المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آداب الفتوى للنووى



أحمد سعد الدين
21-12-2004, 10:24 PM
آدَابُ الفَتـْوَى ‏
والمُفـْتــِي والمُسْـتـَـفـْـتــِي




من مقدمة كتاب: المجموع شرح المهذب
للإمام الرباني شيخ الإسلام الحافظ الحجة التقي ‏
محي الدين أبي زكريا ‏
يحيى بن شرف النووي الشافعي ‏
رحمه الله تعالى
‏(631 – 676 هـــ)‏

أحمد سعد الدين
21-12-2004, 10:25 PM
باب آداب الفتوى والمفتي والمستفتي

اعلم أن هذا البابَ مهمٌّ جدَّاً، فأحببتُ تقديمه لعمومِ الحاجة إليه.‏
وقد صنَّف في هذا جماعة من أصحابنا، منهم أبو القاسم الصيمري شيخ صاحب الحاوي،‏ ثم الخطيب أبو بكر الحافظ البغدادي، ثم الشيخ أبو ‏عمرو بن الصلاح،‏ وكل منهم ذكرَ نفائس لم يذكرها الآخران،‏ وقد طالعت كتب الثلاثة ولخصت منها جملة مختصرة مستوعبة لكل ما ذكروه من ‏المهم،‏ وضممت إليها نفائس من متفرقات كلام الأصحاب، وبالله التوفيق.‏ ‏
‏اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر،‏ كبير الموقع،‏ كثير الفضل،‏ لأن المفتي وارث الأنبياء ‏‏-صلوات الله وسلامه عليهم‏-‏ وقائم بفرض الكفاية ولكنه ‏معرض للخطأ‏;‏ ولهذا قالوا:‏ المفتي موقع عن الله تعالى.‏
وروينا عن ابن المُنكدر قال:‏ "العالم بين الله تعالى وخلقه،‏ فلينظر كيف يدخل بينهم".‏ ‏
وروينا عن السلف وفضلاء الخلف من التوقف عن الفتيا أشياء كثيرة معروفة، نذكر منها أحرفاً تبركاً.‏
وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:‏ "أدركتُ عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدهم عن ‏المسألة فيردها هذا إلى هذا،‏ وهذا إلى هذا،‏ حتى ترجع إلى الأول".‏ وفي رواية:‏ "ما منهم من يحدث بحديث،‏ إلا وَدَّ أن أخاه كفاه إياه،‏ ولا ‏يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا".‏ ‏
‏وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم: "مَنْ أفتى عن كلِّ ما يسأل فهو مجنون".‏
وعن الشعبي والحسن وأبي حَصِين -بفتح الحاء- التابعيين قالوا:‏ "إن أحدَكَم ليفتي في المسألة ولو وَرَدَتْ على عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه ‏لجمع لها أهل بدر".‏
وعن عطاء بن السائب التابعي:‏ "أدركتُ أقواماً يسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد".‏
وعن ابن عباس ومحمد بن عجلان:‏ "إذا أغفل العالم ‏(‏لا أدري‏)‏ أُصِيبت مقاتله".‏ ‏
وعن سفيان بن عيينة وسحنون:‏ "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً".‏ ‏
وعن الشافعي -وقد سئل عن مسألةٍ فلم يجب-،‏ فقيل له،‏ فقال:‏ "حتى أدري أن الفضل في السكوت أو في الجواب".‏ ‏
وعن الأثرم:‏ سمعتُ أحمد بن حنبل يكثر أن يقول:‏ (لا أدري)،‏ وذلك فيما عرف الأقاويل فيه.‏ ‏
وعن الهيثم بن جميل:‏ شهدتُّ مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها:‏ (لا أدري).‏ ‏
وعن مالك أيضاً:‏ أنه ربما كان يُسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها،‏ وكان يقول:‏ "من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن ‏يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب".‏ ‏
وسئل عن مسألة فقال:‏ (لا أدري)،‏ فقيل:‏ هي مسألة خفيفة سهلة،‏ فغضب وقال:‏ (ليس في العلم شيء خفيف).‏ ‏
وقال الشافعي:‏ (ما رأيتُ أحداً جمع الله تعالى فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة أسكت منه عن الفتيا).‏ ‏
وقال أبو حنيفة:‏ (لولا الفَرَقُ من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيتُ،‏ يكون لهم المهنأ وعلي الوزر).‏ ‏
وأقوالهم في هذا كثيرة معروفة.‏
قال الصيمري والخطيب:‏ قلَّ من حرص على الفتيا،‏ وسابق إليها،‏ وثابر عليها،‏ إلا قلَّ توفيقُه،‏ واضطرب في أموره،‏ وإن كان كارهاً لذلك،‏ غير ‏مؤثر له ما وجد عنه مندوحة،‏ وأحال الأمر فيه على غيره،‏ كانت المعونة له من الله أكثر،‏ والصلاح في جوابه أغلب.‏
واستَدَلاَّ بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:‏ ‏(لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها،‏ وإن أعطيتها عن غير ‏مسألة أُعِنتَ عليها).‏

أحمد سعد الدين
21-12-2004, 10:26 PM
فصل
‏[وظيفة إمام المسلمين تجاه المفتين]‏


قال الخطيب:‏ ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين،‏ فمَنْ صَلحَ للفتيا أقرَّه،‏ ومن لا يصلح منعه،‏ ونهاه أن يعود،‏ وتوعده بالعقوبة إن عاد.‏
وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته،‏ ويعتمد أخبار الموثوق به.‏
ثم روى بإسناده عن مالك ‏-رحمه الله‏-‏ قال:‏ "ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك".‏ وفي رواية:‏ "ما أفتيت حتى سألتُ‏ من هو أعلم ‏مني:‏ هل يراني موضعا لذلك" ‏؟‏ ‏
قال مالك: "ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه".‏ ‏

أحمد سعد الدين
21-12-2004, 10:26 PM
فصل
‏قالوا:‏ وينبغي أن يكون المفتي ظاهر الورع، مشهوراً بالديانة الظاهرة،‏ والصيانة الباهرة.‏ ‏


وكان مالك ‏-‏رحمه الله‏-‏ يعمل بما لا يلزمه الناس،‏ ويقول:‏ :لا يكون عالماً حتى يعمل في خاصَّةِ نفسه بما لا يلزمه الناس مما لو تركه لم يأثم".‏
وكان يحكي نحوه عن شيخه ربيعة.‏ ‏

أحمد سعد الدين
21-12-2004, 10:27 PM
فصل
‏شرط المفتي كونه مكلفاً مسلماً، وثقةً مأموناً متنـزِّهاً عن أسباب الفسق وخوارم المروءة،‏ فقيهَ النفس،‏ سليمَ الذهن،‏ رصينَ الفِكر،‏ صحيح ‏التصرف والاستنباط،‏ متيقظاً.‏


سواءٌ فيه الحرُّ والعبد والمرأة والأعمى،‏ والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته.‏ ‏
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح:‏ وينبغي أن يكون كالراوي في أنه لا يؤثر فيه قرابة وعداوة،‏ وجرّ نفع ودفع ضر،‏ لأن المفتي في حكم مخبرٌ ‏عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص،‏ فكان كالراوي لا كالشاهد،‏ وفتواه لا يرتبط بها إلزام بخلاف حكم القاضي.‏ ‏
قال:‏ وذكر صاحب الحاوي أن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصاً معيناً صار خصماً حكماً معانداً،‏ فتُردُّ فتواه على من عاداه كما ترد شهادته عليه.‏
واتفقوا على أن الفاسق لا تصح فتواه،‏ ونقل الخطيب فيه إجماع المسلمين، ويجب عليه إذا وقعت له واقعة أن يعمل باجتهاد نفسه.‏
وأما المستور وهو الذي ظاهره العدالة ولم تختبر عدالته باطناً،‏ ففيه وجهان:‏ أصحهما:‏ جواز فتواه‏;‏ لأنَّ العدالة الباطنة يعسر معرفتها على ‏غير القضاة.‏
والثاني:‏ لا يجوز كالشهادة، ‏والخلاف كالخلاف في صحة النكاح بحضور المستورين.‏ ‏
قال الصيمري:‏ وتصح فتاوى أهل الأهواء والخوارج ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه،‏ ونقل الخطيب هذا ثم قال:‏ وأما الشرار والرافضة الذين ‏يسبون السلف الصالح ففتاويهم مردودة وأقوالهم ساقطة.‏ ‏
والقاضي كغيره في جواز الفتيا بلا كراهة،‏ هذا هو الصحيح المشهور من مذهبنا،‏ قال الشيخ:‏ ورأيت في بعض تعاليق الشيخ أبي حامد أنَّ له ‏الفتوى في العبادات،‏ وما لا يتعلق بالقضاء،‏ وفي القضاء وجهان لأصحابنا:‏ أحدهما:‏ الجواز;‏ لأنه أهل،‏ والثاني:‏ لا‏;‏ لأنه موضع تهمة.‏
وقال ابن المنذر:‏ تكره الفتوى في مسائل الأحكام الشرعية وقال شريح:‏ أنا أقضي ولا أفتي.‏ ‏

أحمد سعد الدين
21-12-2004, 10:28 PM
فصل
قال أبو عَمرو:‏ المفتون قسمان:‏ مستقل وغيره،‏

فالمستقل شرطُه مع ما ذكرناه:‏
‏1- أن يكون قيماً بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية عن الكتاب والسنة والإجماع والقياس،‏ وما التحق بها على التفضيل،‏ وقد فُصِّلَت في كتب الفقه ‏فتيسرت ولله الحمد.‏
‏2- وأن يكون عالماً بما يشترط في الأدلة،‏ ووجوه دلالتها،‏ وبكيفية اقتباس الأحكام منها،‏ وهذا يستفاد من أصول الفقه.‏
‏3- عارفاً من علوم القرآن،‏ والحديث،‏ والناسخ والمنسوخ،‏ والنحو واللغة والتصريف،‏ واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من ‏الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها.‏
‏4- ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك.‏
‏5- عالماً بالفقه ضابطاً لأمهات مسائله وتفاريعه.‏
فمن جمع هذه الأوصاف فهو المفتي المطلق المستقل،‏ الذي يتأدى به فرض الكفاية، وهو المجتهد المطلق المستقل ‏;‏ لأنه يستقل بالأدلة بغير ‏تقليد وتقيد بمذهب أحد.‏
قال أبو عمرو:‏ وما شرطناه من حفظه لمسائل الفقه لم يشترط في كثير من الكتب المشهورة ‏;‏ لكونه ليس شرطاً لمنصب الاجتهاد‏;‏ لأن الفقه ‏ثمرته فيتأخر عنه،‏ وشرط الشيء لا يتأخر عنه،‏ وشَرَطَه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وصاحبه أبو منصور البغدادي وغيرهما،‏ واشتراطه ‏في المفتي الذي يتأدى به فرض الكفاية هو الصحيح وإن لم يكن كذلك في المجتهد المستقل.‏
ثم لا يشترط أن يكون جميع الأحكام على ذهنه،‏ بل يكفيه كونه حافظاً المعظم،‏ متمكناً من إدراك الباقي على قرب.‏ ‏
وهل يشترط أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية ‏؟‏ ‏
حكى أبو إسحاق وأبو منصور فيه خلافاً لأصحابنا،‏ والأصح اشتراطه.‏
ثم إنما نشترط اجتماع العلوم المذكورة في مُفتٍ مطلق في جميع أبواب الشرع،‏ فأما مُفتٍ في باب خاص كالمناسك والفرائض فيكفيه معرفة ذلك ‏الباب،‏ كذا قَطَعَ به الغزالي وصاحبه ابن بَرهان ‏-بفتح الباء-‏ وغيرهما،‏ ومنهم من منعه مطلقاً، وأجازه ابن الصباغ في الفرائض خاصة، ‏والأصحُّ جوازه مطلقاً.‏ ‏
القسم الثاني: المفتي الذي ليس بمستقل،‏ ومن دهر طويل عُدِم المفتي المستقل.‏
وصَارت الفتوى إلى المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة،‏ وللمفتي المنتسب أربعة أحوال:‏ ‏
‏أحدهما‏:‏ أن لا يكون مقلداً لإمامه،‏ لا في المذهب ولا في دليله،‏ لاتصافه بصفة المستقل؛‏ وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد.‏ ‏
وادعى الأستاذ أبو إسحاق هذه الصفة لأصحابنا، فحَكَى عن أصحاب مالك -رحمه الله-‏ وأحمد وداود وأكثر الحنفية أنهم صاروا إلى مذاهب ‏أئمتهم تقليداً لهم،‏ ثم قال:‏ والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا:‏ وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليداً له،‏ بل لما ‏وجدوا طرقه في الاجتهاد والقياس أسد الطرق ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه، فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي وذكر أبو علي ‏السنجي ‏-بكسر السين المهملة- نحو هذا فقال:‏ اتبعنا الشافعي دون غيره،‏ ‏;‏ لأنا وجدنا قوله أرجح الأقوال وأعدلها،‏ لا أنا قلدناه.‏ ‏
‏قلتُ:‏ هذا الذي ذكراه موافق لما أمرهم به الشافعي ثم المزني في أول مختصره وغيره بقوله:‏ ‏مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره.‏
قال أبو عَمرو:‏ دعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقاً لا يستقيم، ‏ولا يلائم المعلوم من حالهم أو حال أكثرهم،‏ وحَكَى بعض أصحاب الأصول مِنَّا أنه لم ‏يوجد بعد عصر الشافعي مجتهدٌ مستقل.‏
ثم فتوى المفتي في هذه الحالة كفتوى المستقل في العمل بها،‏ والاعتداد بها في الإجماع والخلاف.‏ ‏
الحالة الثانية:‏ أن يكون مجتهدًا مقيَّداً في مذهب إمامه،‏ مستقلاً بتقرير أصوله بالدليل،‏ غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده،‏ ‏وشرطه: كونه عالماً بالفقه وأصوله،‏ وأدلة الأحكام تفصيلاً،‏ بصيراً بمسالك الأقيسة والمعاني،‏ تام الارتياض في التخريج والاستنباط،‏ قيماً ‏بإلحاق ما ليس منصوصاً عليه لإمامه بأصوله،‏ ولا يعرى عن شوب تقليد له‏;‏ لإخلاله ببعض أدوات المستقل،‏ بأن يُخلَّ بالحديث أو العربية،‏ ‏وكثيراً ما أخل بهما المقيَّد،‏ ثم يتخذ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها كفعل المستقل بنصوص. الشرع،‏ وربما اكتفى في الحكم بدليل إمامه،‏ ‏ولا يبحث عن معارض كفعل المستقل في النصوص،‏ وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه،‏ وعليها كان أئمة أصحابنا أو أكثرهم.‏
والعامل بفتوى هذا مقلِّدٌ لإمامه لا له.‏ ‏
ثم ظاهر كلام الأصحاب أنَّ من هذا حاله لا يتأدَّى به فرض الكفاية.‏ ‏
قال أبو عمرو:‏ ويظهر تأدي الفرض به في الفتوى، إن لم يتأد في إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى‏;‏ لأنَّه قام مقام إمامه المستقل تفريعاً ‏على الصحيح،‏ وهو جواز تقليد الميت.‏ ‏
ثم قد يستقل المقيد في مسألة أو باب خاص كما تقدم،‏ وله أن يفتي فيما لا نصَّ فيه لإمامه بما يخرجه على أصوله،‏ هذا هو الصحيح الذي عليه ‏العمل،‏ وإليه مفزع المفتين من مُدَدٍ ‏طويلة،‏ ثم إذا أفتى بتخريجه فالمستفتي مقلد لإمامه لا له.‏ ‏
‏هكذا قطع به إمام الحرمين في كتابه الغياثي،‏ وما أكثر فوائده‏ ‏ !!‏
قال الشيخ أبو عمرو:‏ وينبغي أن يخرج هذا على خلافٌ حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره،‏ أن ما يخرجه أصحابنا هل يجوز نسبته إلى ‏الشافعي؟ والأصح أنه لا ينسب إليه.‏
ثم تارة يخرِّج من نص معين لإمامه وتارة لا يجده،‏ فيخرّج على أصوله بأن يجد دليلاً على شرط ما يحتج به إمامه فيفتي بموجبه،‏ فإن نصَّ ‏إمامه على شيء ونص في مسألة تشبهها على خلافه، فخرج من أحدهما إلى الآخر سمي قولاً مخرجاً،‏ وشرط هذا التخريج أن لا يجد بين نصه ‏فرقاً،‏ فإن وجده وجب تقريرهما على ظاهرهما،‏ ويختلفون كثيراً في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق.‏ ‏
‏قلتُ:‏ وأكثر ذلك يمكن فيه الفرقُ، وقد ذكروه.‏
الحالة الثالثة:‏‏ أن لا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه،‏ لكنه فقيه النفس،‏ حافظ مذهب إمامه،‏ عارف بأدلته،‏ قائم بتقريرها،‏ يصوّر،‏ ويحرّر،‏ ويقرّر،‏ ‏ويمهد،‏ ويزيف،‏ ويرجح، لكنَّه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب،‏ أو الارتياض في الاستنباط،‏ أو معرفة الأصول ونحوها من ‏أدواتهم.‏
وهذه صفةُ كثيرٍ من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه،‏ وصنَّفوا فيه تصانيف فيها معظم اشتغال ‏الناس اليوم،‏ ولم يلحقوا الذين قبلهم في التخريج.‏ ‏
وأما فتاويهم فكانوا يتبسطون فيها تبسط أولئك أو قريباً منه،‏ ويقيسون غير المنقول عليه،‏ غير مقتصرين على القياس الجلي.‏
ومنهم من جُمِعَت فتاويه، ولا تبلغ في التحاقها بالمذهب مبلغَ فتاوى أصحاب الوجوه.‏ ‏
الحالة الرابعة‏:‏ أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات،‏ ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته،‏ فهذا يعتمد ‏نقله وفتواه فيما يحكيه من مسطورات مذهبه،‏ من نصوص إمامه،‏ وتفريع المجتهدين في مذهبه.‏
وما لا يجده منقولاً إن وجد في المنقول معناه،‏ بحيث يدرك بغير كبير فكر أنَّه لا فرق بينهما،‏ جاز إلحاقه به والفتوى به،‏ وكذا ما يعلم اندراجه ‏تحت ضابط ممهد في المذهب،‏ وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه،‏ ومثل هذا يقع نادراً في حق المذكور،‏ إذ يبعد كما قال إمام ‏الحرمين:‏ أن تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب،‏ ولا هي في معنى المنصوص،‏ ولا مندرجة تحت ضابط‏ ‏.‏
وشرطه كونه فقيه النفس ذا حظ وافر من الفقه.‏
قال أبو عمرو:‏ وأن يكتفي في حفظ المذهب في هذه الحالة والتي قبلها بكون المعظم على ذهنه،‏ ويتمكن لدربته من الوقوف على الباقي على ‏قرب.‏ ‏

