المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كن ربانيا



أحمد سعد الدين
23-12-2004, 07:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

كن ربانيا ولا تكن رمضانيا
‏ ‏
‏ إن الحمد لله نحمـده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله ‏فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً ‏عبده ورسوله
‏ ‏‎‎‏ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏‎‎‏ [ آل عمران : 102 ] .‏
‏ ‏‎‎‏ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً ‏كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ‏‎‎‏ [ النساء : 1 ] .‏
‏ ‏‎‎‏ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا(70)يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِـرْ لَكُمْ ‏ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِـعِ اللَّهَ وَرَسُـولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ‏‎‎‏ [ الأحزاب : 70-71 ] .‏
‏ أما بعـد :-‏
‏ فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخـير الهدى هدى محمد ‏‎‎‏ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة ‏بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة فى النار.‏

‏ أحبتى فى الله ..‏
‏ إننا اليوم على موعـد مع لقاء من الأهمية البالغة بمكان وهو بعنوان كن ربانياً ولا تكن رمضانياً ، ‏وكما تعودنا دائماً حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا فسوف نركز هذا الموضوع فى العناصر ‏التالية :‏
‏ أولاً : الثوابت الإيمانية .‏
‏ ثانياً : عرفت فالزم .‏
‏ ثالثاً : استعن بالله ولا تعجز .‏
فأعيرونى القلوب والأسماع والوجدان أيها الأحبة ، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون ‏أحسنه أولئك الذين هـداهم الله ،وأولئك هم أولو الألباب .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 07:50 PM
أولاً : الثوابت الإيمانية .‏


أحبتى فى الله :‏
‏ ها هو رمضـان قد انتهى فمن كان يعبد رمضان فإن رمضان قد فات ومن كان يعبد الله فإن الله ‏حى لا يمـوت ، لقد انتهى شهر الصيام ، انتهى شهر القيام والقرآن ، انتهى شهر البر والجود ‏والإحسان ، ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر . فليت شعرى من المقبول منا فى رمضان فنهنيه ، ‏ومن من المطرود المحروم منا فنعزيه .‏
‏ ‏
فيا عين جودى بالدمـع من أسف على فراق ليالـى ذات أنـوارِ
على ليالى لشهر الصـوم ما جعلت إلا لتمحيـص آثــام وأوزارِ
ما كـان أحسننا والشمل مجتمـع منا المصلى و منا القانط القارى
فابكوا على ما مضى فى الشهر و اغتنموا ما قد بقى إخوانى من فضل أعمارى
أيها الفضلاء الأعزاء :‏
‏ مما لا ريب فيه أن الله جل وعـلا قد فضل شهر رمضـان على سائر الشهور والأزمان ، واختصه ‏بكثير من رحماته وبركاته ، ويسر الله فيه الطاعة لعباده مما لا يحتـاج إلى دليل أو برهـان ، فأنت ترى ‏المسلمين فى رمضان ينطلقون بأريحية ويسر إلى طاعة الرحيم الرحمن جل وعـلا، ولم لا ؟! وقد غُلِّقت ‏أبـواب الجحيم ، وفتحت أبـواب النعيم ، وغـل فيه مـردة الجن والشياطين ، فأنت ترى الناس ‏تقبل على طاعة الله وعبادته بأريحية عجيبة ، ولكن ما يحـزن القلب ويؤلم النفس أنك ترى كثـيراً ممن ‏عطروا بأنفاسهم الذكية المساجـد فى رمضان يعرضون عن طاعة الله رب البرية بعد رمضان، وكأنهم ‏فى رمضان يعبدون ربا أخر ، فالإيمان له ثواب لا يستغنى عنها المؤمن حتى يلقى الكبير المتعال ، فمثلاً ‏الصلاة : من من المؤمنـين الصادقين يستغنى عن الصلاة بعد رمضان ؟! انظر إلى المساجد فى رمضان ، ‏وانظر إلى ذات المساجد بعد رمضان .‏
أيها الموحدون : هل يستغنى مؤمن صادق مع الله عن هذا الأصـل الأصيل وعن هذه الثوابت الإيمانية ‏حتى يلقى رب البرية وهو الركن الثانى من أركان هذا الدين قال تعالى:‏‎‎‏ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ‏وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ‏‎‎‏ . [ البقرة : 238 ]‏
‏ وقال جل وعلا : ‏‎‎‏ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ ‏تُفْلِحُونَ ‏‎‎‏ [ الحج : 77 ]‏
‏ وحذر الله أشد التحذير من تضييع الصلاة ومن تركها فى رمضان أو غير رمضان فقال جل وعلا : ‏‎‎‏ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ‏‎‎‏ [ مريم : 59 ]‏
‏ وقال جل وعلا : ‏‎‎‏ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)فِي جَنَّاتٍ ‏يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنِ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ‏‎‎‏ [ المدثر : 38-‏‏43 ]‏
‏ فيا من هيأ الله له صيام شهر رمضان لا تضيع الصـلاة ، فالصلاة صلة لك بالله ، ومعين لك ‏يطهرك من المعاصى والذنـوب ، وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبى ‏‎‎‏ قال : (( من غدا إلى ‏المسجد أو راح أَعَدَّ الله له نُزلاً فى الجنة كلما غدا أو راح ))(‏ ‏). ‏
‏ وفى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أن النبى ‏‎‎‏ قال : (( ألا أدلكم على مايمحوا الله به الخطايا ‏ويرفع به الدرجات )) قالوا : بلى يا رسول الله قال : (( اسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخُطا ‏إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط ، فذالكم الرباط ، فذالكم الرباط ))(‏ ‏).‏
‏ افترض الله على المؤمنين الصـلاة وتعدهم بها فى كل زمان ومكان حتى يلقى العبد ربه ليُسأل أول ‏ما يُسأل عن الصلاة .‏
‏ فعن أبى هريرة ‏‎‎‏ قال : (( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته ، فإن صلحت ‏فقد أفلح وأنجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر ))(‏ ‏).‏
‏ أيها الموحدون : ومن الثوابت الإيمانية ( القرآن )‏
‏ إن القـرآن حياة القلوب والأرواح ، القرآن حياة النفوس والصدور ، القرآن حياة الأبدان ، القرآن ‏شراب النفس وطعامها ، فهل يستغن مؤمن عن روحه ؟! هل يستغن مؤمن عن أصل حياته ، إن القرآن ‏يهدى للتى هى أقوم فلا تضيعوا هذا الطريق ولا تنصرفوا عنها . ‏
‏ إن طرف القـرآن بيد الله ، وإن طرفه أيديكم فإذا تمسكتم بهذا الحبل المتين لن تضلوا ، ولن تهلكوا ‏أبداً ، وهـل يستغنى أحد عن أن يكلمه الله فى اليوم مرات ، فمن أراد أن يكلم الله فليدخل فى الصلاة ‏ومن أراد أن يكلمه الله فليقرأ القرآن ، وهل تستغنى عن ربك أيها الموحد ؟! ، لا تضيع القرآن بعد ‏رمضان ،واعلم أن الله قد مَنَّ عليك بالقرآن فى رمضان فجعلت لنفسك ورداً يومياً ، فلماذا بعد رمضان ‏تركت هـذا الورد ووضعت المصحف فى علبته كأنك لن تحتاج إليه إلا فى رمضان المقبل ؟!‏
‏ فيا أيها الحبيب الكريم : ‏
‏ اقرأ القرآن واعمل بما فيه ، فإنه يأتى يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ، ففى صحيح مسلم عن أبى أمامة ‏الباهلى ‏‎‎‏ قال : سمعت رسول الله ‏‎‎‏ يقول : (( اقرؤوا القرآن ، فإنه يأتى يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ‏، اقرؤا الزاهراوين : البقرة ، وآل عمران ، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو ‏كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما ، اقرؤوا سورة البقرة ، فإن أخذها بركة ، ‏وتركها حسرة ، ولا تستطيها البطلة ))(‏ ‏).‏
‏ ويقول ‏‎‎‏ كما فى الصحيحين من حديث ابن عمر رضى الله عنهما :‏
‏(( لا صدد إلا فى اثنين رجل أتاه القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار ، ورجل أعطاه الله مالاً ، ‏فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ))(‏ ‏).‏
‏ (( رجل أتاه القرآن فهو يقرأه آناء الليل وآناء النهار )) أى فى سائر العام فلا تهجروا القرآن يا أمة ‏القرآن بعد رمضان ، ومن الثوابت التى لا غنى عنها للمؤمن بعد رمضان : ذكر الرحيم الرحمن .‏
‏ أخى الكريم : ‏
‏ إذا كنت تحافظ على الأذكار والاستغفار فى رمضان ، فهل تستغن عن هذا الزاد بقية العام ، إن ‏الذكر شفاء من الأسـقام ومرضاة للرحمن ومطردة للشيطان ، فرطب لسانك دوماً بذكـر الرحيم ‏الرحمـن جل وعلا ، واسمع لحبيبك المصطفى ‏‎‎‏ كما فى الحديث الذى رواه أحمد والترمـذى وصححه ‏الألبانـى من حديث معاذ بن جبل يقول ‏‎‎‏ (( ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم ‏وأرفعها لدرجاتكم ، وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم ‏فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم )) قالوا : بلى يا رسول الله قال : (( ذكر الله عز وجل ))(‏ ‏).‏
‏ انظر إلى فضل الذكر ، فالذاكر فى معية الله ، كما فى الصحيحين أنه ‏‎‎‏ قال : (( قال الله جل وعلا ‏‏: أنا عند ظن عبدى بى ،وأنا معه حين يذكرنى فإذا ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى ، وإن ذكرنى فى ‏ملأ ، ذكرته فى ملأ خير منه ، وإن تقرب إلىَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ، وإن تقرب إلىَّ ذراعاً تقربت ‏إليه باعاً ، وإذا أتانى يمشى ، أتيته هرولةً ))(‏ ‏).‏
‏ فاذكر الله جلا وعـلا لتكون دوماً فى معيتـة سبحانه وتعالى ، والمعية نوعان : معية عامة ، ومعية ‏خاصة ، أما المعية العامة فهى معية العلم والمراقبة والإحاطة والمعية الخاصة فهى معية الحفظ والنصر ‏والعـون والمدد والتأييد ، فهل تستغن أيها المؤمن عن معية الله جل وعلا ؟!!‏
‏ فإذا أردت ذلك فداوم على الذكر ولا تضيع هذا النور أبداً ، ويكفى أن تعلم أن النبى ‏‎‎‏ قال فى ‏الحديث الصحيح الذى رواه أحمد والترمـذى من حديث الحارث الأشعرى الطويل (( ‏‎…‎‏ وآمركم أن ‏تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو فى أثره سراعاً حتى إذا أتى على حصن حصين ‏أحرز نفسه منهم ، وكذلك العبد لا يُحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله ))(‏ ‏).‏
‏ إذاً لابد لك هذا الزاد لأن فيه الخير العظيم ، فالذكر من الثوابت التى لا غنى عنها بحال لا فى ‏رمضان ولا فى غير رمضان .‏
‏ ومن الثوابت الإيمانية أيضاً : الإحسان إلى الناس .‏
‏ إننا نرى كثيراً من الناس لا تظهر عليهم علامات الجـود والكرم إلا فى رمضان فقط ، فإذا ما ‏انتهى رمضان لا تجد إلا العبوس فى وجه الفقراء ولا نجد إلا البخل والشح ولا حول ولا قوة إلا بالله .‏
‏ أنت قد منَّ الله عليك بالإنفاق على الفقراء والمساكين وكثير من أوجه الخير فى رمضان فهلا ‏عودت نفسك على الإنفاق حتى ولو بالقليل .‏
‏ ففى الصحيحين من حديث عدى أن الحبيب النبى ‏‎‎‏ قال : (( ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ‏، ليس بينه وبينه تُرجمان ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم ‏وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه ، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ))(‏ ‏). ‏
‏ فالإحسان من الثوابت الإيمانية التى لا يستغنى عنها مؤمن فى رمضان غير رمضان حتى يلقى ربه جل ‏وعلا .‏
‏ ومن هذه الثوابت الإيمانية أيضاً : قيام الليل .‏
‏ فى رمضـان وُفقت بفضل الله ورحمته ومنته إلى صـلاة التراويح والقيام فلماذا لا تستمر على هذا ‏الدرب المنير ؟.. لماذا تضيع القيام بالليل .‏
‏ اسمع للنبى ‏‎‎‏ وهو يقول فى الحديث الذى رواه الحاكم وابن خزيمة والترمذى وحسنه الألبانى فى ‏صحيح الترغيب والترهيب من حديث أبى أمامة يقول ‏‎‎‏ : (( عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحـين ‏قبلكم وقربة إلى الله تعالى ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ))(‏ ‏).‏
‏ فاعمل أخى المسلم على أن تكتب من القائمين الليل ولو بركعة واعمل جاهداً أن تكون من ‏أصحاب هذه الآية ‏‎‎‏ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ‏‎‎‏ [ السجدة : 16 ]‏
‏ ومن الثوابت الإيمانية : التوبة .‏
‏ ما منا أحد إلا وتاب وأناب إلى الله فى رمضان ، فهل معنى ذلك أنه إذا انتهى رمضان انتهى زمن ‏التوبة ولا نحتاج إلى توبة وأوبة إلى الله جل وعلا ؟!‏
وانظر إلى حال الكثير من المسلمين تجد أن الكثير منهم ينفلتون يوم العيد إلى المعاصى والشهوات وكأنهم ‏كانـوا فى سجن وبمجرد أن تم الإفـراج عنهم مغرب اليوم الأخـير من رمضان انطلقوا وكأنهم ‏خرجـوا من هذا السجن وسرعان ما انكبوا على أنواع المعاصى والشهوات كجائع انكب على الطعام ‏من شدة الجـوع الذى أَلَمَّ به ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ذلك ليس بحال المؤمن الموحـد ، فإن ‏المؤمن الموحـد عمره كله عنده عبادة لرب الأرض والسماوات فتجـده ينتقل من عبودية إلى عبودية ، ‏ومن طاعـة إلى طاعة ومن فضل إلى فضل ، لذا يجب عليك أن تكون دائماً فى عبودية حـتى تلقى ‏رب البرية ، يقول النبى ‏‎‎‏ كما فى صحيح البخارى من حديث أبى هريرة : (( والله إنى لأستغفر الله ‏وأتوب إليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة ))(‏ ‏).‏
‏ النبى صلوات الله عليه وسلامه يقسم بالله ، أنه يتـوب ويستغفر الله فى اليوم أكثر من سبعين مرة ‏وهو الذى غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، بل وفى رواية مسلم قال (( يا أيها الناس توبوا إلى الله ‏واستغفروه فإنى أتوب فى اليوم إليه مائة مرة ))(‏ ‏). ‏
‏ هذا حال سيد الخلق أجمعـين وإمام المرسلين فما حالنا ؟! فالتوبة من الثوابت الإيمانية التى لاغنى ‏عنها لمؤمن بعد رمضان ، وهذه بعض الثوابت التى نحافظ عليها فى رمضـان، ويتخلى عنها أكثرنا بعد ‏رمضـان ، فأحببت أن أذكر نفسى وأحـبابى وأخواتى بهذه الثوابت الإيمانيـة التى لا يستغنى عنها ‏مؤمن بحال حتى يلقى رب البرية جل وعلا .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 07:51 PM
ثانيا : عرفت فالزم .‏

‏ ذقت حلاوة الإيمان وعرفت طعم الإيمان ، عرفت هذا فى رمضان ، ما منا من أحد صام وقام ‏رمضـان وقام ليلة القـدر إلا وذاق هذه الحلاوة ، حلاوة شرح الصدر وسرور القلب ، عرفت فالزم ‏، الزم هذا الضرب المنير ، واستقم على هذا الصراط المستقيم ، ففى الصحيحين من حديث عائشة رضى ‏الله عنها أن النبى ‏‎‎‏ قال : (( يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا . ‏وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل ))(‏ ‏). ‏


وفى صحيح مسلم من حديث عائشة قالت : (( كان رسول الله ‏‎‎‏ إذا عمل عملاً أثبته ))(‏ ‏). أى داوم ‏عليه وحافظ عليه .‏
‏ وفى صحيح مسلم من حديث أبى عمرة سفيان بن عبد الله الثقفـى أنه قال للنبى (( قل لى فى ‏الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك )) .‏
قال الحبيب ‏‎‎‏ : (( قل آمنت بالله ثم استقم ))(‏ ‏)‏
‏ قل آمنت بالله ثم استقم ، أى استقم على ضرب الإيمـان ، استقم على طريق التوبة ، استقم على ‏طريق الاستغفار ، استقم على طريق قيام الليل ، استقم على طريق الإحسان ، استقم على طريق هذه ‏الثوابت الإيمانية التى أعانك الله عليها فى رمضان ، قال جل وعلا : ‏‎‎‏ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ ‏اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ ‏أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآْخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلاً ‏مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ‏‎‎‏ [ فصلت : 30-32 ] .‏
‏ (( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا )) قرأها يوماً على المنبر عمر بن الخطاب فقال : (( إِنَّ الَّذِينَ ‏قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا )) ثم استقاموا على منهج الله فلم يروغوا روغان الثعالب ، والاستقامة هى ‏المداومة والثبات على الطاعة .‏
‏ أيها الحبيب الكريم : عرفت فالزم .. الزم هذا الدرب ولا تنحرف عنه .‏
أقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم .‏

أحمد سعد الدين
23-12-2004, 07:52 PM
ثالثاً : استعن بالله ولا تعجز .‏

‏ من أعانه الله على الطاعـة فهو المعان ، ومن خزله الله فهو المخزول لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا ‏حول لك على طاعته ، ولا قوة لك على الثبات على دينه إلا بمدده سبحانه فاستعن بالله ولا تعجز ‏واتقيه ما استطعت واطلب المدد والعـون منه أن يثبتك على طريق طاعته وعلى درب نبيـه ‏‎‎‏ وتدبر ‏وصيته لمعاذ بن جبل .‏
‏ كما فى الحديث الصحيح الذى رواه أحمد والترمذى وغيرهما أن النبى قال لمعاذ بن جبل يوماً : (( يا ‏معاذ والله إنى لأحبك ، فقال : أوصيك يا معاذ ، لا تدعن فى كل صلاة وفى رواية دبر كل صلاة أن ‏تقول : اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ))(‏ ‏).‏
نعم اطلب العون والمـدد من الله على عبادته سبحانه وأنت إن سلكت هذا الدرب المنير لن يخزك الله ‏أبداً ، أليس هو القائل : ‏‎‎‏ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ‏‎‎‏ [ العنكبوت : ‏‏69 ] .‏
‏ هذا وعد منْ ؟! وعد رب العالمين ، ورب الكعبة سيصرف الله بصرك عن الحرام ، وسيصرف الله ‏قلبك عن الشـهوات والشبهات ، وسيحفظ الله فرجك من الحرام ، وسيصرف الله يدك عن البطش فى ‏الحـرام ، وسيصرف الله قدمك من الخطا الحرام ، فأحسن أيها المسلم الموحـد ليكون الله معك ، فمن ‏توكل عليه كفاه ، ومن اعتصم به نجَّاه ، ومن فوض إليه أموره كفاه ، قال جل فى علاه : ‏‎‎‏ أَلَيْسَ اللَّهُ ‏بِكَافٍ عَبْدَهُ ‏‎…‎‏ ‏‎‎‏ [ الزمر : 36 ]‏
‏ علق قلبك بالله سبحانه فهو الغـنى الذى لا تنفعه الطاعـة ولا تضره المعصية ، ومع ذلك لو تاب ‏إليه عبده الفقـير الحقير مثلى لفرج بتوبته وهو الغنى عن العالمين يقول النبى ‏‎‎‏ : (( لله أفرح بتوبة عبده ‏المؤمن من رجل نزل فى أرض دوِّيَّة مهلكةٍ ، معه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه فنام ‏نومة ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته ، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله ‏‎–‎‏ قال ‏أرجع إلى مكانى الذى كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ ، فإذا ‏راحلته عنده ، عليها زاده وشرابه فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده ))(‏ ‏).‏
‏ وفى صحيح البخارى عن عمر بن الخطاب ‏‎‎‏ : قدم على النبى ‏‎‎‏ : (( سَبْىٌ ، فإذا امرأة من السَّبْى ‏تحلُب ثديها تسقى ، إذا وجدت صبياً فى السبى أخذته ، فألصقته ببطنها وأرضعته )) فقال لنا النبى ‏‎‎‏ : (( ‏أترون هذه طارحة ولدها فى النار ؟ )) قلنا : لا ، وهى تقدر على أن لا تطرحه ، ‏
فقال (( لله أرحم بعباده من هذه بولدها ))(‏ ‏). ‏
‏ والله لو تدبرت هذا الحديث لوقفت على العجب العجـاب ، لذا قال أحد السلف ، اللهم إنك ‏تعلم أن أمى هى أرحـم الناس بى وأنا أعلم أنك أرحـم بى من أمى ، وأمى لا ترضى لى الهـلاك ‏أفترضاه لى وأنت أرحم الراحمين ؟!! ‏
‏ نعم إنها رحمة الله جل وعلا ، ينادى بها على عباده بهـذا النداء الندى العذب : ‏‎‎‏ قُلْ يَاعِبَادِيَ ‏الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ ‏الرَّحِيمُ ‏‎‎‏ [ الزمر : 53 ]‏
‏ إنها رحمة الله التى وسعت كل شىء فاستعن بالله ولا تعجز ، و إن زلت قدمك عُد وإن زلت أخرى ‏عُد ، وإن زلت للمرة الألف عُـد ، واعلم بأن الله لا يمل حتى تعلوا ، نحن عبيـده هو الذى خلقنـا ‏ويعرف ضعفنا وفقرنا وعجزنا لذا لا يريد منا الطاعة وإنما يريد منا العبودية له سبحانه وتعالى .‏
‏ فالطاعة لك أنت ، فهو سبحانه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية ففى صحيح مسلم من حديث ‏أبو إدريس الخولانى عن أبى ذر أن رسول الله ‏‎‎‏ قال : قال الله تعالى : ((... يا عبادى لو أن أولكم ‏وآخركم وإنسكم وجنكم كانو على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئاً ، يا ‏عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ‏ذلك من ملكى شيئاً ‏‎…‎‏ ))(‏ ‏).‏
‏ أيها الموحد : استعن بالله على الطاعة ، واستعن بالله على أن تثبت على هذا الدرب المنير ، واعلم ‏يقيناً أن من أعظم الأسباب التى تعين العبد على أن يثبت على طاعة الله جل وعـلا أن يكون وسطاً ‏معتدلاً فى طاعته لربه ، لا غلواً فى الإسلام ولا تنطح ، فخـير الأمور الوسط ، لا غلو ، لا إفراط ، لا ‏تفريط ، لذا يقول المصطفى ‏‎‎‏ : (( إن الدين يسرٌ ولن يشاد الدينَ أحد إلا غلبه فَسَدَّدوا وقاربوا و ‏أبشروا واستعنوا بالغَدْوَةِ والرَّوحة وشىء من الدُّلْجة ))(‏ ‏). ‏
‏ وعن أنس بن مالك قال : دخـل رسول الله ‏‎‎‏ فإذا حبل ممـدود بين الساريتين فقال : (( ما هذا ‏الحبل ؟ )) قالوا : هذا حبل لزينب ، فإذا فترت تعلقت ، فقال النبى ‏‎‎‏ : (( لا ، حلوه ، ليصل أحدكم ‏نشاطه ، فإذا فَتَرَ فليقعد ))(‏ ‏).‏
‏ وكلكم يعلم قصـة الرهط الذين جاءوا لبيوت النـبى ‏‎‎‏ والحديث فى الصحيحين من حديث أنس ‏، جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبى يسألون عن عبادة النبى فلما أخبروا كأنهم تقالوها ، فقالوا : ‏وأين نحن من النبى ‏‎‎‏ ؟ فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فقال أحدهم : أما أنا أصلى الليل أبداً ‏، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً ، فجاء إليهم ‏النبى ‏‎‎‏ فقال : (( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنى أصوم ‏وأفطر ، وأصلى وأرقد وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتى فليس منى ))(‏ ‏).‏
‏ نعم لقد جمع النبى هذا المنهج الوسط وحوله إلى منهج عملى على أرض الواقع فى هذا الدعاء الرقيق ‏الرقراق الذى رواه مسلم فقد كان النبى يدعو الله ويقول (( اللهم أصـلح لى دينى الذى هو عصمت ‏أمرى ، وأصـلح لى دُنياى التى فيها معاشى ، وأصلح لى آخرتى التى إليها معادى ، واجعل الحياة ‏زيادة لى فى كل خير ، واجعل الموت راحة لى من كل شر ))(‏ ‏).‏
‏ إنه منهج الوسط .. منهج الاعتدال ، لقد جمـع النبى بكلماته هذه بين خيرى الدنيا والآخـرة لأن ‏من كسب الدنيا بالعمل الصالح كسب الآخرة بإذن الله ، ومن خسر الدنيا بالعمل السىء خسر الآخرة ‏، ولا حول ولا قوة إلا بالله .‏