مشاهدة النسخة كاملة : من الموسوعة الإسلامية - الإيمان والتوحيد
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:07 AM
الدين
1- معنى الدين.
2- قواعد الدين.
3- مزايا الدين الإسلامي.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:08 AM
1- معنى الدين:
الدين هو الطريق والمنهج والوضع الإلهي الذي يرشد إلى الحق في الاعتقادات وإلى الخير في السلوك والمعاملات.
قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33].
فالدين الإسلامي هو الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لعباده.
قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3].
ويتضمن الدين الإسلامي العقيدة التي تفسر الوجود وطبيعته، وتحدد للإنسان غايته في هذا الوجود، ويحتوي النظم التي تنبثق عن هذه العقيدة السمحة وتستند إليها، وتجعل لها صورة واقعية في حياة البشر.
كالنظام الاقتصادي، والنظام السياسي، والنظام الأخلاقي، والاجتماعي، والنظام الدولي إلى ما هنالك من أنظمة.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:11 AM
2- قواعد الدين الإسلامي:
إن الإسلام والإيمان والإحسان هي العناصر التي تشكل الدين الإسلامي القويم.
معنى الإسلام:
الإسلام هو النهج الذي به يتحقق استسلام العبد لربه وينقاد ويمتثل لأوامره.
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً.
تنبيه: حصر الإسلام بهذه الأمور الخمسة المذكورة للاهتمام بها اهتماماً شديداً زائداً على غيرها، فهو يمتد إلى أكثر من هذه الأركان الخمسة، ويدل على ذلك النصوص الواردة في الكتاب والسنة.
معنى الإيمان:
الإيمان: هو التصديق بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره".
فمعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الإيمان هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
الإيمان وحقيقته:
الإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله، وهو التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب، وهو التصديق المطمئن الثابت المتيقن الذي لا يتزعزع ولا يضطرب، ولا تهجس فيه الهواجس ولا يتلجلج فيه القلب والشعور.
فالقلب متى تذوق حلاوة الإيمان واطمأن إليه وثبت عليه، لابد من دفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب في واقع الحياة في دنيا الناس، يريد أن يوجد مناسبة بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان، وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة، ولا يطيق الصبر على المفارقة بين الصورة الإيمانية في حسه والصورة الواقعية من حوله لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة.
فالإيمان في حقيقته عمل نفسي يبلغ أغوار النفس ويحيط بجوانبها كلها من إدراك وإرادة ووجدان.
وترتسم حقيقة الإيمان بأمور:
أولاً: إدراك(1) ذهني تنكشف حقائق الوجود على ما هي عليه في واقع الأمر، وهذا الانكشاف لا يتم إلا عن طريق الوحي الإلهي المعصوم.
ثانياً: بلوغ هذا الإدراك الذهني حدَّ الجزم الموقن الذي لا يزلزله شك ولا شبهة قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا(2)} [الحجرات: 15].
ثالثاً: أن يصحب هذه المعرفة الجازمة إذعان قلبي، وانقياد إرادي، يتمثل في الخضوع والطاعة لحكم من آمن به مع الرضا والتسليم.
قال الله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
وقال الله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].
______________________
(1) علم أو معرفة.
(2) لم يشكوا.
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].
رابعاً: أن يتبع تلك المعرفة، وهذا الإذعان حرارة وجدانية قلبية، تبعث على العمل بمقتضيات العقيدة، والتمسك بمبادئها الخلقية والسلوكية فهي الجهاد في سبيلها بالمال والنفس، والقرآن الكريم يصف المؤمنين الحقيقيين:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 4,2]
معنى الإحسان:
الإحسان: وهو تحقيق الإخلاص في العبادة وهو على مرتبتين كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
المرتبة الأولى وهي الأعلى: أن تعبد الله كأنك تراه وهذه مرتبة المشاهدة:
وهي أن يتنور القلب بالإيمان، وتنفذ البصيرة حتى يصير الغيب كالعيان.
فمن عَبَدَ اللهَ عز وجل، وهو يستحضر قربَه منه، وأنه بين يديه، كأنه يراه أوجب له ذلك الخشية والخوف والهيبة والتعظيم.
المرتبة الثانية: وهي دون الأولى: وهي الإخلاص، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله فقد حقق الإخلاص، فهو مخلص لله تعالى غير ملتفت إلى غيره ولا مريد بعمله سواه.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:12 AM
3- مزايا الدين الإسلامي
أ- دين الفطرة.
ب- دين ثابت.
ج- دين عقائده مبرهنة.
د- دين شامل لكل قضايا الحياة.
أ- دين الفطرة:
إنَّ دين الإسلام موافق لخلقة الإنسان وفطرته، فلا مناقضة بينه وبين فطرة الإنسان ولذلك هو دين الفطرة.
وإن الله عزَّ وجلَّ خلق الإنسان وحدَّد له المنهج الذي يتبعه بما يتوافق مع طبيعة الإنسان ويناسبه، وذلك المنهج هو الدين.
فمن لم يتبع هذا الدين وقع في حالة اضطراب وعدم استقرار وضيقٍ صدري ونفسي.
قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] وقال تعالى: {فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا(1) } [طه: 123, 124].
ولذا من أراد أن يغير في دين الله، أو يبّدل، أو يشرع ديناً جديداً من عنده عليه أن يغير خلق الله لكي يكون الخلق الجديد مطابقاً للتبديل الجديد.
فدين الإسلام منطبق تماماً على فطرة الإنسان كما أن المفتاح المحّدد منطبق على قفله المحكم، فمن أراد أن يغير القفل عليه أن يُغَيَّر المفتاح، ومن أراد أن يغير المفتاح عليه أن يغير القفل.
وقد صرح القرآن الكريم بأن هذا الدين يتناسب مع الفطرة:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا(2) فِطرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ(3)النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ(4) وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:30] فالآية تدل على أنه لا تبديل لخلق الله، فإذا لم يتبدل خلق الله فلن يكون هنالك تبديل لفطرته وهي الدين الذي لا اعوجاج فيه.
__________________
(1) ضيقة شديدة.
(2) مائلاً إليه، مستقيماً عليه.
(3) جبلهم وطبعهم عليها.
(4) المستقيم الذي لا عوج فيه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر: "كلُّ مولود يولد على الفطرة، فإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" متفق عليه.
ويدل الحديث الشريف على أن المولود لو ترك ينشأ بعيداً عن أي معتقد لاختار دين الفطرة وهو الإسلام، ولكن تأثير الأبوين على المولود في أن يعتنق ديناً غير الفطرة واضح في الواقع المشاهد.
ب- دين ثابت:
الدين الإسلامي دين ثابت محدد لا يقبل الزيادة ولا النقصان ولا التحريف ولا التبديل فمصدر هذا الدين القرآن والسنة، فليس لحاكم من الحكام أو وزير من الوزراء أو مؤتمر من المؤتمرات أو مجمع من المجامع العلمية أن يضيف إليهما أو يحور فيهما وكل إضافة أو تحوير فيهما يُرَدُّ على صاحبها.
قال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } [الشورى: 21].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري ومسلم.
ج- دين عقائد مبرهنة:
الدين الإسلامي عقائده مبرهنة لا تكتفي من تقرير مسائلها، وموادها بالإلزام المجرد والتكليف الصارم، ولا تقول كما تقول بعض العقائد الأخرى: (اعتقد، وأنت أعمى) أو (آمن ثم اعلم) أو (أغمض عينيك ثم اتبعني).
بل يقول كتاب الله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]، {ادعوا إلى الله على بصيرة}.
وهي لا تكتفي بمخاطبة القلب والوجدان والاعتماد عليهما أساساً للاعتقاد، بل تتبع مسائلها بالحجة المقنعة الدامغة، والبرهان الواضح، والتعليل الصحيح الذي يملك أزمة العقول ويأخذ الطريق إلى القلوب.
فالقرآن الكريم يقيم الأدلة في مسألة الألوهية من الكون، ومن النفس، ومن التاريخ على وجود الله، وعلى وحدانيته وكماله، وفي مسألة البعث يدلل على إمكانية خلق الإنسان، وخلق السماوات والأرض، وإحياء الأرض بعد موتها، ويدلل على حكمته بالعدالة في إثابة المحسن وعقوبة المسيء.
قال الله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31].
قال الله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ} [الطور: 37,35].
وقال تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ * كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا *وَحَدَائِقَ غُلْبًا(1) *وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(2) * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 32,17].
وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ } [يوسف: 109]
وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ *الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ *إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 77،83].
د- دين شامل لكل قضايا الحياة:
الدين الإسلامي شامل لكل نواحي الحياة وَمَرِنُ لأنه متعلق بالفطرة البشرية التي خلق الله الإنسان طبقاً لأحكامها.
وإن وضع القوانين والتنظيمات لأي شيء يتوقف على العلم بحقيقة من توضع له القوانين والظروف المحيطة به.
والإنسان يجهل حقيقة روحه وذاته، ولا يعلم المستقبل الذي سيواجهه، لذلك عجز الإنسان أن يصنع تشريعات، وقوانين دائمة تصلح لكل زمان ومكان، لكن الخالق سبحانه وتعالى هو العليم بحقيقة خلق الإنسان {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِفُ الخَبِيرُ} [الملك: 14] وهو المحيط علماً بما كان وما يكون وما سيكون. لذا لم لا يمكن لبشر أن يأتي بشريعة ثابتة مرنة تتناسب مع كل زمان ومكان إلا إذا كان مرسلاً من عند ربه.
_____________________
(1) كثيرة الأشجار.
(2) ما ترعاه البهائم.
وحسبنا أن شريعتنا الإسلامية حكمت مختلف الحضارات في مختلف البلدان ومختلف العصور طوال مئات السنين ولم توجد مشكلة إلا ووجد لها حل في هذه الشريعة الغراء.
وفي عصرنا الحالي عصر التطورات السريعة والابتكارات الفذة يتأكد هذا المعنى بوضوح حيث فرضت شريعتنا نفسها في زماننا، رغم ضعف أهلها، لأن الإسلام يتمشى مع مقتضايات الحاجات فهو يستطيع أن يتطور دون أن يتضاءل في خلال القرون، ويبقى محتفظاً بكامل ماله من قوة الحياة والمرونة، فهو الذي أعطى للعالم أرسخ الشرائع ثباتاً، وشريعته تفوق كل الشرائع على وجه الأرض.
إنّ الباحثين والدارسين للقانون الدولي والعالمي اليوم قد أثبتوا بجلاء أن الشريعة الإسلامية تقوم على مبادئ ذات قيمة أكيدة لا شك في نفعها، وأن الاختلاف الفرعي في هذا الجهاز الضخم، منطوٍ على ثروة من الآراء الفقهية وعلى مجموعة من الأصول الفنية البديعة التي تتيح لهذا الفقه أن يستجيب بمرونة هائلة لجميع مطالب الحياة الحديثة.
فمن أين لأُمِّيٍّ بعث منذ ألف وأربعمائة سنة وتزيد، أن يأتي بهذا التشريع، لو لم يكن مرسلاً من عند الله سبحانه وتعالى، ويا عجباً للجهلة من المسلمين الذين يريدون إلغاء الشريعة الإلهية واستبدالها بالقوانين البشرية !.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:16 AM
الإيمان بالله عزَّ وجل
1- العلم وسيلة إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى:
إن المنهج الإسلامي في معرفة الله بعيد عن أيِّ خرافة أو وهم أو ظن وهو منهج يقوم على أساس العلم والوعي.
وكثير من الناس تسيطر على حياتهم الأوهام أو الخرافات وتدفعه إلى ممارسة أعمال فاسدة، ليس لها أساس صحيح يدعمها، فتذهب جهودهم عبثاً أو توجه إلى باطل يلحق بالإنسان أكثر الأضرار والمفاسد.
وذلك يعود إلى سلوك منهج فكري معوج، فعندها يقع الإنسان في خديعة الظنون الكاذبة.
ولذلك نرى أن الخطاب الإسلامي يوجِّه الناس إلى اتخاذ العلم وسيلة للوصول إلى اليقين وأن لا يتبع الإنسان ما لا علم له به، لأنه يوقعه في متاهات من الجهل.
قال الله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسئولاً} [الإسراء: 36].
وقال تعالى في شأن الكافرين: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157].
وقال تعالى عن المضلين: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ(1)} [الأنعام: 116].
وقال سبحانه وتعالى فيهم أيضاً: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:119].
وإذا أراد الإنسان إيماناً صحيحاً فعليه بالعلم قال الله تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الرعد: 19].
لأن الإيمان دون علم ووعي يكون إيمان المقلد لغيره، فهو سرعان ما يهتز عند أول شبهة قال الله تعالى:
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}[الزمر: 9].
والنتيجة الحتمية للبحث العلمي المنصف في ظاهرة الرجوع الكوني وصول الباحث إلى حقيقة الإيمان بالله تعالى وعظيم صفاته، والشهادة بذلك إذا كان الباحث موضوعياً متجرداً منصفاً.
قال الله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)} [آل عمران: 18].
_________________
(1) يكذبون.
(2) مقيماً للعدل في كل أمر.
ومتى وصل الباحث في العالم إلى الإيمان وتحقق من هذه المعرفة فلابد أن يكون أكثر الناس خشية لله تعالى. قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:17 AM
2- الإيمان بوجود الله:
وجود الله تعالى أظهر حقيقة في هذا الوجود، وأول شعور يشرق في عمق الإنسان إذا تأمل في نفسه وفي العالم من حوله، شعوره بوجود الله المهيمن على العالم كله والمدِّبر له والذي يتصرف فيه بالحياة والموت والخلق والفناء والتغير والتطور والحركة والسكون وجميع أنواع التغيرات المحكمة التي تجري فيه.
فالإنسان يشعر بهذه الحقيقة وهي وجود الله، ويؤمن بها إيماناً داخلياً عميقاً، سواء استطاع أن يقيم دليلاً عقلياً برهانياً على صدق هذا الشعور أو لم يستطع.
ولكن دليل الفطرة شاهد حق قد يسبق الأدلة النظرية وقد يكون أعمق منها في الشعور والصدق.
قال الله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30].
فهذه فطرة لا تنطمس في النفس الإنسانية إلا من بالغ في الانحراف الخُلقي بدافع شهواني ليرضي نفسه أو من حامت حوله الشكوك الفكرية أو من عادي هذه الفطرة استكباراً وتجبراً. ومن هذا المنطلق لابد من إقامة أدلة نظرية عقلية ترفع عن ذهن الإنسان كل شك أو ريب في وجود الله، فبالحجة القاطعة لا يترك مجال لأي شخص بإنكار هذه الحقيقة.
وهنالك أدلة كثيرة لا تحصى على وجود الله تعالى:
- أن العدم لا يخلق شيئاً:
والمعنى أن الذي لا وجود له لا يستطيع أن يصنع شيئاً لأنه غير موجود.
فإذا تأمل المرء في المخلوقات التي تولد في كل يوم من إنسان وحيوان ونبات وتفكر في كل ما يحدث في الوجود من رياح وعواصف وأمطار وليل ونهار، ونظر في المجرات الضخمة (التي تحتوي آلاف ملايين النجوم)، ونظر في كل مجرة فيها بالإضافة إلى النجوم والكواكب والسُّدم الغازية وتسير كلها بسرعات هائلة، وما فيها من النجوم والكواكب التي لها حركتها الخاصة المنتظمة، ومع ذلك فلكل منها مداره المنتظم الذي لا يختلف، ومن نظر في عالم الحياة من الأسرار في وحيدات الخلية وكذا في الورقة الخضراء التي تحتفظ بسر صناعة الغذاء، ومن غاص في عالم الذرة وأسرارها وفي عالم الإنسان وأسراره وغير ذلك من العوالم التي لا يستطيع أن يحصيها الإنسان والتي لا مجال للإفاضة فيها.
فإنه يجزم بأن هذا كله ليس من صنع العدم الذي لا وجود له، بل هو من صنع الخالق الموجود سبحانه.
قال الله سبحانه وتعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36].
كما أن حدوث العالم يدل على الخلق لأنَّ العلوم تثبت بكل وضوح بأن هذا الكون لا يمكن أن يكون قديماً أزلياً أي ليس له بداية. فهنالك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة ولا يمكن أن يحدث العكس.
فالكون يتجه إلى درجة حرارة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام، وينضب فيها معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هناك عمليات كيماوية أو طبيعية، ولن يكون هنالك أثر للحياة نفسها في هذا الكون ولما كانت الحياة لا تزال قائمة، ولا تزال العمليات الكيماوية والطبيعية تسير في طريقها، فإننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكون قد كانت له بداية، وإلا لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد وتوقف كل نشاط في الوجود.
وهذا العالم لم يأتِ من العدم كما ذكرنا في الدليل الأول والحادث كذلك لا يستطيع إخراج نفسه من مرتبة العدم إلى مرتبة الوجود، فينتج أن هناك خالقاً أوجده وأخرجه من العدم إلى الوجود. قال الله تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ(1) السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [إبراهيم: 10].
إضافة إلى ذلك فإن الاتقان في الكون يدل على خالق عظيم حكيم: إن إتقان صنعة هذا العالم الزاخر بالمتقنات دليل واضح على الصانع المتقن الحكيم العظيم العليم، يشهد ذلك كل الناس، وبالبداهة يُحكم بأن الله حق وهو على كل شيء قدير، وهكذا نجد أن الصنعة تدل على الصانع، فكل مصنوع لابد له من صانع، وكل اتقان للصنعة يدل على كمال متقنها ولنضرب مثالاً على ذلك:
إذا رأينا باباً من خشب قد أتقن صنعه، فإننا سنعلم أن للمصنوع صانعاً، وأن الصانع يملك الخشب، وأنه يستطيع أن يقطعه بانتظام وأنه قادر على أن يجعل الخشب أملس، وأنه يملك المسامير، وأنه يقدر على تثبيت أجزاء الباب بالمسامير وأن لديه خبرة في صناعة الأبواب وأن لديه إحكاماً في عمله وهكذا نجد كلَّ شيء في المصنوع يدل على صفات عند الصانع، فلا يمكن أن يوجد شيء في المصنوع إلا إذا كان الصانع يملك قدرة أو صفة تمكنه من صنع ذلك الشيء ولله المثل الأعلى.
قال الله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88]. وقال تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ (2) لِلْمُؤْمِنِينَ* وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ*وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ (3)آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ* تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية: 3،6].
_______________________
(1) مبدع ومخترع وخالق من العدم إلى الوجود.
(2) علامات.
(3) تقليبها في مهابها وأحوالها.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:19 AM
3- ذات الله سبحانه وتعالى:
إن الحواس الخمس (السمع، والبصر، اللمس، والذوق، والشم) التي هي نوافذ إلى خارج كيان الإنسان محدودة في قدرتها وفي مجالات عملها.
فالعين مثلاً لا ترى إلا ألوان الطيف السبعة، أما الأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء، والالكترونيات والقوة المغناطسية فلا تستطيع العين رؤيتها.
وقد تسحر العين أو تخدع كأن ترى الشمس كقرص الخبز والحقيقة أنها أكثر من الأرصاد: (1.305.000) مرة، أو ترى العصا في حوض الماء مكسورة عند سطح الانفصال، أو ترى المنازل من الطائرة كعلب السجائر، فلذا نجد عمل العين واضح محدود.
وكذلك الأذن لا تستطيع أن تسمع أصواتاً كثيرة موجودة لأن لها عملاً محدوداً لا يمكن تجاوزه.
والأنف وهو جهاز يعرف به روائح المواد ذات الرائحة ويبطل عمله إذا أصيب بزكام وحدود عمله ضيقة جداً إذ أن قدرته على الشم لا تتجاوز بضعة أمتار.
واللسان آلة لتمييز طعم المواد المختلفة وحدود عمل اللسان ضيقة جداً فتمييزه للطعم محصور في نطاق ما لامس اللسان شرط أن يذوب في اللعاب.
والجلد آلة حس لما يقع على الجسم من أشياء يقدر على الإحساس بها فيميز بين الناعم منها والخشن والصقيل والخفيف والحاد وغير الحاد والحار والبارد، وهو لا يدرك من الأشياء إلا ما كان له ثقل معلوم فهو لا يحس الجراثيم أو الكائنات الدقيقة أو الضوء أو الأمواج الإشعاعية كأمواج الراديو واللاسلكي، وحدود عمل الجلد ضيقة جداً تحد بحدود الجسم.
وقوة التصور وهي مصدر الخيال الواسع، فالإنسان يركِّب ويحلل ما جاء من الحواس الخمس في صورة جديدة مبتكرة، ولا يمكن تصديق ما تأتي به قوة التصور إلا بعد فحصه جيداً أمام العقل ومعظم الأوهام الباطلة التي تتحكم في حياة الإنسان تنبع من تصورات خاطئة، ولكن قوة التصور محدودة في قدرتها ومجالات عملها لأنها محدودة بالحواس الخمس.
والعقل الذي هو آلة ليميز الإنسان الحق من الباطل، فالعقل هو القاضي الذي تعرض عليه كل المعلومات القادمة من الحواس الخمسة ومن قوة التصور فيفصل أمرها، وقد يقع العقل في الخطأ ولكن لا من ذاته ولكن بسبب تغرير به أثناء عرض المعلومات، كأن تقدم له معلومات خاطئة أو ناقصة أو مشوهة، فتأتي أحكامه ناقصة مغلوطة مشوهة، فالخطأ جاء من مؤثرات خارجية، فالعقل هو الأساس لمعرفة الحقائق الثابتة في الكون.
والعقل له حدود فإذا علمنا أن الحواس الخمس محدودة وقوة التصور كذلك، والإنسان لا يعلم شيئاً إلا ما جاء بواسطة هذه الحواس الخمس التي هي نوافذه المفتوحة إلى خارج كيان الإنسان. فالعقل يستطيع أن يثبت الكثير من الحقائق الثابتة التي لا ترد من خلال الوسائل المؤثرة له.
ولكن مجال العقل محدود في كثير من الأمور، فالعقل عاجز عن إدراك كيفية عمله: كيف يفهم؟ وكيف يميز؟ وكيف يعقل؟.
العقل يعجز عن الإحاطة بكثير من الأمور في هذا الكون فمثلاً: هو يعجز عن الإحاطة بأكبر عدد فإذا سألته ما هو أكبر عدد؟ أجاب: أكبر عدد ما لا نهاية.
كما يعجز عن إدراك بداية الزمان أو أن يحيط بنهايته وكذلك يعجز عن إدراك نهاية المكان.
والعقل يعرف أن أحداثاً ستقع غداً، ولكنه يعجز عن إدراكها ومعرفتها مع أنها كائنة لا محالة ومع أن بعض الرؤى المنامية تتفوق على العقل في هذا الباب فتعرف ما سيكون غداً فيأتي كما رأت أو قريباً منه.
والعقل يعجز عن معرفة ما سيحدث لنا بعد موتنا بثوانٍ وصدق الله الذي يقول في كتابه العزيز: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255].
فإذا أدرك الإنسان قصور الحواس الخمس وقوة التصور والعقل، أدرك سخف الذين تطلب إليهم الإيمان بالله فيقولون: أرنا الله!! وحواسهم عاجزة قاصرة.
ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله" رواه البيهقي بإسناد جيد.
فإن المنع في التفكر بذات الله ليس حَجْراً على الفكر ولا جموداً في البحث ولا تضييقاً على العقل ولكن عصمة له من التردي في مهاوي الضلالة، إبعاداً له عن معالجة أبحاث لم تتوافر وسائلها.
ولنضرب مثلاً لتوضيح المسألة:
خلق الله للإنسان قوة يتصور بها الأشياء تعينه على تنظيم الأمور وتخيلها ولكن قوة التصور ضعيفة ومحدودة فإذا وصفت لك مدينة، عقلت أن فيها أشياء وتصورت تلك الأشياء ولكنك إذا رأيت تلك المدينة ستجد أنها على غير الصورة التي تصورتها من قبل.
وإذا طرق شخص الباب استطعت أن تعقل أن طارقاً يطرق الباب، ولكن تصورك يعجز أن يتصور، من الطارق حقيقة؟ وما طوله؟ وما عرضه؟ وما لونه؟ وما حجمه؟ فقوة العقل اخترقت حاجز الباب فعقلت أن طارقاً موجود يطرق الباب فقط بينما عجزت قوة التصور، وحَبَسَها حاجزُ البابِ أن تنفذ إلى هوية الطارق.
- ولله المثل الأعلى - فالعقل يؤمن بوجود الله الخالق سبحانه، وقوة التصور تعجز عن تصور ذات الله سبحانه لأنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:20 AM
4- أسماء الله تعالى:
إن الله عزَّ وجلَّ تعرَّف إلى خلقه بأسماء تليق بجلاله، فيحسن المؤمن معرفتها وحفظها تبركاً بألفاظها وتلذذاً بذكرها، وتعظيماً لقدرها.
ويتم النفع بأسماء الله تعالى على الوجه التالي:
1- فَهْمُ أسمائه تعالى بحيث يدرك معانيها.
2- الاعتقاد بالقلب وجود معناها في ذات الله تعالى.
3- التفكر بأسمائه تعالى ومشاهدة آثارها في الأكوان.
4- استعظام أسماء الله تعالى حتى تحدث في قلب المؤمن خشية وخوفاً من الله.
5- السعي في اكتساب ما يليق بالإنسان من تلك الأسماء والصفات والتخلق بها والتحلي بمحاسنها.- كالرحمة والعدل وغيرها - وبذلك يصبح المؤمن ربانياً.
- الأسماء الحسنى الواردة في الحديث النبوي:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله تسعة وتسعون اسماً مائة إلا واحداً، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" رواه البخاري ومسلم. وفي رواية البخاري: "من أحصاها دخل الجنة".
وزاد الترمذي: "هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، الباريء، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم،، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبديء، المعيد، المحي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الروؤف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضارّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد الصبور".
ومعنى "من أحصاها" أي أحصاها علماً وإيماناً ويقيناً بأنها صفات الله عز وجلَّ وليس المراد الإحصاء الذي هو العد.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:22 AM
شرح أسماء الله الحسنى:
1- الرحمن: هذا الاسم يختص بالله سبحانه وتعالى ولا يجوز إطلاقه على غيره. وهو من له الرحمة، وهو الذي رحم كافة خلقه بأن خلقهم وأوسع عليهم في رزقهم.
2- الرحيم: خاص في رحمته لعباده المؤمنين، بأن هداهم إلى الإيمان، وأنه يثيبهم الثواب الدائم الذي لا ينقطع في الآخرة.
3- الملك: هو النافذ الأمر في مُلكه، إذ ليس كلُّ مالك ينفذ أمره، وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تعالى مالك المالكين كِلّهم، والمُلاَّك إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى.
4- القدوس: هو الطاهر من العيوب المنزه، عن الأولاد والأنداد.
5- السلام: هو الذي سلم من كل عيب، وبريء من كل آفة، وهو الذي سلم المؤمنون من عقوبته.
6- المؤمن: هو الذي صدق نفسه وصدق عباده المؤمنين، فتصديقه لنفسه علمه بأنه صادق، وتصديقه لعباده: علمه بأنهم صادقون.
7- المهيمن: هو الشهيد على خلقه بما يكون منهم من قول أو عمل.
8- العزيز: هو الغالب الذي لا يغلب، والمنيع الذي لا يوصل إليه.
9- الجبار: وهو الذي لا تناله الأيدي ولا يجري في ملكه إلا ما أراد.
10- المتكبر: وهو المتعالي عن صفات الخلق، والكبرياء صفة لا تكون إلا لله خاصة لأن الله عز وجل هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد مثله، وذلك الذي يستحق أن يقال له المتكبر.
قال الله عزّ وجل في الحديث القدسي: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني شيئاً منهما ألقيته في جهنم" رواه أبو داود وابن ماجه.
11- الخالق: وهو الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة وقوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] أي تبارك الله أحسن المقدرين لأن الخلق يأتي بمعنى التقدير.
12- الباريء: هو الذي خلق الخلق عن غير مثال سابق.
13- المصور: هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة.
14- الغفار: هو الذي يستر ذنوب عباده مرة بعد أخرى.
15- القهار: هو الذي قهر العاندين بما أقام من الآيات والدلالات على وحدانيته وقهر الجبابرة بعزِّ سلطانه وقهر الخلق كلهم الموت.
16- الوهَّاب: هو الذي يجود بالعطاء الكثير.
17- الرزاق: هو القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها وطعامها، وما ينتفع به الناس من رزق مباحٍ وغير مباح.
18- الفتاح: وهو الذي يفتح المنغلق على عباده من أمورهم ديناً ودنيا وهو الذي يفتح بين الحق والباطل فيوضح الحق ويبينه ويدحض الباطل فيزهقه ويبطله.
19- العليم: بمعنى العالم على صيغة المبالغة، فالعلم صفة لله تعالى.
20، 21- القابض، الباسط: هو الذي يوسع الرزق ويقدره، يبسطه بجوده ورحمته ويقبضه بحكمته.
22، 23- الخافض، الرافع: هو الذي يخفض الجبارين والمتكبرين أي يضعهم ويهينهم، ويخفض كل شيء يريد خفضه، وهو الذي يرفع المؤمنين بالإسعاد وأولياءه بالتقريب.
24- المعز: وهو تعالى يعز من شاء من أوليائه والإعزاز على أقسام:
القسم الأول: إعزاز من جهة الحكم والفعل: هو ما يفعله الله تعالى بكثير من أوليائه في الدنيا ببسط حالهم وعلو شأنهم، فهو إعزاز حكم وفعل.
القسم الثاني: إعزاز من جهة الحكم: ما يفعله تعالى بأوليائه من قلَّة الحال في الدنيا، وأنت ترى من ليس في دينه فوقه في الرتبة فذلك امتحان من الله تعالى لوليه، وهو يثيبه إن شاء الله على الصبر عليه.
القسم الثالث: إعزاز من جهة الفعل: ما يفعله الله تعالى بكثير من أعدائه من بسط الرزق وعلو الأمر والنهي، وظهور الثروة في الحال في الدنيا، فذلك إعزاز فعل لا إعزاز حكم، وله في الآخرة عند الله العقاب الدائم، وإنما ذلك ابتلاء من الله تعالى واستدراج.
25- المذل: الله تعالى يذلُّ طغاة خلقه وعُتاتهم حكماً وفعلاً، فمن كان منهم في ظاهر أمور الدنيا ذليلاً، فهو ذليل حكماً وفعلاً.
26- السميع: وهو الذي له سمع يدرك به الموجودات وسمعه وسع كلَّ شيء فسبحان الذي لا يشغله سمع عن سمع، والسمع صفة لله تعالى.
27- البصير: وهو من له بصر يرى به الموجودات، والبصر صفة لله تعالى.
28- الحكم: هو الحاكم، وهو الذي يحكم بين الخلق لأنه الحَكَم في الآخرة، ولا حكم غيره. والحكام في الدنيا إنما يستفيدون الحكم من قبله تعالى.
29- العدل: وهو الذي حكم بالحقِّ، والله عادل في أحكامه وقضاياه عن الجور.
30- اللطيف: هو المحسن إلى عباده، في خفاء وستر من حيث لا يعلمون، ويُسيِّر لهم أسباب معيشتهم من حيث لا يحتسبون.
31- الخبير: هو العالم بحقائق الأشياء.
32- الحليم: هو الذي يؤخر العقوبة على مُستحقيها ثم قد يعفو عنهم.
33- العظيم: هو المستحق لأوصاف العلو والرفعة والجلال والعظمة وليس المراد به وصفه بعظم الأجزاء كالكبر والطول والعرض العمق لأن ذلك من صفات المخلوقين تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
34- الغفور: هو الذي يكثر من المغفرة والستر على عباده.
35- الشكور: هو الذي يشكر اليسير من الطاعة، ويعطي عليه الكثير من المثوبة والأجر.
36- العلي: وهو تعالى عالٍ على خلقه فهو العالي القاهر.
37- الكبير: هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن، فصغر دونه تعالى كل كبير.
38- الحفيظ: هو الحافظ لكل شيء أراد حفظه.
39- المقيت: هو المقتدر على كل شيء.
40- الحسيب: هو الكافي.
41- الجليل: هو عظيم الشأن والمقدار، فهو الجليل الذي يصغر دونه كل جليل ويتضع معه كل رفيع.
42- الكريم: هو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه.
43- الرقيب: هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.
44- المجيب: هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه.
45- الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر الخلق.
46- الحكيم: هو مُحكِم للأشياء متقن لها.
47- الودود: هو المحب لعباده.
48- المجيد: هو الجليل الرفيع القدر، المحسن الجزيل البرّ.
49- الباعث: يبعث الخلق كلَّهم ليوم لا شك فيه، فهو يبعثهم من الممات، ويبعثهم أيضاً للحساب.
50- الشهيد: هو الذي لا يغيب عنه شيء.
51- الحق: هو الموجود حقاً.
52- الوكيل: هو الذي يستقل بأمر الموكول إليه.
53- القوي: هو الكامل القدرة على كل شيء.
54- المتين: هو شديد القوة الذي لا تنقطع قوته ولا يمسه في أفعاله ضعف.
55- الولي: هو المتولي للأمور القائم بها، بأن يتولى نصر المؤمنين وإرشادهم، ويتولى يوم الحساب ثوابهم وجزاءهم.
56- الحميد: هو المحمود الذي يستحق الحمد.
57- المحصي: لا يفوته شيء من خلقه عداً وإحصاءً.
58- المبديء: هو الذي ابتدأ الأشياء كلها، لا عن شيء فأوجدها.
59- المعيد: هو الذي يعيد الخلائق كلهم ليوم الحساب كما بدأهم.
60- المحيي: هو الذي خلق الحياة في الخلق.
61- المميت: هو الذي خلق الموت، وكتبه على خلقه، واستأثر سبحانه بالبقاء.
62- الحي: هو الذي يدوم وجوده، والله تعالى لم يزل موجوداً ولا يزال موجوداً.
63- القيوم: هو القائم الدائم بلا زوال.
64- الواجد: هو الغني الذي لا يفتقر إلى شيء.
65- الماجد: هو بمعنى المجيد.
66- الواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده بلا شريك.
67- الأحد(1): هو الذي لا شبيه له ولا نظير.
68- الصمد: هو الذي يُقْصَدُ في الحوائج.
69- القادر: هو الذي له القدرة الشاملة، فلا يعجزه شيء ولا يفوته مطلوب.
70- المقتدر: هو التام القدرة الذي لا يمتنع عليه شيء.
____________________________
(1) الأحد في رواية الترمذي.
71، 72- المقدم المؤخر: هو الذي يزن الأشياء منازلها فيقدم ما شاء ومن شاء ويؤخر ما شاء ومن شاء.
73، 74- الأول والآخر: وهو مقدم على الحوادث كلها بأوقات لا نهاية لها، فالأشياء كلها وجدت بعده، وقد سبقها كلها. الأول الذي لا بداية لوجوده والآخر الذي لا نهاية لوجوده.
وهو المتأخر عن الأشياء كلها، ويبقى بعدها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء" رواه مسلم والترمذي وابن ماجه.
75- الظاهر: هو الذي ظهر للعقول بحججه، وبراهين وجوده، وأدلة وجدانيته.
76- الباطن: هو الذي احتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم فلا يدركه بصر ولا يحيط به وهم.
77- الوالي: هو المالك للأشياء والمتولي لأمرها.
78- المتعالي: هو المنزه عن صفات الخلق.
79- البر: هو المحسن إلى خلقه، المصلح لأحوالهم.
80- التواب: هو الذي يقبل رجوع عبده إليه.
81- المنتقم: هو الذي ينتصر من أعدائه ويجازيهم بالعذاب على معاصيهم.
82- العفو: هو الذي يصفح عن الذنب.
83- الرؤوف: هو الذي تكثر رحمته بعباده.
84- مالك الملك: هو الذي يملك الملك، وهو مالك الملوك، والمُلاَّك يُصرِّفهم تحت أمره.
85- ذو الجلال والإكرام: هو المستَحق أن يُجَلَّ ويُكرم فلا يجحد.
86- المقسط: هو العادل في حكمه.
87- الجامع: هو الذي يجمع الخلق ليوم الحساب.
88- الغني: هو الذي استغنى عن الخلق، فهو الغني وهم الفقراء إليه.
89- المغني: هو الذي أغنى الخلق بأن جعل لهم أموالاً وبنين.
90- المانع: هو الذي يمنع ما أراد منعه، فيمنع العطاء عن قوم والبلاء عن آخرين.
91، 92- الضار، النافع: هو الذي يوصل الضرر إلى من شاء وما شاء ويوصل النفع إلى من شاء وما شاء.
93- النور: هو الهادي الذي يبصر بنوره ذو النهاية ويرشد بهداه ذو الغواية.
94- الهادي: هو الذي بهدايته اهتدى أهل ولايته وبهدايته اهتدى الحيوان لما يصلحه واتقى ما يضره.
95- البديع: هو الذي انفرد بخلق العالم كله فكان إبداعه لا عن مثال سبق.
96- الباقي: هو الذي يدوم وجوده، وهو المستأثر بالبقاء.
97- الوارث: هو الذي يبقى بعد هلاك كل مخلوق.
98- الرشيد: هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، وأرشد أولياءه إلى الجنة وطرق الثواب.
99- الصبور: وهو الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:23 AM
- وهذه المذكورات التسع والتسعون ليست كل ما ورد في أسماء الله تعالى بل ذكر في القرآن والأحاديث غيرها مثل: الرب، الحنان، المنان، الباديء، الكافي، المغيث، المولى، المبين، المحيط، القريب، الوتر، العلاَّم، المليك، الأكرم، ذو الطَّول، الجميل، الرفيع.
شرح هذه الأسماء:
الرب: تطلق في اللغة كلمة الرب على المالك والسيد والمدبر والمربي والقيمِّ والمنعم. ولا يطلق غير مضاف إلا على الله وإذا أطلق على غيره أضيف فتقول: الله هو الرب، ولا تقول: فلان هو الرب بل تقول: فلان رب المنزل - أي فتضيفه إلى كلمة أخرى -
- الحنان: أي ذو الرحمة.
- المنان: هو الكثير العطاء.
- الباديء: بمعنى المبديء.
- الكافي: هو الذي يكفي عباده المُهم ويدفع عنهم المُلِم.
- المغيث: هو الذي يدرك عباده في الشدائد فيخلصهم.
- المولى: هو الناصر المعين.
- المبين: هو الظاهر أمره في الواحدنية.
- المحيط: هو الذي أحاطت قدرته بجميع المقدورات وأحاط علمه بجميع المعلومات.
- القريب: قريب بعلمه من خلقه، قريب ممن يدعوه بإجابته.
- الوتر: هو الفرد الذي لا شريك له ولا نظير.
- العلام: بمعنى العليم.
- المليك: هو المالك.
- الأكرم: هو الذي لا يوازيه كريم.
- ذو الطول: معناه صاحب المنِّ والعطاء.
- الجميل: هو الجميل في ذاته وصفاته وهو المُجمِل المحسن لخلقه وعباده.
- الرفيع: هو الذي لا أرفع قدراً منه وهو المستحق المدح والثناء.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:25 AM
-التوقيف في أسماء الله تعالى:
إن أسماء الله تعالى توقيفية فلا نسمي الله إلا بما سمى به نفسه، فما أطلقه تعالى من اسم أطلقناه وما منعه منعناه، وما لم يرد به إذن شرعي فيه، ولا منع لم نجوِّزه.
ولقد حذر القرآن الكريم من تحريف أسماء الله فقال سبحانه وتعالى:
{وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180].
- تنبيه:
يجب التنبه إلى بعض الإطلاقات التي تصدر من بعض المؤلفين في تركيب اسم لله لم ينص عليه في الكتاب والسنة، كإطلاق عبارة مهندس الكون الأعظم على الله أو المدير العام لشؤون الخلق، أو العقل المدبر، أو الجوهر أو الجسم فكل هذه الإطلاقات وما شابهها لا يجوز إطلاقها بتاتاً.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:26 AM
5- مبدأ التوحيد:
1- إن دلائل وحدانية الله سبحانه ظاهرة واضحة في نظام هذا الكون المستقر، وأحداثه المنسقة، وسيره المنتظم .. ولو كان هناك إله غير الله لحدث الصراع بينهم على تسيير هذه المخلوقات وعندئذٍ يدب الفساد في الأرض والسماء.
قال الله سبحانه وتعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22].
2- ولو كان مع الله آلهة أخرى لحاول بعضهم أن يستعلي على غيره، وعندئذ يشهد الكون حروباً مروعة مدمرة، ويكون الملكوت ميداناً لصراع جبار بين الآلهة المتنازعة أو لحاول الضعاف من هذه الآلهة المتنازعة أن يتعاونوا على من له القوة والنفوذ في هذا الملكوت.
قال الله سبحانه وتعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا(1) إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (2)، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 42-43].
3- ولو كان مع الله آلهة أخرى لفصل كل إله ما خلق ولشاهدنا عمليات الانفصال والتجزئة ظاهرة في هذا الكون وكم تكون، الحياة سيئة لو أن للشمس إلهاً منع عنا ضوءها وأن للشجر إلهاً منع عنا ثمارها، وأن للسحب إلهاً منع عنا قطرها.
___________________________
(1) طلبوا.
(2) بالممانعة والمغالبة.
قال الله سبحانه وتعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91].
التوحيد على قسمين: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية:
1- توحيد الربوبية لله تعالى: فالله سبحانه وتعالى هو ربُّ السماوات والأرض ومن فيهن، ولم يشاركه في خلقها وتربيتها ومدَّها بالبقاء شريك.
قال الله سبحانه وتعالى:
{قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ*قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ*سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ*قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ*بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [المؤمنون: 84 -90].
وقال الله سبحانه وتعالى:
{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا(2)وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا} [الفرقان:2-3].
2- توحيد الألوهية لله تعالى:
فلله تعالى الأمر والنهي والحكم والقضاء وهو الذي يستحق العبادة وحده.
فإننا نعبد الله وحده ولا نشرك بعبادته ونعبده بما أمرنا أن نعبده وعلى الشكل الذي أمرنا به دون أن نخترع أو نبتدع من عند أنفسنا عبادة لم يأذن بها الله تعالى.
ومن توحيد الإلهية: أن تحكم شريعة الله في كل أعمالنا الفردية والجماعية، لأن الله سبحانه له الخلق، ومن له الخلق فله الأمر.
وعبادة الله تكون بطاعته فيما أمرنا به وفيما نهانا عنه، وكل حكم على خلاف حكم الله يمثل استنكافاً عن طاعته في ذلك الحكم، فإذا كان ذلك طاعة لغير الله تعالى فهو شرك بالله فيما هو من خصائص ألوهيته، وهو يمثل نقضاً جزئياً لتوحيد الألوهية وإذا كان لك اتباعاً لهوى النفس فهو لون في ألوان عبادة الهوى.
قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123].
وقال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].
فالله هو الواحد الأحد الذي يتصف بصفة الوحدانية، فإنه لا إله في حقيقة الأمر إلا الله.
قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:27 AM
6- مبدأ تنزيه الله تعالى:
إن صفات الله تعالى وكماله عزَّ وجلَّ حقيقة قائمة ثابتة، يشهد بها كل ما في الكون، وتتحدث بها الفطرة البشرية، فكل إنسان منا يشعر أن فيه نقصاً دون الكمال ويشعر بوجود نقص في كل ما نشاهده في المخلوقات، فهذا الاتجاه التي تتجه الفطرة إليه(الشعور بالنقص) إنما يتبع من تيقنها بوجود من يتصف بالصفات العليا والذي له الأسماء الحسنى، وتلك هي الفطرة الإنسانية المؤمنة التي فطرها الله على الإيمان.
فعلم الإنسان بمخلوقات الله محدود وهو لا يستطيع أن يحيط بالمخلوقات علماً فكيف يستطيع أن يحيط بالله علماً؟
قال الله تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255].
فلا نعرف الله حق معرفته إلا بما علمنا إياه من طريق الشريعة، فقد جاءنا العلم والبيان منه فعرَّفنا الله بنفسه سبحانه وبأسمائه وصفاته فنقف عندها ونمجده ونقدسه وننزه.
فالله سبحانه وتعالى نزه نفسه عن مشابهته بالمخلوقات فهو لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه.
فذاته ليست كذوات المخلوقات وأسماؤه ليست كأسماء المخلوقات، - وإن تشابهت الأسماء - كالرحيم مثلاً - ولكن المسمَّى يختلف.
وصفاته ليست كصفات المخلوقات وأفعاله ليست كأفعال المخلوقات.
فكل صفة من صفاته لا تشبه أبداً صفة من صفات الخلق فعلمه ليس كعلم عباده، وحكمته ليست كحكمة البشر، وقدرته ليست كقدرة البشر ورحمته ليست كرحمة المخلوقين وانتقامه من الكافرين ليس كانتقام البشر فكل صفة من البشر يلحقها النقص، أما كل صفة من صفات الله فلها الكمال تعالى الله عزَّ وجلَّ.
قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشوري: 11].
ولنضرب مثلاً يوضح الفكرة: عندما يقال: الملك الفلاني كريم، والبواب الذي عندنا كريم، وطفل الملك كريم. فدون شك أن السامع سيفرق بين كرم الملك وكرم بوابه وكرم طفله، وذلك بالرغم أن الجميع من المخلوقات.
فإذا قلنا: الله كريم، فلا شك أننا سنعلم يقيناً أن كرم المولى عزَّ وجلَّ لا يشابهه شيء من كرم عباده المملوكين الضعفاء.
وعندما يقال: الملك غني، والأمير غني، وضابط الجيش غني، فالسامع مباشرة يفرق بين غنى كل واحد منهم وهؤلاء كلهم من بني آدم، ومع غناهم فهم مفتقرون افتقاراً مطلقاً، فيفتقر كل واحد منهم إلى الطعام والشراب والخلاء والنوم والتنفس والراحة إلى آخره ...
أمَّا غنى المولى سبحانه فلا يشابهه شيء من غنى العباد، فالعباد بالنسبة إلى الله هم فقراء بحاجة إليه في إمدادهم بكل شيء، والله بالنسبة إلى العباد هو الغني الذي لا يحتاج إلى غيره مطلقاً.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15].
وقال تعالى: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ(1) وَلا نَوْمٌ} [البقرة: 255].
____________________
(1) نعاس وغفوة.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:30 AM
7- من صفات الله تعالى:
صفات الله تعالى لا حصر لها ولا عد فهو تعالى موصوف بالرحمة والكرم والمغفرة وكل صفات الكمال التي تليق بجلاله. نذكر في هذا الموجز بعضاً من هذه الصفات على أن نتوسع في إصدارات أخرى إن شاء الله تعالى:
أ- صفة الأولية وصفة الآخرية:
لقد وصف الله نفسه بأنه متصف بالأولية والآخرية فقال سبحانه وتعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ} [الحديد: 3].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء" رواه مسلم.
فالأول معناه: لا بداية لوجوده.
والآخر معناه: لا نهاية لوجوده.
فالله هو الأول بحيث لا يتصور قبله وجود قط، وكلما وقع في ذهنك وجوداً، فاعلم أنه مخلوق لله وأن وجود الخالق أسبق منه، فالله هو الأول قبل كل شيء.
والذي نتيقن به أنَّ الله سبحانه وتعالى غير حادث ولا تعتريه صفة من صفات الحوادث، لأنه لو كان الله تعالى حادثاً لاعتراه الفناء والعدم، فيتحصل أن العدم أصل للوجود وهذا مما لا يقبله العقل ولا الواقع.
ومن العجيب أن ينكر الملحدون قول المؤمنين بالله: إنه الأول قبل كل شيء في الوقت الذي يصفون فيه المادة (السديم المادي) بالوصف نفسه، ويقولون: إنه لا خالق له في حين أن الأدلة متضافرة ومشاهدة تنطق بأن هذا الكون مخلوق من عدم، وأنه حدث بعد أن لم يكن شيئاً وأنه ليس أزلياً لا بداية له كما يزعمون بل الله الخالق هو الأول. (انظر دليل وجود الله).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان الله ولم يكن شيء غيره" رواه البخاري.
- والله هو الآخر ووجوده ممتد إلى غير نهاية بحيث لا يتصور بعده وجود، فهو باقٍ عزَّ وجلَّ ويتصف بصفة البقاء وكل ما عداه قابل للفناء وكلما وقع في ذهنك وجوداً فاعلم أن وجوده مخلوق لله تعالى وأنه يفنى ويهلك ويبقى الله الذي ليس بعده شيء.
قال الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} [القصص: 88] {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 26- 27].
ب- صفة الحياة:
إن الله حي، وحياته ليست كحياتنا لأن حياتنا حادثة وقائمة بالروح ثم مآلنا إلى الموت. فحياته ليس كمثلها شيء.
وما مظاهر الحياة المشاهدة إلا أثر ضئيل لحياة الله القيوم، فالموت لا يكون على الخالق، لأن الموت يأتي عند انعدام أسباب الحياة ومجيء أسباب الموت، فإذا كانت أسباب الحياة من مخلوقات الله فحياة الله إذن قبل وجود هذه الأسباب، فحياة الله كاملة ليست مشروطة بوجود أسباب معينة.
قال الله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وقال تعالى: {وَعَنَتْ(1) الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111].
وقال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ} [الفرقان: 58].
ج- صفة العلم:
إن الله قد أثبت لنفسه صفة العلم فقال سبحانه وتعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255].
فالله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء، لم يسبق علمه جهل ولا يجري عليه نسيان ولا يخالف علمه الواقع، وعلمه محيط بما كان وما هو كائن الآن وما سيكون، فيستوي الماضي والحاضر والمستقبل في علم الله، وسأل فرعون موسى عليه السلام عن الأزمنة السابقة له، فقال الله تعالى في كتابه العزيز: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى (2) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي (3) وَلا يَنسَى} [طه: 51 - 52].
وما هذا الكون وما فيه من إحكام واتقان إلا برهان وشاهد على شمول علم الله تعالى وحكمته لجميع الموجودات دقيقها وجليلها وعظيمها وحقيرها وصغيرها وكبيرها، فمن يخلق المخلوقات كلها عليم بأسرارها وخفاياها.
قال الله تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].
قال الله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59].
وقال تعالى: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف: 89].
وقال تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ (4) عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ(5) فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس: 61]. _______________________
(1) خضعت.
(2) فما حال وشأن الأمم.
(3) لا يغيب عن علمه شيء.
(4) لا يغيب.
(5) وزن أصغر هباءة.
وقال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ(1) وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } [غافر: 19].
وقال تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ (2) الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (3) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ(4) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ (5) بِالنَّهَارِ } [الرعد: 8 - 10].
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (6) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ (7) فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا (8) وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (9) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ* يُولِجُ (10) اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الحديد: 4 - 6].
د- صفة الإرادة:
إن الله تعالى موصوف بصفة الإرادة فهو مريد وإن إرادته جلَّ وعلا شاملة، فلا يوجد في الكون شيء إلا ما أراده الله سبحانه تعالى قبل وجوده فما علم اللهُ وقوعَه فقد أراد وقوعه، وكل ما علم عدم وقوعه لم يرد وقوعه.
قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68].
وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107].
وقال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ*فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 82 - 83].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يعلم بعضَ بناته أن تقول: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" رواه أبو داود.
والإرادة على معنيين:
إرادة بمعنى المشيئة والتخصيص وهي المقصودة هنا. وإرادة بمعنى المحبة مثل قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ}[الأنفال: 67].
__________________
(1) العين التي تسرق النظر إلى الحرام.
(2) ما تسقطه.
(3) بقدر وحدّ لا يتعداه.
(4) المستعلي على كل شيء بقدرته.
(5) ذاهب في طريقه ظاهراً.
(6) استواءً يليق بكماله وجلاله.
(7) ما يدخل فيها.
(8) ما يصعد إليها.
(9) بعلمه المحيط بكل شيء.
(10) يُدخله.
هـ- قدرة الله تعالى:
إن الله سبحانه وتعالى اتصف بالقدرة وقدرته لا كقدرتنا لأن قدرته كاملة شاملة توجد الأشياء التي أراد الله أن يوجدها وقدرته غير مستمدة من شيء.
أما قدرتنا فهي ناقصة ومددها من الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج: 6].
وقال تعالى: {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 54].
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا(1) وَصِهْرًا(2) وَكَانَ رَبُّكَ قديراً} [الفرقان: 54].
و- صفة السمع وصفة البصر:
إن الله يسمع من غير جارحة وغير آلة للسمع ولا شرط من قرب وبعد ومسافة ولا يشغله سمع عن سمع فالله وصف نفسه بأنه سميع.
وصفة السمع: ما تنكشف به الموجودات وإن الله يبصر من غير جارحة ودون انعكاس موجات ضوئية من الشيء المرئي، ولا شرط من قرب أو بعد أو عدم وجود حائل، والله وصف نفسه بأنه بصير.
وصفة البصر: ما به تنكشف المبصرات، هو يرى ولا يخفى عليه شيء.
والسمع والبصر صفتان لله ليس كسمعنا وبصرنا فهو سبحانه وتعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.
قال الله تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ(3) عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(4) * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه:43-46].
وقال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1].
وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 9 - 14].
________________________
(1) ذوي نسب ذكوراً يُنسب إليهم.
(2) ذوات صهر إناثاً يصاهر بهن.
(3) يعجل علينا العقوبة.
(4) يزداد طغياناً وعتواً وجرأة.
ز- صفة الكلام:
إن الله سبحانه وتعالى متصف بصفة الكلام فقد ورد في القرآن الكريم أن الله كلمَّ موسى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164].
وأثبت لنفسه الكلام فقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6].
والقرآن الكريم من كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب، مقروء على الألسن منزل على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما عُلم أن الله سبحانه عليم بكل شيء بما كان وما هو كائن الآن وما سيكون في المستقبل إلى ما لا نهاية.
وما يدل على هذا العلم من كلمات لا نهاية لها كذلك.
قال الله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا(1) لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ(2) الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109].
وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ(3) مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ(4) كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27].
فصفة كلامه ليس ككلامنا، فكلامنا له كيفية ألفاظٍ تصنعها الشفتان واللسان وتضبطها الرئتان والحنجرة والأسنان فذاك شأن الإنسان أماَّ صفة كلامه فتنزه عن ذلك، فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:31 AM
8- الآيات والأحاديث المتشابهة:
معنى المحكم: وهو النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً محدداً لا اشتباه فيه.مثل قوله تعالى:
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1].
معنى المتشابه: هو النص الذي يحتمل أوجهاً عديدة فيكون له أكثر من معنى.
مثال الآيات المتشابهات: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5].
{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22].
{هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [البقرة: 210].
وغير ذلك مما يشابهها.
__________________
(1) المادة التي يكتب بها.
(2) فني وفرغ.
(3) يزيده.
(4) ما تركت وما نفيت.
قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ * رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7 - 8].
وفي الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل الله عزَّ وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له" رواه البخاري ومسلم.
الصعوبة في معرفة الحقيقة الكاملة من الألفاظ المتشابهة:
قال الله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ} فاللفظ المتشابه لا ينطبق تمام الانطباق على الحقيقة التي يرمز إليها إنما يشابهها في وجه من الوجوه.
ومن أراد أو حاول معرفة هذه الحقيقة الكاملة من الألفاظ المتشابهة فلن يصل إلى نتيجة مرضية بل سيقع في زيغ.
ولنضرب مثالاً لتوضيح الفكرة في الأذهان:
لنفرض أن شخصاً في هذا العصر أراد توعية قوم عاشوا قبل ألف سنة، فقال لهم: قد أصبح الحديد يتكلم، ولم يشأ أن يخبرهم بكيفية كلام الحديد الذي يعتمد على الدوائر الكهربائية والموجات أو الملفات المغناطيسية والذبذبات الصوتية لأنهم لن يفهموا بدقة هذه الأمور.
ولكن بعد أن تركهم أرادوا أن يعرفوا الحقيقة في كلام الحديد من اللفظ المتشابه (الحديد يتكلم).
فقال أحدهم: لقد قال لنا: الحديد يتكلم، وهل يتكلم الحديد بغير لسان؟ إذاً لابد أن الحديد لساناً!.
وقال آخر: وهل يكون للحديد لسان دون أن يكون له فم؟ إذاً لابد له من فم!.
وقال آخر: وبما أن الحديد له فم، إذاً لابد له أن يتغذى ويأكل!.
وقال آخر: وبما أن الحديد يتغذى ويأكل، إذاً لابد أن له معدة وأمعاءً، ولابد أنه يبحث عن طعامه!.
فانظر يا أخي إلى أي ضلال ذهب الذين لم يعرفوا حقيقة الألفاظ المتشابهة وأرادوا معرفة الحقيقة منها.
الموقف من الآيات والأحاديث المتشابهة:
أهل الإيمان يؤمنون بأنها حق من عند الله {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ}.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وقد سئل عن الأحاديث المتشابهة: "نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى ولا نَرُدُّ منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حق إذا كان بأسانيد صحاح ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف الله تبارك وتعالى بأكثر مما به وصف به نفسه بلا حدّ ولا غاية. {ليسَ كمِثْلِهِ شيءٌ}. ذكره الخلال في كتاب السنة.
وجاء رجل إلى الإمام مالك رحمه الله تعالى، فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه ثم علاه الرخصاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، فأمر به أن يخرج. رواه البيهقي بإسناد جيد.
وعن محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة رحمهما الله قال: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرَّب عزّ وجلّ من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه". رواه أبو القاسم الألكائي في كتاب السنة.
وسئل الإمام الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا: أمِرُّوها كما جاءت بلا كيفية. رواه البيهقي.
وقال سفيان بن عينية: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكوت عليه. رواه البيهقي وهو صحيح الإسناد.
وقال الإمام البيهقي: وفي الجملةيجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء
اعتدال عن اعوجاج، ولا استقرار في مكان، ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف، بلا أين، بائن من جميع خلقه، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة وأن نزوله ليس بنقلة، وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها، ونفينا عنه التكييف، فقد قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].
وقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4].
وقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].
قالت رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". رواه البخاري ومسلم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:35 AM
الإيمان بالملائكة عليهم السلام
1- وجوب الإيمان بالملائكة عليهم السلام:
إن الإيمان بالملائكة من الواجبات الإعتقادية، قال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].
فالمؤمن عليه أن يعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله خلق عالماً سماه الملائكة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور المتضمن أسئلة جبريل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم ما الإسلام والإيمان والإحسان: قال - أي جبريل عليه السلام - فأخبرني عن الإيمان، قال - أي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال - أي جبريل عليه السلام -: صدقت.
ومن أنكر وجود الملائكة، كان إنكاره كفراً وضلالاً لأنه أنكر ما هو ثابت ثبوتاً صريحاً في القرآن الكريم والسنة الشريفة قال الله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا} [النساء: 136].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:37 AM
2- حقيقة الملائكة:
الملائكة عليهم السلام عالم خلقه الله من نور، لهم قدرة على التمثل بأمثال الأشياء بإذن الله تعالى، لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانُّ من مارج(1) من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم(2) " رواه مسلم.
فالملائكة نوع من خلق الله تعالى مغاير لنوع الإنس والجن فالإنس والجن يتناسلون ويتناكحون ويوصفون بذكورة وأنوثة بخلاف الملائكة عليهم السلام لا يتناسلون ولا يتناكحون ولا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة.
قال الله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19].
______________________
(1) لهب صاف لا دخان فيه.
(2) أي كما وصفه الله تعالى في كتابه العزيز في مواضع متعددة : بأنه من تراب وماء أي طين قال تعالى: {وبدأ خلق الإنسان من طين} [السجدة : 7] بأنه من طين لازب أي يلتزق بعضه ببعض أي : طين مستقر على حالة من الاعتدال ليصلح لقبول التصوير قال تعالى: {إنا خلقناهم من طين لازب} [صافات: 11] وبأنه من صلصال أي طين يابس كالفخار من حمأ مسنون، أي طين أسود مصوَّر صورة إنسان أجوف، قال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون}[الحجر: 26] وبأنه قد نفخ فيه الروح قال الله تعالى: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقوا له ساجدين} [الحجر: 29].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:39 AM
3- حكمة وجود الملائكة عليهم السلام والإيمان بهم:
إن في وجود الملائكة والإيمان بهم حكماً متعددة منها:
أولاً: أن يعلم الإنسان سعة علم الله تعالى وعظم قدرته وبديع حكمته، وذلك أنه سبحانه خلق ملائكة كراماً لا يحصيهم الإنسان كثرة ولا يبلغهم قوة وأعطاهم قوة التشكل بأشكال مختلفة حسبما تقتضيه مناسبات الحال.
ثانياً: الإيمان بالملائكة عليهم السلام هو ابتلاء للإنسان بالإيمان بمخلوقات غيبية عنه، وفي ذلك تسليم مطلق لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: أن يعلم الإنسان أن الله تعالى خلق ملائكة أنقياء أقوياء لكلٍ منهم له وظيفة بأمر من الله تعالى إظهاراً لسلطان ربوبيته وعظمة ملكه، وأنه الملك المليك الذي تصدر عنه الأوامر، من الوظائف التي أمروا بها: نفخ الروح في الأجنة ومراقبة أعمال البشر، والمحافظة عليها وقبض الأرواح وغير ذلك... .
رابعاً: أن يعلم الإنسان ما يجب عليه تجاه مواقف الملائكة معه وعلاقة وظائفهم المتعلقة به، فيرعاها حق رعايتها ويعمل بمقتضاها وموجبها.
مثال ذلك: أن الإنسان إذا علم أن عليه ملكاً رقيباً يراقبه وعتيداً حاضراً لا يتركه، متلقياً عنه ما يصدر منه، فعليه أن يحسن الإلقاء والإملاء لهذا الملك المتلقي عنه والمستملي عنه الذي يدون على الإنسان كتابه ويجمعه ثم يبسطه له يوم القيامة وينشره ليقرأه قال الله تعالى: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14].
خامساً: وقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يجعل ملائكة كراماً وسطاء سفرة بينه وبين أنبيائه ورسله عليهم السلام قال الله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِي} [النحل: 2].
وفي ذلك تنبيه إلى عظم النبوة والرسالة، ورفعة منزلة الشرائع الإلهية وشرف العلوم الربانية الموحاة إلى الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وإن شرائع الله تعالى مجيدة كريمة، لأن الذي شرعها هو العليم الحكيم الذي أحكم للناس أحكامها ووضع لهم نظامها على وجه يضمن مصالح العباد وسعادتهم وعزتهم الإنسانية وكرامتهم الآدمية.
فالجدير بالشرائع الإلهية وحكمة أحكامها وبديع انتظامها أن تتنزل بها أشراف الملائكة وساداتها على أشراف الخليقة الإنسانية وساداتها ألا وهم الأنبياء عليهم السلام.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:40 AM
4- عصمة الملائكة عليهم السلام من المعصية:
-إن الملائكة عليهم السلام معصومون عن المعصية والذنوب، فقد عصمهم الله وحفظهم من ذلك.
- فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويأتمرون بأوامر الله تعالى، وكل من كانت صفاته كذلك فلا يقع في معصية أو ذنب قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
-وهم لا يتقدمون بقول إلا بعد أن يأذن الله تعالى لهم في ذلك ولا يتحركون لعمل إلا بأمره. قال الله تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26-27].
-وهم في مقام الخشية والخوف من الله، ودأبهم فعل ما يؤمرون به من ربهم قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 49 - 50].
فمن كان مقامه الخوف من الله وعدم المخالفة لأوامره فهل يقع منه معصية؟
-وهم يسبحون الله ليلاً ونهاراً، ولا يتعبون ولا يملون من عبادة ربهم. قال الله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ(1) عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (2)} [الأنبياء: 19 - 20].
ومن كان هذا دأبه، فأنى تتأتى منه المعصية؟
-وهم المطيعون الصادقون، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز: {كرام بررة(3) } فمن كان باراً مطيعاً فهل يخالف؟
-فمن ذلك الآيات يتبين أن الملائكة عليهم السلام محفوظون بحفظ الله عن المعصية والذنوب.
ويجب تنزيه مقامهم الرفيع عن كل ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم.
تنبيه: ليس في قصة هاروت وماروت في القرآن الكريم ما يخلُّ في عصمة الملائكة عليهم السلام.
_________________
(1) لا يكلون ولا يعيون.
(2) لا يسكنون عن التسبيح والعبادة.
(3)وهم المطيعون لربهم.
قال الله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102].
والقصة: أن اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا كتب السحرة والشعوذة التي كانت تُقْرَأ في زمن ملك سليمان عليه السلام. وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرؤونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمان سليمان عليه السلام، حتى قالوا إن الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون هذا علم سليمان عليه السلام، وما تمَّ لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه سخر الجن والإنس والطير والريح، فأنزل الله هذين الملكين هاروت وماروت لتعليم الناس السحر ابتلاءً من الله وللتمييز بين السحر والمعجزة وظهور الفرق بين كلام الأنبياء عليهم السلام وبين كلام السحرة.
وما يُعلِّم هاروت وماروت من أحدٍ حتى ينصحاه، ويقولا له إنما نحن ابتلاء من الله، فمن تعلم منا السحر واعتقده وعمل به كفر، ومن تعلَّم وتوقَّى عمله ثبت على الإيمان.
فيتعلم الناس من هاروت وماروت علم السحر الذي يكون سبباً في التفريق بين الزوجين، بأن يخلق الله تعالى عند ذلك النفرة والخلاف بين الزوجين، ولكن لا يستطيعون أن يضروا بالسحر أحداً إلا بإذن الله تعالى، لأن السحر من الأسباب التي لا تؤثر بنفسها بل بأمره تعالى ومشيئته وخلقه.
فيتعلم الناس الذي يضرهم ولا ينفعهم في الآخرة لأنهم سخروا هذا العلم لمضرة الأشخاص.
ولقد علم اليهود أن من استبدل الذي تتلوه الشياطين من كتاب الله ليس له نصيب من الجنة في الآخرة، فبئس هذا العمل الذي فعلوه.
والخلاصة: أن الله تعالى إنما أنزلهما ليحصل بسبب إرشادهما الفرق بين الحق الذي جاء به سليمان وأتم له الله به ملكه، وبين الباطل الذي جاءت الكهنة به من السحر، ليفرق بين المعجزة والسحر.
وإن ورد غير ذلك في شأن هذه القصة فلا يبعد أن يكون من الروايات الإسرائيلية.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:43 AM
5- مرتبة الملائكة عند الله عزَّ وجلَّ:
قال الله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18].
هذه الشهادة هي أعظم الشهادات وأقومها وأعلاها، إنها شهادة الله بأنه لا إله إلا هو عز وجل.
ففي هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قرن شهادة الملائكة وأولي العلم بشهادته سبحانه وتعالى التي سجلها في جميع كتبه.
وفي ذلك وجوه من العز والشرف والكرامة وعلو المكانة والمرتبة للملائكة الكرام والعلماء المخلصين الذين قرنهم الله تعالى بملائكته:
أولاً: إن الله تعالى استشهد بشهادة نفسه سبحانه وهو أجلُّ شاهد، وكفى بالله شهيداً، ثم بخيار خلقه وهم الملائكة وأولوا العلم، وحسبهم بذلك رتبة عالية وفضلاً عظيماً، وشرفاً كريماً على غيرهم من المخلوقات.
ثانياً: إنه تعالى لا يستشهد من خلقه إلا الشهود العدول المطيعين، فهذه الآية تدل على عدالتهم وثقتهم وأمانتهم وصونهم وتزكيتهم وتنقيتهم.
ثالثاً: إنه تعالى جعل شهادة الملائكة وأولي العلم حجة على المنكرين، فالملائكة وأولوا العلم عند الله بمنزلة براهينه الدالة على توحيده سبحانه.
وقال تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ(1) عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ(1) * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ(2)} [الأنبياء: 19، 20].
وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء : 26-27- 28].
وقد وصفهم الله في هذه الآيات بأنهم مقربون يداومون على عبادة الله كما أمرهم تعالى ولا ينثنون ولا يكلون ولا يتعبون بل دأبهم الطاعة والاستمرار عليها، وحالهم التسبيح في الليل والنهار فلا يتوقف نشاطهم عن التسبيح والتمجيد لله تعالى.
ووصفهم بأنهم عباد لهم شأن كريم ومقام عظيم ونعتهم بكمال الطاعة، والانقياد لأمره تعالى،وأنهم بأمره يعملون لا من تلقاء أنفسهم، فهم على مراقبة دائمة في جميع تقلباتهم وحركاتهم وسكناتهم، لأنهم يوقنون أن علمه سبحانه محيط بهم، وهم لا يشفعون إلا لمن أرتضى الله تعالى أن يشفعوا له، وأنزلهم مقام الخوف والخشية منه وكفى هذا المقام رتبة.
وقال الله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ(3) * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ(4)} [الأنبياء: 19-20].
_________________________
(1) لا يملون عن العبادة التي أمروا بها.
(2) لا يسكتون عن التسبيح.
(3) لا يكلون ولا يعيون.
(4)لا يسكتون عن التسبيح.
وقال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (1)} [فصلت: 37- 38].
6- فالملائكة عليه السلام لا يصيبهم تعب من عبادة الله تعالى ولا فتور ولا كلل من تسبيحه سبحانه وتمجيده، بل حياتهم ودأبهم هي طاعة الله تعالى وعبادته وتسبيحه وتحميده.
وقال تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [شورى: 5].
- فهم يستغفرون لمن أذن الله أن يستغفروا له، فيجيب الله استغفارهم لمن في الأرض، لأنه هو الغفور الرحيم.
وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم مشهداً من مشاهد عبادتهم فقال: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أَطَّتْ (2) السماء وحُقَّ لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته لله تعالى ساجداً، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات (3) تجأرون(4) إلى الله تعالى" رواه الترمذي وأحمد.
وقال تعالى: { والصَّافَّاتِ صَفّاً} [الصافات: 1].
فقد أقسم الله تعالى بطوائف من الملائكة الصافات للصلاة والعبادة بين يدي رب العالمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم ؟" قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " يقيمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف" رواه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم.
قال الله تعالى في خوف الملائكة:
{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50].
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28].
______________________
(1) لا يملون التسبيح.
(2) ظهر لها صوت من كثرة الملائكة.
(3) مرتفعات الأرض كالتلال والجبال.
(4)تتضرعون إلى الله بالدعاء.
يصف الله ملائكته بأنهم يخافونه ويخشونه لأنه سبحانه مالك ذواتهم وبيده مقاليد أمورهم، وخوفهم، خوف إجلال وإعظام وإن كانوا آمنين من عذاب الله تعالى، وإن خوفهم من الله نشأ لعلمهم بالله عز وجل وبحقه.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].
إن العلماء يخشون الله لأنهم أعلم بالله من غيرهم، فأعلم الناس بالله تعالى هم أخشاهم لله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: "أمَا والله إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية" رواه البخاري.
ومع خوفهم وخشيتهم يعلمون أن أحداً لا يقدر الله حق قدره من الثناء عليه والحمد له وتسبيحه وتكبيره والعبادة له.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كفٍّ إلا وفيه ملك ساجد أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعاً: ما عبدناك حق عبادتك إلا أنّا لا نشرك بك شيئاً" رواه الطبراني وغيره.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:46 AM
7- تمثلات وتشكلات الملائكة عليهم السلام:
إن الملائكة عليهم السلام تتشكل بأشكال مختلفة -بإذن من الله- حسب المناسبات التي تقتضيها الحالات.
ومن تمثلات الملائكة حسب المناسبة:
- فقد جاء جبريل عليه السلام متمثلاً بصورة بشرٍ سوي الخلق كامل البنية مريم عليها السلام يبشرها بغلام زكي طاهر النفس وهو المسيح عيسى ابن مريم، قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ(1) مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا(2) فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا(3) فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا(4)} [مريم: 16 - 19].
وقد جاء إلى إبراهيم عليه السلام ملائكة في صورة شبان حسان ضيوفاً وبشروه بغلام
قال الله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ(5) * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ(6) * فَرَاغَ(7) إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ(8) مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ(9)}[الذاريات: 24 - 28].
___________________________
(1) انفردت واعتزلت.
(2) ستراً.
(3) جبريل.
(4) طاهر النفس.
(5) الملائكة.
(6) قوم لا يعرفهم.
(7) ذهب خفية.
وكان جبريل عليه السلام يأتي النبيَّ عليه الصلاة والسلام بصورة رجل أعرابي حسن المنظر غير معلوم لدى الناس.
عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: " بَيْنَما نَحْنُ جُلْوسٌ عِنْدَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَياضِ الثِّيَاِب شَديدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عليه أَثَرُ السَّفَرِ ولا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتى جَلَسَ إلى النَّبِّي صلى الله عليه وسلم، فأسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ ووَضَعَ كَفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ، وقال: يا محمَّدُ أَخْبرني عَن الإسلامِ، فقالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: الإسلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأَنَّ محمِّداً رسولُ الله، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتيَ الزَّكاةَ، وتَصُومَ رَمَضان، وتَحُجَّ الْبَيْتَ إن اسْتَطَعتَ إليه سَبيلاً. قالَ صَدَقْتَ. فَعَجِبْنا لهُ يَسْأَلُهُ ويُصَدِّقُهُ، قال : فَأَخْبرني عن الإِيمان. قال: أَن تُؤمِنَ باللهِ، وملائِكَتِهِ وكُتُبِهِ، ورسُلِهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالْقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ. قال صدقت. قال : فأخْبرني عَنِ الإحْسانِ. قال: أنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاك. قال: فأَخبرني عَنِ السَّاعةِ، قال:ما المَسْؤولُ عنها بأَعْلَمَ من السَّائِلِ . قال: فأخبرني عَنْ أَمَارَتِها (1)، قال: أن تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتَها، وأَنْ تَرَى الحُفاةَ العُراةَ العالَةَ رِعاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُون في الْبُنْيانِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبثْتُ مَلِيّاً، ثُمَّ قال: يا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللهُ ورسُولُهُ أَعلَمُ . قال: فإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ". رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياناً يأتيني مثل صلصة الجرس - وهو أشدُّه عليَّ - فيفِصمُ عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول". قالت عائشة رضي الله عنها ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصَّدُ عرقاً. رواه البخاري.
-وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بصور حسب المناسبة التي اقتضتها تلك الحالة، فجاء يوم نبي قريظة بصورة محارب عليه السلاح.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: قد وضعت السلاح؟ واللهِ ما وضعناه فاخرج إليهم. قال: فإلى أين. قال: هاها. وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي "صلى الله عليه وسلم إليهم قال أنس رضي الله عنه: كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً(2) في زقاق بني غنم(3) موكب جبريل عليه السلام حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة. رواه البخاري.
________________
1- علاماتها.
2-مرتفعاً
3- جماعة من الركاب يسيرون برفق.
وقد تمثل المَلك بصورة أبرص ثم بصورة أقرع ثم بصورة أعمى حيث أرسله الله تعالى ليبتلي الذي كان أبرص والذي كان أقرع والذي كان أعمى، فأكرمهم الله بحسن الحال والصحة والكمال فجاء الملَك يختبرهم: أيشكرون نعمة الله عليهم ويعرفونها ويؤدون حقها، أم يجحدون ويكفرون بنعمة الله تعالى.
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص، فقال له: أيُ شيء أحب إليك؟ فقال لون حسن وجلد حسن قد قذرني الناس. قال: فمسحه الملك: فذهب عنه فأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً. فقال له الملك: وأي المال أحب إليك؟ فقال: الإبل، فأعطاه ناقة عشراء، وقال: بارك الله فيها.
وأتى -أي الملَكُ- الأقرع، فقال: أيُّ شيء أحب إليك؟ فقال: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس. فمسحه -أي الملك- فذهب وأعطي شعراً حسناً، فقال الملك: فأيُّ المال أحب إليك؟ فقال: البقر، فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: بارك الله لك فيها.
وأتى -أي الملَك- الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله عليَّ بصري فأبصر به الناس، قال: فمسحه الملك، فردّ الله إليه بصره، قال: فأيَّ المال أحبُّ إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاةً والداً.
فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا وادٍ من إبل ولهذا وادٍ من بقره، ولهذا وادٍ من غنم.
ثم إنه -أي الملَك- أتى الأبرص في صورته -أي في صورة الأبرص حين كان أبرص- وهيئته، فقال -الملك- له: رجل مسكين انقطعت به الحبال(1) فلا بلاغ له اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، أسألك بعيراً أتبلغ به في سفري، فقال له الأبرص: إن الحقوق كثيرة، فقال له -الملك- كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله تعالى؟ فقال الأبرص: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر(2) فقال له الملك: إن كنت كاذباً صيرك الله إلى ما كنت(3).
وأتى الأقرعَ في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال للأبرص فردَّ عليه الأقرع مثل ما ردَّ على الأبرص، فقال له الملك: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت(4)
________________________________
1- أي أسباب الرزق في السفر.
2- كبيراً عن كبير في العزّ والشرف (أبّا عن جد).
3- أرجعك إلله إلى الحالة التي كنت عليها وهي البرص.
4- أرجعك الله إلى الحالة التي كنت عليها وهي القرع
وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال له: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردَّ عليك بصرك شاةً أتبلغ بها في سفري، فقال له الأعمى: قد كنت أعمى فردَّ الله علي بصري وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت فوالله لا أجهدك بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك".
- وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بصورة دِحْيَة الكلبي إذ كان جميل الصورة وحسن الهيئة.
- أحكام خاصة في تمثلات الملائكة عليهم السلام:
تمثلات الملك لها أحكامها الخاصة.
فلا يلزم من تمثل الملك بصورة بشر أن تناله الأحكام البشرية كلها بل تعتريه بعض العوارض المناسبة له:
مثال ذلك:
1- إصابة الملك بغبار فيمسحه، فقد ورد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار. رواه البخاري.
2- إصابة الجسم بآفة إذا أصيب بضربة كاللطمة على العين فتفقأها، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال له: أجب ربك، قال فلطم(1) موسى عين ملك الموت ففقأها، قال فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني، قال فردَّ الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي - أي إلى موسى - فقل: الحياةَ تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور(2) فما توارت(3) يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة. فقال - أي موسى عليه السلام -: ثم ته(4) ؟ قال - أي ملك الموت -: ثم تموت. قال -موسى عليه السلام-: فالآن من قريب، ربِّ أمتني من الأرض المقدسة رميةً بحجر" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر(5)" متفق عليه واللفظ لمسلم.
________________________________.
(2) ضرب.
(3) ظهر.
(4) غطت.
(5) أي ماذا يكون بعد ذلك.
(6) المجتمع من التراب.
أمَّا العوارض التي لا تعتريهم ولا تنالهم فهي:
- الأكل والشرب لما ورد في الآيات الكريمة لمّا جاءت الملائكة عليهم السلام إلى خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ضيوفاً وقدم لهم طعاماً -وهو عجل سمين- لم يتناولوا منه شيئاً.
والنوم : لأن الملائكة عليهم السلام لا يسكنون عن عبادة الله أبداً ولا يتعبون.
{فقربه(1) إليهم(2) قال ألا تأكلون * فأوجس(3) منهم خيفة}.
{وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ(4) * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ(5)} [الأنبياء: 19 - 20].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:47 AM
8- أعداد الملائكة عليهم السلام:
إن عدد الملائكة لا يعلمه إلا الله عزَّ وجلَّ، فهم لا يحصون في علم المخلوقات لكثرتهم الكاثرة قال الله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ} [المدثر: 31].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أطت(6) السماء، وحُقَّ لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع".
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:48 AM
9- رؤساء الملائكة عليهم السلام:
منهم جبريل،(7) وميكائيل(8) وإسرافيل(9) ولكل منهم أعمال ووظائف يقوم بها بأمر من الله تعالى.
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سألت عائشة رضي الله عنها: بأيّ شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة إذا قام الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخُتلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". رواه مسلم.
وفي ذكر أسماء الثلاثة (جبريل وميكائيل وإسرافيل) ما يدل على أفضلية هؤلاء، الملائكة الثلاثة وكرامتهم عند الله عزَّ وجلَّ.
_____________________
(1) الطعام الجاهز للأكل وهو العجل السمين.
(2) إلى الضيوف وهم الملائكة.
(3) فأحس.
(4) لا يملون من العبادة.
(5) لا يسكتون عن التسبيح.
(6) ظهر لها صوت من كثرة الملائكة.
(7) معناه عبد الله.
(8) معناه عبيد الله.
(9) معناه عبد الرحمن.
وقد خصص الله تعالى جبريل وميكائيل بالذكر في القرآن الكريم وهذا تنويه على أنهما من أكابر الملائكة قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:50 AM
10- خلقة الملائكة الأصلية:
قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فاطر: 1].
هذه الآية تبين مظاهر قدرة الله تعالى وآثار قوته المشهودة في خلق السماوات والأرض وفي خلق الملائكة العظام فجعلهم رسلاً في تنفيذ أوامره التكوينية وفي تبليغ وحيه وأحكامه التشريعية، وزاد في خلقهم جمالاً وبهاءً وقوة فجعلهم أصحاب أجنحة، فمنهم ذو جناحين ومنهم ذو ثلاثة أجنحة ومنهم ذو أربعة أجنحة ومنهم ذو أجنحة أكثر من ذلك، لأنه سبحانه وتعالى يزيد في الخلق ما يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة لأنه على كل شيء قدير.
وفي هذه الآية إيماء إلى زيادة الحسن والجمال في خلق الملائكة عليهم السلام وزيادتهم في القوة وأنهم في ذلك على مراتب متعددة.
تنبيهان مهمان:
تنبيه الأول: ما يصوره بعض الناس في الكتب أو اللوحات أو الصور المنفردة من صور الملائكة على شكل فتيات ولهن أجنحة ويحملن بأيديهن آلات الموسيقى، فهذا لا يجوز مطلقاً، ومن اعتقد ذلك أدَّاه إلى الكفر، وكذلك لا يجوز تعليق هذه الصور في البيوت أو السيارات أو أي مكان بل يجب تنحيتها ومحو الصورة أو إتلافها.
التنبيه الثاني: أن أجنحة الملائكة المذكورة في الآية، هي أجنحة لا نستطيع أن نتصور كيفيتها على حقيقتها لأننا لم نرَ الملائكة أصلاً كما هي. فلا يجوز تشبيه أجنحتهم بأجنحة الحيوان الطائر كالنسر وغيره، فهذا تشابه في الأسماء لا في حقيقة الخلقة. وحسبنا أن نعتقد أن الملائكة ذووا أجنحة كما ذكر القرآن الكريم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:52 AM
11- أصناف الملائكة ووظائفهم:
أ- جبريل عليه السلام:
صفاته: قال الله تعالى في بيان صفات جبريل عليه السلام: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 19- 21].
فمدحه الله بسبع صفات:
1- فهو رسول: فهذا اصطفاء من الله له بهذه المهمة من بين الملائكة.
2- وهو كريم: وفي ذلك تشريف عظيم له في تزكيته عليه السلام.
3- وهو ذو قوة: فهو بقوته يمنع الشياطين من أن تدنو من القرآن الكريم أو تنال منه شيئاً أو يزيدوا فيه أو ينقصوا منه.
4- وهو عند ذي العرش: فله شرف العندية العظمى والرتبة الزلفى.
5- وهو مكين: ذو مكانة عالية ورتبة سامية.
6- وهو مطاع: فهو مطاع في الملأ الأعلى فيما بين الملائكة المقربين عليهم السلام وهذا يدل على رياسته.
7- وهو أمين: فهو أمين وحي الله تعالى، وموصله بأمانة وصدق إلى أنبيائه ورسله عليهم السلام من غير تغيير ولا تحريف.
وقال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ} [الشعراء: 192-193-194].
وقال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102].
قد وصفه الله بأنه روح لأن الروح سبب في الحياة، فهو الروح الأمين لأنه أمين على الوحي الذي فيه الحياة، وهو الروح القدس وصف بذلك لأن روحه تمثل الطهرَ، فهو ينزل بالتقديس من الله تعالى لأنه يطهِّر النفوس ويُقدس العقول والقلوب.
- خلقة جبريل الأصلية:
إن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته الحقيقية وله ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب وقد رآه على هذه الصورة مرتين:
فالمرة الأولى كانت في بطحاء مكة رآه منهبطاً من السماء إلى الأرض.
والمرة الثانية كانت عند سِدْرة المنتهى ليلة المعراج.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح. رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها: "رأى جبريل في صورته التي خلق عليها مرتين، فرآه منهبطاً من السماء إلى الأرض سادّاً عِظَمُ خلقه ما بين السماء والأرض". متفق عليه.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: "فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري قبل السماء
فإذا الملك الذي جاءني بحراء (1)، قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فخشيت منه حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(2) * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3) * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(4)} [المدثر:1- 5].
وقال الله تعالى: {ولقد رآه نزلةً أخرى*عند سدرة المنتهى(5)} [النجم: 13- 14].
والمعنى: أن الرسول عليه الصلاة والسلام رأى جبريل عليه السلام مرة أخرى عند المكان الذي تنتهي إليه علوم الخلائق.
تمثلات جبريل عليه السلام:
كان جبريل عليه السلام يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتراءى له في صفات متعددة منها: في صورة دحية بن خليفة الكلبي إذ كان جميل الصورة بهيَّ المنظر، وتارة يأتيه في صورة أعرابي لا يعرفه أحدٌ من الناس.
وظائف جبريل عليه السلام:
إن لجبريل عليه السلام وظائف هامة عظيمة يقوم بها من ذلك:
1- تنزيل الشرائع الربانية:
قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192-195].
2- تأييد الله تعالى رسله عليهم السلام بجبريل عليه السلام:
قال الله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا(6) عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4].
___________________________
(1) مكان كان يتعبد لله فيه، وهناك نزل عليه الوحي لأول مرة.
(2) المتغشي بثيابه.
(3) أخصص ربك بالتكبير والتعظيم.
(4) اهجر المآثم الموجبة للعذاب.
(5) التي تنتهي إليها علوم الخلائق.
(6) تتعاونا.
فإن الله يخاطب زوجتي رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وحفصة رضي الله عنهما ويحثهما على التوبة لأنهما تعاونتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يسوءه من إفراط الغيرة وإفشاء سِرِّه، فان تعاونهما لن يضرَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله ناصره ومتولي أمره كله وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة كلهم أعوانُ مظاهرون ومؤيدون لهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 253].
فقد أيد اللهُ المسيحَ عيسى ابن مريم عليه السلام بروح القدس وهو جبريل عليه السلام منذ صباه إلى حال كبره، وبهذا التأييد حفظه الله من أعدائه اليهود.
3- تأييد الله تعالى أنصار رسل الله ومؤيديهم بجبريل عليه السلام:
فقد ثبت أن حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يهجو المشركين وينافح ويدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره وكان جبريل عليه السلام يؤيده.
عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال لحسان بن ثابت: "اهجهم - أي المشركين - وجبريل معك". متفق عليه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس مع حسان مادام ينافح(1) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود.
4- وهو أحد وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض فوزيراي من أهل السماء جبريل وميكال، ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر". رواه الترمذي بإسناد صحيح.
5- تحبيب الله تعالى جبريل عليه السلام بأحبابه الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتبغيضه سبحانه لجبريل عليه السلام في أعدائه الذين يبغضهم الله رب العالمين :
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا} [مريم: 96].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أحبَّ الله عبداً نادى جبريل: إني قد أحببت فلاناً فأحبَّه، فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا} [مريم: 96]. وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل إني قد أبغضت فلاناً فينادي في أهل السماء، ثم تنزل له البغضاء في الأرض". متفق عليه.
____________________________
(1) يدافع.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:53 AM
ب- ميكائيل عليه السلام:
ميكائيل عليه السلام هو أحد أكابر الملائكة عليه السلام.
ولمكائيل وظائف متعددة منها:
1- موكل بأرزاق العباد:
ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جملة من حديث طويل: "قلت: يا جبريل على أيّ شيء أنت؟ قال: على الرياح والجنود. قلت: على أي شيء ميكائيل؟ فقال: على النبات والقطر(1)". رواه الطبراني والبيهقي وغيرهما.
2- وهو أحد وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض فوزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل، ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر". رواه الترمذي بإسناد حسن والحاكم صححه.
ومن أجل هذا المنصب الوزاري نزل جبريل وميكائيل عليهما السلام يوم أحد يقاتلان إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثبت عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنَّه قال: (رأيت على يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى شماله يوم أحد رجلين، عليهما ثياب بيض يقاتلان كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد) متفق عليه. هما جبريل وميكائيل عليهما السلام.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:54 AM
جـ- إسرافيل عليه السلام:
وهو من جملة أكابر الملائكة عليهم السلام، فهو صاحب الصور(2) الذي ينفخ فيه بأمر الله النفخة الأولى فيهلك من في السماوات إلا من شاء الله أن يستثنيهم من الموت بهذه النفخة، ثم ينفخ فيه النفخة الثانية للبعث إلى الحياة بعد الموت.
قال الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر: 68].
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إسرافيل صاحب الصور، وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وهو بينهما" رواه الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، وابن مردوية وأبو الشيخ في العظمة كما في الدر المنثور وغيره.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنعم، وقد التقم صاحب القَرْنِ(3) القرنَ، وحنا جبهته ينتظر أن يؤمر فينفخ ؟!".
_________________
(1) وقد أورد هذا الحديث السيوطي صاحب الدر المنثور، وقال : سنده حسن. أي لغيره لاعتضاده بشواهد متعددة.
(2) هو مجمع الأرواح بعد مفارقة الأجساد.
(3) صاحب الصور.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:55 AM
د- حملة العرش:
قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِي السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر: 7- 8-9].
وقال تعالى: {وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 16-17].
-عظمة حملة العرش:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أُذِن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه(1) مسيرة سبعمائة عام". رواه أبو داود.
-وظائفهم: يخبر الله تعالى في الآيات المتقدمة عن حملة عرشه ومن حوله أنهم ملازمون لتسبيحه وتحميده سبحانه دائبون على عبادته والاستغفار للمؤمنين.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:57 AM
هـ- الملأ الأعلى أو الرفيق الأعلى أو النديُّ الأعلى:
هم أشراف الملائكة ومقربوهم.
قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَؤٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [ص: 67-70].
والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم قبل أن ينبأه الله تعالى وينزل عليه القرآن ما كان عنده علم باختصام الملأ الأعلى وما يجري بينهم من التقاول في قضية اعتبارات أعمال بني آدم: من الكفارات والدرجات وتنزيلها في منازلها وإعطائها واستحقاقاتها، فهو صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده علم بجميع ذلك قبل أن ينبأ وينزل القرآن عليه لأنه كان أمياً صلى الله عليه وسلم، فلم يقرأ الكتب الماضية ولم يسمعها من أهلها، فمن أين جاء بهذه العلوم الوافرة الكثيرة التي من جملتها العلم باختصام الملأ الأعلى، إذاً حقاً إنه رسول الله صلى عليه وسلم أوحى الله تعالى إليه وعلمه ذلك كله.
والمقصود في هذه الآيات: إقامة الحجة القاطعة على حقية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه جاء يخبر بأمور لم يكن قبل ذلك يعلمها حتى أنزل الله تعالى الوحي فأعلمه بذلك.
وقد سأل الله سبحانه وتعالى بعد أن أفاض على رسوله صلى الله عليه وسلم من العلوم: فقال جلَّ شأنه يا محمد فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات والدرجات. قال: وما الكفارات ؟
__________________
1. كتفه.
قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام والصلاة والناس نيام" رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح.
ويسمى الملأ الأعلى بالرفيق الأعلى، عن عائشة رضي الله عنهما قالت كان النبي صلى يقول وهو صحيح(1): "لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير" فلما نزل به، ورأيته على فخذَي غشي عليه صلى الله عليه وسلم ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف ثم قال: "اللهم الرفيق الأعلى". رواه البخاري.
ويسمى الملأ الأعلى بالندي الأعلى وذلك باعتبار اجتماعهم في مجتمع عالي الرتبة.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل قال: "بسم الله، وضعت جنبي لله، اللهم اغفر لي ذنبي وأخسأ شيطاني(2)، وفُكَّ رِهاني(3)، واجعلني في الندي الأعلى". رواه أبو داود.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:58 AM
و- الملائكة المقربون:
قال الله تعالى: {لَنْ يَسْتَنكِفَ(4) الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172].
الملائكة المقربون: هم سادة الملائكة منهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:10 PM
ز- خزنة الحنة:
قال الله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا(5) حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73].
فخزنة الجنة وُكِّلوا على أبواب الجنة يستقبلون المؤمنين حين دخولهم ويرحبون بقدومهم ويكرمونهم بالتحيات والاحترامات.
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: مَن؟ فأقول: محمد. فيقول: - أي الخازن - بك أمرت(6) أن لا أفتح لأحد قبلك. رواه مسلم.
____________________
(1) قبل أن يمرض مرض الوفاة صلى الله عليه وسلم.
(2) اطرد شيطاني.
(3) خلصني مما جنيته من الأعمال التي لا ترتضيها.
(4) لن يسكتبر ويترفَّع.
(5) جماعات متفرقة متتابعة.
(6) أمرني الله.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:16 PM
هـ- خزنة النار:
قال الله تعالى: { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا(1) حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ(2) كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 71-72].
يخبر الله سبحانه وتعالى عن حال الكافرين أنهم يساقون إلى جهنم جماعات متفرقة متتابعة، وحين وصولهم إلى نار جهنم يفاجؤون بفتح أبوابها ومنظرها الفظيع فيبغتون وتكون الحجة عليهم بأن رسل الله قد أرسلت إليكم وأنذرتكم من عذاب الله فلم تستجيبوا، فعقاب مَن كفر وأعرض عن ذلك أن يدخل أبواب جهنم مهاناً وله عذاب السعير.
وفي ذلك قال تعالى: { وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا(3) وَهِيَ تَفُورُ(4) * تَكَادُ تَمَيَّزُ(5) مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ(6) سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ(7)} [الملك: 6-11].
- صفات خزنة النار: هم غلاظ الأقوال شداد الأفعال كما أنهم غلاظ الخُلُق شداد الخَلق.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
- ويقال لخزنة النار : "الزبانية" سميت ملائكة العذاب بذلك لدفعهم الشديد لأهل النار.
قال الله تعالى: {فَلْيَدْعُ8) نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ(9)}[العلق: 17-18].
نزلت هذه الآيات في أبي جهل حين توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمَّ بإيذائه.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام فمرَّ به أبو جهل، فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا ؟ وتوعده فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________________________
(1) جماعات متفرقة متتابعة.
(2) وجبت وثبتت.
(3) صوتاً منكراً.
(4) تغلي غليان القدر بما فيها.
(5) تتقطع وتتفرق.
(6) جماعة من الكفار.
(7) فبعداً من الرحمة والكرامة.
(8) أهل مجلسه من قومه.
(9) ملائكة العذاب.
وانتهره، فقال أبو جهل: يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي نادياً! فأنزل الله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} [ العلق: 17-18]. قال ابن عباس لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. رواه الترمذي وصححه.
وقال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(1)* لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ(2)* عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 27-31].
فالله سبحانه يخبر عن خزنة النار أنهم ملائكة أقوياء أشداد لا يقاومون ولا يغالبون وأن عليها تسعة عشرمن الملائكة الموكلين على جهنم، وإليهم مرجع زبانيتها وسائر خزنتها.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها". رواه مسلم والترمذي.
واسم رئيس خزنة النار "مالك".
قال الله تعالى -حكاية لما يقولوه أهل النار وهم مقيمون في العذاب-: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف: 77].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديثه عن الإسراء واجتماعه بالأنبياء عليهم السلام: "فحانت الصلاة فأممتهم(3) فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلِّم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام". رواه مسلم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:17 PM
ط- الملائكة الموكلون بتصوير النطفة وتطويرها ونفخ الأرواح في الأجنة:
عن عامر بن واثلة قال سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظ بغيره، فأتى عامر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفه بن أسيد الغفاري فحدثه بقول ابن مسعود رضي الله عنه فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصوَّرها وخلق(4) سمعها وبصرها وجلدها وعظمها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! أجله؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ذلك شيئاً ولا ينقص" رواه مسلم.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
______________________
(1) جهنم.
(2) مُسوِّدة للجلود محرقة بها.
(3) صرت لهم إماماً.
(4) قدَّر.
الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثمَّ يكون علقة ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد. فوالله الذي لا إله إلا غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" رواه البخاري ومسلم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:18 PM
ي- الملائكة الموكلون بمراقبة أعمال المكلفين وكتابة أقوالهم وأفعالهم:
قال الله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80].
والمعنى: أن الله تعالى يسمع سرهم ويسمع ما يسرون فيما بينهم وأن ملائكة الله الموكلين بمراقبتهم هم معهم وعلى قرب منهم يكتبون كل قول يصدر منهم .
وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 16-18]. فهذه الآية الكريمة تثبت أن الله جعل لكل إنسان متلقيين من الملائكة يستقبلان ويتلقيان كل أقواله وأفعاله الحسنة والسيئة تلقي معرفة وحفظ وتسجيل، أمَّا أحدهما فعن اليمين وأما الآخر: فعن الشمال، وكل منهما قَعيد: ملازم لا يفارق الإنسان بحال من الأحوال لمراقبة أعماله وأقواله بمنتهى الدقة وكل منهما عتيد: أعده الله لهذه المهمة فهو حاضر للقيام بها كما أمره الله.
قال الله تعالى: {كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [ الانفطار: 9-12]. والمعنى أن الله قد وكل ملائكة حافظين بمراقبة أعمال الناس عندهم كمال القدرة على حفظ جميع الأقوال والأفعال فلا يغيرون ولا يبدلون شيئاً مما يقوله الناس أو يفعلونه فهم يحفظون جميع ما يصدر عن الناس ويسجلون ذلك بصدق وأمانة، وهم مدركون ما يفعله الناس من الأعمال، ويقصدون من الأفعال، فهم يعلمون الطاعات ويعلمون المعاصي ظواهر الأعمال كما يعلمون خفاياها ودقائقها ومقاصدها.
فإذا كان يوم القيامة أخرجوا تلك الكتب المسجلة ونشروها لصاحبها، ويقال له هذا الكتاب كنا في الدنيا نكتبه عليك وتستنسخ فيه ما كنت تعمل فاقرأ كتابك قال الله تعالى:
{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ(1) فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(2)} [الإسراء: 13-14]. وقال تعالى: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} [التكوير: 10].
_________________
(1) عمله المتقَّن عليه لا ينفك عنه.
(2) حاسباً وعاداً.
وقال تعالى: { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً(1) كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا(2) الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ(3) مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 27 -29].
- إطلاع الملائكة الكاتبين على قلب الإنسان.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى للملائكة: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي(4) فاكتبوها له حسنة، وإن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف". رواه البخاري.
فهذا يدل على أن الملائكة الكاتبين تطلع على ما في قلوب الناس - بإذن الله - من الهم والإرادات وما هنالك من أعمال القلوب.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:19 PM
ك- الملائكة الموكلون بحفظ الإنسان:
قال الله تعالى:
{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11].
يخبر الله بأنه وكل بابن آدم الملائكة يتعاقبون بالليل والنهار و يحفظونه من المضار والمهلكات بأمر من الله سبحانه وتعالى. لا يفارقونه بل يرافقونه من جميع الجهات من بين يديه ومن خلفه.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:20 PM
ل- الملائكة الموكلون بقبض الأرواح:
قال الله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (5)} [الأنعام: 61].
وقال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11].
يخبر الله سبحانه وتعالى أنه وكَّل ملائكة للتوفية ولقبض الأرواح، ورئيسهم ملك الموت.
فملائكة التوفية تنزع أرواح الكافرين بعنف وشدة قال الله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الأنفال: 50-51].
وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ(6) وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93].
______________________
(1) جالسة على ركبها.
(2) صحائف أعمالها.
(3) نأمر الملائكة بالنسخ.
(4) مخافة مني.
(5) لا يقصرون.
(6) سكرات الموت وشدائده.
وأما المؤمنون فملائكة التوفية تتلقاهم بالسلام والترحيب والبشارة بالجنة. قال الله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:22 PM
م- الملائكة الموكلون بأمور أخرى في هذا العالم:
ا- الملائكة الموكلون بعذاب القبر وسؤاله:
إن الله وكل ملكين بعذاب القبر وسؤاله.
واسم الملكين: الأول: منكر، والآخر نكير.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا وُضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا: أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل(1)؟ فأمَّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك في النار، قد أبدلك به مقعداً من الجنة فيراهما جميعاً. وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دَريْت(2) ولا تليت(3)، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين". رواه البخاري ومسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما - المنكر وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينوَّر له فيه، ثم يقال له: نم. فيقول: ارجع إلى أهلي فأخبرهم! فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون قولاً، فقلت مثله، لا أدري(4) فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي(5) عليه، فتلتئم عليه فتختلف(6) أضلاعه فلا يزال معذباً حتى يبعثه الله تعالى من مضجعه ذلك". رواه الترمذي وقال: حديث غريب وابن حبان في صحيحه.
_________________________
(1) أي في محمد صلى الله عليه وسلم.
(2) لاعلمت ما هو الحق والصواب.
(3) ولا اتبعت الناجين.
(4) أي أنه نبي أم لا.
(5) اجتمعي وانضمي.
(6) تتفرق.
2- الملائكة الموكلون بتدابير أمور الجبال:
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليكم يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيتُ منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ليل ابن عبد كُلالٍ(1)، فلم يجبني إلى ما أردتُ فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظَلتني، فنظرت فيها فإذا فيها جبريل فناداني، فقال إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم علي ثم قال: يا محمد ذلك فيما شئت - إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين(2) - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً" رواه البخاري ومسلم.
3- وظائف أخرى للملائكة:
- حضورهم صلاة الجمعة واستماعهم الذكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول ومثل المهجر(3) كمثل الذي يُهدي بدنه ثم كالذي يُهدي بقرة ثم كبشاً ثم دجاجة ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم يستمعون الذكر". رواه البخاري ومسلم.
- تأمين الملائكة لفاتحة الصلاة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه.
-تحميد الملائكة في الصلاة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة: غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه.
- حضور الملائكة الحفظة عند صلاتي الفجر والعصر:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل، وتثبت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتثبت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون، فاغفر لهم يوم الدين" رواه الشيخان وابن خزيمة واللفظ له.
_________________________
(1) شكا إليه أذى قومه في مكة وعرض عليه الإيمان رفض الدعوة فردَّه أقبح رد وقابله أهل الطائف عندئذ بأشد الإيذاء.
(2) الجبلين.
(3) المبكر.
- صلوات الملائكة على عباد الله المؤمنين:
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً(1} وَأَصِيلًا(2)* هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 41، 43].
فالصلاة من الله تشتمل على الرحمة الخاصة والصلاة من الملائكة: هي الدعاء والاستغفار.
ومعنى الآيات: هو الذي يترحم عليكم ويترأف والملائكة يستغفرون لكم ويدعون لكم حين يدعوكم الله إلى الخير ويأمركم بإكثار الذكر والتوفر على الصلاة والطاعة فمن ذكر الله ذكراً كثيراً وسبحه بكرة وأصيلاً فإن الله سبحانه يكرمه فيصلي عليه هو وملائكته.
- حفُّ الملائكة الذين يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه". رواه مسلم وأصحاب السنن.
- وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً به إلى الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر". رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي.
- تدعو الملائكة لمن ينفق بأن يخلف الله عليه:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً ". متفق عليه.
- من داوم على تذكر الجنة والنار دون انقطاع يؤدي إلى مصافحة الملائكة:
- عن حنظلة الأُسَيدي قال: لقيني أبو بكر رضي الله عنه، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟
__________________
(1) أول النهار.
(2) آخر النهار.
قال حنظلة: قلت نافق حنظلة، فقال - أبو بكر - سبحان الله ما تقول؟ قال - حنظلة -: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة، حتى كانا رأيُ عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا(1) الأزواج والأولاد والصنيعات(2) نسياً كثيراً.
قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك؟" قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والصنيعات تدومون نسينا كثيراً! فقال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي في الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة - ثلاث مرات". رواه مسلم.
تأمين المَلك على دعاء المؤمن لأخيه في ظهر الغيب:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكَّل به: آمين، ولك بمثله(3) ". رواه مسلم وغيره.
- تبشير الملائكة لمن زار أخاه حباً في الله تعالى بأن الله يحبه:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرسل الله على مدرجته(4) ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، فقال: هل لك عليه من نعمة تربُّها(5)، فقال: لا، غير أني أحبه في الله، قال - الملك -: فإني رسول الله إليك، إن الله قد أحبَّك كما أحببته فيه". رواه مسلم.
__________________
(1) خالطنا.
(2) المزارع والصناعات.
(3) بمثل ما دعوت لأخيك.
(4) طريقه.
(5) تقوم بها وتسعى في صلاحها.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:24 PM
الإيمان بالكتب المنزَّلة
1- معنى الكتاب المنزَّل:
- هو كلام من كلام الله تعالى، فيه هدى ونور يوحي الله به إلى رسول من رسله بواسطة جبريل ليبلغه للناس.
ويطلق على ما يشمل الصحف والألواح وجميع أنواع الوحي اللفظي أو الكتابي التي ينزلها الله تعالى على رسله وبأية لغة من اللغات كانت، قصيراً أو طويلاً، مدون كان أو غير مدون، فيه صفة الإعجاز اللفظي للناس أو ليس فيه ذلك.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:37 PM
2- وجوب الإيمان بالكتب المنزَّلة:
- إن من أسس الإيمان: الإيمان بالكتب التي أوحى الله بها إلى رسله.
فالإيمان بالكتاب: هو التصديق الجازم بأن جميع الكتب التي أوحي بها منزلة من عند الله عزَّ وجلَّ.
- فالمؤمن يؤمن بكتب الله كلِّها إجمالاً فيما يجهل منها وتفصيلاً فيما يعلم منها -كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن- كما آمن برسل الله وأنبيائه جميعاً إجمالاً فيمن جهل منهم وتفصيلاً فيمن علم.
- والإيمان وحدة متماسكة لا تنفك عن بعضها أبداً، فيمن لم يؤمن بالكتب المنزَّلة فقد نقض إيمانه وخرج عن دائرة الإيمان.
قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا} [النساء: 136].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:37 PM
3- احتياج الناس إلى الكتب المنزَّلة:
- الناس بحاجة ماسَّة إلى كتب المنزلة، وذلك لأمور منها:
أولاً: ليكون الكتاب المنزَّل على الرسول هو المرجع لأمته، وفيه تبيينُ أوامر الله ونواهيه
وسبل السعادة والهداية.
ثانياً: ليكون الكتاب المنزَّل على الرسول هو الحكم العدل لأمته في كل ما يختلفون فيه،
مما تتناوله أحكام شريعة الله لهم.
قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}[البقرة: 213].
ثالثاً: ليصون الكتاب المنزَّل بعد وفاة الرسول عقائد الدين وشرائعه من التحريف والتغيير،
فإن غُيِّرَ فيه وحرف، فيكون حجة يوم القيامة على من حرف وغير في كتاب الله.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:40 PM
4- الكتب والصحف التي ذكرت في القرآن الكريم:
أ- صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام:
- المؤمن يؤمن إيماناً جازماً بأن الله أنزل صحفاً على إبراهيم وموسى عليهما السلام.
- وقد ذكر القرآن الصحف الأولى وذكر منها صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.
- وذكر القرآن بعض ما في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.
قال الله تعالى: { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى(1)* أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى(3) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(4) * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى(5) * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى(6) * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى(1)* وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى(2) * وَثَمُودَ(3) فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ(4) أَهْوَى(5)* فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} [النجم: 36- 45].
وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: 14-19].
فهذه الآيات مما جاء في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام فكل الصحف اليوم مفقودة غير معلومة ولم يصلنا منها شيء إلا ما ورد في القرآن مِنَ الآيات التي ذكرناها من قبل.
ب- التوراة(6):
التوراة: كتاب أنزله الله على موسى عليه السلام ويتضمن كتاب التوراة والصحف التي أنزلت على موسى عليه السلام والألواح التي جاء بها بعد مناجاته لربه في جانب الطور، قال الله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: 44].
ذكر القرآن الكريم التوراة، وذكر بعض ما يتضمن من الأحكام الشرعية منها: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا(7) أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45].
وتتضمن التوراة البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وذكرَ بعض صفاته، قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ(156)الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ(8) وَالأَغْلالَ(9) الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ(10) وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 156- 157].
ويتضمن التوراة الحث على الجهاد بالنفس والمال. قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].
______________________
(1) كوكب معروف كان بعض العرب يعبدونه في الجاهلية.
(2) قوم هود.
(3) قوم صالح.
(4) قرى قوم لوط.
(5) أسقطها إلى الأرض بعد رفعها.
(6) لفظ عبراني معناه الشريعة.
(7) في التوراة.
(8) عهدهم بالعمل بما في التوراة.
(9) التكاليف الشاقة في التوراة.
(10) وقروه وعظموه.
ويتضمن التوراة صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى:{
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ(1) فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} [الفتح: 29].
فهذه الآيات تثبت نماذج لما يتضمنه التوراة الذي أنزل على موسى عليه السلام، وقد جاءتنا من طريق القرآن الكريم فنؤمن بثبوتها.
تنبيه: التوراة التي أمرنا أن نؤمن بها والتي صدقها القرآن إنما هي الأصول الأولى التي أنزلها الله على موسى عليه السلام، أما التوراة الحالية الموجودة عند أهل الكتاب فليس لها سند متصل يصحح سندها إلى موسى عليه السلام.
كما دخل إليها التحريف والتبديل من غير تمييز بين الأصل والمحرَّف، لذلك فلا يصح أن يوثق بها.
ج- الزبور:
الزبور: هو الكتاب الذي أنزله الله على داود عليه السلام.
قال الله تعالى: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163].
ومما يتضمن الزبور أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105].
فالمؤمن يؤمن بالزبور الذي أنزل على داود عليه السلام.
وأما ما وقع في الزبور من تبديل وتغيير وتحريف على يد اليهود فلا نثق به.
د- الإنجيل(2):
الإنجيل: وهو الكتاب الذي أنزل على عيسى ابن مريم عليه السلام قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(26)ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ(3) بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ} [الحديد: 26-27].
المؤمن يؤمن بأن الله أنزل على عيسى عليه السلام كتاباً اسمه الإنجيل، أمَّا الأناجيل الحالية عند النصارى فلا يعرف لها سند متصل يصحح نسبتها إلى عيسى عليه السلام، ولا يصح نسبته إليه عليه السلام، إنما هي مصنفات تاريخية حول سيرة المسيح عليه السلام وبعض وصاياه ومواعظه ومعجزاته لكن فيها الكثير من الأغلاط والمتناقضات. ذكر القرآن الكريم بعض ما جاء في الإنجيل:
____________________
(1) علامتهم.
(2) لفظ يوناني بمعنى البشرى.
(3) أتبعناهم وبعثنا بعدهم.
- يتضمن الإنجيل الهدى والنور والتصديق بالتوراة والموعظة للمتقين.
قال الله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 46].
- ويتضمن الإنجيل مجموعة من الأحكام والشرائع الإلهية:
قال الله تعالى: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50].
وقال تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47].
- ويتضمن الإنجيل البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وذكر بعض صفاته، قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ(1) وَالأَغْلَالَ(2) الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ(3) وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 156-157].
-ويتضمن الإنجيل الحث على الجهاد بالنفس والمال:
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].
- ويتضمن الإنجيل صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم{ومثلهم(4) في الإنجيل كزرع أخرج شطأهُ(5) فآزره(6) فاستغلظ(7) فاستوى على سوقه(8) يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار}.
_________________
(1) عهدهم بالعمل بما في التوراة.
(2) التكاليف الشاقَّة في التوراة.
(3) وقروه وعظموه.
(4) مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
(5) فِراخه المتفَّرعة في جوانبه.
(6) فقوَّى ذلك الشطء الزرع.
(7) فصار غليظاً.
(8) فاستقام على أصوله وجذوعه.
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].
فالآيات السابقة تثبت نماذج لما يتضمنه الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام، وقد جاءتنا من طريق القرآن الكريم فنؤمن بثبوتها.
هـ- القرآن العظيم:
القرآن: كتابٌ أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: {لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 166].
وقال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ(1) لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ(2) وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلا} [الإسراء: 106].
تكفَّل الله بحفظه من أي تحريف أو تبديل قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ(3) وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
وقال تعالى: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42].
والقرآن نزل على قلب محمد بواسطة جبريل عليه السلام باللسان العربي المبين.
قال الله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 193-195]
ويحتوي القرآن العظيم: على أحكام تنظم كلَّ شؤون الحياة:
1- العقائد، 2- العبادات، 3- المعوضات والمعاملات، 4- الأخلاق، 5- العقوبات، 6- قصص الأنبياء والرسل للعبر والعظات.
والقرآن هو أعظم معجزة خالدة للرسول صلى الله عليه وسلم: ويتجلى إعجاز القرآن العظيم في نواحٍ كثيرة منها:
1- الإعجاز البلاغي.
2- الإعجاز التشريعي.
3- الإعجاز العلمي.
4- الإخبار عن المغيَّبات والأمم السابقة.
5- تحقق ما وعد به وما أخبر عنه أنه سيقع في المستقبل.
__________________
(1) أنزلناه مفرقاً.
(2) على تؤدة وتأنٍ.
(3) القرآن.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:42 PM
الإيمان بالرسل والأنبياء عليهم السلام
أ- الإيمان بالرسل والأنبياء عليهم السلام من أسس الدين:
إن من أسس العقيدة الإسلامية الإيمان بجميع الرسل والأنبياء عليهم السلام فالمؤمنون يعتقدون إيماناً راسخاً ثابتاً لا يتزعزع بالرسل والأنبياء عليهم السلام وقد وصف القرآن الكريم إيمان المؤمنين: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].
عدم التفريق بإيماننا بين الرسل أو بين الأنبياء عليهم السلام: فالمؤمن يعلن دائماً أنه لا يفرق بين أحدٍ من رسل الله في ذات الرسالة أو بين أحد من أنبيائه في ذات النبوة، فهو يؤمن بهم جميعاً دون تفريق ويعظمهم جميعاً لأنهم هم المصطفون الأخيار.
والله سبحانه وتعالى يأمر نبينا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ويأمرنا معه بذلك في كتابه العزيز: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84].
اختلاف رتبة الرسل والأنبياء فيما بينهم:
إن الله عزَّ وجلَّ فضلَّ بعض الرسل على بعض، وخصَّ بعضهم بخصائص لم توجد في غيرهم ورفع رتبة بعضهم فوق رتبة الآخرين من الرسل قال الله تبارك وتعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 253].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:43 PM
ب- معنى النبوة والرسالة (أي معنى النبي والرسول):
النبوة: هي اصطفاء الله تعالى إنساناً موصوفاً بالذكورة والحرية بالوحي إليه بواسطة جبريل عليه السلام.
النبي : هو إنسان ذكر حر أوحى الله إليه بواسطة جبريل عليه السلام.
الرسالة : هي تكليف الله نبياً من أنبيائه بتبليغ شريعته للناس.
الرسول: هو النبيُّ المكلَّف من قبل الله تعالى بواسطة جبريل عليه السلام بتبليغ شريعته للناس.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:44 PM
ج- الفرق بين النبوة والرسالة (وبين النبي والرسول):
أولاً: إن الوصف بالرسالة مغاير للوصف بالنبوّة، قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا} [مريم: 51].
فهذا يشعر بتغاير في مفهوميهما، وهو يشهد له عطف أحدهما على الآخر عطف تغاير. وهذا مشاهد في قوله تعالى أيضاً: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: 52].
ثانياً: إن النبوة سابقة للرسالة، فلا يتم الاصطفاء بالرسالة إلا لمن تمَّ اصطفاؤه بالنبوة.
وقوله تعالى: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ} [الزخرف: 6] وقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45-46] فالآيتان تدلان على أن النبوة متحققة أولاً ثم يأتي بعدها الإرسال.
فالنبي يمر في فترة الاصطفاء بالوحي قبل أن يؤمر بالتبليغ فيكون في هذه الفترة نبياً لا رسولاً. فإذا أمر بالتبليغ صار نبياً رسولاً.
وقد عاش محمد صلى الله عليه وسلم الفترتين، فترة النبوة وهي بين بدء الوحي وبين أمر الله له بالتبليغ، وفترة الرسالة التي كلف بها محمد صلى الله عليه وسلم بالتبليغ كانت بعد النبوة فصار نبياً ورسولاً. وهذا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر:1-2].
ثالثاً: قد نجد الاصطفاء بالنبوة مقتصراً على بعض الأنبياء دون تبليغ لرسالة معينة، فهؤلاء أنبياء لا رسل. فعلى هذا تكون مهمة النبي الذي لم يؤمر بتبليغ رسالة: العمل والفتوى بشريعة رسول سابق له.
وذكر القرآن الكريم قصة نبيٍ لم يذكر في عداد الرسل، وله قصة مع بني إسرائيل من بعد موسى. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 246].
ويؤيد ذلك أيضاً الأحاديث النبوية التي تفرق بين عدد الأنبياء وعدد الرسل عليهم الصلاة والسلام.
عن أبي ذرٍ الغفاري رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: "آدم". قلت: يا رسول الله، ونبي كان؟ قال: "نعم، نبي مكلم". قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: "ثلاثمائة وبضعة عشر، جمَّاً غفيراً". رواه أحمد.
وفي رواية أبي أمامة قال أبو ذرٍ. قلت: يا رسول الله، كم وفاء عدة الأنبياء، قال: "مائة ألفٍ وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمَّاً غفيراً". رواه أحمد.
خلاصة القضية: أن كلَّ رسول هو نبي، وليس كل نبي هو رسول.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:45 PM
د- النبوة فضل وهبة وعطاء من الله سبحانه وتعالى:
النبوة فضل واختيار إلهي، وهي هبة ربانية يهبها لمن يشاء من عباده ويخص بها من يشاء من خلقه، وهي لا تنال بالجهد والتعب والرياضة ولا تدرك بكثرة المجاهدة والطاعات والعبادات وإنما هي بمحض الفضل الإلهي: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105].
وهي اصطفاء واختيار من الله تبارك وتعالى لأفضل خلقه وصفوة عباده، فيختارهم الله لحمل الرسالة ويصطفيهم من بين سائر البشر قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75].
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33].
وقال تعالى: {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ} [ص: 47].
ومما يدلُّ على أن النبوة فضل وهبة من الله سبحانه وتعالى قصة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مع المشركين، حيث اعترض المشركون من قريش على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم واستغربوا نزولها على يتيم فقير لا يملك أسباب القوة والغنى وليس له من مظاهر السلطان والملك ما يجعله عظيماً في نظرهم.
ورأوا بنظرهم القاصر أن النبوة ينبغي أن تكون لغني عظيم شريف من الكبراء والسادة والعظماء ومن الوجهاء ولكن الله ردّ عليهم بأسلوب مفحم فقال جل ثناؤه: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 31-32].
فمن حكمة الله أنه قد قسم لكل إنسان رزقه ولكل مخلوق حظَّه من المال، والمال بالنسبة إلى النبوة أمر حقير فكيف يترك الأمر الجليل العظيم وهو الرسالة والنبوة إلى أهواء الناس ونزعاتهم ورغباتهم؟ فهذا الأمر متروك لله سبحانه وتعالى وهو يفعل ما يشاء.
قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:45 PM
هـ- الفرق بين النبوة والملك:
تختلف النبوة عن الملك والسلطان في عدة نقاط جوهرية:
النقطة الأولى: النبوة لا تكون من طريق الإرث، فهي ليست موروثة بل هي بمحض الفضل الإلهي والاصطفاء الرباني.
قال تعالى: {وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [ الدخان: 32 ].
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33].
أما الملك تجري فيها عادة الإرث، أي أن الابن يرث عن أبيه الملك والحكم في أغلب الأحيان، وهذا ملاحظ في الواقع.
أما قوله تعالى:{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16] أي ورث العلم والحكمة لأنه تربى في بيت النبوة فمن البدهي أن يرث هذا الأمر العظيم. ولو تمت الوراثة في هذا الأمر فهي اصطفاء من الله لهذه السلالة الطاهرة.
النقطة الثانية: النبوة لا تعطى إلا لرجل مؤمن فهي لا تعطى لكافر أمَّا الملك والسلطان فقد يعطيان لغير مؤمن: مثل فرعون والنمروذ.
قال الله تعالى حكاية عن فرعون: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51].
وقال تعالى في شأن النمروذ الذي ادعى الألوهية في زمن إبراهيم عليه السلام:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258].
النقطة الثالثة: النبوة خاصة بالرجال ولا تكون للنساء أبداً.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
أمَّا الملك فقد يكون للنساء من طريق التسلط أو غيره، قال تعالى في قصة سليمان مع بلقيس: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23]
النقطة الرابعة: النبوة دعوتها الأساسية الإيمان بالله عزّ وجلَّ والإيمان باليوم الآخر، وإيثار الآخرة على الحياة الدنيا الفانية التي يطمع بها كثير من الناس {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].
أمَّا الملك والسلطان فدعوتهما في الأغلب سياسية وهذا للتمكن على العرش والسيطرة.
والملك والسلطان عادة يدلان على مظهر من مظاهر العظمة الدنيوية وهذا يعارض الخط النبوي الذي جاء بالتزهيد في الحياة الدنيا، فإذا كان الأنبياء يعيشون حياة الملوك ثم يأمرون الناس بالزهد فهل يستمع إلى كلامهم أحد أو يتبعهم أحد. فالداعي إلى الله إذا لم يكن بسيرته قدوة فلن يكون لكلامه أيُّ تأثير.
ربَّ قائل يقول: هذا سليمان بن داود عليهما السلام قد جمع الله له النبوة والملك، والنبوة والملك يتعارضان في خطهما.
الجواب: لا يمنع اجتماع النبوة والملك في شخص واحد، فإنهما يجتمعان في شخص واحد كما حصل بسليمان بن داود عليهما السلام وهذا الأمر قليل ونادر والحكم دائماً للأغلب والأكثر.
قال الله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 35-36-37-38-39].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:46 PM
و- الفرق بين النبوات والعبقريات (1):
العبقرية هي حالة فكرية متطورة، والعباقرة مصدر علومهم ونظمهم العقل البشري، والعقل قد يخطئ لتفاوت الناس في مداركهم ومفاهيمهم لذا فالعبقري مهما سما في فكره وابتكاره ولكنه عرضة للخطأ والسقطات الخلقية، ولو استعرضنا كل العباقرة في العالم لوجدنا لهم زلاتٍ إما فكرية أو خلقية بسبب عدم عصمتهم عن الخطأ بخلاف الأنبياء عليهم السلام فإن الله سبحانه وتعالى أيدهم بالعصمة، وحفظهم عن الزلات الفكرية والخلقية.
أما الأنبياء، فمصدر علومهم ونظمهم الوحي، والوحي لا يتطرق إليه خطأ.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:47 PM
ز- الفرق بين النبوات والفلسفات:
تعريف للمذهب الفلسفي: إن المذهب الفلسفي هو عبارة عن مجموعة مفاهيم أساسية عن العالم.
والمتأمل في النظريات الفلسفية حول الكون وتكوين النفس الإنسانية وحول الأمور التي تتصل بما وراء المادة يجد أكثرها متناقضة متهافتة، ومخالفة للواقع ويرى أن لا وحدة في وجهات النظر الفلسفية بين الفلاسفة.
والمتأمل في طريق الأنبياء عليهم السلام لا يجد اختلافاً بينهم في الأصول الاعتقادية والأسس العلمية فهو يرى وحدة في المعارف التي أتوا بها، والاعتقادات التي نادوا بالإيمان بها من أمور الغيب.
- والنظريات الفلسفية تعتمد في أمور الغيب ضروباً من الظن والحدس والتخمين، ومعظم استدلالتها خطابي وشعري مما يؤثر على العواطف والأحاسيس ولا يكون بالضرورة صادقاً.
وعلم الأنبياء وما يتعلق بأخبار الغيب وما يرتبط بإصلاح الناس، كالحساب والجنة والنار. لا سبيل إلى إثباته إلا عن طريق المتصلين بعالم الغيب، وهم الرسل والأنبياء عليهم السلام.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:48 PM
حـ- وظيفة الرسل عليهم السلام:
من خلال النصوص القرآنية نستطيع أن نتبين وظائف الرسل عليهم السلام ومن أبرز هذه الوظائف:
أولاً: دعوة الخلق إلى عبادة الله الواحد الذي لا إله غيره، والإيمان بوحدانيته وهذه هي الوظيفة الأساسية والكبرى لمهمة الرسل عليهم السلام.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
___________________
(1)عبقر : هي قرية تسكنها الجنُّ فيما زعموا، فكلما رأوا شيئاً عجيباً فائقاً غريباً مما يصعب عمله ويَدِقُّ أو شيئاً عظيماً في نفسه نسبوه إليها، فقالوا عبقري
وقال تعالى:{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36].
ثانياً: تبليغ الشريعة الربانية وأوامر الله عزّ وجلّ ونواهيه إلى البشر. فالشريعة الربانية لابد لها من مبلِّغ، وكان المبلغون للشريعة هم الرسل عليهم السلام الذين هم من البشر.
قال تعالى: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 38- 39].
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67].
ثالثاً: هداية الناس الذين أرسل إليهم وإرشادهم إلى الصراط المستقيم، وهذه وظيفة مهمة، فالرسول في أمته هادٍ ومعلم لهم ومرشدهم إلى طريق الخير.
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5].
وقال تعالى في شأن خاتم الأنبياء والرسل عليه السلام: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45-46].
وورد في الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدلّ أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم" من حديث طويل رواه مسلم.
رابعاً: توضيح وتبيين معاني ما أنزل على الرسول من نصوص: فالنصوص التي تنزل على الرسل تكون ذات طابع شمولي وعام وتختزن الكليات الدستورية، وكل هذا الأمر بحاجة إلى تبيين وتوضيح، فكان الرسول مبيّناً وشارحاً لتلك النصوص المنزَّلة للناس ولمدلولاتها وإشارتها.
قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
خامساً: تذكير الناس باليوم الآخر والإيمان به وما يتعلق بما بعد الموت من شدائد وأهوال وتحويل اهتمام الناس من الحياة الفانية إلى الحياة الباقية وهي الآخرة.
قال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 130-131].
وقال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ(1) لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 60].
وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:49 PM
ط- حاجة الناس إلى الرسل عليهم السلام:
تتحقق حاجة الناس إلى الرسل في عدة نقاط:
أولاً: إن الناس بحاجة في إصلاح أفرادهم ومجتمعاتهم إلى مصلح مثالي يكون أسوة حسنة. وشخصية المصلح المثالي تتوفر فيها: صفة القدوة الحسنة والعصمة من الخطأ والزلل في المبادئ والعلوم والأخلاق والأعمال.
وهذه الصفات لا تتوافر إلا في رسول معصوم مؤيد من عند الله بالمعجزات، ولذلك كان الناس بحاجة إلى قادة من الرسل يتحلون بتلك الصفات، ويكونون أسوة حسنة لجميع الناس، ولذلك أختار الله عز وجل الرسل ليكونوا نموذجاً للكمال وعنواناً للضياء وعنواناً للفضل وحملة لمشعل النور والضياء ولرفع مستوى الحضارة الإنسانية، اجتباهم الله ليكونوا هداةً مصلحين واصطفاهم على علمه ورعاهم رعاية كاملة وشرفهم بأكمل الأوصاف.
قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 89-90].
ثانياً: إن الناس لا يمكنهم التوصل إلى جميع الخيرات والفضائل الإنسانية والكمالات الخلقية، ويتفقوا عليها، لأن عوامل الغرائز والشهوات والأهواء والأنانيات تصرفهم عن الحقّ والخير، فتزين لهم الباطل والشر بل يتحول الحكم فيصير الحق باطلاً والباطل حقاً، والعدل ظلماً، والظلم عدلاً. فلذلك أرسل الله الرسل ليقوموا بالعدل ويأمروا بفعل الخيرات وإقامة العبادة البدنية والمالية لله الواحد القهار.
_________________________
(1) أي الحياة الحقيقية.
قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].
ثالثاً: إن الله سبحانه وتعالى خلق الناس ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 1-2].
ولو لم يرسل الله رسلاً مبشرين ومنذرين لكان عند الناس حجة يوم القيامة وعذر لدى محاسبتهم على كفرهم وطغيانهم ومخالفاتهم بأنه لم يرسل إليهم رسل ينبهونهم ويحذرونهم هذا اليوم الخطير الذي يفرّ فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبينه، وبأنه لم يأت رسلٌ يبينون لهم الفضائل وطريق الخير والعمل الصالح.
ولذلك قال تعالى: {رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165].
وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:50 PM
ي- الحكمة في إرسال الرسل عليهم السلام:
أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل عليهم السلام إلى الناس لحِكَم أرادها فمن هذه الحكم:
أولاً: أرسل الله عزَّ وجلَّ الرسل عليهم السلام لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده والكفر بما يُعَبد من دونه وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (1)} [النحل: 36].
وقال جل شأنه: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45].
ثانياً: بعث الله تعالى الرسل عليهم السلام لينقذوا الناس من الاختلاف في أصول حياتهم وليدلوهم إلى الحق الذي يريده خالقهم.
قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64].
_________________________________
(1) كل معبود باطل يعبد من دون الله وكل داع إلى ضلاله.
ثالثاً: بعث الله تعالى الرسل عليهم السلام لتعليم الناس الأعمال الصالحة ولتزكية نفوسهم وتطهيرها من الأدناس ولغرس الخير والصلاح فيها.
قال الله تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2].
رابعاً: أرسلوا عليهم السلام لإقامة الدين وللحفاظ عليه، وللنهي عن التفرق فيه وللحكم بما أنزل الله، قال الله تبارك وتعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 13].
وقال جلّ ثناؤه: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105].
خامساً: بُعثوا لإعطاء القدوة والأسوة الحسنة للناس في السلوك والأخلاق الحميدة والطريق المستقيم على هدى الله.
قال الله تعالى في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(1) لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
سادساً: أرسلهم الله تعالى ليبشروا المؤمنين بما أعدَّ لهم من النعيم الدائم جزاءً لطاعتهم، ولينذروا الكافرين بعواقب كفرهم وإقامة الحجة على الناس من ربهم وإسقاط كلِّ عذر. قال الله تبارك ا وتعالى: {رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:53 PM
ك- مزايا دعوة الأنبياء عليهم السلام
أ- المزية الأولى: دعوة الأنبياء عليهم السلام ربانية:
إن أوّل وأهم ما يمتاز به الأنبياء عليهم السلام العقيدة التي يدعون إليها، ودعوتهم التي يقومون بها، فهي لا تنبع من ذكائهم أو حميتهم أو تألمهم من الواقع المزري الذي يعيشون فيه، أو من شعورهم الحساس، وقلبهم الرقيق الفياض أو تجاربهم الواسعة الحكيمة، إنما مصدره الوحي والرسالة التي يصطفون لها، ويكرمون بها .. فلا يقاسون أبداً على الحكماء أو الزعماء أو المصلحين وجميع أصناف القادة الذين جربتهم البشرية، والذين هم نتيجة بيئتهم وغرس حكمتهم، وصدى محيطهم ورد فعل لما كان يجيش به مجتمعهم من فساد وفوضى، وقد بيَّن القرآن الكريم ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16]، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52].
ويقول القرآن الكريم عن طبيعة الرسالة التي يختار لها الرسل وعن مبدئها ومصدرها: {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل: 2].
لذلك لا يخضع الرسول لعوامل نفسية داخلية، أو حوادث وقتية خارجية ولا يدير رسالته حيث دارت الأحوال والأوضاع وشاء المجتمع، وقد قال الله تعالى عن رسوله الكريم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4].
والنبي لا يستطيع أن يحدث تغييراً أو تبديلاً أو تحويراً أو تعديلاً في أحكام الله وأوامره وقد قال الله تعالى لرسوله: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15].
وهذه هي السمة الفاصلة الأساسية المميزة بين الأنبياء صلوات الله عليهم وبين القادة والزعماء الذين تكون رسالتهم وكفاحهم نتاج بيئتهم وثقافتهم ومشاعرهم، والذين يلاحظون دائماً البيئة والمجتمع والظروف والأحوال ويراعون مصالحهم ومنافعهم.
فدعوة الأنبياء ربانية أي بوحي وتكليف من الله عزّ وجل، فليست هي نابعة من نفوسهم وليست نتيجة للعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تكون في عصرهم وإنما هي اتباع لوحي من الله سبحانه وتعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ}
ب- المزية الثانية: دعوة الأنبياء خالصة لله تعالى:
إن عنصر التجرد عن الغرض الشخصي في دعوة الأنبياء عليهم السلام من أهم المزايا المؤثرة التي تجعل المنصفين يستجيبون لها ويتأثرون بكلام الأنبياء عليهم السلام ونصحهم وتوجيههم.
فالأنبياء عليهم السلام لا يطلبون أجراً من أحد، ولا يقبلون على تبليغ الرسالة ثمناً من أي شخص إنما يطلبون الأجر والثواب من الله الذي فطرهم وخلقهم ومنَّ عليهم.
وكان شعارهم وإعلانهم وقرارهم بكل وضوح وجلاء وعلانية أن دعوتهم لم تكن من أجل الدنيا أو المال أو المنصب أو الجاه إنما هي لله خالصة، لا يبتغون من غير الله أجراً، فهم في دعوتهم لا يطلبون ثناء ولا مديحاً إنما يقصدون ثواب الآخرة ورضاء الله تبارك وتعالى.
وانظر إلى خطابهم لقومهم في القرآن الكريم {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90]. {يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ} [هود: 51]. {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا} [الفرقان: 57].
{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86]. {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 109- 127-145-164-180]. {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72].
ج- المزية الثالثة: تصحيح العقيدة وإخلاص الدين لله وإفراد العبادة لله جلَّ وعزّ:
إن الأنبياء عليهم السلام كان أول هدفهم وأول دعوتهم في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كلِّ بيئة هو تصحيح العقيدة في الله سبحانه وتعالى، وتصحيح الصلة بين العبد وربه والدعوة إلى إخلاص الدين وإفراد العبادة لله وحده، وأنه هو النافع والضار المستحق وحده للعبادة والدعاء والالتجاء والتنسك(1).
وكانت حملتهم مركزة وموجهة إلى الوثنية القائمة في عصورهم، الممثلة بصورة واضحة في عبادة الأوثان والأصنام، والصالحين والمقدسين من الأحياء والأموات الذي كان يعتقد أهل الجاهلية أن الله قد خلع عليهم لباس الشرف، وجعلهم متصرفين في الأمور. فلذا أرسل الله جميع الرسل بهذه الدعوة الكريمة وهي دعوة التوحيد وإخلاص النية والعمل له تعالى عن طريق إفراده بالعبادة.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].
د- المزية الرابعة : البساطة في الدعوة وعدم التكلف:
إن التعقيد والتكلف بعيدان عن منهج الأنبياء عليهم السلام، والبساطة مزية واضحة في دعوة جميع الأنبياء، فهم يسيرون على منهج الفطرة ويخاطبون الناس على قدر عقولهم، فلا يتكلفون ولا يتشدقون بخطاباتهم ولا يتصنعون، والقرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة. {وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86].
_________________
(1) النسك : العبادة.
وقال عليه الصلاة والسلام في ذلك: "نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم".
فالأسلوب الفطري الذي اتبعه الأنبياء هو أنجح أسلوب لأنه بعيد عن الأساليب الصناعية والمناهج الكلامية والأمور العويصة.
ومن تأمل الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية يجدها لا تشفي العليل ولا تروي الغليل.
وأقرب طريق إلى الحقيقة وخير طريق هو القرآن الكريم، أن أدلته كالماء الذي ينتفع به الصبي والرضيع والرجل القوي والرجل الضعيف، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مّرة ويمرضون بها أخرى، ولا ينتفع بها الصبيان أصلاً.
وأسلوب القرآن خالٍ من التعقيد والتكلف، وكان الله تعالى يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى أفضل أسلوب وأنجح طريق: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].
هـ- المزية الخامسة: وضوح الهدف والغاية في دعوة الأنبياء عليهم السلام:
إن الأنبياء عليهم السلام دعوا الناس إلى رسالة ربانية ذات هدف واضح وغاية نبيلة، وهم في دعوتهم لا يسلكون الطرق الملتوية والأساليب الاحتيالية التي تخفي وراءها الهدف والغرض من تلك الدعوة كما هو الحال عند بعض الساسة أو القادة أو الزعماء الذين لا يوضحون قصدهم ولا غرضهم ولا هدفهم حيث يبقى غامضاً، أما الأنبياء فدعوتهم لا غموض فيها ولا لبس.
قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].
وقال عليه الصلاة والسلام: "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك".
ز- المزية السادسة: الزهد في الدنيا وإيثار الآخرة على الحياة الدنيا:
دعوة الرسل إلى الآخرة وإيثارها على الدنيا، والاستهانة بقيمتها ومتاعها، لم تكن دعوة باللسان فقط، بل كان ذلك مبدأ ومنهاجاً لحياتهم، فكانوا زاهدين في الدنيا، مقبلين على الآخرة، قد زهدوا في المناصب الكبيرة والمراكز الخطيرة، وضحوا بها في سبيل دعوتهم.
وحياة النبي صلى الله عليه وسلم ومعيشته وحياة أهل بيته معروفة في التاريخ والسيرة النبوية، فهي تثير العجب، وتسحر النفوس، وتملأ القلوب عظمة ومهابة وتنصب للدعاة والسائرين على منهاج النبوة مناراً عالياً من نور.
وكان الشعار الدائم لمعيشة الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة".
والزهد مزية ملازمة لدعوة الأنبياء عليهم السلام، فليس غرضهم الاستمتاع بزينة الحياة الدنيا وزخرفتها، فكان الأنبياء عليهم السلام يعيشون في شظف من العيش وفي شدة الضيق، مع أنهم كانوا قادرين أن يتنعموا في الدنيا وان يتلذذوا بها وأن يعيشوا فيها عيشة الأغنياء والزعماء، ولكنهم آثروا الحياة الآخرة الباقية على الحياة الدنيا الفانية {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ} [القصص: 60] {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ للأبرار} [آل عمران: 198].
وكان الله سبحانه وتعالى يعلِّم نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إلى عدم الافتتان بالحياة الدنيا فيقول: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131].
وحين طلب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يوسع ويزيد عليهن في النفقة، ويعاملهن كبقية النساء اللواتي يعشن في رغد من الدنيا وفي بحبوحة من النعيم، خُيِّرن بين البقاء مع الرسول صلى الله عليه وسلم على الحالة المعهودة أو الفراق بينه وبينهن.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28-29].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:57 PM
ل- صفات الرسل عليهم السلام:
أ- الفطانة:
الفطانة: هي الذكاء والنباهة، ولم يبعث نبي إلا وكان على جانب عظيم من الذكاء والنباهة مع كمال العقل والرشد.
قال الله تعالى في وصف إبراهيم الخليل عليه السلام: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [الأنبياء: 51].
فبالفطانة يستطيع النبي أو الرسول أن يعرف ما يُلقى إليه من الوحي، وبها يستطيع أن يحفظه ولا ينساه، وبها يستطيع أن يبلغه كما أوحي به إليه، وبها يستطيع بعد ذلك أن يعالج أمته بالتربية الحكيمة، والقيادة السليمة، وفق طبائعهم وأخلاقهم، وبها يستطيع أن يحاجج ويجادل الخصوم.
ومن الأدلة التي تشهد لفطانة الرسل عليهم السلام الصلاة والسلام: قوله تعالى في إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 83].
فإن إبراهيم عليه السلام قد جادل النمروذ الطاغية الذي ادعى الألوهية، فحاجّه وبهته(1) حيث إن إبراهيم عليه السلام قال للنمروذ عندما سأله من ربك؟ فأجابه: ربي الذي يحي ويميت. فقال النمروذ: أنا أحي وأميت؟ فأتى برجلين قد حكم عليهما بالإعدام، فأمر بعدم قتل أحدهما مع الحكم بإعدامه، فبزعمه أنه أحياه وأمر بقتل الثاني فبزعمه أنه أماته
فلم يشأ إبراهيم عليه السلام بما أوتي من فطنة عظيمة أن يشتغل بإبطال ما ادعاه النمروذ، وإنما نقله إلى مظهر آخر من مظاهر أفعال الله سبحانه وتعالى فقال له: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب؟! عندئذ بهت النمروذ ولم يجد جواباً فسقط بذلك ادعاؤه الربوبية.
قال الله تعالى في شأن ذلك: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربّه أن آتاه الله الملك، إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أُحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258].
وقد ثبت له موقف آخر من قبل وهو فتى في المحاجة مع قومه حين حطم الأصنام كلها بيده إلا صنماً كبيراً ثم علّق القَدُّوم(2) في عنق هذا الصنم الكبير ليقيم الحجة على قومه... فحين علموا أنه هو الفاعل قدموه للمحاكمة وسألوه: من الذي حطم آلهتنا وأقدم على تكسير الأصنام؟ هل أنت الذي فعلت ذلك يا إبراهيم؟
فأجابهم عليه السلام: إنني لم أحطمها ولكن الصنم الكبير والإله العظيم- بزعمهم- هو
_________________
(1) أي حيَّره.
(2) آلة ينحت بها.
الذي حطمها لأنه لم يرض أن تعبد معه، والدليل على ذلك أنه وضع القدوم في عنقه، وإذا لم تصدقوا كلامي فاسألوهم عن ذلك الأمر وسلوه... وفي هذه المرحلة كان قد بلغ إبراهيم إلى غايته وهدفه، فأقام عليهم الحجة بعد أن سفَّه عقولهم، وجعلهم يضحكون من أنفسهم... وهكذا يكون منطق الأنبياء.
قال الله تعالى في شأن ذلك: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين *إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون* قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين* قال لقد كنتم أنتم وأباؤكم في ضلال مبين* قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين* قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين* وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين* فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون* قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين* قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون* قالوا ءَأَنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون* فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون* ثم نكسوا على رُءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون* قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون} [الأنبياء:51-67].
ومن الأدلة التي تشهد لفطانة الرسل عليهم السلام قصة نوح عليه السلام مع قومه حيث جادلهم وسلك معهم مسلك الحكمة والأسلوب المقنع إلا أنهم ضاقوا ذرعاً بقوة مجادلته وبيانه وردوه رداً غير جميلٍ.
قال الله تعالى في ذلك الشأن: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} [هود: 32].
وممَّا يدل على فطنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى: {ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربِّ زدني علماً} [طه: 114].
وتفسير ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يتعجل بترديد آياته من قبل أن يقضى إليه وحيه من كمال الذكاء والفطنة.
وقوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرءانه} [القيامة:16-17].
وتفسير ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يحرك لسانه بالقرآن الكريم لحفظه وخشية ذهابه، وهذا من حدة الفطانة والدعاء.
وقد شهد الله له بأنه لا ينسى وهذا دليل قوي على قمة الذكاء قال الله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى: 6].
وقد أمره الله بمجادلة خصومه بالتي هي أحسن، والمجادل عليه أن يتميز بنباهة زائدة وفطانة عالية حتى يوصل خصومه إلى طريق الحق ويعرفهم به.
قال الله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125]. فأمر الله له بمجادلة الخصوم يثبت له فطانة فائقة.
فالأنبياء عليهم السلام متصفون بالذكاء والفطانة، والله يختار لمنصب النبوة الذكي الفطن ولا يختار لها من اتصف بالغباوة والبلادة وضعف التفكير.
ب- الصدق:
- إن صفة الصدق صفة ملازمة للأنبياء عليهم السلام، فهي من الصفات الفطرية فيهم، فلا يمكن للنبي أن يصدر منه صفة قبيحة أو ما يخلّ بالمروءة كالكذب وأكل أموال الناس بالباطل والخيانة. أو سرقة لقمة لأن هذه الصفات لا تليق برجلٍ عادي، فكيف بنبي مقرب أو رسول مكرم؟!
- ولو وقع الكذب من الأنبياء عليهم السلام لانعدمت الثقة فيما ينقلونه من أخبار الوحي أو ما يرونه من الله عزّ وجل ..
- ولو عرف أحد الرسل بين الناس بالكذب، لم يسلموا له بدعوى الرسالة ورفضوا الالتفات إليه إبتداءً لما يعلمون من كذبه، وذلك إخلال بمهمة الرسالة ونقض لها، وعثرات في طريق المهتدين إلى الصراط المستقيم.
وقد ثبت صدق رسولنا صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {ولو تقوّل(1) علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين(2) * ثم لقطعنا منه الوتين(3) * فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين} [الحاقة: 44- 47].
وتقرير صدقه صلى الله عليه وسلَّم: أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق فيما أبلغ الناس وأنه لو افترى الكذب أو تقول بعض الأقاويل التي لم يوح بها إليه لأخذه الله بقوة فقضى عليه، ولما كان هذا لم يقع فهو صلى الله عليه وسلم لابدَّ صادق.
وقد شهد القرآن الكريم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به وحي من عند الله وهو الحق، والحق في التبليغ هو الصدق. قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3،4]. وقال تعالى:{يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحقّ من ربكم فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيماً} [النساء:170].
________________
(1) افترى الكذب.
(2) أي بالقوة.
(3) الوتين : نياط القلب والنخاع الذي متى قطع هلك صاحبه.
- وحين سأل (هرقل) ملك الروم أبا سفيان بن حرب - قبل إسلامه - عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم، هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: ما عرفنا عليه كذباً قط! فقال هرقل بعد ذلك قولة مشهورة: ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
ومن خلال تتبع تاريخ الرسل عليهم السلام نجد أنهم قبل بعثتهم كانوا صادقين مع الناس لا يكذبون وكانوا مؤتمنين لا يخونون، وهذا واقع لا ينكره أحدٌ من الناس.
وقد اشتهر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعث بأنه الصادق الأمين، وكان المشركون يسمونه بهذا.
والله سبحانه وتعالى يؤيد رسلَه بالمعجزة التي لا يعارضها أحد وهي دليل على صدقهم، فلو كان أحدهم كاذباً ما أجرى على يديه المعجزة.
وقد أشار موسى عليه الصلاة والسلام في خطابه إلى فرعون إلى أن شاهد المعجزة دليل صدقه في النقل عن ربه، ولو كان كاذباً لم يجر الله على يديه المعجزة.
قال الله تعالى في ذلك: {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين * حقيقٌ على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل} [الأعراف: 104، 105] ومعنى ذلك: أنا لا أقول إلا الحق عن ربي ودليل هذا الحق المعجزة الباهرة، وقد أيدني بها الله جلَّ وعلا.
وهكذا بقية الرسل عليهم الصلاة والسلام يوصفون بالصدق ولا يوصفون بالكذب مطلقاً.
ج- الأمانة:
صفة الأمانة من الصفات الضرورية للأنبياء عليهم السلام، والنبي أمين على الوحي، فهو يبلغ أوامر الله ونواهيه إلى الناس دون زيادة أو نقص، ودون تحريف أو تبديل.
فكل الأنبياء عليهم السلام مؤتمنون على الوحي يبلغون ما أوحي إليهم كما نزل، لا يمكن لهم أن يخونوا، أو يخفوا ما أمرهم الله به، لأن الخيانة تتنافى مع الأمانة.
فالرسل الكرام عليهم السلام قد أدوا الأمانة على الوجه الذي يرضاه الله سبحانه وتعالى، وكانت الرسل تنصح أقوامها وتردد على ألسنتها أو حالها ينطق بذلك.
{ولكني رسولٌ من ربِّ العالمين* أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} [الأعراف: 67، 68].
قال الله تبارك وتعالى في ذلك الشأن: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً} [الأحزاب: 39].
فكل الرسل عليهم السلام المبلغين لرسالات الله يخافون الله ويخشون عذابه، ولا تحدثهم أنفسهم بالخوف من أحد إلا من الله عزّ شأنه.
فمن خاف الله وخشيه، فهل يخون ما ائتمنه عليه؟!
فالرسول لا يستطيع أن يبدِّل أو يغير شيئاً مما أوحي إليه إنما يفعل ما يأمره الله به.
قال الله تبارك وتعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بيناتٍ قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرءانٍ غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} [يونس: 15].
ولو لم يكن في الأنبياء عليهم السلام الأمانة لتغيرت معالم الرسالة وتبدَّلت، ولما اطمأنَّ المرء على الوحي المنزل فالرسول ليس بمتهم على الوحي والغيب بل هو أمين .
هـ- التبليغ:
صفة التبليغ وهي أن يخبر الرسل أحكام الله، ويبلغوا الوحي الذي نزل عليهم، ولا يكتموا شيئاً منه، ولو في تبليغه للناس ايذاء عظيم لهم أو شر كبير يلحق بهم من أعدائهم.
قال الله تبارك وتعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً* إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً(1)* ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيءٍ عدداً} [الجن: 26-28].
{وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها(2) رسولاً يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} [القصص: 59].
قال الله تبارك وتعالى في شأن نوحٍ مع قومه: {قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين* أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون} [الأعراف:61-62].
وقال تبارك وتعالى في شأن هود عليه السلام مع قومه: {قال يا قوم ليس بي سفاهة(3) ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} [الأعراف: 67، 68].
وقال عزَّ وجلَّ في شأن صالح عليه السلام مع قومه: {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} [الأعراف: 79].
وقال عزَّ وجلَّ في شأن شعيب عليه السلام مع قومه: {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف ءاسَى على قوم كافرين} [الأعراف: 93].
وقال تبارك وتعالى في شأن محمد صلى الله عليه وسلم: {يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67].
___________________
(1) حرساً من الملائكة يحرسونه.
(2) أي في جماعتها.
(3) أي خفة عقل وضلالة عن الحقّ.
ومما يدل على أن الرسل لم يكتموا وبلغوا ما أنزل الله عليهم:
أولاً: أن الله شهد لهم بأنهم بلغوا، وذلك كثير في القرآن الكريم: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً} [الأحزاب: 39].
{ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً} [الجن: 28].
ثانياً: إن الله سبحانه وتعالى قد ذم أهل الكتاب الذين يكتمون شيئاً من التوراة والإنجيل فلم يرضَ منهم هذا الكتمان وهم أشخاص عاديون، فكيف يرضاه ممن اختارهم الله لحمل رسالاته؟!
قال الله تبارك وتعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146].
{إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159].
{إن الذين يكتمون ما أنزل الله في الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم* أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النّار} [البقرة:174، 175].
ثالثاً: إن الرسول الأكرم محمداً صلى الله عليه وسلَّم بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ولم يكتم شيئاً مما أمره الله بتبليغه.
قال الله عزّ من قائل: {وما هو على الغيب بضنين} [التكوير:24]. ومعنى الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبخل بالوحي بل يعلمه كما علم ولا يكتم شيئاً مما علمه.
ولو كان محمد صلى الله عليه وسلَّم كاتماً شيئاً مما نزل عليه لكتم العتابات التي وجهت إليه من قبل الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم:
مثل قوله تعالى في قصة زينب مطلَّقة زيد بن حارثه الذي كان قد تبناه قبل أن ينزل عليه تحريم التبني.
{وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحقُّ أن تخشاه فلما قضى زيدٌ منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهنَّ إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً} [الأحزاب: 37].
ومثل قوله تعالى في أسرى بدرٍ حيث مال الرسول صلى الله عليه وسلَّم إلى عدم قتلهم.
{ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُثخِنً في الأرض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 67].
ومثل قوله تعالى في قصة انشغال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن ام مكتوم الضرير(1) بدعوة كبار المشركين إلى دين الإسلام فعاتبه الله تعالى على ذلك: {عبس وتولى* أن جاءه الأعمى* وما يدريك لعله يزكّىَ(2) * أو يذكر فتنفعه الذكرى* أما من استغنى* فأنت له تصدى* وما عليك ألا يزكى*وأما من جاءك يسعى*وهو يخشى* فأنت عنه تلهى} [عبس: 1-10].
- فالرسل عليهم السلام بلغوا ما أمرهم الله ولم يكتموا شيئاً من ذلك.
د- العصمة:
العصمة صفة يتصف بها الأنبياء عليهم السلام على الخصوص دون غيرهم من البشر.
ومعنى العصمة: حفظ الله تعالى أنبياؤه ورسله عن الوقوع في الذنوب والمعاصي وارتكاب المنكرات والمحرمات.
العصمة من الكفر للأنبياء: الأنبياء معصمون عن الكفر مطلقاً قبل النبوة وبعدها.
عصمة الأنبياء قبل النبوة من الصغائر والكبائر: لم يرد نص قاطع في عصمة الأنبياء قبل النبوة لا عن الصغائر ولا عن الكبائر إلا أن سيرتهم التي أثرت عنهم قبل نبوتهم تثبت أنهم أبعد الناس عن المعاصي كلها كبيرها وصغيرها وإن وقع منهم شيء من ذلك فهفوات نادرة لا تمس ولا تطعن علو فطرتهم وصفاء نفوسهم وأرواحهم.
والحكمة في ذلك: أن هذه الهفوات تثبت بشريتهم أمام الخلائق، فلا يستطيع البشر عندئذٍ رفعهم فوق المستوى البشري ولا وصفهم بصفات الألوهية وبهذا يظهر الفرق بين أحوالهم قبل النبوة وأحوالهم بعدها.
عصمة الأنبياء بعد النبوة من الصغائر والكبائر: تمنع المعاصي الكبائر بعد النبوة مطلقاً، فالأنبياء معصومون عن الكبائر مطلقاً.
وكذا تمنع المعاصي الصغائر عمداً فلا يقع من الأنبياء صغائر عمداً ولا صغائر فيها خمسة: كسرقة لقمة، وإنما تقع منهم الصغائر سهواً سوى ذلك من الصغائر كالسهو والنسيان لكن لا يصرون ولا يُقَرون بل يُنبهون فينتبهون ويتوبون قبل أن يقتدي بهم أحدٌ.
قال الله تعالى في حق جميع الرسل عليهم السلام: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام].
______________
(1) الأعمى.
(2) يتطهر بتعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم من دنس الجهل.
وقال الله تعالى في شأن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلَّم:
{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخِر وذكر الله كثيراً} [الأحزاب: 21].
تقرير ذلك: إن الله أمر الناس أن يتبعوا رسولهم ويقتدوا به في اعتقاداته وأقواله وأفعاله لأنه هو الأسوة الحسنة -إلا ما كان خاصاً به أي خصه الله به ولم يأمر أمته بذلك- وهذا كله بعد الرسالة. فالرسول في هذه الحالة كل أفعاله وأقواله موافقة لطاعة الله عزَّ وجلَّ، فلو وقعت منه معصية لوجب على الناس اتباعه لأنهم مأمورون من الله بالاتباع، والله سبحانه لا يأمر باتباع المعصية وإنما يأمر باتباع العمل الصالح فلذلك كانت العصمة لهم.
- العصمة لغير الأنبياء:
إن كل إنسان في هذا العالم معرَّض للخطأ والوقوع بالمعصية والانحراف فلا عصمة إلا للأنبياء عليهم السلام ومن ادعى العصمة لغير الأنبياء فعليه أن يأتي بالدليل من الكتاب والسنة.
وقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "ما منا إلا ردَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا القبر" ويعني بذلك أن كل إنسان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخطىء فيُرَدُ عليه بسبب خطئه إلا شخص واحدٌ قد أوتي العصمة وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يُرَدُّ عليه لأنه مؤيد بوحي من الله عزَّ وجلَّ.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 12:59 PM
م- بيان معاصي الأنبياء أو ما يوهم المعصية التي وردت في النصوص الشرعية:
1- ما ورد في حقِّ آدم عليه السلام:
قال الله تعالى: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى* ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} [طه: 120-122]
إن المعصية التي وقعت من آدم عليه السلام كانت قبل النبوة بدليل قوله تعالى:
{ثم اجتباه ربّه فتاب عليه وهدى} [طه: 122]. وكان ساعتئذٍ ناسياً بدليل قوله تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزماً} [طه: 115].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:01 PM
2- ما ورد في حقِّ نوحٍ عليه السلام:
قال الله تعالى: {ونادى نوح ربَّه فقال ربِّ إنَّ ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنَّ من فسر {إنه ليس من أهلك} أي ليس هو ابنك الشرعي. فقد وقع في خطأ مبين فهو إما جاهل أو مغرض. وإبطال كلامه ظاهر في الآية نفسها حيث يأتي بعد هذه الجملة من الآية {إنه عملٌ غير صالح} وهذا تعليل للكلام السابق فإن كلمة (إنَّ) تأتي للتعليل كما هو معلوم في علم أصول الفقه، فالتفسير يكون إنه ليس من أهلك بسبب أنه عمل عملاً غير صالح وكان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فمن قال بإنه غير ابنه غير ابنه الشرعي فقد تكلم بغير دليل ولا فهم سليم للآية. والله الهادي إلى الصواب {إنه عملٌ غير صالح فلا تسئَلْنِ ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إني أعوذ بك أن أسئَلَكَ ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 46، 48].
لقد دعا نوح عليه السلام ربَّه أن ينجي ولده من الغرق بسبب الطوفان بعد أن ركب نوح ومن آمن من أهله، وقومه السفينة التي صنعها بيديه بأمر من الله عزَّ وجلَّ، لأن الله أخبره أن يحمل أهله وخبر الله لا يكذب قال تعالى: {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور(2) قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] ولكن الله أهلك ابنه، وأغرقه لأنه كان من الكافرين فلم يكن نوح عليه السلام آثماً أو مرتكباً معصية عندما سأل الله أن ينجي ابنه لأنه لم يعلم قبل ذلك بأنه كافر لأنه كان منافقاً يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وقد نهى الله نوحاً قبل الطوفان أن يسأل النجاة عن الذين ظلموا وكفروا قال تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذي ظلموا إنهم مغرقون} [هود: 37].
فكيف له بعد الطوفان أن يسأل النجاة لابنه إن كان يعلم بكفر، وظلمه فيكون - لو علم بكفره وسأل النجاة - قد عصى الله صراحة وخالق أوامر الله ولا يفعل ذلك رسول قط.
فإذا قوله {إنّ ابني من أهلي} ظناً منه عليه السلام أن ابنه مؤمن يتبع دينه ولكن ظهر خلاف ذلك، فكان نوح لا يعلم بما يبطن ودليل ذلك قوله تعالى: {فلا تسئَلن ما ليس به علم} [هود: 47]. فلم يكن عالماً بهذا من قبل فعندها تبرأ الأب وهو نوح من ابنه واستعاذ بالله، قال تعالى من هذا الشأن {قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}.
فنوح عليه السلام يسأل الله على الظاهر الذي عنده، فلمَّا كشف الله له حقيقة الأمر، سلَّم الأمر وفوَّضه إلى الله وتيقن أنه - لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون - ورجع نوح مستعيناً بالله طالباً منه الرحمة والغفران وان لا يجعله من الخاسرين وهذا مقام تحقق العبودية الخالصة لله تعالى.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:05 PM
3- ما ورد فى حق ابراهيم عليه السلام
من قوله تعالى: {وإذا قال إبراهيم لأبيه ءازَرَ أتتخذُ أصناماً ءالهِةً إِنّى أرَاكَ وقومك في ضلالٍ مبين * وكذلك نُرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جنَّ عليه الَّيل رءا كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رءا القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريءُ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين * وحاجهُ قومه قال اتحاجوني في الله وقد هدانِ ولا أخافُ ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون *وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحقُّ بالأمن إن كنتم تعلمون * الذي ءامنوا ولم يلبسوا إِيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمنُ وهم مهتدون * وتلك حُجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ من نشاءُ إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 74- 83].
قد يظن بعض الناس عندما يقرأ هذه الآيات أن إبراهيم عليه السلام كان يعبد الكواكب ويعبد القمر والشمس وأنه قد تأثر بقومه فسار على دربهم في الاعتقاد وهذا جهل في حق الأنبياء وخطأ ظاهر ممن لا يفهم معاني القرآن الحكيم.
فإن هذه الآيات لا تدل أبداً على وقوع الشك من إبراهيم عليه السلام لأن سياق الآيات يدل على المحاجة بين إبراهيم وقومه بدليل أول الآية: {وإذ قال إبراهيم لأبيه ءازر أتتخذ أصناماً آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين}. وبدليل آخر الآية: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه}.
أي: أوتي الحجة التي دفع فيها أصحاب العقيدة الباطلة وهم قومه.
فالقصة التي ساقها القرآن الكريم إنَّما ترمز إلى أسلوب الإقناع وقوة الحجة التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لنبيه وخليله إبراهيم عليه السلام وكيف استطاع أن يفحم قومه في إقامة الحجة والبرهان على وجود الله عزَّ وجلَّ، وكيف استطاع أن يبين لهم ضلالهم وخطأهم في عبادة الكواكب والقمر والشمس، ويظهر أن إبراهيم عليه السلام قد سلك معهم أيسر الطرق لبلوغ غرضه، فلم يجابههم بالضلال وإنما تدرج معهم فادعى أنَّ الكواكب الذي رآه ساطعاً في السماء هو ربه ليستأنسوا بكلامه ثم لما غاب الكوكب أنكر أن يكون هذا الكوكب صالحاً لكونه رباً لأنه متغير ومحدود وكل ذلك علامة الحدوث والله سبحانه منزه عن ذلك ثم لما رأى القمر ظاهراً مضيئاً قال: هذا ربي -فهذا تدرج ليبطل عقيدتهم- فلما غاب القمر وذهب نوره أنكر أن يكون رباً معبوداً، وهنا لمح إبراهيم إلى ضلالهم، ولكن بأسلوب في منتهى الحكمة حيث قال: {لئن لم يهدني ربي لأكون من القوم الضالين} فلم يصرِّح بضلالهم وإنما اتهم نفسه بالضلالة إن عبد هذا الإله المتصف بصفات الحدوث، وقوله: {من القوم الضالين} تلميح بضلالة من عبد القمر، ثم لما بزغت الشمس وسطعت بأشعتها على الكون وأضاءت الوجود قال عن الشمس إنها ربه فهي أكبر المخلوقات فمن كان أكبر كان أحقّ بالعبادة من سائر النجوم والكواكب، وقال ذلك ليقيم الحجة على ضلالهم، فلما غابت الشمس وتوارت خلف الأفق ولم يعد لها نور ولا ضياء عندها صرح هنالك بضلال من يعبدها أو يعبد تلك المحدثات، وتبرأ من قومه ومن عبادتهم لها، وذلك بعد أن ظهرت الحجة وبان الحق {قال يا قوم إني بريء مما تشركون} عندها أعلن عقيدته التي يؤمن بها من قبل {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين}.
فظهر أن هذه الأقوال من إبراهيم عليه السلام لم تكن شكاً في الله ولم تكن جهلاً بالخالق جل وعزَّ، وإنما كانت من أجل إقامة الحجة على ضلال قومه عن طريق البرهان والاستدلال وإفهامهم بأعظم الحج الدامغة.
وقال الله تعالى أيضاً في حقِّ إبراهيم عليه السلام {وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهنَّ يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم} [البقرة: 260]
- وقد توهم بعض الناس أن إبراهيم قد شك في قدرة الله عزَّ جلَّ على إحياء الموتى، وهذا خطأ فادح وعدم معرفة في حق الأنبياء عليهم السلام، والحقُّ أن إبراهيم عليه السلام لم يشك لحظة في قدرة الله عزَّ وجلَّ وقد قطع النبي محمد صلى الله عليه وسلم دابر الوهم بقوله: "نحن أحقّ بالشك من إبراهيم" أي نحن صلى الله عليه وسلم لم نشكَّ أبداً فمن باب أولى أن لا يشك أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام.
فإن إبراهيم عليه السلام لم يسأل، عن حقيقة القدرة أي: (هل تقدر أن تحي الموتى؟) وإنما سأل عن كيفية إحياء الموتى فقال: {ربي أرني كيف تحي الموتى} والسؤال عن الكيفية إنما هو بقصد التَطلع وعندما يجيء هذا التطلع من إبراهيم عليه السلام فإنه يكشف عما يختلج أحياناً من الشوق لرؤية أسرار الصنعة الإلهية في قلوب أقرب المقربين.
- وما ورد في حقه عليه السلام في الحديث ما يوهم عدم العصمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: اثنتين منهنَّ في ذات الله قوله: (إني سقيم) وقوله: (بل فعل كبيرهم هذا). وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها: من هذه؟ قال: أختي فأتى فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل إليها فأتي بها، وقام إبراهيم يصلي فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فأخذ حتى ركض برجله، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، فدعا بعض حجبته، فقال إنك لم تأتني بإنسان إنما أتيتني بشيطان، فأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده مهيم؟ قالت ردَّ الله كيد الكافر في نحره، وأخدم هاجر.. قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء". رواه البخاري ومسلم
الحديث الشريف المذكور لا يدلُ على نفي العصمة، فالكذبات التي نطق بها الخليل إبراهيم عليه السلام لم تكن كذباً بالمعنى المتعارف عليه إنما هو كذب صورة أمَّا في الحقيقة فهو بخلاف ذلك والدليل على ذلك سياق الموضوع لكل كلمة من الكلمات الثلاثة:
أمَّا الأولى فكلمة {إني سقيم} قد وردت في القرآن الكريم قال الله تعالى: {وإن من شيعته لإبراهيم* إذ جاء ربَّه بقلب سليم* إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون* أئفكاً آلهة دون الله تريدون* فما ظنكم برب العالمين* فنظر نظرة في النجوم* فقال إني سقيم* فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم* فقال ألا تأكلون* ما لكم لا تنطقون* فراغ عليهم ضرباً باليمين* فأقبلوا إليه يزفون* قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون* قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم فأرادوا له كيداً فجعلناهم الأسفلين} [الصافات: 83-98].
فإن قول الخليل إبراهيم عليه السلام (إني سقيم) أي إني مريض فكان ادعاء المرض منه مبرراً لعدم ذهابه مع قومه حيث يخلو له الأمر فيتمكن من كسر الأصنام.
فمرضه ليس مرضاً جسيماً فعند إطلاق كلمة سقيم يتبادر إلى الذهن مرض الجسم، ولكن هو - والله أعلم - السقم المعنوي لا المادي، لأنه سقم من قومه بسبب عبادتهم للأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تغني عن صاحبها شيئاً، فحزن عليهم واشددَّ حزنه أكثر من ذلك عندما دعاهم إلى الهدى فأبوا وازدادوا في طغيانهم. فكل رسول يكون همه الأوحد هداية قومه وحرصه على أن يكونوا مؤمنين، إلا أن كثيراً من قومه يقفون أمام دعوته ويحاربونه سراً وعلانية ويؤذونه ويعتدون على أهله وأتباعه، فلذا نجد الرسول أمام هذه المواقف من قومه حزيناً عليهم مشفقاً على أنفسهم رؤوفاً بهم، وهم معرضون عنه، فتراه تعباً مريضاً من مواقفهم التي تحارب كلمة الحق وطريق الهدى.
وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يحزن ويشتد حزنه من قول المشركين فيقول تعالى: {فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} [يس: 76].
وهكذا الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد اشتدَّ حزنه فصار سقيماً من عبادة قومه الأصنام.
وأمَّا الثانية فكلمة (بل فعله كبيرهم هذا) فقد وردت في القرآن الكريم قال الله تعالى في شأن الخليل إبراهيم عليه السلام عندما انتهى من كسر الأصنام {قالوا من فعل هذا بالهتنا إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون * قالوا ءَأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئَلُوهم إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 59 - 63].
فقوله عليه السلام (بل فعله كبيرهم هذا) من باب السخرية والتهكم بقومه وبآلهتهم التي هي جماد لا تنطق ولا تقدر على شيء، والذي يدلُّ على ذلك قوله تعالى: {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 63] فكان كلامه (بل فعله كبيرهم هذا)جواباً مسكتاً لخصمه محرجاً له، فهذا ليس من الكذب في الحقيقة وإنما هو نوع من البرهان والحجة.
وأمَّا الكلمة الثالثة: (هذه أختي) فقد وردت الكلمة في الحديث المذكور سابقاً.
فهذا ليس بكذب في الحقيقة وإنما هو في الصورة والدليل على ذلك أنه قال لزوجته سارة: (فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك).
والله سبحانه وتعالى يقول: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10]. فإن كلمة أختي توهم أنها أخته بالنسب، فقد عرَّض في كلامه ولم يصرِّح حتى يدفع الضرر ودليل ذلك قول الخليل إبراهيم عليه السلام: "إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك" فهذا التعريض لا يؤاخذ صاحبه ولا يأثم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:06 PM
4- ما ورد في حق يوسف عليه السلام:
قال الله تعالى: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24].
إن هم يوسف عليه السلام في هذه الآية خاطر نفسي لم يصمم عليه، وقد صرف هذا الخاطر بخوفه من ربه وإخلاصه له وعصمة الله له ولولا ذلك لحدث ما حدث قوله تعالى: {لولا أن رأى برهان ربه(1)} أي العصمة والحفظ بدليل ما جاء من العبارة بعدها مباشرة {وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين}.
فهمه عليه السلام لا شيء فيه بل فيه حسنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هم بسيئة فلم يعملها كانت له حسنة" متفق عليه.
وأمَّا قوله تعالى: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} [يوسف: 52 - 53] فهذا الكلام من كلام امرأة العزيز وليس كلام يوسف عليه السلام وسياق الآيات يدلُّ على ذلك ولننظر إلى الآية التي سبقت الآيتين المذكورتين {قال ما خطبكن إذ روادتن يوسف عن نفسه قلن حاشَ لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأتُ العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} [يوسف: 51].
فامرأة العزيز أعلمت زوجها بأنها هي التي راودت يوسف عليه السلام عن نفسه فامتنع {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} [يوسف: 32] ولكنها لم ترتكب الفاحشة ولم تقع فيها فهي لم تخن زوجها بغيابه {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} [يوسف:52].ثم بعد ذلك قالت: {وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} [يوسف:52]..
فقد اتهمت نفسها بالسوء ولم تزكها، وإن كل نفس تأمر صاحبها بالسوء إلا من عصمه وحفظه كيوسف عليه السلام، ثم استغفرت ربها وطلبت منه الرحمة مما فعلت.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:07 PM
5- ما ورد في حق يونس عليه السلام:
قال الله تعالى: {وذا النون(2) إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات إن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} [الأنبياء: 87-88].
إن يونس عليه السلام بعث إلى قومه فدعاهم فتمردوا عليه ووعدهم وقوع العذاب بهم فذهب مغاضباً بسبب قومه {وذا النون إذ ذهب مغاضباً} وبعد ذهابه رجعوا إلى الله وتابوا إليه، فركب سفينة في البحر مع جماعة فلجت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون، فتشاوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخففوا منه، فاقترعوا ثلاث مرات ووقعت القرعة على يونس ثلاث مرات {وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق(1) إلى الفلك(2) المشحون(3) فساهم(4) فكان من المدحضين(5) * فالتقمة الحوت وهو مليم(6)} [الصافات : 139- 142].
فلما وقعت عليه القرعة أُلقيّ في البحر، وبعث الله حوتاً عظيماً، فالتقمه ولكن لم يأكل له لحماً ولم يهشم له عظماً فضيق الله عليه {وذا النون إذا ذهب مغاضباً فظن إن لن نقدر(7) عليه} فبات في بطن الحوت ونادى أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين {فنادى في الظلمات لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}.
فألقي بعد ذلك بمكان قفر ليس فيه شيء من الأشجار وهو ضعيف البدن {فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين} [الصافات: 145- 146].
فأستجاب الله له ونجاه من الضيق والكرب {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} [الأنبياء : 88].
فالله سبحانه وتعالى عاتب يونس عليه السلام لعدم الصبر ولخروجه من بين قومه بغير إذن من الله تعالى، وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله تعالى.
فكان ينبغي له الثبات اعتماداً على أن الله ينجيه كما نجى نوحاً وغيره من الأنبياء حتى يوحي إليه ما يريد.
ولقد أمر ربنا عزَّ وجلَّ رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يصبر على تكذيب المشركين وألاَّ يكون مثل يونس عليه السلام مع قومه الذي لم يصبر وخرج بلا إذن {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الموت إذ نادى وهو مكظوم(8)*
_____________________
(1) هرب وفرَّ.
(2) السفينة.
(3) المملوء.
(4) فقارع من في السفينة.
(5) المغلوبين في القرعة.
(6) أتى بما يُلام عليه ويعاتب.
(7) نضيق.
(8) مملوء غيظاً.
لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم(1) * فاجتباه ربه فجعله من الصالحين} [القلم : 48- 50].
فليس في قصة(2) يونس عليه السلام نصٌّ صريح على ذنب وإنما فيها فراره عليه السلام خشية تكذيب قومه له، لِما وعدهم به من العذاب وخروجه كان بغير إذن من الله فتسرع في خطوته فأدبه الله عزَّ وجلَّ.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:09 PM
6- ما ورد في حق داود عليه السلام :
قال الله تعالى: {وهل أتاك نَبَؤُا الخصم إذ تسوَّروا المحراب(3)* إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى(4) بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط(5) واهدنا إلى سواء الصراط* إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها(6) وعزَّني في الخطاب(7) * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثبراً من الخلطاء(8) ليبغي(9) بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود انما فتناه(10) فاستغفر ربه وخرَّ(11) راكعاً وأناب(12) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى(13) وحسن مآب(14)} [ص: 21-25].
وخلاصة قصة داود أن اثنين من الناس قد اختصما فيما بينهما وأرادا حكماً يحكم بينهما فاختارا داود حكماً، فتسللا وصعدا السور وكان عليه السلام يتعبد ويختلي بنفسه في بعض الأحيان، فلم يشعر داود عليه السلام إلا أن شخصين أمامه ففزع منهما فأخبراه أن لا يخف، إنما نحن خصمان فاحكم بيننا بالعدل، فادعى المدعي أن أخيه عنده تسع وتسعون نعجة وأنا عندي نعجة واحدة فقال لي ضمها لي بالدخول تحت ملكي وغلبني في الخصومة. فأجاب داود مباشرة دون أن يسمع كلام المدعى عليه : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فاستنكر داود لفعل شريكه ولطمعه حيث أراد أن يتنازل له عن نعجته وعنده تسع وتسعون نعجة، فعلم داود عليه السلام أنه أسرع في الحكم فكان
___________________
(1) معاتب.
(2) فليحذر من بعض التفسيرات التي تصف يونس عليه السلام بأنه أغضب الله وأنه شك في قدرة الله على الانتقام منه فهذا تفسير للآية بطريقة خاطئة وغير صحيح.
(3) عَلَوْا سُور مصلاه ونزلوا إليه.
(4) تعدَّى وظلم.
(5) ولا تظلم في حكمك.
(6) إجعلها نصيبي.
(7) غلبني وقهرني في الخصومة.
(8) الشركاء.
(9) ليظلم.
(10)ابتليناه وامتحناه.
(11)سقط.
(12)رجع إلى الله تائباً.
(13)لقربة ومكانه.
(14)حسن المرجع وهو الجنة.
ينبغي له أن يسمع كلام المدعى عليه، فاستغفر الله ورجع إليه فتاب الله عنه.
فما قصه الله تعالى عنه في القرآن الكريم ليس فيه ما يأباه مقام النبوة، فان تسرعه في الحكم ليس فيه قصد للظلم منه، حاشاه من ذلك، ولكنه انفعل مع القصة التي رويت له فتعجب، وحكم دون سماع الطرف الآخر وهو المدعى عليه، فتنبه لذلك وشعر بنفسه أنه ما كان ينبغي له أن يفعل ذلك فرجع إلى الله تائباً مستغفراً.
تنبيه: ما ورد أن داود عليه السلام كتب إلى قائد جيشه أن ابعث أوريا -وهو زوج امرأة حسناء رآها داود فأعجب بها وتعلق قلبه بها- إلى وجه العدو قِبَل التابوت وكان من يتقدم مع التابوت لا يجوز له أن يرجع حتى ينتصر أو يستشهد، فتقدم ففتح على يديه، فكتب له ثانياً : ابعثه لموضع كذا مرة بعض مرة، حتى قتل فتزوج امرأته.
ما يُروى من هذه القصة فهي من طريق الروايات الإسرائلية التي بدل فيها وغير، لا يلتفت إليها، ولم يوجد شيء من ذلك في القرآن الكريم ولا في حديث صحيح.
والذي وُجد القصة التي ذكرناها آنفاً، وحسبنا أن نعتقد بما ورد في القرآن الكريم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:10 PM
7- ما ورد في حق سليمان عليه السلام:
قال الله تعالى: {ولقد فتنا(1) سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب} [ص : 34].
إن الله عز وجل قد ابتلى سليمان، وهذا الابتلاء قد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم (قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة(2) تلد كلّ واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله. ولم يقل - إن شاء الله - فما ولدت إلا واحدة منهن بشق(3) إنسان، فقال رسول الله: "لو قال إن شاء الله لولدت كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله عزَّ وجلَّ".
وبعد أن ولدت امرأته بإنسانٍ غير كامل وضع على كرسي سليمان عليه السلام الذي كان يجلس عليه لإجراء أحكام الملك.
والذي يظهر من قصة سليمان بن داود عليه السلام أن عدم قوله إن شاء الله، لم يكن فيه ارتكاب معصية أو ذنب ولكن الله ابتلاه في ذلك ليوجهه إلى ما هو الأكمل والأفضل.
تنبيه: ما يروى أنه كان لسليمان عليه السلام امرأة وكان مغرماً بها،فقالت له: إن فلاناً من أهلي له حقٌّ عند آخر، وأنا أحب أن تحكم له إذا جاءك فأجابها لذلك، ولكنه لم يفعل فعاتبه الله تعالى لمجرد الميل، فكان ما كان من وضع خاتمه عندها وأخذ الشيطان له وتشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، فكل هذا مأخوذ من الإسرائيليات وهو من خرافات
______________________
(1) اختبرنا، وامتحنا.
(2) لم يكن في شريعة سليمان بن داود تحديد عدد الزوجات.
(3) إنسان غير كامل.
القصاصين لا يؤخذ بها لأن فيها حطاً لمقام النبوة، وكيف يُسلَّط الشيطان على نبي من الأنبياء، وقد عصمهم الله جميعاً من ذلك، وكيف يكون الشيطان عليه سلطان، وهو ليس له سلطان على الذين آمنوا؟ قال تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} [النحل: 99-100].
- ما ورد أيضاً في حقه عليه السلام:
قال الله تعالى: {قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك إنت الوهاب} [ص: 35].
والسؤال الذي يشغل البال: إن سليمان بن داود قد طلب من الله أن يؤتيه ملكاً لا يتيسر لغيره، وهذا يقتضي حبه للدنيا ولتفرده بملك عظيم لا يتيسر لغيره، وفيه حينئذٍ حرص لا يليق بزهد الأنبياء عليهم السلام في الدنيا وعدم رغبتهم فيها.
الجواب: إن طلب سليمان بن داود ملكاً لا يكون لغيره، لم يكن حسداً منه وبخلاً بالملك، ولا يشترط أن يكون حباً يغاير الزهد بل لأن كل نبي كان له ما يفتخر به أهل زمانه ويشتهر به أهل عصره، كما اشتهر في عصر موسى عليه السلام السحرة فأبطل الله هذا السحر بعصاه التي انقلبت إلى حية عظيمة، واشتهر عصر عيسى عليه السلام بالطب والأطباء، فجاء عيسى بمعجزة هي أقوى من قوانين الطب وهي إحياء الموتى وإبراء العمي وغير ذلك، فاشتهر في عصر سليمان عليه السلام الملك وكثرة الجند والمال، فأراد عليه السلام أن يكون له من ذلك ما لا يقدر عليه غيره، فملكه الله ملكاً عظيماً، ولم يجعله شاغلاً له عن زهده وعبادته وكيف ينشغل عن الله بدنيا فانية، وقد قال الله تعالى فيه: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} [ص: 39]. فهو من المقربين وذو مكانة عند الله عزَّ وجل وله حسن المرجع وهو الجنة.
وقد قدَّم الاستغفار على طلبه {رب اغفر لي وهب لي ملكاً} ليكون أدعى للإجابة.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:12 PM
8- ما ورد في حق موسى عليه السلام:
قال الله تعالى: {ولما بلغ أشدّه(1) واستوى(2) آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين * ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته(3) وهذا من عدوه فاستغاثه(4) الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه(5) موسى فقضى(6) عليه قال هذا من عمل
___________________
(1) قوَّة بدنه ونهاية نموه.
(2) كمُل عقله.
(3) جماعته.
(4) ناداه لينصره.
(5) فدفعه.
(6) فقتله.
الشيطان إنه عدو مضل مبين قال ربّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيراً(1) للمجرمين} [القصص: 14-17].
القصة هي أن موسى لما دخل على المدينة في وقت انتصاف النهار والناس في هذا الوقت يأخذون قسطاً من الراحة فتكون الأسواق مغلقة، وجد رجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل من جماعة موسى لأنه عليه السلام من بني إسرائيل، والآخر عدوٌ لموسى قبطي من آل فرعون، فناداه الإسرائيلي لينصره على القبطي، فاستجاب موسى لذلك، فدفع الرجل الذي هو من آل فرعون فقتله، فاستغفر الله على فعله فغفر الله له.
في هذه القصة لم يصدر من موسى عليه السلام ذنب أو معصية لأن الوكز عادة ليس قاتلاً إنما هو دافع، فظن أنه بهذا الوكز سيمنع القبطي من الاقتتال، ولكن كان الوكز قاتلاً للقبطي، فهذا قتل خطأ كان بغير قصد فلا إثم عليه، وأمَّا قوله تعالى: {هذا من عمل الشيطان} [ص: 15] إنه إشارة إلى القتل الحاصل بغير قصد، لأنه قتل قبل أن يؤذن له بالقتل، فلو قتله بإذن من الله لؤجر عليه لأنه قتل بحق. فطلب من الله أن يغفر له بسبب فعله فغفر له {قال ربِّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} [ص: 16].
- ما ورد أيضاً في حقه عليه السلام:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال له: أجب ربك. قال: فلطم(2) موسى عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إن أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني، قال: فردَّ الله عينه، وقال: ارجع إلى عبدي -إلى موسى- فقل: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور(3)، فما توارت(4) يدك من شعرة، فإنك تعيش بها سنة. فقال موسى عليه السلام: ثم مه(5)؟ قال -ملك الموت-: ثم تموت. قال -موسى-: فالآن من قريب، ربِّ أمتني من الأرض المقدسة رميةً بحجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب(6) الأحمر". متفق عليه اللفظ لمسلم
توضيح الحديث: إن الله تعالى أخبر رسوله موسى عليه السلام بأنه لا يموت حتى يخبره الله ويخيره بين الموت والحياة. لأنه ورد في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها: "لن يقبض نبيٌّ
__________________
(1) معيناً.
(2) ضرب.
(3) ظهر ثور.
(4) غطت.
(5) أي ماذا يكون بعد ذلك.
(6) المُجَتمع من التراب.
مقعده من الجنة، ثم يُحيَّا أو يخيَّر" فلما أتاه الملك بصورة رجلٍ ودخل عليه من غير استئذان، ولم يحيه ولم يخبره شُقَّ عليه ذلك، وكان موسى عليه السلام سريع الغضب، ولذا لما رجع إليه وخيَّره بين الحياة والموت انقاد للأمر واستسلم.
- دفع شبهة:
بعض من الناس تطعن في هذا الحديث من حيث المعنى ويتعجبون في مسألة الملك كيف يضرب وتفقأ عينه؟
الجواب: إن المَلَك إذا تمثل بشكل إنسان فإنه يصيبه من العوارض ما يصيب الجسم الإنساني كالغبار والإصابة بآفة كضربة ولكنه لا يأكل ولا يشرب(1).
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:13 PM
9- ما ورد في حق نبي عليه السلام لم ينصَّ على اسمه بالتمام:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن نبياً قرصته نملة فحرَّق قرية النمل، فأوحى الله إليه: إن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم" متفق عليه.
إن الله عاتب هذا النبي وندبه إلى احتمال الصبر وترك التشفي(2) لأنه قد أحرق جماعة من النمل، ولم تؤذِه إلا واحدة منها والله يقول: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين} [النحل: 126]. فظاهر فعله إنما كان لأجل أنها آذته فانتقم لنفسه عليه السلام، وقد منع المضرة من جماعة النمل بطريق الإحراق، لأنه توقع أنها ستضر غيره من الناس، والمعاتبة تتأكد أكثر، لأنه قتل النمل بواسطة النار وهذا تعذيب ولا يعذب بالنار إلا خالقها.
ولكن لم يأت نصُّ من الكتاب أو السنة يبين أن الله قد نهاه عن ذلك أو أنه عصى أو أنه تاب من ذلك واستغفر والله أعلم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:15 PM
10- ما ورد في حق محمد صلى الله عليه وسلم:
1- قال الله تعالى:
{إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً} [الفتح: 1 - 2].
{فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم} [محمد: 19]. ففي الآتيان تصريح بالذنب، والمراد ما كان عن سهو أو غفلة أو اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم في أمر لم يكن فيه نص فيختار باجتهاده الفاضل عن الأفضل، وهذا بالنسبة لمقام الأنبياء يعاتب به ويؤاخذ عليه، ويعدُّ ذنباً بالإضافة إلى عَليِّ منصبهم، ومعصيةً بالنسبة إلى كمال طاعتهم لا كذنوب غيرهم ومعاصيهم.
__________________
(1) أنظر بحث الملائكة في تشكيلات الملائكة.
(2) الأنتقام بما يشفي الغيظ، ويبرد الصدر.
- قال الله تعالى: {ووضعنا عنك وزرك(1) الذي أنقص(2) ظهرك} [الانشراح: 2 - 3].
ليس في النص المذكور ما يدلُّ على معصية أو ذنب، فإن معنى النص أن الله خفَّف عنك أعباء الرسالة والقيام بأمرها حيث كان حمل الرسالة شديداً عليك، وهنا كأنه شُبِّهَ الرسول صلى الله عليه وسلم بحامل شيء ثقيل عظيم على ظهره حتى انتقض ظهره.
2- وقال الله تعالى:
{ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداوة(3) والعشىِّ(4) يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين} [الأنعام : 52].
فالآية لا تنص على معصية أو ذنب، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يطرد القوم الذين لا يعبدون ربهم دون انقطاع ويخلصون في عبادتهم، لأنه لو طردهم لكان من الظالمين، فسبب الظلم هو طرد هؤلاء المؤمنين المخلصين. وسبب نزول الآية: أن قوماً من قريش مرَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمَّار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيتَ بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك فنزلت هذه الآية. فالله أمره وحذره بأن لا يطرد القوم الضعفاء الفقراء بسبب رؤساء قريش الذين شُق عليهم أن يجالسوا هؤلاء الفقراء، فإنَّ من أراد الإيمان فعليه أن يتنازل عن كبريائه وعن عجرفته، ومن أراد الحقيقة لا تهمه مظاهر الفقر ومجالسة الضعفاء.
3- وقال الله تعالى:
{ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن(5) في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 67، 68].
سبب نزول الآية:
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما أسروا الأسرى - يعني يوم بدر - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: "ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ فقال: لا والله يا رسول الله لا أرى الذي رأى أبو بكر ولكنني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من
_______________
(1) حملك الثقيل.
(2) أثقله.
(3) أول النهار.
(4) آخر النهار.
(5) يبالغ في القتل حتى يذلَّ الكفر.
عقيل (أي أخيه) فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - قريب عمر - فأضرب عنقه، وتمكن فلاناً من فلان قرابته، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان قلت: يا رسول الله: أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبكي للذي عرض على أصحابك في أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة -لشجرة قريبة منه- وأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآية المذكورة آنفاً.
لقد عتب الله عتاباً شديداً على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه الذين اختار صلى الله عليه وسلم رأيهم وكان هذا توجيهاً وتعليماً للأخذ بالأكمل والأفضل والتمهل وعدم التسرع في مثل هذه الأمور الدقيقة حتى يأذن الله سبحانه وتعالى بأمر منه.
غاية الأمران رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار بعض أصحابه في أسرى بدر وبعد المشاورة حصل رأيان، رأي يحبِّذ الفدية أي أن الأسرى يعطوا عوضاً مقابل حريتهم وإطلاق أسرهم، ورأي آخر يحبذ أن يقتلهم جميعاً فلا يبقى منهم أحد.
والرأي الأول له وجهة نظر: وهي أن أخذ الفدية من الأسارى تقوي المسلمين وخاصة أن المسلمين بحاجة إلى أموال وعون مادي في هذه المرحلة فجاءت الفدية في محلهّا، ولعل في استبقاء الأسرى هدايتهم والرجوع إلى الله.
والرأي الثاني له وجهة نظر أخرى: إن في سفك دماء الكافرين والمشركين وإراقتها تضعيفاً لشوكة الكفر، وزعزعة عزيمة المشركين، وخاصة في أول معركة للمسلمين التي كانت حاسمة وفي ذلك يكون العزُّ والنصر لله ولرسوله وللمؤمنين.
فاجتهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الرأيين واختار الرأي الأول ثم وجهه الله تعالى إلى الرأي الثاني، وعاتبه لأن مصلحة الأمة في هذه المرحلة إعزاز المسلمين، ولا يتم إلا بقتل الأسرى، وليس فيه إلزام ذنب للنبي وأصحابه ذي الرأي الأول لأن الله سبحانه قال: {ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [68] أي لولا حكم من الله سبق أن لا يعذب أحداً على العمل بالاجتهاد لنالكم وأصابكم فيما أخذتم من فداء الأسرى عذاب عظيم.
4- قال الله تعالى: {انفروا(1) خفافاً وثقالاً(2) وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله
________________
(1) أخرجوا غزاة.
(2) خفافاً وثقالاً: على آية حالةٍ كنتم.
ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون* لو كان عرضاً قريباً(1) وسفراً قاصداً(2) لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة(3) وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون* عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين* لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين* إنما يستئذنك الذي لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت(4) قلوبهم فهم في ريبهم يترددون(5)} [التوبة:41-45]
إن الله أمر بالخروج للقتال في سبيل الله ولكن بعض المنافقين اعتذر من رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنه في ترك الخروج للجهاد لعدم الاستطاعة، فنزل العتاب من الله {عفا الله عنك لما أذنت لهم}.
ولكن أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتهاداً منه فيما لا نصَّ فيه من الوحي، وهو جائز للأنبياء عليهم السلام، وليسوا معصومين من الخطأ فيه ولكن لا يقرهم الله على ذلك، بل يبين لهم الأصوب والأفضل وغاية ما في الأمر في هذه الآية أنه مخالف لما يقضيه الجزم أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجزم في الأمر فكان الأفضل له صلى الله عليه وسلم فيه أن يأذن لهؤلاء المنافقين في ترك الجهاد والخروج في سبيل وان يتشدد في ذلك فوجهه وعلّمه إلى ما هو الأفضل والأكمل.
5- وقال الله تعالى: {وإذا تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت(6) عليه أمسك عليك(7) زوجك وأتق الله وتخفِى في نفسك ما الله مبديه(8) وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيدٌ منها وطرأ(9) زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج(10) في أزواج أدعيائهم(11) إذا قضوا منهن وطرأ وكان أمر الله مفعولاً* ما كان على النبي من حرج فيما فرض(12) الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل(13) وكان أمر الله قدراً مقدوراً} [الأحزاب: 37، 38].
_____________________________
(1) عرضاً قريباً: مغنماً سهل المأخذ.
(2) سفراً قاصداً: متوسطاً بين القريب والبعيد.
(3) المسافة التي تقطع بمشقة.
(4) شكت.
(5) يتحيدون.
(6) وهو زيد بن حارثة أعتقه رسول الله وجعله ابناً له بالتبني.
(7) لا تطلقها.
(8) مظهره.
(9) بلغ حاجته وطلقها.
(10) ضيق أو إثم.
(11) مَن تبنَّوْهُم.
(12) قدَّر.
(13) الذي خلوا من قبل = وصفوا من قبلك من الأنبياء.
نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمة(1) رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجها مولاه زيد بن حارثة وكان عبداً فأعتقه صلى الله عليه وسلم ثم تبناه وكان يقال له زيد بن محمد وكانت هذه الحادثة اثباتاً لتحريم التبني، فكرهت وأبت، فنزل قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالاً مبيناً} [الأحزاب: 36].
فما كان من زينب إلا الرضا بقضاء الله ورسوله، فلو لم ترض بذلك لوقعت في عصيان الله، فرضيت بزواج زيد بن حارثة فزوجها إياه، ثم أعلم الله عزَّ وجلَّ نبيه بعد ذلك أنها من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها إليه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشى أن يأمره بطلاقها فأمره عليه الصلاة والسلام أن يتقي الله، وأن يبقي زوجته ويمسكها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشى أن يعيب قومه عليه ويقولوا تزوج امرأة ابنه، فنزل العتاب {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} ثم بعد ذلك طلقها زيدٌ، وأخذت عدتها ثم كانت من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تنبيه مهم: افترى أناسٌ من المستشرقين ومن كان على شاكلتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة، وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ زينب فكتم حبه ثمَّ أظهره الله بعد ذلك، فعلم زيد برغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في زينب فطلقها، ثم بعد ذلك تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعموا أنَّ العتاب في الآية كان لكتمان حب الرسول صلى الله عليه وسلم لزينب، وأتوا برواية أخرى، كلُّها إما مدسوسة وإما واهية وإما موضوعة، وفيها كذب صريح وافتراء على رسول الله، ومخالفة واضحة لما جاء به القرآن في هذه الحادثة.
والآية صريحة في هذا الأمر، فقد نصت الآية أن الله سيكشف ما أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم {وتخفي في نفسك ما الله مبديه(2) } فماذا أبدى الله وأظهره؟ هل أظهر تعلق قلب رسول الله بزينب أو أظهر حبَّ رسول الله وكان هائماً بها؟ حاشاه انما الذي أظهره الله تعالى في الآية زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب لأن الله قد أوحى إليه وأخبره بأنها ستكون زوجته، وكان نص الآية صريحاً حيث بين بوضوح هذا الشيء الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها} وماذا كان تعليل هذا الزواج؟ هل كان بسبب تعلق القلب بزينب أو بسبب فرط الحب؟
_____________________________
(1) عمته صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب.
(2) مُظهِرُه.
إن هذا لا يخفى على أي إنسان يعرف مبادئ القراءة، فجاء التعليل جلياً {لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً} إنما كانت هذه القصة لوضع تشريع جديد يهدم مفهوماً ومبدأ قائماً في الجاهلية ألا وهو (زواج امرأة الابن من التبني)، فجاء هذا الحكم ليعلم أن الرابطة بين المتبني والمتبنى ليست رابطة نسبية، فلا يحرم على المتبني أن يتزوج امرأة المتبنى إذا حدث بينهما انفصال، بخلاف الرابطة النسبية فإنه يحرم على الأب أن يتزوج امرأة ابنه مطلقاً حيث تصير محرمة عليه حرمة أبدية، وجاء بعد ذلك تحريم التبني صريحاً في قوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم(1) أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل * ادعوهم لآبائهم هو أقسط(2) عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم(3)} [الأحزاب: 4، 5].
فالقصة تدور حول ثلاث نقاط أساسية:
- إخفاء الرسول صلى الله عليه وسلم زواجه من زينب. بعد أن أخبره الله بأنها ستكون زوجته.
- إظهار هذا الزواج بنص صريح.
- إبطال قضية تحريم زواج امرأة الابن المتبنى إذا حدث فراق.
والعتاب في الآية {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} هو توجيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يكترث لكلام الناس ومقالهم ولا يخاف الضجة الكبرى التي ستحدث على ألسنة المنافقين ولا يتراخى في إنفاذ أمر الله.
والمعنى لا تلتفت إلى كل ذلك ولا تخشى أحداً منهم، ولكن الجدير في ذلك أن تخشى الله عزَّ وجلَّ، وليس المعنى أن خشيته من الناس فوق خشية الله عزَّ وجلَّ، وكيف ذلك؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام "إني لأخشاكم لله"، فحاشاه من ذلك. وليس في كل الحادثة ما يطعن بعصمة الرسول صلى الله عليه وسلم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:16 PM
و- السلامة من العيوب المنفرة:
إن صفة السلامة من العيوب المنفرة من خصائص الأنبياء عليهم السلام. فالأنبياء عليهم السلام لا يتصفون بصفة فيها عيبٌ خلقي يبتعد الناس عنهم، فلا تتعرض أبدانهم لأمراضٍ وأعراض شائقة التي تتقزز منها طبائع الناس، كجذام وبرص.
___________________
(1) من تبتنَّوهم من أبناء غيركم.
(2) أُعدل.
(3) أولياؤكم في الدين.
الحكمة من ذلك: لما كانت مهمة الرسل عليهم السلام تستدعي مخالطة الناس لدعوتهم وإرشادهم، ولما كانت طبائع الناس تنفر من بعض الأمراض المشينة كان من حكمة الله أن يحفظ رسله من كل هذه الأعراض المنفرة التي تشمئز الناس منها.
ولو تعرض الرسل للأمراض المنفرة لاستدعى هذا الأمر الابتعاد عن الرسل، وهذا فيه منافاة لمهمة الرسالة التي تستدعي جلب قلوب أهل الكفر إلى الحق والطاعة بأفضل سبل وأحكمها، وتستدعي تأليف قلوب المسلمين للإقبال على رسولهم ومحبته والشوق إلى مجالسته.
أمَّا الأمراض غير المنفرة فهي تعرض على الأنبياء عليهم السلام، وهذا لا يؤدي إلى نقص مراتبهم ولكن فيه ابتلاء من الله عزَّ وجلَّ.
وقد أصيب أيوب عليه السلام بمرضٍ ابتلي به، وأصيب بضرٍ في أولاده، قال الله تعالى في شأنه: {وأيوب إذ نادّى ربَّه أني مسني الضرُّ وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضرٍ وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين} [الأنبياء: 83، 84].
تنبيه: ما روي أن أيوب عليه السلام مرض واشتد به المرض حتى تعفن جسده وأصبح الدود يخرج من بدنه فصار يعافه الجليس، ويتوحش منه الأنيس، وانقطع عنه الناس، حتى كرهته زوجته، فأخرج من البلد وألقي في مزبلة .. كله لا أصل له وهو من الحكايات المنقولة من الإسرائيليات ولا يصح تصديقها ولا الاعتقاد بها، لأنها تتنافى مع منصب النبوة.
وحسبنا أن نعتقد أن أيوب عليه السلام أبتلي بمرض ليس بمنفر وصبر على هذا الابتلاء فدعا الله أن يكشف عنه هذا الضر. فاستجاب الله دعاءه فأزال عنه ما ألمَّ به.
ز- صفة البشرية لازمة للأنبياء:
إن صفة البشرية للأنبياء والرسل لا تنسلخ عنهم، فهم بشرمثلنا إنما يختلفون بالوحي الذي يؤيدهم الله به، وبما يتصفون من صفات خاصة تتعلق بوظائف الرسل والأنبياء قال الله تعالى: {إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد * فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عمل صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} [الكهف: 109، 110].
- الحكمة من ذلك:
إن الله بعث إلى البشر رسلاً منهم، فيهم جميع مواصفات البشر ليكونوا في أقوالهم وأفعالهم ودعوتهم حجة على الناس، وليكون هذا أدعى للقدوة بالرسل لأنه داخل في استطاعة البشر وفي مقدورهم.
ولو كان الرسل أو الأنبياء من الملائكة لبرر الناس مخالفتهم ولاحتجوا عليهم: لو أنكم بشر مثلنا لوقعتم في المخالفات والمعاصي لأنَّ أجسادنا فيها من الغرائز الشهوانية، وانتم لا تختزنون في أنفسكم شيئاً من الشهوة، ولا شيئاً من الغرائز البشرية، فلذا لا نستطيع متابعتكم.
فمن هنا اقتضت حكمة الله عزَّ وجلَّ ان يبعث رسلاً من البشر.
فالأنبياء عليهم السلام بشر، فيجوز في حقهم الأعراض البشرية التي لا تنافي أصل مهمتهم كالأمراض غير المنفرة والأكل والشرب والنكاح وغير ذلك.
قال الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام: {وما جعلناكم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين} [الأنبياء: 8]
وقد ذكر القرآن الكريم اعتراض الكافرين على طعام رسول الله ومشيه في الأسواق، وطلبهم أن ينزل إليه ملك يكون معه رسولاً، فرُدَّ على اعتراضهم بأن هذا الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن بدعاً في الرسل، فكل الرسل كانوا على شاكلته يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.
- اعتراض الكافرين:
{وقالوا مالِ هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً} [الفرقان: 7].
الردُّ عليهم:
{وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} [الفرقان: 20].
__________________
(1) لا يلتفت إلى الروايات التي جاءت من أهل الكتاب وهي الروايات الإسرائيلية في هذا الموضوع حيث تروي عن يوسف عليه السلام بما لا يليق بحاله وهو النبي المحفوظ المكرم المخلص فمن هذه الروايات "أن يوسف عليه السلام حلَّ تكة سرواله وقعد بين شعابها الأربع وهي مستلقية على قفاها وانه سمع صوتاً إياك وإياهَّا مرتين فكل هذه الأقاويل باطلة ولا أساس لها من الصحة، وحسبنا أن نعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها ولهذا قال تعالى: {وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف : 24]
هذا وكل ما ورد من النصوص عن يوسف عليه السلام ليس فيه نص على معصية صدرت منه.
تنبيه أول : وأمَّا قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف فيها نقص ينسب إليه مما لا يناسب مقامه، وأما إخوته فلم تثبت نبوتهم، وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء ليس صريحاً في كونهم من الأنبياء.
تنبيه ثان : إن بعض الناس يستدل بما حصل مع يوسف عليه السلام وامرأة العزيز ويصف يوسف نبي الله بأنه استجاب واستكان للمرأة وحاول أن يرتكب الفاحشة ليبرر وقوعه في المعصية فيقول: إذا كان يوسف عليه السلام فعل ذلك فأنا أفعل من باب أول. وهذا جهل بأحكام الدين، وجهل بمقام الأنبياء عليهم السلام.
(2) ذا بمعنى صاحب والنون بمعنى الحوت، أي صاحب الحوت وهو يوسف عليه السلام.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:18 PM
ز- المعجزة دليل الرسالة:
أ- معنى المعجزة:
المعجزة: هي أمر ممكن من ناحية العقل، مخالف للعادة، يجريه الله على يد أحد الأنبياء، ويكون الأمر مقروناً بدعوى النبوة، وموافقاً لدعواه على وجهٍ يعجز المنكرين عن الإتيان بمثله.
ب- الحكمة من المعجزة:
إن الله سبحانه وتعالى يجري المعجزات على أيدي أنبيائه ورسله التي تخرق المعتاد والمألوف في قوانين الكون وأنظمته حتى تضع الباحث أمام البرهان الواضح الدال على صدق الرسول أو النبي.
ج- أنواع المعجزات:
1- القول: مثاله: القرآن الكريم.
2- الفعل: مثاله: نبع الماء من بين أصابع الرسول صلى الله عليه وسلم.
3- الترك: مثاله: عدم إحراق النار لإبراهيم عليه السلام.
د- الشروط المتوفرة في المعجزة:
1- الشرط الأول: خرق العادات والمألوف: إذا لم يتحقق خرق العادة والمألوف في قوانين الكون وأنظمته الدائمة فليست بمعجزة، فلو قال المدَّعي علامة نبوتي هو طلوع الشمس من المشرق، فلا يعدُّ هذا الأمر مخالفاً للقوانين الكونية بل مسايراً لها فلا تعتبر معجزة.
2- الشرط الثاني: تكون المعجزة على يد نبي أو رسول: لا تتحقق المعجزة ككونها معجزة إلا إذا كانت على يد مدعي النبوة أو الرسالة، فإن تم الأمر الخارق على يد أحدهما (النبي والرسول) كان هذا الأمر معجزة.
3- الشرط الثالث: التعجيز: أن تعجز الناس عن المعارضة بمثلها على الصورة الخارقة التي تم تحديهم بها.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:23 PM
هـ- أمثلة عن معجزات الرسل عليهم السلام:
1- معجزة ابراهيم عليه السلام
لما دعا إبراهيم عليه السلام قومه إلى الإيمان والرجوع إلى الله تعالى أبوَا وأصروا على كفرهم وضلالهم وأرادوا به شراً، ولما كسَّر أصنامهم وأعطاهم الحجة المقنعة بأن ما يعبدونه لا يضر ولا ينفع، وسفه أصنامهم المعبودة من دون الله، فلم يكن من قومه إلا أن وقفوا بوجهه وأنذروه بالعذاب فأشعلوا ناراً عظيمة وألقوا فيها إبراهيم عليه السلام ولكن الله سبحانه ناصر لرسله ومؤيدهم، فبدل أن تحرقه النار وتشوهه جعلها الله برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام، فكانت هذه معجزة له عليه السلام.
قال الله تعالى في شأن إبراهيم عليه السلام: {قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم * أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون * قالوا حرِّقوه وأنصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم * وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين} [الأنبياء: 66 - 67].
2- معجزة صالح عليه السلام:
لقد بعث الله صالحاً عليه السلام إلى قوم ثمود، وهم من الأقوام العربية البائدة وفتح الله عليهم أبواب النعمة فكانت لهم أنعام كثيرة وجنات وفيرة وعيون غزيرة ومهروا في نحت البيوت في الجبال، ولكنهم عبدوا الأوثان وفسدوا في الأرض فساداً كبيراً.
فأمرهم صالح بدعوة الرسل، وأرشدهم إلى فعل الخير، وترك الفساد في الأرض، فكذبوه وعصوه، ثم طالبوه بآية تكون دليل صدقه في رسالته، فأجرى الله على يده معجزة وهي أن يستدعي صخرة في الجبل، فتخرج منها ناقة لها جميع صفات النوق، فكانت طريقة وجود هذه الناقة من الأمور الخارقة وكذلك استمرت طريقة عيشها على وجه خارق للعادة فكانت المياه مقسومة بين الناقة وقوم ثمود، يوم لها ويوم لهم، فحذرهم صالح عليه السلام من التعرض لها وأنذرهم بالعذاب إذا هم عقروها، ولكن قوم ثمود أصروا على العناد وتكذيب وتآمروا على عقر الناقة فبعثوا أشقاهم فقتلها. فحقت عليهم كلمة العذاب، وطبق الوعيد الذي أنذروا به على لسان رسولهم صالح عليه السلام فاهلكهم الله.
قال الله تعالى في شأن قصة صالح عليه السلام مع قومه: {كذبت ثمود المرسلين * إذ قال أخوهم صالح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجرٍ إن أجري إلا على ربِّ العالمين * أتتركون في ما ههنا ءامِنِين * في جنات وعيون * وزروع ونخل طلعها(1) هضيم(2) * وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين * فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذي يفسرون في الأرض ولا يصلحون * قالوا إنما أنت من المسحرين ما أنت إلا بشر مثلنا فأتِ بآية إن كنت من الصادقين * قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم* ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم * فعقروها فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 141- 159].
3- من معجزات موسى عليه الصلاة والسلام:
أرسل الله عز وجل موسى عليه السلام إلى فرعون وبني إسرائيل، وأيده الله بمعجزات منها:
المعجزة الأولى: انقلاب عصاه حية تسعى، ثم ابتلاعها حبال سحرة فرعون وعصيهم. قال الله تعالى: {وما تلك بيمينك يا موسى * قال هي عصاي أتوكَّؤُا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى * قال ألقها يا موسى * فألقها فإذا هي حية تسعى} [طه: 17-20].
وقال تعالى: {وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاك فإذا هي تلقف(3) ما يأفكون(4) * فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون} [الأعراف: 117-118].
وقال تعالى: {وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد(5) ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه: 69].
المعجزة الثانية: إدخال يده في جيبه ثم إخراجها وهي بيضاء من غير سوء.
قال الله تعالى: {وأدخل يدك في جيبك(6) تخرج بيضاء(7) من غير سوء(8)} [النمل: 12].
المعجزة الثالثة: فلق البحر (شَقُّه):
لما لحق فرعون وجنوده بموسى عليه السلام وبني إسرائيل وأصبح بنو إسرائيل على شاطئ البحر، واقترب منهم فرعون وجنوده أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن يضرب البحرَ بعصاه، ففعل. فانشق البحر وانحسر يمنة ويسرة فكأن كلَّ شق منه كالجبل العظيم، وسلك بنو إسرائيل في أرض البحر التي انحسر الماء عنها حتى جاوزوا البحر ونجوا، ولحقهم فرعون وجنوده متتبعين خطواتهم، حتى إذا توسطوا البحر ضم الله الماء بعضه إلى بعض فأغرقهم، ولم ينج منهم أحد دخل البحر.
_________________________
(1) الطلع من النخل.
(2) لين نصيج.
(3) تبتلع.
(4) ما يُمَوِّهونه.
(5) مكر.
(6) فتحة القميص.
(7) مستنيرة.
(8) دون داء ولا مرض.
قال الله تعالى: {فأتبعوهم مشرقين(1) * فلما ترآءا الجمعان(2) قال أصحاب موسى إنا لمدركون* قال كلا إن معي ربي سيهدين* فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق(3) فكان كل فرق(4) كالطود(5) العظيم* وأزلفنا(6) ثم الآخرين* وأنجينا موسى ومن معه أجمعين* ثم أغرقنا الآخرين* إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} [الشعراء: 60 - 67].
4- من معجزات عيسى عليه السلام:
المعجزة الأولى: أنه يخلق أي يصور من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فيكون طيراً بإذن الله
المعجزة الثانية: أنه يمسح على الأكمه وهو من ولد أعمى فيبرئه بإذن الله.
المعجزة الثالثة: أنه يمسح على الأبرص فيشفيه بإذن الله.
المعجزة الرابعة: أنه يحي الموتى بإذن الله.
المعجزة الخامسة: أنه ينبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم.
المعجزة السادسة: دعا عيسى عليه السلام ربه أن ينزل مائدة من السماء بعد ما طلب الحواريون منه هذا الأمر ليأكلوا منها ولتطمئن قلوبهم وليتثبتوا من صدقه عليه السلام.
قال الله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين وإذا أوحيت إلى الحواريين أن ءامنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون* إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين* قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا وتكون عليها من الشاهدين* قال عيس ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وءاخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين* قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين} [المائدة: 110 - 115].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:25 PM
5- معجزات محمد صلى الله عليه وسلم:
القرآن الكريم وهو أبلغ وأعظم المعجزات التي أيد الله بها رسله وأنبياءه كافة فالقرءان
______________________________
(1) في وقت الشروق.
(2) لما رأى كلُّ منهما الآخر أي فريق موسى وفريق فرعون.
(3) انشق.
(4) قطعة من البحر مرتفعة.
(5) كالجبل.
(6) قربنا فرعون وجنوده من البحر.
هو المعجزة الناطقة بنبوته عليه الصلاة والسلام في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة.
أ- من وجوه إعجاز القرءان:
بلاغته وفصاحته: فهو ينطوي على نظم بديع لا نجده منسجماً مع النثر والمعهود من أساليب وطرائقه. ولا متفقاً مع الشعر والمعروف من بحوره وأعاريضه مع بلاغة سامية عجيبة، ومع أسلوب رائع عجيب يستوي في الإفادة منه كل فئات الناس من عوام ومثقفين وأرباب اختصاص، حتى عجز جميع أرباب البلاغة والبيان منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم بل سيعجزهم إلى يوم القيامة عن الإتيان بمثله.
وقد تحدى القرآن الكريم واستنهض العرب العالمين بالبلاغة والفصاحة والبيان بأساليب متكرره مختلفة إلى القيام بمحاولة ذلك.
قال الله تعالى: {وإن كنتم في ريب(1) مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين* فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} [البقرة: 23 - 24].
وقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً(2)} [الإسراء: 88].
وقال تعالى: {أم يقولون تقوَّله بل لا يؤمنون* فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} [الطور: 33 - 34].
فآيات التحدي هذه ظلت مسجلة في كتاب الله تعالى تقرع آذان الأدباء والشعراء والبلغاء على اختلاف مذاهبهم وكلهم في كل عصر فما استطاع واحد فيهم أن يسجل إلى جانب هذا التحدي عملاً ما يصلح أن يقال إنه قد عارض به القرآن فأتى بشيء حسن. فهذا الواقع من أجلى أدلة التجربة المشاهدة على ثبوت وصف الإعجاز للقرآن، إذ هو دلالة الواقع نفسه خلال التاريخ والقرون.
وصدق الله العظيم الذي هو أصدق القائلين إذ يقول:
{فإِلَّم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزله بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنت مسلمون} [هود: 14].
فهذا الكتاب العظيم هو أعظم معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ب- ومن وجوه إعجازه أن فيه ما لا يتناهى وما لا يحصى من المعجزات الجزئية التي ينتبه إليها في كل عصر. كلما تقدم الناس في ميادين العلم والتجربة ونظم الحياة، فالقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في أي موضوع عرضه.
_________________
(1) شك.
(2) معيناً.
قال الله تعالى: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: 42].
فلا يأتيه الباطل في أي حقيقة علمية أثبَّتها، فحقائق العلم ومكتشافته الثابتة بيقين تثبت دواماً صحة ما تحدث القرآن عنه من حقائق علمية.
قال الله تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضلُّ ممن هو في شقاق بعيد * سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} [فصلت: 52 - 53].
ولا يأتيه الباطل في أي مبدأ أو تشريع أوضحه، وتجارب الحياة تثبث باستمرار كمال مبادئ الإسلام وتشريعاته وتعاليمه ووحدة نظمه وسلامتها وصلاحيتها لسعادة الناس جميعاً.
قال الله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9].
ولا يأتيه الباطل في أي خبر تاريخي أخبر به من أنباء الغيب التي ضاعت صورتها الحقيقية في أخلاط التاريخ القديم للأمم، وبخاصة ما اختلف فيه بنو اسرائيل.
قال الله تعالى: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} [هود: 49].
وقال تعالى: {إن هذا القرءان يقصُّ على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون * وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين} [النمل: 76، 77].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:27 PM
ومن أهم إعجاز القرآن الكريم في العصر الحديث الإعجاز العلمي الذي بهر كبار العلماء والمفكرين.
وسنلمح إلى بعضها بشكل موجز وسريع فالقرآن سبق العلوم الحديثة في تقرير حقائق ثابتة منها:
1- حقيقة نقص الأوكسجين والضغط الجوي كلما ارتفع الإنسان إلى أعلى مما يسبب ضيقاً شديداً في الصدر. وهذا الكلام قد ذكره القرآن الكريم قبل تجربة طيران الإنسان بألف وأربعمائة سنة.
قال الله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً(1) كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس(2) على الذين لا يؤمنون} [الأنعام: 125].
وقد مثل القرآن الكريم أن من كان في الضلالة يصيبه ضيق شديد في صدره كمن يتصعد إلى السماء فيضيق صدره فلا يكاد يتنفس بسبب قلة الأوكسجين والضغط الجوي.
فمن علم محمداً صلى الله عليه وسلم هذا الأمر؟ ومن أخبر رجلاً أمياً بذلك؟ وهل كان يملك وسائل لكشف ذلك؟
2- لقد اكتشف الدارسون حقيقة ثابتة وهي: أن تحت الطبقة الأرضية الصلبة، طبقة لينة لزجة وأن تحت كل جبل جذراً كالوتد يعوض في هذه الطبقة اللينة فيمسك الأرض الصلبة من أن تضطرب من تحتنا بسبب لين ما تحتها.
والله يذكر لنا هذه الحقيقة في القرآن الكريم قال تعالى: {والجبالَ أوتاداً(3)} [النبأ: 7].
يقول تعالى: {وألقى في الأرض رواسي(4) أن تميد بكم(5)} [النحل: 15].
3- وتبين من الخلال الكشف الطبي حقيقة، وهي أن الأعصاب التي تتألم بحريق النار وشدة البرد توجد في الجلد، مما يجعل الإنسان يتألم عند دخول إبرة الطبيب في منطقة الجلد فإذا غارت في اللحم تلاشي الألم.
وقد أثبت القرآن الكريم أن الألم بالحرق يكون في الجلد.
قال الله تعالى: {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم(6) ناراً كلما نضجت(7) جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً} [النساء: 56].
4- ولقد كشف العلم الحديث أن في قاع البحار العميقة ظلمات شديدة حتى أن المخلوقات الحية تعيش في هذه الظلمات بدون آلات بصرية وإنما تعيش بواسطة السمع، وأن هناك موجاً داخلياً يغشى البحر وقد تمكن الباحثون من تصوير هذا الموج بالأقمار الصناعية. وتبين أن الموج السطحي المائل يشتت الضوء الذي يسقط عليه من أعلى فيكون بذلك ظلمة كما تفعل السحاب في منع بعض أشعة الشمس من النفاذ إلى أسفل.
فكل هذه الأسرار قد ذكرها القرءان الكريم.
_________________________
(1) شدة الضيق.
(2) العذاب والخذلان.
(3) أي : ألم نجعل الجبال أوتاداً.
(4) توابت.
(5) لئلا تتحرك وتضطرب بكم.
(6) ندخلهم.
(7) احترقت وقهرَّات وتلاشت.
قال الله تعالى: {أو كظلمات في بحر لجي(1) يغشاه(2) موج من فوقه موج من فوقه سحاب(3) ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} [النور: 40].
فمن أعطى هذه الحقيقة المشاهدة لمحمد صلى الله عليه وسلم؟
أفلا يدل ذلك على صدق نبوته؟
5- وكشف العلم الحديث أن في النباتات جميعاً زوجية (ذكراً وأنثى) والقرآن الكريم قد ذكر هذا الأمر.
قال الله تعالى: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها ممَّا تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 36].
6- وظهر للباحثين أن القمر كان مشتعلاً ثم انطفأ ومُحي ضوءه، فإن النور الذي يخرج منه في الليل ما هو إلا انعكاس من سراج آخر وهو الشمس.
والله أوضح ذلك فقال تعالى: {وجعلنا الَّيل والنهار آيتين فمحونا(4) آية الَّيل(5) وجعلنا آية النهار(6) مبصرة(7) لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً} [الإسراء: 12].
7- وكشف العلم الحديث: أن نجوم السماء لا تزال تُخلق، وأن مُدن النجوم يتباعد بعضها عن بعض وبهذا عرف أن السماء لا تزال تتسع.
قال الله تعالى: {والسماء بنيناها بأيدٍ(8) وإنا لموسعون} [الذاريات : 47].
8- واكتشف علماء النبات حقيقة وهي: أن الماء إذا نزل أخرج النبات، وأن النبات يُخرج مادة خضراء اللون هي التي تُصنَع فيها الحبوب والثمَار ومن هذه المادة الخضراء تخرج الحبوب والثمار.
قال الله تعالى: {وهو الذي أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به نبات كلِّ شيء فأخرجنا منه خضراً(9) نخرج منه حباً متراكباً(10) ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون
____________________
(1) عميق كثير الماء.
(2) يعلوه ويغطيه.
(3) غيم يحجب أنوار السماء.
(4) طمسنا.
(5) القمر.
(6) الشمس.
(7) مضيئة.
(8) بقوة.
(9) مادة خضراء.
(10) متراكباً كسنابل الحنطة ونحوها.
والرمان مشتبهاً وغير متشابهٍ انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه(1) إن في ذلكم لآيات لقومٍ يؤمنون} [الأنعام: 99].
9- كشف علم التشريح والأجهزة المكبرة في الآونة الأخيرة سير الطعام في الأنعام أي الإبل وتكوّن اللبن فيها فوجدوا أن الأنزيمات الهاضمة، تحوّل الطعام إلى فرث يسير في الأمعاء الدقيقة، حيث تمتص العروق الدموية (الخملات) المواد الغذائية الذائبة من بين ذلك الفرث فيسري الغذاء في الدم حتى يصل إلى الغدد اللبنية وهناك تمتص الغُدَد اللبنية المواد اللبنية التي سيكوَّن منها اللبن من بين الدم فيتكون اللبن الذي أخرج من بين فرث أولاً ومن بين الدم ثانياً.
وقد نص القرآن الكريم على هذه الحقيقة، فقال الله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ(2) لبناً خالصاً سائغاً للشاربين} [النحل : 66].
10- توصل البحث العلمي إلى أن أصل السماء ونجومها وكواكبها هو الدخان، وما زال إلى الآن تتكون من بقايا الدخان النجوم.
قال الله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11].
11- وقد كشف العلماء حقيقة جديدة وهي أن الأرض انفصلت عن السماء، فكانت الأرض والسماء كتلة واحدة فحدث انفصال بعد ذلك.
وكشف العلم الحديث أن سائل الماء أساسي لوجود الحياة فلا يوجد سائل على وجه الأرض يصلح أن يكون وسطاً صالحاً للتفاعلات الحيوية غير الماء قال الله تعالى: {أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً(3) ففتقناهما(4) وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} [الأنبياء: 30].
12- تبين من خلال البحث العلمي أن لكل إنسان رسماً خاصاً لبنانه (لأطراف أصابعه) لا يشابهه رسم لبنان أي إنسان آخر، وقد استخدمت بصمات البنان في التعرف على الشخصية.
فإذا أدركنا ذلك علمنا السر الذي اختفى طويلاً من معنى هذه الآية حيث يقول الله تعالى العليم الخبير لمن أنكر البعث: {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي(5) بنانه} [القيامة: 3 - 4] أي إن الله قادر على جمع العظام وزيادةً على ذلك على أن يجمع ما هو أكبر منه وأعظم وأدق وهو إعادة البنان بخطوطها التي يتميز بها كل إنسان بانفراده.
___________________
(1) وإلى حال نضجه وإدراكه.
(2) لقد تصفى اللبن مرتين مرة من الفرث (مما في الكرش) من صار دماً، ومرة من الدم ثم صار لبناً خالصاً.
(3) كانتا ملتصقتين بلا فصل.
(4) ففصلناهما.
(5) أن نعيد.
فمن دلَّ محمداً على هذا الأمر الدقيق؟
أليس هذا كله يدلل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصدق بنبوته واستمرار معجزته؟
وليعلم أن القرآن الكريم ليس كتاباً علمياً في الهندسة أو الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء أو غير ذلك … وإنما هو كتاب هداية للناس أجمعين.
ولكن وعد الله بأنه سيري الناس آياته في الآفاق وأنه سيعرفهم بها ولقد تحقق الوعد في مجال هذه الحقائق العلمية في زمن التقدم العلمي الذي كشف عن هذه الحقائق، وليعرف الناس صدق ما جاء في القرءان الكريم ليؤمنوا بأنه من عند الله الذي يعلم سرَّ السموات والأرض.
قال الله تعالى: {قل أنزله الذي يعلم السرَّ في السماوات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً} [الفرقان: 6].
- ومن معجزاته(1) صلى الله عليه وسلم الكثيرة الواردة في الحديث الشريف.
عن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة بن الأكوع فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: ضربة أصابتني يوم خيبر فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة. رواه البخاري.
عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه" قال: فبات الناس يَدُوكون ليلتهم(2) أيُّهم يعطاها، فلما أصبح الناس غَدَوا(3) على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلُّهم يرجو أن يُعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب" فقالوا يشتكي عينيه يا رسول الله، قال: "فأرسلوا إليه فأتوني به" فلما جاء بصق في عينيه ودعا له، فبرأ(4) حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: "أنفُذ على رِسلك(5) حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم(6)". رواه البخاري
__________________
(1) أنظر علامات الساعة.
(1) يخوضون ويتحدثون طوال ليلتهم.
(2) ذهبوا غدوة أي صباحاً.
(3) شفي.
(4) هيذتك أي بتأنٍ.
(5) أي الإبل ذات اللون الأحمر وهي من أنفس الأعدال في زمنهم.
(6) المعجزات.
عن عبد الله قال: كنا نعدُّ الآيات(1) بركة(2)، وأنتم تَعُدُّونها تخويفاً، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسل في سفر فقلَّ الماء، فقال: "اطلبوا فَضَله(3) من ماءٍ" فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: "حيَّ على الطَّهور(4) المبارك(5) والبركة على الله" فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنا(6) نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكَلُ. رواه البخاري.
وعن أنس رضي الله عنه قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بإناء وهو بالزَّوراء(7)، فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم. قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة أو زهاء(8) ثلاثمائة. رواه البخاري.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبراً؟ قال: "إن شئتم" فجعلوا له منبراً، فلمَّا كان يوم الجمعة دُفِع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمها إليه، تئنُّ أنين الصبي الذي يُسكَّن. قال: "كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذِّكر عندها" رواه البخاري.
وعن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً، فولَّى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا غَشوا(9) رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغَلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوهم فقال: "شاهت الوجوه(10)" فما خلق الله منهم إنساناً إلاَّ ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين فهزمهم الله، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين. رواه مسلم.
ومن أراد زيادة في معرفة مفردات معجزاته صلى الله عليه وسلم عليه أن يرجع إلى كتب الصحاح من الأحاديث النبوية الشريفة.
___________________________
(1) المعجزات.
(2) فضلاً وتكرماً من الله تعالى.
(3) شيء من ماء بقي لدى واحد من الصحابة التي معه في السفر.
(4) تعالوا وتطهروا بالماء.
(5) الذي نما وازداد بفضل الله ففيه خير ونور.
(6) أي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(7) اسم موضع في سوق المدينة في تلك الأيام.
(8) مقدار.
(1) أحاط به المشركون.
(2) قجت وهو دعاء فصلت منه طلب خذلان هؤلاء المشركين.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:30 PM
ح- بيان عدد الرسل والأنبياء عليهم السلام:
أ- كلُّ أمة لها رسول.
ب- من يجب علينا الإيمان به من الرسل والأنبياء عليهم السلام.
ج- عدد الرسل في القرآن الكريم.
د- أولوا العزم من الرسل.
أ- كلُّ أمة لها رسول:
لما كان الناس بحسب طبيعتهم عرضة للتأثرات بالشهوات النفسية والوساوس الشيطانية، وهذا الأمر يؤدي بهم إلى الشر والضر، والظلم والفساد في الأرض.
من أجل ذلك فقد بعث الله رسلاً لبشر، ومنذ نشأت البشرية على الأرض جعل الله منهم رسولاً وهو آدم عليه السلام، فهو أبو البشر عليه السلام وهو أول إنسان بشر على الأرض.
فآتاه الله الحكمة والهدى وانزل عليه شريعة لهم يتعبدون الله بها ويتعاملون بها فيما بينهم، ثم تكاثر الناس وتوزعوا في أرض الله الواسعة يطلبون الرزق والماء في مختلف بقاعها، وفق النظام الفطري في تكاثر الخلق، وصاروا شعوباً وقبائل، ثم بتقادم العهد نسوا شريعة أبيهم آدم عليه السلام وضيعوا وصاياه، ولعبت بهم الأهواء والشهوات وأضلتهم وساوس الشيطان فاعتدوا وظلموا وجاروا
وكفروا بالله، فتداركهم الله بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين حتى لم يدعْ أمة من الأمم إلا وأرسل فيها رسولاً يدعو إلى الله، وبشر بالجنة لمن آمن بالله واليوم الآخر ورسالة الله، وينذر بعذاب الله في النار لمن يكفر به ويخالف أمره.
قال الله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة(1) رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [النحل: 36].
ب- من يجب الإيمان به من الرسل والأنبياء عليهم السلام:
يجب الإيمان بكل الرسل والأنبياء عليهم السلام على العموم، وبكل عدد الأنبياء والرسل عليهم السلام، ونؤمن بهم جميعاً دون حصر بعدد.
ومن هؤلاء الرسل من قصَّ الله علينا قصصهم وذكر لنا أسماءهم، ومنهم من لم يذكرهم ولم يقص قصصهم قال الله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لمن نقصص عليك} [غامر: 78].
____________________________
(1) الجماعة الكثيرة من الناس.
ج- عدد الرسل عليهم السلام في القرآن الكريم:
ذُكر في القرآن الكريم خمسة وعشرون رسولاً وهم: آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، يوسف، أيوب، شعيب، موسى، هارون، أو الكفل، داود، سليمان، إلياس، إليسع، يونس، زكريا، يحيى، عيسى، محمد خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
أولهم آدم عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم .
قال الله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم* ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين* وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين* وإسماعيل وإليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على العالمين} [الأنعام : 83، 86].
{وإلى عادٍ أخاهم هوداً} [هود: 50].
{وإلى ثمود أخاهم صالحاً} [هود: 61].
{وإلى مدين أخاهم شعيباً} [هود: 84].
{واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً* ورفعناه مكاناً علياً} [مريم: 56، 57].
{وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين} [الأنبياء: 85].
د- أولوا العزم من الرسل:
أولوا العزم هم: "نوح، إبراهيم، موسى، عيس، محمد" صلوات الله وسلامة عليهم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:31 PM
الإيمان باليوم الآخر
1- وجوب الإيمان باليوم الآخر:
الإيمان باليوم الآخر من أسس الإيمان يجب التصديق به، ويدخل في ذلك: الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها التي تكون قبلها وبالموت وما بعدهُ من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وبالنفخ في الصور وخروج الخلائق من القبور، وما في موقف القيامة من الأهوال والأفزاع، والحشر والنشر ووضع الموازين وبالصراط، والحوض، والشفاعة لمن أذن الله له وبالجنة ونعيمها وبالنار وعذابها وغير ذلك من الأمور التي ورد ذكرها في القرآن الكريم أو في الصحيح من السنة النبوية المطهرة.
قال الله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ(1) هُدًى(2) لِلْمُتَّقِينَ(3) * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [لبقرة: 1-5].
وقال تعالى:{وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7].
وقال تعالى: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} [الذاريات: 5-6].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:32 PM
2- ثمرة الإيمان باليوم الآخر:
الإيمان باليوم الآخر يجعل للإنسان غايةً سامية وعالية، وهذه الغاية هي فعل الخيرات، وترك المنكرات، والتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل الضارة بالدين والنفس والمال والأعراض والعقل.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:34 PM
3- الساعة:
أ- وقت الساعة:
إن وقت الساعة أي يوم القيامة من الأمور الغيبية وقد أخفاها الله عن عباده لحكمة يعلمها فلا سبيل إلى معرفة وقتها فلا يعلمها إلا الله تعالى.
قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا(4) قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا(5) لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً} [الأعراف: 187].
____________________
(1) لا شك في أنه حق من عند الله.
(2) هادٍ.
(3) الذين اجتنبوا المعاصي وأدوا الفرائض فوقوا أنفسهم العذاب.
(4) متى إثباتها ووقوعها؟
(5) لا يُظهرها ولا يكشف عنها.
ب- قرب الساعة:
وقد أخبر الله عن قرب الساعة قال الله تعالى: {اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 1-2].
وانشقاق القمر هو معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث إن أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين.
وقال الله تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} [الأحزاب: 63].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت أنا والساعة كهاتين" مشيراً بإصبعيه: السبابة والوسطى. رواه البخاري ومسلم
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:36 PM
ج- وللساعة أشراط وعلامات،
قال الله تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا(1) فَأَنَّى لَهُمْ(2) إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ(3)} [محمد: 18].
وقد وردت الأشراط والعلامات في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ما قد ظهر ورأيناه ومنها لم يَحصل بعد وستظهر لا محالة في ذلك.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:43 PM
فمن العلامات التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم:
1- كثرة الزنا وكثرة شرب الخمر:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم(4) ويكثر الجهل(5)، ويكثر الزنا ويكثر الخمر" رواه البخاري ومسلم.
وقال عليه الصلاة والسلام: "إن ناساً من أمتي يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها" رواه الحاكم في مستدركه.
وقد رأينا من يشرب الخمر ويقول هذه بيرة ليست خمراً أو أسماء أخرى كالويسكي والشمبانيا وغيرها كثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقال عليه الصلاة والسلام: "لا تقوم الساعة حتى توجد المرأة نهاراً تنكح وسط الطريق، لا ينكر ذلك أحدٌ، فيكون أمثلهم يومئذ الذي يقول لو نحيتها عن الطريق قليلاً" رواه الحاكم.
وهذا الأمر مشاهد في أمريكا وأوروبا أعاذنا الله من ذلك.
_________________
(1) علاماتها.
(2) فكيف لهم أو من أين لهم؟
(3) تذكرُهم واضيعوا من طاعة الله.
(4) رفع العلم يكون بموت العلماء.
(5) الجهل بالدين.
2- تبرج النساء:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة(1) البخت(2) المائلة، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها وإن ريحا لتوجد من مسيرة كذا وكذا". رواه مسلم
وقد وجد هذا في كثير من البلاد حيث إن النساء يلبسن الثياب الضيقة التي تجعل تفاصيل جسم المرأة ظاهرة، وكأنها عارية، والثياب الشفافة التي يظهر ما تحتها وكأنهن لم يلبسن شيئاً، ووجدنا النساء يلبسن الثياب في المنازل ويتحللن منها في شواطئ البحر إلا من قطع صغيرة على الفرج والثديين، أو على الفرج وحده، وحيث يصففن شعورهن ويجملنها ويضعن المثبت فترى شعورهن كأسنمة الجمال تميل يمنة ويسرة، وقد وضعوا لهن في أحذيتهن كعوباً عالية لاستكمال الميل في الأجسام، وهن بهذا الميل مميلات لكثير من الشباب مضلات لهم بفتنتهن المعروضة.
فهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "كاسيات عاريات" لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- تشبه النساء بالرجال وتشبه الرجال بالنساء:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتراب الساعة تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال". رواه أبو نعيم في الحلية
ولقد فاجأنا الزمان بهذه المصيبة حيث إن الرجل يتشبه بالمرأة فيضع الحلي والقراريط كما تضع ذلك المرأة، وتتشبه المرأة بالرجل من حيث اللباس وقصات الشعر، وغير ذلك كما هو مشاهد في عصرنا. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
4- التعامل بالربا وانتشاره:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره". رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم.
واليوم في زماننا نشاهد أكبر عملية انتشار للربا بواسطة البنوك الربوية التي تعتبر مؤسسات عالمية ضخمة تعمل على نشر المشروع الربوي في كل العالم، ومهما احترز المؤمن عن التعامل بالربا اليوم فإنه سيناله نصيب منه ولو قليلاً.
________________________
(1) السنام : وهو ظهر الجمل أي حَدَبَتُهُ.
(2) الجِمَال.
5- قبض العلم، وكثرة الزلازل، وتقارب الزمان، وظهور الفتن وإطالة البناء:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان وتظهر الفتن، وحتى يتطاول الناس في البنيان". رواه البخاري.
فإن قبض العلم يكون بقبض العلماء وعدم وجود من يخلف العلماء الربانيين الذين هم علماء الأمة الإسلامية، وهذا واضح وجلي في زماننا.
ومما نشعر به ونسمع عنه اليوم كثرة الزلازل في شتى المناطق العالمية في أمريكا، في أوروبا، في البلاد العربية وغيرها، وهذا من علامات قرب الساعة، أعاذنا الله من ذلك.
وتقارب الزمن، وهو أن الأيام تمر بسرعة، وكأنها ساعات قليلة وهذا ما يلاحظه كل شخص يعيش في عصر التطور والتكنولوجيا، وهذا يعود إلى كثرة آلات اللهو المتنوعة والتفنن في اختراع أجهزة مسلية وابتكار أساليب للترفيه.
وعوامل الضغط الاقتصادي التي تجعل الإنسان حركة آلية يعمل وقتاً طويلاً لاكتساب لقمة عيشه فلا يشعر بالوقت إلا وهو ذاهب.
وظهور الفتن والمعنى أن الفتن تكثر، في محيطنا اليوم نشاهد كثرة الفتن التي تفتِن الإنسان عن دينه، فيصبح المرء مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، فالإنسان يتعرض لإغراءات كثيرة منها إغراءات فكرية فاسدة فينزلق في المتاهات الفكرية فيبتعد عن دينه فيفتن، وهذا ما نلحظه في العصر الحديث من وجود أفكار ونظريات كثيرة الشيوعية وداروينية وغير ذلك، وفتن بها الكثير من الناس، وراح ضحية هذه الأفكار والنظريات أجيال من الشباب وما ثبت بوجه ذلك إلا من تسلح بالإيمان والعلم.
وإطالة البناء: وهو علامة عن قرب الساعة فنجد أبنية شاهقة تتألف من طبقات وتسمى ناطحات السحاب وورد أيضاً: "لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتاً يوشونها وشيء المراجيل(1)" رواه البخاري في الأدب المفرد. أي يزينون بيوتهم تزييناً كما تزين الثياب المخططة.
6- تسليم الخاصة وفشو(2) التجارة وقطع الأرحام وانتشار الكتابة والطباعة وشهادة الزور.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة وقطع الأرحام. وفشو القلم، وظهور الشهادة بالزور وكتمان شهادة الحق". رواه البخاري
_____________
(1) الثياب المخططة.
(2) انتشار.
فاليوم يخص الإنسان بالسلام من يريد وهذا دليل على مجتمع يغلب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة.
والمسلَّم ينبغي أن يسلم على من عرف ومن لم يعرف كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري: "أقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".
ونرى في عصرنا انتشار أشكال التجارة بشكل مذهل وعجيب، وإعانة المرأة لزوجها في ذلك بسبب الضائقة الاقتصادية.
ونشاهد في زماننا قطيعة الأرحام منتشرة في العائلة الواحدة لسبب التخاصم والتشاحن. وكذلك انتشار الطباعة، والكتابة بطريقة متطورة فآلاف الكتب تطبع بوقت يسير، وهذا معنى فشو القلم.
والمشاهد اليوم ظهور شهادة الزور وكتمان شهادة الحق في المحاكم القضائية بسبب عدم الالتزام بدين الله تعالى وعدم المخافة منه عزَّ وجلَّ.
7- كثرة ولد الزنا والتحية بالتلاعن:
قال رسول الله عليه وسلم: "لا تزال الأمة على شريعة حسنة ما لم تظهر فيهم ثلاث ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر فيهم ولد الخُبْث(1)، ويظهر فيهم السَّقَّارون" قالوا: وما السقَّارون؟ قال: "نشأ يكونون في آخر الزمان تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن". رواه أحمد والحاكم والطبراني.
فكثرة ولد الزنا لأن الزنا قد كثر في هذا الزمان الذي تحَّدث عنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وتتفاقم نسبة ولد الزنا في الدول الأوروبية والأميركية، وهي أنقص في البلاد الإسلامية.
وظهر في زماننا من يحيي غيره باللعن والشتم بدل أن يحييه بتحية الإسلام الذي يأمر بالتحية الحسنة والردِّ الأحسن. قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86].
8- حديث السباع ونطق الجماد:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تُكلم السباعُ الإنسانَ، وحتى تكلم الرجلَ عذبةُ سوطه، وشراك نعله وتخبره بما أحدث أهله من بعده". رواه الترمذي وقال: حسن غريب والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ورواه أحمد في مسنده.
وقال عليه الصلاة والسلام: "إنها أمارات من أمارات بين يدي الساعة أو شك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله من بعده". رواه أحمد.
__________________
(1) ولد الزنا.
ما كان أحدٌ يتصور أن الجماد ينطق، فقد اخترعت اليوم أجهزة يحملها الإنسان في يده فتنقل له الأصوات والكلام من بيته أو بيت غيره، وتتشكل هذه الأجهزة بأشكال مختلفة وخاصة الأجهزة الدقيقة المعدّة للتنصت، فيمكن تركيبها في طرف عصا أو في مكان ما كالحذاء بحيث لا تُرى.
وأما حديث السباع، ففي زماننا نرى حيوانات السيرك تأتي بالغرائب وكأنها تتكلم مع الإنسان فتفهم عليه، وكذلك الكلاب البوليسية التي تكشف مخابئ المخدرات، فتظهر براعتها يعجز عنها الإنسان، وتساعد الشرطة على اكتشاف الجرائم، وكل ذلك من طريق تعليمها والتكلم معها. فلعل هذا المعنى مقصود في الحديث، والمستقبل متسع لما هو أكبر ليظهر مصداقية الحديث أكثر فأكثر.
9- الموت بالسكتة القلبية:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتراب الساعة موت الفجاءة" رواه ابن أبي شيبة.
وفي عصرنا يكثر الموت الفجائي، وهو السكته القلبية، وهو مرض من أمراض المدنية الحديثة لم يكن شائعاً في المجتمعات السابقة.
10- تربية الكلاب وكراهة الأولاد:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اقترب الزمان يربي الرجل جرواً خير له من أن يربي ولداً له". رواه الطبراني والحاكم.
وهذا نراه في أمريكا والدول الأوروبية، فبعض الناس هناك يفضلون تربية الحيوانات وخاصة الكلاب لوفائها على أن يربوا ولداً لهم من صلبهم.
11- المواصلات الحديثة:
1ً- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على السروج كأشباه الرجال ينزلون أبواب المساجد". رواه أحمد والحاكم.
2ً- وقال عليه الصلاة والسلام: "ولتتركن القلاص(1) فلا يسعى عليها". رواه مسلم.
فقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ترك استخدام الجمال للتنقل وحمل الأمتعة فقوله: "ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها".
ومعلوم أن عدم استخدام الجمال مع وجودها إنما يكون لسبب وجود وسيلة أحسن وليس هناك من الحيوانات ما هو أقدر من الجمال على السفر في الصحراء لأن الجمل كما يقال سفينة الصحراء.
والحديث الأول يصف أن الركوب على السروج لا على الجمال أو الخيول أو غيرها من الحيوانات، إنا نجد الوصف ينطبق اليوم على السيارات ذات المقاعد التي تشبه السروج العظيمة والتي يركب الناس عليها إلى أبواب المساجد.
ومما يدلُّ على ذلك قوله صلى الله عليه وسلَّم: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان وتزوى الأرض زياً" رواه الطبراني أي تطوى ويضم بعضها إلى بعض.
12- كثرة القتل:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ويكثر الكذب وتتقارب الأسواق، ويتقارب الزمان، ويكثر الهرج، قيل: وما الهرج؟ قال: القتل". رواه أحمد.
13- اختلاف الأخوة في الدين:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تتباكى القلوب، وتختلف الأقاويل، ويختلف الأخوان من الأب والأم في الدين". رواه الدَّيلمي.
14- حسن القول وسوء العمل:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه يكون في أمتي اختلاف وفُرقة، وقوم يحسنون القول ويسيئون العمل". رواه أبو داود والحاكم في مستدركه.
15- كثرة النساء وقلة الرجال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل ويكثر الزنى، ويكثر شرب الخمر، ويقلَّ الرجل وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيِّمُ الواحد". رواه البخاري ومسلم.
16- تضييع الأمانة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحدث إذ جاء أعرابي، فقال: متى الساعة؟ قال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة". رواه البخاري
__________
(1) الجِمال.
17- مقاتلة المسلمين اليهود:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر أو الشجر، فيقول: الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد(1) فإنه من شجر اليهود". رواه البخاري ومسلم.
18- استخراج الكفار للمعادن:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستكون معادن يحضرها شرار الناس". رواه أحمد.
19- كثرة المال وفيضه وعودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يُخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحداً يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً". رواه مسلم
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:47 PM
- وقد ثبتت الإمارات الكبرى في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: اطَّلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذكرون؟" قالوا: نذكر الساعة، قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: فذكر الدخان، والدَّجَّال، والدابة وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم". رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
ومن العلامات الكبرى اليقينية:
1- الدجَّال:
ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الدجَّال فقال: "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم.
إنه شاب قطط(2)، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزَّى بن قَطَن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه بفواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته، إنه خارج خَلَّة(3) بين الشام والعراق، فعاث يميناً، وعاث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا فقلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرت الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء
(1) هو شجر له شوك.
(2) شديد جعودة الرأس.
(3) طريقاً.
فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُرَى(1) وأسبغه(2) ضروعاً، وأمدّه خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين(3) ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمرّ بالخَرِبَةِ، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف فيقطعه جِزْلتين(4) ثم رمية الغرض(5)، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مُهرودتين(6) واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدَّر منه جُمان كاللؤلؤ(7) فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِه إلا مات. ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طرْفُه، فيطلبه حى يدركه بباب لُدِّ(8)، فيقتله ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحدٍ يقاتلهم، فأحرِّزْ عبادي إلى الطور(9).
ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حَدَب ينسلون، فيمرُّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماءً!! ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر(10)، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلمَّ فلنقتلْ من في السماء، فيرمون بنُشَّابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دماً!! ويُحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى، وأصحابه نقص أنوف الإبل والغنم في رقابهم فيصبحون فرسى(11) كموت نفس واحدة.
ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه رهمُهم(12) ونَتْنهم.
فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسلُ الله طيراً كأعناق البخت(13) فتحملهم،فتطرحهم حيث شاء الله.
________________
(1) جمع ذُروة.
(2) أطوله.
(3) مجدين.
(4) قطعيتين.
(5) مقدار رمية السهم إلى الهدف.
(6) بين ثوبين فيهما صفرة خفيفة.
(7) حبات كاللؤلؤ بصفاتها.
(8) بلدة في فلسطين قريبة من بيت المقدس.
(9) اذهب بهم إلى الطور ليكون لهم حرزاً.
(10) جبل بيت المقدس.
(11) قتلى.
(12) رسمهم.
(13) نوع من أنواع الإبل طوال الأعناق.
ثم يرسل الله مطراً لا يكُنُّ منه بيت مدّر ولا وَبَر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلفة(1).
ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصَابة(2) من الرُّمانة، ويستظلون بقحِفِها، ويبارك في الرَّسل(3) حتى إن اللَقَحة من الإبل(4) لتكفي الفئام(5) من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس.
فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحُمُر(6) فعليهم تقوم الساعة". رواه مسلم
والدجَّال لقب لهذا الرجل، لُقِب به لشدة كذبه وتدجيله، ولقدرته العجيبة الخارقة على تغطية الحق بالباطل، وهو رجلٌ يهودي، ولا يولد له ولد وإن الله حرم عليه دخول مكة.
عن أبي سعيد الخدري قال: قال لي ابن صائد - واسمه صاف، يهودي الأصل يمارس الكهانة، كان يشاع في المدينة أنه ربما كان هو الدجال -: ما لي وما لكم يا أصحاب محمد، ألم يقل نبي الله صلى الله عليه وسلم إنه يهودي وقد أسلمت، وقال لا يولد له وقد ولد لي، وقال إن الله حرم عليه مكة وقد حججتُ، قال فما زال حتى كاد أن يأخذ في قوله. رواه مسلم
والدجال يدعي الألوهية ومعه خوارق، وقد حذَّر الرسول الله صلى الله عليه وسلم منه ومن فتنته العظيمة.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: "لأنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، إنه أعور، وإن الله ليس بأعور". رواه البخاري ومسلم
عن حذيفة أن عقبة قال له: حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدجال، فقال: إن الدجال يخرج وإن معه ماءً وناراً، فأمَّا الذي يراه الناس ماءً فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس ناراً فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه ناراً، فإنه عذب طيب.
فقال عقبة: وأنا قد سمعته، تصديقاً لحذيفة.
ويكون هلاك الدجال على يد المسيح عيسى ابن مريم بعد نزوله من السماء انظر الحديث الأول في الدجَّال عن النواس بن سمعان.
________________
(1) كالمرآة.
(3) الجماعة.
(3) الحليب.
(4) الناقة الحلوب.
(5) الجماعة الكثيرة.
(6) الحمير.
2- نزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء:
ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء إلى الأرض فيمكث في الأرض مدة من الزمن فيقتل الدجَّال، ويقيم على الأرض دعائم العقيدة الإسلامية التي بعث الأنبياء كلهم لإقامتها، وينفذ الشريعة الإسلامية التي جاء بها محمد رسول الله خاتم النبيين والمرسلين ولا يوحى إليه بشرع جديد.
قال الله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 157 - 158].
فالآيات تقرر بطلان دعوى اليهود من قتل عيسى ابن مريم وصلبه بل الأمر بخلاف ما ادعوه. فإنما شبه لهم فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إن الله تعالى رفعه إلى السماء وإنه باقٍ حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية يعني لا يقبلها من أحدٍ من أهل الأديان بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف أي القتال، فتخبر الآية {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: 159] أنه لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ابن مريم عليه السلام إلا آمن به قبل موته عليه السلام، فلا يتخلف عن التصديق به واحد منهم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده ليوشِكنَّ(1) أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيراً من الدنيا وما فيها" ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: "اقرؤوا إن شئتم": {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء : 159] رواه البخاري في صحيحه.
وقال تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ(2) * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ(3) (58)إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ(4) لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [الزخرف: 57 -61].
(1) لقد قرب.
(2) من أجله يضجون ويصيحون فرحاً.
(3) شداد الخصومة بالباطل.
(4) آية وعبرة.
ففي الآية الأخيرة {وإنه لعلم للساعة} إشارة إلى نزوله عليه السلام من السماء في آخر الزمان أنه من أمارات الساعة وعلامات قرب وقوعها، ولا يكون ذلك إلا بنزوله عليه السلام كما بينته الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
3- ظهور يأجوج ومأجوج:
قال الله تعالى في شأن يأجوج ومأجوج: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا(1) عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا(2) * قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا(3) * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ(4) حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ(5) قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا(6) * فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ(7) وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا(8) * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ(9) وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ(10) فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ(11) فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} [الكهف:94-99].
وقال الله تعالى في شأنهم أيضاً:{ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ(12) يَنسِلُونَ(13) * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ(14) فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ(15) الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 96- 97].
إن يأجوج ومأجوج كلمتان عبَّر القرآن بهما عن أمة كبيرة من الناس تخرج من مكان ما من الأرض تنشر الفساد والدمار والخراب فيها على طريقة مذهلة مرعبة.
وخروج يأجوج ومأجوج من العلامات الكبرى لاقتراب الساعة، لا يعلم هذا الخروج إلا الله عزَّ وجلَّ.
__________________________
(1) يُعلَم قرب الساعة بنزول عليه السلام.
(2) نصيباً من المال تستعين به في البناء.
(3) حاجزاً فلا يصلون إلينا.
(4) حاجزاً حصيناً متيناً.
(5) قطَع حديد عظيمة ضخمة.
(6) بين الجبلين.
(7) نحاساً مذاباً.
(8) خرقاً وثقباً لصلابته وتخانته.
(9) مدكوكاً مسوىً بالأرض.
(10) يختلط ويضطرب.
(11) نفخة البعث.
(12) مرتفع من الأرض.
(13) يسرعون المشي في الخروج.
(14) البعث والحساب والجزاء.
(15) مرتفعة لا تكاد تَطْرِفُ أبصارهم.
تنبيه: فليكن المرء على حذر من الأحاديث الواهية أو المنكرة أو الموضوعة التي تذكر تفاصيل أخبار يأجوج ومأجوج وصفاتهم وأشكال جسومهم.
وحسبنا أن نؤمن بأن هذه الأمة الكبيرة إذا خرجت فإن خروجها سيتكفل بالتعريف بها للناس كلهم تعريفاً لا يشوبه شك ولا احتمال ولا ظن ولا يحوج إلى استنتاج أو اجتهاد أو ضرب في الغيب.
4- خروج الدابة:
قال الله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ(1) عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} [النمل: 82].
فهذه الدابة نَكِلُ علم نوعها وشكلها إلى الله عزَّ وجلَّ تخرج للناس قبيل الساعة تكلمهم وتصف كلاً منهم بصفته من الإيمان أو الكفر، فتسم الكافر بوسم الكفر، وتسم المؤمن بوسم الإيمان، وهذا كله خارج عن المعتاد والمألوف.
وعن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيتها كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها". رواه مسلم.
5- طلوع الشمس من مغربها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذاك حين {لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158]. رواه البخاري.
وطلوع الشمس من مغربها أي أن الشمس تطلع من جهة المغرب بدل أن تطلع من جهة المشرق.
أخي القارئ ما تحقق ووقع من علامات الساعة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمائة عام يشهد بصدق نبوته وبأنه نذير لنا بين يدي عذاب شديد فكما رأينا اليوم علامات الساعة الصغرى، تحققت أمام أعيننا، فسنرى العلامات الكبرى وستقع الساعة دون ريب ولا شك، لأن المخبر بها واحدٌ وهو الصادق المصدوق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
______________________
(1) قربت الساعة وأهوالها الموعودة
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:49 PM
الموت وحقيقته
أ- معنى الموت:
الموت هو مفارقة الروح للجسد وانتقالها إلى الحياة البرزخية(1) وعودة الجسد إلى أصله الذي جاء منه، وبخروج الروح من الجسد يتوقف عمل كل جهاز من أجهزة جسم الإنسان، وكل خلية من خلاياه، كما تنساح مكونات كل خلية، وتختلط مواد الجسم بعضها ببعض، ويتحول البدن إلى حالة الجماد الذي لا يحس ولا ينمو ولا يتغذى ولا يتحرك ولا يتنفس ولا يفكر، ولا يعمل شيئاً(2).
- والنوم شبيه بالموت إلا أن الفارق هو بقاء الروح متصلة بالجسد عند النوم، وانفصالها تماماً عنه عند الموت.
قال الله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} [الزمر: 42].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:50 PM
ب- ملائكة الموت:
إذا جاء أجل الإنسان وهو انتهاء حياته أرسل إليه ملك الموت الموكل به لقبض روحه.
قال الله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون* ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم(3) عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون} [السجدة: 11-12].
وقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات(4) الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} [الأنعام: 93].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:55 PM
ج- الموت حقيقة لا مفرَّ منها:
الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا ينكرها أحدٌ من الناس فهي مشاهدة، فلقد جاءت أجيالٌ قبلنا وها هي اليوم لا وجود لها قد انقضى أجلها فجاء الموت وأخرجهم من الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية وما ترك منهم أحداً.
(1) هي الحياة التي تكون بعد الموت وقبل الحياة الآخرة وقد أشير إلى حياة البرزخ في قوله تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون* لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [الأنبياء: 99 - 100].
(2) وللتحقق من الموت يكون بالعلامات التالية:
1ً- توقف النفس.
2ً- توقف حركة القلب.
3ً- توقف حركة الستيو بلازم (وهو العصير الموجود داخل كل خلية ويدور باستمرار داخل كل خلية وتفقد كل نواة سيطرتها على محتويات الخلية بعضها في بعض، ويتغير تركيب كل خلية من جسم الإنسان.
(3) مطرقونها خزياً وندماً.
(4) سكرات الموت وشدائده.
وجيلنا أيضاً منقضٍ أجله لا شكَّ ولا ريب، وهكذا الأمر في الأجيال إلى أن تقوم الساعة.
قال الله تعالى: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه مُلاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} [الجمعة : 8].
د- عدم تأخر الموت إذا حان وقته:
إن كل إنسان له أجلٌ لا يزيد ولا ينقص، وإذا جاء الأجل المحتوم لا يتأخر الموت عن أحد. قال الله تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون} [النحل: 61].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 01:58 PM
الحياة البرزخية
أ- السؤال في القبر:
مما يجب الإيمان به سؤال القبر، قال الله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: 27].
أمَّا تثبيت الذين آمنوا في الحياة الدنيا مما يصيبهم من الوساوس والشبهات الشيطانية من قبل الإنس والجن وحفظهم من الزيغ والميل إلى الضلال.
وأما تثبيتهم في الآخرة فذاك حين يُسألون في قبورهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}. متفق عليه.
ب- عذاب القبر ونعيمه:
ومما يجب الإيمان به نعيم القبر وعذابه. قال الله تعالى: {وحاق(2) بآل فرعون سوء العذاب* النار يعرضون عليها غدواً وعشياً(3) ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون اشدَّ العذاب} [غافر: 45، 46].
والمعنى: أن قوم فرعون بعدما أحاط بهم سوء العذاب وهو الغرق في البحر انتقلوا بعد موتهم إلى عذاب البرزخ فهم يعرضون على النار صباحاً ومساءً يمسهم عذابها ويلفحهم لهبها وشظاها إلى أن تقوم الساعة فحينئذ يقول الله تعالى: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} وهو الشويُّ في جهنم وإذاقتهم ألوان العذاب الشديد الأليم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، فإنه يسمع قرعَ نعالهم، أتاه ملكان، فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد -
(1) هي الحياة التي تفصل بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى وهي حياة الانتظار ليوم القيامة.
(2) أحاط.
(3) صباحاً ومساءً.
صلى الله عليه وسلم - فأمَّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك في النار، قد أبدلك الله به مقعداً في الجنة فيراهما جميعاً، فيفسح له في قبره.
وأما المنافق أو الكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل، فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لادريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين". متفق عليه.
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط(1) لبني النجار على بغلة له، ونحن معه إذ حادت(2) فكادت تلقيه وإذا أقبر ستة أو خمسة. فقال صلى الله عليه وسلم من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، فقال صلى الله عليه وسلم: متى ماتوا؟ قال: في الشرك(3). فقال صلى الله عليه وسلم: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا(4) لدعوتُ الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم أقبل علينا بوجهه صلى الله عليه وسلم فقال: تعوَّذوا بالله من عذاب النار. قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. قال: تعوذوا من عذاب القبر. فقالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجَّال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال. رواه مسلم
وورد في أحاديث كثيرة تدل على أن العصاة الذين لم يتوبوا قبل موتهم يعذبون في القبر بمعاصيهم على اختلاف أنواعها.
فمن ذلك عذاب النمَّام(5)، والغيَّاب(6)، والذي لم يستتر ولم يتوقَّ من بوله من النجاسة.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير(7)، أمَّا هذا فكان لا يستتر(8) من بوله، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعسيب رطب فشقه باثنين فغرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". متفق عليه واللفظ للبخاري
(1) بستان.
(2) مالت.
(3) ماتوا مشركين.
(4) يعني أنه لوكشف لكم عن عذاب أهل القبور، وسمعتم ذلك لفزعتم وخفتم حتى إنكم تتركون دفن بعضكم من شدة الهلع والخوف، فلولا مخافة عدم التدافن إذا كشفت لكم لدعوت الله أن يكشف، فيسمعكم عذاب أهل القبور.
(5) وهو الذي يُفسد بين الناس.
(6) الذي يغتاب فيذكر أخاه بما يكره.
(7) أي وما يعذبان في ذنب كبير عند الناس ولكنه عند الله كبير، وهذا نظير قوله تعالى: {وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم} [النور:15]
(8) لا يتوقى.
وقال عليه الصلاة والسلام: "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حُفر النار". رواه الترمذي والطبراني
فالقبر بالنسبة للمؤمن روضة من رياض الجنة يرتاض فيها على حسب إيمانه وعمله، والقبر حفرة من حفر النار بالنسبة للكفار والمصرين على معاصيهم ولم يتوبوا عنها.
ج- تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر وأمره بذلك:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عذاب القبر في آخر صلاته، وفي ذلك تعليم لأمته صلى الله عليه وسلم وإرشاد لهم أن يتعوذوا بالله من عذاب القبر في أقرب أحوالهم إلى ربهم، وهذا في الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه وماذاك إلا لفظاعة عذاب القبر وشدة هوله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في الصلاة يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجَّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم". رواه البخاري ومسلم
وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دبر(1) الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر". رواه الترمذي.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 02:02 PM
البعث
أ- وجوب الإيمان بالبعث ومعناه:
إن من أصول الإيمان، أن يؤمن الإنسان جازماً بأن الله تعالى يبعث الخلائق بعد موتها فيجمع أجزاءها بعد تفرقها ويعيد إليها أرواحها بعد مفارقتها ويعيدها كما بدأها.
قال الله تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون}.
وقال تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104].
ب- أهوال يوم القيامة:
نرى أهوال يوم القيامة من خلال الآيات القرآنية.
قال الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل(2) كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} [الحج: 1 - 2].
وقال تعالى: {إذا وقعت الواقعة(3) * ليس لوقعتها كاذبة * خافضة(4) رافعة(5) * إذا رجت
(1) آخر الصلاة.
(2) تغفل وتشغل لشدة الهول.
(3) قامت القيامة بالنفخة.
(4) خافضة للكافرين بدخول النار.
(5) رافعة للمؤمنين بدخول الجنة.
الأرض رجاً(1) * وبست الجبل بساً(2) * فكانت هباءً منبثاً(3)} [الواقعة: 1 - 6].
وقال تعالى: {فإذا جاءت الصَّاخَّة(4) * يوم يفرُّ* المرء من أخيه* وأمه وأبيه* وصاحبته وبنيه* لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه} [عبس: 33 -37].
وقال تعالى: {إذا الشمس كورت(5)* وإذا النجوم انكدرت(6) * وإذا الجبال سيرت(7) * وإذا العشار(8) عطلت(9) * وإذا الوحوش حشرت(10) * وإذا البحار سُجرَّت(11) * وإذا النفوس زوجت(12) * وإذا المؤودة(13) سئلت* بأي ذنب قتلت* وإذا الصحف نشرت* وإذا السماء كشطت(14) * وإذا الجحيم سعرت(15) * وإذا الجنة أزلفت(16)} [التكوير: 1 - 13].
ج- النفخة الأولى والنفخة الثانية
النفخة الأولى: وهي نفخة الإماتة العامة. وعندها تكون ساعة إنهاء النظام القائم في هذه الحياة.
النفخة الثانية: وهي نفخة البعث إلى الحياة بعد الموت.
قال الله تعالى: { ونفخ في الصور(17) فصعق(18) من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى(19) فإذا هم قيام ينظرون } [ الزمر: 68 ].
- والصور هو قرن ينفخ فيه والموكل بالنفخ هو إسرافيل عليه السلام.
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور يا رسول الله؟ فقال صلى الله
(1) إذا زلزلت وحركت تحريكاً شديداً.
(2) فتت فتاً.
(3) غباراً منتشراً.
(4) الصيحة تعم الآذان لشدتها وذلك عند النفخة الثانية.
(5) طويت ولفت.
(6) تساقطت وتهاوت.
(7) أزيلت من أماكنها.
(8) النوق الحوامل.
(9) أهملت بلا داع من شدة الهول.
(10) جمعت من كل مكان.
(11) أوقدت فصارت ناراً تضطرم.
(12) قرنت كل نفس بشكلها ودخلت الأرواح في أجسامها.
(13) البنت تدفن حية.
(14) قلعت كما يقلع السقف.
(15) أوقدت وأضرمت للكفار.
(16) قربت وأدنيت من المتقين.
(17) القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل.
(18) مات بنفخة الأولى.
(19) النفخة الثانية.
عليه وسلم :" قرن ينفخ فيه " رواه أبو داود والترمذي وابن حبان.
وقال صلى الله عليه وسلم : "كيف أنعم وقد التقم صاحب القرنِ القرنَ، وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ، فكان ذلك ثقل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: كيف نفعل أو كيف نقول؟
فقال صلى الله عليه وسلم: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا". رواه الترمذي وقال: حديث حسن ورواه ابن حبان وأحمد والطبراني.
د- كيفية البعث:
وإذا مات الإنسان وتحلل جسده(1) وعاد إلى التراب إلى أصله.
قال الله تعالى: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ} [ق: 4].
وإذا عاد إلى أصله يبقى من الجسد عَجَبُ الذنب (البذرة) وهو الجزء الذي ركب الإنسان منه أولَ مرة وهو شيء صغير جداً، وهذا الجزء لا تأكله الأرض ولا يبلى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً، منه يركَّب الخلق يوم القيامة، قالوا: أيّ عظم هو يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: عجب الذنب." رواه مسلم.
وقال عليه الصلاة والسلام: "كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب منه خُلِقَ ومنه يركَّب". رواه مالك وأبو داود والنسائي.
فإذا جاء موعد البعث يُنزِل الله مطراً من السماء تنبت الأصول (البذور) أي عجب الذنب الذي لم يبلَ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... ثمَّ يَنزِل من السماء ماءً فينبتون كما ينبُتُ البقلة، وليس من الإنسان شيء إلا بَليَ إلا عظمٌ واحدٌ وهو عجبُ الذنب منه يُرَكَّب الخلقُ يومَ القيامة". متفق عليه.
فإذا نبت عجب الذنب من التراب وعاد الجسد، جاءت كل روح إلىجسدها.
قال الله تعالى: {وإذا النفوس زوِّجت(2)} [التكوير: 7].
- وبهذه الصورة يعود الخلق مرة ثانية كما بدأ أوَّل مرّة.
قال الله تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104].
(1) إلا من خصه الله بعدم بلي جسده كالأنبياء عليهم السلام فإن الأرض لا تأكل أجسادهم.
(2) قرنت كل نفسٍ بشكلها.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 05:32 PM
الحشر
معنى الحشر:
هو جمع الخلائق كلهم إلى الموقف بعد بعثهم وإخراجهم من بطن الأرض لموقف الحساب.
صور من الحشر:
أ- خروج الناس من القبور:
قال الله تعالى: {واستمع يوم ينادِ المناد من مكان قريب* يوم يسمعون الصيحة(1) بالحق ذلك يوم الخروج* إنا نحن نحي ونميت وإلينا المصير* يوم تشقق(2) الأرض عنهم سراعاً(3) ذلك حشر علينا يسير} [ق: 41- 44].
والمعنى: أن الله يأمر إسرافيل عليه السلام فينادي بالأموات من مكان قريب، فيسمعه كل إنسان، فذلك النفخة الثانية، فيسمع الناس الصيحة فيخرجون من القبور مسرعين المحشر.
وأول من تنشق عنه الأرض فهو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أوّل من ينشق عنه القبر، وأنا أول شافع ومشفَّع". رواه مسلم.
ب- تسوية أرض المحشر:
قال الله تعالى: {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة(4) وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً} [الكهف: 47].
فالأرض تكون بارزة كلها لا جبال فيها ولا وديان.
قال الله تعالى: {وحملت(5) الأرض والجبال فدكتا(6) دكة واحدة}[الحاقة:14]
فالمعنى: أن الأرض وجبالها مسحت ودُقَّ بعضها ببعض.
وقال تعالى: {وتكون الجبال كالعهن(7) المنفوش(8)} [القارعة: 5].
فالمعنى أنها تصير كالصوف المندوف.
(1) نفخة البعث.
(2) تنفلق وتتصدع.
(3) مسرعين إلى الداعي.
(4) ظاهرة لا يسترها شيء.
(5) رفعت من أماكنها.
(6) فدقتا.
(7) كالصوف المصبوغ بألوان مختلفة.
(8) المفرق.
وقال تعالى: {وبست(1) الجبال بساً فكانت هباءً منبثاً(2)} [الواقعة: 5].
فالمعنى أن الجبال تصير كالهباء المنبث في الهواء.
وقال تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها(3) ربي نسفاً} [طه: 105].
فالمعنى: أن الله ينسفها بالرياح عن وجه الأرض، فتطيرها في الهواء.
وقال تعالى: {وسيرت الجبال فكانت سراباً(4)} [النبأ: 20].
فالمعنى أن الجبال تصير سراباً أي لا شيء كما يرى السراب من بعيد.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء(5) كقرصة النقي(6) ليس فيها عَلَمٌ لأحد". رواه البخاري ومسلم.
والمعنى أن الناس يحشرون على أرض لونها أبيض يميل إلى الحمرة قليلاً فتكون نقية صافية ليس فيها أي شائبة، وليس فيها علامة سكن لأحد من أبنية مرتفعة أو قصور ممتعة أو تلول أو جبال ممتنعة، ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتدي بها في الطرقات كالجبل والصخرة البارزة.
قال الله تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها(7) ربي نسفاً* فيذرها قاعاً(8) صفصفاً(9)* لا ترى فيها عوجاً(10) ولا أمتاً(11) * يومئذٍ يتبعون الداعي لا عوج له(12) وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً(13)} [طه: 105 - 108].
فيحشر الله الناس في أرض مستوية لا ترى فيها انخفاضاً، ولا ارتفاعاً بحيث إن الناظر إليهم ينظرهم والداعي لهم يسمعهم، وقد ازدحمت عليهم الشدائد والأهوال وحلَّت فيهم الكربات والهموم فأحاطت بهم، النار من شتى نواحيهم، ودنت الشمس منهم قدر ميل، وساورتهم الأحزان والغموم ومهما كانت كربات الدنيا عظيمة، وشدائدها أليمة، فإن كربات الآخرة أعظم، وشدائدها أدهى وأمرّ، ومهما كانت هموم الدنيا ثقيلة فإن همَّ الآخرة أثقل إلا من أمنه الله وسلمه وحفظه.
(1) فتتَ.
(2) غباراً متفرقاً منتشراً.
(3) يقتلعها ويفرقها بالرياح.
(4) كالسراب الذي لاحقيقة له.
(5) بياض يضرب إلى الحمرة قليلاً.
(6) الدقيق النقي من الغش والنخال.
(7) يقتلعها.
(8) أرضاً ملساء لا ثبات فيها ولا بناء.
(9) أرضاً لا نبات فيها.
(10) مكاناً منخفضاً.
(11) مكاناً مرتفعاً.
(12) لا يزيغ عنه.
(13) إلا صوتاً خفياً خافتاً.
فاللهم نفِّس عنا كرب الدنيا والآخرة
ج- صفة أهل المحشر:
إن الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً غير مختونين.
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً(1).
قالت عائشة رضي الله عنها قلت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض". رواه البخاري ومسلم.
فكلُّ واحد منهم مشغول بأحواله عن التطلع والنظر إلى غيره {لكل امريء منهم يومنذٍ شأن يغينه} [عبس: 37].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً بموعظة فقال: "يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلاً ثم قرأ: {كما بدأنا أوَّل خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104].
ألا إن أوَّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، ألا إنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد* إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 117 - 118].
قال: "فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم". رواه البخاري ومسلم.
د- أهوال موقف الحشر:
ومن أهوال هذا الموقف العظيم:
دنو الشمس من الناس، وتغيب الناس بعرقها، كلٌّ حسب عمله.
عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل(2)، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلىكعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حَقْوَيْه(3) ومنهم من
(1) غير مختونين.
(2) أي أنها تدنو كثيراً.
(3) الخاصرة.
يلجمه العرق إلجاماً" - وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه(1) - رواه مسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقوم الناس لربِّ العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه(2) إلى أنصاف أذينة". رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 05:33 PM
2- طول الموقف على الكافرين وخفته للمؤمنين:
عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله يومٌ كان مقداره خمسين ألف ألف سنة ما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخفَّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا". رواه أحمد.
وتختلف الخفة باختلاف درجات إيمان المؤمنين.
3- عموم الحشر للإنس والجن والحيوان:
حشر الإنس والجن:
قال الله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم(3) من الإنس ....} [الأنعام: 128].
حشر الدواب والطيور والحيوان:
وقال تعالى: {وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرَّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} [الأنعام: 38].
وقال تعالى: {وإذا الوحوش حشرت} [التكوير: 5].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقاد(4) الشة الجَلحاء(5) من الشاة القرناء". رواه مسلم.
وعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تنتطحان فقال: "يا أبا ذر أتدري فيما تنتطحان قال: قلت: لا، فقال صلى الله عليه وسلم: لكن الله يدري وسيقضي بينهما". رواه أحمد.
________________
(1) فمه.
(2) عرقه.
(3) قد أضللتم كثيراً.
(4) يقتص.
(5) التي لا قرون لها.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 05:39 PM
العرض
قال الله تعالى: {وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعداً} [الكهف: 48].
فالعباد يعرضون على ربهم مصطفين صفاً صفاً ويقال للكافرين الذين ينكرون الحشر {لقد جئتمونا كما خلقناكم أوَّل مرة} أي حفاة عراة غرلاً ليس معكم شيء مما كنتم تفتخرون به من الأموال والقوة والنفوذ والبنين ولجاه والخدم وغير ذلك فرغم الذي زعمتم {ألن نجعل لكم موعداً} لم يفدكم وجاء وقت الحساب والسؤال.
ويوم القيامة ثلاث عرضات:
1- عرض الجدال.
2- عرض معاذير.
3- تطير الصحف.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُعرَض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف من الأيدي : فآخذ بيمينه وآخذ بشماله". رواه الترمذي.
العرضة الأولى: يدافعون عن أنفسهم ويجادلون عنها فكل نفس تأتي يوم القيامة تدافع عن نفسها، ولا يهمها شأن غيرها من ولد ووالد، وتعطى كل نفس جزاء عملها خيراً أو شراً، وهم لا يظلمون بزيادة العقاب ولا بنقص الثواب.
قال الله تعالى:{ يوم تأتي كلُّ نفس تجادل عن نفسها وتوفَّى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون} [النحل: 111].
العرضة الثانية: ففيها يعترفون ويعتذرون بمعاذير مختلفة، فمن كان عذره صحيحاً قبله الله تعالى، ومن كان عذره غير صحيح رده الله تعالى، وذلك لأن الله تعالى يقبل العذر الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى .." رواه البخاري ومسلم.
وأمّا قوله تعالى: {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: 35 -36]
فهذا يكون في بعض المواقف، وذلك إن يوم القيامة هو يوم طويل ذو مواطن متعدده.
العرضة الثالثة: يكون تطاير الصحف وتفرقها على أهلها بغاية السرعة.
السؤال
قال الله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعلمون} [الحجر: 92-93].
وقال الله تعالى: {فلنسألنَّ الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين* فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} [الأعراف: 6-7].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وليلقيَنَّ الله أحدكم يوم القيامة يلقاه ليس بينه وبينه حجاب، ولا ترجمان يترجم له، فليقولن سبحانه: ألم أبعث إليك رسولاً فبلغك؟ فيقول العبد: بلى..." رواه البخاري.
ولا شك أن الرسل قد بلغت رسالات ربِّهم، وأدوا واجبهم على أكمل الوجوه، ونصحوا الأمة، فإن الله يعلم ذلك، ولا يخفى عليه شيء من ذلك، ولكن في هذا السؤال والإتيان بالجواب إقامة حجة على المنكرين والمكذبين للمرسلين، وإعلان للملأ الكبير هناك أنه لا عذر لمعتذر، ولا حجة لمنكر، لأن الرسالات الإلهية بلغها الرسل وأقامت الحجج والبراهين على حقيتها وصدقها.
فيسأل المرء عن كلمة التوحيد:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تُسألون عن لا إله إلا الله" رواه الترمذي.
ويُسأل المرء عن الصلاة وهي أول ما يسأل عليها، وعن سائر عمله.
جاء عن قبيصة بن حُريت رضي الله عنه قال: قدمتُ المدينة فقلت: اللهم يَسِّرْ لي جليساً صالحاً يحدثني بحديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلَّ الله ينفعني به، فجلست إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقلت: إني سألت الله تعالى أن يرزقني جليساً صالحاً، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح ونجا، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضة شيئاً قال الرب تبارك وتعالى للملائكة: انظروا هل لعبدي من تطوع(1) فيكمَّل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك" رواه الترمذي والنسائي وغيرهما.
ويسأل الإنسان عن أهله وعما استرعاه الله تعالى:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه: حفِظ أم ضيَّع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته(2)" رواه أبن حبان في صحيحه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته" رواه البخاري ومسلم.
ويسأل الإنسان عن السمع والبصر والفؤاد.
(1) نوافل فوق الفرائض.
(2) هل أدى واجبه الديني نحو أهل بيته وأحسن رعايتهم وعشرتهم أم أساء.
قال الله تعالى: {ولا تَقْفُ(1) ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً} [الإسراء: 36].
والمعنى: أن الله ينهى الإنسان أن يتتبع ما ليس به علم من مسموعات ومبصَرات أو معلومات أو تصديقات قلبية ونحو ذلك بأن يتتبع الأوهام والشكوك والظنون مما لا دليل فيه يثبت العلم.
وذلك أن الإنسان يسأل عن سمعه وبصره وفؤاده أين صرف ذلك، وإلى أي جهة وجهها هل تصرف بسمعه وبصوته وفؤاده، فيما أحل الله أو فيما حرَّم الله؟
فليتقِ الإنسان ربَّه في سمعه وبصره وفؤاده، وليعلم أن كل ما يمرُّ عليه سمعه وبصره وفؤاده ويَتوجه إليه - ضمن قدرته وإرادته - فهو مسؤول عنه أي يسأل عنه يوم القيامة فإذا كان في الخير أثابه الله على ذلك وآجره، وإن كان في الشر خاب وخسر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول الله تعالى: ألم أجعل لك سمعاً وبصراً ومالاً وولداً، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس(2) وتربَّع(3)، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ قال: فيقول العبد: لا، فيقول الله تعالى له: اليوم أنساك كما نسيتني". رواه الترمذي.
أي اليوم أتركك في العذاب كما تركت في الدنيا شربعتي وديني ولم تؤمن بلقائي.
فالمؤمن يستعيذ بالله من شر سمعه وبصره، ومن شر لسانه وشر قلبه وشر منيه، وقد علم الرسول صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه هذا الدعاء:
عن شَكلَ بن حُمَيد رضي الله عنه قال: أتيت النبي عن صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله علمني تعويذاً أتعوذ به، قال: فأخذ بيدي ثم قال: "قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري، وشر لساني، وشر قلبي وشر منييِّ قال: فحفظتها". رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
- ويسأل الإنسان عن عمره وعلمه وماله وجسمه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزرل قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(1) ولا تتبع.
(2) أجعلك رئيساً.
(3) في رواية مسلم ترتع ومعنى تربَّع تأخذ ربع الغنيمة لأن الملك كان يأخذ الربع من الغنيمة في الجاهلية.
أي لا يبرح الإنسان مكانه يوم القيامة عن موقف السؤال حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وصرفه أفي طاعة الله أم في معصيته؟.
ويسأل عن علمه ما عمل به، والناس في العلم على مراتب، فكلُّ يُسأل على حسب ما عنده.
ويسأل عن ماله من أين حصل عليه وجمعه أم من حرام أم من حلال؟ وفي أي شيء صرفه في حلال أم في حرام؟
ويسأل عن جسمه فيما أبلاه، فهذا الجسم وما أودع الله تعالى فيه من القوى والعافية أصرف ذلك في الشهوات المحرمة
والأهواء النفسية الباطلة حتى تعب جسمه ووهن عظمه وخارت قواه بسبب عصيانه وانتهاكه لما حرم الله؟ أم صرفه فيما يقربه إلى الله تعالى وينال به سعادة الدنيا والآخرة؟
اللهم استعمل أجسادنا وقواتنا في طاعتك آمين.
- ويسأل المرء عن النعيم.
قال الله تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر: 8] فالإنسان يسأل عن النعيم الذي أصابه في الدنيا، ونعم به، وتلذذ من صحة البدن والعافية ولذة الشراب والماء البارد، ولذة المطعم والمأكل ولذة الظلال الباردة، وغير ذلك من النعم التي تحفنا كل يوم.
عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال الزبير: يا رسول الله، وأي نعيم نسأل عنه وإنما هو الأسودان التمر والماء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أما أنه سيكون".
يعني سيكون السؤال عن التمر والماء وغيرهما من ألوان الأطعمة والأشربة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال لهما صلى الله عليه وسلم: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟" فقالا: الجوع يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "وأنا الذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، فقوموا" فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين فلان؟! قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إن جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني.
قال: فانطلق فجاءهم بعِذْقٍ فيه بُسر وتمر رطب(1) فقال: كلوا، وأخذ المدية(2) ليذبح الشاة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياك والحلوبَ(3)" فذبح لهم شاة غير حلوب، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العِذق، وشربوا، فلما شبعوا ورَوَوْا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم". رواه مسلم.
ويسأل الإنسان عن نيته ومراده من الأعمال الصالحة هل كان في ذلك العمل مخلصاً لله تعالى أم كان مقصوده من ذلك العمل الرياء؟.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد فأتي به فعرَّفه نعمه، فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال الله له: كذبتَ، ولكنك قاتلت لأن يقال: هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن ، فأتي به فعرَّفه نعمه، فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن، ليقال هو قاريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال الله تعالى له: كذبت، ولكنك أنفقت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار". رواه مسلم والنسائي والترمذي وابن حبان.
(1) كالعنقود من العنب.
(2) السكين.
(3) لا تذبح شاة حلوباً.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 05:42 PM
أخذ كتب الأعمال
قال الله تعالى: {يومئذٍ تُعرضون(1) لا تخفى منكم خافية* فأمَّا من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم(2) اقرءوا كتابيه(3) * إني ظننت أني ملاقٍ حسابيه* فهو في عيشة راضية(4) * في جنة عالية* قطوفها دانية(5) * كلوا واشربوا هنيئاً(6) بما أسلفتم في الأيام الخالية* وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه* ولم أدر ما حسابيه* يا ليتها كانت القاضية(7) * ما أغنى عني(8) ماليه(9) * هلك عني سلطانيه(10) * خذوه فغلوه(11) * ثم الجحيم صلوه(12) * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه(13) * إنه كان لا يؤمن بالله العظيم* ولا يحض(14) على طعام المسكين* فليس له اليوم ههنا حميم(15) * ولا طعام إلا من غسلين(16) * لا يأكله إلا الخاطئون(17)} [الحاقة: 18 - 37].
وقال تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادحٌ(18) إلى ربك كدحاً فملاقيه(19) * فأما من أوتي كتابه بيمينه* فسوف يحاسب حساباً يسيراً* وينقلب إلى أهله مسروراً* وأما من أوتي كتابه وراء ظهره* فسوف يدعو ثبوراً* (20) ويصلى سعيراً(21)* إنه كان في أهله مسروراً* إنه ظن أن لن يحور(22) * بلى إن ربه كان به بصيراً} [الأشقاق: 6 - 15].
(1) وهي العرضة الثالثة وفيها تطاير الصحف.
(2) خذوا أو تعالوا.
(3) كتابي، والهاء للسكت.
(4) مرضية.
(5) ثمارها قريبة التناول إذا تجنى.
(6) أكلاً غير منغص ولا مكدَّر.
(7) الموتة القاطعة لأمري ولم أبعث.
(8) ما دفع عني.
(9) الذي كان لي من المال.
(10) تسلطي وقوتي.
(11) اجعلوا القيد في يديه وعنقه.
(12) أحرقوه في الحميم.
(13) فأدخلوه فيها.
(14) يُحرض.
(15) قريب مشفق يحميه من العذاب الأليم.
(16) صديد أهل النار.
(17) الكافرون.
(18) جاهد في عملك إلى لقاء ربك.
(19) فملاق لا محالة جزاء عملك.
(20) ينادي هلاكاً قائلاً يا ثبوراه.
(21) يدخلها.
(22) لن يرجع إلى ربه تكذيباً بالبعث.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يبكيك؟ فقالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أمَّا في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحدٌ أحدٌ: عند الميزان حتى يعلم أيخفُّ ميزانه أم يثقل؟ وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله أم وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم". رواه أبو داود.
- من أخذ كتابه بيمينه يبيض وجهه ومن أخذ كتابه بشماله يسود وجهه:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يوم ندعو كلَّ أناسٍ بإمامهم} قال: "يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمدّ له في جسمه ستون ذراعاً ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، قال: فينطلق إلى أصحابه، فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم بارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول: أبشروا فإن لكل رجل منكم مثل هذا.
وأما الكافر:
فيعطى كتابه بشماله ويسوَّد وجهه، ويمد له في جسمه ستون ذراعاً، ويجعل على رأسه تاج من نار، فيراه أصحابه فيقولون: اللهم أخِّره، اللهم لا تأتنا به فيأتيهم فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا". رواه الترمذي وحسنة وابن حبان في صحيحه ورواه الحاكم وصححه.
وفي هذا الشأن قال الله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون* وأمَّا الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران: 106 - 107].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 05:46 PM
الحساب
معنى الحساب:
وهو أن يطلع الله عباده قبل أن ينصرفوا من المحشر على كل ما قد صنعوه وفعلوه في حياتهم الدنيا من تصرفات اعتقادية وقوليه وفعليه سواء كانت خيراً أو شرَّاً.
قال الله تعالى: {إن إلينا إيابهم(1) * ثم إن علينا حسابهم} [الغاشية: 25 - 26].
والآيات كثيرة في ذكر الحساب وهول هذا اليوم العظيم، وقد مدح الله الذين يستعدون ليوم الحساب ويخافونه، قال الله تعالى: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} [الرعد: 21]. وذم الله الذين نسوا يوم الحساب، ولم يخشوا هذا اليوم قال الله تعالى: {إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} [ص:26].
وفي ذلك تحذير من نسيان يوم الحساب، ووعيد لمن نسيه.
(4) رجوعهم.
وقد بَيَّنَ الله تعالى أن محاسبة عباده سوف تأتي علىجميع الأعمال العلانية والسرية، والجسمية والقلبية، والبادية الظاهرة والنفسية الخفية.
قال الله تعالى: {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا(1) ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284].
فالأعمال القلبية من الحب والبغض والحسد والحقد، والنيات الحسنة والنيات السيئة والهم والعزيمة في الخير والشر، كلُّ أولئك يحاسب به العبد يوم القيامة، فيثاب على خيرها ويعاقب على شرها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة أُقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال من صدقة، وما ظُلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزَّاً، وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله تعالى.
قال وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: إنما الدنيا لأربعة فمن: رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو يتقي في مال ربَّه، ويصل فيه رحمه، ويعلم أن لله فيه حقاً، فهو في أعلى المنازل، ورجل آتاه الله العلم ولم يؤته مالاً، يقول: لو أن له مثل فلان(2) لعملت مثله فهو بنيته وأجرهما سواء، ورجل آتاه مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه، فهذا في أخبث المنازل، ورجل لم يؤته مالاً ولا علماً يقول لو أن لي مثل فلان(3) لعملت مثله(4) فهو بنيته ووزرهما سواءً" رواه الترمذي وأحمد.
والهمُّ له اعتباره في الحساب والثواب والعقاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الحسنات والسيئات فمن همَّ بها فعملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها(5) كتبت له حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبت له سيئة واحدة". رواه البخاري ومسلم.
والإرادات العازمة يحاسب عليها الإنسان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه(6)". رواه البخاري ومسلم.
(1) تُظهروا.
(2) مثل الذي معه مال الرجل الذي سبقه في الذكر.
(3) صاحب المال الذي لا يتقي فيه ربَّه.
(4) من إرتكاب الشهوات وفعل الحرام وأنواع الفسق.
(5) مخافة من الله.
(6) في رواية كان حريصاً على قتل صاحبة.
فالمعنى أن القاتل سبقه فلم يحقق المقتول إرادته وهي قتل صاحبه فعلاً.
وأما الخواطر السريعة والوساوس وحديث النفس السيء الذي لم يوطن الإنسان نفسه عليه، ولم يهمَّ به، ولم يعزم صاحبه على إظهاره إلى الوجود، بل يكرهه ويدفعه عن نفسه فهو معفو عنه.
قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة: 286].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم يعملوا به أو يتكلموا به". رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوه: إنَّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به! قال: "أوجدتموه؟" قالوا: نعم. قال: "ذلك صريح الإيمان". رواه مسلم.
فما يصيب الإنسان وساوس سيئة، وهو ينكرها، ولا يرتضيها فهو غير مؤاخذ عليها، بل إن إنكاره لها وتأذيِّه منها، ووجود ألم نفسي بسببها، ففي هذا دليل واضح على محض الإيمان وصراحته.
- أصناف الناس الذي يُحاسبون:
أ- صنف يحاسبون حساباً يسيراً
وهو أن تعرض على العبد أعماله فيعرَّف بالطاعة والمعصية ثم يثاب على الطاعة ويتجاوز له عن المعصية، فلا شدة فيه على صاحبه ولا مناقشة ولا يطالب بالعذر فيه ولا الحجة عليه فإنه متى طولب بذلك لم يجد عذراً ولا حجة فيفنضح.
قال الله تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه* فسوف يحاسب حساباً يسيراً} [الأنشقاق: 7-8].
عن عائشة رضي الله عنهما، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نوقش الحساب عُذِّب".
قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله عزَّ وجلَّ: {فسوف يحاسب حساباً يسيراً} فقال صلى الله عليه وسلم: "ليس ذاك الحساب إنما ذاك العرض، ومن نوقش يوم القيامة عذِّب". رواه البخاري ومسلم.
فالمعنى: أن أهل الحساب اليسير لم يحاسبوا مناقشة وتدقيقاً وإنما حسابهم عرض أعمالهم ثم التجاوز عن سيئاتهم.
عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رجلاً سأله: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يُدني المؤمن فيضع عليه كنفَه ويستره، فيقول: أتعرف ذنبَ كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول العبد: أعرف ربِّ أعرف ربِّ، حتى إذا قرَّره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك قال الله تعالى: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته".
- وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين". رواه البخاري.
ب- صنف يحاسبون حساباً عسيراً:
وهؤلاء صنف يحاسبهم الله حساباً عسيراً تدقيقاً، ومناقشة، ولابد أن يعذبوا ويهلكوا، وهؤلاء يأخذون كتبهم بشمائلهم أو من وراء ظهورهم أعاذنا الله من ذلك.
وقال الله تعالى: {وأما من أوتي كتابه بشماله* فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه(1)} [الحاقة:25].
وقال تعالى: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبوراً(2) * ويصلى سعيراً(3)} [الأنشقاق: 10 - 12].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: "من نوقش الحساب عُذِّب". رواه البخاري ومسلم
ج- صنف يدخلون الجنة بغير حساب:
فهؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب بسبب توكلهم على الله توكلاً عالياً خاصاً، ويدخل بمعيتهم أعدادٌ من الناس كثيرة وهذا لكرامتهم وفضلهم عند الله تعالى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عُرضت عليَّ الأمم فأخذ النبي يمرُّ ومعه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرتُ فإذا سواد كثير(4)، قلت: يا جبريل هؤلاء أمتي؟ فقال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، فقال جبريل هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قُدَّامَهم لا حساب عليهم ولا عذاب. قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون". رواه البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم: "أعطيتُ سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدتُ(5) ربي فزادني مع كل واحد سبعين ألفاً". رواه أحمد.
ومِن جملة الذين لا حساب لهم:
(1) يقول هذا الكلام بسبب ما سيلاقيه من العذاب الأليم.
(2) يقول يا ثبوراه أي ينادي هلاكاً.
(3) يدخل النار التي هي العذاب الأليم.
(4) أشخاص.
(5) طلب من الله الزيادة.
* الشهداء والعافون عن الناس:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دماً، فازدحموا على باب الجنة، فقيل: من هؤلاء؟ قيل: الشهداء كانوا أحياء يرزقون، ثم نادى منادٍ: ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة، ثم نادى الثانية: ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة، قيل: ومن ذا الذي أجره على الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: العافون عن الناس، ثم نادى الثالثة : ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة. فقام كذا وكذا الفاً فدخلوها بغير حساب". رواه الطبراني بإسناد حسن.
* والعلماء العاملون:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عزَّ وجلَّ للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان فيكم ولا أبالي". رواه الطبراني ورواته ثقات.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 05:50 PM
موقف الشهادات
لقد دلت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الشريفة على أن الشهداء يوم القيامة هم أصناف متعددة، وهذا موقف خطير وشأنه كبير تحق فيه الحقائق وتقوم به الحجة، وفي ذلك اليوم لا ينفع الظالمين معذرتهم لأن الحجة قامت عليهم بشهادة الأشهاد فلا جحود ولا عناد.
ومن الأصناف التي تشهد يوم القيامة على الناس
- شهادة الرسل على أممهم:
يشهدون بالإيمان لمن آمن وبالكفر على من كفر.
قال الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} [البقرة: 143].
وقال تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً* يومئذٍ يودُّ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوَّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً} [النساء: 41-42].
والمعنى أن الكفار يود أحدهم أن يدفن في الأرض وهو لا يكتم الله حديثاً.
- شهادة الملائكة الكرام الكاتبين على العبد:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقال للعبد يوم القيامة كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين عليك شهوداً فيختم على فيه(1)، ويقال لأركانه انطقي فتنطق بعمله ثم يخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول بعداً لكُنَّ وسحقاً، فعنكنَّ كنت أناضلُ" رواه مسلم.
(1) فمه.
- شهادة الجوارح والجلود على العبد:
قال الله تعالى: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} [النور: 24].
وقال تعالى: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} [يس: 65].
وقال تعالى : {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أوَّل مرة وإليه ترجعون} [فصلت: 21].
- شهادة الأرض على كل عبد:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {يومئذ تحدث أخبارها} [الزلزلة: 4]. قال: "أتدرون ما أخبارها؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فإن أخبارها أن تشهد على كلِّ عبد وأمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها" رواه الترمذي والنسائي وغيرهما.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 05:54 PM
الميزان
قال الله تعالى: {والوزن يومئذٍ الحقّ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون* ومّن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } [ الأعراف: 8-9 ]
- فإن يوم الوزن حق وثابت الوقوع،
وهذا الإظهار الحقِّ، حيث يقام موازين حسية وعندئذٍ تتمثل أعمال الإنسان وأقواله بذاتها أو بواسطة صحائفها، فتوزن فمن كان أمره صالحاً فقد ثقلت موازينه ورجحت مقادير حسناته وكان من الناجين المفلحين، ومن كان أمره غير ذلك فقد خفت موازينه ورجحت مقادير سيئاته فهو من الخاسرين الهالكين.
}فأما من ثقلت موازينه* فهو في عيشة راضية* وأما من خفت موازينه* فأمه هاوية(1)* وما أدراك ما هيه(2) * نارٌ حامية } [القارعة: 6-11 ].
وفي هذا تحذير وتخويف للعباد لئلا يسلكوا طريق النار الحامية بل عليهم أن يباعدوا أنفسهم عن فعل المحرمات والمخالفات التي نهى الله عنها.
- الدقة في الميزان:
وفي يوم الوزن لا تظلم نفس شيئاً فلا ينقص مالها شيء، ولا يزاد فيما عليها شيء، فكله يوزن، ولو كان مثقال حبة من خردل أي صغيراً جداً جداً، وفي هذا إظهار لعدالة الله سبحانه وتعالى.
(1) مأواه جهنم يهوي فيها.
(2) ما هي والهاء للسكت.
قال الله تعالى:
}ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [ الأنبياء: 47 ].
- ويثقل الميزان الحسنات:
ومن جملة الحسنات المثقلة للميزان:
* حسن الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ما من شيء يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من حسن الخلق". رواه أبو داود والترمذي.
* الإكثار من التسبيح والتحميد:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان حبيبتان إلى الرحمان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"
* شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عزَّ وجلَّ سيخلِّص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق فينشر له تسعة وتسعين سجلاً كل سجلٍّ مدَّ البصر، فيقول الله تعالى له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ. فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا، يا ربِّ. فيقول الله عزَّ وجلَّ: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول الله: احضُر وزنك، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تُظلم، فتوضع السجلات في كفَّة والبطاقات في كفَّة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسمه تعالى شيء". رواه الترمذي.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 05:56 PM
لصراط
- معنى الصراط:
وهو الجسر الذي ينصب على نار جهنم يوم القيامة، فيجتاز عليه الناس على اختلاف مذاهبهم وأضرابهم وتفاوت درجاتهم، فمنهم من يمرَّ كطرف العين، ومنهم كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كالطير ومنهم كأجاويد الخيل والركاب ومنهم من يبدو له أن الصراط أدق من السيف، ومنهم من يقع من فوقه ثم يهوي في النار أعاذنا الله من ذلك.
قال الله تعالى: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأتىّ يبصرون} [يس: 66].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 05:57 PM
ب- صفة الصراط :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : "بلغني أن الجسر(1) أدق من الشعر وأحدُّ من السيف". رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأمَّا عند تطاير الكتب فإما أن يعطى بيمينه أو يعطى بشماله، وحين يخرج عنق النار فينطوي عليهم، ويقول ذلك العنق وُكِّلت بثلاثة:
وكِّلت بمن ادعى مع الله إلهاً آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد. قال: فينطوي عليهم(2) ويرمى بهم في غمرات النار.
قال: ولجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف عليه كلاليب(3) وحسك(4) يأخذون من شاء الله تعالى، والناس عليه كالطرف(5) وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب. والملائكة يقولون: ربِّ سلِّم سلِّم فناج مُسلَّم، ومخدوش مُسلَّم ومكوَّر(6) في النار على وجهه". رواه أحمد.
ج- أحوال الناس في جوازهم الصراط:
أشار الله تعالى إلى الصراط وإلى صعوبة هذا الموقف العظيم.
}وإن منكم إلا واردها(7) كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين جثياً(8)} [مريم: 71 - 72].
- والذي يمر على الصراط المستقيم اصناف:
1- منهم يُسلَّم فلا يخدش، ولا يصيبه أيُّ مكروه، وهم المؤمنون حقاً الصادقون.
2- ومنهم من يخدش ويناله مكروه من النار ثمَّ بعد ذلك يخلص الذين يمرون على الصراط وهم آمنون مطمئنون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
3- ومنهم من يلفُّ ويلقى، فيسقط في جهنم.
(1) الصراط.
(2) على الثلاثة المذكورين.
(3) حديدة معطوفة الرأس يعلق فيها ويقال لها الكلاب.
(4) وهو نبت ذو شوك وهذا تشبيه لحدة الآلات المحمولة.
(5) كطرفة عين أي سرعة هائلة.
(6) يُلَّف.
(7) يرِد النار أي يحضرها بالمرور على الصراط المدود عليها.
(8) باركين على ركبهم لشدة الهول.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... ثم يضرب الجسر على جهنم وتحلُّ الشفاعة ويقولون(1): اللهم سلِّم سلِّم، قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: دحضُ مزلَّة، فيه خطاطيف(2) وكلاليب وحسك تكون بنجد(3) فيها شويكة يقال لها السعدان(4) فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب.
فناج مُسلَّمٌ ومخدوش(5) مرسل، ومكدوس(6) في نار جهنم. حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده(7) ما منكم من أحدٍ بأشدّ مناشدةً لله تعالى في استقصاء الحقّ من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار.
يقولون: ربنا كانوا يصومون، ويصلون ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم فَتحرَّم صُورهم على النار، فيُخرجون خلقاً كثيراً، قد أخذت النار إلى نصف ساقية وإلى ركبتيه ...". رواه مسلم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 05:58 PM
د- الحكمة من المرور على الصراط:
إن من استقام على الصراط المستقيم أي الطريق القويم في الدنيا، خفَّ على صراط الآخرة ونجا، ومن مال عن الاستقامة في الدنيا وأثقل ظهره بالأوزار وعصى، تعثر في أول قدم من الصراط وسقط وهوى.
فالصراط الذي هو جسر ينصب على نار جهنم، إنما هو تجسيد لمعنى الصراط أي الطريق الذي ألزم الله به عباده في الدنيا.
فكن يا أخي سالكاً الطريق المستقيم في الدنيا حتى تسلك الصراط بسهولة يوم القيامة، ولا تكن من الذين مالوا عن الاستقامة في الدنيا، فإنهم لا شك ولا ريب سيميلون عن الصراط في الآخرة، وتزلّ أقدامهم.
اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:01 PM
الشفاعة
إن الشفاعة يوم القيامة لا يتقدم إليها أحدٌ إلا بإذنه تعالى قال الله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255].
(1) الأنبياء عليهم السلام.
(2) حديدة يختطف بها.
(3) منطقة في الحجاز.
(4) نبات ذو شوك.
(6) مخموش ممزق.
(7) يلقى بعضهم فوق بعض في جهنم.
(8) قسم بالله.
وقال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28].
- أنواع الشفاعة :
أ- الشفاعة العظمى:
هي من خصائص الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، وتكون أول الشفاعات، وهي تعمُّ جميع أهل الموقف على مختلف أديانهم، وبها يتخلصون من أهوال الموقف(1) وكرباته بعد اشتدادها وطولها، ثم ينفضُّ أمرهم إلى العرض والحساب والميزان.
فالشفاعة العظمى هي المقام المحمود:
قال الله تعالى: {ومن الليل فتهجد(2) به نافلة(3) لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً(4)} [الإسراء: 79].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الناس يصيرون يوم القيامة(5) جُثى كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع لنا، حتى تنتهي الشفاعة إليَّ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود". رواه البخاري.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوةٍ، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهس منها نهسةً، وقال: "أنا سيِّد ولد آدم يوم القيامة، هل تدرون ممَّ ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين على صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغمِّ والكرب مالا يُطيقون ولا يحتملون فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أتنم فيه ألا ترون إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه، فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه، فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيتُ، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً، فيقولون: يا نوح أنت أوَّل الرسل إلى أهل الأرض، وقد سمَّاك الله عبداً شكوراً، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا عند ربك؟ فيقول: إنَّ ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كان لي دعوة دعوتُ بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبيّ الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا عند ربك، أما ترى ما نحن فيه؟
(1) أهل المحشر.
(2) الصلاة ليلاً بعد الاستيقاظ.
(3) فريضة زائدة خاصة بك.
(4) مقام الشفاعة العظمى.
(5) يجلسون على ركبتيهم.
فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده
ترى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنتُ كذبت ثلاث كذباتٍ، فذكرها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى، فيقولون: أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أومَرْ بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلَّمتَ الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم، فيقولون: يا محمد أنتَ رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ اشفع لنا إلى ربك، قال: فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته، وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله. فيلهمني الله محامد لا أقدر عليها الآن، فأحمده بتلك المحامد، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وسلْ تعط واشفع تشفَّع، فارفع رأسي، فأقول: يا ربّ أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدخِل الى الجنة من أمتك مَن لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنَّ بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهَجَر، أو كما بين مكة وبصرى". رواه البخاري ومسلم والترمذي
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجمع الله الناس يوم القيامة، فيهتمُّون لذلك، وفي رواية: فيلهمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال: فيأتون آدم فيقولون: أنتَ آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك حتى يُريحنا من مكاننا هذا، ليقول: لستُ هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربَّه منها، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتَّخذه الله خليلاً، فيأتون إبراهيم، فيقول: لستُ هناكم، وذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربَّه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمَّه الله تعالى، وأعطاه التوراة، قال: فيأتون موسى، فيقول لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربَّه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لستُ هناكم، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيأتونني ، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته وقعتُ له ساجداً فيدعني ما شاء الله، فيقال: يا محمد ارفع، قل يُسمع، سل تعطه، اشفع تشفَّع، قال: فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع فيحدّ لي حداً، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، قال الرواي: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة فأقول: يا ربّ ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود". رواه البخاري ومسلم.
ب- شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم يدخلون الجنة بغير حساب:
ويدلُّ على ذلك ما تقدم في آخر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: "فأرفع رأسي، فأقول: يا ربِّ أمتي أمتي. فيقال: يا محمد أدخِل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب".
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:03 PM
ج- شفاعة رسول الله لعصاة المؤمنين:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكّل بني دعوة مستجابة، فتعجّل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً". رواه مسلم.
وقال عليه الصلاة والسلام: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيدخلون الجنة يُسَمَّون الجهنميين". رواه البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه". رواه البخاري.
د- شفاعة الأنبياء والملائكة والصديقين والعلماء والشهداء والصالحين:
ورد في الحديث الطويل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين ...." رواه البخاري ومسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء". رواه ابن ماجه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أمتي من يشفع للفئام(1)، ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للرجل حتى يدخلوا الجنة". رواه الترمذي وأحمد.
(1) الجماعات بالقبائل.
وقال صلى الله عليه وسلم: "من قرأ القرآن فاستظهره(1)، فأحلَّ حلاله وحرم حرامه أدخله الله الجنة، وشفعه في عشرة من أهل بيته قد وجبت لهم النار". رواه الترمذي وابن ماجه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "يُصَفُّ أهل النار فيمر بهم أهل الجنة، فيقول الرجل(2): يا فلان أما تعرفني؟ أنا الذي سقيتك شربة، وقال بعضهم: أنا الذي وهبت لك وَضوءاً(3) فيشفع له(4) فيدخله الله الجنة". رواه ابن ماجه.
تنبيه: لا يُشفع للكافرين الذين مصيرهم النار خالدين فيها أبداً.
قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء:116].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:04 PM
الحوض
أ- الحوض مكرمة خصَّ الله تعالى بها محمداً صلى الله عليه وسلم:
وفي سورة الكوثر، إشاره إلى ذلك:
قال الله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر* فصل لربك وانحر* إن شانئك(5) هو الأبتر(6)} [الكوثر: 1 - 3].
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الكوثر: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه.
قال أبو بشير: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه. رواه البخاري.
وعن أنس رضي الله عنهما قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه ضاحكاً، فقيل له: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "نزلت عليّ سورة آنفاً(7)، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر حتى ختمها، قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال إنه نهر وعدنيه ربي عزَّ وجلَّ، عليه خير كثير، وهو حوض تَرِد عليه أمتي يوم القيامة: آنيته عدد نجوم السماء فيُختلج العبد منهم، فأقول: ربِّ إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك". رواه البخاري ومسلم.
(1) أجاد حفظه.
(2) من أهل النار.
(3) ماء الوضوء.
(4) الذي هو من أهل الجنة وهو الرجل الصالح.
(5) فبعضك.
(6) المقطوع الخير.
(7) الآن.
وذلك النهر هو في الجنة يسمَّى كوثراً ويمتد فيه إلى الموقف فيسمَّى الحوض ترد عليه أمة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:05 PM
ب- سعة الحوض وكثرة آنيته وحلاوة مائة وبياض لونه:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورِق(1) وريحه أطيب من المسك، وكيزانه(2) كنجوم السماء فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبداً". رواه مسلم.
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ما آنية الحوض؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لآَنيتُه أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، إلا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ، آخر ما عليه يشخب(3) ميزابان من الجنة من شرب منه رواه مسلم.
لم يظمأ، عرضه مثل طوله ما بين عَمَّان(4) إلى أيْلة(5) ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل".
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:07 PM
ج- انتظار رسول الله أمته الواردين على الحوض:
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً وصلى على شهداء أحدٍ صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال: "إني فَرَط(6) لكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها". رواه البخاري ومسلم.
د- استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على الحوض ومعرفته لهم بسيماهم من بين الأمم:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن حوضي لأبعدُ من أيْلة من عدن(7)، والذي نفسي بيده إني لأذود عنه(8) الرجال(9) كما يذود(10) الرجل الإبل القريبة، قالوا: يا رسول وتعرفنا؟ قال:
__________________________
(1) الفضة.
(2) كوؤسه.
(3) يجري.
(4) مدينة في عراق الشام على الساحل البحر متوسطة بين مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودمشق. وهذا للإعلام بسعة الحوض.
(5) بلدة بالبلقاء في الشام.
(6) الفارط: وهو الذي يتقدم الواردين ليصلح لهم الحياض والدلاء. والمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أمته الواردين عليه المتبعين له، وذلك ليستقبلهم ويسقيهم.
(7) وهذا تقدير لسعة الحوض.
(8) أمنع عن الحوض.
(9) من غير أمته.
(10) كما يمنع.
نعم، ترِدون عليَّ غراً مُحجَّلين(1) من آثار الوضوء ليست لأحدٍ غيركم". رواه مسلم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:11 PM
الجنة والنار
أ- الجنة:
وهي دار نعيم قد أعدَّها الله للمؤمنين في الآخرة وهي جزاء لهم بما كانوا يعملون من الأعمال الصالحة.
قال الله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} [آل عمران: 133].
وقال الله تعالى: {وأمَّا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى* فإن الجنة هي المأوى(2)} [النازعات:40-41].
وقد بينَّ الله سبحانه وتعالى تفصيلاً في القرآن الكريم عن الجنة ونعيمها وأنهارها وأشجارها وثمارها وطعامها وشرابها وثيابها، وحُلَلْها ومساكنها وغرفها وحورها ... وليعلم أن نعيم الجنة لا يشبه نعيم الدنيا قال الله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرَّة أعين(3) جزاءً بما كانوا يعملون} [السجدة: 17].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال تعالى: أعددت لعبادي الصالحين، مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". رواه البخاري ومسلم.
قال الله تعالى في وصف الجنة وأهلها: {والسابقون السابقون* أولئك المقربون * في جنات النعيم * ثلة(4) من الأولين * وقليل من الآخرين * على سرر موضونة(5) * متكئين عليها متقابلين* يطوف عليهم ولدان مخلدون(6) * بأكواب(7) وأباريق(8) وكأس(9) من معين(10) * لا يصدعون(11) عنها ولا ينزفون(12) * وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون * وحور عين(13) * كأمثال اللؤلؤ
(1) الغُرَّة : بياض في جبهة الفرس والتحجيل : بياض في يديها ورجليها. وسمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرَّة وتحجيلاً وهذا تشبيه بغرة الفرس وتحجيله.
(2) هي المرجع والمُقام.
(3) موجبات المسرة والفرح.
(4) أمة من الناس كثيرة.
(5) منسوجة من الذهب بإحكام.
(6) مُبَقَّوْن على هيئة الولدان في البهاء.
(7) أقداح لاعرى لها ولا خراطيم.
(8) أوان لها عرى وخراطيم.
(9) قدح فيه خمر.
(10) خمر جارية من العيون.
(11) لا يصيبهم صداع بشربها.
(12) لا تذهب عقولهم بسببها.
(13) نساء بيض واسعات الأعين حسانها.
المكنون(1)* جزاءً بما كانوا يعملون* لا يسمعون فيها لغواً(2) ولا تأثيماً(3) * إلا قيلاً سلاماً سلاماً* وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين* في سدر(4) مخضود(5) * وطلح(6) منضود(7) * وظل ممدود(8) * وماء مسكوب(9) * وفاكهة كثيرة* لا مقطوعة ولا ممنوعة* وفرشٍ مرفوعة(10) * إنا أنشأنهن إنشاءً* فجعلنهن أبكاراً* عرباً(11) أتراباً(12) * لإصحاب اليمين* ثلة من الأولين* وثلة من الآخرين} [الواقعة: 10-40]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة؟ فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا ربِّ، وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟ فيقول: أحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً". رواه البخاري.
ب- النار:
وهي دار عذاب قد أعدَّها الله للكافرين والمستكبرين عن طاعة الله وعبادته.
قال الله تعالى: {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أُعِدَّت للكافرين} [البقرة: 24].
وقال الله تعالى: {واتقوا النار التي أُعدَّت للكافرين} [آل عمران: 131].
وقال الله تعالى: {وأمَّا من طغى وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيم هي المأوى(13)}.
وقد وصف الله تبارك وتعالى الله وقود النار ونيرانها المتأججة ووصف طعامها وشرابها ووصف عذابها بما يدخل الرعب في قلوب المجرمين وقلب كل متكبر جبارٍ أثيم.
وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أهون أهل النار عذاباً فقال: "إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لَرَجلٌ توضع في أخمص(14) قدميه كجمرةٌ(15) يغلي منها دماغه". رواه البخاري
(1) المصون في أصدافه مما يُغَيِّره.
(2) كلاماً لا خير فيه أو باطلاً.
(3) ولا نسبة إلى الإثم أو ما يوجبه.
(4) في شجر النَّبْق يتنعمون به.
(5) مقطوع شوكه.
(6) شجر الموز أو مثله.
(7) نُضِّدَ بالحمل من أسفله إلى أعلاه.
(8) دائم لا يتقلص أو ممتد منبسط.
(9) مصبوب يجري في غير أخاديد.
(10) على الأسرة.
(11) متحبِّبات إلى أزواجهن.
(12) مستويات في السن.
(13) المرجع والمقام.
(14) المتجافي عن الأرض من الرجل عند المشي.
(15) قطعة من النار ملتهبة.
قال الله تعالى في وصف النار وأهلها: {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً} [النساء: 56].
وقال تعالى: {إن المجرمين في ضلال وسُعر(1)* يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر} [القمر: 47 - 48].
وقال تعالى: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال* في سموم(2) وحميم(3) * وظلٍ من يحموم(4) * لا بارد ولا كريم(5) * إنهم كانوا قبل ذلك مترفين(6) * وكانوا يصرون على الحنث(7) العظيم* وكانوا يقولون إئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً إءنا لمبعوثون* أو أباؤنا الأولون* قل إن الأولين والآخرين* لمجموعون إلى ميقاتِ يوم معلوم* ثم إنكم ايها الضالون المكذبون* لآكلون من شجر من زقوم(8) * فمالئون منها البطون* فشاربون عليه من الحميم* فشاربون شرب الهيم(9) * هذا نزلهم(10) يوم الدين(11)} [الواقعة: 41 - 56].
وقال تعالى: {وجوه يومئذٍ خاشعة(12)* عاملة(13) ناصبة(14) تصلى ناراً حامية(15) * تسقى من عين آنية(16) * ليس لهم طعام إلا من ضريع(17) * لا يسمن ولا يغنى من جوع(18)} [الغاشية: 2-7].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:13 PM
ج- الخلود في كل من الجنة والنار:
إن نعيم الجنة باقٍ خالد لا نهاية، وعذاب جهنم باقٍ لا نهاية له.
قال الله تعالى في الخلود الأبدي لأهل الجنة: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم
(1) نيران مسعرة.
(2) ريح شديدة الحرارة تدخل المسام.
(3) ماء بالغ غاية الحرارة.
(4) دخان شديد السواد أو نار.
(5) لا نافع من أذى الحر.
(6) مُنَعمِينَ متبعين أهواء انفسهم.
(7) الذنب العظيم وهو الشرك.
(8) شجر كريه الرائحة في النار.
(9) الإبل العطاش التي لا تروى.
(10) ما أُعِدَّ لهم من الجزاء.
(11) يوم القيامة.
(12) ذليلة خاضعة من الخزي.
(13) تجرُّ السلاسل والأغلال في النار.
(14) تعبة مما تلاقيه فيها من العذاب.
(15) تدخل ناراً تناهى حرُّها.
(16) بلغت غايتها في الحرارة.
(17) شيء في النار كالشوك مُر منتن.
(18) لا يدفع عنهم جوعاً.
جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلاً ظليلاً} [النساء: 57].
وقال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً وعد الله حقاً ومن أصدق من الله قيلاً} [النساء: 122].
وقال الله تعالى في الخلود الأبدي لأهل النار الكافرين: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 167].
وقال تعالى: {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً* إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً} [النساء:168-169].
وقال تعالى: {إن الله لعن الكافرين وأعدَّ لهم سعيراً* خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً} [الأحزاب: 64 - 65].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار: "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح(1)، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موتَ، ويا أهل النار لا موتَ، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم". رواه البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم: "من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت". رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم: "ينادي منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم أن تصيحوا فلا تسقموا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وأن تحيوا فلا تموتوا أبداً".
تنبيه أول: عصاة المؤمنين الذين في النار يُعذَّبون ثم يخرجون فيدخلون الجنة.
قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء:48].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يقول الله من كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان فأخرجوه، فيخرجون قد امتُحِشوا(2) وعادوا حُمَمَاً(3)، فَيُلْقَون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبَّة(4) في حَميل السَّيْل(5) أو قال: حَمِيَّةِ السَّيْل(6) - وقال النبي صلىالله عليه وسلم - ألم تروا أنها تخرج صفراء ملتوية". رواه البخاري.
تنبيه ثانٍ: إن أهل الكتاب من اليهود والنصارى كفار ويعذبون في النار ويخلدونَ فيها.
(1) يجسد على شكل كبش، ثم يجاء به، ويذبح وفي هذا إشارة إلى الخلود والدوام.
(2) قد احترقوا.
(3) فحماً.
(4) بذر النبت.
(5) غثاؤه وهو ما جاء من طين وغيره، فإذا كان فيه حبة واستقرت على شط الوادي تنبت بسرعة.
(6) معظم جريه واشتداده.
قال الله تعالى: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية(1)} [البينة: 6].
(1) الخليقة والناس.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:14 PM
الإيمان بالقدر
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:15 PM
- معنى الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر: هو الإيمان بتقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون وبما سيكون من أعمال المخلوقات كلها، وصدور جميعها عن تقدير منه وخلقٍ لها خيرها وشرها.
- فقد شاء الله أن يخلق الخلائق، وقضى أن تكون بأقدار وأوصاف محددة، وهو العالم بما كان ويكون وما سيكون، وكل ما في الوجود من حركات وسكنات إنما هو كائن بمشيئة الله سبحانه وتعالى، ولا يحدث شيء، إلا بقدرة الله ومشيئته، فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن.
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70].
وقال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].
وقال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].
وقال تعالى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54].
وقال تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف:23-24].
وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:16 PM
- وجوب الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:17 PM
- أثر الإيمان بالقدر في نفوس المؤمنين:
إن من يدعي أن الإيمان بالقدر مدعاة للتواكل والكسل والخمول فهذه دعوى فاسدة باطلة وسبها عدم الفهم لمعنى الإيمان بالقدر لأن من آمن أن الله تعالى خلق كل شيء بقدر فهو حريص على معرفة أقدار الخير ليدفع بها أقدار الشرِّ، فهو يدفع قدر الجوع بقدر الطعام، وقدر المرض بقدر الدواء، وقدر الفقر بقدر السعي في طلب الرزق.
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرُّقى والأدوية: هل تَرُدُّ من قَدَر الله شيئاً؟
قال: "هي من قدر الله" رواه أحمد.
ومن آمن بقدر الله تعالى لا يصيبه اليأس ولا القنوط بسبب كثرة المصائب، ولا يحزن على ما فاته، ولا يفخر ولا يتكبر مهما أوتي من مال وجاهٍ ومنصب وغير ذلك من حظوظ الدنيا.
قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا(1) عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا(2) بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ(3) فَخُورٍ} [الحديد: 22-23].
ومن آمن بقدر الله وقدرته ومشيئته، وأدرك عجزهُ، وحاجته إلى خالقه تعالى، فهو يصدق في توكلِّه على ربَّه ويأخذ بالأسباب التي خلقها الله، ويطلب من ربه العون والسداد.
والمؤمن يردد في يقين قوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].
ويوقن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك".
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:17 PM
- اختيار الإنسان وكسبه:
الإنسان مختار في عمله وكسبه، غير مجبر وهو مفطور على حركة الاختيار، ويمثل هذه الحركة ويطبقها في حياته اليومية، ويقرر بعمله وسلوكه الاختيار وينكر الجبر، فلا يعاقب الجمادَ ولا يغضب على الحجر والخشب والماء والنار والريح مهما لحقه الأذى والعنت من هذه الأشياء، أما إذا تعرض إنسان لإهانتك أو هتك عرضك ثُرتَ عليه ثوراناً عجيباً وعاقبته عقاباً شديداً.
أفلا يدل ذلك على أن الإنسان يميز بين المجبور والمختار، وأن الإنسان صاحب اختيار وإرادة يحاسب ويعاتب ويعاقب ويلام ولا يقبل منه عذر فيما تعمده فهو مخير ليس بمجبور.
- شبهة وردُّها:
الشبهة: قد يتساءل البعض كيف لا يكون ما قد كتب في اللوح المحفوظ مجبراً للإنسان على العمل مع أنه قد كتب قبل وجود الإنسان؟
__________
(1) تحزنوا.
(2) فرح بطر واختيال.
(3) متكبر متباه.
ردُّها: سنضرب مثالاً لكشف هذه الشبهة:
ألا ترى أن الأستاذ الذكي الخبير بأحوال طلابه الذي يضع أسئلة الامتحان، لو أنه كتب في ورقة أسماء من هو متأكد أنهم سيرسبون في الامتحان في أخرى أسماء من هو متأكد من نجاحهم، ثم جاء الامتحان وظهرت النتيجة، ثم جاء الذين رسبوا محتجين بقولهم: إن ما كتبه الأستاذ علينا في الورقة بأننا سنرسب هو السبب في رسوبنا! فهل سيُقبل عذرهم؟ أم أنه سيقال لهم: إن ما كتبه الأستاذ في الورقة أمر متعلق بعلمه وخبرته السابقة بأحوالكم، ورسوبُكم متعلق بإهمالكم، فلا تعتذروا لإهمالكم بعلم الأستاذ وخبرته. (ولله المثل الأعلى) فهو سبحانه وتعالى خالق الخلق وهو العليم بأحوالهم قال تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].
ولقد خلقنا الله سبحانه لقضاء فترة الامتحان في هذه الحياة الدنيا وهو جلَّ شأنه يعلم نتيجة الامتحان فكتب الشقاء على الأشقياء وكتب السعادة للسعداء حسب علمه المحيط بما كان وما يكون وما سيكون.
وربما أخطأ الأستاذ في تقديره لنتائج طلابه لكنَّ قدرَ الله لا يخطئ في تقديره لأعمال خلقه.
والكتابة في اللوح المحفوظ أمر متعلق بعلم الله السابق، فترك الصلاة مثلاً أمر متعلق بتمرد وإهمال ومعصيةِ تارك الصلاة، وقد أراد الجاحدون أن يعتذروا ويتحججوا للمعصية والضلال بعلم الله تعالى، وهذا مرفوض لأن علم الله سابق لا سائق، فما أخبر الله مما هو كائن إلى يوم القيامة من أفعال العباد الاختيارية ليس فيه أي إجبار ولا فيها سوق للإنسان دون إرادته.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:19 PM
عالم الجن
1- وجوب الإيمان بوجود الجن:
أثبت القرآن الكريم في مواضع متعددة وجود عالم الجن، فوجب الإيمان بوجود الجن إيماناً جازماً.
قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 56-57].
وقال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا(1) مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا(2) لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ(3)} [الرحمن: 33].
وقال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا(4) إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 29-31].
______________
(1) تخرجوا هرباً من قضاء الله.
(2) فاخرجوا وهذا أمر للتعجيز.
(3) بقوة وقهر، وهيهات .. !
(4) وجَّهنا إليك يا محمد.
الواجب علينا أن نؤمن بالجن بأنهم عالم حقيقي ليس وهمياً تخيلياً ولا نفساً بشرية شريرة،وليس هو من البشرية الخبيثة، ولا من نوع الجراثيم المكروبية الضارة، فإن جميع هذه الأوهام والأفهام حَوْل الجن هي تحريف لكلام الله عن معانيه المرادة منه، وصرف له عن الوجه المخبَر عنه إلى وجه آخر هو في معزل عنه، وإنما الجن عالم غيبي حقيقي الوجود له شأنه وأحكامه.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:28 PM
2- حقيقة الجن:
قال الله تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن: 14-15].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خُلِقَتِ الملائكة من نور وخُلِقَتِ الجانُّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". رواه مسلم.
- فالجن صنف غير صنف الملائكة وغير جنس الإنسان:
فالملائكة: خلقت من نور.
والإنسان: خلق من طين يابس كالفخار.
والجن: من مارج من نار أي من أخلاط من نار.
والجن مخلوقون قبل الإنسان:
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ(1) مِنْ حَمَإٍ(2) مَسْنُونٍ(3) * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ(4)} [الحجر: 26-27].
قال تعالى:{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا} [الكهف: 50].
ففي أمر سجود إبليس - الذي هو من الجن - لآدم عليه السلام دلالة واضحة على أن الجن مخلوقون قبل آدم وهو الإنسان الأول.
- الجن يتناسلون ولهم ذرية.
قال الله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا} [الكهف: 50].
فقد نص القرآن على أن له ذرية.
_________________
(1) طين يابس كالفخار.
(2) طين أسود متغير.
(3) مصور صورة إنسان أجوف.
(4) الريح الحارة القاتلة.
وقال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ(1) بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا(2)} [الجن: 6].
فحيث كان في الجن رجال ففيهم الإناث، وذلك يقتضي التناسل.
- إن من شأنهم أن يرونا من حيث لا نراهم وهذا في شأن خلقتهم الأصلية.
قال الله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27].
- إن من شأنهم أن يتشكلوا بصور مختلفة كصورة إنسي أو حيوان فنراهم عندئذ.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال ولي حاجة شديدة، فخلَّيت عنه، فأصبحت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟" فقلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته وخليت سبيله، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما إنه قد كذبك، وسيعود" قال أبو هريرة: فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول صلى الله عليه وسلم، فقال: دعني فأني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟" قلت: يا رسول شكا حاجة وعيالاً فرحمته، فخليت سبيله، فقال: "أما إنه قد كذبك وسيعود".
وقال أبو هريرة: فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود! فقال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم ... } حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فعل أسيرك البارحة؟" قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله! فقال صلى الله عليه وسلم: "وما هي؟ " قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك
______________
(1) يلتجؤون.
(2) إثماً وطغياناً وغياً، وتعباً.
(3) ذريته.
شيطان حتى تصبح، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما أنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟" قلت: لا، فقال: "ذاك شيطان".
- الجن لهم قدرات كبيرة ومهارات عالية،
وقد أخبر سبحانه عن قوة الجن، وأن منهم العفاريت(1) الأشداء الأقوياء، فسخر لسليمان جنوداً قوية من الجن تعمل بين يديه يقومون له بأعمال البناء والغوص في البحار والأعمال الصناعية كالجفان(2) الكبيرة والقدور الراسية والأعمال الفنية كالتماثيل(3) والمحاريب إلى غير ذلك من أعمال كبيرة مختلفة.
قال الله تعالى: {قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39].
وذلك أن سليمان عليه السلام لما أراد إحضار عرش بلقيس(4) إلى مقام سليمان من مسافات بعيدة، انبرى عفريت من الجن أنه هو يأتيه به قبل أن يقوم سليمان من مقامه، فهذا التعهد من العفريت الجني والتزامه إحضار ذلك العرش مع قطعه تلك المسافات الشاسعة دليل على شدته وقوته وقدرته الكبيرة.
قال تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ(5) مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ(6) وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ(7) اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ} [سبأ: 13]
وقال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً(8) حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ(9)} [ص: 36-37].
- الجن يأكلون أكلاً لا نعلم كيفيته وماهيته، وأن الله قد جعل زادهم من العظام وروث البهائم والفحم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظم فإنها زاد إخوانكم من الجن" رواه مسلم والترمذي.
____________
(1) الأقوياء الماكرين الدهاة.
(2) قصاع.
(3) كانت التماثيل جائزة ثم حرمت في الإسلام.
(4) ملكة سبأ في اليمن.
(5) لسليمان.
(6) قصاع كبار كالحياض العظام.
(7) ثابتات على المواقد لعظمها.
(8) منقادة حيث أراد.
(9) في البحر لاستخراج نفائسه.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما قدم وفد الجن على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله انْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة(1) فإن الله جعل لنا فيها رزقاً، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. رواه أبو داود بإسناد صحيح.
- إن الجن يموتون.
قال الله تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ(2) لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ(3) وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي(4) وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ(5) * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ(6) فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ(7) مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} [الأحقاف: 17-18].
فهذا دليل على موت الجن طائفة بعد أخرى كالإنس.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون".
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:29 PM
3- الجن مطالبون بالتكاليف الشرعية:
الجن مكلفون كما أن الإنس مكلفون بالتكاليف الشرعية، وقد يختص الجن بأحكام لا يكلف بها الإنس وكذلك قد يختص الإنسان بأحكام لا يكلف بها الجن، لاختلاف الجنسين عن بعضهما البعض.
قال الله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام: 130].
وقال تعالى إخباراً عن الجن: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا(8) وَلا رَهَقًا (9)} [الجن: 13].
دلت الآيتان على أن الجن مكلفون كتكليف الإنس، وتوجه الخطاب الشرعي عليهم كما هو في الإنس.
_____________
(1) فحم.
(2) كلمة تضجر وتبرم وكراهيته.
(3) أن أبعث من القبر بعد الموت.
(4) مضت الأمم ولم تبعث.
(5) أباطيل الأولين المسطرة في كتبهم.
(6) وجب عليهم العذاب.
(7) مضت وتقدمت وهلكت.
(8) نقصاً في ثوابه.
(9) ولا غشيان ذلةٍ له.
وقال تعالى في شأن الجن: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف:29-32].
ومما يظهر في هذه الآيات أنهم مكلفون، وأنهم قالوا لقومهم: يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به، فهم مأمورون بإجابة الرسول وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر به صلى الله عليه وسلم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:30 PM
4- بلوغ دعوة الرسل إلى الجن:
قال الله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 130-131].
فهذا إقرار من الجن والإنس بأن الرسل قد بلغت وأوضحت وأنذرت، والكافرون منهم يشهدون على أنفسهم بالكفر وأنهم غرتهم الحياة الدنيا، ثم نبه الله سبحانه وتعالى بعد اعترافهم وإقرارهم بإقامة الحجة عليهم بأن الله لا يعذب قوماً، لم يرسل إليهم من ينبههم من غفلاتهم، ويوقظهم من سكراتهم، ويخرجهم من ظلماتهم حتى لا يبقى عذراً لمعتذر ولا حجة لمن يحتج حتى إذا عذبهم عذبهم بحق وعدل.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:31 PM
5- بلوغ دعوة رسول الرحمة إلى الجن:
إن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم عامَّة إلى الجن والإنس وقد بلغ رسول الله دعوته إلى الجن دون شك ولا ريب.
قال الله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19].
- وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن للجن قال الله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن: 1-2].
قال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29].
وهذا يثبت بلوغ دعوته إلى الجن قطعاً، وكان ذلك عن طريق توافدهم عليه، واستماعهم إليه صلى الله عليه وسلم، وعن طريق ذهابه إليهم، وقراءته عليهم وسؤالاتهم وجواباته لهم.
عن علقمة قال: سألت ابن مسعود رضي الله عنه هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه، فالتمستاه في الأودية والشعاب! فقيل استطير؟! أو اغتيل؟!- استفهام تعجبي - قال ابن مسعود: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حِراء، فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال صلى الله عليه وسلم: "أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن" (22).
قال ابن مسعود: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه عن الزاد، فقال: "كل عظم ذكر اسم الله يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم" رواه مسلم.
وعن جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا. فقال: "لقد قرأتها على الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم! كنت كلما أتيت على قوله - تعالى -: {فَبِأَيِّ ءالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قالوا: لا شيء من نعمك ربَّنا نكذب، فلله الحمد".
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:33 PM
6- أصناف الجن:
* الجن أصناف متعددة:
- منهم الصالح وغير الصالح:
قال الله تعالى إخباراً عن قول الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} [الجن: 11].
- ومنهم المسلم والكافر:
قال الله تعالى إخباراً عن قول الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ(1) فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا(2)* وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن:14-15].
{وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام: 130].
- والجن أصحاب آراء مختلفة ومشارب متفرقة وطرق متعددة،
قال الله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (3)} [الجن: 11].
____________________
(1) الجائرون بكفرهم العادلون عن طريق الحق.
(2) خيراً وصلاحاً ورحمة.
(3) مذاهب متفرقة ومختلفة.
- إبليس من الجن.
قال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ(1) عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50].
- الكافر من الجن يسمى شيطاناً
قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:34 PM
7- عداوة الشيطان للإنسان:
قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6].
ومن عداوة الشيطان للإنسان:
أنه يزين للإنسان أعماله من كفر وطغيان وفساد، قال الله تعالى: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 63].
وقال تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [النمل: 24].
وأنَّ الشيطان يثير ويوقع العداوة والبغضاء بين الناس، ويصد عن سبيل الله.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ} [المائدة: 91].
وأنَّ الشيطان يوقع الشرور ويفسد ذات البين: قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ(2) بَيْنَهُمْ} [الإسراء: 53].
وأن الشيطان يعد الإنسان بالفقر واليأس ويأمره بالفحشاء: قال الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [البقرة: 268].
وأن الشيطان يسعى في تحزين الإنسان: قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة: 10].
وأن الشيطان يقذف في قلب الإنسان الظنون السيئة والأباطيل:
عن الحسين بن علي رضي الله عنهما أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنقلب(3) فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
____________
(1) خرج عن طاعة الله.
(2) يفسد ويهيِّج الشر.
(3) لأرجع.
"على رِسلكما(1)، إنها صفية بنت حُييَّ"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال:" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً - أو قال شيئاً(2) -" متفق عليه.
وأن الشيطان يوسوس للإنسان:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتي الشيطان أحدَكم فيقول: من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فلتستعذ بالله ولينته".
والمعنى فليترك هذا الخاطر الباطل، وليفكر بالأمر الحق، لئلا يسيطر عليه الشيطان بذلك الوسوسة الفاسدة.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:35 PM
8- مدى تأثير الشيطان على الإنسان:
إن الشيطان ليس له سلطان على الذين آمنوا، فلا سبيل له عليهم إنما سبيله على الذين اتبعوه قال الله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42].
عمل الشيطان في نفس الإنسان ينحصر بالوسوسة الخفية، فالمؤمن يطرد هذه الوسوسة بفضل الإستعاذة بالله والذكر، أما غير المؤمن فيستجيب لوسوسة الشيطان وينساق إلى طريقه، فيتسلط الشيطان عليه، ويمده في الغيِّ ويزين له الشر والضلالة.
قال الله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ(3) مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ(4) فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ(5) مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا(6) فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ(7) ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ(8)} [الأعراف: 200-202].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:37 PM
9- هل الجن تخبر بعلوم أو أخبار غيبية أو غير غيبية للإنسان؟
العلوم والأخبار على قسمين:
القسم الأول:
علوم تتعلق بالأمور المشهودة أو الأخبار عن الوقائع الماضية، قد تلقي الجن هذه العلوم، أو علوم لم تبلغنا، وقد بلغت للجن على قرنائهم من الكهان، ويجب أن لا نثق بكلامهم لأنه لا يوجد مقاييس عند الإنسان لمعرفة الكاذبين منهم والصادقين.
_________________
(1) مهلكما.
(2) شك من الراوي.
(3) يُصيبنَّك.
(4) وسوسة.
(5) أصابتهم وسوسة ما.
(6) تذكروا أمر الله ونهيه وعداوة الشيطان.
(7) تعاونهم مع الشياطين في الضلال.
(8) لا يكفُّون عن إغوائهم.
القسم الثاني:
علوم غيبية:
- إمَّا أن تكون استأثر الله بعلمها، وهذا لا يمكن لنبي مرسل ولا ملك مقرب ولا جني ولا إنسي معرفة شيء منها.
فإذا أخبرت الشياطين وادعت أنه من علم الغيب مما استأثر الله به فإنه كذب وافتراء على الله.
قال الله تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65].
- وإمَّا أن تكون من المغيبات التي قضي أمرها في السماء وأصبحت معلومة لبعض الملائكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة تنزل في العنان فتذكر الأمر الذي قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم" رواه البخاري.
فالجن قد تسترق السمع من الملائكة بعد نزولها إلى جو الأرض، وتخبر الكهان، ولكن لا نثق بأخبارهم لأن دأبهم أن يكذبوا.
- أمَّا استراق الشياطين السمع من السماء فقد منعوا منه بالشهب عند بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى إخباراً عن الجن {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا(1) وَشُهُبًا(2) * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا(3)} [الجن: 8-9].
ولا يجوز أن يتلقى المرء أيَّ خبر من الشياطين، وكل من يفعل ذلك فهو آثم عند الله عزَّ وجلَّ.
قال الله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء: 221 -223].
تنبيه: فليحذر المرء من المشعوذين والسحرة الذين يدعون أنهم يعرفون الغيب، وأنهم يتصلون بالجن، وينسبون إلى الجن النفع والضرر، فهؤلاء عصاة لله وللرسول، ويريدون أن يلعبوا بعقول السذج من الناس، وأن يستولوا على المغفلين ضعفاء الإيمان ليضلوهم، وليجعلوا من الشعوذة والسحر والتعامل بالجن مهنة ومصلحة تدرُّ لهم الأموال الطائلة، فلا يجوز لأي شخص أن يأتي الكهان ليطلع منهم على بعض الأمور، وقد ورد في الحديث "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد".
______________
(1) حرَّاساً أقوياء من الملائكة.
(2) شُعَل نار تنقضُّ كالكواكب
(3) راصداً مترقباً يرجمه.
وليعلم كل امرئ أنه لا ضارَّ ولا نافع إلا الله سبحانه وتعالى، وأن الجن لا يضرون ولا ينفعون إلا أن يشاء الله، ويأذن قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة: 10].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:38 PM
10- مصير الجن في الآخرة:
إن كفار الجن هم في النار يوم القيامة.
قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا(1) لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ} [الأعراف: 179].
وقال تعالى: { وَتَمَّتْ(2) كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119]
قال الله تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ(3) مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ(4) وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13].
شبهة: إن الجن خلقوا من نار فكيف تؤثر فيهم نار العذاب في الآخرة؟
دفعها: لا يلزم من كون الجن خلقوا من نار أن يكونوا ناراً أو أن النار لا تؤلمهم، فإن الإنس من تراب، ولكن ليسوا تراباً بل أنشأهم الله تعالى وطورهم وصورهم، ولو أن إنساناً وقع عليه تراب كثيراً وهدم عليه بيت من التراب لهلك، ومات أو استغاث من الآلام والأوجاع، وهكذا الجن خلقوا من نار ولكنهم ليسوا ناراً بل أنشأهم الله تعالى وطورهم وصورهم، وإن النار تؤلمهم وتحرقهم وتعذبهم.
- وإن مؤمنين الجن في الجنة.
قال الله تعالى إخباراً عن الجن: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا} [الجن: 13].
والمعنى من آمن بربه فلا يخاف نقصان الثواب، ولا الزيادة في العقوبة وهذا نظير قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا(5)} [طه: 112].
وقال تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ(6) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ(7) إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 56-57].
_______________
(1) أوجدنا.
(2) وجبت وثبتت.
(3) ثنبت وتحقق ونفذ القضاء.
(4) الجن.
(5) نقصان في ثوابه.
(6) قَصَرْن أبصارهن على أزواجهن.
(7) لم يفتضَّهُنُّ قبل أزواجهن أحد.
وقال تعالى: {حُورٌ(1) مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ(2) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 72 - 75].
وهذا مما يشير إلى أن مؤمني الجن في الجنة.
_________________
(1) نساء بيض حسان.
(2) مخدَّرات في بيوت اللؤلؤ.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:39 PM
معنى الشهادتين ومقتضى الإيمان بهما
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:40 PM
1- معنى الشهادتين :
أ- معنى شهادة أن لا إله إلا الله: أقرُّ بلساني وأصدق بقلبي أن المعبود بحق هو الله سبحانه وتعالى وحده.
ب- معنى شهادة أن محمداً رسول الله: أقرُّ بلساني وأصدق بقلبي أن محمداً رسول الله مرسل من عند الله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور أي من الجهل والكفر إلى العلم والإيمان.
ج- المراد من الشهادتين: نفي الألوهية عما سوى الله تعالى، وإثباتها لله تعالى، والإقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
فينبغي للإنسان العاقل أن يكثر ذكرها مستحضراً لما احتوت عليه من عقائد الإيمان حتى تمتزج مع معناها بلحمه ودمه، فإنه يعلم بعد ذلك من فحواها وجوهرها ما لا يدخل تحت حصر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له" رواه مالك في الموطأ.
وفي رواية أخرى: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" رواه الترمذي وقال حديث حسن.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:44 PM
2- مقتضى الإيمان بالشهادتين:
أ- التصديق بكل ما جاء من عند الله سبحانه وتعالى:
فالمؤمن يصدق بكل ما أخبر به الله سبحانه وتعالى في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم تصديقاً جازماً لا شك فيه ولا ريب.
والمؤمن يؤمن أن كل ما يخالف ما أخبر به الله سبحانه فهو باطل مهما زينه أصحابه وجملوه أو زيفوه. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حديثاً} [النساء: 87].
وقال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلا} [النساء: 122].
ب- الكفر بالطاغوت(1) والتبرؤ من كل عقيدة ومنهج سوى الإسلام: والمؤمن يؤمن بأن الإسلام هو دين الحق وأن الأديان الأخرى باطلة فاسدة.
قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 18].
{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
فعلى المؤمن أن يتبرأ من كل دين وعقيدة ومنهج ومبادئ إلا من دين الإسلام عقيدة ومنهجاً ودستوراً.
قال الله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى(2) لا انفِصَامَ لَهَا(3)} [البقرة: 256].
ج- طاعة الله عزَّ وجلَّ وطاعة رسوله واتباعه وتحكيمه في كل شؤون الحياة:
إن من آمن بالله ورسوله وتيقن أن وعد الله حق، وأن الله عزَّ وجلَّ قد رتب الأجر والثواب على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والامتثال لأوامره تعالى ولأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، يُلزِمه الاستسلام الكامل لشريعة الله تعالى فالمؤمن يجتهد في كل عمل يعمله أن يكون موافقاً لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].
_________________
(1) معبود بغير حقَّ كصنم أو وثن أو شيطان أو إنسان أو غير ذلك.
(2) بالعقيدة المحكمة الوثيقة.
(3) لا انقطاع لها.
وقال تعالى: {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قيل: ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" رواه البخاري.
والمؤمن يحتكم إلى ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في شؤون حياته كلها.
قال الله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50].
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (1)} [النساء:60-61]
وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ(2) بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء: 65].
د- القيام بالفرائض والواجبات والانتهاء عن المحرمات:
إن القلب إذا امتلأ إيماناً فإن ذلك يقتضي أن تنبعث الجوارح بالأعمال الصالحة، وبالاجتهاد في أداء الفرائض والواجبات والطاعات وفي الانتهاء عما حرمه الله تعالى والابتعاد عن كل مخالفة شرعية.
ومن لا يؤدي الفرائض ولا يتجنب الفواحش والمحرمات ويتظاهر بإيمانه، فلا شك أن الشيطان خدعه وزين له سوء عمله، فلو أن قلبه صلح بالإيمان لصلح جسده كله بأداء الفرائض وفعل الطاعات ولكن فسد قلبه ففسد عمله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" متفق عليه.
هـ- التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله تعالى:
إذا وقع المؤمن في معصية بارتكاب حرام فإنه يسارع إلى التوبة وذلك بالندم على ما فرَّط في حقّ الله ولا يصرُّ على معصيته ويطلب المغفرة من الله تعالى. قال الله تعالى في وصف عباده من المؤمنين المتقين: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً(3) أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا(1) عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].
_______________________
(1) يعرضون عنك إعراضاً.
(2) أشكل وألتبس عليهم الأمور.
(3) معصية كبيرة متناهية في القبح كالقتل بغير حق أو الزنا وغير ذلك.
و- موالاة المؤمنين والتبرؤ من الكافرين:
معنى الولاء: هو حبُّ ومناصرة وتأييد المؤمن لأخيه المؤمن.
- المؤمن لا يعطي الولاء إلا على أساس الإيمان.
- والولاء لا يكون إلا لله ولرسوله ولجماعة المؤمنين.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55-56]
- المؤمن يوالي من والى الله ويعادي من عادى الله لأنه لا يجمع بين محبة الله وأعدائه.
قال الله تعالى: {لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ(2) مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28].
- ورابط الولاء بين المؤمنين هو الإيمان والدين، فلا عبرة برابط النسب، والأقارب، والعشائر والقبليات، والعصبيات، أو بعلاقة شخصية.
قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71].
- والمؤمن لا يوادُّ أحداً من الكافرين، ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه أو عشيرته.
قال الله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22].
- والمؤمن له أسوة حسنة بإبراهيم عليه السلام في التبرؤ ومن الكافرين.
قال الله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4].
- وكل من يوالي أعداء الله يخرج من دائرة الإيمان قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51].
__________________
(1) لم يستمروا على فعل المعاصي، بل أقلعوا عنها، وندموا على ما فات، وعزموا على عدم العودة إلى الذنوب.
(2) بطانة أعواناً وأنصاراً.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23].
ز- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
- إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين قال الله تعالى:{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ} [التوبة: 71].
· وقد أُمِرْنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله تعالى:
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي.
- ويشترط على القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
أولاً أن يكون عالماً بالحكم متأكداً منه فلا يأمر الناس بما هو ليس بفرضٍ على أنه فرض، أو ينهى عن أمر مختلف فيه بين العلماء.
ثانياً: أن يأمن من أن يؤدي إنكاره إلى منكر أكبر منه: كأن ينهى عن شرب الخمر فيؤدي نهيه عنه إلى قتل النفس.
- فالمؤمن لا يفرِّط في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه به يتواصى بالحق ومن تركه فإن مصيره الخسران.
قال الله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3].
حـ- دعوة الناس إلى دين الله وجهاد الصادِّين عن سبيل الله:
إن العبد إذا ذاق حلاوة الإيمان وتمكن حبُّ الله من قلبه، وحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يسعى جاهداً في أن يُجنِّبَ نفسه وأهله وإخوانه وعشيرته والناس أجمعين من ظلمات الكفر والإلحاد والشرك إلى نور الإيمان والهداية والقرآن.
- فالمؤمن يدعو إلى الله متحملاً أذى الناس، محتسباً الأجر والثواب عند الله سبحانه.
قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].
وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لئن يهدي الله بك رجلاً خيرٌ لك من حمر النعم".
وقال صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى هدى كأن له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً". رواه مسلم.
وأما أولئك الذين يصدون عن سبيل الله ويقفون حائلاً بين الناس وبين الدخول في دين الله تعالى، ويحَاربون الإسلام والمسلمين، فالمطالب أن نجاهدهم حتى نمكن دين الله للوصول إلى كافة الناس.
قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:45 PM
نواقض الإيمان
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:47 PM
ا- الكفر:
أ- معنى الكفر:
الكفر: هو إنكار شيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ووصل إلينا بطريق يقيني قاطع. فهو إذن نقيض الإيمان.
إذ الإيمان لا يتمّ إلا بالتصديق بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن جميع أركانه مع فروعها وحدة متماسكة تماسكاً تاماً حتى إن الإخلال بجزء من أجزائها يفقدها كيانها، فلا بد من الإيمان بها كلها والاعتقاد بكل جزء من أجزائها، فمن أخلَّ بواحد من أجزاء هذه الوحدة الاعتقادية فقد نزل عن أدنى مراتب الإيمان، ومن نزل عن أدنى مراتب الإيمان فقد كفر.
من أنكر شيئاً مما يجب الإيمان به يسمى كافراً.
مثال ذلك:
- من اعتقد ألوهية المسيح عيسى ابن مريم، أو اعتقد ألوهية غيره من البشر، أو اعتقد بأن الله ثالث ثلاثة فهو كافر، وهذا الاعتقاد باطل قال الله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 72-73].
- ومن اعتقد بعدم فرضية الصلوات الخمس في الإسلام فقد كفر.
- ومن اعتقد إباحة الزنا أو إباحة الخمر أو ما شابه ذلك فقد كفر.
ب- أنواع الكفر:
1- كفر الشك: وهو الذي يشك في ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجزم بصدقه، ولا يجزم بكذبه.
قال الله تعالى: {وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ(1)} [إبراهيم: 9].
2- كفر الإعراض: وهو الإعراض عمَّا جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يصدقه ولا يكذبه ولكنه يعرض عنه.
قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} [السجدة: 22].
_____________
(1) موقع للريبة والقلق.
3- كفر الجحود: وهو أن يجحد جملة بما أنزله الله تعالى أو يجحد شيئاً مما هو معلوم بالضرورة من الإسلام.
قال الله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا(1) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14].
وقال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33].
4- كفر التكذيب: وهو اعتقاد كذب الرسول صلى الله عليه وسلم في أيِّ شيء مما جاء به.
قال الله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ(2) وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [فاطر: 25-26].
5- كفر إباء واستكبار: وهو مثل كفر إبليس فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، وهذا مثل حال من يعلم أن دين الإسلام هو دين الحقِّ الذي لا يقبل الله سواه، والذي فيه صلاحه في الدنيا والآخرة، ثم يتركه إباءً واستكباراً ويتخذ له ديناً أو مذهباً من صنع البشر.
قال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34].
ج- حكم الكفر:
إن حكم الكافرين هو الخلود في النار قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:48 PM
2- الشرك:
أولاً: أنواع الشرك: شرك من يؤمن بالله ولكنه يجعل له شريكاً في المُلك والتصرف في المخلوقات: خلقاً وحياة ورزقاً وموتاً وضراً ونفعاً.
وهذا الشرك كشرك النصارى والمجوس إذ يعتقد النصارى أن الله ثالث ثلاثة - سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً - ويعتقد المجوس أنه ثاني اثنين تعالى الله عما يقولون.
قال الله تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].
ثانياً: شرك من يصف نفسه أو غيره من البشر بصفات الكمال الخاصة بالله عز وجل:
______________
(1) ترفعاً واستكباراً عن الإيمان بها.
(2) الكتب المكتوبة.
وهي الصفات التي لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى كقول فرعون: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى} [النازعات: 24].
ثالثاً: شرك من يعبد غير الله بأي لون من ألوان العبادة:
قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36].
فالعبادة تكون خالصة لله سبحانه ومن أشرك في العبادة شيئاً: كعبادة الشمس أو القمر أو النجوم أو الوثن أو الصنم أو الطبيعة أو الملائكة أو الأنبياء أو الرسل أو الصالحين، فحكمه حكم الكافرين المشركين.
قال تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 64].
وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ * بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ} [الزمر: 65-66].
ب- حكم من أشرك بالله عزَّ وجلَّ:
إن الله لا يغفر إشراك من أشرك به بخلاف من عصى الله من المؤمنين.
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا} [النساء: 116].
ومن أشرك فإن الله يحرم عليه الجنة فلا يدخلها أبداً.
قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: 72].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:50 PM
3- الردة:
أ- المرتد:
من ترك دين الإسلام وهو عاقل بالغ، مختار غير مكره إلى دين آخر، كالنصرانية أو اليهودية أو غير ذلك من الأديان الباطلة، أو إلى عقيدة باطلة ومذهب فاسد كالشيوعية، أو إلى تبنى نظرية إلحادية، أو أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة، أو قال قولاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر، أو حكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاده بأنَّ النظام الإسلامي نظام رجعي أو متأخر.
ب- أنواع الردة:
1- ردة في الاعتقاد.
2- ردة في الأقوال.
3- ردة في الأفعال.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:51 PM
1- الردة في الاعتقاد:
اتفقت علماء الأمة الإسلامية على:
أن من أنكر من المسلمين وجود الله، أو أنكر صفات الكمال لله، أو أشرك بالله سبحانه وتعالى فجعل له ولداً أو بناتٍ أو مثيلاً مشابهاً له أو أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، فهو مرتد خارج عن دين الإسلام.
- معنى الأمر المعلوم من الدين بالضرورة:
ما ثبت بنص القرآن الكريم أو بالسنة المتواترة وكان قطعي الدلالة وليس فيه شبهة أو بإجماع جميع الصحابة المتواتر إجماعاً قطعياً قولياً غير سكوتي.
أمثلة عن الأمور المعلومة من الدين بالضرورة:
1- الإيمان بوجود الله ووصفه بصفات الكمال وتنزيهه عن كل نقصان وأن كل ما سواه فهو مخلوق.
2- الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم السلام وبمعجزاتهم.
3- الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها عامَّة إلى جميع الخلق، وهي صالحة لكل زمان ومكان، والإيمان بأنه خاتم النبيين ولا نبي بعده، وأن شريعته باقية إلى قيام الساعة وهي كفيلة بإسعاد البشرية.
4- الإيمان بالملائكة وأنهم عباد مكرمون خلقهم الله تعالى.
5- الإيمان بوجود الجن، وأن النبي صلى الله عليه وسلم محمداً مرسل إليهم وأن الله خلقهم من مارج من نار، وأن منهم المؤمنين ومنهم الكافرين.
6- الإيمان بالبعث والحشر والحساب ووزن الأعمال.
7- الإيمان بالجنة بأنها دار النعيم للمؤمنين خالدين فيها أبداً بأرواحهم وأجسادهم.
8- الإيمان بالنار بأنها للكافرين خالدين فيها أبداً بأرواحهم وأجسادهم.
9- الإيمان باللوح المحفوظ والقلم والعرش والكرسي. خلقها الله لحكمة لا لاحتياج إليها.
10- الإيمان بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم العظمى في فصل القضاء حيث يلجأ إليه الخلق جميعاً في الموقَف العظيم.
11- الإيمان بفرضية الوضوء لمن كان غير متوضئ عند الصلاة والغسل لمن وجب عليه كالجنب، والإيمان بفرضية الصلوات الخمس، وفرضية الجمعة.
12- والإيمان بفرضية الزكاة على من ملك حدَّ النصاب، والصوم، والحج على من استطاع إليه سبيلاً.
13- الإيمان بفرضية الجهاد في سبيل الله، وأنه لا يسقط أبداً.
14- الإيمان بحرمة قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وعقوق الوالدين، والسحر، وشهادة الزور، والزنا واللواط، وأكل أموال الربا، وأكل أموال اليتامى، والرشوة، والسرقة، والظلم، والغصب، والغش، والخيانة، وإيذاء الناس بغير حق، والسخرية، والغيبة، والنميمة، والكذب، وقذف المحصنات، والرياء، والعجب، والكبر، والبخل، والحسد.
وغير ذلك من الأمور الواضحة المعلومة من الدين بالضرورة.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:52 PM
2- الردَّة في الأقوال:
إذا قال المسلم قولاً مكفِّراً فقد ارتد وخرج عن الإسلام.
من ردة الأقوال: من جحد قولاً لعقيدة من عقائد الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة فهو مرتد.
من اعترف اعترافاً قولياً بعقيدة مكفِّرة بأنها صحيحةٌ.
من سبَّ الله أو القرآن أو الرسل أو الأنبياء أو أحدهم سواءً كان مازحاً أو جاداً فهو مرتد.
قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة:65-66].
من طعن في الدين، فهاجم الإسلام وشرائعه أودعا إلى مبدأ إلحادي أو كفري فهو مرتد.
قال الله تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} [التوبة: 12].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:53 PM
3- الردة في الأفعال:
إذا فعل المسلم فعلاً مكفراً، فقد ارتد وخرج عن الإسلام من ردة الأفعال:
من ألقى المصحف أو جزءً منه في القاذورات أو لطخه بالنجاسات متعمداً فهو مرتد.
ومن سجد لصنم أو شمس أو قمر أو غير ذلك من الأشياء المخلوقة فهو مرتد.
ومن استهزأ بفعل صريح بدين الله فقد ارتد.
ومن علق الصليب على الصدر أو وضع من شارات الكفر الخاصة بهم فقد ارتد.
ومن حارب الشريعة الإسلامية واستبدلها بالقوانين الوضعية البشرية تعطيلاً لأحكام الله سبحانه وتعالى فقد ارتد.
قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:54 PM
حكم المرتد:
قال الله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].
- حكمه في الدنيا:
لا يرث ولا يورث ولا تؤكل ذبيحته، ولا يُزَوَّج وتقع الفرقة بينه وبين زوجته من غير تنقيص عدد للطلاق، وليس له أن يردها إلى عصمة الزواج إلا بعد أن يسلم من جديد بعقد شرعي، وتحبط أعماله كلها.
المرتد يحبس ثلاثة أيام ويعرض عليه الإسلام مع معرفة سبب كفره ورفع الشبه والشكوك من نفسه بالأدلة المقنعة والنقاش العلمي، فإن أصر على كفره ولم يرجع إلى دين الإسلام، يقتل من قبل الحاكم المسلم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" .
- حكمه في الآخرة:
حكمه حكم الكافرين يخلد في النار وله عذابٌ أليم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:55 PM
4- النفاق:
أ- معنى النفاق:
وهو أن يظهر الإنسان إيمانه وهو في باطنه كافر مكذب.
قال الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:57 PM
ب- صفات المنافقين:
من صفات المنافقين التي جاءت في القرآن الكريم:
1- الإفساد في الأرض وعدم الإصلاح:
قال الله تعالى في وصف المنافقين: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11 - 12].
2- اتهام المؤمنين بالسَّفه:
قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13].
3- خداع الذين آمنوا بإظهار الإيمان إذا قابلوهم، ثم إظهار الكفر مع أوليائهم:
قال الله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 14 - 15].
4- الإعراض عن التحاكم إلى شرع الله وصد الناس عن الحكم بما أنزل الله:
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ(1) وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61].
5- اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين:
قال الله تعالى: {بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 138 - 139].
6- الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف:
قال الله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ(2) نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ(3) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(4)} [التوبة: 67].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:57 PM
ج- أنواع النفاق:
النفاق نوعان:
1- نفاق اعتقادي: وهو أن يظهر الإنسان الإيمان ويبطن خلاف ذلك.
2- ونفاق عملي: وهو أن يكون الإنسان مؤمناً ظاهراً وباطناً إلا أنه يخالف في بعض أعماله الظاهرة العمل الصالح كخيانة الأمانة والتحدث بالكذب وخلف الوعد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آية(5) المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف".
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:58 PM
د- حكم النفاق:
حكم النفاق الاعتقادي: هو كحكم الكافرين وهو الخلود في النار.
قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 68].
وقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ(6) مِنَ النَّارِ} [النساء: 145].
حكم النفاق العملي: حكمه حكم الفسق وهو معصية يجب الرجوع عنها.
____________________
1) )وهو اليهودي كعب بن الأشرف.
(2) لا يبسطون أيديهم في طاعة وخير بخلاً منهم وشحاً.
(3) حرمهم الله من توفيقه وهدايته.
(4) خارجون عن طاعة الله.
(5) علامة.
(6) في قعر جهنم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 06:59 PM
الأولياء والكرامات
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 07:00 PM
أ- معنى الكرامة:
الكرامة: هي أمر خارق للعادة يظهره الله على يد بعض الصالحين من أتباع الرسل عليهم السلام الملتزمين لأحكام الشريعة الربانية من غير شذوذ ولا مخالفة، فضلاً من الله وإكراماً لهم، وهي غير مقرونة بدعوى النبوة، وهي في حقيقتها تأييد وتأكيد لرسالة الرسول باعتبار أن الله أظهرها على يد صلحاء أمته، وتابع من أتباعه.
ب- معنى الولي:
الولي: هو الرجل المؤمن التقي المواظب على الطاعات المتقيد بأوامر الله ونواهيه. العارف بالله على حسب الإمكان المعرض عن الأمهات في الشهوة.
قال الله تعالى في حق الأولياء: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62-63-64].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 07:02 PM
ج- ثبوت الكرامة في القرآن الكريم:
أولاً: ثبوت الكرامة لأهل الكهف:
ما ثبت من كرامة لأهل الكهف، وهم فتية آمنوا بالله، وفروا بدينهم من ظلم ملك كافر كان في زمانهم، فأووا إلى كهف في جبل، فأنامهم الله ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، ثم أيقظهم من نومهم الطويل، وقد ذكر قصتهم في سورة الكهف واسم السورة تشير إليهم.
قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ(1) كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا(2) * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ(1) فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ(2) لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا(3)} [الكهف: 9 - 12].
____________
(1) لوح حجري رقمت عليه أسماؤهم وقصتهم ووضع على باب كهفهم.
(2) عن العلامات العجيبة المخالفة لعادات الناس.
وقال تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف: 25].
ثانياً: ثبوت الكرامة لمريم عليها السلام:
الكرامة الأولى: أن نبي الله زكريا عليه السلام يدخل عليها في محرابها فيجد عندها رزقاً دون أن يأتي به إنسان ودون سبب مادي.
قال الله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ(4) وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}[آل عمران: 37].
الكرامة الثانية: وهي حملها بعيسى عليه السلام دون أن يمسها بشر حيث جاءها روح القدس جبريل عليه السلام بأمر من الله بصورة رجل عادي، وأخبرها بأن الله أرسله ليهب لها غلاماً زكياً طاهراً يكون له شأن عجيب ويعطيه الله النبوة والحكمة، فاطمأنت على نفسها بعد اضطرابها منه، ثم نفخ في جيب(5) قميصها(6) نفخة وصلت إلى رحمها، فحملت بتلك النفخة(7) بالمسيح عليه السلام، وكانت هذه القصة من العلامات الخارقة التي لم يسبق لها مثيل.
قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ(8) مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا(9) * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا(10) فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا(11) فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا(12) * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً(13) لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا(14) } [مريم: 16 - 21].
_______________
(1) أنمناهم إنامة ثقيلة.
(2) أيقظناهم من نومهم.
(3) أي الفريقين المختلفين في مدة لبثهم في ضبط أمد بقائهم في الكهف، وهم مضروب على آذانهم بالنوم.
(4) غرفة عبادتها في بيت المقدس.
(5) فتحة الثوب حيث يدخل الرأس.
(6) ثوبها.
(7) تنبيه : قد افترى بعض الناس على جبريل ومريم عليها السلام افتراءً عظيماً حيث ادعوا أنهما مارسا الممارسة الجنسية كما يفعل الرجل والمرأة، وهذا الكلام لا يصدر إلا من إيحاءات إسرائيلية يهودية حاقدة على المسيح ابن مريم وأمه الصديقة، وكيف ذلك؟ وقد قال الله تعالى في صريح كتابه : {ومريم بنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين} [التحريم : 12].
فالتصريح بالنفخ من الروح جلي وواضح، وفي كلامهم وادعائهم معارضة لكتاب الله الكريم.
(8) انفردت واعتزلت.
(9) شرقي المسجد الأقصى.
(10) ستراً.
(11) جبريل.
(12) إنساناً مستوي الخلق تامَّه.
(13) علامة.
(14) قدراً من الله سبحانه وتعالى.
وقال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12].
الكرامة الثالثة: لما حملت به عليها السلام ابتعدت عن منازل أهلها، فلما جاءها مخاض الولادة جلست إلى جذع نخلة غير مثمرة، فهزتها فتساقط من الشجرة رطباً طرياً صالحاً للاجتناء والأكل. ولذلك أشار القرآن الكريم إلى ذلك:
{فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ(2) مَكَانًا قَصِيًّا(3) * فَأَجَاءَهَا(4) الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا(5) * فَنَادَاهَا(6) مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(7) * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(8)} [مريم: 22 - 25].
الكرامة الرابعة: لما وضعت ابنها عيسى ابن مريم وأتت به إلى قومها وأخبرتهم أنه ابنها، كان الأمر صعباً عليهم تصديق هذه الخارقة فاتهموها اتهامات وجرحوها بكلماتهم وهي صامتة لا تتكلم وألحوا في استجوابها عن سبب حملها الذي لم يتصور كثير منهم فيه إلا الفاحشة، وهي منها براء، فلما ضاق حالها وانحصر المجال، واحتارت في أمرها، عظم توكلها على الله ذي الجلال والإكرام، ولم يبق إلا الإخلاص والاتكال فأشارت إلى طفلها عيسى ابن مريم حتى يخاطبوه ويكلموه، فعندها استغربوا الأمر، وقالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً، وهو لا يميز بالأمور فظنوا أنها تستهزيء بهم وتتهكمهم، عندها تكلم ونطق وقال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً.
قال الله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا(9)* يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(10) * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي(1) وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(2) * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 27 -33].
__________________
(2) انفردت به.
(3) بعيداً من أهلها.
(4) فألجأها.
(5) شيئاً متروكاً لا يخطر بالبال.
(6) جبريل.
(7) نهراً.
(8) صالحاً للاجتناء والأكل.
(9) عظيماً منكراً.
(10) تفعل الفاحشة وهي الزنا.
ثالثاً: ثبوت كرامة صاحب سليمان عليه السلام:
قصَّ لنا القرآن الكريم قصة إحضار عرش بلقيس(3) من مسافات بعيدة في أقلّ من طرفة عين إلى سليمان عليه السلام وهو في بيت المقدس، والذي أحضره واحد من المؤمنين(3) عنده علم من الكتاب، قال الله تعالى: {قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 38-40].
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 07:04 PM
د- ثبوت الكرامة في التثبت من نص الأحاديث:
أولاً:
قصة ثلاثة نفر من الأمم السابقة، انطلقوا حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم مدخل الغار فدعوا الله بصالح أعمالهم فانفرجت الصخرة بسبب صالح دعواتهم وخرجوا من الغار يمشون.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا يُنجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أَغْبِق(3) قبلهما أهلاً ولا ولداً فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أُرِحْ عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غَبُوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أُوقظهما، وأن أغبق قبلهما أهلاً أو ولداً، فلبثت - والقدح على يَدِي - أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه.
قال الآخر : اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحبَّ الناس فأردتها على نفسها(4) فامتنعت مني حتى ألمَّت بها سنة من السنين(5)، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها، قالت: اتقِ الله ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه(6)، فانصرفت عنها
(1) ملكة سبأ في اليمن.
(2) اسمه آصف كما ذكره المفسرون.
(3) الغبوق : شرب العشي.
(4) طلبت منها ما يطلب الرجل من زوجه.
(5) نزلت بها سنة من السنين المجدبة الصعبة حيث لا تجد مالاً.
(6) لا تُزِل عفافي إلا بالزواج.
وهي أحبُّ الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهُم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمَّرت(1) أجرهُ حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي! فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون". متفق عليه.
ثانياً:
قصة تكلم صبي رضيع من بني إسرائيل تبرئة لامرأة أَمَةٍ اتهمت بالسرقة والزنى، ولم تفعل ذلك وهذا كرامة لها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كانت امرأة ترضع ابنها من بني اسرائيل، فمرَّ بها رجل راكب ذو شارة(2)، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها، وأقبل على الراكب، وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه - قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمصُّ أصبعه - ثم مر بأمة فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك ثديها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت له: لم ذاك ؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة وهذه الأَمَةُ يقولون لها: سرقت، زنيت، ولم تفعل". متفق عليه.
ثالثاً:
قصة العابد جريج:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي، فجاءته أمه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي؟ فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فتعرضت له امرأة فكلمته فأبى، فأتت راعياً فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت: من جريج، فأتوه فكسروا صومعته، وأنزلوه وسُّبوه، وتوضأ وصلى ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام، فقال: الراعي، فقالوا: أنبني لك صومعتك من ذهب؟ فقال: لا، إلا من طين". متفق عليه.
رابعاً:
غلام من الأمم السابقة أجرى الله على يديه أموراً خارقة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليَّ غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه، فأعجبه وكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب، وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل:
____________
(1) نميت.
(2) صاحب هيئة وشكل حسن.
حبسني الساحر، فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجراً، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس فأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب: أيْ بُنّيَّ أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه(1) والأبرص(2) ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت به دعوتُ الله فشفاك، فآمن بالله تعالى، فشفاه الله تعالى، أتى الملك، فجلس إليه كما يجلس، فقال له الملك: من ردَّ عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: أولك ربَّ غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دلَّ على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أيْ بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمة والأبرص، وتفعل وتفعل! فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى فأخذه أيضاً بالعذاب، فلم يزل يعذبه حتى دلَّ على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدعا بالمنشار في مفرق(3) رأسه، فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته(4)، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به الجبال، فقال: اللهم اكفينهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله تعالى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور(5) وتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به، فقال: اللهم اكفينهم بما شئت، فانكفأت(6) بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد(7) واحد، وتصلبني على جذع(8)،
_______________
(1) الذي ولد أعمى.
(2) مرض جلدي.
(3) وسط.
(4) أعلاه.
(5) نوع من السفن.
(6) انقلبت.
(7) الأرض البارزة.
(8) عود من أعواد النخيل.
ثم خذ سهماً من كنانتي(1) ثم ضع السهم في كبد القوس(2)، ثم قل: بسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك، قتلتني، فجمع الناس على صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه(3)، فوضع يده في صدغه فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فأُتي الملكُ، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس فأمر بالأخدود(4) بأفواه السكك(5) فخُدَّت(6)، وأضرم(7) فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه، فاقحموه(8) فيها أو قيل له اقتحم(9)، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست(10) أن تقع فيها، فقال لها غلام: يا أمَّهْ اصبري فإنك على الحق". رواه مسلم.
أحمد سعد الدين
09-12-2004, 07:10 PM
هـ- ثبوت الكرامة لبعض الصحابة رضي الله عنه:
أولاً: تكثير الطعام لأبي بكر رضي الله عنه:
عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: إن أصحاب الصُّفة كانوا أناساً فقراء وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس، وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشر، وإن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء، قالت: له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ قال: أو ما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء فغضب، وقال: والله لا أَطْعمه ابداً، فحلفت المرأة أن لا تطعمه، وحلف الأضياف أن لا يطعموه، قال أبو بكر: كان هذا من عمل الشيطان - يعني يمينه - فدعا بالطعام فأكل وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربت من أسفلها أكثر منها، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس ما هذا؟! قالت: وقرَّة عيني إنها الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار، فأكلوا وبعث بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر أنه أكل منها. متفق عليه.
ثانياً: كرامة أسيد بن حضير وعبَّاد بن بشر رضي الله عنهما:
_____________
(1) بيت السهام.
(2) وسطه.
(3) ما بين العين والأذن.
(4) الشقوق في الأرض.
(5) حديد لحفر الأرض وشقها.
(6) شقت.
(7) أوقد.
(8) ألقوه
(9) ألقي نفسك.
(10) توقفت وجبنت.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن أسيد بن حضير وعبَّاد بن بشر تحدثا عند النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة لهما، حتى ذهب من الليل ساعة في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقلبان، وبيد كل واحد منهما عُصَيَّة، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه، حتى بلغ أهله. رواه البخاري.
ثالثاً: كرامة سَفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن ابن المنكدر: أن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطأ الجيش بأرض الروم، أو أسر فانطلق هارباً يلتمس الجيش فإذا هو بالأسد، فقال: يا أبا الحارث(1)، أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الأسد له بصبصة(2) حتى قام إلى جنبه، كلما سمع صوتاً أهوى إليه، ثم أقبل يمشي إلى جنبه حتى بلغ الجيش، ثم رجع الأسد. رواه الحاكم. وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
رابعاً: كرامة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر بعث جيشاً، وأَقَّرَ عليهم رجلاً يدعى سارية، فبينما عمر يخطب، فجعل يصيح: يا ساريةُ الجبلَ! فقدم رسول من الجيش، فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمونا، فإذا بصائح يصيح: يا ساريةُ الجبلَ، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم الله تعالى. رواه البيهقي في دلائل النبوة ورواه ابن عساكر وغيره بإسناد حسن.
خامساً: كرامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
ورد أنَّ علياً رضي الله عنه حدَّث بحديث، فكذبه رجلٌ، فقال عليٌّ: أدعو عليك إن كنت كاذباً؟ فقال: ادْعُ، فدعا عليه، فلم يبرح حتى ذهب بصره. رواه الطبراني في الأوسط.
_____________________
(1) كنية الأسد.
(2) تحريك الذنب.
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir