مشاهدة النسخة كاملة : الإسلام - مسائل وفتاوى - ابن باز
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:24 PM
التعريف بالإسلام ومحاسنه
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد : فقد قال الله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا وقال تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وقال تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
والإسلام هو : الاستسلام لله بالتوحيد ، والانقياد له بالطاعة ، والبراءة من الشرك وأهله ، ولقد كان الشرك عقيدة العرب قبل ظهور دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ، روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال : كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به .
أما حال الأمم عامة قبل ظهور دعوته صلى الله عليه وسلم ، فقد بينها القرآن الكريم في آيات كثيرة ، منها قوله عز وجل : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ الآية . وقوله سبحانه : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى
، وقوله سبحانه : إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ إلى قوله سبحانه : إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ وقال عز وجل : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
والآيات في هذا المعنى كثيرة ، ودلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما ذكره كتاب السيرة النبوية والمؤرخون والثقات بأحوال الأمم : أن أهل الأرض قد تنوع شركهم قبل مبعثه عليه الصلاة والسلام ، فمنهم من يعبد الأصنام والأوثان ، ومنهم من يعبد أصحاب القبور ، ومنهم من يعبد الشمس والقمر . والكواكب ، ومنهم من يعبد غير ذلك ، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعبدوا الله وحده ، وأن يدعوا ما هم عليه وآباؤهم من الباطل ، كما قال الله عز وجل : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وقال سبحانه كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
، وقال سبحانه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وقال تعالى : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وقال عز وجل : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ وقال سبحانه : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ الآية والآيات في هذا المعنى كثيرة .
وقد أوضح سبحانه في آيات كثيرات أن هؤلاء المشركين كانوا مع شركهم وكفرهم يعترفون بأن الله خالقهم ، ورازقهم ، وإنما عبدوا غيره على أنه واسطة بينهم وبين الله كما سبق في قوله سبحانه : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ وما جاء في معناه من الآيات ، ومن ذلك قوله سبحانه : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ وقوله سبحانه : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ وغيرها من آيات كثيرات صريحة في هذا المعنى .
فجاءت بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام الخاتم ليس للعرب وحدهم ، بل وللناس كافة ، جاءت في وقت البشرية جمعاء بأمس الحاجة إلى من يخرجهم من الظلمات إلى النور .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:24 PM
فالإسلام : هو الاستسلام لله ، والانقياد له سبحانه بتوحيده ، والإخلاص له والتمسك بطاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام ، ولهذا سمي إسلاما؟ لأن المسلم يسلم أمره لله ، ويوحده سبحانه ، ويعبده وحده دون ما سواه ، وينقاد لأوامره ويدع نواهيه ، ويقف عند حدوده ، هكذا الإسلام .
وله أركان خمسة وهي : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا .
والشهادتان معناهما : توحيد الله والإخلاص له ، والإيمان بأن محمدا رسوله عليه الصلاة والسلام إلى جميع الثقلين الجن والإنس ، وهاتان الشهادتان هما أصل الدين ، وهما أساس الملة ، فلا معبود بحق إلا الله وحده ، وهذا هو معنى لا إله إلا الله ، كما قال عز وجل : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ
وأما شهادة أن محمدا رسول الله فمعناها : أن تشهد - عن يقين وعلم - أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي المكي ثم المدني هو رسول الله حقا ، وهو أشرف عباد الله ، وقرابته وأسرته هم أفضل العرب على الإطلاق ، فهو خيار من خيار من خيار عليه الصلاة والسلام ، وهو أشرف الخلق وسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه .
فعليك أن تؤمن بأن الله بعثه للناس عامة . إلى الجن والإنس ، إلى الذكور والإناث ، إلى العرب والعجم ، إلى الأغنياء والفقراء ، إلى الحاضرة
والبادية ، هو رسول الله إلى الجميع ، من اتبعه فله الجنة ، ومن خالف أمره فله النار ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل يا رسول الله ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى خرجه البخاري في صحيحه
فهذه العقيدة الإسلامية العظيمة مضمونها : توحيد الله ، والإخلاص له ، والإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسوله حقا ، والإيمان بجميع المرسلين ، مع الإيمان بوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج ، والإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله . هذه هي العقيدة الإسلامية المحمدية ، وقد وقع من بعض الناس قوادح فيها ، ونواقض تنقضها يجب أن نبينها في هذه الكلمة .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:24 PM
وهذا الدين العظيم وهو الإسلام يقوم على أسس وقواعد خمس : وهي أركانه ، كما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت
فالشهادتان أول أركان الإسلام وأهمها ، وهذه الكلمة العظيمة ليست عبادة تنطق باللسان فحسب ، وإن كان بهما يصبح مسلما ظاهرا ، بل الواجب العمل بمدلولهما ، ويتضمن ذلك إخلاص العبادة لله وحده ، والإيمان بأنه المستحق لها ، وأن عبادة ما سواه باطلة .
كما يقتضي مدلولهما محبة الله سبحانه ، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذه المحبة تقتضي عبادة الله وحده وتعظيمه واتباع سنة نبيه ، كما قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ كما أن من مدلولهما طاعة رسول الله فيما أمر به قال تعالى : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وجاء في الحديث المتفق على صحته : ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما الحديث
وقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين
أما الركن الثاني : فهو إقامة الصلاة : فهي أهم الأركان بعد الشهادتين إذ هي عمود الدين وأول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة من عمله : صلاته ، فإن صلحت فقد أفلح ونجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر ، وهي عبادة تؤدى في وقتها المحدد ، قال تعالى : إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا وأمرنا الله سبحانه وتعالى بالمحافظة عليها فقال تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
وقد توعد الله سبحانه وتعالى من يتهاون بها ويؤخرها عن وقتها قال تعالى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا وقال سبحانه : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ
والصلاة هي العلامة المميزة بين الإسلام والكفر والشرك . روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة وفي حديث بريدة رضي الله عنه : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر خرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح .
والواجب أن تؤدى الصلاة جماعة في المسجد لما لها من الفضل العظيم ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة جماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة متفق عليه . ولقد هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريق البيوت على رجال يتخلفون عن صلاة الجماعة . في حديث متفق عليه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر خرجه ابن ماجة والدارقطني وابن حبان والحاكم بإسناد صحيح . وذلك يدل على عظم شأن أدائها في الجماعة .
وهذه الصلاة من تمامها وشرط قبولها عند الله سبحانه وتعالى الخشوع والاطمئنان فيها ، قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يطمئن في صلاته أن يعيدها .
والصلاة مظهر من مظاهر المساواة والأخوة والانتظام ، وتوحيد وجهتهم إلى الكعبة المشرفة قبلتهم . وفي الصلاة راحة للمؤمن وقرة عين ، كما قال عليه الصلاة والسلام : وجعلت قرة عيني في الصلاة وكان صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر فزع إليها ، لقوله تعالى : اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وكان يقول لبلال : يا بلال أرحنا بها " . لأن المسلم إذا وقف للصلاة إنما يقف أمام خالقه سبحانه وتعالى : فيستريح قلبه ، وتطمئن نفسه ، وتخشع جوارحه ، وتقر عينه بربه ومولاه عز وجل .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:25 PM
والركن الثالث : إيتاء الزكاة : وهي فريضة اجتماعية سامية ،
تشعر المؤمن بسمو أهداف الإسلام : من عطف ورحمة وحب وتعاون بين المسلمين ، وليس لواحد منة أو فضل فيما يقدمه من مال ، إنما هو حق واجب ، ولأنه في الحقيقة مال الله الذي استخلفه فيه ، قال تعالى : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وقال تعالى : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ
ولقد قرنت الزكاة بالصلاة في آيات كثيرة ولأهميتها قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعض قبائل العرب عندما منعوا زكاة أموالهم ، وقال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، وتابعه الصحابة رضي الله عنهم على ذلك . ولقد توعد الله سبحانه وتعالى من بخل عن الإنفاق ، فقال تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وتجب الزكاة على المسلم إذا بلغ نصابا من أي نوع من أنواع المال الزكوي إذا حال عليه الحول ، ما عدا الحبوب والثمار فإن الزكاة تجب فيها عند نضجها وتمام استوائها ، وإن لم يحل عليها الحول . وتعطى لمستحقيها كما وردت أصنافهم في القرآن الكريم في سورة التوبة ، قال تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:25 PM
الركن الرابع : صوم رمضان : لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وفي الصوم يتدرب المسلم على كبح جماح نفسه عن الملذات والشهوات المباحة لمدة من الزمن ، وله فوائد صحية علاوة على الفوائد الروحية ، وفيه يشعر المسلم بحاجة أخيه المسلم الجائع والذي قد تمر عليه الأيام دون طعام أو شراب ، كما يحصل الآن لبعض إخواننا في أفريقيا .
وشهر رمضان أفضل الشهور ، وقد أنزل الله فيه القرآن الكريم قال تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ وفيه ليلة خير من ألف شهر قال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ والصائم يغفر له ما تقدم من ذنبه إذا كان صومه إيمانا واحتسابا ، كما صح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه متفق عليه .
والواجب على الصائم أن يحفظ صيامه باجتناب الغيبة والنميمة والكذب والاستماع إلى الملاهي ، والحذر من سائر المحرمات ، ويسن له الإكثار من قراءة القرآن ومن ذكر الله والصدقة والاجتهاد في العبادة وخاصة في العشر الأواخر .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:26 PM
أما الركن الخامس : فهو حج البيت الحرام : قال تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وفرض الحج مرة واحدة في العمر ، وكذلك العمرة ، ويجبان على المسلم العاقل البالغ الحر المستطيع ، ويصحان من الصبي ولكن لا يسقط عنه بذلك فرضهما إذا بلغ واستطاع ، والمرأة التي ليس لديها محرم يرافقها في الحج والعمرة يسقطان عنها لصحة الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن سفر المرأة دون محرم ،
والحج مؤتمر إسلامي يلتقي فيه المسلمون حيث يأتون إليه من كل فج عميق ومن سائر أرجاء الدنيا من جنسيات وألوان ولغات ، يلبسون لباسا واحدا ، يقفون على صعيد واحد ، والجميع يؤدون عبادة واحدة لا فرق بين كبير وصغير ولا غني وفقير ولا أسود وأبيض ، سواسية ، كما قال الله سبحانه : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:27 PM
أيها الإخوة الكرام أعضاء المؤتمر :
ليس من الخافي على كل من له أدنى علم أو بصيرة أن العالم الإسلامي اليوم بل العالم كله في أشد الحاجة إلى الدعوة الإسلامية الواضحة الجلية التي تشرح للناس حقيقة الإسلام وتوضح لهم أحكامه ومحاسنه ، وتشرح لهم معنى ( لا إله إلا الله ) ومعنى شهادة ( أن محمدا رسول الله ) فإن أكثر الخلق لم يفهموا هاتين الشهادتين كما ينبغي ، ولذلك دعوا مع الله غيره ، وابتعدوا عنه ، إن هاتين الشهادتين هما أصل الدين وأساس الملة وقاعدة الإسلام التي عليها مداره .
أما الشهادة الأولى فهي تبين حقيقة التوحيد وحقيقة العبادة التي يجب إخلاصها لله وحده سبحانه وتعالى لأن معناها كما لا يخفى لا معبود بحق إلا الله ، فهي تنفي العبادة عن غير الله وتثبت العبادة لله وحده ، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ، من الصلاة والزكاة والصوم والحج والذبح والنذر والدعاء والاستغاثة والسجود وغير ذلك ، فهذه العبادات يجب أن تكون لله وحده ، ويجب على العلماء أن يبينوا ذلك للناس ، وأن صرفها لنبي أو ولي أو غيرهما من الخلق شرك بالله عز وجل ، قال الله جل وعلا : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وقال سبحانه وتعالى : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وقال الله تعالى : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ والآيات في هذا المعنى كثيرة .
وأما شهادة أن محمدا رسول الله فكثير من الناس لا يفهمها على حقيقتها ، وحكموا القوانين الوضعية وأعرضوا عن شريعة الله ، ولم يبالوا بها ، جهلا بها أو تجاهلا لها . إن شهادة أن محمدا رسول الله تقتضي الإيمان برسول الله عليه الصلاة والسلام ، وطاعته في أوامره واجتناب نواهيه ، وتصديق أخباره وأن لا يعبد الله إلا بالشريعة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام ، كما قال الله عز وجل : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وقال سبحانه : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
فالواجب على جميع المسلمين ، وعلى جميع الثقلين أن يعبدوا الله وحده ، وأن يحكموا نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام كما قال سبحانه : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
وقال عز وجل : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وقال سبحانه : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:27 PM
الدرس الخامس : أركان الإسلام
وهي خمسة : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:29 PM
الركن الأول من أركان الإسلام : معناه ومقتضاه
السؤال الأول : اشرحوا لنا لو تكرمتم معنى الركن الأول من أركان
الإسلام وما يقتضيه ذلك المعنى ، وكيف يتحقق من الإنسان وما حكم من جهل شيئا منه؟
الجواب : بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد :
فإن الله بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس عامة عربهم وعجمهم ، جنهم وإنسهم ، ذكورهم وإناثهم ، يدعوهم إلى توحيد الله والإخلاص له وإلى الإيمان به عليه الصلاة والسلام وبما جاء به وإلى الإيمان بجميع المرسلين وبجميع الملائكة والكتب المنزلة من السماء وباليوم الآخر وهو البعث والنشور والجزاء والحساب والجنة والنار وبالقدر خيره وشره ، وإن الله قدر الأشياء وعلمها وأحصاها وكتبها سبحانه وتعالى ، وكل شيء يقع هو بقضاء الله وقدره ومشيئته النافذة سبحانه وتعالى ، وأمر الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، هذا هو أول شيء دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الركن الأول من أركان الإسلام شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فلما قال للناس قولوا لا إله إلا الله وأمر أن يؤمنوا بأنه رسول الله عليه الصلاة والسلام امتنع الأكثرون وأنكروا هذه الدعوة ، وقالت له قريش ما ذكر الله عنهم أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ
وقال سبحانه عنهم : إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ فاستنكروا هذه الدعوة لأنهم عاشوا على عبادة الأوثان والأصنام وعبادة هذه الآلهة مع الله عز وجل ، فلهذا أنكروا دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى توحيد الله والإخلاص له وهذا الذي دعا إليه صلى الله عليه وسلم هو الذي دعت إليه الرسل جميعا كما قال سبحانه وتعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقال سبحانه : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وفي الصحيح أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه سائل يسأله في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه من الحاضرين أحد ، فقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال : الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت قال الصحابة فعجبنا له يسأله ويصدقه ثم قال أخبرني عن الإيمان قال له الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال أخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك الحديث
ثم أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا السائل هو جبرائيل عليه السلام أتاهم يعلمهم دينهم لما لم يسألوا أتاهم جبرائيل بأمر الله يسأل عن هذا الدين العظيم حتى يتعلموا ويستفيدوا ، فدين الإسلام مبني على هذه الأركان الخمسة الظاهرة
أولها : شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .
ثانيها : إقام الصلوات الخمس .
ثالثها : أداء الزكاة .
رابعها : صوم رمضان .
خامسها : حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا ، وعلى أركان باطنة إيمانية بالقلب وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ، فلابد من هذه الأصول وهي أن يؤمن المكلف بهذه الأصول الستة الباطنة التي تتعلق بالقلب ، فيؤمن بأن الله ربه وإلهه وهو الحق سبحانه وتعالى ، ويؤمن بملائكة الله وبكتب الله التي أنزلها على الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغيرها من الكتب المنزلة على الأنبياء ، ويؤمن أيضا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده أولهم نوح وآخرهم محمد عليه الصلاة والسلام ، وهم كثيرون بين الله بعضهم في القرآن العظيم ، ويؤمن أيضا باليوم الآخر وهو البعث بعد الموت والحساب والجزاء وسائر أمور الآخرة فأهل الإيمان لهم السعادة والجنة ، وأهل الكفر لهم الخيبة والندامة والنار ، ولابد من الإيمان بالقدر خيره وشره ، وأن الله قدر الأشياء وعلمها وكتبها وأحصاها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل ما في الوجود من خير وشر وطاعة ومعصية فقد سبق فيها علم الله وكتابه وقدره سبحانه وتعالى ، فالأصل العظيم الأول الذي جاءت به الرسل هو الإيمان بأن الله هو الإله الحق سبحانه وتعالى وهذا هو معنى شهادة ألا إله إلا الله ، وهذا أصل أصيل أجمعت عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم دعوا إلى هذا الأصل الأصيل ، وهو أن يؤمن الناس بأن الله هو الإله الحق وأنه لا معبود بحق سواه وهذا هو معنى لا إله إلا الله أي : لا معبود حق إلا الله ،
وما عبده الناس من أصنام أو أشجار أو أحجار أو أنبياء أو أولياء أو ملائكة كله باطل ، فالعبادة الحق لله وحده سبحانه وتعالى كما قال سبحانه : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وقال سبحانه : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وقال تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وقال سبحانه : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وقال عز وجل : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ
من برنامج نور على الدرب رقم الشريط 16 .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:30 PM
السؤال الثالث : يلاحظ جهل كثير من المحسوبين على الأمة الإسلامية بمعنى لا إله إلا الله وقد ترتب على ذلك الوقوع فيما ينافيها ويضادها أو ينقصها من الأقوال والأعمال فما معنى لا إله إلا الله ؟ وما مقتضاها؟ وما شروطها؟
الجواب : لا شك أن هذه الكلمة وهي لا إله إلا الله هي أساس الدين ، وهي الركن الأول من أركان الإسلام ، مع شهادة أن محمدا رسول الله ، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت متفق على صحته من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .
وفي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا - رضي الله عنه - إلى اليمن ، قال له : إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم الحديث متفق عليه ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة .
ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله : لا معبود حق إلا الله ، وهي تنفي الإلهية بحق عن غير الله سبحانه ، وتثبتها بالحق لله وحده ، كما قال الله عز وجل في سورة الحج : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وقال سبحانه في سورة المؤمنين : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ وقال عز وجل في سورة البقرة : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وقال في سورة البينة : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وهذه الكلمة العظيمة لا تنفع قائلها ولا تخرجه من دائرة الشرك إلا إذا عرف معناها وعمل به وصدق به .
وقد كان المنافقون يقولونها وهم في الدرك الأسفل من النار لأنهم لم يؤمنوا بها ولم يعملوا بها . وهكذا اليهود تقولها وهم من أكفر الناس - لعدم إيمانهم بها - وهكذا عباد القبور والأولياء من كفار هذه الأمة يقولونها وهم يخالفونها بأقوالهم وأفعالهم وعقيدتهم ، فلا تنفعهم ولا يكونون بقولها مسلمين لأنهم ناقضوها بأقوالهم وأعمالهم وعقائدهم .
وقد ذكر بعض أهل العلم أن شروطها ثمانية جمعها في بيتين فقال :
علم يقين وإخلاص وصدقك مع
محبة وانقياد والقبول لها
وزيد ثامنها الكفران منك بما
سوى الإله من الأشياء قد ألها
وهذان البيتان قد استوفيا جميع شروطها :
الأول : العلم بمعناها المنافي للجهل وتقدم أن معناها لا معبود بحق إلا الله فجميع الآلهة التي يعبدها الناس سوى الله سبحانه كلها باطلة .
الثاني : اليقين المنافي للشك فلابد في حق قائلها أن يكون على يقين بأن الله سبحانه هو المعبود بالحق .
الثالث : الإخلاص وذلك بأن يخلص العبد لربه سبحانه وهو الله عز وجل جميع العبادات ، فإذا صرف منها شيئا لغير الله من نبي أو ولي أو ملك أو صنم أو جني أو غيرها فقد أشرك بالله ونقض هذا الشرط وهو شرط الإخلاص .
الرابع : الصدق ومعناه أن يقولها وهو صادق في ذلك ، يطابق قلبه لسانه ، ولسانه فلبه ، فإن قالها باللسان فقط وقلبه لم يؤمن بمعناها فإنها لا تنفعه ، ويكون بذلك كافرا كسائر المنافقين .
الخامس : المحبة ، ومعناها أن يحب الله عز وجل ، فإن قالها وهو لا يحب الله صار كافرا لم يدخل في الإسلام كالمنافقين . ومن أدلة ذلك قوله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ الآية ، وقوله سبحانه : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ والآيات في هذا المعنى كثيرة .
السادس : الانقياد لما دلت عليه من المعنى ، ومعناه أن يعبد الله وحده وينقاد لشريعته ويؤمن بها ، ويعتقد أنها الحق . فإن قالها ولم يعبد الله وحده ، ولم ينقد لشريعته بل استكبر عن ذلك ، فإنه لا يكون مسلما كإبليس وأمثاله .
السابع : القبول لما دلت عليه ، ومعناه : أن يقبل ما دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه وأن يلتزم بذلك ويرضى به .
الثامن : الكفر بما يعبد من دون الله ، ومعناه أن يتبرأ من عبادة غير الله ويعتقد أنها باطلة ، كما قال الله سبحانه : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ، وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه أخرجهما مسلم في صحيحه .
فالواجب على جميع المسلمين أن يحققوا هذه الكلمة بمراعاة هذه الشروط ، ومتى وجد من المسلم معناها والاستقامة عليه فهو مسلم حرام الدم والمال ، وإن لم يعرف تفاصيل هذه الشروط لأن المقصود وهو العلم بالحق والعمل به وإن لم يعرف المؤمن تفاصيل الشروط المطلوبة .
والطاغوت هو كل ما عبد من دون الله كما قال الله عز وجل : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا الآية .
وقال سبحانه : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ومن كان لا يرضى بذلك من المعبودين من دون الله كالأنبياء والصالحين والملائكة فإنهم ليسوا بطواغيت ، وإنما الطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى عبادتهم وزينها للناس نسأل الله لنا وللمسلمين العافية من كل سوء ، وأما الفرق بين الأعمال التي تنافي هذه الكلمة وهي لا إله إلا الله ، والتي تنافي كمالها الواجب ، فهو : أن كل عمل أو قول أو اعتقاد يوقع صاحبه في الشرك الأكبر فهو ينافيها بالكلية ويضادها . كدعاء الأموات والملائكة والأصنام والأشجار والأحجار والنجوم ونحو ذلك ، والذبح لهم والنذر والسجود لهم وغير ذلك .
فهذا كله ينافي التوحيد بالكلية ، ويضاد هذه الكلمة ويبطلها وهي : لا إله إلا الله ، ومن ذلك استحلال ما حرم الله من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة والإجماع كالزنا وشرب المسكر وعقوق الوالدين والربا ونحو ذلك ، ومن ذلك أيضا جحد ما أوجب الله من الأقوال والأعمال المعلومة من الدين بالضرورة والإجماع كوجوب الصلوات الخمس والزكاة وصوم رمضان وبر الوالدين والنطق بالشهادتين ونحو ذلك .
أما الأقوال والأعمال والاعتقادات التي تضعف التوحيد والإيمان وتنافي كماله الواجب فهي كثيرة ومنها : الشرك الأصغر كالرياء والحلف بغير الله ، وقول ما شاء الله وشاء فلان ، أو هذا من الله ومن فلان ونحو ذلك ، وهكذا جميع المعاصي كلها تضعف التوحيد والإيمان وتنافي كماله الواجب ، فالواجب الحذر من جميع ما ينافي التوحيد والإيمان أو ينقص ثوابه ، والإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية .
والأدلة على ذلك كثيرة أوضحها أهل العلم في كتب العقيدة وكتب التفسير والحديث فمن أرادها وجدها والحمد لله ، ومن ذلك قول الله تعال : وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وقوله سبحانه : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وقوله سبحانه : وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والآيات في هذا المعنى كثيرة .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:31 PM
والصلاة هي عمود الإسلام وأعظم الواجبات وأهم الأمور بعد الشهادتين ، فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة العناية بالصلاة ، والمحافظة عليها في أوقاتها وأن يؤديها كل منهما بطمأنينة ، قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وعلى المؤمن أن يحافظ عليها في الجماعة في بيوت الله لا يتشبه بالمنافقين والكسالى بل ويسارع إليها ويحافظ عليها مع إخوانه في بيوت الله كل وقت ، قال تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ يعني صلوا مع المصلين ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر قيل
لابن عباس ما هو العذر قال : خوف أو مرض ، فجاءه رجل أعمى فقال : يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل لي من رخصة إذا صليت في بيتي؟ قال : هل تسمع النداء للصلاة قال نعم قال فأجب
فهذا رجل أعمى ليس له قائد يقال له أجب فكيف بحال غيره.
فعلى المسلم أن يحافظ على هذه العبادة العظيمة التي هي عمود الإسلام من حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ، وقد ذكر مالك رحمه الله في موطئه عن نافع أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يكتب إلى عماله وأمرائه ويقول لهم : (إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع)
وكثير من الناس اليوم ليس عنده عناية بالجماعة وهذا خطر عظيم وشر كبير ، وربما ترك بعضهم صلاة الفجر فلم يصلها إلا بعدما تطلع الشمس ويقوم لعمله وهذا منكر عظيم ، فالصلاة عمود الإسلام من حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ، والله يقول سبحانه : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى فالواجب العناية بها والمحافظة عليها في أوقاتها ، وفي الجماعة في حق الرجل ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة ويقول صلى الله عليه وسلم : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر وهذا وعيد عظيم ، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أن ذلك كفر أكبر ،
وأن تركها كفر أكبر وإن لم يجحد وجوبها ، أما إذا جحد وجوبها فهذا كفر أكبر عند جميع العلماء ، فالواجب الحذر ، وأن نحافظ عليها في الجماعة ، وأن نعظمها ونؤديها بقلب حاضر وخشوع وإقبال نرجو ثواب الله ونخشى عقاب الله ،
وهكذا زكاتك حق المال وهي الركن الثالث من أركان الإسلام الخمسة عليك أن تعتني بها ، وأن تؤديها عن طيب نفس وعن رغبة فيما عند الله ، وأن تجتهد في تخليص مالك منها ، وأن تضعها في يد المستحقين لها ترجو ثواب الله وتخشى عقاب الله ،
وهكذا صوم رمضان عليك أن تصومه في وقته ، وأن تحافظ عليه ، وأن تصونه مما حرم الله من غيبة ونميمة ومن سائر المعاصي ،
وهكذا حج البيت في حق من استطاع السبيل إليه يجب عليه أن يحج من رجل وامرأة مرة واحدة في العمر لقول الله عز وجل : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس وذكر منها الحج ،
وهكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليك أن تعتني بهذا مع أهل بيتك ومع جيرانك ومع غيرهم من إخوانك المسلمين ، لكونه من أهم أخلاق المؤمنين والمؤمنات كما قال الله تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ هكذا المؤمنون والمؤمنات
جميعا ذكر الله سبحانه أنهم أولياء ليسوا أعداء ، بل بينهم المحبة والإخاء والتعاون على الخير ، وهكذا يجب على المؤمنين والمؤمنات أن تسود بينهم المحبة والإخاء والحب في الله والبغض في الله ، وأن يكونوا بعيدين عن الكذب والخيانة والغيبة والنميمة وعن شهادة الزور وعن كل ما يسبب الفرقة والاختلاف والشحناء ، وأوضح سبحانه أنهم : يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وقدم ذلك على الصلاة والزكاة ، لعظم الفائدة والمصلحة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي آية أخرى وصف الأمة كلها بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر يعني : أمة الإجابة كما في قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وما ذلك إلا لأهمية هذا الواجب وعظم المصلحة فيه ،
فعلى المؤمن أن يقوم على أهل بيته بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من زوجة وأولاد وغيرهم ، ينصحهم جميعا ويحذرهم من معاصي الله ويحثهم على الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها ، ويحثهم على كل ما أوجب الله ، وينهاهم عما حرم الله عليهم ويحذرهم من الغيبة والنميمة ومن إيذاء بعضهم لبعض ومن إيذاء الجيران ومن تخلف الرجال عن الصلاة في الجماعة إلى غير هذا ، عملا بهذه الآية الكريمة وهي قوله سبحانه : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ الآية ، وعملا بقوله سبحانه :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ الآية. وبقول الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا وبقوله سبحانه عن نبيه ورسوله إسماعيل عليه الصلاة والسلام : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:32 PM
شرح حديث : أمرت أن أقاتل الناس الحديث؟
س : سائل يرجو شرح هذا الحديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله
ج : هذا الحديث صحيح ، رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أمرت أن أقاتل الناس حتى الحديث ، وهذا على ظاهره ، فإن من أتى بالشهادتين وهو لا يأتي بهما قبل ذلك ، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فإنه يعتبر مسلما حرام الدم والمال إلا بحق الإسلام ، يعني : إلا بما يوجبه الإسلام عليه بعد ذلك ، كأن يزني فيقام عليه حد الزنا ؛ إن كان بكرا فبالجلد والتغريب ، وإن كان ثيبا فبالرجم الذي ينهي حياته ، وهكذا بقية أمور الإسلام يطالب بها هذا الذي أسلم وشهد هذه الشهادة وأقام الصلاة وآتى الزكاة . فيطالب بحقوق الإسلام ، وهو معصوم الدم والمال إلا أن يأتي بناقض من نواقض الإسلام ، أو بشيء يوجب الحد عليه ، وهكذا قوله في الحديث الآخر عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله
هذا الحديث مثل ذاك الحديث : من أتى بالتوحيد والإيمان بالرسالة فقد دخل في الإسلام ، ثم يطالب بحق الإسلام ، فيطالب
بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك ، فإن أدى ما أوجب الله عليه فهو مسلم حقا ، وإن امتنع عن شيء أخذ بحق الله فيه وأجبر وألزم بحقوق الله التي أوجبها على عباده .
وهذا هو الواجب على جميع من دخل في دين الإسلام أن يلتزم بحق الإسلام ، فإن لم يلتزم أخذ بحق الإسلام .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:34 PM
تغيير الاسم بعد اعتناق الإسلام
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ح - م - ل وفقه الله سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
فجوابا لكتابكم الكريم المؤرخ في 13 / 9 / 1409هـ المتضمن سؤالكم عن حكم تغيير اسم من يعتنق الإسلام حديثا من اسمه القديم إلى اسم إسلامي وهل يلزم ذلك أم لا ؟ أخبركم أنه ليس في الأدلة الشرعية ما يقتضي وجوب تغيير من هداه الله إلى الإسلام اسمه إلا أن يكون هناك ما يقتضي ذلك شرعا كتعبيده لغير الله كعبد المسيح ونحو ذلك ، أو يكون اسما لا يستحسن التسمي به وغيره أفضل منه كحزن يبدل بسهل ، وكذا ما أشبهه من الأسماء التي لا يستحسن التسمي بها .
لكن التغيير فيما عبد لغير الله لكون واجبا أما ما سواه فهو من باب الاستحسان والأفضلية . ويدخل في القسم الثاني الأسماء التي اشتهر النصارى بالتسمي بها ويتوهم من سمعها أن صاحبها نصراني . فالتغيير فيها مناسب جدا .
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه ، ومنحنا وإياكم الفقه في الدين والثبات عليه . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:39 PM
حكم تغيير الاسم بعد الإسلام
س : هل يلزم من أعلن إسلامه أن يغير اسمه السابق مثل جورج وجوزيف وغيرهما ؟
ج : لا يلزمه تغيير اسمه ، إلا إن كان معبدا لغير الله ، ولكن تحسينه مشروع ، فكونه يحسن اسمه من أسماء أعجمية إلى أسماء إسلامية فهذا مناسب وطيب ، أما الوجوب فلا ، أو إن كان اسمه عبد المسيح وأشباهه من الأسماء المعبدة لغير الله فالواجب تغييره . لأنه من التعبيد لغير الله بإجماع أهل العلم ، كما نقل ذلك أبو محمد بن حزم رحمه الله . وبالله التوفيق .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:40 PM
وقال سبحانه : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا وقال عز وجل : وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فالواجب على جميع المكلفين أن يدخلوا في دين الله ( الإسلام ) وأن يلتزموا به ، وأن يخضعوا لأوامر الله وينتهوا عن نواهيه ، ويلتزموا بهذا الكتاب العظيم فيدينوا به ، ويؤمنوا به ، ويعملوا به مع سنة الرسول ، فإنها الوحي الثاني .
وهذا التراث هو أعظم تراث ، ولا نجاة للعالم ولا سعادة للعالم إلا بحفظ هذا التراث والتفقه فيه ، والاستقامة عليه ، والدعوة إليه علما وعملا وعقيدة ، خلقا وسيرة .
فكتاب الله فيه الهدى والنور وفي سنة رسوله بيان ما قد يخفى ، مع بيان أحكام جاءت بها السنة لم تذكر في كتاب الله ، وأحكام فصلتها السنة لم تفصل في كتاب الله ، قال تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ وقال جل وعلا : وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
فالله أنزل الكتاب عليه تبيانا لكل شيء ، وأمره سبحانه أن يبين للناس وأن يشرح لهم ما قد يخفى عليهم ، وأن يوضح لهم ما قد يختلفون فيه ، حتى يرجعوا إلى الصواب ، وحتى يستقيموا على الهدى ، وقد بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام ، وأدى الأمانة ونصح الأمة ، حتى قال لهم يوم عرفة بعد ما خطبهم وبين لهم ما يجب عليهم في حجهم ، وبين لهم أمورا أخرى تهمهم وتهم المسلمين جميعا فيما يتعلق بالربا ، وأمور الجاهلية وبتحريم الدماء والأموال والأعراض ، وما يتعلق بالنساء ، والوصية بهن خيرا وبيان حقوقهن على أزواجهن وحق أزواجهن عليهن- قال بعد ذلك وبعد ما أوصاهم بالقرآن : وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فرفع أصبعه إلى السماء فقال اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد يستشهد ربه وهو فوق العرش وفوق جميع المخلوقات ، سبحانه وتعالى ، يستشهده عليهم ، وكل عالم يشهد ، وكل مسلم يشهد بأنه بلغ الرسالة ، وكل مسلم عرف دين الله يشهد لهذا النبي الكريم أنه أدى الرسالة وأدى الأمانة وبلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:41 PM
ودين الإسلام مبني على أصلين عظيمين
أحدهما: أن لا يعبد إلا الله وحده.
والثاني: أن لا يعبد إلا بشريعة نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فمن دعا الأموات من الأنبياء وغيرهم ، أو دعا الأصنام أو الأشجار أو الأحجار أو غير ذلك من المخلوقات أو استغاث بهم أو تقرب إليهم بالذبائح والنذور أو صلى لهم أو سجد لهم : فقد اتخذهم أربابا من دون الله وجعلهم أندادا له سبحانه ، وهذا يناقض هذا الأصل وينافي معنى لا إله إلا الله ، كما أن من ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله لم يحقق معنى شهادة أن محمدا رسول الله ، وقد قال الله عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا وهذه الأعمال هي أعمال من مات على الشرك بالله عز وجل ، وهكذا الأعمال المبتدعة التي لم يأذن بها الله فإنها تكون يوم القيامة هباء منثورا لكونها لم توافق شرعه المطهر ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته.
وهذه الكاتبة قد وجهت استغاثتها ودعاءها للرسول صلى الله عليه وسلم وأعرضت عن رب العالمين الذي بيده النصر والضر والنفع وليس بيد غيره شيء من ذلك.
ولا شك أن هذا ظلم عظيم وشرك وخيم ، وقد أمر الله عز وجل بدعائه سبحانه ووعد من يدعوه بالاستجابة وتوعد من استكبر عن ذلك بدخول جهنم ، كما قال عز وجل: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ أي صاغرين ذليلين ، وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الدعاء عبادة ، وعلى أن من استكبر عنه فمأواه جهنم ، فإذا كانت هذه حال من استكبر عن دعاء الله فكيف تكون حال من دعا غيره وأعرض عنه وهو سبحانه القريب المجيب المالك لكل شيء والقادر على كل شيء ، كما قال سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن الدعاء هو العبادة ، وقال لابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله أخرجه الترمذي وغيره ، وقال صلى الله عليه وسلم: من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار رواه البخاري ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي الذنب أعظم ؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك والند هو النظير والمثيل ، فكل من دعا غير الله أو استغاث به أو نذر له أو ذبح له أو صرف له شيئا من العبادة سوى ما تقدم فقد اتخذه ندا لله ، سواء كان نبيا أو وليا أو ملكا أو جنيا أو صنما أو غير ذلك من المخلوقات .
أما سؤال الحي الحاضر بما يقدر عليه والاستعانة به في الأمور الحسية التي يقدر عليها فليس ذلك من الشرك بل من الأمور العادية الجائزة بين المسلمين ، كما قال تعالى في قصة موسى : فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ وكما قال تعالى في قصة موسى أيضا : فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيرها من الأمور التي تعرض للناس ، ويحتاجون فيها إلى أن يستعين بعضهم ببعض ، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الناس أنه لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا فقال في سورة الجن : قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا وقال تعالى في سورة الأعراف : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة وهو صلى الله عليه وسلم لا يدعو إلا ربه ولا يستغيث إلا به ، وكان في يوم بدر يستغيث بالله ويستنصره على عدوه ويلح في ذلك ، ويقول: يا رب أنجز لي ما وعدتني حتى قال الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه "حسبك يا رسول الله فإن الله منجز لك ما وعدك وأنزل الله سبحانه في ذلك قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فذكّرهم سبحانه في هذه الآيات استغاثتهم به ، وأخبر أنه استجاب لهم بإمدادهم بالملائكة ، ثم بيّن سبحانه أن النصر ليس من الملائكة وإنما أمدهم بهم للتبشير بالنصر والطمأنينة ، وبيّن أن النصر من عنده فقال: وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وقال عز وجل في سورة آل عمران : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فبين في هذه الآية أنه سبحانه هو الناصر لهم يوم بدر فعلم بذلك أن ما أعطاهم من السلاح والقوة وما أمدهم به من الملائكة كل ذلك من أسباب النصر والتبشير والطمأنينة وليس النصر منها بل هو من عند الله وحده ، فكيف يجوز لهذه الكاتبة أو غيرها أن توجه استغاثتها وطلبها النصر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتعرض عن رب العالمين المالك لكل شيء والقادر على كل شيء ؟!
لا شك أن هذا من أقبح الجهل بل من أعظم الشرك ، فالواجب على الكاتبة أن تتوب إلى الله سبحانه توبة نصوحا وذلك بالندم على ما وقع منها والإقلاع منه والعزم على عدم العود إليه تعظيما لله وإخلاصا له وامتثالا لأمره وحذرا مما نهى عنه ، هذه هي التوبة النصوح ، وإذا كانت من حق المخلوقين وجب في التوبة أمر رابع وهو رد الحق إلى مستحقه أو تحلله منه ، وقد أمر الله عباده بالتوبة ووعدهم قبولها كما قال تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقال في حق النصارى: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تجب ما كان قبلها ولعظم خطر الشرك وكونه أعظم الذنوب وخشية الاغترار بما صدر من هذه الكاتبة ولوجوب النصح لله ولعباده حررت هذه الكلمة الموجزة ، وأسأل الله عز وجل أن ينفع بها وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين جميعا ، وأن يمن علينا جميعا بالفقه في الدين والثبات عليه ، وأن يعيذنا والمسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه...
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:41 PM
وجوب التصديق مع الشهادتين
س : النطق بالشهادة لا شك أنه لا بد معه من التصديق ، فما هو؟
جـ : أولا لا بد من النطق بالشهادتين ، فلو أمكنه النطق ولكنه امتنع من النطق لم يدخل في الإسلام حتى ينطق بالشهادتين ، وهذا محل إجماع من أهل العلم ، ثم مع النطق لا بد من اعتقاد معنى الشهادتين والصدق في ذلك ، وذلك بأن يعتقد بأنه لا معبود حق إلا الله ولو قالها كاذبا كالمنافقين يقولونها وهم يعتقدون أن مع الله آلهة أخرى لم تنفعهم هذه الكلمة ولم يدخلوا في الإسلام باطنا ، كما قال تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وقال عز وجل : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ فلا بد من التصديق بالقلب واليقين بأنه لا معبود حق إلا الله ، فإن استكبر عن الانقياد لشرع الله كفر ولم ينفعه النطق بالشهادتين . قال تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ وقال سبحانه : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ وهكذا لو استكبر عن الشهادة بأن محمدا رسول الله أو قالها كاذبا فإنه يكون كافرا حتى يؤمن بأن محمدا رسول الله وينقاد لشرعه وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم . والله المستعان .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:42 PM
السؤال : هل يكفي النطق والاعتقاد بهذا الركن من أركان الإسلام أم لابد من أشياء أخر حتى يكتمل إسلام المرء ويكتمل إيمانه؟
الجواب : هذا الركن يدخل به الكافر في الإسلام وذلك بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله عن صدق وعن يقين وعن علم بمعناها وعمل بذلك إذا كان لا يأتي بهما في حال كفره ، ثم يطالب بالصلاة وبقية الأركان وسائر الأحكام ، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن قال له : ادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم
فلم يأمرهم بالصلاة إلا بعد التوحيد والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ، فالكفار أولا يطالبون بالتوحيد والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا أقر الكافر بذلك وأسلم صار له حكم المسلمين ، ثم يطالب بالصلاة وبقية أمور الدين ، فإذا امتنع من ذلك صار له أحكام أخر ، فمن امتنع عن الصلاة يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا وإن لم يجحد وجوبها في أصح قولي العلماء ، وإن امتنع من الزكاة وكابر عليها وقاتل دونها فكذلك يقاتل كما قاتل الصحابة مانعي الزكاة مع أبي بكر رضي الله عنه وحكموا عليهم بالردة ، فإن لم يقاتل دونها أجبره الإمام على تسليمها وعزره التعزير الشرعي الرادع لأمثاله ، وهكذا يطالب المسلم بصوم رمضان ، وحج البيت مع الاستطاعة وسائر ما أوجب الله عليه ويطالب أيضا بترك ما حرم الله عليه لأن دخوله في الإسلام والتزامه به يقتضي ذلك ، ومن أخل بشي مما أوجبه الله أو تعاطى شيئا مما حرم الله عومل بما يستحق شرعا ، أما إن كان الكافر يأتي بالشهادتين في حال كفره كغالب الكفار اليوم فإنه يطالب بالتوبة مما أوجب كفره ولا يكتفي بنطقه بالشهادتين ، لأنه ما زال يقولها في حال كفره لكنه لم يعمل بهما فإذا كان كفره بعبادة الأموات أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك من المخلوقات والاستغاثة بهم ونحو ذلك وجب عليه أن يتوب من ذلك وأن يخلص العبادة لله وحده وبذلك يدخل في الإسلام ، وإذا كان كفره بترك الصلاة وجب عليه أن يتوب من ذلك وأن يؤديها فإذا فعل ذلك دخل في الإسلام .
وهكذا إذا كان كفره باستحلال الزنا أو الخمر وجب عليه أن يتوب من ذلك فإذا تاب من ذلك دخل في الإسلام .
وهكذا يطالب الكافر بترك العمل أو الاعتقاد الذي أوجب كفره فإذا فعل ذلك دخل في الإسلام .
وهذه مسائل عظيمة يجب على طالب العلم أن يعتني بها وأن يكون فيها على بصيرة وقد أوضحها أهل العلم في باب حكم المرتد ، وهو باب عظيم يجب على طالب العلم أن يعتني به وأن يقرأه كثيرا . والله ولي التوفيق ،
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 07:43 PM
التوحيـد أولا
س : هل يكفي النطق بالركن الأول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أم لا بد من أشياء أخرى حتى يكتمل إسلام المرء ؟ .
ج : إذا شهد الكافر أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله عن صدق بذلك ويقين وعلم بما دلت عليه وعمل بذلك دخل في الإسلام ثم يطالب بالصلاة وباقي الأحكام ، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن قال له : ادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم فلم يأمرهم بالصلاة والزكاة إلا بعد التوحيد والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا فعل الكافر ذلك صار له حكم المسلمين ، ثم يطالب بالصلاة وبقية أمور الدين وإذا امتنع عن ذلك صارت له أحكام أخرى ، فإن ترك الصلاة استتابه ولي الأمر فإن تاب وإلا قتل وهكذا بقية الأحكام يعامل فيها بما يستحق .
نشر في مجلة الدعوة عدد 1510في 4/5/1416هـ
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:36 PM
حكم من مات من أطفال المشركين
قارئ من الرياض يسأل :
الطفل الذي ولد من أبوين كافرين ومات قبل بلوغه سن التكليف هل هو مسلم عند الله أم لا؟ علما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل مولود يولد على الفطرة الحديث .
وإذا كان مسلما فهل يجب على المسلمين أن يغسلوا جنازته ويصلوا عليه؟ أفيدونا مأجورين .
الجواب :
إذا مات غير المكلف بين والدين كافرين فحكمه حكمهما في أحكام الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين . أما في الآخرة فأمره إلى الله سبحانه ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما سئل عن أولاد المشركين قال : الله أعلم بما كانوا عاملين وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن علم الله سبحانه فيهم يظهر يوم القيامة وأنهم يمتحنون كما يمتحن أهل الفترة ونحوهم فإن أجابوا إلى ما يطلب منهم دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار ، وقد صحت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في امتحان أهل الفترة يوم القيامة ، وهم الذين لم تبلغهم دعوة الرسل ومن كان في حكمهم كأطفال المشركين لقول الله عز وجل وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وهذا القول هو أصح الأقوال في أهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الدعوة الإلهية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وجماعة من السلف والخلف رحمة الله عليهم جميعا .
وقد بسط العلامة ابن القيم رحمه الله الكلام في حكم أولاد المشركين وأهل الفترة في آخر كتابه : ( طريق الهجرتين ) تحت عنوان " طبقات المكلفين " فمن أحب أن يطلع عليه فليفعل فإنه مفيد جدا وبالله التوفيق .
نشر في مجلة الدعوة العدد 1087 في 15 / 8 /1408 هـ
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:37 PM
سؤال من السودان أيضا : يقول السائل : قال الله تعالى في كتابه الكريم وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وقد ورد في بعض الأحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن والديه في النار .
السؤال : ألم يكونا من أهل الفترة وأن القرآن صريح بأنهم ناجون؟ أفيدونا أفادكم الله .
لجواب :
أهل الفترة ليس في القرآن ما يدل على أنهم ناجون أو هالكون ، إنما قال الله جل وعلا وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فالله جل وعلا من كمال عدله لا يعذب أحدا إلا بعد أن يبعث إليه رسولا ، فمن لم تبلغه الدعوة فليس بمعذب حتى تقام عليه الحجة ، وقد أخبر سبحانه أنه لا يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة ، والحجة قد تقوم عليهم يوم القيامة ، كما جاءت السنة بأن أهل الفترات يمتحنون ذلك اليوم ، فمن أجاب وامتثل نجا ومن عصى دخل النار ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال إن أبي وأباك في النار لما سأله رجل عن أبيه قال إن أباك في النار فلما رأى ما في وجهه من التغير قال إن أبي وأباك في النار خرجه مسلم في صحيحه .
وإنما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ليتسلى به ويعلم أن الحكم ليس خاصا بأبيه ، ولعل هذين بلغتهما الحجة؛ أعني أبا الرجل وأبا النبي صلى الله عليه وسلم ، فلهذا قال النبي عليه السلام : إن أبي وأباك في النار قالهما عن علم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ، قال الله سبحانه وتعالى : وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى فلعل عبد الله بن عبد المطلب والد النبي صلى الله عليه وسلم قد قامت عليه الحجة لما قال في حقه النبي ما قال ، عليه الصلاة والسلام ، وكان علم ذلك مما عرفته قريش من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإنها كانت على ملة إبراهيم حتى أحدث ما أحدث عمرو بن لحي الخزاعي حين تولى مكة وسرى في الناس ما أحدثه عمرو المذكور من بث الأصنام والدعوة إلى عبادتها من دون الله ، فلعل عبد الله قد بلغه ما يدل على أن هذا باطل وهو ما سارت عليه قريش من عبادة الأصنام فتابعهم في باطلة ، فلهذا قامت عليه الحجة ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار لأنه أول من سيب السوائب وغير دين إبراهيم ومن هذا ما جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم استأذن أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له فاستأذن أن يزورها فأذن له أخرجه مسلم في صحيحه .
فلعله بلغها ما تقوم به الحجة عليها من بطلان دين قريش كما بلغ زوجها عبد الله ، فلهذا نُهي صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لها ، ويمكن أن يقال : إن أهل الجاهلية يعاملون معاملة الكفرة في الدنيا فلا يدعى لهم ولا يستغفر لهم؛ لأنهم يعملون أعمال الكفرة فيعاملون معاملتهم وأمرهم إلى الله في الآخرة .
فالذي لم تقم عليه الحجة في الدنيا لا يعذب حتى يُمتحن يوم القيامة؛ لأن الله سبحانه قال : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فكل من كان في فترة لم تبلغهم دعوة نبي فإنهم يمتحنون يوم القيامة ، فإن أجابوا صاروا إلى الجنة وإن عصوا صاروا إلى النار ، وهكذا الشيخ الهرم الذي ما بلغته الدعوة ، والمجانين الذين ما بلغتهم الدعوة وأشباههم كأطفال الكفار؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل عنهم قال : الله أعلم بما كانوا عاملين فأولاد الكفار يمتحنون يوم القيامة كأهل الفترة ، فإن أجابوا جوابا صحيحا نجوا وإلا صاروا مع الهالكين . وقال جمع من أهل العلم : إن أطفال الكفار من الناجين؛ لكونهم ماتوا على الفطرة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رآهم حين دخل الجنة في روضة مع إبراهيم عليه السلام هم وأطفال المسلمين . وهذا قول قوي لوضوح دليله . أما أطفال المسلمين فهم من أهل الجنة بإجماع أهل السنة والجماعة . والله أعلم وأحكم .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:37 PM
مصير من لم يتبلغ بالإسلام يوم القيامة
س6 : ما هو مصير من لم يتبلغ بالإسلام يوم القيامة ، باعتباره لم يتبلغ ولم يعرف الإسلام؟
ج6 : هذا حكمه حكم أهل الفترة الذين لم تبلغهم رسالة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة إنهم يمتحنون يوم القيامة : فمن نجح منهم دخل الجنة ، ومن عصى دخل النار ، فمن لم تبلغه دعوة الإسلام ممن يكون نشأ في جاهلية بعيدة عن المسلمين ، كما في زماننا ، مثلا في أطراف أمريكا أو شواطئ إفريقيا البعيدة عن
الإسلام ، أو ما أشبه ذلك من الجهات التي لم يبلغها الإسلام ، فهذا يمتحن يوم القيامة ، يؤمر وينهى في ذلك اليوم : فإن أجاب الأمر وأطاع دخل الجنة ، وإن عصى دخل النار ، وقد بسط العلامة : ابن القيم رحمه الله هذا المعنى في كتابه (طريق الهجرتين) في آخر الكتاب في بحث سماه : (طبقات المكلفين) ، وأطال في هذا ، وبين كلام أهل العلم ، وذكر الأحاديث الواردة في ذلك .
فالإنسان الذي لم تبلغه الدعوة . لكونه بعيدا عن الإسلام والمسلمين ، أو إنسان بلغ وهو مجنون أو معتوه ليس له عقل ، وكأولاد المشركين إذا ماتوا صغارا بين المشركين في أحد أقوال أهل العلم في شأنهم ، كلهم يمتحنون يوم القيامة فمن أجاب دخل الجنة ، ومن عصى دخل النار ، نسأل الله السلامة . والقول الصواب في أولاد المشركين إذا ماتوا صغارا قبل التكليف : أنهم من أهل الجنة لصحة الأحاديث الدالة على ذلك .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:38 PM
الإسلام هو دين الله ليس له دين سواه
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه ، أما بعد :
فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة المدينة الصادرة بتاريخ 10 / ربيع الآخر/ 1403 هـ وعدد 5785 من الأجوبة الصادرة من بعض الكتاب عن أسئلة مجلة ( لوفيفا رومافزين ) فوجدت فيها ما نصه بعد كلام سبق : ( الصراع بين المسيحية والإسلام والذي أندد به شخصيا وتمكنت من ملاحظته أن بعض المبشرين المسيحيين الذين يلقون خطاباتهم في العالم الثالث يوزعون مناشير تنتقد الإسلام ، كذلك فإني أعرف أن بعض الوعاظ المسلمين يطبعون ويوزعون كتابات تنتقد المسيحية وهذا مما يؤسف له غاية الأسف ، فالإسلام والمسيحية ديانتان منزلتان ونحن نعتقد في إله واحد وبالتالي يجب علينا أن نتفادى كل تصادم بين دينينا ، والعمل من أجل تفاهم بين المسلمين والمسيحيين في خدمة الإنسان ) انتهى .
ونظرا إلى ما في هذا الكلام من الغلط الواضح والإجمال وجب علي وأمثالي التنبيه على ما وقع في هذا الكلام من الأخطاء المخالفة للشرع المطهر فأقول : إن الصراع بين الإسلام وبين الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية والبوذية وغيرها لم يزل قائما من حين بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ، فالإسلام يذم اليهود والنصارى ويعيبهم بأعمالهم القبيحة ويصرح بكفرهم تحذيرا للمسلمين منهم ، كما قال سبحانه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا الآية . وقوله عز وجل : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ الآية ، والآيات بعدها ، وقال تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ
والآيات في ذم اليهود والنصارى والتحذير مما هم عليه من الباطل كثيرة . وقال في حق المشركين كالبوذيين وغيرهم : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ وقال تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " متفق عليه ، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها إن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله " والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .
واليهود كانوا على شريعة التوراة وبعد ما توفي موسى عليه الصلاة والسلام غيروا وبدلوا وحرفوا وانقسموا على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهم أتباع موسى عليه الصلاة والسلام ، ولما بعث الله عيسى عليه الصلاة والسلام بشريعة التوراة وأنزل الله عليه الإنجيل وأحل الله لهم بعض ما حرم عليهم وبين لهم بعض ما اختلفوا فيه كفر به اليهود وكذبوه وقالوا إنه ولد بغي فكذبهم الله بذلك وكفرهم وأنزل فيهم قوله سبحانه فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ إلى أن قال سبحانه وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الآية ، وهكذا النصارى بعد ما رفع عيسى عليه الصلاة والسلام إلى السماء اختلفوا في ذلك على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي التي آمنت بموسى وعيسى وبجميع الأنبياء والرسل الماضين ، ولما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم كفر به اليهود والنصارى جميعا وكذبوه إلا قليلا منهم فصاروا بذلك كفارا لتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وإنكارهم رسالته ، وذمهم الله وعابهم على ذلك وتوعدهم سبحانه بالعذاب والنار ، وكفر سبحانه اليهود أيضا لقولهم العزير ابن الله كما كفر النصارى لقولهم إن الله هو المسيح ابن مريم وبقولهم إن الله ثالث ثلاثة وبقولهم المسيح ابن الله . فوجب على أهل الإسلام أن يكفروا من كفرهم الله ورسوله وأن يبينوا باطلهم وأن يحذروا المسلمين من مكائدهم .
لأن دين اليهودية ودين النصرانية أصبحا دينين باطلين لا يجوز التمسك بهما ، ولا البقاء عليهما . لأن الله نسخهما ببعث محمد صلى الله عليه وسلم وإيجابه على جميع الثقلين اتباعه والتمسك بشريعته كما في قوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
فخرج بهذه الآية من الإسلام ومن أسباب الفلاح اليهود والنصارى والبوذيون وجميع المشركين؛ لأنهم لم يتصفوا بهذه الأوصاف التي وصف الله بها المفلحين بل كلهم عاداه ولم ينصره ولم يتبع النور الذي أنزل معه إلا من هداه الله منهم فهو مع المسلمين الناجين . ثم قال سبحانه بعد هذه الآية قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ فأوضح سبحانه في هذه الآية أنه بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس جميعا من عرب وعجم ورجال ونساء وجن وإنس وأغنياء وفقراء وحكام ومحكومين ، وبين سبحانه أنه لا هداية إلا لمن آمن به واتبعه فدل ذلك على أن جميع الطوائف التي لم تؤمن به ولم تتبعه كافرة ضالة . وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " . متفق على صحته ، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كانوا من أهل النار والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، وما كان في شريعة التوراة والإنجيل من حق فقد جاءت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أو بما هو أفضل منه وأكمل ، كما قال عز وجل : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا
فالإسلام هو دين الرسل جميعا كما قال الله سبحانه : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وقال عز وجل : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
فالإسلام في عهد نوح عليه الصلاة والسلام هو الإيمان بالله وتوحيده وإخلاص العبادة له وتصديق نوح عليه الصلاة والسلام واتباع ما جاء به ، وهكذا في عهد هود وصالح وإبراهيم الخليل ومن جاء بعدهم من الرسل هو توحيد الله والإخلاص له مع إيمان الأمة برسولها الذي أرسله إليها واتباع ما جاء به ، وهكذا في عهد موسى ومن جاء بعده إلى عهد عيسى عليه الصلاة والسلام ، فلما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم صار الإسلام الذي يرضاه الله هو ما بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم من الإيمان به وتوحيده وإخلاص العبادة له والإيمان برسوله محمد وما أنزل عليه من الكتاب والسنة والإيمان بمن قبله من الأنبياء والرسل ، فكل من اتبعه وصدق ما جاء به فهو من المسلمين ومن حاد عن ذلك بعد ما بلغته الدعوة فهو من الكافرين ، ويجب على أهل الإسلام أن يدعوا إلى الحق ، وأن يشرحوا الإسلام ومحاسنه ويبينوا حقيقته لجميع الأمم باللغات التي يفهمونها ، حتى يبلغوا عن الله وعن رسوله دينه ، كما يجب عليهم أن يكشفوا الشبه التي يشبه بها أعداء الإسلام ، وأن يردوا الطعون التي يطعن بها أعداء الإسلام في الإسلام وبينوا بطلانها بالأدلة النقلية والعقلية؛ لأن الله أوجب عليهم أن ينصروا دينه ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، وأخبرهم سبحانه أنه لا نجاة ولا فلاح إلا لمن نصرا الحق واتبعه ، وبهذا يعلم أن انتقاد النصرانية المسماة بالمسيحية وبيان بطلانها وأنها دين قد غير وبدل ثم نسخه الله ببعث محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته - أمر واجب على المسلمين؛ لأن النصرانية لم تبق دينا صالحا لا لنا ولا لغيرنا بل الدين الصحيح للمسلمين ولغيرهم هو الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ، والمسلمون مأمورون بالدعوة إلى دينهم والذب عنه ومعذورون في بيان بطلان جميع الأديان من يهودية ونصرانية وغيرهما ما عدا الإسلام؛ لأنهم بذلك يدعون إلى الحق والجنة وغيرهم من الناس يدعو إلى النار ، كما قال الله سبحانه لما نهى عن نكاح المشركات وعن تزويج المشركين للمسلمات ، قال أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ فالله سبحانه يدعو إلى الجنة وإلى أعمالها ، وهكذا الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهكذا المسلمون العارفون بدينه والداعون إليه على بصيرة ، أما غيرهم من الكفار فإنهم يدعون إلى النار في كتبهم ونشراتهم ووسائل إعلامهم . وبهذا يعلم أنه لا يجوز إطلاق القول بأن الإسلام والمسيحية ديانتان منزلتان؛ لأن المسيحية لم تبق ديانة منزلة بل قد غيرت وحرفت ثم نسخ ما بقي فيها من حق بما بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق . وأما قول الكاتب : ( ونحن نعتقد في إله واحد ) فهذا يخص المسلمين الذين يعتقدون في إله واحد ويعبدونه وحده وينقادون لشرعه وهو الله عز وجل خالق السموات والأرض وخالق كل شيء ورب كل شيء القائل في كتابه المبين : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ والقائل سبحانه في كتابه العزيز : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وهو القائل سبحانه : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ وهو القائل عز وجل : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا " وأما اليهود والنصارى فيعبدون مع الله غيره ولا يعبدون إلها واحدا كما قال تعالى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ الآية ، وقال سبحانه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ فأبان سبحانه في هذه الآيات أن اليهود والنصارى عبدوا آلهة كثيرة من الأحبار والرهبان كما عبد اليهود عزيرا وزعموا أنه ابن الله ، وعبد النصارى المسيح ابن مريم وزعموا أنه ابن الله ، وأنهم جميعا لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا وهو الله سبحانه خالق الأشياء كلها ورب الجميع سبحانه عما يشركون . وبما تقدم يعلم أيضا أنه لا يجوز أن يقال عن الإسلام والنصرانية ما أطلقه الكاتب بقوله ( وبالتالي يجب علينا أن نتفادى كل تصادم بين دينينا الكبيرين ) لأن النصرانية ليست دينا لنا وإنما ديننا الإسلام فقط ، وأما النصرانية فقد سبق أنها دين باطل ، وما فيها من حق فقد جاءت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أو بما هو أكمل منه . فالمسلمون يأخذون به لكونه من الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم لا لأنه جاء في التوراة أو الإنجيل ، بل لأن شرعنا الإسلامي جاء به ودعا إليه . وهذه كلمة موجزة أردت بها التنبيه على ما وقع في كلام هذا الكاتب من الغلط خشية أن يغتر به بعض الناس ، وذلك من النصح الذي أوجبه الله على المسلمين وعلى أهل العلم بوجه أخص في قول النبي صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة " قيل لمن يا رسول الله؟ قال " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم خرجه مسلم في صحيحه ، وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي قال : بايعت النبي على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم وخروجا من إثم الكتمان الذي توعد الله عليه بقوله إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا والكاتب وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه والنصح له ولعباده ، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن القول عليه أو على رسوله بغير علم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:38 PM
وقال عز وجل : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فبين سبحانه وتعالى أن الرسل بعثوا مبشرين ومنذرين ، مبشرين من أطاعهم بالنصر والتأييد والجنة والكرامة ، ومنذرين من عصاهم بالخيبة والندامة والنار .
وفي بعثهم إقامة الحجة ، وقطع المعذرة ، حتى لا يقول قائل ما جاءنا من بشير ولا نذير فالله سبحانه وتعالى بعث الرسل إقامة للحجة ، وقطعا للمعذرة ، وهداية للخلق ، وبيانا للحق . وإرشادا للعباد إلى أسباب النجاة ، وتحذيرا لهم من أسباب الهلاك عليهم الصلاة والسلام فهم خير الناس وأصلح الناس ، وأنفع الناس للناس ، وقال جل وعلا : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا فأخبر سبحانه أنه بعث هذا الرسول الكريم محمدا عليه الصلاة والسلام شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله- فعلم بذلك أن وظيفة الدعوة إلى الله هي تبليغ الناس الحق ، وإرشادهم إليه ، وتحذيرهم مما يخالفه ويضاده . وهكذا أتباعهم إلى يوم القيامة . مهمتهم الدعوة إلى الله وإرشاد الناس إلى ما خلقوا له ، وتحذيرهم من أسباب الهلاك ، كما قال عز وجل : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فأمر الله نبيه أن يبلغ الناس أن سبيله التي هو عليها الدعوة إلى الله عز وجل ، وهكذا أتباعه هم على ذلك .
والمعنى : قل يا محمد ، أو قل يا أيها الرسول للناس : هذه سبيلي أنا ومن اتبعني . فعلم بذلك أن الرسل وأتباعهم هم أهل الدعوة ، وهم أهل البصائر ، فمن دعا على غير بصيرة فليس من أتباعهم ، ومن أهمل الدعوة فليس من أتباعهم ، وإنما أتباعهم على الحقيقة هم الدعاة إلى الله على بصيرة ، يعني أتباعهم الكمل الصادقين الذين دعوا إلى الله على بصيرة ، ولم يقصروا في ذلك ، وعملوا بما يدعون إليه ، وكل ما حصل من تقصير في الدعوة ، أو في البصيرة كان نقصا في الاتباع ، ونقصا في الإيمان وضعفا فيه ، فالواجب على الداعية إلى الله عز وجل ، أن يكون ذا بصيرة ، أي ذا علم ، فالدعوة على جهل لا تجوز أبدا ، لأن الداعية إلى الله على جهل يضر ولا ينفع ، ويخرب ولا يعمر ، ويضل ولا يهدي ، فالواجب على الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى التأسي بالرسل بالصبر والعلم والنشاط في الدعوة : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ فالدعوة إلى الله عز وجل هي سبيل الرسل وطريقهم عليهم الصلاة والسلام ، وفي ذلك غاية الشرف والفضل للدعاة أتباع الرسل ، المقتدين بهم ، السائرين على منهاجهم عليهم الصلاة والسلام ، ومن شرط ذلك أن يكون الداعية على بصيرة وعلم وبينة ، بما يدعو إليه ، ومما يحذر منه حتى لا يضر الناس ، وحتى لا يدعو إلى ضلالة وهو لا يدري ، أو يدعو إلى باطل وترك حق وهو لا يدري ، حتى يكون على بينة ليعرف ما يدعو إليه ، وما يدعو إلى تركه .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:39 PM
وكان من حكمته عز وجل أن أرسل كل رسول بلسان قومه ، حتى يفقههم ويفهمهم ما بعث به إليهم بصورة واضحة ، وبيان واضح؛ ولهذا قال عز وجل : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الآية .
ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم من العرب ، وكان العرب هم أول الناس يستمعون دعوته ، ويواجههم بدعوته ، أرسله الله بلسانهم ، وإن كان رسولا للجميع عليه الصلاة والسلام ، ولكن الله أرسله بلسان قومه ، وجعل قومه مبلغين ودعاة إلى من وراءهم من الأمم ، وأمر الناس جميعا باتباع هذا النبي عليه الصلاة والسلام والسير على منهاجه ، فوجب عليهم أن يتبعوه ، وأن يعرفوا لغته ولغة كتاب الله العظيم ، وهذا النبي العظيم هو محمد عليه الصلاة والسلام بعثه الله رحمة للعالمين جميعا ، كما قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فكما أرسل الرسل قبله رحمة لمن أرسلوا إليه ليوجهوهم وليزيلوا عنهم الظلم ، والفساد وأحكام الطواغيت ، وليحلوا مكان ذلك النظم الصالحة والأحكام العادلة ، وهكذا أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم أيضا ، ليقضي على النظم الفاسدة في المجتمع الإنساني ، والأخلاق المنحرفة ، والظلم والجور ، وليحل محلها نظما صالحة ، وأحكاما عادلة ، فبعثه صلى الله وسلم ربه ليزيل ما في الأرض من الظلم والطغيان ، وليقضي على الفساد ، وليزيح النظم الفاسدة والطواغيت المستبدة ، الذين يتحكمون في الناس بالباطل ، ويظلمونهم ويتعدون على حقوقهم ، ويستعبدونهم .
فبعث الله هذا النبي عليه الصلاة والسلام ، ليزيل هذه النظم الفاسدة ، والأخلاق الظالمة ، وليقضي على الطغاة المتجبرين ، والقادة المفسدين ، وليحل محل ذلك قادة مصلحين ، ونظما عادلة مستقيمة ، وشرائع حكيمة عادلة ، توقف الناس عند حدهم ، ولا تفرق بين أبيض وأسود ، ولا بين أحمر وغيره ، ولا بين غني وفقير ، ولا بين شريف عند الناس ، ووضيع عندهم ، بل جعل شريعته لا تفرق بين الناس ، بل توجههم جميعا وتأمرهم وتنهاهم جميعا ، وبين الله سبحانه وتعالى أن أكرم الناس عند الله هو أتقاهم ، كما قال جل وعلا : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ولم يقل لتتفاخروا ، أو ليترفع بعضكم على بعض ، أو يستعبد بعضكم بعضا ، أو يفخر بعضكم على بعض ، ولكن قال : " لتعارفوا " ثم قال سبحانه : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد خرجه مسلم في صحيحه .
وقال الله جل وعلا في القرآن الكريم : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ فهذا النبي العظيم عليه الصلاة والسلام أرسله الله برسالة عامة ونظام شامل عام في جميع الشئون العبادية والسياسية ، والاقتصادية والاجتماعية ، والحربية وغير ذلك من شئون الناس ، فما ترك شيئا إلا وأرشد إلى حكم الله فيه ، وقال فيه عز وجل وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وقال عز وجل يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا فبين الله سبحانه وتعالى أن هذا الرسول سراج منير للناس ينير لهم الطريق ويهديهم السبيل إلى ربهم سبحانه ، - عليه الصلاة والسلام- الذي من استقام على دينه نجا وفاز بالخير والعاقبة الحميدة ومن حاد عنه باء بالخيبة والخسارة والذل والهوان ، وقال عز وجل : قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
هكذا قال جل وعلا في هذا النبي العظيم وكتابه المبين .
إن هذا الكتاب وهذا الرسول يخرج الله بهما الناس من الظلمات إلى النور من ظلمات الكفر والجهل والظلم والاستبداد والاستعباد إلى نور التوحيد والإيمان ، إلى نور الهدى والعدل ، إلى سعة الإسلام ، بدلا من جور الملوك والطغاة ، وبدلا من أحكامهم الظالمة الجائرة ، فشريعة الله التي بعث بها نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم- شريعة كاملة ، شريعة فيها الهدى والنور ، وفيها العدل والحكمة ، وفيها إنصاف المظلوم من الظالم ، وتوجيه الناس إلى أسباب السعادة ، وإلزامهم بالحق والعدل ، ومنعهم من الظلم والجور ، وربطهم بالأخوة الإيمانية ، وأمرهم بالتعاون على البر والتقوى ، والتواصي بالحق والصبر عليه ، والتآخي والنصح من بعضهم لبعض ، وفيها تخليصهم من الظلم والجور والبغي والكذب وسائر أنواع الفساد حتى يكونوا جميعا إخوة متحابين في الله متعاونين على البر والتقوى ، ينصح كل واحد الآخر ، ويؤدي الأمانة ولا يغش أخاه ولا يخونه ، ولا يكذبه ، ولا يحقره ، ولا يغتابه ولا ينم عليه ، بل يحب له كل خير ويكره له كل شر ، كما قال جل وعلا : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وقال عليه الصلاة والسلام : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم
وقال أيضا عليه الصلاة والسلام : الدين النصيحة قيل : لمن يا رسول الله؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم خرجه مسلم في صحيحه . وقال سبحانه في كتابه العزيز في عموم الرسالة قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:39 PM
والإسلام هو دين الله الذي بعث به جميع الرسل كما قال عز وجل : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وقال سبحانه : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وقال سبحانه الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا سمى سبحانه وتعالى دينه إسلاما لما فيه من الاستسلام لله والخضوع لأمره ونهيه والالتزام بطاعته والوقوف عند حدوده .
يقال في اللغة العربية : أسلم فلان لفلان إذا انقاد له ، وأسلم العبد لله إذا انقاد لأمره وخضع لطاعته ، فالإسلام خضوع لله وانقياد لأوامره وترك لنواهيه ووقوف عند حدوده سبحانه وتعالى .
وسمي إيمانا؛ لأن المسلم يفعل ذلك عن إيمانه بالله ورسوله لا عن رياء ولا عن سمعة ولا عن نفاق ولكنه يخضع لله ويسلم لله وينقاد لأوامره سبحانه ويقف عند حدوده عن إيمان وتصديق وطمأنينة وعلم فيعلم أن الله واحد لا شريك له وهو رب السماوات والأرض وهو الخلاق العليم وهو مخلص لله معظم لحرمات الله مؤمن به سبحانه ربا وإلها وخالفا ورازقا ومعبودا بالحق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان
فديننا يسمى إسلاما لما فيه من الانقياد لله والإخلاص له والذل له والتعظيم ، ويسمى إيمانا لما يشتمل عليه من التصديق بأخبار الله ووحدانيته وأنه الإله الحق سبحانه وتعالى وأنه المستحق للعبادة دون كل ما سواه مع الإيمان بما أمر به ونهى عنه وما شرع لعباده وما أباح لهم وما حرم عليهم كل ذلك داخل في مسمى الإيمان وفي مسمى الإسلام ، فيسمى إسلاما للانقياد لله وطاعة أوامره والوقوف عند حدوده ، ويسمى إيمانا لما يشتمل عليه قلب المؤمن من التصديق المتضمن الانقياد للعمل الصالح والقول السديد .
ولهذا لما سأل جبرائيل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان قال : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إلى ذلك سبيلا " ثم قال عن الإيمان : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره " فذكر له أصول الإيمان التي ينبثق منها الإسلام والدين ، وذكر له أصول الإسلام الظاهرة التي بني عليها وهي أركانه الخمسة المذكورة آنفا .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:40 PM
الشريعة الإسلامية ومحاسنها وضرورة البشر إليها
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ، أما بعد :
فلما كانت المحاضرات العلمية من خير الوسائل لإيضاح الحقائق وإبراز محاسن الشيء المحاضر عنه وبسط الكلام فيه بعض البسط رأيت أن يكون موضوع محاضرتي هذه الليلة : ( الشريعة الإسلامية ومحاسنها وضرورة البشر إليها ) . وإنما اخترت هذا الموضوع لأهميته العظيمة كما لا يخفى . فإن البحث في الشريعة الإسلامية وما يتعلق بمحاسنها ومصالحها وعنايتها بالعباد وما يتعلق بالضرورة إليها أمر عظيم والحاجة إليه شديدة والتفقه فيه والعناية به من أهم الأشياء ، فلأهمية هذا الموضوع وعظم شأنه ومسيس الحاجة إلى المزيد من الفقه فيه والبصيرة رأيت أن يكون موضوع المحاضرة . وبهذا يتضح لإخواني المستمعين أن هذه المحاضرة ذات شقين : أحدهما : الشريعة الإسلامية ومحاسنها . . والثاني : ضرورة البشر إليها . وسأتكلم إن شاء الله على الشقين جميعا .
أما الشق الأول : وهو ما يتعلق بالشريعة الإسلامية ومحاسنها : فمن المعلوم لدى المسلمين ولدى كل من له أدنى علم بالواقع في
الأزمان الماضية أن الله جل وعلا بعث الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام بدين الإسلام من أولهم نوح إلى آخرهم محمد عليهم الصلاة والسلام ، بل أبونا آدم عليه السلام كان على الإسلام والقرون التي كانت بعده إلى أن حدث الشرك في قوم نوح . كلهم كانوا على الإسلام كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ، ثم حدث الشرك في قوم نوح ، بعباده الصالحين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر فأرسل الله نوحا عليه الصلاة والسلام إلى قومه لما وقع فيهم الشرك ، وكان أول رسول إلى أهل الأرض كما جاءت به الأحاديث الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام .
فالرسل عليهم الصلاة والسلام جميعا بعثهم الله من أولهم إلى آخرهم بدين الإسلام ، كما قال الله عز وجل : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ فأوضح سبحانه أن الدين عنده هو الإسلام لا دين سواه عنده سبحانه وتعالى . ثم أكد ذلك سبحانه بآية أخرى ، فقال جل وعلا : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ فبين عز وجل أن جميع الطرق مسدودة إلا هذا الطريق وهو الإسلام ، وأوضح سبحانه وتعالى أن الإسلام هو الدين الذي يقبل من جاء من طريقه ، ومن جاء من غير طريقه لا يقبل ، وقال عز وجل : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فخاطب هذه الأمة على يد رسوله محمد عليه الصلاة والسلام بأنه أكمل لها الدين وأتم عليها النعمة
ورضي لها الإسلام دينا ، فدل ذلك على أن دين الإسلام هو دين محمد عليه الصلاة والسلام وهو دين هذه الأمة ، كما أنه هو دين الأنبياء الماضين والرسل أجمعين عليهم الصلاة والسلام . ثم أيد ذلك بقوله سبحانه شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ فخاطب هذه الأمة بأنه شرع لهم من الدين ما وصى به نوحا .
والذي أوحينا إليك يعني : يا محمد عليه الصلاة والسلام . فالله جل وعلا شرع لهذه الأمة ما وصى به نوحا من إقامة أمر الإسلام والاستقامة عليه والاجتماع عليه وما أوحى به إلى محمد عليه الصلاة والسلام من الاستقامة في الدين والاجتماع عليه ، كما في قوله تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وبقوله جل وعلا : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ فعلم بهذا أنه شرع لنا سبحانه ما شرع للأنبياء الماضين والرسل الأقدمين شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وقال عز وجل : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
فبين سبحانه أن إبراهيم وصى ذريته بالإسلام ، وهكذا يعقوب أوصى بنيه بذلك ، وذكر عن نوح عليه الصلاة والسلام أيضا ما يدل على ذلك ، فقال جل وعلا في سورة يونس في قصة نوح أنه قال لقومه : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وقال عن موسى أنه قال : يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ وقال عن بلقيس : قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فعلم بهذه الآيات وما في معناها أن الإسلام هو دين الأنبياء جميعا وهو دين الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام وأنه دين الله حقا لا دين له سواه ، ولا يقبل من أحد دينا سواه ، وهو الدين الذي أمر الرسل بإقامته ،
نشرت ضمن كتاب ندوة المحاضرات لرابطة العالم الإسلامي في موسم الحج عام 1386هـ ، ص 162 - 186 .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:40 PM
وقد أردت أن أذكر شيئا يسيرا من محاسن هذه الشريعة وأسرارها العظيمة . أما الاستقصاء فلا يخفى على من له أدنى علم أنه لا يمكن أن يستقصي أحد محاسن هذه الشريعة ، كيف يستطيع أحد أن يحصي فضائلها وهي شريعة من حكيم عليم قد علم كل شيء فيما مضى وفيما يأتي إلى يوم القيامة ، وهو العالم بأحوال عباده وأسرار تشريعه سبحانه وتعالى ، ولكن حسب طالب العلم أن يذكر شيئا من محاسن هذه الشريعة فالله جل وعلا قال : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ
لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ
أخبر الله سبحانه وتعالى أنه جعل نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام على شريعة من الأمر ، والمعنى : على طريقة بينة واضحة ظاهرة من الأمر أي : من الدين القويم وهو دين الإسلام ، ثم قال : فاتبعها أي الزمها وتمسك بها ، وهو أمر له عليه الصلاة والسلام وأمر لجميع الأمة بذلك ، فالأمر له أمر لنا إلا ما دل الدليل على تخصيصه به عليه الصلاة والسلام ، ثم قال : وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ يحذر سبحانه من اتباع أهواء الناس وكل من خالف الشريعة فهو من الذين لا يعلمون ، ثم بين جل وعلا أن الناس لن يغنوا عنه من الله شيئا ، يعني : لو مال إليهم واتبع أهوائهم والله يعصمه من ذلك فلن يغنوا عنه من الله شيئا . فالأمر بيد الله وهو القادر على كل شيء جل وعلا ، فلا يمنع أحد رسوله عليه الصلاة والسلام مما أراده الله به من عزة ونصر ، فالمقصود من هذا بيان أن النصر والتأييد بيده سبحانه وتعالى وأنه كفيل بنصره وتأييده وتبليغ رسالته ، وأن الناس مهما كانوا من قوة وكثرة فلن يغنوا عنه من الله شيئا فلا وجه للميل إليهم واتباع أهوائهم وهذا من باب التحذير وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من اتباع أهوائهم فالله قد عصمه وصانه وحماه وأيده ، ولكن المقصود تعليمنا وإرشادنا أن السعادة والنجاة والقوة والعزة والسلامة في اتباع الشريعة والتمسك بها والدعوة إليها والحفاظ عليها ، والشريعة في اللغة العربية : الطريقة الظاهرة البينة الموصلة إلى النجاة ، وتطلق الشريعة في اللغة العربية أيضا على الطريق الموصل إلى الماء وما ذلك إلا لأنه يوصل إلى الحياة ، كما قال جل وعلا : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ فالشرائع التي جاء بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام طرق ظاهرة بينة واضحة لمن تأملها ، توصل من استقام عليها واتبعها وأخذ بها إلى النجاة والسعادة والحياة الطيبة الكريمة في الدنيا والآخرة ، فشريعة نبينا عليه الصلاة والسلام أفضلها وأكملها وليس فيها آصار ولا أغلال قد وضع الله عن هذا النبي وعن أمته الآصار والأغلال فلله الحمد والمنة شريعة سمحة ، كما قال في الحديث الصحيح : بعثت بالحنيفية السمحة " وقال عليه الصلاة والسلام : إن هذا الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه وقال لما بعث معاذا وأبا موسى رضي الله عنهما إلى اليمن : يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا " فهذه الشريعة : شريعة التيسير ، وشريعة المسامحة ، وشريعة الرحمة والإحسان ، وشريعة المصلحة الراجحة ، وشريعة العناية بكل ما فيه نجاة العباد وسعادتهم وحياتهم الطيبة في الدنيا والآخرة .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:41 PM
فالله جل وعلا بعث نبينا وإمامنا محمدا عليه الصلاة والسلام بشريعة كاملة منتظمة للمصالح العاجلة والآجلة ، فيها الدعوة إلى كل خير ، وفيها التحذير من كل شر ، وفيها توجيه العباد إلى أسباب السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة ، وفيها تنظيم العلاقات بين العباد وبين ربهم وبين أنفسهم تنظيما عظيما حكيما ، وأهم ذلك وأعظمه ما جاءت به الشريعة العظيمة الكاملة من إصلاح الباطن وتوجيه العباد إلى ما فيه صلاح قلوبهم واستقامتهم على دينهم ، وإيجاد وازع قلبي إيماني يزعهم إلى الخير والهدى ويزجرهم عن أسباب الهلاك والردى ، فالله عز وجل أمر الناس في كتابه الكريم بما فيه صلاح القلوب وإصلاح البواطن .
وعنيت الشريعة بهذا أعظم عناية ، وفي الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يشفي ويغني ، وما ذلك إلا لأن صلاح الباطن واستقامة القلوب وطهارتها هو الأصل الأصيل والركيزة العظيمة لإصلاح العبد من جميع الوجوه ، وتأهيله لتحمله الشريعة وأداء الأمانة وإنصافه من نفسه ، ولأدائه الحق الذي عليه لإخوانه ، فكل عبد لا يكون عنده وازع قلبي من إيمان يزعه إلى الخير ويزجره عن الشر لا تستقيم حاله مع الله ولا مع العباد ، ولهذا جاءت الآيات القرآنية الكريمة بالحث على خشية الله وخوفه ومراقبته ورجائه ومحبته والتوكل عليه سبحانه والإخلاص له والإيمان به ، وعلق سبحانه على ذلك المغفرة والجنة والرضا والكرامة ، لماذا؟ لأن العبد إذا استقام قلبه على الإخلاص لله ومحبته والإيمان به وخشيته والتوكل عليه ومراقبته في جميع الأحوال ، إذا استقام قلب العبد على هذا سارع إلى أوامر الله وتقبل توجيه ربه وتوجيه رسوله عليه الصلاة والسلام بكل انشراح وبكل رضا وبكل طمأنينة من دون قلق ولا ضعف ، بل يستقبل ذلك بقوة وارتياح وانبساط ، كما قال جل وعلا : إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يحثهم سبحانه في هذا على أن يخشوه جل وعلا ويعظموه ويراقبوه ، وقال عز وجل : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ وقال عز وجل : فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وقال عز وجل :
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
وقال عز وجل : فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ وكل هذه آيات مكية يوجه الله بها العباد إلى الإخلاص له والإيمان به وخشيته ورجائه سبحانه وتعالى ويقول الله عز وجل : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ويقول جل وعلا : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ويقول سبحانه : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ففي هذه الآيات حث الناس على محبة الله واستحضار عظمته والتوكل عليه والتفويض إليه ، فالعبد إذا عرف الله حق المعرفة بأسمائه وصفاته وعظيم حقه ، وتوكل عليه وفوض إليه أمره واعتمد عليه ، مع مسارعته إلى الأخذ بالأسباب والعمل بها فالمتوكل قد فوض أمره إلى الله واعتمد على ربه عز وجل وسارع إلى فعل الأوامر وترك النواهي والأخذ بالأسباب والعناية بها حتى يؤدي الواجب على أكمل وجه عن إخلاص لله وعن محبة له واعتماد عليه وعن ثقة به عز وجل ، وقال سبحانه وتعالى :
ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وقال عز وجل : ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ هذا كله يورث القلوب وازعا عظيما من تعظيم شعائر الله ومن تعظيم حرمات الله ، حتى يكون عند العبد وازع من قلبه ودافع من خشيته وحافز من إيمانه إلى أداء الواجبات وإلى ترك السيئات وإلى الإنصاف من نفسه وإلى أداء الأمانة أداء الحق الذي عليه لأخيه.
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:41 PM
ثم إنه سبحانه وتعالى مع ذلك كله شرع للناس عبادات تصلهم بالله وتقربهم لديه وتزكيهم وتقوي في قلوبهم محبته والتوكل عليه والأنس بمناجاته وذكره والتلذذ بطاعته سبحانه وتعالى ، شرع لهم الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر لما في ذلك من استشعار تعظيم الذي شرع هذه العبادة التي بها تطهيرهم من ذنوبهم وتطهيرهم من أحداثهم وتنظيفهم وتنشيطهم على العمل ، وجعل هذه الطهارة مفتاحا للصلاة التي هي أعظم عبادة وأكبر عبادة بعد الشهادتين وشرع لهم الصلاة في أوقات معينة خمسة وكانت في الأصل خمسين ، فالله جل وعلا قد لطف بعباده ويسر ورحم فجعلها خمسا بدل خمسين ، وكتب لهم سبحانه أجر الخمسين وجعلها في أوقات متعددة حتى لا يغفل العبد عن ذكر ربه وحتى لا ينسى ربه .
الفجر في أول النهار بعد قيامه من النوم ، وعند فراغ قلبه يقبل على آيات الله وسماعها ويستمع للإمام في صلاة الفجر وهو يقرأ جهرا وينتفع بذلك ، ويبدأ نهاره بذكر الله وطاعته سبحانه وتعالى فيكون في هذا عون له على ملاحظة حق الله وعلى تعظيم حرمات الله في صحوته وفي أعماله وفي بيعه وشرائه وغير ذلك ، ثم يجيء وقت الظهر فيعود إلى الصلاة وإلى الذكر وإلى العبادة ، وإن كان هناك غفلة زالت بعوده إلى هذه العبادة ، ثم كذلك العصر بينما هو قد اشتغل بأعمال داخلية أو خارجية فإذا الوقت الآخر قد حضر فينتبه ويرجع إلى ذكر الله وطاعته عز وجل ، ثم يأتي المغرب ، ثم يأتي العشاء فلا يزال في عبادة وذكر فيما بين وقت وآخر يذكر فيها ربه ويحاسب فيها نفسه ويجاهدها لله ويتقرب إليه بالأعمال التي يحبها الله سبحانه وتعالى .
وشرع له مع ذلك عبادات أخرى بين هذه الأوقات كصلاة الضحى وراتبة الظهر والمغرب والعشاء والتهجد بالليل ، إلى أنواع من العبادات والصلاة والأذكار والاستغفار والدعاء تذكره بالله وتعينه على طاعته وذكره سبحانه وتعالى هذا كله من فضله جل وعلا وعظيم إحسانه ، ثم جعل تعالى لهذه الصلاة نداء عظيما على رؤوس الأشهاد ليتضمن تعظيم الله سبحانه بالتكبير والشهادة له بالوحدانية ولنبيه بالرسالة ، وفيه الدعوة إلى هذه الصلاة بقوله حي على الصلاة حي على الفلاح ، ثم التكبير لله ، ثم الشهادة له بالوحدانية سبحانه وتعالى فجعل أصل الدين الذي هو الإقرار بالشهادتين دعوة للصلاة ونداء لها ، فالعباد ينتبهون بهذا الذكر وبهذا النداء في بيوتهم وفي مضاجعهم وفي مراكبهم وفي كل مكان ينبهون لهذه العبادة ولحق الله وعظمته بهذا النداء العظيم الذي لا يسمعه شجر ولا مدر ولا شيء إلا شهد لصاحبه يوم القيامة ، كما جاء بذلك الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:42 PM
ثم شرع الله للناس أيضا زكاة وجعلها حقا في أموالهم يربط الأغنياء بالفقراء
ويصلهم بهم ، وفي ذلك فوائد كثيرة منها : مواساة الفقراء ، والإحسان إليهم ، ومنها : مواساة أبناء السبيل ، ومنها : مواساة المؤلفة قلوبهم وتقوية إيمانهم ودعوتهم إلى الخير ، ومنها : مشاهدة الرقاب على العتق وفك الأسارى ، ومنها أيضا : مساعدة الغارمين على قضاء ديونهم ، ومنها : مساعدة الغزاة على الجهاد في سبيل الله ، فهي حق عظيم في المال يزكي صاحبه وينمي ثروته ويرضي ربه والله مع هذا يخلفه عليه سبحانه وتعالى بأحسن خلف مع هذه الفوائد العظيمة قال عز وجل : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ففي هذه الفريضة وفي هذا الحق شكر لله عز وجل على نعمه وقربه إليه سبحانه وتعالى بأداء هذا الحق والإنفاق من المال طاعة لله وإخلاصا له وتقربا إليه جل وعلا ، ومع ذلك في نفس الوقت فيه إحسان للعباد ومواساة لهم ومساعدة على كل خير .
أما الصوم فكلكم يعلم ما فيه من الخير العظيم والمصالح الكبيرة التي منها : تطهير النفس من أشرها وبطرها وشحها وبخلها وكبرها ، ومن ذلك : أن الصائم يعرف بالصيام حاجته وضعفه وشدة ضرورته إلى ما أباح الله له من الطعام والشراب وغيرهما ، ومنها : تذكر العبد بإخوانه الفقراء والمحاويج حتى يواسيهم ويحسن إليهم ، ومنها : تمرين العبد على مخالفة الهوى وتعويده الصبر على ما يشق على النفس إذا كان في ذلك طاعة ربه ورضاه ، فالصائم في الصيام يخالف هواه ويجاهد نفسه ويعودها الصبر عما يوافق هواها من مأكل ومشرب ومنكح في طاعة ربها ومولاها عز وجل .
وفي الصوم من الفوائد والحكم والأسرار ما لا يحصيه إلا الله عز وجل ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف " يقول الله عز وجل إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي للصائم فرحتان فرحة عند فطرة وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك ، والأحاديث في فضله وعظم شأنه كثيرة .
أما الحج ففيه من الفوائد العظيمة من الصلة بالله والتقرب إليه ومفارقة الأوطان والأهل والعشيرة لأداء هذه الفريضة العظيمة وزيارة البيت العتيق ما لا تحيط به العبارة ، فإنه في هذه العبادة يركن الأخطار ويقطع الفيافي والقفار ويشق الأجواء يرجو رحمة ربه ويخاف عقابه سبحانه وتعالى فما أحراه بالثواب الجزيل والأجر العظيم من المولى الكريم عز وجل ، أما ما شرع الله سبحانه في هذه العبادة من : الإحرام والتلبية ، واجتناب كثير من العوائد ، وكشف الرجل رأسه ، وخلع الثياب المعتادة ، والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ، والوقوف بعرفات ورمي الجمار والتقرب إلى الله سبحانه بذبح الهدايا ، إلى غير ذلك مما شرع الله في الحج فمما شهدت العقول الصحيحة والفطر المستقيمة بحسنه وأنه لا حكمة فوق حكمة من شرعه وأمر به عباده .
