المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقيدة الصحيحة - ابن باز



أحمد سعد الدين
22-12-2004, 12:01 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيـــــدة الصحيحـة وما يضادها


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه 0‏

فلما كانت العقيدة الصحيحة هي أصل دين الإسلام وأساس الملة رأيت أن تكون هي موضوع المحاضرة 0‏

ومعلوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أن الأعمال والأقوال إنما تصح وتقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة فإن كانت العقيدة غير ‏صحيحة بطل ما يتفرع عنها من أعمال وأقوال كما قال تعالى : } ومن يكفُر بالإيمــــان فقد حبط عملهُ وهو في الآخرة من الخاسرين { ‏‏[المائدة :5] 0‏

وقال تعالى : } ولقد أٌوحى إليــك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك { [الزمر :65] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة 0‏

وقد دل كتاب الله المبين وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم على أن العقيدة الصحيحة تتلخص في الإيمان بالله وملائكته ‏وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره 0 فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التى نزل بها كتاب الله العزيز ، وبعث الله بها ‏رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم 0‏

ويتفرع عن هذه الأصول كل ما يجب الإيمان به من أمور الغيب ، وجميع ما أخبر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم 0‏

وأدلة هذه الأصول الستة في الكتاب والسنة كثيرة جداً ، فمن ذلك قول الله سبحانه : } ليس البر أن تٌولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ‏ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين { [ البقرة : 177 ] 0‏

وقوله سبحانه : } ءامن الرسول بما أٌنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله { الآية [ البقرة ‏‏: 285 ] 0‏

وقوله سبحانه : } يا أيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله ‏وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً { [ النساء : 136 ] 0‏

وقوله سبحانه : } ألم تعلم أن الله يعلم ما في السموات والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسيرٌ { [ الحج : 70 ] 0‏

أما الأحاديث الصحيحة الدالة على هذه الأصول فكثيرة جداً 0‏

منها : الحديث الصحيح المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جبريل عليه ‏الســلام سأل النبي - صلى الله وعليه وسلم - عن الإيمان ، فقال له : " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن ‏بالقدر خيره وشره " 0 الحديث 0 وأخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة 0‏

وهذه الأصول الستة : يتفرع عنها جميع ما يجب على المسلم اعتقاده في حق الله سبحانه وفي أمر المعاد وغير ذلك من أمور الغيب 0‏

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 12:02 AM
أولا : الإيمان بالله

الإيمان بالله سبحانه : الإيمان بأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون كل ما سواه لكونه خالق العباد والمحسن إليهم والقائم بأرزقاهم والعالم بسرهم ‏وعلانيتهم ، والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم ، ولهذه العبادة خلق الله الثقلين وأمرهم كما قال تعالى : } وما خلقت الجن والإنس إلا ‏ليعبدون* ما أٌريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون* إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين { [ الذاريات : 56-58] 0‏

وقال سبحانه : } يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون* الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل ‏من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون { [ البقرة : 21-22] 0‏

وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لبيان هذا الحق والدعوة إليه ، والتحذير مما يضاده كما قال سبحانه : } ولقد بعثنا في كل أٌمة رسولاً أن ‏اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت{ [النحل : 36] 0‏

وقال تعالى : } وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون { [ الأنبياء : 25 ] 0‏

وقال عز وجل : } كتاب أٌحكمت ءاياتُه ثم فصلت من لدُن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إني لكم منهُ نذيرُُ وبشيرُُ { [ هود : 1-2 ] 0‏

وحقيقة هذه العبادة : هي إفراد الله سبحانه بجميع ما تعبّد العباد به من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع ‏العبادة على وجه الخضوع له والرغبة والرهبة مع كمال الحب له سبحانه والذل لعظمته 0‏

وغالب القرآن الكريم نزل في هذا الأصل العظيم :‏

كقوله سبحانه : } فاعبد الله مخلصاً له الدين* ألا لله الدين الخالص { [ الزمــر : 2-3] 0‏

وقوله سبحانه : } وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه { [ الإسراء : 23 ] 0‏

وقوله عز وجل : } فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون { [غافر : 14]0‏

وفي الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" 0‏

‏* ومن الإيمان بالله أيضاً : الإيمان بجميع ما أوجبه على عباده وفرضه عليهم من أركان الإسلام الخمسة الظاهرة وهي : شهادة أن لا إله إلا الله ‏وأن محمدًا رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً ، وغير ذلك من الفرائض التي ‏جاء بها الشرع المطهر 0‏


وأهم هذه الأركان وأعظمها : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله 0‏

فشهادة أن لا إله إلا الله تقتضي إخلاص العبادة لله وحده ونفيها عما سواه ، وهذا هو معنـى لا إله إلا الله ، فإن معناها لا معبـود بحـق إلا ‏الله فكل ما عبد من دون الله من بشر أو ملك أو جني أو غيـر ذلك فكله معبود بالباطل، والمعبود بالحق هو الله وحده كما قال سبحانه : } ‏ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل { [الحج :62] 0‏

وقد سبق بيان أن الله سبحانه خلق الثقلين لهذا الأصل الأصيل وأمرهم به ، وأرسل به رسله وأنزل به كتبه ، فتأمل ذلك جيدا وتدبره كثيراً ‏ليتضح لك ما وقع فيه أكثر المسلمين من الجهل العظيم بهذا الأصل الأصيل حتى عبدوا مع الله غيره ، وصرفوا خالص حقه لسواه ، فالله ‏المستعان 0‏

‏* ومن الإيمان بالله سبحانه : الإيمان بأنه خالق العالم ومدبّر شئونهم والمتصرف فيهم بعلمه وقدرته كما يشاء سبحانه وأنه مالك الدنيا والآخرة ‏ورب العالمين جميعاً لا خالق غيره ، ولا رب سواه ، وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب لإصلاح العباد ودعوتهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم في ‏العاجل والآجل ، وأنه سبحانه لا شريك له في جميع ذلك، كما قـال تعالى : } الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل { [ الزمر : 62 ‏‏] 0‏

وقال تعالى : } إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر ‏والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمرُ تبارك الله رب العالمين { [ الأعراف : 54 ] 0‏

‏* ومن الإيمان بالله أيضاً : الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا الواردة في كتابه العزيز ، والثابتة عن رسوله الأمين ، من غير تحريف ولا تعطيل ‏ولا تكييف ولاتمثيل، بل يجب أن تُمرَ كما جاءت به بلا كيف مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف الله عز وجل ، يجب ‏وصفه بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته كما قال تعالى : } ليس كمثله شيء وهو السميع البصير { [ الشورى ‏‏: 11 ] 0‏

وقال عـز وجـل : } فلا تضــربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون { [النحل :74]0‏

وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين لهم بإحسان ، وهي التي نقلها الإمام أبو ‏الحسن الأشعري رحمه الله في كتابه "المقالات عن أصحاب الحديث وأهل السنة" ونقلها غيره من أهل العلم والإيمان0‏

قال الأوزاعي رحمه الله : سئل الزهري ومكحول عن آيات الصفات فقالا : أمرُّوها كما جاءت 0‏

وقال الوليد بن مسلم رحمه الله : سئل مالك ، والأوزاعي، والليث بن سعد وسفيان الثوري رحمهم الله عن الأخبار الواردة في الصفات، فقالوا ‏جميعاً أمرُّوها كما جاءت بلا كيف 0‏

وقال الأوزاعي رحمه الله : كنا والتابعون متوافرون نقول : إن الله سبحانه على عرشه ونؤمن بما ورد في السنة من الصفات 0‏

ولما سئل ربيعة بن أبي عبدالرحمن شيخ مالك رحمــــة الله عليهما عن الاستواء قال : " الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ، ومن الله ‏الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق " 0‏

ولما سئل الإمام مالك رحمه الله عن ذلك قال : " الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة " ثم قال للسائل : ما ‏أراك إلا رجل سوء ! وأمر به فأخرج 0‏

وروي هذا المعنى عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها 0‏

وقال الإمام ابو عبدالرحمن عبدالله بن المبارك رحمةُ الله عليه : " نعرف ربنا سبحانه بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه " 0‏

وكلام الأئمة في هذا الباب كثيراً جداً لا يمكن نقله في هـذه العجالة ، ومن أراد الوقوف على كثير من ذلك فليراجع ما كتبه علماء السنة في ‏هذا الباب مثل كتاب " السنة " لعبدالله ابن الإمام أحمد ، وكتاب " التوحيد " للإمام الجليل محمد بن خزيمة ، وكتاب "السنة " لأبي القاسم ‏اللالكائي الطبري ، وكتاب " السنة " لأبي بكر أبى عاصم ، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماة ، وهو جواب عظيم كثير الفائدة قد ‏أوضح فيه رحمة الله عقيدة أهل السنة ، ونقل فيه الكثير من كلامهم والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنة ، وبطلان ما قاله ‏خصومهم 0‏

وهكذا رسالته الموسومة بـ : "التدمرية" فقد بسط فيها المقام وبين فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية والرد على المخالفين بما يظهر ‏الحق ويدمغ الباطل لكل من نظر في ذلك من أهل العلم بقصد صالح ورغبة في معرفة الحق 0‏

وكل من خالف أهل السنة فيما اعتقدوا في باب الأسماء والصفات فإنه يقع ولا بد في مخالفة الأدلة النقلية والعقلية مع التناقض الواضح في كل ‏ما يثبته وينفيه 0‏

أما أهل السنة والجماعة : فأثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه في كتابه الكريم أو أثبته له رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - في سنته الصحيحة ‏إثباتاً بلا تمثيل ونزَّهوه سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيهاً بريئاً من التعطيل ، ففازوا بالسلامة من التناقض وعملوا بالأدلة كلها ، وهذه سنة الله ‏سبحانه فيمن تمسك بالحق الذي بعث به رسله وبذل وسعه في ذلك وأخلص لله في طلبه أن يوفقه للحق ويظهر حجته كمـا قال تعالى:‏

‏} بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفــون { [الأنبياء: 18] 0‏

وقال تعالى : } ولا يأتونك بمَثَلٍ إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً { [الفرقان : 33].‏

وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره المشهور عند كلامه على قوله عزّ وجلّ: } إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة ‏أيام ثم استوى على العرش { [ الأعراف : 54 ] كلاماً حسناً في هذا الباب يحسن نقله هاهنا لعظم فائدته0‏

قال رحمه الله ما نصه : " للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح : ‏مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد واسحاق بن راهوية وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً 0 وهو إمرارها كما ‏جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله ، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه ، وليس ‏كمثله شيء وهو السميع البصير ، بل الأمر كما قال الأئمة منهم : نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال : من شبه الله بخلقه كفر ، ومن ‏جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه 0 فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة ‏والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفي عن الله النقائص - فقد سلك سبيل الهدى " 0‏

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 12:02 AM
ثانياً : الإيمان بالملائكة :‏

يتضمن الإيمان بهم إجمالاً وتفصيلاً فيؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته ووصفهم بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ‏يعملون } يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون { [ الأنبياء : 28 ]0‏

وهم أصناف كثيرة، منهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد.‏

ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم : كجبريل وميكائيل ، ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصـــــور، ‏وقد جاء ذكره في أحاديث صحيحة ، وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " خُلقت ‏الملائكة من نور، وخُلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم" أخرجه مسلم في صحيحه 0‏

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 12:03 AM
ثالثاً : الإيمان بالكتب :‏

يجب الإيمان إجمالاً بأن الله سبحانه قد أنزل كتباً على أنبيائه ورسله لبيان حقه والدعوة إليه ، كما قال تعالى : } لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ‏وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط { الآية [ الحديد :25] 0‏

وقال تعالى : } كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه { الآية [ ‏البقرة : 213 ] 0‏

ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن 0‏

والقرآن الكريم هو أفضلها وخاتمها ، وهو المهيمن عليها والمصدق لها وهو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صحت به السنة عن ‏رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن الله سبحانه بعث رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً إلى جميع الثقلين ، وأنزل عليه هذا ‏القرآن ليحكم به بينهم وجعله شفاءً لما في الصدور وتبيانا لكل شيء وهدى ورحمة للمؤمنين كما قال تعالى: } وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه ‏واتقوا لعلكم ترحمون { [ الأنعام : 155 ] 0‏

وقال سبحانه : } ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين{ [ النحل : 89 ].‏

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 12:04 AM
رابعا : الإيمان بالرسل

وقال تعالى : } قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي ‏الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون { [ الأعراف : 158 ] والآيات في هذا المعنى كثيرة 0‏

يجب الإيمان بالرسل إجمالاً وتفصيلاً فنؤمن أن الله سبحانه أَرسل إلى عباده رسلاً منهم مبشرين ومنذرين ودعاة إلى الحق ، فمن أجابهم فاز ‏بالسعادة ، ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة ، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمــد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم - ، كما قال الله سبحانه ‏‏: } ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت{ [ النحل : 36 ] 0‏

وقال تعالى : } رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل { [النساء : 165] 0‏

وقال تعالى : } ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين { [الأحزاب 40 ] 0‏

ومن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله تسميته آمناً به على سبيل التفصيل والتعيين كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم ، عليهم وعلى نبينا ‏أفضل الصلاة وأزكى التسليم0‏

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 12:04 AM
خامساً : الإيمان باليوم الآخر :‏

وأما الإيمان باليوم الآخر فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه ‏ونعيمه ، وما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد والصراط والميزان والحساب والجزاء ونشر الصحف بين الناس فآخذ كتابه بيمينه وآخذ ‏كتابه بشماله أو من وراء ظهره ، ويدخل في ذلك أيضاً الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والإيمان بالجنة والنار ، ‏ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتكليمه إياهم ، وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ‏فيجب الإيمان بذلك كله وتصديقه على الوجه الذي بينه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم 0‏

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 12:05 AM
سادساً: الإيمان بالقدر :‏

وأما الإيمان بالقدر فيتضمن الإيمان بأمور أربعة :-‏

الأمر الأول : أن الله سبحانه قد علم ما كان وما يكون ، وعلم أحوال عباده ، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وغير ذلك من شئونهم ، لا ‏يخفى عليه من ذلك شيء سبحانه وتعالى ، كما قال سبحانه : } إن الله بكل شيء عليم { [ الأنفال : 75 ] 0‏

وقال عزّ وجلّ : } لتعلموا أن الله على كُل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء { [الطلاق :12 ] 0‏

والأمر الثاني : كتابته سبحانه لكل ما قدره وقضاه كما قال سبحانه : } قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ { [ ق : 4 ] 0‏

وقال تعالى : } وكل شيء أحصيناه في إمام مبين { [ يس :12 ]‏

وقال تعالى : } ألم تعلم أن الله يعلم ما في السموات والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسيرٌ { [ الحج : 70 ] 0‏

الأمر الثالث : الإيمان بمشيئته النافذة ، فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن كما قال سبحانه : } إن الله يفعل ما يشاء { [ :18 ] 0‏

وقال عز وجل : } إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون { [يس : 82] 0‏

وقال عز وجل : } وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين { [ التكوير : 29]‏

الأمر الرابع : خلقه سبحانه لجميع الموجودات ، لا خالق غيره ولا رب سواه ، قال سبحانه : } الله خلق كل شيء وهو على كل شيء وكيل { ‏‏[ الزمر :62 ] 0‏

وقال تعالى : } يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون { [ فاطر : ‏‏3 ]0‏

فالإيمان بالقدر يشمل الإيمان بهذه الأمور الأربعة عند أهل السنة والجماعة خلافاً لمن أنكر بعض ذلك من أهل البدع 0‏

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 12:07 AM
ويدخل في الإيمان بالله اعتقاد أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأنه لا يجوز تكفير أحد من ‏المسلمين بشيء من المعاصي التي دون الشرك والكفر ، كالزنا ، والسرقة ، وأكل الربا ، وشرب المسكرات ، ‏وعقوق الوالدين ، وغير ذلك من الكبائر ما لم يستحل ذلك لقول الله } إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ‏ذلك لمن يشاء { [ النساء : 48 ] ، وما ثبت في الأحاديث المتواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ‏الله يُخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان 0‏

‏* ومن الإيمان بالله الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله، فيحب المؤمن المؤمنين ويواليهم ، ‏ويبغض الكفار ويعاديهم 0‏

وعلى رأس المؤمنين من هذه الأمة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم 0‏

فأهل السنة والجماعة يحبونهم ويوالونهم ويعتقدون أنهم خير الناس بعد الأنبياء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ‏‏" خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " متفق على صحته 0‏

ويعتقدون أن أفضلهم أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم على المرتضى رضي الله عنهم أجمعين ‏، وبعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، ويمسكون عما شجر بين الصحابة ‏ويعتقدون أنهم في ذلك مجتهدون ، من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر ، ويحبون أهل بيت رسول الله - صلى ‏الله عليه وسلم - المؤمنين به ويتولونهم ويتولون أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين ‏ويترضون عنهم جميعا ً0‏

ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويسبونهم ويغلون في ‏أهل البيت ، ويرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله عز وجل إياها ، كما يتبرؤون من طريقة النواصب الذين يؤذون ‏أهل البيت بقول أو عمل 0‏

وجميع ما ذكرناه في هذه الكلمة الموجزة في العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم ‏‏- وهي عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة التي قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - " لا تزال طائفة من ‏أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله سبحانه " 0‏

وقال - صلى الله عليه وسلم - " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين ‏فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، فقال الصحابة : من هي يا رسول الله ‏؟ قال : من كان على مثلما أنا عليه وأصحابي"، وهي العقيدة التي يجب التمسك بها والاستقامة عليها والحذر مما ‏خالفها 0‏

‏* وأما المنحرفون عن هذه العقيدة والسائرون على ضدها فهم أصناف كثيرة؛ فمنهم عباد الأصنام والأوثان ‏والملائكة والأولياء والجن والأشجار والأحجار وغيرها ، فهؤلاء لم يستجيبوا لدعوة الرسل بل خالفوهم وعاندوهم ‏كما فعلت قريش وأصناف العرب مع نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وكانوا يسألون معبوداتهم قضاء الحاجات ‏وشفاء المرضى والنصر على الأعداء ، ويذبحون لهم وينذرون لهم ، فلما أنكر عليهم رسول الله - صلى الله عليه ‏وسلم - ذلك وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده استغربوا ذلك وأنكروه ، وقالوا : } أ جعل الآلهة الهاً واحداً إن ‏هذا لشيءٌ عجاب{ [ص :5] فلم يزل - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى الله وينذرهم من الشرك ويشرح لهم ‏حقيقة ما يدعو إليه حتى هدى الله منهم من هدى ثم دخلوا بعد ذلك في دين الله أفواجاً ، فظهر دين الله على سائر ‏الأديان بعد دعوة متواصلة واجتهاد طويل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم ‏والتابعين لهم بإحسان0 ثم تغيرت الأحوال وغلب الجهل على أكثر الخلق حتى عاد الأكثرون إلى دين الجاهلية، ‏بالغلو في الأنبياء والأولياء ودعائهم والاستغاثة بهم وغير ذلك من أنوع الشرك ، ولم يعرفوا معنى لا إله إلا الله كما ‏عرف معناها كفار العرب 0 فالله المستعان 0‏

ولم يزل هذا الشرك يتفشى في الناس إلى عصرنا هذا بسبب غلبة الجهل وبعد العهد بعصر النبوة 0‏

‏* وشبهة هؤلاء المتأخرين شبهة الأولين وهى قولهم : } هؤلاء شُفعاؤنا عند الله{ [يونس :18] ، } ما نعبدهم إلا ‏ليقربونا إلى الله زلفى { [ الزمر : 3 ]0‏

وقد أبطل الله هذه الشبهة وبين أن من عبد غيره كائناً من كان فقد أشرك به وكفر، كما قال تعالى : } ويعبدون من ‏دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شُفعاؤنا عند الله { [يونس : 18]، فرد الله عليهم سبحانه ‏بقوله:} قل أتُنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون { [يونس :18]0‏

فبيّن سبحانه في هذه الآيات أن عبادة غيره من الأنبياء والأولياء أو غيرهم هي الشرك الأكبر وإن سماها فاعلوها ‏بغير ذلك 0‏

وقال تعالى : } والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفاً{ [الزمر : 3 ] 0 فرد الله عليهم ‏سبحانه بقوله : } إن الله يحكُم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار {‏

فأبان بذلك سبحانه أن عبادتهم لغيره بالدعاء والخوف والرجاء ونحو ذلك كفرٌ به سبحانه ، وأكذبهم في قولهم أن ‏آلهتهم تقربهم إليه زلفى 0‏

ومن العقائد الكفرية المضادة للعقيدة الصحيحة والمخالفة لما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام :‏

ما يعتقده الملاحدة في هذا العصر من أتباع ماركس ولينين وغيرهما من دعاة الإلحاد والكفر ، سواء سموا ذلك ‏اشتراكية أو شيوعية أو بعثية أو غير ذلك من الأسماء، فإن من أصول هؤلاء الملاحدة أنه لا إله ، والحياة مادة ، ومن ‏أصولهم إنكار المعاد وإنكار الجنه والنار ، والكفر بالأديان كلها 0 ومن نظــر في كتبهم ودرس ما هم عليه علم ‏ذلك يقيناً ، ولا ريب أن هذه العقيدة مضادة لجميع الأديان السماوية ومفضية بأهلها إلى أسوأ العواقب في الدنيا ‏والآخرة 0‏

‏* ومن العقائد المضادة للحق ما يعتقده بعض الباطنية وبعض المتصوفة من أن بعض من يسمونهم بالأولياء يشاركون ‏الله في التدبير ويتصرفون في شؤون العالم ، ويسمونهم بالأقطاب والأوتاد والأغواث وغير ذلك من الأسماء التي ‏اخترعوها لآلهتهم0 وهذا من أقبح الشرك في الربوبية وهو شر من شرك جاهلية العرب ، لأن كفار العرب لم ‏يشركوا في الربوبية وإنما أشركوا في العبادة ، وكان شركهم في حال الرخاء ، أما في حال الشدة فيخلصون لله ‏العبادة كما قال سبحانه : } فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجّاهم إلى البر إذا هم يشركون { ‏‏[العنكبوت: 65] 0 أما الربوبية فكانوا معترفين بها لله وحده كما قال سبحانه : } ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن ‏الله { [الزخرف : 87 ] 0‏

وقال تعالى : } قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج ‏الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون { [ يونس : 31 ] 0 والآيات في هذا المعنى كثيرة 0‏

‏* أما المشركون المتأخرون فزادوا على الأولين من جهتين :‏

إحداهما : شرك بعضهم في الربوبية 0‏

والثانية : شركهم في الرخاء والشدة كما يعلم ذلك من خالطهم وسبر أحوالهم ورأى ما يفعلون عند قبر الحسين ‏والبدوي وغيرهما في مصر ، وعند قبر العيدروس في عدن ، والهادي في اليمن ، وابن عربي فى الشام ، والشيخ ‏عبدالقادر الجيلاني في العراق ، وغيرها من القبور المشهورة التي غلت فيها العامة وصرفوا لها الكثير من حق الله عز ‏وجل ، وقل من ينكر عليهم ذلك ويبين لهم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - ‏ومن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فإنا لله وإنا إليه راجعون !!‏

ونسأل الله سبحانه أن يردهم إلى رشدهم وأن يكثر بينهم دعاة الهدى وأن يوفق قادة المسلمين وعلماءهم لمحاربة هذا ‏الشرك والقضاء عليه ، إنه سميع قريب 0‏

ومن العقائد المضاده للعقيدة الصحيحة في باب الأسماء والصفات عقائد أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ومن سلك ‏سبيلهم في نفي صفات الله عز وجل وتعطيله سبحانه من صفات الكمال ووصفه عز وجل بصفة المعدومات ‏والجمادات والمستحيلات ، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً 0‏

ويدخل في ذلك من نفي بعض الصفات وأثبت بعضها كالأشاعرة فإنه يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات نظير ما فروا ‏منه في الصفات التي نفوها وتأولوا أدلتها فخالفوا بذلك الأدلة السمعية والعقلية ، وتناقضوا في ذلك تناقضاً بيناً 0‏

أما أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - من ‏الأسماء والصفات على وجه الكمال ، ونزهوه عن مشابهة خلقه تنزيهاً بريئاً من شائبة التعطيل ، فعملوا بالأدلة كلها ‏ولم يحرفوا ولم يعطلوا ، وسلموا من التناقض الذي وقع فيه غيرهم - كما سبق بيان ذلك وهذا هو سبيل النجاة ‏والسعادة في الدنيا والآخرة، وهو الصراط المستقيم الذي سلكه سلف هذه الأمة وأئمتها، ولن يصلح آخرهم إلا ما ‏صلح به أولهم وهو اتباع الكتاب والسنة ، وترك ما خالفهما0‏


لسماحة الشيخ
عبدالعزيز بن عبدالله بن باز

‏ ‏