المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سعادة الجسد



د. عمر هزاع
12-11-2005, 02:48 AM
السلام عليكم

سعادة الجسد

عبد السلام ياسين

هل لنساء الإسلام ورجاله متسع في شريعة الله وسنة رسول الله ليسعَد جسم بعضهم بجسم بعض، أم إن الإسلام تجهم وتكشير وتقشف وإعراض عن المرأة، واعتبارها رجسا وشيطانا، واعتبار الغريزة الجنسية والجِماع واللذة شرا لابد منه، وقذارة وسفالَة؟

نريد في هذه الفقرة أن تعرف المومنات والمومنون في كلياته وتفاصيله ما يُسعد الجسم الذكر بالجسم الأنثى، وما يشرح نفس المرأة حين يسكن إليها وتسكن إليه، وحين يكون الجسم مَعْبَراً للمودة والرحمة ومُعَبِّرا عنهما.

إن من أهم الواجهات التي تهجم علينا منها الدوابية واجهة الجنس، يُغرون بالزنى والفاحشة بوسائل البث الفضائي والفن، ويعرضون جسم المرأة شبه عار في التلفزيون المحتشم، وعاريا داعرا في أوضاع الفاحشة في قنوات إبليس.

وإن الله تعالى يقول: )وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة. واعلموا أن الله مع المتقين(.(سورة التوبة، الآية: 36) قال الراغب الأصفهاني رحمه الله في شرح الآية: "قيل معناه كافِّين لهم كما يقاتلونكم كافين. وقيل معناه جماعةً كما يقاتلونكم جماعة. وذلك أن الجماعة يقال لهم الكافة كما يقال لهم الوازعة لقوتهم باجتماعهم".

نأخذ المعنيين معا، ونصل الحديث بالفقرة السابقة لننظر إلى ضرورة اجتماع القوة، بل جمعها، وتأليف البيئة الصالحة وتوحيد الأمة. لأن الله تعالى أمرنا بذلك، ولأن ضرورة ذلك تمليها الهجمة الدوابية الشمولية من كافة الواجهات. لا يمكن كفّ الهجمة وصرفها عنا إلا بالجمع والتأليف والرد الشامل.

ثم لا يكفي أن نكفهم ونصرفهم كما تنتهي المعركة في ميدان القتال بالسيوف والرماح أو بالقنابل والرشاشات. الجاهلية غزتنا في الأعماق، فالمعارك -ومن أهمها موضوع هذه الفقرة- الفائزة هيَ تلك التي تمكننا من قلع الشجرة الخبيثة وغرس الطيبة بدلها.

قوة التحدي ووحدة العدو وانغراس الجاهلية في نفوس المسلمين لا ينهض لها إلا الوَلاية بين المومنين كما فصلها القرآن الكريم في آخر سورة الأنفال. يقرأها المومنات لنقف معهن عند قوله تعالى: )إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير(.(سورة الأنفال، الآية: 74) إن لا نُحكم روابط الوَلاية والمناصرة بيننا فإن أعداءنا بعضهم أولياء بعض، وهم مفسدون. انظرن إلى اتفاق الروس الملاحدة مع أوربا المتهتكة وأمريكا المتعجرفة على قتل مائتين وخمسين ألف مسلم عراقي، وعلى تخريب بغداد، وعلى خذلان المسلمين بالبوسنة، سلحوا الهمج الصرب ليذبحوا الرجال ويهتكوا أعراض المُسلمات. وانظرن إلى اتفاق الروس والمريكان على نصرة نصارى جنوب السودان. والواجهة واسعة.

المعارك إذاً لا تقف مهمتها في الكف والصرف، وهل يمكن وكيف يمكن الكف في عالم التواصل السريع الذي أصبحت الكرة به قرية صغيرة، والمشاكل أجمعُها مشاكل كُرَوِيّة؟

المعارك لغرس البديل الإسلامي في كل بقعة من بقع المواجهة. ورعايته وتقويته. وإن الله عز وجل ما حرم خبيثا إلا وأبدلنا به حلالا طيبا. التوسعة على العيال بدل التبذير والشح. )كلوا من الطيبات واعملوا صالحا((سورة المومنون، الآية: 52) بدل أكل الخبائث والإفساد في الأرض. زينة الله في اللباس وفي كل شيء بضوابط ذلك الشرعية بدل زينة الشيطان. البيع بدل الربا. الزواج بدل الزنى. اللذة في الجماع الحلال صدَقَة بدل الفاحشة الخطيئة الموبقة. الطيبات من النساء الطاهرات للطيبين الطاهرين، والخبيثات الزانيات للزناة الخبثاء.

نعود في فصل مقبل إن شاء الله لنرد على الهجوم الاستشراقي التقليدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وصموه بالشهوانية لأنه جمع بين تسع ضرائر.

وصموه الأعداءُ بأنه عشِق زيْنب وأخفى عشقه حتى طلقها زيد. وإنما أخفى صلى الله عليه وسلم ما أنبأه الله به من أنها صائرة إليه يوماً. أخفى ذلك انتظارا لقدر الله ومخافة أن يعارض العرب الذين كانوا لا يبيحون نكاح الأب زوج ابنه بالتبني إن طلقها. وكان التبني مما منعه الإسلام ومنع أحكامه الجاهلية بهذا الزواج.

أخبرنا صلى الله عليه وسلم بصدق النبي وتربية الرسول وصراحة أهل اليقين أنه حُبب إليه من دنيانا النساء والطيب، وأن قرة عينه جعلت له في الصلاة.

نرجع إن شاء الله إلى سنته الرشيدة في إسعاد الجسم بعد أن نلقي نظرة على الأصول النظرية للثورة الجنسية التي قلبت موازين الأخلاق الجنسية في الغرب رأسا على عقب منذ ربع قرن.

كان فْرُويْد اليهودي الطبيب قد قام بحملات الإشهار والدعاية والإقناع بفكرته في الغرب منذ نحو ثمانين سنة. أثمرت تلك الحملات والكتابات ومدارس التحليل النفسي المتتلمذة لفرويد كلا أو جزءا ولو عارضته. أثمرت بعد سبعين سنة وأعطت ما نراه من دوابية جامحة هائجة مجنونة، لا يحد من غلوائها ولا يطفئ من لهبها هذا المرض الوبائي الذي سلطه الله على الخبثاء الزناة اللائطين. أعني وباء الإدز/السيدا.

اجتمعت في حوض الفلسفة الفرويدية روافد الانحلال الإغريقي، والخلاعة الأوربية الأصيلة، وصراعية دروين المؤسسة على صراعية مالتوس. ولا نذكر من مات من اليهود المنظرين للصراعية التاريخية مثل ماركس وتروتسكي وماكوز.

في فلسفة فرويد تأخذ رموز الطوطم والطابو مكان الرمزية الإغريقية التي كانت تستأنس بفحشاء الآلهة وتنصب في الأماكن العامة تماثيل الفعل اللوطي.

كل أصول التركيبة الاجتماعية البشرية هي في فلسفة فرويد راجعة للشهوانية. وإن أزمة الحضارات منبعها الصراع بين شهوة الأفراد البهيمية وبين النظام الاجتماعي القامع. بنى على نظرية دروين الذي يرى أن التجمعات البشرية الأولى كانت تعيش عيشة القطيع من القردة. على رأس التجمع فحل قوي يستأثر بالإناث ويمنع الذكور من أبنائه من الاقتراب منهن.

اشتق فرويد من هذه النظرية وأثراها بزعمه أن الأبناء في الصنف البشري كما هو الحال في الصنف القردي يُعانون من عقدة أوديب. أسطورة أوديب الإغريقية أضافها اليهودي لرصيده التلمودي من أحلام المنام وفسق بني إسرائيل ليكون نظرية شاملة تعم رموز الإنسانية ويقظة الإنسان ومنامه وأدبه وموسيقاه وحياته أجمع. كل ذلك شبق وشهوة وعُقد. حرب دائمة ومِرْجَلٌ يغلي في باطن الرجل بين النزوات والشهوات. وفي باطن المرأة مثل ذلك. كان يسمي المرأة "قارة سوداء". البنت تعشق أباها طفلة وتتعقد شابة، والابن يَعشق أمه ويغار عليها من أبيه في وعيه الباطني وعقدته الأوديبية الدوابية.

نطرح هذه القُمامات الفكرية ونرجع لبيئة العافية من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. تزوج جابر بن عبد الله امرأة ثيبا كبيرة السن فقال له صلى الله عليه وسلم: "هلاَّ بكراً تلاعبها وتلاعبك!". ولقي سيدنا عثمان وهو أمير للمومنين سيدنا عبد الله بن مسعود في مِنى أيامَ الحج فقال له: "ألا نزوجك جارية شابة لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك؟". وكان الصحابي يلقى أخاه فيسأله في مرح: "هل عرستم الليلة؟".

كانت المتعة الحلال حظا معروفا محبوبا لتلك النفوس الجادة المجاهدة. وكان الحديث عنها وممارستها شأنا من شؤون دنيا كل أحد، وشأن من الشؤون العامة التي يشجع عليها الدين. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يندُب الشباب ليتزوجوا. وكان الوحي ينزل آمرا المسلمين: )وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم(.(سورة النور، الآية: 32) ويأمر القرآن ببناء الأسرة المسلمة ومقاطعة المشركات والمشركين: )ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمِنّ. ولأمة مومنة خير من مشركة ولو أعجبتكم. ولا تُنكحوا المشركين حتى يومنوا. ولَعبد مومن خير من مشرك ولو أعجبكم(.(سورة البقرة، الآية: 219)

ويعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم آداب الجِماع وما يباح منه وما يمنع. وقد شدد الشرع المطهر المنع من اللواط وإتيان البهائم. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأزواج: "من أتى كاهنا فصدقه بما يقول أو أتى امرأة في دبُرها -وفي رواية امرأة حائضا- فقد بَرِئَ مما أنزل على محمد". أخرجه أبو داود عن أبي هريرة بسند صحيح.

كان القرشيون يحبون أن يأتوا النساء من وراء، فلما جاءوا إلى المدينة مهاجرين وجدوا عند اليهود عادة أخرى. يقول جابر رضي الله عنه: كانت يهود تقول: من أتى امرأة في قُبُلها من دُبرها كان الولد أحول. فأنزل الله سبحانه: )نساؤكم حرثٌ لكم فاتوا حرثكم أنَّى شئتم(.(سورة البقرة، الآية: 221)

القرآن يعلم هذا لأنه من الدين. ويعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء عند الجماع. ويقول: "في بُضْع أحدكم (أي جماعه لزوجه) صدقة". فهو عمل صالح مقدس زيادة على سعادة الجسم. ويحث صلى الله عليه وسلم على إعطاء المرأة حقها من المتعة، فيمنع المطلقة ثلاثا من العودة إلى زوجها حتى تنكح زوجا غيرهُ و"يذوق عُسَيْلتها وتذوقَ عسيلته".

هذه "العسيلة" لا تأتي بهجوم الذكر على الأنثى، لكن بمقدمات وملاعبة يُشرع لها النبي صلى الله عليه وسلم بفعله مع زوجاته، أفشين ذلك للأمة لأنه من الدين، ومما يرضي الله.

قال ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد": "ومما ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبة المرأة وتقبيلها ومص لسانها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاعب أهله ويقبلها. وروى أبو داود في سننه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشة ويَمَصُّ لسانها. ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقعة قبل الملاعبة".

يكتمل سرور النفس وطيبة الزوجين وسعادتهما الجسدية بالتفاهم الرقيق، والكلمة العذبة، واختيار الوقت الأنسب، والحركة الأجمل. ما دام الرجل والمرأة في حلال فلا حرج عليهما فيما يصنعان من فن المداعبة والملاعبة ودلال المرأة وتَعَطف الرجل.

قال ابن القيم رحمه الله: "قالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيْت لو مررت بشجرة قد أُرْتِع فيها وشجرةٍ لم يُرْتَعْ فيها، ففي أيهما كنت تُرتِع بعيرك؟ قال: في التي لم يُرتع فيها".

هذه كلمات يتبادلها المحبون. فهي رضي الله عنها تذكره بأنها من بين سائر نسائه التي تزوجها بِكْراً، شبهت نفسها بالشجرة التي لم يمسسها آكل.

وكان صلى الله عليه وسلم ينصح باختيار الزوج ذات الدين الودود الوَلود.

ذات الدين لأن بالدين صلاح أمرهما في الدنيا والآخرة. الوَدُود لتكون العشرة رحمة والرحلة مُتعة. الولودُ لتنشئة أجيال الإسلام. الأمر بعضه يمسك بعضا. والله هو الرحيم الودود سبحانه.