مشاهدة النسخة كاملة : مقومات الداعية الناجح
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:10 AM
بقلم الدكتور علي بن عمر بن أحمد بادحدح
مقدمة المؤلف
الحمد لله جعل الداعي إليه أحسن الناس قولاً ،والمجاهد في سبيله من أفضل الناس عملاً، والصلاة والسلام على أعظم من دعا باللسان، وأشجع من جاهد بالسنان، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان ، أما بعد ..
فإن الدعوة إلى الله سبب الهداية المأمول، وطريق السعادة المأهول، وبها يقع تذكير الغافل، وتحريك الخامل، وهي مفتاح الفهم، ومقدمة العلم، ومدخل العمل، وهي مهمة الأنبياء والمرسلين وسبيل أتباع النبي الأمين، وشرفها وفضلها معلوم، وخيرها وأثرها ملموس.
لا حاجة لبسط القول أو التدليل على أن الدعوة في عالمنا المعاصر تمر بمرحلة صعبة بل عصيبة لأن هذا الأمر ظاهر للعيان، وتعاني الدعوة مشكلات عديدة منها العداء الخارجي والتكالب العالمي الذي يسعى إلى وأد صوتها ومحاصرة نشاطها، ويهدف إلى تشويه صورتها وتجريم حملتها، فالدعوة إلى الله يجعلونها عنصرية تتنافى مع الإخاء، وعصبية تتعارض مع التسامح، والدعاة إلى الله يصورونهم على أنهم قساة غلاظ، لا مجال عندهم لرحمة أو رأفة، هذا إضافة إلى العمل الدائب للمواجهة المباشرة للدعوة والدعاة .
ومن جهة أخرى فإن للدعوة معاناة من بعض حملتها أو المنتسبين إليها، فواحد يسيء من جهة جهله، وآخر من جهة سوء فهمه وثالث من جهة ضيق أفقه، ورابع من جهة شدة أسلوبه وهكذا؛ إضافة إلى وجود بعض الخلل ونقص في العمل في صورة الشاملة الواعية للدعوة بحيث تواكب العصر بالاستفادة من معطياته، والتأقلم مع مستجداته، وحسن المواجهة لعقباته، وجودة التخطيط والإعداد لمتطلباته، كما تراعى الأصول وتستلهم التاريخ وتستنطق التجارب وتستفيد من الأعلام بما يجعل جذورها راسخة، وقواعدها واضحة .
ونظراً للظروف الآنفة الذكر يكون من الواجب إعمال الفكر وتبادل الرأي حول السبل الكفيلة لنجاح الدعوة وتحقيق أهدافها، وحمايتها من كيد الكائدين من الأعداء وجهل الجاهلين من الأحباء، ومن هنا كنت كثير التفكير في مثل الموضوع فكتبت حول نجاح الداعية وقبول دعوته وتأثير شخصيته مقالاً نشرته في إحدى الصحف، ثم في مناسبات متعددة تحدثت عن عناصر نجاح الدعوات، وما زلت أدندن حول هذه المفاهيم والأفكار وألقي عنها كلمات وأدوِّن فيها ملحوظات .
وهذا الكتاب الذي بين يديك هو صدى وترجمة لتلك الأفكار، وما كان ليرى النور لكثرة الأشغال، وتزاحم الأعمال، ولكنني دُعيت للمشاركة في أحد الملتقيات وطلب مني إعداد بحث بعنوان (( مقوِّمات الداعية الناجح )) فكانت هذه الصفحات، التي كتبتها وأنا في ظروف صعبة أثناء انشغالي التام بالمراحل النهائية لإعداد رسالة الدكتوراة، وللتوضيح أقول إن هذا البحث عددت مادته، ورتّبت فصوله وأتممت صياغته في أقل من شهر، وكنت أود قبل طباعته أن أضيف إليه وأزيد فيه ما استجد في الذهن من أفكار، وما تجمّع في الموضوع من نصوص ولكنني تركت ذلك لئلا تتأخر الطباعة، ولعل ذلك يكون في طبعة قادمة بمشيئة الله تعالى .
وحيث قد وصفت لك- أخي القارئ – ظروف البحث ومدة إعداد إضافة إلى ما هو معلوم من قصور الإنسان، لذا فإنني أرجو أن أحظى منك بما تراه من تصويب لخطأ، أو استدراك لنقص، أو فوائد وزوائد تتفضل بإهدائها لي، وهذا مما يسعدني ويثلج صدري، كما ينفعني ويغني فكري ويزيد علمي .
وأخيراً أرفع أجزل الشكر، وأعطر الثناء، وأعظم الحمد، للمولى جلّت قدرته على توفيقه وامتنانه، ثم أثني بالشكر لكل من ساعدني في الإعداد ونقل النصوص وأخص منهم زوجتي وبنات أخي الثلاث، وأشكر دار الأندلس الخضراء للنشر والتوزيع على ما قامت به من جهود في تصويب النص وتصحيح أرقام الحواشي وحسن الإخراج، إذ كان البحث في صورته الأولى المستعجلة مليئاً بالأخطاء والاضطراب، كما أشكر من شرفوني بمطالعة البحث عسى الله أن يجعلني عند حسن ظنهم، وأن يغفر لي ما لا يعلمون .
اللهم هذا جهد المقلِّ، وبضاعة المقصِّر تقبّلها بفضلك، وتجاوز عن نقصها بعفوك . وما كان في ذلك من إتقان وإحسان ففضل منك وإنعام، وما كان من خلل أو زلل فغفلة أو استزلال شيطان . فأقل – يا رب- عثرتي، واغفر زلّتي يا أرحم الراحمين .
أبو الحسن علي بادحدح
جدة 18/5/1417هـ
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:11 AM
الفصل الأول : دلالة الموضوع وأهميته:
رأيت من المناسب الوقوف على عنوان البحث ومعرفة معاني مفرداته ودلالاته قبل الخوض في مضمون الموضوع وتفصيلاته .
عنوان البحث ((مقومات الداعية الناجح))، ومن هنا سنقف أمام مدلولات الكلمات الثلاث.
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:12 AM
المبحث الأول : دلالة عنوان الموضوع :
أولاً : المقوّم
أصل الكلمة الثلاثي هو قَوَمَ وأحد معانية الانتصاب والعزم . معجم مقاييس اللغة (5/43) ومن أبرز الاستعمالات اللفظية بهذا الأصل((قيام)) والقيام يجئ بمعنى المحافظة والإصلاح ومنه قوله تعالى : { الرجال قوامون على النساء } ، لسان العرب (12/497) النساء [34] وقام الأمر: اعتدل وأقام الشيء أدامه القاموس المحيط (4/168)، وأمر قيم : أي مستقيم ( المحكم لابن سيده (6/366) ، وقوام الأمر (بالكسر) نظامه وعماده (لسان العرب (12/499) ، وقيم الأمر: مقيمه، والقيم: السيد وسائس الأمر(لسان العرب12/502)، ومقوم الشيء وقوامه بمعنى واحد .
فالمراد بمقومات الداعية الناجح الأمور التي هي العماد لنجاح الداعية ليقوم بالدعوة، منتصباً لها عازماً ومحافظاً عليها، مستقيماً معتدلاً في أدائها، قائماً بشؤونها سائساً لأمورها حتى يكون قيامه بها خير قيام يتحقق به المقصود.
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:13 AM
ثانياً: الداعية
أصل الكلمة الثلاثي ( دٍٍَِِعَوَ )والدعوة المرة الواحدة من الدعاء، والدعاء إلى شيءٍ ما هُو الترغيب فيه والحث عليه كما في قوله : { والله يدعو إلى دار السلام} يونس [25] أي يرغب في الجنة ويقال دعا يدعو فهو داع والمرة منه دعوة وفي قوله تعالى { وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً } الأحزاب[46] أي داعياً إلى توحيد الله فالداعي هو الذي يدعو إلى أمر ما، والجمع دعاة وداعون والداعي والداعية واحد، والهاء فيه للمبالغة .
فالداعية إذن هو المؤهل القائم بترغيب الناس في الإسلام وحثهم على التزامه بالوسائل المشروعة .
وهذا يوضح أن موضوع الدعوة هو الإسلام كله عقيدة وشريعة وأخلاقاً ومعاملة، وأن المدعوون هم جميع الناس كل بحسبه فالكافرون يُدعون إلى الإسلام، والمقصرون يُدعون إلى صدق الالتزام، والعصاة يُدعون إلى ترك الذنوب والآثام وهكذا .
قال ابن تيمية في تعريف الدعوة :((والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت به رسله وبتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا))(مجموع فتاوى ابن تيمية (15/157) عرَّفها بعض المعاصرين بقوله ((تبليغ الإسلام للناس وتعليمه إياهم وتطبيقه في واقع الحياة))(المدخل إلى علم الدعوة (ص/17)، وأوجز الطبري القول وأبلغ في المعنى حين قال عن الدعوة: ((هي دعوة الناس إلى الإسلام بالقول والعمل))(تفسير الطبري (11/53).
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:13 AM
ثالثاً : النجاح :
أصل الكلمة الثلاثي ((نجح)) وهو أصل يدل على ظفر وصدق وخير(معجم مقاييس اللغة (5/390) والنُّجح والنجاح الظفر بالشيء ونجح المرء إذا أصاب طلبته ونجح الأمر إذا تيسر وسهل ورجل نجح :منجح الحاجات ورأي نجيح أي صواب (لسان العرب (2/612،611)، الصحاح (1/409)، القاموس المحيط (1/251) .
فالمقصود هو تحقيق غاية الدعوة، والتوفيق لحصول التيسير في الدعوة وقبولها، ومعلوم أن النجاح الأتم في الدعوة هو قبول الحق والعمل به، ورفض الباطل والإقلاع عنه، فهو قناعة نظرية واستجابة عملية ولكن حصول الإعراض وعدم القبول ليس دليلاً على عدم نجاح الداعية إذ أن الهداية من عند الله : {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } القصص [56] ونعلم حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : ((يأتي النبي ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان والنبي وليس معه أحد)) أخرجه البخاري ،كتاب الطب، باب: من كوى أو كوى غيره (10/155)، ومسلم في كتاب الإيمان ،باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (1/199) وهذا قطعاً لا يدل على عدم نجاح هؤلاء الأنبياء وإنما يدل على عدم وجود القابلية عند المدعوين وطمس الله لبصائرهم وطبعه على قلوبهم .
فالنجاح إذن هو القيام بالواجب على الوجه الأكمل وكثيراً ما تتحقق به النتائج وقد تتخلف لحكمة عند الله . وبهذا يتضح مدلول عنوان الموضوع ((مقومات الداعية الناجح)) وأن المراد تسليط الضوء على الأسس اللازم توافرها للداعية في شخصيته وممارساته ومفاهيمه التي تؤدي إلى حصول الهداية وتحقق أثر الدعوة.
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:14 AM
المبحث الثاني : أهمية الموضوع :
مما يتقدم عرفنا أن الموضوع يتعلق بما يقوم بالداعية من صفات ومهارات يتحقق بها هدف الدعوة وتحصل الاستجابة، ولا شك أن الاستجابة للداعية ثمرة عظيمة لأنه مبلغ عن الله جل جلاله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ومقرر لأحكام الإسلام، ومؤدي ذلك تحقق الاستجابة لله وللرسول، والالتزام بالإسلام ولهذا فإن لهذا النجاح آثار كبيرة محمودة تجعل للبحث في هذا المجال أهمية كبرى وإليك بعض ما ينبئ عن ذلك :
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:14 AM
1_ الأجر الجزيل :
يقول الحق تبارك وتعالى :{ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من مسلمين } فصلت [33] ، فهذا ثناء لمن دعا دون ارتباط بالنتيجة فكيف إذا حصلت الاستجابة، إن الأجر حينئذ أعظم وأجزل كما أخبر عليه الصلاة والسلام في قوله: ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم)) أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب: مناقب علي بن أبي طالب، الفتح (7/70) ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل علي بن أبي طالب (النووي) (15/178) وهذا في هداية الواحد فكيف بهداية الجمع من الناس ؟ الأجر حينئذ يزداد ويتضاعف كما أرشد إلى ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: ((من دعا إلى هدى فإن له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)) أخرجه مسلم في كتاب العلم،باب :من سن سنة حسنة أو سيئة (النووي 16/227).
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:15 AM
2- انتشار الخير :
إن نجاح الداعية وانتشار الدعوة يزيد من انتشار الخير بكثرة ملتزميه والدعاة إليه، والثابتين عليه، وعندما تتزايد هذه الدوائر ويتكاثر أفرادها تكون سبباً من أسباب رضوان الله عز وجل وتنَزّل نصره، وحصول التغيير الصالح في الأمة ضمن السنة الإلهية الماضية: {إن الله لا يغير ما قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } الرعد[11] ، ومن جهة أخرى فكلما أقبل على الخير واستجاب للدعوة نفر من الناس بما يحققه الله من نجاح للدعاة فإن ذلك يورث عند الآخرين قناعة عميقة، وحماسة قوية للمتابعة من خلال كسر حاجز التردد أو الرهبة، وخوف التفرد بالالتزام ، ومخالفة التيار العام ، كما أن انتشار الخير يبرز صورة مشرقة للمسلمين الملتزمين من خلال سلوكياتهم في سائر شئون الحياة وهذا له أثر مضاعف في مزيد من الإقبال على الالتزام .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:15 AM
3- مغالبة الباطل:
إن كل نجاح للدعوة في فكر وسلوك إنسان هو هزيمة للباطل الداعي إلى طرق ومناهج الشيطان ، وإن كل وجود فاعل للدعوة في ميدان من ميادين الحياة هو غيظ ونكاية في أعداء الله، فالحرص على نجاح الداعية في غاية الأهمية لحماية الأمة من شرور الباطل، والعمل على تحجيم آثاره ، وتقليل أضراره ، وتوهين أنصاره .
ومن المعلوم أنه ((يجب محاربة المبادئ الهدامة من اشتراكية وبعثية وتعصب للقوميات وغيرها من المبادئ والمذاهب المخالفة للشريعة وبذلك يصلح الله المسلمين ما كان فاسداً، ويَردُّ لهم ما كان شارداً ، ويعيد لهم مجدهم السالف وينصرهم على أعدائهم ويمكن لهم في الأرض)) مجموع فتاوى ابن باز(1/392) ومن هنا يلزم (التأكيد على دعاة الإسلام وحملته للتفرغ لكتابة البحوث والنشرات والمقالات النافعة والدعوة إلى الإسلام والرد على أصناف الغزو الثقافي، وكشف عواره وتبيين زيفه حيث إن الأعداء جنَّدوا كافة إمكاناتهم وقدراتهم وأوجدوا المنظمات المختلفة والوسائل المتنوعة للدس على المسلمين والتلبيس عليهم فلا بد من تفنيد هذه الشبهات وكشفها وعرض الإسلام عقيدة وتشريعاً وأحكاماً وأخلاقاً عرضاً شيقاً)) مجموع فتاوى ابن باز (1/392)، فتوفر أسباب نجاح الداعية يعني غلبة الحق وانتصاره وهزيمة الباطل واندحاره .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:16 AM
4- الحماية من المفاهيم والأعمال الخاطئة:
إن التقصير في الأخذ بمقومات النجاح وأسباب الفلاح قد يؤدي إلى الفشل والإخفاق ويتولد من أثر ذلك بعض المفاهيم والأعمال الخاطئة ومنها على سبيل المثال لا الحصر :
أ- الحكم العام بفساد الناس وذلك أن بعض الدعاة – لقلة في فهمه أو ضعف في إيمانه أو تقصير في عمله – يتوالى عليه الفشل ويلقى الإعراض والنفور من الناس ،وبدلاً من أن يصبر أو ينقد نفسه ويغير أسلوبه، ويعالج خطأه نراه ينحي باللائمة على الناس ، ويحكم عليهم بالفساد والاستعلاء عن الحق ، وأنهم أعداء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما يحذر منه المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح الذي قال فيه: ((إذا قال الرجل : هلك الناس فهو أهلكهم)) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب : النهي عن قول هلك الناس ، (النووي 16/17).
ب- حصول الإحباط واليأس في نفوس بعض الدعاة لتكرار الفشل، وانطوائهم بعد ذلك على أنفسهم ،ثم اعتزالهم الناس وتركهم الأمر المعروف والنهي عن المنكر، وربما كان فشلهم في كثير من الأحوال ناشئاً عن جهلهم بأساليب وأسباب النجاح في الدعوة .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:17 AM
الفصل الثاني : عناصر التأثير :
المبحث الأول الميل العاطفي والمحبة القلبية :
إن لمحبة تقود إلى المتابعة للمحبوب، وتقديمه على من سواه ،وتلمس موافقة هواه، ولذا قيل في تعريف المحبة إنها ((إيثار المحبوب على جميع المصحوب ،وقيل :موافقة الحبيب في المشهد والمغيب وقيل :اتحاد مراد المحب ، ومراد المحبوب وقيل: إيثار مراد المحبوب على مراد المحب وقيل : هي بذلك المجهود فيما يرضي الحبيب)) روضة المحبين (ص:19-21) .((والحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والفعل الظاهر فيما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه)) مجموع فتاوى ابن تيمية (7/541) ولذا فإن صاحب الرسالة يتحبب إلى المدعوين ، ويسعى إلى كسب محبتهم له وميل قلوبهم إليه ، لأن ذلك أعظم عون على قبولهم منه واتباعهم له ، وبدونه لا يحصل التأثير الإيجابي بالمتابعة ولو أقيمت الحجج ونصبت الأدلة لأن البغض للداعي يصد عن قبول دعوته وإن كانت حقاً :{ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك} آل عمران [159] فالاستجابة والمتابعة أعظم مقتضيات المحبة ،وهما في الوقت نفسه أعظم آثارها .
وإذا تمكنت المحبة فإنها تورث تعلقاً عجيباً بالمحبوب يدفع إلى فعل مقتضاها من الموافقة وإن كان في ذلك مضرة ظاهرة أو إعراض عن محبوبات أخرى هي أكثر أهمية، ويتحمل المحب في ذلك ما يلقي من المعارضة والملامة، وهذا ما يعرف من حال المحبين والعشاق وهو الذي يفسر ما ملئت به سيرهم من الأخبار والأحوال، وليس هذا في عشق ومحبة الصور المحسوسة من البشر، بل هو واقع في المعاني أيضاً فكثير من الأجواد يعشق الجود أعظم عشق فلا يصبر عنه مع حاجته إلى ما يجود به، ولا يقبل فيه عذل عاذل، ولا تأخذه فيه لومة لائم ، وأما عشاق العلم فأعظم شغفاً به ، وعشقاً له من كل عاشق بمعشوقه)) روضة المحبين (ص :69)وبالجملة ((فأصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة ،فهو أصل كل فعل ومبدؤه، كما أن البغض والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه ومادته))جامع الرسائل والمسائل (2/193).
ومما يقوي أثر المحبة من الموافقة والاتباع ((حصول اللذة والنعمة والفرح والسرور وقرة العين به على قدر قوة محبته وإرادته والرغبة فيه)) روضة المحبين (ص/156،155) ويلحق بذلك أن المحبة توقد نار الشوق فيبقى القلب بالمحبوب ومطلوبه مشغولاً، والعقل في أمره مفكراً (والشوق أثر من آثار المحبة وحكم من أحكامها فإنه سفر القلب إلى المحبوب في كل حال)) تهذيب مدارج السالكين (ص:525) .
وهكذا نجد للمحبة أثرها العظيم في الفكر والسلوك، (( والمحبة والإرادة أصل كل دين سواء كان ديناً صالحاً أو ديناً فاسداً فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة والمحبة والإرادة أصل ذلك كله)) جامع الرسائل والمسائل (2/218) ، ((وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل وهو أصل الأعمال الدينية وغيرها)) المصدر السابق (2/235) علمنا أهمية هذا العنصر.
ومن منا كان الهوى في غير مرضاة الله خطراً عظيماً بل هو شرك محض وألوهية باطلة كما قال تعالى { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } الجاثية [23] ، وبالجملة فعاطفة المحبة من أعظم عناصر التأثير سلباً وإيجاباً ، ومن ثم كان الحرص على كسب القلوب واستجلاب المحبة في طاعة الله معيناً على الاستجابة للخير، والقبول للدعوة ، وإذا وجهت المحبة لله وطاعته فذلك غاية عظمى ، إذ أن محبة الله ((هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون وإليها شخص العاملون ، وإلى عَلَمها شمر السابقون ، وعليها تفانى المحبون ، وبروح نسيمها ترّوح العابدون ، فهي قوت القلوب ، وغذاء الأرواح ، وقرة العيون ، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات ، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات ، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام ، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام)) تهذيب مدارج السالكين (ص/509) ، والمقابل على الضد من ذلك (( فهو عن الخير صاد ، وللعقل مضاد ، لأنه يُنتج من الأخلاق قبائحها ، ويظهر من الأفعال فضائحها ، ويجعل ستر المروءة مهتوكاً ، ومدخل الشر مسلوكاً )) أدب الدنيا والدين (ص: 33) .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:18 AM
المبحث الثاني : الإقناع العقلي والحجة العلمية :
الهوى يهوي بصاحبه والعقل – بإذن الله -يعصمه ، والعقلاء يحكمون عقولهم في أهوائهم ، وهذا تصرف الرجال فقد يُحب القلب فعلاً معيناً وتهوى النفس سلوكاً محدداً ، فيعترض العقل بالنظر في البواعث ، والتأمل في العواقب ، فيكبح جماح الهوى إذ أنه ((لما كان الهوى غالباً ، إلى سبيل المهالك مورداً ، جعل العقل رقيباً مجاهداً، يلاحظ عثرة غفلته ، ويدفع بادرة سطوته ، ويدفع خداع حيلته ، لأن سلطان الهوى قوي ، ومدخل مكره خفي)) أدب الدنيا والدين (ص:35) ((وإذا كانت الدولة للعقل سالمهُ الهوى ، وكان من خدمه وأتباعه ، كما أن الدولة إذا كانت للهوى ، صار العقل أسيراً في يديه ، محكوماً عليه)) روضة المحبين (ص:10)((وما مثل الهوى إلا كسبع في عنقه سلسلة فإن استوثق منه ضابطه كفه ، وربما لاحت له شهواته الغالبة عليه فلم تقاومها السلسلة فأفلت ، على أن من الناس من يكف هواه بسلسلة ، ومنهم من يكفه بخيط)) صيد الخاطر(ص:164) .
وربما لا تكون هناك محبة ولا ميل في النفس ابتداء ولكن الحجة والبرهان يحصل بها قناعة العقل التي تزين الفعل أو الرأي للنفس وتحببه إلى القلب ، فالقناعة لها تأثيرها الذي لا ينكر في دفع الإنسان لاتخاذ الموافق والآراء ، وممارسة الأفعال ، أو الامتناع من ذلك ، وتلك مزية العقل الراشد الذي هو من أهم البواعث ((فلا يسمي عاقلاً إلا من عرف الخير فطلبه والشر فتركه ، ومن فعل ما يعلم أنه يضره فمثل هذا ماله عقل)) مجموع فتاوى ابن تيمية (7/24) والمحبة والعقل إن اتفقا عظم الأثر وان اختلفا فمالت المحبة لما حكم العقل بفساده فمآل الأمر إلى غلبة أحدهما بقوته ، وتمكنه ، فقد يقرر العقل ضرر الفعل لكنه يضعف ويغلبه الهوى بباعث حب اللذة ، وقوة الشهوة (وهذا من الجهل الذي هو عمل بخلاف العلم حتى يقدم المرء على فعل ما يعلم أنه يضره وترك ما يعلم أنه ينفعه لما في نفسه من البغض والمعاداة لأشخاص وأفعال ، وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية ، لكنه لما في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك الموجب والنتيجة لا توجد عنه وحده ، بل عنه وعما في النفس من حب ما ينفعها وبغض ما يضرها ، فإذا حصل لها مرض ففسدت به أحبت ما يضرها ، وأبغضت ما ينفعها ، فتصير النفس كالمريض الذي يتناول ما يضره لشهوة نفسه له مع علمه أنه يضره)) مجموع فتاوى ابن تيمية (7/540) و ((مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في عاقبة ، ويحث على الميل للشهوات عاجلاً ، وإن كانت سبباً للألم والأذى في العاجل ومنع اللذات في الأجل)) ذم الهوى (ص: 13،12).
وهذا يوضح أثر العقل وقناعته في توجيه الآراء والسلوكيات ، مع عدم إهمال أثر القلب وعاطفته ، إذ قد توافق فيقوى التأثير ويتمكن ، أو تخالف فتكون هناك المغالبة ثم الغلبة .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:18 AM
المبحث الثالث : القدوة الحية والنموذج المتحرك :
لا يخفى أبداً أثر القدوة فهي الصورة الحية للفكرة ، والتطبيق العلمي للدعوة ، والتوضيح الجلي للحجة ، ولا شك أنها من أعظم أسباب بذر المحبة في القلوب ، ووجود القناعة في العقول ((وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة ولا سيما العامة وأرباب العلوم القاصرة فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها)) مجموع فتاوى ابن باز (3/110).
والعكس صحيح فلو وجدت المحبة ، وأقيمت الحجة ، وبذلت الدعوة كان لتخلف القدوة ووجود ما يعارض مقتضى الدعوة أثره في ضعف التأثير ونقص المحبة ، وزعزعة القناعة ومعلوم ((أن التأسي بالأفعال – بالنسبة لمن يعظّم في الناس – سرٌ مبثوث في طباع البشر ، لا يقدرون عن الانفكاك عنه بوجه ولا بحال ولا سيما عند الاعتياد والتكرار)) الموافقات (4/248-249) ورحم الله ابن القيم حيث أبدع في بيان عكس هذه الحقيقة عندما قال : ((علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم فكلما قالت أقوالهم للناس هلموا قالت أفعالهم لا تسمعوا منهم ، فلو كان ما دعوا إليه حقاً كانوا أول المستجيبين له فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطريق)) ولله در هرم بن حيان حيث حذر من العالم الفاسق فكتب إليه عمر رضي الله عنه يسأله عن مراده فقال : ((يكون إمام يتكلم بالعلم ويعمل بالفسق ، ويشبه على الناس فيضلوا)) نزهة الفضلاء (1/329،328).
وفي كثير من الأحيان تكون القدوة الحسنة مغنية عن كثير من أساليب الترغيب والتشويق وأسباب تحصيل المحبة ، وكذلك تعفي من الاستكثار من الاستدلال ، وإقامة الحجة والمناظرة والجدال ، إذ يتحقق من خلال القدوة الكثير من ذلك بشكل تلقائي وبصورة أعمق وأثبت حيث أن القدوة ((تساعد على تكوين الحافز في المتربي دونما توجيه خارجي)) القدوة مبادئ ونماذج (ص :11) لأن ((المثال الحي المرتقي في درجات الكمال يثير في نفس البصير العاقل قدراً كبيراً من الاستحسان والإعجاب والتقرير والمحبة ، ومع هذه الأمور تتهيج دوافع الغيرة المحمودة والمنافسة الشريفة)) القدوة مبادئ ونماذج (ص:8 ) فيحصل التأثر والاقتداء وتكون الاستجابة قوية وهي في الوقت نفسه سهلة وتلقائية ، ((حتى إذا أحببت الاقتداء به من غير سؤال أغناك من السؤال في كثير من الأعمال)) الموفقات (4/271،270) ولله در ابن القيم حيث قال : ((إن الناس قد أحسنوا القول فمن وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه ومن خالف قوله فعله فذاك إنما يوبِّخ نفسه)) (الفوائد (ص:192) .
وبهذا تتكامل عناصر التأثير فإذا اجتمع مع محبة الفعل اقتناع العقل بثمرته وفائدته وأضيف إليهما قدوة يتمثل فيهما الفعل فإن التأثير يكون قد بلغ مبلغه .
ولا بد من التأكيد على أهمية عنصر القدوة وخطورة انعدامه حيث ((يستطيع الإنسان أن يكون عالماً جهبذاً في الكيمياء أو العلوم أو الطب أو الهندسة أو غير ذلك من العلوم التي أمرنا الله بتعلمها لتعمر الدنيا ولكن هذه العلوم لا تتطلب منا قيداً سلوكياً ، فقد تكون عالماً في أي فرع من هذه العلوم وسلوكك تبعاً لهواك ولكن هذا لا يفسد الحقيقة أنك عالم في علمك لأن النبوغ لا يضع قيداً على الأخلاق إلا علم الدين فإنك إن كنت من علمائه أو الداعين إليه أو المتدينين المخلصين لا بد أن تكون قدوة حسنة لما تدعو إليه وإلا ما استمع إليك أحد)) الدعوة قواعد وأصول (ص:111) .
ولله در القائل :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ++++++++ عار عليك إذا فعلت عظيم
وحسب المسلم قول الله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ، كبر مقتاً عند الله أن تقول مالا تفعلون } الصف [3،2] .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:19 AM
الفصل الثالث : مقومات النجاح في تكوين الداعية
في هذا الفصل أسلط الضوء على المقومات الشخصية اللازمة في تكوين الداعية ؛ ليتأهل للنجاح في دعوته ، فالمقصود هو بيان ما يلزم الداعية أن يتحقق به في ذات نفسه، وأن يوجده ويكلمه في سماته وصفاته كأساس لا بد منه قبل أي مقومات خارجية تتصل بالمدعوين أو بيئة الدعوة أو موضوعاتها .
وإن هذه المقومات كثيرة ويمكن أن يطول الحديث في سردها وعرضها ،وتكون بمثابة استعراض لواجبات وآداب الإسلام مما يفقدنا معرفة الأولويات والأهمية الكامنة في بعض المقومات ،ولذا اجتهدت بعد التأمل والتفكير، أن أسلط الضوء على أربعة مقومات هي الأكثر أهمية وشمولية ويندرج تحتها كثير من الصفات الأخرى .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:20 AM
المبحث الأول : التميز الإيماني والتفوق الروحاني :
إن التميز في مجال الإيمان عقيدةً صحيحةً ، ومعرفةً جازمةً ، وتأثيراً قوياً يعد- بلا نزاع – أهم المقومات وأولى الأولويات بالنسبة للداعية ، لكي يكون الداعية عظيم الإيمان بالله ، شديد الخوف منه ، صادق التوكل عليه ، دائم المراقبة له ، كثير الإنابة إليه ، لسانه رطب بذكر الله ، وعقله مفكر في ملكوت الله ، وقلبه مستحضر للقاء الله ، مجتهد في الطاعات ، مسابق إلى الخيرات ، صوام بالنهار قوّام بالليل ، مع تحري الإخلاص التام ، وحسن الظن بالله وهذا هو عنوان الفلاح ، وسمت الصلاح ، ومفتاح النجاح ، إذ هو تحقيق لمعنى العبودية الخالصة لله وهي التي تجلب التوفيق من الله فإذا بالداعية مسدد ، إن عمل أجاد ، وإن حكم أصاب ، وإن تكلم أفاد .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:21 AM
وهذا الباب واسع الجوانب متعدد المستلزمات ، وحسبي أن أبرز أهم هذه الجوانب :
أولاً : عظمة الإيمان بالله
أساس كل أمر هو تجريد التوحيد ، والبعد عن الشرك ولا بد أن يكون الداعية صحيح الإيمان ، خالص التوحيد ، عنده من العلم ما يعرِّفه بالله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ، وأن تستقر هذه المعرفة في سويداء قلبه ، وتملك عليه أقطار نفسه ، وتجري مع الدماء في عروقه ، وأن ينعكس ذلك على سائر أحواله فتنضبط به أفكاره وآراؤه ، وتُحكم به كلماته وألفاظه ، وتُقوَّم به أفعاله وأعماله ، ويجمع ابن القيم هذا المعنى في عبارة أشمل وأعمق حيث يقول في بيان المراد أنه " التزام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة وامتثال أمر سيده ، واجتناب نهيه ، ودوام الافتقار إليه ، واللجأ إليه ، والاستعانة به ، والتوكل عليه ، وعياذ العبد به ولياذه به ، وأن لا يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفاً ورجاءً ، وفيه أيضاً أنه عبد من جميع الوجوه : صغيراً وكبيراً ، حياً وميتاً ، مطيعاً وعاصياً معافى ومبتلى ، بالروح والقلب واللسان والجوارح ، وفيه أيضاً أن مالي ونفسي ملك لك فإن العبد وما يملك لسيده ، وفيه أيضاً أنك أنت الذي مننت علي بكل ما أنا فيه من نعمة فذلك كله من إنعامك على عبدك ، وفيه أيضاً أني لا أتصرف فيما خولتني من مالي ونفسي إلا بأمرك ، كما لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده وإني لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً ، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ؛ فإن صح له شهود ذلك فقد قال إني عبدك حقيقة " [ الفوائد ، ص:35،34 ] .
ولا يتصور للداعية نجاح وتوفيق ، أو تميز وقبول دون أن يكون حظه من الإيمان عظيماً " إذ كيف تدعو الناس إلى أحد و صلاتك به واهية ومعرفتك به قليلة " [ مع الله ، ص: 188 ] .
وهذه الغاية العظمى تتصل أكثر شيء بأعمال القلوب التي تخفى على الناس ولا يعلمها إلا علام الغيوب ، إلا أن آثار ذلك تظهر بوضوح في الأقوال والأفعال ؛ فإن " عكوف القلب على الله تعالى ، وجمعيته عليه ، والخلوة به ، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق ، والاشتغال به وحده سبحانه ، بحيث يصير ذكره وحبه ، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته ، فيستولي عليه بدلها ، ويصير الهم كله به ، والخطرات كلها بذكره ، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه ، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق ، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ، ولا ما يفرح به سواه " [زاد المعاد 2/87 ] ،
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:22 AM
كل ذلك ينعكس على الداعية فتظهر على شخصيته آثار الإيمان الصحيح المتحرك ومن أبرزها :
1- التحرر من عبودية غير الله
الإيمان قوة عظمى يستعلي بها المؤمن على كل قوى الأرض ، وكل شهوات الدنيا ، ويصبح حراً لا سلطان لأحد عليه إلا لله ، فلا يخاف إلا الله ، ولا يذل إلا لله ، ولا يطلب إلا من الله ، ولا يأمل إلا من الله ، ولا يتوكل إلا على الله ، وللإيمان تأثير كبير في أعظم أمرين يسيطران على حياة البشر وهما : الخوف على الرزق ، والخوف على الحياة .
أما الأول : فلا يخفى كم أذل الحرص أعناق الرجال ، وكم شغل الناس حبُّ المال ، وكم باع أناس مبادئهم ، وخانوا أمتهم وتنكروا لماضيهم لما ذهب الذَّهب بأبصارهم وسبى قلوبهم ، أما المؤمن فحقائق الإيمان تملؤ قلبه فلا يتأثر بشيء من هذا لأن في قلبه قول الحق جل وعلا : {وفي السماء رزقكم وما توعدون} [ الذاريات:22] ؛ ولأنه يعلم من بيده الرزق {فابتغوا عند الله الرزق واعبده واشكروا له} [ العنكبوت : 17] ، وأنه لا يملك أحد من البشر من ذلك شيئاً : {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً} [ العنكبوت :17] ، وفوق ذلك يعلم حقيقة الرزق في الدنيا وقيمته المحدودة ويرتبط بقوله تعالى : {ورزق ربك خير وأبقى} [ طه :131] ، وقوله : {إن هذا لرزقنا ماله من نفاد} [ ص :54] ، وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء ) أخرجه الترمذي كتاب الزهد ، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ، حديث رقم (2320) ومن هذه المنطلقات الإيمانية قال الشافعي رحمه الله :
أنا إن عشت لست أعدم قوتاً ++++++++ وإذا مت لست أعدم قبراً
همتـي همة الملـوك ونفسي ++++++++ نفس حر ترى المذلة قهراً
وأما الثاني : فيقين المؤمن أن الموت والحياة بيد الله ، وأنه لا ينجي حذر من قدر ، وأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه ، وأن الموت ليس بالإقدام وأن السلامة ليست بالإحجام بل كما قال تعالى : {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [ النساء : 78] ، ومن هنا يتميز المؤمن عن غيره ، فبينما ترتجف القلوب وتنسكب الدموع ، وتعلو التوسلات ، وتقدَّم التنازلات ، حرصاً على الحياة ، نجد المؤمن كالطود الشامخ يهتف مع خبيب بن عدي قائلاً :
ولست أبالي حين أقتل مسلماً ++++++++ على أي جنب كان في الله مصرعي
ويتذكر قول علي بن أبي طالب :
أي يوميَّ من الموت أفر ++++++++ يـوم لا يقـدر أو يوم قُدر
يوم لا يقدر لا أرهبـه ++++++++ ومن المقدور لا ينجو الحذر
ويتذكر المؤمن حال أنس بن النضر يوم شمَّ رائحة الجنة في أحُد فمضى في شوق إلى عناق الموت ، ويدرك عمق إيمان عمير بن الحمام عندما استطال – لأجل أكل تمرات – هذه الحياة ، ويقف على سرّ الإيمان العظيم عندما يهتف الشهيد قائلاً : فزت ورب الكعبة ، ولا ينسى خبر سحرة فرعون لما آمنوا وهدَّودا بالموت هتفوا قائلين : {اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} [ طه :72] .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:22 AM
2- الخشية من الله
وهي من أعظم آثار الإيمان وأبرز أوصاف المؤمنين {الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون} [ الأنبياء :49] ، {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله } [ الأحزاب : 39] ، وقدوتهم في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول : ( إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ) [ أخرجه البخاري في كتاب النكاح ، كتاب الترغيب للنكاح ، الفتح :9/104] ، " والخشية أخص من الخوف ، فهي مقرون بمعرفة " [ تهذيب مدارج السالكين ، ص:269 ] .
وعندما تعمر الخشية والخوف قلب الداعية المؤمن يتميز عن الغافلين والعابثين لأن الخوف يحول بين صاحبه وبين محارم الله ، فقهُ ذلك أنطق إبراهيم بن سفيان بالحكمة فقال: " إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها " [ تهذيب مدارج السالكين ، ص:270 ] .
وقال الفضيل بن عياض : " من خاف الله لم يضره أحد ، ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد " [ نزهة الفضلاء 2/661 ] .
وهذه الخشية دافعة للطاعة " وما استعان عبد على دينه بمثل الخشية من الله " [ نزهة الفضلاء 1/513 ] .
والداعية له رتبة عليا من الإيمان " تجعل خشيته لله أسرع إلى فؤاده من أي رهبة تخامر نفسه أمام ذي سلطان " [ مع الله ، ص:190] .
والخشية أساس مراقبة الله ترقي بالمؤمن إلى درجة الإحسان وأن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:23 AM
ثانياً : الإخلاص لله
" الإخلاص لله روح الدين ولباب العبادة وأساس أي داع إلى الله " [ مع الله ، ص:201 ] ، وهو " في حقيقته قوة إيمانية ، وصراع نفسي ، يدفع صاحبه – بعد جذب وشد – إلى أن يتجرد من المصالح الشخصية ، وأن يترفع عن الغايات الذاتية ، وأن يقصد من عمله وجه الله لا يبغي من ورائه جزاءً ولا شكوراً " [ صفات الداعية النفسية ، ص:12 ] ، فالمخلصون " أعمالهم كلها لله ، وأقوالهم لله ، وعطاؤهم لله ،ومنعهم لله ، وحبهم لله ، وبغضهم لله ، فمعاملتهم ظاهراً وباطناً لوجه الله وحده " [ تهذيب مدارج السالكين ، ص: 68 ] ، والإخلاص للداعية ألزم له من كل أحد وأهميته تفوق كل أمر ، وهو استجابة لأمر الله {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة :5] ، وفي تركه خوف من الحرمان برد الأعمال ومنع التوفيق ؛ لأن الله جل وعلا قال في الحديث القدسي ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) [ أخرجه مسلم ، كتاب الزهد ، باب الرياء ، النووي : 18/115 ] ، وفيه وقاية من عذاب الآخرة الذي توعد به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من عمل بلا إخلاص عندما ذكر أول ثلاثة تسعّر بهم النار وهم قارئ وغني ومجاهد لم يقصدوا بأعمالهم وجه الله [ أخرجه مسلم ، كتاب الإمارة ، باب من قاتل للرياء والسمعة واستحق النار ، عبد الباقي : 3/1514،1513 ] .
فلا بد والأمر كذلك من تحري الإخلاص والحذر مما يضاده فإنه " لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت " [ الفوائد ، ص:195 ] ، " والمفروض أن الداعية العارف بالله قد بلغ من منازل الإيمان منزلة تجعل رجاءه في الله وحده يسبق كل رغبة إلى مخلوق " [ مع الله ، ص:190 ] ، والإخلاص يجعل للكلمات حيوية مؤثرة ، وللدعوة قولاً سريعاً .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:24 AM
ثالثاً : حسن الصلة بالله
والمقصود بها إقامة الفرائض ، والاستكثار من النوافل ، والاشتغال بالأذكار ، والمداومة على الاستغفار وكثرة التلاوة القرآنية ، والحرص على المناجاة الربانية ، وغير ذلك من القربات والطاعات ، لأن العبادة زاد يتقوى به الداعية ، فالصلاة صلة بينه وبين مولاه ، ولا مناص من تميزه في حرصه عليها ، وتبكيره إليها ، وخشوعه فيها ،وتطويله لها ، وشهودها مع الجماعة وله في ذلك قدوات سالفة فسعيد بن المسيب ((ما فاتته الصلاة في الجماعة أربعين سنة)) نزهة الفضلاء (1/370) ((والربيع بن خثيم كان يقاد إلى الصلاة وبه الفالج ، فلما روجع في ذلك قال : إني أسمع حي على الصلاة فإن استطعتم أن تأتوها ولو حبواً)) نزهة الفضلاء (1/381) ، ولست أدري كيف يكون داعية من يتخلف عن الصلوات في الجماعات سيما في الفجر والعصر مع ما ورد في أدائهما خصوصاً من تعظيم الأجر ، وما جاء في فواتهما من التحذير من الإثم والوزر ، وقد ترخص كثيرون في ذلك فلا يهمهم التبكير ، ولا يعنيهم إدراك التكبير ، ولست أدري ما يقول هؤلاء إذا سمعوا مقالة إبراهيم بن زيد التيمي : ((إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه)) نزهة الفضلاء (1/468) وبماذا يعلقون إذا علموا أن سعيد بن عبد العزيز التنوخي ((كان إذا فاتته صلاة الجماعة بكى)) نزهة الفضلاء (2/611) والحقيقة أن الأمر في هذا يطول والتفريط فيه من بعض الدعاة كثير وخطير ، ونصوص الكتاب والسنة أشهر من أن تذكر.
والذكر عظيم المنزلة فهو ((منشور الولاية الذي من أعطية اتصل ، ومن منعه عُزل ، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجسام لها قبوراً ، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بوراً ، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق ، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الحريق ، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منه القلوب)) تهذيب مدارج السالكين (ص:463) ، والذكر هو العبادة المطلوبه بلا حد يُنتهي إليه {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} الأحزاب [41] وبلا وقت تختص به {ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} طه [130] وبلا حال تستثني منه {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} آل عمران [91]، والذاكرون هم السابقون إشارة إلى حديث أبو هريرة : ((سبق المفردون ، قالوا : وما المفردون يا رسول الله ؟ قال : الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)) أخرجه مسلم ، في كتاب الذكر والدعاء ، باب الحث على ذكر الله تعالى (النووي)(17/4) ، في رياض الجنة يرتعون إشارة إلى حديث أنس بن مالك : ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ، قالوا : وما رياض الجنة ؟ قال : حلق الذكر)) أخرجه الترمذي ، وقال حديث حسن غريب . (انظر الترغيب والترهيب 2/ 408،407)، وبوصية المصطفى صلى الله عليه وسلم يعلمون (إشارة إلى حديث عبد الله بن بشر ، أن رجلاً قال : ((يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به ؟ قال : لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله)) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب (انظر الترغيب والترهيب 2/394) ، وبمباهاة الملائكة يسعدون ((إشارة إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم لمن جلسوا يذكرون الله ، حيث قال : ولكنه أتاني جبريل وأخبرني أنَّ الله عز وجل يباهي بكم الملائكة)) أخرجه مسلم، في كتاب الذكر ،باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن والذكر (النووي)(17/23).
والاستغفار من أعظم الأذكار وكان المصطفى عليه الصلاة السلام يستغفر في اليوم والليلة سبعين مرة .أخرجه البخاري في كتاب الدعوات ، باب استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة (الفتح11/101) وأخبر أمته أن ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً ، ومن كل هم فرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب)) أخرجه أبو دواد في كتاب الصلاة ، باب الاستغفار (1518)(2/178) ولذا فلا بد للداعية من الأذكار ليحيي الله قلبه ، ولا بد له من الاستغفار ليمحو الله ذنبه .
وأعظم الذكر تلاوة القرآن التي هي من أقوى الصلات بالله التي يحتاجها الدعاة ، ولها أثرها في الواقع الدعوة والحياة ((ومن الصلة بالله إعزاز كتابه وإدمان تلاوته وتدبر معانيه ، وعقد مقارنة مستمرة بين المثل التي يحدو العالم إليها ، والواقع الذي ثوى الناس فيه لتكون هذه المقارنة حافزاً على تذكير الناس بالحق ، وقيادتهم إلى الله، وتأهيلهم . وقرب الداعية من كتاب الله يجب أن يكون متعة لروحه وسكناً لفؤاده وشعاعاً لعقله، ووقوداً لحركته ومرقاة لدرجته)) مع الله (ص:191) والصلة بالقرآن موجبة للتميز كما قال ابن مسعود رضي الله عنه:((ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون ،وبنهاره إذا الناس مفطرون ،وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وببكائه إذا الناس يضحكون ، وبصمته إذا الناس يخوضون ، وبخشوعه إذا الناس يختالون ، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً محزوناً حكيماً حليماً سكيناً ، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافياً ولا غافلاً ولا سخاباً ولا صياحاً ولا حديداً)) الفوائد (ص:192) .
والخلاصة أن التميز الإيماني من أعظم أسباب نجاح الداعية ، إذ ليس النجاح بفصاحة اللسان ولا قوة البرهان ولا كثرة الأعوان ، بل هو مع ذلك وقبل ذلك بتوفيق الله الذي يخص به أولياءه ولا شك ((أن الدعاة الذين يكرسون أوقاتهم لله لدفع الناس إلى سبيله ، لا بد أن يكون شعورهم بالله أعمق ، وارتباطهم به أوثق ، وشغلهم به أدوم ، ورقابتهم له أوضح)) مع الله (ص:190) ونحن نريد روحانية إيجابية ، لا انعزالية ترتكز على العبادات والأوراد بعيداً عن التفاعل مع الحياة وما فيها من هموم ومعاناة ، نريد ((روحانية إيجابية تحفزه للتضحية وتستهدف الشهادة وتعمق الحاجة إلى رضا الله لتغدو هاجساً يومياً يلاحق كل مواطن رضاه في عملية تدقيق ومعاناة تجعله يعيش مع عقيدته في أفكاره ومشاعره وفي علاقاته ومطامحه ، فتتحول في داخل ذاته إلى هم يومي متحرك يراقب الأشياء من خلاله ، ويحدد موفقه منها على أساسه)) الحركة الإسلامية هموم وقضايا (ص: 14) .
وهناك تقصير ظاهر لدى بعض الدعاة والجماعات الإسلامية في العناية بهذا الجانب المهم وكثيراً ما يكون ذلك بسبب تضخم العناية بالجوانب الفكرية والسياسية وغيرها ، ولذا صار يرى بعض من ينتسبون إلى الدعوة وهم مقصرون في معرفتهم وصلتهم بالله .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:24 AM
المبحث الثاني : الرصيد العلمي والزاد الثقافي :
وهذا أساس لا بد منه حتى يجد الناس عند الداعية إجابة التساؤلات ، وحلول المشكلات إضافة إلى ذلك هو العدَّة التي بها يعلِّم الداعيةُ الناس أحكام الشرع ، ويبصرهم بحقائق الواقع ، وبه أيضاً يكون الداعية قادراً على الإقناع وتفنيد الشبهات ، ومتقناً في العرض ، ومبدعاً في التوعية والتوجيه .
((وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها فهي لا تحصل إلاَّ بالعلم الذي يدعو به وإليه ،ولا بد من كمال الدعوة من البلوغ في العلم على حد يصل إليه السعي)) مفتاح دار السعادة(1/154) .
والخوض في غمار الدعوة وميادينها فيما لا علم للداعي به ، تترتب عليه آثار وخيمة لأن ((العامل على غير علم كالسالك على غير طريق ، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح)) مفتاح دار السعادة (1/130) ((ولا يكون عمله صالحاً إن لم يكن بعلم وفقه ، وكما قال عمر بن عبد العزيز : ((من عبَد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح))، وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه ((العلم إمام العمل والعمل تابعه)) ، وهذا ظاهر فإن القصد العمل ، والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعاً للهوى)) مجموع فتاوى ابن تيمية (28/136،135) .
وطبيعة مهمة الداعي خطيرة ونظرة الناس إليه ، واعتدادهم به ، وأخذهم عنه يجعل أمر العلم ((أشد ضرورة للداعي إلى الله لأن ما يقوم به من الدين ، ومنسوب إلى رب العالمين ، فيجب أن يكون الداعي على بصيرة وعلم بما يدعو إليه ، وبشرعية ما يقوله ويفعله ويتركه ، فإذا فقد العلم المطلوب اللازم له كان جاهلاً بما يريده ووقع في الخبط والخلط ، والقول على الله ورسوله بغير علم ، فيكون ضرره أكثر من نفعه ، وإفساده أكثر من إصلاحه وقد يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف لجهله بما أحلّه الشرع وأوجبه وبما منعه وحرَّمه)) أصول الدعوة (ص:135) ومن أكثر الأمور التي يفتن بها عوام الناس التصرف الخاطئ الذي يصدر من بعض الجهلاء من أهل العبادة والصلاح لأن ((الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه فيقتدون به على جهله)) مفتاح دار السعادة (2/12)، فهذا يقتدون به من أثر حاله ، فكيف بالداعية الذي يوجههم بحاله ومقاله ، إن افتتانهم به أكبر وأشد.
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:25 AM
فضل العلم وثمرته :
لابد للداعية أن يوقن أن ((العلم أشرف ما رغب فيه الراغب ، وأفضل ما طلب وجد فيه الطالب ، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب)) أدب الدنيا والدين (ص:40) والآخذ بالعم آخذ بالبداية الصحيحة إذ العلم مقدم على القول والعمل كما قال تعالى {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} محمد [19] .
وبالعلم يحوز الداعية الرفعة في الميزان الرباني وفق قوله تعالى {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} المجادلة[11]، والسعي في طلب العلم تحقيق للغاية التي أرادها الله ووجه إليها في قوله {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} التوبة [122] ،فقد جعل الله الأمة فرقتين ((أوجب على إحداهما الجهاد في سبيله وعلى الأخرى التفقه في دينه ، لئلا ينقطع جميعهم عن الجهاد فتندرس الشريعة ، ولا يتوفرا على طلب العلم فتغلب الكفار على الملة ،فحرس بيضة الإسلام بالمجاهدين ، وحفظ شريعة الإيمان بالمتعلمين ، وأمر بالرجوع إليهم في النوازل ومسألتهم عن الحوادث فقال عز وجل {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} النحل [43] وقال تعالى {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} النحل [43] .
وإذا سلك الداعية طريق العلم حظي بالخيرية الربانية الثابتة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله به طريقاً من طرق الجنة)) سنن أبو داود ، كتاب العلم ، باب الحث على العلم (3641)(4/57) .
وإذا نال الداعية حظاً وافياً من العلم واندرج في سلك طلبة العلم فإنه يكون في مجتمعه نبراساً يُهتدى به كما قال ابن القيم عن الفقهاء ((إنهم يكون الأرض بمنزلة النجوم في السماء ، بهم يُهتدى في الظلماء ، حاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء)) إعلام الموقعين (1/9) ، وعندما يتحرك الداعية ناشراً علمه ساعياً بين الناس بالإصلاح ناعياً عليهم الغفلة والفساد فإنه يحظى بشرف الوصف الذي ذكره الإمام أحمد حين قال :((الحمد لله الذي جعل في كل فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى ، ويبصرون بنور الله أهل العمى ، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضال تائه قد هَدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم)) إعلام الموقعين (1/9) ، وأهل العلم والبصيرة من الدعاة شهد التاريخ أنهم ((هم من اهتدى بهم الحائر ، وسار بهم الواقف ، وأقبل بهم المعرض ، وكمُل بهم الناقص ، ورجع بهم الناكص ، وتقوى بهم الضعيف)) مدارج السالكين (3/304) .
ولأهل العلم في بيان شرف العلم وفضيلته مقالات رائعة منها : قول الخطيب في الفقيه والمتفقه : ((قد جعل الله العلم وسائل أوليائه ، وعصم به من اختار من أصفيائه)) الفقيه والمتفقه (2/71).
وأسند قبل ذلك عن محمد بن القاسم بن خلاد قال : ((يقال العقل دليل الخير ، والعلم مصباح العقل ، وهو جلاء القلب من صدى الجهل ، وهو أقنع جليس ، وأسرُّ عشيق ، وأفضل صاحب وقرين ، وأزكى عقدة ، وأربح تجارة ، وأنفع مكسب ، وأحسن كهف ، وأفضل ما اقتني لدنيا واستظهر به لآخرة ، واعتصم به من الذنوب ، وسكنت إليه القلوب ، يزيد في شرف الشريف ، ورفعة الرفيع ، وقدر الوضيع ، أنس في الوحشة ، وأمن عند الشدة ، ودال على طاعة الله تعالى وناه عن المعصية ، وقائد إلى رضوانه ، ووسيلة إلى رحمته)) الفقيه المتفقه (2/71).
وقال أبو هلال العسكري في ((الحث على طلب العلم)) : ((فإذا كنت – أيها الأخ الكريم – ترغب في سمو القدر ، ونباهة الذكر ، وارتفاع المنزلة بين الخلق ، وتلتمس عزاً لا تثلمه الليالي والأيام ، ولا تتحيَّفه الدهور والأعوام ، وهيبة بغير سلطان ، وغنى بلا مال ، ومنعة بغير سلاح ، وعلاء من غير عشيرة ، وأعواناً بغير أجر ، وجنُداً بلا ديوان وفرض ، فعليك بالعلم فاطلبه في مظانه تأتك المنافع عفواً وتلق ما يعتمد منه صفواً )) الحث على طلب العلم (ص:43) .
وقال ابن إسحاق بن أبي فروة : ((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم وأهل الجهاد فأما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل ، وأما أهل الجهاد فجاهدوا على ما جاءت به الرسل)) الفقيه والمتفقه (1/35).
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:26 AM
العلم المطلوب :
ليس بالضرورة أن يكون الداعية عالماً جامعاً لكل العلوم ، وليس من شرط الدعوة تمام العلم واستيفاء قدر بعينه منه ، وليست الدعوة مختصة بالعلماء وحدهم دون غيرهم بل كل من علم من أحكام الإسلام شيئاً دعا إليه ،وكل من علم منكراً وعرف دليل حرمته نهى عنه ، وإذا لم يكن الأمر كذلك تعطلت الدعوة ومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وسبق أن أوضحنا أن الدعوة ((مشروط لها العلم ولكن العلم ليس شيئاً واحداً لا يتجزأ ولا يتبعض ، وإنما هو بطبيعته يتجزأ ويتبعض فمن عَلم مسألة وجهل أخرى فهو عالم بالأولى جاهل بالثانية ، وبالتالي يتوفر فيه شرط وجوب الدعوة إلى ما علم دون ما جهل ، ولا خلاف بين الفقهاء أن من جهل شيئاً أو جهل حكمه أنه لا يدعو إليه لأن العلم بصحة ما يدعو إليه الداعي شرط لصحة الدعوة ، وعلى هذا فكل مسلم يدعو إلى الله بالقدر الذي يعلمه)) أصول الدعوة (ص:302) ، وفعل الصحابة الكرام يدل على ذلك ، فالطفيل بن عمرو الدَّوسي ، وأبو ذر الغفاري ، وهما من السابقين إلى الإسلام قاما بمهمة الدعوة بما معهما من أصل التوحيد وبعض ما نزل من القرآن ، وهدى الله بهما فئاماً من الناس ، ولم يصل أبو ذر الغفاري إلى المدينة ويلحق بالرسول صلى الله عليه وسلم إلاّ في العام السابع للهجرة وكان معه قبيلة أسلم ، وقبيلة غفار قدم بهما مسلمتين ، ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ((بلغوا عني ولو آية)) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (الفتح)(6/572) وقال أيضاً :((نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلِّغها ، فربِّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) أخرجه الترمذي في كتاب العلم ، باب : ما جاء في الحث على تبليغ السماع (2658)(5/34).
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:27 AM
ومع هذا البيان إلاّ أننا ندرك أن الداعية وقد تصدر للوعظ والإرشاد والتربية والتعليم مطالب بقدر من العلم والثقافة يعينه على مهمته ويؤهله لها وتلخيص المهم من ذلك يتركز في جانبين :-
الأول : الجانب الشرعي :
لا بد للداعية أن يعرف ((أن أولى العلوم وأفضلها علم الدين ، لأن الناس بمعرفته يرشدون وبجهله يضلون)) أدب الدنيا والدين (ص:44) ، وهنا لا بد أن تفرق بين ما يجب تعلُّمه ولا يسع أحداً أن يجهله ، وبين ما يكون تعلمه فرضاً كفائياً ، وقد قيل في بيان معنى كون العلم فريضة على كل مسلم أنه ((على كل أحد أن يتعلمه ما لا يسعه جهله من علم حاله ... وقال ابن المبارك : ((إنما طلب العلم فريضة أن يقع الرجل في شيءٍ من أمر دينه يسأل عنه حتى يعلمه)) الفقيه المتفقه (1/45) ثم أوضح الخطيب البغدادي ذلك فقال :(( فواجب على كل أحد طلب ما تلزمه معرفته مما فرض الله عليه على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه ، كل مسام بالغ عاقل من ذكر وأنثى حر وعبد تلزمه الطهارة والصلاة والصيام فرضاً ، فيجب على كل مسلم تعرف علم ذلك .
وهكذا يجب على كل مسلم أن يعرف ما يحل له وما يحرم عليه من المآكل والمشارب والملابس والفروج والدماء والأموال فجميع هذا لا يسع أحداً جهله)) الفقيه المتفقه (1/46).
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:28 AM
وأرى للداعية أن يكون عنده الحد الأدنى من العلوم الشرعية الأساسية وأقترح له ما يلي :
علم العقيدة الإسلامية :
أن يتعلم أصول العقيدة من كتاب معتمد مختصر على مذهب أهل السنة والجماعة ككتاب ((لمعة الاعتقاد)) لابن قدامة ، أو ((العقيدة الواسطية)) لابن تيمية ونحوها .
1- علم التفسير : أن يطلع على تفسير موجز موثوق يشتمل على معاني الكلمات وأسباب النزول والمعنى الإجمالي ، ويفيد في ذلك بعض المصاحف المطبوع على هامشها أسباب النزول ومعاني الكلمات ، ثم يجعل له زاداً في دراسة متأنية لتفسير بعض السور والأجزاء المكية والمدنية من كتاب معتمد متوسط مثل ((تفسير ابن كثير)) .
2- علم الحديث : أن يدرس كتاباً من كتب الحديث الجامعة المختصرة مثل ((مختصر صحيح البخاري)) أو ((مختصر صحيح مسلم)) ، ويمكن أن يطالع كتاباً من كتب الحديث العامة المصونة في جملتها من الأحاديث الضعيفة والمشتملة على أهم الأبواب التي يحتاج إليها في الإيمان والفضائل والآداب مثل كتاب ((رياض الصالحين)) ، ويحسن أن يطلع على بعض كتب الحديث المختصة بموضوعات معينة ففي أحاديث الأحكام ((بلوغ المرام)) وفي الأذكار ((أذكار النووي)) وفي الشمائل ((شمائل الترمذي)) ونحو ذلك .
3- علم الفقه : أن يدرس مختصراً في فقه العبادات والمعاملات وقد يضيف ما يحتاجه من الأبواب على مذهب من المذاهب الأربعة المشتهرة .
4- علم السيرة والتاريخ : أن يدرس مختصراً في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مثل ((تهذيب سيرة ابن هشام)) ومن الكتب المعاصرة النافعة ((الرحيق المختوم)) للمباركفوري ، وأن يطالع على الأقل تاريخ الخلفاء الراشدين .
5- مفاتيح العلوم : أن يدرس مختصراً في أصول الفقه مثل ((مختصر الأصول)) للشيخ ابن عثيمين أو ((أصول الفقه للمبتدئين)) للأشقر ، وكذلك يدرس مختصراً في علوم الحديث مثل ((تيسير مصطلح الحديث)) للطحان أو ((مختصر علوم الحديث)) لابن عثيمين ، وفي علوم القرآن ((مباحث علوم القرآن)) للقطان ، وفي أصول التفسير ((مقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية))وذلك بحسب الطاقة.
6- علوم اللغة : أن يدرس مختصراً في النحو ((كالآجرومية)) أو((ملحمة الإعراب)) ، وكذا في البلاغة والأدب يحتاج إلى دارسة موجزة في مثل كتاب ((البلاغة الواضحة)) لعلي الجرام (يمكن النظر في برامج ومناهج لعلم وثقافة الداعية في كتاب ((ثقافة الداعية)) للدكتور يوسف القرضاوي، و ((جند الله ثقافة وأخلاقاً)) لسعيد حوى ، و ((العلم فضله وطلبه)) لأمين الحاج أحمد محمد وغيرها).
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:29 AM
وهذه العلوم الأساسية يحتاج الداعية فيها إلى إرشادات عامة أهمها :
1- التدرج في كل علم من الأدنى إلى الأعلى ، ومن الأيسر إلى الأصعب ، وليَعلم ((أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها ، ومداخل تفضي إلى حقائقها ، فيبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها ، وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها ، ولا يطلب الآخر قبل الأول ، ولا حقيقة قبل المدخل ، فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة ، لأن البناء على غير أساس لا يبني ، والثمر من غير غرس لا يجني)) أدب الدنيا والدين (ص:55) .
وهذا ابن خلدون يوضح لك الطريق فيقول : ((اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدرج شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً)) مقدمة ابن خلدون (ص:533) وأفاض في بيان ذلك بما فيه الوفاء.
وقال ابن شهاب الزهري المحدث الإمام : ((من رام العلم جملة ذهب عنه جملة ، ولكن الشي بعد الشيء مع الأيام والليالي)) جامع بيان العلم وفضله (ص:138) .
2- الحرص على التلقي عن الشيوخ كل في فنه وألاَّ يعتمد على الاطلاع المجرد وحده ، فهذه العلوم ليست كالصحف والمجلات يُكتفي فيها بالقراءة والاطلاع ، وكما قيل : ((من كان شيخه كتابه فخطؤه اكثر من صوابه)) وصدق الشاعر حيث يقول :
يظن الغمرُ أن الكتب تَهـدي ++++++++ أخـا جهل لإدراك العلـوم
ومـا علم الجهول بأن فيهـا ++++++++ مدارك قد تـدق عن الفهيم
ومن أخذ العلوم بغير شيـخ ++++++++ يضل عن الصراط المستقيـم
وكم من عائب قولاً صحيحاً ++++++++ وآفتـه من الفهـم السقيـم
وكتب السلف وتراجم العلماء مليئة بأسماء شيوخهم ، وسيرتهم مع من تلقوا عنهم ، وكتب أهل العلم طافحة بآداب الطالب مع شيخه مما يدل على بدهية ذلك عندهم .
وقال الشاطبي :((من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقيق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام)) الموفقات (1/9) وقد أفاض رحمة الله في تقرير ذلك وأفاد فليرجع إليه في موضعه .
3- الصبر والملازمة ، وترك الانتقال من علم إلى علم قبل تمامه ، ومن شيخ إلى شيخ قبل الاستفادة منه ، ومن كتاب إلى كتاب قبل إحكامه ، قال الزرنوجي :((ينبغي أن يثبت ويصبر على أستاذ ، وعلى كتاب حتى لا يتركه أبتر، وعلى فن حتى لا يشغل بفن آخر قبل أن يتقن الأول ،وعلى بلد حتى لا ينتقل إلى بلد آخر من غير ضرورة فإن ذلك كله يفرق الأمور ويشغل القلب ويضيع الأوقات ويؤذي العلم)) تعليم المتعلم (ص:44).
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:30 AM
الثاني : الثقافة الإسلامية
إضافة لتحصيل العلوم الشرعية وآلاتها فإن الداعية يحتاج بشكل ملح إلى ثقافة الإسلامية العامة ، وكذلك الثقافة المعاصرة ، ولا شك ((أن حركة الداعية حركة واسعة ، وانتشاره كبير واتصالاته كثيرة وهو ولا شك يلتقي أنواعاً كثيرة من البشر كل له مزاجه وثقافته واطلاعه فلا بد للداعية أن يشبع هذه الثقافات ويلم بشيء منها حتى يشارك من يخاطبه كل حسب ثقافته كمدخل من مداخل الدعوة)) الدعوة قواعد وأصول (ص:71) .
ولا بد من الاعتراف بوجود الخلل في هذه الثقافة عند كثير من الدعاة ((فهناك عجز في المعرفة بالحاضر المعيش والواقع المعاصر ، فهناك جهل بالآخرين نقع فيه بين التهويل والتهوين مع أن الآخرين يعرفون عنَّا كل شيء وقد كشفونا حتى النخاع ، بل هناك جهل بأنفسنا فنحن على اليوم لا نعرف حقيقة مواطن القوة فينا ولا نقاط الضعيف لدينا ، وكثيراً ما نضخم الشيء الهيّن ، وما نهون الشيء العظيم ، سواء في إمكانياتنا أم في عيوبنا)) أولويات الحركة الإسلامية (ص:21) .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:30 AM
ولهذا فلا بد من العناية بهذا الجانب وإعطاءه الأهمية اللازمة له ، وأسلط الضوء هنا على الموضوعات المهمة في هذا الجانب من خلال الآتي :
1- الثقافة العامة
وأعني بها ما يتصل بإبراز محاسن الإسلام ، ومعرفة مقاصد الشريعة ، وتفنيد ورد مزاعم خصوم الإسلام وشبهاتهم ، وإظهار الكمال في أنظمة الإسلام الاجتماعية والاقتصادية وغيرها ، وبيان أنها ترعى جميع المصالح وتسد أبواب الفساد ، وأنها صالحة لكل زمان ومكان وأمثال هذه الموضوعات .
وهذه الثقافة يمكن تحصيل جزء جيد منها من خلال تحصيل العلم الشرعي سيما إذا توسع الداعية في طلبه وتحصيله ، ومع ذلك فهناك كتب جمعت مثل هذه المقاصد وهي كثيرة منها ((نحو ثقافة إسلامية أصيلة)) لعمر الأشقر ، و ((الخصائص العامة للإسلام)) للدكتور يوسف القرضاوي ، و ((المداخل إلى الثقافة الإسلامية)) لمحمد رشاد سالم ونحوها .
2- الثقافة المعاصرة
وأعني بها عدداً من الجوانب منها :
أ- المذاهب الفكرية المعاصرة : كالشيوعية والرأسمالية ، والقومية ، والبعثية ، والماسونية ونحوها والكتب فيها كثيرة ومن أوسعها كتاب ((المذاهب الفكرية المعاصرة)) لمحمد قطب ، ومن أجمعها مع الاختصار ((الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة)) من إصدارات الندوة العالمية للشباب الإسلامي .
ب- الواقع المعاصر :- من جهة الأعداء بدراسة الغزو الفكري ، والدور العلمي للصهيونية والماسونية ومخططاتهم وأسالبيهم ، والتنصير ومؤسساته وأدواره وهناك كتب نافعة في مثل هذه الموضوعات مثل((الغارة على العالم الإسلامي)) تأليف أ.ل . شاتليه ، وترجمة محب الدين الخطيب ومساعد اليافي ، وكتاب ((أفيقوا أيها المسلمون))لعبد الودود شلبي ، وكتاب ((بروتوكولات حكماء صهيون)) ترجمة خليفة التونسي ، و((أساليب الغزو الفكري)) للدكتور علي جريشة ومحمد شريف آل زيبق .
ومن جهة المسلمين بمعرفة أحوالهم ومتابعة أخبارهم وأوضاع أقلياتهم وهذا موفور في ((حاضر العالم الإسلامي ))للدكتور علي جريشة ، وكتب الأقليات وأحوال بلاد المسلمين .
وإذا توفر للداعية رصيد علمي مناسب وزاد ثقافي جيد كان ذلك عوناً له في دعوته ورافداً من روافد نجاحه .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:31 AM
المبحث الثالث : رجاحة العقل وقوة الحجة
للإيمان إشراقاته وآثاره ، وللعلم فاعليته ودوره ، ويبقى للذكاء والفطنة أهميتها التي لا تنكر ، وإيجابيتهما التي لا تخفي ، وتوفر الذهن الوقّاد والعقل السديد ميزة عظمى يتحلّى بها الداعية فلا سذاجة تضيع بها معاني الريادة، ولا طيش ولا خفة تطمس معالم الهيبة ، بل عقل فطن يرجع إذا اختلفت الآراء ، ويحلل ويدلل إذا فقد الإدراك وغاب التصور ، ويتقن ترتيب الأولويات ، واختيار الأوقات ، وانتهاز الفرص والمناسبات ، ويحسن التخلص من المشكلات ، ويقوى على الرد على الشبهات ، والتكيف مع الأزمات .
وهناك أصناف من المدعوين يحتاج الداعية معهم إلى إقامة الحجة العقلية لإثبات القضية ولعدم اكتفائهم بالأدلة الشرعية من هؤلاء :
1- الكافرون الذين لا يؤمنون بالكتاب والسنة .
2- المعتدُّون بعقولهم المقدمين لها على النص النقلي .
3- المخدوعون بالشبهات .
4- المعاندون الذين يتّبعون الباطل تبعاً لمصالحهم ويسعون إلى إضلال غيرهم .
5- الواقعون تحت تأثير الأوضاع والأعراف الخاطئة حتى ألفوها ورأوها صواباً .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:32 AM
وهناك أساليب كثيرة مستنبطة من الكتاب والسنة في إقامة الحجة العقلية واستخدام الأقيسة المنطقية واستحضار التفكر والتأمل .
وهذه جوانب من هذه الأساليب مع بعض الأمثلة عليها :
(أ)أسلوب المقارنة :
وذلك بعرض أمرين أحدهما هو الخير المطلوب الترغيب فيه ، والآخر هو الشر المطلوب الترهيب منه ، وذلك باستشارة العقل للتفكر في كلا الأمرين وعاقبتهما للوصول – بعد المقارنة – إلى تفضيل الخير واتباعه ومن أمثلة ذلك :
قال تعالى : {أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} الأنعام [122].
قال ابن كثير في تفسيره : ((هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً أي في الضلالة هالكاً حائراً ، فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له ووفقه لاتباع رسله ))تفسير ابن كثير (2/172) .
وقال تعالى :{أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين} التوبة [109] .
وقال القرطبي : ((وهذه الآية ضرب مثل لهم ، أي من أسس بنيانه على الإسلام خير أم أسس بنيانه على الشرك والنفاق ، وبين أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها ، وفي هذه الآية دليل على أن كل شيء ابتدئ بنية تقوى الله تعالى والقصد لوجهه الكريم فهو الذي يبقي ويسعد به صاحبه ويصعد إلى الله ويرفع إليه)) تفسير القرطبي (8/265) .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:33 AM
ومن الأمثلة النبوية التي تبين خيرات الصلاح والصالحين مع مقارنتها بويلات المعصية والعاصين ما يأتي :-
1- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يُحذيك وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة)) أخرجه مسلم ، في كتاب البر والصلة ، باب : استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء (النووي)(6/ 178) .
قال النووي : ((وفيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والعلم والأدب والنهي عن مجالسة أهل الشر والبدع ومن يغتاب الناس ويكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المذمومة)) .
2- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت)) أخرجه مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ،باب :استحباب صلاة النافلة في بيته (النووي)(6/68) .
ولا يخفى ما في المقارنة بين الحي والميت من إقرار العقل وترجيحه ورغبته لما فيه الحياة ، وهو الذكر الذي به الحياة القلب .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:33 AM
(ب) أسلوب التقرير :
وهو أسلوب يؤول بالمرء بعد المحاكمة العقلية إلى الإقرار بالمطلوب الذي هو مضمون الدعوة :-
من الأمثلة القرآنية على ذلك :
1- قال تعالى {أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون ، أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ، أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون ، أم لهم سلَّم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين ، أم له البنات ولكم البنون ، أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون ، أم عندهم الغيب فهم يكتبون ، أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون ، أم لهم إله غير الله سبحان الله وتعالى عما يشركون} الطور[35-43] . قال ابن كثير في تفسيره : ((هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية ، فقال تعالى {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} أي أوجدوا من غير موجد ؟ أم هم أوجدوا أنفسهم ؟ أي لا هذا ولا هذا بل الله هو الذي خلقهم ، وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً)) تفسير ابن كثير (4/244) .
وهذه الآية في غاية القوة من حيث الحجة العقلية لأن ((وجودهم هكذا من غير شيء أمر ينكره منطلق الفطرة ابتداءً ولا يحتاج إلى جدل كثير أو قليل ، أمّا أن يكونوا هم الخالقين لأنفسهم فأمر لم يدَّعوه ، ولا يدَّعيه مخلوق ، وإذا كان هذان الفرضان لا يقومان بحكم منطق الفطرة فإنه لا يبقى سوى الحقيقة التي يقولها القرآن وهي أنهم من خلق الله جميعاً )) في ظلال القرآن (6/3399)، والتعبير بالفطرة مقصوده الأمر المقرر بداهة في العقل .
وتأمل هذا الإلزام بالإقرار بربوبية الله وألوهيته فيما ذكره السعدي في تفسيره حيث قال : (( وهذا استدلال عليهم بأمر لا يمكنهم فيه إلا التسليم للحق أو الخروج عن موجب العقل والدين ، وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله مكذبون لرسوله ذلك مُستَلزم لإنكارهم أن الله خلقهم وقد تقرر في العقل مع الشرع أنّ ذلك لا يخلو من ثلاثة أمور :- إما أنهم خُلقوا من غير شيء أي لا خالق خَلَقَهم ، بل وجدوا من غير إيجاد ولا موجد وهذا عين المحال ، أم هم الخالقون لأنفسهم هذا أيضاً محال ، فإنه لا يتصور أن يوجد أحد نفسه ، فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتهما تعين القسم الثالث ، وهو أن الله هو الذي خلقهم ، وإذا تعين ذلك ، عُلمَ أن الله هو المعبود وحده الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالى)) تفسير السعدي (7/195-196) .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:34 AM
2- قال تعالى {واتل عليهم نبأ إبراهيم ، إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ، قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين ، قال هل يسمعونكم إذ تدعون ، أو ينفعونكم أو يضرون ، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ، قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون ، أنتم وآباؤكم الأقدمون ، فإنهم عدولي إلا رب العالمين ، الذي خلقني فهو يهدين ، والذي هو يطعمني ويسقين ، وإذا مرضت فهو يشفين ، والذي يميتني ثم يحيين} الشعراء [69-81 ] .
وهنا ستكون الإجابات بالنفي فعقولهم تمنعهم أن يقولوا إنّ أصنامهم تسمع دعاءهم أو تجيب رجاءهم ، وهذا يؤدي إلى عدم جدوى هذه الأصنام وبالتالي الاستسلام العقلي بوجود وألوهية الخالق الذي جاء في هذه الآيات وصف أفعاله سبحانه وتعالى .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:34 AM
ومن الأمثلة الحديثية :
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رجلاً أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال مستنكراً ومسترشداً : يا رسول الله ولد غلامٌ أسود ، فقال : هل لك من إبل ؟ قال : نعم ، قال ما ألوانها ؟ قال : حُمر ، قال : هل فيها من أورق ؟ أورق :أي : أسمر- النهاية في غريب الحديث (5/175) قال : نعم ، قال :فأنى ذلك ؟ قال : لعله نزعه عرق ، قال : فلعل ابنك هذا نزعة عرق .أخرجه البخاري ، كتاب الطلاق ، باب إذا عرّض بنفي الولد (الفتح9/442).
فهذا الرجل جاء سائلاً مستفتياً عما وقع له من الريبة ، فلما ضرب له المثل أذعن ، وقال ابن العربي : ((فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظر )) فتح الباري (9/444).
2- عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : ((إن فتى من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أتأذن لي بالزنا ، فأقبل القوم عليه فزجروه ، وقالوا : مه مه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : أدنه ، فدنا منه قريباً ، قال : فجلس ، قال : أتحبه لأمك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداك ، قال : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ، قال أتحبه لابنتك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداك ، قال : ولا الناس يحبونه لبناتهم ، قال : أتحبه لعمتك ؟ قال : لا والله جعلني فداك ، قال : ولا الناس يحبونه لعماتهم قال : أتحبه لخالتك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداك ، قال : ولا الناس يحبونه لخالتهم ، قال فوضع يده عليه ، وقال : اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه ،وحصن فرجه ، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)) المسند (5/257) .
فهذا الشاب قرَّره النبي صلى الله عليه وسلم في رفض هذا الفعل في صور شتى ثم توصل في آخر الأمر إلى رفض ونفي ما كان يطلب الإذن فيه من الزنا .
ومثل ذلك ما فعلته أم سليم زوجة أبي طلحة كما روى أنس بن مالك : ((اشتكى ابن لأبي طلحة ، قال فمات وأبو طلحة خارج . فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئاً ونحّته في جانب البيت .فلما جاء أبو طلحة قال : كيف الغلام ؟ قالت : قد هدأت نفسه ، وأرجو أن يكون قد استراح . وظنّ أبو طلحة أنها صادقة . قال : فبات . فلما أصبح اغتسل ، فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات ، فصلّى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما كان منهما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما)) صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة ، (الفتح) (3/169).
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:35 AM
(ج) أسلوب الإمرار والإبطال :
وهو أسلوب قوي في إفحام المعاندين أصحاب الغرور والصلف بإمرار أقوالهم وعدم الاعتراض على بعض حججهم الباطلة منعاً للجدل والنزاع خلوصاً إلى حجة قاطعة تدمغهم وتبطل بها حجتهم تلك فتبطل الأولى بالتبع.
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:35 AM
ومن الأمثلة القرآنية :
1- قصة إبراهيم مع النمرود قال تعالى {ألم تر إلى الذين حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} البقرة [258 ] .
نقل ابن كثير في تفسيره عن بعض السلف أن قول النمرود أنه يحي ويميت استَدل له بأن أتى برجلين استحقا القتل ، فأمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر ، ثم قال : ((والظاهر– والله أعلم – أنه ما أراد هذا لأنه ليس يدعي لنفسه هذا المقام عناداً ومكابرة ، ويوهم أنه فاعل لذلك وأنه هو الذي يحي ويميت)) ثم قال : ((إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت فالذي يحي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذراته وتسخير كواكبه وحركاته فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق فإن كنت إلهاً كما تدعي ، فأت بها من المغرب ، فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت : أي خرس فلا يتكلم وقامت عليه الحجة)) وبين أن المقام الأول كالمقدمة للمقام الثاني ، وهذا الأسلوب يثبت بطلان ما ادعاه النمرود في ادعائه الأول .تفسير ابن كثير (1/313).
وقد أحسن صاحب الظلال في توضيح هذا الأسلوب حيث قال ((عرَّف إبراهيم ربه بالصفة التي لا يمكن أن يشاركه فيها أحد ، ولا يمكن أن يزعمها أحد ... و هذا الملك يسأله عمن يدين له الربوبية ، ويراه مصدر الحكم والتشريع وغيره ،قال {ربي الذي يحي ويميت} فهو من ثم الذي يحكم ويشرع))، ثم قال تعليقاً على قوله تعالى {أنا أحي وأميت}: لم يرد إبراهيم عليه السلام أن يسترسل معه في جدل حول معنى الإحياء والإماتة مع رجل يماري ويداور في تلك الحقيقة الهائلة ، حقيقة منح الحياة وسلبها ، هذا السر الذي لم تدرك منه البشرية حتى اليوم شيئاً ، وعندئذ عدل عن هذه السنة الكونية الحقيقة إلى سنة أخرى ظاهرة مرئية ، وعدل عن طريقة العرض المجرد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله {ربي الذي يحي ويميت} إلى طريقة التحدي ، وطلب تغيير سنة الله لمن ينكر ويتعنت ويجادل في الله)) الظلال (1/298).
وعلق بمثل قوله السعدي في تفسير فقال : ((فلما رآه الخليل مموهاً تمويهاً ربما راج على الهمج والرعاع قال إبراهيم ملزماً بتصديق قوله : إن كان كما يزعم {فإن الله يأتي بالشمس ..} الآية فأتى (أي إبراهيم) بهذا الذي لا يقبل الترويج والتزوير والتمويه)) تفسير السعدي (1/320).
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:36 AM
2- قصة موسى عليه السلام مع فرعون ، وهي نموذج مطول في هذا الأسلوب حيث أعرض موسى عن كل اعتراض وشبهة أوردها فرعون ومضى إلى إبطال دعوى الألوهية لفرعون من خلال إقامة الحجة العقلية الظاهرة على ربوبية وألوهية الله ، وذلك في الآيات من سورة الشعراء ، قال تعالى :{قال فرعون وما رب العالمين ، قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ، قال لمن حوله ألا تستمعون ، قال ربكم ورب آبائكم الأولين ، قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ، قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ، قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} الشعراء [23-29] .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:37 AM
فهنا أعرض موسى عليه السلام عن تهكم فرعون ومضى إلى غايته مقيماً حجته مقرراً قضيته ، ثم غض الطرف عن تهمة الجنون الباطلة ولم يستغرق جهده في إبطالها بل مضى في تقوية أدلته ونصرة قضيته ، حتى أخذ فرعون وحوصر وفشلت حيلته ، وانقطعت تهكماته واتهاماته ، وأفحم بالحجج فلجأ إلى القوة وهي حيلة العاجز في ميدان المناظرة والاحتجاج ، وهذا دليل على أنه هزم وهذا الأسلوب دليل على كمال عقل موسى عليه السلام وحسن تقريره .
ولا شك أن الداعية مطالب بتفهم هذه الأساليب والإفادة منها ليكتسب فطنة تساعده على تقرير المسائل وإقامة الحجة وسرعة البديهة .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:37 AM
وهذه أمثلة لأئمة ودعاة كانت لهم أقوال ومواقف تبين رجاحة عقولهم وقوة حجتهم .
المثال الأول :
يذكر عن أبي حنيفة أنه حاج قوماً من الملاحدة الدهريين فقال لهم : ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال قد احتوشها في البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة ، وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا متعهد يدفعها ، هل يجوز ذلك في العقل ؟ قالوا : لا ، هذه شيء لا يقبله العقل .
فقال أبو حنيفة : يا سبحان الله إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مجري فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها ، وسعة أطرافها وتباين أكنافها ، من غير صانع وحافظ ؟ فهبت القوم وأفحموا (أنظر درء تعارض العقل والنقل (3/127) .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:38 AM
المثال الثاني :
طلب الحجاج الحسنَ البصري ، فلما دخل عليه قال له الحسن : يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب ؟ قال : كثير ، قال فأين هم ؟ قال : ماتوا ، فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن (البداية النهاية (9/135).
وهذا المثل على وجازته فيه استخدام العقل بالتفكير والتأمل والوصول إلى النتيجة التي فيها العظة والعبرة .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:38 AM
المثال الثالث :
سأل بعض النصارى القاضي أبا بكر الباقلاني بحضرة ملكهم فقال : ما فعلت زوجة نبيكم ؟ وما كان من أمرها بما رميت من الإفك ؟ فقال الباقلاني على البديهة : هما امرأتان ذكرتا بسوء ، مريم و عائشة فبرأهما الله عز وجل وكانت عائشة ذات زوج ولم تأت بولد ، وأتت مريم بولد ولم يكن لها زوج ! البداية والنهاية (9/135) .
فكان هذا الجواب في غاية الروعة والإفحام ، لأن ذلك الخبيث أراد التعريض والإحراج بقصة حادثة الإفك التي اتهمت فيها عائشة رضي الله عنها ، فأجاب الباقلاني بأن هذه فرية برأها الله منها ولكنه قرن ذلك بذكر مريم ، ليشير إلى أن براءة عائشة عقلاً أولى ، لأنه لو تطرق إلى العقل احتمال الريبة فهو في حق مريم أعظم ، فإن قبلتهم أيها النصارى براءتها فيلزمكم قبول براءة عائشة من باب الأولى .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:39 AM
المثال الرابع :
ما ذكره مفتي الديار السعودية سابقاً العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم في مجموع فتاواه (مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل شيخ (1/75) عن الشيخ عبد الرحمن البكري حيث قال ((كنت بجوار مسجد في الهند ، وكان فيه مدرس إذا فرغ من تدريسه لعن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وإذا خرج من المسجد مرَّ بي ، وقال : أنا أجيد العربية ولكن أحب أن أسمعها من أهلها ، ويشرب عندي ماء بارداً ، فأهمني ما يفعل في درسه قال : فاحتلت بأن دعوته ، وأخذت ((كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد)) للشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ونزعت غلافه ووضعته على رف في منزلي قبل مجيئه ، فلما حضر قلت : أتأذن لي أن آتي ببطيخة . فذهبت فلما رجعت .. إذا هو يقرأ ويهز رأسه عجباً فقال : لمن هذا الكتاب ؟ هذه التراجم شبه تراجم البخاري هذا والله نفس البخاري !! فقلت لا أدري ! ثم قلت : ألا نذهب لشيخ الغزوي لنسأله – وكان صاحب مكتبة – فدخلنا عليه فقلت للشيخ الغزوي كان عندي أوراق سألني الشيخ من هي له ؟ فلم أعرف ! ففهم الغزوي المراد ، فنادى من يأتي بكتاب (مجموعة التوحيد) فأتي بها فقابل بينهما فقال : هذا لمحمد بن عبد الوهاب ، فقال العالم الهندي مغضباً وبصوت عال : الكافر ! فسكتنا وسكت قليلاً ، ثم هدأ غضبه فاسترجع ثم قال : إن كان هذا الكتاب له فقد ظلمناه ، ثم صار كل يوم يدعو له ويدعو معه تلاميذه)) . فهذه فطنة داعية وذكاء عالم .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:40 AM
المبحث الرابع : رجاحة الصدر وسماحة النفس :
إن الداعية الحق شخصية متميزة فهو كالمنارة الهادية من بُعد لمن ضل أو حار ، وهو كالظل الوارف لمن لفحه حر الشمس والمسير في الهجير ، وبالتالي فهو نقطة تجمُّع بالنسبة للمدعوين ، ولذا فإنه يحتاج إلى أن يتحلى برحابة الصدر وسماحة النفس ليستوعب الناس ويستميلهم للخير والحق ((فالناس في حاجة إلى كنف رحيم ، وإلى رعاية فائقة ، وإلى بشاشة سمحة ، وإلى ود يسعهم ، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم ، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ، ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه ، ويجدون عنده دائماً الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء)) الظلال (1/500-501) .
وهكذا كان قلب الرسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا كانت حياته مع الناس ، ((ما غضب لنفسه قط ولا ضاق صدره بضعفهم البشري ، ولا احتجز لنفسه شيئاً من أعراض هذه الحياة ، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية ، ووسعهم حمله وبره وعطفه ووده الكريم ، وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلاّ امتلأ قلبه بحبه ، نتيجة لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من نفسه الكبيرة والرحيبة)) في ظلال القرآن (1/500- 501) ، والنفس السمحة ليس فيها ضيق أو السماحة السهولة واللين . انظر القاموس المحيط (1/229) .
والناس مشاربهم شتى ، وسلوكياتهم متباينة ، واحتياجاتهم كثيرة ، واستفزازاتهم مثيرة ، وهذا لا بد أن يقابله الداعية بالاحتمال ، لأن الاحتمال – كما قيل – قبر المعايب .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:41 AM
هذه الخصيصة مهمة في تكوين الداعية ، يحتاج أن يجتهد في اكتسابها لأنها وقود محرك له في دعوته كما أنها ترفع كفاءة القبول ، وتكبح جماح الانفعالات النفسية ذات الآثار السلبية ، وتتجلى هذه الخصيصة في عدد من الخلال توضحها وتبين أثرها ومن أهمها :
أولاً : الرحمة والشفقة
((إن الداعي لا بد أن يكون ذا قلب ينبض بالرحمة والشفقة على الناس ، وإرادة الخير لهم والنصح لهم ، ومن شفقته عليهم دعوتهم إلى الإسلام ، لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار وفوزهم برضوان الله تعالى ، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه وأعظم ما يحبه لنفسه الإيمان والهدى فهو ذلك إليهم أيضاً)) أصول الدعوة (ص:344،343) .
وهذا الشعور الغامر بالشفقة على الناس يبعث في النفس الحزن والأسى على حال المعرضين والعاصين ، ويتولد إثر ذلك قوة نفسية دافعة لاستنقاذهم من الخطر المحدق بهم ، والهلاك القادمين إليه ، وما أبلغ وأدق النص القرآني في بيان هذه الصفه عند الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} الكهف[6] وقوله تعالى {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} الشعراء [3] . تأمل هذه الآيات فإنه ((من فرط شفقته صلى الله عليه وسلم داخله الحزن لامتناعهم عن الإيمان ، فهوّن الله سبحانه عليه الحال ، بما يشبه العتاب في الظاهر كأنه قال له : لم كل هذا ؟ ليس في امتناعهم– في عدِّنا– أثر، ولا في الدين من ذلك ضرر)) لطائف الإشارات(1/377) .
وقال ابن القيم في تفسيره تفسير ابن كثير (3/72): يقول تعالى :{فلعلك باخع ...} مسلياًَ لرسول صلى الله عليه وسلم في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه)) .
فهذه نفس الرسول صلى الله عليه وسلم ملئت رحمة وشفقة على هؤلاء حتى كاد يُهلك نفسه وهو يدعوهم ويحرص على هدايتهم ، ثم يخالط مشاعره الحزن عليهم والأسى لهم .
إن الداعية ينظر إلى المدعوين نظرة الطبيب إلى مرضاه ، يرحمهم ويشفق عليهم لعلمه بدائهم وخطورته ، ويتلطف في علاجهم ، وإن رأى منهم عزوفاً عن الدواء لصعوبته أو مرارته هاله الأمر واحتال بكل الطرق لتوصيل الدواء ، وإقناعهم بضرورة تناوله ، ولا يمكن أن يتركهم وشأنهم بحجة أنهم المفرطون ، وهكذا فإن (( الداعي الرحيم لا يكفُّ عن دعوته ولا يسأم من الرد والإعراض لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة ، وأن إعراضهم بسبب جهلهم ، فهو لا ينفك عن إقناعهم وإرشادهم)) أصول الدعوة (ص:344) .
فالرحمة – كما ترى – باعث دافع ومحرك للدعوة استنقاذاً للناس من الهلاك ، وهي في الوقت نفسه عامل استمرار وإصرار وتوسيع لدائرة الاستيعاب والتأثير رغم الصد والإعراض .
ولا ينبغي أن تفهم الرحمة على أنها لين وتهاون بل تأتي الرحمة أحياناً كثيرة في ثنايا الحزم وفي أعطاف الشدة التي تهدف لصالح المدعو ، كما قد يشتد الطبيب مع مريضه الذي لا يدرك خطورة مرضه وعظمة الخطر في ترك التداوي أو التقصير فيه ((فليست الرحمة حناناً لا عقل معه ، أو شفقة تتنكر للعدل والنظام ، كلا إنها عاطفة ترعى هذه الحقوق جميعاً)) خلق المسلم (ص:207) .
وإن في سيرة المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم أعظم وأروع الأمثلة على الرحمة سيما في المواقف العصيبة التي بلغت فيها المعاناة أشد مراحلها التي تضغط بعنف على النفس لتشتد وتقسو ، وعلى الصدر ليضيق ويتبرم ، ومع ذلك تبقي نفسه الكبيرة ورحمته العظيمة هي الغالبة كما حصل يوم رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف بعد أن ذهب إليها وفي قلبه أمل ، فلقي فيها أعظم مما كان يتصور من الإعراض فرجع كسير القلب ، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله جبريل ومعه ملك الجبال ، يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((بل أرجو أن يُخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل لا يشرك به شيئاً)) أخرجه البخاري ، في كتاب بدء الخلق ، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء (الفتح)(6/360) ، وفي صحيح مسلم كتاب الجهاد ، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين (عبد الباقي) (3/1420) وانظر الرحيق المختوم (ص:150).
وفي يوم أحد عندما شجّ وجهه الشريف ، وكُسرت رباعيته ، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه (انظر الرحيق المختوم (ص:314) ، وبينما الدم يسيل على وجهه يقول عليه الصلاة والسلام : ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) وفي صحيح مسلم قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء ، صلوات الله وسلامه عليهم ، ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول :(( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) أخرجه مسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب غزوة أحد (عبد الباقي) (3/1417) ، ومن هنا جاء الوصف الرباني العظيم في ثنايا الآيات التي نزلت في غزوة أحد :{فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك } آل عمران [159] .
((لقد أراد الله أن يمتنَّ على العالم برجل يمسح آلامه ، ويخفف أحزانه ، ويرثي لخطاياه ، ويستميت في هدايته ، ويأخذ يناصر الضعيف ، ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها ، ويخضد شوكة القوي حتى يرده إنساناً سليم الفطرة لا يضري ولا يطغي فأرسل محمداً صلى الله عليه وسلم وسكب في قلبه من العالم والحلم ، وفي خلقه من الإيناس والبر ، وفي طبعه من السهولة والرفق ، وفي يده من السخاوة والندى ، ما جعله أزكى عباد الله رحمة ، وأوسعهم عاطفة ، وأرحبهم صدراً)) خلق المسلم (ص:204) .
نعم ((إن الرحمه كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق لآلام الخلق ويسعى لإزالتها ، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى ، هي كمال في الطبيعة ، لأن تبلد الحس يهوي بالإنسان إلى منزلة الحيوان ويسلبه أفضل ما فيه ، وهو العاطفة الحية النابضة بالحب والرأفة)) خلق المسلم (ص:203) .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:41 AM
ثانياً : الحلم والأناة
في مسيرة الدعوة تمر بالداعية أحداث مثيرة ، وأفعال مستفزة ، والناس – باختلاف طبائعهم – تختلف مواقفهم إزاء المثيرات التي تعمل على دفعهم نحو الرعونة والطيش ، فمنهم من ((تستخفه التوافه فيستحمق على عجل ، ومنهم من تستفزه الشدائد فيبقي على وقعها الأليم محتفظاً برجاحة فكره وسجاحة خلقه))خلق المسلم (ص: 106) .
والحلم ((فضيلة خلقية نافعة .. تقع في قمة عالية دونها منحدرات ، فهو أناة حكيمة بين التسرع والإهمال أو التواني ، وضبط للنفس بين الغضب وبلادة الطبع ، ورزانة بين الطيش وجمود الإحساس)) الأخلاق الإسلامية (2/325) .
والأناة عند الداعية إلى الله تعالى ((تسمح له بأن يُحكم أموره ، ويضع الأشياء في مواضعها ، بخلاف العجلة فإنها تعرضه للكثير من الأخطاء والإخفاق ، وتعرضه للتعثر والارتباك ، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق ، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ، وبخلاف التباطؤ والكسل فهو أيضاً يعرض لللتخلف والحرمان من تحقيق النتائج التي يرجوها)) الأخلاق الإسلامية (2/353) ، وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم الأشج فقال : ((إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله : الحلم والأناة)) أخرجه مسلم ، في كتاب الإيمان ، باب : الأمر بالإيمان بالله ورسوله (عبد الباقي)(1/48) ، فرحابة الصدر وسعة النفس تقتضي عدم الانفعال المخرج عن حد الصواب والاعتدال ، وجمهور الدعوة قد يقع منهم ما يدفع إلى الغضب ، وكثيراً ما يتصرفون بدافع من العجلة والرغبة في الحصول على النتائج السريعة ، ومجاراة الداعية لهم في الحالتين خلل في مسلك الدعوة ، لأن المسايرة قد تؤدي إلى عواقب وخيمة ، وقد يكون أولئك العامة مندفعين إلى تلك العواقب بحمية عصبية وحماسة استفزازية ، ((لكن المصلحين العظماء لا ينتهون بمصائر العامة إلى هذا الختام الأليم ، إنهم يفيضون من أناتهم على ذوي النزق حتى يلجئوهم إلى الخير إلجاءً ، ويطلقوا ألسنتهم تلهج بالثناء)) خلق المسلم (ص:107) .
ومن أمثله من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه أنس بن مالك حيث قال : جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب ماء أهريق عليه (أخرجه البخاري ، كتاب الطهارة ، باب صب الماء على البول في المسجد (الفتح) (1/324) .
ومواقف أخرى كثيرة تبين حمله الذي لا يندفع فيه مع مقتضى الطبع ، ولا يمضي معه وفق أعراف الجاهلية وانتصاراتها المبنية على الحمية لأن ((الجاهلية التي عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم محوها كانت تقوم على ضربين من الجهالة ، جهالة ضد العلم وأخرى ضد الحلم ، فأما الأولى فتقطيع ظلامها يتم بأنواع المعرفة وفنون الإرشاد ، وأما الأخرى فكف ظلمها يعتمد على كبح الهوى ومنح الفساد ، وقد كان العرب الأولون يفخرون بأنهم يلقون الجهل بجهل أشد .
ألا لا يجهلن أحد علينا ++++++++ فنجهل فوق جهل الجاهلينا
(خلق المسلم (ص:109) .
أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:42 AM
ثالثاً : العفو والصفح
ومن مستلزمات الحلم الذي فيه كظم للغيظ وضبط للغضب ، ثم الأناة التي فيها تبصر بالأمور وتأن في التصرف ، مع الاستناد للرحمة بالجاهلين كل ذلك يثمر العفو والصفح لأن ((القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة فهي أبداً إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الحفيظة والاضطغان)) خلق المسلم (ص:204).
ومادام الداعي المسلم ينظر إلى من يدعوهم نظرة الرحمة والشفقة عليهم فإنه يعفو ويصفح عنهم في حق نفسه ، قال تعالى :{خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} الأعراف [199].
وإذا كان هذا هو شأن الداعي المسلم بالنسبة لمن يدعوهم ويحتمل صدور الأذى منهم فإن عفو الداعي وصفحه عن أصحابه أوسع ، قال تعالى : {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} آل عمران [159] .
وعند ما وقعت حادثة الإفك ، كان وقعها على آل أبي بكر شديداً ، فلما نزلت البراءة حلف أبو بكر رضي الله عنه ألا ينفق على مسطح بن أثاثة فأنزل الله في ذلك قوله تعالى : {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} النور [22] .
والداعية الذي يهدف إلى استمالة القلوب وهدايتها لا يقسو لأن ((القسوة التي استنكرها الإسلام جفاف في النفس لا يرتبط بمنطق ولا عدالة . إنها نزوة فاجرة تتشبع من الإساءة والإيذاء ، وتمتد مع الأثرة المجردة والهوى الأعمى))خلق المسلم (ص: 207) ، ومن أعظم مواقف العفو عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن المشركين يوم فتح مكة . الرحيق المختوم (ص:480، 481) .
وهكذا فإن رحابة الصدر وسماحة النفس تنتظم الرحمة التي تدعو إلى الحلم الذي يقود إلى العفو فيكون من وراء ذلك التأثير التلقائي لأن الإنسان يتأثر بالإحسان :{ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} فصلت [34] .
وهذا أمر مشاهد حيث نرى أن من كان سمح النفس يستطيع (( أن يظفر بأكبر قسط من محبة الناس له ، وثقة الناس به ، لأنه يعاملهم بالسماحة والبشر ولين الجانب ، والتغاضي عن السيئات والنقائص ، فإذا دعاه الواجب إلى تقديم النصح كان في نصحه رقيقاً ليناً ، سمحاً هيناً ، يسر بالنصحية ، ولا يريد الفضيحة ، يسد الثغرات ولا ينشر الزلات والعثرات )) الأخلاق الإسلامية (2/443) .
وبعض الدعاة ممن لا يتحلون في أنفسهم بهذه السمة تجدهم يندفعون مع أدنى خطأ أو أقل عثرة ، وإذا بهم يدعون بالويل والثبور وعظائم الأمور ، وكثيراً ما يواجهون الناس بالأحكام الدامغة الخطيرة من الفسق أو الابتداع أو التساهل ونحو ذلك ، وهؤلاء كثيراً ما يستزلهم الشيطان بهذه الحمية الزائفة التي لا تأتي في موضعها الصحيح ، والشيطان ينفخ في حميتهم بأن الحق أحق أن يتبع ، ويثير التساؤل أين الغيرة الإيمانية والحمية الإسلامية ؟ ليغطي على الأناة التي تنظر في عواقب الأمور والحلم الذي يضبط النفوس والرحمة التي تستميل القلوب ، بعض هؤلاء – وللأسف – يندفعون أحياناً خوفاً من أن يُتهموا بعدم الغيرة أو التميع والتساهل ، ولا يفهم من قولي أن كل فاعل لذلك مذموم ، ولا أن كل موقف يقتضي الحلم واللين فقد أشرت فيما سبق إلى ما ينقص هذا الفهم ولكني أنوه إلى صور في الواقع ناشئة من أفهام قاصرة وممارسات خاطئة .
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir