المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أهوال القبور ‏للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه ‏الله



أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ الإمام العالم العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن رجب ‏رحمه الله تعالى :‏

الحمد لله الذي أسكن عباده هذه الدار , وجعلها لهم منزلة سفر من الأسفار , وجعل الدار الآخرة ‏هي دار القرار ، وجعل بين الدنيا والآخرة برزخاً يدلّ على فناء الدنيا باعتبار ، وهو في الحقيقة إما ‏روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار ، ويرفق بعباده ‏الأبرار في جميع الأقطار وسبق رحمته بعباده غضبه ، وهو الرحيم الغفار ، أحمده على نعمه الغزار ، ‏وأشكره ، وفضله على من شكر مدرار ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار ، ‏وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المختار ، الرسول المبعوث بالتيسير والإنذار ، صلى الله عليه ‏وسلم وعلى آله و صحبه صلاة تتجدد بركاتها بالعشي والأبكار .‏

أما بعد : فإن الله سبحانه وتعالى خلق بني آدم للبقاء لا للفناء ، وإنما ينقلهم بعد خلقهم من دار إلى ‏دار ، كما قال ذلك طائفة من السلف الأخيار ، منهم بلال بن سعد ، وعمر بن عبد العزيز رضي ‏الله عنهما ، فأسكنهما في هذه الدار ، ليبلوهم أيُّهم أحسن عملاً ، ثم ينقلهم إلى دار البرزخ ‏فيحبسهم هنالك إلى أن يجمعهم يوم القيامة ويجزي كل عاملٍ جزاء عمله مفصّلاً هذا مع أنهم في دار ‏البرزخ بأعمالهم مدانون مكافؤن ، فمكرَّمون بإحسانهم وبإساءتهم مهانون ، قال الله سبحانه وتعالى : ‏‏{ ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } قال مجاهد : البرزخ الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا ، ‏وعنه قال : هو ما بين الموت إلى البعث ، قال الحسن : هي هذه القبور التي بينكم وبين الآخرة ، ‏وعنه قال أبو هريرة : هي هذه القبور التي تركضون عليها لايسمعون الصوت , وقال عطاء الخرساني ‏‏: البرزخ مدة ما بين الدنيا والآخرة , وصلى أبو أمامة على جنازة فلما وضعت في لحدها , قال ‏أبوأمامة : هذا برزخ إلى يوم يبعثون .‏
وقيل للشَّعبي مات فلان قال : ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة هو في برزخ ، وسمع رجلا يقول : ‏مات فلان أصبح من أهل الآخرة . قال : لا تقل من أهل الآخرة ! ولكن قل من أهل القبور . ‏

وقد سألني بعض الإخوان الصالحين أن أجمع لهم ما ورد من أخبار البرزخ وأحوال الموتى الذاهبين ، ‏فإن في سماع ذلك للقلوب عظة ، وهو يحدث لأهل الغفلة الانتباه واليقظة ، فاستخرت الله تعالى في ‏جمع ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة وأخبار سلف الأمة ، وما ورد في الاتعاظ بالقبور وكلام ‏الحكماء من منظوم ومنثور ، كل ذلك على وجه الاختصار ، لأن استيعاب ذلك يوجب الملل للإطالة ‏والإكثار .‏

والله المسؤول أن يجعلنا ممن يبادر الفوت ، ويراقب الموت ويتأهب للرحلة قبل الممات ، وينتفع بما ‏سمع من العظات بمنَّه وكرمه .‏

وقد قسمته ثلاثة عشر باباً ، والله المسؤول أن يجعله عملاً خالصاً صواباً :‏

الباب الأول : في ذكر حال الميِّت عند نزوله قبره وسؤال الملائكة له وما يفسح له في قبره أو يضيق ‏عليه وما يرى من منزله في الجنة أو في النار .‏
الباب الثاني : في ذكر كلام القبر عند نزوله إليه .‏
الباب الثالث : في اجتماع الموتى إلى الميت عند موته وسؤالهم إياه .‏
الباب الرابع : في اجتماع أعمال الميت إليه من خير أو شر ومدافعتها عنه وكلامها له وما ورد من ‏تحسر الموتى على انقطاع أعمالهم ومن أكرم منهم ببقاء عمله عليه .‏
الباب الخامس : في عرض منازل أهل القبور عليهم من الجنَّة أو النار بكرةً وعشياً .‏
الباب السادس : في ذكر عذاب القبر ونعيمه .‏
الباب السابع : في ما ورد من تلاقي أرواح الموتى في البرزخ وتزاورهم .‏
الباب الثامن : في ما ورد من سماع الموتى كلام الأحياء ومعرفتهم بمن يسلم عليهم ويزورهم ‏ومعرفتهم بحالهم بعد الموت وبحال أقاربهم في الدنيا .‏
الباب التاسع : في ذكر محل أرواح الموتى في البرزخ .‏
الباب العاشر : في ذكر القبور وظلمتها على أهلها وتنويرها عليهم بدعاء الأحياء وما ورد من حاجة ‏الموتى إلى دعاء الأحياء وانتظارهم لذلك .‏
الباب الثالث عشر : في ذكر كلمات منتخبة من كلام السلف الصالح في الاتعاظ بالقبور ، وما ورد ‏عنهم في ذلك من منظوم ومنثور .‏

وسميته كتاب : " أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور " .‏

والله المسؤول أن يجعله خالصاً لوجهه مقرباً إليه نافعاً في الدنيا و الآخرة لجامعه ومن وقف عليه ؛ إنه ‏أكرم المسؤولين وأعظم المأمولين .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:37 PM
الباب الأول

في ذكر حال الميت عند نزوله قبره وسؤال الملائكة له وما يفسح له في قبره أو يضيق عليه وما ‏يرى من منزله في الجنة أو النار

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:38 PM
‏1- قال الله تعالى :{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة ويضل الله ‏الظالمين ويفعل الله ما يشاء } وخرجا في الصحيحين من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه ، عن ‏النبي صلى الله عليه وسلم قال :{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } نزلت في عذاب القبر ، ‏زاد مسلم : "يقال له : من ربك ؟ فيقول ربي الله ونبيي محمد ، فذلك قوله سبحانه وتعالى :{ يثبت ‏الله الذين آمنوا بالقول الثابت } .‏
‏2- وفي رواية للبخاري قال : إذا أُقعد [ العبد ] المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن ‏محمداً رسول الله فذلك قوله :{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت [ في الحياة الدنيا و في الآخرة ‏‏] } .‏
‏3- وخرج الطبراني من حديث البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يقال ‏للكافر : من ربك ؟ فيقول : لا أدري ، فهو تلك الساعة أصم أعمى أبكم ، فيضرب بمرزبة لو ‏ضرب بها جبل صار تراباً فيسمعها كل شيء غير الثقلين " ، قال : وقرأ رسول الله - صلى الله عليه ‏وسلم - { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة ويضل الله الظالمين ‏ويفعل الله ما يشاء } . ‏
‏4- وخرج أبو داود من حديث المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب ، عن النبي - صلى ‏الله عليه وسلم – قال : " إنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولَّوا مدبرين حين يقال له : من ربك ؟ وما ‏دينك ؟ ومن نبيك ؟ ، " وفي رواية له قال : ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول ‏‏: ربي الله فيقولان ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ ‏فيقول: هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقولان له : وما يدريك ، فيقول قرأت كتاب الله ، ‏فآمنت به وصدقت ، " وفي رواية له " فذلك قوله عز وجل { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ‏في الحياة الدنيا وفي الآخرة } الآية . قال : فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من ‏الجنة ، وافتحوا له باباً الى الجنة وألبسوه من الجنة ، قال : فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره ‏مد بصره " قال : وذكر الكافر قال " وتعاد روحه إلى جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : ‏من ربك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري ، فيقولان له: ما دينك فيقول : هاه هاه لا أدري ، فينادي ‏مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار قال : فيأتيه من حرِّها ‏وسمومها ، " قال "ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه " . ‏
وفي رواية له " ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار تراباً " قال: ‏فيضربه ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين ، فيصير تراباً " قال " ثم تعاد فيه الروح " .‏
‏5- وخرجه النسائي وابن ماجة مختصراً ، وخرجه الإمام أحمد بسياق مطول والحاكم وقال على ‏شرط الشيخين . وفي رواية للإمام أحمد " ثم يقيض له أعمى أبكم أصم في يده مرزبة لو ضرب بها ‏جبل كان تراباً فيضربه ضربة فيصير تراباً ثم يعيده الله كما كان . فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة ‏يسمعها كل شيء إلا الثقلين " .‏
قال البراء بن عازب : " ثم يفتح له باب إلى النار ويمهد له من فرش النار " كذا خرجه من رواية ‏يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو .‏
‏6- وخرجه ابن مندة من هذا الوجه أيضاً وزاد في حديثه " لو اجتمع عليها الثقلان ليقلبوها لم ‏يستطيعوا فيضربه بها ضربة يصير تراباً ، وتعاد فيه الروح فيضربه بين عينيه ضربة فيسمعها من على ‏الأرض ليس الثقلين فينادي مناد : أن افرشوا له لو حين من نار وافتحوا له باباً إلى النار " .‏
‏7 –وخرجه أيضاً من طريق عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب عن النبي - ‏صلى الله عليه وسلم - وقال فيه في حق المؤمن " فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما و (( ‏يفحصان )) الأرض بأشعارهما فيجلسانه " .‏
وذكر في الكافر مثل ذلك وزاد فيه " أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف " وقال ‏‏" فيضربانه بمزربة من حديد لو اجتمع عليها ما بين الخافقين لم تقدر تقل " .‏
‏8 – وخرجا في الصحيحين من حديث قتادة عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ‏‏" إن العبد إذا وضع في قبره وتولى أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان : ما ‏كنت تقول في هذا الرجل ؟ لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ‏ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار ، قد أبدلك الله به مقعداً من ‏الجنة قال : فيراهما جميعاً " قال وذكر لنا أنه يفسح له في قبره مد بصره ثم رجع إلى حديث أنس قال ‏‏" وأما المنافق والكافر فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول ‏الناس ، فيقال لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضرب فيصيح صيحة يسمها من يليه ‏غير الثقلين " . ‏
‏9 – وخرجه أبو داود بزيادات أخر منها " إن المؤمن يقال له ما كنت تعبد فإن الله هداه ، قال ‏كنت أعبد الله فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول هو عبد الله ورسوله ، فما يسأل عن ‏شيء غيرها وزاد فيه أيضاً " فيقول دعوني حتى [ أذهب ] فأبشر أهلي فيقال له أسكن " . ‏
وذكر في الكافر " إنه يسأل عما كان يعبد ثم عن هذا الرجل " . ‏
‏10- وخرجا في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ‏في خطبته يوم كسفت الشمس " ولقد أوحي إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة ‏المسيح الدجال يؤتى أحدكم ، فيقال له : ما علمك بهذا الرجل ، فأما المؤمن أو الموقن فيقول : محمد ‏رسول الله جاءنا بالبينات والهدى ، فأجبنا وآمنا واتبعنا ، فيقال له : نم صالحاً ، فقد علمنا إن كنت ‏لمؤمناً ، وأما المنافق والمرتاب فيقول : لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته " .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:39 PM
‏11 – وخرجه الإمام أحمد ولفظه : "ولقد أوحي إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم ويسأل الرجل ما ‏كنت تقول : وما كنت تعبد ؟ فإن قال : لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته ويصنعون شيئاً ‏فصنعته . قيل له أجل على شك عشت وعليه مت هذا مقعدك من النار ، وإن قال : أشهد أن لا إله ‏إلا الله وأن محمداًرسول الله ، قيل له : على اليقين عشت وعليه مت هذا مقعدك من الجنة " .‏
‏12 – وخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه ‏وسلم - قال : " إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما : المنكر ، ‏والآخر النكير ، فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول ما كان يقول : هو عبد الله ورسوله ‏أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول هذا ، ثم يفسح ‏له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين ذراعاً ، ثم ينور له فيه ، ثم يقال له : نم ، فيقول : أرجع إلى أهلي ‏فأخبرهم ، فيقولان : نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ‏ذلك ، وإن كان منافقاً قال : سمعت الناس يقولون شيئاً ، فقلت مثله لا أدري ، فيقولان : قد كنا ‏نعلم أنك تقول ذلك ، فيقال للأرض التئمي عليه ، فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه ، فلا يزال فيها ‏معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه " . ‏
‏13- وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة أيضاً عن النبي - الله عليه وسلم - قال : ‏‏[ إن الميت يصير إلى القبر ] ويجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشغوف ، ثم يقال له : فيم ‏كنت ، فيقول : كنت في الإسلام فيقال له : ما هذا الرجل ؟ فيقول محمد رسول الله - صلى الله ‏عليه وسلم - جاءنا بالبينات ممن عند الله فصدقناه فيقال له : هل رأيت الله ؟ فيقول : ما ينبغي لأحد ‏أن يرى الله فيفرج له فرجة قبل النار . فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً فيقال له : انظر إلى ما وقاك الله ‏، ثم يفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له : هذا مقعدك [ ويقال له ] على ‏اليقين كنت وعليه مت ، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى ، ويجلس الرجل السوء في قبره فزعاً مشغوفاً ‏فيقال له : فيم كنت ؟ فيقول : لا أدري ، فيقال له : ما هذا الرجل ؟ فيقول : سمعت الناس يقولون ‏قولاً فقلته فيفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له : انظر إلى ما صرف الله عنك ‏، ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً فيقال له هذا مقعدك ، على الشك كنت ‏وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله [ تعالى ] " . ‏
‏14 – وخرج الطبراني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : شهدنا مع رسول الله - صلى الله ‏عليه وسلم - جنازة فلما فرغ من دفنها وانصرف الناس قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - " إنه ‏الآن يسمع خفق نعالهم ، أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس ، وأنيابهما مثل صياصي البقر ، ‏وأصواتهما مثل الرعد ، فيجلسانه فيسألانه ما كان يعبد . ومن كان نبيه ، فإن كان ممن يعبد الله قال ‏‏: كنت أعبد الله ونبيي محمد - صلى الله عليه وسلم - جاءنا بالبينات والهدى فآمنا واتبعنا فذلك ‏قول الله تعالى { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } الآية فيقال له : على اليقين حييت وعليه ‏مت وعليه تبعث ، ثم يفتح له باب إلى الجنة ويوسع له في حفرته ، وإن كان من أهل الشك قال : لا ‏أدري ، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته . فيقال له : على الشك حييت وعليه مت وعليه تبعث ، ثم ‏يفتح له باب إلى النار ويسلط عليه عقارب وتنانين لو نفخ أحدهم في الدنيا ما أنبتت شيئاً تنهشه ‏وتؤمر الارض فتنظم حتى تختلف أضلاعه " . ‏
‏15 – وخرج الإمام أحمد من حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " قال إن هذه الأمه ‏تبتلى في قبورها فإذا دخل المؤمن قبرة وتولى عنه أصحابه جاءه ملك شديد الإنتهار فيقول له : ما ‏كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول المؤمن : إنه عبد الله ورسوله فيقول له الملك : انظر إلى مقعدك ‏من النار ، قد أنجاك الله منه وأبدلك بمقعدك الذي ترى من الجنة فيراهما كليهما فيقول المؤمن : دعوني ‏أبشِّر أهلي ؟ فيقال له : اسكن ، وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أصحابه وأهله فيقال له : ما كنت ‏تقول في هذا الرجل ؟ قال : لا أدري ، أقول ما يقول الناس . فيقال : لا دريت هذا مقعدك الذي ‏كان لك في الجنة أبدلك الله به مقعدك من النار . ‏
‏16- قال جابر : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : يبعث كل عبد على ما مات ‏عليه ، المؤمن على إيمانه ، والمنافق على نفاقه . ‏
‏17 – وأخرج ابن ماجه من حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا دخل ‏الميت القبر مثلت الشمس عند غروبها فيجلس يمسح عينيه ويقول دعوني أصلي " .‏
‏18 – وخرج الإمام أحمد أيضاً من حديث عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " وأما ‏فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسألون ، فإذا كان الرجل الصالح أجلس في قبره غير فزع ولا مشعوف ثم ‏يقال له : فيم كنت ؟ فيقول : في الإسلام ، فيقال : ما هذا الرجل الذي كان فيكم ؟ فيقول : محمد ‏رسول الله جاءنا بالبينات والهدى من عند الله فصدقناه ، فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم ‏بعضها بعضاً فيقال له انظر إلى ما وقاك الله منه ، ثم يفرج له فرجه قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما ‏فيها ، فيقال : هذا مقعدك منها ويقال له : على اليقين كنت ، وعليه مت ، وعليه تبعث إن شاء الله ‏، وإن كان الرجل السوء أجلس في قبره فزعاً مشغوفاً فيقال له فيم كنت ؟ فيقول : لا أدري فيقال : ‏ما هذا الرجل الذي كان فيكم ؟ فيقول : سمعت الناس يقولون قولاً فقلت كما قالوا ، فيفرج له ‏فرجة إلى الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها ، فيقال له : أنظر إلى ما صرف الله عنك ثم يفرج له فرجة ‏قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً ، ويقال له هذا مقعدك منها ، على الشك كنت ، وعليه مت ‏وعليه تبعث إن شاء الله ثم يعذب " .‏
‏19- وخرج الإمام أحمد أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري قال : شهدنا مع رسول الله - صلى الله ‏عليه وسلم - جنازةً فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في ‏قبورها ، فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده ، قال : ما تقول في ‏هذا الرجل ؟ فإن كان مؤمناً قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فيقول [ له ] ‏صدقت . ثم يفتح له باباً إلى النار فيقول هذا كان منزلك لو كفرت بربك ، فأما إذا آمنت بربك ‏فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إليه فيقول له : اسكن ويفسح له في قبره ، وإن ‏كان كافراً أو منافقاً فيقول له : ما تقول في هذا الرجل ؟ فيقول لا أدري ، سمعت الناس يقولون ‏شيئاً فيقول : لا دريت ولا تليت ولا اهتديت ثم يفتح له باباً إلى الجنة فيقول له : هذا منزلك لو ‏آمنت بربك ، فأما إذا كفرت به فإن الله [ عز وجل ] أبدلك [ به ] هذا ويفتح له باب إلى النار ثم ‏يقمعه قمعة بالمطراق يسمعها خلق الله [ عز وجل ] كلهم غير الثقلين " . فقال بعض القوم : يا ‏رسول الله ما أحد يقوم عليه ملك بيده مطراق إلا هيل عند ذلك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه ‏وسلم – { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } . ‏
‏20- وخرج أبو بكر الخلال في كتاب السنة من حديث عمر بن الخطاب عن النبي - صلى الله عليه ‏وسلم - أنه قال : " كيف أنت يا عمر إذا كنت من الارض في أربعة أذرع في ذراعين فرأيت منكراً ‏ونكيراً ، قلت : يا رسول الله وما منكر ونكير ، قال فتانا القبر يبحثان الأرض بأنيابهما ، ويطآن في ‏أشعارهما ، أصواتهما كالرعد القاصف ، وأبصارهما كالبرق الخاطف ، ومعهما مرزبة لو اجتمع عليها ‏أهل منى لم يقدروا رفعها هي أيسر عليهما من عصاي هذه " قال : قلت : يا رسول الله وأنا على ‏حالي هذه ؟ قال : " نعم " . فقلت : إذا أكفيكهما . وفي رواية أيضاً " فامتحناك فإن التويت ‏ضرباك ضربة صرت رماداً " وفي إسناده ضعف . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:39 PM
‏21- وخرجه الأسماعيلي من وجه آخر فيه ضعف أيضاً عن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ‏نحوه وزاد فيه " يأتيان الرجل في صورة قبيحة يطآن على شعورهما ، ويحفران الأرض بأنيابهما " وزاد ‏فيه " يقولان له : من ربك ؟ فإن كان مسلماً يقول : ربي الله , وإن كان فاجراً فيقول : لا أدري ، ‏فيضربانه ضربه لو كان جبلاً صار تراباً فيصيح صيحةً ما يبقى شيء إلا سمعها إلا الثقلين الجن ‏والإنس . فذلك قوله سبحانه وتعالى { ويلعنهم اللاعنون } .‏
‏22- وقد رويَ حديث عمر هذا من وجوه أخرى مرسلة وخرج الإمام أحمد وابن حبان في ‏صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر فتاني ‏القبر فقال عمر : أترد إلينا عقولنا يا رسول الله ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ‏كهيئتكم اليوم " فقال عمر : بفيه الحجر . ‏
‏23- وخرج أبو داوود عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال : كان النبي - صلى الله عليه - ‏إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال " استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فأنه الآن يُسأل " .‏
‏24- وفي حديث يونس عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب عن النبي - صلى الله ‏عليه وسلم - أنه ذكر سؤال المؤمن في قبره وإن الملك ينتهره قال : وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن ‏فذكر قوله تعالى { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } الآية , ‏أخرجه الإمام أحمد . ‏
‏25- وكذا رواه جرير عن الأعمش عن المنهال وفي حديثه " إن المؤمن يقول ذلك ثلاث مرات ثم ‏ينتهرانه انتهارة شديدة وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن " .‏
‏26- ورواه أبو عوانه عن الأعمش وفي حديثه " ويأتيه ملكان شديدا الانتهار " . وذكر في حق ‏الكافر والمؤمن , وقد روي عن مجاهد أن الموتى كانوا يفتنون في قبورهم سبعاً فكانوا يستحبون أن ‏يطعم عنهم تلك الأيام . ‏
‏27- وعن عبيد بن عمير قال : المؤمن يفتن سبعاً والمنافق أربعين صباحاً .‏
‏28- وقال الإمام أحمد أخبرنا يزيد بن هارون عن المسعودي عن العلاء بن الشخير حدثنا بعض ‏حفدة أبي موسى الأشعري أن أبا موسى الأشعري أوصاهم قال : إذا حفرتم فأعمقوا قعره أما أني ‏والله لأقول لكم ذلك وأني لأعلم إن كنت من أهل طاعة الله ليفسحن لي في قبري ولينور لي فيه . ثم ‏ليفتحن لي باب مساكني في الجنة فما أنا بمساكني من داري هذه بأعلم من مساكني منها ، ثم ليأتيني ‏من روحها وريحتها وريحانها . ولئن كنت من أهل المنزلة الأخرى ليضيقن علي قبري ، وليهدمنَّ على ‏الأرض ، وليفتحن الله إلى باب مساكني من النار ، فما أنا بمساكني من داري هذه بأعلم من مساكني ‏منها ، ثم ليأتيني من شرها ، وشرورها ودخانها .‏
‏29- وروى المسعودي عن عبد الله بن المخارق عن أبيه قال : قال عبد الله – يعني ابن مسعود – إن ‏المؤمن إذا مات أجلس في قبره فيقال له ، من ربك ، ما دينك ، من نبيك ؟ قال : فيثبته الله تعالى ‏فيقول : ربي الله ، وديني الإسلام و نبيي محمد - صلى الله عليه وسلم - فيوسع له في قبره ويفرج له ‏فيه ، ثم قرأ عبد الله { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } الآية .‏
‏30- وقال ابن أبي الدنيا حدثنا أحمد بن بحير حدثنا بعض أصحابنا قال : مات أخ لي فرأيته في النوم ‏فقلت له : ما حالك حين وضعت في قبرك ؟ قال : أتاني آت بشهاب من نار ، فلولا أن داعياً دعا لي ‏لرأيت أنه سيضربني .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:40 PM
فصل

وقد أطلع الله من شاء من عباده على كثير ممَّا ورد في هذه الأحاديث حتى سمعوه وشاهدوه عياناً ، ‏ونحن نذكر بعض ما بلغنا من ذلك :‏

‏31- روى شبابة بن سوار حدثنا المغيرة بن مسلم عن حصين عن عبد الله بن عبيد الأنصاري قال : ‏كنت ممن دفن ثابت بن قيس بن شماس ، وكان أصيب يوم اليمامة ، فلما أدخلناه القبر سمعناه يقول : ‏محمد رسول الله أبو بكر الصديق ، عمر الشهيد ، عثمان الرحيم ، فنظرنا فإذا هو ميت .‏
خرجه أبو عبد الله بن مجلز عن محمد بن عبد الله الأصم عن شبابة بن سوار بن محمد .‏
‏32- وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت عن خلف البزار عن خالد الطحان عن ‏حصين به ولفظه : إن رجلاً من قتلى مسيلمة تكلم فقال : محمد رسول الله ، أبو بكر الصديق ، ‏عثمان اللين الرحيم .‏
‏33-وخرجه ابن الدنيا من طريق يزيد بن طريف ، قال مات أخي فلما ألحدوه وانصرف الناس ‏وضعت رأسي على قبره فسمعت صوتاً ضعيفاً أعرف أنه صوت أخي وهو يقول الله فقال له الآخر ‏فما دينك ؟ قال : الإسلام .‏
‏34- ومن طريق العلاء بن عبد الكريم قال : مات رجل ، وكان له أخ ضعيف البصر قال أخوه : ‏فدفنّاه ، فلما انصرف الناس وضعت رأسي على القبر فإذا أنا بصوت من داخل القبر يقول : من ‏ربك ، ومن نبيك ؟ فسمعت صوت أخي وهو يقول : الله ، قال الآخر : فما دينك ؟ قال : الإسلام ‏‏.‏
‏35- وخرجه في كتاب القبور بلفظ آخر وهو : قال : فإذا أنا بصوت داخل القبر يقول : من ربك ‏ومن نبيك ؟ فسمعت أخي وعرفته وعرفت صوته قال : الله ربي ، ومحمد نبيي ثم ارتفع شبه سهم من ‏داخل القبر إلى أذني فاقشعر جلدي وانصرفت .‏
‏36- وقال أبو الحسن بن البراء العبدي في كتاب الروضة : حدثني الفضل بن سهل الأعرج قال أحمد ‏بن نصر : حدثني رجل رفعه إلى الضحاك قال :توفي أخ لي فدفن قبل أن ألحق جنازته فأتيت قبره ‏فاستمعت عليه فإذا هو يقول : ربي الله والإسلام ديني .‏
‏37- وروينا من طريق مزداد بن جميل قال : قال أبوه المغيرة ما رأيت مثل المعافي بن عمران بعدما ‏دفن فسمعه وهو يلقن في قبره وهو يقول : لا إله إلا الله ، فيقول المعافي : لا إله إلا الله وهو يلقّن في ‏قبره .‏
‏38 وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب القبور من حديث يزيد بن حوشب قال : كنت جالساً عند ‏يوسف بن عمرو ، وإلى جانبه رجل كأن شق وجهه صفحة من حديد : فقال : حدث يزيد بما ‏رأيت قال : كنت شاباً قد أتيت هذه الفواحش فلما وقع الطاعون ، قلت أخرج إلى ثغر من هذه ‏الثغور ، ثم رأيت أن أحفر القبور فإني لليلة بين المغرب والعشاء قد حفرت قبراً وأنا متكىء على ‏تراب آخر ، إذ أقبل بجنازة رجل حتى دفن في ذلك القبر ، وسوينا عليه التراب ، فأقبل طائران ‏أبيضان من المغرب مثل البعيرين حتى سقط أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ثم آثاراه ثم تدلى ‏أحدهما في القبر ، والآخر على شفيره قال : فجئت فجلست على شفير القبر ، وكنت رجلاً لا يملأ ‏جوفي شيء ، قال : فضرب بيده غلى حقوه ، فسمعته يقول : ألست الزائر أصهارك في ثوبين ‏ممصرين تسحبهما كبراً تمشي الخيلاء ، فقال أضعف من ذلك ، فضربه ضربة إمتلأ القبر حتى فاض ‏ماء أو دهناً ، قال ثم عاد فعاد عليه مثل القول الأول حتى ضربه ثلاث ضربات ، كل ذلك يقول له ‏ويذكر أن القبر يفيض ماء ، أو دهناً ، قال ثم رفع رأسه فنظر إلي فقال : انظر أين هو جالس أبلسه ‏الله ، قال ثم ضرب جانب وجهي فسقطت ، فمكثت ليلتي حتى أصبحت . قال : ثم أخذت أنظر إلى ‏القبر على حاله وأذكر جلوسي وذكر نحو هذا أو شبهه ، وكذلك شواهد اتساع اللحد وانفراجه . ‏
‏39- وروى ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين بإسناده عن أبي غالب صاحب أبي أمامه أن فتى ‏بالشام حضره الموت فقال لعمه : أرأيت لو أن الله دفعني إلى والدتي ما كانت صانعة بي ؟ قال : إذاً ‏والله تدخلك الجنة . فقال : والله لله أرحم بي من والدتي فقبض الفتى ، فجزع عليه عبد الملك بن ‏مروان قال : فدخلت القبر مع عمه فخطوا له خطاً فلم يلحدوه ، قال فقلنا بالبن فسوينا عليه ‏فسقطت لبنه ، فوثب عمه فتأخر قلت :ماشأنك قال : ملىء قبره نورا ، وفسح له مد بصره .‏
‏40- وبإسناده عن محمد بن ابان عن حميد قال : كان لي ابن أخت فذكر شبها بهذه الحكاية إلا أنَّه ‏قال: فاطلعت في اللحد ، فإذا هو مد بصري ، قلت لصاحبي رأيت ما رأيت ؟ قال : نعم فليهنك ‏ذلك قال فظننت أنه بالكلمة التي قالها .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:41 PM
‏41- وروي في كتاب ذكر الموت بإسناده عن أبي بكر بن أبي مريم عن الأشياخ قال : كان شيخ ‏من بني الحضرمي بالبصرة وكان شيخا صالحا، وكان له ابن أخ يصحب الفتيان الفساق فكان يعظه ، ‏فمات الفتى ، فلما أنزله عمه في قبره فسوى عليه اللبن شك في بعض أمره ، فنزع بعض اللبن فنظر ‏فإذا قبره أوسع من جبانة البصرة ، وإذا هو في وسط منها ، فرد عليه اللبن وسأل امرأته عن عمله ‏فقالت : كان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله يقول : وأنا ‏اشهد بما شهدت به ، وأكفيها من تولى عنها .‏
‏42- وقال أبو الحسن بن البراء حدثني عبد الرحمن بن أحمد الجعفي ، حدثني علي بن محمد حدثنا ‏يزيد بن نوح النخعي قرابة لشريك بن عبد الله قال : صليت في الكوفة على ميت ثم دخلت قبره حتى ‏أصلحت عليه اللبن ، فبينا أنا أصلح عليه اللبن وقعت لبنة في القبر فإذا أنا بالكعبة والطواف قد مثلا ‏لي في القبر ، فسويت عليه اللبن وصعدت .‏
‏43- قال ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت : حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا كثير بن يحيى ‏بن كثير البصري ، حدثنا أبي حدثنا أبو مسعود الجريري ، حدثني شيخ في مسجد الأشياخ قال : ‏كان يحدثنا عن أبي هريرة قال : بين نحن حول مريض لنا إذ هدأ وسكن حتى ما يتحرك منه عرق ‏فسجيناه وأغمضناه . فأرسلنا إلى ثيابه وسدره وسريره . فلما ذهبنا لنحمله لنغسله تحرك فقلنا : ‏سبحان الله ما كنا نراك إلاَّ قد مت ! قال: فإني قد مت وذهب بي إلى قبري فإذا إنسان حسن الوجه ‏طيب الريح قد وضعني في لحدي فطواه بالقراطيس إذ جاءت إنسانه سوداء منتنة الريح فقالت : هذا ‏صاحب كذا وكذا أشياء ، والله أستحي منها ، كأنما أقلعت عنها ساعتي تيك قلت : أنشدتك الله ‏أترد عني هذه ، قالت: انطلق نخاصمك ، فانطلقت إلى دار فيحاء وسعة فيها مسطبة كأنها فضة ، وفي ‏ناحية منها مسجد ورجل قائم يصلي فقرأ سورة النحل فتردد في مكان منها ، ففتحت عليه فانفتل ‏فقال : السورة معك ؟ قلت : نعم قال : أما أنها سرة النعم ورفع وسادة قريبة منه فأخرج منها ‏صحيفة ، فنظر فيها فبدرته السوداء فقالت : فعل كذا وفعل كذا وفعل كذا ، قال : وجعل الحسن ‏الوجه يقول : وفعل كذا وفعل كذا ، وفعل كذا ، يذكر محاسني فقال الرجل عبد ظالم لنفسه ولكن ‏الله تجاوز عنه لم يجئ أجل هذا بعد ، أجل هذا يوم الإثنين قال : فقال : انظروا فأن أنا متُّ يوم ‏الإِثنين ، فأرجو لي ما رأيت وإن لم أمت يوم الاثنين فإنما هو هذيان الوجع ، قال: فلما كان يوم ‏الأثنين صح حتى بعد العصر، ثم أتاه أجله فمات .‏
‏44-وفي الحديث : فلما خرجنا من عند الرجل قلت للرجل الحسن الوجه : ما أنت ؟ قال: أنا ‏عملك الصالح ، قلت: فما الإِنسانة السوداء المنتنة الريح ؟ قال ذلك عملك الخبيث ، أو كلام يشبه ‏هذا .‏
‏45- وفي كتاب ابن أبى الدنيا خرج لأبى القاسم إسحاق بن إبراهيم بن سنين الختلي ، سمعت عبد ‏الله بن محمد العنسي يقول : حدثني عمرو بن مسلم عن رجل حفار للقبور قال : حفرت قبرين ‏وكنت في الثالث فاشتد علي الحر فألقيت كسائي على ما حفرت وأستظليت فيه ، فبينا أنا كذلك إذ ‏رأيت شخصين على فرسين أشهبين فوقفا على القبر الأول فقال أحدهما لصاحبه : أكتب قال : ما ‏أكتب : قال فرسخ في فرسخ ، ثم تحولا إلى الآخر فقال : أكتب قال : ما أكتب ؟ قال مدّ البصر ، ‏ثم تحولا إلى الآخر الذي أنا فيه فقال : أكتب قال : وما اكتب قال فتر في فتر فقعدت أنظر الجنائز ‏فجيء برجل معه نفر يسير فوقفوا على القبر الأول ، قلت ما هذا الرجل ؟ قالوا : إنسان قراد يعني ‏سقاء ذو عيال ، ولم يكن له شيء فجمعنا له فقلت : ردوا الدراهم على عياله ، ودفنته معهم ثم أتي ‏بجنازة ليس معها إلا من يحملها ، فسألوه عن القبر الذي قال : مد البصر، قلت : من ذا الرجل ؟ ‏فقالوا : إنسان غريب مات على مزبلة لم يكن معه شيء فلم آخذ منهم شيئاً ، فصلى معهم وقعدت ‏أنتظر الثالث ، فلم أزل أنتظر إلى العشاء ، فأتي بجنازة امرأة لبعض القواد فسألتهم الثمن فضربوا ‏برأسي ودفنوها فيه.‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:42 PM
الباب الثاني

في كلام القبر عند نزوله إليه

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:43 PM
‏46- خرج الترمذي من حديث عبد الله بن الوليد الوصافي عن عطيه عن أبى سعيد قال : دخل ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلاّه فرأى أناسا كأنهم يكثرون ، أو يضحكون فقال : " أما إنكم ‏لو أكثرتم من ذكر هادم اللذات لأشغلكم عما أرى الموت فأكثروا ذكر هادم اللذات ، فإنه لم يأت ‏يوم على القبر إلا يتكلم فيه فيقول : أنا بيت الغربة ، أنا بيت الوحدة ، أنا بيت التراب ، أنا بيت ‏الدود فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر ، مرحباً وأهلاً : إن كنت لأحب من يمشي على ظهري ، ‏فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك ، فيتسع له مد بصره ، ويفتح له باب إلى الجنة ، ‏وإذا دفن العبد الكافر أو الفاجر قال القبر : لا أهلاً ولا مرحباً ، أما إن كنت لأبغض من يمشي على ‏ظهره فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك قال : فيلتئم عليه القبر حتى تلتقي وتختلف ‏أضلاعه " ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصابعه وأدخلها بعضها في بعض قال : " ويقيض ‏له سبعين تنيناً لو أن واحداً منهم نفخ على الأرض ما أنبتت شيئاً ، ما بقيت الدنيا فتنهشه وتخدشه ‏حتى يفضي به إلى الحساب . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القبر إما روضة من رياض الجنة ‏أو حفرة من حفر النار " ، وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، قلت : الوصافي ‏شيخ كوفي صالح أشغلته العبادة عن حف الحديث حتى وقعت المنكرات في حديثه . وفي آخر حديثه ‏هذا رويت عن أبي سعيد من وجه آخر موقوفة ومرفوعة وسنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى ، ‏وباقي حديثه لا يعرف عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن روي معناه من وجه آخر .‏
‏47-روى بقية بن الوليد عن أبي بكر بن أبي مريم عن الهيثم بن مالك الطائي عن عبد الرحمن بن ‏عائد عن أبي الحجاج الثمالي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول القبر للميت حين يوضع فيه ‏‏: ويحك يا ابن آدم من غرك بي ألم تعلم أني بيت الفتنة ، وبيت الظلمة ، وبيت الوحدة ، وبيت ‏الدود ، ما غرك بي إذ كنت تمر بي مراراً قال : فإن كان مصلحاً أجاب عنه مجيب القبر ، فيقول : ‏أرأيت إن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال فيقول القبر إني إذا تحول عليه خضراً ويعود ‏جسده نوراًً ، وتصعد روحه إلى الله تعالى " خرجه ابن الدنيا وأبو أحمد الحاكم في كتاب الكنى .‏
‏48- قال : أبو الحجاج الثمالي ، واسمه عبد الله بن عبيد ، ويقال عبد الله بن عبداري له صحبة ، ‏وقد روى هذا الكلام معاوية بن صالح أخبرني مخبر عن عمرو بن عائد الأزدي عن غضيف بن ‏الحارث الكندي سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : ( إن العبد إذا وضع في قبره فذكره بنحوه ‏‏) خرجه أبو الحسن بن البراء عن علي بن المديني ، عن زيد بن الحباب عن معاوية ، وكذا رواه يحيى ‏بن جابر الطائي عن ابن عائذ الأزدي وهذا الموقف أصح . ‏
‏49- وروى محمد بن أيوب الرملي عن أبيه عن الأوزاعي عن ابن المنكدر عن جابر رفعه قال : ( إن ‏للقبر لساناً ينطق به يقول : يا ابن آدم كيف نسيتني ، ألم تعلم أني بيت الوحشة، وبيت الغربة ، ‏وبيت الدود ، وبيت الضيق إلا ما وسع الله عز وجل ) أيوب بن سويد فيه ضعف ، وابنه محمد ‏متروك . ‏
‏50- قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه الحنبلي في كتاب الشافي في الفقه حدثنا إسماعيل بن ‏إبراهيم الشيرازي ، حدثنا محمد بن حماد قال : قرىء على عبد الرزاق وأنا حاضر عن الثوري عن ‏الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم في جنازة ، فوجد القبر لم يلحد ، فجلس وجلسنا حوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم : " إذا وضع الميت في قبره ثم سوى عليه كلمته الأرض ، فتقول : أما علمت أني بيت الوحشة ‏،والغربة ، والدود فماذا أعددت لي " غريب جداً وحديث البراء بن عازب معروف وقد سبق بعضه ‏ولا نعرف هذا اللفظ فيه من غير هذا الوجه ، والشيرازي غير معروف . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:43 PM
‏51- وخرج ابن منده من طريق عروة بن مروان الرقي حدثنا محمد بن سلمة عن حفيص عن مجاهد ‏عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله وفيه قال : قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم " إذا وضع الميت في لحده تقول له الأرض : إن كنت لحبيباً إلي وأنت على ‏ظهري ، فكيف إذا صرت اليوم إلي سأريك ما أصنع بك ، فسيفسح له في قبره مد البصر " .‏
‏52- وخرج ابن الدنيا من طريق داود بن فائد قال : صعدت مع عبد الله بن عبيد بن عمير في ‏جنازة فقال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الميت يقعد وهو يسمع خطا ‏مشيعيه فلا يكلمه شيء أول من حفرته فتقول : ويحك أي بني آدم ، أليس قد حذرتني وضيقي وهو ‏لي ودودي فما أعددت لي؟ " .‏
‏53- ومن طريق عبد أبي بكر المكي حدثني أبي حدثني عبيد بن عمير قال : " ليس من ميت يموت ‏إلا نادته حفرته التي يدفن فيها : أنا بيت الظلمة ،والوحدة والإنفراد ، فإن كنت في حياتك مطيعاً ‏كنت اليوم عليك رحمة، وإن كنت لربك عاصياً، فأنا اليوم عليك نقمة، أنا البيت الذي من دخلني ‏مطيعاً خرج مسروراً ، ومن دخلني عاصياً ، ومن دخلني عاصياً خرج مني مثبوراً " .‏
‏54- وروى هناد بن السري عن حسين الجعفي ، عن مالك بن مغول ، عن عبد الله بن عبيد بن ‏عمير قال : " يجعل الله القبر لساناً ينطق به فيقول : ابن آدم كيف نسيتني أما علمت أني بيت الأكلة ‏وبيت الدود ، وبيت الوحدة ، وبيت الوحشة " .‏
‏55- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عمر بن ذر قال : إذا دخل الميت حفرته نادته الأرض أمطيع ‏أم عاص ، فإن كان صالحاً ناداها مناديه ناحية القبر عودي عليه خضراء كوني عليه رحمة ، فنعم العبد ‏كان لله عز وجل ، ونعم المورد إليك قال : فتقول الأرض الآن استحق الكرامة ، وبإسناده عن محمد ‏بن السماك الواعظ قال : بلغنا أن الرجل إذا وضع في قبره فعذب أو أصابه بعض ما يكره ناداه ‏جيرانه من الموتى أيها المخلف في الدنيا بعد إخوانه وجيرانه أما كان لك فينا معتبراً ، أما كان لك في ‏تقدمك إيانا فكرة ، أما رأيت انقطاع أعمالنا عنا في المهلة ، فهلا استدركت ما فات إخوانك قال : ‏فتناديه بقاع القبر ، أيها المغتر بظاهر الدنيا هل اعتبرت بمن غيب عنك من أهلك في بطن الأرض ممن ‏غرته الدنيا قبلك ثم سبق له أجله إلى القبور وأنت تراه محمولاً تهادى به أحبته إلى المنزل الذي لا بد ‏منه .‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:44 PM
الباب الثالث

في اجتماع الموتى إلى الميت وسؤالهم إياه

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:45 PM
‏56- خرج النسائي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم في ذكر خروج الروح وقال في روح المؤمن : فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشدّ فرحاً به ‏من أحدكم بغائبه يقدم عليهم فيسألونه ما فعله فلان ؟ فيقولون : دعوه حتى يستريح فإنه [ كان ] ‏في غم الدنيا فإذا قال أما أتاكم ؟ قالوا : ذهب به إلى أمه الهاوية .‏
‏57- روى معاوية بن يحيى وفيه ضعف عن عبد الرحمن بن سلمة أن أبا رهم السمعي حدثه أن أبا ‏أيوب الأنصاري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاها ‏أهل الرحمة من عند الله كما يتلقى البشير في الدنيا فيقول : انظروا أخاكم حتى يستريح فإنه كان في ‏كرب شديد فيسألونه ما فعل فلان ، وما فعلت فلانة وهل تزوجت فلانة ؟ فإذا سألوه عن رجل ‏مات قبله قال : مات قبلي ، قالوا : إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم ‏وبئست المربية " .‏
خرجه ابن أبي الدنيا وغيره وخرجه ابن المبارك عن ثور بن يزيد عن أبي رهم عن أبي أيوب الانصاري ‏موقوفاً ، وكذا رواه محمد بن سميع عن ثور ، ورواه سلام الطويل وهو ضعيف جداً عن خالد بن ‏معدان ورواية ابن المبارك أصح . ‏
‏58- روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن جعفر عن سعيد هو ابن جبير قال : إذا مات الميت استقبله ‏أهله كما يستقبل الغائب ، وباسناده عن صالح المري قال : بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت ‏فتقول أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم : كيف كان مأواك وفي أي السدين كنت في طيب أم ‏خبيث ؟ قال ثم بكى حتى غلبه البكاء .‏
‏59- وبإسناده عن ثابت البناني قال : بلغنا أن الميت إذا مات احتوشته أهله وأقاربه الذين تقدموا من ‏الموتى قال ولهو أفرح بهم وهم أفرح به من المسافر إذا قدم على أهله .‏
‏60- ومن طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال : أهل القبور يتوكفون الأخبار ‏فإذا أتاهم الميت قالوا ما فعل فلان ؟ فيقول صالح ما فعل فلان ؟ فيقول : ألم يأتكم أوما قدم عليكم ‏فيقولون : إنا لله وإنا إليه راجعون سلك به غير سبيلنا .‏
‏61- وعن عبيد بن عمير أيضاً قال : إذا مات الميت تلقته الأرواح يستخبرونه كما كان يستخبر ‏الراكب : ما فعل فلان ؟ فإذا قال : توفي ولم يأتهم قالوا ذهب به إلى أمه الهاويه وعنه قال: وإني آيس ‏من لقاء من مات من أهلي إلا لقاني قدمت كمداً . ‏
‏62- وعن السري بن إسماعيل قال سمعت الشعبي ذكر ابنه فقال رحمه الله تعالى يقال إن كان اللقاء ‏لقريب ثم حدثنا أن الميت إذا وضع في لحده أتاه أهله وولده فسألوه عمن خلف بعده وكيف فلان ‏وما فعل فلان .‏
‏63- وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال : قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم : " إذا مات العبد تلقى روحه أرواح المؤمنين فيقولون له ما فعل فلان ما فعل ‏فلان ؟ فإذا قال : مات قبلي ، قالوا : إذهب به إلى أمه الهاوية بئست الأم وبئست الهاوية ".‏
‏64- وخرج اللالكائي من طريق مؤمل عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال : إذا قبض روح المؤمن ‏عرج به إلى السماء ، فتلقاه أرواح المؤمنين فيسألونه : مافعل فلان ؟ فيقول خيراً فيقولون : اللهم ‏هديته لذلك فثبته لذلك . ثم يقولون ما فعل فلان : فيقول : ألم يأتكم ؟ فيقولون : لا والله ولا مر بنا ‏، سلك به إلى أمه الهاوية ، فبئست الأم وبئست المربية .‏
‏65- وخرج ابن أبي الدنيا من طريق يونس عن الحسن قال : إذا حضر المؤمن حضره خمسة ملائكة ‏فيقبضون روحه ، فيعرجون به إلى السماء الدنيا فتلقاهم أرواح المؤمنين الماضية فيريدون أن يستخبروه ‏فتقول الملائكة : أرفقوا به فإنه خرج من كرب عظيم ، فيسأله الرجل عن أخيه ، وعن صاحبه ، ‏فيقول : كما عهدت ، حتى يستخبروه عن الرجل الذي مات قبله فيقول أما أتاكم ؟ فيقولون أو قد ‏مات ؟ فيقول : أي والله ، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون . ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم ‏وبئست المربية .‏
‏66-وروى أبو نعيم بإسناده عن وهب بن منبه قال : إذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته الأرواح ‏فيسألونه عن أخبار الدنيا كما يسأل الغائب أهله إذا قدم عليهم . ‏
‏67- روى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن منصور بن أبي منصور سمع عبد الله بن عمرو بن ‏العاص يقول : إذا مات المؤمن مر به على المؤمنين وهم أندية فيسألونه عن بعض أصحابهم ، فإن قال ‏مات ، قالوا : استقبل . وإن كان كافراً قالوا هوى به إلى الأرض السافلة ، فيسألونه عن الرجل فإن ‏قال قد مات قالوا عليَّ به ، خرجه ابن أبي الدنيا .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:46 PM
الباب الرابع

في اجتماع أعمال الميت عليه من خير وشر ومدافعتها عنه ، وكلامها له ، وما ورد من تحسر ‏الموتى على انقطاع أعمالهم ، ومن أكرم منهم تبقى أعماله عليه

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:47 PM
‏68- روى ابن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة عن ‏النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده إنه ليسمع خفق نعالكم حين تولون عنه ، فإن ‏كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه ، والزكاة عن يمينه والصوم عن شماله ، وفعل الخيرات والمعروف ‏والإحسان إلى الناس عند رجليه ، فيؤتى من قبل رأسه ، فتقول الصلاة ليس من قبلي مدخل ، فيؤتى ‏عن يمينه فتقول الزكاة ليس من قبلي مدخل ، ثم يؤتى عن شماله فيقول الصوم ليس قبلي مدخل ، ثم ‏يؤتى من قبل رجليه ، فيقول : فعل الخيرات والإحسان إلى الناس ليس قبلي مدخل ، فيقال له : ‏اجلس ، فيجلس وقد مثلت الشمس للغروب فيقولون له : ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ‏؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : أشهد أنه رسول الله ، جاءنا بالبينات من عند ربنا فصدقناه ‏واتبعناه ، فيقال له : صدقت ، وعلى هذا حييت ، وعلى هذا مت ، وعليه تبعث إن شاء الله ، ‏فسيفسح له في قبره مد بصره فذلك قوله سبحانه : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ‏الدنيا وفي الآخرة } الآية . فيقال : افتحوا له باباً إلى النار فيقال : هذا منزلك لو عصيت الله فيزداد ‏غبطة وسروراً ، ويقال : افتحوا له باباً إلى الجنة فيفتح له فيقال هذا منزلك وما أعد الله لك فيزداد ‏غبطة وسروراً ، فيعاد الجسد إلى ما بدىء منه وتجعل روحه نسم طير معلق في شجر الجنة ، وأما ‏الكافر فيؤتى في قبره من قبل رأسه ، فلا يعني شيئاً فيجلس خائفاً مرعوباً فيقال له : ما تقول في هذا ‏الرجل الذي كان فيكم وما تشهد به ؟ فلا يهتدى لاسمه فيقال : محمد رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم ، فيقول : سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت كما قالوا ، فيقال له : صدقت على هذا حييت ‏وعليه متَّ وعليه تبعث إن شاء الله ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ، فذلك قوله تعالى { ‏ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً } فيقال : افتحوا له باباً إلى الجنة فيفتح له باب إلى ‏الجنة فيقال : هذا منزلك وما أعد الله لك لو كنت أطعته فيزداد حسرة وثبوراً ، ثم يقال : افتحوا له ‏باباً إلى النار فيفتح له باباً إليها فيقال له : هذا منزلك ، وما أعد الله لك فيزداد حسرة وثبوراً " . ‏
‏69- قال أبو عمرو الضرير : قلت لحماد بن سلمة : كان هذا من أهل القبلة ؟ قال : نعم ، قال أبو ‏عمرو : كأنه شهد بهذه الشهادة على غير يقين يرجع إلى قلبه كأن يسمع الناس يقولون شيئاً فيقول ، ‏خرجه الطبراني .‏
‏70- وخرجه الخلال في كتاب السنة وزاد فيه بعد قوله : " وقد مثلت الشمس قد دنت للغروب ‏فيقال: هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه ؟ فيقول : دعوني حتى أصلي فيقولون : إنك ستفعل ‏أخبرنا عما نسألك عنه " ، وذكر الحديث وخرجهابن حبان في صحيحه من طريق معتمر عن محمد ‏بن عمرو به ، ورواه جماعة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة موقوفاً ، وقد روي من ‏حديث أبي حازم عن أبي هريرة نحوه أيضاً مع الاختلاف في رفعه وقطعه .‏
‏71- وخرجه ابن منده من طريق محمد بن جحادة عن طلحة بن مصرف عن أبي حازم عن أبي ‏هريرة قال إذا وضع المؤمن في قبره أتاه شيطان من قبل رأسه فيحول بينه وبين سجوده ثم يأتيه من ‏قبل يديه فيحول بينه وبين صومه ، ثم يأتيه من قبل رجليه فيحول بينه وبين قيامه عليهما في الصلاة ، ‏ثم يفتح له باب من أبواب الجنة ، فيقول : ربي بلغني منزلي فيقول : إن لك إخوة وأخوات لم يلحقوا ‏فنم قرير العين لا تفزع بعدها.‏
‏72- وخرجه أيضاً من طريق محمد بن الصامت عن أبي عيينة عن طلحة بن مصرف ، عن أبي حازم ‏، عن أبي هريرة يرفعه : " يؤتى الرجل من قبل رأسه في قبره ، فإذا أتى دفعه تلاوة القرآن ، فإذا أتى ‏من قبل يديه دفعته الصدقة فإذا أتى من قبل رجليه دفعه مشيه إلى المساجد " ، فذكر نحوه كذا في ‏هذه الرواية السابقة ، إن الذي يأتيه في قبره شيطان . ‏
‏73- وفي حديث الأعمش عن المنهال عن زاذان قال : قلت للبراء أملك هو أم شيطان ؟ قال : ‏فغضب غضباً شديداً ، ثم قال : كنا نحن أشد هيبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نسأله ‏أملك هو أم شيطان إنما نحدثكم ما سمعنا . ‏
‏74- وخرج الإمام أحمد من حديث محمد بن المنكدر قال : كانت أسماء تحدث عن النبي - صلى ‏الله عليه وسلم - قال إذا أدخل الإنسان في قبره فإن كان مؤمناً حف به عمله الصيام والصلاة قال ‏فيأتيه الملك من نحو الصلاة فيرده ومن نحو الصيام فيرده فيناديه اجلس ، فيجلس فيقول ماذا تقول في ‏هذا الرجل ؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال من ؟ قال : محمد صلى الله عليه وسلم قال : فيقال ‏وما يدريك أدركته ؟ قال يقول إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يقول على ذلك عشت ، ‏وعليه مت ، وعليه تبعث ، قال : إن كان فاجراً أو كافراً قال جاءه الملك ليس بينه وبينه شيء يرده ‏فأجلسه قال : يقول اجلس ماذا تقول في هذا الرجل قال : أي رجل ، قال : محمد قال : يقول : ‏والله ما أدري ، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته ، قال : فيقول له الملك على ذلك عشت ، وعليه ‏مت ، وعليه تبعث ، قال : ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط بمزربة جمرة مثل غرب البعير تضربه ‏ما شاء الله صمّاء لا تسمع صوته فترحمه " ، قلت : قوله : ويسلط عليه دابة إلى آخره ، قد روي من ‏وجه آخر عن ابن المنكدر أنه بلغه ذلك فلعله مدرج في الحديث .‏
‏75- وفي حديث زاذان عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد سبق ذكر بعضه قال ‏في المؤمن : " ويأتيه رجل حسن الوجه ، حسن الثياب ، طيب الريح فيقول : أبشر بالذي يسرك هذا ‏يومك الذي كنت توعد ، فيقول : من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول : رب أقم ‏الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي ".‏
‏ وقال في حق الكافر : " ويأتيه رجل قبيح الوجه ، قبيح الثياب ، منتن الريح فيقول : أبشر بالذي ‏يسوءك ، فهذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول : من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر فيقول ‏‏: أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة " ، خرجه الإمام أحمد وغيره .‏
‏76- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي بكر بن عياش عن المقبري عن عائشة رضي الله عنها ‏قالت : إذا خرج سرير المؤمن نادى أنشدكم الله لما أسرعتم بي ، فإذا أدخل قبره لحقه عمله فتجيء ‏الصلاة فتكون عن يمينه ، ويجيء الصوم فيكون عن يساره ، ويجيء عمله بالمعروف فيكون عند رجليه ‏، فتقول الصلاة ليس لكم قبلي مدخل ، كان يصلي فيأتون من قبل رأسه ، فيقول الصوم إنه كان ‏يصوم ويعطش ، فلا يجدون موضعاً فيأتون رجليه فتخاصم عنه أعماله فلا يجدون مسلكاً .‏
‏77- وبإسناده ثابت البناني قال : إذا وضع الميت في قبره احتوشته أعماله الصالحة وجاء ملك ‏العذاب فتقول له بعض أعماله إليك عنه ، فلو لم يكن إلا أنا لما وصلت إليه .‏
‏78- وعنه أيضاً قال إذا مات العبد الصالح فوضع في قبره أتي بفراش من الجنة ، وقيل له : نم هنيئاً ‏لك قرة العين ، فرضي الله عنك ، قال ويفسح له في قبره مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة ، فينظر ‏إلى حسنها ويجد ريحها وتحتوشه أعماله الصالحة : الصيام ، والصلاة ، والبر ، فتقول له : أنصبناك ‏واظمأناك وأسهرناك فنحن اليوم بحيث تحب ، نحن أنساؤك حتى تصير إلى منزلك من الجنة .‏
‏79- وبإسناده عن كعب قال : إذا وضع العبد الصالح في قبره احتوشته أعماله الصالحة الصلاة ‏والصيام والحج والجهاد والصدقة ، قال : وتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة : إليكم ‏عنه فقد أطال القيام لله عليهما قال : فيأتون من قبل رأسه فيقول الصيام : لا سبيل لكم عليه فقد ‏أطال ظمأه لله تعالى في الدنيا ، قال فيأتون من قبل جسده فيقول الجهاد والحج : إليكم عنه فقد ‏أنصب نفسه ، وأتعب بدنه ، وحج وجاهد لله عز وجل لا سبيل لكم عليه ، قال : فيأتون من قبل ‏يديه فتقول الصدقة : كفوا عن صاحبي فكم من صدقة خرجت من هاتين اليدين حتى وقعت في يد ‏الله عز وجل ابتغاء وجهه فلا سبيل لكم عليه ، فيقال : هنيئاً طيباً حياً وميتاً ، قال : ويأتيه ملائكة ‏الرحمة فتفرشه فراشاً من الجنة ودثاراً من الجنة و دثاراً من الجنة ويفسح له في قبره مد البصر ، ويؤتى ‏بقنديل من الجنة فيستضيء بنوره إلى يوم يبعثه الله من قبره . ‏
‏80- وبإسناده عن يزيد الرقاشي قال : بلغني أن الميت إذا وضع في قبره احتوشته أعماله فأنطقها الله ‏تعالى فقالت أيها العبد المنفرد في حفرته انقطع عنك الأخلاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم غيرنا قال : ‏ثم يبكي ويقول : طوبى لمن كان أنيسه صالحا طوبى لمن كان أنيسه صالحا , والويل لمن كان أنيسه ‏وبالا .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:47 PM
‏81- وبإسناده عن يزيد الرقاشي أيضا انه كان يقول في كلامه : أيها المنفرد في حفرته المخلى في ‏قبره بوحدته المستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت , وبأي إخوانك ‏اغتبطت , ثم يبكي حتى يبلَّ عمامته ويقول : استبشر والله بأعماله الصالحة واغتبط بإخوانه المتعاونين ‏على طاعة الله . ‏
‏82- وبإسناده عن الوليد بن عمرو بن الصباح قال : بلغني أن أول شيء يجده الميت حوله عند ‏رجليه فيقول : ما أنت ؟ فيقول : أنا عملك . وقد ورد في شفاعة القرآن لقارئه ودفعه عنه عذاب ‏القبر خصوصاً سورة تبارك الذي بيده الملك .‏
‏83- وخرج النسائي في عمل اليوم والليلة بإسناده عن ابن مسعود قال : من قرأ تبارك الذي بيده ‏الملك كل ليلة منعه الله بها من عذاب القبر وكنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نسميها : ‏المانعة .‏
‏84- وخرجه خلف في فضائل القرآن ولفظه عن ابن مسعود أنه ذكر تبارك فقال : هي المانعة تمنع ‏من عذاب القبر ، توفى رجل فأتى من قبل رجليه فتقول رجلاه لا سبيل لكم على ما قِبلي إنه كان ‏يقرأ سورة الملك ، ويؤتى من قبل بطنه فيقول بطنه : لا سبيل لكم على ما قبلي إنه كان يقرأ سورة ‏الملك .‏
‏85- وأخرج أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن بإسناده عن ابن مسعود قال : إن الميت إذا مات ‏أوقدت له نيران حوله ، فتأكل النار ما يليها إن لم يكن له عمل يحول بينه وبينها وإن رجلاً مات ‏ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة ثلاثين آية ، فتأتيه من قبل رأسه فقالت إنه كان يقرأ بي فتأتيه من ‏قبل رجليه فقالت : إنه يقوم بي فتأتيه من قبل جوفه ، فقالت : إنه كان وعائي ، قال فأنجته ، قال زر ‏‏: فنظرت أنا ومسروق في المصحف فلم نجد سورة ثلاثين آية إلا تبارك .‏
‏86- وروى عبد بن حميد في مسنده عن إبراهيم بن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال : ‏إقرأ تبارك الذي بيده الملك ، احفظها وعلمها أهلك ،وولدك ، وصبيان بيتك ، وجيرانك فإنها : ‏المنجية والمجادلة تجادل وتخاصم عند الله لقارئها ؛ وتطلب أن ينجيه من عذاب النار إذا كانت في ‏جوفه ، وينجي الله بها صاحبها من عذاب القبر .‏
‏87- وروى سوار بن مصعب وهو ضعيف جداً عن أبي إسحاق عن البراء يرفعه : " من قرأ : ألم ‏السجدة وتبارك الذي بيده الملك قبل النوم ، نجا من عذاب القبر ، ووقى فتأنى القبر ".‏
وسنذكر حديث عبادة في نزول القرآن مع الميت في قبره فيما بعد إن شاء الله تعالى .‏
‏88- وروى هشام بن عمار حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن جابر عن أبيه عن عطاء ‏بن يسار قال : إذا وضع الميت في لحده فأول شيء يأتيه عمله فيضرب فخذه الشمال فيقول : أنا ‏عملك فيقول : فأين أهلي وولدي وعشيرتي ما خولني الله تعالى فيقول : تركت أهلك، وولدك ، ‏وعشيرتك وما خولك الله وراء ظهرك ، فلم يدخل قبرك معك غيري ، فيقول : يا ليتني آثرتك على ‏أهلي ، وولدي وعشيرتي ، وما خولني الله تعالى إذا لم يدخل معي غيرك .‏
‏89- قال أحمد بن أبي الحواري حدثنا يحيى بن مليح عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى { ‏فلأنفسهم يمهدون } قال : في القبر ، قال أحمد : فحدثت به يحيى بن معين . ‏
قال : طوبى لمن كان له عمل صالح يكون وطاءه في قبره ، ويشهد لهذا كله ما في .‏
‏ 90- الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يتبع الميت ثلاثة ، فيرجع ‏اثنان ويبقى واحد ، يتبعه أهله وماله وعمله ، فيرجع أهله وماله و عمله ".‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:48 PM
‏91- وخرجه البزار والطبراني بسياق مطول من حديث أنس أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏‏: " مامن عبد إلا له ثلاثة أخلاء فأما خليل فيقول له : ما أنفقت فلك ، وما أمسكت فليس لك ، ‏فذلك ماله . وأما خليل فيقول : أنا معك فإذا أتيت باب الملك رجعت وتركتك فذلك أهله وحشمه ‏، وأما خليل فيقول : أنا معك حيث دخلت وحيث خرجت فذلك عمله ، فيقول : إن كنت لأهون ‏الثلاثة علي " ، وخرج البزار والحاكم من حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏معناه ، وقد اختلف في رفعه، ووقفه ، وقد روى هذا من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم بسياق مبسوط وأن عبد الله بن كرز قال في هذا المعنى شعراً وأنشده للنبي صلى الله عليه وسلم ‏ولكن إسناده ضعيف جداً ، وخرج البزار هذا المعنى أيضاً من حديث أبي هريرة وسمرة بن جندب عن ‏النبي صلى الله عليه وسلم وخرجه الطبراني أيضاً من حديث سمرة أيضاً .‏
‏92- وروى إبراهيم بن بشار عن إبراهيم بن آدم أنه كان ينشد شعراً :‏
‏ ما أحدكم أكرم من مفرد أعماله في قبره تؤنسه ‏
‏ منعم الجسم وفي روضة زينه الله فهي مجلسـه
وأما العارفون بالله ، المحبون له ، المنقطعون إليه في الدنيا ، والمستأنسون به دون خلقه فإن الله بكرمه ‏وفضله لا يخذلهم في قبورهم ، بل يتولاهم ويؤنس وحشتهم فـ { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ‏محسنون } ، وقد جاء في بعض ألفاظ حديث يوم المزيد : أنهم يقولون لربهم في ذلك اليوم أنت الذي ‏أنست منا الوحشة في القبور .‏
‏93-وكتب محمد بن يوسف الأصبهاني العابد إلى أخيه : إني محذرك متحولك من دار مملكتك إلى ‏دار إقامتك وجزاء أعمالك فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها ، فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك ‏وينتهرانك ، فإن يكن الله معك فلا بأس عليك ، ولا وحشة ولا فاقة ، وإن يكن غير ذلك فأعذني ‏الله وإياك من سوء مصرع وضيق مضجع ، وروى ابن أبي عاصم في المنام فسئل عن حاله فقال : ‏يؤنسني الله عز وجل ، وأما من كان في الدنيا مشغولاً عن الله عز وجل وكان يخاف غيره فإنه يعذب ‏في القبر بذلك .‏
‏94- قال أحمد بن أبي الحواري : حدثنا إبراهيم بن الفضل عن إبراهيم أبي المليح الرقي قال : إذا ‏أدخل ابن آدم قبره لم يبق شيء كان يخافه في الدنيا دون الله عز وجل إلا تمثل له في اللحد لأنه في ‏الدنيا يخافه دون الله تعالى .‏
‏95- وروى عبد الرحمن بن زيد بن أبي أسلم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال : " ليس الله على أهل لا إله إلا الله في قبورهم ولا يوم نشورهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ‏ينفضون التراب عن رؤسهم يقولون : { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } ".‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:49 PM
فصل

‏96- خرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مات ‏الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : إلا من علم نافع ، أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له ".‏
‏97- ومن حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍّ ‏نزل به قبل أن يأتيه ، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا " .‏
‏98- وروى عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة أن ابن أخي عابس ‏الغفاري قال له : قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاتمنوا الموت فإنه يقطع العمل ، ولا يرد ‏الرجل فيستعتب " .‏
‏99- وخرج الترمذي من حديث يحيى بن عبد الله عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏‏: " ما من أحد يموت إلا ندم " قالوا وما ندامته يا رسول الله ؟ قال : " إن كان محسنا ندم أن لا ‏يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لايكون نزع " ، يحيى هذا ضعفوه .‏
‏99- وروى ابن أبي الدنيا عن أبي هشام الرفاعي حدثنا حفص بن غياث عن أبي مالك الأشجعي ‏عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبر دفن حديثا فقال : لركعتان ‏خفيفتان مما تحقرون أو تنفلون يراهما هذا في عمله أحب اليه من بقية دنياكم " غريب جدا .‏
‏100- وروى أبو نعيم في الحلية من طريق عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس أنه كان يمر على ‏المقابر بدمشق بتهجير يوم الجمعة فسمع قائلا يقول : هذا يونس ابن حلبس قد هجر يحجون ‏ويستمرون كل شهر ، ويصلون كل يوم خمس مرات أنتم تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم ولا نعمل ‏، قالت : فلتفت يونس فسلم ، فلم يردوا عليه ، قال سبحان الله أسمع كلامكم ، وأسلم عليكم ، ‏فلا تردون ، قالوا سمعنا كلامك وكلها حسنه وقد حيل بيننا وبين الحسنات والسيئات .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:49 PM
‏101- وروى ابن ابي الدنيا باسناده عن سليمان التيمي عن ابي عثمان النهدي أن رجلا خرج في ‏جنازة فانتهى إلى قبر قال : فصليت ركعتين ثم اتكأت عليه فربما سمعت أبا عثمان يقول : فوالله ان ‏قلبي ليقظان إذ سمعت صوتا من القبر : إليك ولا تؤذني ، فإنكم قوم تعملون ولا تعلموا ، وإنا قوم ‏نعلم ولا نعمل لأن يكون لي مثل ركعتيك أحب الي من كذا وكذا .‏
‏102- وبإسناده عن أبي قلابة قال : أقبلت من الشام إلى البصرة فنزلت الخندق فتطهرت , وصليت ‏ركعتين بالليل , ثم وضعت رأسي على قبر فنمت ثم انتبهت , فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول : ‏لقد آذيتني منذ الليلة ، ثم قال : إنكم لا تعلمون ونحن نعلم ولا نقدر على العمل إن الركعتين اللتين ‏ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ، ثم قال جزى الله أهل الدنيا خيراً ، إقرأهم منا السلام فإنه يدخل ‏علينا من دعائهم نور مثل الجبال .‏
‏103- وبإسناده عن زيد بن وهب قال : حدثني رجل قال : رأيت أخاً لي فيما يرى النائم فقلت : ‏فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال : قلتها لأن أقدر أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها ، ثم قال : ‏ألم تر حيث يدفنون فلاناً ، فإن فلاناً قام فصلى ركعتين ، لأن أكون أقدر أن أصليها أحب إلي من ‏الدنيا وما فيها . ‏
‏104- وبإسناده عن مطرف بن عبد الله الجرشي قال : شهدت جنازة واعتزلت ناحية قريباً من قبر ‏فصليت ركعتين كأني خففتهما لم أرض إتقانهما ، ونعست فرأيت صاحب القبر يكلمني فقال : ‏ركعت ركعتين لم ترض إتقانهما ، قلت : قد كان ذلك قال تعملون ولا تعملون ونحن نعلم ولا ‏نستطيع أن نعمل لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها . ‏
‏105- وبإسناده عن مفضل بن يونس قال : كان ربيع بن راشد يخرج إلى الجبان فيقيم سائر نهاره ثم ‏يرجع مكتئباً فيقول : كنت في المقابر نظرت إلى قوم منعوا ما نحن فيه ثم يبكي . ‏
‏106- وبإسناده عن الحسن قال : دخلت أنا وصفوان المقابر فقنع رأسه ثم لم يزل يذكر الله تعالى ‏حتى خرجنا من المقابر فقلت له في ذلك فقال إني قد ذكرتهم ، وما حضر عليهم من ذلك ونحن المهلة ‏في فأحببت أن أقدم لذلك شيئاً من عمل قال الحسن : أحب والله أن يكون لي في كل خير نصيب . ‏
‏107- وبإسناده عن الفضل الرقاشي أنه كان يقول في كلامه إذا ذكر أهل القبور : يا لها من وجوه ‏حيل بينها وبين السجود لله عز وجل لو يجدون إلى العمل مخلصاً بعد المعرفة بحسن الثواب لكانوا إلى ‏ذلك سراعاً . ثم يبكي ويقول : يا إخوتاه فأنتم اليوم قد خلي بينكم وبين ما عليه ترجون إليه فكاك ‏رقابكم ألا فبادروا الموت وانقطع أعمالكم فإن أحدكم لا يدري متى يحترمه ليلاً أو نهاراً .‏
‏108- وبإسناده عن صفوان بن سليم أنه كان في جنازة في نفر من العباد فلما صلي عليها قال ‏صفوان : أما هذا قد انقطعت عنه أعماله واحتاج إلى دعاء من خلف بعده فأبكى القوم جميعاً وقال ‏أبو وهب محمد بن مزاحم قال : قام رجل إلى ابن المبارك في جنازة فسأله عن شيء فقال له : يا هذا ‏سبِّح فإن صاحب السرير منع من التسبيح . ‏
‏109- كان عمرو بن عيينة يخرج بالليل إلى المقابر ويقول : يا أهل القبور طويت الصحف ورفعت ‏الأعمال ثم يصلي حتى يصبح ثم يرجع إلى أهله ، ورؤي بعض الموتى في المنام فقال : ما عندكم أكثر ‏من الغفلة وما عندنا أكثر من الحسرة . ‏
‏110- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن زيد بن نعامة قال : هلكت جارية في الطاعون فلقيها أبوها ‏بعد موتها في المنام فقال لها : يا بنية أخبريني عن الآخرة فقالت يا أبت قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا ‏نعمل وتعملون ولا تعلمون والله لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان في عمل أحب إلي من ‏الدنيا وما فيها . ومر بعض السلف بالمقابر فقال : أصيح هؤلاء زاهدين فيما نحن فيه راغبون . وكان ‏داود الطائي مع جنازة فقال في كلامه : اعلم أن أهل الدنيا جميعاً من أهل القبور إنما يفرحون بما ‏يقدمون ويندمون على ما يخلفون ، فما عليه أهل القبور ندموا عليه ، أهل الدنيا يقتتلون وفيه ‏يتنافسون وعليه عند القضاة يتخاصمون .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:51 PM
فصل

بعض أهل البرزخ يكرمه الله بأعماله الصالحة عليه في البرزخ ، وإن لم يحصل له ثواب ، تلك ‏الأعمال لانقطاع عمله بالموت ، لكن إنما يبقى عمله عليه ليتنعم بذكر الله وطاعته ، كما يتنعم ‏بذلك الملائكة وأهل الجنة في الجنة وإن لم يكن لهم ثواب على ذلك لأن نفس الذكر والطاعة ‏أعظم نعيماً عند أهلها من نعيم جميع أهل الدنيا ولذاتها ، فما تنعم المتنعمون بمثل ذكر الله وطاعته.‏

وخرج الترمذي من حديث ابن عباس قال : ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خباءه ‏على قبره ولا يحسب أنه قبر إنسان - يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ‏فقال يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة الملك - ‏تبارك - حتى ختمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هي المانعة هي المنجية : تنجيه من ‏عذاب القبر " .‏

‏113- خرج أبو عبد الله بن منده بإسناد ضعيف من حديث طلحة بن عبيد الله قال : أردت مالي ‏بالغابة فأدركني الليل فآويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن عمرو بن حرام فسمعت قراءة من القبر ما ‏سمعت أحسن منها ، فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : " ذلك عبد الله ألم ‏تعلم أن الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت وعلقها وسط الجنة فإذا كان الليل ‏ردت إليهم أرواحهم إلى مكانها التي كانت " .‏
‏114- روى أبو نعيم بإسناده عن محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني إبراهيم ابن الصمة المهلبي قال ‏‏: حدثني الذين كانوا يمرون بالحص بالأسحار قالو ا : كنا إذا مررنا بجنبات ثابت البناني سمعنا قراءة ‏القرآن .‏
‏115- وبإسناده عن يسار بن حبيش عن أبيه قال : أنا والذي لا إله إلا هو أدخلت ثابت البناني في ‏لحده ومعي حميد ورجل غيره فلما سوينا عليه اللبن سقطت لبنة فإذا به يصلي في قبره فقلت للذي ‏معي : ألاتراه ؟ قال : اسكت فلما سوينا عليه وفرغنا أتينا ابنته فقلنا لها : ما كان عمل ثابت ؟ قالت ‏‏: وما رأيتم ؟ فأخبرناها فقالت : كان يقوم الليل خمسين سنة فإذا كان السحر قال في دعائه : اللهم ‏إن كنت أعطيت أحداً الصلاة في قبره فأعطينيها ، فما كان الله ليرد ذلك الدعاء .‏
‏116- وقال أبو بكر الخلال : وأخبرني أحمد بن محمد بن بشر حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا حماد ‏الحفار قال : دخلت المقابر يوم الجمعة فما انتهيت إلى قبر إلا سمعت فيه قراءة القرآن .‏
‏117- وروى أبو الحسن في كتاب الروضة عن عبد الله به محمد عن منصور حدثني إبراهيم الحفار ‏قال : حفرت قبراً فبدت لبنة فشممت رائحة المسك حين انفتحت اللبنة فإذا شيخ جالس في قبره يقرأ ‏القرآن .‏
‏118- وروى هبة الله الطبراني اللاكائي الحافظ في كتاب " شرح السنة " بإسناده عن يحيى بن معين ‏قال : قال لي حفار مقابر : أعجب ما رأيت من هذه المقابر أني سمعت في قبر أنيناً كأنين المريض ‏وسمعت من قبره المؤذن وهو يجيبه من القبر . ‏
‏119- وروى الحافظ أبو بكر الخطيب بإسناده عن عيسى بن محمد الطوماري قال : رأيت أبا بكر ‏بن مجاهد المقرئ في النوم كأنه يقرأ وكأني أقول : متّ وتقرأ فكأنه يقول لي : كنت أدعو الله في دبر ‏كل صلاة وعند ختم القرآن أن يجعلني ممن يقرأ في قبره . ‏
‏120- وحدثني المحدث أبو الحجاج يوسف السرمري حدثنا شيخنا أبو الحسن علي بن الحسين ‏السامري خطيب سامرا وكان رجلا صالحا وأراني موضعا من قبور سامرا فقال : هذا الموضع لا يزال ‏يسمع منه قراءة سورة تبارك . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:51 PM
‏121- وروى ابن أبي الدنيا في كتاب ذكر الموت بإسناده فيه نظر عن الحسن أنه سئل عن الرجل ‏يموت ولم يتعلم القرآن يبلغ درجة أهل القرآن فبكى الحسن قال : هيهات هيهات وأنى له بذلك ، ثم ‏قال : بلغني أن المؤمن إذا مات ولم يأخذ من القرآن أمر حفظته أن يعلموه القرآن في قبره حتى يبعث ‏الله يوم القيامة مع أهله .‏
‏122- وبإسناده عن يزيد الرقاشي قال : بلغني أن المؤمن إذا مات وقد بقي عليه شيء من القرآن لم ‏يتعلمه بعث إليه ملائكة يحفظونه ما بقي عليه منه .‏
‏123- قال : وحدثنا صالح بن عبدالله الترمذي حدثنا الظـبي بن الأشعث سمعت عطية بن زيد ‏العوفي يقول : بلغني أن العبد إذا لقي الله ولم يتعلم كتابة علمه في قبرة حتى يثبته الله عليه .‏
‏124- وخرجه أبو القاسم الأزهري في كتاب فضائل القرآن من رواية عبد الكريم ابن الهيثم . ‏حدثنا الحسن بن عبد الله بن حرب حدثنا الظبي بن الأشعث بن سالم ، حدثني عطية عن أبي سعيد ‏قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ القرآن ولم يستظهره أتاه ملك فزجره في قبره ‏فلقي الله وقد استظهره " ، وهذا المرفوع لا يصح .‏
‏125- وخرج الخلال في كتاب السنة من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان وفيه ضعف عن أبيه عن ‏عكرمة قال : قال ابن عباس المؤمن يعطي مصحف في قبره يقرأ فيه ، وخرجه ابن البراء في الروضة ‏من طريق حفص بن عمرو العدوي وفيه ضعف أيضا عن الحكم بن أبان .‏
‏ وروى الحافظ أبو العلى الهمداني في النوم بعد موته وهو في مدينة جدرانها وحيطانها كلها كتب ‏فسئل عن ذلك فقال سألت الله أن يشغلني بالعلم كما كنت أشتغل به فأنا أشتغل بعلم في قبري أو ‏كما قال ، وروؤي الحافظ عبد القادر الرهاوي في النوم بعد موته وهو يسمع الحديث فقال : أنا لا ‏أزال أسمع الحديث إلى يوم القيامة أوكما قال .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:53 PM
الباب الخامس

في عرض منازل أهل القبور عليهم من الجنة أو النار بكرة وعشيا

قال الله تعالى : { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ‏العذاب } .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:53 PM
‏126- قال قتادة في هذه الآية يقال لهم : يا آل فرعون هذه منازلكم توبيخا وصغاراً ونقيصة . وقال ‏ابن سيرين : كان أبو هريرة يأتينا بعد صلاة العصر فيقول : عرجت ملائكة ، وهبطت ملائكته ، ‏وعرض آل فرعون على النار فلا يسمعه أحد إلا يتعوذ بالله من النار . ‏
‏127- وقال شعبة عن معلي بن عطاء سمعت ميمون بن ميسرة يقول : كان أبو هريرة إذا أصبح ‏ينادي : أصبحنا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار فلا يسمعه أحد إلا يتعوذ بالله من النار ‏ورواه هيثم عن معلي عن ميمون قال كان لأبي هريرة صيحتان كل يوم أول النهار يقول : ذهب ‏الليل وجاء النهار وعرض آل فرعون على النار وإذا كان العشي يقول : ذهب النهار وجاء الليل ‏وعرض آل فرعون على النار فلا يسمع أحد صوته إلا استجار بالله من النار .‏
‏128- ويروى من حديث الليث عن أبي قيس عن هذيل عن ابن مسعود قال : أرواح آل فرعون في ‏أجواف طير سود فيعرضون على النار كل يوم مرتين فيقال لهم هذه منازلكم فذلك قوله تعالى { ‏النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } ورواه غيره عن أبي قيس عن هذيل من قوله .‏
‏129- لكن خرج الإسماعيلي اللالكائي من طريق ابن عيينة عن مسروق عن أبي قيس عن هذيل عن ‏ابن مسعود أيضا ، قال ابن أبي الدنيا حدثنا حماد بن محمد الفزاوي قال بلغني عن الأوزاعي أنه سأله ‏رجل بعسقلان عن الساحل فقال : يا أبا عمر وأنا نرى طيرا سوداً تخرج من البحر فإذا كان العشي ‏عاد مثلها بيضا . قال وفطنتم لذلك قالوا : نعم . قال فتلك طير في حواصلها آل فرعون ، فتلفحها ‏النار فيسود ريشها ثم يلقى ذلك الريش ثم تعود إلى أوكارها فتلفحها النار ، فذلك دأبها حتى تقوم ‏الساعة فيقال: { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } .‏
‏130- وفي الصحيحين من حديث أبي عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مات أحدكم ‏عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن ‏أهل النار ، حتى يبعثه الله يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة ".‏
‏131- ورواه الفضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه " ما من ‏عبد يموت إلا عرض عليه مقعده إن كان من أهل الجنة وإن كان من أهل النار ".‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:54 PM
الباب السادس

في ذكر عذاب القبر ونعيمه‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:55 PM
قال الله تعالى { فلولا إذا بلغت الحلقوم . وأنتم حينئذ تنظرون . ونحن أقرب إليه منكم ولكن ‏لا تبصرون . فلولا إن كنتم غير مدينين . ترجعونها إن كنتم صادقين . فأما إن كان من ‏المقربين . فروْح وريحان وجنة نعيم . وأما إن كان من أصحاب اليمين . فسلام لك من ‏أصحاب اليمين . وأما إن كان من المكذبين الضالين . فنزل من حميم . وتصلية جحيم . إن ‏هذا لهو حق اليقين } .

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:56 PM
‏132- قال آدم بن أبي إياس حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ‏قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات { فلولا إذا بلغت الحلقوم . وأنتم حينئذ ‏تنظرون } إلى قوله { فروح وريحان وجنة نعيم } إلى قوله { فنزل من حميم . وتصلية جحيم } قال ‏‏: " إذا كان عند الموت قيل له هذا ، فإن كان من أصحاب اليمين أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه ‏وإن كان من أصحاب الشمال كره لقاء الله فكره الله لقاءه " .‏
‏133- وخرج الإمام أحمد من طريق همام عن عطاء بن السائب سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ‏يتبع جنازة يقول حدثني فلان بن فلان سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أحب لقاء ‏الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " فأكب القوم يبكون قال : " ما يبكيكم ؟ قالوا ‏إنا نكره الموت قال : ليس ذلك ولكنه إذا حضر { فأما إن كان من المقربين . فروح وريحان وجنة ‏نعيم } فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله والله للقائه أحب { وأما إن كان من المكذبين الضالين * فنزل ‏من حميم . وتصلية جحيم } ، وفي قراءة ابن مسعود { ثم تصلية جحيم } فإذا بشر كره لقاء الله ‏والله للقائه أكره . ‏
‏134- خرج ابن البراء في كتاب الروضة من حديث عمرو بن شمر وهو ضعيف جداً عن جابر ‏الجعفي عن تميم بن حذلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ما من ميت يموت إلا وهو ‏يعجف غاسله ويناشد حامله إن بشر بروح وريحان وجنة نعيم أن يعجله وإن يشر بنزل من حميم ‏وتصلية جحيم أن يحبسه .‏
‏135- وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أحب ‏لقاء الله أحب الله لقائه ومن كره لقاء الله كره الله لقائه " فقالت عائشة أو بعض أزواجه : إنا نكره ‏الموت قال : " ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب ‏إليه مما أمامه فأحب لقاء الله فأحب الله لقائه ، وإن الكافر إذا حُضر بُشر بعذاب الله وعقوبته فليس ‏شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله فكره الله لقائه " وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم من وجوه متعددة .‏
‏136- وعن زاذان عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن نفس المؤمن يقال لها ‏أخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى مغفرة من الله ورضوان فتسيل كما تسيل القطرة من السقاء وإن ‏نفس الكافر يقال لها أخرجي إلى غضب من الله وسخطه فتتفرق في جسده وتأبى أن تخرج فيجذبونها ‏فينقطع معها العروق والعصب ، وفي رواية عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم قال : فتفرق روحه في جسده كراهة أن تخرج لما ترى وتعاين فيستخرجها كما ‏يستخرج السفود من الصوف المبلول " .‏
وقد دل القرآن على عذاب القبر في مواضع كقوله تعالى { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ‏والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير ‏الحق وكنتم عن ءاياته تستكبرون } .‏
‏138- وخرج الترمذي بإسناده عن علي قال : ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت { ألهاكم ‏التكاثر . حتى زرتم المقابر } .‏
‏139- وخرج ابن حبان في صحيحه من حديث حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي هريرة ‏عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وتعالى { فإن له معيشة ضنكاً } قال " عذاب القبر " ‏وقد روي موقوفاً وروي عن أبي هريرة مرفوعاً، وروي من وجه آخر من حديث أبي سعيد الخدري ‏مرفوعاً وموقوفاً وسيأتي إن شاء الله . ‏
‏140- وقال آدم بن أبي إياس حدثنا المسعودي عن عبد الله بن المخارق عن أبيه عن ابن مسعود قال ‏‏: إذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له من ربك وما دنيك فيقول لا أدري فيضيق عليه قبره ثم قرأ ‏ابن مسعود { فإن له معيشة ضنكاً } قال : المعيشة الضنك عذاب القبر . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:56 PM
‏141- وروى شريك عن ابن إسحاق عن البراء في قوله { وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك } ‏قال عذاب القبر ، وكذا روى عن ابن عباس في قوله سبحانه وتعالى { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ‏دون العذاب الأكبر } إنه عذاب القبر وكذا قال قتادة والربيع بن أنس في قوله عز وجل { سنعذبهم ‏مرتين } أحدهما في الدنيا والأخرى هي عذاب القبر . ‏
وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في عذاب القبر والتعوذ منه ، وفي الصحيحين ‏عن مسرق عن عائشة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر قال " نعم عذاب القبر ‏حق " قالت عائشة : فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك صلى صلاة إلا تعوذ من ‏عذاب القبر .‏
‏142- وفيهما عن عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إني رأيتكم تفتنون في ‏القبور كفتنة الدجال " قالت عائشة فكنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يتعوذ من ‏عذاب القبر .‏
‏143- وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعلمهم هذا الدعاء ‏كما يعلمهم السورة من القرآن " اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر ، ‏وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات " .‏
‏144- وفيه أيضاً عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا فرغ أحدكم من التشهد ‏الآخر فليتعوذ بالله من أربع : من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة ‏المسيح الدجال " .‏
‏145- وفي صحيح مسلم عن زيد بن ثابت قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط بني ‏النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به ، فكادت تلقيه ، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال " ‏من يعرف أصحاب هذه الأقبر ؟ " فقال رجل أنا : قال متى مات هؤلاء ؟ قال : ماتوا في الإشراك ‏فقال : " إن هذه الأمه تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ‏الذي أسمع منه " ثم أقبل علينا بوجهه فقال : " تعوذوا بالله من عذاب النار" قالوا : نعوذ بالله من ‏عذاب النار قال : " تعوذوا بالله من عذاب القبر " قالوا : نعوذ بالله من عذاب القبر قال : " تعوذوا ‏بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن " قالوا : نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن . قال : " ‏تعوذوا بالله من فتنة الدجال " قالوا : نعوذ بالله من فتنة الدجال .‏
‏146- وفي صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لولا أن لا تدافنوا لدعوت ‏الله ان يسمعكم من عذاب القبر " . ‏
‏147- وفي الصحيحين من حديث أبي أيوب الانصاري قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد ‏وجبت الشمس فسمع صوتاً فقال : " يهود تعذب في قبورها " . ‏
‏148- وخرج الغمام أحمد وأبو داود من حديث البراء بن عازب قال : خرجنا مع رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد ، فجلس رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم وجلسنا حوله كأنا على رؤوسنا الطير ومعه عود ينكت به الأرض ، فرفع رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم رأسه فقال : " استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثاً وذكر الحديث ‏بطوله . ‏
‏149- وخرج الغمام أحمد من حديث أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال : دخل رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم نخلاً لبني النجار فسمع أصوات رجال من بني النجار ماتوا في الجاهلية يعذبون في ‏قبورهم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعاً ، فأمر أصحابه أن يتعوذوا بالله من عذاب القبر ‏‏. ‏
‏150- وخرجه أيضاً من حديث أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر قالت : دخل عليَّ رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم وأنا في حائط من حوائط بني النجار فيه قبور منهم قد ماتوا في الجاهلية فسمعهم ‏يعذبون فخرج وهو يقول : " استعيذوا بالله من عذاب القبر " قلت : يا رسول الله إنهم ليعذبون في ‏قبورهم قال " نعم عذاباً يسمعه البهائم " .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:57 PM
‏151- وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال : " إنهما ليعذبان ‏وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرىء من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة " ثم أخذ ‏جريدة رطبة فشقها باثنتين ثم غرز على كل قبر منهما واحدة ، قالوا لم فعلت هذا يا رسول الله قال ‏‏: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " .‏
‏152- وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة خرجه ابن ماجه من ‏حديث أبي بكرة وفي حديثه " وأما الآخر فيعذب في الغيبة " .‏
‏153- وخرجه الخلال وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض رواياته ‏‏" وأما الآخر فكان يهمز الناس بلسانه ويمشي بينهم بالنميمة " وخرجه الطبراني من حديث عائشة ‏وأنس بن مالك وابن عمر .‏
‏154- وخرجه أبو يعلى الموصلي وغيره من حديث جابر وفي حديثه " أما أحدهما فكان يغتاب ‏الناس " .‏
‏155- وخرجه الأثرم من حديث أبي أمامة وفي حديثه قالوا : يا نبي الله وحتى متى يعذبان قال : " ‏غيب لايعلمه إلا الله ولولا تمريج قلوبكم وتزييدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع " .‏
وروي من وجوه أخر .‏
‏156- وخرج النسائي من حديث عائشة قالت : دخلت امراة من اليهود فقالت : إن عذاب القبر ‏من البول قلت : كذبت ، قالت : إنه ليقرظ من الجلد والثوب قالت : فخرج رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم إلى صلاته وقد ارتفعت أصواتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما هذا ؟ ‏فأخبرته بما قالت فقال : " صدقت " .‏
‏157- وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن حسنة سمع ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم ‏البول قطعوا ما أصابه البول فنهاهم فعذب في قبره " .‏
‏158- وخرج الغمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ‏أكثر عذاب القبر من البول " وروي موقوفاً عن أبي هريرة .‏
‏159- وخرج البزار والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن عامة ‏عذاب القبر من البول فتنزهوا منه " .‏
‏150- وخرج البزار والدار قطني من حديث أنس عن النبي قال : " اتقوا التبول فإنه أول ما يحاسب ‏به العبد في القبر " . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:58 PM
‏161- وخرج ابن عدي من حديث أنس أن النبي مر برجل يعذب في قبره من النميمة ورجل يعذب ‏في قبره من الغيبة ورجل يعذب في قبره من البول " .‏
‏162- وخرج أيضاً بإسناده فيه ضعف عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ‏فتنة القبر من ثلاث : من الغيبة ، والنميمة ، والبول " . ‏
‏163- ولكن روى عبد الوهاب الخفاف عن سعيد عن قتادة قال : كان يقال : عذاب القبر من ‏ثلاثة أثلاث ثلث من الغيبة ، وثلث من النميمة ، وثلث من البول ، خرجه الخلال وهذا أصح . ‏
‏164- وخرج الأثرم والخلال من حديث ميمونة مولاة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها " يا ‏ميمونة إن من أشد عذاب القبر من الغيبة والبول " ، وقد ذكر بعضهم السر في تخصيص البول ‏والنميمة بعذاب القبر وهو أن القبر أول منازل الآخرة وفيه أنموذج ما يقع في يوم القيامة من العقاب ‏والثواب ، و المعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان : حق لله وحق لعباده وأول ما يقضي فيه ‏يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ، ومن حقوق العباد الدماء .‏
وأما البرزخ فقضى فيه في مقدمات في هذين الحقين ووسائلهما . فمقدمة الصلاة : الطهارة من ‏الحدث والخبث ، ومقدمة الدماء النميمة والوقيعة في الأعراض وهما أيسر أنواع الاذى فيبدأ في البرزخ ‏بالمحاسبة والعقاب عليهما .‏
‏165- وروى عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحق عن أبي ميسرة عن شرحبيل قال : مات رجل ‏فلما أخل في قبره أتته الملائكة فقالوا : إنا جالدوك مائة جلدة من عذاب الله قال فذكر صلاته ‏وصيامه واجتهاده قال : فخففوا عنه حتى انتهى إلى عشرة ثم سألهم فخففوا عنه عتى انتهى إلى ‏واحدة فجلدوه جلدة اضطرم قبره ناراً ، وغشى عليه فلما أفاق قال : فيم جلدتموني هذه الجلدة ؟ ‏قالوا : إنك بلت يوماً ، وصليت ولم تتوضأ ، وسمعت رجلاً يستغيث مظلوماً فلم تغثه . ‏
‏166- ورواه أبو سنان عن أبي إسحق عن أبي ميسرة بنحوه ، ورويناه من طريق حفص بن سليمان ‏القارء وهو ضعيف جداً عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم . ‏فعذاب القبر حصل هاهنا بشيئين : أحدهما ترك طهارة الغدث ، والثاني ترك نصرة المظلوم مع القدرة ‏عليه ، كما أنه في الأحاديث المتقدمة حصل بترك طهارة الخبث والظلم بالقول وهي متقاربة في ‏المعنى. ‏
‏167- وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إني رأيت الليلة ‏عجباً " فذكر الحديث بطوله وفيه " رأيت رجلاً من أمتي بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوءه ‏فاستنقذه منه " أخرجه الطبراني وغيره ، ففي هذا الحديث أن الطهارة من الحدث تنجي من عذاب ‏القبر ، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينجي من عذاب القبر كما تقدم ذكره في الباب الثاني ‏لأن فيه غاية النفع للناس في دينهم ، وكذلك الجهاد والرباط فإن المجاهد والمرابط في سبيل الله كل ‏منهما بذل نفسه وسمح بنفسه لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر وليذب عن إخوانه المؤمنين ‏عدوهم .‏
‏168- وفي الترمذي عن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " للشهيد عند ‏الله ست خصال ، يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع ‏الاكبر " وذكر بقية الحديث.‏
‏169- وخرج الحاكم وغيره من حديث أبي أيوب عن النبي _صلى الله عليه وسلم قال : " من لقي ‏في سبيل الله فصبر حتى يقتل أو يغلب لم يفتن في قبره أبداً " .‏
‏169 - وفي صحيح مسلم عن سلمان عن النبي _صلى الله عليه وسلم _ قال : " رباط يوم وليلة ‏خير من صيام شهر وقيامه وإن مات أجرى عليه عمله الذي كان يعمله وأرى عليه رزقه وأمن الفتَّان ‏‏" . وخرجه غيره وقال فيه "وقى عذاب القبر"وخرج الترمذي وأبوداود من حديث فضالة بن عبيد ‏عن النبي – صلى الله عليه وسلم – معناه أيضاً. وروي من وجوه أخرى .‏
‏170- وخرج النسائي من حديث راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي _صلى الله عليه ‏وسلم _ أن رجلاً قال : يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد قال : كفي ببارقة ‏السيوف على رأسه فتنة " .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:58 PM
‏171- وروى مجالد عن محمد بن المنتشر عن ربعي عن حذيفة قال : إن في القبر حساباً، وفي ‏القيامة حساباً, فمن حوسب يوم القيامة عذب .‏
‏172- وروى ابن عجلان عن عوف بن عبد الله قال : يقال : إن العبد إذا أدخل قبره سئل عن ‏صلاته أول شيء يسأل عنه فإن جازت له صلاته نظر فيم سوى ذلك من عمله، وإن لم تجز له لم ‏ينظر في شيء من عمله بعد .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 01:59 PM
فصل
وقد ورد في عذاب القبر أنواع ، منها الضرب إما بمطراق من حديد أو غيره ، وقد سبق ذلك ‏أحاديث متعددة ‏

‏173- وروينا من طريق عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي ‏قال : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقيع الغرقد فوقف على قبرين فقال : " أدفنتم ها هنا فلاناً ‏وفلانة أو قال فلاناً وفلاناً " قالوا : نعم . فقال " قد أقعد فلان الآن يضرب " ثم قال : " والذي ‏نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عرق إلا انقطع ولقد تطاير قيره ناراً ولقد صرخ صرخة ‏يسمعها الخلائق إلا الثقلين الجن والإنس ولولا تمريج في صدوركم و تزييدكم في الحديث لسمعتم ما ‏أسمع " قالوا : يا رسول الله ما ذنبهما قال : " أما فلان فكان لا يستبرىء من البول وأما فلان أو ‏فلانة فكان يأكل لحوم الناس " و في هذا الإسناد ضعف . ‏
‏174- وروى ابن جرير في تفسيره من طريق أسباط عن السدي قال البراء بن عازب : إن الكافر ‏إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس معها عمود من حديد فتضربه ضربة بين كتفيه ‏فيصيح فلا يسمع صوته أحد إلا لعنه ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين الجن والإنس . ‏
‏175- ومن طريق جويبر عن الضحاك قال : الكافر إذا وضع في قبره ضربه بمطراق فيصيح صيحة ‏فيسمع صوته كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه . ‏
‏176- وروى اللالكائي بإسناده عن محمد بن المنكدر قال : بلغني " أن الله عز وجل يسلط على ‏الكافر في قبره دابة عمياء بيدها سوط من حديد رأسها مثل غرب الجمل تضربه إلى يوم القيامة لا ‏تراه ولا تسمع صوته فترحمه " . ومنها تسليط الحيات والعقارب ، وقد سبق ذلك من حديث أبي ‏هريرة . ‏
‏177- وروى ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث أن أبا السمح حدثه عن ابن حجيرة عن أبي ‏هريرة عن النبي _صلى الله عليه وسلم _ أنه قال : " أتدرون فيما أنزلت هذه الآية{ فإن له معيشة ‏ضنكاً } تدرون ما المعيشة الضنك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : عذاب الكافر في قبره، والذي ‏نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً أتدرون ما التنين ؟ قال تسعة وتسعون حية لكل حية ‏سبعة رؤوس " وفي رواية " تسعة رؤوس ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون " ‏خرجه بقي بن مخلد في مسنده، وخرجه البراز من وجه آخر عن ابن حجيرة عن أبي هريرة مرفوعاً ‏أيضفا مختصراً، وخرج ابن منده من طريق أبي حازم عن أبي هريرة وذكر قبض روح المؤمن والكافر، ‏وقال في الكافر " وتسلط عليه الهوام وهي الحيات فينام كالمنهوس ويفزع . وخرجه مرفوعاً أيضاً . ‏وقد روي عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي _ صلى الله عليه وسلم ‏‏_ قال : " يسلط على الكافر في قبره تسع وتسعون تنيناً يلدغونه حتى تقوم الساعة ولو أن تنيناً منها ‏نفخ على الأرض ما أنبتت خضراء " خرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من طريق سعيد بن [ ‏أبي ] أيوب عن سعيد أبي خلاد بن سليم ورواه ابن لهيعه عن دراج مرفوعاً أيضاً إلا أنه قال : " ضمه ‏القبر " . ‏
‏178- وخرجه الخلال من طريق سعيد أبي خلاد بن سليم عن دراج أبي السمح عمن حدثه عن أبي ‏سعيد : أنهم سألوهم عن المعيشة الضنك قالوا : هي معيشة الكافر في قبره ويضيق عليه قبره حتى ‏تداخل الأضلاع بعضها في بعض يتمنى أن لو خرج منها إلى النار . وهذا موقوف ، قد سبق في الباب ‏الثاني من وجه آخر مرفوعاً ، وقد روي بعضه من وجه مرفوعاً وموقوفاً أيضاً .‏
‏179- وروى منصور بن صقير عن حماد بن سلمة عن أبي حازم عن النعمان بن أبي عياش عن أبي ‏سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في هذه الآية :{ معيشة ضنكا} قال " المعيشة الضنك ‏عذاب القبر يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ولا يزال يعذب حتى يبعث " خرجه الخلال ، ‏ومنصور بن صقير فيه ضعف وخالفه آدم بن أبي إياس فرواه عن أبي حازم عن حماد بن سلمة ووقفه ‏وكذا رواه الثوري وسليمان بن بلال الداروردي وغيره عن أبي حازم عن النعمان عن أبي سعيد ‏موقوفاً أيضاً ، فمنهم من قال أخطأ فيه ابن عيينة ، كذا قاله أبو زرعة والعلائي ، وقيل بل أبو سلمة ‏هذا هو النعمان بن أبي عياش قاله أبو حاتم الرازي و أبو أحمد الحاكم وأبو بكر الخطيب . ‏
‏180- وخرج الإمام أحمد من حديث علي بن زيد بن جدعان عن أم محمد عن عائشة أن رسول ‏الله - صلى الله عليه وسلم - قال " يرسل على الكافرين حيتان واحدة من قبل رأسه والأخرى من ‏قبل رجليه يقرصانه قرصاً كلما فرغتا عادتا إلى يوم القيامة " . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:00 PM
‏181- وخرج بن أبي الدنيا بإسناد ضعيف عن الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ‏لا يرى أحد خارجاً من الدنيا شاتماً لأحد منهم - يعني من أول هذه الأمة - إلا سلط الله عليه دابة ‏في قبره تقرص لحمه يجد ألمه إلى يوم القيامة " .‏
‏182- وخرج الخلال من طريق عاصم عن زرعن ابن مسعود قال : يقال للكافر في قبره : ما أنت ؟ ‏فيقول : لا أدري فيقال : لا دريت ثلاثاً ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويرسل عليه حيات ‏من جوانب قبره تنهشه وتأكله فإذا خرج فصاح قمع بمقمع من نار أو حديد ، وخرجه أبو بكر ‏الأجري وزاد فيه " ويضرب ضربة يلتهب قبره ناراً " وعنده " ويبعث عليه حيات من حيات القبر ‏كأعناق الإبل " . ‏
‏183- وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الموت بإسناده عن عبيد بن عمير قال : يسلط عليه شجاع ‏أقرع فيأكله حتى يأكل أم هامته فهذا أول ما يصيبه من عذاب الله . وبإسناده عن مسروق قال : ما ‏من ميت يموت وهو يزني أو يسرق أويشرب أويأتي شيئاً من هذه إلا جعل معه شجاعان ينهشانه في ‏قبره ، ومنها رض رأس الميت بحجر وشق شدقه ونحو ذلك. ‏
‏184- قد ورد ذلك من حديث سمرة بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " رأيت ‏الليلة رجلين آتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده ‏كلوب من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر قبل ذلك ويلتأم شدقه هذا ‏فيعود فيصنع مثله ، قلت ما هذا ؟ قالا : انطلق فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ‏ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ بها رأسه ، فإذا ضرب تدهده الحجر فانطلق إليه ‏ليأخذه فلا يرجع على هذا حتى يلتأم رأسه وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه ، قلت من هذا ؟ ‏قالا : انطلق فانطلقنا إلى نقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته ناراً فإذا اقترب ارتفعوا ‏حتى كادوا يخرجون فإذا خمدت رجعوا فيها وفيها رجال ونساء فقلت من هذا ؟ قالا : انطلق ‏فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى شاطئ النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل ‏الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ‏ليخرج رمى في فيه حجراً رجع كما كان ! قلت : ما هذا ؟ قالا لي : انطلق فانطلقنا " فذكر ‏الحديث. وفيه " قلت طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت قالا : نعم أما الرجل الذي رأيته يشق شدقه ‏فكذاب يحدث بالكذب فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ذلك إلى يوم القيامة ، وأما الذي رايته ‏يشدخ راسه فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار يفعل به إلى يوم القيامة ، ‏وأما الذي رأيت في النقب فهم الزناة ، وأما الذي رأيت في النهر فآكل الربا " وذكر الحديث بطوله ‏، خرجه البخاري ، وروى هذا أبو خلدة عن أبي حازم عن سمرة وفي حديثه " قلت : فالذي يسبح ‏في الدم قال : ذاك صاحب الربا ذاك طعامه في القبر إلى يوم القيامة قلت فالذي يشدخ رأسه ؟قال : ‏ذاك رجل تعلم القرآن فنام حتى نسيه لا يقرأ منه شيئاً كلما رقد دقوا رأسه في القبر إلى يوم القيامة ‏ولا يدعونه ينام .‏
ومنها تضييق القبر على الميت حتى تختلف فيه أضلاعه ، وقد سبق ذلك في أحاديث متعددة .‏
‏185- وخرج الخلال بإسناد ضعيف عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الكافر ‏‏: " يضيق عليه قبره حتى يخرج دماغه من بين أظفاره ولحمه " .‏
‏186- وقد ورد ما يدل على أن التضييق عام للمؤمن والكافر ، وصرح بذلك طائفة من العلماء ‏منهم ابن بطة وغيره فروى شعبة عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن عائشة عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم قال : " إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجياً منها لنجا منها سعد بن معاذ " خرجه الإمام أ حمد ‏وقد اختلف على شعبة في إسناده فقيل عنه كما ذكرنا ، وقيل عن شعبة عن نافع عن إنسان عن ‏عائشة وقيل عنه عن سعد عن نافع عن امرأة ابن عمر عن عائشة .‏
‏ وروى الثوري عن سعد عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بالمحفوظ . ‏
‏187- وروى ابن لهيعة عن عقيل سمع سعد بن إبراهيم يخبر عن عائشة بنت سعد عن عائشة أم ‏المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لها " تعوذي بالله من عذاب القبر فإنه لو نجا منه أحد ‏لنجا سعد بن معاذ لكنه لم يزد على ضمه " خرجه الطبراني ، ورواية شعبة أفصح . ‏
‏188- وخرج الإمام أحمد من حديث محمد بن جابر عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة ‏قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فلما انتهينا إلى القبر قعد على شقه فجعل يردد بصره ‏فيه ثم قال " يضغط المؤمن ضغطة تزول منها حمائله ويملى على الكافر ناراً " ومحمد بن جابر هو التالي ‏ضعيف وأبو البختري لم يدرك حذيفة .‏
‏189- وخرج النسائي من حديث نافع عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ‏هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفاً من الملائكة لقد ضم ضمة ‏ثم فرج عنه " . وخرجه البزار وقال : روي عن عبيد الله عن نافع مرسلاً، قلت : سبق الاختلاف فيه ‏على سعد بن إبراهيم عن نافع . ‏
‏190- ورواه زيد بن أنيسة عن جابر عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي - ‏صلى الله عليه وسلم - قال : " إن كنت لأرى لو أن أحداً أعفى من عذاب القبر لعفى منه سعد بن ‏معاذ لقد ضم فيه ضمة ".‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:00 PM
‏191- وخرج البزار من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر، وخرج الطبراني من طريق زكريا بن سلام ‏عن سعيد بن مسروق عن أنس قال : لما ماتت زينب بنت رسول الله _صلى الله عليه وسلم _ حزن ‏ثم سرى فقلنا يا رسول الله رأينا منك ما لم نر قال : " ذكرت زينب وضعفها وضغطة القبر لقد هون ‏عليها وهي لقد ضغطت ضغطة بلغت الخافقين " . وزكريا قيل : إنه مجهول، وسعيد بن مسروق لم ‏يدرك أنساً فهو منقطع ، وقد روى من وجه آخر عن آنس من رواية الأعمش عن أنس عن النبي ‏‏_صلى الله عليه وسلم _ بمعناه ، وكذا رواه حمزة السكري عن الأعمش والأعمش لم يسمع من ‏أنس عند الأكثرين . ‏
‏192- وقيل عن أبي حمزة عن الأعمش عن سليمان عن أنس ورواه سعد بن الصلت عن الأعمش ‏عن أبي سفيان عن أنس ، ورواه حماد بن سلمة عن ثمامة عن أنس أن النبي _صلى الله عليه وسلم _ ‏دفن صبياً أو صبية فقال " لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منها هذا الصبي " خرجه الخلال والطبراني ‏وقد اختلف فيه على حماد ، فرواه جماعة عن عثمان مرسلاً و المرسل هو الصحيح عند أبي حاتم ‏الرازي والدارقطني . ‏
‏193- وروى ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي النضر عن زياد مولى ابن عباس أن النبي - ‏صلى الله عليه وسلم - صعد على قبر سعد بن معاذ فقال " لو نجا من ضغطة القبر أحد منه لنجا ‏سعد بن معاذ لقد ضم ضمة ثم فرج عنه " خرجه الطبراني وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث ‏يزيد بن عبد الله بن الهاد عن معاذ بن رفاعة عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لسعد ‏وهو يدفن " سبحان الله لهذا العبد الصالح الذي تحرك له عرش الرحمن وفتحت له أبواب السماء شدد ‏عليه ثم فرج عنه " .‏
‏195- وخرجه الإمام أحمد من طريق ابن اسحاق حدثني معاذ بن رفاعة عن محمود بن عبد الرحمن ‏بن عمرو بن الجموح عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لقد تضايق على هذا العبد ‏الصالح قبره حتى فرج الله عنه " . وذكر ابن اسحاق اهتزاز العرش وفتح أبواب السماء عن معاذ بن ‏رفاعة قال حدثني من سألت من رجال قومي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكره في ‏حديث جابر ، وزاد في إسناد حديث جابر رجلاً وقوله أصح من قول يزيد بن الهاد في هذا كله عند ‏كثير من أئمة الحفاظ والله أعلم .‏
‏196- وخرج البيهقي من حديث أبي إسحاق حدثني أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد ، ما ‏بلغكم من قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ؟ قالوا : ذكر لنا أن رسول - الله صلى الله عليه ‏وسلم - سئل عن ذلك فقال " كان يقصر في بعض الطهور من البول وذكر ابن أبي الدنيا عن محمد ‏بن عبد الله التميمي قال : سمعت أبا بكر التميمي شيخاً من قريش يقول : إن ضمة القبر أصلها أنها ‏أمهم ومنها خلقوا فغابوا عنها الغيبة الطويلة فلما رد إليها أولادها ضمتهم ضمة الوالدة التي غاب ‏عنها ولدها ثم قدم عليها فمن كان لله مطيعاً ضمته برأفة ورفق ومن كان لله عاصياً ضمته بعنف ‏سخطاً منها عليه لربها .‏
‏198- وروي في كتاب المحتضرين بإسناده عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع . أنه لما حضرته ‏الوفاة جعل يبكي فقيل : ما يبكيك ؟ فقال : ذكرت سعداً وضغطة القبر .‏
‏199- وروى هناد بن السري عن سعيد بن دينار عن إبراهيم الغنوي عن رجل عن عائشة أنها مرت ‏بها جنازة صغير فبكت وقالت : بكيت لهذا الصبي شفقة عليه من ضمة القبر .‏
‏200- قال هناد : وحدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن ابن أبي مليكة قال : ما أجير من ضغطة القبر ‏أحد ولا سعد بن معاذ الذي منديل من مناديله خير من الدنيا وما فيها .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:01 PM
‏201- وقال أبو الحسن بن براء : حدثنا محمد بن الصباح حدثنا عمار بن محمد عن ليث عن المنهار ‏عن زاذان عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم ‏غواش } قال : يكسى الكافر في قبره ثوبين من نار فذلك قوله سبحانه وتعالى { ومن فوقهم غواش ‏‏} غريب منكر .‏
وقد قيل : إن العذاب يفتر عن أهل القبور فيما بين النفختين ، كذا ذكره سعيد ابن بشير ، يدل على ‏ذلك قوله تعالى { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن } يعني تلك الفترة التي لا عذاب ‏فيها . ‏
‏202- وورد ذلك مرفوعاً خرجه الخلال في كتاب السنة حدثنا إسحاق بن الناسكي حدثنا محمد بن ‏صعب حدثنا روح بن مسافر عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال " إن هذه الأمة تبتلى في قبورها " وذكر الحديث بطوله وفي آخر قال " يعذبون في قبورهم إلى ‏قريب من قيام الساعة ثم ينامون قبل الساعة وهي النومة التي ندموا عليها حيث قالوا { يا ويلنا من ‏بعثنا من مرقدنا هذا } وهذا إسناد ضعيف وروح بن مسافر وإسحاق بن خالد ضعيفان جداً .‏
‏203- وقد يرفع عذاب القبر أو بعضه في بعض الأشهر الشريفة فقد روي بإسناد ضعيف عن أنس ‏بن مالك أن عذاب القبر يرفع عن الموتى في شهر رمضان وكذلك فتنة القبر ترفع عمن مات يوم ‏الجمعة أو ليلة الجمعة .‏
‏204- كما خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم قال " ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر " . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:02 PM
فصل

وأما نعيم القبر فقد دل عليه قوله تعالى { فأما إن كان من المقربين . فروح وريحان وجنة نعيم } ‏كما سبق ، وقد تقدم في حديث البراء وغيره ذكر بعض نعيم القبر ‏

‏205 - وروى ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث أن أبا السمح دراجاً حدثه عن ابن حجيرة عن ‏أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن المؤمن في قبره لفي روضة خضراء ويرحب له قبره ‏سبعون ذراعاً وينور له فيه كالقمر ليلة البدر " . ‏
‏206- وروى أبو عبد الرحمن المقري حدثنا داود وأبو بحر عن صهر له يقال له : مسلم بن مسلم ‏عن مورق العجلى عن عبيد بن عمير قال : قال : عبادة بن الصامت :إذا حضرت الوفاة يعني المؤمن ‏المتهجد بالقرآن جاء القرآن فوقف عند رأسه وهم يغسلونه فإذا فرغ منه دخل حتى صار بين صدره ‏وكفنه ، فإذا وضع في قبره جاء منكر ونكير خرج حتى صار بينه وبينهما فيقولان له : إليك عنا فإنا ‏نريد أن نسأله فيقول : والله ما أنا بمفارقه وإن كنتما أمرتما فيه بشيء فشأنكم ثم ينظر إليه فيقول : ‏هل تعرفني ؟ فيقول : لا فيقول : أنا القرآن الذي أسهر ليلك وأظمأ نهارك وأمنعك شهوتك وسمعك ‏وبصرك فستجدني من الأخلاء خليل صدق فأبشر فما عليك بعد مسألة منكر ونكير من هم ولا ‏حزن ثم يخرجان عنه فيصعد القرآن إلى ربه فيسأله فراشاً ودثاراً قال : فيؤمر له بفراش ودثاراً وقنديل ‏من الجنة وياسمين من الجنة فيحمل ألف ملك من مقربي السماء الدنيا قال : فيسبقهم إليه القرآن ‏فيقول : هل استوحشت بعدي ؟ فإني لم أزل بربي حتى أمر لك بفراش ودثار من الجنة قال : فتدخل ‏عليه الملائكة فيحملونه ويفرشون له ذلك الفراش ويضعون الدثار تحت رجليه والياسمين عند صدره ‏ثم يحملونه حتى يضعونه علىشقه الأيمن ، ثم يصعدون عنه فيستلقي عليه فلا يزال ينظر إلى الملائكة ‏حتى يلجوا في السماء ثم يدفع القرآن في قبلة القبر فيوسع عليه ما شاء الله من ذلك .‏
‏207- قال أبو عبد الرحمن : وكان في كتاب معاوية فيوسع له مسيرة أربع مائة عام ثم يحمل ‏الياسمين من عند صدره فيجعله عند أنفه فيشمه غضاً إلى يوم القيامة ، ثم يأتي أهله كل يوم مرة أو ‏مرتين فيأتيه بخبرهم ويدعو لهم بالخير والإقبال ، فإن تعلم أحد من ولده القرآن بشر بذلك وإن كان ‏عقبة سوءاً أنى الدار بكرة وعشيا فبكى إلى أن ينفخ في الصور أو كما قال .‏
‏208- قال الحافظ أبو موسى المديني . هذا خبر رواه الإمام أحمد بن حنبل وأبو خيثمة وطبقتهما من ‏المتقدمين عن أبي عبد الرحمن المقري ، وقد تقدم في الباب الثاني " القبر روضة من رياض الجنة أو ‏حفرة من حفر النار " من حديث أبي هريرة وأبي سعيد بإسنادين ضعيفين .‏
‏209- وروي أيضاً من حديث ابن عمر خرجه ابن أبي الدنيا ، حدثنا هارون بن سفيان حدثنا محمد ‏بن عمر أخبرنا أخي سلمة بن عمر عن ابن أبي شيبة بن أبي كثير الأشجعي عن نافع عن ابن عمر عن ‏النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار " إسناده ‏ضعيف .‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:03 PM
فصل
وقد كشف لمن يشاء من عباده من أهل القبور ونعيمهم وقد وقع بعض ذلك في زمن النبي - ‏صلى الله عليه وسلم - ووقع بعده كثيراً‏

‏210- فروى خالد بن حبان الدفني عن كلثوم بن حوس عن يحيى المديني عن سالم بن عبد الله بن ‏عمر عن أبيه قال : خرجت أسير وحدي فمررت بقبور من قبور الجاهلية فإذا رجل قد خرج من قبر ‏منها يلتهب ناراً وفي عنقه سلسلة من نار ومعي إداوة من ماء ، فلما رآني قال يا عبد الله اسقني ، يا ‏عبد الله صب علي قال : فوالله ما أدري أعرفني أو كلمة تقولها العرب إذا خرج رجل من القبر وقال ‏‏: يا عبد الله لا تسقه فإنه كافر قال : فأخذ السلسلة فاجتذبه حتى أدخله القبر قال : وآواني الليل إلى ‏منزل عجوز إلى جانب بيتها قبر وقال سمعت هاتفاً يهتف بالليل يقول : بول ما بول ، شن وما شن ‏فقلت : ويحك ما هذا ؟ فقالت : زوج لي وكان لا يتنزه من البول فأقول له : ويحك إن البعير إذا بال ‏تفاج . فكان لا يبالي قالت : وبينما هو جالس إذ جاءه رجل فقال : اسقني فإني عطشان قال : ‏عندك الشن وشن لنا معلق فقال يا هذا اسقني فإني الساعة أموت . قال : عندك الشن قالت : ووقع ‏الرجل ميتاً قالت وهو ينادي من يوم مات بول وما بول شن وما شن . قال : فلما قدمت على ‏رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرته بما رأيت في سفري فنهى عند ذلك : أن يسافر الرجل ‏وحده ، خرجه ابن البراء في كتاب الروضة والخلال في كتاب السنة وابن أبي الدنيا في كتاب من ‏عاش بعد الموت ويحيى المديني غير معروف وخرج ابن أبي الدنيا من طريق عمرو بن دينار قهرمان آل ‏الزبير وهو ضعيف عن سالم عن أبيه من أول هذا الحديث إلى قوله فلا أدري أعرف اسمي أو كقول ‏الرجل يا عبد الله قال : فالتفت فإذا هو قد أدخله القبر وإذا هو قد أهوى إليه بضربة ، ولم يذكر ما ‏بعده ، وخرجه اللالكائي في كتاب السنة من حديث السري بن يحيى عن مالك بن دينار أنه سمعه من ‏سالم بن عبد الله يحدثه عن أبيه وهو خطأ إنما سمعه مالك عن عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير يحدثه ‏عن سالم .‏
‏211- وخرج الطبراني من طريق عبد الله بن محمد بن المغيرة وهو ضعيف عن مالك بن مغول عن ‏نافع عن ابن عمر قال : بينما أنا أسير بجنبات بدر إذ خرج رجل من حفرة إلى حفرة في عنقه سلسلة ‏فنادى يا عبد الله أسقني فذكره بمعناه ، وقال فيه : فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - مسرعاً ‏فأخبرته فقال : " أو قد رأيته ؟ " فقلت نعم . قال : " عدو الله أبو جهل وذلك عذابه إلى يوم القيامة ‏‏" . ‏
‏212- وخرج ابن أبي الدنيا من طريق خالد عن الشعبي أن رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم ‏‏- إني مررت ببدر فرأيت رجلاً يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الأرض ثم ‏يخرج فيفعل به مثل ذلك مراراً فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ذلك أبو جهل بن ‏هشام يعذب إلى يوم القيامة " . ‏
‏213- وذكر الواقدي بغير إسناد أن ابن عمر رأى ذلك ببطن رابغ وأن الملك قال له : لا تسقه فإنه ‏أبي ابن خلف قتيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .‏
‏214- وخرج ابن أبي الدنيا من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال : بينما راكب ‏يسير بين مكة والمدينة إذ بمقبرة فإذا رجل قد خرج من قبره يلتهب ناراً مصفداً في الحديد فقال : يا ‏عبد الله انفخ انفخ . وخرج آخر يتلوه فقال : يا عبد الله لا تنفخ قال : وعشي على الراكب وعدلت ‏به راحلته إلى العرج . ‏
‏ قال وأصبح قد ابيض شعره حتى صار كأنه ثغامة ، قال : فأخبر بذلك عثمان فنهى أن يسافر ‏الرجل وحده . ‏
‏215- وخرج أيضاً من طريق يحيى بن أيوب بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن الحويرث بن الديان ‏قال : بينما أنا بالإثاية إذ خرج علينا إنسان من قبر يلتهب وجهه ورأسه ناراً وهو في جامعة من ‏حديد فقال : اسقني من الإداوة وخرج إنسان في أثره فقال : لا تسق الكافر . فأدركه فأخذ بطرف ‏السلسلة فجذبه فكبه ثم جره حتى دخلا القبر جميعاً قال الحويرث : فضربت بي الناقة لا أقدر منه على ‏شيء حتى ألتقط بعرق الضبية فركت ونزلت فصليت المغرب والعشاء الآخرة ثم ركبت حتى أصبحت ‏بالمدينة فأتيت عمر بن الخطاب فأخبرته الخبر : فقال يا حويرث والله ما اتهمك ولقد أخبرتني خبراً ‏شديداً ثم أرسل عمر إلى مشيخته من كنف الصفراء قد أدركوا الجاهلية ثم دعى الحويرث وقال : إن ‏هذا أخبرني ولست اتهمه حدثهم يا حويرث ما حدثتني ، فحدثهم فقالوا : قد عرفنا هذا يا أمير ‏المؤمنين هذا رجل من غفار مات في الجاهلية فحمد الله عمر وسر بذلك حين أخبروه أنه مات في ‏الجاهلية فسألهم عمر عنه فقالوا : يا أمير المؤمنين كان رجلا من رجال الجاهلية ولم يكن يرى للضيف ‏حقاًّ .‏
‏216- وروي هشام بن عمار في كتاب البعث عن يحيى بن حمزة حدثني النعمان عن مكحول أن ‏رجلاً أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد ابيض رأسه ونصف لحيته فقال له عمر : وما بالك ؟ ‏فقال : يا أمير المؤمنين مررت بمقبرة بني فلان ليلا فإذا رجل يطلب رجلا بسوط من نار كلما لحقه ‏ضربه فاشتعل ما بين مفرقه إلى قدمه نارا فلاذ بي الرجل فقال : يا عبد الله أغثني فقال الطالب : يا ‏عبد الله لا تغثه فبئس عبدالله هو ، فقال عمر : كذلك كره لكم نبيكم ان يسافر الرجل وحده.‏
‏217- وخرج ابن ابي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت من طريق شهاب بن خراش عن عمه ‏العوام بن حوشب عن مجاهد قال : أردت حاجة فبينما أنا في الطريق إذ فجأني حمار قد خرج عنه من ‏الأرض فنهق في وجهي ثلاثا ثم دخل فأتيت القوم الذين أردتهم فقالوا : ما لنا نرى لونك قد حال ، ‏فأخبرتهم الخبر فقالوا : ذاك غلام من الحي ، وتلك أمه في تلك الخباء وكانت إذا أمرته بشيء شتمها ‏وقال : ما أنت الا حمار فنهق في وجهها فمات فدفناه في ذلك الحفير فما من يوم الا وهو يخرج رأسه ‏في الوقت الذي دفناه فينهق إلى ناحية الخباء ثلاث مرات ثم يدخل .‏
‏218- وخرجه من وجه آخر عن شهاب عن عمه العوام عن عبد الله بن ابي الهذيل قال : كان ‏رجل إذا كلمته أمه نهق في وجهها ثلاثا ثم ذكر باقيه مختصرا ، قال ابن أبي الدنيا : وحدثنا سويد بن ‏سعيد حدثنا الحكم بن سنان عن عمرو بن دينار قال : كان رجل من اهل المدينة له أخت فماتت ‏فجهزها وحملها إلى قبرها فلما دفنت ورجع إلى أهله ذكر أنه نسي كيسا كان معه في القبر فاستعان ‏برجل من أصحابه فأتيا القبر فنبشاه فوجدا الكيس فقال للرجل : تنح حتى أنظر على أي حال أختي ‏فرفع بعض ما على اللحد فإذا القبر يشتعل نارا فرده وسوى القبر ورجع إلى أمه فسألها عن حال أخته ‏فقالت كانت تؤخر الصلاة عن وقتها ولا تصلي فيما أظن في وضوء وتأتي أبواب الجيران إذا ناموا ‏فتلقم أذنها أبوابهم فتخرج حديثهم . ‏
‏220- وقال أبو الحسن بن البراء : حدثنا العباس بن أبي عيسى حدثنا محمد بن يوسف والفريابي ، ‏حدثنا أبو سنان وهو حي إذهبوا فاسألوه عن هذا قال : فلم أذهب أسأله قال : مات أخ له فجزع ‏عليه جزعاً شديداً ، قلنا ما يحزنك عليه قال : ما حزني عليه لموته ولكن لما فرغت من دفنه سمعت ‏صيحة من قبره وهو يقول أواه ولا أدري في الثانية أوالثالثه فنبشته حتى بلغت قريباً من اللبن فإذا ‏طوق من نار في كفنه وفي وسطه فأدخلت يدي رجاء أن أقطع ذلك الطوق فأحرقت أصابعي ‏فبادرت إحراقها فإذا يده قد احترقت قال : قلت للأوزاعي : هؤلاء اليهود والنصارى يموت الميت ‏منهم فلا يسمع هذا منهم . فقال : أن اليهود والنصارى لا يشك أنهم صاروا إلى النار وهذا يريد الله ‏أن يعظكم في ملتكم .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:04 PM
‏221- وروى ابن أبي الدنيا عن طريق عمر بن هارون عن عبد الحميد بن محمود المغولي قال : كنت ‏جالساً عند ابن عباس فأتاه قوم فقالوا : إنا خرجنا حجاجاً ومعنا صاحب لنا حتى أتينا ذات الصفاح ‏فمات فهيأناه ثم انطلقنا فحفرنا له قبراً ولحدنا له لحداً فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسود قد ملأت ‏اللحد فتركناه وأتيناك فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ذلك عمله الذي كان يعمل به ، انطلقوا ‏فادفنوه في بعضها فلما رجعنا قلنا لامرأته ما كان عمله ويحك ؟ قالت: كان يبيع الطعام فيأخذ كل ‏يوم قوت أهله ثم يقرظ القصب مثله فيلقيه فيه .‏
‏222- وروى الهيثم بن عدي حدثنا أبان بن عبد الله البجلي قال : هلك جار لنا فشهدنا غسله ‏وكفنه وحمله إلى قبره وإذا شيء في قبره شبيه بالهرة فزجرناه فلم ينزجر فضربالحفار جبهته ببيرمة فلم ‏يبرح فتحولنا إلى قبر آخر ، فلما الحدوا فإذا هو فيه فصنعنا به مثلما صنعوا أولاً ، فلم يبرح يلتفت ‏فرجعوا إلى قبر ثالث فلما ألحدوا وإذا ذاك الهر فيه ، فصنعوا فيه مثلما صنعوا أولاً ، فلم يلتبت فقال ‏بعض القوم : يا هؤلاء إن هذا الأمر ما رأينا مثله فادفنوا صاحبكم فدفنوه فلما سوي عليه اللبن سمعوا ‏قعقعة عظامه فذهبو إلى امرأته فقالوا : يا هذا ما كان يعمل زوجك ؟ وحدثوها بما رأوه فقالت : ما ‏كان يغتسل من الجنابة .‏
‏223- قال أبو الحسن بن البراء : حدثني عبد الله بن المدني قال : كان لي صديق فقال : فخرجت ‏إلى ضيعتي فأدركني العصر إلى جانبي مقبرة ، فصليت العصر قريبا منها ، فبينما أنا جالس إذ سمعت ‏من ناحية القبر صوتا وأنيناً فدنوت من القبر فإذا هو يقول : آه كنت أصوم , كنت اصلي فأصابتني ‏قشعريرة فدعوت من حضرني , فسمع كما سمعت ومضيت إلى ضيعتي ورجعت فصليت في موضعي ‏الأول ، وصبرت حتى غابت الشمس وصليت المغرب ثم استمعت على ذلك القبر فإذا هو يأن : آه ‏كنت أصوم كنت أصلي , فرجعت إلى أهلي فحممت ومرضت شهرين .‏
‏224- وخرج أبو القاسم اللالكائي في كتابه شرح السنة بإسناده عن يحيى بن معين قال : قال لي ‏حفار المقابر : أعجب ما رأيت في هذه المقابر أني سمعت من قبر أنيناً كأنين المريض ، وبإسناده عن ‏الحارث المحاسبي قال : كنت في الجبانة في البصرة على قبر فأسمع من القبر : أواه من عذاب الله ، قال ‏الحارث : وكنت في مقبرة ههنا في باب المقبرة فأسمع صوت القنا بعضها على بعض يضرب وأنا ‏مشرف على المقبرة من قبر وهو يقول : أواه .‏
‏225- وبإسناده عن صدقة بن خالد الدمشقي عن بعض أهل دمشق قال : حججنا فهلك صاحب ‏لنا في بعض الطريق على ماء من تلك المياه فأتينا أهل الماء نطلب شيئاً نحفر له ، فأخرجوا لنا فاساً و ‏مجرفة فلما وارينا صاحبنا نسينا الفأس في القبر ، فنبشناه فوجدناه قد جمع عنقه ويداه ورجلاه في ‏حلقة الفأس فسوينا عليه التراب وأرضينا أصحابه من الثمن ، فلما انصرفنا جئنا إلى امرأته فسألناها ‏عنه ؟ فقالت : كان علي ما رأيتم من حاله يحج ويغزو فلما أخبرناها الخبر ، قالت : صحبه رجل معه ‏مال : فقتل الرجل ، وأخذ المال قالت فيه : كان يحج ويغزو . ‏
‏ 226- وخرج ابن أبي الدنيا بإسناده عن يزيد بن المهلب قال : استعملني سليمان بن عبد الملك ‏على العراق وخرسان فودعني عمر بن عبد العزيز فقال : يا يزيد اتق الله فإني حين وضعت الوليد في ‏لحده فأهوى يركض في أكفانه .‏
‏227- وبإسناده عن عمرو بن ميمون بن مهران قال : سمعت عمر بن عبد العزيز يقول : كنت ‏فيمن دلى الوليد بن عبد الملك في قبره ، فنظرت إلى ركبتيه قد جمعت إلى عنقه ، فقال ابنه : عاش ‏والله أبي ورب الكعبة فقلت : عوجل أبوك ورب الكعبة قال : فاتعظ بها عمر بعد .‏
وبإسناده عن الفضل بن يونس أن عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة بن عبد الملك : حدثني مولاك عن ‏فلان أنه لما دفن أباك والوليد فوضعهما في قبرهما وذهب ليحل العقد عنهما وجد وجوههما قد ‏حولت في أقفيتهما .‏
‏228- قال ابن أبي الدنيا : وحدثنا عبد المؤمن بن عبد الله الموصلي حدثني رجل من أهل الرملة قال ‏‏: أصابتنا ريح شديدة كشفت عن القبور قال : فنظرت إلى جماعة منهم قد حولوا عن القبلة .‏
‏229- وحدثني رجل أنه ماتت له ابنة فأنزلها القبر فذهب ليصلح لبنة فإذا هي قد حولت عن القبلة ‏، فاغتمت لذلك غماً شديداً قال : فرأيتها في النوم فقالت : عامة من حولي من أهل القبور محولون ‏عن القبلة قال : كأنها تريد الذين ماتوا على الكبائر .‏
‏230- وروينا من طريق إسحاق الفزاري أنه سأل نباشاً قد تاب فقلت : أخبرني عمن مات على ‏الإسلام أترك وجهه على ما كان أم ماذا ؟ قال : أكثر ذلك قد حول وجهه عن القبلة ، قال : ‏فكتبت بذلك إلى الأوزاعي فكتب إلي : { إنا لله وإنا إليه راجعون } ثلاث مرات من حول وجهه ‏عن القبلة فإنه مات على غير السنة ، وخرجهما ابن أبي الدنيا مختصراً .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:04 PM
‏231- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي الحريش عن أمه قالت : لما حفر أبو جعفر خندق في ‏الكوفة حول الناس موتاهم ، فرأيت شاباً ممن حول عاضاً على يده . قال : وحدثنا عبد المؤمن بن ‏عبد الله العنسي قال : قيل لنباش قد كان تاب ما أعجب ما رأيت ؟ قال : نبشت رجلاً فرأيته ‏مسمراً بالمسامير في سائر جسده ومسمار كبير في رأسه وآخر في رجليه . وقيل لنباش آخر : ما ‏أعجب ما رأيت ؟ قال : رأيت جمجمة إنسان مصبوباً فيها رصاص وقيل لنباش آخر : ما كان سبب ‏توبتك ؟ قال : عامة ما كنت أنبش أراه محول الوجه عن القبلة . ‏
‏232- وذكر ابن الفارسي الليث صاحب أبي الفرج ابن الجوزي في تاريخه أنه في سنة تسعين ‏وخمسمائة وجد ميت ببغداد بظاهر باب البصرة ، وقد بلي ولم يبق غير عظامه ، وفي يديه ورجليه ‏ضباب حديد ، وضرب فيها مسماران أحدهما في سرته ، والآخر في جبهته ، وكان هائل الخلقة ، ‏غليظ العظام ، وكان سبب ظهوره زيادة الماء ، كشفت تلا كان يعرف بالتل الأحمر على ميلين من ‏سور باب البصرة القديم .‏
‏233- وذكر شيخنا أبو عبد الله بن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الروح حدثنا أبو عبد الله محمد ‏بن سنان السلامي التاجر ، وكان من خيار عباد الله ، قال : جاء رجل إلى سوق الحدادين ببغداد ، ‏فباع مسامير صغاراً فأخذها الحداد فجعل يحمي عليها ، فلا تلين معه حتى عجز عن ضربها ، فطلب ‏الذي باعها عليه ؟ فوجده فقال : من أين لك هذه المسامير ، قال : لقيتها ، فلم يزل حتى أخبره أنه ‏رأى قبراً مفتوحاً وفيه عظام ميت منظومة بهذه المسامير قال : فعالجتها على أن أخرجها ، فلم أقدر ، ‏فأخذت حجراً فكسرت عظامه وجمعتها ، قال : وأنا رأيت تلك المسامير ، قلت : وكيف وجدت ‏صفتها ؟ قال : المسمار صغير برأسين . قلت : هذه الحكاية مشهورة ببغداد وقد سمعتها وأنا صبي ‏ببغداد وهي مستفيضة بين أهلها . قال شيخنا : وحدثنا أبو عبد الله محمد بن الوزير الحراني أنه خرج ‏من داره بآمد بعد العصر إلى بستان ، فلما كان قبل غروب الشمس توسط القبور فإذا قبر منها ، ‏وهو جمرة نار مثل كور الحداد زجاج والميت في وسطه قال : فجعلت أمسح عيني ، أقول : أنا نائم ‏أم يقظان ، ثم التفت إلى سور المدينة فقلت : والله ما أنا بنائم ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش ، ‏فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل ، فدخلت البلد وسألت عن صاحب القبر ، فإذا هو مكاس قد توفي ‏في ذلك اليوم .‏
‏234- وأنبأنا الحافظ أبو محمد القاسم بن محمد البرازلي فيما ذكره في تاريخه عن عبد العزيز بن عبد ‏المنعم بن الصقيل الحراني قال : حكى لي عبد الكافي أنه شهد مرة جنازة فإذا عبد أسود معنا ، فلما ‏صلى الناس ، لم يصل ، فلما حضرنا الدفن نظر إلي ثم قال : أنا عمله قم ألقى نفسه في القبر ، قال : ‏فنظرت فلم أر شيئاً . وأنبأنا محمد بن خليفة عن عبد المؤمن بن خلف الحافظ قال : سمعت محمد بن ‏أسماعيل هبة الله الدمياطي يقول : سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله الثعلبي صاحب السفلى يقول ‏‏: كان عندنا نباش يتكفف الناس أعمى وكان يقول : من يعطني شيئاً فأخبره بالعجب ثم يقول : من ‏يزيدني فأريه العجب ، قال : فأعطي شيئاً وأنا إلى جانبه أنظره ، فكشف عن عينيه فإذا بهما قد نفذتا ‏إلى قفاه كالأنبوبتين النافذتين ، يرى من قبل وجهه ما وراء قفاه ، ثم قال : ألا أخبركم أني كنت في ‏بلدي نباشاً حتى شاع أمري فأخفت الناس حتى ما أبالهم ، وأنا قاضي البلد مرض مرضاً خاف منه ‏الموت فأسل إلي فقال : أنا أشتري هلاكي منك في قبري وهذه مائة دينار مؤمنة فأخذتها ، فعوفي من ‏ذلك المرض ثم مرض بعد ذلك ثم مات ، ثم توهمت أن العطية للمرض الأول ، فجئت فنبشته فإذا ‏القبر حس عقوبة والقاضي جالس ثائر الرأس محمرة عيناه كالسكرجتين فوجدت زمعاً في ركبتي وإذا ‏بضربة في اصبعتين وقائل يقول : يا عدو الله أتطلع على أسرار الله عز وجل ؟ ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:05 PM
فصل
وقد ورد أن الميت يجد ألم الموت ما دام في قبره ولعل ذلك خاص ليس بعام ‏

‏235- وروى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه نظر عن كعب قال : لا يذهب عن الميت ألم الموت ما دام ‏في قبره وإنه لأشد ما يمر على المؤمن وأهون ما يصيب الكافر. ‏
‏236- وعن الأوزاعي قال : بلغني أن الميت يجد ألم الموت ما لم يبعث من قبره أو قال : إلى أن ‏يبعث من قبره .‏
‏237- وخرج هو أيضاً وأبو يعلى الموصلي من رواية الربيع بن سعد الجعفي عن عبد الرحمن بن ‏سابط عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : " حدثوا عن بني إسرائيل فإنه ‏كان فيهم الأعاجيب " ثم أنشأ يحدث قال : خرجت رفقة مرة يسيرون في الأرض فمروا بمقبرة ، ‏فقال بعضهم لبعض : لو صلينا ركعتين ، ثم دعونا الله عز وجل ، لعله أن يخرج لنا بعض أهل هذه ‏المقبرة فيخبرنا عن الموت قال : فصلوا ركعتين ثم دعوا الله فإذا هم برجل خلاسي قد خرج من قبره ‏ينفض رأسه ، بين عينيه أثر السجود فقال : يا هؤلاء ما أردتم إلى هذا لقد مت منذ مائة سنة فما ‏سكنت عني مرارة الموت إلى ساعتي هذه . فادعوا الله أن يعيدني كما كنت ، وهذا إسناد جيد ‏والربيع هذا كوفي ثقة قاله ابن معين : لكن قوله ثم أنشأ يحدث إلى آخر القصة إنما هي حكاية عبد ‏الرحمن بن سابط - عن النبي صلى الله عليه وسلم - كذا روى عن الربيع عن عبد الرحمن بن سابط ‏من قوله ، وخرج البزار في مسنده أول الحديث ولم يذكر فيه قصة الرفقة وهي مدرجة في الحديث ‏كما بينا .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:07 PM
وما شوهد من نعيم القبر وكرامة أهله فكثير أيضاً ، وقد سبق في الباب الأول والرابع بعض ذلك ‏

‏238- وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الرقة والبكاء بإسناده عن مسكين بن بكير أن وراداً العجلي ‏لما مات فحمل إلى حفرته نزلوا ليدلوه في حفرته ، فإذا اللحد مفروش بالريحان ، فأخذ بعضهم من ‏ذلك الريحان ، فمكث الناس من ذلك فأخذه الأمير وفرق الناس خشية الفتنة ، ففقده الأمير من منزله ‏لا يدري كيف ذهب .‏
‏239- وروى أبو بكر الخطيب بإسناده عن محمد بن مخلد الدوري الحافظ قال : ماتت أمي فنزلت ‏ألحدها فانفرجت لي فرجة عن قبر بقربها فإذا رجل عليه أكفان جدد وعلى صدره طاقة ياسمين طرية ‏، فأخذتها فشممتها ، فإذا هي أزكى من المسك وشمها جماعة كانوا معي ، ثم رددتها إلى موضعها ‏وسددت الفرجة .‏
‏240- وروى أبو الفرج بن الجوزي من طريق أبي جعفر عن السراج عن بعض شيوخه قال : ‏كشف قبر بقرب الإمام أحمد وإذا على صدر الميت ريحانه تهتز .‏
‏ وذكر في تاريخه أن في سنة ست وسبعين وماءتين انفرج تل في أرض البصرة بعرق تل شقيق عن ‏سبعة أقرب في مثل الحوض وفيها سبعة أنفس أبدانهم صحيحة وأكفانهم يفوح منها رائحة المسك ‏أحدهم شاب له جمة وعلى شفتيه بلل كأنه شرب ماء ، وكأن عينيه مكحلتان ، وله مذبة في ‏خاصرته ، وأراد بعض من حضر أن يأخذ من شعره شيئاً فإذا هو قوي كشعر الحي .‏
‏241- وخرج ابن سعد في طبقاته بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال : كنت فيمن حفر لسعد بن ‏معاذ قبره بالبقيع وكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا من قبره تراباً حتى انتهينا إلى اللحد وبإسناده ‏عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال : أخذ انسان قبضة تراب من تراب سعد فذهب بها فنظر إليها ‏بعد ذلك فإذا هي مسك .‏
‏242- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن المغيرة بن حبيبة أن عبد الله بن غالب الحراني لما دفن أصابوا ‏من قبره رائحة المسك .‏
‏243- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن يونس بن أبي العراب قال : حفر رجل قبراً فقعد يستظل فيه ‏من الشمس فجاءت ريح باردة فأصابت ظهره ، فإذا بقبر صغير فوسعه بأصبعه فإذا هو ينظر مد ‏البصر وإذا شيخ مخضوب كأنما رفعت المواشط يديها عنه وقد بقي من أكفانه على صدره شيء .‏
‏ وأما من شوهد بدنه طرياً صحيحاً وأكفانه عليه صحيحة بعد تطاول المدة من غير الأنبياء عليهم ‏السلام فكثير جداً ، ونحن نذكر من أعيانهم جماعة .‏
‏244- قال : عمرو بن شبة : حدثني محمد بن يحيى ، حدثنا هشام بن عبد الله بن عكرمة عن هشام ‏بن عروة ، عن أبيه قال : لما سقط جدار بيت النبي صلى الله عليه وسلم وعمرو بن عبد العزيز يومئذ ‏على المدينة انكشف قدم من القبور التي في البيت فأصابها شيء فدميت ففزع من ذلك عمرو بن عبد ‏العزيز فزعاً شديداً ، فدخل عروة البيت فإذا القدم قدم عمر بن الخطاب ، فقال لعمر لا تفزع هي ‏قدم عمر بن الخطاب فأمر بالجدار فبني وردعلى حاله .‏
‏245- وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا عبد الجبار بن الورد سمعت أبا ‏الزبير سمعت جابر بن عبد الله يقول : كتب معاوية إلى عامله بالمدينة أن يجري عينا إلى أحد فكتب ‏إليه عامله : أنها لا تجري إلا على قبور الشهداء ، فكتب إليه أن أنفذها قال سمعت جابراً يقول : ‏رأيتهم يخرجون على رقاب الرجال ، كأنهم رجال نوام حتى أصابت المسحاة قدم حمزة فانبعثت دماً .‏
‏246- روى مالك عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة نه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو ‏الأنصاريين ثم السلميين ، كان قد حفر السيل قبرهما ما يلي السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن ‏استشهد يوم أحد فحفرا عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وكان أحدهما ‏قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهوكذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما ‏كانت وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة .‏
‏247- وقال ابن أبي الدنيا حدثنا أحمد بن عاصم حدثنا سعيد بن عامر عن المثني ابن سعيد قال : لما ‏نزلت عائشة بنت طلحة البصرة أتاها رجل فقال : إني رأيت طلحة ابن عبيد الله في المنام ، فقال : ‏قل : لعائشة تحولني من هذا المكان فإن البرد قد آذاني . فركبت في مواليها وحشمها ، فضربوا عليه ‏بناء ، واستثاروه فلم يتغير منه إلا شعرات في إحدى شق لحيته أو قال رأسه ، حتى حول إلى موضعه ‏، وكان بينهما بضع وثمانون سنة . وبإسناده عن علي بن زيد بن جدعان عن أمه قالت : رأيت ‏طلحة بن عبد الله لما حول من مكانه ، فرأيت الكافور في عينيه ، ولم يتغير منه شيء إلا عقيصة مالت ‏من مكانها . وقال في كتاب الأولياء : كتب أبو عبد الله محمد بن خلف بن صالح التيمي أن إسحاق ‏بن أبي نباتة مكث ستين سنة يؤذن لقومه في مسجد عمرو بن سعيد يعني بالكوفة ، وكان يعلم ‏الغلمان الكتاب ولا يأخذ الأجر فمات قبل أن يحفر الخندق بثلاثين سنة ، فلما حفر الخندق وكان ‏بين المقابر ، ذهب بعض أصحابه يستخرجه ووقع قبره في الخندق ، فاستخرجوه كما دفن ولم يتغير ‏منه شيء إلا الكفن قد جف عليه ويبس والحنوط محطوط عليه ، وكان خضيباً فرأى وجهه مكشوفاً ‏وقد اتصل الحنا في أطراف الشعر ، فمضى المسيب بن زهير إلى أبي جعفر المنصور وهو على شاطىء ‏الفرات ، فأخبره ، فركب أبو جعفر في الليل حتى رآه فأمر به فدفن بالليل لئلا يفتتن الناس .‏
‏248- وفي الترمذي في سياق حديث صهيب المرفوع في قصة أصحاب الأخدود أن ذلك الغلام ‏الذي قتله الملك وآمن الناس كلهم وقالوا : آمنا برب الغلام وجد في زمان عمر بن الخطاب ويده ‏على جرحه كهيئته حين مات . ‏
‏ وقد ذكر محمد بن كعب القرظي وزيد بن أسلم وغيرهما قصة عبدالله بن ثامر , وهو رأس ‏الأخدود ، وقصتة شبيهة بقصة الغلام المخرجة في الترمذي ، وأنه وجد في زمان عمر بنجران ، ويده ‏على جرحه وأن جرحه يدمى .وكذا ذكره ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ‏بن حزم . ‏
وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب القبور قصة دانيال لما وجده أبو موسى الأشعري بالسوس وأخبار كثيره ‏من أخبار المتقدمين في هذا المعنى .‏
‏249- وذكر ابن الجوزي أن الشريف أبا جعفر بن أبي موسى لما دفن إلى جانب قبر الإمام أحمد بعد ‏موت الإمام أحمد بمئة سنة رؤي كفن الإمام أحمد وهو يتقعقع قال : ولما كسف قبر البربهاري فاحت ‏ببغداد رائحة طيبة حتى ملأت المدينة . قال : وحدثنا محمد ابن أبي منصور بن يوسف حدثني أبي قال ‏‏: في جملة من كشف ابن شمعون لما نقل من بيته إلى مقبرة الإمام أحمد بعد أربعين سنة وكفنه يتقعقع. ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:08 PM
فصل
وقد يكرم الله بعض عباده الصالحين بأن يشفع في جيرانه فينتفعون بمجاورته في قبره

‏250- وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن موسى الصائغ عن عبد الله بن نافع المدني قال : مات رجل ‏من أهل المدينة ، فدفن بها رجل كان من أهل النار ، فاغتم لذلك ، ثم إنه بعد سابعة أو ثامنة أري ‏كأنه من أهل الجنة ، قال : ألم تكن قلت : إنك من أهل النار قال : قد كان ذلك ، لأنه دفن معنا ‏رجل من الصالحين ، فشفع في أربعين من جيرانه وكنت منهم .‏
‏251- وقال ابن البراء : حدثنا محمد بن إبراهيم بن كثير حدثنا عمرو بن حميد قال : أخبرني رجل ‏من أهل جرجان قال : لما مات كرز الحارثي رأى فيما يرى النائم كأن أهل القبور جلوس على ‏قبورهم وعليهم ثياب جدد ، فقال لهم : ما هذا ؟ قالوا : إن أهل القبور كسوا ثياباً جدداً لقدوم ‏كرز عليهم .‏
‏252- وذكر أبو الفرج بن الجوزي أن بعضهم رأى في منامه معروفاً الكرخي لما دفن في قبره شفع ‏في أربعين من كل جانب من جوانبه ، فأعتقوا من النار . ‏
‏ وعكس هذا من يتأذى جيرانه من الموتى بعذابه ، كما روى أن زبيدة امرأة هارون الرشيد ‏رؤيت في المنام ، فأخبرت أنها غفر لها ، وكأن على وجهها أثر صفرة فسئلت عن ذلك ، فقالت : ‏دفن عندنا بشر المرسي فزفرت جهنم زفرة أصابنا منها ذلك ، والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:09 PM
الباب السابع

فيما ورد من تلاقي الموتى في البرزخ وتزاورهم

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:09 PM
‏253- روى مسلم بن إبراهيم الوارد عن عكرمة بن عمار عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين ‏عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم " إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه ‏‎]‎‏ فإنهم يتزاورون ‏في قبورهم ] " وخرج محمد بن يحيى الهمداني في صحيحه بهذه الزيادة . وعنده عن هشام عن محمد ‏عن أبي هريرة . وكذا رواه سليمان بن أرقم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة بهذه الزيادة . ورواه ‏غيره عن ابن سيرين من قوله ، فلعل الزيادة في آخره مدرجة من كلام ابن سيرين . ‏
‏254- وخرج العقيلي من طريق سعيد بن سلام العطار حدثنا أبو مرة راشد بن العطار سمعت قتادة ‏يحدث سمعت أنس بن مالك يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا ولي أحدكم أخاه ‏فليحسن كفنه فإنهم يبعثون أو قال يتزاورون في أكفانهم " وقال سعيد بن سلام ضعيف ولا يتابع عليه ‏وأبو مرة لا يعرف له غيره .‏
‏255- ويروى من حديث محمد بن مصفي حدثنا معاوية عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم " حسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم " .‏
‏256- وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا القاسم بن هشام حدثنا يحيى بن صالح حدثنا محمد بن سليمان ‏حدثنا راشد بن سعد أن رجلاً توفيت امرأته فرأى نساء في المنام ولم ير امرأته معهن ، فسألهن عنها ، ‏فقلن : إنكم قصرتم في كفنها فهي تستحي أن تخرج معنا ، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم : " ‏انظر إلى ثقة من سبيل " فأتى رجلاً من الأنصار قد حضرته الوفاة فأخبره فقال الأنصاري : إن كان ‏أحد يبلغ الموتى بلغته ، قال : فتوفي الأنصاري ، فأتى بثوبين مبرورين بالزعفران ، فجعلهما في كفن ‏الأنصاري ، فلما كان الليل رأى النسوة معهن امرأته وعليها الثوبان الأصفران . ‏
‏257- وقال أبو الحسن بن البراء : حدثنا العباس بن أبي عيسى قال : كانت امرأة تقية سرية ‏توفيت ، فرأت ابنة لها في المنام كأن أمها أتتها ، فقالت : يا بنية كفنتموني بكفن ضيق فأنابين ‏صواحبي أستحي منهن ، وفلانة تأتينا في يوم كذا وكذا ولي في موضع ذكرته أربعة دنانير ، فاشتروا ‏لي كفنا ، وابعثوا لي معها ، قالت الإبنة : ‏‎ ]‎ولم أكن أعلم ] أن لها في الموضع الذي ذكرت بأساً ، ‏قالت : فلما كان بعد اعتلت ، قالت : فجاؤوني فقالوا لي : ما تقولين ؟ فقصصت عليهم القصة ‏فقالت : فذكرت الحديث الذي روي عن عائشة أنهم يتزاورون في أكفانهم ، وقلت لهم : اذهبوا إلى ‏رجلين من أهل الحديث بزازين ، يقال لأحدهما : ابن النيسابوري، والآخر أبو توبة فليشتريا لها كفناً ‏، قال : فذهبت البنت إلى الموضع الذي ذكرت ، ووضعت الكفن معها في كفنها ، فلما كان بعد ‏ذلك رأت المرأة البنت في المنام ، قالت : يا بنية قد أتتنا فلانة ووصل إلي الكفن ما أحسنه وأوسعه أما ‏إنه جزاك الله خيراً .‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:10 PM
فصل

‏259- وخرج الإمام أحمد من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن درة بنت معاذ عن أم هانىء ‏الأنصارية أنها سألت رسول الله أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضاً ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم : " تكون النسم طيراً تعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها " .‏
‏260- وخرج ابن أبي الدنيا من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن أبي كبشة عن أبيه عن جده قال : لما ‏مات بشر بن البراء بن معرور وجدت عليه أم بشر وجداً شديداً ، فقالت : يا رسول الله لا يزال ‏الهالك يهلك من بني سلمة فهل يتعارف الموتى ، فأرسل إلى بشر بالسلام فقال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم : " والذي نفسي بيده يا أم بشر إنهم ليتعارفون كما تتعارف الطير في رؤوس الشجر " ‏وكان لا يهلك هالك من بني سلمة إلا جاءت أم بشر ، فتقول : اقرأ على بشر السلام .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:11 PM
الباب الثامن

فيما ورد من سماع الموتى كلام الاحياء ، ومعرفتهم بمن يسأل عليهم ، ويزورهم ومعرفتهم بحالهم ‏بعد الموت ، وحال أقاربهم في الدنيا

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:11 PM
‏261- أما سماع الموتى لكلام الأحياء ففي الصحيحين عن أنس عن [ أبي ]طلحة قال لما كان يوم ‏بدر وظهر عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر ببضعة وعشرين - وفي رواية أربعة وعشرين رجلاً ‏من صناديد قريش فألقوا في طوى من أطواء بدر فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أبا ‏جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم ‏حقاً ؟ فإني وجدت ما وعد ربي حقاً " فقال عمر : يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها ‏فقال : " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " وفي صحيح مسلم من حديث أنس نحوه ‏من غير ذكر [ أبي ] طلحة ، وفي حديثه قال "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم ‏لا يقدرون أن يجيبوا " وفيه أيضاً عن أنس ، عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم هذه ‏القصة بمعناها . ‏
‏262- وفي الصحيحين عن ابن عمر قال : اطلع النبي صلى الله عليه وسلم على أهل القليب فقال ‏وجدتم ما وعد ربكم حقاً قيل له : أتدعو أمواتاً ؟ قال : " ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون " ! ‏وفي رواية قال : " إنهم الآن يسمعون ما أقول " . ‏
‏263- وقد أنكرت عائشة ذلك كما في الصحيحين عن عروة عن عائشة انها قالت: قال رسول الله ‏عليه وسلم : " إنهم ليسمعون الآن ما أقول " وقد وهم - يعني ابن عمر-قال : إنهم ليعلمون الآن ما ‏كنت أقول لهم إنه حق ثم قرأت قوله { إنك لا تسمع الموتى } ، {وما أنت بمسمع من في القبور ‏‏} .‏
وقد وافق عائشة على نفي الموتى كلام الأحياء طائفة من العلماء ورجحه القاضي أبو يعلى من ‏أصحابنا في كتاب الجامع الكبير له واحتجوا بما احتجت به عائشة ، وبأنه يجوز أن يكون ذلك ‏معجزة مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره ، وهو سماع الموتى كلامه.‏
‏264- وفي صحيح البخاري قال قتادة : أحياهم الله تعالى [ يعني أهل القليب ] حتى أسمعهم قوله ‏توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً .‏
‏ وذهب طوائف من أهل العلم وهم الأكثرون وهو اختيار الطبري وغيره - يعني بالطبري ابن ‏جرير - وكذلك ذكره ابن قتيبة وغيره من العلماء ، وهؤلاء يحتجون بحديث القليب ، كما سبق ، ‏وليس هو بوهم ممن رواه ، فإن ابن عمر وأبا طلحة وغيرهما ممن شهد القصة حكياه عن النبي صلى ‏الله عليه وسلم .‏
‏265- وعائشة لم تشهد ذلك وروايتها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنهم ليعلمون ‏الآن أن ما كنت أقول لهم حق " يؤيد رواية من روى : إنهم ليسمعون ، ولا ينافيه ، فإن الميت إذا ‏جاز أن يعلم جاز أن يسمع ، لأن الموت ينافي العلم كما ينافي السمع والبصر ، فلو كان مانعاً من ‏البعض لكان مانعاً من الجميع .‏
‏266- وروى أبو الشيخ الأصبهاني يإسناده عن عبيد بن مرزوق قال : كانت امرأة بالمدينة يقال لها ‏أم محجن تقم المسجد ، فقال : " التي كانت تقم المسجد ؟ " قالوا : نعم ، فصف الناس فصلى عليها ‏، ثم قال : " أي العمل وجدت أفضل " قالوا : يا رسول الله أتسمع ؟ قال : " ما أنتم بأسمع منها " ، ‏فذكر أنها أجابته : قم االمسجد وهذا مرسل . وأما أن ذلك خاص بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ‏فليس كذلك ، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن العبد إذا وضع في ‏قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم " وقد سبق ذكره ، وسنذكر الأحاديث الواردة ‏بسماع الموتى سلام من يسلم عليهم فيما بعد ، إن شاء الله . ‏
‏ وأما قوله : { إنك لا تسمع الموتى } وقوله { وما أنت بمسمع من في القبور } فإن السماع يطلق ‏ويراد به إدراك الكلام وفهمه ، ويراد به أيضاً الانتفاع به والاستجابة له . والمراد بهذه الآيات نفي ‏الثاني دون الأول ، فإن ها في سياق خطاب الكفار الذين لا يستجيبون للهدى ولا للإيمان إذا دعوا ‏إليه كما قال الله تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم ‏أعين لا يبصرون بها [ ولهم آذان لا يسمعون بها ] } الآية في نفي السماع والإبصار عنهم لأن ‏الشيء قد ينفى لانتفاء فائدته وثمرته فإذا لم ينتفع المرء بما يسمعه ويبصره فكأنه لم يسمع ولم يبصر ، ‏وسماع الموتى هو بهذه المثابة ، وكذلك سماع الكفار لمن دعاهم إلى الإيمان والهدى . وقول قتادة في ‏أهل القليب : أحياهم الله حتى أسمعهم ، يدل على أن الميت لا يسمع القول إلا بعد إعادة الروح إلى ‏جسده : وبذلك قال طوائف كثيرة من السلف لأنه لا يسأل في قبره إلا بعد إعادة الروح إلى جسده ‏، كما جاء ذلك مصرحاً به في حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم الطويل ، وقد ‏سبق ذكر بعضه وفيه في حق الكافر " وتعاد روحه في جسده " .‏
‏ وفي مسند الإمام أحمد من حديث الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء في حق المؤمن ‏والكافر في كل منهما قال : " وتعاد روحه في جسده " وكذلك عند ابن منده إعادتها إلى جسده عند ‏ضرب الملك له بعد أن يضربه فيصير تراباً من رواية يونس بن خباب عن المنهال ، وقد سبق ذلك ‏كله .‏
‏267- وخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة قبض الروح ‏والمساءلة وقال في روح الكافر : " فتصير إلى القبر " وقد سبق أيضاً .‏
‏268- وخرج ابن منده بإسناده ضعيف جداً عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة ‏قبض الروح ، وفيه قال : " فيهبطون به يعني الروح على قدر فراغهم من غسله وأكفانه فيدخلون ‏ذلك الروح بين جسده وأكفانه " . وهذا لا يثبت .‏
‏269- وخرج الخلال في كتاب " شرح السنة " من طريق أبي هاشم عن أبي إسحاق عن أبي ‏الأحوص عن عبد الله قال : إن للمؤمن إذا نزل به الموت جاءه ملك الموت يناديه يا روح طيبة ‏أخرجي من الجسد الطيب ، فإذا خرجت روحه لفت في خرقه حمراء ، فإذا غسل وكفن ، وحمل ‏على السرير تحولت حتى يوضع في قبره فإذا وضع في قبره أجلس وجيء بالروح فجعلت فيه ، فقيل له ‏‏: من ربك ، وما دينك ، ومن نبيك ؟ فيقول : ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه ‏وسلم فيقال له : صدقت فيوسع له في قبره مد البصر، ثم ترفع روحه فتجعل في أعلى عليين ، ثم تلا ‏عبد الله هذه الآية { إن كتاب الأبرار لفي عليين } .‏
‏270- وخرج ابن أبي الدنيا من طريق سالم بن أبي الجعد قال : قال حذيفة : الروح بيد ملك ، وإن ‏الجسد ليغسل ، وإن الملك ليمشي معه إلى القبر ، فإذا سوي عليه سلك فيه ، وذلك حين يخاطب .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:12 PM
‏271- ومن طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : الروح بيد ملك ‏يمشي مع الجنازة يقول : أسمع ما يقال لك فإذا بلغ حفرته دفن معه .‏
‏272- ومن طريق داود العطار عن أبي نجيح قال : ما من ميت يموت إلا وروحه بيد ملك ينظر إلى ‏جسده كيف يغسل ويكفن ، ويمشي به إلى قبره ثم تعاد إليه روحه ، فيجلس في قبره . وكذلك قال ‏أبو صالح وغيره من السلف في قوله تعالى : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ‏ثم إليه ترجعون } فدل على أن الحياة الأولى هي القبر للسؤال , وإن كان الأكثرون خالفوا في ذلك ‏فهؤلاء السلف كلهم صرحوا بان الروح تعاد إلى البدن عند السؤال ؛ وصرح بمثل ذلك طرائف من ‏الفقهاء والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم كقاضي أبى يعلى وغيره , وأنكر ذلك طائفة ابن حزم وغيره ‏‏, وذكر أن السؤال للروح خاصة , وكذلك سماع الخطاب , وأنكر ألا تعاد الروح إلى الجسد في ‏القبر للعذاب وغيره , وقالوا لو كان ذلك حقا للزم الإنسان أن يموت ثلاثة مرات ويحيى ثلاث مرات ‏‏, والقرآن دل على أنهما موتتان وحياتان , وهذا ضعيف جداً ، فإن حياة الروح ليست حياة تامة ‏مستقلةكحياة الدنيا وكالحياة الآخرة بعد البعث ، وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن بحيث يحصل ‏بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما وليس هو حياة تامة حتى يكون انفصال الروح ‏به موتا تاماً وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه ورجوعها إليه فإن ذلك يسمى موتاً وحياة .‏
‏273- كما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ : " الحمد لله الذي أحيانا بعد أن ‏أماتنا ، وإليه النشور " وسماه الله تعالى وفاة لقوله : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ‏منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى } الآية ومع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون ‏النائم حياً ، وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا توجب أن يصير حياًّ حياة مطلقة وممن ‏رجح هذا القول - أعني السؤال والنعيم والعذاب للروح خاصة - من أصحابنا ابن عقيل وأبو الفرج ‏بن الجوزي في بعض تصانيفهما واستدل ابن عقيل بأن أرواح المؤمنين تنعم في حواصل طير خضر ، ‏وأرواح الكفار في حواصل طير سود ، وهذه الأجساد تبلى فدل ذلك على أن الأرواح تنعم وتعذب ‏في أجساد أخر ، وهذا لا حجة فيه لأنه لا ينافي اتصال الروح ببدنه أحياناً مع فناءه واستحالته . ‏وتستدل طائفة ممن ذهب إلى هذا القول بما .‏
‏( 274 ) روي منصور بن عبد الرحمن عن أمه قال : دخل ابن عمر المسجد وابن الزبير قد قتل ‏وصلب فقيل له : هذه أسماء بنت أبي بكر في المسجد فقال لها : اصبري فإن هذه الجثة ليست بشيء ‏وإنما الأرواح عند الله . فقالت : وما يمنعني من الصبر وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من ‏بغايا بني إسرائيل . ‏
‏275- وروى ابن أبي الدنيا من طريق ابن عمر صاحب السفلي قال : نزل ابن عمر إلى جانب قبور ‏دارسة فنظر إلى قبر منها ، فإذا هو بجمجمة بادية ، فأمر رجلاً فواراها ، قال : إن هذه الأبدان ليس ‏يضرها الثرى شيئاً ، وإنما الأرواح التي تعاقب وتثاب إلى يوم القيامة .‏
‏276- وروى محمد بن سعد عن الواقدي حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال : لما انهزمت ‏الروم يوم أجنادين انتهوا إلى موضع لا يعبره إلا إنسان فجعلت الروم تقاتل عليه ، فتقدم هشام بن ‏العاص فقاتلهم حتى قتل ووقع على تلك الثلمة فسدها ، فلما انتهى المسلمون إليها هابوا أن يوطؤه ‏الخيل فقال عمر بن العاص إن الله قد استشهده ورفع روحه وإنما هو جثة فأوطئوه الخيل ، ثم أوطأه ‏وتبعه الناس حتى قطعوه . وهذه الآثار لا تدل على أن الرواح لا تتصل بالأبدان بعد الموت إنما تدل ‏على أن الأجساد لا تتضرر بما ينالها من عذاب الدنيا ، وإنما هو من نوع آخر يصل إلى الميت بمشيئة ‏الله وقدرته وقولهم : الأرواح عند الله تعالى تعاقب وتثاب لا ينافي أن تتصل بالبدن أحياناً فيحصل ‏بذلك إلى الجسد نعيم أو عذاب ، وقد تستقل الروح أحياناً بالنعيم والعذاب أما عند إستحالة الجسد ‏أو قبل ذلك ، وقد أثبت طائفة أخرى النعيم والعذاب للجسد بمجرده من غير اتصال الروح له ، ‏وممن ذكر ذلك من أصحابنا : ابن عقيل في كتاب الإرشاد ، وابن الزاغوني وحكي عن ابن جرير ‏الطبري أيضاً ، وذكر القاضي أبو يعلى أنه ظاهر كلام الإمام أحمد فإنه قال في رواية حنبل : أرواح ‏المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار ، والأبدان في الدنيا يعذب الله من يشاء ، ويرحم من يشاء ‏منها بعفوه . قال القاضي : ظاهر هذا إن الأرواح تعذب وتنعم على الإنفراد ، وكذلك الأبدان إذا ‏كانت باقية أدى إلى الأجزاء التي استحالت ، قال : ولا يمنع أن يخلق في الأبدان إدراك تحس به النعيم ‏والعذاب ، كما خلق في الجبل لما تجلى له ربه ثم جعله دكاً. وقال القاضي أبو الحسين : ولأنه لما لم ‏يستحل نطق الذراع المسموم ، ولم يستحل عذاب الجسد البالي وإيصال العذاب إليه بقدرة الله تعالى ‏‏. وقد يستدل لهذا بأن عمر بن الخطاب قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم كلم أهل القليب : كيف ‏تكلم أجساداً لا أرواح فيها ؟ فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، وإنما قال : " ما أنتم بأسمع ‏لما أقول منهم " فدل على أن سماعهم حصل على أجساد لا أرواح فيها . وقد دل القرآن على سجود ‏الجمادات وتسبيحها لله تعالى وخشوعها له ، فدل على أن فيها حياة تحييها وإدراكاً فلا يمنع مثل ‏ذلك في جسد ابن آدم بعد مفارقة الروح له ، والله أعلم ، ويدل على ذلك ما أخبر الله من شهادة ‏الجلود والأعضاء يوم القيامة . وما روي عن ابن عباس في اختصام الروح والجسد يوم القيامة فإنه ‏يدل على أن الجسد يخاصم الروح ويكلمها وتكلمه ، ومما يدل على وقوع العذاب على الأجساد ‏الأحاديث الكثيرة في تضييق القبر على الميت حتى تختلف أضلاعه ، ولأنه لو كان العذاب على الروح ‏خاصة لم يختص العذاب بالقبر ولم ينسب إليه .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:13 PM
فصل

‏277- وأما معرفة الموتى بمن يزورهم ويسلم عليهم فروى محمد بن الأشعث عن أبي سلمة عن ‏أبي هريرة قال : قال أبو رزين : يا رسول الله إن طريقي على الموتى فهل من كلام أتكلم به إذا ‏مررت عليهم ؟ قال : " قل السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين ، أنتم لنا سلف ، ‏ونحن لكم تبع ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " قال أبو رزين : يا رسول الله يسمعون ؟ قال : " ‏يسمعون ، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا " قال : " يا أبا رزين ألا ترضى أن يرد عليك من الملائكة " ‏خرجه العقيلي وقال : لا يعرف هذا اللفظ إلا بهذا الإسناد ، ومحمد بن الأشعث مجهول في النسب ‏والرواية ، وحديثه غير محفوظ .‏
‏278- وروى الربيع بن سليمان المؤذن حدثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد الله بن ‏عمير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه ويلم : " ما من أحد يمر على قبر أخيه المؤمن ‏كان يعرفه في الدنيا يسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام " خرجه ابن عبد البر ، وقال عبد الحق ‏الإشبيلي : إسناده صحيح ، يشير إلى أن رواته كلهم ثقات ، وهو كذلك ، إلا أنه غريب بل منكر .‏
‏279- وقد روى عبد الأعلى بن عبد الله بن فروة عن قطن بن وهب عن عبيد بن عمير عن أبي ‏هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقف على مصعب بن عمير حين رجع من أحد ، فوقف ‏عليه وعلى أصحابه فقال : " أشهد أنكم أحياء عند الله فزوروهم وسلموا عليهم فوالذي نفسي بيده ‏لا يسلم عليهم أحد إلا ردوا عليه إلى يوم القيامة " خرجه البهيقي والحاكم وصححه ، ورواه عمرو ‏بن صهبان عن معاذ بن عبد الله عن قطن بن وهب عن عبيد بن عبيد مرسلاً ، ورواه يحيى بن العلاء ‏عن عبد الأعلى بن أبي فروة عن قطن بن وهب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم خرجه ‏الطبراني ، وذكر ابن عمر فيه وهم ، وروي عن عبيد بن عمير عن أبي ذر ولعل المرسل أشبه ، ‏وبالجملة أشبه ، وبالجملة فهذا إسناد مضطرب ، ومتنه مختص بالشهداء وهذا أشبه من حديث بشر ‏بن بكر . ‏
‏280- وروى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى ‏الله عليه وسلم قال : " ما من عبد يمر على قبر رجل مسلم يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد ‏عليه السلام " عبد الرحمن بن زيد فيه ضعف وقد خولف في إسناده . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:14 PM
‏281- وفي رواية هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة موقوفاًٍ ، وزاد فيه : " وإذا مر ‏بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام " .‏
‏282- ورواه عبد الله عن ابن سمعان - وهو متروك - عن زيد بن أسلم عن وعائشة عن النبي صلى ‏الله عليه وسلم قال : " ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس ورد عليه حتى يقوم " ‏خرجهما ابن أبي الدنيا في كتاب القبور .‏
‏ وخرج في كتاب من عاش بعد الموت من رواية عطاء بن خالد حدثتني خالتي قالت : ركبت يوماً ‏إلى قبور الشهداء فنزلت عند قبر حمزة رضي الله عنه وما في الوادي داع ولا مجيب يتحرك إلا غلاماً ‏قائماً آخذاً برأس دابتي ، فلما فرغت من صلاتي قلت بيدي هكذا : سلام عليكم فسمعت رد السلام ‏يخرج علي من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن الله خلقني ، وكما أعرف الليل من النهار ‏فاقشعرت كل شعرة مني . ‏
‏282- وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن شماسة المهري : أن عمرو بن العاص لما حضره الموت قال ‏في وصيته : إذا دفنتموني فسنوا على التراب سناً ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم ‏لحمها ، حتى أستأنس بكم ، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي . ‏
‏284وروى ابن أبي الدنيا من طريق مسمع بن عاصم قال : رأيت عاصماً الجحدري في منامي بعد ‏موته بسنتين فقلت : هل تعلمون بزيارتنا إياكم قال : نعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم ‏السبت إلى طلوع الشمس ، قلت : وكيف دون الأيام كلها ؟ قال : بفضل يوم الجمعة وعظمته .‏
‏285- ومن طريق حسن القصاب قال : كنت أغدو مع محمد بن واسع كل غداة سبت حتى نأتي ‏الجبان ، ثم يأتي القبور فيسلم عليهم ويدعو لهم فينصرف فقلت له : لو صيرت هذا اليوم يوم الإثنين ‏؟ فقال إن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوماً قبله ويوماً بعده . وبإسناد فيه ضعف عن ‏الضحاك : من زار قبراً يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته ، قيل : له و كيف ذلك ؟ ‏قال : لمكان يوم الجمعة . ‏
‏286- وبإسناد صحيح عن أبي التياح قال : كان مطرف يبدو فإذا كان يوم الجمعة أدلج قال : ‏فأقبل حتى إذا كان عند المقابر هوم على فرسه فرأى كأن أهل القبور كل صاحب قبر جالس على ‏قبره فقالوا : هذا مطرف يأتي يوم الجمعة فقلت : تعلمون عندكم يوم الجمعة ؟ قالوا : نعم ، ونعلم ‏ما تقول فيه الطير . قال : قلت : وما تقول فيه الطير ؟ قال : يقولون : سلام سلام يوم صالح .‏
‏287- قال ابن أبي الدنيا : وحدثني إبراهيم بن سيار الكوفي حدثني لفضل بن الموفق قال : كنت آتي ‏قبر أبي كثير قال : فشهدت جنازة فلما قبر صاحبها تعجلت لي حاجة ولم آت قبر أبي قال : فرأيته ‏في النوم ، فقال : يا بني لم لم تأتني ؟ فقلت : يا أبت فإنك لتعلم بي . قال : إي والله ، إنك لتأتيني ‏فما أزال أنظر إليك من حين تطلع من القنطرة حتى تقعد إلي وتقوم من عندي فما أزال أنظر إليك ‏حتى تجوز القنطرة . ‏
‏288- قال : وحدثني إبراهيم بن سيار حدثنا أبو المشيد قال : قالت تماضر بنت سهل امرأة أيوب ‏بن عبيد جاءتني ابنة سفيان بن عيينة فقالت : أين عمي أيوب ؟ قلت : في المسجد ، فلم ألبث أن ‏جاءت فقالت لي : يا عمي رأيت أبي سفيان في النوم فقال : جزى الله أخي أيوب عني خيراً فإنه ‏يزورني كثيراً ، وقد كان عندي اليوم ، فقال أيوب : نعم ، حضرت جنازة اليوم ، فذهت إلى قبره . ‏
‏289- حدثنا محمد بن الحسين حدثنا يحيى بن أبي بكر حدثني الفضل بن موفق ابن خال سفيان بن ‏عيينة قال : لما مات أبي جزعت عليه جزعاً شديداً ، فكنت آتي قبره كل يوم ثم إني قصرت من ذلك ‏ما شاء الله ثم إني أتيته يوماً فبينما أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت ، فرأيت كأن قبر أبي ‏انفجر ، وكأنه قاعد في قبره متوشح بأكفانه عليه سحنة الموتى . قال : فبكيت لما رأيته ، فقال : يا ‏بني ما أبطأ بك عني ؟ قال : قلت : وإنك لتعلم بمجيئي ؟ قال لي : ما جئت من مرة إلا علمتها ، ‏وقد كنت تأتيني فأسر بك ويسر من حولي بدعائك . قال : فكنت آتيه بعد كثيراً .‏
‏290- قال : وحدثني محمد بن بسطام حدثني عثمان بن سودة الطفاوي وكانت أمه من العابدات ‏وكان يقال لها راهبة ، فماتت ، فكن
ت آتيها كل جمعة فأدعو لها واستغفر لها ولأهل القبور قال : فرأيتها ذات ليلة في منامي ، فقلت لها : ‏يا أماه كيف أنت ؟ فقالت : يا بني إن للموت كربة شديدة ، وإنا بحمد الله تعالى لفي برزخ محمود ، ‏يفرش فيه الريحان ويوسد فيه السندس والإستبرق إلى يوم النشور . فقلت : ألك حاجة ؟ فقالت : ‏نعم ، قلت : وما هي ؟ قالت : لا تدع ما كنت تصنع من زيارتنا ، والدعاء لنا ، فإني لأبشر ‏بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك ، فيقال : يا راهبة ، هذا ابنك قد أقبل ، فأسر بذلك ، ويسر ‏من حولي من الأموات . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:14 PM
‏291- وقال الحافظ أبو الطاهر السلفي : سمعت أبا البركات عبد الواحد بن عبد الرحمن بن غلاب ‏السوسي بالإسكندرية يقول : يا بنتي إذا جئتيني زائرة فاقعدي عند قبري ساعة أتملى من النظر إليك ، ‏ثم ترحمي علي ، فإذا ترحمت علي صارت الرحمة بيني وبينك كالحجاب ثم شغلتني عنك . ‏
‏292- قلت : وأنبأني علي بن عبد الصمد بن أحمد البغدادي عن أبيه قال : أخبرني قسطنطين بن ‏عبد الله الرومي قال : سمعت الأسد بن موسى قال : كان لي صديق فمات ، فرأيته في النوم وهو ‏يقول لي : سبحان الله جئت إلى قبر فلان صديقك قرأت عنده وترحمت عليه ، وأنا ما جئت إلي ولا ‏قربتني ، قلت له : وما يدريك ؟ قال : لما جئت إلى قبر فلان صديقك رأيتك . قلت : كيف رأيتني ‏والتراب عليك ؟ قال : أما رأيت الماء إذا كان في الزجاج أما يتبين ؟ قال : كذلك نحن نرى من ‏يزورنا . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:15 PM
فصل

‏293- وأما معرفة الموتى بحالهم في الدنيا قبل الدفن فروى سعيد بن عمرو بن سليم قال : سمعت ‏رجلاً منا يقال له : معاوية بن فلان أو ابن معاوية قال : سمعت أبا سعيد الخدري يحدث عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم قال : " إن الميت يعرف من يغسله ومن يكفنه ومن يحمله ومن يدليه في قبره : ‏فقال ابن عمر وهو في المجلس : ممن سمعت هذا ؟ قال من أبي سعيد الخدري فقام ابن عمر إلى أبي ‏سعيد الخدري فقال : ممن سمعت هذا ؟ قال : من رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الإمام ‏أحمد. ‏
‏294- وروى ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات بإسناده عن سالم بن أبي الجعد قال : قال حذيفة : ‏الروح بيد ملك وإن الجسد ليغسل وإن الملك ليمشي معه إلى القبر . ‏
‏295- وبإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : الروح بيد ملك يمشي مع الجنازة يقال له : اسمع ‏ما يقال لك ، فإذا بلغ حفرته دفنه معه . ‏
‏296- وبإسناده عن مجاهد : إذا مات الميت فملك قابض نفسه فما من شيء إلا وهو يراه عند ‏غسله وعند حمله حتى يصل إلى قبره . ‏
‏297- وبإسناده عن بكر المزني قال : بلغني أنه ما من ميت إلا وروحه بيد ملك الموت ، فهم ‏يغسلونه ويكفنونه وهو يرى ما يصنع أهله فلو أنه يقدر على الكلام لنهاهم عن الرنة والعويل . ‏
‏298- وعن ابن السماك . قال سمعت سفيان يقول : إنه ليعرف كل شيء - يعني الميت - وإنه ‏ليناشد غاسله بالله ألا خففت غسلي . ‏
‏299- وعن السماك قال : غسل سفيان الثوريي أبي ، فلما غسله قال : إنه الآن يرى ما يصنع به ‏قال : حدثني أبو إسحاق الأودى ، ومات ابن له ، وكان ناسكاً قال : أخبرنا بعض أصحابنا قال : ‏رأيته في النوم ، فقال : ألم تر إلى ما ظهر من جميل الستر وحسن الثناء في الجنازة . قال : قالت : فقد ‏علمت ذلك قال ما غاب عني منه شيء أو نحو هذا . وروى في كتاب القبور بإسناده عن بكر المزني ‏قال : حدثت أن الميت ليستبشر بتعجيله إلى المقابر . وأن أهله ليغسلونه ويكفنونه وإن روحه لترى ما ‏يصنعون به ، ثم سبقت بكراً عبرته .‏
‏300- وبإسناده عن ابن أبي نجيح قال : ما من ميت يموت إلا روحه في يد ملك ينظر إلى جسده ‏كيف يغسل ويكفن وكيف يمشي به إلى قبره .‏
‏301- وعن سفيان الثوري قال : يقال له وهو على سريره : اسمع ثناء الناس عليك .‏
‏302- وعن عمرو بن دينار قال : ما من ميت يموت إلا وهو يعلم ما يكون في أهله بعد وإنه ‏يغسلونه ويكفنونه وإنه لينظر إليهم . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:16 PM
فصل

‏303- وأما معرفة الموتى في قبورهم بحال أهليهم وأقاربهم في الدنيا فروى ابن أبي الدنيا في أول ‏كتاب المنامات : حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا أبو بكر بن شيبة الحزامي حدثنا فليح بن إسماعيل ‏حدثنا محمد بن جعفر عن أبي كثير عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول ‏الله عليه وسلم : " لا تفضحوا أقاربكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور ‏‏".‏
‏304- وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا سفيان عمن سمع أنساً يقول : قال رسول الله ‏عليه وسلم : " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم فإن كان خيراً استبشروا وإن كان غير ‏ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا " . ‏
‏305- وقال أبو داود الطيالسي حدثنا الصلت بن دينار عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال : قال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم في قبورهم فإن كان خيراً ‏استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك " . ‏
‏306- وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق يحيى بن صالح الويحاضي حدثنا إسماعيل السكري سمعت ‏مالك بن أنس يقول : سمعت النعمان بن بشير وهو على المنبر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم يقول : " إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب تمور في جوها ، فالله الله في إخوانكم من أهل ‏القبور ، فإن أعمالكم تعرض عليهم " . ‏
‏307- ومن طريق المبارك عن ثور بن يزيد عن أبي رهم عن أبي أيوب قال : تعرض أعمالكم على ‏الموتى ، فإن رأوا حسناً فرحوا واستبشروا وقالوا : اللهم فهذه نعمتك على عبدك فأتمها عليه ، وإن ‏رأوا سيئة قالوا : اللهم راجع به . ‏
‏308- ومن طريق المبارك أيضاً عن صفوان بن عمير عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن أبا الدرداء ‏كان يقول : إن أعمالكم تعرض على أمواتكم فيسرون ويساءون .‏
‏309- وكان أبو الدرداء يقول عند ذلك : اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملاً أخزى به عند عبد ‏الله بن رواحه .‏
‏310- ومن طريق بلال بن أبي الدرداء قال : كنت أسمع أبا الدرداء وهو ساجد يقول : اللهم إني ‏أعوذ بك أن يمقتني خالي ابن رواحه إذا لقيته . ‏
‏311- وقال في كتاب القبور : بلغني عن أحمد بن أبي الحواري قال : حدثني محمد بن أخي قال : ‏دخل عباد بن عباد على إبراهيم بن صالح وهو أمير على فلسطين فقال له : ما أعظك أصلحك الله ، ‏بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى فانظر ماذا يعرض على رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم ابن عمك ، قال : فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه على لحيته . ‏
‏312- وروى ابن المبارك بإسناده عن سعيد بن جبير : أنه سئل هل يأتي الموتى أخبار الأحياء ؟ قال ‏‏: نعم ما من أحد له حميم إلا ويأتيه أخبار أقاربه ، فإن كان خيراً سر به ، وإن كان شراً ابتأس ‏وحزن حتى إنهم ليسأون عن الرجل قد مات فيقال : ألم يأتكم ؟ فيقولون : لا ، قد خولف به إلى ‏أمه الهاوية .‏
‏313- وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء بإسناده عن عبيد بن سعد عن أبي أيوب الأنصاري ‏قال : غزونا حتى انتهينا إلى القسطنطينية فإذا قاص يقول من عمل صالحاً من أول النهار عرض على ‏معارفه إذا أمسى من أهل الآخرة ، ومن عمل عملاً من أول الليل عرض على معارفه إذا أصبح من ‏أهل الآخرة . فقال له أبو أيوب : أيها القاص ما تقول ؟ فقال : والله إن ذلك كذلك . فقال : اللهم ‏لا تفضحني عند عبادة بن الصامت ولا عند سعد فيما عملت بعدهما .‏
‏314- وروى ابن شاهين من رواية الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عدي بن ‏اكتار عن أبيه إن شاء الله وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظمونه . لما احتضر فقال ‏‏: يا بني اذكروا الله أن تعملوا عملاً يعمر وجهي فإن عمل الأبناء يعرض على الآباء بعد ، فقال ‏القاص : والله ما كتب الله ولايته إلا ستر عليه .‏
‏315- أخرج البزار في مسنده : حدثنا يوسف حدثنا عبد المجيد عن عبد العزيز بن أبي رواد عن ‏سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله ملائكة ‏سياحين يبلغوني من أمتي السلام " .‏
‏316- قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي ‏خير لكم تعرض علي أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرت ‏الله لكم " وقال : لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد .‏
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعرض عليه صلاة أمته يوم الجمعة من حديث أوس وأبي ‏الدرداء وأبي هريرة وابن مسعود وأبي أمامة وأنس وغيرهم ، وأشهرها حديث أوس والله أعلم وأما ‏قوله صلى الله عليه وسلم " حياتي خير لكم " إلى آخر الكلام فقد رواه حماد بن زيد عن غالب عن ‏بكر المزنى مرسلاً .‏
‏317- وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين عن خالد بن عمرو القرشي حدثني صدقة بن ‏سليمان الجعفري قال : كانت لي شرة سمجة فمات أبي فأنبت وندمت على ما فرطت ، ثم قال أيضاً ‏زللت فرأيت أبي في المنام ، فقال أي بني ما كان أشد فرحي بك وأعمالك تعرض على فلنشبهها ‏بأعمال الصالحين فلما كان هذه المرة استحييت حياء شديداً فلا تحزني فيمن حولي من الأموات ، قال ‏خالد : كان بعد ذلك قد خشع وتنسك فكنت أسمعه يقول في دعائه في السحر - وكان لنا جار في ‏الكوفة - أسألك إنابة لا رجعة فيها يا مصلح الصالحين وهادي الضالين وراحم المذنبين .‏
‏318- روي من طريق ثابت عن شهر بن حوشب أن صعب بن جثامة وعوف بن مالك كانا ‏متواخيين قال صعب لعوف : أي أخي أينا مات قبل صاحبه فليتراي له قال : أو يكون ذلك ؟ قال : ‏نعم فمات صعب ، فرآه عوف فيما يرى النائم كأنه أتاه قال : فقلت له : أي أخي ما فعل بكم . ‏قال : غفر لنا بعد المساوي . قال : ورأيت لمعة سوداء في عنقه . فقلت له : أي أخي ما هذا ؟ قال : ‏عشرة دنانير استلفتها من فلان اليهودي ، فهي في قرني فأعطها إياه ، واعلم أخي أنه لم يحدث بأهلي ‏حدث بعدي إلا قد لحق بي خبره حتى هرة ماتت منذ أيام ، واعلم أن إبنتي تموت لستة أيام فاستوصوا ‏بها معروفاً فلما أصبحت قلت إن في هذا لمعلماً ، فأتيت أهله فقال : مرحباً بعوف ، هكذا تصنعون ‏بتركة إخوانكم ، لم تقربنا منذ مات صعب . قال : فاعتللت ، فيما يعتل به الناس قال : فنظرت إلى ‏القرن فانتشلت ما فيه ، فبدرت الصرة التي فيها الدنانير ، فبعثت إلى اليهودي فجاء ، فقلت : هل ‏لك على صعب شيء . قال : رحم الله صعباً ، كان من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم هي له . قلت : لتخبرني قال : نعم أسلفته عشرة دنانير فنبذتها إليه فقال : هي والله بأعيانها ‏قال : قلت : هذه واحدة . قلت هل حدث فيكم حدث بعد موته ؟ قالوا : نعم ، هرة لنا ماتت منذ ‏أيام . قلت : هاتان ثنتان قلت : أين ابنة أخي قالوا : تلعب فأتيت بها فلمستها فإذا هي محمومة ، ‏قلت : استوصوا بها خيراً ، فماتت لستة أيام . ‏
‏319- وقد رويت هذه القصة على وجه آخر وهو أشبه فروى ابن المبارك في كتاب الزهد عن أبي ‏بكر عن عطية بن قيس عن عوف بن مالك الأشجعي وكان مواخياً لرجل من قيس يقال له : محكم ‏، ثم إن محكماً حضره الموت ، فأقبل عليه عوف فقال يا محكم إذا أنت وردت فارجع إلينا فأخبرنا ‏بالذي صنع بك ، فقال محكم : إن كان يكون لمثلي فعلت ، فقبض محكم ، ثم ثوى عوف بعده عاما ‏فرآه في منامه ، فقال : يا محكم ما صنعت وما صنع بك ؟ فقال له : وفينا أجورنا قال : كلكم قال : ‏كلنا إلا خواص هلكوا في الشر الذين يشار إليهم بالأصابع ، والله لقد وفيت أجري كله حتى وفيت ‏أجر هرة ضلت لأهلي قبل وفاتي بليلة . فأصبح عوف ، فغدا على امرأة محكم . فلما دخل قالت : ‏مرحباً زوار صعب بعد محكم قال عوف هل رأيت محكماً منذ توفي قالت : نعم رأيته البارحة ‏ونازعني ابنتي ليذهب بها معه ، فأخبرها عوف بالذي رأى وما ذكر عن الهرة التي ضلت فقالت : لا ‏أعلم بذلك ، خدمي أعلم بذلك فدعت خدمها فسألتهم فأخبروها أنها ضلت لهم هرة قبل موت ‏محكم بليلة . ومحكم هو ابن جثامة أخ لصعب والله أعلم .‏
‏320- وروى هشام بن عمار عن صدقة بن خالد بن يزيد عن جابر عن عطاء الخرساني حدثتني ابنة ‏جابر بن قيس بن شماس أن ثابتاً قتل يوم اليمامة وعليه درع له نفيسة فمر به رجل من المسلمين ‏فأخذها فبينا رجل من المسلمين ، نائم إذ أتاه ثابت في منامه فقال له إني أوصيك بوصية وإياك أن ‏تقول هذا حلم فتضيعها ، إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي و منزله في أقصى ‏الناس وعند خباءه فرس يستل في طوله وقد كفى على الدرع برمة وفوق البرمة رحل فأت خالداً ‏فمره أن يبعث إلي درعي فيأخذها فإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل ‏له إن علي من الدين كذا وكذا وفلان من رقيقي عتيق وفلان ، فأتى الرجل خالداً فبعث إلي الدرع ‏وأتى بها وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته ولا نعلم أحداً أجيزت وصيته بعد ثابت رحمة الله عليه ‏‏. قلت : مثل الرؤية الصادقة تورث ظناً قوياً أقوى من إخبار رجل أو رجلين فيجوز للوصي وغيره ‏الاعتماد عليها في الباطن كما إذا علم الوصي بدين على الموصي غير ثابت في الظاهر فإن له قضاءه ‏وإذا رأى الإمام إنفاذ ذلك ظاهراً كان فيه إقتداء بالصديق رضي الله عنه . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:17 PM
‏321- قال ابن أبي الدنيا : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي حدثنا أبي عن أبي بكر بن عياش عن ‏حفاركان في بني أسد قال : فمررت بالحفار فحدثني كما حدثني أبو بكر عنه قال : كنت أنا ‏وشريك لي نتحارث في مقبرة بني أسد قال : فإني لليلة في المقابر إذ سمعت قائلاً يقول من قبر يا عبد ‏الله قال مالك يا جابر قال غداً تأتينا آمناً قال : وما ينفعها لا تصل إلينا إن أبي قد غضب عليها ‏وحلف أن لايصلي عليها ، فجعلا يكرران ذلك مراراً فجئت شريكي فجعل يسمع الصوت ولا يفهم ‏الكلام ، فلقنته إياه ثم تفهمه ففهمه ، فلما كان من الغد جاءني رجل فقال : احفر لي ها هنا قبراً بين ‏القبرين الذين سمعت منهما الكلام . قلت : اسم هذا جابر واسم هذا عبد الله ؟ قال : نعم . فأخبرته ‏بما سمعت . قال : نعم ، قد كنت حلفت أن لا أصلي عليها ، لا جرم لأكفرن عن يميني ولأصلين ‏عليها ولأترحمن عليها قال : ثم مر بي بعد ، وبيده عكاز وإداوة فقال : إني أريد الحج لمكان يميني ‏تلك. ‏
‏322- وقال أبو الفرج بن الجوزي الحافظ : حدثني الشيخ أبو الحسن اليراديسي عن بعض العدول ‏أن رجلاً رأى في منامه قاضي القضاة أبا الحسن الزينبي فقال له ما فعل الله بك قال : غفر لي ثم أنشد ‏شعراً : ‏
‏ وإن امرءاً ينجو من النار بعدما تزود من أعمالها لسعيد ‏
ثم قال : قل لفلان وفلان رجلين كانا وصيين له : لم تضيقون صدر فلانة وفلانة وفلانة ، فسمى ‏ثلاث سراري له ، ولم أسمع بأسمائهن إلا في هذا المنام فلقي الرجل الوصيين فذكر لهما ذلك فقالا : ‏سبحان الله ، لقد كنا البارحة نتحدث في المسجد في التضييق عليهن . ‏
‏323- كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا وضعت ‏الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت : قدموني وإن كانت غير صالحة قالت [ ‏لأهلها ] : يا ويلها أين تذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمع الإنسان لصعق " وقد تقدم في ‏حديث أنس وغيره " أن الميت إذا ضرب في قبره بمطاقي من حديد يصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين " ‏وقد ورد في حديث مرفوع لا يصح : غير وصية لا يؤذن له بالكلام إلى يوم القيام .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:17 PM
فصل
وقد ذكرنا فيما تقدم من كلام الموتى ورد السلام عليهم ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم " ولا يستطيعون ‏أن يجيبوا " لأن المراد نفي الإجابة المعهودة التي يسمعها الأحياء ، وقد ثبت تكلم الموتى ‏



‏324- من رواية أبي محمد الكوفي عن ابن المنكدر عن جابر مرفوعا ً. " من مات من غير وصية لا يؤذن له في ‏الكلام إلى يوم القيامة " قالوا يا رسول الله ويتكلمون قبل يوم القيامة ؟ قال نعم ويزور بعضهم بعضاً " . قال ‏أبو أحمد الحاكم : هذا حديث منكر وأبومحمد هذا رجل مجهول .‏
‏325- وروى ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن الحسين حدثنا سعيد بن خالد بن يزيد الأنصاري عن ‏رجل من أهل البصرة من كان يحفر القبور قال : حفرت قبراً ذات يوم ووضعت رأسي قريباً منه ، ‏فأتاني امرأتان في منامي ، قالت إحداهما : يا عبد الله نشدتك الله إلا صرفت عنا هذه المرأة ولم ‏تجاورنا بها . قال : فاستيقظت فزعاً ، فإذا بجنازة امرأة قد جيء بها فقلت : القبر وراءكم ، فصرفتهم ‏إلى غير القبر فلما كان الليل إذا أنا بالمرأتين تقول لي إحداهما جزاك الله عني خيراً فلقد صرفت عنا ‏شراً طويلاً . قلت : فما بال صاحبتك لا تكلمني كما كلمتني أنت ؟ قالت : إن هذه ماتت من غير ‏وصية وحق لمن مات عن غير وصية أنه لا يتكلم إلى يوم القيامة .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:18 PM
الباب التاسع

في ذكر محل أصحاب أرواح الموتى في البرزخ

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:19 PM
أما الأنبياء عليهم السلام فليس فيهم شك أن أرواحهم عند الله في أعلى عليين .‏
‏326- وقد ثبت في الصحيح أن آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته " ‏اللهم الرفيق الأعلى " وكررها حتى قبض .‏
‏327- وقال رجل لابن مسعود : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين هو ؟ قال : في الجنة .‏
وأما الشهداء فأكثر العلماء على أنهم في الجنة وقد تكاثرت بذلك الأحاديث .‏
‏228- ففي صحيح مسلم عن مسروق قال : سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية { ولا تحسبن ‏الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون } قال : أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال ‏‏: " أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش ‏‎]‎تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي ‏إلى تلك القناديل ] فاطلع إليهم ربهم إطلاعة فقال : هل تشتهون شيئاً ؟ قالوا : أي شيء تشتهين ‏ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا . ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن ‏يسألوا قالوا : يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ‏ليس لهم حاجة تركوا " . ‏
‏329- وخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير ‏خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا ‏مأكلهم ومشربهم ومقلبهم قالوا : من يبلغ عنا إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ‏ولا يزهدوا في الجهاد قال : فقال الله تعالى : أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى { ولا تحسبن الذين ‏قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون } .‏
‏330- وخرج عبد الله بن منده وغيره ، حدثنا إسماعيل بن المختار عن عطية عن أبي سعيد عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم قال : " أرواح الشهداء في طير خضر ترعى في رياض الجنة ، ثم يكون مأواها ‏إلى قناديل معلقة بالعرش فيقول لهم الرب سبحانه وتعالى : هل تعلمون كرامة أكرم من كرامة ‏أكرمتوها ؟ فيقولون : لا إنا وددنا أنك رددت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل مرة أخرى فنقتل في ‏سبيلك" .‏
‏331- وخرج أبو الشيخ الأصبهاني وغيره من طريق عبد الله بن ميمون عن عمه مصعب بن سليم ‏عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يبعث الله الشهداء من حواصل طير بيض كانوا في ‏قناديل معلقة بالعرش " .‏
‏332- وخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه من حديث عمرو بن دينار عن الزهري عن عبد ‏الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أرواح الشهداء في طير ‏خضر تعلق من شجر الجنة " كذلك رواه عمرو عن الزهري ، ورواه سائر أصحاب الزهري عنه ، ‏ولم يذكروا الشهداء إنما ذكروا نسمة المؤمن ، وسيأتي حديثهم إن شاء الله . وقد ذكرنا فيما تقدم ‏حديث عبادة بن عيسى بن عبد الرحمن عن الزهري عن عامر بن سعد عن إسماعيل بن طلحة بن عبيد ‏الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد وهو منكر ، وأبو عبيدة هذا ضعيف جداً .‏
‏333- وخرج ابن منده من طريق يحيى بن صالح عن سعيد بن سويد أنه سأل ابن شهاب عن أرواح ‏المؤمنين قال : بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش تغدو ثم تروح إلى رياض الجنة تأتي ‏ربها سبحانه كل يوم تسلم عليه .‏
وهذا أشبه . وكذا قال الضحاك وإبراهيم التيمي وغيرهما من السلف في أرواح الشهداء .‏
‏334- وخرج ابن منده من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن حيان بن أبي جبلة قال : بلغني ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الشهداء إذا استشهدوا أنزل الله جسداً كأحسن جسد ‏ثم يقال لروحه : ادخلي فيه فينظر إلى جسده الأول ما يفعل به ويتكلم فيظن أنهم يسمعون كلامه ‏وينظر فيظن أنهم يرونه حتى تأتيه أزواجه - يعني الحور العين - فيذهبن به " .‏
‏335- ويشهد لهذه النصوص أيضاً ما في الصحيحين عن جابر قال : قال رجل يوم أحد : أين أنا ‏إن قتلت يا رسول الله ؟ قال : " في الجنة " فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل .‏
‏336- وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر : { قوموا ‏إلى جنة عرضها السماوات والأرض } وذكر قصة عمير بن الحمام .‏
‏337- وفي صحيح البخاري عن المغيرة بن شعبة أنه قال أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ‏ربنا أنه من قتل صار إلى الجنة .‏
‏338- وفيه أيضاً عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم ‏الحديبية : أليس قتالنا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ .‏
‏339- وفي صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أبواب الجنة تحت ‏ظلال السيوف " . ‏
‏340- وفي صحيح البخاري عن أنس قال : أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي ‏صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني ، فإن يكن في الجنة صبرت ‏واحتسبت ، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع ؟ قال : " ويحك أو هبلت ؟ جنة واحدة هي ؟ إنها ‏جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس " .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:20 PM
‏341- وخرج الترمذي والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رأيت ‏جعفر ( بن أبي طالب ملكاً ) يطير (في الجنة ) مع الملائكة ( بجناحين ) " .‏
‏342- وخرج الغمام احمد وأبو يعلى وابن أبي الدنيا من حديث ثابت عن أنس قال : كان رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم تعجبه الرؤيا الحسنة فكان فيما يقول : " هل رأى أحد منكم رؤيا " فإذا ‏رأى الرجل الذي لا يعرفه الرؤيا سأل عنه فإن أخبر عنه بمعروف كان أعجب برؤيا . قال : فجاءت ‏امرأة فقالت : يا رسول الله رأيت في المنام كأني خرجت فأدخلت الجنة فإذا أنا بفلان وفلان حتى ‏عدت اثني عشر رجلاً ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قبل ذلك فجيء بهم عليهم ‏ثياب طلس تشخب أوداجهم . فقال : اذهبوا بهم إلى نهر البرزخ فغمسوا فيه ووجوههم كالقمر ليلة ‏البدر ، وأتوا بكراسي من ذهب فأقعدوا عليها ، وجيء بصحفة من ذهب فيها بسر فأكلوا من بسره ‏ما شاؤا فمايقبلونها من وجه إلا أكلوا من فاكهة ما شاؤا وأكلت معهم . قال : فجاء البشير من تلك ‏السرية فقال : يا رسول الله كان كذا وكذا وأصيب فلان وفلان حتى عد اثني عشر رجلاً فقال : ‏عليَّ بالمرأة فقال : قصي رؤياك على هذا " فقال الرجل : هو كما قالت ، أصيب فلان وفلان .‏
‏343- وروى ابن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول : أرواح الشهداء تجول في ‏أجواف طير خضر تعلق في ثمر الجنة .‏
‏344- وروى معمر عن قتادة قال : بلغنا أن أرواح الشهداء في صورة طير بيض تأكل من ثمار ‏الجنة.‏
‏345- وروى أبو عاصم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن عمرو قال : أرواح ‏الشهداء في أجواف طير كأنها الزرازير ، يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة .‏
‏346- وروى ابن المبارك عن زائدة حدثنا حدثنا ميسرة الأشجعي عن عكرمة عن ابن عباس عن ‏كعب قال : جنة المأوى جنة فيها طير خضر ترعى فيها أرواح الشهداء . كذا رواه عطية عن ابن ‏عباس قال : قلت لكعب إني أسألك عن شيء فإن كان في كتاب الله فحدثني ، وإن لم يكن في ‏كتاب الله فلا تحدثني ، فذكر مسائل ، فقال كعب : ما سألتني عن شيء إلا وهو في كتاب الله ، قال ‏‏: وأما جنة المأوى فإنها جنة فيها أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تأوى إلى قناديل الجنة .‏
‏347- وروى أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج حدثنا عمرو بن عمر الأحموسى عن السفر بن ‏نسير قال : سئل أبو الدرداء عن أرواح الشهداء . قال : هي طير خضر معلقة في قناديل تحت العرش ‏تسرح في الجنة حيث شاءت ثم ترجع إلى قناديلها .‏
‏348- وروى عن مجاهد أنه قال : ليس الشهداء في الجنة ، ولكنهم يرزقون منها.‏
‏349- فروى آدم بن أبي إياس حدثنا ورقا عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى : { ولا تحسبن ‏الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً } الآية قال : يقول : أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ‏ريحها وليسوا فيها . ‏
‏350- وروى ابن المبارك عن ابن جريج عن مجاهد قال : ليس هم في الجنة ، ولكن يأكلون من ‏ثمارها ، ويجدون ريحها .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:22 PM
‏351- وقد يستدل لقوله بما روى ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ‏ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشهداء على طريق بارق نهر الجنة فيه قبة ‏خضراء يخرج عليهم رزقهم بكرة وعشيا " .‏
‏352- وخرجه ابن منده ولفظه " على بارق نهر في الجنة " وهذا يدل على أن النهر خارج من الجنة ‏وابن إسحاق مدلس ولم يصرح بالتحديث هنا ، ولعل هذا في عموم الشهداء ، والذين في القناديل ‏التي تحث العرش خواصهم : ولعل المراد بالشهداء هنا من هو شهيد من غير قتل في سبيل الله ‏كالمطعون والمبطون والغريق وغيرهم ممن ورد النص بأنه شهيد .‏
فالحاديث السابقة كلها فيمن قتل في سبيل الله وبعضها صريح في ذلك ، وفي بعضها أن الآية نزلت ‏في ذلك وهو قوله تعالى { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً } الآية نص في المقتول في ‏سبيل الله .‏
وقد يطلق الشهيد على من حقق الإيمان وشهد بصحته بقوله تعالى : { والذين آمنوا بالله ورسله ‏أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم } . ‏
‏353- قال ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية يقول : يشهدون على أنفسهم بالإيمان بالله .‏
‏354- وروى سفيان عن رجل عن مجاهد قال : كل مؤمن صديق وشهيد ثم قرأ { والذين آمنوا ‏بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم } .‏
‏355- وخرج ابن أبي حاتم من رواية رشدين بن سعد عن ابن عقيل عن أبيه عن أبي هريرة قال : ‏كلكم صديق وشهيد . قيل له : ما تقول يا أبا هريرة ؟ قال : إقرأ { والذين آمنوا بالله ورسله ‏أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم }.‏
‏356- وخرج ابن جرير من طريق إسماعيل بن يحيى التيمي عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن ‏البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مؤمنوا أمتي شهداء " ثم تلى رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم : { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم } ، ‏وإسماعيل هذا ضعيف جداً . ويعضد هذا ما ورد في تفسير قوله تعالى { لتكونوا شهداء على الناس ‏ويكون الرسول عليكم شهيدا } من شهادة هذه الأمة للأنبياء بتبليغ رسالاتهم ، وبكل حال ‏فالأحاديث المتقدمة كلها في الشهيد المقتول في سبيل الله لا يحتمل غير ذلك ، وإنما النظر في حديث ‏ابن إسحاق هذا والله أعلم .‏
وأمابقية المؤمنين سوى الشهداء فينقسمون إلى أهل تكليف ، وغير أهل تكليف فهذان قسمان : ‏أحدهما غير أهل التكليف كأطفال المؤمنين فالجمهور على أنهم في الجنة ، وقد حكى الإمام أحمد على ‏ذلك الإجماع . وقال في رواية جعفر بن محمد : ليس فيهم اختلاف يعني أنهم في الجنة . وقال في ‏رواية الميموني لا أحد يشك أنهم في الجنة . وذكر الخلال من طريق حنبل عن أحمد قال : نحن نقر بأن ‏الجنة قد خلقت ونؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان قال الله عز وجل { النار يعرضون عليها غدواً ‏وعشياً } لآل فرعون ، وقال : أرواح ذراري المسلمين ، في أجواف طير خضر تسرح في الجنة ‏يكفلهم أبوهم إبراهيم فيدل هذا أنهما خلقتا . وكذلك نص الشافعي على أن أطفال المسلمين في ‏الجنة ، وجاء صريحاً عن السلف على أن أرواحهم في الجنة كما روي . ‏
‏357- الليث عن أبى قيس عن هذيل عن ابن مسعود قال : إن أرواح الشهداء في أجواف طير ‏خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاؤا وإن أرواح أولاد المسلمين في أجواف عصافبر تسرح بهم في ‏الجنة حيث شاءت فتأوى إلى قناديل معلقة في العرش . خرجه ابن أبي حاتم ، ورواه الثوري ‏والأعمش عن أبي قيس عن هذيل من قوله لم يذكر ابن مسعود .‏
‏ 358- وخرج البيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس عن كعب نحوه . وخرج الخلال من طريق ‏ليث عن أبي الزبير عن عبيد بن عمير قال : إن في الجنة لشجرة لها ضروع كضروع البقر يغذى به ‏ولدان أهل الجنة حتى إنهم ليستنون إستنان البكارة .‏
‏359- وخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن خالد بن معدان قال : إن في الجنة شجرة يقال لها : طوبى . ‏ضروع كلها ترضع صبيان أهل الجنة وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى ‏تقوم الساعة فيبعث ابن أربعين سنة ويدل على صحة ذلك ما في صحيح مسلم قال .‏
‏360- لما توفي إبراهيم قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن إبراهيم ابني وإنه مات في الثدي وإن له ‏لظئرين يكملان رضاعه في الجنة " وخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابن عباس وخرج الإمام أحمد ‏نحوه من حديث البراء بن عازب . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:24 PM
‏361- وروى سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن مكحول ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن ذراري المؤمنين أرواحهم في عصافير في شجر الجنة ‏يكفلهم أبوهم إبراهيم عليه السلام ". وكذا رواه علي بن عثمان الأحفى عن حماد بن سلمة عن ‏خيثم عن مكحول إلا أنه قال : عصافير خضر في الجنة وهذا مرسل ولفظه يشبه لفظ الحديث الذي ‏احتج به الإمام أحمد على خلق الجنة كما تقدم .‏
‏362- وقد روي متصلاً من وجه آخر من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن عطاء بن فروة ‏عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ذراري المؤمين يكفلهم [ ‏أبوهم ] إبراهيم في الجنة " خرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد . وخرجه ‏الإمام أحمد عن موسى بن داود عن ابن ثوبان إلا أنه شك في رفعه , ولكن رواه عن واحد عن ثوبان ‏ولم يشك في رفعه . ‏
‏363- وروي من وجه آخر من رواية مؤمل عن سفيان عن ابن الأصبهاني عن أبي حازم عن أبي ‏هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أولاد المسلمين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة ‏عليهما السلام فإذا كان يوم القيامة رفعوا إلى آبائهم " وكذا رواه محمد بن عبد الله بن نمير عن وكيع ‏عن سفيان مرفوعاً ، ورواه ابن مهدي وأبو نعيم عن سفيان موقوفاً قال الدارقطني : والموقوف أشبه .‏
‏364- ومما يستدل لهذا أيضاً ما خرجه البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏أنه رأى في منامه جبرائيل وميكائيل أتيا به ، فانطلقا به ، وذكر حديثاًً طويلاً وفيه " فانطلقنا حتى ‏انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان وإذا رجل قريب من الشجرة ‏بين يديه نار يوقدها فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها فيها رجال وشيوخ و ‏شباب ونساء وصبيان ، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها ‏شيوخ وشباب " وذكر الحديث " وفيه قالا : والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم [ عليه السلام ] ‏والصبيان حوله فأولاد الناس " وفي رواية " فكل مولود مات على الفطرة " وفي رواية " ولد على ‏الفطرة " والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين وأما هذه الدارفدار الشهداء .‏
‏365- وروى أبو خالد عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة وفي حديثه " قلت فالروضة قال : أولئك ‏الأطفال وكل بهم إبراهيم يربيهم إلى يوم القيامة " .‏
‏366- وخرج الطبراني والحاكم من حديث سليم بن عامر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه قال ‏‏: " بينا أنا نائم انطلق بي إلى جبل وعر " فذكر الحديث وفيه " ثم انطلق بي حتى أشرفت على الغلمان ‏يلعبون بين نهرين قلت : من هؤلاء ؟ قال ذراري المؤمنين يحضنهم أبوهم إبراهيم عليه السلام ، ثم ‏انطلق بي حتى أشرفت على ثلاثة نفر قلت : من هؤلاء ؟ قال إبراهيم وموسى عليهم السلام وهم ‏ينتظرونك " .‏
وذهبت طائفة إلى أنه يشهد لأطفال المؤمنين عموماً أنهم في الجنة ، ولا يشهد لآحادهم وهو قول ابن ‏راهاويه نقله عنه إسحاق بن منصور وحرب في مسائلهما ولعل هذا يرجع إلى الطفل المعين لا يشهد ‏له حينئذ أنه من أطفال المؤمنين ، فيكون الوقف في آحادهم كالوقف في إيمان آبائهم ، وحكى ابن ‏عبد البر عن طائفة من السلف القول بالوقف في أطفال المؤمنين وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن ‏المبارك وإسحاق وهو بعيد جداً ولعله أخذ ذلك من عمومات كلام لهم ، وإن أرادوا بها أطفال ‏المشركين ، وكذلك اختار القول بالوقف طائفة منهم الأثرم والبيهقي ، وذكر أن ابن عباس رجع إليه ‏، والإمام أحمد ذكر أن ابن عباس إنما قال ذلك في أطفال المشركين وإنما أخذه البيهقي من لفظ روى ‏عنه كما أنه .‏
‏367- روى في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأطفال ؟ ‏فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " ولكن الحفاظ الثقات ذكروا أنه سئل عن أطفال المشركين .‏
‏368- واستدل القائل بالوقف بما أخرجه مسلم من حديث فضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة ‏عن عائشة أم المؤمنين قالت : توفي صبي فقلت : طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم : " أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً " .‏
‏369- وخرجه مسلم أيضاً من طريق طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم ‏المؤمنين قالت : دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجنة صبي من الأنصار فقلت : يا رسول الله ‏طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه . قال : " أو غير ذلك يا عائشة إن ‏الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم " وقد ضعف أحمد هذا الحديث من أجل ‏طلحة بن يحيى وقال : قد روى مناكير وذكر له الحديث ، وقال ابن معين فيه ، ليس بالقوى ، وأما ‏رواية فضيل بن عمرو له عن عائشة فقال أحمد : ما أراه سمعه إلا من طلحة بن يحيى يعني أنه أخذه ‏عنه ودلسه حيث رواه عن عائشة بنت طلحة . ‏
‏370- وذكر العقيلي أنه لا يحفظ إلا من حديث طلحة ويعارض هذا ما خرجه ‏
مسلم من حديث أبي السليل عن أبي حسان قال : قلت لأبي هريرة إنه [ قد ] مات لي ابنان فما أنت ‏بمحدثي عن رسول اللله صلى الله عليه وسلم تطيب به أنفسنا عن موتانا قال : نعم . صغارهم ‏دعاميص أهل الجنة يتلقى أحدهم أباه - أو قال أبويه - فيأخذ بثوبه أو قال بيده كما آخذ [ أنا ] ‏بصنفة ثوبك هذا فلا يتناهى أو قال فلا ينتهي حتى يدخله الله [ وأباه ] الجنة " .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:25 PM
‏371- وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من الناس مسلم يموت له ‏ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم " ولهذا قال الإمام أحمد : هو ‏يرجى لأبويه فكيف يشك فيه يعني أن يرجى لأبويه دخول الجنة بسببه ولعل النبي صلى الله عليه ‏وسلم نهى أولاً عن الشهادة لأطفال المسلمين بالجنة قبل أن يطلع على ذلك لأن الشهادة على ذلك ‏تحتاج إلى علم به ، ثم اطلع على ذلك فأخبره والله اعلم . ‏
القسم الثاني : أهل التكليف من المؤمنين سوى الشهداء وقد اختلف فيهم العلماء قديماً وحديثاً ‏والمنصوص عن 372 الإمام أحمد : أن أرواح المؤمنين في الجنة ذكره الخلال في كتاب السنة عن غير ‏واحد عن حنبل قال : سمعت أبا عبد الله يقول : أرواح المؤمنين في الجنة ، وقال حنبل في موضع آخر ‏‏: هي أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار والأبدان في الدنيا يعذب الله من يشاء ويرحم ‏من يشاء قال أبو عبد الله : ولا نقول هما يفنيان بل هما على علم الله باقيتان يبلغ الله فيهما عمله ‏نسأل الله التثبيت وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وقوله : ولا نقول : هما يفنيان يعني الجنة والنار فإن ‏في أول الكلام عن حنبل أن أبا عبد الله حكى قصة ضرار وحكايته اختلاف العلماء في خلق الجنة ‏والنار ، وأن القاضي أهدر دم ضرار ولذلك استخفى إلى أن مات وأن أبا عبد الله قال : هذا كفر ‏يعني القول بأنهما يخلقان بعد ، قال حنبل : وسألت أبا عبد الله عمن قال إن كانتا خلقتا فإنهما إلى ‏فناء ؛ ثم ذكر هذا الجواب من أحمد ولا يصح أن يقال : إن أحمد إنما نفى الفناء عنهما معاً فيصدق ‏ذلك أن تكون الجنة وحدها لا تفنى لأن ما بعد هذا يبطل هذا التأويل وهو قوله : هما على علم الله ‏باقيتان فإن هذا ينفي ذلك الاحتمال والتوهم ويثبت البقاء لهما معاً وهذا يقول كما يقول زيد وعمر ‏، فهذا قد يحتمل أن يراد نفي العلم عنهما جميعاً دون أحدهما ، فإذا قلت بعد ذلك بل هما جاهلان ، ‏زال ذلك الإحتمال ، وأثبت الجهل لهما جميعاً ، وأيضاً فلا يقع استعمال نفي عن شيئين والمراد نفي ‏اجتماعهما خاصة إلا مع ما يبين ذلك في سياق الكلام وعن لفظ يدل عليه فأما مع الإطلاق فلا يقع ‏ذلك بل لا يجوز استعماله مع الإيهام كما لا يقال الآلة والنار لا يبقيان ، وكما لا يقال الخالق الله ‏المخلوق وحده يفنى ، ولا يقال الدنيا والآخرة لا تفنيان ويراد بها أن الدنيا وحدها تفنى ولا محمد ولا ‏مسيلمة لا يصدقان ولا يكذبان ، والمراد به صدق محمد وحده وكذب مسيلمة وحده فإن هذا كله ‏استعمال قبيح ممنوع ولا يعهد مثله في كلام أحد يعتد به ، وقول أحمد بعد هذا : نسأل الله التثبيت ‏أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا يدل على أن القول بخلاف ذلك عنده من الضلال والزيغ وقد خرج ‏بهذا فيما نقله عنه حرب قال حرب في مسائله ، هذا مذهب أئمة أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل ‏السنة المعروفين بها المقتدى بهم ممن أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام فمن خالف شيء ‏من هذا المذهب فيها أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة ‏وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم ‏فكان من قولهم الإيمان قول وعمل وذكر العقيدة ومن جملتها قال : لقد خلقت الجنة وما فيها ‏وخلقت النار وما فيها خلقهما الله ثم خلق الخلق لهما لا يفنيان ، لا يفنى ما فيهما أبداً فإن احتج ‏مبتدع أو زنديق بقول الله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } وبنحو هذا فقل له كل شيء مما ‏كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا ‏من الدنيا وذكر بقية العقيدة ، فقوله في آخر كلامه خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك يبطل من أول ‏الكلام على أن المراد به لا يفنى مجموعهما ، وقد نقل هذا الكلام الذي نقله حرب كله عن أحمد ‏صريحاً كذلك نقله عنه أبو العباس أحمد بن جعفر الأصطخري أنه قال : هذا مذهب أهل العلم ‏وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ، وأدركت من أدركت من علماء الحجاز وأهل الشام ‏وغيرهم فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع خارج من ‏الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق فذكر العقيدة كلها ، وقد خلقت الجنة وما فيها وخلقت ‏النار وما فيها خلقهما الله وخلق الخلق لهما فلا يفنيان ولا يفنى ما فيهما أبداً فإن احتج مبتدع أو ‏زنديق بقول الله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } ونحو هذا من متشابه القرآن فقل له : كل ‏شيء مما كتب الله عليه الفناء و الهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك ، وهما ‏من الآخرة لا من الدنيا وذكر بقية العقيدة ، وقد رويت هذه العقيدة عن الإمام أحمد من وجه آخر ‏من طريق أحمد بن وهب القرشي عنه ، والمقصود هنا قول أحمد : أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح ‏الكفار في النار .‏
وقد حكى القاضي أبو يعلى في كتاب " المعتمد " ومن اتبعه من الأصحاب هذا الكلام عن عبد الله ‏بن أحمد عن أبيه ولم ينقله عبد الله إنما نقله حنبل . وأما ما نقله عبد الله عن أبيه فقال الخلال : أخبرنا ‏عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سألت أبي عن أرواح الموتى أتكون في أفنية قبورهم أم في حواصل ‏طير أم تموت كما تموت الأجساد ؟ قال : ‏
‏373- روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نسمة المؤمن إذا مات طائر يعلق في شجر الجنة ‏حتى يرجعه الله إلى جسده فيبعثه الله " ‏
‏374- وقد روي عن عبد الله بن عمرو قال : أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر كالزرازير ثم ‏يتعارفون فيها ويرزقون من ثمارها ، وقال بعض الناس أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تأوي إلى ‏قناديل في الجنة معلقة في العرش انتهى . وهذا الكلام أيضاً يدل على أن أرواح المؤمنين عند الله في ‏الجنة إلا أنه ذكر في جوابه الأحاديث الدالة على ذلك المرفوعة والموقوفه ولم يذكر سوى ذلك ففي ‏رواية حنبل جزم بأن أرواح المؤمنين في الجنة وفي رواية عبد الله ذكر الأدلة على ذلك . ‏
‏375- فأما الحديث المرفوع الذي ذكره من رواية مالك عن ابن شهاب أن عبد الرحمن بن كعب ‏أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما نسمة ‏المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده " كذا رواه مالك في الموطأ ورواه عن ‏مالك جماعة منهم الشافعي ورواه الإمام أحمد في مسنده عن الشافعي وخرجه النسائي من طريق ‏مالك أيضاً وخرجه مالك من طريق الحارث بن فضيل عن الزهري بهذا الإسناد ، وكذا رواه عن ‏الزهري يونس والزبيدي والأوزاعي وإسحاق ورواه شعيب وابن أخي الزهري وصالح بن كيسان عن ‏الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن جده كعب ، وقال صالح في حديثه : أنه ‏بلغه أن كعباً كان يحدث وقال شعيب في حديثه إن كعباً كان يحدث فهو على رواية صالح ومن ‏وافقه منقطع ، وذكر محمد بن يحيى الذهلي أن ذلك هو المحفوظ وخالفه ابن عبد البر في ذلك ورجح ‏رواية مالك ومن وافقه ، وقد روي - يعني حديث كعب - من وجوه متعدده .‏
‏376- فروى حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم فذكر حديث القبر بطوله في حق المؤمن قال : " ويعاد الجسد إلى ما بدىء منه وتجعل روحه ‏في نسيم طير يعلق في شجر الجنة ". خرجه الطبراني وغيره ، وخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق ‏معتمر عن محمد بن عمرو به ولفظه ، وتجعل نسمته في النسيم الطيب وهو طير يعلق في الجنة ، وقد ‏سبق أن غيرهما رواه عن محمد بن عمرو فوقفه على أبي هريرة .‏
‏377- وقد تقدم حديث أم هانىء الأنصارية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تكون النسم ‏طائر تعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها " . ‏
‏378- وخرج ابن منده من رواية موسى بن عببيدة الربذي عن عبد الله بن يزيد عن أم بشر بنت ‏المعرور قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر ترعى ‏في الجنة تأكل من ثمارها وتشرب من مائها وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش فيقولون : ربنا ‏ألحق بنا إخواننا وآتنا ما وعدتنا ، وإن أرواح الكفار في حواصل طير سود تأكل من النار وتشرب ‏من النار وتأوي إلى حجر من النار يقولون : ربنا لا تلحق بنا إخواننا ولا تؤتنا ما وعدتنا " . وموسى ‏بن عبيدة شيخ صالح شغلته العبادة عن حفظ الحديث فكثرت المناكير في حديثه . ‏
‏379- وخرج ابن منده أيضاً من رواية معاوية بن صالح عن حمزة بن حبيب قال : سئل رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم عن أرواح المؤمنين فقال : " في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت " قالوا : ‏يا رسول الله وأرواح الكفار ؟ قال " محبوسة في سجين " وهذا مرسل .‏
‏380- وخرج أيضاً من رواية عيسى بن موسى عن سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن خالد بن ‏معدان عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أرواح المؤمنين كالزرازير ‏تأكل من ثمر الجنة " ثم قال ابن منده رواه جماعة عن الثوري موقوفاً ، يعني علي عبد الله بن عمرو ‏والصواب وقفه . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:25 PM
‏381- وقد سبق أن الإمام ذكره في رواية ابنه عبد الله موقوفاً وكذا رواه وكيع عن ثور بن يزيد عن ‏خالد بن معدان عن عبد الله بن عمرو قال : أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر كالزرازير ‏يتعارفون فيها ويرزقون من ثمرها . أخرجه الخلال . وخرج أيضاً من حديث أبي هشام عن أبي ‏إسحاق عن الأحوص عن عبد الله بن مسعود فذكر احتضار المؤمن وأن روحه تعاد إلى جسده عند ‏سؤاله في القبر ثم ترفع روحه فتجعل في أعلا عليين . ثم تلا عبد الله الآية { إن كتاب الأبرار لفي ‏عليين . وما أدراك ما عليون . كتاب مرقوم } قال السماء السابعة وأما الكفار فذكر الكلام وتلا { ‏إن كتاب الفجار لفي سجين . وما أدراك ما سجين } . ‏
قال : الأرض ، وروي مثل هذا المعنى عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو ، وذكره ابن عبد البر . ‏وروى سعيد عن قتادة قال : ذكر لنا أن عبد الله بن عمرو كان يقول : سجين هي الأرض السفلى ‏فيها أرواح الكفار . ‏
‏382- وروى ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن منصور بن أبي منصور حدثه قال ‏سألت عبد الله بن عمرو عن أرواح المسلمين حين يموتون قال : ما تقولون يا جهال العراق ؟ قلت : ‏لا أدري . قال : فإنها صور طير بيض في ظل العرش وأرواح الكفار في الأرض السابعة .‏
‏383- وروي أيضاً عن كعب من رواية الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال : كنا ‏جلوساً إلى كعب فجاء ابن عباس فقال : يا كعب كل ما في القرآن عرفت غير أربعة أشياء فأخبرني ‏عنهن . فسأله عن سجين وعليين . فقال كعب : أما عليون فالسماء السابعة فيها أرواح المؤمنين ، ‏وأما سجين فالأرض السابعة فيها أرواح الكفار تحت خدّ إبليس . وقد ثبت في الأدلة أن الجنة فوق ‏السماء السابعة ، وقد ذكرنا ذلك في كتاب " صفة النار " متوفي .‏
‏384- وروى أبو نعيم من طريق الحكم بن أبان قال : نزل بي ضيف من أهل صنعاء فقال : سمعت ‏وهب بن منبه يقول : إن لله في السماء السابعة داراً يقال لها البيضاء تجتمع فيها أرواح المؤمنين ، فإذا ‏مات الميت من أهل الدنيا تلقته الأرواح فيسألونه عن أخبار الدنيا كما يسأل الغائب أهله إذا قدم ‏عليهم .‏
‏385- وخرج ابن منده من طريق سفيان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن سلمان ‏الفارسي وعبد الله بن سلام لقي أحدهما صاحبه فقال : إن مت قبلي فحدثني بما لقيت وإن مت قبلك ‏حدثتك بما لقيت . قال : وكيف يكون ذلك ؟ قال : أرواح المؤمنين تذهب في الجنة حيث شاءت . ‏وخرجه ابن أبي الدنيا من طريق جرير بن يحيى .‏
‏386- وخرج أيضاً من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن منصور بن أبي منصور أنه سأل ‏عبدالله بن عمرو عن أرواح المؤمنين إذا ماتوا أين هي ؟ قال : هي صور طير بيض في ظل العرش . ‏
‏387- وروى ابن أبي ليث عن أبي قيس عن هذيل عن ابن مسعود أن أرواح آل فرعون في أجواف ‏طير سود تغدو على جهنم وتروح عليها فذلك عرضها . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ‏تعالى { النار يعرضون عليها غدواً وعشياً } قال : هم فيها اليوم يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم ‏الساعة . خرجهما ابن أبي الدنيا.‏
‏388- وخرج اللالكائي من رواية عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى الأشعري قال : تخرج روح ‏المؤمن وهي أطيب من المسك فتعرج به الملائكة حتى تأتي ربه وله برهان مثل الشمس وروح الكافر ‏أنتن من الجيفة وهو بوادي حضر موت في أسفل الثرى من سبع أرضين .‏
وقد يستدل للقول بأن أرواح المؤمنين في الجنة , وأرواح الكفار في النار من القرآن بأدلة منها قوله ‏تعالى : { فلولا إذا بلغت الحلقوم . وأنتم حينئذ تنظرون } إلى قوله : { فأما إن كان من المقربين . ‏فروح وريحان وجنة نعيم . وأما إن كان من أصحاب اليمين . فسلام لك من أصحاب اليمين . ‏وأما إن كان من المكذبين الضالين . فنزل من حميم . وتصلية جحيم } هو دخول النار مع إحراقها ‏وإنضاجها فجعل هذا كله متعقباً للاحتضار والموت وكذلك قوله تعالى في قصة المؤمنين في سورة ‏يس : { قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون . بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } وإنما ‏قال هذا بعد ما قتلوه ورأى ما أعد الله له { يا أيتها النفس المطمئنة . ارجعي إلى ربك راضية ‏مرضية } على تأويل من تأول ذلك عند الاحتضار ، وكذلك قوله تعالى : { فمن أظلم ممن افترى ‏على الله كذباً أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ‏قالوا : أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ‏‏* قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار } الآية ونظير هذه الآية قوله : ‏‏{ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما ‏كنتم تعملون } الآية .‏
‏389- ومما يستدل به أيضاً لذلك ما رواه مجالد عن الشعبي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏سئل عن خديجة قال : " أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب " ‏خرجه البزار . ‏
‏390- وخرج الطبراني بإسناد منقطع عن فاطمة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : أين أمنا خديجة ؟ ‏قال : " في بيت من قصب بين مريم وآسية امرأة فرعون " قالت : ممن هذا القصب ؟ قال : " من ‏القصب المنظوم بالدرر واللؤلؤ والياقوت " .‏
‏391- وخرج أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجم ‏الأسلمي الذي اعترف عنده بالزنا قال : " والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها " .‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:26 PM
فصل

وإنما تدخل أرواح المؤمنين والشهداء الجنة إذا لم يمنع من ذلك مانع من كبائر تستجوب العقوبة ‏أو حقوق آدميين حتى يبرأ منها ‏

‏392- ففي الصحيحين عن أبى هريرة أن مدعماً قتل يوم خيبر قال الناس : هنيئاً له الجنة فقال النبي ‏صلى الله عليه وسلم : " بلى والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم تصبها المقاسم ‏لتشتعل عليه نارا ً" .‏
‏393- وعن سمرة بن جندب قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ها هنا أحد من ‏بني فلان " ثلاثاً فلم يجبه أحد ثم أجابه رجل فقال : " إن فلاناً الذي توفي احتبس عن الجنة من أجل ‏الدَّين الذي عليه فافتكوه أو فافدوه ، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله " خرجه الإمام أحمد وأبو ‏داود والنسائي بألفاظ مختلفة . وخرج البزار من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏نحوه.‏
وفي حديثه قال : " إن صاحبكم محبوس على باب الجنة " أحسبه قال بدين . ‏
‏394- وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏‏: " من فارق الروح و الجسد وهو بريء من ثلاث ، دخل الجنة من الكبر والغلول والدين " .‏
‏395- وخرج الطبراني من حديث أنس قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل يصلي عليه فقال ‏‏: " على صاحبكم دين ؟ " فقالوا : نعم . قال : فما ينفعكم أن أصلي على رجل مرتهن في قبره لا ‏تصعد روحه إلى السماء ، ولو ضمن رجل دينه قمت فصليت عليه فإن صلاتي تنفعه " وفي المعنى ‏أحاديث متعددة .‏
‏396- وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت من طريق سيار بن حسن قال خرج أبي ‏وعبد الواحد بن زيد يريدان الغزو فهجموا على ركية عميقة واسعة فأدلوا حبالهم بقدر فإذا القدر قد ‏وقعت في الركية قال : فقرنوا حبال الرفقة بعضها ببعض ، ثم دخل أحدهما إلى الركي فلما صار ‏ببعضها إذا هو بهمهمة في الركي فرجع فصعد فقال : أتسمع ما أسمع ؟ قال : نعم , فناولني العمود ‏فأخذ العمود فدخل في الركية فإذا هو برجل جالس على ألواح وتحته الماء . فقال : أجنيٌّ ؟ قال : بل ‏إنسي . قال : ما أنت قال : أنا رجل من أهل أنطاكية وإني مت فحبسني ربي هنا بدين علي وإن ‏ولدي بإنطاكية لا يذكروني ولا يقضون عني فخرج الذي كان في الركية فقال لصاحبه غزوة بعد ‏غزوة فدع أصحابنا يذهبون فساروا إلى أنطاكية فسألوا عن الرجل وعن بنيه فقالوا : نعم إنه لأبونا ‏وقد بعنا ضيعة لنا فامشوا معنا حتى نقضي عنه دينه . قال فذهبوا معهم حتى قضوا ذلك الدين ثم ‏رجعوا من أنطاكية حتى أتوا موضع الركية ولا يشكون أنها ثم ، فلم يكن ركية ولا شيء فأمسوا ‏فباتوا هناك فإذا الرجل قد أتاهم في منامهم وقال : جزاكم الله خيراً فإن الله حولني إلى مكان كذا ‏وكذا من الجنة حيث قضي ديني ، وروى في كتاب المنامات حدثني زكريا بن الحارث النظري قال : ‏رؤي محمد بن عباد في النوم فقيل : ما فعل الله بك ؟ فقال : لولا ديني دخلت الجنة . وقالت طائفة : ‏الأرواح في الأرض ، ثم اختلفوا فقالت فرقه منهم : الأرواح تستقر على أفنية القبور وهذا القول هو ‏الذي ذكره عبد الله بن الإمام أحمد في سؤاله المتقدم . وحكي ابن حزم عن عامة أصحاب الحديث . ‏وقال ابن عبد البر : كان أبو وضاح يذهب إليه ويحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج ‏إلى المقبرة فقال " السلام عليكم دار قوم مؤمنين " فهذا يدل على أن الأرواح بأفنية القبور . ورجح ‏ابن عبد البر أن أرواح الشهداء في الجنة وأرواح غيرهم على أفنية القبور تسرح حيث شاءت .‏
‏397- وذكر عن مالك أنه قال : بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت . ‏
‏398- وعن مجاهد قال : الأرواح على القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا يفارقه ذلك .‏
‏399- واستدل هو وغيره بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم " إذا مات أحدكم عرض ‏عليه مقعده في الغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن ‏أهل النار يقال : هذا مقعدك إلى يوم القيامة " وهذا يدل على أن الأرواح ليست في الجنة وإنما تعرض ‏عليها بكرة وعشياً . ‏
وكذا ذكره ابن عطية وغيره ، ولا حجة لهم فيه لوجهين : أحدهما : أنه يحتمل أن يكون العرض ‏بكرة وعشياً على الروح المتصل بالبدن والروح وحدها في الجنة وتكون البشارة والتخويف للجسد ‏في هذين الوقتين باتصال الروح به . وأما الروح أبداً في تنعم أو عذاب . والثاني أن الذي يعرض ‏بالغداة والعشي هو مسكن ابن آدم الذي يستقر فيه في الجنة أو النار وليست الأرواح مستقرة فيه مدة ‏البرزخ وإن كانت في الجنة أو النار . ‏
‏400- ولهذا جاء في حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن المؤمن إذا فتح له في ‏قبره باب إلى الجنة وقيل له : هذا منزلك . قال : رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي " . وأما ‏السلام على أهل القبور فلا يدل على استقرار أرواحهم على أفنية قبورهم فإنه يسلم على قبور الأنبياء ‏والشهداء وأرواحهم في أعلى عليين ولكن مع ذلك لها اتصال سريع في الجسد ولا يعلم كنه ذلك ‏وكيفيته على الحقيقة إلاالله عز وجل . ويشهد ذلك الأحاديث المرفوعة والموقوفة على أصحابه ، ‏ومنهم عبد الله بن عمرو بن العاص في أن النائم يعرج بروحه إلى العرش مع تعلقها ببدنه وسرعة ‏عودها إليه عند استيقاظه ، فأرواح الموتى المتجردة عن أبدانهم أولى بعروجها إلى السماء وعودها إلى ‏القبر في مثل تلك السرعة والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:27 PM
‏401- وخرج ابن منده من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب ، أن سلمان قال لعبد الله بن ‏سلام : إن أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت وإن أرواح الكفار في سجين ‏وعلي بن زيد ليس بالحافظ خالفه يحيى بن سعيد الأنصاري مع عظمته وجلاله وحفظه . ‏
‏402- فروى عن سعيد بن المسيب . قال فيه : إن أرواح المؤمنين تذهب في الجنة حيث شاءت كما ‏سبق ذكره . وقد تقدم عن مالك أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت ن وخرجه ابن أبي الدنيا ‏عن خالد بن خراش قال : سمعت مالكاً يقول ذلك .‏
‏403- وخرج أيضاً عن حسين بن علي العجلي حدثنا أبو نعيم حدثنا شريك عن يعلى بن عطاء ‏عن أبيه عن عبد الله بن عمرو وقال مثل المؤمن حين تخرج نفسه أو قال روحه مثل رجل كان في ‏سجن فأخرج منه فهو ينفسخ في الأرض ويتقلب فيها .‏
‏404- ومما استدل به على أن الأرواح في الأرض حديث البراء بن عازب الذي تقدم سياق بعضه ‏وفيه صفة قبض روح المؤمن " فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين ويقول الرب سبحانه ‏وتعالى : ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة ‏أخرى فترد إلى القبر " وذكر الحديث ، وقال في روح الكافر " فيصعد بها إلى السماء فتغلق دونه ‏فيقول الرب سبحانه وتعالى : ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ‏ومنها أخرجهم تارة أخرى " وفي رواية " ويقول الله : ردوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني ‏أردهم فيها ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ‏تارة أخرى } وهذا يدل على أن أرواح المؤمنين تستقر في الأرض ولا تعود إلى السماء بعد عرضها ‏ونزولها إلى الأرض في الجنة لا سيما الشهداء . ‏
‏405- وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة في صفة قبض روح المؤمن قال : " ثم ‏يصعد به إلى ربه عز وجل فيقول ردوه إلى آخر الأجلين " وقال مثله في الكافر وقال فيه رد النبي ‏صلى الله عليه وسلم ربطة على أنفه يعني لما ذكر نتن ريحه . وهذا يشهد برفع الحديث كله .‏
‏406- وخرج ابن أبي الدنيا من حديث قسامة بن زهير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏‏" إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر االريحان فتسل روحه كما تسل الشعرة ‏من العجين وتقول : أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية مرضياً عنك إلى رضوان الله ‏وكرامته ، فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك ، وطويت عليها الحريرة ، وبعث بها إلى ‏عليين ، وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة فتنزع روحه انتزاعاً شديداً ويقال : أيتها ‏النفس الخبيثة اخرجي ساخطة ومسخوطاً عليك إلى هوان الله وعذابه ، فإذا أخرجت روحه وضعت ‏على تلك الجمرة فإن لها نشيشاً ويوى عليها المسح ويذهب بها على سجين " وخرجه النسائي وغيره ‏من حديث قتادة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه مخالف لما قله ، وذكر في روح ‏المؤمن حين ينتهون بها إلى السماء العليا ، وقال في روح الكافر حين ينتهون بها إلى الأرض السفلى .‏
وقد ذكرنا فيما تقدم عن ابن مسعود أن الروح بعد االسؤال في القبر ترفع إلى عليين وتلا قوله تعالى : ‏‏{ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين } .‏
‏407- وقالت فرقة : تجتمع في موضع من الأرض كما روى همام بن يحيى السعودي عن قتادة قال : ‏حدثني رجل عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال إن أرواح المؤمنين تجتمع بالجابية ، وأما ‏أرواح االكفار فتجتمع بسبخة بحضر موت يقال له برهوت خرجه ابن منده ، ورواه هشام الدستوائي ‏عن قتادة عن سعيد بن المسيب من قوله لم يذكر عبد الله بن عمرو ، خرجه من طريق ابن أبي الدنيا ‏وقد تبين أن قتادة لم يسمعه من سعيد إنما بلغه ولم يدر عمن أخذه .‏
‏408- وخرج ابن منده من طريق فرات الفزاري عن أبي الطفيل عن علي قال : شر واد بئر في ‏الأحقاف برهوت بحضر موت ترده أرواح الكفار .‏
‏409- قال : رواه حماد بن سلمة عن علي بن يزيد عن يوسف عن ابن مهران عن ابن عباس عن ‏علي قال : أبغض بقعة في الأرض واد بحضرموت يقال له : برهوت فيه أرواح الكفار وفيه بئر ماءه ‏في النار أسود كأنه قيح تأوي إليه الهوام . وروى بإسناده عن شهر بن حوشب إن كعباً رأى عبد الله ‏بن عمرو وقد تكالب الناس عليه يسألونه فقال رجل لرجل : سله أين أرواح المؤمنين بالجابية وأرواح ‏الكفار ببرهوت وبإسناده عن سفيان عن أبان بن تغلب قال : قال رجل : بت فيه يعني وادي برهوت ‏كأنما حشدت فيه أرواح الكفار وهم يقولون يا دومه فحدثنا رجل من أهل الكتاب هو الملك الذي ‏على أرواح الكفار . قال سفيان : وسألنا الحضرميين فقالوا : لا يستطيع أن يبيت فيه أحد بالليل . ‏وقال ابن قتيبية في كتابه غريب الحديث ذكر الأصمعي عن رجل من أهل برهوت يعني البلد الذي ‏فيه هذا البئر قال تجد الرائحة المنتنة الفظيعة جداً ثم تمكث فيأتينا الخبر بأن عظيماً من عظماء الكفار ‏قد مات فنرى أن تلك الرائحة منه . قال وقال ابن عيينة : أخبرني رجل أنه أمسى ببرهوت فكأن فيه ‏أصوات الحاج . قال : وسألت أهل حضرموت فقال : لا يستطيع أحدنا أن يمسي فيه .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:28 PM
‏411- وقال ابن أبي الدنيا حدثنا الحسن بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن عمر بن ‏سليمان قال مات رجل من اليهود وعنده وديعة لمسلم ، وكان لليهودي ابن مسلم فلم يعرف موضع ‏الوديعة فأخبر شعيباً الجبائي فقال أئت برهوت فإن دونه عين بتسقيب فإذا جئت في يوم السبت ‏فامش عليها حتى تأتيعيناً هناك فادع أباك فإنه يجيبك فاسأله عما تريد ففعل ذلك الرجل ومضى حتى ‏أتى العين فدعا أباه مرتين أو ثلاثاً فأجابه . فقال أين وديعة فلان ؟ فقال تحت إسكفة الباب فادفعها ‏إليه .‏
‏412- وفي كتاب الحكايات لأبي عمرو أحمد بن محمد النيسابوري حدثنا بكر بن محمد بن عيسى ‏الطرطوسي حدثنا حامد بن يحيى بن سليم قال كان عندنا رجل بمكة من أهل خرسان يودع الودائع ‏فيؤدبها فأودعه رجل عشرة ألاف دينار وغاب وحضر الخرساني الوفاة فما ائتمن أحداً من أولاده ‏فدفنها في بعض بيوته ومات فقدم الرجل وسأل بنيه ، فقالوا ما لنا بها علم فاسأل العلماء الذين بمكة ‏وهم يومئذ متوافرون فقالوا ما نراه إلا من اهل الجنة وقد بلغنا أن أرواح اهل الجنة في زمزم فإذا ‏مضى من الليل ثلثه أو نصفه فائت زمزم فقف على شفيرها ثم ناده فإنا نرجوا أن يجيبك فإن أجابك ‏فاسأله عن مالك فذهب كما قالوا فنادى أول ليلة وثانية وثالثة فلم يجب فرجع إليهم فقال : ناديت ‏ثلاثاً فلم أجب فقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، ما نرى من صاحبك إلا من أهل النار فاخرج إلى ‏اليمن فإن بها وادياً يقال له بلهوت ، فيه أرواح أهل النار ، فقف على شفيرها فناده في الوقت الذي ‏ناديت في زمزم ، فذهب كما قيل له في الليل فنادى يا فلانا بن فلان فأجابه من أول صوت فقال له ‏ويحك ما انزلك هاهنا وقد كنت صاحب خير قال كان لي أهل بخرسان فقطعتهم حتى مت فأخذني ‏الله فأنزلني هذا المنزل وأما مالك فإني لم آمن عليه ولدي وقد دفنته في موضع كذا فرجع صاحب المال ‏إلى مكة فوجد المال في المكان الذي أخبره .‏
ورجحت طائفة من العلماء أن أرواح الكفار في بئر برهوت منهم القاضي أبو يعلى من أصحابنا في ‏كتابه المعتمد وهو مخالف لنص أحمد أن أرواح الكفار في النار ولعل لبئر برهوت اتصالاً في جهنم في ‏قعرها كما روي في البحر أن تحته جهنم والله أعلم . ويشهد لذلك ما سبق من قول أبي موسى ‏الأشعري : روح الكافر بوادي حضرموت في أسفل الثرى من سبع أرضين . وقال صفوان بن عمرو ‏‏: سألت عامر بن عبد الله اليماني هل لأنفس المؤمنين مجمع ؟ فقال : يقال : إن الأرض التي يقول الله ‏‏: { إن الأرض يرثها عبادي الصالحون } قال : هي الأرض التي تجتمع أرواح المؤمنين فيها . حتى ‏يكون البعث خرجه ابن منده ، وهذا غريب جداً وتفسير الآية بذلك ضعيف .‏
‏413- وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب " من عاش بعد الموت " من طريق عبد الملك بن قدامة عن ‏عبد الله بن دينار عن أبي أيوب اليماني عن رجل من قومه يقال له عبد الله إنه ونفراًمن قومه ركبوا ‏البحر وإن البحر أظلم عليهم أياماً ثم انجلت عنهم الظلمة وهم قرب قرية قال عبد الله : فخرجت ‏ألتمس الماء فإذا أبواب المدينة مغلقة تجأجأ فيها الريح فهتفت بها فلم يجبني أحد فبينا أنا كذلك إذ طلع ‏علي فارسان تحت كل واحد منهما قطيفة بيضاء فسألاني عن أمري فأخبرتهما بالذي أصابنا في البحر ‏وإني خرجت أطلب الماء فقالا لي : يا عبد الله اسلك في هذه السكة فإنك ستنتهي إلى بركة فيها ماء ‏فاسق منها فلا يهولنك ما ترى فيها قال : فسألتهما عن تلك البيوت المغلقة التي تجأجأ فيها الريح ‏فقالا : هذه بيوت فيها أرواح الموتى قال فخرجت حتى انتهيت إلى البركة فإذا فيه رجل معلق ‏مصلوب على رأسه يريد أن يتناول الماء بيده وهو لا يناله ، فلما رآني هتف بي وقال : يا عبد الله ‏اسقني قال : فغرفت بالقدح لأناوله فقبض بيدي فقال : بلَّّ العمامة ثم ارم بها إليَّّّّّ فبللت العمامة ‏لأرمي بها إليه فقبض بيدي ، فقلت : يا عبد الله غرفت بالقدح لأناولك فقبضت يدي ثم بللت ‏العمامة لأرمي بها إليك فقبضت يدي ، فأخبرني من أنت ؟ فقال : أنا ابن آدم أنا أول من سفك دماً ‏في الأرض .‏
‏414- وروى أبو نعيم بإسناده عن ابن وهب حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال : بينما رجل ‏في مركب في البحر إذا انكسر بهم مركبهم فتعلق بخشبة فطرحته في جزيرة فخرج يمشي فإذا هو بماء ‏فتبعه فدخل في شعب فإذا برجل في رجليه سلسلة منوط فيها بينه وبين الماء شبر فقال : اسقني رحمك ‏الله قال : فأخذت ملء كفي ماء فرفع بالسلسلة فذهب بالماء فلما ذهب الماء حط الرجل قال : ‏ففعلت ذلك ثلاث مرات أو أربعاً . قال : فلما رأيت ذلك منه قلت له : مالك ويحك ؟ قال : هو ‏ابن آدم الذي قتل أخاه ، والله ما قتلت نفس ظلماً منذ قتلت أخي إلا يعذبني الله بها لأني أول من ‏سن القتل . ‏
‏415- وروى عاصم بن محمد الرازي في كتاب " الرهبان " . حدثنا عصمة العباداني قال : كنت ‏أجول في بعض الفلوات إذ نظرت ديراً وفيه صومعة وفيها راهب فناديته فأشرف علي . فقلت له : ‏من أين تأتيك الميرة ؟ قال : من ميسرة شهر قلت : حدثني بأعجب ما رأيت في هذه المواضع . قال : ‏بينا أنا ذات يوم أدير بصري في هذه البرية القفر و أتفكر في عظمة الله وقدرته إذ رأيت طائراً أبيض ‏مثل النعامة كبيراً قد وقع على تلك الصخرة وأومى بيده إلى صخرة بيضاء فتقيأ رأساً ثم رجلاً ثم ‏ساقاً وإذا هو كلما تقيأ عضواً التمت بعضها إلى بعض أسرع من البرق فإذا هم بالنهوض نقره الطائر ‏فقطع أعضاءه ثم يرجع فيبتلعه فلم يزل على ذلك أياماً فكثر تعجبي منه وازددت يقيناً بعظمة الله ‏وعلمت أن لهذه الأجساد حياتاً بعد الموت ، وذكر أنه سأل عن ذلك الرجل يوماً عن أمره فقال : أنا ‏عبد الله بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب أمر الله هذا الملك أن يعذبني إلى يوم القيامة . قال : قال لي ‏الملك : قد أتاني النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أخرج بهذا الجسد إلى جزيرة من البحر الأسود ‏التي تخرج منها هوام أهل النار فأعذبه إلى يوم القيامة . ‏
وقد رويت هذه الحكاية من وجه آخر خرجها ابن النجاري في تاريخه من طريق السلفي بإسناد له إلى ‏الحسن بن محمد بن عبيد اليشكري حدثنا إسماعيل بن أحمد بن علي بن أحمد بن يحيى بن النجم سنة ‏عشر وثلاثمئة أنه حضر مع يوسف بن أبي التياح ببلاد سنباط حين فتحها وأن سنباط حضر مجلسه . ‏وحدثنا عن راهب سماه فأحضر يوسف الراهب فحدثه الراهب بعد الامتناع أن ملكاً نفاه إلى جزيرة ‏على البحر منفردة قال : فرأيت يوماً طائراً . فذكر شبيهاً بالحكاية .‏
‏416- ورويت من وجه آخر من طريق أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي صاحب ‏السداميات المشهورة عن علي بن هارون عن محمود الوراق حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر ‏البزار سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن أبي الأصبغ قال : قدم علينا شيخ غريب فذكر أنه كان ‏نصرانياً سنين وأنه تعبد في صومعة قال : فبينا هو ذات يوم جالساً إذ جاءه طائر كالنسر أو ‏كالكركي . فذكر شبيهاً بالحكاية مختصراً . وكل ما ورد من هذه الآثار فإنه محمول على أن الأرواح ‏تنتقل من مكان إلى مكان ، ولا يدل على أنها تستقر في موضع من الأرض والله أعلم .‏
‏417- ويشهد لهذا ما روي عن شهر بن حوشب قال : كتب عبد الله بن عمرو إلى أبي بن كعب ‏يسأله أين تلتقي أرواح أهل الجنة وأهل النار : فقال : أما أرواح أهل الجنة فبالبادية ، وأما أرواح ‏الكفارفبحضرموت . ذكره ابن منده تعليقاً .‏
وقالت طائفة من الصحابة : الأرواح عند الله عز وجل . وقد صح ذلك عن عمرو وقد سبق قوله ‏وكذلك .‏
‏418- روي عن حذيفة خرجه ابن منده من طريق داود عن الأودي عن الشعبي عن حذيفة قال : ‏إن الأرواح موقوفة عند الرحمن عز وجل تنتظر موعدها حتى ينفخ فيها . وهذا إسناد ضعيف . وهذا ‏لا ينافي ما وردت به الأخبار من محل الأرواح على ما سبق . ‏
‏419- وقالت طائفة : أرواح بني آدم عند أبيهم آدم عن يمينه وشماله وهذا يستدل له بما في ‏الصحيحين عن أنس عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فرج سقف بيتي وأنا بمكة " ‏فذكر الحديث وفيه " فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعلى يساره ‏أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال : مرحباً بالنبي الصالح [ والابن الصالح ‏‏] . قلت لجبريل : من هذا ؟ قال : هذا آدم ، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل ‏اليمين منهم أهل الجنة . والأسودة التي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن ‏شماله بكى ...." وذكر بقية الحديث . وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن أرواح الكفار في السماء وهذا ‏مخالف لقوله تعالى { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء } وكذلك ‏حديث البراء وأبي هريرة وغيرهما أن السماء لا تفتح لروح الكافر ، وأنها تطرح طرحاً ، وأن رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم قرأ : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به ‏الريح في مكان سحيق } .‏
وكذا حمله بعضهم على أن هذه الأرواح التي عن يمين آدم وشماله هي أرواح بنيه التي لم تخلق ‏أجسادهم بعد ، وهذا في غاية البعد مع منازعة بعضهم في خلق الأرواح قبل أجسادها .‏
‏420- وقد ورد من حديث أبى هريرة ما يزيل هذا الأشكال كله من رواية أبي جعفر الرازي عن ‏الربيع عن أنس عن أبي العالية وغيره عن أبي هريرة فذكر حديث الإسراء بطوله إلى أن قال : " ثم ‏صعد به على السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا ؟ قال جبريل ، قيل ومن معك ؟ قال : محمد قالوا ‏‏: وقد أرسل إليه ؟ قال: نعم . قال : حياه الله من أخ ومن خليفة . فنعم الاخ ، ونعم الخليفة ، ونعم ‏المجيء جاء قال : فدخل فإذا هو برجل تام الخلقة لم ينقص من خلقه شيء كما ينقص من الناس عن ‏يمينه باب يخرج منه ريح طيبة وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة إذا نظر عن يمينه ضحك واستبشر ‏وذا نظر عن شماله بكى وحزن والباب الذي عن يمينه باب الجنة فإذا نظر من يدخل من ذريته الجنة ‏ضحك واستبشر والباب الذي عن شماله جهنم فإذا نظر من يدخل من ذريته جهنم بكى وحزن " ‏وذكر الحديث ، وقد خرجه بتمامه البزار في مسنده وأبو بكر الخلال وغير واحد وفيه التصريح بان ‏أرواح ذريته في الجنة والنار وإنه ينظر إلى أهل الجنة من باب عن يمينه وإلى أهل النار من باب عن ‏شماله وهذا لا يقتضي أن تكون الجنة والنار في السماء الدنيا وإنما معناه أن آدم في السماء الدنيا يفتح ‏له بابان في الجنة والنار ينظر منهما إلى أرواح ولده فيهما . وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم الجنة ‏والنار في صلاة الكسرف وهو في الأرض وليست الجنة في الأرض ، وروى أنه رآهما ليلة الإسراء في ‏السماء وليست النار في السماء .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:29 PM
‏421- ويشهد لذلك أيضاً ما في حديث أبي هارون العبدي مع ضعفه عن أبى سعيد الخدري عن ‏النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء الطويل إلى أن ذكر السماء الدنيا " وإذا أنا برجل ‏كهيئته يوم خلقه الله عز وجل لم يتغير منه شيء وإذا تعرض عليه أرواح ذريته فإذا كان روح مؤمن ‏قال روح طيبة وريح طيبة اجعلوا كتابه في سجين ، قلت : يا جبريل من هذا ؟ قال أبوك آدم " ‏وذكر الحديث ففي هذا أنه تعرض عليه أرواح ذريته في السماء الدنيا وأنه يأمر بجعل الأرواح في ‏مستقرها من عليين وسجين فدل على أن الأرواح ليس محل مستقرها في السماء الدنيا . وزعم ابن ‏حزم أن الله خلق الأرواح جملة قبل الأجساد وأنه جعلها في برزخ وذلك البرزخ عند منقطع العناصر ‏يعني حيث لا ماء ولا هواء ولا نار وأنه إذا خلق الأجساد أدخل فيها تلك الأرواح ثم يعيدها عند ‏قبضها إلى ذلك البرزخ وهو الذي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة أسري به عند سماء ‏الدنيا أرواح أهل السعادة عن يمين آدم وأهل الشقاوة عن يساره وذلك عند منقطع العناصر وتجعل ‏أرواح الأنبياء والشهداء في الجنة ، قال : وذكر محمد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه أنه ‏ذكر هذا الذي قلناه بعينه قال : وعلى هذا أجمع أهل العلم . قال ابن حزم : وهو قول جميع أهل ‏الإسلام غيره . فكيف يكون قول جميع أهل الإسلام وكلامه يقتضي أن الأرواح رآها النبي صلى الله ‏عليه وسلم ليلة الإسراء تحت السماء الدنيا ، والحديث يدل على أنه إنما رآها فوق السماء الدنيا . وما ‏حكاه عن محمد بن نصر عن إسحاق بن راهويه فلا يدل على ما قاله بوجه ، فإن محمد ابن نصر ‏حكى عن إسحاق بن راهويه إجماع أهل العلم أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه قبل خلق ‏أجسادهم فاستنطقهم واستشهدهم على أنفسهم { ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } ، ولم يذكر ‏أكثر من هذا ، وهذا لا يدل شيء مما قاله ابن حزم في مستقر الأرواح ألبتة . بل ولا على أن الأرواح ‏بقيت على حالها ، بل في بعض الأحاديث أنه ردها إلى صلب آدم ولم يقل إسحاق ولا غيره من ‏المسلمين أن مستقر الأرواح حيث منقطع العناصر بل وليس هذا من جنس كلام المسلمين بل من ‏جنس كلام المتفلسفة . ‏
‏422- وقد خرج ابن جرير الطبري في كتاب " الأدب " له من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب ‏عن المغيرة بن عبد الرحمن قال : قال سلمان لعبد الله بن سلام : إن مت قبلي فأخبرني عمن تلقى ، ‏وإن مت قبلك أخبرتك بما ألقى فقال له الناس : يا عبد الله كيف تخبرنا وقد مت ؟ قال : ما من ‏روح تقبض من جسد إلا كان بين السماء والأرض حتى يرده في جسده الذي أخذ منه . هذا لا ‏يثبت وهو منقطع وأبو معشر ضعيف وقد سبق رواية سعيد بن المسيب لهذه القصة بغير هذا اللفظ ‏وهو الصحيح . وقد تقدم في سؤال عبد الله بن الإمام أحمد لأبيه عن الأرواح هل تموت بموت ‏الأجساد ؟ وهذا يدل على إن هذا قد قيل أيضاً وهو كذلك . وقد حكي عن طائفة من المتكلمين ‏وذهب إليه جماعة من فقهاء الأندلس قديماًمنهم عبد الأعلى بن وهب بن محمد بن عمر بن لبابة ومن ‏متأخيرهم كالسهيلي وأبي بكر بن العربي وغيرهما قال أبو الوليد بن الفرضي في " تاريخ الأندلس " : ‏أخبرني سليمان بن أيوب قال : سألت محمد بن عبد الملك بن أيمن عن الأرواح ؟ فقال لي : كان ‏محمد بن عمر بن لبابة يذهب إلى أنها تموت وسألته عن ذلك . فقال: كذا يذهب عبد الأعلى بن ‏وهب فيما قال ابن أيمن فقلت له : إن عبد الأعلى كان قد طالع كتب المعتزلة ، ونظر في كلام ‏المتكلمين فقال : إنما قلدت عبد الأعلى ليس من هذا شىء انتهى . وقد استدل أرباب هذا القول ‏بقوله تعالى { كل نفس ذائقة الموت } ، وهذا حق كما أخبر الله به لا مرية فيه لكن الشأن في فهم ‏معناه فإن النفس يراد بها مجموع الروح والبدن كما في قوله تعالى: { ونفس وما سواها . فألهمها ‏فجورها وتقواها } وقوله سبحانه وتعالى { فلا تزكوا أنفسكم } وقوله تعالى { ولاتقتلوا أنفسكم ‏‏} وقوله تعالى { كل نفس بما كسبت رهينة } وقوله تعالى {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ‏‏}. ‏
‏423- وقول النبي صلى الله عليه وسلم0" ما من نفس منفوسة إلا الله خالقها " .‏
‏424- وقوله عليه السلام " 0مامن نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ " .‏
‏425- وفي رواية " لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم " والمراد موت الأحياء ‏الموجودين في يومه ذلك ، ومفارقة أرواحهم لأبدانهم قبل المائة سنة ليس المراد عدم أرواحهم ‏واضمحلالها فكذلك قوله سبحانه وتعالى { كل نفس ذائقة الموت } إنما المراد كل مخلوق فيه حياة ‏فإنه يذوق الموت وتفارق روحه بدنه ، فإن أراد أنها تعدم وتتلاشى فليس بحق وقد اشتد نكير العلماء ‏لهذه المقالة حتى قال سحنون بن سعيد وغيره : هذا قول أهل البدع ، والنصوص الكثيرة الدالة على ‏بقاء الأرواح بعد مفارقتها الأبدان ترد ذلك وتبطله ، ولكن تخيل بعض المتأخرين موت الأرواح عند ‏النفخة الأولى مستدلاً بقوله تعالى { ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا ‏من شاء الله } ورد عليه آخرون وقالوا : إنما المراد به يموت من لم يكن مات قبل ذلك ، ولكن ورد ‏عن طائفة من السلف في قوله { إلا من شاء الله } أن المستثنى هم الشهداء . روي ذلك عن أبي ‏هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الصور الطويل ، ومن وجه آخر بإسناد أجود من ‏إسناد حديث الصور ، وهذا يدل على أن للشهداء حياة يشاركون فيها الأحياء ، وقد قيل في الأنبياء ‏مثل ذلك أيضاً . ‏
‏426- وعلى هذا حمل طائفة من العلماء منهم البهيقي وأبو العباس القرطبي قول النبي صلى الله عليه ‏وسلم في قوله تعالى { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ‏نفخ فيه أخرى } فأكون أنا أول من يبعث فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أجوزي بصعقة الصور ‏أم بعث قبلي وفي رواية " أو كان ممن استثنى الله " ولأن حياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء بلا ‏ريب فشملهم حكم الأحياء أيضاً ويصعقون مع الأحياء حينئذ لكن صعقة غشي لا صعقة موت إلا ‏موسى تردد فيه أصعق أم كان ممن استثنى الله فلم يصعق مجازاة له بصعقة الطور لكن على هذا التقدير ‏فموسى مبعوث قبل محمد صلى الله عليه وسلم لا محالة ، فكيف يتردد النبي صلى الله عليه وسلم في ‏ذلك كله .‏
والفرق بين حياة الشهداء وغيرهم من المؤمنين الذين أرواحهم في الجنة من وجهين : أحدهما أن ‏أرواح الشهداء يخلق لها أجساد أو هي الطير التي تكون في حواصلها ليكمل بذلك نعيمها ويكون ‏أكمل من نعيم الأرواح المجردة عن الأجساد ، فإن الشهداء بذلوا أجسادهم للقتل في سبيل الله ‏فعوضوا عنها بهذه الأجساد في البرزخ ، والثاني أنهم يرزقون من الجنة وغيرهم لم يثبت له في حقه مثل ‏ذلك ، فإنه جاء أنهم يعلقون في شجر الجنة ، وروي يعلقون بفتح اللام وضمها فقيل : إنهما بمعنى ‏وأن المراد الأكل من الشجر . قال ابن عبد البر . وقيل : رواية الضم معناها الأكل ، ورواية الفتح ‏معناها التعلق . ذكره ابن الجوزي ، وبكل حال فلا يلزم مساواتهم للشهداء في كمال تنعمهم في ‏الأكل والله أعلم .‏
وقد ذهب طائفة من المتكلمين إلى أن الروح عرض لا تبقى بعد الموت وحملوا ما ورد من عذاب ‏الأرواح ونعيمها بعد الموت على أحد أمرين : إما أن العرض الذي هو الحياة يعاد إلى جزء من البدن ‏أو على أن يخلق في بدن آخر وهذا الثاني باطل قطعاً ، لأنه يلزم منه أن يعذب بدن غير بدن الميت مع ‏روح غير روحه ، فلا يعذب حينئذ بدن الميت ولا روحه ولا ينعمان أيضاً وهذا باطل قطعاً والأول ‏باطل أيضاً بالنصوص الدالة على بقاء الروح منفردة عن البدن بعد مفارقتها له وهي كثيرة جداً ، وقد ‏سبق ذكر بعضها . ‏
‏427- وقد احتج بعضهم على فناء الأرواح وموتها بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ‏إذا دخل المقابر قال " السلام عليكم أيتها الأرواح الفانية والأبدان البالية والعظام النخرة , التي ‏خرجت من الدنيا وهي بالله مؤمنة ، اللهم ادخل عليهم روحاًً منك وسلاماً منا " وهذا حديث ‏خرجه ابن السني من حديث عبد الوهاب بن جابر التيمي حدثنا حبان بن علي عن الاعمش عن أبى ‏عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يثبت رفعه وعبد الوهاب لا يعرف وحبان ‏ضعيف , لوصح حمل على أنه أراد بفناء الأرواح ذهابها من الأجساد المشاهدة كما في قوله تعالى { ‏كل من عليها فان } وبعض الأبدان باقية كأجساد الأنبياء وغيرهم وإنما تفارق أرواحها أجسادها ، ‏وذكر عن ابن عباس أنه سئل أين تكون الأرواح إذا فارقت الأجساد ؟ فقال : أين يكون السراج إذا ‏طفي والبصر إذا عمي ولحم المريض إذا مرض ؟ فقالوا : إلى أين ؟ قال : فكذا الأرواح . وهذا لا ‏يصح عن ابن عباس والله أعلم . ‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:30 PM
البابُ العاشر‏

في ذكر ضيق القبور وظلمتها على أهلها وتنورها عليهم بدعاء الأحياء وما ورد من حاجة الموتى ‏إلى دعاء الأحياء وانتظارهم لذلك

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:31 PM
‏429- قال ابن المبارك وحدثنا صفوان بن عمرو حدثني سليم بن عامر قال : خرجنا في جنازة على ‏باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة : إنكم قد ‏أصبحتم وأمسيتم في منزل تغنمون فيه الحسنات والسيئات توشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر ‏وهو هذا - يشير إلى القبر - بيت الوحشة وبيت الظلمة وبيت الضيق إلا ما وسع الله ثم تنتقلون منه ‏ِإلى يوم القيامة . ‏
‏430- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلمة بن سعيد قال : كان هشام الدستوائي إذا ذكر الموت ‏يقول : القبر ، وظلمة القبر ، ووحشة القبر ، فلما مر بعض إخوانه إلى جنبات قبره قال : يا أبا بكر ‏والله صرت إلى المحذور . وروى بإسناده عن امرأة هشام الدستوائي قالت : كان هشام إذ طفىء ‏المصباح غشيه من ذلك أمر عظيم فقلت له : إنه يغشاك أمر عظيم عدن المصباح إذا طفىء قال : إني ‏أذكر ظلمة القبر ، ثم قال : لو كان سبقتني إلى هذا أحد من السلف لأوصيت إذا مت أن أجعل في ‏ناحية من داري قال : فما مكثنا إلا يسيراً حتى مات قال : فمر بعض إخوانه به في قبره فقال : يا أبا ‏بكر صرت إلى المحذور .‏
‏431- وقال الحسن بن البراء حدثني عبد الوهاب بن غياث حدثتني جمعة جارة لهشام الفردوسي ‏قالت : كان هشام إذا رجع من جنازة لم يتعش تلك الليلة وكان لا ينام إلا في بيت سراج قال : ‏فطفىء سراجه ذات ليلة فخرج هارباً فقيل له : ما شأنك قال : ذكرت ظلمة القبر .‏
‏432- وروينا حديث خالد بن خداش قال : كنت أقعد إلى أشيم البلخي عم قتيبة وكان أعمى ‏وكان يحدث ويقول : أواه القبر وظلمته ، واللحد وضيقه ، وكيف أصنع ؟ ثم يخشى عليه ، ثم يعود ‏فيحدث فيصنع مثل ذلك مرات حتى يقوم .‏
‏433- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن وهيب بن الورد قال نظر ابن مطيع يوماً إلى داره فأعجبه ‏حسنها فبكى ثم قال : والله لولا الموت لكنت بك مسروراً ولولا ما نصير ‏‎]‎‏ إليه ] من ضيق القبور ‏لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاء شديداً حتى ارتفع صوته . ‏
‏434- وبإسناده عن الفيض بن إسحاق قال : قال لي الفضيل بن عياض : أرأيت لو كانت لك ‏الدنيا فقيل لك : تدعها ويوسع لك في قبرك ما كنت تفعل ؟ قال فقال : فضيل أليس تموت وتخرج ‏من أهلك ومالك وتصير إلى القبر وضيقه وحدك ثم قال : { فما له من قوة ولا ناصر } ثم قال : إن ‏كنت لا تعقل هذا فما في الأرض دابة أحمق منك . قال :‏
‏435- وأخبرنا محمد بن الحسين حدثني محمد بن حرب المكي قال : قدم علينا أبو عبد الرحمن ‏العمري العابد فاجتمعنا إليه وأتاه وجوه أهل مكة قال : فرفع رأسه فنظر إلى القصور المحدقة بالكعبة ‏فنادى بأعلى صوته : يا أصحاب القصور المشيدة اذكروا ظلمة القبر يا أهل النعيم والتلذذ اذكروا ‏الدود والصديد وبلى الأجساد في التراب قال : ثم غلبته عيناه فنام .‏
‏436- وقال : في كتاب " العزلة " : حدثنا حسن بن عبد الرحمن عن رجل قال : دخلت على ‏رجل بالمصيصة في بيته فيه فرشه وقماشة ، فقلت : أما يضيق صدرك من هذا فبكى وقال : إذا ‏ذكرت القبر وظلمته اتسع هذا عندي ولهيت عن غيره .‏
‏437- وذكر بإسناد له أن سعيد بن عبد العزيز دخل على سليمان الخواص فقال : مالي أراك في ‏الظلمة ؟ قال : ظلمة القبر أشد .‏
‏438- قال أبو الحسن بن البراء : حدثنا أبو حمزة الأنصاري حدثني أبو المضرجي قال : خرجت ‏غازياً فمررت ببعض حصون الشام ليلاً فوجدت باب الحصن مغلقاً ومقبرة على الباب ، فبت بجنب ‏المقبرة بالقرب من قبر محفور فلما نمت إذا بهاتف من القبر وهو يقول شعراً :‏
‏ أنعم الله بالخيـالين عينا وبمسراك يا أميم إلينا ‏
‏ عجباً ما عجبت من ثقل التر ب ومن ظلمة القبور علينـا ‏
قال : فانتبهت فإذا بالباب قد فتح وإذا بجنازة يقدمها شيخ فقلت له : ما هذه الجنازة ؟ قال : جنازة ‏ابنتي قلت : ما اسمها ؟ قال أميمة . قلت : القبر محفور لمن ؟ قال قبر ابن أخي وكان زوجها فتوفي ، ‏فدفنته ثم توفيت ابنتي فجئت أدفنها ، فأخبرته بما سمعت من الهاتف في القبر .‏
‏439- وخرج ابن أبى الدنيا من طريق مجالد عن الشعبي قال كان صفوان بن أمية في بعض المقابر ‏فإذا شعل نيران قد أقبلت ومعها جنازة فلما دنوا من القبر قال : انظروا قبر كذا وكذا قال : وسمع ‏رجل صوتاً من القبر حزيناً موجعاً يقول شعراً :‏
‏ أنعم الله بالظعينة عينا وبمسراك يا منين إلينا
‏ جزعاً ما جزعت من ظلمة القب ر ومن مسك التراب منينا ‏
فأخبر القوم بما سمع فبكوا حتى خضبوا لحاهم ثم قالوا : هل تدري من منينة ؟ قال : لا . قالوا : ‏صاحبة هذا السرير . وهذه أختها ماتت قبل عام أول .‏
‏440- وخرج ابن المنذر الهروي المعروف بيشكر في كتاب " العجائب " له من طريق أبي حمزة ‏اليماني قال : جاء رجل إلى طلحة بن عبد الله بن عثمان بن معمر في الجاهلية فقال : إني رأيت عجباً ‏مررت بقبور فنمت فسمعت قائلاً من القبر يقول شعراً :‏
‏ أنعم الله بالظعينة عينا وبمسراك يا منين إلينا
‏ نفساً ما نفست من ظلمة القب ر ومن مسك التراب منينا
فانتبهت فإذا أنا بأهل جنازة فقمت إليهم فأخبرتهم فقالوا : هذه منين وهذه أختها فدللتهم على القبر ‏فدفنوها إلى جانبها ، وبإسناده عن إسماعيل بن راشد قال : حجت امرأة ، فماتت في بعض المنازل ، ‏فلما كان من العام القابل حجت أخت لها فماتت في ذلك المكان فجهزوها وأخرجوها ليدفنوها ‏فبينما هم يطلبون قبر أختها ورجل قد سرى ليله فأتى القبور فرمى بنفسه فنام فيها فاستيقظ فقال : ‏ما تطلبون قالوا : قبراً قال : هو تحتي . قالوا : وما علمك ؟ قال سمعت قائلاً يقول :‏
‏ يا منينا يا منينتي يا منينا أنعم الله بالظعينة عينا
‏ نفسا مانفست من نفس القبـ ـر ومن مسك التراب منينا
‏ لم نجد بعدكم منين رجاء أقبل الدهر بالغناء علينا
قال : فدفنت إلى جانبها .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:32 PM
‏441- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أمينة بنت عمران بن يزيد قالت : رأيت أبي في منامي ‏فقلت : يا أبت لا عهد لي بك منذ فارقتنا . قال : يا بنية وكيف تعهدين من فارق الحياة إلى ضيق ‏القبور وظلمتها ؟ قالت : فقلت : كيف حالك منذ فارقتنا قال : خير حال يا بنية بوّئنا المنازل ، ‏ومهدت لنا المضاجع ، ونحن هنا يغدا علينا ويراح برزقنا من الجنة . قلت : فما الذي بلغكم هذا قال ‏‏: الصبر الصالح وكثرة التلاوة لكتاب الله عز وجل . وخرج أبو نعيم بإسناد له عن عمر بن عبد ‏العزيز أنه كان يقول في موعظة له طويلة يذكر فيها أهل القبور : أليسوا في مدلهمة ظلماء أليس الليل ‏والنهار سواء ؟
‏442- قال أبو الحسن بن البراء أنشدنا إسماعيل بن إدريس السمار لأبي العتاهية يبكي على نفسه في ‏مرثية .‏
‏ لأبكينَّ على نفسي وحق ليه يا عين لا تبخلي عني بعبرتيه‏
‏ لأبكين لفقدان الشباب فقد جد الرحيل عن الدنيا برحلتيه‏
‏ يا نأي منتجعي يا هول مطلعي يا ضيق مضطجعي يا بعد شقنيه
‏ المال ما كان قدامي لآخرتي مالاً أقدم من مالي فليس ليه

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:32 PM
فصل
‏ ‏
‏443- وقد روى ابن أبي الدنيا من طريق أبي غطفان المري قال : قال عمر : يا رسول الله لو فزعتنا ‏أحياناً لفزعنا فكيف بظلمة القبر وضيقه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما يبعث العبد ‏على ما قبض عليه " وهذا مرسل .‏
‏444- وبإسناده عن وهب بن منبه . قال : كان عيسى عليه السلام واقفاً على قبر ومعه الحواريون ‏وصاحبه يدلى فيه فذكروا القبر ووحشته وضيقه وظلمته قال عيسى عليه السلام : قد كنتم في أضيق ‏منه أرحام أمهاتكم فإذا أحب الله أن يوسع وسع . ‏
‏445- وبإسناده عن جعفر بن سليمان قال : شهد رجل يدلى في حفرتة فقال : إن الذي يسهل ‏على الجنين في بطن أمه قادر أن يسهل عليك ، قال : وقال بعضهم : شبل ابن عورة هو المتكلم بهذا ‏‏. ‏
‏446- وخرج الإمام أحمد حديث الأسود الذي كان ينظف المسجد فمات فدفن ليلاً فأتي رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم فأخبر فقال : " انطلقوا إلى قبره " فانطلقوا فقال إن هذه القبور ممتلئة على ‏أهلها ظلمة وإن الله عز وجل ينورها بصلاة عليها فأتى القبر ، فصلى عليه .‏
وخرج مسلم نحوه من حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن قد قيل : إن آخره ‏مدرج في حديث أبي هريرة .‏
‏447- وروى محمد بن حميد الرازي ثنا مهران بن [ أبى ] عمر ثنا سفيان عن علقمة ابن مرثد عن ‏ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبر حديث عهد بدفن ومعه أبو بكر وعمر ‏فقال : قبر من هذا ؟ قال أبو بكر : هذه يا رسو الله أم محجن كانت مولعة بأن تلتقط الأذى من ‏المسجد قال : ألا آذنتموني قالوا : قد كنت نائما فكرهنا أن نجهدك ، قال : فلا تفعلوا فإن صلاتي ‏على موتاكم تنور لهم في قبورهم . قال: فصف بأصحابه فصلى .‏
‏448- وقد ذكرنا فيما تقدم عن أبى قلابه أنه راى ميتا في نومه فقال له : جزى أهل الدنيا خيرا ‏أقرأهم منا السلام فإنه يدخل علينا من دعائهم نور مثل الجبل . ‏
‏449- وقال ابن أبى الدنيا حدثنا أبو عبد الله بن يحير حدثني بعض أصحابنا قال : رأيت أخا لي في ‏النوم بعد موته فقلت : أيصل إليكم دعاء الأحياء قال: أي والله يترفرف مثل النور ثم يلبسها .‏
‏450- وروى بإسناده عن بشار بن غالب البحراني قال : رأيت رابعة العدوية في منامي وكنت كثير ‏الدعاء لها فقالت لي : يا بشار بن غالب هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمرة بمناديل الحرير ، ‏قالت : هكذا دعاء المؤمنين الأحياء إذا دعوا للموتى فستجيب لهم جعل ذلك على أطباق النور وخمر ‏بمناديل الحرير ، ثم أتى به إلى الذي دعا له من الموتى فقيل : هذه هدية فلان إليك .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:33 PM
‏451- وبإسناده عن عمرو بن جرير قال : إذا دعا العبد لأخيه الميت أتاه ملك في قبره فقال له : يا ‏صاحب القبر الغريب هدية من أخ شفيق عليك . وبإسناده عن بشر بن منصور قال : كان رجل ‏يختلف إلى الجبان زمن الطاعون فيشهد الصلاة على الجنائز فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال : ‏آنس الله وحشتكم ورحم الله غربتكم وتجاوز عن سيئاتكم وقبل الله حسناتكم . لا يزيد على هذه ‏الكلمات قال : فإذا أمسيت ذات ليلة فانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر فدعو كما كنت أدعو قال ‏‏: فبينما أنا نائم إذا أنا بخلق كثير قد جاؤني فقلت لهم : ما جاء بكم ؟ قالوا نحن أهل المقابر . قلت : ‏وما تريدون ؟ قال : إنك كنت عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك قلت : وما هي ؟ قال: ‏الدعوات التي كنت تدعو بها . قال : فقلت : إني أعود لذلك فما تركتها بعد . ‏
‏452- وبإسناده عن سفيان بن عينية قال : كان يقال : الأموات أحوج إلى الدعاء من الأحياء إلى ‏الطعام .‏
‏453- وبإسناد له عن بعض المتقدمين قال : مررت بالمقابر فترحمت عليهم فهتف هاتف : نعم ‏فترحم عليهم فإن فيهم المهموم والمحزون . ‏
‏454- وروى جعفر الخلدي عن العباس بن يعقوب بن صالح الأبياري سمعت أبى يقول : رأى بعض ‏الصالحين أباه في النوم فقال : يا بني لم قطعتم هديتكم عنا قال : يا أبت وهل تعرف الأموات هدية ‏الأحياء ؟ قال : يا بني لولا الأحياء هلكت الأموات ، نسأل الله العفو والغفران .‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:34 PM
الباب الحادي عشر

في ذكر زيارة الموتى والاتعاظ بهم

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:35 PM
‏455-وخرج مسلم في صحيحه من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كنت ‏نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ‏‎]‎‏ فإنها تذكركم الآخرة‎[ ‎‏ ".‏
‏456- وخرجه الإمام احمد بلفظ آخر : " فزوروها فإن في زيارتها عبرة وعظة ".‏
‏457- وخرجه أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " فزوروها ‏فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة " .‏
‏457- وخرج الإمام أحمد من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نهيتكم عن زيارة ‏القبور ، ثم بدا لي أنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة فزوروها ولا تقولوا هجراً " .‏
‏458- وخرج مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "استأذنت ربي أن ‏أزور قبر أمي فأذن لي فزوروها فإنها تذكر الموت " .‏
‏469- وخرج الحاكم من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من زار القبور تذكر ‏بها الآخرة ، وغسل الموتى فإن معالجة جسد الميت وعظة بليغة، وصل على الجنائز ؛ لعل ذلك يحزنك ‏، فإن الحزين في ظل الله تعالى يتعرض كل خير " .‏
‏460- وخرج ابن أبي الدنيا بإسناده عن ثابت البناني قال بينما أنا أمشي في المقابر إذ أنا بهاتف من ‏واد : يا ثابت لا يغرنك سكوتها فكم من مغموم فيها قال : فلتفت فلم أجد أحداً .‏
‏461- وبإسناد عن بشر بن منصور قال : قال لي عطاء الأزرق : إذ حضرت المقابر فليكن قلبك ‏فيمن أنت بين ظهرانيه فإني بينما أنا نائم ذات ليلة في المقابر تفكرت في شيء فإذا أنا بصوت يقول : ‏إليك يا غافل إنما أنت بين ناعم في نعمته يتذلل أو معذب في سكراته يتقلب . ‏
‏462- وبإسناده عن صالح المري قال : دخلت المقابر [ يوماً ] في شدة الحر فنظرت إلى القبور ‏خامدة كأنهم قوم سموت فقلت : [ يا ] سبحان الله من يجمع بين أرواحكم وأجسادكم بعد افتراقها ‏يحيكم وينشركم من بعد طول البلى قال فنادني مناد من بين تلك الحفر : يا صالح { ومن آياته أن ‏تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } قال : وسقط والله ‏لوجهي جزعاً من ذلك الصوت .‏
‏463- وبإسناد له أن عمر بن عبد العزيز خرج مع جنازة فلما دفنها ‏‎ ]‎قال : دعوني حتى آتي قبور ‏الأحبة قال : فأتاهم فجعل يدعوا ويبكي إذ هتف به التراب: يا عمر لا تسألني عما فعلت بلأحبة وما ‏فعلت بهم ؟ قال : مزقت الأكفان واكلت اللحم ، شدخت المقتلين ، وأكلت الحدقتين ، ونزعت ‏الكفين من الساعدين ، والساعدين من العضلين والعضلين من المنكبين ، والمنكبين من الصلب ، ‏والقدمين من الساقين ، والساقين من الفخذين ، والفخذين من الورك ، والورك من الصلب ، قال : ‏وعمر يبكي فلا أراد أن ينهض قال له التراب : يا عمر ألا أدلك على أكفان لا تبلى ؟ قال : وما هي ‏‏: تقوى الله والعمل الصالح .‏
‏464- وبإسناده أن أبا الدرداء مر بين القبور فقال : يا تراب ما أسكن ظواهرك ، وفي داخلك ‏الدواهي .‏
‏465- وبإسناده له عن ميمون بن مهران قال : خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقابر فلما نظر ‏إلى القبور بكى ثم قال يا أيوب هذه قبور أبائي بني أمية ، كأنهم لم يشركوا أهل الدنيا في لذاتهم ‏وعيشتهم ، أما تراهم صرعي فدخلت بهم المثلات ، واستجكم فيهم البلاء ، فأصابت الهوان في ‏أبدانهم مقيلاً ، ثم بكى حتى غشي عليه ثم أفاق فقال : فانطلق بنا فوالله ما أعلم أحداً أنعم ممن صار ‏إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله عز وجل . ‏
‏466- عن ثابت البناني أنه دخل المقابر فبكى فقال : بليت أجسامهم وبقيت أخبارهم فالعهد قريب ‏، واللقاء بعيد . وعن بعض الأعراف أنه وقف على قبر وأنشد في المعنى :‏
‏ لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون القبور تزيد
‏ وما إن ترى داراً لحي قد أقفرت وقبر لميتة بالفناء جديد
‏ فهم جيرة الأحياء أما محلهم فدان وأما الملتقى فبعيد
وعن بعضهم أنه مر في سفره بمقبرة لبعض المدن فقال :‏
‏ كفى حزناً أن لا ببلدة من الأرض إلا دون مدخلها قبر‏
‏467- وعن جعفر بن سليمان قال : كنا نخرج مع مالك بن دينار زمان الحطمة فنجمع الموتى ‏ونجهزهم فيخرج مالك على حمار قصير لجامه من ليف وعليه عباءة مرتديها فيعظنا في الطريق حتى إذا ‏أشرف على القبور قال بصوت له محزون رحمة الله عليه نفعنا الله بأقرب الخلق إليه :‏
‏ إلا حي القبور ومن بهنه وجوه في التراب أجبنهنه
ولو أن القبور أجبن حياً إذاً لأجبتني إذا نصته ‏
ولكن القبور صمتن عني فأنت تحسره من عند هنه .‏
قال حدثنا يحيى عن عبد الله بن جعفر بن سليمان امير البصرة فمر به رجل كان يعظ الناس فقال له ‏عبد الله : عظني ببيت من الشعر فقال :‏
‏ إذا ثوى في القبور ذو خطره فذره فيها ولا تنظر إلى خطره
فبكى عبد الله بن جعفر وكان ابن السماك يتمثل بهذا البيت ويزيد فيه بيتاً آخر :‏
‏ أبرزه الموت من مساكنه ومن مقاصيره ومن حجره
‏468- قال ابن أبي الدنيا ثنا إسماعيل بن عبد الله العجلي قال : أنشدنا رجل ونحن بالمقابر :‏
‏ ألا يا عسكر الأحياء هذا عسكر الموتى
‏ أجابوا الدعوة الصغرى وهم ينتظرون الكبرى
‏ يحثون على الزاد وما زاد سوى التقوى
‏ يقولون لكم جدوا فهذا آخر الدنيا
‏479- قال : وحدثنا أبو الفضل بن جعفر ثنا غزوان بن عبد الرحمن بن غزوان قال : كنت جالساً ‏مع أبي بالبصرة إذ أقبل شيخ على حمار في عنقه حبل ليف والشيخ حاف ، عليه صوف حتى وقف ‏علينا فسلم على أبي فأحفى أبي بالمسلة به وقال : من أين أقبلت ؟ قال : فكرت في أهل هذا العسكر ‏ليلاً فغدوت عليهم فقلت:‏
وعظتك أحداث صمت ، وبكل ساكنة حفت
وتكلمت عن أعظم ابتلاء وعن صور سهت
وأرتك قبرك في القور و أنت حي لم تمت .‏
ثم ولى غير بعيد ، ثم أقبل فقال : ولربما انصرفت الشمات فحل بالقوم الشمت فقلت : هذا الشيخ ‏هو أبو العتاهية و الأبيات معروفة .‏
‏470- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلام بن صالح قال : فقد الحسن ذات يوم فلما أمسى قال ‏له أصحابه : أين كنت ؟ قال : كنت اليوم عند إخوان لي إن نسيت ذكروني ، وإن غبت عنهم لم ‏يغتابوني ، فقال له أصحابه : نعم الإخوان والله هؤلاء يا أبا سعيد دلنا عليهم قال : هؤلاء أهل ‏القبور.‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:36 PM
‏471- وبإسناده عن عبد الواحد بن زيد أن الحسن قال لأصحابه ، وهم في المقابر هم أهل محلة قد ‏كفى من جلس إليهم الكلام وله في الجلوس إليهم الموعظة و الاعتبار .‏
‏472- وروى بإسناد منقطع أن علي بن أبي طالب قيل له : ما شأنك جاورت المقبرة ؟ قال إني ‏أجدهم جيران صدق يكفون الألسن ويذكرون الآخرة .‏
‏473- وبإسناده عن عمارة المغربي قال : قال لي محمد بن واسع : ما أعجب إلى منزلك قلت ! وما ‏يعجبك من منزلي وهو عند القبور ؟! قال : وما عليك يكفون الأذى ، ويذكرون الآخرة .‏
‏474- وبإسناده عن ميمون بن مهران قال : قال أبو الدرداء : إن لكم تعانينه الدارين لعبرة ، ‏تزورونهم ولا يزورونكم ، وتنتقلون إليهم ولا ينتقلون إليكم يوشك أن تستفرغ هذه ما في هذه .‏
‏475- وبإسناده عن الحسن بن عثمان بن أبي العاص كان في جنازة فرأى قبراً خاسفاً فقال لرجل ‏من أهله : يا فلان تعالى انظر إلى بيتك الذي هو بيتك قال : فقال : ما أرى في بيتي طعاماً ولا شراباً ‏ولا ثياباً ، قال فإنه بيتك قال : صدقت ، قال : فرجع فقال : والله لأجعلن ما في بيتي هذا في بيتي ‏ذاك ، قال الحسن : هو والله التشدد و الهلكة والله لتبصرن أو لتهلكن ، وفي رواية قال : أراه ضيقاً ‏يابساً مظلماً ليس فيه طعام ولا شراب ولا زوجة وقد نزلت بيتاً فيه طعام وشراب وزوجة قال : قال ‏‏: والله بيتك ، قال : وصدقت أما والله لو قد رجعت نقلت من ذلك إلى هذا.‏
‏476- وعن ابن شوذب قال : اطلعت امرأة إلى قبر فرأت اللحد فقالت لامرأة معها : ما هذا ؟ يعني ‏اللحد ، قالت : هذا كندوج العمل ، قال : وكانت تعطيها الشيء وتقول : اذهبي فضعي هذا في ‏كندوج العمل .‏
‏477- وعن الحسن أنه مر على مقبرة فقال : يا لهم من عسكر ما أسكتهم ، وكم فيهم من ‏مكروب.‏
‏478- وعن الفضل الرقاشي أنه كان إذا ذكر زهد في الدنيا يقول : مررت بالمقابر فوقفت فناديت ‏‏: يا أهل الشرف والغناء والتباهي ، يا أهل اللباس والنجدة والأمن والزجول و يا أهل المسئلة والحاجة ‏والفاقة ويا أهل النسك والإخبات والإنابة والاجتهاد فما ردت على فرقة منهم ، ولعمري إن لم ‏يكونوا أجابوا جواباً لقد أجابوا اعتباراً .‏
‏489- وعن مالك بن دينار قال : خرجت أنا وحسان بن أبي سنان نزور المقابر فلما أشرف عليها ‏سبقته عبرته ، ثم أقبل عليّ فقال : يا يحيى هذه عساكر الموتى ينتظرون بها من بقي من الأحياء ثم ‏يصاح بهم صيحة ، فإذا هم قيام ينظرون ، فوضع مالك يده على رأسه ، وجعل يبكي .‏
‏480- وعن عاصم الحيطي قال : كنت أمشي مع محمد بن واسع ، فأتينا المقابر، فدمعت عيناه ، ثم ‏قال : يا عاصم لا يغرنك ما ترى من خمودهم ، فكأنهم وقد وثبوا من هذه الأجداث ، فمن بين ‏مسرور ومهموم .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:37 PM
‏481- وعن ابن السماك قال : لا يغرنك سكوت هذه القبور فما أكثر المغمومين فيها ولا يغرنك ‏آسفووها فما أشك بقاهم فيها . ‏
‏482- وعن أبي حازم الأعرج أنه شهد جنازة فوقف على شفير القبر فجعل ينظر إليه ثم رفع رأسه ‏فقال لبعض أصحابه : ما ترى قال : أرى حفرة يابسة وأرى جنادل ، قال أبو حازم : أما والله ‏لتحمدنه إلى نفسك أو لتكونن معيشتك فيه معيشة ضنكاً فبكى بكاءاً شديداً .‏
‏483- وعن حسين الجعفي قال : أتى رجل قبراً محفوراً ، فاطلع في اللحد ، فبكى واشتد بكاؤه قال ‏‏: أنت والله بيتي حقاً ، والله إن استطعت لأعمرنك .‏
‏484- وعن عطاء السلمي أنه كان إذا جن عليه الليل خرج ، فوقف على القبور ، ثم قال : يا أهل ‏القبور متم فوا موتاه ثم بكى ثم قال : يا أهل القبور عاينتم ما علمتم فوا عملاه ثم يبكي فلا يزال ‏كذلك حتى يصبح . ‏
‏485- وعن علي بن أحمد قال : كان الأسود بن كلثوم يخرج إلى المقابر إذا هدأت العيون ، فيقول ‏‏. يا أهل الغربة والتربة ، يا أهل الوحدة والبلى ، ثم يبكي حتى يكاد يطلع الفجر ، ثم يرجع إلى أهله ‏‏. ‏
‏486- وعن ثابت البناني قال : دخلت المقابر فقلت : يا أهل القبور ، فلم يجبني أحد ، ثم قلت : يا ‏أهل القبور ، فلم يجبني أحد ، ثم أجاب عقلي : نحن مثلك كنا وأنت وكما نكون نحن تكون . ‏
‏487- قال ابن أبي الدنيا وحدثنا إبراهيم بن سيار قال : قيل لبعض حكماء العرب ما أبلغ العظات ‏، قال : النظر إلى محلة الأموات ويروى نحو هذا الكلام عن عمر بإسناد ضعيف . ‏
‏488- وكان العمري الزاهد يلازم المقابر ومعه كتاب لا يفارقه فقيل له في ذلك ، قال : ما شيء ‏أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب ولا أسلم من الوحدة . ‏
‏490- وقال أبو محرز الطفاوي كفتك القبور مواعظ الأمم السالفة .‏
‏491- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن محمد بن صالح التمار قال : كان صفوان بن سليم يأتي ‏البقيع في الأيام ، فمر بي فاتبعته ذات يوم وقلت والله لأنظرن ما يصنع قال والله فرفع رأسه وجلس ‏إلى قبر منها فلم يزل يبكى حتى رحمته قال : ظننت أنه قبر بعض أهله , قال فمر بي فأتبعته فقعد إلى ‏جنب قبر غيره فقال مثل ذلك , قال : فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر وقلت : إني ظننته أنه قبر ‏بعض أهله , وقال محمد : كلهم أهله وأخوان إنما هو رجل يحرك قلبه بذكر الأموات كلما عرضت ‏له قسوة ، ثم جعل محمد بن المنكدر يمر بي فيأتي البقيع فسلمت عليه ذات يوم ، فقال : ما يقنعك ‏موعظة صفوان ؟ قال : فظننت أنه انتفع بما ألقيت إليه منها .‏
‏492- وعن مطرف الهذلي قال : كانت عجوز متعبدة في عبد القيس فعوتبت في كثرة إتيانها ، ‏فقالت : إن القلب القاسي إذا جف لم يلينه إلا رسوم البلى وإني لآتي القبور وكأني أنظر إليهم قد ‏خرجوا من بين أطباقها ، وكأني أنظر إلى تلك الوجوه المعفرة , وإلى تلك الأجسام البالية المقفرة ‏‏,وإلى تلك الأكفان الدلسة فيا له من منظر.‏
‏493- ولأبى العتاهية :‏
إني سألت التراب : ما فعلت بعدي بجسد وقع فيه الدود متعفرة ‏
فأجابني : صيرت ريحهم يؤذيك بعد روائح عطرة
وأكلت أجساداً منعمة كان النعيم يهزها نضرة
لم يبق غير جماجم عريت بيض تلوح أو أعظم نخرة‏
‏494- قال ابن أبي الدنيا ثنا محمد بن الحسين قال : قال أبو إسحاق : شهدت جنازة رجل من ‏إخواني منذ خمسين سنة فلما دفن وسوي عليه التراب وتفرق الناس ، جلست إلى بعض تلك القبور ‏ففكرت فيما كانوا فيه من الدنيا وانقطاع ذلك كله عنهم فأنشدت أقول : ‏
سلام على أهل القبور الدوارس كأنهم لم يجلسوا في المجالس
ولم يشربوا من بارد الماء شربة ولم يأكلوا من بين رطب ويابس
ألا خبروني : أين قبر ذليلكم وقبر العزيز الباذخ المتمارس
وغلبتني عيناي فقمت وأنا محزون .‏
‏495- قال ابن أبي الدنيا وأنشد الرياشي رحمه الله تعالى أبياتاً خمسة فقال :‏
تهيج منازل الأموات وجدا ويحدث عن رؤيتها اكتئاب
منازل لا يجيب حين تدعو وعز عليك أنك لا تجاب
وكيف يجيب من تدعوه ميتاً تضمنت الجنادل والتراب‏
مقيم إلى أن يبعث الله خلقه لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
تزيد بلى في كل يوم وليلة وتنسى كما تبلى وأنت حبيب
‏496- وروى أبو نعيم بإسناد له أن داود الطائي اجتاز على مقبرة وامرأة عند قبر تقول هذين البيتين ‏فسمعها فكان ذلك سبب توبته يعني سبب انقطاعه عن الدنيا وأسبابها وانشغاله بالآخرة والاستعداد ‏لها . وسمع بكر العابد امرأة عند قبر تقول: ‏
واعمراه ليت شعري بأي خديك ‏‎]‎‏ بدأ ] البلى وأي عينيك سالت قبل الأخرى ، فخر بكر مغشياً ‏عليه . أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب " ذكر الأموات " .‏
‏497- وروى في كتاب " الخائفين " عن محمد بن الحسين عن عبد الله بن موسى قال :كان الحسين ‏بن صالح إذا صعد المنارة - يعني ليؤذن - أشرف على المقابر فإذا نظر إلي الشمس تمور على القبور ‏صرخ حتى يسقط مغشياً عليه ، فيحمل وينزل به ، وشهد يوماً جنازة فلما قرب الميت ليدفن نظر إلى ‏اللحد فارتاع عرقاً ، ثم مال ، فغشي عليه ، فحمل على سرير الميت ، فرد إلى منزله .‏
‏498- وذكر بإسناد عن عيسى بن يونس - وذكر الحسين بن صالح - فقال : قل ما كنت أجيء ‏في وقت صلاة إلا رأيته مغشيا عليه ينظر إلى المقبرة فيصرخ ويغشى عليه . ‏
‏499- وبإسناده عن عمر بن درهم القريعي دخل المقابر وهو معصوب العين وابنه يقوده فوطىء ‏على قبر وقال يا بني أين أنا ؟ قال في الجبان يا أبتاه قال : هاه ثم خر ميتا فحمل إلى أهله من المقابر ‏ميتا ، فغسل ، ثم رد إلى المقابر، فدفن .- وروى في كتاب " القبور" بإسناد له أن امرأة بالمدينة ‏كانت تزهو فدخلت يوما المقابر ، فرأت جمجمة ، فصرخت ثم رجعت منيبة ، فدخل عليها نساؤها ‏فقلن ما هذا ؟ فقالت : بكى قلبي لذكر الموت لما رأيت جماجم خوف القبور، ثم قالت : أخرجن من ‏عندي فلا تأتين منكن امرأة إلا امرأة ترغب في خدمة الله عز وجل ثم أقبلت على العبادة حتى ماتت . ‏
‏500- وبإسناده عن عيسى الخواص أن رجلا من الصدر الأول دخل المقابر ، فمر بجمجمة بادية من ‏بعض القبور ، فحزن حزنا شديدا ، ثم واراها ، ثم التفت فلم ير إلا القبور ، فحدث نفسه فقال : لو ‏كشفت عن بعضهم فسألته ما رأى قال فأتى في منامه فقيل له : لا تغتر بتشييد القبور من فوقهم ، ‏فإن القوم بليت خدودهم في التراب فمن بين مسرور ينتظر ثواب الله عز وجل وبين مغموم آسفا ‏على عقابه ، فإياك والغفله عما رأيت ، فاجتهد الرجل بعد ذلك اجتهادا شديدا حتى مات .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:37 PM
‏501- وبإسناده عن جعفر بن سليمان عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : رأى رجل جمجمة ‏إنسان فحدث نفسه بشيء فخر ساجدا نادما مما حدث به نفسه فقيل له : ارفع رأسك فأنت أنت ‏وأنا أنا .‏
‏502- وعن جعفر قال : سمعت أبا عمران الجوني يقول : نودي ارفع رأسك فإنك ابن آدم وأنا الله ‏، تتوب ، وأعود إليك ، فصلِّ .‏
‏503- خرج ابن ماجه والترمذي من حديث هانىء مولى عثمان قال : كان عثمان إذا وقف على ‏قبر يبكي حتى يبل لحيته ، فقيل له : تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا ؟ قال: إن رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن القبر أول منازل الاخرة فإن نجا منه فما بعده ايسر منه وإن لم ‏ينج منه فما بعده أشد منه " .‏
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما رأيت منظراً قطُّ إلا والقبر أفظع منه " . ‏
‏504- وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث البراء بن عازب قال : بينما نحن مع رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم إذ مر بجماعة فقال علام اجتمع هؤلاء ؟ قيل : على قبر يحفرونه . قال : فبدى ‏بين يدي أصحابه مسرعاً حتى انتهى إلى القبر فجثى عليه قال : فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع ‏، فبكى حتى بل الثرى من دموعه ثم أقبل إلينا فقال : " أي إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا " .‏
‏505- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن قال : مات أخ لنا فلما وضع في القبر جاء صلة بن ‏أشيم حتى أخذ بناحية الثوب ثم قال :‏
إن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا أخالك ناجياً
‏506- وبإسناده عن خالد بن هلال الوزان قال : قال عبد الله بن رواحة : لا يغرنك الحياة فقدم ، ‏أحذر إن للقبر شأناً ، إن فيه لما يحاذر ذو اللب ، وإن كان ذا نهى أو معاناً ، إنني موقن يا بني عاجل ‏قد لبسو في الأكفانا فإذا ما وضعت في ظلم إلى اللحد ولويت من مكاني مكاناً برجائي البشرى ونور ‏وإلا لقيتني في القبر سقوه وهوانا .‏
‏507- وبإسناده عن حجاج الأسود قال : رأيت في منامي كأني دخلت المقابر فإذا أنا بأهل القبور ‏في قبورهم ، وقد انشقت الارض عنهم ، منهم النائم على التراب ، ومنهم النائم على الريحان ، ‏ومنهم كهيئت المبتسم في نومه ومنهم من قد أشرق لونه ومنهم حائل اللون ؛ رب لوشئت سويت ‏بينهم في الكرامة ، فناداني مناد من ناحية القبور : يا حجاج هذه منازل الأعمال فاستيقظت من ‏كلمته فزعا فبكيت لما رأيت ذلك في منامي .‏
‏508- وعن سلمه البصري قال : وقف رجل على قبر قد بني بناء حسنا ، فجعل يتعجب من حسنه ‏، فلما كان في ليلة أتاه آت في منامه فوقف عليه ، وإذا رجل قد انمحت آثار وجهه فقال شعرا :‏
‏ أعجبك القبر وحسن البناء والجسم فيه قد حواه البلاء
‏ فاسأل الأموات عن حالهم ينبأك عن ذا ك ذهاب الجلاء
قال : ثم ولا فاتبعته ، فدخل الجبان ، فأتى ذلك القبر ، فانساب فيه .‏
‏509- وعن سلمة البصري أيضا قال : رأيت مربع بن مسرور العابد في منامي ، وكان كثير الذكر ‏لله ، كثير الذكر للموت ، طويل الإجتهاد ، قال : قلت: كيف رأيت موضعك ؟ فقال : ليس يعلم ‏ما في القبور داخله إلا الإله وساكن الأجداث ، ثم ولى وتركني .‏
‏510- وبإسناده عن روح بن سلمه الوراق قال : رأيت إبراهيم المجملي في منامي فقلت : في أي ‏الحالات أنت في الاخرة ؟ قال : فبكى ثم قال : ما أطول غموم الموتى في قبورهم . قلت : فأنت ‏كيف حالك ؟ قال: خير حال مرت إلى رضا الله بفضله علي ومنته قال : وكان إبراهيم قد صام .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:38 PM
‏511- يقال له وسيم قال : حدثتني امرأة من أهلي عابدة ، وكانت أصيبت بابن لها فما ترقأ لها ‏دمعة قالت فرأيته بعد الحول في منامي كأنه جالس في قبره في أكفانه ، وقد سقطت في حرفته ، ‏فقلت : هذا ابني والله فدنوت منه كالفزعة من منظره فقلت : يا بني كيف ترى مكانك ؟ فقطب ‏وجهه ثم قال شعرا :‏
‏ أعجبك القبر وحسن البناء و الجسم فيه قد حواه البلاء
‏ فاسأل الاموات عن حالهم ‏ ينبأك عن ذاك ذهاب الجلاء
ثم تمدد في قبره فنظرت الى خط أسود لبس ثم انزو ولا رسن وتطابق القبر قال : فاستيقظت والله وأنا ‏وجلة مما رأيت .‏
‏512-وعن الفضل بن مهلهل أخي الفضل وكان من العابدين قال : كان جليس لنا حسن التخشع ‏والعبادة ، يقال له المجيب وكان من أجمل الرجال فصلى حتى انقطع عن القيام ، وصام حتى أسود ، ‏ثم مرض فمات ، وكان محمد بن المضر الحارثي له صديقا ومات محمد قبله قال : فرأيت محمداً في ‏منامه بعد موت مجيب فقلت : ما فعل أخوك مجيب قال لحق بعمله فكيف وجهه ذاك الحسن قال : ‏أبلاه والله التراب قال : وقلت : كيف وأنت تقول لحق بعمله ؟ قال : يا أخي علمت أن الأجساد ‏في القبور تبلى وأن الأعمال في الآخرة تحيا قلت : يبلون حتى لايبقى منهم شيء ثم يجيؤن يوم القيامة ‏، إي والله يا أخي يبلون حتى يصيرون رفاتا ثم يحييون عند الصيحة كأسرع من اللهم وأنشد بعضهم ‏‏:‏
ما حال من سكن الثرى ما حاله ‏ أمسى وقد رثت هناك حباله
‏ أمسى ولا روح الحياة تصيبه ‏ أبدا ولا لطف الحبيب يناله
‏ أمسى وقد درست محاسن وجهه ‏ وتفرقت في قبره أوصاله
‏ واستدلت منه المجالس عبرة ‏ ‏ ‏ وتقسمت من بعده أمواله ‏
‏ مازالت الأيام تلعب بالفتى ‏ ‏ ‏ والمال يذهب صفوه وحلاله
‏513- وروى البراء بإسناده عن الفضيل بن عياض قال : رأيت رجلاً يبكي ، قلت : وما يبكيك ؟ ‏قال : أبكاني كلامه قلت : ما هو ؟ قال : كنا وقوفاً في المقابر فأنشدوا : ‏
‏ أتيت القبور فسألناها أين المعظم والمحتقر ‏
‏ وأين المذل بسلطانه وأين القوي إذا ما قدر ‏
‏ ففاتوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر ‏
‏ فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك في ما مضى معتبر‏
‏ تروح وتغدو وأبلاك الثرى فتمحو محاسن تلك الصور ‏
‏514- وقد روي عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار أنه قال : أتيت القبور فناديتها فذكر ‏الأبيات الثلاثة ثم قال : فهتف بي هاتف ، تفانوا هناك فما من مخبر وبادوا جميعاً وباد الخبر فذكر ‏الأبيات الثلاثة أيضاً .‏
‏515- وروى ابن البراء أيضاً بإسناده أن قبراً أصيبت عليه هذه الأبيات مكتوبة :‏
‏ الموت أخرجني من دار مملكتي فالتراب مضجعي من بعد ترفي
‏ لله عبد رأى قبري فأعبره وخاف من دهره رب التصاريف‏
‏ استغفر الله من جرمي ومن حنقي وأسأل الله فوزي يوم توفيقي ‏
‏ هكذا مصير بني الدنيا وإن نعموا فيها وغرهم طول التساويف‏
وروى ابن أبي الدنيا بإسناد له أنه قرأ على قبر بشيراز : ‏
‏ ذهب الأحبة بعد طول تودد ونأى المزار فأسلموك وأتشعوا
‏ خذلوك أفقر ما تكون بغربة لم يؤنسوك وكربك لم يدفعوا‏
‏ قضى القضاء وصرت صاحب حفرة عند الأحبة عرضوا وتصدعوا ‏
وبإسناد له قال قرىء على قبر بمقابر البصرة مكتوب :‏
‏ يا غافل القلب عند ذكر المنيات عما قليل ستثوى بين أموات‏
‏ فاذكر محلك قبل الحلول به وتب إلى الله من لهو وملذات
‏ إن الحمام له وقت إلى أحد فاذكر مصائب أيام وساعات‏
‏ لا تطمئن إلى الدنيا وزينتها قد حان للموت ياذا اللب أن يأتي‏
وقرىء على قبر آخر :‏
‏ ستعرض عن ذكري وتنسى مودتي ويحدث بعدي للخليل خليل
وقرىء على قبر آخر بالأيلة :‏
‏ إذا ما نقصت يوماً من العيش مدتي فإن غناء الباكيات قليل
الموت بحر غالب موجه تضيق فيه حيلة السابح نفسي إلى قال ، فاسمع مقالة من خبير :‏
‏ ما صاحب الإنسان في قبره مثل التقى والعمل الصالح
وقرىء على قبر : ‏
‏ بادر شبابك قبل وقت رحيله واعمل ليومك يا أخا الأشراف
وقرىء على قبر بالأيلة :‏
ليس للميت في قبره فطر ولا أضحى ولا عشر ، نأى على الأهل على قربه كذاك مصيري قرىء على ‏قبر بالأيلة :‏
‏ أنا البعيد القريب الدار منظره بين الجنادل والأحجار
وقرىء على قبر ببعض الفلوات :‏
رحمه الله من بكى لغريب فقد عفى غبر القبر فمحى الحسن والصفاء ‏

وقرىء على قبر :‏
أنا في القبر وحيد قد تبرأ الأهل مني أسلموني لذنوبي ، خفت إن لم يعف عني‏
وقرىء على حائط مقبرة :‏
يا أيها الواقف بالقبور بين أناس غيب حضور ‏
قد سكنوا في خرب مغمورين بين الثرى وجندل الصخر ينظرون صيحة النشور
ولا تك عن مصيرنا في غفلة غداً إلى منزلنا تصير ‏
وفي كتاب " العجائب " ليشكر الحافظ :‏
قرىء على قبر بطبرستان مكتوب :‏
‏ أما ترون محلي غداً تصيرون على أبلى التراب شبابي
‏ وكلكم سواء سبيلكم كسبيلي سبيل من كان قبلي
ووجد على قبر مكتوب : ‏
وقفت على الأحبة حين صفت قبورهم كأفراس الرهان ‏
‏ فلما أن بكيت وفاض دمعي رأت عيناي بينهم مكاني
وقرىء على قبر :‏
‏ ولقد وقفت كما وقفت وقد نظرت فما اعتبرت
‏ حصل لنفسك منزلاً قبل الحصول كما حصلت ‏
وأوصى بعض الوزراء أن يكتب على قبره :‏
أيها المغرور في الدنيا بعز يقينه ، وبأهل وبمال وبقصر تبتنيه ، كم عليها قد سحبنا ذيل سلطان منيته ، ‏يحسب الأقدار تجري بخلود ترتجيه ، إذا طواك الموت طياً فاعتبرنا نحن فيه .‏
‏516 - وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين حدثني أبو عمر الضمري حدثني عبد الله بن ‏صدقة بن مرداس البكري عن أبيه عن شيخ حدثه بقرية من بلاد أنطابلس قال : كان ثلاثة إخوة : ‏أمير يصحب السلطان ويؤمر على المدائن والجلوس ، وتاجر موسر مطاع من ناحيته ، وزاهد قد تخلى ‏لنفسه وتخلى لعبادة ربه . قال : فحضرت العابد الوفاة فاجتمع عنده أخوانه فقال لهما إذا مت ‏فغسلاني وكفناني وادفناني على نشز من الأرض واكتبا على قبري :‏
‏ وكيف يلذ العيش من هو عالم بأن إله الخلق لا بد سائله
‏ فيأخذ منه مظلمة لعباده ويجزيه بالخير الذي هو فاعله ‏
فإذا أنتما فعلتما ذلك فأتياني كل يوم لعلكما أن تتعظا . قال : ففعلا ذلك ، فكان أخوه يركب في ‏جنده حتى يقف على القبر فيقرأ ما على عليه ويبكي فلما كان اليوم الثالث وأراد أن ينصرف سمع ‏هدة من داخل القبر ، كاد أن ينصدع لها قلبه، فانصرف مذعوراً فزعاً فلما كان من الليل رأى [ ‏أخاه ] في منامه فقال له أي أخي ما الذي سمعت من قبرك ؟ قال تلك هدة المقمعة قيل لي رأيت : ‏مظلوما ، فلم تنصره ، فأصبح مهموما فدعا أخاه وخاصته وقال : ما أرى أراد بما أوصى أن يكتب ‏على قبره غيري ، وإني أشهدكم أن لا أقيم بين ظهرانيكم أبدا ، قال : فترك الإمارة ولزم الكتابة ‏وكتب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك ، فكتب أن خلوه وما أراد ، فحضرته الوفاة وهو في جبل ‏مع بعض الرعاه فبلغ أخاه فأتاه فقال له إذا مت فادفني إلى جنب أخي وأكتب على قبري :‏
‏ وكيف يلذ العيش من كان موقنا ‏ بأن المنايــا بغتة ستعاجـله ‏
‏ فتسلبـــه ملكـا عظيمـا وتسكنه البيت الذي هو أهله
ثم تعاهدني ثلاثة بعد موتي ، وادعو الله لي لعل الله أن يرحمني ، ومات ففعل به أخوه ذلك فلما كان ‏في اليوم الثالث وأراد أن ينصرف سمع وجبة في قبره كاد أن يذهل عقله ، فرجع حزينا قلقا . فلما ‏كان في الليل إذا بأخيه في منامه قد أتاه قال . فقلت له : أي أخي أتيتنا زائرا قال : يا أخي هيهات ‏بعد المزار فلا مزار ، وأطمأنت بنا الدار قلت : يا أخي كيف أنت ؟ قال : بخير ما أجمع التوبة لكل ‏خير . قال : فكيف أخي ؟ قال : ذلك مع الأئمه الأبرار . قلت : وما أمرنا وراءكم . قال : من قدم ‏شيئا وجده ؛ فاغتنم وجدك قبل نقلك ، فأصبح أخوه معتزلا ففرق ماله وقسمه وباعه ، وأقبل على ‏طاعة ربه ، ونشأ له ابن كأهنأ الشباب وجها وجمالاً فأقبل على المكاسب والتجارة حتى بلغ منها ‏الغاية ، وحضرت الوفاة أباه وقال له : إذا مت تذكر القبور والتفكر في أحوالهم .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:39 PM
الباب الثاني عشر

في استحباب تذكر القبور والتفكير في أحوالهم وذكر أحوال السلف في ذلك ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:40 PM
‏517- خرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال : " استحيوا من الله حق الحياء قالوا : إنا نستحي والحمد لله , قال ليس ذلك ولكن الإستحياء ‏من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى , وأن تحفظ البطن وما حوى , ولتذكر الموت والبلى , ‏ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء " .‏
‏518- وخرج الطبراني نحوه من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه مسلم : أنه قال ذلك على ‏المنبر والناس حوله وقال فيه " وليذكر القبور والبلى " , فما زال يردد ذلك عليهم حتى سمعهم يبكون ‏حول المنبر ". وخرجه أيضاً بنحوه من حديث الحكم بن عمير عن النبي صلى الله عليه وسلم .‏
ويروى نحوه من حديث الحسن مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم .‏
‏519- وخرج الترمذي والحاكم من من حديث أسماء بنت عميس عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال : " بئس العبد عبد تخيل واختال , ونسي الكثير المتعالي , بئس العبد عبد تجبر واعتداء ونسى ‏الجبار الأعلى , بئس العبد عبد سهى ولهى ونسي المقابر والبلى , بئس العبد عبد عتى وطغى , ونسي ‏المبتدىء والمنتهى , بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين , بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات , بئس ‏العبد عبد طمع يقوده , بئس العبد عبد هوى يضله , وبئس العبد عبد رغب يذله " . ‏
وخرج الطبراني من حديث نعيم بن همار الغطفاني نحوه .‏
‏520- وخرج ابن أبى الدنيا بإسناد عن الضحاك قال : قال رجل يا رسول الله من أزهد الناس ؟ ‏قال : "من لم ينس القبر والبلى , وترك فضل الدنيا [ الدنية ] وآثر ما يبقى على ما يفنى , ولم يعد ‏غداً من أيامه , وعد نفسه من أهل القبور " .‏
‏521-وخرج الترمذي من حديث ابن عمر قال : " أخذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي ‏وقال : " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل,‏‎ ]‎وعد نفسك من أهل ‏‎[‎‏ ". وخرج البخاري ‏أوله.‏
‏522- وروى ابن أبي الدنيا بإسناد عن أبي سريج الشامي قال : قال عمر بن عبد العزيز لرجل من ‏جلسائه : يا فلان قد أرقت الليل متفكراً , قال : فيما يا أمير المؤمنين ؟ قال في القبر وساكنه , لو ‏رأيت بعد ثالثه في القبر لاستوحشت من قربه بعد طوال الأنس منك بناحيته , ولرأيت بيتاً تجول فيه ‏الهوام , ويجري فيه الصديد وتخترقه الديدان مع تغير الرائحة وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب ‏الرائحة ونقاء الثوب قال : ثم شهق شهقة خر مغشياً . ‏
‏523- وعن محمد بن كعب القرظي قال : بعثت إلى عمر بن عبد العزيز فقدمت إليه فأدمت النظر ‏إليه فقال : يا ابن كعب إنك لتنظر إلي نظراً ماكنت تنظره إليَّ بالمدينة قلت : أجل يا أمير المؤمنين , ‏يعجبني ما حال من لونك وما حال من جسمك قال : فكيف بك يا ابن كعب لو رأيتني بعد ثالثة في ‏القبر , وقد ثبتت عيناي على وجنتي , وخرج الصديد والدود من منخري , لكنت لي أشد نكرة .‏
‏524- وعن وهب بن الورد قال : بلغنا أن رجلاً فقيهاً دخل على عمر بن عبد العزيز فقال : ‏سبحان الله ,كأنه تعجب من أمره الذي هو عليه , وقال له : تغيرت بعدنا ! فقال له : وبينت ذلك ‏فعلاً ، فقال له : الأمر أعظم من ذلك , فقال له : يافلان فكيف لو رأيتني بعد ثلاث , وقد أدخلت ‏قبري ، وقد خرجت الحدقتان فسالت على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان , وانفتح الفم , ‏ونتأ البطن فعلا الصدر , وخرج الصديد من الدبر .‏
‏525- وعن شبية ابن أبي حمزة قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض مدائن الشام : أما بعد ‏فكم للتراب في جسد ابن آدم من مأكل , وكم للدود فيه من طريق مخترق , وإني أحذركم ونفسي ‏‏- أيها الناس - العرض على عز وجل .‏
‏526- وروى أبو نعيم الحافظ بإسناده أن عمر بن عبد العزيز شيع مرة جنازة من أهله , ثم أقبل ‏على أصحابه ووعظهم , فذكر الدنيا فذمها وذكر أهلها , وتنعمهم فيها , وما صاروا إليه بعدها من ‏القبور , فكان من كلامه أنه قال : إذا مررت بهم فنادهم إن كنت مناديا , وادعهم إن كنت داعياً ‏ومر بعسكرهم , وانظر إلى تقارب منازلهم , سل غنيهم : ما بقي من غناه ؟ وسل فقيرهم : ما بقي ‏من فقره ؟ واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون ، وعن الأعين التي كانوا للذات بها ينظرون ، ‏وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان تحت الأكفان ، ‏وأكلت اللحان وعفرت الوجوه ، ومحت المحاسن ، وكسرت الفقارة ، وبانت الأعضاء ، ومزقت ‏الأشلاء ، وأين حجابهم وقبابهم ؟ وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم وكنوزهم [ وكأنهم ] ما وطئوا ‏فراشاًولا وضعوا هنا متكأ ، ولا غرسوا شجراً ولا أنزلوهم من اللحد قراراً ، أليسوا في منازل ‏الخلوات؟ ‏
أليس الليل والنهار عليهم سواء ؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء ، قد حيل بينهم وبين العمل ، وفارقوا ‏الأحبة ، وكم من ناعم وناعمة أضحوا ووجوههم بالية ، وأجسادهم من أعناقهم بائنة ، أو وصالهم ‏ممزقة ، وقد سالت الحدق على الوجنات ، وامتلأت الأفواه دماً وصديداً ، ودبت دواب الأرض في ‏أجسادهم ، ففرقت أعضاءهم ، ثم لم يلبثوا إلا يسيراً حتى عادت العظام رميماً ، فقد فارقوا الحدائق ‏وصاروا بعد السعة إلى المضائق ، قد تزوجت نساءهم ، وترددت في الطرق أبناؤهم ، وتوزعت ‏القرابات ديارهم وقراهم ، فمنهم والله الموسع له في قبره الغض الناظر فيه المتنعم بلذته ، يا ساكن ‏القبر غداً ما الذي غرك من الدنيا أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد ؟ وأين ثمارك الينعة ؟ وأين رقاق ‏ثيابك وأين طيبك ونحورك ، وأين كسوتك لصيفك ولشتاءك ؟؟ أما رأيته قد زل به الأمر ، فلما ‏يدفع عن نفسه دخلاً وهو يرشح عرقاً ويتلمظ عطشاً ، يتقلب في سكرات الموت وغمراته ، جاء ‏الأمر من السماء ، وجاء غالب القدر والقضاء ، هيهات : يا مغمض الوالد والأخ والولد ، وغاسله ، ‏يا مكفن الميت ويا مدخله في القبر ، وراجعاً عنه ، ليت شعري بأي خديك بدأ البلى يا مجاور ‏الهلكات صرت في محلة الموت ، ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا ‏وما يأتيني به من رسالة ربي .‏
ثم انصرف فما عاش بعد ذلك إلا جمعة .‏
‏527- وقد روي عنه من وجوه متعددة أنه قال في آخر خطبة خطبها - رحمة الله عليه - " ألا ‏ترون أنكم في أسلاب الهالكين ، ثم يرمها بعدكم الباقون كذلك حتى يرد إلى خير الوارثين ، وفي كل ‏يوم تشيعون غادياً ورائحاً قد قضى نحبه فتودعونه ، وتدعونه في صدع من الأرض غير ممهد ولا ‏موسد ، قد فارقه الأحباب وخلع الأسباب وسكن التراب ، وواجه الحساب ، غنياً عما خلف ، ‏فقيراً إلى ما قدم .‏
وكان ينشد هذه الأبيات : ‏
‏ من كان حين تصيب الشمس جبهته أو الغبار يخالف الشين والشعثا
‏ و يألف الظل كي تبقى بشاشته فكيف يسكن يوماً راغماً جدثاً‏
‏ في ظل مقفرة غبراء مظلمة يطيل تحت الثرا في غمه اللبثا‏
‏ تجهزي بجهاز تبلغين به يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا‏
‏528- وروى ابن أبي الدنيا أن محمد بن واسع دخل على بلال بن أبي بردة فسأله عن القدر فقال له ‏‏: جيرانك من أهل القبور فكر فيهم فإن فيهم شغلاً عن القدر .‏
‏529- وعن مغيث الأسود الزاهد قال : زوروا القبور كل يوم تفكركم .‏
‏530- وقال النصر بن المنذر لإخوانه : زوروا الآخرة بقلوبكم ، وشاهدوا الموقف بتوهمكم ، ‏وتوسدوا القبور بقلوبكم ، واعلموا أن ذلك كائن لا محالة ، فاختار لنفسه [ امرؤ ] ما أحب من ‏المنافع والضرر .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:41 PM
‏531- وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت مضر بن عيسى يقول : رحم الله قوماً زاروا إخوانهم ‏بقلوبهم في قبورهم وهم قيام في ديارهم ، يشيرون إلى زيارتهم بالفكر في أحوالهم .‏
‏532- وعن عبد الله بن المبارك : مر برجل راهب عند مقبرة ومزبلة ، فناداه . فقال : يا راهب إن ‏عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر : كنز الأموال وكنز الرجال .‏
‏533- وقال ابن أبي الدنيا : ثنا محمد الصبغي قال : انتفض غنام بن علي يوماً وهو مع أصحابه ‏فقال له بعضهم : ما الذي أصابك ؟ قال : ذكرت اللحد .‏
‏534- قال : وحدثنا محمد بن أحمد قال : قال هشام الدستوائي : ربما ذكرت الميت إذا كفن في ‏أكفانه فأعظ نفسي .‏
‏535- ومما يروى لابن المبارك :‏
‏ إن الذي دفن الأباعد و الأقربين صاعداً فصاعداً ‏
‏ عساك يوماً تذكر الملاحدا يا من يرمي أن يكون خالدا
‏ شربت فاعلمه حديداً بارداً لا بد تلقى طيباً و زائداً ‏
‏536- قال ابن أبي الدنيا : أنشدني الحسين بن عبد الرحمن : ‏
‏ لبيك لأهوال القيامة من بكى و لا تنسين القبر يوما و لا البلى
‏ كفى حزناً يوماً ترى فيه مكرما كرامته أن يرتدوا جسمه الثرى

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:41 PM
الباب الثالث عشر

في ذكر كلمات منتخبة من كلام السلف الصالح في الاتعاظ بالقبور ، وما ورد عنهم من ذلك من ‏منظوم ومنثور ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:42 PM
‏537- قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير : كان أبو بكر الصديق يقول في خطبته : أين الوضاءة ‏الحسنة وجوههم ، المعجبون بشبابهم ، الذين كانوا لا يعطون الغلبة في مواطن الحرب ، أين الذين بنوا ‏المدائن وحصنوها بالحيطان قد تضعضع بهم ، وصاروا في ظلمات القبور الوحا الوحا النجا النجا .‏
‏538- وروى ابن أبي الدنيا عن الحسن أنه مر به شاب ، وعليه بردة له حسنة فقال : ابن آدم ‏معجب بشبابه ، معجب بجماله كأن القبر قد وارى بدنك وكأنك لاقيت عملك ، ويحك ذا وقلبك ‏، فإن حاجة الله إلى عباده صلاح قلوبهم .‏
‏539- وعن عبد الله بن العيزار قال : لابن آدم بيتان : بيت على ظهر الأرض ، و بيت في بطن ‏الأرض فعمل للذي على ظهر الأرض فزخرفة وزينة ، وجعل فيها أبواباً للشمال ، وأبواباً للجنوب ، ‏وصنع فيه ما يصلحه لشتائه وصيفه ، ثم عمد إلى الذي في بطن الأرض فأخر به ، فأتى عليه آت ‏فقال : أرأيت هذا الذي أراك قد أصلحته ، كم تقيم فيه ؟ قال : لا أدري . قال فالذي قد أخربته ‏كم تقيم فيه قال : فيه مقامي ، قال : تقر بهذا على نفسك وأنت رجل يعقل ؟!‏
‏540- وعن الحسن قال : يومان وليلتان لم تسمع الخلائق بمثلهن قط : يوم تبيت مع أهل القبور ولم ‏تبت ليلة قبلها ، وليلة صبيحتها يوم القيامة ويوم يأتيك البشير من الله تعالى ، إما بالجنة أو النار ، ‏ويوم تعطى كتابك بيمينك وإما بشمالك .‏
‏541- وعن عمر بن ذر أنه كان يقول في مواعظه : لو علم أهل العافية ما تضمنته القبور من ‏الأجساد البالية لجدوا واجتهدوا في أيامهم الخالية خوفاً من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار . ‏
‏542- وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال : القبر منزل بين الدنيا والآخرة ، إن خيراً فخير وإن ‏شراً فشر .‏
‏543-وعن الحسن قال : أوذنوا بالرحيل ، وجلس أولهم على آخرهم وهم يلعبون وقال رجل ‏لبعض السلف : أوصني قال : عسكر الموتى ينتظرونك .‏
‏544- وكان أبو عمران الجوني يقول : لا يغرنكم من ربكم طول النسية ، وحسن الطلب ، فإن ‏أخذه أليم شديد حتى تبقى وجوه أولياء الله بين أطباق التراب إنما هم محبوسون لبقية آجالكم حتى ‏يبعثهم الله إلى جنته وثوابه .‏
‏545- وعن محمد بن واسع قال : كل يوم ينتقل منا إلى المقابر ثلاثة ، وكأنك بهذا الأمر قد عم ‏أحزناً حتى يلحق منا ولنا .‏
‏546- شهد الحسن جنازة فاجتمع عليه الناس ، فقال : اعملوا لمثل هذا اليوم - رحمكم الله - فإنما ‏هم إخوانكم يقدمونكم ، وأنتم بالأثر ، أيها المخلف بعد أخيه إنك الميت غداً ، والباقي بعدك ، ‏والميت في أثرك أولاً بأول حتى توافوا جميعاً قد عمكم الموت واستويتم جميعاً في كربة وعصصة ، ثم ‏تخليتم إلى القبور ، ثم تنتشرون جميعاً ثم تعرضون على ربكم عز وجل .‏
‏547- وقال صفوان بن عمرو : ذكروا النعيم فسموا أناساً ، فقال رجل : أنعم الناس أجساداً في ‏التراب قد أميت ، وبقي ينتظر الثواب .‏
‏548- وقال مسروق : ما من بيت خير للمؤمن من لحده قد استراح من أمر الدنيا أو من عذاب ‏الله.‏
‏549- وقال بشر بن الحارث : نعم المنزل القبر لمن أطاع الله .‏
‏550- وقال الفضل بن غسان : مر برجل بقبر محفور فقال : المقيل للمؤمن هذا ‏
قال : ونظر رجل إلى القبور فقال : أصبح هؤلاء زاهدين فيما نحن فيه راغبون . ‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 02:43 PM
‏551- وعن عقبة البزار قال : رأى أعرابي جنازة فأقبل يقول : هنيئاً يا صاحبها فقلت : علام تهنئه ؟‍ ‏قال : كيف لا أهنىء من يذهب به إلى حبس جواد كريم نزله عظيم ، عفوه جسيم ، قال كأني لم أسمع ‏القول إلا تلك الساعة .‏
‏552- قال ابن أبي الدنيا ‏‎ ]‎ثنا ] أبو مالك البجلي عن أبي معاوية قال : ما لقيني مالك بن مغول إلا قال ‏لي : لا تغرنك الحياة واحذر القبر إن للقبر شأناً .‏
‏553- قال : وحدثنا أحمد بن محمد الازدي ثنا خالد بن أحمد بن أسد قال : أخذت بيدي على جبلة ‏يوماً فأتينا أبا العتاهية فوجدناه في الحرم فانتظرناه فلم يلبث أن جاء فدخل عليه إبراهيم بن مقاتل بن ‏سهل وكان جميلاً فتأمله أبو العتاهية وقال متمثلاً : ‏
‏ يا حسان الوجوه سوف تموتون وتبلى الوجوه تحت التراب ‏
فأقبل علي بن جبلة فقال :‏
‏ أكتب يا مربي شبابه للتراب سوف يأكل البلى بعض الثياب‏
‏ يا ذوي الوجوه الحسان المصونات وأجسامها الغضاض الرطاب‏
‏ أكثروا من نعيمها أو أقلوا سوف تهدونها لعفر التراب
قد نعتك الأيام نعياً صحيحاً تفارق الإخوان والأصحاب ‏
فقال أبوالعتاهية : قل يا حامد ، قلت : معك ومع أبي الحسن ، قال : نعم فقلت :‏
‏ يا مقيمين رحلوا للذهاب أشفير القبور و حطوا الركاب
‏ نعموا الأوجه الحسان فما صونكموها إلا بعفر التراب
‏ و ألبسوا ناعم الثياب ففي الحفر تعرون من جميع الثياب
‏ قد ترون الشباب كيف يموتون إذا استنضروا بماء الشباب ‏
‏554- قال : وحدثني محمد بن خلف قال : سمعت أبي قال : رجعنا من ميت مع ابن السماك يقول : ‏
‏ تمر أقاربي جنبات قبري كأن أقاربي لا يعرفوني ‏
‏ وذووا الأموال يقتسمون مالي ولا يألون أن جحدوا ديوني
‏ قد أخذوا سهامهم و عاشوا فبالله ما أسرع ما نسوني
‏555- قال : وأنشدني أبو جعفر القرشي :‏
‏ تناجيك أجداث وهن سكوت وساكنها تحت التراب خفوت‏
يا جامع الدنيا لغير بلاغة لمن تجمع الدنيا وأنت تموت‏
‏556- قال : وأنشدني الثقفي من قوله : ‏
‏ أما ترى الموت ما ينفك مختطفاً من كل ناحية نفساً ينجو بها‏
‏ قد يعضت أملاً كانت تؤمله وقام في الحي ناعيها وباكيها ‏
‏ وأسكنوا الترب تبلى فيه أعظمهم بعد النضارة ثم الله يحييها
‏ وصار ما جمعوا فيها وما ادخروا بين الأقارب يحويه أدابيها‏
‏ فاختر لنفسك من أيام مدتها واستغفر الله لما أسلفته فيها ‏
‏557- ولما انصرف الناس من جنازة داود الطائي رحمه الله أنشد السماك رحمه الله .‏
‏ انصرف الناس إلى دورهم وغودر الميت في رمسه
‏ مرتهن النفس بأعماله لا يرتجي الإطلاق من حبسه ‏
‏ لنفسه صالح أعماله و ما سواها فعلى نفسه‏
‏ قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها لله درك ماذا تستر الحفر‏
‏ ففيهم لك يا مغرور موعظة وفيهم لك يا مغتر معتبر
‏ 558- قال أبو العتاهية : ‏
‏ رويدك يا ذا القصر في شرفاته فإنه عنه تسحب و تدعج‏
‏ ولا بد من بيت انقطاع ووحشة وإن غرك البيت الأنيق المبهج ‏
وقال بعضهم : ‏
‏ كم ببطن الأرض ثاو من وزير و أمير وصغير الشأن وعبد خامد الذكر حقير‏
‏ شملت قبور القوم في يوم قصير و لم تعرف غنياً من فقير‏
‏ تقدمين تزود قريباً من فعالك إنما قرين الغنى في القبر ما كان يفعل‏
‏ إن كنت مشغولاً بشيء فلا يكن بغير الذي يرضى الله تشتغل‏
‏ ما صاحب الإنسان من بعد موته إلى قبره إلا الذي كان يعمل‏
‏ إنما الإنسان ضيف لأهله يقيم قليلاً عندهم ثم يرحل‏

تم الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه في خامس عشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وثمان مائة على ‏يد العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن محمد الشهير بابن القطعة الحنفي غفر الله له ولجميع المسلمين ، ‏والحمد لله رب العالمين .‏

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل

توبة الي الله11
17-02-2008, 05:37 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكراً لك اخي الكريم على هذا المقال
بارك الله فيك وجعله في ميزان حسناتك
00ff00