د. عمر هزاع
18-11-2005, 05:20 PM
بقلم : سمير عصر
حديث المُجَرَّد
قال إسحاق بن ابراهيم : قال لى ابن وهب الشاعر: والله لأحدثنَّك حديثا ماسمعه منٍّى أحدٌ قط ، وهو بأمانةٍ أن يسمعه أحدٌ منكَ مادمت حيا 0 قلت : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشْفقن منها وحَمَلها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) 0 قال : يا أبا محمد ؛ إنه حديثٌ ماطَنَّّ فى أذنك أعجب منه 0 قلت : كم هذا التعقيد بالأمانة ؟ آخُذُه على ما أحببت 0 قال :
بينا أنا بسوق الكَيل بمكة بعد أيام الموسم ، إذا أنا بامرأةٍ من نساء مكة ، معها صبىٌ يبكى ، وهى تُسكته فيأبى أن يسكت ، فسَفَرتْ وأخرجت من فيها ++++رة درهم ، فدفَعتْها إلى الصبى ، فسكت ؛ فإذا وجهٌ رقيق كأنه كوكبٌ درّىّ ، وإذا شكلٌ رطبٌ ، ولسانٌ فصيح ، فلما رأتنى أُحِدُّ النظر إليها قالت : اتبعنى 0 فقلت : إنّ شريطتى الحلال 0 قالت : ارجع فى حَرَامِكَ ، ومن يريدك على حرام ؟ فخجِلتُ وغلبتْنى نفسى على رأيى ، فتبعتُها فدخلَتْ زُقاق العطّارين ، فصعِدت درَجة وقالت : اصعد0 فصعدت ، فقالت : أنا مشغولة وزوجى رجلٌ من بنى مخزوم ، وأنا امرأةٌ من زُهْرة ، ولكن عندى حِرٌ ضيِّق عليه وجهٌ أحسنُ من العافية ، فى مثل خُلُق ابن سُريج ، وترنُّم مَعبَد ، وتيه ابن عائشة 0 أجمع لك هذا كلّه فى بدنٍ واحد بأصفر سُلَيم ! قلت : وما أصفر سُليم ؟ قالت : بدينارٍ واحد يومَك وليلتك ، فإذا قمتَ جعلتَ الدِّينار وظيفة وتزويجا صحيحا 0 قلت : فذلك لكِ إن اجتمع لى ماذكرت0 قال: فصفّقت بيدها إلى جاريتها فاستجابت لها0 قالت : قُولى لفلانة: البسى عليك ثيابَك وعجِّلى ، وبحياتى لا تمسى غُمرا ، ولا طيبا ، فحسْبُنا بدلالك وعِطرك0 قال: فإذا جاريةٌ أقبلت ما أحسب الشمسَ وقعت عليها ، كأنها دُمْية ، فسلّمت وقعدت كالخجلة 0 فقالت لها الأولى: إن هذا الذى ذكرتك له ، وهو فى هذه الهيئة التى ترَين 0 قالت: حيّاه الله ، وقرَّب داره 0 قالت: وقد بَذلَ لك من الصَّداق دينارا 0 أى أمِّ ، أخبرتِه بشريطتى ؟ قالت : لا ، والله يا بُنيَّة ، لقد أُنسيتُها0 ثم نظرت إلىّ فغمزَتنى ، وقالت : أتدرى ماشريطتها ؟ قُلتُ : لا 0 قالت : أقول لكَ بحضرتها ما إخالُها تكرهُه ، هى والله أفتَكُ من عمرو بن معديكرب ، وأشجع من ربيعة بن مكدّم ، ولستَ بواصلٍ إليها حتّى تَسكرَ وتُغلَب على عقلها ، فإذا بلغت تلك الحالَ ففيها مطمع 0 فقلت : ما أهونَ هذا وأسهله 0 قالت الجارية : وتركتِ شيئا أيضا 0 قالت : نعم واللهِ ، اعلم أنك لن تصلَ إليها حتى تتجرَّد لها فتراك مجرَّدا ، مقبلا ومدبرا 0 قلت : وهذا أيضا أفعله 0 قالت : هلمَّ دينارَك 0 فأخرجْتُ دينارا فنبذته إليها ، فصفقت صفقةً أخرى فأجابتها امرأةٌ ، قالت : قولى لأبى الحسن وأبى الحسين : هلمَّا الساعة 0 فقلت فى نفسى : أبو الحسن وأبو الحسين هو على بن أبى طالب 0 قال : فإذا شيخان خاضبان نبيلان قد أقبلا فصعدا ، فقصَّت المرأة عليهما القصة ، فخطب أحدَهما وأجاب الآخر 0 وأقررتُ بالتَّزويج وأقرّت المرأة ، فدعَوَا بالبركة ، ثم نهضا فاستحييت أن أحمِّل المرأة شيئا من المؤونة ، فأخرجت دينارا آخر ، فدفعته إليها 0 وقلت : اجعَلى هذا لطيبِك 0 قالت : يا أخى ، لستُ ممن يَمسُ طيبا لرجل ، إنما أتطيَّب لنفسى إذا خلوت 0 قلت : فاجعلى هذا لغَدَائنا اليوم 0 قالت : أمَّا هذا فنعم 0
فنهضت الجاريةُ ، وأمرَت بإصلاح ما يُحتاج إليه ، ثم عادت وتغدَّينا ، وجاءت بدواةٍ وقضيب ، وقعدت تجاهى ، ودعت بنبيذ ، فأعدّته واندفعت تغنى بصوتٍ لم أسمع مثلَه قطُّ ، فإنى ألفتُ بيوت القيان نحوا من ثلآثين سنة ، فما سمعت مثلَ ترنُّمها قط ، فكدت أجَنَّ سرورا وطربا ، فجعلت أُزيغُ أن تدنوَ منِّى فتأبى ، إلى أن غنّت بشعرٍ لم أعرفه ، وهو :
راحوا يصيدون الظِّباء ، وإننى00000 لأرى تصيُّدها علىّ حراما
أعزِزْ علىّ بأن أروعَ شبيههـــا00000 أو أنْ تذوقَ على يدى حِماما
فقلت : جُعِلت فداكِ ، منْ تَغَنّى بهذا ؟ قالت : اشتَرَك فيه جماعة ، هو لمعبد ، وتغنى به ابن سرَيج وابن عائشة 0 فلمّا نَعِىَ إلينا النَّهار وجاءت المغرب ، تغنَّت بصوت لم أفهمه ، للشَّقاء الذى كُتِبَ علىّ ، فقالت :
كأنى بالمجرَّدِ قد علته 000 نِعالُ القوم أو خَشَب السَّوارى
قلت : جُعِلتُ فداكِ ، ما أفهم هذا البيتَ ، ولا أحسبه مما يُتغنَّى به 0 قالت : أنا أوّلُ من تغنى به 0 قلتَ : فإنما هو بيتٌ عائر لا صاحب له 0 قالت : معه آخر ليس هذا وقته ، وهو آخر ما أتغنى به 0 قال : فحعلت لا أنازِعَها فى شىء إجلالا لها 0 فلما أمسينا وصلينا المغرب ، وجاءت العشاء الآخرة ، وضَعَت القضيب ، فقمت وصليت العِشاء وما أدرى كم صلّيت عجَلَةً وشوقا ، فلما سلّمت قلت : تأذنين جُعِلت فداكِ فى الدنوّ منك ؟ قالت : تجرّد 0 وأشارت إلى ثيابها كأنّها تريد أن تتجرّد ، فكدتُ أن أشق ثيابى عجلةً للخروج عنها ، فتجرّدت وقمتُ بين يديها مُكَفِّرا لها 0 قالت : امض إلى زاوية البيت ، وأقبِل وأدبر حتى أراك مقبلاً ومدبراً 0 قال : وإذا حصيرٌ فى الغرفة عليه طريقٌ إلى زاوية البيت ، فأخطِر عليه ، وإذا تحتَه خَرْق إلى السوق ، فإذا أنا فى السوق قائماً متجرداً مَنعِظا ، وإذا الشِّيخان الشاهدان قد أعدّا لى نِعالهما ، وكمنا لى فى ناحيةٍ ، فلما هبطت عليهما بادرا إلىّ فقطِّعا نعالهما على قَفَاى ، واستعانا بأهل السُّوق ، فضُرِبتُ والله يا أبا محمد حتى نسِيت اسمى ، فبينا أنا أُضرب بنعالٍ مخصوفةٍ وأيدٍ شديدة ، فإذا صوتٌ من فوق البيت يغنى به ، وهو: ولو علم المجرّد ما أردنا 000 لخاضَ لنا المجرّدُ بالصَّحارى
فقلت فى نفسى : هذا والله وقتُ هذا البيت ، فنجوت إلى رحلى ، وما فىَّ عظمٌ صحيح ، فلما انقضى حجُّنا وانصرفنا جعلتُ طريقى على ذلك الموضع فسألتُ عنها فقيل لى : إنها امرأةٌ من آل أبى لهَب 0 فقلت : لعنها الله ولعن الذى هى منه 0
( من كتاب العقد الفريد لأبى عمر أحمد بن محمد بن عبد ربّه الأندلسى - اللؤلؤة الثانية فى الفكاهات والملح ) 0
حديث المُجَرَّد
قال إسحاق بن ابراهيم : قال لى ابن وهب الشاعر: والله لأحدثنَّك حديثا ماسمعه منٍّى أحدٌ قط ، وهو بأمانةٍ أن يسمعه أحدٌ منكَ مادمت حيا 0 قلت : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشْفقن منها وحَمَلها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) 0 قال : يا أبا محمد ؛ إنه حديثٌ ماطَنَّّ فى أذنك أعجب منه 0 قلت : كم هذا التعقيد بالأمانة ؟ آخُذُه على ما أحببت 0 قال :
بينا أنا بسوق الكَيل بمكة بعد أيام الموسم ، إذا أنا بامرأةٍ من نساء مكة ، معها صبىٌ يبكى ، وهى تُسكته فيأبى أن يسكت ، فسَفَرتْ وأخرجت من فيها ++++رة درهم ، فدفَعتْها إلى الصبى ، فسكت ؛ فإذا وجهٌ رقيق كأنه كوكبٌ درّىّ ، وإذا شكلٌ رطبٌ ، ولسانٌ فصيح ، فلما رأتنى أُحِدُّ النظر إليها قالت : اتبعنى 0 فقلت : إنّ شريطتى الحلال 0 قالت : ارجع فى حَرَامِكَ ، ومن يريدك على حرام ؟ فخجِلتُ وغلبتْنى نفسى على رأيى ، فتبعتُها فدخلَتْ زُقاق العطّارين ، فصعِدت درَجة وقالت : اصعد0 فصعدت ، فقالت : أنا مشغولة وزوجى رجلٌ من بنى مخزوم ، وأنا امرأةٌ من زُهْرة ، ولكن عندى حِرٌ ضيِّق عليه وجهٌ أحسنُ من العافية ، فى مثل خُلُق ابن سُريج ، وترنُّم مَعبَد ، وتيه ابن عائشة 0 أجمع لك هذا كلّه فى بدنٍ واحد بأصفر سُلَيم ! قلت : وما أصفر سُليم ؟ قالت : بدينارٍ واحد يومَك وليلتك ، فإذا قمتَ جعلتَ الدِّينار وظيفة وتزويجا صحيحا 0 قلت : فذلك لكِ إن اجتمع لى ماذكرت0 قال: فصفّقت بيدها إلى جاريتها فاستجابت لها0 قالت : قُولى لفلانة: البسى عليك ثيابَك وعجِّلى ، وبحياتى لا تمسى غُمرا ، ولا طيبا ، فحسْبُنا بدلالك وعِطرك0 قال: فإذا جاريةٌ أقبلت ما أحسب الشمسَ وقعت عليها ، كأنها دُمْية ، فسلّمت وقعدت كالخجلة 0 فقالت لها الأولى: إن هذا الذى ذكرتك له ، وهو فى هذه الهيئة التى ترَين 0 قالت: حيّاه الله ، وقرَّب داره 0 قالت: وقد بَذلَ لك من الصَّداق دينارا 0 أى أمِّ ، أخبرتِه بشريطتى ؟ قالت : لا ، والله يا بُنيَّة ، لقد أُنسيتُها0 ثم نظرت إلىّ فغمزَتنى ، وقالت : أتدرى ماشريطتها ؟ قُلتُ : لا 0 قالت : أقول لكَ بحضرتها ما إخالُها تكرهُه ، هى والله أفتَكُ من عمرو بن معديكرب ، وأشجع من ربيعة بن مكدّم ، ولستَ بواصلٍ إليها حتّى تَسكرَ وتُغلَب على عقلها ، فإذا بلغت تلك الحالَ ففيها مطمع 0 فقلت : ما أهونَ هذا وأسهله 0 قالت الجارية : وتركتِ شيئا أيضا 0 قالت : نعم واللهِ ، اعلم أنك لن تصلَ إليها حتى تتجرَّد لها فتراك مجرَّدا ، مقبلا ومدبرا 0 قلت : وهذا أيضا أفعله 0 قالت : هلمَّ دينارَك 0 فأخرجْتُ دينارا فنبذته إليها ، فصفقت صفقةً أخرى فأجابتها امرأةٌ ، قالت : قولى لأبى الحسن وأبى الحسين : هلمَّا الساعة 0 فقلت فى نفسى : أبو الحسن وأبو الحسين هو على بن أبى طالب 0 قال : فإذا شيخان خاضبان نبيلان قد أقبلا فصعدا ، فقصَّت المرأة عليهما القصة ، فخطب أحدَهما وأجاب الآخر 0 وأقررتُ بالتَّزويج وأقرّت المرأة ، فدعَوَا بالبركة ، ثم نهضا فاستحييت أن أحمِّل المرأة شيئا من المؤونة ، فأخرجت دينارا آخر ، فدفعته إليها 0 وقلت : اجعَلى هذا لطيبِك 0 قالت : يا أخى ، لستُ ممن يَمسُ طيبا لرجل ، إنما أتطيَّب لنفسى إذا خلوت 0 قلت : فاجعلى هذا لغَدَائنا اليوم 0 قالت : أمَّا هذا فنعم 0
فنهضت الجاريةُ ، وأمرَت بإصلاح ما يُحتاج إليه ، ثم عادت وتغدَّينا ، وجاءت بدواةٍ وقضيب ، وقعدت تجاهى ، ودعت بنبيذ ، فأعدّته واندفعت تغنى بصوتٍ لم أسمع مثلَه قطُّ ، فإنى ألفتُ بيوت القيان نحوا من ثلآثين سنة ، فما سمعت مثلَ ترنُّمها قط ، فكدت أجَنَّ سرورا وطربا ، فجعلت أُزيغُ أن تدنوَ منِّى فتأبى ، إلى أن غنّت بشعرٍ لم أعرفه ، وهو :
راحوا يصيدون الظِّباء ، وإننى00000 لأرى تصيُّدها علىّ حراما
أعزِزْ علىّ بأن أروعَ شبيههـــا00000 أو أنْ تذوقَ على يدى حِماما
فقلت : جُعِلت فداكِ ، منْ تَغَنّى بهذا ؟ قالت : اشتَرَك فيه جماعة ، هو لمعبد ، وتغنى به ابن سرَيج وابن عائشة 0 فلمّا نَعِىَ إلينا النَّهار وجاءت المغرب ، تغنَّت بصوت لم أفهمه ، للشَّقاء الذى كُتِبَ علىّ ، فقالت :
كأنى بالمجرَّدِ قد علته 000 نِعالُ القوم أو خَشَب السَّوارى
قلت : جُعِلتُ فداكِ ، ما أفهم هذا البيتَ ، ولا أحسبه مما يُتغنَّى به 0 قالت : أنا أوّلُ من تغنى به 0 قلتَ : فإنما هو بيتٌ عائر لا صاحب له 0 قالت : معه آخر ليس هذا وقته ، وهو آخر ما أتغنى به 0 قال : فحعلت لا أنازِعَها فى شىء إجلالا لها 0 فلما أمسينا وصلينا المغرب ، وجاءت العشاء الآخرة ، وضَعَت القضيب ، فقمت وصليت العِشاء وما أدرى كم صلّيت عجَلَةً وشوقا ، فلما سلّمت قلت : تأذنين جُعِلت فداكِ فى الدنوّ منك ؟ قالت : تجرّد 0 وأشارت إلى ثيابها كأنّها تريد أن تتجرّد ، فكدتُ أن أشق ثيابى عجلةً للخروج عنها ، فتجرّدت وقمتُ بين يديها مُكَفِّرا لها 0 قالت : امض إلى زاوية البيت ، وأقبِل وأدبر حتى أراك مقبلاً ومدبراً 0 قال : وإذا حصيرٌ فى الغرفة عليه طريقٌ إلى زاوية البيت ، فأخطِر عليه ، وإذا تحتَه خَرْق إلى السوق ، فإذا أنا فى السوق قائماً متجرداً مَنعِظا ، وإذا الشِّيخان الشاهدان قد أعدّا لى نِعالهما ، وكمنا لى فى ناحيةٍ ، فلما هبطت عليهما بادرا إلىّ فقطِّعا نعالهما على قَفَاى ، واستعانا بأهل السُّوق ، فضُرِبتُ والله يا أبا محمد حتى نسِيت اسمى ، فبينا أنا أُضرب بنعالٍ مخصوفةٍ وأيدٍ شديدة ، فإذا صوتٌ من فوق البيت يغنى به ، وهو: ولو علم المجرّد ما أردنا 000 لخاضَ لنا المجرّدُ بالصَّحارى
فقلت فى نفسى : هذا والله وقتُ هذا البيت ، فنجوت إلى رحلى ، وما فىَّ عظمٌ صحيح ، فلما انقضى حجُّنا وانصرفنا جعلتُ طريقى على ذلك الموضع فسألتُ عنها فقيل لى : إنها امرأةٌ من آل أبى لهَب 0 فقلت : لعنها الله ولعن الذى هى منه 0
( من كتاب العقد الفريد لأبى عمر أحمد بن محمد بن عبد ربّه الأندلسى - اللؤلؤة الثانية فى الفكاهات والملح ) 0