مشاهدة النسخة كاملة : مع السلف فى أحوالهم
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:33 PM
مع السلف في التوبة
عن الفضل بن موسى قال : " كان الفضيل بن عياض لصا يقطع الطريق ، وكان سبب توبته أنه عشق جارية ، فبينا هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تاليا يتلو : { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } ( الحديد : 16 ) ، فلما سمعها قال : بلى يا رب ، قد آن . فرجع فآواه الليل إلى خربة ، فإذا فيها قافلة ، فقال بعضهم : نرحل . وقال بعضهم : حتى نصبح ؛ فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا . قال : ففكرتُ وقلت : أنا أسعى بالليل في المعاصي ، وقوم من المسلمين ها هنا يخافوني ؟ ، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع ، اللهم إني قد تبت إليك ، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام ".
وعن زاذان قال : " كنت غلاما حسن الصوت ، جيّد الضرب بالطنبور ، فكنت مع صاحب لي وعندنا نبيذ وأنا أغنيهم ، فمر عبدالله بن مسعود ، فدخل فضرب البساط وكسر الطنبور ، ثم قال : لو كان ما يسمع من حسن صوتك يا غلام بالقرآن كنت أنت أنت!! . ثم مضى ، فقلت لأصحابي : من هذا ؟ ، قالوا : هذا عبدالله بن مسعود ، فألقى الله في نفسي التوبة ، فسعيت أبكي وأخذتُ بثوبه ، فأقبل عليّ فاعتنقني وبكى ، وقال لي : مرحبا بمن أحبه الله ، اجلس . ثم دخل وأخرج لي تمرا " .
عن إبراهيم بن بشار قال : " قلت لإبراهيم بن أدهم : كيف كان بدء أمرك ؟ ، قال : كان أولى بك أن تسأل عن غير هذا ، فقلت له : أخبرني ، لعل الله أن ينفعنا به يوما ، فقال : كان أبي من الملوك الموسرين ، وحُبب إلينا الصيد ، فركبت ذات مرة فثار أرنب أو ثعلب ، فحرّكت فرسي نحوه ، فسمعت نداء من ورائي : ليس لذا خلقت ولا بذا أمرت . فوقفت أنظر يمنة يمنة ويسرة فلم أر أحدا ، فقلت : لعن الله إبليس . ثم حرّكت فرسي ، فأسمع نداء أقوى من الأول : يا إبراهيم ، ليس لذا خلقت ولا بذا أمرت . فوقفت أنظر ، فلا أرى أحدا ، فقلت : لعن الله إبليس . فأسمع نداء من عند سرجي بذاك ، فقلت : انتصحت انتصحت !! ، جاءني نذير ربي ، والله لا عصيت الله بعد يومي ما عصمني الله . فرجعت إلى أهلي ، فخليت فرسي ثم جئت إلى رعاة لأبي ، فأخذت جبة كساء وألقيت ثيابي إليهم ، ثم أقبلت إلى العراق ، فعملت بها أياما فلم يصف لي منها الحلال ، فقيل لي : عليك بالشام ، ولم أزل هناك ".
وكان بشر بن الحارث في زمن لهوه في داره ، وعنده رفقاؤه يشربون ويطربون ، فاجتاز بهم رجل من الصالحين ، فدقّ الباب ، فخرجت إليه جارية فقال لها :" صاحب هذه الدار حر أو عبد ؟ " ، فقالت : " بل حر " ، فقال : " صدقت ؛ لو كان عبدا لاستعمل أدب العبودية ، وترك اللهو والطرب " . فسمع بشر محاورتهما ، فسارع إلى الباب حافيا حاسرا، وقد ولّى الرجل ، فقال للجاريه : " ويحك ، من كلمك على الباب ؟ " ، فأخبرته بما جرى ، فقال : " أي ناحيه أخذ هذا الرجل ؟ " ، فقالت : " كذا " ، فتبعه بشر حتى لحقه ، فقال له : " أنت يا سيدي وقفت بالباب وخاطبت الجاريه ؟ " ، قال : " نعم " ، قال:أعد علي الكلام " ، فأعاده ، فمرّغ بشر خدّه على الأرض وقال : " بل عبد! عبد!! " ، ثم هام على وجهه حافيا حاسرا ، حتى عُرف بالحفاء ، فقيل له : " لم لا تلبس نعالا ؟ " ، قال : " لأني ما صالحني مولاي إلا و أنا حاف ، فلا أزول عن هذه الحاله حتى الممات " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:34 PM
مع السلف في الحلم
وكان معاوية بن أبي سفيان يقول : " إني لآنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوي، وحاجة لا يسعها جودي " .
عن زياد بن أبيه قال : " ما غلبني معاوية في شيء إلا مرة واحدة ، استعملت فلانا فكسر متاعي ، فخشي أن أعاقبه ، ففر مني إلى معاوية ، فكتبت إليه : إن في هذا أدب سوء لمن استعملته ، فكتب إليّ : إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة ، أن نلين جميعا فيمرح الناس في المعصية ، ولا نشتد جميعا فنحمل الناس على المهالك ، ولكن تكون أنت للشدة والفظاظة ، وأكون أنا للين والألفة " .
وذكر أن رجلاً من التابعين مدحه رجل في وجهه ، فقال له: يا عبد الله لم تمدحني أجربتني عند الغضب فوجدتني حليماً ؟ قال: لا، قال: أجربتني في السفر فوجدتني حسن الخلق؟ قال: لا، قال: أجربتني عند الأمانة فوجدتني أميناً؟ قال: لا. فقال: ويحك ما لأحد أن يمدح أحداً ما لم يجربه في هذه الأشياء الثلاثة.
أغلظ رجل ل الأحنف بن قيس فى الكلام - وكان رحمه الله قد اشتهر بحلمه – فقال الرجل : " والله يا أحنف ، لئن قلت لى واحدة لتسمعن بدلها عشرا " . فقال له : " إنك إن قلت لي عشرا ، لا تسمع مني واحدة " .
وجاء رجل إلى الأحنف فشتمه فما رد عليه ، فأعاد الرجل فسكت عنه ، فأعاد فسكت عنه ، فقال الرجل : " والهفاه !! ما يمنعه من أن يرد علي إلا هواني عنده " .
وقال رجل مرة ل سالم بن عبدالله بن عمر رضي الله عنهم ، : " يا شيخ السوء " ، فقال له سالم : " ما أراك بعدت يا أخي " .
كان الفضيل بن عياض إذا قيل له : " إن فلانا يقع فيك " يقول : " والله لأغيظن أمره – ويعني بذلك إبليس – " ثم يقول : " اللهم إن كان صادقا فاغفر لي ، وإن كان كاذبا فاغفر له " .
وشتم رجل الربيع بن خيثم فقال له : " ياهذا ، قد سمع الله كلامك ، وإن دون الجنة عقبة ، إن قطعتُها لم يضرّني ما تقول ، وإن لم أقطعها فأنا شرّ ما تقول " .
قال أحد السلف : " لما ولي عمر بن عبد العزيز خرج ذات ليلة ، ومعه حرسه الذين يحرسونه ، فدخل المسجد فمر في الظلمة برجل نائم فعثر به ، فرفع النائم رأسه إليه فقال : أمجنون أنت ؟ فرج عليه عمر : لا . فهم به الحراس ، فقال لهم عمر : اتركوه ؛ إنما سألني : أمجنون أنت ؟ فقلت : لا " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:34 PM
مع السلف في التوكل
عن أبي حازم سلمة بن دينار قال : " وجدت الدنيا شيئين ، فشيء هو لي وشيء لغيري ، فأما ما كان لي : فلو طلبته قبل أجله لم أقدر عليه ، وأما الذي هو لغيري فلم أصبه فيما مضى ، ولا أرجوه فيما بقي ، إن رزقي يُمنع من غيري ، كما يُمنع رزقي من غيري ، ففي أي هذين أفني عمري ؟ "
وقيل له : ما مالُك ؟ فقال : " ثقتي بالله ، وإياسي مما في أيدي الناس " .
وقيل عن محمد بن كعب أنه كانت له أملاك بالمدينة ، وحصّل مالا مرة فقيل له : " ادخر لولدك " ، قال : " لا ، ولكن أدخره لنفسي عند ربي ، وأدخر ربي لولدي " .
عن أبي قدامة الرملي قال : " قرأ رجل هذه الآية : { وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا } ( الفرقان : 58 ) ، فأقبل عليّ سليمان الخوّاص فقال : يا أبا قدامة ، ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد بعد الله في أمره ، انظر كيف قال الله تبارك وتعالى : { وتوكل على الحي الذي لا يموت } ، فأخبرك أنه لا يموت ، وأن جميع خلقه يموتون ، ثم أمرك بعبادته فقال : { وسبح بحمده } ، ثم أتبعها بقوله : { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } ، فأخبرك بأنه خبير بصير . ثم قال سليمان : والله يا أبا قدامة ، لو عامل عبدٌ ربه بحسن التوكل وصدق النية له بطاعته ، لاحتاجت إليه الأمراء فمن دونهم ، فكيف يكون هذا محتاجا وملجؤه إلى الغني الحميد ؟! " .
قيل ل حاتم الأصم : " على ما بنيت أمرك في التوكل ؟ " ، قال : " على خصال أربعة : علمت أن رزقي لا يأكله غيري ، فاطمأنت به نفسي ، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري ، فأنا مشغول به ، وعلمت أن الموت يأتي بغتة فأنا أبادره ، وعلمت أني لا أخلو من عين الله ، فأنا مستحيٍ منه " .
عن شقيق البلخي قال : " لكل واحد مقام : فمتوكل على نفسه ، و متوكل على لسانه ، و متوكل على سيفه ، و متوكل على سلطانه ، و متوكل على الله ، فأما المتوكل على الله عزوجل فقد وجد الراحة ، فإن الله عزوجل يقول : { وتوكل على الحي الذي لا يموت } ( الفرقان : 58 ) ، وأما من كان مستروحا إلى غيره ، فيوشك أن ينقطع به فيشقى ، وإنما التوكل طمأنينة القلب بموعود الله عزوجل " .
عن يحي بن معاذ الرازي قال : " من طلب الفضل من غير ذي الفضل غرم وخسر ، وإن ذا الفضل هو الله عزوجل : { إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } ( البقرة : 243 ) " .
وقال الإمام ابن رجب الحنبلي في تعريف التوكل : " هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل ، في استجلاب المصالح ودفع المضار ، من أمور الدنيا والآخرة كلها " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:35 PM
مع السلف في الجهاد
في معركة القادسية :خرج رجل من أهل فارس ، ينادي : " من يبارز ؟ " ، فبرز له علباء بن جحش العجلي ، فضربه ضربة أصابته في صدره فشقّت رئته ، وضربه الآخر ضربة أصابته في بطنه فشقّت أمعاءه ، وسقطا معا إلى الأرض ، فأما الفارسي فمات من ساعته ، وأما علباء فلم يستطع القيام ، وحاول إعادة أمعاءه إلى مكانها فلم يقدر ، حتى مر به رجل من المسلمين ، فقال له : " يا هذا ، أعني على بطني " ، فأدخل له أمعاءه ، فزحف نحو صف فارس دون أن يلتفت إلى المسلمين وراءه ، فأدركه الموت على بعد ثلاثين ذراعا من مصرعه ، وهو يقول :
أرجو بها من ربنا ثوابا قد كنت ممن أحسن الضرابا
ثم فاضت نفسه رحمه الله .
عن حاتم الأصم قال : " كنا مع شقيق البلخي ونحن مواجهون للترك في يوم لا أرى فيه إلا رؤوسا تندر ، وسيوفا تقطع ، ورماحا تقصر ، فقال لي شقيق ونحن بين الصفين : كيف ترى نفسك يا حاتم ؟ أتراها في مثل الليلة التي زفت إليك امرأتك ؟ ، قلت : لا والله ، قال : لكني والله أرى نفسي في هذا اليوم مثله في الليلة التي زفت فيها امرأتي . ثم نام بين الصفين ودرعه تحت رأسه ، حتى سمعت غطيطه ، قال حاتم : ورأيت رجلا من أصحابنا في ذلك اليوم يبكي ، فقلت : مالك ؟ ، قال : قُتل أخي ، قلت : حظ أخيك ، صار إلى الله وإلى رضوانه ، فقال لي : اسكت !!ما أبكي أسفا عليه ولا على قتله ، ولكني أبكي أسفا أن أكون دريت كيف كان صبره لله عند وقوع السيف به ، ففي ذاك اليوم أخذني تركي فأضجعني للذبح ، فلم يكن قلبي به مشغولا ، بل كان قلبي بالله مشغولا ، أنظر ماذا يأذن الله له فيّ ، فبينا هو يطلب السكين من جفنه إذ جاءه سهم غائر فذبحه فألقاه عني " .
وعن إبراهيم بن شماس قال : " كنت أكاتب أحمد بن إسحاق السرماري ، فكتب إليّ : إذا أردت الخروج إلى بلاد الغزية في شراء الأسرى فاكتب إليّ ، فكتبت إليه لما عزمت على المسير ، فقدم سمرقند فخرجنا ، فلما علم قائد الكفر استقبلنا في عدة من جيوشه ، فأقمنا عنده ، فعرض يوما جيشه ، فمرّ رجل فعظّمه وبالغ في تفخيمه ، فسألني عنه السرماري ، فقلت : هذا رجل مبارز يعد بألف فارس ، فقال لي : أنا أبارزه . فسكتُّ ، فقال قائد الكفر : ما يقول هذا ؟ قلت : يقول كذا وكذا ، فاستخفّ به وقال : لعله سكران لا يشعر . فلما كان الغد ركبوا ، فركب السرماري معه عمود في كمّه ، فقام بإزاء المبارز فقصده ، فهرب السرماري حتى باعده من الجيش ، ثم كرّ وضربه بالعمود وقتله ، وعلم قائد الكفر بذلك فجهز في طلبه خمسين فارسا فأدركوه ، فثبت تحت تلٍ مختفيا ، حتى مروا كلهم واحدا بعد واحد ، وجعل يضرب بعموده من ورائهم إلى أن قتل تسعة وأربعين ، وأمسك واحدا ، فقطع أنفه وأذنيه ، وأطلقه ليخبر قائد الكفر " . ثم بعد عامين توفي أحمد وذهب ابن شماس في فداء أسارى المسلمين ، فقال له قائد الكفر : " من ذاك الذي قتل فرساننا ؟ " ، قال : " ذاك أحمد السرماري " ، قال : " فلم لم تحمله معك ؟ " ، قلت : " لقد توفي " ، فصك في وجهه وقال : " لو أعلمتني أنه هو لكنت أعطيه خمسمائة برذون وعشرة آلاف شاة " .
وعن أبي أمية الغفاري قال : " كنا في غزاة لنا فحضر عدوهم ، والناس مصطفون لملاقاة العدو ، إذا رجل أمامي : رأس فرسي عند عجز فرسه ، وهو يخاطب نفسه ويقول : أي نفس ألم أشهد مشهد كذا وكذا ؟ فقلت لي : أهلك وعيالك ، فأطعتك ورجعت ؟ ألم أشهد مشهد كذا وكذا فقلت لي : أهلك وعيالك ، فأطعتك ورجعت ؟ والله لأعرضنك اليوم على الله ، أخذك أو تركك . فقلت : لأرمقنه اليوم . فرمقته فحمل الناس على عدوهم فكان في أوائلهم ، ثم إن العدو حمل على الناس فانكشفوا فكان في حماتهم ، ثم إن الناس حملوا فكان في أوائلهم ، ثم حمل العدو وانكشف الناس فكان في حماتهم . قال : فوالله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعا . فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:36 PM
مع السلف في الزهد
قال السلمي : " سمعت أباسهل يقول : ما عقدت على شيء قط ، وما كان لي قفل ولا مفتاح ، ولا صررت على فضة ولا ذهب قط " .
وقال أيضا : " دخلت على محمد بن أسلم قبل موته بأربعة أيام بنيسابور ، فقال : " يا أبا عبد الله ، تعال أبشرك بما صنع الله بأخيك من الخير ، قد نزل بي الموت ، وقد من الله علي أنه مالي درهم يحاسبني الله عليه " . ثم قال : " أغلق الباب ولا تأذن لأحد حتى أموت ، وتدفنون كتبي واعلم أني أخرج من الدنيا وليس أدع ميراثا غير كسائى ولبدي وإنائي الذي أتوضا فيه، وكتبي هذه ، فلا تكلفوا الناس مؤنة " . وكان معه صرة فيها نحو ثلاثين درهما فقال : " هذا لابني أهداه قريب له ، ولا أعلم شيئا أحلّ من هذا المال ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنت ومالك لأبيك ) ، وقال : ( أطيب ما أكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه ) ، فكفنوني منها فإن أصبتم لي بعشرة ما يستر عورتي فلا تشتروا بخمسة عشر ، وابسطوا على جنازتي لبدي ، وغطوا عليها كسائي ، وأعطوا إنائي مسكينا " .
حُكي عن الإمام عمر بن سعد الكوفي أنه أبطأ يوما في الخروج إلى الجماعة ، ثم خرج فقال : " أعتذر إليكم ؛ فإنه لم يكن لي ثوب غير هذا صليت فيه ، ثم أعطيته بناتي حتى صلين فيه ، ثم أخذته وخرجت إليكم " .
وعن مسلمة بن عبد الملك قال : " دخلت على عمر بن عبدالعزيز وقميصه وسخ ، فقلت لامرأته وهي أخت مسلمة : اغسلوه ، قالت : نفعل . ثم عدت فإذا القميص على حاله ، فحادثتها عن ذلك فقالت : والله ماله قميص غيره " .
وعن ابن باكويه قال : " سمعت الإمام ابن خفيف يقول عن نفسه : والله ما وجبت علي زكاة الفطر أربعين سنة " .
قال الحسن البصري : " والله لقد أدركت سبعين بدريا أكثر لباسهم الصوف ، لو رأوا خياركم لقالوا : ما لهؤلاء من خلاق ، ولو رأوا شراركم لقالوا : ما يؤمنون بيوم الحساب ، ولقد رأيت أقواما كانت الدنيا أهونَ على أحدهم من التراب تحت قدميه ، ولقد رأيت أقواما يمسي أحدهم لا يجد عشاء إلا قوتا ، فيقول : لا أجعل هذا كله في بطني ، لأجعلن بعضه لله عزوجل ، فيتصدق ببعضه ، وإن كان هو أحوج ممن يتصدّق عليه " .
أصاب يزيد بن المهلب - قائد المسلمين - فى أحد فتوحاته أموالاً كثيرة ، فكان من جملتها تاج فيه جواهر نفيسه ، فقال : " أتدرون أحداً يزهد فى هذا ؟ " ، قالوا : " لا نعلمه " ، فقال : " والله إنى لأعلم رجلاً لو عرض عليه هذا وأمثاله لزهد فيه ، ثم دعا ب محمد بن واسع - وكان فى الجيش مغازيا - فعرض عليه أخذ التاج ، فقال : " لاحاجة لى فيه " فقال : " أقسمت عليك لتأخذنه " ، فأخذه وخرج به من عنده ، فأمر يزيد رجلاً أن يتبعه فينظر ماذا يصنع بالتاج ، فمر بسائل فطلب منه شيئاً ، فأعطاه التاج بكامله وانصرف ، فبعث يزيد إلى ذلك السائل فأخذ منه التاج وعوضه عنه مالاً كثيراً
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:37 PM
مع السلف في الدعوة إلى الله
دخل على الإمام مالك بن دينار لص أراد أن يسرق ما في بيته ، فما وجد ما يأخذه ، فناداه مالك : " لم تجد شيئا من الدنيا ، فترغب في شيء من الآخرة ؟ " ، قال : " نعم " ، قال : " توضأ وصل ركعتين " . ففعل ، ثم جلس وخرج إلى المسجد ، فسئل الإمام : " من هذا ؟ " قال : " جاء ليسرق منا فسرقناه " .
ذكر علماء السير أن يزيد البسطامي لما كان غلاما تعلم قوله تعالى { يا أيها المزمل ، قم الليل إلا قليلا } ( المزمل : 1،2 ) قال لأبيه : " يا أبت ، من الذي يقول الله تعالى له هذا ؟ " ، قال : " يا بنيّ ، ذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم " ، فقال له يزيد : " يا أبت ، ما لك لا تصنع أنت كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم ؟ " ، قال : " يا بنيّ ، إن الله تعالى خصّ نبيه بافتراض قيام الليل دون أمته " . فسكت عنه . فلما حفظ قول الله تعالى : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك } ( المزمل : 22 ) ، قال : " يا أبت ، إني أسمع أن طائفة كانوا يقومون من الليل ، فمن هؤلاء الطائفة ؟ " ، فقال له : " أؤلئك هم الصحابة رضي الله عنهم " ، قال : " فلم تترك ما فعله الصحابة ؟ " ، قال : " صدقت يا بنيّ ، لا أترك القيام إن شاء الله تعالى ". فكان يقوم من الليل ويصلي .
وقال الإمام الغزالي : " اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليا في هذا الزمان عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم ، وحملهم على المعروف ؛ فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد ، فكيف في القرى والبوادي ؟ وواجب أن يكون في مسجد و محلٍّ من البلد فقيه يعلم الناس دينهم ، وكذا في كل قرية ".
يقول الإمام عبدالقادر الجيلاني : " أراد الله مني منفعة الخلق ؛ فقد أسلم على يدي أكثر من خمسمائة ، وتاب على يدي أكثر من مائة ألف ، وهذا خير كثير ".
قال الحافظ عمر البزار : " كان شيخ الإسلام ابن تيمية في حال صغره إذا أراد المضي إلى المكتب يعترضه يهودي – وكان بيت هذا اليهودي في طريق الشيخ - ، فكان يعترضه بمسائل يسأله عنها ، وكان الشيخ يجيبه عنها سريعا ، حتى تعجب اليهودي منه ، ثم إنه صار كلما اجتاز به يخبره بأشياء مما يدل على بطلان ما يدينه من دين اليهودية ، فلم يلبث أن أسلم الرجل وحسن إسلامه ، وكان ذلك ببركة الشيخ على صغر سنه ".
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:37 PM
مع السلف في بر الوالدين
كان الإمام أبو حنيفة بارا بوالديه ، وكان يدعو لهما ويستغفر لهما ، ويتصدّق كل شهر بعشرين دينار عن والديه ، يقول عن نفسه : " ربما ذهبتُ بها إلى مجلس عمر بن ذر ، وربما أمرتني أن أذهب إليه وأسأله عن مسألة فآتيه وأذكرها له ، وأقول له : إن أمي أمرتني أن أسألك عن كذا وكذا ، فيقول : أومثلك يسألني عن هذا ؟! ، فأقول : هي أمرتني ، فيقول : كيف هو الجواب حتى أخبرك ؟ ، فأخبره الجواب ، ثم يخبرني به ، فأتيها وأخبرها بالجواب ، وفي مرة استفتتني أمي عن شيء ، فأفتيتها فلم تقبله ، وقالت : لا أقبل إلا بقول زرعة الواعظ ، فجئت بها إلى زرعة وقلت له : إن أمي تستفتيك في كذا وكذا ، فقال : أنت أعلم وأفقه ، فأفتها . فقلت : أفتيتها بكذا ، فقال زرعة : القول ما قال أبو حنيفة . فرضيت وانصرفت " .
عن ابن الهداج قال : " قلت ل سعيد بن المسيب : كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته ، إلا قوله: { وقل لهما قولاً كريماً } ( الإسراء : 23 ) ، ما هذا القول الكريم؟ فقال ابن المسيب : قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ " .
عن أبي بردة قال : " إن رجلا من أهل اليمن حمل أمه على عنقه ، فجعل يطوف بها حول البيت وهو يقول :
إني لها بعيرها المدلل إذا ذعرت ركابها لم أذعر
وما حملتني أكثر
ثم قال : أتراني جزيتها ؟ فقال ابن عمر رضي الله عنه : لا ، ولا بزفرة واحدة من زفرات الولادة " .
ذكر علماء التراجم أن ظبيان بن علي كان من أبر الناس بأمه ، وفي ليلة باتت أمه وفي صدرها عليه شيء ، فقام على رجليه قائما حتى أصبحت ، يكره أن يوقظها ، ويكره أن يقعد .
كان حيوة بن شريح يقعد في حلقته يعلّم الناس ، فتقول له أمه : " قم يا حيوة ، فألق الشعير للدجاج " ، فيترك حلقته ويذهب لفعل ما أمرته أمه به .
وكان زين العابدين كثير البر بأمه ، حتى قيل له : " إنك من أبر الناس بأمك ، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة ؟ " ، فرد عليهم : " أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها ؛ فأكون قد عققتها " .
وسئل أبو عمر عن ولده ذر فقيل له : " كيف كانت عشرته معك ؟ " ، فقال : " ما مشى معي قط في ليل إلا كان أمامي ، ولا مشى معي في نهار إلا كان ورائي ، ولا ارتقى سقفا كنتُ تحته " .
وقد بلغ من بر الفضل بن يحي بأبيه أنهما كانا في السجن ، وكان يحي لا يتوضأ إلا بماء ساخن ، فمنعهما السجّان من إدخال الحطب في ليلة باردة ، فلما نام يحي قام الفضل إلى وعاء وملأه ماء ، ثم أدناه من المصباح ، ولم يزل قائما والوعاء في يده حتى أصبح .
وقال جعفر الخلدي : " كان الإمام الأبار من أزهد الناس ، استأذن أمه في الرحلة إلى قتيبة ، فلم تأذن له ، ثم ماتت فخرج إلى خراسان ، ثم وصل إلى " بلخ " وقد مات قتيبة ، فكانوا يعزونه على هذا ،فقال : هذا ثمرة العلم ؛ إني اخترت رضى الوالدة . فعوّضه الله علما غزيرا "
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:38 PM
مع السلف في المزاح
عن القاضي ابن قريعة أن رئيسا له كتب : " ما يقول القاضي في يهودي زنى بنصرانية ، فولد ابنا جسمه للبشر ، ووجهه للبقر ؟ " ، فأجاب : " هذا من أعدل الشهود على الخبثاء اليهود ، أُُشربو العجل في صدورهم ، فليربط برأس اليهودي رأس عجل ، ويصلب على عنق النصرانية الرأس والرُجُل اليهودي معا ، ويسحبا على الارض وينادى عليهما : ظلمات بعضهما فوق بعض ".
وقيل : عرض اثنان على الشيخ ابن الخشاب شعرا لهما ، فسمع للأول ثم قال : " أنت أردأ شعرا من صاحبك " ، فتعجب الرجل وقال : " كيف تقول هذا وأنت لم تسمع قول الآخر ؟! " ، قال : " لأن هذا لا يكون أردأ منه " .
قيل : إن أبا الطيب الطبري دفع خفا له إلى من يصلحه ، فماطله وبقي كلما جاءه أبو الطيب نقع نعله في الماء وقال : الآن أصلحه . فلما طال ذلك على أبي الطيب ضاق ذرعا وقال له : " إنما دفعته إليك لتصلحه ، لا لتعلمه السباحة !! " .
قال أبو الفضل حدثني أبي قال : " توجهت من الموصل إلى أبي إسحاق ، فلما حضرت عنده رحّب بي وقال : من أين أنت ؟ فقلت : من الموصل ، قال : مرحبا ، أنت من بلدي ، قلت : يا سيدنا ، أنت من فيروزآباد ولست من الموصل !! ، فقال له : أما جمعتنا سفينة نوح؟! " .
قال الإمام أبو عبد الله الحاكم : " حضرت أبا العباس الأصم يوما في مسجده ، فخرج ليؤذن لصلاة العصر ، فوقف موضع المئذنة ثم قال بصوت عال - وهو غافل - : أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي . ثم انتبه لنفسه فضحك وضحك الناس ، ثم أذن " .
وكان ابن الجصاص مع الوزير الخاقاني في مركب وبيده كرة كافور ، فبصق في وجه الوزير وألقى الكافورة في دجلة ، ثم أفاق واعتذر وقال : " إنما أردت أن أبصق في وجهك وألقيها في الماء فغلطت " فقال له الوزير : " كذلك الذي حصل يا جاهل " .
وقيل : جاء إلى الأمير ابن الأغلب رجل فقال : " قد عشقت جارية ، وثمنها خمسون دينارا ، وما معي إلا ثلاثون . فوهبه مائة دينار ، فسمع بذلك رجل آخر فجاء وقال : " إني عاشق " ، فقال له الأمير : " فما تجد في قلبك ؟ " ، قال : " لهيبا " ، فقال الأمير : " اغمسوه في الماء " ، فغمسوه مرات وهو يصيح : " ذهب العشق " ، فضحك وأمر له بثلاثين دينارا .
وقال جعفر بن أبي عثمان : " كنا عند يحيى بن معين فجاءه رجل مستعجل فقال : " يا أبا زكريا ، حدثني بشيء أذكرك به " . فقال له يحيى : " اذكرني أنك سألتني أن أحدثك فلم أفعل!! " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:39 PM
مع السلف في القيام
عن مولى ل أبي ريحانة - وكان أبو ريحانة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - أنه رجع من غزوة كان فيها ، فلما انصرف أتى أهله فتعشى من عشائهم ، ثم دعا بوضوء فتوضأ منه ، ثم قام إلى مسجده فقرأ سورة ثم أخرى ، فلم يزل ذلك مكانه كلما فرغ من سورة افتتح أخرى ، حتى إذا أذن المؤذن من السحر شد عليه ثيابه ، فأتته امرأته فقالت : " يا أبا ريحانة ، قد غزوت فتعبت في غزوتك ثم قدمت ، ألم يكن لي منك حظ ونصيب ؟ " ، فقال : " بلى ، والله ما خطرت لي على بال ، ولو ذكرتك لكان لك علي حق " ، قالت : " فما الذي شغلك يا أبا ريحانة ؟ " ، قال : " لم يزل يهوى قلبي في ما وصف الله في جنته من لباسها وأزواجها ولذاتها ، حتى سمعت المؤذن " .
عن إسحاق بن إبراهيم الطبري قال : " مارأيت أحدا أخوف على نفسه ولا أرجى للناس من الفضيل ، كانت قراءته حزينة بطيئة مترسّلة ، كأنه يخاطب إنسانا ، وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة يردد فيها ويسأل الله من نعيمها ، وكانت صلاته بالليل طويلة ، يُلقى له الحصير في مسجده فيصلي في أول الليل ساعة ، ثم تغلبه عينيه فيلقي نفسه على الحصير فينام قليلا ، ثم يقوم ، فإذا غلبه النوم نام ، ثم يقوم هكذا حتى يصبح ، وكان دأبه إذا نعس أن ينام ، ويقول : أشد العبادة ما كان هكذا ".
وعن رجاء بن مسلم العبدي قال : " كنا نكون عند عجردة العمية في الدار . فكانت تحيي الليل صلاة . وربما تقوم من أول الليل إلى السحر ، فإذا كان السحر نادت بصوت لها محزون : إليك قطع العابدون دجى الليالي بتبكير الدلج إلى ظلم الأسحار ، يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك ، فبك إلهي لا بغيرك أسألك أن تجعلني في أول زمرة السابقين إليك ، وأن ترفعني إليك في درجة المقربين ، وأن تلحقني بعبادك الصالحين ، فأنت أكرم الكرماء ، وأرحم الرحماء ، وأعظم العظماء ، يا كريم . ثم تخر ساجدة فلا تزال تبكي وتدعو في سجودها حتى يطلع الفجر ، فكان ذلك دأبها ثلاثين سنة " .
وقال موسى بن طريف : " كانت الجارية تفرش ل علي بن بكّار ، فيلمسه بيده ويقول : والله إنك لطيب ، والله إنك لبارد ، والله لا علوتك الليلة . وكان يصلي الفجر بوضوء العتمة " .
وقال ابن سعد واصفا سليمان التيمي : " هو من العباد المجتهدين ، كثير الحديث ، ثقة يصلي الليل كله بوضوء عشاء الآخرة ، وكان هو وابنه يدوران بالليل في المساجد ، فيصليان في هذا المسجد مرة وفي هذا المسجد مرة حتى يصبحا " .
وعن حسين الكرابيسي قال : " بتّ مع الشافعي ليلة ، فكان يصلي نحو ثلث الليل ، فما رأيته يزيد على خمسين آية ، فإذا أكثر فمائة آية ، وكان لا يمر بآية رحمة الا سأل الله ، ولا بآية عذاب إلا تعوذ ، وكأنما جُمع له الرجاء والرهبة جميعا " .
وقالت أم سعيد : " كان بيننا وبين داود الطائي جدار قصير ، فكنت أسمع حنينه عامة الليل لا يهدأ ، وربما ترنّم في السحر بالقرآن ، فأرى أن جميع النعيم قد جُمع له في ترنّمه " .
وعن سعيد بن عامر قال : " كان أيوب السختياني يقوم الليل كله فيخفي ذلك ، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة " .
وقال ابن شبرمة : " كان زبيد يجزىء الليل ثلاثة أجزاء : جزءا عليه وجزءا على ابنه وجزءا على ابنه الآخر عبد الرحمن ، فكان هو يصلي ثم يقول لأحدهما : قم . فإن تكاسل صلّى جزءه ، ثم يقول للآخر : قم . فإن تكاسل أيضا صلى جزءه ، فيصلي الليل كله " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:40 PM
مع السلف في التواضع
قال عروة بن الزبير رضي الله عنه : " رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا ينبغي لك هذا !! ، فقال : لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة ، فأردت أن أكسرها " .
رأى محمد بن واسع ابنا له يمشي مشية منكرة ، فقال له موبّخا : " أتدري بكم اشتريت أمك ؟ بثلاثمائة درهم ، وأبوك – لاكثّر الله في المسلمين من أمثاله – أنا ، وأنت تمشي هذه المشية ؟ " .
بلغ عمر بن عبدالعزيز أن ابناً له اشترى خاتماً بألف درهم ، فكتب إليه : " بلغني أنك اشتريت خاتماً وفصّه بألف درهم ، فإذا أتاك كتابي هذا فبع الخاتم ، وأشبع به ألف بطن ، واتخذ خاتماً بدرهمين ، واجعل فصّه حديداً صينياً واكتب عليه : رحم الله امرءاً عرف قدره " .
ودخل على عمر بن عبدالعزيز واحد من أقربائه ، فهاله ما رأى ، فقد رأى عمرا لائذا بركن الشمس عن داره متدثرا بإزار ، فحسبه مريضا ، فسأله : " ما الخطب يا أمير المؤمنين ؟ " ، فقال : " لا شيء ، إني أنتظر ثيابي حتى تجفّ " . فعاد يقول له : " وما ثيابك يا أمير المؤمنين ؟ "، قال عمر : " قميص ورداء وإزار " ، فقال له : " ألا تتخذ قميصا آخر ورداء أو إزارا ؟ " قال : " قد كان لي ذلك ، ثم تمزقت " ، فقال له : " ألا تتخذ سواها ؟ " ، فأطرق عمر رأسه ، ثم أجهش بالبكاء ، وجعل يردد قوله تعالى : { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين } ( القصص : 83 ) .
وقال موسى بن القاسم : " كانت عندنا زلزلة وريح حمراء هاجت في المدينة ، فذهبت إلى محمد بن مقاتل فقلت : يا أبا عبدالله ، أنت إمامنا فادع الله عزوجل لنا . فبكى ثم قال : ليتني لم أكن سبب هلاككم ، قال موسى : فرأيت في المنام النبي صلى الله عليه وسلم يقول لي : إن الله عزوجل رفع عنكم البلاء بدعاء محمد بن مقاتل " .
ذكروا عن الخليفة هارون الرشيد أنه استدعى إليه أبا معاوية الضرير ليسمع منه الحديث ، فأكل عنده ثم قام ليغسل يدي ، فقام الخليفة فصب على أبي معاوية الماء وهو لا يراه ثم قال : " يا أبا معاوية ، أتدري من يصب عليك الماء ؟ " ، فقال له : " لا " ، قال : " يصب عليك أمير المؤمنين " فدعا له ، فقال الخليفة : " إنما أردت تعظيم العلم " .
وقال أبوبكر المروزي ل أحمد بن حنبل : " ما أكثر الداعين لك . فامتلأت عيونه بالدموع وقال : أخاف أن يكون هذا استدراجا ، أسأل الله أن يجعلنا خيرا مما يظنون ، ويغفر لنا ما لا يعلمون " .
وعن الإمام المروزي قال : " لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد بن حنبل ، كان مائلا إليهم ، مقصرا عن أهل الدنيا ، وكان كثير التواضع ، تعلوه السكينة الوقار ، إذا جلس في مجلسه بعد صلاة العصر للفتيا لا يتكلم حتى يُسأل ، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدّر ، بل يقعد حيث انتهى به مجلسه " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:40 PM
مع السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ذُكر عن الإمام ابن جنيد أنه رأى على خالد بن يزيد بن معاوية جبة خزّ ، فقال له : " أتلبس الخزّ ؟! ، فاعتذر قائلا : " إنما ألبس لهؤلاء - وأشار إلى الخليفة – " ، فغضب ابن جنيد وقال : " ما ينبغي أن يعدل خوفك من الله بأحد من خلقه " .
عن أبي عبدالرحمن العمري قال : " إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله ، بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه ، ولا تأمر ولا تنهى خوفا من المخلوق . من ترك الأمر بالمعروف خوف المخلوقين نزعت منه الهيبة ، فلو أمر ولده لاستخف به ".
وقال الإمام الأوزاعي : " رأيت كأن ملكين عرجا بي وأوقفاني بين يدي رب العزّة ، فقال لي : أنت عبدي عبد الرحمن الذي تأمر بالمعروف ؟ ، فقلت : بعزتك أنت أعلم . فهبطا بي حتى رداني إلى مكاني ".
وقال إسماعيل بن عيّاش : " ولي السفاح ، فظهر جوره بإفريقية ، فوفد ابن أنعم على أبي جعفر مشتكيا ، ثم قال : جئت لأعلمك بالجور ببلدنا ، فإذا هو يخرج من دارك !! ، فغضب وهمّ به ثم قال له : كيف لي بأعوان على الخير ؟ فقال ابن أنعم : أفليس عمر بن عبد العزيز كان يقول : الوالي بمنزلة السوق ، يجلب إليه ما يُنفق فيه ؟ ، فأطرق طويلا فأومأ إلي الحاجب بالخروج " .
قال الموفق : " كان الحافظ المقدسي لا يصبر عن إنكار المنكر إذا رآه ، وكنا مرة أنكرنا على قوم وأرقنا خمرهم وتضاربنا ، فسمع خالي أبو عمر فضاق صدره وخاصمنا ، فلما جئنا إلى الحافظ طيّب قلوبنا ، وصوّب فعلنا ، وتلا : { وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك } ، وسمعت أبا بكر بن أحمد يقول : " كان بعض أولاد صلاح الدين قد عملت لهم طنابير ، وكانوا في بستان يشربون ، فلقي الحافظ الطنابير فكسرها ، فلما كان هو و عبد الهادي عند حمام كافور إذا قوم كثير معهم عصي ، فخفف المشي وجعلت يقول : حسبي الله ونعم الوكيل ، فلما صار على الجسر لحقوا بصاحبه ، فقال لهم : أنا ما كسرت لكم شيئا ، ذاك هو الذي كسر . فإذا فارس يركض نحو الحافظ ، فترجل وقبّل يده وقال : الصبيان ما عرفوك ".
وعن عبد الرزاق قال : " سمعت سفيان الثوري يقول : " أُدخلت على المهدي بمنى ، فسلمت عليه بالإمرة ، فنظر إليّ وتبسّم وقال : لقد طلبناك فأعجزتنا ، وقد جاء الله بك ، فارفع إلينا حاجتك ، قلت : قد ملأت الأرض ظلما وجورا فاتق الله ، وليكن منك في ذلك عبر . فنكس رأسه ثم قال : أرأيت إن لم أستطع ؟ ، قلت : تهرب بدينك . فطأطأ رأسه ثم قال : ارفع إلينا حاجتك ، فقلت : أبناء المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان بالباب ، فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم . فطأطأ رأسه ثم أخلى سبيلي ".
وعن يعقوب بن شيبة قال :قال لنا الأوزاعي : لما فرغ عم السفاح من قتل بني أمية ، بعث إليّ فقال لي : أخبرني عن الخلافة ، وصية لنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ، فقلت : لو كانت وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك علي رضي الله عنه أحدا يتقدمه ، قال : فما تقول في أموال بني أمية ؟ ، قلت : إن كانت لهم حلالا فهي عليك حرام ، وإن كانت عليهم حراما فهي عليك أحرم . فأمرني فأخرجت ".
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:41 PM
مع السلف في أدبهم
قال أبو مصعب : " كان الإمام مالك لا يحدّث إلا وهو على طهارة ، إجلالا للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
عن عطاء بن أبي رباح قال : " إن الرجل ليحدثني بالحديث ، فأنصت له كأني لم أسمع هذا الحديث من قبل ، وقد سمعته قبل أن يولد " .
وذكر علماء التراجم في ترجمة الإمام الأحنف بن قيس أنه كان إذا أتاه رجل واسع له في المجلس ، فإن لم يكن هناك سعة أراه كأنه يوسع له .
وقال الأحنف : " ثلاث فيّ ما أذكرهن إلا لمعتبر : ما أتيت باب سلطان إلا أن أُدعى ، ولا دخلت بين اثنين حتى يدخلاني بينهما ، وما أذكر أحدا بعد أن يقوم من عندي إلا بخير " . وقال أيضا : " ما نازعني أحد إلا أخذت أمري بأمور : إن كان فوقي عرفتُ له قدره ، وإن كان دوني رفعت قدري عنه ، وإن كان مثلي تفضلت عليه " .
قال ابن الوليد لولده العباس : " سبحانك تفعل ما تشاء !! ، كان الأوزاعي يتيما فقيرا في حجر أمه ، تنقله من بلد إلى بلد ، وقد جرى حكمكَ يا رب فيه أن بلغته حيث رأيته ، يا بنيّ عجزت الملوك أن تؤدب نفسها وأولادها أدب الأوزاعي في نفسه ، ما سمعت منه كلمة قط فاضلة إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه ، ولا رأيته ضاحكا قط حتى يقهقه ، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول في نفسي : أترى في المجلس قلب لم يبك ؟ " .
عن إبراهيم بن حبيب الشهيد قال : " قال لي أبي : " يا بُني ، اذهب إلى الفقهاء والعلماء ، وتعلم منهم ، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم ؛ فإن ذاك أحب إلي لك من كثير من الحديث " .
وعن ابن المنادي قال : " كان الإمام أحمد من أحيى الناس وأكرمهم ، وأحسنهم عشرة وأدبا ، كثير الإطراق لا يسمع منه الا المذاكرة للحديث ، وذكر الصالحين في وقار وسكون ولفظ حسن ، وإذا لقيه انسان بشّ به وأقبل عليه ، وكان يتواضع للشيوخ شديدا وكانوا يعظمونه ، وكان يفعل ب يحيى بن معين ما لم أره يعمل بغيره من التواضع والتكريم والتبجيل ، وكان يحيى يكبره بسبع سنين ".
وعن أبي عبدالله قال : " أفطرنا في رمضان ليلةً شديدة الحر ، فكنا نأكل ونشرب ، وكان أخي عبدالرحمن بن مندة يأكل ولا يشرب ، فخرجت وقلت للناس : إن من عادة أخي أنه يأكل ليلة ولا يشرب ، ويشرب ليلة أخرى ولا يأكل ، قال : فما شرب تلك الليلة ، ولافي الليلة الآتية ، كان يشرب ولا يأكل ألبتة ، فلما كان في الليلة الثالثة قال : يا أخي ، لا تلعب بعد هذا ، فإني ما اشتهيت أن أكذبك ".
وقال أيوب بن المتوكل : " كان إمام النحو الخليل إذا أفاد إنسانا شيئا لم يره بأنه أفاده ، وإن استفاد من أحد شيئا أراه بأنه استفاد منه ".
ويروى أن أبا إسحاق الحربي لما دخل على إسماعيل القاضي بادر إليه محمد بن يوسف إلى نعله ، فأخذها فمسحها من الغبار ، فدعا له وقال : " أعزك الله في الدنيا والآخرة " ، فلما توفي محمد بن يوسف رؤي في النوم ، فقيل له : " ما فعل الله بك ؟ " ، قال : " أعزني في الدنيا والاخرة بدعوة الرجل الصالح "
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:42 PM
مع السلف في الكرم
كان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما شديد السخاء ، يقال أنه ما مات حتى أعتق ألف رقبه ، وربما تصدق فى المجلس الواحد بثلاثين ألف ، وكانت تمضى عليه الأيام الكثيرة لايذوق فيها لحما إلا وعلى يديه يتيم .
قال علي بن الحسن بن شقيق :" كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع اليه إخوانه من أهل مرو ، فيقولون : نصحبك فيقول هاتوا نفقاتكم ، فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق ويقفل عليها ، ثم يكتري لهم ، ويخرجهم من مرو إلى بغداد فلايزال ينفق عليهم يطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلوى ، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي أكمل مروءة حتى يصلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيقول لكل واحد : ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طرفها ؟ فيقول : كذا وكذا ، ثم يخرجهم إلى مكة ، فإذا قضوا حجهم قال لكل واحد منهم ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة ؟ فيقول : كذا وكذا ، فيشتري لهم ، ثم يخرجهم من مكة ، فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو ، فيجصص بيوتهم وأبوابهم ، فإذا كان بعد ثلاثة أيام عمل لهم وليمة كساهم ، فإذا أكلوا وسرّوا دعا بالصندوق ففتحه ، ودفع إلى كل رجل منهم صرّته التي عليها اسمه .
عن يحيى الوحاظي قال : " ما رأيت رجلا كان أكبر نفسا من إسماعيل بن عياش ، كنا إذا أتيناه إلى مزرعته لايرضى لنا إلا بالخروف والخبيص " .
وكان عبد الله بن جعفر من أسخى الناس ، يعطى الجزيل الكثير ويستقله ، وقد تصدق مرة بألفى ألف ، وأعطى مرة رجلاً ستين ألفا ، ومرة أعطى رجلاً أربعة آلاف دينار ، وقيل : إن رجلاً جلب مرة سكراً إلى المدينة ، فكسد عليه فلم يشتره أحد فأمر ابن جعفر قيّمه أن يشتريه وأن يهديه للناس .
عن محمد بن إسحاق قال : "كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم ، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك الذي كانوا يؤتون بالليل " ، وعن عمرو بن ثابت قال : " لما مات علي بن الحسين وجدوا بظهره أثرا مما كان ينقل الجرب بالليل إلى منازل الأرامل " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:43 PM
مع السلف في الورع
قال مسلمة بن عبدالملك : " دخلتُ على عمر بن عبدالعزيز بعد الفجر في بيت كان يخلو فيه بعد الفجر ، فلا يدخل عليه أحد ، فجاءته جارية بطبق عليه تمر - وكان يعجبه التمر - ، فأخذ قليلا من التمر فوضعه في كفّه وقال : يا مسلمة ، أترى لو أن رجلا أكل هذا ثم شرب عليه من الماء ، أكان مجزئه إلى الليل ؟ ، قلت : لا أدري . قال : فرفع أكثر منه ثم قال : أيجزئه هذا ؟ ، قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، كان كافيه دون هذا ، حتى ما يبالي أن لا يذوق طعاما غيره ، قال : فعلام يدخل النار ؟ قال مسلمة : فما وقعت مني موعظة ما وقعت هذه " .
قال النضر بن شميل : " غلا الخزّ في موضع كان إذا غلا هناك غلا بالبصرة ، وكان يونس بن عبيد خزازا ، فعلم بذلك ، فاشترى من رجل متاعا بثلاثين ألفا ، فلما كان بعد ذلك قال لصاحبه : هل كنت علمت أن المتاع غلا بأرض كذا وكذا ؟ ، قال : لا ، ولو علمت لم أبع . قال : هلم إليّ مالي ، وخذ ما لك . فرد عليه الثلاثين الألف " .
ذكر علماء التراجم أن كهمسا سقط منه دينار ، ففتش عنه فلقيه ، لكنه لم يأخذه ، فسئل عن ذلك فقال : " لعله غيره " .
وقال الحسن بن عرفة : قال لي ابن المبارك : " استعرت قلما بأرض الشام ، فذهبت على أن أرده ، فلما قدمت مرو نظرت ، فإذا هو معي ، فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه " .
وعن محمد عن عبيدة قال : " اختلف الناس في الأشربة ، فمالي شراب منذ ثلاثين سنة إلا العسل واللبن والماء " .
وقال يحيى بن سعيد : " زاملت أبا بكر بن عياش إلى مكة ، فما رأيت أورع منه ، لقد أهدى له رجل رطبا ، فبلغه أنه من بستان أخذ من خالد بن سلمة المخزومي ، فأتى آل خالد فاستحلهم وتصدق بثمنه " .
وعن ابن النجار قال : " كان الإمام ابن عقدة يؤدب ابن هشام الخزاز ، فلما حذق الصبي وتعلم وجّه إليه أبوه بدنانير ، فردها الإمام ، فظن ابن هشام أنه استقلتلها فضاعفها له ، فقال : ما رددتها استقلالا ، ولكن سألني الصبي أن أعلمه النحو ، فاختلط تعليم النحو بتعليم القرآن ، ولا أستحلّ أن آخذ منه شيئا ولو دفع إليّ الدنيا " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:43 PM
مع السلف في الإيثار
قال علي بن محمد : " طلب الحجاج إبراهيم النخعي ، فجاء الرسول فقال : أريد إبراهيم فقال إبراهيم التيمي : أنا إبراهيم . ولم يستحل أن يدله على النخعي ، فأمر بحبسه في الديماس ، ولم يكن لهم ظل من الشمس ، ولا ملجأ من البرد ، و كان كل اثنين في سلسلة ، فتغير إبراهيم فعادته أمه فلم تعرفه ، حتى كلمها ، فمات في سجنه ، فرأى الحجاج في نومه قائلا يقول : مات في البلد الليلة رجل من أهل الجنة ، فسأل فقالوا : مات في السجن إبراهيم التيمي ، فقال : حلم نزغة من نزغات الشيطان . وأمر به فألقي على الكناسة " .
عن مصعب بن أحمد بن مصعب قال : " قدم أبو محمد المروزي إلى بغداد يريد مكة ، وكنت أحب أن أصحبه ، فأتيته واستأذنته في الصحبة فلم يأذن لي في تلك السنة ، ثم قدم سنة ثانية وثالثة ، فأتيته فسلمت عليه وسألته فقال : اعزم على شرط : يكون أحدنا الأمير لا يخالفه الآخر . فقلت أنت الأمير . فقال : لا بل أنت فقلت : أنت أسن وأولى ، فقال : فلا تعصني . فقلت : نعم . فخرجت معه وكان إذا حضر الطعام يؤثرني فإذا عارضته بشيء قال : ألم أشرط عليك أن لاتخالفني ؟ ، فكان هذا دأبنا حتى ندمت على صحبته ؛ لما يلحق نفسه من الضرر . فأصابنا في بعض الأيام مطر شديد ونحن نسير فقال لي : يا أبا أحمد اطلب الميل – وهو علامة الطريق - ، ثم قال لي : اقعد في أصله ، فأقعدني في أصله ، وجعل يديه على الميل ، وهو قائم قد حنا عليّ وعليه كساء قد تجلل به يظلني من المطر ، حتى تمنيت أني لم أخرج معه لما يلحق نفسه من الضرر ، فلم يزل هذا دأبه حتى دخل مكة رحمه الله " .
قال حذيفة العدوي : " انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي - ومعي شيء من الماء - وأنا برجل يقول : آه ! آه ! ، فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه ، فإذا هو هشام بن العاص ، فقلت : أسقيك ؟ فأشار أن نعم . فسمع آخر يقول : آه ! آه ! ، فأشار هشام أن انطلق فجئته فإذا هو قد مات ، عدت إلى هشام فإذا هو قد مات ، فعدت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات " .
وحُكي عن أبي الحسن الأنطاكي : أنه اجتمع عنده نيفا وثلاثين رجلا بقرية من قرى الريّ ، ومعهم أرغفة محدودة لا تشبعهم جميعا ، فكسروا الأرغفة وأطفأوا السرج ، وجلسوا للطعام ، فلما رُفع الطعام إذا هو بحاله لم يُمسّ ، إذ تصنّع كل واحد منهم أنه يأكل ، ولم يأكل مؤاثرة لأخيه ، فلذا بقي الطعام على حاله .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:44 PM
مع السلف عند قبض أرواحهم
عن أبي موسى قال : " مرض أبي - الحافظ عبدالغني - مرضا شديدا منعه من الكلام والقيام ، واشتد ستة عشر يوما ، وكنت أسأله كثيرا ما يشتهي فيقول : أشتهي الجنة ، أشتهي رحمة الله . لا يزيد على ذلك . فجئته بماء حار فمد يده فوضأته وقت الفجر فقال : يا عبد الله ، قم صل بنا وخفف . فصليت بالجماعة ، وصلى جالسا ثم جلست عند رأسه وجعل يدعوا وأنا أؤمن ، فقلت : هنا دواء تشربه . قال : يا بني ، ما بقي إلا الموت ، فقلت : ما تشتهي شيئا ؟ ، قال : أشتهي النظر إلى وجه الله سبحانه ، فقلت : هل أنت عني راض ؟ قال : بلى والله ، فقلت : ما توصي بشيء ؟ ، قال : ما لي على أحد شيء ، ولا لأحد علي شيء ، قلت : توصيني ؟ ، قال : أوصيك بتقوى الله والمحافظة على طاعته . فجاء جماعة يعودونه ، فسلموا فرد عليهم ، وجعلوا يتحدثون ، فقال لهم : ما هذا ؟ اذكروا الله ، قولوا لا إله إلا الله ، فلما قاموا جعل يذكر الله بشفتيه ويشير بعينيه ، فقمت لأناول رجلا كتابا من جانب المسجد ، فرجعت وقد خرجت روحه رحمه الله " .
حكى الفقيه عن شيخه نصر أنه قبل موته بلحظة سمعه وهو يقول : " يا سيدي أملهوني أنا مأمور وأنتم مأمورون " . ثم سمع المؤذن بالعصر فقال له : " يا سيدي ، المؤذن يؤذن " فقال له : " أجلسني " . فأجلسه ، فأحرم بالصلاة ووضع يده على الأخرى وصلى ، ثم توفي من ساعته رحمه الله .
عن يزيد بن أبي حبيب قال : " لما احتضر ابن أبي سرح وهو بالرملة - وكان خرج إليها فارا من الفتنة - فجعل يقول من الليل : أأصبحتم ؟ ، فيقولون : لا . فلما كان عند الصبح قال : يا هشام ، إني لأجد برد الصبح فانظر . ثم قال : اللهم اجعل خاتمة عملي الصبح ، فتوضأ ثم صلى ، فقرأ في الأولى بأم القرآن والعاديات ، وفي الأخرى بأم القرآن وسورة ، وسلم عن يمينه وذهب يسلم عن يساره فقُبض رحمه الله .
وقال أبو شامة : " أخبرني من حضر جنازة الإمام ابن عساكر : أنه صلى الظهر ، وجعل يسأل عن صلاة العصر ، وتوضأ ثم تشهد وهو جالس وقال : رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ، لقنني الله حجتي ، وأقالني عثرتي ورحم غربتي ، ثم قال : وعليكم السلام . فعلمنا أنه حضرت الملائكة ، ثم انقلب ميتا ".
وقال يوسف الشيرازي عن وفاة الإمام عبدالأول الهروي : " لما احتضر شيخنا سندته إلى صدري ، فدخل عليه محمد بن القاسم وأكب عليه وقال : يا شيخنا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) ، فرفع طرفه إليه وتلا : { يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } ( يس : 27 ) ، فدهش من حضر من الأصحاب ، ولم يزل يقرأ حتى ختم السورة ، وتوفي وهو جالس على السجادة ".
عن ابن الفضل القطان قال : " حضرت النقاش وهو يجود بنفسه سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة ، فنادى بأعلى صوته : { لمثل هذا فليعمل العاملون } ( الصافات : 61 ) ، يرددها ثلاثا ثم خرجت نفسه رحمه الله ".
قال الحسن بن صالح : " قال لي أخي - وكنت أصلي - : يا أخي ، أسقني . قال : فلما قضيت صلاتي أتيته بماء ، فقال : قد شربت الساعة ، قلت : من سقاك وليس في الغرفة غيري وغيرك ؟ قال : أتاني الساعة ملك بماء فسقاني ، وقال لي : أنت وأخوك وأمك مع الذين أنعم الله عليهم . ثم خرجت نفسه " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:45 PM
مع السلف في الدعاء
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : " شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فقالوا : إنه لا يحسن أن يصلي ، فقال سعد : أما أنا فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتيْ العشاء ، لا أنقص منها ، أطيل في الأُولييْن ، وأحذف في الأُخرييْن ، فقال عمر : ذاك الظن بك يا أبا إسحاق ، فبعث رجالا يسألون عنه بالكوفة ، فكانوا لا يأتون مسجدا من مساجد الكوفة إلا قالوا خيرا ، حتى أتوا مسجدا لبني عبس ، فقال رجل يقال له أبو سعدة : أما إذ نشدتمونا بالله : فإنه كان لا يعدل في القضية ، ولا يقسم بالسوية ، ولا يسير بالسريّة ، فقال سعد : اللهم ان كان كاذبا فاعم بصره ، وأطل عمره ، وعرضه للفتن . قال عبد الملك : فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك ، فإذا سئل : كيف أنت ؟ ، يقول : كبير مفتون أصابتني دعوة سعد " .
قال ابن المنكدر : " إني في البارحة مواجهٌ هذا المنبر ، أدعو في جوف الليل ، إذا إنسان عند اسطوانة مقنعٌ رأسه ، فأسمعه يقول : أي رب إن القحط قد اشتد على عبادك ، وإني مقسم عليك يا رب إلا سقيتهم ، قال : فما كان إلا ساعة إذا سحابة قد أقبلت ، ثم أرسلها الله - وكان عزيزا على ابن المنكدر أن يخفى عليه أحد من أهل الخير - فقال : هذا بالمدينة ولا أعرفه ؟ ، فلما سلم الإمام تقنّع وانصرف فاتبعته ، حتى أتى دار أنس ، فدخل موضعا ففتح الباب ودخل ، ورجعتُ فلما صليت الصبح أتيته ، فقلت : أأدخل ؟ ، قال : ادخل ، فإذا هو يُصلح أقداحا ، فقلت : كيف أصبحت أصلحك الله ؟ ، قال : فاستشهرها وأعظمها مني ، فلما رأيت ذلك قلت : أني سمعت إقسامك البارحة على الله ، يا أخي هل لك في نفقة تغنيك عن هذا ، وتفرّغك لما تريد من الآخرة ؟ ، قال : لا ، ولكن غير ذلك : لا تذكرني لأحد ولا تذكر هذا لأحد حتى أموت ، ولا تأتني يا ابن المنكدر ؛ فإنك إن تأتني شهرتني للناس ، فقلت : إني أحب أن ألقاك ، قال : القني في المسجد . فما ذكر ذلك ابن المنكدر لأحد حتى مات الرجل . وقد قال ابن وهب : " بلغني أنه انتقل من تلك الدار ، فلم ير ولم يدر أين ذهب ، فقال أهل تلك الدار " الله بيننا وبين ابن المنكدر ؛ أخرج عنا الرجل الصالح " .
وقال عباس الدوري : حدثنا علي بن أبي فزارة جارنا قال : " كانت أمي مقعدة من نحو عشرين سنة ، فقالت لي يوما : اذهب إلى أحمد بن حنبل فسله أن يدعو لي ، فأتيت فدققت عليه وهو في دهليزه فقال : من هذا ؟ قلت : رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء ، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب فقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا ، فوليت منصرفا ، فخرجت عجوز فقالت : قد تركته يدعو لها ، فجئت إلى بيتنا ودققت الباب ، فخرجت أمي على رجليها تمشي " .
وقال سليم بن عامر : " دخلت على الجراح ، فرفع يديه ، فرفع الأمراء أيديهم ، فمكث طويلا ثم قال لي : يا أبا يحيى هل تدري ما كنا فيه ؟ قلت : لا ، وجدتكم في رغبة ، فرفعت يدي معكم ، قال : سألنا الله الشهادة " فوالله ما بقي منهم أحد في تلك الغزاة حتى استشهد " .
وقال أبو سبرة النخعي : " أقبل رجل من اليمن ، فلما كان ببعض الطريق مات حماره ، فقام فتوضأ ثم صلى ركعتين ، ثم قال : اللهم إني جئت من الدفينة مجاهدا في سبيلك ، وابتغاء مرضاتك ، وأنا أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور ، لا تجعل لأحد علي اليوم منّة ، أطلب إليك اليوم أن تبعث حماري . فقام الحمار ينفض أذنيه " .
عن بلال بن كعب أن الصبيان قالوا ل أبي مسلم الخولاني : " ادع الله أن يحبس علينا هذا الظبي فنأخذه " ، فدعا الله لهم فحبسه فأخذوه .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:46 PM
مع السلف في مواجهة فتنة النساء
ذكر الإمام ابن القيم في روضة المحبين قصة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهي تتعلق بشاب صالح كان عمر ينظر إليه ويعجب به ، ويفرح بصلاحه وتقواه ويتفقده إذا غاب ، فرأته امرأة شابة حسناء ، فهويته وتعلقت به ، وطلبت السبيل إليه ، فاحتالت لها عجوز وقالت لها : " أنا آتيك به " ، ثم جاءت لهذا الشاب وقالت له : " إني إمرأة عجوز ، وإن لي شاة لا أستطيع حلبها ، فلو أعنتني على ذلك لكان لك أجر " - وكانوا أحرص ما يكونون على الأجر - ، فذهب معها ، ولما دخل البيت لم يرى شاة ، فقالت له العجوز : " الآن آتيك بها " ، فظهرت له المرأة الحسناء ، فراودته عن نفسه فاستعصم عنها ، وابتعد منها ولزم محراباً يذكر الله عز وجل ، فتعرضت له مرارا فلم تقدر ، ولما آيست منه دعت وصاحت ، وقالت : " إن هذا هجم عليّ يبغيني عن نفسي " ، فتوافد الناس إليه فضربوه ، فتفقده عمر في اليوم التالي ، فأُتي به إليه وهو موثوق ، فقال عمر : " اللهم لا تخلف ظني فيه " ، فقال للفتى : " أصدقني الخبر " ، فقص عليه القصة ، فأرسل عمر إلى جيران الفتاة ، ودعى بالعجائز من حولها ، حتى عرف الغلام تلك العجوز ، فرفع عمر درّته وقال : " أصدقيني الخبر" ، فصدقته لأول وهلة ، فقال عمر : " الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف ".
وعن الإمام العجلي قال : " كانت امرأة جميلة بمكة ، وكان لها زوج ، فنظرت يوما إلى وجهها في المرآة فقالت لزوجها : أترى أحدا يرى هذا الوجه ولا يفتتن به ؟ ، قال : نعم ، قالت : من ؟ ، قال : عبيد بن عمير ، قالت : فأذن لي فيه فلَأَفتنّنه ، قال : قد أذنت لك . فأتته كالمستفتية ، فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام ، فأسفرت عن وجهها ، فقال لها : يا أمة الله اتقي الله ، فقالت : إني قد فتنت بك فانظر في أمري ، قال : إني سائلك عن شيء ، فإن أنت صدقت نظرت في أمرك ، قالت : لا تسألني عن شيء إلا صدقتك ، فقال لها : أخبريني ، لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك ، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة ؟ ، قالت : اللهم لا ، قال : صدقت ، فلو أُدخلت في قبرك ، فأُجلست للمساءلة ، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة ؟ ، قالت : اللهم لا ، قال : صدقت ، فلو أن الناس أعطوا كتبهم ولا تدرين : أتأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك ، أكان يسرك أنى قضيت لك هذه الحاجة ؟ قالت : اللهم لا . قال : صدقت ، فلو أردت المرور على الصراط ، ولا تدرين تنجين أم لا تنجين ، أكان يسرك أنى قضيت لك هذه الحاجة ؟ ، قالت : اللهم لا . قال : صدقت ، فلو جيء بالموازين وجيء بك لا تدرين : تخفين أم تثقلين ، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة ؟ ، قالت : اللهم لا . قال : صدقت ، فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة ، كان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة ؟ قالت : اللهم لا . قال صدقت ، اتقي الله يا أمة الله ؛ فقد أنعم الله عليك وأحسن إليك . فرجعت إلى زوجها ، فقال : ما صنعت فقالت له : أنت بطّال ، ونحن بطّالون . فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة ، فكان زوجها يقول : ما لي ول عبيد بن عمير ؟ ، أفسد علي زوجتي ، كنت كل ليلة عروسا ، فصيّرها راهبة " .
وقال محمد بن إسحاق : " نزل السَّرِيُّ بن دينار في درب بمصر ، وكانت فيه امرأة جميلة فتنت الناس بجمالها ، فعلمت به المرأة ، فقالت : لأفتنّنه ؛ فلما دخلت من باب الدار تكشفت وأظهرت نفسها ، فقال : مَالَكِ ؟! فقالت : هل لك في فراش وطي ، وعيش رخي ؟ ، فأقبل عليها وهو يقول :
وكم ذي معاص نال منهن لذة ومات فخلاّها وذاق الـــدواهيا
تصرمُ لـذّات المعاصي وتنقضي وتبقى تِباعاتُ المعاصي كـما هيا
فيا سوءتا والله راءٍ وسامــع لعبدٍ بعين الله يغشــى المعاصيـا
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:46 PM
مع السلف في علو همتهم
قال الإمام أحمد : " ما كتبت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد عملت به ، حتى مرّ بي الحديث : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة الحجام ديناراً ) - أصله في البخاري - ، فاحتجمتُ وأعطيتُ الحجّام دينارا " .
قال الإمام إبراهيم الحربي عن نفسه : " أفنيت من عمري ثلاثين سنة لا آكل إلا رغيفين ، إن جاءتني بهما أمي أو أختي وإلا بقيت جائعا إلى الليلة التالية ، وأفنيت ثلاثين سنة برغيف في اليوم والليلة ، إن جاءتني به امرأتي أو بنتاي وإلا بقيت جائعا عطشانا ، والآن آكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرة ، وما كنا نعرف هذه الأطبخة شيئا ".
وعن محمد بن سلمة أنه كان يجزيء ليله ثلاثة أجزاء : جزء للنوم ، وجزء للدرس ، وجزء للصلاة ، وكان كثير السهر ، فقيل له : " لم لا تنام ؟ " ، فقال : " كيف أنام وقد نامت عيون المسلمين تعويلا علينا ؟ وهم يقولون : إذا وقع لنا أمر رفعناه إليه فيكشفه لنا . فإذا نمنا ففيه تضييع للدين " .
وعن أبي القاسم بن عقيل : أن أبا جعفر الطبري قال الأصحابه : " هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا ؟ " ، قالوا : " كم قدره ؟ " ، فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة ، فقالوا : " هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه ! " ، فقال : " إنا لله ، ماتت الهمم " ، فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة ، ولما أن أراد أن يملي التفسير قال لهم نحوا من ذلك ، ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ " .
واستيقظ أبو يزيد البسطامي ليلة وهو صبي ، فإذا أبوه يصلي ، فقال لأبيه : " يا أبت ، علمني كيف أتطهّر وأفعل مثل فعلك وأصلي معك " ، فقال له أبوه : " يا بنيّ ، ارقد فإنك صغير بعد " ، فقال له : " يا أبت ، إذا كان يوم القيامة ، حين يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ، أأقول لربي : إني طلبت من أبي فلم يعلمني ؟ " ، فقال له : " لا والله يا بنيّ " . وعلّمه ، فكان يصلي معه .
يقول الذهبي عن الحافظ عبدالغني المقدسي : " كان لا يضيع شيئا من زمانه بلا فائدة ، فإنه كان يصلي الفجر ويلقن القرآن ، وربما أقرأ الناس شيئا من الحديث تلقينا ، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ثلاثمئة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل الظهر ، وينام نومة ثم يصلي الظهر ويشتغل إما بالتسميع أو بالنسخ إلى المغرب ، فإن كان صائما أفطر وإلا صلى من المغرب إلى العشاء ، ويصلي العشاء وينام إلى نصف الليل أو بعده ، ثم يقوم كأن إنسان يوقظه فيدعو قليلا ثم يتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر ، وربما توضأ سبع مرات أو ثمانيا في الليل ، ويقول : ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبة . ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر ، وهذا دأبه ".
وروي عن الإمام ابن خفيف أنه كان به وجع الخاصره ، فكان إذا أصابه أقعده عن الحركة ، فكان إذا نودي بالصلاة يُحمل على ظهر رجل ، فقيل له : " لو خففت على نفسك " ، فقال : " إذا سمعتم حي على الصلاة ولم تروني في الصف ، فاطلبوني في المقبرة " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:47 PM
مع السلف في طلب العلم
عن أحمد بن خالد قال : " بلغنا أن يحيى بن يحيى الليثي كان عند مالك بن أنس رحمه الله ، فمرّ على باب مالك الفيل ، فخرج كل من كان في مجلسه لرؤية الفيل سوى يحيى بن يحيى فلم يقم ، فأعجب به مالك وسأله : من أنت ؟ وأين بلدك ؟ ثم لم يزل بعد مكرما له " . وعن يحيى بن يحيى قال : " أخذت بركاب الليث ، فأراد غلامه أن يمنعني ، فقال الليث : دعه . ثم قال لي : خدَمَك العلم . قال : فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك " .
قال إسحاق الشهيدي : " كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده ، فيقف بين يديه علي بن المديني و أحمد بن حنبل و يحيى بن معين وغيرهم ، يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب ، لا يقول لواحد منهم : اجلس ، ولا يجلسون هيبة له وإعظاما " .
عن أبي إسحاق قال : " لما مات القاضي وجلس بنوه للتعزيه ، إذ دخل علينا رجلان في لباس سواد ، وأخذا يولولان ويقولان : وإسلاماه!! . فسئلا عن حالهما فقالا : إنا وردنا من " أغمات " من المغرب ، لنا سنة ونصف في الطريق في الرحلة إلى هذا الإمام لنسمع منه ، فوافق ورودنا وفاته " .
عن أبي طاهر قال : " سمعت أبابكر بن المقرئ يقول : طفت الشرق والغرب أربع مرات – يعني في الرحلة للحديث - . وروى رجلان عن ابن المقرئ قال : مشيت بسبب نسخة مفضل بن فضالة في الحديث مسافة سبعين مرحلة ، ولو عرضت على خباز برغيف لم يقبلها . وقال أيضا : دخلت بيت المقدس عشر مرات ، وحججت أربع حجات ، وأقمت بمكة خمسة وعشرين شهرا ، كل ذلك في العلم " .
عن إسماعيل بن عياش قال : " كتبت لي أم الدرداء في لوحي : اطلبوا العلم صغارا ، تعملوا به كبارا ؛ فإن لكل حاصد ما زرع " .
قال ابن جماعة الكناني : " ليعلم طالب العلم أن ذلّه لشيخه عزّ ، وأن خضوعه له فخر ، وتواضعه له رفعة ، وعلى طالب العلم أن ينظر إلى شيخه بعين الإجلال ؛ فإن ذلك أقرب إلى انتفاعه به ، وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدّق بشيء وقال : اللهم استر عيب شيخي عني ، ولا تذهب بركة علمه مني " .
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: " كان يقال : إذا لقي الرجلُ الرجلَ فوقه في العلم فهو يوم غنيمته ، وإذا لقي من هو مثله دراسه وتعلم منه ، وإذا لقي من هو دونه تواضع له وعلمه " .
قال أبو حاتم الرازي : " بقيت ثمانية أشهر بالبصرة ، وكان في نفسي أن أقيم سنة ، فانقطعت نفقتي ، فجعلت أبيع ثيابي حتى نفذت ، وبقيتُ بلا نفقة ، ومضيت أطوف مع صديق لي إلى المشيخة وطلب الحديث ، وأظل كذلك إلى المساء ، فانصرف رفيقي ورجعت إلى بيتي ، فجعلت أشرب الماء من الجوع ، ثم أصبحت فغدا علي رفيقي ، فجعلت أطوف معه في سماع الحديث على جوع شديد ، وانصرفت جائعا ، فلما كان من الغد غدا علي فقال : مر بنا إلى المشايخ ، فقلت له : أنا ضعيف لا يمكنني ، قال : ما ضعفك ؟ ، قلت : لا أكتمك أمري ، قد مضى يومان ما طعمت فيهما شيئا ، فقال : قد بقي معي دينارا فنصفه لك ، ونجعل النصف الآخر في الكراء ، فخرجنا من البصرة ، وأخذت منه النصف دينار " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:48 PM
مع السلف في حفظ اللسان
قال أحد السلف : " صحبنا ربيع بن خثيم عشرين سنة ، فما تكلم إلا بكلمة تعليه عند الله " . وعن رجل من بني تميم قال : " جالست الربيع عشر سنين ، فما سمعته يسأل عن شيء من أمور الدنيا ، إلا مرتين : قال مرة : والدتك حيّة ؟ وقال في الثانية : كم لك مسجدا ؟ " . وقال آخر : " صحبت الربيع عشرين عاما ، ما سمعت منه كلمة تُعاب " .
عن محمد بن سوقة قال : " أحدثكم بحديث لعله أن ينفعكم ؛ فإنه قد نفعني ، قال لنا عطاء بن أبي رباح : يا بني أخي ، إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام ، وكانوا يعدون فضوله ما عدا كتاب الله عز وجل أن تقرأه ، وتأمر بمعروف أو تنهى عن منكر ، أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها . أتنكرون أن عليكم حافظين كراما كاتبين ؟ ، عن اليمين وعن الشمال قعيد ؟ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ؟ أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته يوم القيامة ، ليس فيها من أمر دينه ولا دنياه شيء ؟ " .
قال سلمة بن علقمة : " جالستُ يونس بن عبيد ، فما استطعت أن آخذ عليه كلمة تعاب عليه " .
قال إبراهيم الحربي : " ما أخرجتْ بغداد أتمّ عقلا من بشر الحافي ، ولا أحفظ للسانه منه ، ما عُرف له غيبة لمسلم " .
قال الإمام ابن دقيق العيد : " ما تكلمت كلمة ، ولا فعلت فعلا ، إلا وأعددت له جوابا بين يدي الله عزوجل " .
قال ابن السماك : " سبعُك – أي : أسدك - بين لحيْيْك تأكل به كل من مر عليك ، قد آذيت أهل الدور في الدور ، حتى تعاطيت أهل القبور ، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم ، وأنت هاهنا تنبشهم ، إنما نرى أن نبشهم أخذ الخرق عنهم ، إنك إن ذكرت مساويهم فقد نبشتهم ، إنه ينبغي لك أن يدلك على ترك القول في أخيك ثلاث خلال : أما واحدة : فلعلك أن تذكره بأمر هو فيك ، فما ظنك بربك إذا ذكرت أخاك بأمر هو فيك ؟ ولعلك تذكره بأمر قد ابتُليت بأعظم منه ، فذلك أشد استحكاما لمقته إياك ، ولعلك تذكره بأمر قد عافاك الله منه ، أفهذا جزاؤه إذ عافاك . أما سمعت : ارحم أخاك واحمد الذي عافاك ؟ " .
وعن أبي بكر بن عياش قال : " أدنى نفع السكوت السلامة ، وكفى به عافية ، وأدنى ضرر المنطق الشهرة ، وكفى بها بلية " .
قال مورق العجلي : " تعلمت الصمت في عشر سنين ، وما قلت شيئا قط إذا غضبت أندم عليه إذا زال غضبي " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:49 PM
مع السلف في محاسبة النفس
عن أنس بن مالك قال : سمعت عمر بن الخطاب يوما – وقد خرجت معه حتى دخل حائطا - فسمعته يقول وبيني وبينه جدار ، وهو في جوف الحائط : " أمير المؤمنين!! بخ بخ ، والله لتتقين الله أو ليعذبنك " .
وقال الحسن البصري : " المؤمن قوام على نفسه ، يحاسب نفسه لله عزوجل ، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا ، وإنما شقّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة ".
وفي قوله الله تعالى { ولا أقسم بالنفس اللوامة } ( القيامة : 2 ) قال الحسن البصري : " لا تلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه : ماذا أردت بكلمتي ؟ ماذا أردت بأكلتي ؟ ماذا أردت بشربتي ؟ والفاجر يمضى قدما لا يعاتب نفسه ".
عن عطاء قال: " دخلتُ على فاطمة بنت عبد الملك بعد وفاة عمر بن عبد العزيز ، فقلت لها : يا بنت عبد الملك ، أخبريني عن أمير المؤمنين ، قالت : " أفعل، ولو كان حيّاً ما فعلت ! إن عمر رحمه الله كان قد فرغ نفسه وبدنه للناس، كان يقعد لهم يومه ، فإن أمسى وعليه بقية من حوائج يومه وصله بليله ، إلى أن أمسى مساء وقد فرغ من حوائج يومه ، فدعا بسراجه الذي كان يسرج له من ماله ، ثم قام فصلى ركعتين ، ثم أقعى واضعاً رأسه على يده تتسايل دموعه على خده ، يشهق الشهقة فأقول : قد خرجت نفسه ، وانصدعت كبده ، فلم يزل كذلك ليلته حتى برق له الصبح ، ثم أصبح صائماً ، قالت: فدنوت منه. فقلت : " يا أمير المؤمنين ، رأيت شيئا منك البارحة ما رأيته قبل ذلك ، فما كان منك ؟ " قال: " أجل، فدعيني وشأني وعليك بشأنك " ، قالت: فقلت له : " إني أرجو أن أتعظ " ، قال: " إذن أخبرك، أني نظرت إليّ فوجدتني قد وليت أمر هذه الأمة صغيرها وكبيرها ، وأسودها وأحمرها، ثم ذكرت الغريب الضائع ، والفقير المحتاج ، والأسير المفقود وأشباههم في أقاصي البلاد وأطراف الأرض ، فعلمت أن الله سائلني عنهم ، فخفت على نفسي خوفاً دمعت له عيناي، ووجل له قلبي ، فأنا كلما ازددت لها ذكراً ازددت لهذا وجلاً ، وقد أخبرتك فاتعظي الآن أو دعي " .
وعن أبي سليمان رحمه الله قال : " أفضل الأعمال خلاف هوى النفس " .
وقال مالك بن دينار : " رحم الله امرأ قال لنفسه : ألست صاحبة كذا ؟ ألست صاحبة كذا ؟ ثم ذمّها ثم خطمها – والخطام هو ما تُقاد به الإبل - ثم ألزمها كتاب الله ، فكان له قائدًا ". وكان رحمه الله يجاهد نفسه أشد المجاهدة ، ثم يقول لنفسه : " إني والله ما أريد بك إلا الخير " .
وكان توبة بن الصمة محاسبًا لنفسه ، فحاسبها يوما فرأى أن عمره قد بلغ ستين سنة ، فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: " يا ويلت ! ألقى الله بواحد وعشرين ألف ذنب ! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب ؟ " ، ثم خرّ مغشيا عليه ، فحرّكوه فإذا هو ميت ، فسمعوا قائلا يقول : " يالها من ركضة إلى الفردوس الأعلى " .
وقال إبراهيم التيمي : " مثلت نفسي في الجنة ، آكل من ثمارها ، وأشرب من أنهارها ، ثم مثلت نفسي في النار ، آكل من زقّومها ، وأشرب من صديدها ، وأعالج سلاسلها وأغلالها ، فقلت لنفسي : يا نفس ،أي شيء تريدين ؟ فقالت : أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا ،قلت : فأنت في الأمنية فاعملي " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:50 PM
مع السلف في فراستهم
قال عبد الله بن سلمة المرادي : " نظر عمر بن الخطاب إلى الأشتر ، فصعّد فيه النظر وصوّبه ثم قال : إن للمسلمين من هذا يوما عصيبا . فملك الأشتر العرب . وكان جبارا سفاحا .
ودخل رجل على عثمان بن عفان رضي الله عنه - وقد رأى امرأة في الطريق فتأمل محاسنها - ، فقال له عثمان : " يدخل عليّ أحدكم وأثر الزنى ظاهر على عينيه؟! " ، فقال الرجل : " أوحيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! " ، فقال: " لا، ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة ".
وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : " أفرس الناس ثلاثة : العزيز في يوسف عليه السلام ، حيث قال لامرأته : { أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } ( يوسف : 21 ) ، وابنة شعيب حين قالت لأبيها في موسى عليه السلام : { يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين } ( القصص : 26 ) ، وامرأة فرعون حين قالت : { قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } ( القصص : 9 ) ، و أبو بكر في عمر رضي الله عنهما ، حيث استخلفه ".
وقال الحارث بن مرة : " نظر إياس بن معاوية إلى رجل فقال : هذا غريب ، وهو من أهل واسط ، وهو معلّم ، وهو يطلب عبداً له آبق، فوجدوا الأمر كما قال، فسألوه فقال : رأيته يمشي ويلتفت فعلمت أنه غريب ، ورأيته وعلى ثوبه حمرة تربة واسط ، فعلمت أنه من أهلها ، ورأيته يمر بالصبيان فيسلم عليهم ولا يسلم على الرجال فعلمت أنه معلم ، ورأيته إذا مر بذي هيئة حسنة لم يلتفت إليه ، وإذا مر بذي ملابس رثّة تأمله ، فعلمت أنه يطلب عبدا آبقا ".
وذكروا عن المنصور أن رجلا جاءه فأخبره أنه خرج في تجارة فكسب مالا ، فدفعه إلى امرأته ، ثم طلبه منها ، فذكرت أنه سرق من البيت ولم ير نقباً ولا علامة على ذلك ، فقال المنصور : " منذ كم تزوجتها ؟ " ، قال : " منذ سنة " ، قال : " بكرا أو ثيبا؟ " ، قال : " ثيبا " ، قال : " فلها ولد من غيرك؟ "، قال : " لا "، فدعا له المنصور بقارورة طيب كان حاد الرائحة وغريب النوع ، فدفعها إليه وقال له : " تطيّب من هذا الطيب ؛ فإنه يذهب غمّك " . فلما خرج الرجل من عنده قال المنصور لأربعة من ثقاته : " ليقعد على كل باب من أبواب المدينة واحد منكم ، فمن شمّ منكم رائحة هذا الطيب من أحد فليأت به "، وخرج الرجل بالطيب فدفعه إلى امرأته ، فلما شمّته بعثت منه إلى رجل كانت تحبه ، وقد كانت دفعت إليه المال ، فتطيّب من العطر ، ومرّ مجتازا ببعض أبواب المدينة ، فشمّ الموكّل بالباب رائحته عليه فأتى به المنصور ، فسأله : " من أين لك هذا الطيب ؟ " ، فلجلج في كلامه ، فدفعه إلى والي الشرطة فقال : " إن أحضر لك كذا وكذا من المال فخلّ عنه وإلا اضربه ألف سوط "، فلما جرّدوه للضرب أحضر المال على هيأته ، فدعا المنصور صاحب المال فقال: " أرأيت إن رددت عليك المال تحكّمني في امرأتك ؟ "، قال : " نعم " ، فقال له المنصور : " هذا مالك ، وقد طلقت المرأة منك ".
وقال أبو علي التنوخي : " بلغني عن المعتضد أنه كان جالسا في بيت يُبنى له ، فرأى فيهم غلاما أسود منكر الخلقة يصعد السلالم درجتين درجتين ، ويحمل ضعف ما يحمله غيره ، فأنكر ذلك وطلبه ، وسأله عن سبب ذلك ، فتلجلج فكلمه ابن حمدون فيه وقال : من هذا حتى صرفت فكرك إليه ؟ قال : قد وقع في خلدي أمر لا أحسبه باطلا . ثم أمر به فضُرب مئة وتهدده بالقتل ، ودعا بالنطع والسيف ، فقال الغلام : الأمان الأمان ؛ أنا أعمل في الفرن ، فدخل من شهور رجل معه دنانير فأخرجها ، فوثبت عليه وسددت فاه وكتفته وألقيته في الأتون - والذهب معي - يقوى به قلبي . فأخذ منه المعتضد الكيس الذي فيه الدنانير ، وإذا على الكيس اسم صاحبه ، فنودي في البلد عن صاحب الكيس ، فجاءت امرأة فقالت : هو زوجي ولي منه طفل . فسلم الذهب إليها ، وقتل ذلك الغلام " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:50 PM
مع السلف في وصاياهم
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : " عليك بتقوى الله ؛ فإنه رأس كل شيء ، وعليك بالجهاد ؛ فإنه رهبانية الإسلام ، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن ؛ فإنه روحك في أهل السماء وذكرك في أهل الأرض ، وعليك بالصمت إلا في حق ؛ فإنك تغلب الشيطان " .
عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال : " أوصيكم بتقوى الله ، وأوصيكم بالقرآن ؛ فإنه نور بالليل المظلم ؛ و هدى بالنهار ، فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة ، فإن عرض لك بلاء فقدّم مالك دون دينك ، فإن تجاوز البلاء فقدم مالك ونفسك دون دينك ، فإن المسلوب من سُلب دينه ، واعلم أنه لا فقر بعد الجنة ، ولا غنى بعد النار ".
قال الإمام موفق الدين البغدادي : " ينبغي أن تكون سيرتك سيرة الصدر الأول ، فاقرأ السيرة النبوية ، وتتبع أفعال نبيك ، واقتف آثاره وتشبه به ما أمكنك . من لم يحتمل ألم التعلم لم يذق لذة العلم ، ومن لم يكدح لم يفلح . إذا خلوت من التعلم والتفكر فحرك لسانك بالذكر ، خاصة عند النوم ، وإذا حدث لك فرح بالدنيا فاذكر الموت وسرعة الزوال وكثرة المنغصات . وإذا حزبك أمر فاسترجع ، وإذا اعترتك غفلة فاستغفر ، واعلم أن للدين عبقا تدل على صاحبها ، ونورا وضيئا يشرف عليه ويدل عليه . يا محيي القلوب الميتة بالإيمان خذ بأيدينا من مهواة الهلكة ، وطهرنا من درن الدنيا بالإخلاص لك " .
قال وهيب بن الورد : " لا يكون هم أحدكم في كثرة العمل ، ولكن ليكن همّه في إحكامه وتحسينه ؛ فإن العبد قد يصلي وهو يعصي الله في صلاته ، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه " . وقال أيضا : " اتق الله أن تسبّ إبليس في العلانية ، وأنت صديقه في السرّ " .
عن معروف الكرخي قال : " من كابر الله صرعه ، ومن نازعه قمعه ، ومن ماكره خدعه ، ومن توكل عليه منعه ، ومن تواضع له رفعه . كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله ، وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عنه باب العمل ، وفتح عليه باب الجدل ".
عن الإمام وهب بن منبّه قال : " قرأت في بعض الكتب : يابن آدم ، لا خير لك في أن تعلم ما تجهله وأنت لم تعمل بما علمت ؛ فإن مثل ذلك كرجل احتطب حطبا ، فحزم حزمة فذهب يحملها فعجز عنها ، فضم إليها أخرى ".
عن الإمام الحسن البصري قال : " المؤمن أحسن الناس عملا ، وأشد الناس وجلا ، فلو أنفق جبلا من مال ، ما أمن العذاب ، لا يزداد صلاحا وبرا إلا ازداد خوفا من ربه ، والمنافق يقول : سواد الناس كثير ، وسيغفرُ لي ، ولا بأس عليّ . فيسيء العمل ويتمنّى على الله الأماني ".
وقال أبو حفص الحداد : " من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ، ولم يخالفها فى جميع الأحوال ، ولم يجرّها إلى مكروهها فى سائر أيامه كان مغرورا ، ومن نظر إليها باستحسان فقد أهلكها ، وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه ؟ ، والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم : يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم الخليل عليهم السلام يقول : { وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } ( يوسف : 53 ) " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:51 PM
مع السلف في الصيام
عن الواقدي : " كان الإمام ابن أبي ذئب يصلي الليل أجمع ، ويجتهد في العبادة ، ولو قيل له إن القيامة تقوم غدا : ما كان فيه مزيد من الاجتهاد ، أخبرني أخوه عن حاله أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما ، ثم سرد الصوم بعد ذلك " .
عن محمد بن عبد الأعلى قال: " قال لي معتمر بن سليمان : لولا أنك من أهلي ما حدثتك بهذا ، لقد مكث أبي أربعين سنة يصوم يوما ويفطر يوما ، ويصلي صلاة الفجر بوضوء عشاء الآخرة ".
قال جماعة من شيوخ قزوين : " لم ير أبو الحسن رحمه الله مثل نفسه في الفضل والزهد ، أدام الصيام ثلاثين سنة ، وكان يفطر على الخبز والملح ، وفضائله أكثر من أن تعد ".
عن عطية بن قيس قال : " دخل ناس من أهل دمشق على أبي مسلم وهو غاز في أرض الروم ، وقد احتفر حفرة في فسطاطه ، وجعل فيها الماء كي يتبرد به من الصيام ، فقالوا : " ما حملك على الصيام وأنت مسافر ؟ " ، فقال : " إذا حضر القتال أفطرت وتهيأت له وتقويت ؛ إن الخيل لا تجري الغايات وهن بُدن ، إنما تجرى وهن ضمر ، ألا وإن أيامنا باقية جائية لها نعمل " .
عن ابن أبي عدي قال : " صام داودبن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله ، وكان خرازا يحمل معه غداءه من عندهم ، فيتصدق به في الطريق ، ويرجع عشيا فيفطر معهم " . يقول الحافظ ابن الجوزي معلقا : " يظن أهل السوق أنه قد أكل في البيت ، ويظن أهله أنه قد أكل في السوق " .
وسئل معروف الكرخي : " كيف تصوم ؟ " ، فغالط السائل وقال : " صوم نبينا صلى الله عليه وسلم كان كذا وكذا ، وصوم داود عليه السلام كذا وكذا " ، فألحّ عليه ، فقال : " أُصبح دهري صائما ، فمن دعاني أكلت ، ولم أقل إني صائم " .
ذكر علماء التراجم في سيرة نفسية بنت الحسن أنها تكثر من الصيام ، حتى قيل لها : " ترفّقي بنفسك – لكثرة ما رأوا منها - ، فقالت : كيف أرفق بنفسي ؟ وأمامي عقبة لا يقطعها إلا الفائزون . وقد توفيت وهي صائمة ، ويوم وفاتها ألزموها الفطر ، فقالت : واعجباه ! ، أنا منذ ثلاثين سنة أسأل الله تعالى أن ألقاه صائمة ، أأفطر الآن ؟ ، هذا لا يكون . حتى فاضت روحها .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:52 PM
مع السلف في حفظ الوقت
قيل ل عمر بن عبدالعزيز يوماً : - " أخر هذا العمل إلى الغد " ، فقال :" ويحكم ؛ إنه يعجزني عمل يوم واحد ، فكيف أصنع إذا اجتمع على عمل يومين ؟ " ومن أقواله : " إن الليل والنهار يعملان فيك ، فاعمل فيهما " .
قال داود الطائي : " إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة ، حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم ، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل ؛ فإن انقطاع السفر عن قريب هو ، والأمر أعجل من ذلك ، فتزود لسفرك ، واقض ما أنت قاض من أمرك " .
وقال أحد الصالحين لتلاميذه: " إذا خرجتم من المسجد فتفرقوا لتقرؤوا القرآن، وتسبحوا الله، فإنكم إذا اجتمعتم في الطريق، تكلمتم وضاعت أوقاتكم ".
وعن قال موسى بن إسماعيل قال : " كان حماد بن سلمة مشغولا وقته كله ، إما أن يحدث أو يقرأ ، أو يسبح أو يصلي ، قد قسم النهار على ذلك ".
ذكر علماء التراجم في سيرة الجنيد بن محمد ، أنه حين أتته سكرات الموت ، أخذ يقرأ القرآن ، فأتى الناس - قرابته وجيرانه- يحدّثونه وهو في مرض الموت ، فسكت وما حدثهم ، واستمر في قراءته ، فقال له ابنه : " يا أبتاه! أفي هذه الساعة تقرأ القرآن؟! " . فقال : " ومن أحوج الناس مني بالعمل الصالح؟ ، فأخذ يقرأ ويقرأ حتى قُبضت روحه .
كان معروف الكرخي يعتمر ، فأتى من يقص شارب معروف الكرخي ، فحلق رأسه ، ثم قال للقصاص: " خذ من شاربي "، فأخذ معروف يسبح الله ، فقال له القصاص: " أنا أقص شفتك ، اسكت " ، قال: " أنت تعمل، وأنا أعمل "، وذكروا عنه أنه ما رئي إلا متمتماً بذكر الله، ويقولون : كان إذا نام عند أهله سبّح ، فلا يستطيعون النوم .
وعن ابن عساكر قال : " كان الإمام سليم بن أيوب لا يدع وقتا يمضي بغير فائدة ، إما ينسخ أو يدرس أو يقرأ ، وكان إذا أراد أن يعدّ القلم للكتابة حرّك شفتيه بالذكر حتى ينتهي من ذلك " .
قال الإمام ابن عقيل : " إني لا يحل لي أن أضيّع ساعة من عمري ، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة ، وبصري عن مطالعة ، أعملت فكري في حال راحتي وأنا على الفراش ، فلا أنهض إلا وخطر لي ما أسطره . وإني لأجد من حرص على العلم وأنا في الثمانين من عمري أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة ، وأنا أقصّر بغاية جهدي أوقات أكلي ، حتى أختار سفّ الكعك وتحسّيه بالماء على الخبز ، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ ، وإن أجلّ تحصيل عند العقلاء – بإجماع العلماء – هو الوقت ، فهو غنيمة تنتهز فيها الفرص ، فالتكاليف كثيرة ، والأوقات خاطفة " .
وقال الإمام ابن القيم : "إضاعة الوقت أشد من الموت ؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة ، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها" .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:52 PM
مع السلف في العفو
روى ميمون بن مهران أن جارية له جاءت بمرقة ، فعثرت فصبت المرقة عليه ، فأراد ميمون أن يضربها ، فقالت الجارية: " يا مولاي ، استعمل قول الله تعالى: {والكاظمين الغيظ} . فقال: " قد فعلت "، فقالت: " اعمل بما بعده " : { والعافين عن الناس } قال: " قد عفوت "، فقالت: " اعمل بما بعده " { والله يحب المحسنين } فقال ميمون : " أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله تعالى " .
وذكر عن بعض المتقدمين أنه كان له فرس وكان معجباً به، فجاء ذات يوم فوجده على ثلاث قوائم فقال لغلامه: " من صنع به هذا ؟ " فقال: " أنا "، قال: " لم؟ " قال: " أردت أن أغمّك ". قال: " لا جرم، لأغمن من أمرك به -يعني الشيطان- اذهب فأنت حر والفرس لك ".
وكان أحد السلف يوم يخرج من بيته يقول بما معناه: " اللهم قد أحللت عرضي من كل عبد " . أي أني أعفو وأسامح كل من استباح عرضي من شتم أو سب أو استهزاء وغيره
وذكر علماء التراجم أن ابن عون كان له ناقة يغزو عليها ويحج ، وكان بها معجبا ، فأمر غلاما له يستقي عليها ، فجاء بها وقد ضربهاعلى وجهها ، فسالت عينها على خدها ، فقال بعضهم : " إن كان من ابن عون شيء فاليوم "، فلم يلبث أن نزل ، فلما نظر إلى الناقة قال : " سبحان الله!! ، أفلا غير الوجه بارك الله فيك ؟ ، اخرج عني واشهدوا أنه حر " .
عن علي بن زيد قال : " أغلظ رجل من قريش القول ، وذلك عند أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز ، فأطرق عمر رأسه طويلا ، ثم قال : أردتَ أن يستفزني الشيطان بعزّ السلطان ، فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا ؟ ، انصرف رحمك الله " .
وكان ل عمر بن عبدالعزيز ولد من فاطمة ، فخرج يلعب مع الغلمان ، فشجّه غلام فاحتملوه هو وابن عمر فأدخلوهما على فاطمة ، فسمع عمر الجلبة وهو في بيت آخر فخرج ، وجاءت امرأة فقالت : " إن الغلام ابني ، وهو يتيم يا أمير المؤمنين ". فقال لها : " أله عطاء في بيت مال المسلمين ؟ " ، قالت : " لا ". فقال : " اكتبوا له عطاء " ، وعفا عنه .
عن الأحنف بن قيس قال : " ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم ، لأنه قتل ابن أخ له بعض بنيه ، فأتي بالقاتل مكتوفا يقاد اليه ، فقال : ذعرتم الفتى ! ، ثم أقبل على الفتى فقال: يا بني ، بئس ما صنعت ، نقصت عددك، وأوهنت عضدك، وأشمت عدوك ، وأسأت بقومك، خلوا سبيله، واحملوا إلى أمّ المقتول ديته، فإنها غريبة . ثم انصرف القاتل وما حل قيس حبوته ، ولا تغير وجهه " .
قال الإمام ابن سماعة : " سمعت الإمام أحمد بن حنبل يقول : كل من ذكرني ففي حلّ إلا مبتدعا ، وقد جعلت أبا إسحاق - يعني المعتصم - في حلّ ، فقد رأيت الله يقول : { وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم } ( النور : 22 ) ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قصة مسطح ، وما ينفعك أن يعذب الله اخاك المسلم في سببك ؟ ".
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:53 PM
مع السلف في كراماتهم
عن عبيد الله بن أبي جعفر قال : " غزونا القسطنطينية ، فكُسر بنا مركبنا ، فألقانا الموج على خشبة في البحر - وكنا خمسة أو ستة - فأنبت الله لنا بعددنا ورقة لكل رجل منا ، فكنا نمصّها فتشبعنا وتروينا ، فإذا أمسينا أنبت الله لنا مكانها ، حتى مر بنا مركب فحملنا " .
قال ابن مسدي عن الإمام أبو محمد الروابطي : " ... له كرامات ، أُسر إلى " طرطوشة " وقيدوه ، فقام النصراني ليلة فرآه يصلي وقيده إلى جنبه ؛ فتعجب من ذلك ، فلما أصبح رأى قيده في رجله ، فرقبه ثاني ليلة فكذلك ، فذهب فأخبر القسيس فقالوا : أحضره . فجاء به وجرت بينه وبينهم محاورة ، ثم قالوا : لايحل أن نأسرك ، فاذهب إلى حال سبيلك ".
قال الإمام الزبيدي : " خرجت إلى المدينة لوحدي ، فآواني الليل إلى جبل ، فصعدته وناديت : اللهم إني الليلة ضيفُك ، ثم أتاني صوت يناديني : مرحبا بضيف الله ، إنك مع طلوع الشمس تمر بقوم على بئر يأكلون خبزا وتمرا ، فإذا دعوك فأجب . فسرتُ من الغد فلاحت لي بئر فجئتها ، فوجدت عندها قوما يأكلون خبزا وتمرا ، فدعوني فأجبتُ " .
قال أبو الفضل : " حكي أنه طلع إصبع زائد في يد ولد من أولاد الرؤساء ، فاشتد ألمه له ، فدخل عليه ابن الخاضبة فمسح عليها وقال : أمرها يسير ، فلما كان الليل نام الغلام وانتبه فوجدها قد سقطت ".
عن عمر المحمودي قال : " لما مات الوخشي كنتُ غلاما ، فلما وضعوه في القبر خرجت الحشرات من المقبرة - وكان في طرفها واد - فذهبت إليه الحشرات ، والناس لا يعرضون لها ".
عن سليمان بن يزيد : أن الإمام علي بن أبي طاهر لما رحل إلى الشام وكتب الحديث ، جعل كتبه في صندوق وأوثقه ، وركب البحر فاضطربت السفينة وماجت ، فألقى الصندوق في البحر ، ثم سكنت السفينة ، فلما خرج منها أقام على الساحل ثلاثا يدعو الله ، ثم سجد في الليلة الثالثة وقال : " اللهم إن كان طلبي ذلك لوجهك وحب رسولك فأغثني برد ذلك " . فرفع رأسه فإذا بالصندوق ملقى عنده ، فقدم علينا وأقام برهة ، ثم قصدوه لسماع الحديث فامتنع عن ذلك ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له : " يا علي ، من عامل الله بما عاملك به على شط البحر ، لا تمتنع من رواية أحاديثي " فتاب إلى الله ، وعاد إلى الرواية .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:54 PM
مع السلف في قراءة القرآن
عن عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن السلمي قال : " أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن ، فكنا نتعلم القرآن والعمل به ، وسيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء ، لا يجاوز تراقيهم " .
عن إبراهيم قال : " كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين ، وكان ينام بين المغرب والعشاء ، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال .
عن ابن شذوب قال : كان عروة بن الزبير يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف نظرا ، ويقوم به الليل ، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله ، وكان وقع فيها الآكله فنُشرت .
قال سلام بن أبي مطيع : " كان قتادة يختم القرآن في سبع ، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ، فإذا جاء العشر ختم كل ليلة .
وروى إسحاق المسيبي عن نافع قال : " لما غسل أبو جعفر القاريء ، نظروا ما بين نحره إلى فؤاده كورقة المصحف ، فما شك من حضره أنه نور القرآن .
قال يحيى الحماني : " لما حضرت أبا بكر بن عياش الوفاة بكت أخته ، فقال لها : ما يبكيك ؟ ، انظري إلى تلك الزاوية ، فقد ختم أخوك فيها ثمانية عشر ألف ختمة " .
وقال أحمد بن ثعلبة : سمعت سلم بن ميمون الخواص يقول : " قلت لنفسي : يا نفس ، اقرئي القرآن كأنك سمعتيه من الله حين تكلم به ، فجاءت الحلاوة " .
عن الأعمش قال : " كان يحيى بن وثّاب من أحسن الناس قراءة ، ربما اشتهيت أن أقبل رأسه من حسن قراءته ، وكان إذا قرأ لا تسمع في المسجد حركة ، كأن ليس في المسجد أحد " .
قال أبا بكر بن الحداد : " أخذت نفسي بما رواه الربيع عن الشافعي أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلاة ، فأكثر ما قدرت عليه تسعا وخمسين ختمة ، وأتيت في غير رمضان بثلاثين ختمة " .
أحمد سعد الدين
22-12-2004, 11:55 PM
مع السلف في الصبر
عن هشام بن عروة بن الزبير ، أن أباه خرج إلى الوليد بن عبد الملك ، حتى إذا كان بوادي القرى وجد في رجله شيئا ، فظهرت به قرحة ، ثم ترقى به الوجع ، وقدم على الوليد وهو في محمل ، فقال : " يا أبا عبد الله اقطعها " ، قال : " دونك " . فدعا له الطبيب ، وقال : " اشرب شيئا كي لا تشعر بالوجع " ، فلم يفعل ، فقطعها من نصف الساق ، فما زاد أن يقول : حس حس . فقال الوليد : " ما رأيت شيخا قط أصبر من هذا ". وأصيب عروة بابنه محمد في ذلك السفر ، إذ ركضته بغلة في اصطبل ، فلم يسمع منه في ذلك كلمة ، فلما كان بوادي القرى قال : " { لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } ( الكهف : 62 ) : اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ستة ، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفا وأبقيت ثلاثة ، ولئن ابتليت لقد عافيت ولئن أخذت لقد أبقيت " .
قال عبد الله بن محمد : " خرجت الى ساحل البحر مرابطا ، فلما انتهيت إلى الساحل إذا أنا بخيمة فيها رجل قد ذهب يداه ورجلاه ، وثقل سمعه وبصره ، وما له من جارحة تنفعه إلا لسانه وهو يقول : اللهم أوزعنى أن أحمدك حمدا أكافىء به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ ، وفضلتنى على كثير ممن خلقت تفضيلا ، فقلت : والله لآتين هذا الرجل ولأسألنه أنّى له هذا الكلام ، فأتيت الرجل فسلمت عليه فقلت : سمعتك وأنت تقول اللهم أوزعنى أن أحمدك حمدا أكافىء به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ وفضلتنى على كثير من خلقت تفضيلا ، فأيّ نعمة من نعم الله عليك تحمده عليها !؟ ، وأي فضيله تفضل بها عليك تشكره عليها !!؟ ، قال : أوما ترى ما صنع ربي!! والله لو أرسل السماء علي نارا فأحرقتني ، وأمر الجبال فدمرتني ، وأمر البحار فغرّقتني ، وأمر الأرض فبلعتني ، ما ازددت لربى إلا شكرا ؛ لما أنعم علي من لساني هذا ، ولكن يا عبد الله إذ أتيتني فإن لي إليك حاجة ، قد تراني على أي حالة أنا ، أنا لست أقدر لنفسي على ضر ولا نفع ، ولقد كان معي ابن لي يتعاهدني في وقت صلاتي فيوضّيني ، وإذا جعت أطعمني ، وإذا عطشت سقاني ، ولقد فقدته منذ ثلاثة أيام ، فتحسّسه لي رحمك الله . فقلت : والله ما مشي خلق في حاجة خلق كان أعظم عند الله أجرا ممن يمشي في حاجة مثلك . فمضيت في طلب الغلام ، فما مضيت غير بعيد حتى صرت بين كثبان من الرمل ، فإذا أنا بالغلام قد افترسه سبع وأكل لحمه ، فاسترجعت وقلت : بأي شيء أخبر صاحبنا ؟ فبينما أنا مقبل نحوه إذ خطر على قلبي ذكر أيوب النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أتيته سلمت عليه ، فرد عليّ السلام ، فقال : ألست بصاحبي ؟ ، قلت : بلى ، قال : ما فعلت في حاجتي ؟ ، فقلت : أنت أكرم على الله أم أيوب النبي ؟ ، قال : بل أيوب النبي !! ، قلت : هل علمت ما صنع به ربه ؟ أليس قد ابتلاه بماله وآله وولده ؟ ، قال : بلى ، قلت : فكيف وجده ؟ ، قال : وجده صابرا شاكرا حامدا ، قلت : لم يرض منه ذلك حتى أوحش من أقربائه وأحبائه ؟ ، قال : نعم ، قلت : فكيف وجده ربه ؟ ، قال : وجده صابرا شاكرا حامدا ، قلت : فلم يرض منه بذلك حتى صيره عرضا لمار الطريق ، هل علمت ذلك ؟ ، قال : نعم ، قلت : فكيف وجده ربه ؟ ، قال : صابرا شاكرا حامدا ، أوجز رحمك الله !! قلت له : إن الغلام الذي أرسلتني في طلبه وجدته بين كثبان الرمل ، وقد افترسه سبع فأكل لحمه ؛ فأعظم الله لك الأجر ، وألهمك الصبر ، فقال المبتلى : الحمد لله الذي لم يخلق من ذريتي خلقا يعصيه فيعذبه بالنار . ثم استرجع وشهق شهقة فمات . فقلت : إنا لله وانا اليه راجعون ، عظمت مصيبتي في رجل مثل هذا ، إن تركته أكلته السباع ، وإن قعدت لم أقدر له على ضر ولا نفع ، فسجّيته بشملة كانت عليه ، وقعدت عند رأسه باكيا ، فبينما أنا قاعد إذ جاء أربعة رجال فقالوا : يا عبد الله ، ما حالك ؟ وما قصتك ؟ ، فقصصت عليهم قصتي وقصته ، فقالوا لي اكشف لنا عن وجهه ؛ فعسى أن نعرفه . فكشفت عن وجهه ، فانكب القوم عليه يقبلون عينيه مرة ويديه أخرى ، ويقولون : بأبي عين طالما غضت عن محارم الله ، وبأبي وجسمه طالما كنت ساجدا والناس نيام ، فقلت : من هذا يرحمكم الله ؟ فقالوا : هذا أبو قلابه الجرمي صاحب ابن عباس ، لقد كان شديد الحب لله وللنبي صلى الله عليه وسلم . فغسلناه وكفناه بأثواب كانت معنا ، وصلينا عليه ودفناه ، فانصرف القوم وانصرفت إلى رباطي ، فلما أن جن علي الليل وضعت رأسي ، فرأيته فيما يرى النائم في روضة من رياض الجنة وعليه حلتان من حلل الجنة ، وهو يتلو الوحي : { سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 24 ) ، فقلت : ألست بصاحبي ؟ ، قال : بلى ، قلت : أنّى لك هذا ؟ ، قال : إن لله درجات لا تنال إلا بالصبر عند البلاء ، والشكر عند الرخاء ، مع خشية الله عز وجل في السر والعلانية " .
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir