المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخلاف بين العلماء - ابن عثيمين



أحمد سعد الدين
21-12-2004, 10:16 PM
الخلاف بين العلماء
‏( محمد بن صالح العثيمين)‏


إن من نعمة الله تبارك وتعالى على هذه الأُمَّة أن الخلاف بينها لم‎ ‎يكن في أصول دينها، ومصادره ‏الأصيلة، وإنما كان الخلاف في أشياء لا تمس وحدة‎ ‎المسلمين الحقيقية وهو أمر لابد أن يكون‏.‏‏.‏ وقد ‏أجملت العناصر التي أريد أن‎ ‎أتحدث عنها بما يأتي‏:‏ أولًا‏:‏ من المعلوم عند جميع المسلمين مما فهموه ‏من كتاب‎ ‎الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الله تعالى بعث محمدًا ـ صلى الله عليه‎ ‎وسلم ـ ‏بالهدى ودين الحق، وهذا يتضمن أن يكون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد‎ ‎بيَّن هذا الدين بيانًا ‏شافيًا كافيًا، لا يحتاج بعده إلى بيان، لأن الهدى بمعناه‎ ‎ينافي الضلالة بكل معانيها، ودين الحق بمعناه ‏ينافي كل دين باطل لا يرتضيه الله عز‎ ‎وجل، ورسول الله بُعِثَ بالهدى ودين الحق، وكان الناس في ‏عهده صلوات الله وسلامه‎ ‎عليه يرجعون عند التنازع إليه فيحكم بينهم ويبيِّن لهم الحق سواء فيما ‏يختلفون فيه‎ ‎من كلام الله، أو فيما يختلفون فيه من أحكام الله التي لم ينزل حكمها، ثم بعد ذلك‎ ‎ينزل ‏القرآن مبيِّنًا لها، وما أكثر ما نقرأ في القرآن قوله‏:‏ ‏"‏يسألونك عن‎ ‎كذا‏"‏، فيجيب الله تعالى نبيّه ‏بالجواب الشافي ويأمره أن يبلغه إلى الناس‏.‏ قال‏‎ ‎الله تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏يَسْأَلُونَكَ مَاذَا‎ ‎أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ‏وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ‎ ‎الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ‎ ‎مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ‎ ‎اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ‏‎}‎‏ ‏[‏المائدة‏:‏‎ 4‎‏]‏‏.‏‎ ‎‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ‎ ‎يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَـتِ لَعَلَّكُمْ ‏تَتَفَكَّرُونَ‏}‏‎ ‎‏[‏البقرة‏:‏ 219‏]‏‏.‏ ‏‎{‎‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ‎ ‎وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ‏وَأَطِيعُواْ‎ ‎اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ‏‎}‎‏‎ ‎‏[‏الأنفال‏:‏ 1‏]‏‏.‏ ‏‎{‎‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ‎ ‎وَالْحَجِّ وَلَيْسَ ‏الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا‎ ‎وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا‎ ‎وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏‎}‎‏‎ ‎‏[‏البقرة‏:‏ 189‏]‏‏.‏ ‏‎{‎‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ‎ ‎قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ‎ ‎الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ‎ ‎أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ‎ ‎عَن دِينِكُمْ إِنِ ‏اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ‎ ‎وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ‎ ‎وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ ‏النَّارِ هُمْ فِيهَا‎ ‎خَالِدُونَ‏‎}‎‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 217‏]‏‏.‏ إلى غير ذلك من‏‎ ‎الآيات‏.‏ ولكن بعد وفاة الرسول ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ اختلفت الأُمَّة في أحكام‎ ‎الشريعة التي لا تقضي على أصول الشريعة وأصول مصادرها‏.‏ ‏ولكنه اختلاف سنبيِّن إن‎ ‎شاء الله بعض أسبابه‏.‏ ونحن جميعًا نعلم علم اليقين أنه لا يوجد أحد من ذوي ‏العلم‎ ‎الموثوق بعلمهم وأمانتهم ودينهم يخالف ما دلَّ عليه كتاب الله وسُنَّة رسوله ـ صلى‎ ‎الله عليه ‏وسلم ـ عن عمد وقصد؛ لأن من اتَّصفوا بالعلم والديانة فلابد أن يكون‎ ‎رائدهم الحق، ومَن كان رائده ‏الحق فإن الله سييسِّره له‏.‏ واستمعوا إلى قوله‏‎ ‎تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن‎ ‎مُّدَّكِرٍ‏‎}‎‏‏[‏القمر‏:‏ ‏‏15‏]‏ ‏.‏ ‏‎{‎‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى‎ ‎وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ‎ ‎لِلْيُسْرَى‏‎}‎‏ ‏[‏الليل‏:‏ 7‏]‏‏.‏ ولكن مثل هؤلاء الأئمة‏‎ ‎يمكن أن يحدث منهم الخطأ في أحكام الله تبارك وتعالى، لا في الأصول التي أشرنا‏‎ ‎إليها من قبل، ‏وهذا الخطأ أمر لابدَّ أن يكون؛ لأن الإنسان كما وصفه الله تعالى‎ ‎بقوله‏:‏ ‏‎{‎‏وَخُلِقَ الإِنسانُ‎ ‎ضَعِيفًا‏‎}‎‏ ‏‏[‏النساء‏:‏ 28‏]‏‏.‏ الإنسان ضعيف في علمه‏‎ ‎وإدراكه، وهو ضعيف في إحاطته وشموله، ولذلك لابدَّ أن ‏يقع الخطأ منه في بعض الأمور،‎ ‎ونحن نجمل ما أردنا أن نتكلم عليه من أسباب الخطأ من أهل العلم ‏في الأسباب الآتية‎ ‎السبعة، مع أنها في الحقيقة أسباب كثيرة، وبحر لا ساحل له، والإنسان البصير ‏بأقوال‎ ‎أهل العلم يعرف أسباب الخلاف المنتشرة، نجملها بما يأتي‏:‏ السبب الأول‏:‏ أن يكون‏‎ ‎الدليل لم ‏يبلغ هذا المخالف الذي أخطأ في حكمه‏.‏ وهذا السبب ليس خاصًّا فيمن بعد‏‎ ‎الصحابة، بل يكون في ‏الصحابة ومَن بعدهم‏.‏ ونضرب مثالين وَقَعَا للصحابة من هذا‏‎ ‎النوع‏.‏ الأول‏:‏ فإننا علمنا بما ثبت في ‏صحيح البخاري وغيره حينما سافر أمير‎ ‎المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، وفي ‏أثناء الطريق ذُكر له أن فيها‎ ‎وباء وهو الطاعون، فوقف وجعل يستشير الصحابة رضي الله عنهم، ‏فاستشار المهاجرين‎ ‎والأنصار واختلفوا في ذلك على رأيين‏.‏‏.‏ وكان الأرجح القول بالرجوع، وفي ‏أثناء‎ ‎هذه المداولة والمشاورة جاء عبدالرحمن بن عوف، وكان غائبًا في حاجة له، فقال‏:‏ إن‏‎ ‎عندي ‏من ذلك عِلمًا، سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏"‏إذا سمعتم‎ ‎به في أرض فلا تقدموا ‏عليه، وإن وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا منه‏"‏ فكان هذا‏‎ ‎الحكم خافيًا على كبار الصحابة من ‏المهاجرين والأنصار، حتى جاء عبدالرحمن فأخبرهم‎ ‎بهذا الحديث‏.‏ مثال آخر‏:‏ كان علي بن أبي ‏طالب رضي الله عنه وعبدالله بن عباس رضي‎ ‎الله عنهما يريان أن الحامل إذا مات عنها زوجها ‏تعتدّ بأطول الأجلين، من أربعة أشهر‏‎ ‎وعشر‏.‏‏.‏‏.‏ أو وضع الحمل، فإذا وضعت الحمل قبل أربعة أشهر ‏وعشر لم تنقض العدة‎ ‎عندهما وبقيت حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر، وإذا انقضت أربعة أشهر ‏وعشر من قبل أن تضع‎ ‎الحمل بقيت في عدتها حتى تضع الحمل، لأن الله تعالى يقول‏:‏ ‏‎{‎‏ وَأُوْلَاتُ ‏الْأَحْمَالِ‎ ‎أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ‎ ‎أَمْرِهِ يُسْرًا‏‎}‎‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 4‏]‏‏.‏ ويقول‏:‏ ‏‎{‎‏وَالَّذِينَ‎ ‎يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ‎ ‎أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ‎ ‎عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ ‏فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا‎ ‎تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏‎}‎‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 234‏]‏‏.‏ وبين‏‎ ‎الآيتين عموم وخصوص وجهي، ‏وطريق الجمع بين ما بينهما عموم وخصوص وجهي، أن يؤخذ‎ ‎بالصورة التي تجمعهما، ولا طريق ‏إلى ذلك إلا ما سلكه علي وابن عباس رضي الله عنهما،‏‎ ‎ولكن السُّنَّة فوق ذلك‏.‏ فقد ثبت عن رسول ‏الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث‎ ‎سبيعة الأسلمية أنها نفست بعد موت زوجها بليال فأذن لها ‏رسول الله أن تتزوج‏"‏،‎ ‎ومعنى ذلك أننا نأخذ بآية سورة الطلاق التي تسمَّى سورة النساء الصغرى، ‏وهي عموم‎ ‎قوله تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏وَاللَّائِي‎ ‎يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ‎ ‎ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ ‏يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ‎ ‎أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ‎ ‎أَمْرِهِ يُسْرًا‏‎}‎‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 4‏]‏‏.‏‏.‏ وأنا ‏أعلم‎ ‎علم اليقين أن هذا الحديث لو بلغ عليًّا وابن عباس لأخذا به قطعًا، ولم يذهبا إلى‎ ‎رأيهما‏.‏ السبب ‏الثاني‏:‏ أن يكون الحديث قد بلغ الرجل ولكنه لم يثق بناقله، ورأى‎ ‎أنه مخالف لما هو أقوى منه، فأخذ ‏بما يراه أقوى منه، ونحن نضرب مثلًا أيضًا، ليس‎ ‎فيمن بعد الصحابة، ولكن في الصحابة أنفسهم‏.‏ ‏فاطمة بنت قيس رضي الله عنها طلَّقها‎ ‎زوجها آخر ثلاث تطليقات، فأرسل إليها وكيله بشعير نفقة لها ‏مدة العدة، ولكنها سخطت‎ ‎الشعير وأبت أن تأخذه، فارتفعا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبرها ‏النبي‏:‏‎ ‎أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وذلك لأنه أبانها، والمبانة ليس لها نفقة ولا سكنى على‎ ‎زوجها إلا أن ‏تكون حاملًا؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏وَإِن كُنَّ أُوْلَاتِ‎ ‎حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏‎}‎‏‎ ‎‏[‏الطلاق‏:‏ 6‏]‏‏.‏ عمر ‏رضي الله عنه ـ ناهيك عنه فضلًا وعلمًا ـ خفيت عليه هذه‎ ‎السُّنَّة، فرأى أن لها النفقة والسكنى، وردَّ ‏حديث فاطمة باحتمال أنها قد نسيت،‎ ‎فقال‏:‏ أنترك قول ربنا لقول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت‏؟‏ ‏وهذا معناه أن أمير‎ ‎المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ لم يطمئن إلى هذا الدليل، وهذا كما يقع لعمر ‏ومن‎ ‎دونه من الصحابة ومن دونهم من التابعين، يقع أيضًا لمَن بعدهم من أتباع التابعين،‎ ‎وهكذا إلى ‏يومنا هذا بل إلى يوم القيامة، أن يكون الإنسان غير واثق من صحة‎ ‎الدليل‏.‏ وكم رأينا من أقوال لأهل ‏العلم فيها أحاديث يرى بعض أهل العلم أنها صحيحة‎ ‎فيأخذون بها، ويراها الآخرون ضعيفة، فلا ‏يأخذون بها، نظرًا لعدم الوثوق بنقلها عن‎ ‎رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏ السبب الثالث‏:‏ أن يكون ‏الحديث قد بلغه ولكنه‎ ‎نسيه، وجلَّ من لا ينسى، كم من إنسان ينسى حديثًا، بل قد ينسى آية، رسول ‏الله ـ صلى‎ ‎الله عليه وسلم ـ ‏(‏صلَّى ذات يوم في أصحابه فأسقط آية نسيانًا‏)‏، وكان معه أُبي‎ ‎بن كعب ‏رضي الله عنه، فلمَّا انصرف من صلاته قال‏:‏ ‏(‏هلا كنت ذَكَّرتنيها‏)‏ وهو‏‎ ‎الذي ينزل عليه الوحي، وقد ‏قال له ربه‏:‏ ‏‎{‎‏سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى‎ ‎إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا‎ ‎يَخْفَى‏‎}‎‏‏.‏ ومن هذا ـ أي مما يكون الحديث ‏قد بلغ‎ ‎الإنسان ولكنه نسيه ـ قصة عمر بن الخطاب مع عمار بن ياسر رضي الله عنهما حينما‎ ‎أرسلهما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حاجة، فأجنبا جميعًا عمار وعمر‏.‏ أما‏‎ ‎عمار فاجتهد ‏ورأى أن طهارة التراب كطهارة الماء، فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدابة،‎ ‎لأجل أن يشمل بدنه ‏التراب، كما كان يجب أن يشمله الماء وصلَّى، أما عمر رضي الله‎ ‎عنه فلم يصل‏.‏‏.‏ ثم أتيا إلى رسول ‏الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأرشدهما إلى‎ ‎الصواب، وقال لعمار‏:‏ ‏(‏إنما كان يكفيك أن تقول بيديك ‏هكذا‏)‏ ـ وضرب بيديه الأرض‏‎ ‎مرة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه‏.‏ وكان ‏عمار رضي الله عنه‎ ‎يحدث بهذا الحديث في خلافة عمر، وفيما قبل ذلك، ولكن عمر دعاه ذات يوم ‏وقال له‏:‏‎ ‎ما هذا الحديث الذي تحدث به‏؟‏ فأخبره وقال‏:‏ أما تذكر حينما بعثنا رسول الله في‏‎ ‎حاجة ‏فأجنبنا، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت في الصعيد، فقال النبي ـ صلى الله‎ ‎عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏إنما ‏كان يكفيك أن تقول كذا وكذا‏)‏‏.‏ ولكن عمر لم يذكر ذلك‏‎ ‎وقال‏:‏ اتق الله يا عمار، فقال له عمار‏:‏ إن ‏شئت بما جعل الله عليَّ من طاعتك أن‎ ‎لا أُحدِّث به فعلت، فقال له عمر‏:‏ نوليك ما توليت ـ يعني ‏فحدِّث به الناس ـ فعمر‎ ‎نسي أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جعل التيمم في حال الجنابة كما ‏هو في حال‎ ‎الحدث الأصغر، وقد تابع عمر على ذلك عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وحصل بينه ‏وبين‎ ‎أبي موسى رضي الله عنهما مناظرة في هذا الأمر، فأورد عليه قول عمار لعمر، فقال ابن‏‎ ‎مسعود‏:‏ ألم تر أن عمر لم يقنع بقول عمار، فقال أبوموسى‏:‏ دعنا من قول عمار، ما‏‎ ‎تقول في هذه ‏الآية‏؟‏ ـ يعني آية المائدة ـ فلم يقل ابن مسعود شيئًا، ولكن لا شك أن‏‎ ‎الصواب مع الجماعة الذين ‏يقولون أن الجُنُب يتيمم، كما أن المحدث حدثًا أصغر يتيمم،‎ ‎والمقصود أن الإنسان قد ينسى فيخفى ‏عليه الحكم الشرعي، فيقول قولًا يكون به معذورًا‎ ‎لكن مَن علِم الدليل فليس بمعذور‏.‏ هذان سببان‏.‏ ‏السبب الرابع‏:‏ أن يكون بلغه‏‎ ‎وفهم منه خلاف المراد‏.‏ فنضرب لذلك مثالين، الأول من الكتاب، ‏والثاني من‎ ‎السُّنَّة‏:‏ 1 ـ من القرآن، قوله تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏وَإِن كُنتُم مَّرْضَى‎ ‎أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ ‏أَوْ لاَمَسْتُمُ‎ ‎النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ‎ ‎بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا‎ ‎غَفُورًا‏‎}‎‏ ‏‏[‏النساء‏:‏ 43‏]‏‏.‏ اختلف العلماء رحمهم‏‎ ‎الله في معنى ‏‎{‎‏‎ ‎أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء‏‎}‎‏ ‏[‏النساء‏:‏ 43‏]‏‏.‏ ففهم بعضٌ ‏منهم‎ ‎أن المراد مطلق اللمس، وفهم آخرون‏:‏ أن المراد به اللمس المثير للشهوة‏.‏ وفهم‏‎ ‎آخرون أن ‏المراد به الجِماع، وهذا الرأي رأي ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ وإذا‏‎ ‎تأمَّلت الآية وجدت أن الصواب ‏مع مَن يرى أنه الجِماع، لأن الله تبارك وتعالى‎ ‎ذَكَرَ نوعين في طهارة الماء، طهارة الحدث الأصغر ‏والأكبر‏.‏ ففي الأصغر قوله‏:‏‎ ‎‏‎{‎‏فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ‎ ‎وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ‎ ‎إِلَى الْكَعْبَينِ ‏وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا‎ ‎فَاطَّهَّرُواْ‏‎}‎‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏‏.‏ أما الأكبر‏‎ ‎فقوله‏:‏‏‎{‎‏ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا‏‎ ‎فَاطَّهَّرُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏‎}‎‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏ الآية‏.‏‎ ‎وكان مقتضى البلاغة والبيان أن يُذكر أيضًا موجبا الطهارتين في طهارة التيمم، فقوله‎ ‎تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏أَوْ‎ ‎جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ‏‎}‎‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏‏.‏ إشارة‏‎ ‎إلى موجب طهارة الحدث الأصغر‏.‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏‎{‎‏ أَوْ لاَمَسْتُمُ‏‎ ‎النِّسَاء‏‎}‎‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏‏.‏ إشارة إلى موجب طهارة الحدث‏‎ ‎الأكبر‏.‏‏.‏ ولو جعلنا الملامسة هنا بمعنى اللمس، ‏لكان في الآية ذِكْر موجبين من‎ ‎موجبات طهارة الحدث الأصغر‏.‏ وليس فيها ذكر لشيء من موجبات ‏طهارة الحدث الأكبر،‎ ‎وهذا خلاف ما تقتضيه بلاغة القرآن، فالذين فهموا من الآية أن المراد به ‏مطلق اللمس‎ ‎قالوا‏:‏ إذا مسَّ إنسان ذكرٌ بشرةَ الأنثى انتقض وضوؤه، أو إذا مسها لشهوة انتقض،‏‎ ‎ولغير شهوة لا ينتقض، والصواب عدم الانتقاض في الحالين، وقد روي أن رسول الله ـ صلى‎ ‎الله ‏عليه وسلم ـ قبَّل إحدى نسائه، ثم ذهب إلى الصلاة ولم يتوضأ، وقد جاء من طرق‎ ‎يقوي بعضها ‏بعضًا‏.‏ 2 ـ من السُّنَّة‏:‏ لمَّا رجع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏‎ ‎ـ من غزوة الأحزاب، ووضع عدَّة ‏الحرب جاءه جبريل فقال له‏:‏ إنا لم نضع السلاح‏‎ ‎فاخرج إلى بني قريظة، فأمر رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ أصحابه بالخروج‎ ‎وقال‏:‏ ‏(‏لا يصلينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة‏)‏ الحديث، فقد اختلف ‏الصحابة‎ ‎في فهمه‏.‏ فمنهم مَن فهم أن مراد الرسول المبادرة إلى الخروج حتى لا يأتي وقت‎ ‎العصر ‏إلا وهم في بني قريظة، فلمَّا حان وقت العصر وهم في الطريق صلوها ولم يؤخروها‎ ‎إلى أن يخرج ‏وقتها‏.‏ ومنهم مَن فهم‏:‏ أن مراد رسول الله ألا يصلوا إلا إذا وصلوا‏‎ ‎بني قريظة فأخَّروها حتى وصلوا ‏بني قريظة فأخرجوها عن وقتها‏.‏ ولا ريب أن الصواب‎ ‎مع الذين صلوا الصلاة في وقتها؛ لأن ‏النصوص في وجوب الصلاة في وقتها محكمة، وهذا‎ ‎نصٌ مشتبه‏.‏ وطريق العلم أن يحمل المتشابه ‏على المحكم‏.‏‏.‏ إذن من أسباب الخلاف‏‎ ‎أن يفهم من الدليل خلاف مراد الله ورسوله، وذلك هو السبب ‏الرابع‏.‏
السبب الخامس‏:‏‎ ‎أن يكون قد بلغه الحديث لكنه منسوخ ولم يعلم بالناسخ، فيكون الحديث ‏صحيحًا والمراد‎ ‎منه مفهومًا ولكنه منسوخ، والعالم لا يعلم بنسخه، فحينئذٍ له العذر لأن الأصل عدم‎ ‎النسخ حتى يعلم بالناسخ‏.‏ ومن هذا رأى ابن مسعود رضي الله عنه‏.‏‏.‏ ماذا يصنع‏‎ ‎الإنسان بيديه إذا ‏ركع‏؟‏ كان في أول الإسلام يشرع للمصلي التطبيق بين يديه ويضعهما‏‎ ‎بين ركبتيه، هذا هو المشروع ‏في أول الإسلام، ثم نُسخ ذلك، وصار المشروع أن يضع يديه‎ ‎على ركبتيه‏.‏ وثبت في صحيح ‏البخاري وغيره النسخ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه لم‎ ‎يعلم بالنسخ، فكان يطبق يديه، فصلَّى إلى ‏جانبه علقمة والأسود، فوضعا يديهما على‎ ‎ركبتيهما، ولكنه رضي الله عنه نهاهما عن ذلك وأمرهما ‏بالتطبيق‏.‏‏.‏ لماذا‏؟‏ لأنه‏‎ ‎لم يعلم بالنسخ، والإنسان لا يكلف إلا وسع نفسه‏.‏‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ‎ ‎نَفْسًا ‏إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا‎ ‎لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ‎ ‎عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا ‏حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ‎ ‎تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا‏‎ ‎وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا ‏عَلَى الْقَوْمِ‎ ‎الْكَافِرِينَ‏‎}‎‏‏.‏

أحمد سعد الدين
21-12-2004, 10:22 PM
السبب السادس‏:‏ أن يعتقد أنه معارض بما هو أقوى‏‎ ‎منه من نص أو إجماع‏.‏ ‏بمعنى أنه يصل الدليل إلى المستدل، ولكنه يرى أنه معارض بما‎ ‎هو أقوى منه من نص أو إجماع، ‏وهذا كثير في خلاف الأئمة‏.‏ وما أكثر ما نسمع من ينقل‏‎ ‎الإجماع، ولكنه عند التأمل لا يكون إجماعًا‏.‏ ‏ومن أغرب ما نقل في الإجماع أن بعضهم‎ ‎قال‏:‏ أجمعوا على قبول شهادة العبد‏.‏ وآخرون قالوا‏:‏ ‏أجمعوا على أنها لا تقبل‎ ‎شهادة العبد‏.‏ هذا من غرائب النقل، لأن بعض الناس إذا كان من حوله اتفقوا ‏على رأي،‎ ‎ظنَّ أن لا مخالف لهم، لاعتقاده أن ذلك مقتضى النصوص، فيجتمع في ذهنه دليلان ‏النص‎ ‎والإجماع، وربما يراه مقتضى القياس الصحيح، والنظر الصحيح فيحكم أنه لا خلاف، وأنه‎ ‎لا ‏مخالف لهذا النص القائم عنده مع القياس الصحيح عنده، والأمر قد كان بالعكس‏.‏‎ ‎ويمكن أن نمثل ‏لذلك برأي ابن عباس رضي الله عنهما في رِبا الفضل‏.‏‏.‏ ثبت عن رسول‏‎ ‎الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏أنه قال‏:‏ ‏(‏إنما الربا في النسيئة‏)‏، وثبت عنه في‎ ‎حديث عبادة بن الصامت وغيره‏:‏ ‏(‏أن الربا يكون في ‏النسيئة وفي الزيادة‏)‏‏.‏‎ ‎وأجمع العلماء بعد ابن عباس على أن الربا قسمان‏:‏ ربا فضل، وربا نسيئة‏.‏ أما ‏ابن‎ ‎عباس فإنه أبى إلا أن يكون الربا في النسيئة فقط‏.‏ مثاله لو بعت صاعًا من القمح‏‎ ‎بصاعين يدًا ‏بيد، فإنه عند ابن عباس لا بأس به، لأنه يرى أن الربا في النسيئة‎ ‎فقط‏.‏ ‏(‏وإذا بعت مثلًا مثقالًا من ‏الذهب بمثقالين من الذهب يدًا بيد‏)‏‏.‏ فعنده‏‎ ‎أنه ليس ربا‏.‏ لكن إذا أخَّرت القبض، فأعطيتني المثقال ولم ‏أعطك البدل إلا بعد‎ ‎التفرق فهو ربا‏.‏‏.‏ لأن ابن عباس رضي الله عنهما يرى أن هذا الحصر مانع من ‏وقوع‎ ‎الربا في غيره، ومعلوم أن ‏(‏إنما‏)‏ تفيد الحصر فيدل على أن ما سواه ليس بربا، لكن‏‎ ‎الحقيقة أن ‏ما دلَّ عليه حديث عبادة يدل على أن الفضل من الربا لقول الرسول ـ صلى‎ ‎الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏مَن ‏زاد أو استزاد فقد أربى‏)‏‏.‏ إذًا ما موقفنا نحن من‏‎ ‎الحديث الذي استدلَّ به ابن عباس‏؟‏ موقفنا أن نحمله ‏على وجه يمكن أن يتفق مع‎ ‎الحديث الآخر الدال على أن الربا يكون أيضًا في الفضل، بأن نقول‏:‏ إنما ‏الربا‎ ‎الشديد الذي يعمد إليه أهل الجاهلية والذي وَرَدَ فيه قوله تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ‏‎ ‎آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا ‏أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ‎ ‎لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏‎}‎‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 130‏]‏‏.‏‎ ‎إنما هو ربا النسيئة، أما ربا الفضل فإنه ‏ليس الربا الشديد العظيم، ولهذا ذهب ابن‎ ‎القيّم في كتابه ‏"‏إعلام الموقعين‏"‏ إلى أن تحريم ربا الفضل ‏من باب تحريم‎ ‎الوسائل، وليس من باب تحريم المقاصد‏.‏ السبب السابع‏:‏ أن يأخذ العالم بحديث ‏ضعيف‎ ‎أو يستدل استدلالًا ضعيفًا‏.‏ وهذا كثير جدًا، فمن أمثلته‏:‏ أي أمثلة الاستدلال‏‎ ‎بالحديث ‏الضعيف‏:‏ ما ذهب إليه بعض العلماء من استحباب صلاة التسبيح، وهو أن يصلي‎ ‎الإنسان ركعتين، ‏يقرأ فيهما بالفاتحة، ويُسَبِّح خمس عشرة تسبيحة، وكذلك في الركوع‎ ‎والسجود إلى آخر صفتها التي ‏لم أضبطها، لأنني لا أعتقدها من حيث الشرع‏.‏ ويرى‏‎ ‎آخرون أن صلاة التسبيح بدعة مكروهة، وأن ‏حديثها لم يصح، وممن يرى ذلك الإمام أحمد 6‏‎ ‎وقال‏:‏ إنها لا تصح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية‎ 6‎‏:‏ إن حديثها كذب على رسول الله، وفي الحقيقة مَن تأمَّلها وجد أن ‏فيها شذوذًا‎ ‎حتى بالنسبة للشرع، إذ إن العبادة إما أن تكون نافعة للقلب، ولابد لصلاح القلب منها‏‎ ‎فتكون مشروعة في كل وقت وفي كل مكان، وإما أن لا تكون نافعة فلا تكون مشروعة، وهذه‎ ‎في ‏الحديث الذي جاء عنها يصليها الإنسان كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر أو في العمر‎ ‎مرة، وهذا لا ‏نظير له في الشرع، فدل على شذوذها سندًا ومتنًا، وأن مَن قال إنها‎ ‎كذب، كشيخ الإسلام فإنه ‏مصيب، ولذا قال شيخ الإسلام‏:‏ إنه لم يستحبها أحد من‏‎ ‎الأئمة‏.‏ وإنما مثَّلت بها لأن السؤال عنها كثير ‏من الرجال والنساء، فأخشى أن تكون‎ ‎هذه البدعة أمرًا مشروعًا، وإنما أقول بدعة، أقولها ولو كانت ‏ثقيلة على بعض الناس‎ ‎لأننا نعتقد أن كل مَن دان لله سبحانه مما ليس في كتاب الله أو سُنَّة رسوله فإنه‎ ‎بدعة‏.‏ كذلك أيضًا مَن يأخذ بدليل ضعيف من حيث الاستدلال‏.‏ الدليل قوي لكنه من‏‎ ‎حيث الاستدلال به ‏ضعيف، مثل ما أخذ بعض العلماء من حديث ‏(‏ذكاة الجنين ذكاة‎ ‎أمه‏)‏‏.‏‏.‏ فالمعروف عند أهل العلم من ‏معنى الحديث أن أمّ الجنين إذا ذكيت فإن‎ ‎ذكاتها ذكاة له ـ أي لا يحتاج إلى ذكاة إذا أُخرج منها بعد ‏الذبح، لأنه قد مات ولا‎ ‎فائدة من تذكيته بعد موته‏.‏ ومن العلماء مَن فهم أن المراد به ـ أي بالحديث ـ ‏أن‎ ‎ذكاة الجنين كذكاة أمه، تكون بقطع الودجين وإنهار الدم ـ ولكن هذا بعيد والذي يبعده‎ ‎أنه لا ‏يحصل إنهار الدم بعد الموت‏.‏ ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏‎ ‎‏(‏ما أنهر الدم وذكر اسم الله ‏عليه فكُل‏"‏‏.‏ ومن المعلوم أنه لا يمكن إنهار الدم‏‎ ‎بعد الموت‏.‏ هذه الأسباب التي أحببت أن أنبه عليها ‏مع أنها كثيرة، وبحر لا ساحل‎ ‎له‏.‏‏.‏ ولكن بعد هذا كله ما موقفنا‏؟‏ وما قلته في أول الموضوع‏:‏ أن ‏الناس بسبب‎ ‎وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية واختلاف العلماء أو اختلاف المتكلمين ‏في‎ ‎هذه الوسائل صاروا يتشككون ويقولون مَن نتبع‏؟‏‏.‏ تكاثرت الظباء على خراش فما يدري‏‎ ‎خراش ‏ما يصيد وحينئذٍ نقول‏:‏ موقفنا من هذا الخلاف، وأعني به خلاف العلماء الذين‏‎ ‎نعلم أنهم موثوقون ‏علمًا وديانة، لا مَن هم محسوبون على العلم وليسوا من أهله،‎ ‎لأننا لا نعتبر هؤلاء علماء، ولا نعتبر ‏أقوالهم مما يحفظ من أقوال أهل العلم‏.‏‏.‏‎ ‎ولكننا نعني به العلماء المعروفين بالنصح للأمة والإسلام ‏والعلم، موقفنا من هؤلاء‎ ‎يكون على وجهين‏:‏‎ ‎
‎1 ‎ـ كيف خالف هؤلاء الأئمة لما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله‏؟‏ وهذا‏‎ ‎يمكن أن يعرف الجواب عنه ‏بما ذكرنا من أسباب الخلاف، وبما لم نذكره، وهو كثير يظهر‎ ‎لطالب العلم حتى وإن لم يكن متبحِّرًا ‏في العلم‏.‏‎ ‎
‎2 ‎ـ‎ ‎ما موقفنا من اتباعهم‏؟‏ ومن نتبع من هؤلاء العلماء‏؟‏ أيتبع‏‎ ‎الإنسان إمامًا لا يخرج عن قوله، ولو ‏كان الصواب مع غيره كعادة المتعصبين للمذاهب،‎ ‎أم يتبع ما ترجَّح عنده من دليل ولو كان مخالفًا ‏لِمَا ينتسب إليه من هؤلاء‎ ‎الأئمة‏؟‏ الجواب هو الثاني، فالواجب على مَن علِم بالدليل أن يتبع الدليل ولو ‏خالف‎ ‎مَن خالف من الأئمة‏.‏ إذا لم يخالف إجماع الأمة، ومن اعتقد أن أحدًا غير رسول الله‏‎ ‎ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ يجب أن يؤخذ بقوله فعلًا وتركًا بكل حال وزمان، فقد شهد‎ ‎لغير الرسول بخصائص ‏الرسالة، لأنه لا يمكن أحد أن يكون هذا حكم قوله إلا رسول الله‏‎ ‎ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولا أحد إلا ‏يؤخذ من قوله ويُترَك سوى رسول الله ـ صلى‎ ‎الله عليه وسلم ـ‏.‏ ولكن يبقى الأمر فيه نظر، لأننا لا ‏نزال في دوامة مَن الذي‎ ‎يستطيع أن يستنبط الأحكام من الأدلة‏؟‏ هذه مشكلة، لأن كل واحد صار ‏يقول‏:‏ أنا‎ ‎صاحبها‏.‏ وهذا في الحقيقة ليس بجيد، نعم من حيث الهدف والأصل هو جيد؛ أن يكون رائد‏‎ ‎الإنسان كتاب الله وسُنَّة رسوله، لكن كوننا نفتح الباب لكل مَن عرف أن ينطق‎ ‎بالدليل، وإن لم يعرف ‏معناه وفحواه، فنقول‏:‏ أنت مجتهد تقول ما شئت، هذا يحصل فيه‏‎ ‎فساد الشريعة وفساد الخلق ‏والمجتمع‏.‏ والناس ينقسمون في هذا الباب إلى ثلاثة‏‎ ‎أقسام‏:‏‎ ‎
‎1 ‎ـ عالِم رزقه الله عِلمًا وفهمًا‏.‏‎ ‎
‎2 ‎ـ طالب علم عنده من العلم، لكن لم يبلغ درجة ذلك المتبحِّر‏.‏‎ ‎
‎3 ‎ـ عامي لا يدري شيئًا‏.‏ أما الأول‏:‏ فإن له الحق أن يجتهد وأن‏‎ ‎يقول، بل يجب عليه أن يقول ما كان ‏مقتضى الدليل عنده مهما خالفه مَن خالفه من‎ ‎الناس، لأنه مأمور بذلك‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏لَعَلِمَهُ الَّذِينَ‎ ‎يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ‏‎}‎‏ ‏[‏النساء‏:‏ 82‏]‏‏.‏ وهذا‏‎ ‎من أهل الاستنباط الذين يعرفون ما يدل عليه كلام الله وكلام ‏رسوله‏.‏ أما الثاني‏:‏‎ ‎الذي رزقه الله علمًا ولكنه لم يبلغ درجة الأول، فلا حرج عليه إذا أخذ بالعموميات‎ ‎والإطلاقات وبما بلغه، ولكن يجب عليه أن يكون محترزًا في ذلك، وألا يقصِّر عن سؤال‎ ‎مَن هو ‏أعلى منه من أهل العلم؛ لأنه قد يخطأ، وقد لا يصل علمه إلى شيء خصَّص ما كان‎ ‎عامًّا، أو قيَّد ما ‏كان مطلقًا، أو نَسَخَ ما يراه محكمًا‏.‏ وهو لا يدري بذلك‏.‏‎ ‎أما الثالث‏:‏ وهو مَن ليس عنده علم، فهذا ‏يجب عليه أن يسأل أهل العلم لقوله‎ ‎تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ‎ ‎تَعْلَمُونَ‏‎}‎‏ ‏[‏النحل‏:‏ 43‏]‏، وفي ‏آية أخرى‏:‏ ‏‎{‎‏بِالْبَيِّنَاتِ‎ ‎وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ‎ ‎إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏‎}‎‏ ‏[‏النحل‏:‏‎ 44‎‏]‏‏.‏ ‏فوظيفة هذا أن يسأل، ولكن مَن يسأل‏؟‏ في البلد علماء كثيرون، وكلٌّ‏‎ ‎يقول‏:‏ إنه عالم، أو كلٌّ يقال عنه‏:‏ ‏إنه عالم، فمن الذي يسأل‏؟‏ هل نقول‏:‏ يجب‏‎ ‎عليك أن تتحرى مَن هو أقرب إلى الصواب فتسأله ثم ‏تأخذ بقوله، أو نقول‏:‏ اسأل مَن‏‎ ‎شئت ممَّن تراه من أهل العلم، والمفضول قد يوفَّق للعلم في مسألة ‏معيَّنة، ولا‎ ‎يوفَّق مَن هو أفضل منه وأعلم ـ اختلف في هذا أهل العلم‏؟‏ فمنهم مَن يرى‏:‏ أنه‏‎ ‎يجب على ‏العامي أن يسأل مَن يراه أوثق في علمه من علماء بلده، لأنه كما أن الإنسان‎ ‎الذي أصيب بمرض في ‏جسمه فإنه يطلب لمرضه مَن يراه أقوى معرفة في أمور الطب فكذلك‎ ‎هنا؛ لأن العلم دواء القلوب، ‏فكما أنك تختار لمرضك مَن تراه أقوى فكذلك هنا يجب أن‎ ‎تختار مَن تراه أقوى علمًا إذ لا فرق‏.‏ ‏ومنهم مَن يرى‏:‏ أن ذلك ليس بواجب؛ لأن‏‎ ‎مَن هو أقوى عِلمًا قد لا يكون أعلم في كل مسألة بعينها، ‏ويرشح هذا القول أن الناس‎ ‎في عهد الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون المفضول مع وجود ‏الفاضل‏.‏ والذي أرى في‏‎ ‎هذه المسألة أنه يسأل مَن يراه أفضل في دينه وعلمه لا على سبيل الوجوب، ‏لأن من هو‎ ‎أفضل قد يخطأ في هذه المسألة المعينة، ومن هو مفضول قد يصيب فيها الصواب، فهو ‏على‎ ‎سبيل الأولوية، والأرجح‏:‏ أن يسأل من هو أقرب إلى الصواب لعلمه وورعه ودينه‏.‏‎ ‎وأخيرًا ‏أنصح نفسي أولًا وإخواني المسلمين، ولاسيما طلبة العلم إذا نزلت بإنسان‎ ‎نازلة من مسائل العلم ألا ‏يتعجَّل ويتسرَّع حتى يتثبَّت ويعلم فيقول لئلا يقول على‎ ‎الله بلا علم‏.‏ فإن الإنسان المفتي واسطة بين ‏الناس وبين الله، يبلِّغ شريعة الله‎ ‎كما ثبت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏العلماء ورثة ‏الأنبياء‏)‏‏.‏ وأخبر‏‎ ‎النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏أن القضاة ثلاثة‏:‏ قاض واحد في الجنة وهو مَن‏‎ ‎عَلِمَ ‏الحق فحكم به‏)‏ كذلك أيضًا من المهم إذا نزلت فيك نازلة أن تشد قلبك إلى‏‎ ‎الله وتفتقر إليه أن يفهمك ‏ويعلِّمك لاسيما في الأمور العظام الكبيرة التي تخفى على‎ ‎كثير من الناس‏.‏ وقد ذكر لي بعض ‏مشائخنا أنه ينبغي لمَن سئل عن مسألة أن يُكْثِر‎ ‎من الاستغفار، مستنبطًا من قوله تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏إِنَّا أَنزَلْنَا‎ ‎إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ‎ ‎وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً‏}‏‏‎[‎‏النساء‏:‏ 105‏]‏، لأن‎ ‎الإكثار من ‏الاستغفار يوجب زوال أثر الذنوب التي هي سبب في نسيان العلم والجهل كما‎ ‎قال تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏فَبِمَا ‏نَقْضِهِم‎ ‎مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ‎ ‎الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ‎ ‎بِهِ‏‎}‎‏ ‏‏[‏المائدة‏:‏13‏]‏‏.‏ وقد ذُكِرَ عن الشافعي أنه‏‎ ‎قال‏:‏ شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك ‏المعاصيوقال اعلم بأن العلم نور‎ ‎ونور الله لا يؤتاه عاصي فلا جرم حينئذٍ أن يكون الاستغفار سببًا ‏لفتح الله على‎ ‎المرء‏.‏ وأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يثبِّتنا بالقول الثابت في‏‎ ‎الحياة الدنيا ‏وفي الآخرة، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة‎ ‎إنه هو الوهَّاب‏.‏ والحمد لله رب ‏العالمين أولًا وأخيرًا‏.‏‏.‏‏.‏ وصلى الله على‏‎ ‎نبينا محمد وآله وصحبه وسلم‏.‏‎ ‎