المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من أخلاق الداعية



أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:43 AM
من أخلاق الداعية
‏ ‏
سلسلة نحو ترشيد الصحوة .‏
سلمان بن فهد العودة .‏
دار الوطن للنشر - الطبعة الأولى - ربيع الأول 1411هـ

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
‏ ‏
هذه الصحوة منا ، و نحن منها ، عزها عزنا ، و نصرها نصرنا ، و نحن أسعد الناس بها !‏
و ليس يجوز لقادر أن تكون مشاركته " الفرح " فحسب ، بل نريده " فرحاً " إيجابياً ‏يتحول إلى كلمة بناءة ، أو نصيحة هادفة ، أو لفتة موفقة .‏
و ليس ترشيد الصحوة أمراً مما يطيقه الآحاد من الناس ، بل هو مسئولية الجميع .‏
فإلى المشاركة الإيجابية الجادة في هذه السلسلة المباركة قبل أن يفوت الركب ، و تطير ‏الطيور بأرزاقها !‏
‏ ‏
المؤلف
السعودية – القصيم – بريدة‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:45 AM
‏1 _ بدون مقدمات :‏

كان من صحيح دعائه صلى الله عليه و سلم :‏
‏" اللهم اهدني لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، و اصرف عني سيئها ، لا ‏يصرف عني سيئها إلا أنت ، لبيك و سعديك ، و الخير كله في يديك ، و الشر ليس إليك ، أنا ‏بك و إليك ، تباركت و تعاليت "مسلم 1/535 .‏
‏++++++++++++++++++++*‏
‏" اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق و الأعمال و الأهواء " . الترمذي 5 / 536 .‏
‏++++++++++++++++++++*‏
‏" اللهم حسنت خلقي فحسن خلقي " . أحمد 1/ 403 ، 6/ 68 ، 155 .‏
‏++++++++++++++++++++‏
‏" اللهم إني أعوذ بك من العجز و الكسل ، و الجبن و البخل ، و الهرم و القسوة ، و الغفلة و ‏العيلة ، و الذلة و المسكنة ، و أعوذ بك من الفقر و الكفر ، و الفسق و الشقاق و النفاق ، و ‏السمعة و الرياء ، و أعوذ بك من الصمم و البكم ، و الجنون و الجذام ، و البرص و سيئ ‏الأسقام " . المستدرك 1/ 530 ، 531 .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:45 AM
‏2_ لأتمم مكارم الأخلاق :‏

تتبوأ الأخلاق في الإسلام موقعاً من أعظم المواقع ، حتى لقد صح عنه صلى الله ‏عليه و سلم ، أنه قال : " إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق " .‏
و في لفظ : " مكارم الأخلاق " ‏ ‏ . ‏
فكأنه صلى الله عليه و سلم حصر المهمة التي بعث لها في هذا الأمر .. و لا ‏غرابة !‏
‏* فإن نحن فهمنا " الأخلاق " على أنها تعامل العبد مع الله و مع الناس ، فالأمر واضح ‏، و هذا هو الدين كله ، كيف تتعامل مع الخالق ؟ كيف تعبده و توحده و تتجنب ما ‏يسخطه ؟ و كيف تتعامل مع المخلوق ؟ و يدخل في ذلك الملائكة و الأنبياء و ‏الصالحون و الأقربون ممن لهم حقوق الحب و الود ، كما يدخل فيه الصنف الآخر ‏من الشياطين و الكفار و الفساق و المنافقين ممن يبغضهم الإنسان في ذات الله ‏كالكفار ، أو يبغضهم من جانب واحد كالفساق الذين يكون فيهم أصل الإيمان بالله ‏و رسله .‏
‏• أما إن فهمنا " الأخلاق " بمعنى أخص ، و أنها التعامل مع الناس فحسب ، فالحديث ‏إذن محمول على بيان عظم فضل الأخلاق ، و علو مكانتها في الدين ، فهو كحديث : ‏‏" الحج عرفة " ‏ ‏ ، و حديث : " الدين النصيحة "‏ ‏ .‏
إذ ليس المقصود حصر الحج في عرفة ، و لا حصر الدين كله في النصيحة إنما ‏المقصود أن الوقوف بعرفة أعظم أركان الحج ، و أن للنصيحة مرتبة عالية في ‏الدين .‏
فلا إشكال في الحديث على المعنيين ، و كلاهما له دلالة قوية على عظم شأن ‏الخلق في الإسلام .‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:46 AM
‏3_ مسلم .. و داعية :‏

من هذا المنطلق وجب على المسلم التحلي و التجمل بالخلق الحسن ، سواء كان ‏داعية أم غير داعية ، إذ الأخلاق من مقاصد البعثة المحمدية التي أكرم الله بها ‏الإنسان في الأرض كلها ، و خص المؤمنين بخصيصة منها ليست لسواهم ، حيث ‏هداهم بها إلى الصراط المستقيم ، و زكى نفوسهم ، و علَّمهم ما لم يكونوا ‏يعلمون : " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ، و يزكيهم ، و يعلمهم ‏الكتاب و الحكمة ، و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " . ( سورة الجمعة / الآية 2 ) .‏
و التزكية المذكورة في الآية الكريمة تشمل تزكية النفس و تربيتها على معالي ‏الأخلاق ، و تنقيتها من رديئها .. ففي الآية هذه كما في الحديث السابق تبدو ‏الأخلاق مقصداً من مقاصد البعثة المحمدية ، بل من أبرز مقاصدها .‏
و إذا كان التحلي بالخلق الفاضل واجباً على آحاد المسلمين ... فما بالك بالداعية ‏الذي يحمل راية الدعوة و شعارها .. و ينادي بها بين الناس ؟
إن الأنظار إليه أسرع ، و الخطأ منه أوقع ، و النقد عليه أشد ، و دعوته يجب أن تكون ‏بحاله قبل مقاله .‏
و لذلك فتخلقه بالخلق الكريم أوجب و ألزم ، قياما بحق ما جعل الله على كاهله ‏من الأعباء الجسام .. كما قال الشاعر :‏
شكرا لفضلك إذ حملت كاهلنا ++++* مما وثقت بنا ما كان من نوب !‏
و حماية للدعوة و أهلها من ألسنة المغرضين ، و أقلام الخصوم الشانئين ، و أوهام الغفل و ‏المتعجلين !‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:47 AM
‏4 _ و هذه منها :‏

لو أردت أن أتحدث عن الأخلاق كلها لطال المقام و لم أصنع شيئاً ، و بين يدي ‏مجموعة كبيرة من المصنفات في الأخلاق ، منها : " أخلاق النبي " لأبي الشيخ ‏الأصبهاني ، " مكارم الأخلاق " للطبراني ، و للخرائطي ، " الأخلاق و السير " لابن ‏حزم ، " دستور الأخلاق في القرآن " لمحمد عبد الله دراز .. الخ .‏
و هذه الرسالة - أخي الكريم - ليست بحثاً في الأخلاق و فلسفتها ، و إنما هي عرض ‏لمجموعة من الفضائل الخلقية التي شعرت بأهميتها العظمى للداعية مع كثرة النصوص ‏فيها ، و إنما أتحدث فيها عن جوانب مهمة ، و أترك غيرها مما هو متوفر في المصادر ‏العلمية لمن أراده .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:47 AM
أولاً : الصدق :‏
‏ ‏
‏" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين " ، ( سورة التوبة / الآية 119 ).‏
يفهم كثيرون الصدق على أنه صدق اللسان في الأقوال فحسب ، و الحقّ أن ‏الصدق منهج عام ، و سمة من سمات شخصية المسلم في ظاهره و باطنه ، و ‏قوله و فعله ، و من ذلك :‏

أ - الصدق في حمل الدين :‏
بأن يكون تدين المرء تديناً صحيحاً مبنيـَّـاً على الصدق مع الله عز و جل ، لا على النفاق و ‏الكذب و المجاملة ، و لذلك يطلق الصدق في القرآن الكريم في مقابل النفاق : " ‏ليجزي الله الصادقين بصدقهم ، و يعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم " ( سورة ‏الأحزاب / الآية 24 ) .‏
‏ فلا بد من الإسلام الظاهر مع الإيمان الباطن ، لا بد من حسن الاعتقاد بالله و ‏اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين .‏
فالهدي الظاهر لا بد أن يكون متوافقا مع الهدي الباطن .‏
‏• و هنا كمين من كمائن الشيطان يوحي للداعية بترك بعض الأعمال الصالحة الظاهرة ‏بحجة أن باطنه ليس كذلك .. فلا تفعل لئلا ينخدع الناس بك !‏
و هذا خطأ كبير .‏
بل العمل الصالح الذي تزاوله بجوارحك هو من أسباب صلاح قلبك و صدقه ، ما دمت ‏لم تعمله رياء و لا سمعة و لا على سبيل خداع المؤمنين .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:48 AM
ب _ الصدق في الأقوال :‏
و الصدق في القول تعبير عن شخصية واضحة ، و مروءة و شهامة و كرم ، و لا يلجأ للكذب ‏إلا لئيم الطبع ، خبيث النفس ، ضعيف الشخصية ، و الفطرة السليمة تستعيب ‏الكذب و تستقبحه ، و لذلك أجمعت الديانات السماوية على تحريمه و تجريمه .‏
فما بالك بالداعية .. أتراه يتصور صدور الكذب منه ؟!‏
أعتقد - إن شاء الله - أن : لا .‏
و لكن :‏
من الدعاة من يتوسع في " التورية " بأن يقول كلاما يفهمه الناس على خلاف ما ‏يقصد ، و قد يكتشفون بعد أن الواقع على خلاف ما فهموم منه فيتهمونه بالكذب ‏‏.. ثم إن التوسع في التورية قد يؤدي إلى التسامح في بعض " الكذيبات " بحجة أنها ‏للمصلحة !! فالحذر الحذر !‏
‏• أيها الداعية : حين يلجؤك الموقف إلى الكذب فلا تقدم عليه ، و تذكر كلمة " أبي ‏سفيان " أمام هرقل حين سأله عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال : ‏
‏" و الله لولا أن يؤثروا عني كذباً لكذبت " ! ‏
لقد تجنب هذا الرجل - و كان جاهليَّاً - أن يكذب خشية أن ينقلوها عنه ، أو يعيروه ‏بها يوما من الدهر ، مع شدة حاجته إليها . و نحن نعلم أن أعراض الدعاة اليوم أصبحت ‏هدفا لسهام كثيرة ، و لذا يتعين على الداعية أن يغلق الباب الذي تأتيه منه الريح ، ليريح و ‏يستريح !‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:49 AM
جـ _ الصدق في الأعمال :‏
و هو يعني أن تكون أعمال الإنسان خالصة لوجه الله تعالى من الرياء و السمعة ، " فمن ‏كان يرجو لقاءَ ربّه فليعمل عملاً صالحاً ، و لا يشرك بعبادة ربه أحداً " ( سورة الكهف / ‏الآية 110) ، و قال : " ليبلوكم أيكم أحسن عملاً " ( سورة الملك / الآية 2 ) .‏
قال الفضيل بن عياض : أيكم أحسن عملا ، أي : أخلصه و أصوبه .‏
قيل : يا أبا علي ! ما أخلصه و أصوبه ؟
قال : إن العمل إذا كان خالصاً و لم يكن صواباً لم يقبل ، و إذا كان صواباً و لم يكن ‏خالصاً لم يقبل ، لا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً !‏
و من الصدق في الأعمال : الوضوح و تجنب الغموض و التلبيس .‏
روى أبو داود و النسائي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء بعبد الله بن سعد ‏بن أبي السرح و قد أهدر رسول الله صلى الله عليه و سلم دمه ، حتى أوقفه ‏على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال : يا نبيّ الله ! بايع عبد الله .‏
فرفع رسول الله صلى الله عليه و سلم رأسه فنظر إليه مرتين أو ثلاثاً ، كل ذلك ‏يأبى أن يبايعه ، ثم بايعه بعد الثلاث ، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم ‏على أصحابه فقال : " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن ‏بيعته فيقتله ؟! " .‏
‏ فقالوا : ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ، ألا أومأت إلينا بعينك ؟ قال عليه ‏الصلاة و السلام : " إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين !! " . ‏
إلى هذا الحد كان مدى " الصدق " في أعمال النبي صلى الله عليه و سلم ، لم ‏يرض أن يقتل عدوه اللدود الذي كان أهدر دمه بطريقة غامضة عن طريق الإيماء ‏بطرف العين !! و كان هذا دأبه و ديدنه طيلة حياته صلى الله عليه و سلم ، و ‏لذلك لم يستطع المشركون في بداية الدعوة أن يتهموه بالكذب ، بل قالوا : شاعر .. ‏ساحر .. مجنون .. و لم يصدقهم الناس ، و عندما فقدوا صوابهم و أعيتهم الحيل ‏صرخوا : كذاب .. و لكن هيهات أن يصدقهم الناس !‏
‏ و روى الترمذي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : لما قدم النبي صلى ‏الله عليه و سلم ، المدينة انجفل الناس إليه ، و قيل : قدم رسول الله صلى الله ‏عليه و سلم ،قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قدم رسول الله صلى الله ‏عليه و سلم ، فجئت في الناس لأنظر إليه ، فلما استثبتُّ وجه رسول الله صلى ‏الله عليه و سلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، و كان أول شيء تكلم به أن قال ‏‏: " أيها الناس ! أفشوا السلام ، و أطعموا الطعام ، و صلوا و الناس نيام ، تدخلوا الجنة ‏بسلام " . ‏
لقد سرى صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم ، من القلب إلى اللسان .. إلى ‏الجوارح و تجلى على محيا وجهه الكريم .. فكل من نظر إلى طلعته و إشراقها و ‏صفائها قرأ فيها الصدق و عرف أن وجهه ليس بوجه كذاب !‏
نحن نحتاج إلى نمط من الدعاة آثروا الصدق في أقوالهم و أفعالهم حتى أصبح ‏الصدق سجية تجري في عروقهم ، و تطل من طلعات وجوههم ، فإذا رآهم ‏الناس قالوا : هذه ليست بوجوه كذابين !‏
كما نحن بحاجة إلى دعاة يتجملون بالخلق الكريم ، و يتأبون على الإثارة ‏الاستفزاز فيحتفظون بهدوئهم و اعتدال منطقهم في سائر الأحوال حتى إذا أبصر ‏الناس منهم هذا هتفوا : هذه أخلاق أنبياء !‏
‏• إن صدقنا في حمل دعوتنا هو الذي يجعل الناس يتقبلون ديننا ، و ليس يليق بنا أن ‏نكون كالممثل على المسرح ، يظهر للناس بهيئة خلاف حقيقته ، فمثل هذا ‏سرعان ما ينكشف أمره ، و يعرض الناس عنه .‏
نقل عن بعض السلف أنه كان إذا وعظ أبكى الناس ، حتى تختلط الأصوات و يعلو ‏النحيب ، و قد يتكلم في المجلس من هو أغزر منه علما ، و أجود منه عبارة ، فلا ‏تتحرك القلوب و لا يبكي أحد !‏
فسأله ابنه يوما عن هذا ، فقال : يا بني لا تستوي النائحة الثكلى و النائحة ‏المستأجرة !‏
إذن فالوسيلة الأولى لنجاح الداعية هي : صدقه في حمل دعوته ، و جديته في ذلك ، ‏و أن يكون الصدق في الأقوال و الأعمال منهجه و شعاره . ليس المهم هو الكلمات ‏المنمقة المعسولة - و إن كانت مطلوبة - ، إنما الأهم من ذلك الصدق ، و أن يكون ‏منسجما مع نفسه ، و أن يكون حديثه عن معاناة ، و قديما قيل :‏
الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب ، و إذا خرجت من اللسان لم ‏تتجاوز الآذان !!‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:50 AM
ثانياً / الصبر :‏
‏ ‏
الصبر قرين اليقين " و جعلنا منهم أمة يهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون " ‏‏( سورة السجدة / الآية 24 ) .‏
و لذلك قال سفيان : بالصبر و اليقين تنال الإمامة في الدين .‏
و الذي لا يصبر فإنه من السهل أن ينخلع عن دينه لأي شيء يعترض طريقه ، و من ‏السهل أن يتخلى عن منهجه و حكمته لأي استفزاز ، و لذلك قال الله تعالى لنبيه ‏صلى الله عليه و سلم : " فاصبر إن وعد الله حق و لا يستخفنك الذين لا يوقنون " ‏‏( سورة الروم / الآية 60 ) .‏
و قال : " و اصبر على ما يقولون و اهجرهم هجراً جميلاً " ( سورة المزمل / الآية 10 ) .‏
كثيرا ما يقف الضالون في وجه الدعاة إلى الله عز و جل ، يقولون لهم : إن ما ‏تدعون إليه ضرب من الخيال لا يمكن أن يتحقق في الواقع ، أنتم تدعون إلى أمور ‏عفا عليها الزمن ، و نسيها الناس أو كادوا ، فينبغي أن ترضوا بما دون ذلك ، و أن ‏تراجعوا آراءكم و اجتهاداتكم !!‏
و أمام ضغوط الواقع القائم ، و أمام العقبات الحقيقية و الوهمية في وجه تحقيق ‏الإسلام ، و أمام طول الطريق .. قد يستجيب بعض الدعاة و يتأثر ، و يبدأ في إعادة ‏النظر في فهمه للإسلام ، و فيما يقوله الخصوم !‏
و يا ليته إذ يفعل ذلك يفعله بروح الباحث المتجرد الشجاع المتطلع إلى الحق أين ‏كان .. إذن لهان الخطب !‏
لكنه يفعله بروح " المنهزم " الذي يحس بأنه خرج من المعركة أسيرا أو كسيرا .. ‏فهو يبحث في " عروض " القوم عن " حل " يجنبه المعركة مع الباطل .. مع الواقع ‏المنحرف ..‏
‏• و هذا مثل :‏
الربا الذي انتشر ، و ضرب أطنابه ، و مد رواقه ، و قامت عليه اقتصاديات العالم ‏كله - بما فيه العالم الإسلامي - و كاد أن يدخل جيب كل أحد حتى تحققت فيه نبوءة ‏النبي صلى الله عليه و سلم ، حين قال : " يأتي على الناس زمان من لم يأكل الربا ‏أصابه من غباره " . ‏
و هذا الحديث و إن كان فيه ضعف ، إلا أنه يشهد لصحة معناه قوله صلى الله ‏عليه و سلم فيما رواه البخاري : " يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أكل ، أمن ‏الحلال أم من الحرام " . ‏
هذا الحرام المستقر في نفوس الكثيرين و جيوبهم و مؤسساتهم و أموالهم ، بدلاً ‏من أن يسعى الداعية لنهي الناس عنه ، و البحث عن البدائل الشرعية الصحيحة ‏لتنمية أموال الناس و استثمارها ، و لإقامة بناء الاقتصاد الإسلامي السليم .. ‏يأتيه الذين لا يوقنون فيحاولون أن يستخفّوه ليعيد النظر في صور من صور الربا ‏الصريح ..‏
و أن لها مخرجا فقهيا و لو ضعيفاً أو شاذاً ! و هكذا يصبح " واقع الناس " في فترة من ‏الزمان محدودة مرجعا لتعديل بعض الأحكام الشرعية المستقرة عبر القرون !‏
إنه فقدان الصبر في نفوس بعض الدعاة ، و مع فقدانه فقدان الأمل !‏
‏ ‏
أعلل النفس بالآمال أرقبها ++++* ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل !‏
‏ ‏
و يا ليت الداعية ينصت لذلك الناصح الذي قال للخليل :‏
إذا لم تستطع شيئا فدعه ++++* وجاوزه إلى ما تستطيع
أنت لست مطالباً بتحقيق نصر واقع للإسلام ، فهذا أمره إلى الله متى شاء أن ‏يحدث حدث ، لكنك مطالب ببذل جهدك في هذا السبيل فحسب ! و الرسل و ‏الأنبياء كانوا يخاطبون بذلك : " إن عليك إلا البلاغ " ( سورة الشورى / الآية 48 ) .‏
و كانوا يقولون : " و ما علينا إلا البلاغ المبين " ( سورة يس / الآية 17 ) .‏
و قد يأتي أحدهم إلى بعض الدعاة و يقول له : أنت تعمل أعمالا جبارة ، و تواصل ‏كلال الليل بكلال النهار ، لكن النتيجة في النهاية قليلة ، فالناس ينفضون من ‏حولك ، و أنت ترى وسائل الهدم و التخريب قد استحوذت على الكثير منهم .. و ‏أصبحت تفسد في ساعة ما يبنيه الداعية في سنة ! و :‏
‏ ‏
متى يبلغ البنيان يوما تمامه ++++* إذا كنت تبنيه و غيرك يهدم ؟؟
‏ ‏
و هذا المنطق قد يؤثر على كثير ممن لم يعتادوا على عقبات الطريق .‏
و هنا يأتي دور " الصبر " الصبر الجميل .‏
عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه و سلم ، و هو ‏متوسد بردة في ظل الكعبة ، و قد لقينا من المشركين شدة ، فقلت : يا رسول ‏الله ألا تدعو لنا ؟ ألا تستنصر لنا ؟‏
فقعد صلى الله عليه و سلم ، و هو محمرٌّ وجهه ، و قال : " لقد كان من قبلكم ‏يمشط بمشاط من حديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، و يوضع ‏الميشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ، و ليتمن الله هذا الأمر ‏حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله ، و الذئب على غنمه .. و ‏لكنكم تستعجلون ! " . ‏
فالعجلة في قطف ثمار الدعوة و نتائجها لا تتناسب مع الصبر الذي يجب أن ‏يتحلى به الداعية .‏
قد يكون الداعية في موقع من المواقع ( بلد ، مدرسة ، مؤسسة ، .. ) يجاهد في ‏رد المنكرات و نشر الدعوة ، و يحدث على يديه خير كثير ، لكنه لا يحس به لأنه ‏يجيء بصورة تدريجية .. كما لا يحس الأب بنمو طفله الذي يراه صباح مساء ! لأنه ‏يكبر شيئا فشيئا !‏
‏ و كم من داعية تخلى عن موقع من المواقع ظانا أنه ليس له أثر ، فلما تخلى بان ‏فقده و ظهرت مكانته ، فكان كما قيل :‏
سيذكرني قومي إذا جد جدهم ++++*و في الليلة الظلماء يفتقد البدر
‏ ‏
و كان كالكسعي ‏ ‏ ، الذي يصنع السهام و يرمي بها في الليل ، و يظن أنها لم ‏تصب ما أراد .. فكسر القوس ، فلما أصبح رأى أنها قد أصابت فندم على كسرها ‏‏.. و صار يضرب به المثل في الندم ، حتى قال الفرزدق حين طلق زوجته :‏
ندمت ندامة الكسعي لما ++++* غدت مني مطلقة نوار ! ‏
فعلى الداعية ألا يستعجل النتائج و الثمرات ، بل يسعى و يعتمد على الله ‏تعالى ، و يدرك أنه بمنطق التجربة المقطوع بها من الناحية التاريخية ، و من ‏الناحية الواقعية ، أن أي جهد صحيح يبذل في الأمة يكون له ثمرة ، إذ لم يقع ‏في هذه الأمة أن أحدا دعا فلم يستجب له ، أو نصح فلم ينتصح بأمره و نهيه ‏أحد ، أو عالما جلس للتعليم فلم يقعد إليه أحد ، إلا أن يؤتى من قبل نفسه ، ‏بل كل داع يجد من يستجيب له ، إذ لم تصل الأمور إلى ما أخبر به النبي صلى ‏الله عليه و سلم ، من الشح المطاع و الهوى المتبع ، و الدنيا المؤثرة ، و إعجاب ‏كل ذي رأي برأيه ، لم يحدث هذا على مستوى الأمة كلها قط ، قد يقع في فرد ‏أو أفراد أو جهة ، لكن الأمة فيها خير كثير ، و لا يزال عند الناس استجابة و قبول ‏للدعوة ، و إصغاء لصوت الناصح ، إذا تكلم بعلم و حكمة .‏
بل إننا نجد في الأمم الكافرة اليوم في أمريكا و أوروبا و غيرها أن من يحملون ‏لواء الدعوة إلى الله يجدون من يستجيب لهم من الكفار ، و في مراكز كثيرة كانوا ‏يذكرون لنا إحصائيات الذين يسلمون أسبوعيا فكانت بالعشرات من الرجال و ‏النساء .‏
‏ و هذه الحقيقة التاريخية الواقعية ، التي تثبت أن كل جهد له ثمرة هي أيضا ‏حقيقة شرعية :
‏" فمن يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا كفران لسعيه ، و إنا له كاتبون " ( سورة الأنبياء ‏‏/ الآية 94 ) .‏
‏ و قال : " ليجزي الله الصادقين بصدقهم " ( سورة الأحزاب / الآية 24 ) .‏
‏" من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، من غير أن ينقص من أجورهم ‏شيء " . ‏
‏" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها من بعده إلى يوم ‏القيامة .. " . ‏
‏ فكل عمل له جزاء ، و كل داع له أتباع .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:51 AM
ثالثاً / التواضع :‏
‏ ‏
و هو معرفة المرء قدر نفسه ، و تجنب الكبر الذي هو بطر الحقّ و غمط الناس . كما قال ‏صلى الله عليه و سلم ، فيما رواه مسلم و غيره . ‏
و التواضع في الأصل إنما هو للكبير الذي يخشى عليه أن يكبر في عين نفسه ، ‏فيقال له :‏
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر ++++* على صفحات الماء و هو رفيع
أما الإنسان العادي فلا يقال له : تواضع ، و إنما يقال له : اعرف قدر نفسك ، و لا ‏تضعها في غير موضعها !‏
روى الخطابي في العزلة أن الإمام الفذ عبد الله بن المبارك ، قدم خراسان فقصد ‏رجلا مشهورا بالزهد و الورع ، فلما دخل عليه لم يلتفت الرجل إليه و لم يأبه به ، ‏فخرج من عنده عبد الله بن المبارك ، فقال له بعض من عنده : أتدري من هذا ؟ ‏قال : لا . قال : هذا أمير المؤمنين في الحديث .. هذا .. هذا .. هذا .. عبد الله بن ‏المبارك فبهت الرجل و خرج إلى عبد الله بن المبارك مسرعا يعتذر إليه و يتنصل ‏مما حدث و قال : يا أبا عبد الرحمن اعذرني و عظني !‏
قال ابن المبارك : نعم .. إذا خرجت من منزلك فلا يقع بصرك على أحد إلا رأيت أنه خير ‏منك !‏
و ذلك أنه رآه معجباً بنفسه ، ثم سأل عنه ابن المبارك فإذا هو حائك !! ‏
لقد لمح الإمام المربي أن في هذا المتزهد نوعا من الكبرياء و الغطرسة و الاستعلاء ‏على الناس .. و هو داء يسرع إلى المتزهدين أحيانا .. فزوده بهذه النصيحة التي ‏تلائم حاله .‏
و كم نجد من بعض الصالحين ، و ربما الدعاة أحيانا ، بل و من صغار الطلبة من ‏يسيئون الأدب مع شيوخهم و علمائهم و أساتذتهم . و إنه لأمر يحز في النفس ‏و يؤلمها !‏
لا حرج أن تختلف مع عالم أو داعية في رأي أو اجتهاد متى كنت أهلاً لذلك .. لكن ‏الحرج كل الحرج أن يتحول هذا الاختلاف إلى معول هدم لمكانة هذا العالم ، و الحط ‏من قدره ، و الازراء عليه ، و سوء الأدب معه .‏
و إن جاز أن يقع هذا من الدهماء من العامة ، أو من أهل البدعة و الضلالة فإنه لا ‏يجوز بحال أن يقع من أهل السنة و من طلاب علم الشريعة :‏
قد رشحوك لأمر لو فطنت له ++++* فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
إن علماء أهل السنة و الجماعة خاصة مطالبون بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و ‏الاحتساب على علية القوم ..‏
و إذا خذلهم أقرب الناس إليهم فلا ينتظر منهم ذلك ، فواحدهم كفارس شجاع ما ‏خلفه إلا نساء !‏
و لو أن قومي أنطقتني رماحهم ++++* نطقت و لكن الرماح أجرت
و لو أن أهل السنة حموا أعراض علمائهم ، و عرفوا لهم قدرهم ، و التفوا حولهم ‏لأمكن لهم أن يقوموا بواجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على الوجه ‏الصحيح ، لكن لما خذل العالم من وراءه لم يستطع أن يقول شيئاً .‏
و كم هو مؤسف أن بعض أهل البدع على النقيض من ذلك ، بل تصل الحال بهم ‏إلى أن يمنحوا شيوخهم و ملاليهم و سادتهم نوعا من القداسة ، و يسيرون خلفهم ‏بشكل مرفوض .. هو في الحقيقة نوع من العبودية و ذوبان التابع في المتبوع .‏
و هذا ديدن الفرق الباطنية عبر العصور حيث تربى أفرادها على منح قدر من " ‏العصمة " لزعمائها و أئمتها .‏
و حتى المعتزلة الذين يتعاطون بضاعة " العقل " ، و لا يكاد يوجد عندهم للعواطف ‏مكان .. يقول أحد شعرائهم في شيخهم واصل بن عطاء ‏ :‏
له خلف بحر الصين في كل بلدة ++++* إلى سوسة الأقصى و خلف البرابر
رجال دعاة لا يفل عزيمهم ++++* تهكم جبار .. و لا كيد ماكر
إذا قال مروا في الشتاء تسارعوا ++++* و إن جاء حر لم يخف شهر ناجر
هم أهل دين الله في كل بلدة ++++* و أرباب فتياها و علم التشاجر
و أهل السنة أولى بأن يقدروا و يوقروا علماءهم و لا خير في أمة لا يوقر صغيرها ‏كبيرها ، و لا يرحم كبيرها صغيرها .‏
‏ ‏
‏++++*

