المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر



أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:15 PM
فضيلة العلامة الشيخ
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله



* بسم الله الرحمن الرحيم *
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد : فنسأل الله جل وعلا أن ينور بصائرنا بتوحيده، وأن يقيم قلوبنا على دينه، وأن يمن علينا بالاستقامة، وأن يعيذنا من الزلل والزغل في المقال والفعال. ونعوذ به جل وعلا من فتنة القول كما نعوذ به جل وعلا من فتنة العمل، ولكل منهما فتنة شرها عظيم.

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:17 PM
[*أهمية الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر*]

ثم أما بعد : فإن الفقه في الدعوة إلى الله جل وعلا والفقه في الأمر بالمعروف والنهي…( ) ومحبته للخير تؤهله إلى أن يفعل كل شيء وأن يأمر بكل معروف يراه معروفا وأن ينهى عن كل منكر يراه منكرا، وضاع بين فريق آخر هم الذين علموا فسكتوا وفقهوا فلم يتحركوا وتفهموا مراد الله جل وعلا ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ولكنهم رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، فنحن بين هؤلاء وهؤلاء في شكوى مُرَّة وكان الناس فيما مضى في هذه البلاد خاصة كما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم كانوا بين هؤلاء وهؤلاء، العالِم يتكلم بعلمه ويقوم بحق العلم الذي من الله جل وعلا عليه به، والجاهل لا يتكلم إلا في ما يحسنه من العلم الضروري الذي لا يسع أحدا جهله، كان الناس هكذا ثم تغير الحال فضاع الأمر وضاعت الدعوة وضاع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين هذين الفرقين إلا من رحم الله وقليل ما هم، وهؤلاء هم الذين ندعو الله جل وعلا لهم صباح مساء بأن يسدد الله خطاهم وأن ينصرهم وأن يقيمهم على مراده وأن يوفقهم إلى كل خير.
لا شك - إذن - أن لهذا الأمر - وهو الفقه في الدعوة والفقه في الأمر والنهي والفقه في النصيحة - أن له آدابا وأن له شروطا، لا بد لمن أراد أن يسلك هذا السبيل - وكلنا إن شاء الله مريد لذلك – لا بد له أن يتعلمها، ويتعلمها من أهل العلم أو من طلبة العلم أو ممن ينقل عن أهل العلم، وهذا الأمر : الدعوة إلى الله، الدعوة إلى الخير، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، النصيحة، هذه الألفاظ الأربعة معانيها متقاربة، فإذا قيل : داع إلى الله فمعنى ذلك أنه آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر، معنى ذلك أنه ذو نصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين ولعامتهم، فإذن هذه الألفاظ متقاربة، متقاربة معانيها فإذا تكلمنا عن الدعوة إلى الله وآداب الدعوة وشرائط الدعوة هو كلامنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آدابه وشرائطه هو كلامنا عن النصيحة في آدابها وشرائطها، والدعوة إلى الله جل وعلا هي التي بها يكون توسع دائرة الإيمان وسعة المؤمنين وكثرتهم، فإذا وجدت الدعوة تكاثر المؤمنون، زاد ثبات محسنهم ورد مسيئُهم إلى الهدى وأسلم من لم يكن من أهل الإيمان، فإذن الدعوة في المجتمع المؤمن مهمة للغاية وذلك لأن بها صلاح الناس جميعا، وبها توسيع دائرة المؤمنين وكثرة عددهم.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو كالسياج للمؤمنين، هو كالمحافظ للمؤمنين عن أن تتسلط عليهم معاول الردى أو أن تتسلط عليهم معاول الغواية أو أن يتسلط عليهم الشيطان وأولياؤه، ولا شك أن الله جل وعلا جعل الشيطان فتنة وجعله عدوا لنا، فلا سبيل إلى الوقاية منه ومن أحابيله إلا بالأمر والنهي فإذن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحافظ على رأس المال يحافظ على المؤمنين يحافظ عليهم من أن يزيغوا أو يتقلبوا أو يتبدلوا، فإذا لم يُقَمْ بالدعوة لم تتسع دائرة الإسلام وإذا لم يقم بالأمر والنهي دُخِلَتْ دار المؤمنين وأخذت قلوبَهم اللصوصُ والسُّرَّاقُ فذهبت بها إلى حيث يعيش أهل الغواية، وهذا ظاهر في ما ترونه، وظاهر في ما تسمعونه. النبي صلى الله عليه وسلم امتثل أمر الله جل وعلا إذ قال له : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران:104) امتثل ذلك فدعا إلى الله جل وعلا ودعا أصحابه وأمر بالأمر ونهى وأمر بأن يُنْهى عن المنكر ولهذا اتسعت دائرة الإسلام وحافظ أهل الإيمان على المؤمنين وقلَّت الغواية وضعف الفساد وقلَّ تسلط الشيطان وتسلط أوليائه على قلوب المؤمنين لأنه بهذه الأمور مجتمعة يكون الهدى ويكون الخير.
السلف الصالح تبعوا المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذلك ولهذا بقيت الأمة قوية وبقي المؤمنون هداة مهتدين وبقي الحق إلى أن ورثتموه، في الزمن الماضي القريب لما شاع الشرك وظهر، وظهر الفساد وقلَّ المحافظ على الصلوات وقلَّ المؤدي للزكاة وشاع كل منكر في هذه البلاد قيض الله جل وعلا لها داعية مصلحا هو الإمام محمد بن الوهاب رحمه الله تعالى فاقتفى أثر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر وَفَقِهَ في الآيات وفقه الأحاديث ولهذا جعل الدعوة قائمة، فدخل في دعوة التوحيد أممٌ وخلائقُ لا يُحصَون وقام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أعلاه الجهاد، جهاد النفس وجهاد الأعداء وجهاد الشيطان في أن يتخلل صفوف المؤمنين، فأقام للدعوة أناسًا وأقام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طائفةً خاصةً ترتبط بالإمام لكي يكون الأمر أقوى وتكون شوكتها أعلى ويكون نفادها في الناس أغلى وأحلى. ولهذا بقي الأمر قويا ونسأله أن يجعله كذلك.

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:18 PM
[*الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام وليس خاصا بطائفة معينة*]

لم يكن تخصيص تلك الطائفة بهذا الأمر يعني الاقتصار عليهم فيه بل كل مسلم يجب عليه كل مسلم يجب عليه أن يدعو إلى الخير وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولو بأقل قليل فجنس الدعوة وجنس الأمر وجنس النهي واجب على كل فرد أن يدعو نفسه يأمر نفسه ينهى نفسه يأمر من تحت يده يدعو من تحت يده ممن يرجو صلاحهم هذا واجب على الجميع، فإذن تخصيص طائفة بهذا الأمر لا يعني أن يتنصل الناس عن هذا الواجب أو أن يتنصل الناس عن المستحب من القيام بهذا الأمر.
نعود مرة أخرى فنقول : إذ كان ذلك مطلوبا منا عامة فهل يُطْلب منا دون آداب نتأدب بها ودون شروط تكون مشترطة في حق القائم بالدعوة والقائم بالأمر والقائم بالنهي؟ لا شك أن الشرع ضبط أحوال الناس وضبط تصرفاتهم وضبط أمورهم فلم يتركهم يتصرفون بمقتضى عقولهم أو بمقتضى عواطفهم، ولو حكَّم الناس عقولهم في تصرفاتهم الشرعية أو حكَّموا أهواءهم أو حكموا عواطفهم في هذا الأمر لضاع الأمر حقا ولضاع سريعا، ولكن الشرع ضبطه وجعل للآمر الناهي وللداعي وللناصح آدابا لا بد أن يراعيها، ولهذا نذكر هذه الآداب لعلني أنتفع بها ولعل من يسمع ذلك أن ينتفع بها، والمسئول هو الله جل وعلا أن ينفع المتكلم بذلك وأن ينفع السامع وأن ينفع المبلِّغ والمبلَّغ.

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:19 PM
[* آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر *]

