المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة فى القضاء والقدر - ابن عثيمين



أحمد سعد الدين
22-12-2004, 05:39 PM
بسم الله الرحمن الرحيم‎ ‎
الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من‎ ‎شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، ‏من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي‎ ‎له‏.‏ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ‏وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ،‎ ‎أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ‏وسراجاً‎ ‎منيراً فبلٌغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه‎ ‎اليقين ، ‏فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين‎ ‎‏.‏‏.‏ أما بعد‎ ‎
أيها الإخوة الكرام ‏:‏ إننا في هذا اللقاء الذي نرجو أن يفتح الله‏‎ ‎علينا فيه من خزائن فضله ورحمته وأن ‏يجعلنا من الهداة المهتدين ومن القادة المصلحين‎ ‎ومن المستمعين ، المنتفعين ، نبحث في أمر مهم يهم ‏جميع المسلمين ألا وهو ‏"‏قضاء‎ ‎الله وقدره‏"‏ والأمر ولله الحمد واضح، ولولا أن التساؤلات قد كثرت ‏ولولا أن الأمر‎ ‎اشتبه على كثير من الناس، ولولا كثرة من خاض في الموضوع بالحق تارة وبالباطل ‏تارات‎ ‎ونظرا إلى أن الأهواء انتشرت وكثرت وصار الفاسق يريد أن يبرر لفسقه بالقضاء والقدر‎ ‎، ‏ولولا هذا وغيره ما كنا نتكلم في هذا الأمر ‏.‏‎ ‎
والقضاء والقدر ما زال النزاع فيه بين الأمة قديما وحديثا فقد روي‎ ‎‏‎(‎‏أن النبي -صلى الله عليه‎ ‎وسلم- ‏خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر فنهاهم عن ذلك وأخبر أنه ما أهلك الذين‎ ‎من قبلكم ألا ‏هذا الجدال‏‎)‎‏ ‏‎(1)‎‏‏.‏‎ ‎
ولكن فتح الله على عباده المؤمنين السلف الصالح الذين سلكوا طريق‎ ‎العدل فيما علموا وفيما قالوا ‏وذلك أن قضاء الله تعالى وقدره من ربوبيته سبحانه‎ ‎وتعالى لخلقه فهو داخل في أحد أقسام التوحيد ‏الثلاثة التي قسم أهل العلم إليها‎ ‎توحيد الله عز وجل ‏:‏‎ ‎
القسم الأول ‏:‏ توحيد الألوهية ، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة‏‎ ‎‏.‏‎ ‎
القسم الثاني ‏:‏ توحيد الربوبية وهو إفراد الله تعالى بالخلق‏‎ ‎والملك والتدبير ‏.‏‎ ‎
القسم الثالث ‏:‏ توحيد الأسماء والصفات ، وهو توحيد الله تعالى‏‎ ‎بأسمائه وصفاته ‏.‏‎ ‎

فالإيمان بالقدر هو من ربوبية الله عز وجل ؛ ولهذا قال الأمام أحمد‎ ‎رحمه الله تعالى ‏:‏ القدر قدرة الله ‏لأنه من قدرته ومن عمومها بلا شك وهو أيضا سرٌ‎ ‎الله تعالى المكتوم الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه ‏وتعالى مكتوب في اللوح المحفوظ‎ ‎في الكتاب المكنون الذي لا يطٌلع عليه أحد ونحن لا نعلم بما قدٌره ‏الله تعالى في‎ ‎مخلوقاته إلا بعد وقوعه أو الخبر الصادق عنه‏.‏‎ ‎

أيها الإخوة ‏:‏ إن الأمة الإسلامية انقسمت في القدر إلى ثلاثة‏‎ ‎أقسام ‏:‏‎ ‎