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:52 AM
و من التواضع ، بل من معرفة قدر النفس ألا ينظر الشاب المبتدئ إلى نفسه ‏على أنه ند لهذا العالم أو ذاك ، و يقول : هم رجال .. و نحن رجال !!‏
و الحال أن الرجولة تختلف .. فإن صفة الرجولة في القرآن الكريم سيقت مساق ‏المدح في مواضع عدة :‏
‏" فيه رجال يحبون أن يتطهروا " ( سورة التوبة / الآية 108 ) .‏
‏" في بيوت أذن الله أن ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال ، رجال لا ‏تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ‏و الأبصار " ( سورة النور / الآيتان 36-37 ) .‏
و قد يعبر بالرجولة عن الفحولة و الذكورية فحسب ، في مواضع أخرى :‏
‏ " و أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجـــــال من الجن " ( سورة الجن / الآية 6 ) .‏
فالرجال ليسوا سواء ، و أين الثرى من الثريا ؟!‏
و لربما رأيت طويلب علم لا يحفظ من القرآن إلا اليسير ، و لا يكاد يحفظ حديثاً من ‏البخاري أو مسلم بحروفه ، فضلا عن سنده و معناه .. و مع هذا قد يقف أمام ‏جهابذة العلماء و كأنه أبو حنيفة أو الشافعي ! و هجيراه أن يقول : أرى ، و أنا ، و ‏قلت ، و عندي !‏
يقولون هذا عندنا غير جائز ++++* و من أنتم حتى يكون لكم عند ؟!‏
‏ ‏
‏++++*

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:53 AM
و من التواضع أن يتواضع المرء مع أقرانه ، و كثيراً ما تثور بين الأقران و الأنداد ‏روح المنافسة و التحاسد ، و ربما استعلى الإنسان على قرينه ، و ربما فرح ‏بالنيل منه ، و الحط من قدره و شأنه ، و عيبه بما ليس فيه ، أو تضخيم ما فيه ، و ‏قد يظهر ذلك بمظهر النصيحة و التقويم و إبداء الملاحظات ، و لو سمى الأمور بأسمائها ‏الحقيقية لقال : الغيرة .‏
و العجب أن يغار الداعية من اجتماع ألف أو ألفين في مجلس علم أو دعوة لكنه لا ‏ينفعل لو سمع أن حفلا غنائياً أو مباراة رياضية حضرها عشرون أو ثلاثون ألفاً ، و ‏هذا و الله من البؤس ، حتى لو كنت لا ترضى من أخيك بعض الأمر ، يكفيك أنه يدعو ‏إلى الله ، و يعلم الناس الدين ، و هو على الجادة إجمالا :‏
و من ذا الذي ترضى سجاياه كلها ؟ ++++* كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
و قد يكون الحق معه في بعض ما انتقدته عليه .‏
‏ ‏
‏++++*

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:54 AM
و من التواضع : التواضع مع من هو دونك ، فإذا وجدت أحداً أصغر منك سناً ، أو ‏أقل منك قدراً فلا تحقره ، فقد يكون أسلم منك قلباً ، أو أقل منك ذنباً ، أو أعظم منك ‏إلى الله قرباً .‏
حتى لو رأيت إنساناً فاسقاً و أنت يظهر عليك الصلاح فلا تستكبر عليه ، و احمد الله ‏على أن نجاك مما ابتلاه به ، و تذكر أنه ربما يكون في عملك الصالح رياء أو عجب ‏يحبطه ، و قد يكون عند هذا المذنب من الندم و الانكسار و الخوف من خطيئته ما يكون ‏سبباً في غفران ذنبه .‏
عن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حدث : " أن رجلاً ‏قال : و الله لا يغفر الله لفلان ، و أن الله تعالى قال / من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر ‏لفلان ؟ فإني غفرت لفلان و أحبطت عملك "‏ ‏ .‏
فلا تستكبر على أحد ، و حتى حين ترى الفاسق لا تستعل عليه ، أو تعامله ‏بأسلوب المتسلط المتكبر .‏
و لو شعر الناصح الداعية أنه قد يكون لهذا الفاسق طاعات ليست عنده ، و أن ‏عنده هو عيوباً قد لا تكون عند صاحبه لعامله برفق ، و تلطف معه في الدعوة بما ‏يرجى أن يكون سبباً في القبول و الذكرى .‏
‏ ‏
‏++++*

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:54 AM
و من التواضع ألا يعظم في عينك عملك ، إن عملت خيرا ، أو تقربت إلى الله ‏تعالى بطاعة ، فإن العمل قد لا يقبل ، و " إنما يتقبل الله من المتقين " ( سورة ‏المائدة / الآية 27 ) ، و لهذا قال بعض السلف : لو أعلم أن الله قبل مني تسبيحة ‏لتمنيت أن أموت الآن !‏
و من ذلك التواضع عندما تسمع نصيحة ، فإن الشيطان يدعوك إلى ردها ، و سوء ‏الظن بالناصح ، لأن معنى النصيحة أن أخاك يقول لك : إن فيك من العيوب كيت و ‏كيت :‏
و كم مرة أتبعتكم بنصيحتي ++++* و قد يستفيد البغضة المتنصح !‏
أما من عصمه الله تعالى فإنه إذا وجد من ينصحه و يدله على عيوبه قهر نفسه ، و ‏قبل منه ، و دعا له و شكره .‏
و لهذا قال صلى الله عليه و سلم ، في تعريف الكبر : " الكبر بطر الحق و غمط الناس ‏‏" .‏
يعني رد الحق ، و بخس الناس أشياءهم .‏
فالمستكبر صاحب نفسية متعاظمة لا يكاد يمدح أحداً أو يذكره بخير ، و إن احتاج ‏إلى ذلك شفعه بذكر بعض عيوبه .‏
أما إن سمع من يذكره ببعض عيوبه فهيهات هيهات أن ينصاع أو يلين ، و ما ذاك إلا ‏لمركب النقص في نفسه ، و لهذا كان من كمال الإنسان أن يقبل النقد و الملاحظة ‏بدون حساسية أو انزعاج أو شعور بالخجل و الضعف ، و ها هو أمير المؤمنين عمر رضي ‏الله عنه يحمل الراية ، و يرفع الشعار :‏
‏++++* رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا ++++*‏
‏ ‏
‏ (5) سبق تخريجه .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:55 AM
رابعاً / العدل
‏ ‏
و العدل لفظ عام يعني التوسط الذي هو سمة المسلمين ، و سمة أهل السنة و ‏الجماعة في الأمور كلها دون استثناء ، و هو إعطاء كل ذي حق حقه ، و مجالات العدل و ‏صوره كثيرة جدا ليس من الميسور حصرها ، لكن هذه بعض النماذج المهمة منها ‏‏:‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:55 AM
أ – العدل مع العدو و الصديق :‏
فالكثير من الناس إذا ذكر له صديقه أثنى عليه و لو كان يعلم أنه لا يستحق ذلك ‏الثناء ، و إذا ذكر له خصمه ذمّه و لو كان يعلم أنه خلاف ما يقول .‏
فهل يستطيع الداعية أن يذكر العيوب الموجودة في أقرب الناس إليه ممن يكون مثله في ‏المنهج و الطريقة ؟! أو يكون شريكا له في عمل ما ؟!‏
و هل يستطيع أن يثني بصدق على إنسان يختلف معه في بعض الأمور ؟‏
إن كان يستطيع ذلك فقد حقق العدل في هذا الجانب ، و لكن أكثر الناس ‏يجورون على خصومهم فيذمونهم بما ليس فيهم ، و يجورون أيضا على أصدقائهم ‏فيمدحونهم بما ليس فيهم .. و هذا و إن كان مظهره مظهر المحبة و الثناء إلا أن ‏حقيقته الجور و الذم ، فمن أثنى عليك بما ليس فيك فقد ذمّك ، لأن الناس يتطلبون هذه ‏الخصلة فيك فلا يجدونها فيذمونك على فقدها ، و الله تعالى قد أمرنا بالعدل ‏حتى مع الأعداء فقال : " و لا يجرِمنَّكم شنآنُ قومٍ على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب ‏للتقوى " [ المائدة : 8 ] .‏
و من المحزن أننا و إن سلّمنا بذلك نظرياً ، إلا أننا من الناحية العملية سرعان ما ‏ننسى هذا الدرس ، فحين نقف على ما نعده نحن خطأ من فلان نسقطه من ‏الحساب ، و لا نعبأ به ، و لا نلتفت إليه ، و كثيرا ما تنسينا محاسن الشخص ‏الكثيرة عيوبه القليلة ، أو تنسينا عيوبه الكثيرة محاسنه القليلة .‏
لا بل الأمر أدهى و أمر !‏
و لعل الحقيقة أنه كثيرا ما تنسينا العيوب القليلة المحاسن الكثيرة .. و ننسى ‏القاعدة الشرعية " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث !! " ‏ ‏ .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:56 AM
ب- العدل في تقويم الكتب :‏
فحينما تقوم كتاباً فليس من العدل أن تقول إنه يحوي أحاديث موضوعة أو ضعيفة ‏‏– مثلاً – أو آراء شاذة ، فتذكر هذا الجانب المظلم ، و تنسى جانباً آخر موجوداً في الكتاب ‏، و هو أنه يحوي توجيهات مفيدة ، أو أبحاثا علمية .‏
إن ذكرك لنصف الحقيقة و إهمال النصف الآخر منها ليس من الأمانة .‏
و الكثير من الناس بمجرد أن يرى خطأً في كتاب ما يحذَره و يحذّر منه ، لأنه ساق ‏حديثاً ضعيفاً ، أو أخطأ في مسألة ، و لو عاملنا كتب أهل العلم بهذا المقياس ما بقي ‏لنا كتاب .‏
صحيح البخاري – و هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى – هل حاز على الكمال ‏المطلق ؟ كلاّ ، فقد بيض لبعض المواضع ، لم يضع تحت بعض الأبواب أحاديث ، ‏فيه أحاديث معلقة غير موصولة ، و في بعض روايات الصحيح اختلاف .‏
و لا يخلو كتاب بعد كتاب الله من النقص و الخطأ ، فلا ينبغي أن نذكر عيوب كتاب و ‏مثالبه ، إلا و نذكر إلى جانبها محاسنه ما كانت له محاسن .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:57 AM
ج- العدل في الحكم على الدعوات و الحركات :‏
منذ سقوط الخلافة الإسلامية قامت في العالم الإسلامي دعوات و حركات كثيرة ‏تهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية و الحكم الإسلامي ، أو إلى استمرار الدعوة بين غير ‏المسلمين ، أو إلى إحياء السنة ، أو ما شابه ذلك من الأهداف النبيلة .‏
و هذه الدعوات تختلف في منهاجها و أسسها و أهدافها ، و تختلف في قربها أو بعدها ‏عن منهج الكتاب و السنة .‏
و قد تحدث كثيرون عن هذه الدعوات و درسوها من جوانب مختلفة ، و الأمر الذي ‏تكاد أن تفقده في كثير من هذه الدراسات هو " العدل " ، فكثير من الكتاب ما بين ‏منتم لهذه الدعوة ، معجب بمناهجها و طرائقها فهو يكيل لها المدح كيلا ، و يدعي ‏وصلاً بليلى ! و آخر متحامل عليها لا يرى فيها إلا كل نقيصة ، و بين هذا و ذاك ‏تضيع الحقيقة .‏
و الله تعالى يحب العدل ، و يكره الجور ، و من قصّر في جانب فلا يلزم أن يكون مقصراً ‏في كل جانب ، و لا يسوغ أن تنسيك سيئاتهم الكثيرة حسناتهم القليلة .‏
أحياناً تسمع البعض يتحدث عن فئة من الدعاة إلى الله فيحولهم إلى مجموعة ‏من الشياطين حتى يفسّر نطقهم بالشهادتين تفسيراً يصرفه عن معناه المباشر ‏الظاهر ، و يؤول تصرفاتهم تأويلاً قد يصدق في بعضها و لا يصدقها في كثير منها ‏، و التعميم في هذا الموضع خطأ ، بل يجب لمن تصدى للحديث عن الدعوات و ‏مناهجها التفصيل و الدقة و ضبط العبارة و ذكر الجوانب المشرقة إلى جوار الجوانب ‏المعتمة .‏
و أئمة أهل السنة و الجماعة كانوا يذكرون أهل البدعة فيذمونهم و يحذرون منهم ‏، لكنهم يذكرون مع ذلك مقاماتهم في الرد على من هو أشد منهم بدعة ، أو في دعوة ‏بعض الكفار إلى الدخول في الإسلام ، بحيث يتحولون من كفار إلى مسلمين ‏مبتدعين ، و هذا خير من بقائهم على الكفر الصحيح بلا ريب ، أو في ردّ بعض ‏هجمات الأعداء العسكرية ، أو في أعمال خيرية قاموا بها .‏
فمن العدل ألا نتجاهل بدعتهم بحجة أنهم أحسنوا في أمور ، كما لا نتجاهل حسناتهم بحجة أنهم أصحاب ‏بدعة ، بل نجمع بين الأمرين .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:58 AM
د – العدل في النظر إلى الجهود و الأعمال الدعوية :‏
هناك جهود في ميدان الدعوة إلى الله تعالى لا ترتبط بفئة معينة ، فهي عمل ‏جهادي أو دعوي تضافرت عليه همم المؤمنين ، أو طوائف منهم ، و هي جهد ‏بشري يخطئ و يصيب ، و ليس له من العصمة نصيب ، و لذلك فإن من المصلحة ‏الظاهرة أن " تقوّم " هذه الأعمال تقويماً صحيحاً معتدلاً ، يحقق الانتفاع ‏بالإيجابيات و توسيعها و تعميقها ، و تلافي السلبيات و الخلاص منها ، لئلا تتكرر ‏الأخطاء نفسها و يعود المسلمون من حيث بدؤوا .‏
و لكن هذه المصلحة الظاهرة قد تضيع بين طرفين :‏
طرف يرى هذا العمل كاملا لا عيب فيه ، فيرمي بسهام الاتهام و الشك كل من ‏يوجه نقداً أو ملاحظة .‏
و طرف لا يبصر إلا العيوب ، حتى لا يكاد يرى في هذا العمل شيئاً يمكن الانتفاع ‏به !‏
‏• خذ مثلاً : الجهاد الأفغاني .. جهاد ما يزيد على عشر سنوات من العرق و الدمع و ‏التضحية و السهر و العناء !‏
قد تجد من يصوره على أنه خال من الأخطاء ، بريء من العيوب ، حتى كأنه جهاد ‏الصحابة رضوان الله عليهم ، و لا يقبل فيه النقد و التوجيه و الملاحظة .‏
و في المقابل قد تجد من يتحدث عن المجاهدين فيصمهم بالجهل و البدعة دون تروٍ ‏أو تفصيل ، و يتعلل بأن منهم من يعلق التمائم ! ، أو بأن عندهم بدعاً في بعض ‏المساجد ، بل تجاوز الأمر أن صرّح أحدهم قائلاً :‏
هؤلاء مشركون يحاربون ملحدين !!‏
و قرأت بخط أحدهم تعليقاً طائشاً عن إحدى الجماعات السلفية هناك ، بأنّ من لم ‏يكفرهم فهو كافر !!‏
فإذا كان هذا حكمه على فئة سلفية .. فما بالك بغيرها ؟! و الله المستعان .‏
أين ميزان القسطاس الذي وضعه الله لهذه الأمة ؟
و هل هذا هو الاتباع الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، الذي كان ‏يعرف للناس أقدارهم ، و لا يبخسهم أشياءهم ، و كان يثني على الإنسان بما ‏فيه من خلال الخير ، إذا كان ثم مصلحة – و لو لم يسلم من الأخطاء !‏
أليس قد أثنى – صلى الله عليه و سلم – على النجاشي ، و وصفه بأنه " ملك لا ‏يظلم عنده أحد " ‏ ‏ مع أنه حينها كان كافراً لم يسلم بعد ؟!‏
إن هناك فئة من الدعاة قد تنظر بعين واحدة ، إما بعين الرضا فتنسى العيوب و ‏الأخطاء التي تعرف لتعالج و تقوم ،و إما بعين السخط التي لا ترى إلا المساوئ :‏
و عين الرضا عن كلّ عيب كليلة ++++* و لكن عين السخط تبدي المساويا
‏ ‏
إذا كان المحبّ قليل حظٍّ ++++* فما حسناته إلا عيوبا !‏
‏ ‏
و يجب أن يتطلع الدعاة إلى الأحكام العادلة التي تمسك الميزان من وسطه و ‏تنظر نظرة معتدلة متوازنة تحرص ألا تتأثر بالعواطف سلباً أو إيجاباً :‏
‏" و لا يَجرمنك شنآن قـــــوم على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى " [ المائدة : 8 ] .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:59 AM
هـ – العدل في التعامل مع النصوص الشرعية :‏
وهذه النصوص المحكمة كلها " دين " يجب قبوله و طاعته و الإيمان به ، و ليس ‏شيء منها " مهجوراً " ما دام محكماً غير منسوخ .‏
و من العدل أن تتوازن في النظر إلى هذه النصوص ، فلا تأخذ منها نوعا و تهمل ‏نوعا آخر،خاصة النصوص الواردة في موضوع واحد ، أو في موضوعين متقابلين .‏
‏• هناك من يأخذ نصوص الوعيد كحديث " لا يدخل الجنة قاطع " ‏ ‏ ، أو " لا يدخل الجنة ‏قتات " ‏ ‏ ، أو " كفـر بالمرء تبرؤ من نسب و إن دق " أو .. أو .. و يبنى على ذلك ‏تكفير الخلق بهذه الأعمال و نحوها اعتماداً على ظواهر هذه النصوص و ‏ينسى أو يتناسى النصوص الأخرى الواردة في الوعد و الرجاء ، كحديث عتبان " ‏فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " ‏ ‏ . أو " من شهد ‏أن لا إله إلا الله ، و أن محمدا عبد الله و رسوله ، و أن عيسى عبد الله و رسوله ، و ‏كلمته ألقاها إلى مريم و روح مريم ، و أن الجنة حق ، و أن النار حق ، أدخله الله الجنة ‏على ما كان من العمل " ‏ ‏ .‏
‏• و في الطرف الآخر هناك من يعكس المسألة فيأخذ نصوص الرجاء وحدها ، و يؤمن ‏الناس من مكر الله و يغفل نصوص الوعيد . ‏
‏" و خلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى و يقولون سيغفر لنا و إن ‏يأتهم عرض مثله يأخذوه "[ الأعراف : 169 ] . ‏
و العدل أن نأخذ بهذا و ذاك ، و نضع هذه في كفة ، و تلك في أخرى حتى يعتدل ‏الميزان و يستقيم .‏
و من العدل بين النصوص الشرعية العدل بين الكليات و الجزئيات ، فالدين كله لله ، ‏و ليس فيه شيء يجوز أن يهون من شأنه ، أو أن يتجاهل أو يهمل ، و لهذا قال ‏صلى الله عليه و سلم ، لما أجاب جبريل عـن الإيمان و الإسلام و الإحسان : " هذا ‏جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم " ‏ ‏ .‏
و لذا لو أنكر الإنسان أمرا معلوما من الدين بالضرورة متواترا قطعي الثبوت لكان ‏بذلك كافرا و لو كان هذا الأمر الذي أنكره سنة أو فرض كفاية كركعتي الفجر و ‏الآذان و نحوهما .‏
فليس في الدين "قشور" أو "توافه" كما يحلو لبعض المتعجلين و الهاجمين على ‏القول بدون ثبت و لا روية أن يعبروا .‏
إنما هناك أولويات كالبداءة بأمور العقيدة ، و تقديم الكليات على الجزئيات ، فأنت حين ‏ترى على إنسان مجموعة أخطاء فمن الحكمة أن تبدأ بالخطأ الأكبر قبل الأصغر ، ‏فليس من الحكمة أن تلومه على بعض الأذكار المسنونة و هو يخل بواجبات ‏الصلاة أو أركانها ، و ليس يسوغ أن تبدأ معه رحلة النصيحة بنهيه عن التدخين و هو يقع ‏في الشرك .‏
و التدرج في الدعوة ثابت في وصية النبي صلى الله عليه و سلم ، لمعاذ حين ‏بعثه إلى اليمن فقال : " إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن ‏لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم ‏خمس صلوات في كل يوم و ليلة ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم ‏صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم .. الحديث " ‏ ‏ .‏
فتقديم الأهم فالمهم شريعة نبوية ، كانت جزءاً من منهجه صلى الله عليه و سلم في ‏الدعوة العملية ، و هي جزء من وصيته لصحابته المبلغين عنه .‏
و بعض الدعاة المخلصين قد تتحول عنايتهم و ينصب اهتمامهم على مجموعة ‏مسائل جزئية ، هي مهمة دون شك لكن ثمت ما هو أهم منها ، و ليست مهمة ‏الناصح أن يصرف اهتمام الدعاة عنها بالكلية ، أو يزهدهم فيها ، كلا .‏
بل مهمته أن يعمل على وضعها في مكانها الطبيعي الذي يليق بها ، و وضع المسائل الأخرى التي تكبرها ‏في مكانها الطبيعي أيضاً .‏
كنت يوماً أشرح للطلاب في دروس " بلوغ المرام " حديث أبي سعيد رضي الله ‏عنه : " إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه ، فإن رأى فيهما أذى فليمسحه و ليصل ‏فيهما " ‏ ‏ .‏
فرأيتها فرصة مناسبة لشرح المنهج المرضي في مثل هذا الحديث .‏
فأولاً : ذكرت السنن الواردة عن الرسول صلى الله عليه و سلم في مسألة الصلاة ‏في النعلين ، و هي إجمالاً خمس :‏
الأولى : أنه صلى الله عليه و سلم كان يتعمد أحياناً خلع نعليه في الصلاة كما في ‏حديث عبد الله بن السائب : " رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يصلي يوم الفتح و ‏وضع نعليه عن يساره " ‏ ‏ .‏
الثانية : صلاته صلى الله عليه و سلم ، في النعلين كما في حديث أبي سعيد ، و مثله ‏ما رواه أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال : سألت أنس بن مالك رضي الله ‏عنه : أكان النبي صلى الله عليه و سلم يصــــلي في نعليه ؟ قال : نعم ‏ ‏ .‏
الثالثة : أنه كان يصلي حافياً و منتعلاً كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ‏جده ‏ ‏ يعني : تارةً هكذا و تارةً هكذا .‏
الرابعة : الأمر بوضع النعلين بين رجليه ، و لا يضعهما عن يمينه و لا عن يساره إلا أن لا ‏يكون عن يساره أحد ، كما جاء في حديث أبي هريرة ‏ ‏ و غيره .‏
الخامسة : الأمر بالصلاة فيهما كما في حديث شداد بن أوس : " خالفوا اليهود ، فإنهم ‏لا يصلون في نعالهم و لا في خفافهم " ‏ ‏ .‏
ثم ثنيت بذكر آراء الفقهاء في المسألة و هي ثلاثة :‏
‏1_ رأي يقول بالكراهة ، نقل ذلك عن ابن عمر و أبي موسى الأشعري .‏
‏2_ و آخر يقول بالاستحباب و هو مذهب الأكثرين كعمر و عثمان و علي و أنس و ابن ‏مسعود و عطاء و مجاهد و طاوس و شريح .. الخ .‏
‏3_ و ثالث يقول بالجواز إذا لم يكن فيها نجاسة ، كما رجحه ابن الخطابي و ابن دقيق ‏العيد و ابن بطال و النووي و غيرهم ، أي : ليست الصلاة في النعل بمستحبة عندهم ‏، و زعم ابن دقيق العيد أن ملابسة النعل للأرض التي تكثر فيها النجاسات يقصر ‏به عن أن يكون زينة يستحب أخذها للصلاة .‏
ثم ثلثت بالترجيح لما يقتضيه الدليل الصحيح الصريح ، و هو استحباب الصلاة في النعل ، ‏على أن يراعى في ذلك أمور : ‏
أ‌- أن ينظر فيها و يطمئن إلى سلامتها من الأذى أو القذركما أمر به صلى الله عليه ‏و سلم ، في حديث أبي سعيد .‏
ب- ألا يترتب على ذلك تشويش أو تشويه ، فإن رفع الأصوات في المساجد و الجدل ‏العريض ، و الهجر في المقال و امتلاء الصدور بالكراهية و البغضاء و التدابر ، بل و ‏ترك الصلاة مع الجماعة إمعانا في التعبير عن الغضب .. كل ذلك قد يفعله بعض ‏الناس ممن كان يحتاج إلى تأليف قلوبهم . و في بعض المجتمعات يفرح أعداء ‏الدعوة و أعداء المنهج الصحيح بمثل هذه الأعمال ، و يستغلون جهل الناس بالسنة ‏ليلصقوا بالدعاة التهم الباطلة ، و ينفروا الناس منهم .‏
ج_ ضرورة ترتيب الأولويات ، فنحن نريد تصحيح عقائد الناس ، و تحذيرهم من ألوان ‏الشرك الظاهر و الخفي ، و نريد حمل الناس على فعل الفرائض و الواجبات ، و ‏الامتناع عن المحرمات ، كما نريد حثهم على الالتزام بالسنن و المستحبات ، و ‏ترغيبهم في تجنب المكروهات .‏
و ليس يصح في النظر السليم أن أصرّ على تعليم الناس سنة من السنن مهما كلف ‏ذلك من جهد ، لتكون النتيجة أن يرفضوا هذه السنة بجهلهم ، ثم يرفضوا من دعاهم إليها ‏فلا يقبلوا منه صرفاً و لا عدلاً .‏
و سلّم الأولويات الشرعية يبدأ بتعليم أصول العقيدة ، ثم فعل الفرائض و ترك ‏المحرمات ، ثم آداء السنن و ترك المكروهات ، و هي كالضروريات ، ثم الحاجيات ‏ثم التحسينيات .‏
‏• و باختصار : نحن بحاجة إلى " درء التعارض " بين العناية بالكل ، و العناية بالجزء ، و ‏إزالة الفكرة الكاذبة التي توحي بأن الاهتمام بالكليات يلزم منه إهمال ‏الجزئيات ، أو العكس ، و أن نجمع اهتمام الدعاة على نسق واحد ، يعطي كل ‏ذي حق حقه .‏
و ليس عيباً أن يدرس الداعية أو يدرّس هذه السنن التي ينكرها الناس كتقصير ‏الثياب إلى وسط الساق ، أو جلسة الاستراحة في الصلاة ، أو تحريك الأصبع في ‏التشهد ، بل هي مسائل ورد فيها نصوص شرعية ينبغي للمتخصص أن يكوّن منها رأياً و ‏اجتهاداً ، شريطة ألا تلهيه عن غيرها ، كما يدرّب الشباب على تطبيقها في خاصة ‏أنفسهم و فيمن يقبل منهم و يأخذ عنهم ، و في الأزمنة المناسبة ، و في الأمكنة ‏المناسبة ، و يتركوها – احتساباً لوجه الله – حين يرون المصلحة الشرعية في ‏تركها ، و ليس خوفاً من ألسنة الناس أو أقوالهم على أشخاصنا :‏
فإن أبي و والده و عرضي ++++* لعرض محمد منك وقاء
و ليس من العدل أن نكتب في موضوع جزئي ما يزيد على أربعة عشر بحثاً .. في ‏حين نترك الوقائع و النوازل الكبيرة في الأمة يسير الناس فيها على غير هدى ، و يتخبطون ‏بآرائهم الشخصية ، أو باجتهادات ناقصة لم تتوافر فيها لآلات الاجتهاد الصحيح .‏
و هناك من يقع في الخطأ المقابل،فيشتغل ببعض الكليات و يقلل من شأن ‏الجزئيات .‏
يقول أحدهم : أنا سلفي ، و عندما أنظر إلى شخصية "عمر" أنظر فيها إلى عمر ‏الذي نشر العدل بين الناس ، عمر الذي كان يقول : لو عثرت بغلة في العراق لشعرت أن ‏الله سائلني عنها ، لمَ لمْ تسوِّ لها الطريق يا عمر ؟
و لست أنظر إلى شخصية عمر الذي يقصّر ثوبه و يطيل لحيته !! كما ينظر إليه بعض " ‏الصبية " !! .‏
يا سبحان الله !‏
و لماذا نشطر شخصية " عمر" فنجعل منها " عُمَرين " ، عمر العادل المجاهد المتحمل لمسئولية البغلة ‏بالعراق ، و عمــر الملتزم بالسنة في هيئته و ثوبه و عمله ؟
حاشا عمر رضي الله عنه ، فإنه ما كان يؤمن بهذه " الثنائية " و هذا الانشطار و ‏إليك الدليل :‏
‏• لما جاء عقبة بن عامر رضي الله عنه يبشره بفتح الشام ، و قد ركب إليه ‏أسبوعا من الجمعة إلى الجمعة حتى وصل المدينة ، و أخبره بالفتح ، فكبر ‏لذلك و سر المسلمون من هذا النصر المؤزر .‏
ثم نظر عمر إلى خفي عقبة ، فقال له : منذ متى لبستهما ؟ قال : منذ أسبوع و ‏أنا أمسح عليهما ! فقال له عمر : أصبت السنة ‏ .‏
‏ و الأثر صحيح كما يقول ابن تيمية ‏ ‏ و غيره .‏
فلم يكن اشتغال عمر رضي الله عنه بمسألة الفتوح و إخضاع العالم لحكم ‏الإسلام مانعا له عن بحث مسألة فرعية جزئية – في نظر البعض – و بيان السنة ‏فيها حسب رأيه و اجتهاده .‏
‏• و حين كان أمير المؤمنين في فراش الموت كان همّ الخلافة من بعده مما يقلق ‏باله ، و بال أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و مسألة الخلافة ‏مصلحة عامة جوهرية خطيرة ، لكنها – على أهميتها – لم تشغل عمر عن ‏المباحثة و المفاهمة في بعض الجزئيات ، فكان مما فعل - و هو طعين – أنه دخل ‏عليه غلام من الأنصار ، فأثنى عليه خيرا فلما خرج رأى عمر في ثوبه طولاً ، ‏فقال : ردوا علي الغلام !! فردوه فقال له : يا ابن أخي ! ارفع إزارك فإنه أنقى ‏لثوبك و أتقى لربك ! ‏ ‏ .‏
و بعد لحظات التفت إلى من حوله من الصحابة فقال لهم : ما تقولون في مسألة ‏إرث الجد مع الإخوة ؟ فتحدثوا ، فقال عمر : " إني كنت رأيت في الجد رأياً فإن رأيتم ‏أن تتبعوه فاتبعوه ! فقال عثمان رضي الله عنه : إن نتبع رأيك فإنه رَشَد ، و إن ‏نتبع رأي الشيخ قبلك فلنعم ذو الرأي كان !! ‏
هذا عمر رضي الله عنه !‏
‏ تنسجم عنده الكليات و الجزئيات في مزيج عذب ، لا يطغى فيه لون على لون ، و لا ‏طعم على طعم ، و في بناء متكامل لا يغني فيه شيء عن شيء .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 08:00 AM
و – العدل في النظرة الشمولية للإسلام :‏
فالدين جاء ليحكم شئون الحياة كلها ، على مستوى الفرد و الجماعة ، و في الجوانب ‏الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و العلمية و سواها ، و قد عاب الله تعالى على ‏بني إسرائيل و وبخهم بقوله :‏
‏" فنسوا حظا مما ذكروا به ، فأغرينا بينهـــم العداوة و البغضاء إلى يوم القيامة " [ المائدة : ‏‏14 ] .‏
‏ فالتحزب على جزء من الدين ، و نسيان الأجزاء الأخرى هو من ميراث الأمم ‏الهالكة ، و من أعظم أسباب الفرقة و الخلاف بين الدعاة . فتجد طائفة من المسلمين ‏تهتم بالإسلام التعبدي ، فتعنى بقيام الليل ، و كثرة الذكر ، و قد تضيف إلى ذلك ‏بعض الترتيبات التي لا أصل لها في الشرع و ربما تسرب إليها شيء من التصوف ‏العجمي الانعزالي حتى لقد حدثني أحدهم بلهجة المسرور أن أحد الجواسيس ‏الغربيين جلس معهم طويلاً ثم كتب عنهم أن هؤلاء لا ضير منهم ، فهم يتحدثون ‏فيما تحت الأرض و فيما فوق السماء !!‏
تبارك الله !‏
في القبر و الموت و العذاب و النعيم ، و في الله و الملائكة و الآخرة !‏
أما ما فوق الأرض فلا شأن لهم به !‏
و تجد طائفة أخرى تهتم بالإسلام السياسي ، فجهادهم هو في ميدان تكوين ‏الأحزاب السياسية ، و حشد الأنصار ، و الفوز بالانتخابات ، و الدخول في ‏المجالس و البرلمانات .. و تربية الشباب على الجهاد السياسي .‏
و تجد فئة ثالثة عنيت بالإسلام العلمي ، فهي تتعلم السنة و الحديث ، و تشتغل ‏ببيان صحيحها من سقيمها ، و تحذر الناس من رواية الأحاديث الضعيفة و ‏الموضوعة ، و قد يصحب ذلك شيء من الجفاء أو ضعف التعبد أو الغفلة عن واقع ‏الأمة و ما يدبر لها .‏
و قبل أن يسبق إلى ذهن أحد معنى يكرهه أبادر و أقول :‏
أولاً : الإسلام يشمل الجوانب الثلاثة كلها ، و غيرها ، فهو دين جاء ليربط العبد بربه ‏تعبدا و رجاء و خوفا ، و من ثم جاءت الشعائر التعبدية ، و هو دين جاء ليحكم حياة ‏الناس و يدير شئونهم ، فليس كهنوتا و لا رهبانية ، و لا عزلة عن واقع الحياة ، و ‏السياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام ، فالجهاد في هذا الميدان بكل وسيلة مباحة ‏مؤدية للغرض المقصود يجب أن يكون جزءا من هم الداعية .‏
و هو دين جاء ليضبط التعبد ، و يضبط الحركة في واقع الحياة ، بضابط الكتاب و ‏السنة فلا يكون هناك مجال للعواطف المجردة ، و لا للأمزجة الشخصية ، فلا بد ‏من العلم بالكتاب و السنة حتى نصحح عباداتنا و أعمالنا .‏
إذن : كل هذه المجالات مما جاء الدين بالدعوة إليه ، و الحث عليه .‏
ثانياً : قد يعجز فرد أو أفراد أن يحيطوا بهذه الأمور كلها في دعوتهم إلى الله، فالطاقة ‏محدودة إذا صرفت لشيء فربما بخست شيئاً أخر ، أو أضرّت به ، فضلاً عن أن ما ‏رُكّب عليه الناس من الطبائع و النظرات و نوعية الاهتمامات قد يجعل الإنسان ‏بطبعه أميل إلى أحد هذه الأمور . فمثلاً قد يكون في الإنسان زهد و نسك و خير ‏كثير ، لكنه لم يرزق آلة العلم الشرعي ، فليس من أهله .‏
و هنا نقول : قد علم كل أناس مشربهم ، و كل ميسر لما خلق ، و قد كان من ‏أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ، الفارس المقاتل الشجاع كخالد بن الوليد ، ‏إلى جوار العالم المتهجد الفقيه كابن عباس و ابن مسعود ، إلى جوار المتعبد ‏المتزهد الذي يصيح بالناس قولا و فعلا : لا تركنوا إلى الدنيا ، كأبي ذر رضي الله ‏عنه .‏
و من مجموع هذه الشخصيات و غيرها يتكون البناء الإسلامي المتكامل .‏
و قد يوجد فيه من يكونون مجمعا للفضائل – و هو قليل – و على نطاق الصحابة ‏رضي الله عنهم تجد أمثال أبي بكر و عمر و عثمان و علي و غيرهم و هم من ‏الصحابة أكثر منهم فيمن جاء بعدهم .‏
ثالثاً : يجب أن يكمل بعضنا بعضاً ، و ألا يكون تنوع الاهتمامات مدعاة للتطاحن و ‏التناقض و التنابز و اتهام كل طرف للآخر .‏
فهذا يتهم ذاك بالجهل ، و ذاك يتهم هذا بالإغراق في بحث الجزئيات و الغفلة عن ‏واقع الحال ، و الثالث يتهم الآخرين بالجفاء و الجفاف ، و الركون إلى الدنيا و هكذا ‏‏.. كلا ..‏
بل يقول كل مؤمن لأخيه ، إنه قام بما قصر فيه هو من فروض الكفايات و سد ‏عنه ثغرة ما كان يستطيع سدها ، و يدعو له بظهر الغيب ، و يحمي ظهره من طعن ‏الطاعنين .‏
فلا " نتحزّب " على جزء من الدين ، و نحارب من يتهم بجزء آخر ، بل إن قصرنا في ‏أمر شكرنا من يقوم به عنا ، و شتان بين الأمرين .‏
رابعاً : و يجب ألا يشغلنا ما نذرنا أنفسنا له – من علم أو تعبد أو جهاد سياسي أو غير ‏ذلك – عن الجوانب الأخرى أن نأخذ منها بنصيب ، فليس يسوغ للداعية – أيَّا كان – أن ‏يجهل ما يكون تعلمه فرض عين على كل مسلم ، كمعرفة العقيدة الصحيحة ، و ‏معرفة أحكام الوضوء و الصلاة و الصيام و نحوها ، و معرفة ما يحتاجه في حياته العملية ‏كآداب المعاشرة للمتزوج ، و أحكام الزكاة و التجارة أرباب الأموال ، و الأحكام ‏المتعلقة بالعمل أو المهنة كالطب أو الهندسة أو غيرها .‏
و هذا هو العاصم - بإذن الله – عن أن يكون اهتمامنا بشيء ذريعة إلى الغلو فيه و ترك ما ‏عداه .‏
فإن العناية بالعبادة إذا لم يصحبها علم شرعي صحيح ، مبني على الدليل من ‏الكتاب و السنة قد تؤدي إلى التردي في مهاوي التصوف .‏
و العناية بالدعوة إذا لم تبن على فهم صحيح ، و مدارسة للنصوص ، و تحصيل ‏علمي قد تؤول إلى جمع الناس على بدعة أو حشدهم على غير شيء . و هكذا .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 08:00 AM
ز_ العدل مع الواقــــــــع :‏
فالبعض من الدعاة يعيش في هذا العصر ، و كأنه في القرن الخامس الهجري ! لا يعرف ‏عصره ، و لا يدري ما يقع حوله ، و يفاجأ بالأحداث . كما يفاجأ بها رجل الشارع !‏
‏ صعد خطيب من الخطباء في إحدى القرى و في يده كتاب يقرأ منه ، فكان مما ‏قال في آخر خطبته أن دعا لأمير المؤمنين السلطان العثماني فلان ، أن يخلد الله ‏ملكه ، و يؤبد سلطانه !!‏
و لم يدر أن جسد هذا الخليفة أصبح طعاما للديدان في قبره ، و أن ملكه أصبح نهبا للشرق و الغرب !‏
و هذه الصورة " الصارخة " من " الغيبوبة " قد لا تتكرر كثرا ، لكن ثمت صور ألطف منها ‏تتكرر بصفة دائمة .‏
أحد الشباب سألني قائلا : حزب البعث ، ما هو حزب البعث ؟ ما هي عقائدهم ‏الأخرى غير مسألة الكفر بالبعث ؟!‏
ظن أخي أن سبب تسميته بحزب البعث ، لأنه يكفر بالبعث ، كما سمي القدرية ‏لأنهم ينكرون القدر !!‏
إن المسلم قيم على عصره ، و شاهد عليه ، فهو يعيش هموم المجتمع ، و يدرك ‏تيارات الفكر و اتجاهات السياسة ، و يحرص على إيجاد الحلول الصحيحة للوقائع ‏الجديدة ، و على مقاومة الانحرافات بعد معرفتها و إدراك جذورها ، و لن يستطيع ‏نقض مناهج الفكـر الغربي من لا يعي جذورها و ظروفها و منطلقاتها .‏
و ليس من الضروري أن يصبح كل داعية كذلك ، لكن لا بد أن يَنْفُرَ من المؤمنين طائفة ‏ليقوموا بهذه الفريضة ، و على المستوى العام لا بدّ أن يكون للداعية نافذة على ‏الواقع يدرك من خلالها أهم الأحداث المحيطة به ، و يستطيع أن يكون مرشداً ‏للناس إلى السلوك الصحيح حيالها .‏
و في مقابل أولئك المنعزلين عن الواقع يوجد من يحوّل هذا النزول للواقع إلى ‏نوع من الانهزامية ، و البحث عن المسوغات و المبررات ليقول إن ما عليه للناس ‏موافق للإسلام ، أو يحاول التخلي عن بعض الأمور الشرعية مجاملة للواقع ، أو ‏خضوعا لضغطه النفسي .‏
و العدل هو التعرف على الواقع و محاكمته إلى دين الإسلام ، و تصحيح انحرافاته بحسب ‏الإمكان .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 08:01 AM
ح _ العدل في التعامل مع الخلاف :‏
الخلاف من طبيعة البشر " و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك " [ هود : 118 – 119 ‏‏] .‏
و لا شك أنه يختلف و يتفاوت باختلاف النيات و المقاصد ، و اختلاف العقول و المدارك ، ‏و اختلاف العلوم ، و التعامل مع الخلاف يتطلب موقفاً شرعيَّاً . بعض الدعاة يدعو إلى ‏وحدة الصف و جمع الكلمة و نسيان الخلاف دون تحديد ضابط دقيق لمن يمكن ‏الوحدة معه ، و من تجب مفاصلته لبدعته و ضلاله و انحرافه .‏
و في الطرف الآخر هناك من يبالغ في الشروط ، حتى ليريد من الناس أن يوافقوه ‏في كل شيء ، حتى في اجتهاداته الشخصية الفردية ، و آرائه الخاصة ، فإذا ‏خالفه أحد في بعض ذلك أعرض عنه ، و اتخذ منه موقف المناوئ ، و أصبح لا يأبه ‏به و لا يقيم له وزناً !‏
و العدل يقتضي تقبل الخلاف فيما يسوغ الخلاف فيه كالوسائل الدعوية ، و الفرعيات ، و ‏الأحكام التي اختلف فيها السابقون .. و نحو ذلك مما بني على اجتهاد شرعي في فهم ‏النصوص ، لا على مجرد الميل و التشهي .. فمثل هذا يحتمل ، و يكون الأمر فيه واسعاً .‏
أما التسامح مع أهل البدع الاعتقادية الغليظة ، و الانحرافات الجوهرية بحجة توحيد الصف ‏فمسلك تلفيقي لا يمتّ إلى العقل و لا إلى الشرع بصلة .‏
و أما مطالبة الناس بالاتفاق على كل شيء ، و ألا يختلفوا في شيء البتة ‏فضرب من المحال و الخيال ، لا يتصوّر إلا في عقول السذّج .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 08:02 AM
خامساً / العاطفة الحية‏ ‏

نحن بحاجة إلى داعية يملك قلبا يحترق على واقع الإسلام و المسلمين و على أوضاع ‏الأمة في مشارق الأرض و مغاربها ، يعطف على إخوانه و يحقق قوله سبحانه " ‏أشداءُ على الكفار رحماءُ بينهم " [ الفتح :29] و لا يكون شأنه شأن الخوارج في ‏الدهر الأول الذين يقتلون أهل الإيمان و يدعون أهل الأوثان .‏
إن المؤمن ينبغي أن يكون شديداً على الكفار رحيماً بالمؤمنين و يحقق في نفسه ‏قوله صلى الله عليه و سلم ، " مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل ‏الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى " .‏
و قوله " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً " .‏
فنحن بحاجة إلى من يحس بآلام إخوانه المسلمين ، فإذا سمع بمصيبة حلت ‏بإخوانه تألم لها و لو كان لديهم بعض التقصير و الابتداع .‏
كان الشيخ محمد رشيد رضا يتألم لواقع المسلمين و تظهر أحزانه على قسمات ‏وجهه حيت تحل بأحد المسلمين مصيبة أو قارعة ، و يفرح إذا كان الأمر على ‏العكس من ذلك حتى إن والدته عرفت عنه هذا الخلق فإذا رأته حزيناً كاسفاً ‏سألته مالك يا ولدي : أمات اليوم مسلم بالصين ؟ فهي قد أدركت أن أحزان ابنها و ‏أفراحه مربوطة بأحوال المسلمين يفرح لفرحهم و يحزن لحزنهم و هذا هو الولاء ‏الحقيقي للمسلمين .‏
‏• و من هذه العاطفة أن يملك الإنسان قلبا يتأثر لأخطاء المسلمين و انحرافهم ‏عن الدين ، فيحزن لانتشار الفسق و المعاصي بينهم حزنا لا يدفعه لاعتزالهم إنما ‏يدفعه لأن يشعر أن كالطبيب معهم يحاول إنقاذهم فإن لم يدرك ذلك كله فليقلل من ‏هذا الانحراف بقدر ما يستطيع .‏
و ينبغي أن تدعوه هذه العاطفة للغيرة على نفسه و زوجه و ولده فيأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و ‏يمنعهم من ارتكاب ما يسخط الله عز و جل .‏
كثيرون هم الدعاة الذين يتحدثون عن الإسلام لكن الذي يملك عاطفة حقيقة حية ‏قلة من هؤلاء ، و إذا تحركت العاطفة في قلب الداعية أثمرت دعوة و نصيحة و ‏مشاركة لآلام المسلمين في كل مكان . أما حين يفقد الإنسان هذه العاطفة ‏فيُصبح يعيش لنفسه و ولده و زوجه ، يعيش ليستمتع و يتلذذ بما حوله و ينسى ‏هموم المسلمين فإنه حينئذ يكون قد تخلى عن حقيقة الولاء للمؤمنين ، و إن ‏دندن في أحاديث حول الدعوة و الدعاة ، و مصائب المسلمين ، و .. و .. إلا أنه يكون ‏كالنائحة المستأجرة .‏
و ما أكثر الذين تعودوا على كلام يرددونه في المناسبات .. و حفظوا عبارات ‏يسمعونها و يتلونها دون أن تنطلق من حماس و غيرة على الدين و أهله ..‏
فآهٍ لهذه الأمة .. ما أحوجها إلى قلوب تحترق !‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 08:03 AM
سادساً / الطموح

و يعني هذا الخلق أن لا يعيش الإنسان لنفسه و دنياه إنما يعيش لأمته كما كان صلى الله ‏عليه و سلم ، إذ تقول عنه عائشة لما سألها عنه عبد الله بن شقيق رضي الله ‏عنه هل كان النبي صلى الله عليه و سلم ، يصلي و هو قاعد ؟ قالت : " نعم بعدما ‏حطمه الناس " ‏ ‏ . فقد كان صلى الله عليه و سلم ، يتصدى للناس يستقبلهم و ‏يودعهم ، يأمرهم و ينهاهم يختلط بهم و يتحمل أخطاءهم لذلك حطمه الناس و أثروا ‏في بدنه صلى الله عليه و سلم ، حتى أصبح يصلي جالساً و أسرع إليه الشيب بأبي هو و ‏أمي صلى الله عليه و سلم .‏
‏• و الدين مراتب فالإسلام ثم الإيمان و الإحسان يقابل هذه القسمة قسمة ثلاثية ‏أيضاً و هي الواردة في سورة فاطر " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ‏فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل ‏الكبير " [ فاطر :32] .‏
و يناظر هذه القسمة قسمة ثلاثية أيضا ذكرها النبي صلى الله عليه و سلم ، ‏في حديث الفرقة الناجية حيث ذكر الإسلام أولاً و هو الضمانة الوحيدة في الدخول ‏إلى الجنة فلا يدخل الجنة إلا مسلم و داخل في هذه الدائرة الكبرى و هي دائرة ‏الإسلام دائرة أضيق و هي دائرة الفرقة الناجية و تشمل من التزموا بالسلوك ‏المستقيم و العقيدة الصحيحة و لم يقوموا بما وراء ذلك . و هناك دائرة أضيق من ‏هذه الدائرة و هي أفضل و أشرف و أعظم و هي دائرة الطائفة المنصورة الذين يذُبُّون عن ‏الدين و ينافحون عنه و يتحملون الأذى و اللأواء في سبيله فينصرهم الله جل و علا .‏
فينبغي أن يكون المسلم طموحاً و يسعى للارتقاء في هذه الدرجات و أن ينظر في ‏الدين إلى من هو فوقه و في الدنيا إلى من هو دونه . فحاول أن تتشبه بالفضلاء و ‏المصلحين و المجددين حتى يتحقق لك بعض الخير في هذه الدنيا كن صاحب ‏نفس طموحه لا ترضى بالوقوف عند حد معلوم ، و لا تشبع من خير قط حتى يكون ‏منتهاك الجنة .‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 08:03 AM
و ختامـــاً

ينبغي للداعية أن يكون قدوة لغيره بأن يتجنب المكروهات و فضول المباحات و ما ‏لا يحتاج إليه ، و يترفع عن الدنيا و التنافس فيها حتى يكسب ثقة الناس ، و الأمر ‏كما قال الشافعي :‏
و من يذق الدنيا فإني طعمتها ++++* و سيق غلينا عذبها و عذابها
فما هي إلا ضيعة مستحيلة ++++* عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ++++* و إن تجتذبها نازعتك كلابها
فمن المهم للداعية أن يجعل الدنيا تحت قدميه يستخدمها و لا يخدمها حتى يعلم الناس أنه ليس صاحب ‏دنيا و لا طالب مكانة .‏
و من مجالات القدوة أن تجنب الداعية التناقض بين القول و العمل كما قال نبي الله ‏شعيب " و ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استعطت و ما ‏توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب " [ هود : 88] .‏
و لذلك كان علماء السوء يدعون الناس إلى الإسلام بأقوالهم و يحذرون منه ‏بأعمالهم ، فاحرص أخي الداعية أن تكون قدوة في قولك و عملك .‏
‏• و ها هنا أمر ينبغي التنبه له و هو أن الكثير من الناس يظن أن الداعية لا يأمر إلا ‏بالمعروف الذي يفعله و لا ينهى إلا عن المنكر الذي يجتنبه و هذا غلط بل الصحيح ‏الذي تدل عليه نصوص الكتاب و السنة أن الإنسان يجب عليه أن يأمر ‏بالمعروف و لو كان مقصراً فيه و أن ينهى عن المنكر و لو كان واقعاً فيه حتى قال ‏بعض حذاق أهل العلم حق على من يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضاً ‏‏.‏
فالوقوع في المنكر لا يبرر لي الوقوع في خطأ آخر و هو أن لا أنهى عن المنكر ، و الشرط ‏الوحيد أن يكون أمري بالمعروف و نهيي عن المنكر بصدق و ليس على سبيل ‏الخداع و النفاق و التضليل و أن أظهر للناس أني داعية ، و أنا لست كذلك . فلو ‏كان الوالد مثلا مبتلى بشرب الدخان و رأى ولده يدخن فهل يسكت عنه بحجة أنه ‏واقع في المنكر ؟
كلا . بل عليه أن ينهاه و يقول : إني سلكت هذا الطريق و يصعب علي الإقلاع و ‏أنت ما زلت في البداية و هكذا سائر المعاصي .‏
و قل مثل ذلك في مسئول يرى من تحته يقع في معصية هو واقع فيها .‏
و لو لم يعظ في الناس من هو مذنب ++++* فمن يعظ العاصين بعد محمد
و تقتضي القدوة ألا يقابل الداعية السيئة بالسيئة بل يعفو و يصفح و يقابل ‏الإساءة بالإحسان كما كان صلى الله عليه و سلم ، يعفو عمن ظلمه ، و يعطي من ‏حرمه ، و يصل من قطعه ، و هذه أخلاق الأنبياء .‏
جعلنا الله و إياكم هداة مهتدين ، غير ضالين و لا مضلين ، و عاملنا بفضله و ‏رحمته ، فهو أهل التقوى و أهل المغفرة .‏
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .‏
سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك .‏

سلمان بن فهد العودة
‎ ‎