أحمد سعد الدين
21-12-2004, 10:29 PM
فصل
‏[أصناف المفتين ومراتبهم]‏

هذه أصناف المفتين وهي خمسةٌ،‏ وكلُّ صنف منها يُشترط فيه حفظ المذهب وفقه النفس،‏ فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر ‏عظيم.‏
ولقد قطع إمام الحرمين وغيره بأن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه لا يحلُّ له الفتوى بمجرد ذلك،‏ ولو وقعت له واقعة لزمه أن يسأل ‏عنها،‏ ويلتحق به المتصرف النظَّار البحاث،‏ من أئمة الخلاف وفحول المناظرين‏;‏ لأنه ليس أهلاً لإدراك حكم الواقعة استقلالاً،‏ لقصور آلته،‏ ولا ‏من مذهب إمام،‏ لعدم حفظه له على الوجه المعتبر.‏ ‏
فإن قيل:‏ من حفظ كتاباً أو أكثر في المذهب وهو قاصر،‏ لم يتصف بصفة أحد ممن سبق،‏ ولم يجد العامي في بلده غيره،‏ هل له الرجوع إلى ‏قوله ‏؟‏ ‏
فالجواب:‏ إن كان في غير بلده مُفتٍ يجد السبيل إليه وجب التوصل إليه بحسب إمكانه،‏ فإن تعذر ذكر مسألته للقاصر،‏ فإن وجدها بعينها في ‏كتاب موثوق بصحته وهو ممن يُقبل خبره نقل له حكمه بنصه،‏ وكان العامي فيها مقلِّداً صاحب المذهب.‏
قال أبو عمرو:‏ وهذا وجدتُّه في ضمن كلام بعضهم،‏ والدليل يعضده،‏ وإن لم يجدها مسطورة بعينها لم يقسها على مسطور عنده،‏ وإن اعتقده ‏من قياس لا فارق،‏ فإنه قد يتوهم ذلك في غير موضعه.‏ ‏
فإن قيل:‏ هل لمقلِّدٍ أن يفتي بما هو مقلد فيه ‏؟‏ ‏
قلنا:‏ قطع أبو عبد الله الحَلِيمي وأبو محمد الجويني وأبو المحاسن الرّوياني وغيرهم بتحريمه،‏ وقال القفال المروزي:‏ يجوز.‏
قال أبو عمرو:‏ قولُ من منعه معناه لا يذكره على صورة من يقوله من عند نفسه،‏ بل يضيفه إلى إمامه الذي قلَّده،‏ فعلى هذا من عددناه من ‏المفتين المقلدين ليسوا مفتين حقيقة،‏ لكن لما قاموا مقامهم وأدوا عنهم عدوا معهم،‏ وسبيلهم أن يقولوا مثلاً:‏ مذهب الشافعي كذا أو نحو هذا،‏ ‏ومن ترك منهم الإضافة فهو اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح به،‏ ولا بأس بذلك.‏ ‏
‏وذكر صاحب الحاوي في العامي إذا عرف حكم حادثة بناء على دليلها ثلاثة أوجه:‏ أحدها‏: يجوز أن يفتي به ويجوز تقليده ‏;‏ لأنه وصل إلى ‏علمه.‏ كوصول العالم.‏ ‏
والثاني: يجوز إن كان دليلها كتاباً أو سنة،‏ ولا يجوز إن كان غيرهما.‏ ‏
والثالث: لا يجوز مطلقاً، وهو الأصح والله أعلم.‏ ‏

أحمد سعد الدين
21-12-2004, 10:30 PM
فصل
في أحكام المفتين


فيه مسائل:‏
إحداها: الإفتاء فرض كفاية، فإذا استفتي وليس في الناحية غيره تعيَّن عليه الجواب،‏ فإن كان فيها غيره وحضرا فالجواب في حقهما فرض ‏كفاية،‏ وإن لم يحضر غيره فوجهان أصحهما:‏ لا يتعين لما سبق عن ابن أبي ليلى،‏ والثاني:‏ يتعين،‏ وهما كالوجهين في مثله في الشهادة.‏ ‏
ولو سأل عامي عمَّا لم يقع لم يجب جوابه.‏
الثانية: إذا أفتى بشيء ثم رجع عنه فإن علم المستفتي برجوعه،‏ ولم يكن عمل بالأول لم يجز العمل به،‏ وكذا إن نكح بفتواه واستمر على نكاح ‏بفتواه ثم رجع،‏ لزمه مفارقتها كما لو تغير اجتهاد من قلَّده في القبلة في أثناء صلاته،‏ وإن كان عمل قبل رجوعه فإن خالف دليلاً قاطعاً لزم ‏المستفتي نقض عمله ذلك،‏ وإن كان في محل اجتهاد لم يلزمه نقضه‏;‏ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.‏ ‏
وهذا التفصيل ذكره الصيمري والخطيب وأبو عمرو،‏ واتفقوا عليه،‏ ولا أعلم خلافه،‏ وما ذكره الغزالي والرازي ليس فيه تصريح بخلافه.‏ ‏
قال أبو عمرو:‏ وإذا كان يُفتي على مذهب إمامٍ، فرجع لكونه بان له قطعاً مخالفة نص مذهب إمامه،‏ وجب نقضه وإن كان في محل الاجتهاد‏;‏ ‏لأنَّ نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المجتهد المستقل.‏ ‏
أما إذا لم يعلم المستفتي برجوع المفتي فحال المستفتي في علمه كما قبل الرجوع،‏ ويلزم المفتي إعلامه قبل العمل،‏ وكذا بعده حيث يجب ‏النقض.‏
وإذا عمل بفتواه في إتلاف فبان خطؤه وأنه خالف القاطع فعن الأستاذ أبي إسحاق أنه يضمن إن كان أهلاً للفتوى،‏ ولا يضمن إن لم يكن أهلاً‏;‏ ‏لأن المستفتي قصًَّر.‏ كذا حكاه الشيخ أبو عمرو وسكت عليه،‏ وهو مُشكِلٌ وينبغي أن يخرج الضمان على قولي الغرور المعروف في بابي ‏الغصب والنكاح وغيرهما،‏ أو يقطع بعدم الضمان ‏;‏ إذ ليس في الفتوى إلزام ولا إلجاء.‏ ‏
الثالثة: يحرم التساهل في الفتوى،‏ ومن عرف به حرم استفتاؤه،‏ فمن التساهل:‏ أن لا يتثبت،‏ ويُسرِع بالفتوى قبل استيفاء حقِّها من النظر ‏والفكر،‏ فإن تقدمت معرفته بالمسؤول عنه فلا بأس بالمبادرة،‏ وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة.‏ ‏
ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرَّمة أو المكروهة،‏ والتمسك بالشبه طلباً للترخيص لمن يروم نفعه،‏ أو التغليظ ‏على من يريد ضره.‏
وأما مَنْ صَحَّ قصده فاحتسب في طَلَبِ حيلةٍ لا شبهة فيها،‏ لتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل، وعليه يحمل ما جاء عن بعض ‏السلف من نحو هذا،‏ كقول سفيان: "إنمَّا العلم عندنا الرخصة من ثقة،‏ فأما التشديد فيحسنه كل أحد".‏
ومن الحيل التي فيها شبهة ويذم فاعلها:‏ الحيلة السُّريجية في سدِّ باب الطلاق.‏ ‏

الرابعة: ينبغي أن لا يفتي في حال تغيُّر خُلُقه،‏ وتشغل قلبه،‏ ويمنعه التأمل،‏ كغضب،‏ وجوع،‏ وعطش،‏ وحزن،‏ وفرح غالب،‏ ونعاس،‏ أو ملل،‏ أو ‏حر مزعج أو مرض مؤلم،‏ أو مدافعة حَدَث،‏ وكل حال يشتغل فيه قلبه ويخرج عن حد الاعتدال، فإن أفتى في بعض هذه الأحوال وهو يَرَى أنه ‏لم يخرج عن الصواب جاز وإن كان مخاطراً بها !!‏ ‏
الخامسة: المختار للمتصدِّي للفتوى أن يتبرعَ بذلك،‏ ويجوز أن يأخذ عليه رزقاً من بيت المال، إلا أن يتعيَّن عليه وله كفاية،‏ فيحرم على ‏الصحيح.‏
ثم إن كان له رزقٌ لم يجز أخذ أجرة أصلاً،‏ وإن لم يكن له رزق فليس له أخذ أجرة من أعيان مَنْ يفتيه على الأصح كالحاكم.‏ ‏
واحتال الشيخ أبو حاتم القزويني من أصحابنا فقال:‏ له أن يقول:‏ يلزمني أن أفتيك قولاً،‏ وأما كتابة الخط فلا،‏ فإذا استأجره على كتابة الخط ‏جاز.‏ ‏
قال الصيمري والخطيب:‏ لو اتفق أهل البلد فجعلوا له رزقاً من أموالهم على أن يتفرغ لفتاويهم جاز.‏
أما الهدية فقال أبو مظفر السَّمعاني له قبولها،‏ بخلاف الحاكم فإنه يلزم حكمه.‏ ‏
قال أبو عَمرو:‏ ينبغي أن يحرم قبولها إن كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد كما في الحاكم وسائر ما لا يقابل بعوض.‏ ‏
قال الخطيب: وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن الاحتراف،‏ ويكون ذلك من بيت المال،‏ ثم ‏روى بإسناده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى كلَّ رجلٍ ممن هذه صفته مائة دينار في السنة.‏ ‏
السادسة: لا يجوز أن يفتي في الأيمان والإقرار ونحوهما مما يتعلق بالألفاظ إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ،‏ أو متنَـزِّلاً منـزلتهم في الخبرة ‏بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فيها.‏ ‏
السابعة: لا يجوز لمن كانت فتواه نقلاً لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوقٍ بصحته،‏ وبأنه مذهب ذلك الإمام،‏ فإن وثق ‏بأن أصل التصنيف بهذه الصفة لكن لم تكن هذه النسخة معتمدة،‏ فليستظهر بنسخ منه متَّفقة،‏ وقد تحصل له الثقة من نسخة غير موثوق ‏بها ‏في بعض المسائل إذا رأى الكلام منتظماً وهو خبير فَطِن لا يخفى عليه لدربته موضع الإسقاط والتغيير.‏ ‏
فإن لم يجده إلا في نسخة غير موثوق بها فقال أبو عمرو:‏ ينظر فإن وجده موافقاً لأصول المذهب،‏ وهو أهل لتخريج مثله في المذهب لو لم ‏يجده منقولاً فله أن يفتي به.‏ فإن أراد حكايته عن قائله فلا يقل:‏ قال الشافعي مثلاً كذا،‏ وليقل:‏ وَجدتُّ عن الشافعي كذا،‏ أو بلغني عنه،‏ ونحو ‏هذا.‏
وإن لم يكن أهلاً لتخريج مثله لم يجز له ذلك،‏ فإن سبيله النقل المحض،‏ ولم يحصل ما يجوز له ذلك،‏ وله أن يذكره لا على سبيل الفتوى مُفصِحاً ‏بحاله،‏ فيقول: وجدته في نسخة من الكتاب الفلاني ونحوه.‏ ‏
قلتُ:‏ لا يجوز لمفتٍ على مذهب الشافعي إذا اعتمد النقل أن يكتفي بمصنَّفٍ ومصنفين ونحوهما من كتب المتقدمين وأكثر المتأخرين لكثرة ‏الاختلاف بينهم في الجزم والترجيح‏;‏ لأن هذا المفتي المذكور إنما ينقل مذهب الشافعي،‏ ولا يحصل له وثوق بأن ما في المصنفين المذكورين ‏ونحوهما هو مذهب الشافعي،‏ أو الراجح منه‏;‏ لما فيهما من الاختلاف.‏
وهذا مما لا يتشكك فيه من له أدنى أنس بالمذهب،‏ بل قد يجزم نحو عشرة من المصنفين بشيء وهو شاذٌ بالنسبة إلى الراجح في المذهب،‏ ‏ومخالفٌ لما عليه الجمهور،‏ وربما خالف نصَّ الشافعي أو نصوصاً له،‏ وسترى في هذا الشرح إن شاء الله تعالى أمثلة ذلك،‏ وأرجو إن تم هذا ‏الكتاب أنه يستغنى به عن كل مصنّف ويعلم به مذهب الشافعي علماً قطعياً إن شاء الله تعالى.‏ ‏
الثامنة: إذا أفتى في حادثة ثم حدثت مثلها،‏ فإن ذكر الفتوى الأولى ودليلها بالنسبة إلى أصل الشرع إن كان مستقلاً،‏ أو إلى مذهبه إن كان ‏منتسباً،‏ أفتى بذلك بلا نظر،‏ وإن ذكرها ولم يذكر دليلها ولا طرأ ما يوجب رجوعه،‏ فقيل:‏ له أن يفتي بذلك،‏ والأصح وجوب تجديد النظر.‏
ومثله القاضي إذا حكم بالاجتهاد ثم وقعت المسألة،‏ وكذا تجديد الطلب في التيمم،‏ والاجتهاد في القبلة،‏ وفيهما الوجهان.‏ ‏
قال القاضي أبو الطيب في تعليقه في آخر باب استقبال القبلة:‏ وكذا العامي إذا وقعت له مسألة فسأل عنها ثم وقعت له فليلزمه السؤال ثانياً ‏يعني على الأصح قال:‏ إلا أن تكون مسألة يكثر وقوعها ويشق عليه إعادة السؤال عنها،‏ فلا يلزمه ذلك،‏ ويكفيه السؤال الأول للمشقة.‏ ‏
التاسعة: ينبغي أن لا يقتصر في فتواه على قوله:‏ في المسألة خلاف،‏ أو قولان،‏ أو وجهان،‏ أو روايتان،‏ أو يرجع إلى رأي القاضي،‏ ونحو ذلك،‏ ‏فهذا ليس بجواب،‏ ومقصود المستفتي بيان ما يعمل به،‏ فينبغي أن يجزم له بما هو الراجح،‏ فإن لم يعرفه توقَّف حتى يظهر،‏ أو يترك الإفتاء ‏كما كان جماعة من كبار أصحابنا يمتنعون من الإفتاء في حنث الناسي.‏ ‏


أحمد سعد الدين
21-12-2004, 10:32 PM
فصل
في آداب الفتوى


فيه مسائل إحداها‏:‏ يلزم المفتي أن يبين الجواب بياناً يزيل الإشكال،‏ ثم له الاقتصار على الجواب شفاهاً.‏ فإن لم يعرف لسان المستفتي كفاه ‏ترجمة ثقة واحد‏;‏ لأنه خبر،‏ وله الجواب كتابةً،‏ وإن كانت الكتابة على خطر.‏ ‏
وكان القاضي أبو حامد كثير الهرب من الفتوى في الرِّقاع.‏ ‏
قال الصيمري: وليس من الأدب كون السؤال بخط المفتي،‏ فأما بإملائه وتهذيبه فواسع،‏ وكان الشيخ أبو إسحاق الشيرازي قد يكتب السؤال ‏على ورق له،‏ ثم يكتب الجواب.‏ وإذا كان في الرقعة مسائل فالأحسن ترتيب الجواب على ترتيب السؤال،‏ ولو ترك الترتيب فلا بأس،‏ ويشبه ‏معنى قول الله تعالى:‏ ‏(يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت)، وإذا كان في المسألة تفصيل لم يطلق الجواب فإنه خطأ.‏ ‏
ثم له أن يستفصل السائل إن حضر،‏ ويقيد السؤال في رقعة أخرى ثم يجيب،‏ وهذا أولى وأسلم، ‏وله أن يقتصر على جواب أحد الأقسام إذا علم ‏أنه الواقع للسائل،‏ ويقول:‏ هذا إذا كان الأمر كذا،‏ وله أن يفصِّل الأقسام في جوابه،‏ ويذكر حكمَ كلِّ قسم.‏ ‏
لكن هذا كرهه أبو الحسن القابسي من أئمة المالكية وغيره.‏ وقالوا:‏ هذا تعليم الناس الفجور.‏
وإذا لم يجد المفتي من يسأله فصَّل الأقسام واجتهد في بيانها واستيفائها.‏ ‏
الثانية:‏ ليس له أن يكتب الجواب على ما علمه من صورة الواقعة إذا لم يكن في الرقعة تعرّض له،‏ بل يكتب جواب ما في الرقعة، فإن أراد ‏جواب ما ليس فيها فليقل:‏ وإن كان الأمر كذا وكذا،‏ فجوابه كذا.‏ ‏
واستحب العلماء أن يزيد على ما في الرقعة ما له تعلُّق بها.‏ مما يحتاج إليه السائل لحديث:‏ ‏(هو الطهور ماؤه الحل ميتته).‏
الثالثة:‏ إذا كان المستفتي بعيد الفهم فليرفقْ به،‏ ويصبر على تفهم سؤاله،‏ وتفهيم جوابه،‏ فإن ثوابه جزيل.‏ ‏
الرابعة‏:‏ ليتأمل الرقعة تأملاً شافياً،‏ وآخرُها آكد،‏ فإن السؤال في آخرها،‏ وقد يتقيد الجميع بكلمة في آخرها ويغفل عنها.‏
قال الصيمري:‏ قال بعض العلماء:‏ ينبغي أن يكون توقفه في المسألة السهلة كالصعبة ليعتاده،‏ وكان محمد بن الحسن يفعله.‏
وإذا وجد كلمة مشتبهة سأل المستفتي عنها ونقَّطها وشكلها،‏ وكذا إن وجد لحناً فاحشاً أو خطأ يحيل المعنى أصلحه،‏ وإن رأى بياضاً في أثناء ‏سطر أو آخره خط عليه أو شغله‏;‏ لأنَّه ربما قَصَد المفتى بالإيذاء،‏ فكتب في البياض بعد فتواه ما يفسدها،‏ كما بلي به القاضي أبو حامد ‏المروروذي.‏ ‏
الخامسة:‏ يستحب أن يقرأها على حاضريه ممّن‏ هو أهل لذلك،‏ ويشاورهم ويباحثهم برفق وإنصاف،‏ وإن كانوا دونه وتلامذته؛ للاقتداء ‏بالسلف،‏ ورجاء ظهور ما قد يخفى عليه، إلا أن يكون فيها ما يقبح إبداؤه،‏ أو يؤثر السائل كتمانه،‏ أو في إشاعته مفسدة.‏ ‏
السادسة:‏ ليكتب الجواب بخط واضحٍ وسط،‏ لا دقيق خاف،‏ ولا غليظ جاف،‏ ويتوسط في سطورها بين توسيعها وتضييقها،‏ وتكون عبارة ‏واضحة صحيحة تفهمها العامة ولا يزدريها الخاصة.‏
واستحب بعضهم أن لا تختلف أقلامه وخطه ‏;‏ خوفاً من التزوير ‏;‏ ولئلا يشتبه خطه،‏ قال الصيمري:‏ قل ما وجد التزوير على المفتي ‏;‏ لأن الله ‏تعالى حَرَسَ أمر الدين.‏
وإذا كتب الجواب أعاد نظره فيه‏;‏ خوفاً من اختلال وقع فيه،‏ أو إخلال ببعض المسؤول عنه.‏
السابعة:إذا كان هو المبتدي فالعادة قديماً وحديثاً أن يكتب في الناحية اليسرى من الورقة.‏ ‏
قال الصيمري وغيره:‏ وإن كتب من وسط الرقعة أو حاشيتها فلا عتب عليه،‏ ولا يكتب فوق البسملة بحال،‏ وينبغي أن يدعو إذا أراد الإفتاء.‏
‏وجاء عن مكحول ومالك -رحمهما الله‏-‏ أنهما كانا لا يفتيان حتى يقولا:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله.‏
ويستحب الاستعاذة من الشيطان،‏ ويسمي الله تعالى ويحمده،‏ ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل:‏ ‏(رب اشرح لي صدري)‏ الآية ‏ونحو ذلك.‏
قال الصيمري:‏ وعادة كثيرين أن يبدءوا فتاويهم:‏ (الجواب وبالله التوفيق)، وحذف آخرون ذلك،‏ قال:‏ ولو عمل ذلك فيما طال من المسائل ‏واشتمل على فصول،‏ وحذف في غيره،‏ كان وجهاً.‏
قلتُ:‏ المختار قول ذلك مطلقاً،‏ وأحسنه الابتداء بقول:‏ (الحمد لله)،‏ لحديث:‏ ‏(كُلُّ أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أجذم)، وينبغي أن يقوله ‏بلسانه ويكتبه،‏ قال الصيمري:‏ ولا يدع ختم جوابه بقوله:‏ (وبالله التوفيق)،‏ أو:‏ (والله أعلم)،‏ أو:‏ (والله الموفق)،‏ قال:‏ ولا يقبح قوله:‏ (الجواب ‏عندنا)،‏ أو:‏ (الذي عندنا)،‏ أو:‏ (الذي نقول به)،‏ أو:‏ (نذهب إليه)،‏ أو:‏ (نراه كذا)،‏ لأنه من أهل ذلك،‏ قال:‏ وإذا أغفل السائل الدعاء للمفتي أو ‏الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الفتوى ألحق المفتي ذلك بخطه،‏ فإن العادة جارية به.‏ ‏
‏قلتُ:‏ وإذا ختم الجواب بقوله:‏ (والله أعلم) ونحوه مما سبق فليكتب بعده:‏ كتبه فلان،‏ أو:‏ فلان بن فلان الفلاني،‏ فينتسب إلى ما يعرف به من ‏قبيلة أو بلدة أو صفة،‏ ثم يقول:‏ الشافعي،‏ أو:‏ الحنفي مثلاً،‏ فإن كان مشهوراً بالاسم أو غيره فلا بأس بالاقتصار عليه.‏
قال الصيمري:‏ ورأى بعضهم أن يكتب المفتي بالمداد دون الحبر خوفاً من الحك،‏ قال:‏ والمستحب الحبر لا غير.‏ ‏
‏قلتُ:‏ لا يختص واحد منهما هنا بالاستحباب،‏ بخلاف كتب العلم،‏ فالمستحب فيها الحبر‏;‏ لأنها ترادُ للبقاء،‏ والحبر أبقى.‏
قال الصيمري: وينبغي إذا تعلقت الفتوى بالسلطان أن يدعو له فيقول:‏ (وعلى ولي الأمر أو السلطان أصلحه الله أو سدده الله أو قوى الله عزمه ‏أو أصلح الله به،‏ أو شد الله أزره)،‏ ولا يقل:‏ (أطال الله بقاءه)، فليست من ألفاظ السلف.‏
قلتُ:‏ نقل أبو جعفر النَّحَّاس وغيره اتفاق العلماء على كراهة قول:‏ (أطال الله بقاءك)، وقال بعضهم:‏ هي تحية الزنادقة،‏ وفي صحيح مسلم في ‏حديث أم حبيبة رضي الله عنها إشارة إلى أن الأولى ترك نحو هذا من الدعاء بطول البقاء وأشباهه.‏ ‏
الثامنة:‏ ليختصر جوابه ويكون بحيث تفهمه العامة.‏
قال صاحب الحاوي:‏ يقول:‏ يجوز،‏ أو لا يجوز،‏ أو حق،‏ أو باطل.‏
وحكى شيخه الصيمري عن شيخه القاضي أبي حامد أنه كان يختصر غاية ما يمكنه، واستفتي في مسألة آخرها:‏ يجوز أم لا ‏؟‏ فكتب:‏ (لا،‏ وبالله ‏التوفيق).‏
التاسعة:‏ قال الصيمري والخطيب:‏ إذا سئل عمن قال:‏ (أنا أصدق من محمد بن عبد الله)،‏ أو (الصلاة لعب)،‏ وشبه ذلك،‏ فلا يبادر بقوله:‏ هذا ‏حلال الدم أو:‏ عليه القتل،‏ بل يقول:‏ إن صح هذا بإقراره،‏ أو بالبينة،‏ استتابه السلطان،‏ فإن تاب قبلت توبته،‏ وإن لم يتب فعل به كذا وكذا،‏ وبالغ ‏في ذلك وأشبعه.‏ ‏
قال:‏ وإن سئل عمَّن تكلم بشيء،‏ يحتمل وجوهاً يكفر ببعضها دون بعض قال:‏ يسأل هذا القائل.‏ فإن قال:‏ أردت كذا،‏ فالجواب كذا.‏ ‏
وإن سئل عمن قتل أو قلع عيناً أو غيرها احتاط،‏ فذكر الشروط التي يجب بجميعها القصاص.‏
وإن سئل عمن فعل ما يوجب التعزير،‏ ذكر ما يعزر به فيقول:‏ يضربه السلطان كذا وكذا،‏ ولا يزاد على كذا،‏ هذا كلام الصيمري والخطيب ‏وغيرهما.‏ ‏
قال أبو عمرو:‏ ولو كتب:‏ عليه القصاص،‏ أو التعزير بشرطه، فليس ذلك بإطلاق،‏ بل تقييده بشرطه يحمل الوالي على السؤال عن شرطه ‏والبيان أولى.‏ ‏
‏‏العاشرة:‏ ينبغي إذا ضاق موضع الجواب أن لا يكتبه في رقعة أخرى خوفاً من الحيلة،‏ ولهذا قالوا:‏ يصل جوابه بآخر سطر،‏ ولا يدع فرجة‏;‏ لئلا ‏يزيد السائل شيئاً يفسدها،‏ وإذا كان موضع الجواب ورقة ملصقة كتب على الإلصاق،‏ ولو ضاق باطن الرقعة وكتب الجواب في ظهرها كتبه في ‏أعلاها إلا أن يبتدئ من أسفلها متصلاً بالاستفتاء فيضيق الموضع فيتمه في أسفل ظهرها ليتصل جوابه،‏ واختار بعضهم أن يكتب على ظهرها ‏لا على حاشيتها،‏ والمختار عند الصيمري وغيره أن حاشيتها أولى من ظهرها،‏ قال الصيمري وغيره:‏ والأمر في ذلك قريب.‏ ‏
الحادية عشرة: إذا ظهر للمفتي أن الجواب خلاف غرض المستفتي وأنه لا يرضى بكتابته في ورقته فليقتصر على مشافهته بالجواب،‏ وليحذر ‏أن يميل في فتواه مع المستفتي أو خصمه،‏ ووجوه الميل كثيرة لا تخفى،‏ منها أن يكتب في جوابه ما هو له ويترك ما عليه،‏ وليس له أن يبدأ ‏في سائل الدعوى والبينات بوجوه المخالص منها.‏
وإذا سأله أحدهم وقال:‏ أي شيء تندفع دعوى كذا وكذا ‏؟‏ أو بينة كذا ‏؟‏ لم يجبه كي لا يتوصل بذلك إلى إبطال حق،‏ وله أن يسأله عن حاله فيما ‏ادعى عليه،‏ فإذا شرحه عرفه بما فيه من دافع وغير دافع.‏ ‏
قال الصيمري:‏ وينبغي للمفتي إذا رأى للسائل طريقاً يرشده إليه ينبهه عليه،‏ يعني ما لم يضر غيره ضرراً بغير حق،‏ قال:‏ كمن حَلَفَ ينفق على ‏زوجته شهراً،‏ يقول:‏ يعطيها من صداقها أو قرضاً أو بيعاً يبريها،‏ وكما حكي أن رجلاً قال لأبي حنيفة ‏-‏رحمه الله‏-‏:‏ حلفتُ أني أطأ امرأتي في ‏نهار رمضان ولا أكفر ولا أعصي،‏ فقال:‏ سافر بها.‏ ‏
‏الثانية عشرة:‏ قال الصيمري إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي لعامي بما فيه تغليظٌ وهو مما لا يعتقد ظاهره،‏ وله فيه تأويل،‏ جاز ذلك زجراً ‏له،‏ كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن توبة قاتل فقال:‏ ‏(‏لا توبة له‏)‏ وسأله آخر فقال:‏ (له توبة‏)‏ ثم قال:‏ ‏"‏أما الأول فرأيت ‏في عينه إرادة القتل فمنعته،‏ وأما الثاني فجاء مستكيناً قد ضلَّ فلم أقنطه ‏"‏.‏
قال الصيمري: وكذا إن سأله رجل فقال:‏ إن قتلتُ عبدي علي قصاص؟‏ فواسع أن يقول:‏ إن قتلت عبدك قتلناك،‏ فقد روي عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم:‏ ‏"من قتل عبده قتلناه"،‏ ولأن القتل له معان:‏ ولو سئل عن سب الصحابي هل يوجب القتل ‏؟‏ فواسع أن يقول:‏ عن رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم أنه قال:‏ ‏"مَن سب أصحابي فاقتلوه"،‏ فيفعل كل هذا‏;‏ زجراً للعامة،‏ ومن قَلَّ دينه ومروءته.‏ ‏
الثالثة عشرة‏:‏ يجب على المفتي عند اجتماع الرِّقاع بحضرته أن يقدم الأسبق فالأسبق،‏ كما يفعله القاضي في الخصوم،‏ وهذا فيما يجب فيه ‏الإفتاء،‏ فإن تساووا أو جهل السابق قدم بالقرعة.‏
والصحيح أنه يجوز تقديم المرأة والمسافر الذي شدَّ رحله،‏ وفي تأخيره ضرر بتخلفه عن رفقته ونحو ذلك على من سبقهما، إلا إذا كثر ‏المسافرون والنساء،‏ بحيث يلحق غيرهم بتقديمهم ضررٌ كثير فيعود بالتقديم بالسبق أو القرعة.‏ ثم لا يقدم أحداً إلا في فتيا واحدة.‏ ‏
الرابعة عشرة‏:‏ قال الصيمري وأبو عمرو:‏ إذا سئل عن ميراثٍ فليست العادة أن يشترط في الورثة عدم الرق والكفر والقتل،‏ وغيرها من موانع ‏الميراث،‏ بل المطلق محمول على ذلك بخلاف ما إذا أطلق الإخوة والأخوات والأعمام وبنيهم،‏ فلا بد أن يقول في الجواب:‏ من أب وأم،‏ أو من ‏أب،‏ أو من أم،‏ وإذا سئل عن مسألة عول كالمنبرية،‏ وهي زوجة وأبوان وبنتان فلا يقل:‏ للزوجة الثمن،‏ ولا التسع;‏ لأنه لم يطلقه أحدٌ من ‏السلف،‏ بل يقول:‏ لها الثمن عائلاً،‏ وهي ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين،‏ أو لها ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين،‏ أو يقول:‏ ما قاله أمير ‏المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:‏ صار ثمنها تسعاً.‏
وإذا كان في المذكورين في رقعة الاستفتاء مَنْ لا يرث أفصح بسقوطه فقال:‏ وسقط فلان،‏ وإن كان سقوطه في حال دون حال قال:‏ وسقط فلان ‏في هذه الصورة أو نحو ذلك ‏;‏ لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال.‏ ‏
وإذا سئل عن إخوة وأخوات،‏ أو بنين وبنات،‏ فلا ينبغي أن يقول:‏ للذكر مثل حظ الأنثيين،‏ فإن ذلك قد يشكل على العامي،‏ بل يقول:‏ يقتسمون ‏التركة على كذا وكذا سهماً،‏ لكل ذَكَرٍ كذا وكذا سهماً،‏ ولكل أنثى كذا وكذا سهماً.‏
قال الصيمري:‏ قال الشيخ:‏ ونحن نجد في تعمد العدول عنه حزازة في النفس،‏ لكونه لفظ القرآن العزيز،‏ وأنه قلَّما يخفى معناه على أحد.‏ ‏
‏وينبغي أن يكون في جواب مسائل المناسخات شديد التحرز والتحفظ،‏ وليقل فيها لفلان كذا وكذا ميراثه من أبيه،‏ ثم من أخيه.‏ ‏
قال الصيمري:‏ وكان بعضهم يختار أن يقول: لفلان كذا وكذا سهماً،‏ ميراثه عن أبيه كذا،‏ وعن أمه كذا، قال:‏ وكل هذا قريب.‏
قال الصيمري وغيره:‏ وحسن أن يقول:‏ تقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية إن كانا.‏ ‏
الخامسة عشرة:‏ إذا رأى المفتي رقعة الاستفتاء وفيها خط غيره،‏ ممن هو أهلٌ للفتوى،‏ وخطُّه فيها موافق لما عنده،‏ قال الخطيب وغيره:‏ كتب ‏تحت خطه:‏ (هذا جواب صحيح،‏ وبه أقول).‏ أو كتب:‏ (جوابي مثل هذا).‏ وإن شاء ذكر الحكم بعبارة ألخص من عبارة الذي كتب.‏
وأما إذا رأى فيها خط من ليس أهلاً للفتوى،‏ فقال الصيمري:‏ لا يفتي معه‏;‏ لأن ذلك تقريراً منه لمنكرٍ،‏ بل يَضْرِب على ذلك بأمر صاحب الرقعة،‏ ‏ولو لم يستأذنه في هذا القدر جاز،‏ لكن ليس له احتباس الرقعة إلا بإذن صاحبها.‏
قال:‏ وله انتهار السائل وزجره،‏ وتعريفه قبح ما أتاه،‏ وأنه كان واجباً عليه البحث عن أهل للفتوى،‏ وطلب من هو أهل لذلك.‏
وإن رأى فيها اسم من لا يعرفه سأل عنه،‏ فإن لم يعرفه فواسع أن يمتنع من الفتوى معه،‏ خوفاً مما قلناه.‏ ‏
قال:‏ وكان بعضهم في مثل هذا يكتب على ظهرها.‏
قال:‏ والأولى في هذا الموضع أن يشار على صاحبها بإبدالها،‏ فإن أبى ذلك أجابه شفاها.‏ ‏
قال أبو عمرو:‏ وإذا خاف فتنةً من الضرب على فتيا العادم للأهلية،‏ لم تكن خطأ،‏ عدلَ إلى الامتناع من الفتيا معه،‏ فإن غلبت فتاويه لتغلبه في ‏منصبها بجاه أو تلبيس أو غير ذلك،‏ بحيث صار امتناع الأهل من فتيا معه ضاراً بالمستفتين،‏ فليفت معه،‏ فإن ذلك أهون الضررين،‏ وليتلطف ‏مع ذلك في إظهار قصوره لمن يجهله.‏ ‏
أما إذا وجد فتيا من هو أهل وهي خطأ مطلقاً بمخالفتها القاطع،‏ أو خطأ على مذهب من يفتي ذلك خطئ على مذهبه قطعاً فلا يجوز له الامتناع ‏من الإفتاء،‏ تاركاً للتنبيه في خطئها إذا لم يكفه ذلك غيره،‏ بل عليه الضرب عليها عند تيسره،‏ أو إبدال وتقطيع الرقعة بإذن صاحبها،‏ أو نحو ‏ذلك وما يقوم مقامه وكتب صواب جوابه عند ذلك الخطأ.‏
ثم إن كان المخطئ أهلاً للفتوى فحسن أن تعاد إليه بإذن صاحبها، أما إذا وجد فيها فتيا أهل للفتوى،‏ وهي على خلاف ما يراه هو،‏ غير أنه لا ‏يقطع بخطئها،‏ فليقتصر على كتب جواب نفسه،‏ لا يتعرض لفتيا غيره بتخطئة‏ ولا اعتراض.‏
قال صاحب الحاوي:‏ لا يسوغ إذا استفتي أن يتعرض لجواب غيره بردٍّ ولا تخطئة،‏ ويجيب بما عنده موافقة أو مخالفة.‏ ‏
السادسة عشرة‏:‏ إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلاً ولم يحضر صاحب الواقعة فقال الصيمري يكتب: (يزاد في الشرح ليجيب عنه)،‏ أو (لم أفهم ‏ما فيها فأجيب).‏
قال:‏ وقال بعضهم:‏ لا يكتب شيئاً أصلاً.‏
قال:‏ رأيتُ بعضهم كتب في هذا:‏ يحضر السائل لنخاطبه شفاهاً.‏ ‏
وقال الخطيب:‏ ينبغي له إذا لم يفهم الجواب أن يرشد المستفتي إلى مُفتٍ آخر إن كان، وإلا فليمسك حتى يعلم الجواب.‏
قال الصيمري:‏ وإذا كان في رقعة استفتاء مسائل فُهِمَ بعضها دون بعض،‏ أو فهمها كلها ولم يرد الجواب في بعضها،‏ أو احتاج في بعضها إلى ‏تأمل أو مطالعة، أجاب عمَّا أراد وسكت عن الباقي،‏ وقال:‏ (لنا في الباقي نظر أو تأمل أو زيادة نظر).‏ ‏
السابعة عشرة‏:‏ ليس بمنكَر أن يذكر المفتي في فتواه الحجة إذا كانت نصاً واضحاً مختصراً.‏
قال الصيمري:‏ لا يذكر الحجة إن أفتى عامياً،‏ ويذكرها إن أفتى فقيهاً،‏ كمن يسأل عن النكاح بلا ولي فحسن أن يقول:‏ قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم:‏ (لا نكاح إلا بولي)،‏ أو عن رجعة المطلقة بعد الدخول فيقول:‏ له رجعتها قال الله تعالى:‏ (وبعولتهن أحق بردهن).‏
قال: ولم تجر العادة أن يذكر في فتواه طريق الاجتهاد،‏ ووجه القياس والاستدلال،‏ إلا أن تتعلق الفتوى بقضاء قاضٍ فيومئ فيها إلى طريق ‏الاجتهاد،‏ ويلوح بالنكتة، وكذا إذا أفتى غيره فيها بغلطٍ فيفعل ذلك لينبه على ما ذهب إليه،‏ ولو كان فيما يفتي به غُموضٌ فحسن أن يلوح ‏بحجته.‏ ‏
وقال صاحب الحاوي:‏ لا يذكر حجة ليفرق بين الفتيا والتصنيف.‏ ‏
قال:‏ ولو ساغ التجاوز إلى قليلٍ لساغ إلى كثير،‏ ولصار المفتي مدرساً.‏
والتفصيل الذي ذكرناه أولى من إطلاق صاحب الحاوي المنع.‏ ‏
وقد يحتاج المفتي في بعض الوقائع إلى أن يشدد ويبالغ فيقول:‏ (وهذا إجماع المسلمين)،‏ أو:‏ (لا أعلم في هذا خلافاً)،‏ أو:‏ (فمن خالف هذا فقد ‏خالف الواجب وعدل عن الصواب)،‏ أو:‏ (فقد أثم وفسق)،‏ أو:‏ (وعلى ولي الأمر أن يأخذ بهذا ولا يهمل الأمر)،‏ وما أشبه هذه الألفاظ على ‏حسب ما تقتضيه المصلحة وتوجيه الحال.‏ ‏
الثامنة عشرة:‏ قال الشيخ أبو عمرو ‏-رحمه الله‏-‏:‏ ليس له إذا استفتي في شيء من المسائل الكلامية أن يفتي بالتفصيل،‏ بل يمنع مستفتيه ‏وسائر العامة من الخوض في ذلك أو في شيء منه وإن قلَّ،‏ ويأمرهم بأن يقتصروا فيها على الإيمان جملة من غير تفصيل،‏ ويقولوا فيها وفي ‏كل ما ورد من آيات الصفات وأخبارها المتشابهة:‏ إن الثابت فيها في نفس الأمر ما هو اللائق فيها بجلال الله ‏-‏تبارك وتعالى‏-‏،‏ وكماله وتقديسه ‏المطلق،‏ فيقول معتقدنا فيها،‏ وليس علينا تفصيله وتعيينه،‏ وليس البحث عنه من شأننا،‏ بل نكل علم تفصيله إلى الله ‏-‏تبارك وتعالى‏-‏ ونصرف ‏عن الخوض فيه قلوبنا وألسنتنا،‏ فهذا ونحوه هو الصواب من أئمة الفتوى في ذلك،‏ وهو سبيل سلف الأمة،‏ وأئمة المذاهب المعتبرة،‏ وأكابر ‏العلماء والصالحين وهو أصون وأسلم للعامة وأشباههم.‏
ومن كان منهم اعتقد اعتقاداً باطلاً تفصيلاً،‏ ففي هذا صرف له عن ذلك الاعتقاد الباطل بما هو أهون وأيسر وأسلم،‏ وإذا عزر ولي الأمر من ‏حاد منهم عن هذه الطريقة،‏ فقد تأسى بعمر بن الخطاب رضي الله عنه في تعزير‏ صبيح -بفتح الصاد المهملة- الذي كان يسأل عن المتشابهات ‏على ذلك.‏ ‏
قال:‏ والمتكلمون من أصحابنا معترفون بصحة هذه الطريقة،‏ وبأنها أسلم لمن سلمت له،‏ وكان الغزالي منهم في آخر أمره شديد المبالغة في ‏الدعاء إليها والبرهنة عليها،‏ وذكر شيخه إمام الحرمين في كتابه الغياثي أن الإمام يحرص ما أمكنه على جمع الخلق على سلوك سبيل السلف ‏في ذلك.‏ ‏
واستفتي الغزالي في كلام الله ‏-‏ تبارك وتعالى ‏-‏ فكان من جوابه:‏ وأما الخوض في أن كلامه تعالى حرف وصوت أو ليس كذلك فهو بدعة،‏ وكل ‏من يدعو العوام إلى الخوض في هذا فليس من أئمة الدين،‏ وإنما هو من المضلين،‏ ومثاله من يدعو الصبيان الذين لا يحسنون السباحة إلى ‏خوض البحر،‏ ومن يدعو الزِّمِن المقعَد إلى السفر في البراري من غير مركوب.‏ ‏
وفي رسالة له:‏ الصواب للخلق كلهم إلا الشاذ النادر،‏ الذي لا تسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنين، سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل،‏ ‏والتصديق المجمل،‏ بكل ما أنـزله الله تعالى،‏ وأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير بحث وتفتيش،‏ والاشتغال بالتقوى ففيه شغل ‏شاغل.‏ ‏
‏وقال الصيمري في كتابه أدب المفتي والمستفتي:‏ إن مما أجمع عليه أهل الفتوى أن من كان موسوماً بالفتوى في الفقه لم ينبغ -‏وفي نسخة: لم ‏يجز- له أن يضع خطه بفتوى في مسألة من علم الكلام.‏
قال:‏ وكان بعضهم لا يستتم قراءة مثل هذه الرقعة.‏
قال:‏ وكره بعضهم أن يكتب:‏ ليس هذا من علمنا،‏ أو ما جلسنا لهذا،‏ والسؤال عن غير هذا أولى،‏ بل لا يتعرض لشيء من ذلك.‏ ‏
وحكى الإمام الحافظ الفقيه أبو عمرو بن عبد البر الامتناع من الكلام في كل ذلك عن الفقهاء والعلماء قديماً وحديثاً من أهل الحديث والفتوى،‏ ‏قال:‏ وإنما خالف ذلك أهل البدع.‏
قال الشيخ:‏ فإن كانت المسألة مما يؤمن في تفصيل جوابها من ضرر الخوض المذكور جاز الجواب تفصيلاً،‏ وذلك بأن يكون جوابها مختصراً ‏مفهوماً،‏ ليس لها أطراف يتجاذبها المتنازعون،‏ والسؤال عنه صادر عن مسترشد خاص منقاد،‏ أو من عامة قليلة التنازع والمماراة،‏ والمفتي ‏ممن ينقادون لفتواه ونحو هذا،‏ وعلى هذا ونحوه يحمل ما جاء عن بعض السلف من بغض الفتوى في بعض المسائل الكلامية،‏ وذلك منهم قليل ‏نادر والله أعلم.‏ ‏
التاسعة عشرة‏:‏ قال الصيمري والخطيب ‏-‏رحمهما الله‏-‏:‏ وإذا سأل فقيه عن مسألةٍ من تفسير القرآن العزيز فإذا كانت تتعلق بالأحكام أجاب عنها ‏وكتب خطه بذلك،‏ كمن سأل عن الصلاة الوسطى،‏ والقرء،‏ ومن بيده عقدة النكاح،‏ وإن كانت ليست من مسائل الأحكام،‏ كالسؤال:‏ عن الرقيم ‏والنقير والقطمير والغسلين،‏ رده إلى أهله،‏ ووكله إلى من نصب نفسه له من أهل التفسير،‏ ولو أجابه شفاها لم يستقبح،‏ هذا كلام الصيمري ‏والخطيب.‏
ولو قيل:‏ إنه يحسن كتابته للفقيه العارف به،‏ لكان حسناً،‏ وأي فرق بينه وبين مسائل الأحكام ‏؟‏ والله أعلم‏.‏

أحمد سعد الدين
21-12-2004, 10:33 PM
فصل ‏
في آداب المستفتي وصفته وأحكامه

فيه مسائل‏:‏ ‏
إحداها في صفة المستفتي:‏ كل من لم يبلغ درجة المفتي فهو فيما يسأل عنه من الأحكام الشرعية مُستفتٍ مقلِّد من يفتيه.‏
والمختار في التقليد أنه قبول قولِ من يجوز عليه الإصرار على الخطأ بغير حجّة على عين ما قبل قوله فيه،‏ ويجب عليه الاستفتاء إذا نـزلت به ‏حادثة،‏ يجب عليه علم حكمها،‏ فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه،‏ وإن بعدت داره،‏ وقد رحل خلائق من السلف في ‏المسألة الواحدة الليالي والأيام.‏
الثانية:يجب عليه قطعاً البحث الذي يعرف به أهلية من يستفتيه للإفتاء إذا لم يكن عارفاً بأهليته.‏ ‏
فلا يجوز له استفتاء من انتسب إلى العلم،‏ وانتصب للتدريس والإقراء وغير ذلك من مناصب العلماء،‏ بمجرد انتسابه وانتصابه لذلك.‏ ‏
ويجوز استفتاء من استفاض كونه أهلاً للفتوى.‏ ‏
وقال بعض أصحابنا المتأخرين:‏ إنما يعتمد قوله:‏ أنا أهل للفتوى لا شهرته بذلك،‏ ولا يكتفي بالاستفاضة ولا بالتواتر‏;‏ لأن الاستفاضة والشهرة ‏بين العامة لا يوثق بها،‏ وقد يكون أصلها التلبيس،‏ وأما التواتر فلا يفيد العلم إذا لم يستند إلى معلوم محسوس.‏ ‏
‏والصحيح هو الأول ;‏ لأن إقدامه عليها إخبارٌ منه بأهليته،‏ فإن الصورة مفروضة فيمن وثق بديانته،‏ ويجوز استفتاء من أخبر المشهور ‏المذكور بأهليته.‏
قال الشيخ أبو إسحاق المصنف ‏-‏رحمه الله‏-‏ وغيره:‏ يقبل في أهليته خبر العدل الواحد.‏ ‏
قال أبو عمرو:‏ وينبغي أن نشترط في المخبر أن يكون عنده من العلم والبصر ما يميز به الملتبس من غيره،‏ ولا يعتمد في ذلك‏ على خبر آحاد ‏العامة،‏ لكثرة ما يتطرق إليهم من التلبيس في ذلك.‏
وإذا اجتمع اثنان فأكثر ممن يجوز استفتاؤهم فهل يجب عليه الاجتهاد في أعلمهم ‏؟‏ والبحث عن الأعلم والأورع والأوثق ليقلده دون غيره فيه ‏وجهان:‏
أحدهما:‏ لا يجب،‏ بل له استفتاء من شاء منهم ‏;‏ لأن الجميع أهل،‏ وقد أسقطنا الاجتهاد عن العامي،‏ وهذا الوجه هو الصحيح عند أصحابنا ‏العراقيين،‏ قالوا:‏ وهو قول أكثر أصحابنا.‏ ‏
والثاني‏:‏ يجب ذلك;‏ لأنه يمكنه هذا القدر من الاجتهاد بالبحث والسؤال،‏ وشواهد الأحوال.‏ وهذا الوجه قول أبي العباس بن سريج‏،‏ واختيار ‏القفال المروزي،‏ وهو الصحيح عند القاضي حسين، والأول أظهر، وهو الظاهر من حال الأولين.‏ ‏
قال أبو عمرو ‏-رحمه الله‏-‏،‏ لكن متى اطلع على الأوثق،‏ فالأظهر أنه يلزمه تقليده،‏ كما يجب تقديم أرجح الدليلين،‏ وأوثق الروايتين،‏ فعلى هذا ‏يلزمه تقليد الأورع من العالمين،‏ والأعلم من الورعين،‏ فإن كان أحدهما أعلم،‏ والآخر أورع،‏ قلد الأعلم على الأصح.‏
وفي جواز تقليد الميت وجهان:‏ الصحيح:‏ جوازه‏;‏ لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها،‏ ولهذا يعتد بها بعدهم في الإجماع والخلاف،‏ ولأن ‏موت الشاهد قبل الحكم لا يمنع الحكم بشهادته بخلاف فسقه.‏ والثاني:‏ لا يجوز لفوات أهليته كالفاسق،‏ وهذا ضعيف لا سيما في هذه الأعصار.‏
الثالثة:‏ هل يجوز للعامي أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء قال الشيخ:‏ ينظر:‏ إن كان منتسباً إلى مذهب بنيناه على وجهين حكاهما القاضي حسين ‏في أن العامي هل له مذهب أم لا ‏؟‏ أحدهما لا مذهب له‏;‏ لأن المذهب لعارف الأدلة فعلى هذا له أن يستفتي من شاء من حنفي وشافعي ‏وغيرهما.‏
والثاني وهو الأصح عند القفَّال له مذهب فلا يجوز له مخالفته.‏ ‏
وقد ذكرنا في‏ المفتي المنتسب ما يجوز له أن يخالف إمامه فيه،‏ وإن لم يكن منتسباً بني على وجهين حكاهما ابن برهان في أن العامي:‏ هل ‏يلزمه أن يتمذهب بمذهب معين ‏؟‏ يأخذ برخصه وعزائمه ‏؟‏ أحدهما‏ لا يلزمه كما لم يلزمه في العصر الأول أن يخص بتقليده عالماً بعينه،‏ فعلى ‏هذا هل له أن يستفتي من شاء ‏؟‏ أم يجب عليه البحث عن أشد المذاهب وأصحها أصلاً ليقلد أهله ‏؟‏ فيه وجهان مذكوران كالوجهين السابقين في ‏البحث عن الأعلم والأوثق من المفتين.‏ والثاني‏:‏ يلزمه وبه قطع أبو الحسن إلكيا،‏ وهو جارٍ في كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء ‏وأصحاب سائر العلوم.‏
ووجهه أنه لو جاز اتباع أي مذهب شاء لأفضى إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعاً هواه،‏ ويتخير بين التحليل والتحريم والوجوب والجواز،‏ ‏وذلك يؤدي إلى انحلال ربقة التكليف بخلاف العصر الأول،‏ فإنه لم تكن المذاهب الوافية بأحكام الحوادث مهذّبة وعرفت،‏ فعلى هذا يلزمه أن ‏يجتهد في اختيار مذهب يقلده على التعيين،‏ ونحن نمهد له طريقاً يسلكه في اجتهاده سهلاً،‏ فنقول:‏ ‏
أولاً ليس له أن يتبع في ذلك مجرد التشهي،‏ والميل إلى ما وجد عليه آباءه،‏ وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة رضي الله عنهم ‏وغيرهم من الأولين،‏ وإن كانوا أعلم وأعلى درجة ممن بعدهم‏;‏ لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه،‏ فليس لأحد منهم مذهب ‏مهذب محرر مقرر،‏ وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناحلين لمذاهب الصحابة والتابعين،‏ القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها،‏ ‏الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها،‏ كمالك وأبي حنيفة وغيرهما.‏ ‏
ولما كان الشافعي قد تأخر عن هؤلاء الأئمة في العصر،‏ ونظر في مذاهبهم نحو نظرهم في مذاهب من قبلهم،‏ فسبرها وخبرها وانتقدها.‏ واختار ‏أرجحها،‏ ووجد من قبله قد كفاه مؤنة التصوير والتأصيل،‏ فتفرغ للاختيار والترجيح،‏ والتكميل والتنقيح،‏ مع معرفته،‏ وبراعته في العلوم.‏ ‏وترجحه في ذلك على من سبقه،‏ ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك.‏ كان مذهبه أولى المذاهب بالاتباع والتقليد،‏ وهذا مع ما فيه من ‏الإنصاف،‏ والسلامة من القدح في أحد الأئمة جلي واضح،‏ إذا تأمله العامي قاده إلى اختيار مذهب الشافعي،‏ والتمذهب به‏ ‏.‏ ‏
الرابعة‏:‏ إذا اختلف عليه فتوى مفتيين ففيه خمسة أوجه للأصحاب:‏ أحدها:‏ يأخذ بأغلظهما، والثاني:‏ بأخفهما،‏ والثالث:‏ يجتهد في الأولى فيأخذ ‏بفتوى الأعلم الأورع كما سبق إيضاحه واختاره السمعاني الكبير ونص الشافعي رضي الله عنه على مثله في القبلة،‏ والرابع:‏ يسأل مفتياً آخر ‏فيأخذ بفتوى من وافقه،‏ والخامس:‏ يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء، وهذا هو الأصح عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي المصنف،‏ وعند الخطيب ‏البغدادي،‏ ونقله المحاملي في أول المجموع عن أكثر أصحابنا واختاره صاحب الشامل فيما إذا تساوى المفتيان في نفسه.‏ ‏
وقال الشيخ أبو عمرو:‏ المختار أن عليه أن يبحث عن الأرجح فيعمل به فإنه حكم التعارض فيبحث عن الأوثق من المفتين فيعمل بفتواه،‏ وإن ‏لم يترجح عنده أحدهما استفتى آخر،‏ وعمل بفتوى من وافقه،‏ فإن تعذر ذلك وكان اختلافهما في التحريم والإباحة،‏ وقبل العمل،‏ اختار التحريم،‏ ‏فإنه أحوط،‏ وإن تساويا من كل وجه خيرناه بينهما،‏ وإن أبينا التخيير في غيره ‏;‏ لأنه ضرورة وفي صورة نادرة.‏ ‏
‏قال الشيخ:‏ ثم إنما نخاطب بما ذكرناه المفتين،‏ وأما العامي الذي وقع له فحكمه أن يسأل عن ذلك ذينك المفتيين أو مفتياً آخر وقد أرشدنا ‏المفتي إلى ما يجيبه به.‏
وهذا الذي اختاره الشيخ ليس بقوي بل الأظهر أحد الأوجه الثلاثة،‏ وهي:‏ الثالث والرابع،‏ والخامس،‏ والظاهر أن الخامس أظهرها‏;‏ لأنه ليس ‏من أهل الاجتهاد،‏ وإنما فرضه أن يقلد عالماً أهلاً لذلك،‏ وقد فعل ذلك بأخذه بقول من شاء منهما والفرق بينه وبين ما نص عليه في القبلة أن ‏أمارتها حسية فإدراك صوابها أقرب،‏ فيظهر التفاوت بين المجتهدين فيها،‏ والفتاوى أمارتها معنوية فلا يظهر كبير تفاوت بين المجتهدين والله ‏أعلم.‏ ‏
الخامسة: قال الخطيب البغدادي:‏ إذا لم يكن في الموضع الذي هو فيه إلا مفتٍ واحد فأفتاه لزمه فتواه.‏
وقال أبو المظفر السمعاني ‏-‏رحمه الله-: إذا سمع المستفتي جواب المفتي لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه،‏ قال:‏ ويجوز أن يقال إنه يلزمه إذا أخذ ‏في العمل به.‏ وقيل:‏ يلزمه إذا وقع في نفسه صحته، قال السمعاني:‏ وهذا أولى الأوجه.‏ ‏
قال الشيخ أبو عمرو:‏ لم أجد هذا لغيره،‏ وقد حكى هو بعد ذلك عن بعض الأصوليين أنه إذا أفتاه بما هو مختلف فيه خيره بين أن يقبل منه أو ‏من غيره، ثم اختار هو أنه يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين ويلزمه الأخذ بفتيا من اختاره باجتهاده.‏
قال الشيخ:‏ والذي تقتضيه القواعد أن نفصل فنقول:‏ إذا أفتاه المفتي نظر فإن لم يوجد مفت آخر لزمه الأخذ بفتياه،‏ ولا يتوقف ذلك على التزامه ‏لا بالأخذ في العمل به ولا بغيره،‏ ولا يتوقف أيضا على سكون نفسه إلى صحته.‏
وإن وجد مفت آخر فإن استبان أن الذي أفتاه هو الأعلم الأوثق لزمه ما أفتاه به،‏ بناء على الأصح في تعينه كما سبق،‏ وإن لم يستبن ذلك لم ‏يلزمه ما أفتاه بمجرد إفتائه إذ يجوز له استفتاء غيره وتقليده،‏ ولا يعلم اتفاقهما في الفتوى،‏ فإن وجد الاتفاق أو حكم به عليه حاكم لزمه ‏حينئذ.‏ ‏
السادسة:‏ إذا استفتي فأفتى ثم حدثت تلك الواقعة له مرةً أخرى،‏ فهل يلزمه تجديد السؤال ‏؟‏ فيه وجهان:‏ أحدهما:‏ يلزمه;‏ لاحتمال‏ تغير رأي ‏المفتي،‏ والثاني:‏ لا يلزمه وهو الأصح‏;‏ لأنه قد عرف الحكم الأول،‏ والأصل استمرار المفتى عليه.‏
وخصص صاحب الشامل الخلاف بما إذا قلد حياً وقطع فيما إذا كان ذلك خبرا عن ميت،‏ بأنه لا يلزمه،‏ والصحيح أنه لا يختص،‏ فإن المفتي على ‏مذهب الميت قد يتغير جوابه على مذهبه.‏ ‏
السابعة‏:‏ أن يستفتي بنفسه، وله أن يبعث ثقةً يعتمد خبره ليستفتي له، وله الاعتماد على خط المفتي إذا أخبره من يَثِقُ بقوله أنه خطه،‏ أو كان ‏يعرف خطه ولم يتشكك في كون ذلك الجواب بخطه.‏ ‏
‏‏الثامنة‏:‏ ينبغي للمستفتي أن يتأدب مع المفتي ويبجله في خطابه وجوابه ونحو ذلك.‏
ولا يومئ بيده في وجهه،‏ ولا يقل له ما تحفظ في كذا ‏؟‏ أو ما مذهب إمامك أو الشافعي في كذا ‏؟‏ ‏
ولا يقل إذا أجابه:‏ هكذا قلتُ أنا،‏ أو كذا وقع لي، ولا يقل:‏ أفتاني فلان أو غيرك بكذا،‏ ولا يقل:‏ إن كان جوابك موافقاً لمن كتب فاكتب وإلا فلا ‏تكتب.‏
ولا يسأله وهو قائم أو مستوفز أو على حالة ضجر أو هم أو غير ذلك مما يشغل القلب.‏ ‏
وينبغي أن يبدأ بالأسن الأعلم من المفتين،‏ وبالأولى فالأولى إن أراد جمع الأجوبة في رقعة،‏ فإن أراد إفراد الأجوبة في رقاع بدأ بمن شاء،‏ ‏وتكون رقعة الاستفتاء واسعة،‏ ليتمكن المفتي من استيفاء الجواب واضحاً،‏ لا مختصراً مضراً بالمستفتي.‏ ‏
ولا يدع الدعاء في رقعة لمن يستفتيه.‏ ‏
قال الصيمري: فإن اقتصر على فتوى واحد قال:‏ ما تقول رحمك الله ‏؟‏ أو ‏‏رضي الله عنك أو وفقك الله،‏ وسددك ورضي عن والديك ‏؟‏، ولا يحسن ‏أن يقول:‏ رحمنا الله وإياك.‏ ‏
وإن أراد جواب جماعة قال:‏ ما تقولون رضي الله عنكم ‏؟‏ أو ما تقول الفقهاء سددهم الله تعالى ‏؟‏ ‏
ويدفع الرقعة إلى المفتي منشورة،‏ ويأخذها منشورة فلا يحوجه إلى نشرها ولا إلى طيها.‏ ‏

التاسعة‏:‏ ينبغي أن يكون كاتب الرقعة ممن يحسن السؤال،‏ ويضعه على الغرض مع إبانة الخط واللفظ وصيانتهما عما يتعرض للتصحيف.‏ ‏
قال الصيمري: يحرص أن يكون كاتبها من أهل العلم،‏ وكان بعض الفقهاء ممن له رياسة لا يفتي إلا في رقعة كتبها رجل بعينه من أهل العلم ‏ببلده.‏
وينبغي للعامي أن لا يطالب المفتي بالدليل،‏ ولا يقل:‏ لم قلتَ ‏؟‏ فإن أحبَّ أن تسكن نفسه لسماع الحجة طلبها في مجلس آخر،‏ أو في ذلك ‏المجلس بعد قبول الفتوى مجردة.‏ ‏
وقال السمعاني:‏ لا يمنع من طلب الدليل،‏ وأنه يلزم المفتي أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعاً به،‏ ولا يلزمه إن لم يكن مقطوعاً به لافتقاره إلى ‏اجتهاد يقصر فهم العامي عنه،‏ والصواب الأول.‏ ‏
العاشرة‏:‏ إذا لم يجد صاحب الواقعة مفتياً ولا أحداً ينقل له حكم واقعته لا في بلده ولا غيره قال الشيخ:‏ هذه مسألةُ فَترة الشريعة الأصوليةُ ،‏ ‏وحكمها حكم ما قبل ورود الشرع،‏ والصحيح في كل ذلك القول بانتفاء التكليف عن العبد،‏ وأنه لا يثبت في حقه حكم لا إيجاب ولا تحريم ولا ‏غير ذلك،‏ فلا يؤاخذ إذن صاحب الواقعة بأي شيء صنعه فيها،‏ والله أعلم.‏
‏++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++*‏
تم ما في شرح المهذب من كلام عن الفتوى وشروطها، وبقية الكلام في هذا الباب خاص بمذهب الإمام الشافعي، فلينظره طلاب العلم الشافعية.‏
والله تعالى الموفق لكل خير.‏
والحمد لله رب العالمين.‏