القسم الأول ‏:‏ غلوا في إثبات القدر وسلبوا العبد قدرته واختياره‏‎ ‎وقالوا ‏:‏ إن العبد ليس له قدرة ولا ‏اختيار وإنما هو مسير لا مخير كالشجرة في مهب‎ ‎الريح ، ولم يفرقوا بين العبد الواقع باختياره وبين ‏فعله الواقع بغير اختياره ‏.‏‎ ‎ولا شك أن هؤلاء ضالون لأنه مما يعلم بالضرورة من الدين والعقل ‏والعادة أن الإنسان‎ ‎يفرق بين الفعل الاختياري والفعل الإجباري‏.‏‎ ‎
القسم الثاني ‏:‏ غلوا في إثبات قدرة العبد واختياره حتى نفوا أن‏‎ ‎يكون الله تعالى مشيئة أو اختيار أو ‏خلق فيما يفعله العبد وزعموا أن العبد مستقل‎ ‎بعمله حتى غلا طائفة منهم فقالوا إن الله تعالى لا يعلم ‏بما يفعله العباد إلا بعد‎ ‎أن يقع منهم وهؤلاء أيضا غلوا وتطرفوا تطرفا عظيما في إثبات قدرة العبد ‏واختياره‎ ‎‏.‏‎ ‎
القسم الثالث ‏:‏ وهم الذين آمنوا فهداهم الله لما اختلف فيه من‎ ‎الحق وهم أهل السنة والجماعة سلكوا ‏في ذلك مسلكاً وسطاً قائماً على الدليل الشرعي‎ ‎وعلى الدليل العقلي وقالوا إن الأفعال التي يحدثها الله ‏تعالى في الكون تنقسم إلى‎ ‎قسمين ‏:‏‎ ‎
القسم الأول ‏:‏ ما يجريه الله تبارك وتعالى من فعله في مخلوقاته‏‎ ‎فهذا لا اختيار لأحد فيه كإنزال ‏المطر وإنبات الزرع والإحياء والإماتة والمرض‎ ‎والصحة وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي تشاهد ‏في مخلوقات الله تعالى وهذه بلا شك‎ ‎ليس لأحد فيها اختيار وليس لأحد فيها مشيئة فالمشيئة فيها لله ‏الواحد القهار ‏.‏‎ ‎
القسم الثاني‏:‏ ما تفعله الخلائق كلها من ذوات الإرادة فهذه‏‎ ‎الأفعال تكون باختيار فاعليها وإرادتهم لأن ‏الله تعالى جعل ذلك إليهم قال الله‎ ‎تعالى ‏:‏‏‎{‎‏لِمَن‎ ‎شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ‏‎}‎‏ ‏[‏التكوير ‏:‏28‏]‏ وقال تعالى‏:‏‎ ‎‏‎{‎‏مِنكُم مَّن‎ ‎يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ‏‎}‎‏ ‏[‏آل عمران‏:‏‎ 152‎‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏‎{‎‏فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن ‏وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ‏‎}‎‏‎ ‎‏[‏الكهف‏:‏ 29‏]‏ والإنسان يعرف الفرق بين ما يقع منه باختياره وبين ما يقع منه‎ ‎باضطرار وإجبار فالإنسان ينزل من السطح بالسلم نزولاً اختيارياً يعرف أنه مختار‎ ‎ولكنه يسقط ‏هاوياً من السطح يعرف أنه ليس مختاراً لذلك ويعرف الفرق بين الفعلين وأن‎ ‎الثاني إجبار والأول ‏اختيار وكل إنسان يعرف ذلك ‏.‏‎ ‎
وكذلك الإنسان يعرف أنه إذا أصيب بمرض سلس البول فالبول يخرج منه‏‎ ‎بغير اختياره وإذا كان ‏سليما من هذا المرض فإن البول يخرج منه باختياره ‏.‏ ويعرف‏‎ ‎الفرق بين هذا وهذا ولا أحد ينكر ‏الفرق بينهما ‏.‏ وهكذا جميع ما يقع من العبد يعرف‏‎ ‎فيه الفرق بين ما يقع اختياراً وبين ما يقع ‏اضطراراً وإجباراً بل إن من رحمة الله‎ ‎عز وجل أن من الأفعال ما هو باختيار العبد ولكن لا يلحقه ‏كما في فعل الناسي والنائم‎ ‎ويقول الله تعالى في قصة أصحاب الكهف ‏:‏ ‏‎{‎‏وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ‎ ‎الْيَمِينِ وَذَاتَ ‏الشِّمَالِ‏‎}‎‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 18‏]‏ وهم الذين يتقلبون‏‎ ‎ولكن الله تعالى نسب الفعل إليه لأن النائم لا اختيار له ولا ‏يؤاخذ بفعله ، فنسب‎ ‎فعله إلى الله عز وجل ويقول -صلى الله عليه وسلم-‏:‏‎ ‎‏(‏من نسي وهو صائم فأكل ‏وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله‎ ‎وسقاه‏‎)‎‏ ‏‎(2)‎‏‏.‏‎ ‎
فنسب هذا الإطعام وهذا الإسقاء إلى الله عز وجل لأن الفعل وقع منه‎ ‎بغير ذكر فكأنه صار بغير ‏اختياره وكلنا يعرف الفرق بين ما يجده الإنسان من ألم بغير‎ ‎اختياره وما يجده من خيفة في نفسه ‏أحياناً بغير اختياره ولا يدري ما سببه وبين أن‎ ‎يكون الألم هذا ناشئاً من فعل الذي اكتسبه أو الفرح ‏ناشئاً من شيء هو الذي اكتسبه‎ ‎وهذا الأمر ولله الحمد واضح لا غبار عليه ‏.‏‎ ‎
‎ ‎
أيها الإخوة ‏:‏ إننا لو قلنا بقول الفريق الأول الذين غلوا في‏‎ ‎إثبات القدر لبطلت الشريعة من أصلها لأن ‏القول بأن فعل العبد ليس له فيه اختيار‎ ‎يلزم من أن لا يحمد على فعل محمود ولا يلام على فعل ‏مذموم لأنه في الحقيقة بغير‎ ‎اختيار وإرادة منه وعلى هذا فالنتيجة إذن أن الله تبارك وتعالى يكون - ‏تعالى عن ذلك‎ ‎علواً كبيراً - ظالما لمن عصى إذا عذبه وعاقبه على معصيته ، لأنه عاقبه على أمر ‏لا‎ ‎اختيار له فيه ولا إرادة وهذا بلا شك مخالف للقرآن صراحة، يقول الله تبارك وتعالى‎ ‎‏:‏ ‏‎{‎‏وَقَالَ‎ ‎قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ‎ ‎عَنِيدٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ‎ ‎إِلَهًا ‏آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا‎ ‎مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ قَالَ لا تَخْتَصِمُوا ‏لَدَيَّ‎ ‎وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا‎ ‎أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ‏‎}‎‏ ‏[‏ ق ‏:‏23- 29 ‏]‏ ‏.‏‎ ‎
فبين سبحانه أن هذا العقاب منه ليس ظلما بل هو كمال العدل لأنه قد‎ ‎قدم إليهم بالوعيد وبين لهم ‏الطرق وبين لهم الحق وبين لهم الباطل ولكنهم اختاروا‎ ‎لأنفسهم أن يسلكوا طريق الباطل فلم يبق لهم ‏حجة عند الله تعالى ‏:‏ ‏‎{‎‏رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ‎ ‎وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ‎ ‎الرُّسُلِ‏‎}‎‏ ‏[‏ النساء ‏‏:‏ 165 ‏]‏ فإن الله تبارك وتعالى نفى أن يكون‏‎ ‎للناس حجة بعد إرسال الرسل لأنهم قامت عليهم الحجة ‏بذلك فلو كان القدر حجة لهم‎ ‎لكانت هذه الحجة باقية حتى بعد بعث الرسل لأن قدر الله تعالى لم يزل ‏موجودا قبل‎ ‎إرسال الرسل إذن فهذا القول يبطله الواقع كما فصلنا بالأمثلة السابقة ‏.‏‎ ‎
أما أصحاب القول الثاني فإنهم أيضا ترد عليهم النصوص والواقع ذلك‎ ‎لأن النصوص صريحة في ‏أن مشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله عز وجل ‏‎{‎‏لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن‎ ‎يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ ‏رَبُّ‎ ‎الْعَالَمِينَ‏‎}‎‏ ‏[‏ التكوير ‏:‏ 28 ، 29 ‏]‏ ‏‎{‎‏وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا‎ ‎يَشَاء وَيَخْتَارُ‏‎}‎‏ ‏[‏ القصص‏:‏68 ‏]‏ ‏‎{‎‏وَاللَّهُ يَدْعُو ‏إِلَى‎ ‎دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏‎}‎‏‎ ‎‏[‏ يونس ‏:‏ 25 ‏]‏ ‏.‏‎ ‎
والذين يقولون بهذا القول هم في الحقيقة مبطلون لجانب من جوانب‎ ‎الربوبية وهم أيضا مدعون بأن ‏في ملك الله تعالى ما لا يشاء ولا يخلقه والله تبارك‎ ‎وتعالى شاء لكل شيء خالق لكل شيء مقدر لكل ‏شيء وهم أيضا مخالفون لما يعلم بالاضطرار‎ ‎من أن الخلق كله ملك لله عز وجل ذواته وصفاته لا ‏فرق بين الصفة والذات ولا بين‎ ‎المعنى وبين الجسد إذن فالكل لله عز وجل ولا يمكن أن يكون في ‏ملكه ما لا يريد تبارك‎ ‎وتعالى لكن يبقى علينا إذا كان الآمر راجعا إلى مشيئة الله تبارك وتعالى وأن ‏الأمر‎ ‎كله بيده فما طريق الإنسان إذن وما حيلة الإنسان إذا كان الله تعالى قد قدر عليه أن‎ ‎يضل ولا ‏يهتدي ‏؟‏‎ ‎
فنقول الجواب عن ذلك أن الله تبارك وتعالى إنما يهدي من كان أهلاً‎ ‎للهداية ، ويضل من كان أهلاً ‏للضلالة ، ويقول الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏‎{‎‏فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ‎ ‎اللَّهُ قُلُوبَهُمْ‏‎}‎‏ ‏[‏ الصف ‏:‏5‏]‏ ويقول تعالى‏:‏ ‏‏‎{‎‏فَبِمَا نَقْضِهِم‎ ‎مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ‎ ‎الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ‎ ‎بِهِ‏‎}‎‏ ‏[‏المائدة ‏:‏13‏]‏ ‏.‏‎ ‎
فبين الله تبارك أن أسباب إضلاله لمن ضل إنما هو بسبب من العبد نفسه‎ ‎، والعبد كما أسلفنا آنفاً لا ‏يدري ما قدر الله تعالى له ، لأنه لا يعلم بالقدر إلا‎ ‎بعد وقوع المقدور ‏.‏‎ ‎
فهو لا يدري هل قدر الله له أن يكون ضالا أم أن يكون مهتديا ‏؟‏ فما‏‎ ‎باله يسلك طريق الضلال ثم ‏يحتج بأن الله تعالى قد أراد له ذلك أفلا يجدر به أن يسلك‎ ‎طريق الهداية ثم يقول إن الله تعالى قد ‏هداني للصراط المستقيم ‏؟‏ أيجدر به أن يكون‏‎ ‎جبريا عند الضلالة وقدريا عند الطاعة كلا لا يليق ‏بالإنسان أن يكون جبريا عند‎ ‎الضلالة والمعصية فإذا ضل أو عصى الله قال هذا أمر قد كتب علي ‏وقدر علي ولا يمكنني‎ ‎أن أخرج عما قضى الله تعالى للطاعة والهداية زعم أن ذلك منه ثم منَّ به على ‏الله‎ ‎وقال أنا أتيت به من عند نفسي فيكون قدريا في جانب الطاعة جبريا في جانب المعصية‎ ‎هذا لا ‏يمكن أبداً فالإنسان في الحقيقة له قدرة وله اختيار وليس باب الهداية بأخفى‎ ‎من باب الرزق وأخفى ‏من أبواب طلب العلم ‏.‏ والإنسان كما هو معلوم لدى الجميع قد‏‎ ‎قدر له ما قدر من الرزق ومع ذلك هو ‏يسعى في أسباب الرزق في بلده وخارج بلده يميناً‎ ‎وشمالاً لا يجلس في بيته ويقول إن قدر لي رزق ‏فإنه يأتيني ، بل يسعى في أسباب الزرق‎ ‎مع أن الرزق نفسه مقرون بالعمل كما ثبت ذلك عن النبي -‏صلى الله عليه وسلم- في حديث‏‎ ‎ابن مسعود رضي الله عنه ‏‎(‎‏إن‎ ‎أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ‏أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقه مثل ذلك ، ثم يكون‎ ‎مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر ‏بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي‎ ‎أم سعيد‏‎)‎‏ ‏‎(3)‎‏‏.‏ فهذا الرزق أيضا مكتوب كما أن العمل ‏من‎ ‎صالح أو سيئ مكتوب فما بالك تذهب يمينا وشمالاً وتجوب الأرض والفيافي طلباً لزرق‎ ‎الدنيا ‏ولا تعمل عملا صالحا لطلب رزق الآخرة والفوز بدار النعيم‏.‏‎ ‎
إن البابين واحد ليس بينهما فرق فكما أنك تسعى لرزقك وتسعى لحياتك‎ ‎وامتداد أجلك ، فإذا مرضت ‏بمرض ذهبت إلى أقطار الدنيا تريد الطبيب الماهر الذي‎ ‎يداوي مرضك ومع ذلك فإن لك ما قدر من ‏الأجل لا يزيد ولا ينقص ، ولست تعتمد على هذا‎ ‎وتقول أبقى في بيتي مريضاً طريحاً وإن قدر الله ‏لي أن يمتد الأجل امتد ، بل نجدك‎ ‎تسعى بكل ما تستطيع من قوة وبحث لتبحث عن الطبيب الذي ‏ترى أنه أقرب الناس إن يقدر‎ ‎الله الشفاء على يديه فلماذا لا يكون عملك في طريق الآخرة وفى العمل ‏الصالح كطريقك‎ ‎فيما تعمل للدنيا ‏؟‏‎ ‎
وقد سبق أن قلنا إن القضاء سر مكتوم لا يمكن أن تعلم عنه فأنت الآن‎ ‎بين طريقين طريق يؤدي بك ‏إلى السلامة وإلى الفوز والسعادة والكرامة وطريق يؤدي بك‎ ‎إلى الهلاك والندامة والمهانة وأنت ‏الآن واقف بينهما ومخير ليس أمامك من يمنعك من‎ ‎سلوك طريق اليمين ولا من سلوك طريق الشمال ‏إذا شئت ذهبت إلى هذا وإذا شئت ذهبت إلى‎ ‎هذا فما بالك تسلك الطريق الشمال ثم تقول أنا قدر علي ‏أفلا يليق بك أن تسلك طريق‎ ‎اليمين وتقول إنه قُدِّر لي فلو أنك أردت السفر إلى بلد ما كان أمامك ‏طريقان‎ ‎إحداهما معبد قصير آمن والآخر غير معبد وطويل ومخوف لوجدنا أنك تختار المعبد ‏القصير‎ ‎الآمن ولا تذهب إلى الطريق الذي ليس بمعبد وليس بقصير وليس بآمن هذا في الطريق‎ ‎الحسي إذن فالطريق المعنوي مواز له ولا يختلف عنه أبداً ولكن النفوس والأهواء هي‎ ‎التي تتحكم ‏أحياناً في العقل وتغلب على العقل والمؤمن ينبغي أن يكون عقله غالبا على‏‎ ‎هواه وإذا حكم عقله ‏فالعقل بالمعنى الصحيح يعقل صاحبه عما يضره ويدخله فيما ينفعه‎ ‎ويسره ‏.‏‎ ‎
بهذا تبين لنا أن الإنسان يسير في عمله الاختياري سيراً اختيارياً‎ ‎وأنه كما يسير لعمل دنياه سيراً ‏اختيارياً وهو إن شاء جعل هذه السلعة أو تلك تجارته‎ ‎، فكذلك أيضا هو في سيره إلى الآخرة يسير ‏سيراً اختيارياً ، بل إن طرق الآخرة أبين‎ ‎بكثير من طرق الدنيا لأن الذي بين طرق الآخرة هو الله ‏تعالى في كتابه وعلى لسان‎ ‎رسوله صلى الله عليه وسلم ‏.‏ فلا بد أن يكون طرق الآخرة أكثر بيانا ‏أجلى وضوحا من‎ ‎طرق الدنيا ‏.‏ ومع ذلك فإن الإنسان يسير في طرق الدنيا التي ليس ضامنا لنتائجها‏‎ ‎ولكنه يدع طرق الآخرة التي نتائجها مضمونة معلومة لأنها ثابتة بوعد الله والله‎ ‎تبارك وتعالى لا ‏يخلف الميعاد ‏.‏‎ ‎
بعد هذا نقول ‏:‏ إن أهل السنة والجماعة قرروا هذا وجعلوا عقيدتهم‏‎ ‎ومذهبهم أن الإنسان يفعل ‏باختياره وأنه يقول كما يريد ولكن إرادته واختياره تابعان‎ ‎لإرادة الله تبارك وتعالى ومشيئته ثم يؤمن ‏أهل السنة والجماعة بأن مشيئة الله تعالى‎ ‎تابعة لحكمته وأنه سبحانه وتعالى ليس مشيئته مطلقة ‏مجردة ولكنها مشيئة تابعة لحكمته‎ ‎لأن من أسماء الله تعالى الحكيم والحكيم هو الحاكم المحكم الذي ‏يحكم الأشياء كوناً‎ ‎وشرعاً ويحكمها عملاً صنعاً والله تعالى بحكمته يقدر الهداية لمن أرادها لمن يعلم‎ ‎سبحانه وتعالى أنه يريد الحق وأن قلبه على الاستقامة ويقدر الضلالة لمن لم يكن كذلك‎ ‎لمن إذا ‏عرض عليه الإسلام يضيف صدره كأنما يصعد في السماء فإن حكمة الله تبارك‎ ‎وتعالى تأبى أن ‏يكون هذا من المهتدين إلا أن يجدد الله له عزماً ويقلب إرادته إلى‎ ‎إرادة أخرى والله تعالى على كل ‏شيء قدير ولكن حكمة الله تأبى إلا أن تكون الأسباب‎ ‎مربوطة بها مسبباتها

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 05:40 PM
‎مراتب القضاء والقدر عند أهل السنة‎ ‎والجماعة‎ ‎


أربع مراتب ‏:‏‎ ‎

‎ ‎المرتبة الأولى ‏:‏‎ ‎العلم وهي أن‎ ‎يؤمن الإنسان إيمانا جازما بأن الله تعالى بكل شيء عليم وأنه ‏يعلم ما في السماوات‎ ‎والأرض جملة وتفصيلاً سواء كان ذلك من فعله أو من فعل مخلوقاته وأنه لا ‏يخفى على‎ ‎الله شيء في الأرض ولا في السماء ‏.‏‎ ‎

‎ ‎المرتبة الثانية ‏:‏‎ ‎الكتابة وهى‎ ‎أن الله تبارك وتعالى كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل ‏شيء‏.‏ وقد جمع الله‏‎ ‎تعالى بين هاتين المرتبتين في قوله‏:‏ ‏‎{‎‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ‎ ‎اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ ‏إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ‎ ‎ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ‏‎}‎‏ ‏[‏الحج ‏:‏70‏]‏ فبدأ سبحانه بالعلم‏‎ ‎وقال إن ذلك في كتاب أي ‏أنه مكتوب في اللوح المحفوظ كما جاء به الحديث عن رسول الله‎ ‎صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‎(‎‏إن‎ ‎أول ما ‏خلق الله القلم قال له اكتب قال رب ماذا اكتب ‏؟‏ قال اكتب ما هو كائن فجرى‏‎ ‎في تلك الساعة بما هو ‏كائن إلى يوم القيامة‏‎)‎‏ ‏‎(4)‎‏‏.‏‎ ‎
ولهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم عما نعمله أشيء مستقبل أم شيء‎ ‎قد قضي وفرغ منه ‏؟‏ قال‏‎ ‎‏(‏إنه ‏قد قضي وفرغ منه‏‎)‎‏ ‏‎(5)‎‏ وقال أيضا حين سئل ‏:‏ أفلا ندع العمل ونتكل‏‎ ‎على الكتاب الأول قال ‏‏‎(‎‏اعملوا فكل ميسر لما خلق له‏‎)‎‏ ‏‎(6)‎‏‏.‏‎ ‎
فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل فأنت يا أخي اعمل وأنت ميسر‏‎ ‎لما خلقت له ‏.‏‎ ‎
ثم تلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ‏:‏ ‏‎{‎‏فَأَمَّا مَن أَعْطَى‎ ‎وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ‏وَأَمَّا مَن بَخِلَ‎ ‎وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى‏‎}‎‏‎ ‎‏[‏ الليل‏:‏ 5 - 10‏]‏‎ ‎

‎ ‎المرتبة الثالثة ‏:‏‎ ‎المشيئة وهي‎ ‎أن الله تبارك وتعالى شاء لكل موجود أو معدوم في السماوات أو ‏في الأرض فما وجد‎ ‎موجود إلا بمشيئة الله تعالى وما عدم معدوم إلا بمشيئة الله تعالى وهذا ظاهر في‎ ‎القرآن الكريم وقد أثبت الله تعالى مشيئته في فعله ومشيئته في فعل العباد فقال الله‎ ‎تعالى ‏:‏ ‏‎{‎‏لِمَن شَاءَ ‏مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ‎ ‎أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ‏‎}‎‏ ‏[‏ التكوير ‏:‏ 28، 29 ‏]‏‎ ‎‏‎{‎‏وَلَوْ شَاء‎ ‎رَبُّكَ مَا ‏فَعَلُوهُ‏‎}‎‏ ‏[‏ الأنعام ‏:‏ 112 ‏]‏ ‏‎{‎‏وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ‎ ‎مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ‏‎}‎‏ ‏[‏‎ ‎البقرة ‏:‏ 253 ‏]‏ ‏.‏‎ ‎
فبين الله تعالى أن فعل الناس كائن بمشيئته وأما فعله تعالى فكثير‎ ‎قال تعالى ‏‎{‎‏وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ ‏هُدَاهَا‏‎}‎‏‎ ‎‏[‏ الأنعام ‏:‏13‏]‏ وقوله ‏‎{‎‏وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً‎ ‎وَاحِدَةً‏‎}‎‏ ‏[‏ هود 118‏]‏ إلى آيات كثيرة ‏تثبت المشيئة في فعله‎ ‎تبارك وتعالى فلا يتم الإيمان بالقدر إلا أن نؤمن بأن مشيئة الله عامة لكل ‏موجود أو‎ ‎معدوم فما من معدوم إلا وقد شاء الله تعالى عدمه وما من موجود إلا وقد شاء الله‎ ‎تعالى ‏وجوده ولا يمكن أن يقع شيء في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئة الله تعالى‎ ‎‏.‏‎ ‎

‎ ‎المرتبة الرابعة ‏:‏‎ ‎الخلق أي أن‎ ‎نؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء فما من موجود في ‏السماوات والأرض إلا الله خالقه‎ ‎حتى الموت يخلقه الله تبارك وتعالى وإن كان هو عدم الحياة يقول ‏الله تعالى ‏:‏ ‏‎{‎‏الَّذِي خَلَقَ‎ ‎الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً‏‎}‎‏‎ ‎‏[‏الملك ‏:‏ 2‏]‏ فكل شيء في ‏السماوات أو في الأرض فإن الله تعالى خالقه لا خالق‎ ‎إلا الله تبارك وتعالى وكلنا يعلم أن ما يقع من ‏فعله سبحانه وتعالى بأنه مخلوق له‎ ‎فالسماوات والأرض والجبال والأنهار والشمس والقمر والنجوم ‏والرياح والإنسان‎ ‎والبهائم كلها مخلوقات الله وكذلك لهذه المخلوقات من صفات وتقلبات أحوال كلها ‏أيضا‎ ‎مخلوقة لله عز وجل ‏.‏ ولكن قد يشكل على الإنسان كيف يصح أن نقول في فعلنا وقولنا‏‎ ‎الاختياري إنه مخلوق لله عز وجل ‏.‏ فنقول نعم يصح أن نقول ذلك لأن فعلنا وقولنا‏‎ ‎ناتج عن أمرين ‏.‏‎ ‎
أحدهما ‏:‏ القدرة‏‎ ‎
والثاني ‏:‏ الإرادة‏‎ ‎
فإذا كان فعل العبد ناتجا عن إرادته وقدرته فإن الذي خلق هذه‎ ‎الإرادة وجعل قلب الإنسان قابلاً ‏للإرادة هو الله عز وجل وكذلك الذي خلق فيه القدرة‎ ‎هو الله عز وجل وكذلك الذي خلق فيه القدرة ‏هو الله عز وجل ويخلق السبب التام الذي‎ ‎يتولد عنه المسبب نقول إن خالق السبب التام خالق المسبب ‏أي أن خالق المؤثر خالق‎ ‎للأثر فوجه كونه تعالى خالقا لفعل العبد أن نقول فعل العبد وقوله ناتج عن ‏أمرين هما‎ ‎‏:‏‎ ‎
‎1- ‎الإرادة‎ ‎
‎2- ‎القدرة‎ ‎
فلولا الإرادة لم يفعل ولولا القدرة لم يفعل لأنه إذا أراد وهو عاجز‎ ‎لم يفعل وإذا كان قادرا ولم يرد لم ‏يكن الفعل فإذا كان الفعل ناتجا عن إرادة جازمة‎ ‎وقدرة كاملة فالذي خلق الإرادة الجازمة والقدرة ‏الكاملة هو الله وبهذا الطريق عرفنا‎ ‎كيف يمكن أن نقول إن الله تعالى خالق لفعل العبد وإلا فالعبد فهو ‏الفاعل في الحقيقة‎ ‎فهو المتطهر وهو المصلي وهو المزكي وهو الصائم وهو الحاج وهو المعتمر ‏وهو العاصي‎ ‎وهو المطيع لكن هذه الأفعال كلها كانت ووجدت بإرادة وقدرة مخلوقين لله عز وجل‎ ‎والأمر ولله الحمد واضح ‏.‏‎ ‎
وهذه المراتب الأربع المتقدمة يجب أن تثبت لله عز وجل وهذا لا ينافي‎ ‎أن يضاف الفعل إلى فاعله ‏من ذوى الإرادة ‏.‏‎ ‎
كما نقول النار تحرق والذي خلق الإحراق فيها هو الله تعالى بلا شك‎ ‎فليست محرقة بطبيعتها بل هي ‏محرقة بكون الله تعالى جعلها محرقة ولهذا لم تكن النار‎ ‎التي ألقي فيها إبراهيم محرقة لأن الله قال لها ‏‏‎{‎‏كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا‎ ‎عَلَى إِبْرَاهِيمَ‏‎}‎‏ ‏[‏ الأنبياء ‏:‏ 69 ‏]‏ فكانت بردا وسلاماً على‏‎ ‎إبراهيم فالنار بذاتها لا ‏تحرق ولكن الله تعالى خلق فيها قوة الإحراق وقوة الإحراق‎ ‎هي في مقابل فعل العباد كإرادة العبد ‏وقدرته فبالإرادة والقدرة يكون الفعل وبالمادة‎ ‎المحرقة في النار يكون الإحراق فلا فرق بين هذا وهذا ‏ولكن العبد لما كان له إرادة‎ ‎وشعور واختيار وعمل صار الفعل ينسب إليه حقيقة وحكماً وصار ‏مؤاخذا بالمخالفة معاقبا‎ ‎عليها لأنه يفعل باختيار ويدع باختيار ‏.‏‎ ‎
وأخيرا نقول ‏:‏ على المؤمن أن يرضى بالله تعالى رباٌ ومن تمام رضاه‏‎ ‎بالربوبية أن يؤمن بقضاء الله ‏وقدره ويعلم أنه لا فرق في هذا بين الأعمال التي‎ ‎يعملها وبين الأرزاق التي يسعى لها وبين الآجال ‏التي يدافعها ، الكل بابه سواء‎ ‎والكل مكتوب والكل مقدر وكل إنسان ميسر لما خلق الله ‏.‏‎ ‎
أسال الله عز وجل أن يجعلنا ممن ييسرون لعمل أهل السعادة وأن يكتب‎ ‎لنا الصلاح في الدنيا ‏والآخرة والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا‎ ‎محمد وعلى اله وأصحابه أجمعين‏.‏‎ ‎

وسام أبو عمره
07-03-2005, 01:29 PM
ألف شكر لك أستاذ أحمد
بارك الله فيك
ونفعنا بعلمك