أعظم تلك الآداب وأعظم تلك الشرائط : الإخلاص. والإخلاص أمر عزيز، الإخلاص أمر هو رأس الدين، بل الدين كله قائم على الإخلاص يقول الله جل وعلا: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة:5)، وقال جل وعلا : (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) (الزمر:11) وقال جل وعلا : (قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي) (الزمر:14) والدين هو ما أمر الله جل وعلا به فكل ما أمر الله جل وعلا به فهو داخل في الدين ومما أمر الله به : الدعوة والأمر والنهي قال جل وعلا : (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) (الحج : 67 والقصص: 87) وقال جل وعلا : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّك) (النحل: 125) فإذن، إذن الدعوة والأمر والنهي من الدين فإذن لا بد فيها من الإخلاص، الإخلاص هو أن يكون القصد هو الله جل وعلا، ليس القصد الرياء ليس القصد التسلط ليس القصد أن تظهر ذا شخصية وذا قوة.. لا .. القصد هو الله جل وعلا : قال ابن القيم :
فلواحد كن واحد في واحد أعني طريق الحق والإيمان
كما أنك واحد فكذلك أَفْرِدِ الْواحدَ بجميع عباداتك وجميع تصرفاتك، (فلواحد) وهو الله جل وعلا (كن واحدا في واحد) يعني في سبيل واحد وهو طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الإخلاص أن تتجرد لله في دعوتك قال الله جل وعلا : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف:108) في قوله جل وعلا : (أَدْعُو إِلَى اللهِ) تنبيه على الإخلاص كما نبه على ذلك شيخ الإسلام في مسائل "كتاب التوحيد" قال : في قوله : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ) تنبيه على الإخلاص لأن كثيرا وإن دعا في الظاهر إلى الله فإنه إنما يدعو إلى نفسه أو يدعو إلى عصبية أو يدعو إلى حزب أو يدعو إلى جماعة. قد يدعو إلى نفسه فيفوته الإخلاص، كيف يدعو إلى نفسه؟ يدعو إلى أن يكون قوله هو المقدم، من أنت؟ قد يدعو إلى حزبه وأن يكون مراده أن يكثر أتباع حزبه أو أن يكثر أتباع جماعته هذا فاته الإخلاص، هذا فاته الإخلاص ، يأمر من قصر في معروف وهو يريد أن يبين أن ذلك ناقص وأنه هو أعلم منه وأنه أفهم منه، فاته الإخلاص، إذن الإخلاص محكٌّ الإخلاص محكٌّ وكلٌّ يحاسب نفسه، فمن رام هذا الأمر وهو الدعوة : الأمر والنهي والنصيحة دون إخلاص دون أن يعلم الرب تبارك وتعالى من قلبك أنك متجرد، لا تريد الدعوة إلا إلى الله متذكرا قوله جل وعلا : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ) لا إلى غيره، تدعو إلى من؟ إلى الله لا إلى غيره، فإن كنتَ تدعو إلى الله وتدعو إلى غيره من الفئات أو إلى نفسك أو إلى أن تكون مقدما فعزِّ نفسك في نفسك، بهذا نضرب مثلا يبيِّن أثر الإخلاص في العمل أثر الإخلاص في الدعوة أثر الإخلاص في الأمر والنهي ألا وهو الدعاء للمدعو، الدعاء لمن يراد أن يؤمر الدعاء لمن يراد أن يُنهى عن منكر، هل هناك أعظم من الشرك؟ لا، النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله بقوله : (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين) يعني أبا جهل وعمر بن الخطاب رضي الله عنه. فسأل الله جل وعلا لهؤلاء.. لهذين المشركين أن يهدي الله أحدهما، أو أن يهديهما جميعا وذلك مع ضميمة أنهما كانا مجاهرين بالعداوة مظهرين للإفاسد مضيقين على القلة المؤمنة في مكة مع ذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم إذن أثر الإخلاص أثر التجرد يظهر في محبتك العظمى لأن تنفع هذا المدعو أنت تنفعه لماذا؟ لكي يهتدي، والقلوب بيد من؟ بيد الله جل وعلا، إذن تطرق أبواب من يهدي القلوب، اطرق أبواب من يقلّب القلوب.
مما يذكر في هذا : المراسلة التي كانت بين إمام الدعوة رحمه الله الإمام محمد بن عبد الوهاب وأحد العلماء الذين كانوا في مجابهة للدعوة وهو عبد الله بن عبد اللطيف الأحسائي أحد علماء الأحساء كتب للشيخ رسائل، وكان بينه وبينه مراسلات ووقع في قلبه شكوك وكاد بعض الكيد وأشاع بعض الإشاعات على التوحيد وأهله، أرسل إليه الشيخ رسالة وكان مما قال له فيها قال :"والله إني لأدعو لك في صلاتي وأسأل الله جل وعلا أن يجعلك فاروقا لدين الله في آخر هذه الأمة كما كان عمر فاروقا لدين الله في أول هذه الأمة". محبة للنفع ليست محبة للإيذاء، هذا أثر الإخلاص ولهذا أثمرت الدعوة، ونحن لو أخلصنا حقا لأثمرت بإذن الله جل وعلا، ولكن مصابنا في أنفسنا. إذن هذا أول الآداب أن تكون مخلصا متجردا لله جل وعلا.
ومن الآداب والشرائط، والآداب منها ما هو شرط والشرائط منها ما هو أدب فلذلك نداخل بينها، ثم يأتي تفصيل للشرائط في إجمال.
الأدب الثاني : العلم. والعلم هو الزينة التي يتزين بها الناس، الجاهل ميت، والعالم حي، لكن ما هو هذا العلم الذي نحتاجه في هذا المقام؟ لا نقول : إنه لا يأمر وينهى ويدعو إلى الله جل وعلا إلا العلماء، إذن كم عدد العلماء؟ قلة، فإذن يضيع الأمر. بل يؤمر وينهى ويدعى إلى الله جل وعلا، لكن لا بد من العلم، العلم بماذا؟ العلم بما تتكلم به أو تدعو إليه، والعلم أثنى الله جل وعلا على أهله بقوله : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون) (الزمر: 9) وأثنى الله جل وعلا على أهله بقوله : (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28) لكن أهل العلم يقولون : العلم علمان :
1- علم لا يسع أحدا جهله : مطلوب من كل أحد أن يتعلمه، وهو ما يصح به إسلامك، تتعلم التوحيد : معنى الشهادتين، ما معنى كلمة التوحيد؟ ما معنى إفرادك لله جل وعلا العبادة؟ تفهم ذلك بأدلته، ما معنى شهادة أن محمدا رسول الله ؟ الأركان : أركان الإسلام، تتعلم ذلك، المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة : حرمة الخمر، حرمة الزنا، حرمة الربا، حرمة القطيعة قطيعة الأرحام ونحو ذلك، الأمور المجمع عليها. الأمر بصلة الأرحام الأمر ببر الوالدين، هذه الأمور لا يسع أحد جهلها، لا بد أن تعلم أن الصلاة فرض، وأن الزكاة فرض، وأن الصيام فرض وأن الحج فرض، إذن هذا علم لا يسع أحدا جهله، هذا جميع المسلمين علماء بهذا، وإذا كانوا جهالا بهذا لم يكونوا مسلمين، ولذلك من نواقض الإسلام، العاشر من نواقض الإسلام : الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، الذي لا يتعلم دين الله يعني ما يصح إسلامه به، ولا يعمل به هذا ليس من المسلمين وإن عاش بينهم.
2- القسم الثاني من العلم : العلم الذي هو من فروض الكفايات، العلم بدقائق الشرع، العلم بالمسائل التي ليست هي من الأمور العظام أمور الشرع العظام، هذا لا شك أنه يتفاوت الناس فيه والذي يعلمه تمام العلم هم العلماء، وطلبة العلم يعلمون من ذلك شيئا.
إذن إذ كان العلم قسمان : علم هو فرض عين، وعلم هو فرض كفاية، فلا بد للداعي من أن يكون عالما بما يدعو إليه، إذا كان ليس من العلماء يدعو بما علم، يدعو إلى معنى التوحيد، يدعو إلى معنى الشهادتين، يدعو إلى ما يعلمه من الصلاة، يحث على الصلاة، يأمر بها، يأمر بتلاوة القرآن ويحث عليه، هذا شيء معلوم ما يفترق فيه الناس ولا تختلف فيه العلوم من حيث أصلُه وفرضُه، إذن هذا لا حَجْرَ على أحد فيه، بل الجميع مطالبون بأن يدعوا إلى الله جل وعلا بما علموا، الخمر هل ممكن أن يكون مسلم يقول : أنا لا أعلم الخمر محرمة أو لا؟ لا يمكن، إذن لا بد أن ينهى عنها، قطيعة الرحم، هل ممكن لمسلم أن يقول : لا.. قطيعة الرحم قد تكون جائزة، أنا ما أدري.. لا.. هذا معلوم من الدين بالضرورة أن الله جل وعلا أمر بصلة الأرحام وكان هذا مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، إذن هذا من الأمور العامة التي لا يسع أحدا جهلها، فتدعو إلى ذلك. أما إذا أتت المسائل الأخرى فلا بد إذا تكلمت أن تكون عالما بالمسألة التي تتكلم فيها، إذا كان عندك علم بمسألة فتتكلم بها، إذا لم يكن عندك علم فلا تتكلم، لا تنه عن شيء ربما يكون نهيك في غير محله، ولو كان الأمر فوضى كلٌّ يأمر وينهى بما رآه يصلح لانمحت الشريعة.
إذن عرفنا حد الذي يتأدب به عامة المسلمين والحد الذي يتأدب به خواص العلماء وخواص طلبة العلم، وهذا مما يقودك إلى فضيلة العلم وأنك لا بد لك أن تتعلم، لا بد لك أن تتعلم، نور في الصدور، قال ابن الوردي في "لاميته" المشهورة :
اطلب العلم وحصله فما أبـعد الخير على أهل الكسل
واحتفل للفقه في الدين ولا تشتـغل عنه بـمال وخول
واهجر النوم وحصله فمن يعرف المقصود يحـقر ما بذل
لا تقل قد ذهبت أربابـه كل من سار على الدرب وصل
العلم لا بد منه، ولهذا من آنس من نفسه رشدا لا بد أن يتعلم هذا الأدب الثاني. هذا الأدب له ثمرات نراها في حياتنا، وإذا كان الآمر الناهي أو الداعية إذا كان عالما كان له من الأثر ما ليس لغيره، مثال ذلك : ما مثال ذلك؟ مثاله: أن تأتي إلى من تريد أن تدعوه إلى الخير فتأتيه بما تعلم وتترك ما لا تعلم فتنقله من الحالة التي هو فيها إلى حالة أحسن، مثلا : من يترك الصلاة أو لا يحضر الصلوات في المساجد وأنت ترى ثوبه مسبلا أنت تراه مسبل الثوب أو تراه حليقا، أو نحو ذلك من المنكرات، تكلمه في أيهما؟ تكلمه في الصلاة، من يفهم هذا؟ يفهم هذا العالمُ أو من استرشد بالعلماء، إذا كنت أنت لا تعلم أشياء فتكلم بما تعلم به وهي الصلاة، لو دعونا الناس إليها وإلى أدائها في الجماعات لكنا أهل خير ومحبة للناس.
من الآداب – وهو الأدب الثالث - : العمل بالعلم : إذا أمرت بمعروف لتكن أنت أول المسارعين إليه، إذا نهيت عن منكر لتكن أول المنتهين عنه، وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"أول من تسعَّر بهم النار يوم القيامة ثلاثة.." - الحديث الذي رواه مسلم في الصحيح - وذكر منهم : من علم فلم يعمل، رجل قرأ القرآن، ورجل أمر ونهى قال : أمرت ونهيت فيك، قال : لا .. كذبت، رجل كان يأمر الناس بالمعروف ولا يأتيه، ورجل كان ينهى كان ينهى الناس عن المنكر ويسارع إلى المنكرات، هذا بلاء عام، وهذا ظاهر، ظاهر في أحوال بعض الناس، العمل بالعلم لا بد منه وبه ينفع الله جل وعلا بما تقوله وما تفعله وما تدعو إليه، لا تظن أنك إذا عصيت الله جل وعلا في خفاء أن هذا لا أثر له في الظاهر، لا.. له أثر، لماذا؟ لأنك أنت الداعي وذاك مدعوُّك والهادي هو الله جل وعلا والهادي هو المطلع على عملك وقلبك، لكن سيأتينا في الشرائط أن من كان يعمل المنكر لا يسوِّغ له ذلك أن يترك النهي، كذلك من كان مقصرا في المعروف لا يسوِّغ له ذلك أن لا يأمر بالمعروف وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
خطب أحدهم وأمر ونهى ووعظ الناس وأبكى، فأتاه آتٍ ودسَّ له – وهو يخطب – رِقعة – يعني ورقة – ففتحها فإذا فيها أبيات مشهورة سائرة فقرأها في نفسه :
يـا أيـها الرجـل المـعلم غيـره هلا. لنفسك كان ذا التعليـم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كي ما تصح به وأنت سقيـم
ابـدأ بنفسك فانـهها عـن غـيها فـإن.انتهت عنه فأنت عظيم
فـهنـاك يُـقْبَل ما تـقول ويُقْتَدَى بـالقول مـنك وينفع التعليم
لا تَـنْهَ عـن خـلق وتـأتيَ مـثله عـار عليك إذا فعلت .عظيم
خلق الأنبياء أنهم يعملون بما علمهم الله جل وعلا، قال ربنا جل وعلا مخبرا عن قول خطيب الأنبياء شعيب عليه السلام : (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ) (هود: 88). الله جل وعلا أمر العباد بأن يصدقوا أقوالهم بالعمل ونهاهم أشد النهي عن الكذب في المقال كما نهاهم عن الكذب في العمل، قال الله جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف:3)، (كبر مقتا) أي كَبُرَ بُغضا، المقت هو أشد البغض، فإذا كان الله جل وعلا يمقت ويبغض أشد البغض من يعلم ومن يقول ولا يفعل فإذن كيف نرجو صلاح دعوتنا أو صلاح أمرنا أو صلاح نهينا؟ البلاء منا، البلاء منا، لا بد من التنبه لهذا، ونسأل الله جل وعلا أن يتجاوز وأن يعفو ويتسامح عما يعلمه من عصياننا أو ذنوبنا.
من آداب الداعية أن يكون رحيما رفيقا، أن يكون رفيقا رحيما لينا، الرحمة والرفق واللين ثمرة من ثمرات الإخلاص والتجرد، إذا كان متجردا لله في الدعوة أو في الأمر أو في النهي، إذا كان مخلصا فإنه سيكون رحيما سيكون رفيقا سيكون لينا، قال جل وعلا مخبرا عن قوله... قال الله جل وعلا آمرا موسى عليه السلام وآمرا أخاه هارون قال : (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه:44)، ووصف الله جل وعلا نبيه بقوله : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128)، فإذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم رؤوفا رحيما بالمؤمنين أفلا نقتدي به؟ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21)، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري في "الصحيح" : (إنما يرحم الله من عباده الرحماء)، وفي الحديث الآخر الذي في "السنن" : (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). الرحمة لا بد منها، أن تكون رحيما بمن تدعوه، أنت ماذا تريد؟ ألا تريد أن يهتدي؟ ألا تريد أن تصلح حاله؟ ألا تريد أن يستقيم شانه؟ وأن يستقيم قلبه؟ إذن فلماذا لا تكون رحيما به؟ لِم الغلظة ولِم القسوة في غير محلها؟ يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في "الصحيحين" عن عائشة : (يا عائشة، إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه)، في كل شيء الرفق يزينه، وفي كل شيء إذا نزع الرفق شانه، ومن ذلك الدعوة، من ذلك الأمر والنهي، لا بد من الرفق، الغلظة مذمومة، قال جل وعلا : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ). (آل عمران : 159)، قال أهل العلم : معنى قوله : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) يعني : فبرحمة من الله لنت لهم، فبرحمة من الله لنت لهم، فـ (ما) في قوله : (فبما) : صلة، والصلات مؤكدِّات، وهي في مقام تكرير الكلام، إذن لماذا لان لهم؟ بالرحمة. الرشيد، هارون الرشيد رحمه الله تعالى، كان يطوف، يطوف بالكعبة، فعرفه رجل، فقال : يا هارون، إني مكلمك ومشدد عليك، وإني واعظك فقاس عليك، قال : يا هذا لا سمع لكلامك، لأنني لستَ بأشرَّ من فرعون ولستَ بخير من موسى، والله جل وعلا أمر موسى أن يقول لفرعون قولا لينا". إذن في البداية لا بد من القول اللين لا بد من الرحمة، إذا ظهرت مكابرته ظهر أنه معاند ظهر أنه شر على الخير وشر على الإسلام، إذا ظهر أنه مستهزئ بآيات الله فلا كرامة له، الولاء والبراء يقتضي أن يجانَب، لهذا موسى عليه السلام في أول الأمر في أول دعوته قال لفرعون قولا لينا، قال لفرعون قولا لينا، ولكنه عندما ظهر عصيانه ماذا قال له؟ قال له : (وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً). (الإسراء: 102)، (وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً)، ظهر هنا ظهرت العزة وظهرت القوة، لكن ليس في أول الأمر، لا..( )... لمن تريد صلاحه، وهذه مسألة أكرر التنبيه عليها لأننا نفقدها، يأمر وينهى، يدعو، وهو لا يسأل الله جل وعلا في الخلوات بأن يأخذ بيد هذا المدعو، رجل إذا أتى في الجالس تشَكَّى من والده وحالته، أو والد يتشكى من ولده وضياعه وفسقه وفجوره، ويأمره بغلظة وينهاه بغلظة، وهو ما طرق أبواب الرحيم، ما طرق أبواب من القلوب بيده ليهديه، ولينفعه بكلامه معه، لا بد من الرحمة والرفق حين الدعوة ولا بد من سؤال الله جل وعلا في أن يصلح حال هذا. حدَّث بعضُهم قال - هذا أحدهم اهتدى واستقام وتأثر بكلام حسن سمعه بسبب الرفق واللين والرحمة – قال: خرج علينا أحدهم من المسجد فوعظنا – كانوا مجموعة جالسين-، فوعظنا، فأمرنا بالصلاة بكلام حسن جميل، قال: فأخذ الجميع في الاستهزاء به، إلا أنا وصاحبي، استهزؤوا به وسخروا منه، وهو لا يزيد إلا على أن يكرر الكلام، ولو كان يدعو إلى نفسه، إذا استهزؤوا به فليغضب، يعني ينتصر لنفسه، لكن هو يدعو لمن؟ يدعو لله جل وعلا، فليصبر وليحتسب، وكرروا عليه الاستهزاء، وهو صابر يكلمهم بلين ورفق، قال : فانصرفت ثم لحقناه، لحقته أنا وصاحبي فتأسفنا له، هذا وصاحبه كانوا ذوي أدب وذوي خلق، قال : فتأسفنا له مما صنع الباقون، قال لهما : أتظنان أني متأثر أو حزين أو متضايق مما قالوا؟ لا.. لأنني فيما قلته رجوت الأجر، وحين سكتُ رجوت الأجر، وحين تكلمت وعفوت رجوت الأجر، فلم إذن الحزن؟ (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل: 127)، قال هذا، فوقعت هذه في نفسي أعظم من وقع الأولى. حدثني بذلك وهو أحد المصلين في المساجد بعد أن كان لا يشهدها. هذا الأثر رحمة، شفقة، لا بد، كيف تنفع الناس؟ تنفعهم بالتسلط عليهم؟ لا.. ولدك وهو ولدك في بيتك.. الذي خرج من صلبك وربيته على يدك، لو استعملت معه الغلظة ما رضي، فكيف بالناس؟.

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:20 PM
الأدب الذي يلي هذا - وهو الأدب الخامس - الحكمة والله جل وعلا يقول : (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً...) (البقرة :269)، (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..) (النحل:125) الحكمة مطلوبة، لكن ما هي الحكمة؟ بعض الناس لا يعلم معنى الحكمة، الحكمة هي وضع الأمور في مواضعها أن تضع الأمر في موضعه، تضع الأمر بالمعروف في موضعه وحين الاحتياج إليه، تضع النهي في موضعه، تضع الدعوة في موضعها، هذا معنى الحكمة في هذا الأمر، ولا بد إذن أن يكون الداعية حكيما، كيف يكون حكيما؟ :
أولا : يكون عالما عارفا بمراتب الدعوة، الدعوة لها مراتب.
الثاني : أن يكون عارفا عالما بمراتب المدعويين.
الثالث : أن يكون عالما عارفا لمراتب ما يريد أن يأمر به، لمراتب المأمورات، لمراتب المنهيات.
الرابع : أن يكون عالما عارفا بالمصالح والمفاسد.
إذا كان كذلك فإن دعوته ستثمر أعظم ثمرة، ومتى فَقَدَ شيئا من ذلك فقدت دعوته من النجاح بقدر ذلك، بقدر ما فقد.
الأمر الأول أن يكون عالما بمراتب ماذا؟ بمراتب الدعوة : مراتب الدعوة بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المتفق على صحته أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن، ماذا قال له؟ قال : إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله (وفي رواية : أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)، فإن هم أجابوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم... الحديث". هذا بيّن مراتب الدعوة، لا بد أن تكون حكيما، تعلم مراتب الدعوة، ما معنى ذلك؟ ما مثال ذلك؟ أتى أحدهم فقال : عندي عامل يريد أن يسلم، الحمد لله هذا أمر حسن هذا أمر طيب، بل أمر تسر له النفوس، ماذا علمته؟ ماذا علمته يا هذا؟ قال : علمته كيف يصلي. سبحان الله، هل هو نصراني أو مجوسي أو هندوسي أو ما حالته؟ تعلمه الصلاة؟ أين التوحيد؟ وهذا يكثر في الناس، عندهم أناس يريدون أن يسلموا يعلمونهم الصلاة، ذاك يقول : أريد أن أسلم، يعلمه الصلاة، يقول له : الإسلام يقول : لا تفعل كذا وافعل كذا، من المحرمات أو المأمورات، أما التوحيد فلا يبينه له وهو أصل الدين، الإيمان بالله والكفر بالطاغوت لا يبينه له، وهو أصل الدين، فإذن، فاتته الحكمة بل فاته ما يدعى إليه، لا يعرف مراتب الدعوة، أول ما تدعو إليه التوحيد، الإخلاص لله، أن تبين لهذا المدعو حق الله جل وعلا عليه، لأن العباد لو علموا حق الله جل وعلا عليهم لاستقامت أحوالهم كان الرجل يسلم ويدخل في دين الله ويستحق الجنة بفضل الله جل وعلا بقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله، دخل رجل الجنة ولم يركع ركعة لأنه قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ثم قُتِلَ، قبل أن يأتي وقت الصلاة فيصلي، إذن التوحيد هو أعظم أمر، وحديث معاذ واضح في الدلالة على هذا فلينتبه لهذا، مراتب الدعوة، رجل ما يزكي تأتي تقول له : تصدق على هذا، الصدقة طيبة؟ هو أصلا لا يزكي، كيف تأمره بالصدقة علمه أولا الزكاة التي هي فرض الله، كذلك شخص ما يصلي في المسجد، لا يصلي في المسجد لا يُرى إلا في الجمعة أو شخص لا يصلي، تجيء وتتكلم معه في الوتر؟ في وجوب الوتر أو في قيام الليل؟ ما هذا الكلام؟ شخص لا يقرأ القرآن أبدا أو يقرأه بين رمضان ورمضان تأتي وتقول له لا بد أن يكون لك كل يوم جزء من القرآن تقرأه؟ وتختم كل شهر؟ كيف يكون هذا؟ إذن لا بد أن تعرف مراتب الدعوة، تنقل هذا شيئا فشيئا تنقله إلى ما هو أحسن، ابن القيم رحمه الله ذكر مثالا لذلك، قال لو أتيت – ابن القيم ذكره في كتابه "معالم الموقعين عن رب العالمين" أو المشهور باسم "إعلام الموقعين عن رب العالمين" – قال : لو أتيت إلى أناس يلعبون الشطرنج – هذا كلام ابن القيم – يلعبون الشطرنج، فإذا أردت أن تنهاهم عن هذا ويكون مع نهيك أمر أو تحبيب لهم بأن ينتقلوا إلى ما هو أحسن منه، ينتقلوا إلى مجلس خير إلى مجلس ذكر، ينتقلوا إلى اجتماع مبارك خيِّر، أو إلى تواصي أو إلى صلة رحم فهذا حسن، من الحكمة ومن الخير أن تنهاهم عن هذا وتنقلهم إلى ما هو أفضل منه، أما إذا أتيتهم وهم شببة – يعني شبابا – وهم في نفسهم شر الشباب، وفي نفسهم فسق وفجور، تنهاهم عن لعب الشطرنج ثم سيبتهم يتعرضون إلى محارم المسلمين؟ قال : فنهيك إياهم عن لعب الشطرنج هذا مما يجب أن تُنْهى عنه، يعني من غير الحكمة، أنت تريد الإصلاح تريد الخير، فلا بد أن تنقلهم إلى ما هو أحسن إلى ما هو خير، إذا كنت لا تستطيع أن تنقلهم إلى ما هو أحسن وإذا نهيتهم عن شيء أو أمرتهم بشيء سينتقلوا إلى ما هو شر من ذلك، فلا بد أن تسكت حتى يأتي من يحسن أن ينقلهم، أو لا بد أن تتعلم كيف تنقلهم عن ذلك، تتحبب لهم تودد لهم، إذن مراتب الدعوة لا بد من معرفتها.
الأمر الثاني : مراتب، ماذا؟ .. مراتب المدعويين : الناس مراتب أليس كذلك؟ منهم الولاة، حكام، الحاكم تخاطبه مثل ما تخاطب ولدك أو الصغير عندك؟ ثم تقول هذه عزة، وقوة، وهذا عزيز قوي؟ تكلم ووعظ وأبلغ. لا، هذا ليس من الحكمة في شيء لأنك لا بد أن ترجو النفع، لا بد أن ترجو النفع، فمهما كان من سبيل إلى الانتفاع فأته، ليس السبيل أن يقال: فلان قال، فلان قوي الشخصية، فلان ما يهمه أحد، فلان فيه وفيه من الخصال، وهذا كلامك ما ينفع بل يزيد الشر شرا، لا شك أن هذا غلط، فلا بد أن تعرف مراتب المدعوين، ولاة.. علماء.. تعرف كيف تكلمهم، قد يكون العالم مقصرا، تأتي تقول له : اتق الله ثوبك فيه ما فيه، أو أنت تخفف من لحيتك، أو فيك كذا وكذا، بعبارة فجة؟ العالم ما يوعظ بمثل هذا، ولا يدعى بمثل هذا، بل يدعى بأسلوب حسن، لأنه هو تذكره بآية بتفسيرها يفهم المقصود، إن مَنَّ الله جل وعلا عليه بالاستقامة أو بتمام الاستقامة فذلك من نعم الله، إذن ما تقوي عليه مثل ما تقوي على الجاهل أو على من هو تحت يدك.. لا، هذا تشير إليه إشارة، الطفل هل مرتبة دعوته وتحبيبه إلى الخير مثل مرتبة العاقل الفاهم المكلف؟ لا.. كل أحد بحسب حاله، فإذن من الحكمة أن تعرف مراتب الناس، أن تعرف مراتب الناس.
ومن الحكمة أن يكون الداعية الآمر الناهي يعلم مراتب المأمورات ومراتب المنهيات وهذا مثَّلنا له بمثال، والمنهيات يعني المنكرات مثَّلنا أيضا لها بمثال، فنكتفي بالإشارة إلى ذلك.
أيضا من الحكمة أن يكون الداعية أو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون عالما بالمصالح والمفاسد، لأنه قد يأمر بشيء في وقتٍ المصلحةُ العظمى في غيره، يكون معروفا لكن المصلحة العظمى في غيره، مثلا يأتي آت ويقول : تعال نجلس نقرأ القرآن، لا شك قراءة القرآن من أفضل الأعمال، وهم بجانبهم، وهم رأوه ؟؟؟، بجانبهم من يرتكب منكرا علنا وهم جماعة يستطيعون أن يغيروا فأيهما الأفضل؟ لا شك.. قراءة القرآن وقتها موسع، وهذا منكر حاضر، فتذهب إلى ذاك تزيل المفسدة ثم تأتي وتقرأ القرآن، كذلك شخص يقول : أنا بجلس بعد الصلاة صلاة الفجر في حلقة ذكر إلى طلوع الشمس، وأهله نائمون ما أوقظهم لصلاة الفجر، فهو يعلم أنهم لن يصلوا إلى بعد طلوع الشمس، هذا فقيه أو ليس بفقيه؟ فيحتاج إلى أن ينتبه إلى نفسه، كيف تجلس في جلسة ذكر مثلا أو قراءة قرآن أو نحو ذلك أو تجلس تهلل وتسبح وفي بيتك من لا يقوم إلى الصلاة إلا بعد طلوع الشمس؟ هذه بعض مراتب المأمورات فانتبه لها، كذلك المنهيات لها مراتب المصالح والمفاسد متعلقة بها، المنكر فرض على الكفاية أن يُنْكَر، ومن شهده فيجب عليه أن ينكره على أحد المراتب الثلاثة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يتسطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) لكن ربما أنكرت منكرا نتج منه منكر أكبر منه، أنكرت شيئا فجرَّ على غيرك بلاء عظيما، مثال ذلك : مثال : من يقتلون الآن في بعض البلاد، من يقتلون بعض من تحققت ردتهم، لا شك أن من ثبتت ردته فقتله جائز، لكن يأتي مجموعة مثلا من الشباب في بلد ما يقولون نحن نقتله، طيب قتلتم واحدا فقتل منكم مائة، هل هذا يجوز؟ لا.. الشرع لم يأمر بهذا. يأتي أحدهم ويفعل فعلا هو من إنكار المنكر لكن يستخفي لا يذكر اسمه، ينكر منكرا إما بورقة أو بتسجيل أو نحو ذلك ولا يذكر اسمه، فهذا المنكر الذي أنكره جر بلاء ومنكرا على جمع من الناس على أمة من الناس، هذا لا شك أن فعله منكر يجب أن ينكر عليه، ولا يجوز له ولا يحل، وهو آثم بفعله غير مثاب. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكر عن نفسه، كما روى عنه ابن القيم في كتابه "معالم الموقعين" ذكر عن نفسه قال : مررت بقوم من التتر يشربون الخمر في الشارع، يشربون الخمر بين الناس، فقال قوم من صحابتي - يعني من أصحابه – هيا ننكر على هؤلاء، يشربون الخمر علنا؟ قال : فقلت :"يا هذا دعهم فإن الله جل وعلا إنما نهى عن الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء الخمر يصدهم عن الوقوع في محارم المسلمين وعن قتل الأنفس"، هذه حكمة، حكمة العلماء، هذا الفهم، هذا الفهم، لأنه رأى مصلحة ومفسدة، لكن من يفهم هذا؟ يفهم هذا من أوتي الحكمة (...وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً...) (البقرة:269) يمكن بعض الناس لو كان عند ابن تيمية قال : ابن تيمية فيه ما فيه، لأنه كيف يسكت عن هؤلاء؟ كيف منكر خمر تعلن؟ لا .. هو مقر على أنه يجب الإنكار، لكن هؤلاء إذا أنكرت عليهم ما قاد إنكارك إلى أمر أحسن بل إلى أمر أسوء فتكون أنت ما تسببت في خير إنما تسببت في شر سيحصل، دعهم يبقون على هذا.
هذه بعض ما يتعلق بالحكمة، أيضا مما يحتاج إليه الداعي الآمر الناهي من الآداب أن يكون صابرا، الله جل وعلا أمر نبيه بالصبر وهو نبيه الذي يتحلى بكل خلق فاضل : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4) فقال جل وعلا له : (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ)(النحل: 127)، وقال جل وعلا له : (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ). (الأحقاف: 35)، وقال جل وعلا : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) (الروم:60) وقال جل وعلا مثنيا على عباده المؤمنين الذين أنجاهم : (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر : 1 - 3)، الداعية لا بد أن يكون صابرا، إذا أتاه ما يؤذيه في نفسه ؟؟؟( ) به يصبر ويحتسب الأمر لله في أوله وآخره فليصبر وهو مأجور على صبره كما أنه مأجور على دعوته.
الْخُلق والأدب الذي بعد الصبر أن يكون الداعية والآمر الناهي عزيزا قويا بالحق، ليس معنى الصفات التي ذكرنا - كما قد يتوهمه بعضهم - أنها صفات من ليس عنده عزة، شخص ضعيف، أو الذي يسميه بعض الناس درويش، هذا ما يفهم، يطأطئ رأسه عن كل شيء، لا.. لا بد أن يكون مع كل ذلك مقتديا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبصحابته يعني أن يكون ذا عزة وذا قوة في الحق ما معنى ذلك ؟ معناه أن لا يرضى أن تنتهك حرمات الله جل وعلا أمامه، يجلس في مجلس يعصى فيه الله جل وعلا، لا.. ليس من الدعوة ولا من الحكمة ولا من الخير أن تجلس في مجلس تقول : أريد أن أدعوهم، وهم يعاقرون المنكرات! أو يفعلون الموبقات.. لا، هذا أنت شريك في الإثم إذا كنت.. إذا لم تفارق مجلسهم، أن تكون عزيزا : أيها القوم .. الناس أنتم إذا كنتم تريدون هذا الأمر يظهر أو أنكم.. هذا الأمر تفعلونه في هذا المجلس فأنا أستأذن لا مقام لي، الله جل وعلا أمرنا أننا إذا سمعنا آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها أن لا نقعد مع المستهزئين، قال جل وعلا : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ..). (النساء:140)، كذلك استفاد أهل العلم من هذه الآية أن الراضي بالذنب كفاعله، لو لم يفعله، واحد نقل له أن فلان يشرب الخمر، يعني يا رجال هذي فيها كذا وكذا، رضي به، هو مثل الشارب في الإثم، هو مثل الشارب في الإثم، لا في إقامة الحد أو فيما يترتب على ذلك. لا بد أن يكون قويا في الحق إذا أتى موجب لقوته، انْتُهِكَتْ محارم الله علنا، استهزئ بآيات الله علنا، كان الناس مستكبرين، تجرءوا على الحق وأظهروا الفساد وأرادوا الإفساد تعرضوا لمحارم الله، يكون.. لا بد أن يكون قويا في ردهم، أما في الدعوة دعوتهم يكون رحيما، لكن قوته وعزته لا تعني الاعتداء عليهم بل تعني أن يكفهم عن المنكر وأن يكفهم عن الشر وأن يزيل المنكر وأن يغيره إذا كان مستطيعا لذلك.
من الآداب المهمة أن لا ييأس الداعية يأتي يقول : فلان أنا رحت له مرتين ثلاث أربع خمس، ما نفع، لا لا تيأس (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87)، لا تيأسوا من روح الله : هي رحمة الله جل وعلا تيأس منها؟ لا.. (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا) أنت تمسك الرحمة؟ (وَمَا يُرْسِلْ..) (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) (فاطر:2)، لا شك، إذن لا بد من التكرار لا نكون كبني إسرائيل يملون، نهوهم في الليل من مواقعة المنكر ثم خلاص، قالوا : (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً) (الأعراف: 164)، كيف هؤلاء الناس واقعون في الشر والبلاء تعظونهم وتنهونهم؟ لا.. ! ولو كنا كهؤلاء المثبطين المرجفين لانتشر الفساد ولعم ولما انتفع الناس بآمر ولا بناه، لا بد إذن أن لا نيأس، نواصل مرة مرتين وثلاثة، نوح عليه السلام كم لبث في قومه؟ (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً) (العنكبوت:14)، ألف سنة إلا خمسين عام؟ لبثها في قومه، كم آمن معه؟ (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) (هود: 40)، أكثر الروايات - يعني الروايات التي ذكرت عددا كثيرا - قالوا كانوا : بضعة وسبعين، هذا أكثر ما قيل، وأكثر الروايات ورودا قالوا أنهم كانوا اثنا عشر معه، مل؟ كل؟ يئس؟ لا، لأن عليه العمل وليس عليه أن يرى ثمرة العمل (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (الرعد:40) البلاغ عليك أن تبلغ عليك أن تأمر عليك أن تنهى، (مَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام: 52) أبدا، هذه بعض الآداب التي نستحضرها في هذا المقام.

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:21 PM
[*شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر*]

بقي أن نتكلم بكلمة وجيزة عن الشرائط، شرائط الدعوة أو شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الشرائط ذكرت في الآداب لأن بعض الآداب يصلح أن يكون شرطا مثل : الإخلاص، شرط، مثل العلم شرط، مثل : الحكمة، المعرفة، الحكمة بالمراتب، هذا شرط، أن يروح ينهى عن شيء وهو لا يعرف مراتبه، لا بد أن يتعلم هذه الشروط، والشروط منقسمة إلى قسمين كما قال أهل العلم : شروط صحة، وشروط مشروعية.
أما شروط الصحة فمثل : الإخلاص : اللي ما يخلص فهذا لا يصح أمره ولا نهيه عند الله جل وعلا، ولا تصح عبادته أصلا. منها شروط صحة أيضا وهو : العلم بما يتكلم به، بما يأمر به أو ينهى عنه أو يدعو إليه، هذا شرط صحة، تتكلم عن مسألة وتأمر بها وتنهى وأنت ما تعلم حكمها لا..
منها شروط للمشروعية : من شروط المشروعية أن تكون قادرا مستطيعا (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)(البقرة : 286)، (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا)(التغابن: 16)، (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
لكن القدرة والاستطاعة لا بد أن نقف عندها وقفة، ما معنى القدرة والاستطاعة؟ ومتى يتحقق في الشخص أن يكون غير قادر وغير مستطيع؟ هناك أمور فيمن تليهم، فيه أمور تكون فيمن تليهم يعني أولى بك، أنت الوالي عليهم أنت ولي أمرهم هذي أنت قادر على إزالة الأمر في بيتك باليد، ما يأتي واحد يقول - يُرَى في بيته منكر - يقول : والله أولادي الصغار مثلا صغار ما هم كبار ينازعونها ويتعددون أو يخشى أن يترتب على فعله منكر أكبر لكن يقول : صغار والله أودهم بهذا وكذا، ما لك عذر، لأنك قادر مستطيع (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده) وأنت تستطيع بيدك أنت من أهل اليد في بيتك (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، لكن في الشارع رأيت منكرا في الشارع رأيت تعليقا لصور مثلا، تعليق لصور، أو معازف معلنة، في الشارع، إذا كنت منن أهل اليد الذين إذا أنكروا باليد قبل منهم فيجب عليك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك وليس لك عذر، لكن إذا كنت لست من أهل اليد (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) تكون من أهل اللسان، وما فيه أحد معذور بترك الإنكار باللسان، تقول له : لا هذا منكر أغلقه، لكن تأتي بيدك تكسر الأشياء هذا ما يجوز لك لأنه ليس لك، إنما هو لأهل اليد الذين نسبوا لهذا الأمر، أما باللسان فليس لك عذر، أحد قال لك.. أتى أحد وقال لك : لا تنكر بلسانك؟ ما فيه، لو تأتي تنكر بلسانك أنت مستطيع لذلك، لكن إذا أتى أحد قال : أنا والله ما أستطيع بلساني، مثلا أنا أجنبي عن هذه البلاد، والله لو ؟؟؟ أنكرت بلساني ؟؟؟ أو يحصل لي شيء، نقول : أنت إذن معذور، نقول : إذن أنت معذور، تنتقل إلى الإنكار بقلبك، أو شخص يقول : أنا ضعيف أتيت منكر والله مجموعة من الناس تحوطوا بسيارة امرأة، السيارة فيها نساء وهو واحد، ماذا سيفعل؟ يقول : أخشى على نفسي أنا ضعيف، نقول : ما أمرك الشرع بأن تنكر في هذه الحال لأنك لا تستطيع.
والعجز أو عدم القدرة تنقسم إلى قسمين عند أهل العلم : عجز علمي وعجز حسي :
1- [عجز علمي] يعني عجز راجع إلى العلم يأتيه حالة يقول : أنا أعرف أن هذي فيها شيء ولكن لست متثبتا منها، أنا عاجز علميا على أن أتكلم فيها، فهذا يكون مخولا له أن لا ينكرها ولا يغيرها بيده.
2- العجر الثاني : عجز حسي : يقول : أنا ما أستطيع ببدني أن أتكلم، أخشى أنهم يضربونني ويفعلون بي الأفاعيل، أو : أنا رجل ضعيف لست بقوي أخشى من كذا وكذا، الشرع عذرك والحمد لله على توسعته وتيسيره.
لكن ليس من العجز مخافة لوم اللوام، الشيطان يأتي بعض الناس يقول : لا والله أنت بيلومك اللوام يقولون : هذا فيه هذا ما يفهم هذا متسرع هذا لا يعرف كيف الأمور تؤتى، هذا يأتي بكلام كأنه من أهل كذا وكذا، اللوم؛ لوم اللوام ليس بعذر لك لأن الله جل وعلا قال عن نبيه وصحابته : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران:173)، وقال جل وعلا في وصف المؤمنين : (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) (المائدة : 54). ما يخافون لومة لائم، وفي حديث عبادة بن الصامت المتفق على صحته: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن نقول بالحق حيث كنا ولا نخشى في الله لومة لائم)، إذن لوم اللائمين هذا ليس بعذر في إسقاط الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو أن تنتقل من مرتبة إلى مرتبة، لا، إذا كنت تعتقد أنهم سيلومونك، فإن هذا ليس بعذر لك، المشروعية قائمة في حقك.
الكلام له صلة لكن نقف عند هذه المسائل المهمة التي ينبغي فهمها وهي أصول كما ترى ومعالم عامة لو تحقق بها وتحققها الدعاة والآمرون والناهون في أنفسهم وفي دعوتهم لرجونا الخير والصلاح بإذن الله جل وعلا.
فإذن نختم هذا المقال بما ابتدأنا به، بحمد الله جل وعلا وبأن نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أنصار دينه وأن يجعلنا من الدعاة إلى الخير، وأن يجعل أمتنا هذه أمة ثابتة على الحق قائمة به، وأن لا يُسَلَّط عليها المضلون ولا المرجفون ولا دعاء الضلالة، وأن يحمي الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر سواء من الخاصة الذين أنيط بهم هذا الأمر أو من العامة الذين يدعون إلى الخير في كل حال، ونسأله جل وعلا أن يرفع بدعوة الحق منارا وأن يرفع بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر منارا وأن يخمد لعدوهم نارا، وأن يجعلهم ثابتين على الهدى قائمين وأن يأخذ بنواصيهم إلى الخير ثم نسأله جل وعلا أن يصلح ولاة الأمور وأن يجعلهم من القائمين بالأمر بالمعروف والناهين عن المنكر وأن يرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة بهم فإنه جل وعلا هو الذي يأخذ بالقلوب وهو الذي يقلبها، منا الدعاء ونسأله جل وعلا الإجابة، ونسأله في الختام وفي الابتداء أن يتوفانا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:22 PM
• يقول السائل : فضيلة الشيخ تكلمتم عن فتنة القول وفتنة العمل، فنرجو منكم توضيح ذلك وجزاكم الله خيرا.


• الشيخ : الحمد لله، أنا ذكرت فتنة القول وفتنة العمل في مقام الاستعاذة، نعوذ بالله من فتنة المقال، كما نعوذ به من فتنة الفعال، وهذه استعاذة كان يستعيذ بها المتقدمون، يستعيذون بالله جل وعلا، من الفتنة في القول ومن الفتنة في العمل، والقول يحوط به فتن وكذلك العمل، فمن فتن القول أن لا يكون مخلصا فيه، من فتن القول أن يكون بالرياء أن يكون للسمعة أن يكون ليقال : فلان فصيح، أو فلان عالم، أو فلان قال وقال، هو يريد ذلك، لا شك هذه فتنة للقول، ولذلك مما ذُكِر في أشراط الساعة أنه (يقل الفقهاء ويكثر الخطباء)، معنى (يقل الفقهاء) يقل المتبصرون بالقول والعمل، ويكثر الخطباء الذين يشققون الكلام ونفعهم قليل وذلك لأنهم فتنوا في مقالهم، كذلك العمل له فتنة ومن فتنته الإعجاب به، بعض الناس يعمل عملا فلا يزال هذا العمل بين عينيه متعاظما له مفتخرا به، أنه عمل وعمل فيدلي على ربه به، فيحبط عمله، وهذه فتنة يصاب بها بعضهم، كذلك من الناس من يوفق فلا يفتن في عمله، يعمل العمل فلا يزال وجلا خائفا، هل يتقبل منه أم لا؟ يعمل العمل وهو يحاذر كأنه يمشي على طريق ملئ شوكا، يحاذر من قول يتوسع فيه ليس عليه دليل شرعي، يحاذر من عمل يعمله ليس عليه دليل شرعي، يحاذر من عمل يعمله وهو يرى نفسه بعمله، يرى نفسه بتلاوته، يرى نفسه بصلاته يرى نفسه بعلمه، يرى نفسه بدروسه يرى نفسه بطلبه العلم أو نحو ذلك، لا شك هذا لا يزال يدلي على الله بهذه الأشياء حتى يحبط عمله، والصنف الآخر لا تزال هذه الأمور بين عينيه يتقالُّها، يتقالُّها ويسأل الله جل وعلا أن يتقبلها منه، وهذا مصداقه في كتاب الله جل وعلا في قوله في سورة المؤمنون : (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ…) (المؤمنون : 60-61)، هو آتى الخير وآتى الصدقات وعمل ما عمل، ولكن قلبه ليس بذي إعجاب، قلبه ليس معجبا بعمله، ولكن (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) يتذكر قول الله جل وعلا: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) (الحشر: 2)، ويتذكر قول الله جل وعلا : (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر: 47)، فلهذا لا غرو أن كانت الاستعاذة من فتنة الفول ومن فتنة العمل مما ينبغي إكثار الاستعاذة منه خاصة للمتحدثين وللعاملين بل ولجميع المؤمنين رزقني الله وإياكم السداد في المقال والفعال.

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:22 PM
• يقول السائل : في قوله تعالى : (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) (يوسف: 108) نرجو من فضيلتكم توضيح البصيرة وما الطريق إليها؟.


• الشيخ : في قوله تعالى في آخر سورة يوسف : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) (يوسف : 108) البصيرة هي كل ما به يُبْصر الطريق الذي أمر الله جل وعلا به، ومعنى ذلك أن البصيرة التي يدعى عليها (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) أي على نور من الله وعلم، قال : (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: 108)، فالبصيرة هي النور الذي يُقْذف في القلب بالعلم بالله جل وعلا وبما أنزل في كتابه وبما جاء في سنة نبيه والنبي صلى الله عليه وسلم بصيرته هي أن يكون مزدادا من العلم بالله ومن العلم بما أنزل الله، والله جل وعلا أمره بأن يقول : (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (طـه: 114)، فازدياد العلم هو ازدياد البصيرة لأنه به يزداد بصرك، فكما أن بصرك يبصر المبصرات من الذوات والأعيان، كذلك القلب يبصر، يبصر الحق والباطل، يبصر السبيل النيرة من السبيل المظلمة، يبصر السبيل المجدية في الدعوة من السبيل التي لا تجدي، يبصر السبيل التي يرضي الله جل وعلا أن تسلكها ويبصر السبيل التي لا يرضي الله جل وعلا أن تسلكها، فإذن البصيرة هي عماد الأمر كله، بل هي أصل الدعوة وأولها وآخرها.

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:23 PM
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الشيخ حامد العلي

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:25 PM
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات على الأمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل أحد بعينه، بل هو على الكفاية كما دل عليه القرآن" ا.هـ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: [من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان] (رواه الإمام مسلم في صحيحه).

وأول من يخاطب به هم أولو الأمر من المسلمين وهم الأمراء والعلماء كما قال شيخ الإسلام أيضاً: "ويجب على كل أولي الأمر وهم علماء كل طائفة ومشايخها أن يقوموا على عامتهم، ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر" (رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص/40-41) والمعروف: هو كل ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به.
والمنكر: يعم كل ما كرهه الله ونهى عنه.
ويجب على من يأمر بالمعروف أن يعلم كونه معروفا ، وكذلك من ينهى عن المنكر.
قـال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والله سبحانه وتعالى قد أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته فمن لا يعلم المعروف لا يمكنه الأمر به.. والنهي عن المنكر مسبوق بمعرفته فمن لم يعلمه لا يمكنه النهي عنه" (التفسير الكبير 5/304)

وقال النووي رحمه الله: "ثم أنه إنما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة، والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا، والخمر ونحوها، فكل المسلمين علماء بها.
وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء". قال شيخ الإسلام: "فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب أن يكون هكذا في حق نفسه، ولا يكون عمله صالحاً إن لم يكن بعلم وفقه، وكما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح" وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: [العلم إمام العمل، والعمل تابعه] وهذا ظاهر فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعاً للهوى كما تقدم، وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام، فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، ولا بد من العلم بحال المأمور والمنهي، ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي بالصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود". (مجموع الفتاوى 28/34)

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:26 PM
وأما مسائل الاجتهاد فلا يحق للإمام إلزام العلماء بترك مذاهبهم لمذهبه :
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "ليس له منع الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد وليس معه بالمنع نص من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك، لا سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار. وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل، ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل، ولهذا لما استشار الرشيد مالكاً في أن يحمل الناس على (موطئه) في مثل هذه المسائل منعه من ذلك.
قال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم. وصنف رجل كتاباً في الاختلاف فقال: لا تسمه (كتاب الاختلاف)، ولكن سمه (كتاب السعة ).
ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وكان عمر ابن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة، وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه.. ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي رحمه الله وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه، ونظائر هذه المسائل كثيرة: مثل تنازع الناس في بيع الباقلا الأخضر في قشرية، وفي بيع المقاثي جملة واحدة، وبيع المعطاة والسلم الحال، واستعمال الماء الكثير بعد وقوع النجاسة فيه إذا لم تغيره، والتوضؤ من ذلك، والقراءة بالبسملة سـراً أو جهراً، وترك ذلك وتنجيس بول ما يؤكل لحمه وروثه أو القول بطهارة ذلك، وبيع الأعيان الغائبة بالصفة وترك ذلك.." (مجموع الفتاوى 30/79-81)

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:27 PM
والواجب أن يتدرج المنكر في درجات الإنكار :
وذلك لقـوله صلى الله عليه وسلم: [من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان] (رواه مسلم) فالإنكار باليد أعلى درجات الإنكار وهو للقادر على الإنكار باليد ما لم يُؤَدِّ إلى منكر أكبر منه فإن لم يستطع تحول إلى الإنكار باللسان ذماً للمنكر وأهله وبياناً لفساده وتحذيراً منه فإن لم يستطع تحول إلى الإنكـار بقلبه بغضاً للمنكر وأهله، ومفارقة لمجالسهم كما قال تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} (الأنعام:68)

وإذا ترتب على إنكار المنكر وقوع منكر أكبر ، فإن الإنكار يؤجل :
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد.
فإن الأمـر والنهي -وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة- فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً به، بل يكون حراماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته.
لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، ولن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالاتها على الأحكام.
ومن هذا الباب ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن أبي سلول وأمثاله من أئمة النفاق والفجور، لما لهم من أعوان فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، ولهذا لما خطب الناس في قضية الإفك بما خطبهم به، واعتذر عنه، وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه، حمي له سعد بن عبادة، مع حسن إيمانه وصدقه - وتعصب لكلٍ منهم قبيلته حتى كادت تكون فتنة" (قاعدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص/47-48)

ويجب على القائم بهذه الشعيرة أن يخلص نيته لله تعالى :
يجب على من يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون عمله لله خالصاً، وأن يكون صواباً، وألا يتبع هواه، ويأمر أو ينهى لحظ نفسه، وذلك أن الضلال في الدين عظيم، ومن فقـد الإخلاص، ولم يتحر الصواب أوقعه الشيطان في الهوى، ومن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما نصه: "واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات" >
فإن أهل الكتاب اتبعوا أهواءهم فضلوا. قال تعالى عنهم {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (القصص:50) ولذلك نهى نبينا أن يتبع أهواء أهل الكتاب، قال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير} (البقرة:120)
فاتباع الهوى هو الذي أفسد الديانات السابقة، وأوجد الفرقة بين أهل الدين الواحد، وهو الذي خرج به من خرج عن موجب الكتاب والسنة وسماهم علماء الإسلام أهل الأهواء.. فيجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون باعثه إخلاص النية، وليحذر أن يجعل أمره ونهيه تبعاً لحبه وبغضه اللذَيْنِ يتبع فيهما هواه لا الكتاب والسنة.
وقال شيخ الإسلام: "فالواجب على العبد أن ينظر في نفس حبه وبغضه ومقدار حبه وبغضه: هل هو موافق لأمر الله ورسوله؟ وهو هدى الله الذي أنزله على رسوله، بحيث يكون مأموراً بذلك الحب والبغض، لا يكون متقدماً فيه بين يدي الله ورسوله، فإنه تعالى قد قال: [لا تقدموا بين يدي الله ورسوله] ومن أحب وأبغض قبل أن يأمره الله ورسوله ففيه نوع من التقدم بين يدي الله ورسـوله، ومجرد الحب والبغض هوى، لكن المحرم اتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله، ولهذا قال: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد} (ص:26).. فأخبر أن من اتبع هـواه أضله ذلك عن سبيل الله، وهو هدى الله الذي بعث به رسوله، وهو السبيل إليه وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال، وأفضلها وأحسنها، وقد قال تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} (الملك:2) وهو كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، فالعمل الصالح لا بد أن يـراد به وجه الله تعالى، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه وحده، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريءٌ منه وهو كله للذي أشرك] (رواه مسلم)" (مجموع الفتاوى 28/132-134)

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:29 PM
وعليه أن يبدأ بالرفق في موضع الرفق :
يجب أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر رفيقاً كما قال صلى الله عليه وسلم: [ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه] (رواه مسلم) >
وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: [إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف] (رواه أحمد والبيهقي) ولهذا قيل: [ليكن أمرك بالمعروف معروفاً ونهيك عن المنكر غير منكر] (رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد) وقال شيخ الإسلام: "ولا بد في ذلك من الرفق كما قال صلى الله عليه وسلم: [ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه] (رواه مسلم).. وقال: [إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف] (رواه أحمد والبيهقي)" (مجموع الفتاوى 28/135)

وأن يصبر ويكون حليما :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولا بد أيضاً أن يكون حليماً صبوراً على الأذى، فإنه لا بد أن يحصل له أذى، فإن لم يحلـم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح كما حكى الله تعالى عن قول لقمان لابنه: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} (لقمان:17) >
ولهذا أمر الله رسوله بالصبر، كما قال تعالى: {يا أيها المدثر} (المدثر:1) إلى قوله تعالى: {ولربك فاصبر} فجعل الصبر من مقتضيات القيام بالدعوة إلى الله.. وقال تعالى: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم}.. والآيات الداعية بوجوب الصبر في الدعوة إلى الله كثيرة جداً.

وأما الهجر في إنكار المنكر فله ضوابط :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحـة بحيث يفضي إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر".. وقال: "وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، وكل ذلك بحسب الأحوال والمصالح، وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل" (مجموع الفتاوى 28/206)

ويجوز استعمال كل وسيلة مباحة للقيام بهذا الواجب :
أما الوسائل المنصوص على تحريمها فهذه لا خلاف في عدم مشروعية استعمالها ، وكل ما حرمه الله سبحانه وتعالى فلا يجوز استخدامه في الدعوة إلى الله، ولو أدى إلى نفع المسلمين، وذلك كالقصص المكذوب، والحكايات الملفقة والأحاديث الموضوعة للمبالغة في الترغيب والترهيب، فإن هذه الأساليب وإن كانت تفيد أحياناً في توبة بعض العصاة، وهداية بعض الناس إلا أن هذا من الكذب الذي حرم الله أصله، وكذلك العبادات المبتدعة كالسماع الصوفي، والمعازف ونحو ذلك مما حرمته الشريعة.

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:30 PM
أما الوسائل المباحة فتدخل في قاعدة الوسائل لها حكم المقاصد :
قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "ونظراً إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة وإلى الإلحاد، وإنكار رب العباد، وإنكار الرسالات، وإنكار الآخرة، وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان، وغير ذلك من الدعوات المضللة، نظراً إلى هذا فإن الدعوة إلى الله عز وجل اليوم أصبحت فرضاً عاماً وواجباً على جميع العلماء، وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسـلام، فرض عليهم أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة والإمكان بالكتابة، والخطابة، والإذاعـة، وبكل وسيلة استطاعوا، وأن لا يتقاعسوا عن ذلك أو يتكلوا على زيد أو عمرو، فإن الحاجة بل الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون والاشتراك والتكاتف في هذا الأمر العظيم أكثر مما كان قبل ذلك لأن أعداء الله قد تكاتفوا وتعاونوا بكل وسيلة للصد عن سبيل الله عز وجل، فوجب على أهل الإسلام أن يقابلوا هذا النشاط المضل، وهذا النشاط الملحد بنشاط إسلامي وبدعوة إسلامية على شتى المستويات، وبجميع الوسائل وبجميع الطرق الممكنة، وهذا من باب أداء ما أوجب الله على عباده من الدعوة إلى سبيله" (الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص/18) ويقول الشيخ محمد الصالح العثيمين: " ليس للوسائل حد شرعي فكل ما أدى إلى المقصود فهو مقصـود، ما لم يكن منهياً عنه بعينه، فإن كان منهياً عنه بعينه فلا نقر به، فلو قال: أنا أريد أن أدعو شخصاً بالغناء والموسيقا لأنه يطرب لها ويستأنس بها وربما يكون هذا جذباً له فادعوه بالموسيقا والغناء هل نبيح له ذلك؟ لا لا يجوز أبداً، لكن إذا كانت وسيلة لم ينه عنها ولها أثر فهذه لا بأس بها فالوسائل غير المقاصد وليس من اللازم أن ينص الشرع على كل وسيلة بعينها، يقول هذه جائزة وهذه غير جائزة، لأن الوسائل لا حصر لها، ولا حد لها، فكل ما كان وسيلة لخير فهو خير" (لقاء الباب المفتوح 15/49-50)

وإذا كانت الوسيلة فيه مصلحة وفيها مفسدة :
وذلك مثل الظهور في القنوات الفضائية غير الإسلامية ، أو الكتابة في الصحف العلمانية ، ونحو ذلك ، فيصار إلى أرجح الأمرين في تعارض مصلحة الدعوة ، ومفسدة الوسيلة.
قـال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا تزاحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعـرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالاتها على الأحكام" (مجموع الفتاوى)
ولا يجوز تحريم وسيلة من الوسائل بدعوى أنها لم تكن موجودة في العصر الأول، فإن هذا ليس دليلاً على التحريم، فإن مجرد الترك لا يكون دليلاً على التحريم ما لم يكن مقصوداً من باب القربة مع قيام الداعي للفعل، ولا يخفى أن ترك السلف لهذه الوسائل الحادثة في هذا العصر سببه أنها لم تكن موجودة في زمانهم.

أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:31 PM
وأما الأدلة على إظهار النكير على المنكر الظاهر حتى لو كان فاعله السلطة :
عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : (خرجت مخاصراً مروان حتى أتينا المصلى فإذا كثير من الصلت قد بنى منيراً من طين فإذا مروان ينازعني يده كأنه يجرني نحو المنبر ، وأنا أجره نحو الصلاة ، فلما رأيت ذلك منه قلت : أين الابتداء بالصلاة ؟ فقال لا يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم ، قلت : كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم ، ثلاث مرات ثم انصرف )رواه مسلم ، وروى أيضاً عنه قال : ( إن أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة ، فقال : قد ترك ما هنالك ، فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رأى منكم منكراً فليغيره بيده .. الحديث ) وفي هذين الحديثين أن أبا سعيد أنكر على الوالي وكذلك أنكر ذلك الرجل علناً ، قال النووي : (أو أنه خاف وخاطر بنفسه وذلك جائز بل متسحب ، ويحتمل أن أبا سعيد هَمَّ بالإنكار فبادره الرجل فعضده أبو سعيد ) وقال : ( وأما قوله فقد قضى ما عليه ففيه تصريح بالإنكار أيضاً من أبي سعيد ) شرح مسلم 2/22
وقال الإمام عبد الرحمن بن أبي بكر الحنبلي في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص201 والمقصود انه كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين والصدع بالحق وقلة المبالاة بسطوتهم إيثاراً لإقامة حق الله سبحانه على بقائهم واختيارهم لإعزاز الشرع على حفظ مُهَجهم واستسلاماً للشهادة إن حصلت لهم ) وقال : ( يجوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعرض نفسه للضرب والقتل إذا كان لأمره ونهيه تأثير في رفع المنكر أو كسر جاه الفاسق أو تقوية قلوب أهل الدين ) .

ومما ذكر في التاريخ أيضاً في هذا الباب ما ذكره ابن عبد الهادي في العقود الدرية في مناقب ابن تيمية من جملة أشياء تدل على استعماله هذا المبدأ في الحسبة على الدولة ، من ذلك موقفه مع السلطان محمد بن الناصر قلاوون في أول مجلس له بعد رجوع الحكم إليه في محضر أعيان العلماء والكبراء والشيوخ والقضاة والأمراء ، وعرض على السلطان طلب من النصارى بدفع مال زيادة على ما كانوا يدفعون ليؤذن لهم بالعودة إلى ما كانوا يلبسون مثل المسلمين ، فسكت الحاضرون ، فجثا الشيخ على ركبتيه وقال للسلطان : لا تفعل وإني أعيذك أن يكون أول مراسيمك – في أول مجلس لك بعد أن عاد الله إليك الملك ونصرك على عدوك – أن تنصر فيه الكفار وتعزهم من أجل الدنيا الفانية )(1/281) .

وأما استعمال العلماء لوسيلة التظاهر أو التجمهر والاعتصام في إنكار المنكرات :
فمن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم قال في حوادث سنة 464هـ ، قال : ( وفي جمادى الآخرة لقي أبو سعد بن أبي عمامة مغنية قد خرجت من عند تركي بنهر طابق فقبض على عودها وقطع أوتاره ، فعادت إلى التركي فأخبرته ، فبعث التركي إليه من كبس داره وأفلت ، وعبر إلى الحريم إلى بن أبي موسى الهاشمي شاكياً ما لقي ، واجتمع الحنابلة في جامع القصر من الغد فأقاموا فيه مستغيثين ، وأدخلوا معهم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وأصحابه ، وطلبوا قلع المواخير وتتبع المفسدات ومن يبيع النبيذ وضرب دراهم المعاملة بها عوض القراضة ، فتقدم أمير المؤمنين بذلك ، فهرب المفسدات ، وكبست الدور ، وارتفعت الأنبذة ، ووعد بقلع المواخير ومكاتبة عضد الدولة برفعها ، والتقدم بضرب دراهم يتعامل بها ، فلم يقتنع أقوام منهم بالوعد ، وأظهر أبو إسحاق الخروج من البلد فروسل برسالة سكتتــــه ) (16/139) .
وأن الإمام أحمد رحمه الله كان يفتي بأن يجتمع الناس لإنكار المنكر للتهويل والتشهير بالمنكر وأهله ، فقــد روى الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن محمد بن أبي حرب قال : سألت أبا عبد الله عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه ، قال : يأمره , قلت : فإن لم يقبل ؟ قال : تجمع عليه الجيران وتهول عليه . ص50 .
وروي عن جعفر بن محمد النسائي قال : سمعت أبا عبد الله سئل عن الرجل يمر بالقوم يغنون ؟ قال : إذا ظهر له ، هــم داخل ، قلت : لكن يسمع الصوت يسمع في الطريق ، قال : هذا ظهر عليه أن ينهاهم ، ورأى أن ينكر الطبل يعني إذا سمع حسه ، قيل : مررنا بقوم وقد أشرفوا من علية لهم ، وهم يغنون فجئنا إلى صاحب الخبر فأخبرناه ، فقال : ( لم تكلموا في الموضع الذي سمعتم ؟ فقيل : لا ، قال : كان يعجبني أن تكلموا ، لعل الناس كانوا يجتمعون وكانوا يشهرون ) ص 50/51 .
ومما يدل على أن هذه الوسيلة كانت معروفة في عصور الإسلام ـ وليس كما يُظن أنها من اختراع غير المسلمين ـ ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم قال : ( واجتمع في يوم الخميس رابع عشر المحرم خلق كثير مــــن الحربية ، والنصرية ، وشارع دار الرقيق ، وباب البصرة ، والقلائين ، ونهر طابق ، بعد أن أغلقوا دكاكينهم ، وقصـدوا دار الخلافة وبين أيديهم الدعاة والقراء وهم يلعنون أهل الكرخ – أي منكرين لبدعة إظهار شتم الصحابة التي وقعت من أهل الكرخ – واجتمعوا وازدحموا على باب الغربة ، وتكلموا من غير تحفظ في القول فراسلهم الخليفة ببعض الخدم أننا قد أنكرنا ما أنكرتم ، وتقدمنا بأن لا يقع معاودة , فانصرفوا ) 16/94 . وأما ما وقع من شيخ الإسلام ابن تيمية فكثير جداً ، فمن ذلك : ما ذكره خادم الشيخ إبراهيم الغياني قال : ( فبلغ الشيخ أن جميع ما ذكر من البدع يتعمدها الناس عند العمود المخلق الذي داخل ( الباب الصغير ) الذي عند ( درب النافدانيين ) فشد عليه وقام واستخار الله في الخروج إلى كسره ، فحدثني أخوه الشيخ الإمام القدوة شرف الدين عبد الله بن تيمية قال : فخرجنا لكسره , فسمع الناس أن الشيخ يخرج لكسر العمود المخلق ، فاجتمع معنا خلق كثير ) ص 10 رسالة بعنوان ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق محب الدين الخطيب .
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .