بصوره جماعية (فريضة كفائية) .

ولذا قد ينعدم الخيار أو يضعف في الإقدام على سلوك تلك الأساليب والأخذ بها ما دام الشخص ملتزما بواجباته الدينية... ومن هنا تكون ملازمة هذه العلاجات هي الأصل، فإن كان الشخص معافى سويا قامت بدور الوقاية والتحصين وتعزيز المناعة، حتى إذا عرضت له أدواء وعلل، أو كان في غالب أحواله عليل الروح مريض النفس، فتلك العقاقير الروح، هي الدواء الشافي لما ألم به. ومادام الحديث في إطار العلاج الإسلامي روحيا فإن التوغل في وجهات النظر المختلفة ليس ذ بال هنا لأن هذا العلاج ليس عقارا طبيعيا ينفع للبرء من داء دون آخر ولا سيما أن هذه الأمراض أو الأعراض ملة واحدة في مجافاة الفطرة والتنكب عن الطبيعة السوية.

ولقد استعرض ابن القيم أهم هذه العلاجات (التي يغلب عليها الطابع الوقائي) وبلغت بضعة عشر من الأمور التي يمكن بل ينبئني ، الجمع بينها ليحصل له الدواء الشافي. وعلى رأسها صحة الاعتقاد بتوحيد الله تعالى على النحو الشامل لكل من:

أ- توحيد الربوبية : وهو اعتقاد العبد أن الله هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير وهو الذي رب جميع الخلق بالنعم، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم بالعقائد الصحيحة والأخلاق الجميلة والعلوم النافعة والأعمال الصالحة.

ب- توحيد الألوهية : وهو العلم والاعتراف بأن الله ذو الألوهية وله حق العبودية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها، وإخلاص الدين له وحده.

ج- التوحيد العلمي الاعتقادي ، بإثبات كل كمال أثبته الله لنفسه، وتنزيهه عن كل نقص أو صفة لا تليق بذاته.

والتوحيد الخالص يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج، وهذه الصفات زاد للنفس، مناعة للروح من أن تعمل، فيها الأسقام.

وإذا كان منشأ أكثر الأمراض النفسية وأخطرها هو القلق والاكتئاب فإن علاجهما يكون بأمن الإيمان وطمأنينته، وذلك بعقيدة التوحيد التي يوقن فيها الإنسان بأن خالق النفع والضر هو الله عز وجل، ومن ثم فلا يخشى إلا الله ولا يرجو سواه، دون أن يخل ذلك بمواقف التغيير الإصلاحي دون الاستسلام أو العجز. ثم تأتي العبادات معززة لهذه العقيدة فتوثق صلة الإنسان بربه وتجعل له الغلبة على هواه فلا يكون مقهورا تحت وطأة شهواتها أو نوازعه.

وفي أبحاث المؤتمر الثاني جملة صالحة عن أثر الإيمان والعبادات في توفير الصحة النفسية.

ثم يأتي العلاج الوقائي التالي وهو استحضار الكمال في صفات الله وأفعاله الجارية في كونه وخلقه، فهو منزه عن العبث والظلم ولله في خلقه شئون وحكم حكيمة لا يضرها عدم إدراكنا لها.. وحسبنا الاعتقاد الجازم بتلك المسلمات العليا والتي تتضمن على ما ساقه ابن القيم أيضا:

د- تنزيه الله تعالى عن أن يظلم عبده، أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب ذلك.

هـ- واعتراف العبد بأنه هو الظالم لنفسه كلما كان في المصيبة سمة العقاب. ثم يأتي بعدئذ ما هو توابع لهذه العقيدة الواضحة الصافية، وذلك من مثل:

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:32 PM
و- إقرار العبد لله بالرجاء، وهذا يقطع دابر اليأس القاتل والقلق والاكتئاب.. ومن كان الخير كله بيده فخليق بالإنسان تحقيق الرجاء برحمته، وتفويض الأمر إليه والتضرع بأن يصلح له شأنه كله ولا يكله إلى نفسه.

ز- تحقيق التوكل على الله والتفويض إليه والاعتراف بأن ناصية الإنسان في يده يصرفه كيف يشاء وأنه ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه.

ولهذه القناعات القلبية وسائل من كسب اللسان، والمناجاة المباشرة بين المخلوق والخالق تعين على تحقيق النتائج ، بما تفصح عنه من مكنون العقيدة ومضمر القناعات السابقة، وأهم هذه العلاجات:

ح- الإكثار مزج ترداد ( لا حول ولا قوة إلا بالله) مع استشعار المبدأين اللذين تتضمنهما وهما: البراءة من الحول الذاتي ، فلا حائل يقي من لحوق الشر والضرر إلا بالله ، والبراءة من القوة بمعنى المكنة الذاتية على جلب الخير فلا سبيل إليها إلا بالله ، ومما يجدر التنويه به هنا أن كلمة (الحوقلة) هذه للاستعانة بالله ، وليست للاسترجاع من المصيبة- كما يتوهم ، لذا هي علاج إيجابي. وللتصبر على المصيبة العبارة الخاصة المعروفة.

ط- التوسل إلى الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، فإن تلك الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله وأقربها تحصيلا للمطلوب.

ي- التوبة، باعتبارها تصحيحا للمواقف والتصرفات الصادرة من الشخص سواء كانت في حق الله ، أو حق العباد وهي إذا كانت توبة نصوحا تزيل كل ما يبدد الطاقة الروحية للشخص ، وتقويه تجاه الضغوط والنكبات النفسية التي يتعرض لها من محاسبة الذات. ولا تخفى صلة التوبة بالتخلص من عقدة الذنب ودفعها الإنسان لاستئناف حياة ومواقف فضلى.

ك- الاستغفار ، وهو رفع لشعار التوبة، ومتابعة دائبة لها، وتعزيز لافتقار الإنسان إلى ربه ليكفر عنه خطاياه ويزيل عن نفسه شبحها الذي يشده لليأس والقنوط والضعف والسقوط.

ل- تكوين الشخصية الإسلامية المتبصرة التي تأخذ وتدع ولا يكون الفرد فيها (إمعة) " لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تتجنبوا إساءتهم "، وهذا يدفع عن الإنسان خطر الانسياق والاستخذاء في مواجهة ما يسود في بيئة ما من أفكار غير سوية أو ما يتعرض له من تحريض على الشر، وتسويل من النفس للإقدام على مالا تحمد عقباه من مواقف .

م- الاستعانة بلله سبحانه بالدعاء :
والدعاء لون هام من ألوان العلاج للأمراض النفسية، وهو علاج روحي (إلهي) بالتعبير المستخدم قديما، فضلا عن كونه مظهرا عباديا بل هو مخ العبادة وخلاصتها.

والدعاء ليس- كما يخيل للبعض- أسلوبا نفسيا لا يقصد لذاته بل لأثره الإيحائي ، بل هو حقيقة قائمة عام مناجاة العبد لخالقه والاستعانة به في كل من حال الصحة وحال المرض (إياك نعبد وإياك نستعين ) (8) فلا صحة للزج بالدعاء ضمن وسائل (التنفيس) أو (الإيحاء) فليست في ذلك إلا طمس الحقيقة والغفلة عن الطبيعة العبادية للدعاء.

ن- الصلاة:
الصلاة علاج شامل ، بل صيدلية ملأى بالعقاقير الروحية لشتى أمراض النفس، وهي ليست علاجا فقط، بل مصدر قوة لنفسه تجعله آمنا من المعاناة ، مصداق ذلك قوله النبي (r): " أرحنا بها يابلال ".

وقد عد ابن القيم ما تكون الصلاة عونا على تحصيله من مصالح الدنيا والآخرة ودفع مفاسدها مما لا داعي لسرده، ومداره ما في، الصلاة من شرح الصدور وشفاء القلوب بلذة المناجاة والراحة النفسية باللجوء إلى الله في تأكيد العبودية له وتحقيق الاستعانة به. على أن ابن القيم لم يكتف بما بينه للمسلم من شأن الصلاة، بل نقل الكلام إلى من اتصف بالزندقة فلم يقم وزنا للأديان والعبادة المتقرب بها والمتوصل بها إلى راحة النفس. فدعا هؤلاء للتأمل فيما تستتبعه الصلاة من حركات فيها تقوية للأعضاء وللنفس مما يقوى طبيعة الجسم ويدفع عنه الألم ثم قال: لكن داء الزندقة والأعراض عما جاءت به الرسل والتعوض عنه بالإلحاد داء ليس له دواء إلا نار تلظى!... ولنا ألا نتفق مع رأي من يرى في الصلاة تحقيقا (للاسترخاء).. فإنه معنى لا يفي بمقاصد الصلاة الإيجابية في النفس والجسم.

س- الجهاد:
لأنه مصاولة للباطل ومدافعة للطغيان، إن أخل به من يطلب منه اشتد همه وغمه، فإن جاهد في الله حق جهاده بأية صورة مقدور عليها، أبدل الله ذلك الهم والحزن فرحا ونشاطا وقوة (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ) (9).

ع- القرآن، و خصوصا: الفاتحة والمعوذتان :
القرآن شفاء لما في الصدور. ومن في قلبه أمراض الشبهات والشهوات، ففي القرآن من البينات ما يميز الحق من الباطل، فيزيل أمراض الشبهة المفسدة للعلم والتصور والإدراك بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه، وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها عبرة ما يوجب صلاح القلب.. هذا ما يقوله ابن تيمية ، ويقول القاضي الشبلي: وفي التطبيب والاستشفاء بكتاب الله غنى تام ومقنع عام وهو النور والشفاء لما في الصدور. وخواص الآيات والأذكار لا ينكرها إلا من عقيدته واهية، ولكن لا يعقلها إلا العالمون وتعيها أذن واعية..

هذا وإن فاتحة الكتاب، بما تضمنته من إخلاص العبودية والثناء على الله، وتفويض الأمر كله إليه ، والاستعانة به وسؤاله مجامع النعم كلها وهي الهداية، تعتبر من أعظم الأدوية الروحية، وموضع الاستشفاء منها هو (إياك نعبد وإياك نستعين ) (1).

ف- الصوم:
الصوم وقاية من أدواء الروح والقلب والبدن، وهو علاج روحي إذا روعي فيه مقصوده وأسراره، لأنه أمر آخر غير ترك الطعام والشراب، وذلك هو اجتماع القلب والهمة على الله تعالى وتوفير قوى النفس على طاعته.

ص- الصبر:
هو علاج روحي يرفع عن النفس ضغط المصيبة ويريح الشخص من عناء الشعور بالحرمان أو الألم المبرح نفسيا من المكروه الذي نزل به. والصبر مرتبط بالإيمان ارتباطا وثيقا، لأنه يستند إلى الاعتقاد بالحكمة الكامنة في أفعال الله تعالى نافعة كانت أو ضارة بالنسبة للإنسان .

وللعلماء غوص وتحليل دقيق للبواعث على الصبر والمرتكزات التي تحمل على التلبس به من خلال قناعات هادفة وليس خضوعا للأمر الواقع، فذاك أدق منزلة فيه، وهو صبر لا يثاب عليه صاحبه. وشعار هذه القناعات استحضار قوله تعالى (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) (11) فإن هذه الكلمة أبلغ علاج لأنها تتضمن أن العبد وأهله وماله ملك لله ، فإذا أخذه منه فهو كالعارية المستردة، كما يتضمن أن مصير العبد ومرجعه إلى مولاه الحق ولا بد أن يخلف الدنيا وما فيها وراء ظهره.

وممن أسهم في هذه المعالجات النفسية بالصبر للتخلص من القلق والاكتئاب (الغم والهم وألم المصائب) ابن الجوزي، والمنبجي، وابن تيمية، وابن القيم وآخرون. ومما طرحوه من عناصر كثيرة أشير إلى فحوى ما لديهم جميعا دون تكرار، فمن ذلك:

- أن يعلم أن الدنيا دار ابتلاء، وأنها ذات أحوال، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه.
- أن يعلم أن المصيبة ثابتة في القدر السابق ولابد من وقوعها. وهذا العلم بالنسبة للإنسان بعد أن تقع..
- أن يعلم أن الله ارتضاها له، واختاره لها، فالعبودية تقتضي رضاه بما قسم له.
- أن يعلم أن المصائب رغم خشونتها فهي دواء نافع سيق إليه من الحكيم الخبير.
- أن يعلم أن المصيبة ما جاءت إليه لتهلكه بل لامتحان صبره واختباره فإن من سنن الله اختبار عباده وتربيتهم على السراء والضراء والنعمة والبلاء.
- أن يقدر وجود أكثر من تلك المصيبة، ويلحظ أن ما أبقاه الله عليه مثل ما أصيب به أو أفضل.
- أن ينظر في حال من ابتلى بمثلها، أو بأكثر منها، فيهون عليه مصابه بالتأسي، أو بالتخفيف عنه.
- أن يشهد الجزاء والثواب على الصبر، من تكفير السيئات ورفع الدرجات، وأن يرزق الخلف الحسن عنها، وأن فوات ثواب الصبر أعظم من المصيبة.
- أن يراعى حق الله في البلاء وهو الرضا، أو على الأقل الصبر. فأحد هذين واجب عليه.
- أن يلحظ أن تشديد البلاء هو من خصائص الأخيار والصالحين .
- أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها، وأنه يشمت عدوه ويسيء صديقه ويغضب ربه ويضعف نفسه.. وأنه وإن بلغ في الجزع غايته فمآله أن يصبر صبر الاضطرار الذي لا حمد عليه ولا ثواب (الصبر عند الصدمة الأولى).

كما أن هناك درجات للصبر، فأدناها (التصبر) وهو يحصل بتكلف وتحمل على كره. ثم (الصبر) وهو ثمرة التصبر. ثم (الاصطبار) وهو ما يصدر سجية ويرافقه استبشار باختيار الله له. وهو أبلغ من الصبر.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:33 PM
العلاقة بين الرجاء والخوف
لاشك أن الخوف كعلاج نفسي ليست مقصودا لذاته، بل هو لقمع نزوات الغرور والتسيب مما يقع معه الإنسان في نظير ما يعانيه لو لم يبال بشيء، ولهذا وجب في هذا الخوف ليظل سويا أن يكون متوازنا مع الأمل الذي يحمله الإنسان في جوانحه، فلا يبلغ ، به الخوف درجة اليأس والقنوط، وكي لا يظل إدراك الخوف هنا محل استغراب- من حيث إنه ملاحق في علم النفس ومعدود بين الأعراض غير المرغوبة- أشير إلى أن قصارى ما يعود به الخوف على صاحبه أن يورثه شيئا من القلق.، وهو من القلق غير العصابي إذ له خاصية الدافع إلى العمل والتصرف، ولذا ميزوه باسم (القلق الدافع (DRIVEANXIETY) وهي نظرية جديدة مفادها أن مواقف العمل والتعلم يصحبها شعور بالقلق وعدم الارتياح، وهو شعور يدفع إلى الإسراع في إنجاز واكتساب المعرفة، سعيا إلى تخفيض القلق والتخلص منه فيتلوه الشعور بالارتياح .

ويربط ابز تيمية بين المحبة وكل من الخوف والرجاء بعد أن يجعل المحبة أصل كل عمل ديني قائلا: الخوف والرجاء وغيرهما استلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه، والخائف يفر من الخوف لينال المحبوب (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) (13) ورحمته اسم جامع ، لكل خير، وعذابه اسم جامع لكل شر.

علاجات روحية غيبية:
والذي يجب أن لا نهمله هو العلاج الروحي الديني بمعناه الغيبي غير المحسوس بالإضافة إلى الاهتمام الملحوظ بالعلاج النفسي الذي أخضع للدراسة على صعيد العلم والتجربة أحيانا.. وبذلك نجمع في العلاج بين الأخذ بالأسباب واللجوء إلى خالقها (وإذا مرضت فهو يشفين ) (13).

والتأثير- كما يقول ابن القيم- غير موقوف على الاتصالات الجسمية، كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة، بل التأثير تارة يكون بالاتصال وتارة بالمقابلة وتارة بالرؤية وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه، وتارة بالأدعية والرقى والتعوذات، وتارة بالوهم والتخيل..

وهذه الأنواع تأخذ بنصيب متفاوت قربا أو بعدا من المادة المحسوسة الخاضعة للتجريب والضبط بقاعدة. ويهمنا منها ما جاءت في شأنه نصوص مثبتة وتطبيقات شرعية صحيحة النقل.

والغرض من استعراضها أن تؤخذ في الاعتبار سواء احتيج إلى العمل بها أم لا، فإن من الغبن والخيانة أن تطوى مثل هذه الأساليب أو يتنكر لها لمجرد مجافاتها لما يروج في عصر أو بيئة، أو لما يمتد من تأثير لمبادىء عاشت في قطاعات غير إسلامية.

ومن الواضح أن العمل بالشيء أو تركه أمر آخر غير التصديق والجحود فتارك العمل الواجب لا يجني إلا على نفسه، أما من يتمادى حتى ينكر الحقيقة الثابتة فإنه يريد أن يجني عليها وعلى كان من يعمل بها.. ولذلك يكون مدانا بالمعيار الذي توزن به هذه الحقيقة وفي نظر جميع من يعتقد ثبوتها عمل بها أولم يعمل .

على أننا حين نقرر تميز العلاج الروحي ونشير إلى بعض الصور الغيبية لا نلتزم ولا نقبل من صوره إلا ما ثبتت شرعيته بالنصوص الصحيحة بعيدا عن الخرافات والأوهام، وذلك منهج واضح، لأن الإسلام قد وضع الأسس الكفيلة بإبعاد صور الدجل والاستغلال التي يخترعها كثيرون ممن يستغلون حال ضعف المريض واستسلامه لكل من يلوح له بالعلاج.. أن تسليط الأضواء على المنهج الصحيح كفيل بإزهاق الباطل حتى يذهب الزبد جفاء وبإحقاق الحق حتى يبقى ، وهو ما كان قائما على أدعية وتعوذات مشروعة هادفة، ولابد أن يؤدي هذا إلى دحض الشوائب التي علقت بهذا العلاج بسبب الغموض الذي يستغله بعض المشعوذين .

إن ما جاء في الطب النبوي من علاجات روحية في المرض والوجع واللدغة والإصابة بالعين مما صحت به الأحاديث كله قائم على الدعاء مباشرة دون وسيط بأن يلهم الإنسان سواء السبيل للوصول إلى العلاج الناجع (فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله). وهذا الدعاء يصدر من المريض نفسه أو ممن يتوسم فيه استجابة دعائه بعيدا عن حمل التمائم والحجب.

علاج الإصابة بالعين:
لا تخفي صلة الإصابة بالعين بما يطرأ على النفس من انحراف غير جسماني وإن ذلك لا ينشأ عن تصرف مادي يلحق به، وحين تتغير حالة البدن فإن ذلك لا يخرج عن الأمراض النفسية. والإصابة بالعين أصلها من الحسد. ولكن ليس كل- حاسد عائنا ، وكما يقول ابن القيم: لا ينكر تأثير الحاسد بإيذاء المحسود إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، إذ يلحق بالمحسود من الأذى المعنوي ثم المادي بسبب ما تتكيف به نفس الحاسد من كيفية خبيثة فتؤثر بتلك الخاصية. وتقوم الإصابة بالعين على الرؤية الحاسدة غالبا، وإن كانت نفس العائن لا يتوقف تأثيرها على العين فقد يعتمد على الوصال.

وأولى المراحل: إعجاب العائن بالشيء، ثم إتباعه بتوجه نفسه على كيفية خبيثة تهدف للإضرار به، ثم تستعين على ذلك بالنظر إلى الشخص المعين .

ومن الأحاديث الكثيرة في العين الحديث المروى فى صحيح مسلم " العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين " كما ثبت عنه (r) الترخيص في الرقية من الحمة (لسعة العقرب ) والغين، والنملة (قروح تخرج من الجنب).

وعلاج العين منه نوع وقائي يلجأ إليه المتعرض للإصابة، كما يدعي العائن إلى قوله لوقاية الآخرين من لحوق الذي يخافه عليهم، وهذا العلاج الوقائي هو (التبريك) أي الدعاء بالبركة بمثل قوله: اللهم بارك عليه. وكذلك استحضار الربط بين حدوث النعمة وسبق المشيئة الإلهية بأن يقول " ما شاء الله لا قوة إلا بالله).

وكذلك الدعاء الذي أخرجه مسلم في صحيحه والذي تعلمه (r) من جبريل " باسم الله أرقيك من كل دار يؤذيك، من شر كل حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك " مع تعوذات قرآنية كآية الكرسي والفاتحة والمعوذتين .

أما العلاج للاستشفاء من العين فهو كما ورد في الأحاديث الصحيحة أن يؤمر العائن بالتوضؤ أو الاغتسال، ثم يغتسل منه المعين ، وفي سنن أبي داود واقعة حصلت في عهده r. وقد اهتم علماء السنة وخاصة الإمام الزهري بوصف ذلك بالتفصيل.

وقد أطال ابن القيم الحديث في التكييف العقلي للإصابة بالعين وتعليل العلاج المأثور ليقرب ذلك إلى العلماء الطبيعيين في عصره .. ولا تزال كثير من الأمور تنكشف وتثبيت أشباه تلك المؤثرات غير المحسوسة في قضايا لم تدعم بنصوص غيبية واجبة التسليم بها..

علاج الصرع غير العضوي:
مما ثبت عن (أبقراط) أنه ذكر بعض علاجات الصرع ثم قال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. ونقل القاضي بدر الدين الشبلي. عننه قوله أيضا في شأن بعض المياه الطبية: " إنه ينفع من الصرع، لست أعني الصرع الذي يعالجه أصحاب الهياكل، وإنما أعنى الصرع الذي تعالجه الأطباء " فأثبت نوعا من الصرع لا ينجع فيه العلاج الطبي المعهود لهذه العلة، ولا يزال هذا النوع مائلا للعيان، وإن كان الطب الحديث لا يأخذ بهذا التنويع. مع المشهود من استعصاء بعض الصرع عن العلاج وليس هذا استمرارا للتطبيقات في العلل الأخرى، لأن الحال مختلف فتلك العلل يدخل اللبس في تشخيصها فلا يوقف على الدواء المطابق للداء، وسنة الله التي أشار إليها الحديث أنه " إذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله " وكثير من حالات الصرع المستعصي، يحصل اليقين بوجود الداء ومع ذلك لا يجدي فيه الدواء الناجع في أمثال تلك الحالات مما يدل على أنه حينئذ مرض غير عضوي.

ولهذا النوع من الصرع في التراث تفسير ثابت بالنصوص، فلا يهمنا بعدئذ أن يستنكره البعض أو يستغربوه، وربما بلغ الحال التنديد به في غمرة ما يلتبس لديهم من الخلط بين صور مزيفة من علاجه وبين صور مرسومة متبعة.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:33 PM
ولا يتسع آخر المقام في هذا البحث إلا لبيان ما هناك من ضوابط لدى المنوهين به مع الإشارة لموضع الشاهد من النصوص الشرعية المنقولة وبعض التطبيقات:

أ- الأصل في المرض أي مرض أن يبحث عن دوائه في الأسباب الكونية الظاهرة المقدور على فهمها وتفسيرها، ولذا لا يصار إلى البحث عن علاج آخر إلا عند العجز وسنرى أن الحالات المنقولة في السنة كلها فيها الإشارة إلى أن ما بهؤلاء المرضى قد أعيا الأطباء علاجه.. على أنه لا ينافي هذا أن يحصل (الاقتران) بين العلاج المادي والروحي الذي لا يتنافى اجتماعه مع الأخذ بالأسباب الظاهرة.

ذلك أن لالتجاء إلى الله وسؤاله شفاء مريض مصاب بمرض غير معروف لا يقتصر على حالة العجز عن تحقيق شفائه.. بل إن ذلك الالتجاء يرافق عملية العلاج للمرض سواء حصل الأمل بشفائه أو العجز عنه.. إنما لا يسوغ الاقتصار على العلاج الروحي ويترك الأخذ بالأسباب الأخرى التي وضعها الله تعالى في صورة قوانين طبيعية، وجاءت الشريعة بالتأكيد على أن الأخذ بها لا ينافي التوكل على الله بل إن عدم أخذها إنما هو عجز وتواكل منهي عنهما شرعا، ومستنكران عقلا وطبعا.

ب- يدور العلاج الروحي لهذا النوع من الصرع على قراءة آية الكرسي والمعوذتين والدعاء والصلاة ونحو ذلك مما يقوي الإيمان والنفس، ويجتنب كل من المعالج والمريض الذنوب التي بها كان التسلط عليه.

ج- الإقدام عن، بعض وسائل العلاج الروحي (الزائدة عن الدعاء والتعوذ) من غلظة وشدة وانتهار وتهديد من المعالج موجهة في الظاهر للمريض لا يحل إلا بعد أن يثبت أنه لا علاج له في الطب، أي حتى يستيقن بأن سبب هذا المرض غير عضوي، وأن يكون المعالج موقنا أيضا بسلامة تصرفه وأن تكون عاقبة ذلك مطابقة لما رآه، وإلا لم يكن بمنجاة من القصاص والتعزير. ولذا جاء في الصحيحين عن عطاء بن أبي رباح أنه قال له ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي r فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي، فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك، فقالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها. قال بعض الشراح: الظاهر أن ما بهذه المرأة كان من صرع الأخلاط، وشفاؤه طبي، فخيرها النبي r بين الدعاء لها للشفاء منه (على سبيل الخوارق للعادات والأسباب الكونية) وبين أن تصبر وتسعى للبحث عن علاجه بالسبل الظاهرة.

وإلى جانب هذا هناك عدة حالات عالجها النبي r علاجا روحيا خاصا، أخرج إحداها أحمد وأبو داود والطبراني من رواية أم أبان بنت الوازع أن جدها انطلق إلى النبي بابن له- أو بابن أخت- وأن هذا المريض أقبل بعدئذ ينظر نظر الصحيح ليس، بنظر الأول " وفي حالة أخرى أخرجها الدارمي وابن عساكر من رواية صحابيين هما أسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله وهو أشهر من روى القصة الكاملة لحج النبي، وفي هذه الرواية أنه r في طريق حجته اعترضته امرأة تحمل صبيا لها ما زال به الصرع ، وإنها رجعت به بعدئذ ولم يعد به شيء تكرهه، وذكر هؤلاء الرواة أنه r كان يقول في علاجه مخاطبا من تسلط من شرار الجن: اخرج عدو الله، داعيا للمريض معوذا إياه. كما روى المؤرخون في سيرة الإمام أحمد بن حنبل قيامه بنحو ذلك في جارية أرسل بها الخليفة المتوكل وشفائها بدعاء أحمد وتسببه في دفع ذلك الإيذاء. وإنها عاودها ذلك بعد موته فبعث بها المتوكل إلى أبي بكر المروزي صاحب الإمام أحمد فلم يفلح تصرفه في زوال ذلك التأثير. ويشير ابن تيمية وتلامذته، كابن القيم وابن مفلح والبدر الشبلي إلى حوادث عالجها ابن تيمية وشهد بعضها ابن القيم عيانا، وعلق هؤلاء حصول الأثر على ما يتصف به المعالج من صلاح وقوة نفس والتزام بالشرع.

د- ومدار إثبات هذا النوع من الصرع غير العضوي اعتقاد وجود الجن ونحن جميعا لا حاجة بنا إلى الكلام عن ثبوت الجن وتصرفهم ، ولكن ثار جدل من قديم في مقدرتهم على إيذاء البشر، وفي الكيفية التي يحدث بها هذا الإيذاء، ولم يقتصر إثبات وجودهم على أهل الأديان بل ذهب أكابر الفلاسفة والأطباء إلى الإقرار بهم ، ومن أنكر ذلك وليس معه حجة يعتمد عليها تدل على النفي معه عدم العلم إذ كانت صناعته ليس فيها ما يدل على ذلك، كالطبيب الذي ينظر في البدن من جهة صحته ومرضه الذي يتعلق بمزاجه، وليس في هذا تعرض لما يحصل من جهة النفس ولا من جهة الجن ، وإن كان قد علم من طبه أن للنفس تأثيرا عظيما في البدن أعظم من تأثير الأسباب الطبية، وكذلك للجن تأثير في ذلك، قال r: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ". هذا بعض ما قاله المحدث الفقيه القاضي بدر الدين الشبلي في كتابه " آكام المركان في أحكام الجان " وأورد فيه من الأدلة والأخبار والبيانات التي، نقلها عن عدد جم من العلماء منهم ابن تيمية في شأن الأثر النفسي الذي قد يلحق بالشخص من إيذاء الجن، وبين سبل العلاج الروحي من ذلك بشتى أنواعها ثم حصرها في (10) أمور استدل عليها بنصوص
القرآن والسنة وتتلخص في:-

ا- الاستعانة بالله من نزغات الشياطين.
2- قراءة المعوذتين، لما روي أنه r كان يتعوذ من الجان وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذتان.
3- قراءة آية الكرسي.
4- قراءة سورة البقرة لحديث: إن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يقربه الشيطان.
5- قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة.
6- قراء- أول سورة غافر.
7- الإكثار من " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
8- كثرة ذكر الله، ومن ذلك المواظبة على الأذكار المأثورة في الحالات المختلفة من أفعال الإنسان وتصرفاته.
9- الوضوء والصلاة.
10- إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس، فالتوسع والإفراط في هذه الأمور الأربعة يضعف القوة الروحية للنفس ويجعل من السهل أن يتسلط عليها شرار الإنس والجن.


وأرى أن بكون ختام هذه النقطة إيراد الأجوبة الشرعية لهيئة الفتوى بالكويت عن أسئلة طرحها أحد الأطباء كالتالي : ــ

سؤال: نحن نعتقد بالجن باعتبارنا مسلمين إلا أنه ما هو الدليل المستخرج من الشريعة على أن الجن قد يسبب الأمراض وخاصة الأمراض العقلية (النفسية) وما هو الدليل على أن الشفاء يتم باستخراج أو طرد الجن؟

الجواب: أردت بعض الأحاديث الصحيحة التي تدل على أن الجن قد يتسلطون على ضعاف الناس ويسببون لهم أحوالا مرضية لا يجدي فيها العلاج الطبي. وورد أن بعض هذه الحالات عولجت بتقوية نفس المصاب، وذلك بالتعوذ والأدعية وزجر الجني المتسلط عليه. ولا يقوى على ذلك إلا من كان قوي الإيمان والعزيمة، حتى يكون ، سلطانه على الأنفس الشريرة أقوى من سلطانها. فإذا تخلص المصاب مما كان يعانيه دل ذلك على جدوى العلاج.

هذا وإن درجة هذه الأحاديث تصلح للأخذ بها عملا ولم تصل إلى درجة أن يبني عليها اعتقاد.

سؤال: ماذا نقصد بالجن الخير والجن الشرير وما هي الأمراض المتسببة عن الجن؟

الجواب: الجن- كالإنس فيهم الصالحون، وفيهم المفسدون وذلك بنص القرآن الكريم في قوله ! تعالى (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا) (14) وقوله أيضا (وأنا منا المسلمون رمنا القاسطون ) (1) ومعنى القاسطين: الجائرون.

أما ما ينشا عن تسلط الجن ، فهو الصرع في بعض حالاته، وكذلك بعض الأمراض النفسية كالقلق ، والوسوسة والاضطراب في التصرفات المعاشية.

سؤال: لماذا يفضل (أو يميل) الجن إلى النساء؟

الجواب: إن كثرة ميل الجن للتسلط على النساء (كما تدل على ذلك الوقائع، وليس على ذلك دليل شرعي) ربما كان من غلبة العاطفة، وقلة التقوى في بعضهن.

سؤال: كيف نتعرف على أن الجن مسيطر على شخص ما؟
الجواب: إذا أصيب الإنسان بمرض أو خلل في جسمه أو عقله فإن السبيل التي دعت إليها الشريعة هي الرجوع الى المختصين من الأطباء، فإذا لم يجد العلاج الطبي فإن من المحتمل أن يكون سبب الإصابة أو المرض، غير عضوي . فيضم إليه العلاج الروحي من مثل الأدعية والأذكار وتقوية نفس المصاب والتغلب على تسلط النفس الشريرة المؤثرة عليه.

سؤال: هل مسموح التعلم بكيفية استخراج أو التخلص من الجن؟
الجواب: ليس هناك أمور خاصة تحتاج إلى تعلم أو تعليم بل كل ما يحتاج إليه العلاج هو الدعاء بالأدعية المأثورة وترداد الأذكار الواردة ، مضافا إلى ذلك صلاح المعالج وتقواه وقوة نفسه . شيطان وهامة، ومن كل عين لامة. و: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شرما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان.

-(ومنها):أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون.

- (ومنها): اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامات، من شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم، اللهم إنه لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، سبحانك وبحمدك.

- (ومنها): أعوذ بوجه الله العظيم الذي لاشيء أعظم منه، وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى- ما علمت منها وما لم أعلم- من شرما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر كل ذي شر لا أطيق شره، ومن شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، إن ربي على صراط مستقيم.

- (ومنها): اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم.

- (ومنها): تحصنت بالله الذي لا إله إلا هو إلهي وإله كل شيء، واعتصمت بربي ورب كل شيء، وتوكلت على الحي الذي لا يموت، واستدفعت الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله ، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الرب من العباد، حسبي الخالق من المخلوق، حسبي الرازق من المرزوق، حسبي الله هو حسبي، حسبي الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، وليس وراء الله مرمى، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم.

المصادر والمراجع

(1) الرعد / 28 .
(2) الفجر / 28 ـ 29 .
(3) الشمس / 9 ــ 10 .
(4) الروم / 29 .
(5) النساء / 90 .
(6) يوسف / 76 .
(7) الإسراء / 85 .
(8) الفاتحة / 5 .
(9) التوبة / 14 ــ 15 .
(10) الفاتحة / 5 .
(11) البقرة / 156 .
(12) الإسراء / 57 .
(13) الشعراء / 80 .
(14) الجن / 11 .
(15) الجن / 14 .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:34 PM
الإسلام والصحة النفسية

للأستاذ الدكتور/ عمر شاهين
مصر

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:34 PM
الحاجة إلى العقيدة :

الإنسان مخلوق ضعيف وخلق الإنسان ضعيفا ويرتد ضعفه إلى خصائص فيه وإلى خصائص في البيئة التي تؤويه فمهـما تعاظم الإنسان فلن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولا.. ومهما تزايدت قوته فلن يكون أقوى من الريح التي تعصف الرعد الذي يبرق أو البحر الذي يزبد أو غيرها من قوى الطبيعة التي تغلبه لا محالة ورغم هذا فهو في حاجة إليها في طعامه وشرابه وملبسه ومسكنه وموطنه وملعبه وغير ذلك مما يميزه عن الطبيعة من حوله . والخلاصة أن الإنسان ضعيف ضعف التكوين… وضعيف ضعف الاحتياج.. وضعيف ضعف المقارنة والمجالدة… وضعيف ضعف الجبل بتسبيب الكون وأسبابه وظواهره وبواطنه موتا وحياة بمستقبله وبعلمه بقواعده وقوانينه... وضعيف بالجهل بالمستقبل وما يجري فيه.

ومن منطلق هذا الضعف بدأ اتجاه الإنسان إلى القوة والسيطرة على الدنيا بمخلوقاتها وبدأت رحلته في بحثه عن القوة إلى الالتجاء إلى غيره من البشر فكانت الجماعات والقبائل غير أن هذه القوة المضافة لم تؤثر كثيرا على قدرته في مواجهة الطبيعة بقسوتها وشراستها.. واستمر ضعفه كما هو فاتجه إلى محاولة استرضاء هذه الطبيعة بما يتصور أنه علاقة بينه وبينها يستطيع أن ينميها فيخضعها... وفشلت هذه المحاولة في الوصول إلى غرضها في الوصول إلى القوة ومن ثم الطمأنينة والأمان.. وفي بحثه الكوني اتجه إلى تصور القوة الأكبر لله التي تسيطر على كل هذه القوى الأصغر المناوئة له والتي تثير خشيته وخوفه.. وكما حدث في رواية القرآن عن إبراهيم (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) (75) . فكانت الملاحظة التي وجهه إليهـا الله. ملاحظة الكون سماء وأرضا ليصل في النهاية إلى اليقين. (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يقوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به. إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) " سورة الأنعام ".

وأخيرا اهتدي الإنسان بخبرته إلى وجود خالقه وخالق الكون الرازق القادر القاهر المصور لكل ظاهره الباري لأسبابها وهكذا بدأت محاولات الإنسان في البحث عن العقيدة من خلال البحث عن الله أملا في طمأنينة وأمن ، وتحقيقا لاحتياجات ورغبات وهكذا بدا أن الاحتياج إلى العقيدة احتياج أساسي ملازم للحياة .

ومع الإحساس الفطري للإنسان بوجود الله الخالق نزلت الديانات السماوية تترى لتنتهي بالعقيدة الكاملة ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا). سورة المائدة/ 3.

العقيدة والعلوم النفسية

وكما قدمنا فإن العقيدة تشمل البشر جميعا حتى إننا نستطيع أن نعرف الإنسان بأنه الحيوان صاحب العقيدة فلا يوجد إنسان بلا عقيدة بمعنى أنه لا يوجد إنسان بلا مفهوم ينظم العلاقة بينه وبين القوى الحاكمة في الكون والحياة أي قوة الله، وهذه العقيدة نجدها في البشر الذين يؤمنون بالديانات السماوية كما نجدها في غيرهم من البشر الذين لا يؤمون بالديانات السماوية.

ومن هنا فالعقيدة فطرة فطر الله الناس عليها ومن هنا كان الحديث الشريف الذي معناه كل مولود يولد على الفطرة، أي وجود الاستعداد للعقيدة ، وإنما أبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه.

أي أن نوعية العقيدة هي التي تحدد بالظروف الاجتماعية التي تحكم الإنسان أما الأصل والعقيدة والاتجاه إليها ففطرة إنسانية.

والدراسة النفسية للعقيدة لا تضيف إليها شيئا بينما هي تضيف الكثير إلى العلوم النفسية إذ إنها تبحث في أسباب التدين ولزومه وهو حقيقة ثابتة ثبات الشمس لا تحتاج لكثير من جهد لإثبات وجودها. ونلاحظ أن اهتمام العقيدة والعلوم النفسية بالإنسان اهتمام متبادل وقديم، ففي المرحلة الأولى من حياة البشرية كانت ترد بعض الأمراض النفسية إلى أسباب دينية كما كانت ترد أحيانا إلى أسباب طبيعية وهكذا نشأت ، دراسات علم النفس الديني والطب النفسي الديني في محاولة لفهم الإنسان من خلال معطيات الدين فالمرض في ضوء هذه المفاهيم سواء كان جسمانيا أو نفسيا ما هو إلا نتيجة للخطيئة أو التلبس بالشيطان وعلم النفس في علاقته مع العقيدة والدين اتجه اتجاهين الاتجاه الأول إلى دراسة فلسفة الدين والاجتماع البشري للدين وتطبيقاته العملية في مجال الوقاية والعلاج وهذه تعرفنا على تسميته علم النفس الديني . والاتجاه الثاني درس قضية التدين أي انتماء الفرد إلى عقيدة وكيف يتم ذلك وأسباب ذلك الانتماء وتأثيره على سلوك الفرد والجماعة... وهذا الاتجاه أصبح يعرف بعلم نفس التدين .

ويمكن أن يرد ظهور هذين الاتجاهين العلميين إلى أواخر القرن الماضي .

الديناميكيات والوظائف النفسية للدين :

من المؤكد أن الطقوس الدينية تقوى القدرة على التحكم في الغرائز والدوافع وخاصة تلك الدوافع التي تكسر الحدود الاجتماعية للسلوك.

وقد يصل "فرويد" إلى الرأي بأن الدين يقلل من إحساس الفرد بالقلق كما يحمي من القلق الناتج عن الإحساس بعدم القدرة في مواجهة قوى الطبيعة والدين يشبع احتياجات الإنسان. كما إنه يتصور أن مصير الإنسان يحدده سلوكه في الدنيا وعلى هذا الرأي فإننا نستطيع أن نفترض أن الدين يؤكد اختيار الإنسان لسلوكه وبالتالي لمصيره وهكذا يدفع الإنسان إلى تأكيد اجتماعية وتعديل سلوكه الاجتماعي لمزيد من التكيف وذلك من أجل تحقيق المكاسب لذاته سواء في الدنيا أو الآخرة.

كما يعتقد فرويد أن العقيدة تحمي الإنسان من اليأس بإعطائه الفرصة لتأكيد علاقته بالله واعتماده عليه . وإن كان قد صور هذا الاعتماد بأنه اعتمادية الطفل على والديه تعاد إليه في الكبر بشكل اعتمادية الفرد على الله- وبصرف النظر عن هذا الوصف المبين فالحقيقة أن الدين يدعوه إلى مزيد من الاعتماد على الله .

كما أن الدين بتأكيده على الحياة الأخرى يقلل الخوف من الموت كما يقدم الوسائل للتكفير عن الخطيئة كما يعطي الإنسان المهرب التأملي المتسامي من متاعب الحياة.

ومن الواضح أن الدين الإسلامي بالإضافة إلى هذه الميزات التي يحققها الدين للبشر يؤدي إلى نوع من التنظيم الاجتماعي فالمجتمع هو الأصل والأفراد من مكونات المجتمع "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وإذا كان فرويد قد افترض وجود العواطف لتربط المجتمع وأن المجتمع لا يعمل ولا يؤدي وظائفه بمجرد وجوب العواطف وإنما كما يفترض الإسلام لابد من وجود القدوة في شخص القائد الاجتماعي ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر ). سورة الأحزاب/ 21 .

والافتراض بأن الإيثار في الإسلام هو سمة الفرد في مواجهة مجتمعه فإن المجتمع الإسلامي يكون أكثر ترابطا وأقدر على التلاحم والعمل .
ومن المؤكد أن التنظيم الإنساني للمجتمع في الوقت الحاضر قد زاد تعقدا عن التنظيم الذي بدأ به الإسلام غير أن هذه الرؤية لم تكن غائبة عن الإسلام فالرسول المعصوم هو الذي يقول "أنتم أعلم بشئون دنياكم وعلى قاعدة المنافع المرسلة فإن تنظيم المجتمع بصورة أكبر يقبله الإسلام ورسوله.

كما أن عدم الفصل في الإسلام بين الدين والحكم إذ أن الرسول هو أول حاكم مسلم وخلفاؤه أمراء المسلمين- عدم الفصل هذا أكد على قوة التنظيم الذي يدعو إليه الإسلام للمجتمع وأعطاه نوعا من القدسية التي انتشرت في سلوكيات المجتمع .

من تنظيم المجتمع الذي يدعو إليه الإسلام تنظيم الأسرة والزواج والطلاق وحماية المجتمع من الجريمة من خلال الحدود وتطبيقها ليأمن الإنسان على نفسه وعرضه وماله. وهكذا تزداد الطمأنينة النفسية للفرد في المجتمع الإسلامي .

ومن النقاط الأساسية في التنظيم الإسلامي للمجتمع رفضه لمبدأ الرهبانية التي تترك الدنيا بما فيها في تصور أن هذا هو طريق الخلاص فرسول الله يصوم ويفطر ويقوم وينام ويعاشر النساء ويقرر "فمن رغب عن سنتي فليس مني " ورفض الإسلام للرهبانية ينبني على الأسس الآتية:

ا- إن للإنسان دوافع بيولوجية ونفسية واجتماعية والإسلام باعتباره دين الفطرة لا يمكن أن يمنع إشباع هذه الدوافع مادامت في الإطار الاجتماعي الذي وضعه الإسلام لتنظيم المجتمع .

2- أن الرهبانية ابتعاد عن العمل الإيجابي تحت افتراض أنه إيجابية في اتجاه العبادة والإسلام يفترض أن المشاركة في بناء المجتمع أكثر فائدة في غير ترك للاتجاه إلى العبادة "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا .

ولهذا فقد اتخذ الموقف المتوسط (وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) سورة البقرة / 143. لأن التوسط أقرب إلى غالبية البشر من التطرف. والإسلام دين الجميع.

3- إن الرهبانية تطرف في العمل الأخروي وكما قدمنا فإن الإسلام دين الجميع وليس دين التطرف ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) سورة البقرة / 143. وإن كان الإسلام باعتباره دين الأبد أن يتميز وأن يميز أبناءه والتمايز صفة لازمة لكل "جماعة ولكل مجتمع ولكل منظومة، وعدم التميز يفقد المؤسسة الاجتماعية أيا كان مستواها علوا إلى الدين أو انخفاضا إلى الأسرة باعتبارها اللبنة الاجتماعية الأولى بفقد المؤسسة الاجتماعية حقيقيا وكيانها وتكوينها. والتمايز الإسلامي بالعبادة ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود) سورة الفتح / 29. والتميز بالتقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) سورة الحجرات / 13.

والدين والدولة يطالب كل منهما المنتمون إليهما بالولاء والانتماء فعندما تتعرض الدولة للاعتداء أو للكوارث الكونية فإن المواطنين فيها يتجمعون للدفاع عنها.. أما في حالة حدوث الكوارث الطاغية مقدما تكون الدولة قد أخطأت في حق نفسها وفي حق مواطنيها بصورة أو أخرى أدت إلى الكارثة فإن المواطنين قد يهجرون هذه الدولة بطريقة غير أخلاقية لا يرعون في ذلك حقها عندهم في الدفاع عنها. أما عندما تكون الدولة في حالة رخاء والمواطنون مستريحون فيها فإن سلطانها على المواطنين يقل وكأن انعدام التحدي أو قوة التحدي كذلك تفقد الدولة ولاء مواطنيها لها.. وعند فقد التحدي وانعدام الانتماء والجحود فإن الدولة من جانبها توقف تقديم خدماتها لأبنائها.

والجحود في الجماعة للدولة تتعدد أنماطه ومظاهره. فقد يفقد الفرد اهتمامه بالجماعة ويتجه كلية إلى الاهتمام بمصالحه وحياته الخاصة أي أنه يجري وراء متعه الخاصة وقد يكفر بالمجتمع وقيمه وقوانينه.. وهكذا يأخذ اتجاها مضادا للقانون. وقد يترك جماعته وتنتظم في جماعة أخرى. وقد يشارك في جماعات الرفض التي تهدف الى تغيير نظام الحكم.. ومثل هذه الاتجاهات تساعد على انتشار القلق النفسي في المجتمع وخاصة في أوساط الشباب.

أي إذا اتزن العطاء العاطفي والمادي للأفراد في المجتمع مع العائد الذي يقدمه المجتمع فإن المجتمع يستمر ويقل القلق النفسي بالتالي .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:35 PM
وفي الدين الإسلامي فإن الاتزان بين معطيات الأفراد للدين ومعطيات الدين للفرد يقع تماما بشكل مستمر وكأنه قاعدة مضطردة الأمر الذي يخفض تأثيرات القلق في الجماعة المسلمة. ويحدث ذلك فيما يلي:-

ا- الاتزان في ا العلاقة بين الفرد المسلم والله : (وقال ربكم ادعوني.. أستجب لكم ) سورة غافر/ 60. وفي الصلاة لا يحل الله من الصلة بالإنسان حتى يحل الإنسان نفسه. وفي الآيات الله يساند الإنسان عن قرب (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) غير أن التعامل له جانبيه التقويميين السلبي والإيجابي ( نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) سورة الحجر/ 49.

2- الاتزان بين الفرد والحاكم المسلم هذا الاتزان قائم على أساس أن مسئولية الحاكم عن كل فرد تحتم أن يحقق له حقه ولو كان في أبعد بلاد المسلمين وحتى بدون طلب ولا ننسى العربية التي خلعت قلب عمر بتذكيره مسئوليته (يتولى أمرنا ويغفل عنا" فعلى قدر السلطة يكون البذل والعدل ولنذكر الشعار الإسلامي ( إن رأيتم في اعوجاجا فقوموني) يقوله الحاكم.. فيرد المحكومون " لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا".

3- الاتزان في العلاقة بين المسلم والمسلم: إن تعامل المسلم في مجتمعه يلزم أن يرعى فيه وجه الله سواء كان هذا التعامل في التعامل العملي في المعاملات أو في التعامل الإيثاري "الزكاة.. وغيرها" (فأينما تولوا فثم وجه الله ) سورة البقرة/ 115. والله مطلع على عباده، ولا يرضى من عباده الكفر.

4- الاتزان في العلاقة بين المسلمين وغيرهم من الطوائف : ويعتمد هذا الاتزان على النصوص ( لا إكراه في الدين ) سورة البقرة/ 256، ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) سورة المائدة/82.

كما يعتمد على العدل معهم حتى من المنتسب إلى السلطة ويكفي أن نتذكر قصة عمر مع ابن عمرو بن العاص وموقفه من الذمي وقوله اضرب ابن الأكرمين ، وأمره عندما اشتكى له ذمي عجوز الفاقه فأمر للذمي بما يكفيه من مال المسلمين ويقول ما معناه ما عدلنا إذا أكلنا شبابه ولم نرحم شيخوخته .


الإسلام والصحة النفسية

تعاريف:

1- الإسلام: هو ذلك الدين القيم الذي ينظم العلاقة بين العبد والرب وبين الفرد والفرد مهما اختلفت المستويات، والمفاهيم ولهذا فإننا نجد ركيزتين في الإسلام الركيزة الأولى هي العقائد والركيزة الثانية هي المعاملات التي تنظمها الحدود.

2- الصحة النفسية : ومع وضوح تعريف الإسلام وبساطته فإننا إذا أردنا تعريف الصحة النفسية لوجدنا اختلافا كبيرا.. ونورد هنا بعض التعاريف التي توضح مفهوم الصحة النفسية .

الصحة النفسية

ا- الصحة النفسية هي انعدام المرض النفسي والاتجاه إلى السلوك السوي.

وعلى بساطة هذا التعريف إلا أننا نواجه فيه بعض الصعوبات وهي :
ا- أن السلوك السوي يصعب تحديده فهو يختلف من جماعة لجماعة حسب التقاليد السلوكية السائدة كما تختلف من فرد إلى فرد.

2- إن الأطبباء النفسيين يتدربون على اكتشاف السلوك غير السوي وليس على تقدير السلوك السوي الأمر الذي يصعب معه تحديدهم السلوك السوي نتيجة لقلة التدريب فسلوك شرب الخمر ترفضه بعض الجماعات وتقبله الجماعات الأخرى فأي السلوكين يكون سويا بالنسبة لجماعة وغير عادي بالنسبة لجماعة أخرى. وحتى في الجماعات التي تقبل سلوك شرب الخمر فإنها تميز بين سلوك شرب الخمر الاجتماعي . الذي يقبله المجتمع وسلوك شرب الخمر الذي لا يقبله المجتمع ويعتبره سيئة أو مرضا يعالج.

كل هذا يجعل من الصعب تحديد أنماط السلوك السوي بشكل نهائي ولعل هذا النقص هو الذي دفع الأطباء النفسيين في هذه الآونة إلى محاولة الدراسة المقارنة للسلوك القوي للجماعات المختلفة.

وفي هذا التعريف فإن الصحة النفسية هي أن يكون الإنسان طبيعيا. ويفترض أن الإنسان في العادة يكون سويا وأن السواء بهذا ظاهرة عامة وعلى هذا فإن السلوك يكون في حدود الطبيعي عندما لا توجد مؤشرات على سلوك شاذ والصحة لهذه الصورة هي الممارسة الطبيعية للحياة (رومانو 1950- لودوج 1975- ورومن 1978). ويعتبر المرض هو الانحراف عن مسار الصحة.

2- الصحة النفسية هي التكامل بين الوظائف النفسية إلى حد الكفاءة :

وهكذا فإن هذا التعريف يلزم أن يتم أداء الوظائف النفسية بنوع من المثالية والكفاءة لتحقيق حالة الصحة أو السواء- ونظرا لهذه النظرة المثالية في هذا التعريف فقد افترض فرويد (1937) أن الصحة النفسية أو السواء النفسي نوع من الأسطورة.

وفي هذا التعريف نعتبر الصحة النفسية غاية لا تدرك، ونلاحظ أيضا في هذا التعريف أن هذه الغاية المفترضة ستختلف من مجتمع لمجتمع حسب تصور المجتمع للصورة المثالية للفرد الصحيح.

3- الصحة النفسية هي متوسط سلوك المجموع أو الجماعة:

وهذا التعريف يعتمد بالدرجة الأولى على القيم الإحصائية فالسلوك الذي يقوم به غالبية الناس هو السلوك المتوسط الذي يحدد مجال الصحة النفسية وحدودها ويعتبر المقدم عليه سويا والمقدم على غيره غير صحيح.

ومن هذا التعريف فإن الالتزام بسلوك الغالبية يصبح هو السلوك النفسي السوي الذي يسعى كل الأفراد لتحقيقه لأنفسهم. ويصبح التطرف والبعد عن سلوك الغالبية سلوكا غير سليم. بمقياس الصحة النفسية وهكذا يعتبر هذا التعريف أي سلوك تقويمي أو تعديلي يدعو إليه مصلح سلوكا غير سوي.

4- الصحة النفسية هي التفاعل المتزن والمتكامل بين مكونات الإنسان:

في هذا التعريف يصور السلوك السوي بأنه تفاعل متغير ومتزن على مدى الزمن. والتغير المتطابق مع الزمن أساس في تحديد السلوك السوي.

وبعبارة أخرى ففي هذا المفهوم يهتم الدارس بالتغيرات والعمليات الناشئة عنها والتي تصل بالفرد إلى السواء أكثر من اهتمامه بالتحديد الاستاتيكي الجامد لحالة السواء كما هو الحال في التعريفات الثلاثة السابقة وعلى هذا فلفهم الصحة النفسية لشخص لابد من متابعة المتغيرات المختلفة المؤثرة في سلوكه على أساس التطور الناشيء من خلال مرور الزمن وهذه المتغيرات هي الجوانب البيولوجية والنفسية والاجتماعية. ثم متابعة مدى الاتزان في سلوكه نتيجة لحدوث أي من المتغيرات.

ويرد هذا المفهوم إلى كثير من الباحثين مثل "جرنكر وأنجل ".
وتصوري أن المفهوم الإسلامي للصحة النفسية هو أقرب إلى هذا المفهوم الذي يلزم النظر إلى التفاعل المتزن بين المؤثرات المختلفة فالإسلام يهتم:-

ا- بالصحة الجسمية "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف "، "علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل ".

2- بالصحة الروحية : من خلال تصحيح العقيدة ومن خلال التفاعل من مكونات النفس (النفس الأمارة - النفس اللوامة).

3- بالمجتمع وسلامته فالإسلام يهتم بالتربية بالتركيبات الاجتماعية المختلفة كالأسرة والجماعة.

وبالتالي فالتفاعل بين هذه المكونات هو المفهوم الإسلامي الذي يؤدي في النهاية إلى صحة نفسية للفرد المسلم.

وهكذا يمكن أن نصل إلى تعريف للصحة النفسية بأنها تفاعل متزن بين العوامل الاجتماعية والنفسية بما في ذلك التوجيهات الروحية تؤدي إلى مزيد من القدرة على الوصول إلى المعرفة، والإدراك الصحيح لكل ما يجري داخل الإنسان وخارجه، كما تعطي الإنسان القدرة على تصحيح الأخطاء سواء كانت هذه الأخطاء في المعلومات التي تصل إليه أو في الأفعال والأقوال التي تصدر عنه، كما يساعده في اتخاذ القرارات واستخدام كل هذه المعطيات في العمل والتصرف والتعبير عن الذات والاستجابة للآخرين .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:35 PM
العلاقة بين الإسلام والصحة النفسية :

أ- هي علاقة الكل بالجزء .
2- هي علاقة الثابت بالمتغير.

وعلى هذا
فحدود الإسلام تشمل الصحة النفسية وحدود الصحة النفسية لا تشمل الإسلام.

والإسلام دين خالد باق... والصحة النفسية قواعدها متغيرة تختلف مع تقدم العلم والمعرفة وتختلف مع العمر من مرحلة إلى مرحلة وتختلف مع الزمن من جيل إلى جيل.. ومن مفهوم او مدرسة إلى مفهوم ومدرسة .

الإسلام عقيدة والصحة النفسية علم والعقيدة دين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والصحة النفسية كعلم معرض للخطأ والصواب تحكيما وطريقا وتعديلا.

الإسلام والنفس :

ابتداء ينبغي أن نقرر أن القرآن كتاب عقيدة وليس كتاب علم وأن ما ورد به من معارف
علمية كانت على سبيل ضرب الأمثال ( ويضرب الله الأمثال للناس ) سورة النور / 35.

وعلى هذا فلا نتصور أن الإسلام بالتالي علم يتصدى للقضايا العلمية. وإنما هو منهج حياة وأنه في هذا المنهج يعتمد على جملة قضايا يحددها سبيلا واضحا. (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ) آخر سورة الأنعام/ 153 . ونورد هنا نظرة الإسلام إلى بعض المفاهيم النفسية كما نتصور... وهي محاولة للاجتهاد فنعرض للصواب والخطأ. ونرجو من الله أن ننال ثواب المجتهد إن أخطأ وإن أصاب.

أ- مفهوم النفس:

النفس كما يتحدث عنها علم النفس مشكلة موضع خلاف فبعض الباحثين يعرفون النفس على أساس تركيبي وبعضهم يعرفها على أساس وظيفي .

ا- الأساس التركيبي :
أكثر التوصيفات التركيبية شيوعا للنفس هي ما أشارت إليه مدرسة التحليل النفسي أن اعتبار النفس تركيب من أجزاء هي :
إلهي ID

الأنا Egg

الأنا الأعلى Superego

وأن هذا التركيب بمكوناته هو ما يمكن أن نعتبره النفس ومن الطبيعي أن يكون لهذا التركيب البسيط جزئيات وتفريعات وتطويرات تشمل الكثير من الأفكار والمدارس.

2- الأساس الوظيفي :

وبعض لباحثين يسقطون الجانب التركيبي للنفس نظرا للاختلاف البين في مجاله حيث أنه يضيف تركيبا مجردا لا جسم له.. ويلجأون إلى تعريف النفس باعتبارها التركيب الذي يؤدي الوظائف النفسية الأساسية وهي:

أ- الوظيفة المعرفية بدءا من الإحساس والانتباه والإدراك والتفكير والتصور والتذكر.
ب- الوظيفة الوجدانية بمكوناتها من المشاعر والانفعالات والعواطف.
ب- الوظيفة النزوعية بمكوناتها من الحركة والكلام والإرادة والقدرات العامة والخاصة والدوافع.

ب- النفس في المفهوم الإسلامي:

إن النفس في القرآن وردت بمفهوم الذات.

(وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ). سورة البقرة/ 54.

وقد ورد في القرآن صنوف النفس أتصور أنها جزء من مكونات النفس. وهي:
النفس الأمارة (إن النفس لأمارة بالسوء). سورة يوسف/ 53.
النفس اللوامة: وقد أقسم بها الله (ولا أقسم بالنفس اللوامة). سورة القيامة/ 2.

وفي تصوري أن وجود هذين التكوينين في النفس الإنسانية يتوازى مع مفهوم "اللهو" في التحليل النفسي وتعني الجزء من النفس الذي يشمل الغرائز والرغبات وغيرها "والأنا الأعلى" وهو ما يمثل الضمير الذي يشمل نتاج التربية والتعليم من الوالد للأبناء. ونتاج الاختلاف بين التركيبين النفسيين هو ما تواضع الباحثون على تسميته بالصراع النفسي الذي ينتهي باتخاذ السلوك موقفا إلى جانب أي من الطرفين وهو ما أشار إليه القرآن (وهديناه النجدين ) سورة البلد/ 10. (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) سورة الإنسان / 3.

وبينما أخذت نظرية التحليل النفسي بحتمية السلوك الإنساني، أخذ الإسلام، بمنهج اختيارية السلوك كما "قدمنا ( وهديناه النجدين ) سورة البلد / 10 ، ومن هنا كانت مسئولية الاختيار تقع على عاتق الإنسان الفرد.

وقد ذهب المفهوم الإسلامي خطوة أوسع فاعتبر أن السلوك هو محل الحكم (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون ) سورة الواقعة/ 8 . وفي تقويمنا لسلوك الآخرين فإن الإسلام اتجه إلى التقدير على ظاهر السلوك "أمرت أن آخذ الناس بالظواهر وعلى الله البواطن " بينما اتجه التحليل النفسي إلى البحث عن الدوافع وتقويمها في اللاوعي الأمر الذي يوقع الإنسان في كثير من الأخطاء لان ما بالداخل ما هو إلا دليل قطعي عليه وما هو إلا رأي الباحث وظنه .

وفي صراع الإنسان النفسي بين النفس الأمارة واللوامة فإنه يصل في النهاية إلى تغليب جانب الخير في نفسه وهنا يصل إلى درجة من الاطمئنان النفسي يؤكدها إيمانه بالله وغيبه وقضائه وقدره واليوم الآخر والملائكة والنبيين.

وهنا تصبح ذاته مطمئنة تستحق أن توصف بلفظ "النفس المطمئنة" فإن النفس المطمئنة هدف يقصده كل إنسان خروجا من الصراع النفسي الذي يعيشه .

وتقويم القرآن للنفس على أساسها أنها الذاتي قد يلزمنا أن نذكر بعض الشيء عن سيكولوجية الذات كمنهج دراسي .

سيكولوجية الذات Ego psychology

تعتمد مدارس سيكولوجية الذات على القواعد الآتية:
ا- الاهتمام بالشعور وشبه الشعور- بدلا من العمق في اللا شعور.
2- إعطاء الاهتمام الأكثر للذات الشعورية - فهي محور التعامل.
3- الإنسان طاقة وقدرة يمكن أن يواجه المواقف.
4- الجانب البيئي له أهمية كبيرة في الدراسة- فإن المشكلة الفردية ما هي إلا نتاج تفاعل الجانب الذاتي والبيئي معا.
5- الاهتمام بالحاضر في المقام الأول على أساس أنه هو المؤثر الأصيل في المستقبل.
وظيفة الذات تنحصر في العمليات الآتية :

ا- المواءمة بين نزعات الذات العليا والذات الدنيا.
2- المواءمة بين الشخصية ككل وبين المجتمع الذي نعيش فيه.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:36 PM
بعض تعريفات سيكولوجية الذات :
الذات: هي الجهاز المنظم للشخصية كما أنها الجزء الواعي منها والذي يمكن أن يوجه إليه الجهد لتستعيد الشخصية قوتها وحيوتها .

تقوية الذات: يعتمد على الممارسة لنصل إلى الإدراك ولنحس بالمشاعر ونقوم بالتصرف بكفاءة عالية.

تقويم الذات: يستند على نموذج لقياس الذات السوية (النموذج المحدد في الإسلام هو شخصية الرسول ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) . سورة الأحزاب/ 21.

المشكلة الإنسانية في سيكولوجية الذات؟

ترجع المشكلة الإنسان في مدارس سيكولوجية الذات إلى الاحتمالات الآتية:

1- عدم إشباع الحاجات الأساسية للفرد وقد عمل الإسلام على تخفيفها بالقواعد العديدة ومنها:
أ- إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه.
ب- الزكاة والطقوس الإسلامية وإشباع الحاجات الأساسية.
ب- مسئولية الحاكم تجاه المحكوم: لو عثرت بغلة بالعراق لوجدتني مسئولا عنها يوم القيامة لمَ لمْ أسو الطريق.

2- الضغوط الخارجية : وعلاجها تخفيف الضغوط التي تؤدي إلى الإحباط وقد اعتمد الإسلام على منطلق وحدة المسلمين وتعاونهم لتخفيف الضغوط الواقعة على الفرد المسلم والجماعة المسلمة .

3- الصراع النفسي بين الرغبات والدوافع: وقد عالج الإسلام هذا العامل بالتوحيد فكل عمل ينبغي أن يتجه إلى الله ويراعى فيه وجهه.

مناهج الإسلام والصحة النفسية

الإسلام يقوم على ركيزتين أساسيتين (1) العبادات والعقائد، (2) المعاملات. وفي التطبيق الحياتي كان لابد من وجود الحدود لضبط المجتمع.

وفي هذه العجالة سنتصدى لشرح العبادات والمعاملات والحدود وآثارها على الصحة النفسية للفرد والجماعة.

العبادات وتأثيرها على الناحية النفسية؟

بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان.. وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.

ا- الشهادتين : شهادة أن لا إله إلا الله

إنها الإقرار بالوحدانية لله وعلى هذا اعتباره هو القوة الوحيدة الحاكمة ويؤدي هذا الإقرار إلى ما يلي :

أ- الإحساس بالتجانس في الكون واتساق القوانين المنظمة لهذا الكون لأن مصدرها واحد وبالتالي سيؤدي هذا الإحساس بعدم التناقض بين القوى الدنيا في تفاعلها مما يجعل الإنسان يحس بالاستقرار ثم الاطمئنان... وذلك من خلال الاطمئنان إلى حكم الله الواحد والرضى بقضائه "من لم يرض بقضائي فليخرج من تحت سمائي.

2- الإحساس بقدرة الله الواحد في خلق هذا الكون الأمر الذي يؤدي إلى الاطمئنان إلى هذه القدرة والرضى بقضاء الله خيره وشره... مما يؤكد على مزيد من الاطمئنان النفسي..

3- الإحساس بحاكمية الله وما كان الله ليحكم من غير حكمه وعلى هذا نستقبل الإنسان وحياته وقدره مضمون ومحكوم بالحكمة الإلهية... مما يزيد الإنسان ثقة في نفسه وحاضره ومستقبله... مما يقلل من قلقه ويدفع إلى مزيد من الاطمئنان.

شهادة أن محمدا رسول الله

كما سبق أن ذكرنا فإن الإنسان في حاجة دائمة لتقويم ذاته في علاقته المعقدة مع غيره ومع نفسه ومع الله .

ومن هنا كان الإقرار بنبوة محمد هو اختيار للنموذج الذي نقيس إليه أنفسنا.. هذا النموذج الذي اتصف بأنه الرحمة المهداة.. والأسوة الحسنة.. ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) سورة الأنبياء/ 107. ومحاولة الوصول إلى صفات هذا النموذج من خلال الممارسة كان للارتفاع بالأداء الإنساني إلى:

ا- أسمى درجات الكفاءة في العمل.
2- أفضل المناهج الأخلاقية في التعامل مع البشر في التسامح... والإيثار.. والعدل.
3-) أفضل المناهج في تقويم الذات.. بالاعتراف بالخطأ وتربية الذات بالتحكم في رغباتها غير المشروعة.
4- أفضل المناهج في التعامل مع الحياة.. فالتفاؤل هو القاعدة استنادا إلى التوكل على القادر (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتهـا الأنهار). سورة البقرة / 25.

ومن هنا تكون حياة المسلم أكثر كفاءة وتفاؤلا وعلى أكبر اتساق مع القيم.

2- الصلاة ( إن الصلاة كانت عل المؤمنين كتابا موقوتا ) سورة النساء / 103.
الصلاة مخ العبادة وهي بهذا المفهوم تربية سلوكية على جملة خصال :

ا- الانتظام واحترام الزمن.. والتعامل في الحياة عل أساس زمان مقرر فلكل صلاة وقتها .
2- تعود النظافة من خلال عمليات الطهارة والوضوء .
3- تعود الارتباط بالجماعة من خلال صلاة الجماعة .
4- تعود الطاعة في غير المعمية من خلال متابعة الإمام.
5- تعود الاستماع من خلال الاستماع إلى تلاوة القرآن .
6- تعود النظام من خلال الوقوف والركوع والسجود .
7- تعود الخشوع والاتجاه إلى الله الأمر الذي يرفع قدرة الفرد على التسامي .
8- تعود الإحسان في العمل من خلال الأداء المنضبط للصلاة ثم من خلال النوافل تأكيدا للعمل. وازديادا في القرب من الله وهكذا فإن الصلاة تدريب سلوكي يصحح كثيرا من أخطاء البشر في التعامل ويمهد الإنسان لصحة نفسية أسلم .

3- الزكاة :

الزكاة هي تدريب على عادات سلوكية إيجابية محددة ومع تكرارية التدريب تصبح هذه العادات جزءا لا يتجزأ من سلوك الإنسان... هذا السلوك الذي يتصف بجملة من المفاهيم والصفات أهمها : ـ

ا- قيمة المال: قيمة المال ليست قيمة مادية نهائية متناهية وإنما قيمته فيما يؤديه من وظائف وأعمال دنيوية ودينية فالزكاة طهارة للمال بالمعنى الديني .
2- قيمة التكافل الاجتماعي من أفراد المجتمع غنيهم وفقيرهم في مقابل القيمة السلبية للفردية على إطلاقها .
3 - قيمة الإيثار في مقابل قيمة الأثرة.
4- التعود عل الأخذ والعطاء. في حركة ديناميكية إيجابية تمتد لتشمل كل إمكانات الحياة وليس المال فقط .

ومن المفيد أن نقرر أنه رغم تقرير الإسلام لمبدأ الزكاة إلا أنه دفع القيمة السلبية الناتجة عنه وهي الاعتماد على الآخرين من جانب غير القادر. ولذلك قرر الرسول أن اليد العليا خير من اليد السفلى.. كما قرر "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خيرا له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه " .
فحق الفقير في الزكاة نظمه شجب المسألة وتفضيل العمل ( فالمسلم القوي خير وأحب إلى الله من المسلم الضعيف . سواء كانت هذه القوة بدنية أو نفسية أو اتحادية أو إيجابية أو غير ذلك .

4- الصوم :

"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي "
والصوم عبادة حقيقية إذ من العسير على الرائي أن يحدد صدق الفرد في صومه.. ولكن الفرد يعرف حقيقة صومه. ومن هنا كانت قيمة الصوم في أنه يناسب بين المشاعر الداخلية والنية الحقيقية من ناحية والسلوك الخارجي العام. هذا الاتساق يفتقده البشر... وانعدامه هو أساس النفاق في المجتمع. فكانت إحدى القيم الحقيقة للصوم هي البعد عن النفاق كسلوك ونحن نعلم أن النفاق من الناحية النفسية يترك الإنسان في حالة من التفسخ بين ما يراه صحيحا وما ينطق عنه بلسانه الأمر الذي يجعله يحس بعدم التجانس النفسي وعدم الوفاق الداخلي تحقيقا لمنفعة . وانعدام التجانس الداخلي يزيد من توتر الإنسان وقلقه خاصة في انتظاره لثمرات قد لا تأتي من خلال سلوكه الثقافي .

والصوم من الناحية النفسية يضيف سلوكيات جديدة للإنسان مثل:-

ا- الصبر على احتياجات الجسد وإمكانية تأجيلها ونحن نعلم أن تأجيل إشباع الاحتياجات العضوية والنفسية والاجتماعية أحد الميكانيكيات الدفاعية الإيجابية لحل التوتر وتحقيق الاطمئنان النفسي .

2- الإحساس بالانتماء لأفراد الجماعة. وهذا الإحساس بالانتماء تغذيه كل العبادات في الإسلام. فالكل يمارس كل العبادات.

5- الحج :
الحج عبادة. منفردة في أن تركيزها الأصيل على :

أ- تأكيد الإيمان بالله وحده.
ب- التأكيد على وحدة الأمة.

في تعاملها وتحقيقها لمنافعها الدينية والدنيوية على حد سواء.

وتتبين هذه الوحدة في المظاهرة الآتية :

1 - الإجرام...
2 - توحيد الطقوس في الزمان والمكان والمناسك بالنسبة للجميع.
3- توحد زمن انتهاء الحج .
4- تعرف الناس على بعضهم البعض وتعارفهم جماعات وأفرادا.

وكأن الحاج يقول الله واحد وأمته واحدة.. وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وإذا كان الإيمان بالله الواحد يبدأ مع الشهادة . إلا أن وحدة الأمة تعني من الناحية النفسية:

أ- إشباع دوافع انتماء الفرد للجماعة وأنه فرد واحد في هذه الأمة الكبيرة .
2- إشباع دافع إحساس الفرد بتقدير الجماعة.
3- إشباع دافع العمل الجمعي لتحقيق الأهداف الكلية.

وهكذا فإنه مع إشباع هذه الاحتياجات الاجتماعية يزداد الاطمئنان النفسي والثقة بالنفس في المسلم وفي جماعته

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:36 PM
المعاملات في الإسلام والصحة. النفسية

ا- علاقة الإنسان بالمال في الإسلام:
الإنسان مستخلف من الله على ما يملك في نظر الإسلام .
- إني جاعل في الأرض خليفة.....
- مال الله الذي آتاكم.

والاستخلاف أو التوكيل بالمعنى المتداول لا يلغي ملكية الأصل أو حقه في التصرف. ومن هنا كان التصرف في المال في الإسلام نابعا من أوامر الله ونواهيه.

وفكرة الاستخلاف تضعف بالتالي من العلاقة بين الإنسان والمال الأمر الذي يسهل عليه تقبل تعاليم الله فيه. والإسلام يقر بمبدأ الملكية الفردية ويحدها بالزكاة وهي حق المجتمع.
فالمال وظيفة اجتماعية قبل أن يكون ملكية .
وهذه الفطرة المتوازنة تؤدي إلى جملة مظاهر :

أ- المال للمسلم. ليس رِباً بعد وإنما هو وظيفة يشاركه فيها المجتمع.. الأمر الذي يزيد. من الاتجاه إلى التكافل الاجتماعي .

ب- نظرة الأبناء (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) سورة الحشر/ 9. يؤكد معنى التكافل .

والتكافل الاجتماعي يؤدي إلى وحدة الأمة وجدانيا وبالتالي إلى استقرارها وأمنها... ومن هنا نصل إلى كثير من الطمأنينة النفسية للقادر وغير القادر.

2- التعامل في المال :

حرص الإسلام على تأكيد حرمة المال أي حق الإنسان فيما استخلفه الله فيه ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) . سورة البقرة / 188 .

كم نهى عن غش الناس في التعامل "من غشنا فليس منا " ويل للمطففين ). سورة المطففين/ا

كما أمر بأداء الأمانات ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) سورة النساء / 58. كما أمر بكتابة التعاملات ( إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) سورة البقرة / 282. كما حرص على احترام التعاقدات ( وأوفوا بالعقود ) ، سورة المائدة / 1. كما حرص على الشهادة لتأكيد الحقوق .

( ولا يـأب الشهداء إذا ما دعوا) سورة البقرة / 282.
( ولا تكتموا الشهادة ) ، سور البقرة /283 .

كما أكد على وجوب التنمية ( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) سورة الملك/ 15، وهكذا يأمن المجتمع فيأمن الفرد وكل هذه التعاليم تساعد على التداول السليم للأموال وبالتالي إلى استقرار المجتمع والفرد .

3 - المواريث :

إن نظرة الإنسان الى المواريث هي امتداد لنظرة الاستخلاف في المال وتوزيع الميراث على الورثة طبقا للقواعد الإسلامية المعروفة يؤكد .

ا- معنى العدل.. في التقسيم على المستحقين .
2- مراعاة الاحتياجات في منح الذكر مثل حظ الأنثيين .

وهكذا يرسي الإسلام مزيدا من القواعد لاستقرار المجتمع الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من الاطمئنان النفسي .

4- قواعد السلوك في المجتمع :

والقواعد التي وضعها الإسلام للسلوك الاجتماعي يطول شرحها إلا أننا من الممكن أن نوجز بعضا منها فيما يلي : ـ

1 - قاعدة العلو والوصول إلى حقيقة المعلومة ويدخل في ذلك المعلومة الاجتماعية التي تؤثر على العلاقات ( إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) . سورة الحجرات /6 .

2- قاعدة التعاون .. ( كمثل الجسد ) ..

3- قاعدة الإيثار والمساحة ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) سورة الحشر / 9 . " رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى " .
4-. قاعدة القدوة الحسنة "مثل الجليس الصالح "... الخ.( ولكم في رسول الله أسوة حسنة)
5-- قاعدة العدالة اعدلوا هو أقرب للتقوى". سورة المائدة / 8.
6-- قاعدة التناصح لتصحيح السلوك .

وهذه القواعد السلوكية وغيرها التي تستمد تأثيرها على الفرد من إيمانه بالعقيدة كفيلة بإيجاد المجتمع الفاضل الذي ينتج الإنسان الفاضل.. وهكذا تتحقق سعادة المجتمع فسعادة الفرد.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:37 PM
الحدود والصحة النفسية:

الحدود هي العقوبات التي فرضها الله سبحانه وتعالى على مرتكبي الجرائم في المجتمع الإسلامي. ويلاحظ أن العقوبات في المجتمع الإنساني مرت بفترة كانت فلسفتها هي فلسفة الانتقام للمعتدي عليه. ولذلك كانت تقع أحكام غريبة مثل الحكم بتفتيت الحجر الذي تسبب سقوطه في إصابة شخص... وهكذا ثم مرت فترة كانت فلسفة العقوبات هي إصلاح حال المجرم. وفي هذه الفترة اتجه المشرع إلى تخفيف العقوبات وحتى إلى إلغاء الإعدام على جريمة القتل وتحسين أوضاع المجرمين في السجون وتعليمهم ما ينفعهم، غير أن الإسلام لم يأخذ بأي من الاتجاهين في موضوع الحدود إذ أن الفلسفة التي تحكم الحدود جميعا هي إصلاح المجتمع من خلال ما يلي:

ا- علانية تنفيذ الحد ليتعظ الأفراد. وهكذا يبتعدون عن الجريمة.
2- التشدد في العقوبات البدنية كالرجم والقطع والقص بالسيف وذلك حتى لا يترك لذوي النفوس الضعيفة الذين يطمعون في سماحة المجتمع أي فرصة للتفكير في ارتكاب أي من الجرائم.
3- الربط بين الحدود وإرادة الله (تلك حدود الله فلا تعتدوها ) سورة البقرة/ 229. ونظرا لشدة العقوبات في الإسلام فإن القاعدة الشرعية تنص على درء الحدود بالشبهات. وهكذا لابد من اليقين لتوقيع الحدود. وطبيعي أن التوازن الاجتماعي في الإسلام يقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد وقد كان التطبيق لهذه الحدود صوناً للأمن في المجتمعات الإسلامية وهكذا يتحقق ما يلي :

1- الأمن للمجتمع.
2- الاتعاظ لأفراد المجتمع.
3- استبشاع الجريمة من خلال استبشاع عقوبتها على أساس شرطي.

وهكذا تتحقق مصلحة الفرد من خلال تحقق مصلحة الجماعة والمجتمع.

الإسلام والمرض النفسي
أ- هل يمرض المسلم :؟

المسلم يمرض بالمرض النفسي كغيره من البشر وذلك لجملة أسباب:

ا- أنه إنسان والإنسان معرض للمرض الجسماني والنفسي لأن المرض أحد مخلوقات الله وأسبابه سبحانه وتعالى في تكييف هذا الكون وضبطه..
فكم خلال المرض يموت بعض البشر
ومن خلال وجود المرض يرتزق بعض البشر
ومن خلال وجود المرض يتعب بعض الأفراد
سواء كانوا مرضى أو من أهل المرضى.

2- أن المرض النفسي كغيره من الأمراض له أسبابه الجسمية البيولوجية وأسبابه النفسية وأسبابه الاجتماعية ويتعرض المسلم لهذه الأسباب كغيره من البشر.

3- أن الوسائل الدفاعية التي تقي من المرض ومن بينها الإيمان بالله لا تكفي وحدها للوقاية تماما من المرض النفسي ولذلك يحدث المرض النفسي للمسلم- فلو نجحت وسائل الوقاية تماما لاختفى المرض من الحياة ولتغير قاموس الكون .

4- أن كثير من الأمراض النفسية في المرض النفسي تتعرض للوظائف النفسية المعرفية والوجدانية والسلوكية وهي في هذا تختلط بالعمليات الإيمانية التي تتعرض لنفس الوظائف وعندما تحدث الأعراض النفسية للمؤمن يتصور أنها نتاج العملية الإيمانية ويصعب على الطيب النفسي أن يحكم في مثل هذه المواقف المتداخلة. غير أنه من الممكن أن يعتمد على المؤشرات الآتية للحكم بوجود المرض :

ا- عدم الرضا عن الظاهرة من الفرد نفسه .
2- عدم رضا المجتمع وعدم تقبله لهذه الظاهرة .
3- تأثر إنتاجية الفرد تتجه لحدوث الظاهرة .
4- إن الإيمان عملية قلبية غيبية بالدرجة الأولى (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) سورة الحجرات/ 14. وباعتباره عملية قلبية غيبية فإنه لا يمكن قياسها أو الحكم على حقيقتها وبالتالي يصعب تحديد ما إذا كان الإيمان كافيا لدفع المرض على أساس واقعي أو تجريبي .

المتدين والمرض النفسي :
التدين كما قدمنا أحد العوامل الدفاعية ضد المرض النفسي . إلا أن التدين قي ذاته عبء نفسي شديد .

مصداقا لقول الحق (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) سورة المزمل /5. وباعتباره عبئا فقد لا يحتمل المسلم شدته فتضطرب وظائفه النفسية.

كما أن بعض المرضى قد يلجأون إلى التدين على تصور أنه هو العلاج.. غير أن الدين الصحيح لا يقبل به إلا مسلم صحيح ومن هناك يظهر المرض رغم التدين ومظاهره .

ما هو موقف الدين من العلاج

العلاج فضيلة مندوبة لكل سقم من واقع حديث رسول الله تداووا عباد الله فإن الله ما خلق داء إلا وخلق له دواء. ولا يختلف على هذه القاعدة مسلم أو كافر. ولا يختلف أو يمتنع تناولنا للمرض بالتداوي منه بسبب أن المرض عضوي أو نفسي .

وكما نعلم فإن لكل داء دواء يستطب به والأمراض النفسية لها علاجها الذي يمكن أن نجمله بأنه يقع على ثلاثة محاور:ـ

ا- العلاج العضوي البيولوجي.. ولا غرابة في هذا فمع التقدم العلمي ثبتت العلاقة بين التغيرات البيولوجية والتغيرات النفسية سواء في مرحلة السواء أو مرحلة المرض.

2- العلاج النفسي بأنواعه المختلفة. ومن بينها العلاج المعرفي والسلوكي وأعتقد أن الإسلام يركز في قواعده على هذا الاتجاه لتصحيح مفاهيم البشر وتعديل عاداتهم وسلوكياتهم. وأعتقد أن استخدام هذا الاتجاه يتمشى مع الفلسفة العامة للإسلام. بل إني أقول إن الاتجاه إلى العلاج المعرفي الجماعي بدأ مع الإسلام في حلقات الدرس في المساجد وغيرها. ومن بين أنواع العلاج النفسي العلاج التحليلي والإيحاء الجمعي وغيرها .

3- العلاج الاجتماعي لتطوير الظروف البيئية والاجتماعية لتكون أكثر مناسبة للمريض الأمر الذي يساعد على عودته إلى السواء وأعتقد أن العقيدة الصحيحة لا تمنع أيا من هذه العلاجات .

ثم إننا نلاحظ في قضية العلاج النفسي تطورا جديدا يهتم بتعديل المفاهيم الدينية الخاطئة لدى المرضى وإعدادهم لتقبل قضاء الله وقدره وتحفيزهم على العمل المنتج في الدنيا لتحصيل خير الدنيا والآخرة وهذا ما نسميه العلاج الديني.

والعلاج الديني كغيره من أنواع العلاجات يستخدم مع مرضى معينين ولا يستخدم مع كل المرضى.

ولهذا فإننا في تحقيق العلاج... لأن العلاج في المرض النفسي لا يقوم به فرد واحد وإنما تقوم به مجموعة من الأفراد ذوي تخصصات مختلفة.. في فريق العلاج لا نرى مانعا من وجود الداعية الديني على أن يقوم بدور محدد يعاون على الشفاء. ويحدده له الطبيب النفسي الذي يقوم بقيادة الفريق .

الدور النفسي للداعية المسلم

إن الإسلام دين الجميع والمسلمون كأسنان المشط. وتميز فرد مسلم بالعلم يلقى عليه كمسئولية الخشوع لله وخشيته. ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ومسئولية نقل العلم "ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها!. والداعية المسلم عليه دوره التعليمي المعرفي إلا أن له دورا نفسيا مؤكدا في كل ما يعلم به ويأتيه من عمل . وهذا الدور يمكن أن نوجزه في دورين دور وقائي ودور علاجي .

أ- الدور الوقائي:
ا- مساعدة المسلم على حل مشاكله الاجتماعية والأسرية ويساعد على ذلك موقف الاحترام الذي يكون من المسلم للعلم والعلماء وخضوعه لهم مهما كان انفعاله وعصبيته .
2- مساعدة المسلم على تقبل الحياة وتحقيق الرضى النفسي من خلال الإيمان بالقضاء والقدر والموقف التفاؤلي الإسلامي للحياة .

3- مساعدة المسلم على تقوية الوازع الديني والقوى الروحية في نفسه وهكذا يساعد على بناء الضمير الفردي الذي يقود معركة الصراع الإنساني ضد غرائز الفرد ورغباته غير المشروعة. التي تهدم الفرد ثم المجتمع... كما يساعد على بناء الضمير الجماعي للمجتمع الذي يشكل قوانين المجتمع وعاداته وتقاليده .

4- مساعدة المسلم على فهم الحياة بنوازعها المختلفة والمؤثرة وتحقيق الاتزان في هذا الفهم مما يعدل المفاهيم والقيم ويصل بالفرد إلى الاطمئنان النفسي.

5- الاهتمام بالمسلم كإنسان في مجتمع ومحاولة التأكيـد على الروابط الاجتماعية للإنسان الأمر الذي يساعد الفرد على الانتماء للمجتمع ويزيد من صلابة المجتمع.

6- التمييز بين التغيرات الوجدانية والنفسية التي تطرأ على الفرد من ناحية وقد يساعد على إعادتها إلى السواء الوسائل الدينية المختلفة وبين الاضطرابات النفسية التي تستدعي تدخل الطبيب النفسي .

وهذه النقاط تستدعي إعادة تدريب الدعاة في المعارف النفسية ليتمكنوا من القيام بكل هذه الواجبات .

ب- ا الدور العلاجي:

المشاركة في فريق العلاج طبقا لخطة مرسومة محددة يحددها الطبيب النفسي.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:38 PM
فـقـــه الصحـــة

بقلم حسين عبد الرزاق الجزائري
المدير الإقليمي
لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:38 PM
لا يخالف أحد في أن الصحة نعمة من أكبر نعم الله عز وجل، وهي في نظر الإسلام أعظم نعمة بعد نعمة الإيمان، إذ يقول رسول الله " ما أوتي أحد بعد اليقين خيراً من معافاة ".
على أن ثقة نعمة أخرى لا يكاد الإنسان يؤدي شكرها، ألا وهي أن الله سبحانه " الذي قدر فهدى "، قد دل الإنسان على خير الدنيا والآخرة، وهداه إلى ما فيه مصلحته وحفظ نفسه وعقله ونسله، ومن أجل ذلك اشتملت آيات القرآن الكريم وأحاديث النبيr على عديد لا يحصى من مبادئ حفظ الصحة، التي تحافظ للمرء على سوئه، وتحفظ عليه عافيته، وهي مبادئ مبثوثة في نصوص هذه الشريعة السمحة، بحيث يعجب المرء لم تصنف كما صنف غيرها من النصوص، بطريقة تيسر استنباط الأحكام منها، وتسهل على الإنسان العلم بأحكامها الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
ولقد حاول الأخ الدكتور محمد هيثم الخياط، أن ينهض بفرض الكفاية في مجال الفقه الصحي هذا الذي نشير إليه، فأعد- بدعوة كريمة من المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية- محاضرة بعنوان " فقه الصحة " ألقاها في المؤتمر الرابع للطب الإسلامي الذي عقد في كرا تشي سنة 1405 للهجرة [1984 للميلاد)، ونشرت في المجلد الذي أصدرته المنظمة الإسلامية عن المؤتمر .

وقد رأينا تعميم الفائدة بنشر هذه المحاضرة في سلسلة الهدي الصحي، ولاسيما بعد أن تناولها كاتبها بكثير من الإضافات والشروح، وأغناها بما استطاع أغناها به من نصوص الشريعة الغراء، وحرص على تخريج أحاديثها مقتصراً من هذه الأحاديث على ما بلغ مرتبة الحديث الصحيح، أو الحسن على الأقل .
وليس لنا في ختام هذا القديم إلا أن نضرع إلى الله عز وجل- وهو أكرم مسؤول- أن يجعلها من العلم الذي ينتفع به، ويلهم قراءها الالتزام بما تشتمل عليه من قواعد صحية مستنبطة من نصوص الشرع، وييسر لكاتبها أن يعيد تحرير فصولها بحيث تتحول إلى كتاب مكتمل، يشتمل على مزيد من التفاصيل الصحية التي تضمن تمام الفائدة منها إن شاء الله .

والله سبحانه من وراء القصد، وهو المستعان.




ووضع الميزان

هذا حديث في فقه الصحة .

والفقه-كما نعلم- هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية .

والصحة- كما نعرفها اليوم- حالة من المعافاة الكاملة بدنياً ونفسياً واجتماعياً و ر وحياً .

ونحن نقرأ في مدوناتنا الفقهية نفائس في فقه العبادات وفقه المعاملات وفقه النكاح وفقه الأقضية ، ولكننا لا نقرأ باباً في فقه الصحة. وما ذاك لأنه فقه غير موجود أو أنه عزيز الوجود، بل الواقع إنه مبثوث " هنا وهناك وهنالك حتى ليكاد يطالعك في كل باب من أبواب، الفقه، ولعله من أجل ذلك كاد يخفى من كثرة ما تجلى، وشدة القرب حجاب كما يقولون .

وهذه محاولة متواضعة لوضع خطة لتجريد هذا الفقه وجمعه من مكانه، ساعد عليها هذا التطور الهائل في مفهوم الصحة في العالم بأسره، وما تلا ذلك من تواطؤ المسؤولين عن شؤون الصحة في العالم على غاية يعملون جميعاً من أجلها، ألا وهي إتاحة الصحة للجميع في عام ألفين إن شاء الله ، مع اتخاذ أسلوب الرعاية الصحية الأولية سبيلاً إلى ذلك.، وكم كان يجدر بالمسلمين الذين شرفهم الله بحمل رسالة الحضارة، أن يكونوا ، السابقين بالخيرات الداعين إلى هذه المبادئ التي يجدونها مكتوبة عندهم، فقد وصفهم الله عر وجل بكونهم ] خير أمة أخرجت للناس [ [ آل عمران: 110] وهذه الخيرية تقتضي بالطبع أنهم يستطيعون أن يقدموا خير الحلول لمشكلات البشرية، وخير المناهج لتحسين أوضاعها. وأنتم واجدون معي إن شاء الله، أننا في محاولتنا التعرف على فقه الصحة سنجد النهج الأفضل للحفاظ على صحة الإنسان والارتقاء بها على الوجه الأمثل .

ونحن إذ نتحدث عن الصحة لا نقتصر على الطب بمعناه الشائع اليوم أعني طب العلاج. فقد أجمع الأطباء- من قبل ومن بعد- على أن الطب طبان : حفظ الصحة على الأصحاء، ورد الصحة على المرضى بالمداواة وبالتأهيل. وقد ورد عن النبي r جملة أحاديث، تصف بعض الأدوية لبعض الأمراض. واهتم بها بعض العلماء، ظانين أنها جزء من الدين والوحي الإلهي. ولكن الواقع أن منها ما هو مما عرفته العرب من خبرات البيئة وتجاربها، كما جاء في الحديث المتفق عليه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: " إن كان في شيء من أدويتكم خير- أو قال شفاء- ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء؛ وما أحب أن أكتوي ". ومنها ما يليق ببيئة معينة في حرارتها ومناخها وظروفها، كالبيئة الصحراوية العربية، لا يمكن أن يحمل على العموم لكل الناس- كما بين الإمام ابن القيم رحمه الله في" زاد المعاد "- " ورسول الله r - كما يقول ابن القيم- إنما بعث هادياً، وداعياً إلى الله وإلى جنته، ومعرفاً بالله، و- مبيناً للأمة مواقع رضاه وآمراً لهم بها، ومواقع سخطه وناهياً لهم عنها…… وما طب الأبدان فجاء من تكميل شريعته، ومقصوداً لغيره… ".

فالمهم في هذا الشطر من شطري الطب، شطر المداواة، أن النبي r قرر مبدأ التداوي وأمر به، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داو ود عن أسامة بن شريك رضي الله عنهما: " تداووا! " وفي رواية الترمذي: " نعم، يا عباد الله تداووا! " ؛ وفتح باب الأمل على مصراعيه أمام المرضى في إمكان الشفاء من كل مرض كما في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء " ؛ وحث الأطباء على التفتيش عن الدواء والقيام بالبحث العلمي الذي يوصلهم إليه، بقوله r في الحديث الذي رواه مسلم وأحمد عن جابر: " لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله " وفي رواية لاحمد : " إن الله لم، ينزل داء إلا أنزل له شفاء: علمه من علمه، وجهله من جهله".

والمهم في شطر المداواة أيضاً، أن النبي r وضع للناس قضية التداوي في موضعها الصحيح، يوم قيل له- في ما رواه الترمذي عن أبي خز أمة-: " أرأيت رقى تسترقيها، ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال r: هي من قذر الله ". مبيناً بذلك- بأبي هو وأمي- أن أقدار الله تدفع بأقدار الله. فلا مكان في الإسلام للتواكل باسم التوكل، بل إن المسلم مأمور بأن يدفع قدر الله بقدر الله، متوكلاً في ذلك على الله .

والمهم في شطر المداواة كذلك، أن النبي r ، قد قاوم ما يسمى " بالطب الروحاني "، واحترم الطب القائم على الملاحظة والتجربة، والأسباب والمسببات وأبطل ما أشاعته الوثنية الجاهلية عند العرب وغيرهم، من أطرح الأسباب الظاهرة والسنن الكونية، والاعتماد على الأسباب الخفية والقوى المجهولة، من تمائم، ورقي غير مفهومة، وشعوذة يروجها السحرة والدجالون.. فقال r في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عقبة بن عامر: " من علق تميمة فقد أشرك "، وفي رواية عنه لأبي داو ود والنسائي وابن ماجة والحاكم: " من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له " أي لا تركه الله في دعة وسكون.

هذا ما كان من أمر ما و رد في هديه r في التداوي. أما حفظ الصحة على الأصحاء، فذلك جزء واضح من هديه r، لأن قواعد حفظ الصحة قواعد عامة، تنسجم مع سنن الله في خلقه، والقوانين التي وضعها الخالق لخليقته، وتسعى إلى المحافظة على خفق الله في وضعه الأمثل، فقد قال سبحانه في سورة الأعلى [1- 2] ]سبح أسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى [ ،وقال عز من قائل في سورة الانفطار [ 6- 7] ] يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك ، فعدلك [ ، وقال تبارك وتعالى في سورة الشمس [ 7 ] :
] ونفس وما سواها [ . فالمحافظة على وضع " السواء " هذا جزء أساسي من مقاصد هذه الشريعة، لأن " الشرع موضوع لجلب مصالح العباد ودرء مفاسدهم " .

- "كما يقول العالم العامل المجاهد الفذ عز الدين بن عبد السلام في كتابه النفيس " قواعد الأحكام في مصالح الأنام" ثم يوضح ذلك بقوله:
" والشريعة كلها: إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح. فإذا سمعت الله يقول: ] يا أيها الذين آمنوا [ ، فتأمل وصيته بعد ندائه، فلا تجد إلا خيراً يحثك عليه، أو شراً يزجرك عنه، أو جمعاً بين الحث والزجر. وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثاً على اجتناب المفاسد، وما في بعض الأحكام من المصالح حثاً على إتيان المصالح ".

وقد صدق رحمه الله وأحسن إليه، فإن الله سبحانه قال لنبيه r في سورة الرعد [ 17] ] كذلك يضرب الله الحق والباطل : فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس في دنياهم وأخراهم هو الحق الذي أرسل به رسوله وقال عنه : ] يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم [ [ النساء: 170] وقال عنه: ]والذي أنزل إليك من ربك الحق [ [ الرعد: 1] وقال عنه: ] ويرى ا الذين أوتوا العلم الذي انزل إليك من ربك هو 1لحق [ [ سبأ: 6].

ولعل من خير من وفى هذا الموضوع حقه، الإمام نجم الدين الطوفي الحنبلي في شرحه لحديث " لا ضرر ولا ضرار " إذ قال: " إنه يقتضي رعاية المصالح إثباتاً والمفاسد نفياً " ثم استدل على ذلك بعدة أدلة تفصيلية من الكتاب والسنة، ثم عرض طريقته التي تقوم على " التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقررات، وعلى اعتبار المصلحة في المعاملات وباقي الأحكام " فقال مبيناً لذلك: " وإنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات ونحوها دون العبادات وشبهها لأن العبادات حق للشارع خاص به، ولا يمكن معرفة حقه كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً إلا من جهته فيأتي به العبد على ما رسم له... وهذا بخلاف حقوق المكلفين فإن أحكامها سياسة شرعية وضعت لمصالحهم، وكانت [ مصالحهم] هي المعتبرة وعليها المعول ".

" وقد اتفقت الأمة، بل سائر الملل- كما يقول الإمام الشاطبي في " الموافقات "- على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي الدين والنفس والنسل والمالي والعقل ".

وهذه هي حقوق الإنسان الأساسية !

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:38 PM
ونحن واجدون إن شاء الله بعد قليل تأمل، أن ثلاثاً من هذه الضروريات الخمس، وهي النفس والنسل والعقل، لا تكتمل المحافظة عليها إلا بحفظ الصحة. ولكن حفظ الصحة ليس إلا واحداً من عدة أمور لابد منها جميعاً للمحافظة على هذه الضروريات، ولا يتأتى حفظ الصحة ما لم تتوافر تلك الحاجات الأساسية التنموية الأخرى أيضاً، وهي المآكل، والمشارب. "والملبس، والمساكن، والمناكح، والمراكب، والأمن، والتعليم، والدخل.ولو أن النبي r جعل الصحة في المقام الأول فقال: " سلوا الله المعافاة،فإنه لم يؤت أحد بعد اليقين خيراً من المعافاة " [ رواه ابن ماجة عن أبي بكر] وقال:" إنه لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى " [رواه ابن ماجة والحاكم وأحمد عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه عن عمه ] وقال: " من أصبح منكم معافى في جسده، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا "[ رواه ابن ماجة عن عبد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه ] .

فلا عجب إذن، أن نجد في كتاب الله عز وجل، وسنة نبيهr ، كثيراً من النصوص التي تضمن للإنسان حفظ صحته، وتعزيزها، والمحافظة على وضعه السوي الذي فطره الله عليه. ولو أننا تعمقنا في فهم هذه النصوص،وطبقناها تطبيقاً سديداً على ما ينبغي أن يفعله الإنسان، إذن لوجدنا بين أيدينا سافراً مسهباً في فقه الصحة، بناء على أن الشريعة هي النصوص المحكمة، والفقه هو عمل الفكر الإسلامي في إعمال هذه النصوص.

ويأتي في مقدمة هذه النصوص المباركة ذلك النص الفريد الذي لا نجده في أي كلام آخر سوى كلام المعصوم r ، وهو قوله في الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمرو : " إن لجسدك عليك حقاً ". وقد توصل الناس بعد أربعة عشر قرناً من تقرير الإسلام لحقوق الإنسان، إلى إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكنهم لم يتوصلوا بعد إلى إعلان " حق الجسد "، الذي من حقه على صاحبه أن يطعمه إذا جاع، ويريحه إذا تعب، وينظفه إذا اتسخ، ويحميه مما يؤذيه،ويقيه من الوقوع في براثن المرض، ويداويه إذا مرض، ولا يكلفه ما لا يطيق. وهو حق واجب لا يجوز في نظر الإسلام أن ينسى ويهمل لحساب الحقوق الأخرى، ولو كان منها حق الله عز وجل.

ومن أهم النصوص التي نستمد منها فقه الصحة، قوله سبحانه وتعالى في سورة الرحمن [7- 9 ] :

ووضع الميزان :
أن لا تطغوا في الميزان !
وأقيموا الوزن بالقسط
ولا تخسروا الميزان [

فهذه الآية الجامعة تتحدث عن هذا الميزان، الذي وفي صنعه الله جل وعز في طبيعة هذا الكون بمختلف منظوماته ومنها الإنسان، فتلفت النظر إلى هذا التوازن الذي ينتظم كل شيء.. كل شيء، وتنبه إلى أن أي إخلال به، أياً كان اتجاهه: طغياناً كان أم إخساراً ، يمكن أن يخل بهذا الميزان ويفضي إلى أسوأ العواقب: كما قال سبحانه في سورة يونس [23 ] : ] يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم [ .

ولقد فهم الطبيب العربي المسلم ذلك واستوعبه، وطبقة في مجال الصحة، معبراً عن هذا التوازن الديناميكي بتعبير الاعتدال. فقال علي بن العباس مثلاً، في " كامل الصناعة " [ج 2/ ص 3]، قبل ألف عام، بكل إيجاز :
" والصحة هي اعتدالا البدن " .

وعبر عن ديناميكية هذا التوازن ابن سينا في " القانون " [ ص 4 طبعة رومية عام 1593 م]- قبل ألف عام أيضاً- بقوله : "الاعتدال الذي للإنسان له عرض [ مجال ] وله في الإفراط والتفريط حدان " .

فهو إذن ميزان يتأرجح بين حدين يحدان الاعتدال.

وللحفاظ على هذا " الميزان الصحي " في حالة الاعتدال، وحمايته من الاختلال، وإعادته إلى الاعتدال كلما اختل، ينبغي أن يكون للمرء " رصيد صحي أن " إن صح التعبير، وردت الإشارة إليه في حديث البخاري عن عمر رضي الله عنهما :

" وخذ من صحتك لمرضك "

وهذا الرصيد الصحي قد يعني حالة تغذ ويه حسنة، وقد يعني ذخيرة مناعية جيدة، وقد يعني لياقة بدنية تمكنه من التكيف تكيفاً ناجحاً تلقاء الضغوط التي يتعرض إليها البدن، وقد يعني طمأنينة أو استقراراً عاطفياً وانفعالياً، يجعله قادراً على، مجابهة الكريات النفسية التي تزعزع الكيان.. بل الحق إن الرصيد الصحي إنما هو جماع ذلك كله .

*

هذا الفصل الذي ذكرته من فصول فقه الصحة، هو الذي نعتبره اليوم في منظمة الصحة العالمية من مكتشفات هذا العصر، متحدثين عن بعدين اثنين للصحة، هما بالحرف " الميزان الصحي " health balance و" الرصيد الصحي "health potential"كما نطلق على السبل المتخذة للحفاظ على اعتدال الميزان الصحي اسم " حفظ الصحة ، health protection ، وعلي السبل المتخذة لزيادة الرصيد الصحي اسم " تعزيز الصحة " health promotion . وفى إطار هذين البعدين ، صاغت منظمة الصحة العالمية قبل خمسين سنه فحسب ، تعريفها للصحة على أنها " المعافاة الكاملة ، جسمياً ونفسياً واجتماعياً ، لا مجرد انتفاء المرض أو العجز " .

يذكرنا ذلك بحديث رسول الله r الذي رواه ابن ماجة عن سيدنا أبي بكر رضي الله عه:
" سلوا الله المعافاة، فإنه ما أوتى أحد بعد اليقين خيراً من معافاة ". وقد كان لهذا التعريف- تعريف منظمة الصحة العالمية- وقع كبير، فقد كان الأطباء من يعرفون الصحة على أنها انتفاء المرض كالذي يعرف الحياة بأنها انتفاء الموت! وأغفل الجهابذة الغربيون في النصف الأول من هذا القرن ما قاله أطباؤنا.. أطباء الحضارة العربية الإسلامية قبل مئات السنين. فالصحة- كما قال الطبيب النفقية ابن رشد، في الكليات"[ ص 31 ] قبل ثمانمة
عام -:
" هي حالة في العضو، بها يفعل الفعل الذي له بالطبع، أو ينفعل الانفعال الذي له "، أو هي- كما قال علي بن العباس، في " كامل الصناعة " [ ج 2/ ص 3)، قبل ألف عام-:

" حال للبدن، تتم بها الأفعال التي في المجرى الطبيعي "

أو هي- كما قال ابن النفيس، في الموجز في الطب [ص 38 ] قبل سبعمائة عام-:
" هيئة بدنية تكون الأفعال بها لذاتها سليمة.. والمرض هيئة مضادة لذلك ".

فالصحة عند أطبائنا جميعاً إذن هي الأساس والمنطلق، والمرض هو الهيئة المضادة للصحة. وهم إنما فقهوا ذلك من قول ربهم عز وجل ] خلقك فسواك فعدلك [ [ الانفطار 7 ]، وقوله من قائل: ] خلق فسوى [[ الأعلى: 2]، وقوله سبحانه: ] لقد خلقتا الإنسان فى احسن تقويم [ [ التين: 4 ]، وقوله تبارك وتعالى: ] ونفس وما سواها [ [ الشمس: 7] .

ومما يلفت النظر في هذا التعريف، الحديث عن معافاة" كاملة لا عن مجرد معافاة. فمادة " ع ف و " التي تشتق منها المعافاة في لسان، العرب، أصل يدل على الكثرة والفضل. ف " عفو" كل شيء: خياره وأجوده وما صفا منه وكثر.. وهذه هي الصحة التي نريد: الإنسان في خير أحواله وأفضلها وأجودها وأرقاها: بدنياً ونفسياً واجتماعياً وروحياً .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:39 PM
الصحة نعمة

الإسلام يعتبر الصحة نعمة كبرى يمن الله بها على عباده، به، يعتبرها أعظم نعمة بعد نعمة الإيمان؟ إذ يقول النبي r، في ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس: " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ " ويقول r في ما رواه ابن، ماجة عن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه: " ما أوتي أحد بعد اليقين خيراً من معافاة ". وهي بما أنها نعمة تستحق الشكر عليها من جهة والمحافظة عليها من جهة أخرى .

والصحة مسؤولية كبرى أمام الله عز وجل، فالنبي r: " إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصح لك جسمك وأروك من الماء البارد؟ " [ رواه الترمذي وابن حيان والحاكم وغيرهم وصححه الحاكم ووافقه الذهبي؟]، ويقول: " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن عمله فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، ،وعن جسمه فيم أبلاه " [رواه الترمذي عن أبي برزة الأسلمي وقال: حديث صحيح).

ولذلك كان من واجب المسلم أن يحافظ على هذه النعمة، ويحذر عليها من التبديل والتغيير بإساءة التصرف وإلا حل به العقاب جزاءً و فاقاً على ذلك، .بمقتضى سنة الله الثابتة وقوانينه: ] ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب [ [ البقرة: 211] ] ذلك بأن الله لم بك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [ [ الأنفال:

أما المحافظة على هذه النعمة، فتكون برعاية الصحة والقيام بكل ما يبقيها ويحسنها. فكل ما يقرر أهل الذكر من الأطباء أنه مؤد إلى حفظ الصحة، يتوجب على المسلم القيام به انطلاقاً من هذا المبدأ. هذا على أنه قد ورد في الكتاب والسنة كثير من التعاليم التي ترسم للمسلم طرق المحافظة على صحة بدنه جملة، وصحة أعضائه عضواً عضواً .

والأمثلة على ذلك كثيرة مباركة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: الوضوء، الذي يفترضه الإسلام على الإنسان كلما انتقض وضوءه ، مع الترغيب في الإكثار منه وتكراره عند كل مناسبة. فقد قال r : " مفتاح الصلاة الطهور " [رواه ابن ماجة والترمذي عن علي رضي الله عنه) وفي رواية " للترمذي عن جابر:" مفتاح الصلاة الوضوء ". بل قد " كان النبي r يتوضأ عند كل صلاة " [رواه الترمذي عن أنس بن مالك] وكان يقول: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن "[ رواه ابن ماجة عن ثوبان] ويقول: " الوضوء شطر الإيمان " ] رواه الترمذي عن أبي مالك الأشعري وقال حديث حسن صحيح]. ويستحب للجنب الوضوء إذا أراد الأكل أو النوم، فقد سئل r عن الجنب هل ينام أو يأكل أو يشرب فقال: " نعم" إذا توضأ وضوءه للصلاة " [ رواه ابن ماجة عن جابر بن عبد الله]، كما يستحب له الوضوء قبل تكرار مباشرة أهله: " إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ " [رواه مسلم وابن ماجة عن أبي سعيد]، وقبل النوم: " إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة " [ متفق عديه عن البرء بن عازب ] وعند الغضب، والغيبة، ودخول المسجد، والأذان والخطبة، وزيارة القبور، ومن مس الميت ومن حمله، وعند قراءة القرآن.

ومما يضمن من العبادات المحافظة على الصحة: الغسل، وهو فرض عند الجنابة لقوله تعالى: ] وإن كنتم جنباً فاطهروا[ [ المائدة: 6] وقوله سبحانه: ]يا أيها الذين آمنوا لآ تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا[ [ النساء: 43 ] ولكن النبيr - قد سن لأمته الغسل وحثهم عليه في مناسبات عديدة منها غسل الجمعة لقوله r :" حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام: يغسل رأسه وجسده "[ متفق عليه عن أبي هريرة ] وقوله: " من أتى الجمعة فليغتسل " [متفق عليه عن ابن عمر ] ؛ كما يستحب غسل العيدين والغسل عند الإحرام للحج والعمرة، وبعد غسل الميت ولصلاة الاستقاء والكسوف، والاعتكاف، وعند تغير رائحة البدن، ولحضور كل مجمع من الناس.

ولا يقتصر الأمر على النظافة العامة، بل هناك النظافة الموضوعية اليدين، فقد كان r : " إذا أراد أن يأكل غسل يديه " [ أن يأكل غسل يديه [رواه ابن ماجة عن أبي هريرة ]، وتقليم الأظفار لقوله عليه السلام: " خمس من الفطرة: الختان والاستحداد [ حلق العانة ] ، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب "[متفق عليه عن أبي هريرة]. وكذلك نظافة الأرجل فقد كان r [إذا توضأ يدللك أصابع رجليه بخنصره " [ رواه أبو داود عن المستورد بن شداد ] ويقوله: " ويل للأعقاب من النار . أسبغوا الوضوء " [ رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو ] .

ومن أهم ما ركز عليه الإسلام حفظ صحة الفم فقد حض الإسلام على المضمضة فقال عليه السلام: " إذا توضأت فمضمض " [ رواه أبو داود عن لقيط ابن صبرة ] وقال: " مضمضوا من اللبن فإن له دسماً " [ رواه أبو داود وأبن ماجة عن ابن عباس ] . كما حض الإسلام على تنظيف اللثة، فقد قال r : "نظفوا لثتكم من الطعام وتسننوا
[ تسوكوا] " [رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول - " عن عبد الله بن بشر ألما زني ] . كذلك يحض الإسلام على السواك، لأن السواك كما يقول النبي r : " مطهر للفم مرضاة للرب " [رواه النسائي وابن خزيمه عن عائشة ] ويقول : "" لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة " [ متفق عليه عن أبي هريرة ] وفي رواية لابن خزيمة عن أبي هريرة " عند كل وضوء ". وفي رواية أخرجها الطحاوي والبيهقي أحمد عن عبد الرحمن بن عوف: " مع كل وضوء ". وهذه الروايات توضح المقصود بالسواك عند كل صلاة، أي أن يكون السواك مع الوضوء ، " "لا كما يفعله بعضهم إذ يسوك أسنانه بالمسواك وهو واقف للصلاة، فلا يفعل اكثر من أن ينشر الوسخ الذي على أسنانه ثم يبتلعه.. وخير ما يوضح المراد من النبي r فعله صلوات الله عليه. فقد " كان r يصلي بالليل ركعتين ثم ينصرف فيأستاك " [ رواه ابن ماجة عن ابن عباس ]، كما " كان r لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ " [ رواه أبو داو ود عن عائشة]. وكان r "إذا دخل بيته بدأ بالسواك " [ رواه مسلم عن عائشة]، و " كان إذا قام من الليل يشوص فمه بالسواك " [ متفق عليه عن حذيفة ] .

ومشروعية السواك لا تستثني الصائم، بل لعلها فيه أولى وأظهر. فقد روى الطبراني عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل: أتسوك وأنا صائم؟ قال : نعم! قلت: أي النهار؟ قال: غدوة أو عشية! قلت: إن الناس يكرهونه ويقولون إن رسول الله r قال: لمخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؟ قال: سبحان الله! لقد أمرهم بالسواك ، وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمداً! ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شر! [ قال الحافظ في التلخيص: إسناده جيد ].

ومن سبل حفظ الصحة نظافة الأذنين فقد صح أن النبي r : " مسح أذنيه، داخلهما بالسبابتين، وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما " [ رواه ابن ماجة عن ابن عباس] ونظافة العينين، فقد روي أن النبي r " كان يمسح المأقين " [ رواه ابن ماجة عن أبي أمامه ] ؛ ونظافة الأنف، وقد قال النبي r: " إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم ا لينتثر " [ رواه مسلم عن أبي هريرة] وقال عليr : " إذا توضأت فانتشر " [رواه ابن، ماجة والترمذي عن سلمة ابن قيس ] ؟ ونظافة الشعر، فقد قال r" من كان له شعر فليكرمه " [ رواه أبو داود ]؛ ونظافة السبيلين والأعضاء التناسلية، فقد قال النبي r : " إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات " [ رواه ابن حزم في المحلي من طريق ابن أخي الزهري [محمد بن عبد الله بن مسلم] مسنداً ]، وكان النبي r كما قال أنس: " إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به " [ متفق عليه عن أنس ]. حتى إن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت تعلم نساء المسلمين: " مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم، فإن رسول الله r كان يفعله " [ رواه الترمذي عن عائشة ] .وغير ذلك كثير.
*

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:39 PM
ومن أهم نعم الله عر وجل، التي تحقق الصحة النفسية والجنسية، وتبني الأسرة التي هي الوحدة المجتمعية الأساسية: الزواج. ولذلك ذكره الله سبحانه في عداد آياته ونعمائه فقال عز من قائل في سورة النحل 721 ] وهي سورة النعم :] والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [ ، [ الروم : 21 ] ، وقال جل وعلا ] خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها [ [ النساء : 1 ] والزواج سنة من سنن المرسلين كما قال ربنا عز وجل :] ولقد أرسلنا رسلاً من قبلكم وجعلنا لهم أزواجا وذرية [ [ الرعد : 38 ] ، وقد أمر به النبي r وحض عليه فقال : " النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني " [ رواه ابن ماجة عن عائشة ]" وقال صلوات الله عليه: " وأتزوج النساء ؛ فمن رغب، عن سنتي فليس مني "[ رواه مسلم عن أنس ]، وقال مخاطباً شباب أمته: " يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة [ أي مقومات الزواج الجسمية والمادية ] فليتزوج)) [ رواه ابن ماجة عن ابن مسعود]. وقد " نهى رسول الله r عن التبتل [ و هو ترك الزواج ] " [ رواه النسائي عن عائشة وسمرة بن جندب ]، وقال صلوات الله عليه وسلامة: " لم أوامر بالرهبانية " [ رواه الدار مي عن سعد بن أبي وقاصم] .

ولم يكتف الإسلام بجعل الزواج واجباً فردياً ولكنه جعله كذلك واجباً اجتماعياً ومسؤولية من مسؤوليات المجتمع. ف!تهد خاطب الله عز وجل مجتمع المسلمين بقوله: ] وأنكحوا الأيامى [ أي غير المتزوجين ] منكم ] [ النور: 32 ]، في الوقت الذي طالب فيه غير المتزوجين بالاستعفاف ريثما تتاح لهيا إمكانات الزواج فقال: وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله [ [ النور: 33] وذلك لأن الإسلام يعتبر عدم الزواج وعدم الزواج طريقاً من طرق الفساد الكبير، كما يتضح ذلك من قول النبي r : " إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه! إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير " [ رواه ابن ماجة عن أبي هريرة ] .

ولا يدع الإسلام أمراً بهذه الأهمية في نظره للمصادفات، هـ لكنه يتخذ كل الضمانات لنجاحه من النواحي البدنية والنفسية والاجتماعية والجنسية .

فهو يحدد أولاً مواصفات الزوجة، فيقولن النبي r [ في حديث متفق عليه عن أبي هريرة ] : " تنكح المرأة لاربع لدينها وحسبها ومالها وجمالها، فاظفر بذات الدين ". وليس في ذلك خط من شأن الجمال والمال والحسب، ولكن فيه توكيداً على الشرط الرئيسي الذين من دونه لا يكون لغيره شأن: ألا وهو الدين.

ويضيف إلى ذلك في حديث آخر أمرين آخرين، يضمن أحدهما استمرار الوفاق والسكينة والمودة والرحمة والحياة الجنسية المشبعة إشباعاً حلالاً، وهذا أحد مقصدي الزواج، ويضمن الآخر بقاء النوع البشري وهذا هو المقصد الآخر للزواج، فيقول r " تزوجوا الودود الولود " [ رواه النسائي وأبو داو ود عن معقل ابن يسار ] .

ومن ضمانات نجاح الزواج، أن الإسلام يأمر بالنظر إلى المخطوبة ولا يحبذ الاختيار الغيابي للزوجة فيقول النبي r: " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل "[ رواه أبو داود عن جابر ]، وفي حديث آخر رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة عن المغيرة بن شعبة: " انظر إليها فذلك أحرى أن يؤدم بينهما ".

كذلك يرغب الإسلام في تقارب سن الزوجين، فقد " خطب أبو بكر وعمر رضى الله عنهما فاطمة [ بنت النبي r ] فقال: إنها صغيرة! فخطبها على رضي الله عنه فزوجها منه " [ رواه النسائي عن بريده ].

ومن الضمانات الأخرى ضمانات صحة النسل والذرية، وذلك بالأمر بحسن تخير الزوج الآخر امتثالا لقوله r: " تخيروا لنطفكم " [ رواه ابن ماجة والدر قطني والحاكم عن عائشة ]. وهذا التخير أمر يتغير بالطبع بتغير الأزمنة، بحيث يأخذ في اعتباره كل وسيلة تضمن حسن التخير بلا استثناء، بما في ذلك الفحوص الطبية الحديثة.

ومن ضمانات نجاح الزواج من الناحية الجنسية، أن الإسلام لا يعتبر العلاقة الجنسية الحلال عملاً مكروهاً أو مستنكراً أو بخلاف الأولى ، بل على العكس من ذلك يعتبره عبادة يؤجر عليها الزوجان. إذ يقول النبي r: " وفي بضع أحدكم- أي في جماعه- صدقة! " قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: " أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر! "[ رواه مسلم عن أبي ذر ]

كما يوصي الإسلام بالملاطفة والملاعبة واستثارة الشهوة قبل الجماع، فيقول النبي r: " لا يقعن أحدكم على امرأته كما يقع البعير، وليكن بينهما رسول ، ". قيل: وما الرسول؟ قال: " القبلة والكلام " [ رواه الديلمى في سند الفردوس ] كذلك يأمر كلاً من الزوجين بانتظار الآخر حتى يقضي شهوته، فيقول النبي r: " إذا جامع أحدكم امرأته فليصدقها، فإن قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها " [ أخرجه أبو يعلي ورواه الصنعانى في المصنف عن أنس ]، هذا مع قول الله عر وجل: ]ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف [
[ البقرة: 228 ] .

ويحرم الإسلام الجماع في المحيض لقوله عر وجل ] فاعتزلوا النساء في المحيض ِ[ [ البقرة : 222 ] ، ويبيح جميع الأوضاع الجنسية [ أوضاع الجماع ) في الزواج ما دامت في الفرج، لقوله تعالى: ] نساؤكم حرث لكم فائتوا حرثكم أني شئتم [ [ البقرة : 223 ] ، ولقول النبي r : " لا تأتوا النساء في أد بارهن " .

*

ومن سبل تعزيز الصحة: التغذية الحسنة .

فتحري الغذاء الطيب، واجتناب الغذاء الخبيث، ضمانة للصحة، والله سبحانه يقوله في سورة البقرة [ 172 ]
] كلوا من طيبات ما رزقناكم [ وفيها أيضا[ 168 ] ] كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً [ . ويقول عز وجل في صفة النبي r في سورة الأعراف [ 157 ] : ]ويحرم عليهم الخبائث [ .

والامتناع عن الغذاء الطيب بلا مسوغ مشروع، أمر مناف للصحة، ولا يسمح به الإسلام. يقوله الله عر وجل في سورة المائدة [ 87 ] ] لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم [ .

ـ والتغذية الصحية هي التغذية المتوازنة، تحقيقاً للميزان الذي وضعه الله في كل شيء، وجاء ذكره في سورة الرحمن [7- 9 ]
] ووضع الميزان :
أن لا تطغوا في الميزان !
ولا تخسروا الميزان [
. هي أولاً التغذية المتوازنة من حيث الكم. فالإسراف في الغذاء مضر بالصحة، لما يؤدي إليه بصورة مباشرة من اضطراب الهضم والتخمة، ولما يؤدي إليه بصورة غير مباشرة من أمراض فرط التغذية التي يقال لها اليوم" أمراض الرخاء " أو " أمراض المتخمة "، ومن أهمها " السكري " أو مرض السكر، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض شرايين القلب المحدثة للذبحة والجلطة، وأمراض شرايين الدماغ المؤدية إلى السكتة والفالج، وما إلى ذلك. وبذلك تكون المعدة بيت الداء حقاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتكون مسؤولة عن طائفة من أخطر الأمراض. وهذا الإسراف في كم الغذاء مخالف لتعاليم الإسلام، إذ يقول الله سبحانه في سورة طه [ 81 ]: ] كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه [ ويقول النبي r في- حديث المقدام بن معدي كرب الذي رواه الترمذي وغيره: " ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن! بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه- أي يكفيه الحد الأدنى من الغذاء الذي يفي باحتياجاته الحيوية الأساسية- فإن كان لا محالة- وفي رواية: فإن غلبت الآدمي نفسه- فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس "، ويقول في الحديث الذي رواه مسلم عن جابر : " طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية ".

هذا ما كان من أمر التوازن من حيث الكم.

. ولكن التغذية الصحية هي أيضاً التغذية المتوازنة من حيث المحتوى، وهي تشتمل على مزيج من مختلف أنواع الأغذية التي أنعم أ الله بها على عباده،لسد حاجة الجسم من البروتينيات والدهنيات والنشويات والأملاح والفيتامينات، وغيرها، والتي ذكر الله سبحانه معظمها في سورة النحل وهي سورة النعم. إذ فيها قول الله عز وجل في لحوم الحيوانات: ] والأنعام خلقها: لكم فيها دفء منافع ومنها تأكلون [ [ النحل: ه ]، وقوله: ] وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً [ [ النحل: 14)، وفيها قوله في الأغذية النباتية: ] ينبت لكم به الزرع والزيتون والتخيل والأعناب ومن كل الثمرات [ النحل: 11 ] ، وقوله في اللبن ] نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصاً سائغاً للشاربين [[ النحل: 66] ، وقوله في العسل: ] يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه: فيه شفاء للناس [ [ النحل: 69). هذا إلى قوله سبحانه في سورة الحج [36 ] ] والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير [ وقوله تعالى في سورة الأنعام [ 141 ] ] كلوا من ثمرة إذا أثمر [ ، وقوله في سورة يس[ 33 ] : ] وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون [ ويفضل الإسلام الأغذية الكاملة، فيرجح مثلاً استعمال الدقيق الكامل على الدقيق المنخول، كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أم أيمن، أنها غربلت دقيقاً فصنعته للنبيr رغيفاً، فقال: " ما هذا؟ " فقالت: طعام نصنعه بأرضنا فأحببت أن أصنع منه لك رغيفاً ؛ فقال: " رديه فيه ثم اعجنيه ". وهذه الأغذية الكاملة تحتفظ بالفيتامينات الضرورية لصحة الجسم، وتضمن حسن حركة الأمعاء فتحمي المرء من الإمساك وتقيه من سرطان القولون.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:40 PM
ومن القواعد الصحية غسل اليدين قبل الطعام، تحاشياً لتلويثه ببعض ما قد يضر، ووقاية للمعدة من التهيج أو الالتهاب بفعل هذا الضار. وقد " كان r إذا أراد أن يأكل غسل يديه " كما في الحديث الذي رواه النسائي عن عائشة.
. ومن القواعد الصحية حفظ الطعام والشراب من التلوث، والإسلام يأمر بتغطية الطعام حماية له من التلوث كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن جابر:" غطوا الإناء "، وفي رواية للبخاري عن جابر. خمروا [ أي غطوا ] الطعام والشراب ". كما يحرج النبي r تلويث الغذاء والماء بمفرغات البدن التي تحمل الجراثيم وتنقل العدوى، فيقول في الحديث الذي رواه، ابن ماجة عن أبي هريرة: " لا يبولن أحدكم في الماء الراكد "، وقد " نهى رسول الله r أن يبول الرجل في مستحمة " [ رواه الترمذي عن عبد الله بن مغفل ]، وكان يقول:" اتقوا اللاعنين)) قالوا: وما اللاعنان؟ قال: " الذي بتخلي [ يتغوط ] في طريق الناس وفي ظلهم " [ رواه مسلم عن أبي هريرة ]، ويقو ل في الحديث الذي رواه أبو داو ود عن معاذ بن جبل: " اتقوا الملاعن الثلاث : البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل ". ولا يخفى أن تلويث موارد المياه بالبراز وما يشتمل عليه من جراثيم، عامل أساسي في نقل الأمراض، بصورة مباشرة من خلال الماء الملوث، أو غير مباشرة من خلال تلوث الخضراوات والثمرات التي تسقى بهذا الماء. وفي ذكر الظل نكتة لطيفة، لان ما يكون في الظل لا تطهره الشمس، فيبقى مرتعاً خصباً للجراثيم ويعمل على تكثيرها .

*

وهذا النهي عن تلويث الموارد والطرق جزء من توجيهات الإسلام للحفاظ على صحة البيئة. ويقابل ذلك أمر إيجابي بتنظيفها. فقد قال r " إماطة [ أي إزالة] الأذى عن الطريق صدقة " [رواه أبو داود عن أبي ذر ]، و قال: " عرضت على أعماله أمتي: حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها : الأذى يماط عن الطريق.. "
[ رواه مسلم وابن ماجة عن أبي ذر ] وقال: " الإيمان بضع وسبعون شعبة.... وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ] .

ولقد حذر الله سبحانه في مواضع متعددة من كتابه الكريم من الفساد في الأرض.. والفساد البيئي جزء من هذا الفساد في الأرض بل هو أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا المقام. فقد قال عز من قائل: ]كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين [ [ البقرة: 60] وقال جل شأنه: ] ولا تفسدوا في الأرض [ [ الأعراف: ه 8] وقال سبحانه: ] ولا تبغ الفساد في الأرض [ القصص: 77]. وقد نهى كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقوامهم عن الفساد في الأرض .

بل قد خصص الله بالذكر ذلك النوع من الفساد الذي يستأصل النبات والحيوان فقال: ]ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله علي ما في قلبه وهو ألد الخصام .. وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ؛ والله لا يحب الفساد [[ البقرة: 205 ].

قال الإمام ابن حزم في المحلى محتجاً بهذه الآية: " فمنع الحيوان ما لا معاش له إلا به من علف أو رعي، وترك سقي شجر الثمر والزرع حتى يهلكا، هو بنص كلام الله تعالى فساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل، والله تعالى لا يحب هذا العمل ".

وقد حرص النبي r على تشجيع الزراعة بما يزيد الثروة النباتية ويضيف إلى البيئة الصالحة فقالت: " لا يغرس المسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة "[ رواه مسلم عن جابر]، وقال: " من أحيا أرضاً ميتة فهي له " [ رواه الترمذى عن جابر وقال حديث حسن صحيح ]. ونهى في مقابل ذلك نهياً شديداً عن قطع الشجر فقال: " من قطع سدرة [ يعني دون مبرر ] صوب الله رأسه في النار ! " [ رواه أبو داود عن عبد الله بن حبشي ].

وكان النبي r أول من أنشأ محميات بيئية لا يجوز قطع شجرها ولا قتل حيوانها. فقد " حمي رسول الله r كل ناحية من المدينة بريداً بريداً [والبريد اثنا عشر ميلاً ]: لا يخبط [ ينزع] شجره، ولا يعضد [ يقطع ]، إلا ما يساق به الجمل " [رواه أبو داود عن عدي، بن زيد ]. وكان النبي r " ينهي، أن يقطع من شجرة المدينة شيء " [ رواه أبو داود عن سعد بن أبي وقاص ]، وقال عن المدينة " لا ينفر صيدها.. ولا يصلح أن يقطع منها شجرة، إلا أن يعلف الرجل بعيره " [رواه أبو داود عن علي]؛ وقال r : " إني أحرم ما بين لابتى المدينة: أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها " [ رواه الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص] " ؛ وقال عن واد بالطائف : " إن صيد وج وعضاهه حرام " [ رواه الإمام أحمد وأبو داو ود عن الزبير ] .
*
ومن وسائل حفظ الصحة وتعزيزها بالمحافظة على هذه النعمة ، إعطاء كل عضو حقه، كما في قوله r : " وإن لعينيك عليك حقاً " [متفق عليه عن عبد الله بن عمرو ]، وعدم تكليف الإنسان نفسه ما لا يطيق لقوله r: " عليكم ، بما تطيقون " [ متفق عليه عن، عائشة ] . كما أن من وسائل حفظ الصحة وتعزيزها ، كذلك، تقوية الجسم ولاسيما بالرياضات المناسبة، فقد قال r: " المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف " [رواه مسلم عن أبي هريرة ] وقال: " وإن لجسدك عليك حقاً " [رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو ] وقال: " احرص على ما ينفعك " [ رواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة ] .

*
وأخيراً ففي مقابل كل ما تقدم من سبل حفظ الصحة و. تعزيزها، تحذير شديد من أي تبديل أو تغيير على هذه النعمة لأن الإنسان سيدفع الثمن غالياً. ولا أدل على ذلك من الحديث التالي:

" لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا " رواه ابن ماجة وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمر ]. وقد حرم الله الفواحش أياً كان نوعها تحريماً قاطعاً فقال جل شأنه: ] ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن [ [الأنعام: 151] وقال سبحانه: ]قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم [ [ الأعراف: 33]

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:40 PM
لاضرر ولا ضرار

هذه العبارة الجامعة الفذة حديث شريف رواه الدار قطني عن أبي سعيد الخدرى ، وقال عنه الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وهي مؤكدة بصيغ أخرى كقولة r : " ملعون من ضار مؤمناً أو مكر به " [ رواه الترمذي عن أبي بكر وقال حديث غريب ] ، وقولة : " من ضار أضر الله به " [ رواه ابن ماجة وأبو داود عن أبي صرامة ] ، أو قوله: " من، ضار مؤمناً ضار الله به " [ رواه الترمذي عن أبي صرامة وقال حديث حسن غريب ] .

ولعل أجمل ما ورد في تعريف الضرر والضرار، ما ذكره السيد رشيد رضا رحمة الله في تفسير سورة المائدة: " أي: رفع الضرر الفردي والمشترك " ومنه أخذت قاعدة دفع المفاسد وحفظ المصالح مع مراعاة ما علم من نصوص الشارع ومقاصده.

وقد جاء تحريم الضرر في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى سورة الأعراف [33]: ] قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم [ وقوله في سورة الأنعام [ 120 ] ] وذروا ظاهر الإثم وباطنه [ ، مع قوله ك سبحانه في سورة البقرة [219 ] عن الخمر والميسر: ] فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما [ فجعل الإثم نقيض النفع فهو الضرر إذن، وهو- كما نرى- محرم بنص القرآن، لا يحل للمسلم أن يضر بنفسه أو يضار بغيره. وذلك في كتاب الله كثير .


فلننظر الآن كيف يتجلى هذا المبدأ في شؤون الصحة :

ا- الإضرار بالنفس :

وهذا محرم لقوله عز وجل: ] ولا تقتلوا أنفسكم [ [ النساء: 29] وقوله سبحانه: ] ولا تقتلوا بأيديكم إلى التهلكة[
[ البقرة: 195] وقوله r " لا ضرر". فلا يجوز للمسلم أن يعرض نفسه لخطر المرض أو الإصابات بأي شكل من الأشكال لقوله-r: " لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه " قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: " يتعرض من البلاء لما. لا يطيقه " [رواه ابن ماجة وأحمد عن حذيفة، والترمذي وقال: حديث حسن غريب]. ويكون تعرض المرء للأمراض، والإصابات بتعرضه لأسبابها، أو تهاونه في عدم اتقائها، أو تهاونه في حفظ صحته عليه. وقد وجه الإسلام إلى السبيل القويم في ذلك كله، فأوجب على المسلم:

. أن يحرص على ما ينفعه من سبل الحياة الصحية كالتغذية بالغذاء الحسن والاعتدال فيه وفي المشرب، واتخاذ بعض الرياضات التي تحفظ عليه سلامة أعضائه وما إلى ذلك؛ وأن يقدم لجسده كله ولكل عضو من أعضائه حقه من الرعاية والإراحة والعناية، لقولهr" احرص على، ما ينفعك " [ رواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة]، ولحديث: " وخذ من صحتك لمرضك " [ عزاه البخاري لابن عمر ]، ولقوله r : " ما أطعمت نفسك لك صدقة " [ رواه البخاري في الأدب المفرد عن المقدام بن معد يكرب] وقوله: " إن لنفسك عليك حقاً "[رواه البخاري عن وهب بن عبد الله]، وقوله: " إن لجسدك عليك حقاً .. وإن لعينيك عليك حقاً… " [ متفق عليه عن عبد الله بن عمرو ] .

. أن يتخذ كل أسباب الوقاية من الأمراض لابن التوقي يكفل الوقاية. فقد قال r : " ومن يتوق الشر يوقه "
[ أخرجه الخطيب في تاريخه عن أبي هريرة]. ويدخل في ذلك البعد عن مصادر المرض كاجتناب مقارفة الزنى واللواط وسائر الفواحش لقوله تعالى: ] ولا تقربوا الزنى أنه كان فاحشة وساء سبيلاً [ [الإسراء: 32 ] ، وقوله] ولاتقربوا الفواحش ما طهر منها وما بطن [ [ الأنعام: 151] وقوله سبحانه: ] إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء . بل أنتم قوم مسرفون [ [ الأعراف : 81 ] ، وقوله النبي r " إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط "[ رواه ابن ماجة والبيهقي عن جابر ابن عبد الله ]. كما يدخل في الوقاية البعد عن مصادر الإثم، لقوله سبحانه: ] وذروا ظاهر الإثم وباطنه [ [ الأنعام: 120 ] والإثم- كما يقول السيد رشيد رضا رحمه الله في تفسيره- " كل ما فيه ضرر في النفس أو المال أو غيرهما، وأشدها المضار والمفاسد الاجتماعية ". ومن الإثم المسكرات والمخدرات وكل ما يخامر العقل ؛ " وقد قال ربنا سبحانه: ] يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير [
[ البقرة: 219] ، وقال جل جلاله: ] إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه [
[ المائدة: 90] والاجتناب أعلى درجات التحريم. وقد " نهى رسول الله r عن كل مسكر ومفتر " [ رواه أحمد وأبو داو ود عن أم سلمة ]، وقال r : " ألا إن كل مسكر حرام، وكل مخدر حرام، وما أسكر كثيره حرم قليلة ، وما خمر العقل فهو حرام " [ رواه أبو نعيم عن أنس بن حذيفة ]. ويدخل في التوقي كذلك عدم التعرض للمصابين بالأمراض المعدية. كما يدخل في ذلك التطعيم لتوقى كثير من الأمراض المعدية.

. أن يتخذ كل أسباب الوقاية من الإصابات. والأصل في ذلك ما ورد عن النبي r " إذا غرستم [ أي نزلتم للنوم بالليل] فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل "[ رواه مسلم عن أبي هريرة]، وقولهr: " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ريما ما خلفه عليه " [ متفق عليه عن أبي هريرة]، وقوله r : " أطفئوا المصابيح إذا رقدتم، وغلقوا الأبواب، وأوكوا [ أي اربطوا أفواه] الأسقية، وخمروا
[ أي غطوا] الطعام والشراب " [ رواه البخاري عن جابر]، وقوله: " إن هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم " [ متفق عليه عن أبي موسى]. وقوله: " من بات على ظهر بيت ليس له حجار [ أي جدار] فقد برئت منه الذمة " [ رواه أبو داو ود عن علي ابن شيبان ]. وقد "نهى رسول الله r عن الوحدة: أن يبيت الرجل وحدة أو يسافر وحده " [ رواه الإمام أحمد عن ابن عمر، وسنده صحيح على شرط البخاري] .

. أن يتداوى إذا أصيب بالمرض لقوله r : " تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء " [ رواه البخاري في الأدب المفرد عن أسامة بن شريك، ] .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:40 PM
الإضرار بأفراد الأسرة:

الوالدين والولد والزوج والزوجة. وهذا أيضاً محرم داخل في حكم الضرار.فقد أوصى الإسلام الإنسان بوالديه فقال سبحانه: ] ووصينا الإنسان بوالديه حسناً[ [ العنكبوت: 8] وقالت عز من قائل: ] وبالوالدين إحساناً [
[ النساء: 36]، وكان رسول الله : r " ينهى عن منع وهات وعقوق الأمهات وعن وأد البنات "[ رواه البخاري في الأدب المفرد عن المغيرة بن شعبة]، وروي عنه أنه قال: " ملعون من عق والديه "، وأي عقوق أسوأ من أن يفرط في صحتهما التي تحفظ عليهما نفسيهما. كذلك أوصى الإسلام الوالدين بالولد، وأوصى كلاً من الزوجين بالآخر وعلى الأخص الزوج بزوجته، فقال النبي r: " استوصوا بالنساء خيراً " [ متفق عليه عن أبي هريرة كما رواه الترمذي عن عمرو بن الأحوص الجشمي في حجة الوداع وقال حديث حسن صحيح ] وقال: " اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة " [ حديث حسن رواه النسائي بإسناد جيد عن أبي شريح، خويلد بن عمرو الخز اعي ] وقال r: "… وإن لزوجك عليك حقاً.. وإن لولدك عليك حقاً.. فآت كل ذي حق حقه" [متفق عليه عن عبد الله بن عمرو ] ، وقال r: " وإن لأهلك عليك حقاً" [ رواه البخاري عن وهب بن عبد الله ]، وقال: " والرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم " [ متفق عليه عن عبد الله بن. عمر ] .

فالتفريط في حق الوالد أو الزوجة أو الزوج أو الولد، وفي حفظ صحتهم عليهم ووقايتهم من الأمراض.. حرام، لقوله عز وجل: ] ولا تقتلوا أولادكم [ [ الأنعام: 151]، وقوله سبحانه: ] ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق [ [ الأنعام: 151]، وقوله جل شأنه: ] قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم [ [ الأنعام: 140 ]، وقوله عز من قائل: ] لا تضار والدة يولدها ولا مولود له بولده [ [ البقرة: 233 ] قال الإمام ابن حزم رحمه الله في التعليق على هذه الآية: " والذي منع أبواه من المضارة به هو الولد بلا شك " [ المحلى: 10 / 107 ] وقوله سبحانه: ] وائتمروا بينكم بمعروف [ [ الطلاق: 6] قال ابن منظور في التعليق على هذه الآية: " وحق كل منهما- أي الوالدين- أن يأتمر في الولد بمعروف " [ اللسان : ع ر ف ] ومعنى ذلك أن يتشاور الوالدان للتوصل إلى ما فيه مصلحة الولد. ومن ذلك أيضاً قول النبي r : " كفى بالمرء إثماً أن يضيع من بقوت " [ حديث صحيح رواه أبو داود: وغيره عبد الله بن عمرو ]، وقوله:" ليس منا من لم يرحم صغيرنا " [ رواه البخاري في الأدب المفرد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح ] . ومن أظهر مظاهر الرحمة حفظ صحته ووقايته من الأمراض. ومن أهم سبل حفظ صحة الطفل الحرص على إرضاعه من الثدي في العامين الأولين من عمره، فذلك يزوده بالتغذية الفضلى، وبالأجسام المناعية المضادة التي تنتقل إليه من ألام في لبنها، ويحافظ على صحته وصحة أمه بالمباعدة بين الأحمال ، لان الرضاعة تمنع الحيل في الغالب. وقد قال ربنا عز وجل: ] والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة [ [ البقرة: 233] ، وقال سبحانه: ] وفصاله في عامين [ [ لقمان : 14 ] .وقد كان من أهم عناصر البيعة التي يأخذها النبي r من النساء جميعاً أن ] لا يقتلن أولادهن [ [ الممتحنة: 12] .
فالواجب على المرء إذن في حق أفراد أسرته:

. أن، يتخذ كل أسباب وقايتهم من الأمراض، ويدخل في ذلك إبعادهم عن مصادر العدوى، كما يدخل فيه وجوب تطعيمهم بحسب اللزوم لتوقى كثير من الأمراض المعدية فلو فرط الأب أو الأم مثلاً في تطعيم ولدهما، فإنهما يعرضانه للضرر وقد نهاهما الله عز وجل عن ذلك، وقد يؤدي تصرف كهذا منهما مردة إلى الجهل والسفه إلى تعريضه للتهلكة وتعريضهما للخسران لقوله سبحانه: ] قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم [ [ الأنعام: 140] .

. أن يحرص على ما ينفعهم من سبل الحياة الصحية كتغذيتهم بالغذاء الحسن وحثهم على الاعتدال! فيه، وجعلهم يتخذون بعض الرياضات التي تحفظ عليهم صحتهم.

. أن يداويهم إذا تعرضوا للمرضى.

وليس يخفى أن من أهم المخاطر التي يتعرض إليها الولد الأعزل الغر، أن يكون أحد أبوبه أو كلاهما مدخناً، فيفسرانه على استنشاق أدخنه السجائر، ويعرضانه إلى الإصابة بمختلف الأمراض التي قد تنشأ عن ذلك. وواضح أن في ذلك حرمة مضاعفة، لما فيه من تفريط بحق الوقاية، وإكراه على التعريض للخطر وهو صغير لا حول له ولا قوة.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:41 PM
الإضرار بالناس جميعاً:

ولاسيما بالجار. وهذا محرم لقوله r : " لاضرر ولا ضرار " وقوله r: " من ضار أضر الله به " [ رواه ابن ماجة وأبو داو ود عن أبي صرمة ] وقوله:" والله لا يؤمن " قالوا: " من هو يا رسول الله خاب وخسر " قال: " من لا يأمن جارة بوائقه " [ متفق عليه عن أبي هريرة ]. قال الإمام ابن تيميه في فتاويه (1 / 327 ) : " فإذا كان هذا بمجرد الخوف من بوائقه، فكيف فعل البوائق مع عدم أمن جاره منه؟ [ والبوائق : الغوائل والشرور). وقد قال النبي r: " تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك " [ متفق عليه عن أبى ذر ] .

ولابد من التطرق هنا إلى موضوع الأذى. فكثير من الناس يستعمل تعبير الأذى بمعنى الضرر وهذا غير صحيح. فالأذى أقل من ذلك بكثير، لأنه أي شيء يزعج- مادياً أو معنوياً- أو يؤدي إلى الاشمئزاز والتقزز أو يجلب الضيق. فإذا كان مثل ذلك منهياً عنه، فالضرر محرم من باب أولي،. والله سبحانه وتعالى يقول: ] والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثما مبينا [ [ الأحزاب : 58) [ والرسول r يقول: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره " [ متفق عليه عن أبي هريرة ] .

لذلك لا يحل للمسلم مثلاً أن يدخن في مركبة مغلقة- سيارة أو طائرة أو مقصورة- فليحق الضرر بجيرانه فيها جميعاً ويعرضهم إلى مخاطر هذا المنشوق الخبيث. وهو وإن كان لا يجوز له أن يدخن ولو كان وحده فيعرض نفسه إلى أسباب المرض والهلاك، فعدم جواز ذلك في حق الغير أظهر. فالجار في مقعد الطائرة جار، وفي الأماكن العامة جار، والجار في داخل، البيت جار ذو فربى.. وقد أمرنا الله سبحانه في سورة النساء بالإحسان إلى الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب.. وليس تعريض أي منهم إلى مضار التدخين من الإحسان في شيء. وقل مثل ذلك في الذي يلقي بفضلات بيته إمامه فيؤذي جيرانه ويؤذي المارة، أو الذي يصيب نفايات مصنعه في نهر أو جدول أمام مصنعه، وما شابه ذلك من، البوائق التي ينطبق عليها جميعاً حكم الضرر أو حكم الأذى على الأقل. وقد قال[ النبي r : " من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم " [ رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن] بل قد حرج رسول اللهr كثيراً تعريض أي من أفراد المجتمع لأي أذى أو ضرر، وأقر باتخاذ جميع الاحتياطات الكفيلة بوقايتهم من ذلك، فقال مثلاً : " من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل[ سهام]، فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه، أن يصيب، أحداً من المسلمين منها بشيء " [ متفق عليه عن أبي موسى ] .

ويدخل في باب الضرر والضرار موضوع العدوى. فلا يجوز للمسلم أن يعدي أخاه، أو يتهاون في ذلك، أو يجلب أسباب العدوى إلى المجتمع، فذلك يندرج تحت هذه القاعدة الشاملة، قاعدة تحريم الضرر والضرار، وقد قال رسول الله- r: " لا يورد المرض على المصح " [ متفق عليه عن أبي هريرة ]. حتى لقد يميل المرء إلى أن يفهم قوله النبي عليه الصلاة والسلام: " لا عدوي، ولا طيرة " [ رواه، البخاري عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك ]، على أنه نهي عن العدوى كما أنه نهي عن التطير، وليس نفياً للعدوى كما أنه ليس نفياً للتطير، لما يفهم من قوله r في حديث آخر: " لا طيرة، وخيرها الفأل " متفق عليه ] فهذا ليس نفياً للطيرة بدليل قوله " وخيرها الفأل "، ولكنه نهي عنها وزجر. وهذ1 الفهم ينسجم أيضاً مع آخر الحديث في رواية " وفر من المجذوم فرارك من الأسد ". وحينما استشكل ذلك أحد السامعين لأنه فهم كلام النبي r على أنه نفي للعدوى، فقال: " أرأيت البعير يكون به الجرب فتجرب الإبل " احتاط النبي r للسائل وغيره خشية أن يؤمن هو أو غيره برد الأسباب إلى غير الله عز وجل فقال له: " ذاك القدر، فمن أجرب الأول ؟ " فتلك مبادرة إلى تصحيح خطأ الفهم. ومما يؤيد ذلك أنه قد " سئل رسول الله r فقيل له: أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً ؟ قال : هي من قدر الله " [ رواه الترمذي عن أبي خزامة ]. ومثل ذلك ما فهمه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم أبى الدخول على الطاعون وقال له أبو عبيدة:

أتفر من قدر الله؟ فقال له: نعم! نفر من قدر الله "، وكان رضي الله عنه في ذلك منسجماً ـ بفهمه العميق للإسلام- مع قول النبي r الذي لم يكن سمع به من قبل: " إذا سمعتم بالطاعون بأرضي فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها " [ أخرجه البخاري عن أسامة بن زيد] . فالمهم أن يعلم الإنسان أن العدوى من قدر الله وأن مكافحة العدوى من قدر الله، كما أن المرض من قدر الله والتداوي من قدر الله والوقاية أو " التقاة " من قدر الله . والله أعلم بمراد نبيه r .

ويندرج ذلك كله في هذا الحديث الجامع: " ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم! والمسلم: من سلم الناس من لسانه ويده... "[ رواه أحمد عن فضالة بن عبيد، بإسناد صحيح ] .

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:41 PM
مشاركة المجتمع

ومشاركة المجتمع هي المبدأ الأهم في أسلوب الرعاية الصحية الأولية الذي تنادي به منظمة الصحة العالمية اليوم. ولكن الأمر يختلف اختلافاً واضحاً بين المجتمع الإسلامي الحقيقي وبين سائر المجتمعات. والأمر يحتاج إلى بعض تفاصيل . ذلك أن مشاركة المجتمع في المفهوم الإسلامي تقوم على عدة دعائم، أهمها: التماسك، والتعاون، والاكتفاء الذاتي، والإحسان.

ا- التماسك :

معلوم أن البناء يتكون، عندما يتحول كل حجر من أحجاره إلى لبنة، أو قل: إن المجتمع يولد عندما يتحول كل فرد من أفراده إلى شخص ،وليس المقصود بذلك في المفهوم الإسلامي أن يذوب الأفراد في بوتقة المجتمع، وإنما المراد أن يتماسك الأشخاص تماسك البنيان، أو إن شئت عبارة النبي r : " المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً " وشبك بين أصابعه [ متفق عليه عن أبى موسى ،] قال القرطبي: " فإن البناء لا يتم ولا تحصل فائدته إلا بأن يكون بعضه يمسك بعضاً ويقويه... ". ولا يكون ذلك بالدمج والصهر، وإنما بالتوحيد أو التأليف. وللتأليف بعد غيبي شريف، ذكره الله عز وجل بقوله: ]وألف بين قلوبهم ؛ لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم [
[ الأنفال: 63 ] .

ومن هنا كان التشبيه الآخر الذي أورده النبي r لمجتمع المؤمنين: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد ؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " [ متفق عليه عن النعمان بن بشير]. وواضح أن خلايا الجسد لا تعيش عيشة فردية منعزلة، وإلا ماتت جميعاً، بل هناك رابطة تجمع بينها وتجعلها تعيش عيشة الجسد الواحد. وانظر إلى هذه الإشارة اللطيفة في الحديث إلى قوى التماسك، والتعبير عنها بصيغة " التفاعل "، فهو تواد وتراحم وتعاطف : يود كل كلاً، ويعطف كل على كل، ويرحم كل كلاً .

بل لماذا نقوله " التماسك " ولدينا في المصطلح الإسلامي لفظ جميل دقيق هو" ذات البين ".

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: " ذات البين أي الحال التي يقع بها الاجتماع ". وقال السيد رشيد رضا رحمه الله في تفسير المنار [ 9 / 587 ]: " والبين في أصل اللغة يطلق على الاتصال والافتراق وكل ما بين طرفين، كما قال: ] لقد تقطع بينكم [ ، ويعبر عن هذه الرابطة بذات البين، وأمرنا في الكتاب والسنة بإصلاح ذات البين، فهو واجب شرعاً تتوقف عليه قوة الأمة وعزتها ومنعتها، وتحفظ به، وحدتها ".

ومن أجل ذلك قال النبي : r " ألا أنبئكم بدرجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى! قال: إصلاح ذات البين! " ثم قال: " وفساد ذات البين هي الحالقة " [ رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي الدر داء ] .

وقد وضع الإسلام ضمانة مهمة تضمن بقاء هذا التماسك، وهي صلاة الجماعة. وما إخالني بحاجة إلى الحديث عن وجوب صلاة الجماعة وعن التشديد فيها والزجر على التخلف عنها. ولكنى أريد أن أقول: إن في صلاة الجماعة تذكيراً دائماً، يتكرر. خمس مرات في كل يوم، بانتماء المرء إلى مجتمع. وأريد أن أقول: إن التعليمات اليومية أو قل: التذكيرات اليومية التي يكررها الإمام- كل إمام- في صلاة الجماعة هي نفس ما يراد التذكير به في شأن المجتمع كله. ففيها أمر بالاستواء والاستقامة " سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة " [ متفق عليه عن أنس ] وفيها نهي عن الاختلاف خشية اختلاف القلوب " استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم " [رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]، رص الصفوف ونبذ التباعد " رصوا صفوفكم وقاربوا بينها " [ رواه النسائي عن أنس ]، وفيها اللين بأيدي الإخوان مما يديم الألفة، وفيها الحرص على عدم السماح بأي خلل في الصف الإسلامي أو فرجة يتسلل منها الشيطان " أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان " [ رواه أبو داود عن ابن عمر بإسناد صحيح ] ، بل فيها الترغيب في الانضمام إلى الصف الإسلامي " من وصل صفاً وصله الله " [ رواه النسائي عن عبد الله بن عمر ] والترهيب من الابتعاد عن الصف الإسلامي " لا صلاة للذي خلف الصف " [رواه ، ابن ماجة عن علي بن شيبان ] .

وليس يخفى أن صلاة الجماعة أيضاً تعلم المسلم الانضباط وحسن الإدارة والتدبير. فالإمام يهتم بمصلحة المصلين، ويضمن تقيدهم بالتعاليم التي فيها مصلحتهم. وهو في الوقت نفسه رفيق بهم حريصا عليهم، تقدر الناس بأضعفهم كما أوصاه النبي r . ويخفف لأن وراءه الكبير والضعيف والمريض وذا الحاجة. والمأموم يحرص على تسوية الصف مع أخيه، وينضبط خلف الإمام لا يسبقه في تكبير ولا في ركوع ولا في سجود ولا في قيام.

أما الضمانة الثانية المهمة للتماسك فهي الشورى. فقد أمر الله سبحانه بها نبيه r فقال ] وشاورهم في الأمر [
[ آل عمران : 159] واعتبر الشورى صفة مميزة لمجتمع المسلمين فقال عنهم : ]وأمرهم شورى بينهم الشورى [ [ الشورى: 38 ] وقال لهم: ] وائتمروا بينكم بمعروف [ [ الطلاق: 6 ] وهذه الشورى ينبغي أن تتحقق على جميع المستويات، ابتداء من مستوى الخلية الاجتماعية الصغيرة، في، صغير الأمر وكبيره، ولاسيما في تدبير ما يواجه المجتمع من شؤون وشجون.

أحمد سعد الدين
06-11-2005, 07:41 PM
التعاون:

يقول النبي r " خير الناس أنفعهم للناس ". وهذا الحديث [ الذي رواه الدار قطني في " الأفراد " والضياء القدسي في " المختارة" عن جابر ]، تعبير عن المظهر الإيجابي -لجلب المصالح. ومثله r : " أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس " [ رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج وابن عساكر عن بعض أصحاب النبي r بإسناد حسن] وقوله r " من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " [ رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ].

فالمفترض في المسلم أن ينفع أخاه ويعمل ما في وسعه على أن يجلب إليه ما فيه مصلحته. ولا يسمح الإسلام للمسلم أن يكون سلبياً أو لا أبالياً، بل ينزع صفة الانتماء إلى المجتمع الإسلامي نزعاً صارماً عن كل فرد من أفراده لا يهتم بمصلحة الآخرين، لان من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

وينبني هذا الركن على مفهوم أخوة المؤمن للمؤمن، الذي ورد عليه النص في قوله تعالى: ] إنما المؤمنون أخوة [ [الحجرات: 10 ] ثم وضحه النبي r كل التوضيح بقوله: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير" [ متفق عليه عن أنس، وزيادة- من الخير- لأبي عوانة والنسائي وأحمد في رواية لهم ]، وقوله -r: " المؤمن أخو المؤمن: يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه " [ رواه أبو داود وخرجه العراقي في تخريج الإحياء] وقوله: " المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يسلمه "[ متفق عليه عن ابن عمر ] وفي رواية: " ولا يخذله " [رواه مسلم عن أبي هريرة]. وهكذا فلا يحل للمسلم أن يرى أي فرد آخر في المجتمع الإسلامي يتعرض إلى سوء فيقف منه موقف المتفرج ولا يمد إليه يد العون لأنه بذلك يكون قد خذله وأسلمه، لي بل ظلمه حقاً هو له على كل أخ في المجتمع الإسلامي.

وفي الإسلام ضمانة مدهشة تضمن بقاء هذا التعاون والمحافظة عليه، وهي ضمانة فريدة لا تجدهـا في أي نظام آخر ألا وهي فرض الكفاية.

فتحقيق كل مافية مصلحة للمجتمع الإسلامي يعتبر فرض كفاية، أي إنه فرض جماعي، لابد من أن يقام به. ولكنه لما كان يمكن أن يقوم به بعض أفراد المجتمع فحسب، فإن من غير الضروري استنفار جهود الجميع للحصول عليه. ولكن الضمانة تأتي في أنه إن لم يقم به أحد فالكل آثمون. ولذلك يعتبر كل أمريء فرض الكفاية موجهاً إليه قبل سائر إخوانه، ويتنافس وإياهم على القيام به تنفيذاً لقول الله عز وجل: ] فاستبقوا الخيرات [ [البقرة ة 148 ] وقول النبي r: " بادروا بالأعمال الصالحة " [رواه صدم عن أبي هريرة).

وقد تحدث عن فرض الكفاية العز ابن عبد السلام حين حديثه عن حقوق بعض المكلفين، على بعض، وذكر أن ضابط هذه الحقوق هو " جلب كل مصلحة واجبة أو مندوبة، ودرء كل مفسدة محرمة أو مكروهة. وهي منقسمة إلى فرض عين وفرض كفاية، وسنة عين سنة وكفاية... والشريعة طافحة بذلك، ويدل على ذلك جميعاً قوله تعالى: ] وتعاونوا على