يضاف إلى ذلك ما في الحج من اتصال المسلمين بعضهم ببعض ، وتشاورهم في كثير من أمورهم وتعاونهم في مصالحهم العاجلة والآجلة واستفادة بعضهم من بعض ، إلى غير ذلك من الفوائد ، فكل ذلك شاهد للذي شرعه بأنه سبحانه أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين ، وكل ذلك من جملة منافع الحج التي أشار إليها سبحانه بقوله : لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ فالحج مؤتمر إسلامي عظيم وفرصة للمسلمين ينبغي أن يستغلوها في شتى مصالحهم وأن يستفيدوا منها لأمر دنياهم وأخراهم ، فنسأل الله أن يوفقهم لذلك وأن يجمع كلمتهم على الهدى إنه خير مسؤول وأكرم مجيب .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:42 PM
وقد سبق لنا أن ذكرنا أن الله جل وعلا أمر الرسل بإقامة الدين ، فالرسل بعثوا لإقامة الدين ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو أكملهم في ذلك وهو إمامهم وسيدهم وخاتمهم بعث لإقامة الدين أيضا فهذه العبادات وهذه التوجيهات من الله عز وجل كلها لإقامة الدين ، وأن يكون عندك وازع إيماني يحملك على أداء الواجبات ومعاملة إخوانك بأحسن المعاملات ، وعلى إنصافهم وأداء حقوقهم ، وعلى أداء الأمانة في كل شيء والرجوع إلى الله في كل شيء حتى تكون عبدا ممتثلا سائرا على الوجه الذي شرعه الله لا تتبع هواك ولا تقف عند حظك .
ومما يتعلق بما تقدم قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فأخبر عليه الصلاة والسلام أن صلاح العبد بصلاح قلبه فمتى صلح قلبه استقام العبد مع الله عز وجل ومع العباد ، ومتى خبث القلب وفسد خبث العبد وفسدت حاله ، وهذا يبين لنا ما تقدم من أن هذه الشريعة عنيت عناية عظيمة بأسباب إصلاح القلوب .
وقال عليه الصلاة والسلام : " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " فبين عليه الصلاة والسلام أن موضع النظر من ربنا عز وجل : القلب والعمل ، أما مالك وبدنك فلا قيمة لهما وليسا محل النظر إلا إذا استعملت مالك وبدنك في طاعة ربك ، وإنما محل النظر قلبك وعملك ، فإذا استقام قلبك على محبة الله وخشيته ومراقبته والإخلاص له استقامت أعمالك واستقام أمرك ، وإن كانت الأخرى فسدت حالك وفسد عملك ولا حول ولا قوة إلا بالله .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:43 PM
ثم إن هذه الشريعة العظيمة أيضا نظمت العلاقات بين الأسرة في نفسها ، أسرة الإنسان وقراباته بما شرع الله من صلة الرحم والمواريث ، والتعاون فيما بين الأسرة حتى تكون مرتبطة متعاونة على ما يرضي ربنا عز وجل ، متحابة فيما بينها هذا من رحمته وإحسانه جل وعلا أن جعل بين ذوي القرابات صلة خاصة تصل بعضهم ببعض وتجمع بعضهم إلى بعض وتربط بعضهم ببعض ، فشرع صلة الرحم وحث على ذلك وتوعد على ترك ذلك ، فقال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : " لا يدخل الجنة قاطع " يعني قاطع رحم ، وقال جل وعلا في كتابه العظيم : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ وفي الحديث أيضا : " من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه " وهكذا شرع العلاقات الطيبة بين المسلمين في جميع المعاملات . فجعلهم إخوة يتحابون في الله ويتعاونون على الخير في جميع المجالات . وهذه أعظم صلة وأعظم رابطة بين المسلمين ، الرابطة الإسلامية والأخوة الإيمانية وهي أعظم رابطة وهي فوق رابطة القرابة والصداقات وكل رابطة بين الناس ، فالرابطة الإسلامية والأخوة بين المسلمين فوقها ، فالله سبحانه وتعالى جعل المسلمين فيما بهم إخوة وأوجب عليهم أن يحب بعضهم لبعض ، الخير ويكره له الشر ، وأن يكونوا فيما بينهم متحابين متناصحين متعاونين حتى يكونوا كتلة واحدة وجماعة واحدة وصف واحدا وأمة واحدة إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ويقول جل وعلا : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ويقول عز وجل : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا فيأمرهم بالاجتماع والاعتصام بحبل الله وهو دينه سبحانه .
ويقول عز وجل : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ فبين سبحانه وتعالى أن الواجب على الجميع أن يتعاونوا على البر والتقوى ، وأن يكونوا أولياء لا غل بينهم ولا حقد ولا حسد ولا تباغض ، ولا تقاطع ، لكن أولياء يتناصحون ويتعاونون على الخير . وهذا هو التضامن الإسلامي الذي يدعو إليه كل مسلم وكل مخلص لدينه وكل مؤمن وكل محب للإسلام .
فالتضامن الإسلامي هو التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والتناصح في الله والتكافل والتكاتف على كل ما فيه صلاح المسلمين ونجاحهم وحفظ حقوقهم وإقامة كيانهم وصيانتهم من شر أعدائهم ، هذا هو التضامن وهذا هو التعاون أن يكون المسلمون حكومات وشعوبا متعاونين على البر والتقوى متناصحين في الله متحابين فيه متكاتفين على كل ما يقيم دينهم ويحفظ كيانهم ويوحد صفوفهم ويجمع كلمتهم وينصفهم من عدوهم ويورثهم العزة والكرامة ، فبهذا الاجتماع وهذا التعاون يحميهم الله من شر أعدائهم ومكائدهم ويجعل لهم الهيبة في قلوب الأعداء لاجتماعهم على الحق وتعاونهم وتكاتفهم وتناصرهم على دين الله مخلصين لله قاصدين وجهه الكريم لا لغرض آخر كما قال عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وقال عز وجل : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ فهو سبحانه وتعالى علق نصرهم وحفظهم وحمايتهم بنصرهم دينه واجتماعهم على دينه وتعاونهم واعتصامهم بحبل الله عز وجل .
فبالتضامن الإسلامي والتعاون الإسلامي كل خير وكل عزة في الدنيا والآخرة للمسلمين إذا صدقوا في ذلك وتعاونوا عليه .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:43 PM
ومن محاسن هذه الشريعة أيضا أن جعلت المؤمن أخا المؤمن ينصح له ويحب له الخير ، يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويعينه على الخير ويمنعه من الشر ، كما قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " وقال جل وعلا : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ فالمؤمن أخو المؤمن يعينه على الخير والدعوة إليه وينهاه عن الشر ويأخذ على يديه ، كما قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام : أنصر أخاك ظالما أو مظلوما " قالوا يا رسول الله نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال : " تمنعه من الظلم فذلك نصره فنصر الظالم منعه والأخذ على يديه .
فالمسلمون إذا قاموا بهذا وتعاونوا عليه حصل لهم الخير العظيم والعزة والكرامة وجمع الكلمة وهيبة الأعداء والعافية من مكائدهم .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:44 PM
ومن محاسن هذه الشريعة أيضا أنها جعلت للمعاملات بين المسلمين نظاما حكيما يتضمن العدل والإنصاف وإقامة الحق فيما بينهم من دون محاباة لقريب أو صديق ، بل يجب أن يكون الجميع تحت العدل وتحت شريعة الله لا يحابي هذا لقرابته ولا هذا لصداقته ولا هذا لوظيفته ولا هذا لغناه أو فقره ، ولكن على الجميع أن يتحروا العدل في معاملاتهم من الإنصاف والصدق وأداء الأمانة ، كما قال جل وعلا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى وقال جل وعلا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ أي بالعدل شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا
وقال جل وعلا : وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا فالله جل سبحانه وتعالى شرع للجميع أن يتعاملوا بالعدل والإنصاف ، وأن يقيموا الحق فيما بينهم على طريق العدل والقسط من دون محاباة لزيد أو عمرو أو صديق أو قرين أو كبير أو صغير .
ومن محاسن هذه الشريعة وعظمتها وصلاحها لكل أمة ولكل زمان ومكان أن علق سبحانه وتعالى معاملاتهم على جنس العقود وجنس البيع وجنس الإجارة ، ونحو ذلك من دون أن يحدد لهذه العقود ألفاظا معينة خاصة ، حتى يتعامل كل قوم وكل أمة بما تقتضيه عوائدهم وعرفهم ومقاصدهم ولغتهم ، وما يقتضيه النظر في العواقب ، فجعل لمعاملاتهم عقودا شرعها لهم سبحانه وتعالى ولم يحدد ألفاظا بل جعلها مطلقة ، كما شرع لهم في أنكحتهم وطلاقهم ونفقاتهم ودعاواهم وخصوماتهم نظاما حكيما يتضمن الإنصاف والعدل ، وأن تراعى في ذلك العوائد والعرف والاصطلاحات والبينات والمقاصد والظروف والأزمنة والأمكنة في حدود الشريعة كاملة حتى لا يقضي على أحد بغير حق ، فقال جل وعلا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فأطلق العقود ، وقال جل وعلا : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وقال جل وعلا : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وجاءت الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بالمساقاة والمزارعات والشركات والجعالات والضمانات والأوقاف والوصايا والنكاح والطلاق والرضاع وغير ذلك بما يطابق ما جاء به القرآن الكريم .
وهذه الأنظمة التي جاء بها القرآن وصحت بها السنة أنظمة واضحة بينة يستقيم عليها أمر العباد وتصلح لهم في كل زمان ومكان ولا مختلف عليهم ، بل يكون لهؤلاء عرفهم في بيعهم وشرائهم ونكاحهم وطلاقهم وأوقافهم ووصاياهم وغير ذلك حتى لا يربط هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء ، كما قال جل وعلا تنبيها على هذا المعنى : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ يعني بالمتعارف .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث خطبته العظيمة في حجة الوداع ولهن عليكم ( أي للزوجات ) رزقهن ( أي كسوتهن ) بالمعروف وقال جل وعلا : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا لإقامة الحجة وقطع المعذرة .
وقال سبحانه وتعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ
مَا يَتَّقُونَ وقال عز وجل : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فبين سبحانه وتعالى أنه لابد من بيان ، ولا بد من إقامة حجة حتى لا يؤخذ أحد إلا بعد إقامة الحجة عليه .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:44 PM
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في هذا المعنى في كتابه : ( إعلام الموقعين ) فصلا عظيما بين فيه أن الشريعة راعت عوائد الناس ومقاصدهم وعرفهم ولغتهم حتى تكون الأحكام والفتاوى على ضوء ذلك ، فقد يكون عرف هذه البلدة وهذا الإقليم غير عرف الإقليم الآخر والبلدة الأخرى .
وقد يكون لهذا الشخص النيات والمقاصد ما ليس لشخص آخر ويكون لهؤلاء من العوائد ما ليس للآخرين ، وقد تكون أزمان لا يليق أن يفعل فيها ما يليق أن يفعل في الزمن الآخر كما كانت الدعوة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في مكة غير حالها في المدينة لاختلاف الزمان والمكان والقوة والضعف ، وهذا من عظيم حكمة الله جل وعلا ورعايته لأحوال عباده ، فقد يقصد بعض الناس بألفاظ البيع والهبة ما يقصد به آخرون معنى آخر أو عقد آخر ، وهكذا في الطلاق والإجارة وغير ذلك ، وهكذا بعض الأزمان قد يسوغ فيها ما لا يسوغ في أزمان أخرى ، ومثل لذلك بأمثلة منها إقامة الحد في أرض العدو إذا وجد من بعض الغزاة ما يوجب الحد في أرض العدو ، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إقامة الحد في أرض العدو . لماذا؟ لأنه قد يغضب ويستولي عليه الشيطان فيرتد عن دين الإسلام لذلك ولقربه من العدو .
ومن ذلك عام المجاعة فإذا كان عام مجاعة واشتدت الحال بالناس لا ينبغي القطع في هذه الحالة للسارق إذا ادعى أن الذي حمله على ذلك الضيق والحاجة وعدم وجوده شيئا يقيم أوده ويسد حاجته ، لأن هذا شبهة في جواز القطع ، والحدود تدرأ بالشبهات .
ولهذا أمر عمر رضي الله عنه وأرضاه في عام الرمادة بعدم القطع ، وحكم بذلك رضي الله عنه وأرضاه لهذه الشبهة . وهكذا تعتبر العواقب كما قال الله سبحانه : فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ وقال تعالى : فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ وقال سبحانه : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ فلابد من رعاية العواقب ، ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله أن الإنسان إذا كان أمره بالمعروف في بعض الأحيان قد يفضي إلى وجود ما هو أنكر من المنكر الذي يريد أن ينهي عنه ، فإنه لا يجوز له أن ينه عن المنكر في هذه الحالة إذا كان إنكار المنكر يفضي إلى ما هو أنكر منه وأشد ، فإنك في هذه الحالة لا تنكره لئلا يقع ما هو أنكر منه وهذا من باب مراعاة العواقب .
فإذا كان إنسان مثلا يشرب الخمر ولكنك إذا نهيته عن ذلك ومنعته عن ذلك ومنعته منه اشتغل بقتل الناس فحينئذ يكون ترك الإنكار عليه أولى . لأن شرب الخمر أسهل من كونه يتعدى على الناس بالقتل ، والمقصود أن الواجب الرعاية للعواقب كما تراعى عوائد الناس وظروفهم وأحوالهم ومقاصدهم ونياتهم في عقودهم وتصرفاتهم فيما بينهم ، وفي إقامة الحدود وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يراعى في ذلك تحصيل المصالح ودرء المفاسد ، وتحصيل المصلحة الراجحة بتفويت المصلحة المرجوحة وتعطيل المفسدة الكبرى بارتكاب المفسدة الصغرى عند العجز عن تفويتهما جميعا ، هذه أمور عظيمة جاءت بها هذه الشريعة الكاملة ، ولا شك أن ذلك من محاسنها ، ويجب على ولاة الأمور وعلى كل من له تصرف في أمر الناس أن يراعوها من قاض ومفت وأمير وغيرهم هذا كله من محاسن هذه الشريعة العظيمة .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:44 PM
ومن محاسنها أيضا أنها جعلت للناس الحرية في الكسب والأخذ والعطاء فيكتسب المسلم ويأخذ ويعطي في حدود الشريعة ، كما قال تعالى :
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ له غنم ما أخذ وعليه غرمه ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : " لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من سؤال الناس أعطوه أو منعوه فحث على الكسب وبين أنه خير من سؤال الناس .
ولما سئل عليه الصلاة والسلام أي الكسب أطيب قال : عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور وقال عليه الصلاة والسلام : " ما أكل أحد طعاما أفضل من أن يأكل من عمل يده " وكان نبي الله داود يأكل من عمل يده عليه الصلاة والسلام .
فالشريعة الإسلامية حبذت الكسب والعمل ودعت إلى الكسب والعمل وجعلت العامل أحق بكسبه وماله ، وحرمت على الإنسان ذم أخيه وماله وعرضه إلا بحق . وهذا كله من محاسن هذه الشريعة وعظمتها أنها صانت أموال الناس وأعراضهم كما صانت أبشارهم ودماءهم وأمرتهم بالكسب وحثتهم عليه ، كما قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام :
احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا أو كذا ، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان خرجه مسلم في صحيحه ، ولو ذهبت أذكر ما يتعلق بعظمة هذه الشريعة ومحاسنها ورعايتها لمصالح العباد في أمر المعاش والمعاد لطال بنا المقام كثيرا ، ولكن هذه إشارة قليلة تكفي اللبيب في التعرف على عظمة هذه الشريعة ورعايتها لأحوال العباد ومصالحهم في الحاضر والمستقبل ،
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:45 PM
ومن ذلك أيضا ما جاء في هذه الشريعة من الأمر بالتوبة ، لأن فيها إصلاح الماضي والعافية من شره ، وقد كان من توبة بعض الماضيين قتل النفوس ، فرحم الله هذه الأمة وجعل توبتهم الندم والإقلاع والعزيمة على عدم العودة إلى السيئة مع رد المظالم إلي أهلها ، هذا من إحسان الله ورحمته جل وعلا لهذه الأمة ، وهذا من محاسن هذه الشريعة إن جعلت لك أيها الإنسان فرجا ومخرجا من ذنوبك وسيئاتك بالتوبة النصوح والاستغفار والرجوع إليه عز وجل والعمل الصالح ، ومن تأمل هذه الشريعة في مواردها ومصادرها ونطر ما جاءت به من الأحكام العظيمة العادلة والإحسان إلى الخلق ورعاية الفقراء والمحاويج والصغار والكبار وغيرهم حتى البهائم اعتنت بها الشريعة وحرمت ظلمها والتعدي عليها ، عرف أنها شريعة من حكيم حميد خبير بأحوال عباده عليم بما يصلحهم ، وعرف أيضا أنها من الدلائل القاطعة على وجوده سبحانه وتعالى وكمال قدرته وحكمته وعلمه ، وعلى صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله حقا وهكذا من نظر في ما جاءت به الشريعة من رعاية في أحوال العباد أغنيائهم وفقرائهم ملاكهم وعمالهم ، حكامهم ومحكوميهم أفرادهم وجماعاتهم ، قد راعتهم جميعا وجعلت لهم أحكاما مبنية على المصلحة والعدالة والإنصاف والإحسان والرحمة فهذه الشريعة كلها مصالح ، كلها حكم ، كلها هدى ، كلها عدل ، وكل شيء خرج من العدل إلى الجور ومن المصلحة- إلى العبث ومن الرحمة إلى ضدها فليس من الشريعة في شيء وإن نسب إليها بالتأويل كما ذكر معنى ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله ، فالشريعة كلها رحمة وعدل وحكمه ، وكلها رعاية لمصالح العباد بعيدة عن العبث والظلم والمشقة ، ومن تأمل ما تقدم عرف ما أردته في الشق الثاني من عنوان هذه المحاضرة .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:45 PM
وهو أن البشر في أشد الضرورة إلى هذه الشريعة لما اشتملت عليه من المصالح العظيمة
وأنها راعت مصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهيأت لهم السبل التي توصلهم إلى النجاة والسعادة ، وبين سبحانه وتعالى في كتابه أن شريعته صراط مستقيم ، صراط واضح ومنهج قيم من استقام عليه نجا ، ومن حاد عنه هلك ، ومن تأمل هذا حق التأمل عرف أن هذه الشريعة كسفينة نوح عليه السلام من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ، فهكذا هذه الشريعة العظيمة من تمسك بها واستقام عليها نجا ، ومن حاد عنها هلك ولا حول ولا قوة إلا بالله . وبذلك يتضح للبيب أن العباد جميعا في أشد الضرورة إلى هذه الشريعة ، لما فيها من حل مشاكلهم ، ولما فيها من أحكام عادلة ، ولما فيها من التوسط بين الاشتراكية الإلحادية الماركسية المنحرفة وبين الرأسمالية الغاشمة الظالمة ، فهي وسط في كل شيء ، وسط في اقتصادها بين اشتراكية الملحدين وماديتهم وبين ، الرأسمالية الغاشمة التي لا حدود لها ، فهي وسط بين طرفين ، عدل بين جورين ، وكذلك وسط في جميع أمورها لا تطرف في غلو ولا تطرف في جفاء ، بل هي وسط في شأنها كله هذه الشريعة العظيمة وسط في الإنفاق والإمساك لا إسراف وتبذير ولا إمساك وتقتير ، بل . هي وسط بين ذلك ، كما قال تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا وكما قال سبحانه في صفات عباد الرحمن : وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا فمن تأمل هذا الأمر وعني به عرف أنها دين ودولة ، ومصحف وسيف ، عبادة وحسن معاملة ، جهاد وأعمال صالحة ، إنفاق وإحسان وطاعة لله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم توبة من الماضي وعمل للمستقبل فيها كل خير فهي جمعت خير الدنيا والآخرة ، لا يجوز أن يفصل ديننا عن دنيانا ولا دنيانا عن ديننا ، بل ديننا ودنيانا مرتبطان ارتباطا وثيقا في هذه الشريعة ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا فهي حاكمة على الناس كلهم ، على الأمراء وغير الأمراء ، على الأفراد وعلى الجماعات ، عليهم جميعا أن يكونوا تحت حكمها وتحت سلطانها في كل شيء ، ومن زعم فصل الدين عن الدولة وأن الدين محله المساجد والبيوت وأن للدولة أن تفعل ما تشاء وتحكم بما تشاء فقد أعظم على الله الفرية ، وكذب على الله ورسوله وغلط أقبح الغلط ،
بل هذا كفر وضلال بعيد عياذا بالله من ذلك ، بل جميع العباد مأمورون بالخضوع لأحكام الشريعة وتشريعاتها في العبادات وغيرها ، ويجب على الدولة أن تكون منفذة لحكم الشريعة سائرة تحت سلطانها في جميع تصرفاتها ، وعلى هذا سار النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وسار أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ، وسار عليه أئمة الإسلام بعد ذلك في كل شيء وقد جعل الله هذه الشريعة روحا ونورا وحياة للناس ، وبهذا تعرف أنك في أشد الضرورة إلى هذه الشريعة ، وأن البشر كلهم في ضرورة إليها ، لأنها الحياة ، ولأنها النور ، ولأنها الصراط المستقيم المفضي إلى النجاة وما عداها فظلمة وموت وشقاء ، قال الله جل وعلا في كتابه العظيم : أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا فجعل من خرج عن الشريعة ميتا ، وجعل من هدي إليها حيا ، وجعل من أبى الشريعة في ظلمة وجعل من وفق لها في فوز وهدى ، وقال جل وعلا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ فجعل الاستجابة لله ولرسوله حياة ، وجعل عدم الاستجابة موتا ،
فعلم أن هذه الشريعة حياة للأمة وهي سعادة للأمة ولا حياة لهم ولا سعادة بدون ذلك ن وقال عز وجل : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فجعل سبحانه ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام روحا للعباد تحصل به حياتهم ونورا تحصل به بصيرتهم ونجاتهم وسيرهم على الصراط المستقيم ،
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:46 PM
فهذه الشريعة روح للأمة ، بها حياتها وقيامها ونصرها ، وهي أيضا نور لها تدرك به أسباب نجاتها وتهتدي به إلى الصراط المستقيم ، والصراط المستقيم هو : الطريق الواضح الذي من سار عليه وصل إلى النجاة ومن حاد عنه هلك .
وقال سبحانه وتعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فبين سبحانه أن من عمل العمل الصالح عن إيمان أحياه الله حياة طيبة سعيدة ، وفي هذا إشارة إلى أن حياة الكفار الذين حادوا عن الشريعة ليست حياة طيبة بل حياة خبيثة ، حياة مملوءة بالهموم والغموم والأحزان والمشاكل العظيمة والفتن الكثيرة ، فهي حياة تشبه حياة البهائم ليس لأهلها هم إلا شهواتهم وحظهم العاجل ، فهي حياة من جنس حياة البهائم بل أسوأ وأضل ، لكونهم لم ينتفعوا بعقولهم التي ميزوا بها عن البهائم ، كما قال جل وعلا : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا وقال جل وعلا : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ هذه حياة من حاد عن الشريعة حياة في الحقيقة هي شبيهة بالموت لعدم إحساسهم بالواجب وعدم شعورهم بما خلقوا له ، وهي حياه في ذاتها تشبه حياة البهائم لكون البهيمة لا هم لها إلا شهواتها وحظها العاجل ، فهكذا الكافر المعرض عن الشريعة ليس له هم إلا شهواته وحظه العاجل ، ولهذا شبه الله أهل الإيمان والهدى بالمبصرين والسامعين ، وشبه من حاد عن الشريعة بالأعمى والأصم ، وشبه من وفق إلى الشريعة بالحي وشبه من خالف الشريعة بالميت وبهذا نعرف أيها الإخوة أن هذه الشريعة ، حياة البشر وسعادة البشر ونجاة البشر في الدنيا والآخرة ، وأنهم في أشد الضرورة إلى اعتناقها والتزامها والتمسك بها لأن بها حياتهم ونصرتهم ونجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، ولأن فيها الحكم بينهم بالحق وإنصاف مظلومهم من ظالمهم ، ولهذا كانت هذه الشريعة العظيمة أعظم شريعة وأكمل شريعة ، وكان البشر في أشد الضرورة إلى أن يعتنقوها ويلتزموها ، ولا حل لمشاكلهم ولا سعادة لهم أبدا ولا نجاة للمسلمين مما وقعوا فيه اليوم من التفرق والاختلاف والضعف والذل إلا بالرجوع إليها والتمسك بها والسير على تعاليمها ومنهاجها .
وأسال الله عز وجل أن يوفقنا جميعا للفقه فيها والعمل بها ، وأن يهدينا جميعا وسائر عباده للأخذ بها والسير على ضوئها والاهتداء بنورها إنه جواد كريم ، كما أسأله عز وجل أن يصلح ولاة المسلمين جميعا ، وأن يوفقهم للتمسك بهذه الشريعة والعمل بها والتحاكم إليها والحكم بها في كل شيء ، وأن يعيذنا وإياهم من بطانة السوء ومن دعاة الضلال إنه على كل شيء ، قدير وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:47 PM
التمسك بالإسلام حقا هو سبب النصر والنجاة في الآخرة
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه .
أما بعد : فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق ليعبد وحده لا شريك له ، وأنزل كتبه وأرسل رسله للأمر بذلك والدعوة إليه ، كما قال سبحانه : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ وقال سبحانه : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقال عز وجل : الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وقال تعالى وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ الآية ، وقال سبحانه : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ فهذه الآيات وأمثالها كلها تدل على أن الله عز وجل إنما خلق الثقلين ليعبد وحده لا شريك له ، وأن ذلك هو الحكمة في خلقهما ، كما تدل على أنه عز وجل إنما أنزل الكتب وأرسل الرسل لهذه الحكمة نفسها ،
والعبادة هي الخضوع له والتذلل لعظمته بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ، عن إيمان به سبحانه وإيمان برسله ، وإخلاص له في العمل ، وتصديق بكل ما أخبر به ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهذا هو أصل الدين وأساس الملة وهو معنى لا إله إلا الله ، فإن معناها : لا معبود حق إلا الله ، فجميع العبادات من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك يجب أن تكون لله وحده ، وأن لا يصرف من ذلك شيء لسواه للآيات السابقات ، ولقوله عز وجل : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الآية ، وقوله عز وجل : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وقوله سبحانه : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ وقال تعالى : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ وقال عز وجل : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ فأبان سبحانه في هذه الآيات أنه المالك لكل شيء وأن العبادة حقه سبحانه ، وأن جميع المعبودين من دونه من أنبياء وأولياء وأصنام وأشجار وأحجار وغيرهم لا يملكون شيئا ولا يسمعون دعاء من دعاهم ، ولو سمعوا دعاءه لم يستجيبوا له ، وأخبر أن ذلك شرك به عز وجل ، ونفي الفلاح عن أهله ، كما أخبر سبحانه أنه لا أضل ممن دعا غيره ، وأن ذلك المدعو من دون الله لا يستجيب لداعيه إلى يوم القيامة ، وأنه غافل عن دعائه إياه ، وأنه يوم القيامة ينكر عبادته إياه ، ويتبرأ منها ، ويعاديه عليها ، فكفى بهذا تنفيرا من الشرك وتحذيرا منه ، وبيانا لخسران أهله وسوء عاقبتهم .
وترشد الآيات كلها إلى أن عبادة ما سواه باطلة ، وأن العبادة بحق لله وحده ، ويؤيد ذلك صريحا قوله عز وجل : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ الآية من سورة الحج .
وذكر سبحانه في مواضع أخرى من كتابه أن من الحكمة في خلق الخليقة أن يعرف سبحانه بعلمه الشامل وقدرته الكاملة ، وأنه عز وجل سيجزي عباده في الآخرة بأعمالهم ، كما قال عز وجل : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقال تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
فالواجب على كل ذي لب أن ينظر فيما خلق له ، وأن يحاسب نفسه ويجاهدها لله حتى يؤدي حقه وحق عباده ، وحتى يحذر ما نهاه الله عنه ليفوز بالسعادة والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة ، وهذا العلم هو أنفع العلوم وأهمها وأفضلها وأعظمها ، لأنه أساس الملة وزبدة ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وخلاصة دعوتهم ، ولا يتم ذلك ولا يحصل به النجاة إلا بعد أن يضاف إليه الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام ، وعلى رأسهم إمامهم وسيدهم وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومقتضى هذا الإيمان ، تصديقه صلى الله عليه وسلم في إخباره وطاعة أوامره وترك نواهيه ، وأن لا يعبد الله سبحانه إلا بالشريعة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام . وهكذا كل أمة بعث الله إليها رسولا ، لا يصح إسلامها ولا يتم إيمانها ولا تحصل لها السعادة والنجاة إلا بتوحيدها لله ، وإخلاص العبادة له عز وجل ، ومتابعة رسولها صلى الله عليه وسلم ، وعدم الخروج عن شريعته ، وهذا هو الإسلام الذي رضيه الله لعباده ، وأخبر أنه هو دينه ، كما في قوله عز وجل : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا وقوله عز وجل : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:49 PM
وبهذا يعلم أن عبادته سبحانه وتعالى ، وتقواه جل وعلا هي : سبب الأمن والخير والسعادة في الدنيا والآخرة . وأن الكفر به والإشراك به ، ومعصيته هي : سبب الهلاك والشقاء والخوف والضلال في الدنيا والآخرة ، وقد أرسل الرسل سبحانه وتعالى ، وأنزل الكتب للدعوة إلى هذه العبادة ، والأمر بها ، وبيان ما رتب عليها من أنواع السعادة والخير ، قال جل وعلا : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ فأبان سبحانه وتعالى بهذا أن من اتبع الرسل وصدقهم فله السعادة والهداية والخير العظيم ، ومن كذبهم فله العاقبة الوخيمة في الدنيا والآخرة ، وقد أخبرنا سبحانه في مواضع كثيرة عن عواقب المكذبين ، وأنهم صاروا إلى أنواع العذاب في الدنيا وفي الآخرة . قال جل وعلا : وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ وقال في آية أخرى فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وقال عز وجل : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وقال سبحانه : مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وقال جل وعلا : أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ وقال جل شأنه : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
فأشار سبحانه في هذه الآيات إلى عقوبة المكذبين ، وأنهم عوجلوا بالعقوبة في الدنيا ، مع ما لهم في الآخرة من العذاب الأليم .
ولكن الله سبحانه ، رفع عن هذه الأمة العذاب العام ، رحمة منه لعباده سبحانه وتعالى ، كما قال جل وعلا : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ومن ذلك أن الله رحمهم فلم يعذبهم العذاب العام ، كما جرى على الأمم الكثيرة قبلهم ، كعاد وثمود ، وقوم لوط وغيرهم . أما هذه الأمة فقد رحمها الله ، فلم يعاقبها بالعقوبات العامة ، ولكنه أصاب من أصاب منها بالعقوبات الخاصة ، وأوضح جل وعلا أن من اتقاه واستقام على أمره ، فإنه سبحانه وتعالى يهبه من فضله : تفريج الكروب ، وتيسير الأمور ، والرزق العظيم ، والجنات والكرامة ، كما قال جل وعلا : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ * وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا * وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا
فبين سبحانه وتعالى أن من اتقاه حصل له الخير العظيم ، وذلك بتكفير السيئات ، وتفريج الكروب ، وتيسير الأمور ، وإعظام الأجر ، والرزق من حيث لا يحتسب ، كما وعد سبحانه المتقين بحصول الفرقان الذي يميز به بين الحق والباطل مع الفوز بالجنة والنجاة من النار ، في قوله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وقوله سبحانه : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ فالمتقي لله هو العابد لله سبحانه ، المستقيم على أمره ، المطبق لشريعة ربه في نفسه وفي غيره حسب طاقته ، بفعل الأوامر ، وترك النواهي ، وإنما يصاب من يصاب بالمكاره والضيق العاجل والآجل ، والعذاب الشديد بإعراضه عن أمر الله ، وعدم تطبيقه لشريعته سبحانه ، وإخلاله بشيء من أوامره ، أو ارتكابه شيء من محارمه عز وجل ، فيصاب بشيء من ذلك عقوبة له ، إما عاجلا وإما آجلا .
لهذا يقول جل وعلا في موضع آخر من كتابه الكريم : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ويقول جل وعلا : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ويقول جل وعلا : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ فالله جل وعلا يبتلي عبادة بأسباب ما يقع منهم من خلل في أوامره ، أو نواهيه ، يبتليهم بأشياء فإن صبروا وبادروا بالتوبة والإصلاح ، وعالجوا الأوضاع بالرجوع إلى أمر الله ، والتوبة مما حصل منهم من تضييع أمر الله ، أو ركوب محارم الله ، أصلح الله حالهم ، واستقاموا ، ورد لهم ما كان شاردا وأصلح لهم ما كان فاسدا ، وأعطاهم بعد الخوف أمنا ، وبعد الذل عزا ، وإن استمروا في طغيانهم ، وضلالهم ، وما وقعوا فيه من إصرار في تضييع أمر الله ، وركوب محارمه ، ابتلاهم بأنواع العقوبات .
ولهذا قال جل وعلا ، فيما ذكر عن نبيه وخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام : وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ثم فصل القضية فقال : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ فأبان سبحانه : أن أهل الشرك هم أهل الخوف ، وهم أولى بالخوف ، وعدم الأمن ، لأنهم أشركوا بالله وظلموا عباد الله ، وتعدوا حدوده ، فصاروا أولى بالخوف ، وعدم الأمن ، ولهذا لا أمن لهم ، فهم مهددون بالعقوبة والنقمات في سائر الأوقات ، قال جل وعلا : وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ فهم لا يزالون في أنواع البلايا والمحن والنقمات بأسباب كفرهم وضلالهم ، وعنادهم للحق ، واستكبارهم عن طاعة الله عز وجل ، أما أهل الإيمان والتقوى فلهم الأمن العاجل والآجل ، والذين آمنوا ووحدوا الله ، وأخلصوا له العبادة ، واستقاموا على أمره ، ولم يلبثوا إيمانهم بظلم ، المعنى : ولم يخلطوا إيمانهم بظلم أي : بشرك . واللبس أي الخلط ، أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ جاء في الحديث الصحيح : أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ، لما نزلت هذه الآية جاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم وجثوا عنده على الركب وقالوا : يا رسول الله نزلت آية لا نطيقها . من هو الذي لا يلبس إيمانه بظلم؟ . فقال عليه الصلاة والسلام : " ليس هو الظلم الذي تعنون : ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ إنما هو الشرك فبين لهم عليه الصلاة والسلام : أن الظلم الذي يمنع الأمن والاهتداء مطلقا : هو الشرك بالله عز وجل ، والكفر به سبحانه وتعالى .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:50 PM
الإسلام هو الدين الحق وما سواه من الأديان باطل
الحمد لله الذي ارتضى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم دين الإسلام ، وجعل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمة الشرائع وأكملها ، وأرسل بها أفضل خلقه محمدا صلى الله عليه وسلم وبعد :
فقد- اطلعت على ما نشر في جريدة اليوم العدد 4080 وتاريخ 12 / 8 / 1404 هـ الصفحة الأخيرة تحت عنوان معبد غريب للسيخ في الإمارات نقلا عن وكالة أنباء الخليج . وقد جاء في ذلك الخبر ما يلي : ( ووصف أحد علماء المسلمين في دبي هو الدكتور محمود إبراهيم الديك هذا المعبد بأنه يشكل خطرا كبيرا على المسلمين وينبغي إزالته . وقال : إن الديانات المسموح بها في الإمارات هي التي لها كتاب سماوي فقط أما ما عدا ذلك فهي معتقدات كافرة ينبغي إزالة معابدها ومنعها من ممارسة طقوسها حتى لا تؤثر على المسلمين في هذه الأرض انتهى كلامه . ومن يقرأ كلام الدكتور محمود الديك هذا يدرك منه أمرين :
أحدهما : أن اليهودية والنصرانية مسموح بهما في الأمارات سواء الانتماء إليهما أو إقامة معابد لهما أو مزاولة كافة طقوسهما . ومعنى ذلك أن التبشير النصراني علني ومسموح له رسميا هناك وهذا أمر خطير .
والأمر الثاني : وهو أخطر من الأول : الحكم ضمنا من واقع كلام هذا المتحدث بأن الديانات السماوية كاليهودية والنصرانية ليست كافرة ، وبالتالي فإنه إذا كان الأمر كذلك يجوز الدخول فيهما والانتماء إليهما والدعوة إليهما والتبشير بهما . ولن أتعرض لمعبد السيخ هذا لأن الخبر جاء فيه بأن الشيخ عبد الجبار الماجد مدير أوقاف دبي قال : بأن البلدية سوف تزيل هذا المعبد فجزاه الله خيرا؛ لأن وجود هذا المعبد يتضمن الدعوة إلى عبادة الأوثان التي يجب إنكارها .
أما كلام الدكتور محمود الديك فمعلوم ما فيه من بطلان وغلط فإن الدين الإسلامي هو الدين الصحيح المطلوب من أهل الأرض قال الله تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقال تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ هذا وقد وصف الله سبحانه وتعالى اليهود والنصارى بالكفر لما قالوه عن الله ، وبما حرفوه وغيروه في كتبهم ، وتجاوزهم الحد في القول والعمل تبعا لما تصف ألسنتهم ، وتستهوي نفوسهم قاتلهم الله أنى يؤفكون . قال الله تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وقال تعالى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقال تعالى : وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
والآيات الكريمات في هذا المعنى كثيرة ، مما يعلم معه بأن الديانة اليهودية والديانة النصرانية قد نسختا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم . وأن ما فيهما من حق أثبته الإسلام ، وما فيهما من باطل هو مما حرفه القوم ، وبدلوه حسب أهوائهم . ليشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون . فدين الإسلام هو الدين الصحيح المطلوب من أهل الأرض وهو الدين الذي بشر به جميع الأنبياء .
روى النسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى في يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورقة من التوراة فقال " أمتهوكون يا ابن الخطاب لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا واتبعتموه وتركتموني ضللتم
وفي رواية : لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " فقال عمر رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا
وكما أن عيسى عليه السلام جاء مجددا لديانة موسى وليحل لهم بعض ما حرم عليهم ، كما في قوله تعالى : وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
فإنه كذلك سينزل في آخر الزمان ليجدد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم : يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية رواه مسلم ، قال النووي في شرحه : قوله : يضع الجزية : أي لا يقبل إلا الإسلام أو السيف . ا هـ .
وعندما يرى هذه الآية أهل الأرض فعند ذلك يرجع لدين الإسلام من هدى الله قلبه ، ويدخل فيه من أنار الله بصيرته من اليهود والنصارى . فيؤمن بعيسى بعدما ظهرت أمامه الآيات الساطعات ، التي تتجلى فيها أنوار الحق الواضحة . والإيمان بعيسى عليه السلام في ذلك الوقت تصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم . وبالدين الذي جاء به من عند ربه وهو الإسلام . حيث ينكشف الكذب ويظهر الزيف الذي أدخله الأحبار والرهبان على الديانة النصرانية واليهودية ، ليضلوا الناس ، ويلبسوا عليهم دينهم . قال الله تعالى في قصة عيسى عليه السلام مع أهل الكتاب الذين قالوا بأنهم قتلوه موضحا كذبهم وأن منهم من سوف يؤمن بعيسى عليه السلام قبل موته . لأن الموت حق على جميع البشر في هذه الحياة الدنيا : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
وهذا الموقف الذي أبانه القرآن الكريم جاء بعد أن وصفهم بالكفر في آية قبلها وهي قوله تعالى : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ
وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد أن وضحت شريعة الإسلام لأهل الأرض دخل من أنار الله بصيرته من اليهود والنصارى في الإسلام بعدما عرف الحق . وتبرأ من الاعتقادات التي تناقض شرع الله الذي شرع لعباده ، وهي الوحدانية لله جل وعلا . وعدم الإشراك معه في العبادة والاعتقاد . ودين الإسلام هو : الدين الذي ارتضاه الله لأنبيائه منذ الأزل ، قال الله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وقال تعالى : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
ودين الإسلام هو الطريق المستقيم الموصل إلى الله . كما ورد في تفسير سورة الفاتحة ، فإن العبد يدعو ربه بأن يهديه إلى الصراط المستقيم ، وأن يبعده عن طريق المغضوب عليهم وهم اليهود الذين عصوا الله عن علم ومعرفة ، وطريق الضالين وهم النصارى الذين يعبدون الله على جهل وضلال .
ومما ذكرناه يتضح أن الطريق إلى الله واحد وهو دين الإسلام وهو الذي بعث الله به نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم كما بعث جميع الرسل وإن جميع ما خالفه من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو وثنية أو غير ذلك من نحل الكفر كله باطل ، وليس طريقا إلى الله ولا يوصل إلى جنته وإنما يوصل إلى غضبه وعذابه ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار رواه الإمام مسلم في صحيحه . والله المسؤول أن يمنحنا وجميع المسلمين الفقه في الدين والثبات عليه ، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا وأن يهدينا جميعا الصراط المستقيم ، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
نشرت في مجلة البحوث الإسلامية ، العدد 13 ص 7 - 11 .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:52 PM
لا إكراه في قبول الإسلام
س : يقول بعض الزملاء : من لم يدخل الإسلام يعتبر حرا لا يكره على الإسلام ويستدل بقوله تعالى : أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وقوله تعالى : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ فما رأي سماحتكم في هذا؟ .
جـ : هاتان الآيتان الكريمتان والآيات الأخرى التي في معناهما بين العلماء أنها في حق من تؤخذ منهم الجزية كاليهود والنصارى والمجوس ، لا يكرهون ، بل يخيرون بين الإسلام وبين بذل الجزية . وقال آخرون من أهل العلم : إنها كانت في أول الأمر ثم نسخت بأمر الله سبحانه بالقتال والجهاد ، فمن أبى الدخول في الإسلام وجب جهاده مع القدرة حتى يدخل في الإسلام أو يؤدي الجزية إن كان من أهلها ، فالواجب إلزام الكفار بالإسلام إذا كانوا لا تؤخذ منهم الجزية ؛ لأن إسلامهم فيه سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة ، فإلزام الإنسان بالحق الذي فيه الهدى والسعادة خير له من الباطل ، كما يلزم الإنسان بالحق الذي عليه لبني آدم ولو بالسجن أو بالضرب ،
فإلزام الكفار بتوحيد الله والدخول في دين الإسلام أولى وأوجب ؛ لأن فيه سعادتهم في العاجل والآجـل إلا إذا كانوا من أهل الكتاب كاليهود والنصارى أو المجوس ، فهذه الطوائف الثلاث جاء الشرع بأنهم يخيرون . فإما أن يدخلوا في الإسلام وإما أن يبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون ،
وذهب بعض أهل العلم إلى إلحاق غيرهم بهم في التخيير بين الإسلام والجزية ، والأرجح أنه لا يلحق بهم غيرهم ، بل هؤلاء الطوائف الثلاث هم الذين يخيرون ؛ لأن الرسول قاتل الكفار في الجزيرة ولم يقبل منهم إلا الإسلام ، قال تعالى : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ولم يقل : أو أدوا الجزية ، فاليهود
والنصارى والمجوس يطالبون بالإسلام ، فإن أبوا فالجزية ، فإن أبوا وجب على أهل الإسلام قتالهم ، إن استطاعوا ذلك ، يقول عز وجل : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ
ولما ثبت عن النبي أنه أخذ الجزية من المجوس ، ولم يثبت عن النبي ولا عن أصحابه رضي الله عنهم أنهم أخذوا الجزية من غير الطوائف الثلاث المذكورة ، والأصل في هذا قوله تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وقوله سبحانه فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وهذه الآية تسمى آية السيف .
وهي وأمثالها هي الناسخة للآيات التي فيها عدم الإكراه على الإسلام .
والله الموفق .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:52 PM
هل الإسلام انتشر بالسيف
س : لمزيد من الفائدة ما رأيكم في قول من قال : إن الإسلام انتشر بالسيف ، ونريد أن نرد عليهم ردا منطقيا؟
جـ : هذا القول على إطلاقه باطل ، فالإسلام انتشر بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وأيد بالسيف ، فالنبي بلغه بالدعوة بمكة ثلاثة عشر عاما ، ثم في المدينة قبل أن يؤمر بالقتال ، والصحابة والمسلمون انتشروا في الأرض ودعوا إلى الله ، ومن أبى جاهدوه ؛ لأن السيف منفذ ، قال تعالى : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وقال تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فمن أبى قاتلوه لمصلحته ونجاته ، كما يجب إلزام من عليه حق لمخلوق بأداء الحق الذي عليه ولو بالسجن أو الضرب ، ولا يعتبر مظلوما فكيف يستنكر أو يستغرب إلزام من عليه حق لله بأداء حقه فكيف بأعظم الحقوق وأوجبها وهو توحيد الله سبحانه وترك الإشراك به ، ومن رحمة الله سبحانه أن شرع الجهاد للمشركين وقتالهم حتى يعبدوا الله وحده ويتركوا عبادة ما سواه ، وفي ذلك سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة والله الموفق .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:53 PM
مرئيات حول مستقبل الإسلام
س : سماحة الشيخ : كيف ترون مستقبل الإسلام أمام التيارات والأيديولوجيات والمذاهب المختلفة التي تناصبه العداء
جـ : أرى أن الإسلام سوف ينتصر بإذن الله على تلك التيارات والنحل الزائفة التي ابتلي بها العالم في عصرنا الحاضر ، وأن كل ما يوجه إلى الإسلام من عداء ماكر للنيل منه وإزاحته عن قيادة العالم سوف يعود في النهاية بإذن الله تعالى على نحور أصحابه ، وذلك أن الله جل شأنه قد تكفل بحفظ القرآن الكريم الذي هو الأساس العظيم للإسلام ، حيث يقول سبحانه : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
وقد هيأ الله سبحانه وله الحمد والمنة لدينه أنصارا ، كما قال النبي لاتزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وفي رواية أخرى : لايضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة ومما يبشر بما ذكرنا ما انتشر في العالم الإسلامي وغيره من الحركات التي توصي باتباع الكتاب والسنة والسير عليهما . ثم إن تلك المبادئ والمذاهب المختلفة من شيوعية ورأسمالية غربية وغيرها من المذاهب التي يروج لها اليوم أصحابها قد ثبت بالتجربة زيفها وفشلها ، وأنها لا تسعد البشرية بل تضرها في دينها وأخلاقها واقتصادها ، حيث إنها من صنع البشر الذي طبيعته القصور والجهل والهوى ، كما قال تعالى وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا
وقد بدأت البشرية تتلفت يمنة ويسرة علها تجد منهجا صالحا ينقذها من الهاوية التي تردت فيها جميع شؤون حياتها ، والإسلام وحده هو القادر على إنقاذ البشرية من تلك المهالك ، وستكتشف البشرية بإذن الله تلك الحقيقة إن عاجلا أو آجلا ، كما قال الله تعالى : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ وكلامنا هذا هو في الإسلام النقي من شوائب الشرك والبدع الذي أخذ به النبي وأصحابه والسلف الصالح من بعده فأفلحوا ونجحوا وفتحوا البلاد وقادوا العباد إلى سبيل الرشاد وشاطئ السلامة . والله الموفق .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:53 PM
الدين عند الله الإسلام
الحمد لله وحده وبعد :
فقد وردت إلينا الرسالة التالية :
سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
س : ظهرت في العصر الحديث فرقة انتشرت في أوربا وأمريكا انضم إليها عدد من المثقفين والمفكرين والمؤلفين المنتسبين إلى الإسلام . وتتلخص عقيدة هذه الفرقة بأن الديانات الكبرى كاليهودية والنصرا نية والهندوكية والبوذية وغيرها هي أديان صحيحة ومقبولة عند الله سبحانه وتعالى . وأن المخلصين من أتباعها يصلون إلى الحق وينجون من النار ويدخلون الجنة دون حاجة في كل هذا إلى الدخول إلى الإسلام .
أرجو من سماحتكم الرد على هذا الزعم
والجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد :
فهذا الزعم المذكور باطل بالنصوص من الكتاب والسنة وإجماع العلماء .
أما الكتاب فقوله جل وعلا : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وقوله سبحانه : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقوله عز وجل في سورة المائدة : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا والآيات في هذا المعنى كثيرة .
وأما السنة فمنها قوله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار أخرجه مسلم في صحيحه .
وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ذكر منها وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ويدل على هذا المعنى من القرآن الكريم قوله سبحانه : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وقوله عز وجل : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ وقوله سبحانه : هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ الآية .
وقوله عز وجل في سورة الأعراف في شأن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ثم قال سبحانه بعد ذلك : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
وقد أجمع العلماء على أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الثقلين ، وأن من لم يؤمن به ويتبع ما جاء به فهو من أهل النار ومن الكفار سواء كان يهوديا أو نصرانيا أو هندوكيا أو بوذيا أو شيوعيا أو غير ذلك .
فالواجب على جميع الثقلين من الجن والإنس أن يؤمنوا بالله ورسوله ، وأن يعبدوا الله وحده دون ما سواه ، وأن يتبعوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم حتى الموت . وبذلك تحصل لهم السعادة والنجاة والفوز في الدنيا والآخرة كما تقدم ذلك في الآيات السابقة والحديث الشريف .
وكما قال الله عز وجل : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ وقال سبحانه : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ وقال عز وجل في سورة النور : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة .
وجميع الديانات المخالفة للإسلام فيها من الشرك والكفر بالله ما يخالف دين الإسلام الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وبعث به محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وأفضلهم . . وفيها عدم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعدم اتباعه ، وذلك كاف في كفرهم واستحقاقهم غضب الله وعقابه وحرمانهم من دخول الجنة واستحقاقهم لدخول النار إلا من لم تبلغه دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم . فهذا أمره إلى الله سبحانه وتعالى . والصحيح : أنه يمتحن يوم القيامة فإن أجاب لما طلب منه دخل الجنة وإن عصا دخل النار ، وقد بسط العلامة ابن القيم - رحمه الله - هذه المسألة وأدلتها في آخر كتابه : ( طريق الهجرتين ) تحت عنوان : طبقات المكلفين . فمن أراده فليراجعه ليستفيد منه الفائدة الكبيرة . . والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:56 PM
هذا الإسلام الذي رضيه الله لنا ولن يقبل منا سواه هو عبادة الله وتوحيد الله وطاعته واتباع شريعته قولا وعملا وعقيدة . قال تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ولا سبيل إلى هذا العلم ومعرفة هذه العبادة إلا بالله ثم بالتعلم والتفقه والدراسة حتى تعلم دين الله الذي خلقت له وهو دين الإسلام وتوحيد الله وطاعته ، فيجب التعلم والتفقه والعناية بالقرآن الكريم والسنة حتى تعلم هذه العبادة التي أنت مخلوق لها ، وحتى تقوم بذلك وتعمل بذلك عن إخلاص لله ومحبة لله وعن تعظيم لله في جميع الأحوال ، يجب أن تستقيم على توحيده وطاعته واتباع شريعته وترك ما نهى عنه : أبدا أبدا ، وأينما كنت حتى تموت على ذلك . قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ أي الموت وقال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا
هذه هي العبادة التي أنت مخلوق لها ، تقوى الله ، والاعتصام بحبله ، والاستقامة على دينه . ومن وسائلها أن تعنى بكتاب الله ، وأن تدرس كتاب الله وأن تتفقه فيه وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين متفق على صحته ، وأنا أهنئ القائمين على مدارس الجيل لعنايتهم بكتاب الله ، وإني أشكرهم على ما يقومون به نحو تعظيم كتاب الله ، وتعليمه للأجيال ، فإن هذا هو طريق السعادة لمن استقام على ذلك ، وأخلص في ذلك ،
نسأل الله أن يعينهم على ما فيه رضاه وعلى ما فيه سعادتهم ، وما فيه توفيقهم للفقه في الدين . وإنني أهيب بجميع الدارسين والمدرسين إلى أن يعنوا بكتاب الله أستاذا وطالبا وموظفا ، وأنصح الجميع أن يعنوا بكتاب الله تلاوة وتدبرا وتعقلا وعملا وحفظا . ففي كتاب الله الهدى والنور كما قال سبحانه : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وقال سبحانه : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وقال سبحانه : وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
فهذا الكتاب العظيم فيه الهدى والنور ، وكل حرف بحسنة ، وكل من تعلم حرفا فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:56 PM
جمع الشريعة بين الشدة واللين كل في محله
والخلاصة : أن الشريعة الكاملة جاءت باللين في محله ، والشدة في محلها ، فلا يجوز للمسلم أن يتجاهل ذلك ، ولا يجوز أيضا أن يوضع اللين في محل الشدة ، ولا الشدة في محل اللين ، ولا ينبغي أيضا أن ينسب إلى الشريعة أنها جاءت باللين فقط ، ولا أنها جاءت بالشدة فقط ، بل هي شريعة حكيمة كاملة صالحة لكل زمان ومكان ولإصلاح جميع الأمة . ولذلك جاءت بالأمرين معا ، واتسمت بالعدل والحكمة والسماحة فهي شريعة سمحة في أحكامها وعدم تكليفها ما لا يطاق ، ولأنها تبدأ في دعوتها باللين والحكمة والرفق ، فإذا لم يؤثر ذلك وتجاوز الإنسان حده وطغى وبغى أخذته بالقوة والشدة وعاملته بما يردعه ويعرفه سوء عمله .
ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة خلفائه الراشدين وصحابته المرضيين وأئمة الهدى بعدهم عرف صحة ما ذكرناه .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:57 PM
النصوص الآمرة باللين في مجاله
ومما ورد في اللين قوله تعالى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ الآية .
وقوله تعالى في قصة موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى
وقوله تعالى : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الآية .
أحمد سعد الدين
10-03-2005, 11:57 PM
النصوص الدالة على الشدة في مجالها
ومما ورد في الشدة الآيات المتقدم ذكرها .
ومن الأحاديث ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا قوله تعالى : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
قال : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه وفي لفظ آخر : على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو لتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من الحطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقتها عليهم . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بعث الله من نبي في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل
وقصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر معلومة لدى أهل العلم ، وقد هجرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم خمسين ليلة حتى تابوا فتاب الله عليهم وأنزل في ذلك قوله تعالى : لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إلى قوله : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا الآية .
فمما تقدم من الآيات والأحاديث يعلم الكاتب وغيره من القراء أن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت باللين في محله والغلظة والشدة في محالهما ، وأن المشروع للداعية إلى الله أن يتصف باللين والرفق والحلم والصبر؛ لأن ذلك أكمل في نفع دعوته والتأثر بها كما أمره الله بذلك وأرشد إليه رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن يكون على علم وبصيرة فيما يدعو إليه وفيما ينهى عنه؛ لقول الله سبحانه : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
ولا ينبغي للداعية أن يلجأ إلى الشدة والغلظة إلا عند الحاجة والضرورة وعدم حصول المقصود بالطريقة الأولى ، وبذلك يكون الداعي إلى الله سبحانه قد أعطى المقامين حقهما وترسم هدي الشريعة في الجانبين ، والله الموفق .
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir