المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من الأدب الغربى قصص من الشرق والغرب



يحيي هاشم
18-01-2006, 07:34 PM
في ضوء القمر
In The Moonlight
موباسان

"اكتسب الأب "مارينيان" بحق اسم " جندي الله " كان قساً طويلاً نحيلا ًمتعصباً إلى حد ما. و لكنه كان ‏عادلاً وذا نفس متسامية و كانت معتقداته ثابتة لا تتغير و لا تتبدل فهو يعتقد انه يفهم الله فهماً واعياً كاملاً ‏و انه محيط بخططه و رغباته و نواياه. ‏
و كان أحيانا يتساءل و هو يتمشى في ممر حديقته في البلدة الصغيرة التي يعمل بها فيها " لماذا فعل الله ‏ذلك ؟" و يفكر جاهداً و يرض عن نفسه في اغلب الأحيان إذ يجد الجواب و لم يكن الأب
‏" مارينيان " من ذلك النوع من الرجال الذي يهمس في خشوع " إن سبلك يا ربي أعظم من أن تدركها ‏مدارك الرجال " بل كان يقول " أنا خادم الله و علي أن أعرف السبب في أفعاله أو أن أتبين السبب إن لم ‏اعرفه " و خيل إليه أن كل شيء في الطبيعة قد خلق بمنطق مطلق جدير بالإعجاب، و أن هناك دائماً توازناً ‏بين الأشياء و مسبباتها، فالشروق وجد ليبعث البهجة في نفس الإنسان و هو يستيقظ، و النهار وجد لينضج ‏المحاصيل، و الأمطار لترويها، و الأمسيات ليستعد الإنسان للنوم و الليل الحالك للنوم، و الفصول الأربعة ‏تتفق تماماً و حاجيات الزراعة . و كان من المستحيل أن يداخل الشك الأب " مارينيان " في أن الطبيعة لا ‏هدف لها. و أن كل كائن حي هو الذي يكيف نفسه وفقا للظروف القاسية للفصول و الأجواء و المادة ذاتها.‏
و لكنه كان يكره النساء . كان يكرهن من أعماقه، و يحتقرهن بالغريزة، و كان دائماً يردد قول المسيح
‏" مالي و لك يا امرأة " و كان يضيف قائلاً أن الإنسان يستطيع القول إن الله ذاته غير راض عن المراة ‏التي خلقها.و كانت المرأة بالنسبة إليه هي الغاوية التي أغوت الإنسان الأول و ما زالت تزاول نشاطها ‏الملعون، و هي المخلوق الضعيف الخطير الذي يسبب قلقاً خفياً. و كان يكره روحها المتعطشة إلى الحب ‏أكثر مما يكره جمالها المسموم و كثيراً ما شعر بحنان النساء يداهمه فيضيق بذلك الحب الذي ينتفض دائماً ‏و أبداً في صدورهن رغم انه يعرف انه منه في حصن حصين.‏
و كان يعتقد أن الله خلق المراة لتغوي الرجل و تختبره و أن على الرجل ألا يقربها إلا و هو متسلح بالحرص ‏الذي يتسلح به و هو مقبل على كمين، فالمرأة في الواقع ليست إلا مصيدة بذراعيها الممدودتين و بشفتيها ‏المفتوحتين في انتظار الرجل. ‏
و كان الأب " مارينيان " لا يحترم ألا الراهبات اللاتي جردهن القسم من الهوى و مع ذلك كان يعاملهن ‏معاملة قاسية. إذ يلمح هذا الحنان الخالد الذي يخفق حتى في أعماق هذه القلوب الطاهرة يخفق دائماً و ‏يخفق حتى هو له و هو القس.‏
و كانت له ابنة أخت تعيش مع أمها في منزل صغير قريب من منزله و كان قد صمم على أن يجعل منها ‏راهبة. و كانت رقيقة خفيفة تتعمد إغاظته باستمرار. و عندما يعظ تضحك و عندما يغضب تقبله في حرارة و ‏تضمه إلى قلبها بينما يسعى هو بلا وعي إلى تخليص نفسه من بين ذراعيها ومع ذلك كانت تلك الضمة تثير ‏في نفسه إحساسا حلواً، كان توقظ في قلبه ذلك الشعور الراقد في أعماق كل رجل. ‏
و كثيراً ما حدثها عن الله، عن ربه و هو يمشي إلى جوارها في الحقول و نادراً ما أنصتت إليه. كانت تنظر ‏إلى السماء و إلي العشب و إلى الزهور و عيناها تلمعان بفرحة الحياة و كانت تجري أحياناً لتمسك بفراشة ‏ثم تعود بها و هي تصيح " أنظر انظر يا خالي كم هي جميلة بودي أن اقبلها" و كانت هذه الرغبة من جانب ‏الفتاة في تقبيل الفراش و الزهور تزعج الأب و تضايقه و تثيره فقد رأي فيها دليلا على ذلك الحنان الدائم ‏الذي ينبض في قلب كل امرأة.‏
و في يوم من الأيام أخبرت مدبرة البيت الأب " مارينيان " أن ابنة أخته قد اتخذت لنفسها حبيباً.‏
و عانى الأب إحساسا مؤلما. وقف مختنقا و الصابون يغطي وجهه و هو يحلق و عندما استعاد القدرة على ‏الكلام صاح :‏
‏- كذب كذب .. أنت تكذبين يا " مالينا"‏
و لكن المرأة القروية وضعت يدها على قلبها و قالت :‏
‏- ليعاقبني الله أن كنت أكذب يا سيدي القس أنها تذهب إليه كل ليلة بعد أن تنام أختك و هما يتقابلان بجانب ‏النهر، و ما عليك إلا أن تذهب إلى هناك ما بين الساعة العاشرة و منتصف الليل و ستراها بنفسك.‏

و توقف الأب عن حك ذقنه و بدأ يذرع الحجرة بسرعة كما يفعل عندما يستغرق في تفكير عميق. و عندما ‏حاول أن يكمل حلاقة ذقنه جرح نفسه ثلاث جروح امتدت من الأنف إلى الأذن.‏

و ظل طول اليوم ساكناً و قد امتلأ غضباً و ثورة فإلى جانب كرهه الطبيعي للحب شعر أن كرامته قد أهينت ‏كأب و معلم و كراعي نفوس، شعر أن طفلة قد خدعته و سخرت منه و سلبته شيئاً يملكه. شعر بهذا الحزن ‏الأناني الذي يشعر به الوالدان حين تخبرهم ابنتهما أنها اختارت لنفسها زوجاً دون مشورتهما و ضد ‏المشورة.‏
و بعد العشاء حاول أن يقرأ قليلاً و لكنه لم يستطع أن يكيف نفسه للقراءة و ازداد غضبا على غضب. و ‏عندما أعلنت الساعة العاشرة أخذ عصاه و هي عصا غليظة من خشب البلوط يحملها عادة حين يخرج ليلاً ‏لزيارة المرضى و ابتسم و هو يراقب العصا الغليظة و قد استقرت في قبضة يده القوية. و أدار العصا في ‏الهواء مهدداً ثم رفعها فجأة و هو يجز بأسنانه و انهال على كرسي فحطم ظهره.‏
و فتح باب بيته ليخرج و لكنه توقف عند بابه منبهراً . كان بهاء القمر رائعاً روعة نادرة، و استجابت روحه ‏السامية لما حوله و شعر فجأة أن جمال الليل الشاحب و جلاله و بهاؤه قد حرك قلبه. و في حديقته الصغيرة ‏التي سبحت في ضياء باهت عكست أشجار الفواكه ظلالها على ممر الحديقة، أغصان رقيقة من الخشب ‏تكسوها الخضرة و من الزهور المتسلقة على الحائط انبعثت رائحة لذيذة حلوه علقت كروح عطرة بالليل ‏الدافئ الصحو. ‏
و بدأ يتنفس تنفساً عميقاً و يحتسي الهواء كما يحتسي السكير الخمر و سار ببطء مسحوراً مبهوراً حتى كاد ‏ينسى ابنة أخته و عندما وصل إلى بقعة عالية وقف يراقب الوادي أجمعه و قد امتد تحت بصره و بهاء ‏القمر يحتضنه و سحر الليل الهادئ الحنون يغرقه و نقيق الضفادع يتردد في نغمات قصيرة و البلابل عن ‏بعد أشجاها القمر فتغنت و اختلط غناؤها في موسيقي لا تثير الفكر و إنما تثير الأحلام.‏
و استمر الأب يمشي و هو لا يعرف لم تخلت عنه شجاعته فقد شعر كما لو أن التعب و الإرهاق قد تسربا ‏إليه، وود لو يجلس أو يتوقف حيث هو ليحمد الله على ما صنعت يداه.‏
و تحت بصره و حول منحنى النهر امتد صفان طويلان من الأشجار و فوق شطي النهر سبحت سحابة خفيفة ‏بيضاء تخللتها أشعة القمر فأضفت عليها لون الفضة و بريقها.‏
و توقف الأب من جديد و قد نفذ إلى أعماقه شعور قوي متزايد و استولى عليه دون شك القلق و شعر أن ‏سؤالاً من الأسئلة التي تلح عليه أحياناً يدور في عقله.‏
لماذا فعل ذلك الله ! إذا كان الليل للنوم، للإغفاء ، للراحة، للعدم ، فلماذا كان أكثر سحراً من النهار، و أحلى ‏من الغروب و الشروق ؟ و هذا الكوكب المبطئ الخلاب الذي يغلب جماله على جمال الشمس، و الذي يضئ ‏الكائنات بنور رقيق يستعصي على الشمس... هذا الكوكب لم يشرق لينير الظلال ؟ و لم لا يأوي البلبل ‏الصداح إلى النوم كغيره من الطيور و لم هذا الحس الذي يتسلل إلى الروح و هذا الخمول الذي يغزو الجسد ‏؟؟ و لم هذا الوشاح الذي ينبسط على الأرض، و هذا السحر الذي لا ينعم به الإنسان إذ يأوي إلى فراشه ‏بالليل ؟؟ لمن خلق الله هذا الجلال، هذا الفيض من الشعر الذي يتدفق من السماء إلى الأرض؟ و لم يجد الأب ‏لهذه الأسئلة التي ثارت في نقسه جواباً.‏
و في طرف المرعى ظهر ظلان يمشيان جنباً إلى جنب تحت الأشجار المتعانقة الغارقة في الضباب الفضي.‏
و كان الرجل هو الأطول، و قد التفت ذراعه حول عنق حبيبته و من وقت لآخر كان يقبلها في جبينها. و ‏فجأة دبت الحياة في الطبيعة المهجورة التي أحاطت بهم و كأنها إطار الهي صنع خصيصاً من اجلهم و بدا ‏الشخصان و وكأنهما كائن واحد. الكائن الذي خلق من اجله الليل الهادئ الساكن، و اقتربا من القس كإجابة ‏حية على سؤاله أجابه بعث بها إليه ربه الأعلى.‏
وقف الأب مصعوقاً و قلبه ينبض بشدة. و تمثل قصص الإنجيل كقصة حب روث ‏Ruth‏ و بوز ‏Boaz‏ و ‏إرادة الله تتحقق في القصص الجليلة التي وردت في الكتاب المقدس. و في رأس القس ترددت آيات نشيد ‏الإنشاد، الصرخات الوالهة و نداء الجسد و الشعر الجميل في هذه القصيدة التي تتأجج حناناً و حباً و قال ‏لنفسه " ربما خلق الله مثل هذه الليلة إطاراً لمثله الأعلى ... لحب الإنسان"‏
و تراجع بعيداً عن الحبيبين اللذين تقدما يداً في يد كانت فعلا ابنة أخته . و كان الأب " مارينيان" يتساءل ‏الآن ... الم يكن على وشك الخروج على طاعة الله ؟ فلو لم يكن الله يرضى عن الحب لما أحاطه بمثل ذلك ‏الإطار من الجمال.‏
و هرب الأب مندهشاً و هو يكاد يشعر بالخجل، كما لو كان قد اجتاز هيكلاً مقدساً لا حق له في اجتيازه.‏

تمت

سمير عصر
18-01-2006, 09:41 PM
موباسان من البنائين العطماء للقصة .

تحيتى بود للأديب / يحى هاشم .

يحيي هاشم
19-01-2006, 12:37 AM
العزيز سمير عصر هنا
تحية عطرة لك يا صديقى
أرجو أن تفيد منتدانا بنقدك الجميل
يحيي هاشم

د. عمر هزاع
20-01-2006, 03:49 AM
مما لاشك فيه أننا نغذي نفوسنا بأساليب الإبداع الأدبية الرائعة المشهود لها في صنوف الفن والإبداع

وكثير منا يسعى لإقتباسات خط يد الآخرين ويضمنها في كتاباته كدليل ملموس عن جنوحه للعالمية والإبداع الأدبي الذي يحلم به كل كاتب ..

ولكننا نقف وقفة حق ونقول :

موباسان ذلك المبدع أسلوباً في أقاصيصه وكتاباته ليس بالمثل المحتذى فكرياً لدى كتابنا , ويعود ذلك لأسباب عدة :

- إيمانه العميق المتجلي من خلال كتاباته بالأفكار الفلسفية المتناقضة ما بين قصة وأخرى .. حتى يكاد القارىء يتوه في كل مرة بين تجريديته وسببيته وسفسطائيته
- كثير من المبادىء الفلسفية التي يدافع عنها تتناقض مع الفكر العربي عموماً , والإسلامي خصوصاً
- برغم عدم جنوحه للفحش المبتذل في وصف الحالة الشعورية للعشاق في قصصه إلا أنه عشق مستهجن في أصل الفكرة : فهو عشق في الخفاء . عشق هارب من نظرات المجتمع وتقاليد الآخرين ..
- محاولاته التي تتطاول من مجرد الجرأة على المفاهيم الدينية وعلى كينونة الرب الخالق , إلى الإصطدام المباشر بقرارت تلك الإرادة الإلهية في الخلق , والتعجب بها حيناً ورفضها حيناً آخر ..

وبرغم ذلك .. يظل موباسان كاتب قصصي من أكثر الذين أعطوا لهذا الون الأدبي ملامح حقيقية في خارطة البناء والتصميم , وبأسلوبه أمد القصة بالكثير الكثير من جوانب إنشائها ..

أحسنت أخي المثقف الرائع : يحيى هاشم

وحبذا لو قرأت ردك على هذا ...


بورك فيك يا أخي ..

يحيي هاشم
03-04-2006, 11:00 PM
اللوحـــة/بقلم: ألبرتو مورافيا/
استشار أحد تجَّار الكحول، يدعى مارتيناتي، وقد وجد نفسه يملك سيولةً نقدية وفيرة، كما يقال، أحد أبناء إخوته، كان يختلط بالأوساط الفنيَّة، وقرَّر استثمار جزء من مدَّخراته في شراء اللوحات. ترك مارتيناتي، الذي لم يكن خبيراً في هذا المجال، الأمر لابن أخيه ....... يتبع
قاام سريعاً بجمع مجموعةٍ صغيرة من الأعمال الفنيَّة، لأفضل رسَّامينا المعاصرين.‏ لم يكن مارتيناتي، فيما سبق، لينفق قرشاً واحداً على هذه اللوحات، التي كان ابن أخيه يجعله يشتريها بأثمانٍ باهظة. وكان يتشبَّث بتصورين اثنين: الجمال الطبيعي والتقليد الحقيقي؛ ولو تُرك لـه المجال ليعبِّر عن رغبته، لاشترى هذه المناظر الموحية، والشخصيات التافهة، والفلاَّحات الصغيرات، والرعاة، وأطفال الشوارع، والنباتات التي تؤكل التي تملأ محلات تجَّار الفن المذهبَّة، والتي تعتبر من أدنى اللوحات مستوى وأكثرها رواجاً من الناحية التجارية.‏ ومع ذلك، لم يكن مارتيناتي، وهو رجل جاهل، يملك الشجاعة الكافية لمعارضة ابن أخيه صراحةً، وكان يستمر، وهو يتنهَّد، بحشو منزله بهذه اللوحات التي يجدها، بالأحرى، ملطّخة بالألوان برعونةٍ، أكثر منها مرسومة.‏ وكانت تقوم بينه وبين ابن أخيه حرب خفيَّة. فكان مارتيناتي، وهو يواصل تمويل شراء هذه الأعمال الفنيَّة الرائعة المزعومة، يفكِّر ملياً في الثأر بغتةً من قريبه المعتد بنفسه. كان يود أن يمتلك لوحةٍ وأن يقدِّمها فجأةً لابن أخيه، الذي سيصيح عندئذٍ ويهزأ به، لكن الأمر سيَّان. فعلى الأقل، سيعرف مارتيناتي إلى أين ينظر، من بين جميع بقع الألوان التي توسِّخ جدران منزله.‏ ورأى مارتيناتي، أخيراً، وقد أصبح زائراً مجتهداً لصالات البيع ومخازن التحف، أنه وجد ضالَّته المنشودة. كان الأمر يتعلَّق بلوحةٍ ذات مقاييس كبيرة، تمثِّل كما حدَّد لـه البائع، مارك أنطونيو، الجنرال الكبير، والملكة كليوباترا. وتظهر في الصورة الملكة جالسةً على عرشها، مرتديةً ثوباً فخماً، والجنرال منحنٍ عند قدميها، إشارة للارتباط العاطفي بينهما وتُرى، في الخلفية، قاعةً كبيرة، لها أعمدة من الرخام، وقبب مغطاة بالتصاوير الجدارية. ولم يكن مارتيناتي يقدِّر كثيراً نبل الموضوع فقط، بل إن اللوحة بذاتها، لأنه، كما شرح قائلاً لزوجته، كانت الشخصيتان فيها حيتين، ولا ينقصهما إلا القدرة على الكلام. ودفع مارتيناتي، دون علم ابن أخيه دائماً، ثمن اللوحة، وجعلهم يسلِّمونها له في منزله.‏ بعد أن ثبَّت اللوحة في مكان الشرف في قاعة الطعام، دعا مارتيناتي ابن أخيه، وأطلعه على مشتراه ليس دون اضطراب. لم يلقِ ابن أخيه نحو اللوحة أكثر من نظرةٍ خاطفة، ثم سأله بكم اشتراها؛ وأعلن أخيراً، ببرود، أن اللوحة كانت عبارة عن إنسانٍ فانٍ، وأنها تساوي أقل من ثمن إطارها. فأجابه مارتيناتي، غاضباً، أنه كان مقتنعاً بالعكس، وذلك لصدق الشخصيتين اللتين تبدوان حيتين. وإذا كانت هذه اللوحة، بشخصيها المماثلين كثيراً لكائنين حقيقيين، لا تساوي شيئاً، فما قيمة هذه اللوحات الملطَّخة وغير المفهومة التي اشتراها له ابن أخيه إذاً؟ رفع ابن أخيه كتفيه، وقال له إنه قد سبق وشرح لـه ذلك ألف مرةٍ: إن ما يهمَّ في الرسم هو الفن وليس الموضوع المصوَّر. فردَّ عليه مارتيناتي بأن القيمة الأساسية للوحةٍ ما، من وجهة نظره هو، هي في تصوير أشياء يمكننا فهمها والإعجاب بها. وعدا ذلك، كان من الأفضل ترك الجدران عارية. باختصار، كانت المناقشة تتفاقم بعد أن حاول مرةً أخيرة الشرح لعمه ماهيَّة الرسم الجيد، ثم نعته ابن أخيه بالعنيد والجاهل، وذهب وهو يصفق الباب وراءه.‏ وفي ذلك المساء بالذات، أعلن مارتيناتي لزوجته قائلاً: "هذا غير مجدٍ... لن أترك نفسي أبداً أقتنع بتفضيل بقعٍ ملّونةٍ، غير ذات معنى، على شخصين مثل هذين، حيَّين وحقيقيين جداً، حتى ليقال إنهما مستعدان للوثب خارج اللوحة". رفع عينيه لا إرادياً وهو يتحدَّث على هذا النحو، وأرسل نظرةً خاطفة إلى اللوحة. فوقعت الملعقة التي كان يرفعها إلى شفتيه عندئذٍ، في صحن حسائه، لأنه رأى أن هذين الشخصين الحقيقيين، والواقعيين جداً، قد غيرا وضعهما صراحةً. كانا جالسين أحدهما عند قدمي الآخر. وكان الشيء الذي لا يصدّق الآن، بحصر المعنى، هو أن مارك أنطونيو الذي جلس بدوره على العرش، قد حمل كليوباترا على ركبتيه. كان الوضع حميماً جداً؛ لكن الشخصين قد حافظا على جلالهما كاملاً.‏ طلب مارتيناتي، الذي لم يكن يصدِّق عينيه، من زوجته أن تنظر إلى اللوحة هي أيضاً. فنظرت وأدركت أن الشخصين قد غيّرا وضعهما حقاً. لكنها لم تدهش من ذلك، مثله. وجعلته يلاحظ، بكثير من الفطرة السليمة وكما كان يقول هو نفسه، إن الشخصين كانا حيَّين حقيقة وما هو الغريب إذاً في أنهما، وقد تعبا من الجلوس بالوضع ذاته، قد رغبا في تغييره؟ واضطر مارتيناتي، بعد تفكير إلى الاعتراف بأن هذه الملاحظة لم تكن دون أساس. وأنهيا وجبتهما وهما يعلِّقان على الحدَث، وينظران، من وقتٍ إلى آخر، إلى جلسةً الشخصين المتعانقين فوق، في اللَّوحة.‏ وفي اليوم التالي، كانت المفاجأة الجديدة: كان مارك أنطونيو، ربما لشعوره بالغيرة، يقف وذراعاه مرفوعتان، يهاجم كليوباترا، التي كانت تبدو أنها تجيبه سريعاً وبالمثل.‏ قالت زوجة مارتيناتي، إذا حكمنا، على الأقل، على المظاهر، فإن لمارك أنطونيو كل الحق في التصرُّف على هذا النحو، لأن كليوباترا امرأة مغناج شهيرة. أما مارتيناتي، فأخذ يدافع عن كليوباترا بحماسة شديدة حتى أن زوجته، وقد أصابتها الغيرة بدورها، اتَّهمته بأنه ينمِّي ميلاً سرياً نحو الملكة المثيرة.‏ وذهب الزوجان للنوم بمزاجٍ سيِّء.‏ في تلك الليلة، بدا أن الزوجين قد اكتسبا فجأةً، إضافة إلى قدرتهما على الحركة، القدرة على الكلام. واستيقظ مارتيناتي على ضجة أصواتٍ ثائرة تصعد من قاعة الطعام، فذهب بثوب النوم وعلى رؤوس أصابعه، ليسترق السمع. كان صوت الملكة تسهل معرفته، بتنويعات نغماته المزماريَّة والخادعة؛ أما صوت مارك أنطونيو، فكان غليظاً وعنيفاً. لكن الكلمات لم تكن مفهومة. ربما كانا يتحدَّثان باللغة اللاتينية، أو ربما بالإغريقية، أو ربما بلغةٍ شرقيةٍ ما.‏ بقي مارتيناتي مختبئاً خلف الباب، فترة من الزمن، يستمع إلى هذين الصوتين اللذين يتشاجران، مسحوراً، كما صرَّح بذلك لزوجته فيما بعد، بهذا الحوار في الظلام، بلغةٍ مجهولة قديمة وذات نبرات أجشَّة، استحضرت عالماً مفقوداً، بأكمله، أخيراً، وقد شعر بالبرودة ترتفع من قدميه العاريتين عبر جسده كله، انحنى إلى الأمام وخاطر بقول: "صه!" حذرة. لكنهما تابعا نقاشهما كما لو أن الأمر لم يحصل. وعاد مارتيناتي، محبطاً، لينام، وظلَّ يسمع، طوال الليل، وهو نصف نائم، مساوماتهما في الظلام، في قاعة الطعام المجاورة لغرفة نومه.‏ بعد تلك الليلة، ضاعف الشخصان علامات الحياة. أحياناً كانا يتكلَّمان، وأحياناً يتخذان أكثر الأوضاع غرابةٍ وأكثرها حريةً، وأحياناً أخرى، بصراحة، كانا يخرجان من بابٍ مرسومٍ على الخلفية، ويتركان اللوحة خاوية. وهذه الطريقة بالمغادرة، هي التي كانت تزعج مارتيناتي خصوصاً. وكان يقول لنفسه، أوافق على أن يتجادلا ليلاً، وأوافق أيضاً على أن يتعانقا، ويتداعبا، الخ. أما أن يختفيا، فلا؛ كان ذلك يتخطى المألوف. فهو لم ينفق كل ذلك المال ليحصل على لوحة خالية. وكانت زوجته ترد عليه قائلة: "إنه كان يثبت بهذه الكلمات، كعادته دائماً، أن تفكيره فظٌ ونفعي. فهذان الشخصان لم يكونا من المعدمين، الذين لا يملكون سوى غرفةٍ واحدة. كانا ملكة وقائداً رومانياً. والله وحده يعلم كم غرفةٍ يضم قصرهما! ومن الطبيعي جداً أن يحتجبا من وقتٍ إلى آخر، متعبين، لكونهما مرسومين. وكان مارتيناتي يرد عليها بأنهما قد رسما ليوجدا في الإطار، وليس للذهاب ليتفرَّغا لأعمالهما الصغيرة، إلا أن أكبر عيب لهذين الشخصين الحيين جداً هو طبيعة علاقاتهما الصاخبة وغير المتحفِّظة. وفي الوقت الحاضر، لم يعد ينقضي يوم أو ليلة، لا يتشاجران فيها، لسببٍ أو لآخر. وكانت نزاعاتهما المستمرة تحدث الكثير من الإزعاجات. فكانت، قبل كل شيء، تثير بين مارتيناتي وزوجته مشاجرات مماثلة، لأن زوجته كانت تتحيَّز للمسكين مارك أنطونيو، الذي كان، تبعاً لرأيها، ضحية امرأة عديمة الحياء والذَّمة، بينما كان مارتيناتي يدافع برقَّةٍ عن الملكة الجميلة. ثم إنهما كانا بالجلجلة الحنجرية المتقطِّعة لصديقهما، يمنعان الزوجين من أن يتناولا طعامهما بسلامٍ نهاراً، تماماً، كما يمنعانهما من النوم ليلاً. لم يعد هناك أدنى شك الآن في أن الشخصين حيَّان، وحيَّان جداً؛ لكن مارتيناتي بدأ يتمنى أن يكونا، على الأقل ليلاً وفي أثناء الوجبات، أقلَّ حياة.‏ وما زالا على هذه الحال، حتى أخذ مارتيناتي ينظر نظرةً مختلفة تماماً إلى اللوحات، التي كان يحتقرها فيما مضى، والتي جعله ابن أخيه يشتريها. صحيح أن النساء العاريات ذوات الأقدام الضخمة، والوجه الملتوي، والرجال الحول، والمشوَّهون، الذين يسكنون تلك اللوحات، كانوا لا يتحرَّكون ولا يتكلَّمون؛ لكن الآن، بدت غير واقعيتهم مفضَّلةً أكثر بكثير من حيوية العاشقين الملكيين وباختصار كان أولئك العراة، وتلك الرسومات، يقومون بواجبهم، ألا وهو البقاء جامدين داخل الإطار. وأعلن مارتيناتي لزوجته، أنه، بعد أن فكَّر جيداً بالموضوع، ربما كان الرسامون الحديثون على حق، بالرسم بهذه الطريقة، الخارجة عن كل مألوف، والبعيدة عن كل حقيقة. فالواقعية الحيَّة، على المدى الطويل، مثل واقعيةِ لوحةٍ قديمة، تصبح غير محتملة.‏ وبعد أن تردَّد كثيراً، حزم مارتيناتي أمره، أخيراً، في ليلةٍ، كان الصوتان يتشاجران فيها بشراسةٍ أعنفٍ من المعتاد، فذهب إلى قاعة الطعام، ورفع اللوحة، وحملها إلى السقيفة، دون أن يهتم بالحوار الدائر فيها، ووضعها أرضاً على مقعد قديم محطَّم. ثم أعاد غلق الباب بالمفتاح، وعاد لينام من جديد

يحيي هاشم
03-04-2006, 11:07 PM
كانت مهمتي أن أعبر الجسر، وأمضي قليلا وراءه، لمعرفة مدى اقتراب العدو منه. لم يكن هناك الكثير من العربات آنذاك، في الوقت الذي لم يبق إلا قليل جدا من المشاة فوقه، لكن الرجل العجوز ما زال في مكانه.





تأليف: أرنست همنغواي



كان هناك شيخ، بنظارة طبية، إطارها من حديد، وملابس جد مغبرة، جالسا على حافة الطريق. وكان هنالك جسر، عائم على طوافات عبر النهر. حيث راح الرجال والنساء والأطفال والعربات والشاحنات يعبرون فوقه بدون انقطاع. لاحت العربات المسحوبة بالبغال، وهي تترنح على الضفة الأخرى الشديدة الانحدار، مما جعل الجنود يدفعون بكل قوتهم ضد أشعة الدواليب المتحركة نحو الأسفل. كانت الشاحنات أكثر ثباتا في صعودها، وما ان تغادر الجسر حتى تمضي بعيدا، والفلاحون كانوا يجرجرون خطواتهم فوقه، وسط الغبار السميك المتطاير فوق رؤوسهم، لكن الرجل العجوز ظل جالسا في مكانه بلا أي حركة. كان جد متعب للذهاب إلى أي مكان أبعد.

كانت مهمتي أن أعبر الجسر، وأمضي قليلا وراءه، لمعرفة مدى اقتراب العدو منه. لم يكن هناك الكثير من العربات آنذاك، في الوقت الذي لم يبق إلا قليل جدا من المشاة فوقه، لكن الرجل العجوز ما زال في مكانه.

سألته: «من أين جئت؟».

«من سان كارلوس».

كانت تلك مدينته الأصلية، لذلك فإن ذكرها منحه شيئا من الغبطة، جعلته يبتسم.

شرح قائلا: «أنا كنت أرعى مجموعة من الحيوانات».

نبست دون فهم ما قاله: «ها..»، أضاف الشيخ شارحا: «نعم.. لذلك بقيت في البلدة، للعناية بالحيوانات، أنا آخر من خرج من سان كارلوس».

لم يبد عليه أن يكون راعي بقر أو غنم، قلت له وأنا أتطلع إلى ملابسه السوداء المغبرة، ووجهه الكامد اللون، وإلى نظارته ذات الإطار الحديدي: «ما نوع تلك الحيوانات؟» «إنها من فصائل متعددة». قال ذلك، ثم هز رأسه: «كنت مجبرا على تركها».

مضيت أراقب الجسر وريف مقاطعة دلتا ايبرو الشبيه بالريف الأفريقي، متسائلا في نفسي، عن مقدار الوقت المتبقي قبل ظهور العدو أمامي، حيث سيصل إلى سمعي أولا ذلك الضجيج الذي يدل على وقوع حادثة غامضة، يطلق عليها باللغة العسكرية: الاحتكاك الأول، والرجل العجوز ما زال متربعا فوق الأرض.

«أي حيوانات كانت معك؟».

«كانت لدي ثلاث فصائل.. عنزتان وقط، ثم هناك أربعة أزواج من الحمام».

«وأنت كان عليك أن تتخلى عنها؟».

«نعم بسبب القصف المدفعي. الكابتن طلب مني المغادرة بسبب القصف».

«وأنت لا عائلة لديك؟».

سألته وأنا أراقب نهاية الجسر، حيث ما زال هناك عدد ضئيل من العربات مسرعة في هبوط ضفة النهر.

«لا»، قال الشيخ، «لم أترك ورائي سوى الحيوانات. أنا متأكد من نجاة القط، القط دائما حذر، لكنني لا أعلم ما سيحدث للبقية».

سألته: «ما هو موقفك السياسي؟».

«ليس لدي أي موقف سياسي»، قال الشيخ، «أنا عمري ست وسبعون سنة، ورغم ذلك أجبرت على المشي اثني عشر كيلومترا، والآن لا أستطيع الذهاب أبعد من ذلك» قلت للشيخ: «هذا ليس مكانا جيدا للتوقف عنده.. إذا كنت تستطيع المشي، هناك شاحنات على الطريق المتشعب باتجاه تورتوسا».



«أنا سأنتظر قليلا، ثم أذهب.. أين تمضي الشاحنات؟».

«باتجاه برشلونة».

«أنا لا أعرف أحدا على ذلك الاتجاه»، قال الشيخ، «لكنني أشكرك كثيرا.. شكرا جزيلا مرة أخرى».

«نظر إلي دون تركيز، بعيون متعبة، ثم تكلم بنبرة قلقة عن شخص قريب له: «القط سيكون بخير، أنا متأكد من ذلك، ليس هناك أي مبرر للقلق عليه، لكن البقية.. ماذا تظن قد حدث للبقية؟».

«قد تكون جميعها خرجت سالمة من التجربة».

«هذا ما تظنه؟».

«ولم لا؟» قلت ذلك وأنا أراقب الضفة البعيدة، حيث لم يبق أي أثر للشاحنات آنذاك.

«لكن ما الذي ستفعله تلك الحيوانات تحت القصف؟».

«هل تركت قفص الطيور مفتوحا؟».

«نعم».

«إذن فالحمام سيطير».

«نعم بالتأكيد سيطير، لكن البقية؟».

أضاف مستدركا: «من الأفضل عدم التفكير بالبقية».

قلت حاثا إياه على الحركة: «أنا سأذهب الآن.. انهض وحاول المشي».

«شكرا لك»، ابتسم لي، ثم نهض واقفا لكنه راح يترنح من جانب إلى آخر. جلس ثانية، باتجاه معاكس لي، فوق التراب.

«أنا كنت معتنيا بالحيوانات فقط». قال ذلك بنبرة رتيبة، لكنني كنت بعيدا عنه لسماع جملته، المتكررة: «أنا كنت معتنيا بالحيوانات فقط».

لم يكن بالإمكان عمل أي شيء لمساعدته. كان اليوم أحد الفصح، والفاشيون يتقدمون باتجاه ايبرو، وكان نهارا، ملبدا بالغيوم الرمادية الهابطة إلى ارتفاع قليل، مما جعل طياراتهم جاثمة في مواقعها. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن حقيقة كون القطط تستطيع العناية بنفسها، هي كل ما تبقى عند الرجل من حظ حسن.

* من مجموعة «الرابح لا يجني شيئا» وتدور حول الحرب الأهلية الإسبانية