المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إحتفال.. إحترس من تلك الحفلة!



يحيي هاشم
07-11-2005, 05:12 PM
إحتـــفــال

( 1)
إقترب منى بخطوات وئيدة شعرت أنها خطوات شخص على وشك الموت أو السقوط فى هاوية لانهائية العمق , نظرت إليه فى إهتمام محاولآ أن أستكشف ماذا به , ولكن باءت المحاولة بالفشل فهو يبدوا عليه الاعياء الشديد بالرغم من أننى قد تركته اليوم فى غرفته وهو طبيعى جدا .
تلقته بيدى فقد كان على وشك السقوط , سألته عن الذى به ؟
أجابنى : أريد أن أخرج معك الآن إلى أى مكان .
تركته ودخلت مسرعا إلى مكتبى وقمت بالاستئذان من مديرى .. فسمح لى .
غادرنا المركب العائم التى أعمل على ظهره محاسبا منذ فترة ليست بالطويلة وليست بالقصيرة وتوجهنا إلى اللامكان حيث لم نكن نعرف إلى أين نذهب ! فقط خرجت تلبية لطلبه ومحاولة جاهدة منى لمعرفة ما الذى حل به وجعله يصل إلى تلك المرحلة ؟؟
فى الطريق الذى يصل بين المرسى حيث ترسو المركب والمدينة نفسها ( الأقصر ) كان السكون هو البطل اللهم إلا أصوات المارة من السياح المختلطين مع أبناء البلد , كل يتحدث بلغته والكل يفهم ولا تجد لهذ تفسيرا منطقيا .
لم أحاول الضغط عليه بالسؤال بل تركته يسير متشبسا بذراعى كطفل صغير لايعرف طريقه ويترك العنان لأبيه كى يدله ويرشده .
أخذت أتجول بتفكيرى بين الذكريات حين وصلت من القاهرة إلى الأقصر حيث ترسو المركب العائم
( نايل ماركيز ) التى تستقبل السائحين من جميع أنحاء العالم لتأخذهم فى رحلة رائعة الجمال بين الأقصر وأسوان على ضفاف النيل الرائع الساحر.
وقتها لم أكن أعلم شيئا سوى أننى سوف أعمل على متنها محاسبا وأن كل الذى على فعله هو تقديم صورة من أوراقى إلى الأستاذ / أحمد كامل , الذى يعلم بوصولى وسيتخذ هواللآزم .
دخلت إلى المركب بعد مجهود قصير فى البحث عنها فقد كانت مشهورة فى المرسى هناك , سألت فى الاستقبال عن الأستاذ / أحمد , فضحك العامل وقال لى أتسأل عن الأستاذ أحمد فى الساعة العاشرة صباحا ؟
سألته : وما المضحك فى هذا ؟
أجابنى : من أنت ؟
أجبته بفظاظة : أنا المحاسب الجديد القادم إليكم من القاهرة .
نظر إلى فى إنبهار لم يستطع رغم محاولته الجاهدة فى كتمانه : القاهرة !!!!
أجبته بإعتزاز : نعم القاهرة .
أشار الى المقعد الذى يحتل مكانا بارزا فى مقدمة المركب , ثم قال : الأستاذ هانى هو مدير المركب ويجب أن تتحدث معه فى البداية .
إتجهت إليه وأنا أحمل حقيبة السفر التى كانت الكتب فيها أكثر من الملابس وجدته يتحدث مع مجموعة من الأشخاص يبدو عليهم أنهم أشخاصا مهمون .
إقتربت منه وقلت بصوت متوسط النغمة : أستاذ هانى .
نظر إلى ثم قال : لوسمحت إنتظرنى قليلا .
شعرت بنوع من الضالة فمن أنا حتى أقاطع محادثته مع الأشخاص الذى أعتقد أنهم مهمون , فاتخذت ركنا ووقفت منتظرا أن ينهى محادثته .
( 2 )
مرت ربع ساعة وموظف الاستقبال لايكف عن التحديق بى محاولا أن يستشف مدى أهميتى , أنهى الأستاذ هانى حديثه وودع من كانوا معه بأدب جم شجعنى على أن أتحدث إليه .
تقدمت منه وأخبرته أننى المحاسب القادم من القاهرة , رحب بى وأخبرنى أنه كان يعتقد أننى سأحضر فى الغد.
طلب منى أن أرتاح قليلا من عناء السفر على أن أتقدم بأوراقى إلى الأستاذ أحمد عند الاستيقاظ .
نادى الأستاذ هانى بصوت عالى : يا حسن
تقدم منى بأدب شاب فى بدايات العشرينات وقال بصوت منخفض : نعم يا أستاذ هانى .
أجابه الأستاذ هانى : وصل الأستاذ هشام إلى الغرفة التى تنام فيها كى يستريح قليلا .
حاول حسن أن يحمل عنى حقيبتى ولكننى أبيت بشدة وقام بتوصيلى إلى الغرفة وهو يلقى على مسامعى عبارات الترحيب الشديدة التى لم أجدها مع موظف الاستقبال .
وصلنا إلى الغرفة المكونة من ستة أسرة متراصة على جانبى الحجرة كل ثلاثة فى جانب وكانت تأخذ الشكل الرأسى حيث كل سرير على الأرض فوقه سريران .
لم أكن عمرى نمت على سرير بهذه الطريقة فبحركة لا شعورية وجدت نفسى أتسلق السلم الحديدى الصغير وأصعد إلى الفراش العلوى الثانى .
نظر إلى متعجبا ولم أفهم مغزى تلك النظرة ولكنه قال : من حظك السعيد أن كل من فى الغرفة الآن فى وقت عملهم لذلك ستخلد للنوم فى هدوء .
نظرت إليه شاكرا وأغمضت عينى ورحت فى سبات عميق .
إستيقظت على يد تمسك بجسدى كله وتهزه برقة وصلابة فى نفس الوقت , فتحت عينى مذعورا فاذا نصف جسدى فى الهواء والنصف الآخر يمسك به حسن , ففزعت وكدت أسقطه وأسقط معه ولكنه هذه المرة إستخدم كل قوته فى دفعى إلى داخل السرير .
نظر إلى وقال : أعتذر عن أننى جعلتك تستيقظ بتلك الطريقة ولكننى دخلت إلى الغرفة لأطمئن عليك فوجدتك تكاد تسقط من على الفراش فأسرعت ألحق بك .
نظرت إليه والدهشة ما زالت تلجم لسانى .
فسألنى : هل نمت على سرير علوى من قبل .
أجبته بسرعة : أبدا .
لم يتمالك نفسه من الضحك , وكان ضحك هيستيرى , وكان يقول أثناء ضحكاته : أول مرة تنام فيها على سرير علو تكون فى مركب عائم , الحمد لله أنك لم تسقط فى النيل , لم يكن أمامى سوى الضحك على ذلك الموقف .
* * *
(3 )
نظرت إليه وأنا أحاول كتمان ضحكتى التى جلبتها الذكريات . ولكن من يسير بجوارى الآن ليس هو حسن الذى كان معى فى الغرفة , ليس هو الذى منحنى سريره الأرضى وأصر على النوم على السرير العلوى .
كنا قد وصلنا إلى حديقة صغيرة مفتوحة لأهل المدينة نفسها , فوجدته يتجه إليها فتبعته دون أن أسأله عن سبب إختياره لها خصوصا .
جلسنا على مقعد من المقاعد الحجرية التى تتوزع بطول الحديقة .
نظرت إليه محاولا أن أستشف ما بداخله .
ولكنه كان أعمق مما كنت أتخيل , فسارعت بسؤالى :
ماذا بك يا حسن ؟
وجدت الدموع طريقها على خديه وقال بصوت باكى : لقد حدث أمر رهيب . رهيب .
نظرت إليه هلعا وسألته : مالذى حدث بالله عليك أخبرنى .
إقترب منى محاولا أن يلتمس منى القوة وقال : أنت تعرف أننى أعمل فى المركب منذ سنة كاملة , وتعلم أيضا طبيعة عملى فأنا أعمل فى غرفة الخدم ( Room Service ) .
عندما قدمت من بلدتى كان كل العاملين فى نفس القسم رابطة واحدة إتجاهاتهم واحدة فقد كانوا معا منذ أكثر من ثلاثة سنوات , وعندما قدمت إليهم حاولوا أن يضمونى إلى نفس الرابطة ونفس السلوك ولكنى أبيت .
قاطعته سائلا : مهو هذا السلوك وتلك الرابطة التى رفضت الانضمام إليها .
أجابنى : أنت تعلم أننا نقضى على المركب شهور وشهور دون العودة إلى منازلنا , منا من هو متزوج ومنا الأعزب ولكننا فى النهاية رجال لنا رغبات وشهوات وأنت تعمل مع السائحين وهم ليس لديهم موانع فى الملابس أو حتى فى العلاقات .
كان كل عامل مع قدوم فوج جديد يختار المجموعة التى تعجبه فيها بنت فيها ومن ثم يتم التوزيع على هذا الأساس , ويبدأ يختار البنت والوقت التى تكون فيها وحيدة ومن ثم يبدأ فى جس النبض منتظرا رد الفعل فإذا حدث ما يريد كان بها وإن كان رد الفعل عكسى يبدل مع زميل اخر , وهكذا .
نظرت إليه مندهشا مستعجبا من تلك المنظومة الغريبة , ولكن لم أقاطعه .
أكمل وقال : عندما علمت بهذا الأمر أبيت بشدة وأخبرتهم أن هذا حرام جدا وأن هذا فحش , فنظروا إلى فى سخرية ثم نظروا إلى بعضهم نظرة ذات مغزى وقالوا ( خالد ) .
سألتهم عن معنى هذا الاسم وما علاقته بى ولكنهم لم يجيبوا على نهائيا .
فى هذا اليوم ذهبت إلى محطة القطار حيث توجد كابينة تليفون مباشر وإتصلت بحبيبتى التى تركتها من أجل السفر للعمل وجمع المبلغ المطلوب للخطبة والزفاف , ولا أعلم لم أقل لها شيئا سوى أنى أحبها وأنى سأحافظ عليها مهما كان وبكيت دون أن أقول شيئا اخر , ودون أن تسمع منى هى بكائى .
عدت وكأننى قد شحنت معنويا وكلى إصرار على تحدى هذه الرابطة وهذا الآتحاد .
عرفت أن هناك فوج من روسيا قد وصل منذ نصف ساعة , بالطبع كما كنت قد توقعت تم توزيع الأدوار .
عرفت من رئيسى أننى سوف أتولى الدور العلوى , شعرت بالتوجس فالدور العلوى ليس به غرفا كثيرة ومن ثم فهو هادىء جدا , ولكنى لم أهتم وكانت شحنات حبيبتى مازالت سارية بداخلى .
صعدت إلى الدور ومعى صورة حبيبتى فى جيبى الأيسر ومصحف صغير فى جيبى الأيمن .
كان الدور يتكون من غرفتان ولكن لأن هذا الفوج صغير نوعا ما كانت غرفة واحدة فقط هى التى تم تسكينها وهى الغرفة الداخلية .
طرقت الباب ففتحت الباب فتاة رائعة الجمال لم أرى مثلها من قبل , وقفت أمامها محدقا فاتحا فمى فسألتنى سؤال لم أفهمه , ثم قالت السؤال مرة ثانية ولكن باللغة الانجليزية التى كنت أجيدها : ما اسمك ؟
أجبتها وأنا مازلت فى حالة الانبهار : أنا حسن .
ثم سألتها : وأنت ؟
أجابتنى : كورنيكوفا .
ودخلت إلى الغرفة تفرغ حقيبتها وتركتنى أمام الباب لا أعرف ماذا أفعل .
أغلقت الباب وخرجت من الغرفة قاصدا غرفتى لألملم شتات نفسى التى بعثرها ذلك الجمال الروسى الساحر .
ولكن لمحت أحد زملاءى على أول الردهة ينظر إلى ويضحك ضحكة خبيثة .
* * *
(3 )
فى صباح اليوم التالى ذهبت إلى الغرفة كى أؤدى عملى وبالفعل وجدت الغرفة فارغة حيث أنهم اليوم فى زيارة للأماكن الأثرية , حمدت الله وأخرجت صورة حبيبتى ونظرت إليها وقبلتها ووضعت يدى مكان المصحف وربت عليه ثم قمت بتنظيف الغرفة مسرعا حتى لاتأتى وأنا مازلت بداخلها .
مر الوقت وأنا أحاول أن أتحاشى النظر إليها أو الاختلاط بها حتى حان وقت التنظيف الليلى وكان الفوج كله فى نزهة حرة فى المدينة .
دخلت الغرفة دون أن أطرق بابها لعلمى أنها معهم , ولكن فوجئت [انها داخل الغرفة مستلقية على الفراش .
حاولت الاسراع بالخروج ولكنها قالت لى بصوت عالى وباللغة الانجليزية مباشرة : إنتظر .
تسمرت فى مكانى ونظرت إليها فوجدت أن لونها شاحب ويبدوا عليه اثار المرض .
طلبت منى الاقتراب منها , فاقتربت وكل جسدى يرتعش .
قالت لى : حسن أنا متعبة جدا , سألتها ماذا بك ؟
أجابتنى : إن الشمس هنا حارة جدا وأشعر بأن رأسى ستنفجر .
وضعت يدى على جبهتها فشعرت بأنى من سينفجر جسده كله , بالفعل كان رأسها ساخن بعض الشىء .
أخرجت منشفة وغمرتها بالماء البارد ووضعتها على جبهتها فتأوهت تأوه خفيف فسرت فى جسدى نيران كادت أن تحرق المنشفة التى أمسك بها .
نظر إلى حسن ولكنى لم أستطع أن أرى عيناه من الدموع الغزيرة التى كانت تهطل كأمطار غزيرة فى ليلة شتوية شديدة العواصف . سألته : وماذ حدث بعد ذلك ؟
نظر إلى وقال : صدقنى لا أعرف لماذا فعلت ذلك , وكيف بدأت وكيف جاءتنى الجرأة , أنا رجل وشاب وظمان منذ سنوات طويلة وفجأة تجد أمامك مايروى عطشك ويرضى ذكوريتك ويطفىء نيرانك .
صدقنى لم أتمالك نفسى , لم أتمالك نفسى , وأخفى وجهه بين كفيه وأخذ يبكى بصوت مرتفع جعل كل من فى الحديقة ينظر إلينا فى تعجب . بالفعل كنت مصدوما ومدهوشا كيف يحدث هذا , كيف وكيف وكيف ؟؟؟
نظرت إليه محاولا أن أبحث عن كلمات أو عبارات لتهدىء منه أو تخرجه من الهيستريا البكائية التى هو عليها الآن ولكنى لم أقع فى مثل هذا الأمر من قبل , ولم يحدثنى أى شخص فى مثل هذا الأمر من قبل فسكت
ولكنه نظر إلى وقال : أريدك غدا أن تذهب معى إلى معمل التحاليل الطبية .
نظرت إليه غير مستوعبا ما يقصد ! فقال لى : أريد أن أقوم بعمل تحليل الكشف عن مرض الايدز .
لم أتمالك نفسى عند سماع هذا ووجدت نفسى أقول بصوت مرتفع : الرحمة يا الهى .
لم أكن أستطيع أن أتحمل أكثر من هذا فقمت وأمسكت يده ودفعته ودفعت نفسى إلى بوابة الحديقة قاصدين الخروج . أخذت أنظر خلفى خشية أن أكون قد تركت عبارة من التى قالها حسن .
قصدنا المركب دون أن ينبس أى منا بأى حرف .
وصلنا طلب منى أن أذهب معه إلى الغرفة , دخلن الغرفة وكانت مظلمة تماما تمتم بصوت منخفض :الحمد لله الغرفة خالية . لم يتمم الكلمة حتى فتح نور الغرفة وإذا بنا نجد كل زملاء حسن ملتفين فى دائرة غير مكتملة حول منضدة عليها تورتة متوسطة الحجم مكتوب عليها : مرحبا بك فى رابطتنا .
يحي هاشم
السبت 23/7/2005