المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة



أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:14 PM
موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة‏


رسالة مقدمة لنيـل درجة ( الماجستيـر )
حسيـن الحازمي

المصدر :

http://www.almeshkat.com/books/open.php?cat=18&book=946


التمهيد


المبحث الأول
‏{ تعريف الفتنة لغة واصطلاحا والعلاقة بينهما }‏
‏= = = = = = = = = = = = = = ‏


‏* قــال الجوهـــري (‏ ‏) : الفتنة : الامتحان والاختبار . تقول : فتنت ‏الذهب ، إذا أدخلتــه النــار لتنظــر ماجودتــه ، ودينار مفتون . قال تعالى : ‏‏{ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ المُؤْمِنِينَ } (‏ ‏) [البروج : 10 ] .‏
‏* ونقل ابن منظور عن الأزهري (‏ ‏) وغيره : جماع معنى الفتنة ‏الابتلاء والامتحان والاختبار ، وأصلها مأخوذ من قولك : فتنت الفضة ‏والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد . (‏ ‏) وبنحوه قال ‏الزمخشري (‏ ‏) والراغب الأصفهاني (‏ ‏) .‏
وقال الخليل (‏ ‏) : الفَتْنُ : الإحراق ، ومن هذا قوله عز وجل : { يَوْمَ ‏هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ }(‏ ‏) [ الذاريات : 13 ] . أي : يحرقون بالنار. ‏ويسمى الصائغ : الفتَّان ، وكذلك الشيطان ، ومن هذا قيل للحجارة السود ‏التي كأنها أحرقت بالنار : الفتين ، وقيل في قوله { يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ ‏يُفْتَنُونَ } [ الذاريات : 13 ] ، قال : يُقَرَّرون بذنوبهم ، وَورِق فتين أي : ‏فضة مُحرَقة . (‏ ‏) .‏
‏* ابن الأعرابي (‏ ‏) : الفتنة الاختبار ، والفتنة المحنة ، والفتنة المال ‏، والفتنة الأولاد والفتنة الكفر ، والفتنة اختلاف الناس بالآراء ، والفتنة ‏الإحراق بالنار . وقيل : الفتنة في التأويل الظلم . يقال : فلان مفتون بطلب ‏الدنيا قد غلا في طلبها . ‏
‏* ابن سِـيْدَة (‏ ‏) : الفتنة الخِبْرَة ، وقوله عز وجل : { إِنَّا جَعَلْنــَهَا ‏فِتْنَةً لِّلظَّــلِمِينَ } [الصافات : 63 ] ، أي : خِبْرَةً ، ومعناه : أنهم أُفْتِنُوا ‏بشجرة الزّقوم وكذبوا بكونها ، وذلك أنهم لما سمعوا أنها تخرج في أصل ‏الجحيم قالوا : الشجر يحترق في النار فكيف ينبت الشجر في النار ؟ !!! ‏فصارت فتنة لهم .‏
وقولــه عـز وجل : { رَبَّنَا لاَتَجْعَلْــنَــا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّـلِمِينَ } [ ‏يونس : 85 ] ، يقول : لاتُظْهِرْهُم علينا فَيُعْجَبُوا ويظنوا أنهم خير منا ، ‏فالفتنة هاهنا إعجاب الكفار بكفرهم . ‏
ويقال : فُتن الرجل بالمرأة وافتَتَن ، وأهل الحجاز يقولون : فَتَنَتْهُ ‏المرأة إذا وَلّهَتْهُ وأحبها ، وأهل نجد يقولون : أَفْتَنَتْهُ .‏
قال أعشى همدان فجاء باللغتين :‏
لئن فَتَنْتَني لَهْيَ بالأمس أَفْتَنَتْ ‏ سعيداً فأمسى قد قَلا كُلَّ مسلم ‏
والفتنة : إعجابك بالشيء ، فَتَنَهُ يَفْتِنُهُ فَتْناً وفُتُوناً ، فهو فاتنٌ ، وأَفْتَنَهُ ، ‏وأباها الأصمعي بالألف فأنشد بيت رؤبة : ‏
يُعْرِضْنَ إِعراضاً لِدين المُفْتِنِ ‏
فلم يعرف البيت في الأُرجوزة ، وأنشد الأصمعي أيضاً :‏
لئن فَتَنْتَني لَهْيَ بالأمس أَفْتَنَتْ ‏ ‏ .........‏
فلم يعبأ به ، ولكن أهل اللغة أجازوا اللغتين .‏
‏* وقال سيبويه : فتنه جعل فيه فتنةً ، وأفْتَنَهُ أوصَل الفتنة إليه .‏
‏* قال سيبويه : إذا قال أفْتَنْتُه فقد تعرض لِفُتِنَ ، وإذا قال فَتَنْتُهُ فلم ‏يتعرض لِفُتِنَ . ‏
‏* وحكى أبو زيد (‏ ‏) : أُفْتِنَ الرجل ، بصيغة مالم يسمى فاعله ، أي ‏فُتِنَ . ‏
‏* وحكى الأزهري عن ابن شميل : افْتَتَنَ الرجل وافْتُتِنَ لغتان ، قال : ‏وهذا صحيح قال : وأما فتنتُه فَفَتَنَ فهي لغة ضعيفة . (‏ ‏) ‏
‏* وقوله تعالى : { فَسَتُبْصِرُ وَيُــبْصِرُونَ بِأَييِّكُمُ المَفْتُونُ } [ ‏القلم : 6 ] ، قال أبو اسحاق : معنى المَفْتون : الذي فُتِنَ بالجنون . (‏ ‏) ‏
‏* وافْتَتَن في الشيء : فُتِنَ فيه ، وفتَنَ إلى النساء فُتُوناً وفُتِنَ إليهن : ‏أراد الفجور بهن.‏
‏* والفتنة : الضلال والإثم ، والفاتن : المُضل عن الحق . والفاتن : ‏الشيطان لأنه يضل العباد . ‏
‏* وقد أورد العلامة ابن منظور (‏ ‏) معان أُخر للفتنة منها : ( الكفر ‏والفضيحة والعذاب ، وما يقع بين الناس من القتال ، والقتل ، والاختبار ، ‏والإحراق ) (‏ ‏) . ومن أراد المزيد فليرجع إلى اللسان ، والله المستعان .‏
‏* والفِتن : جمع فتنة ( وأصل الفتنة : الاختبار ، ثم استعملت فيما ‏أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه ، ثم أطلقت على كل مكروه أو آيــل ‏إليــه ، كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك) (‏ ‏) .‏
هذا وقد عرف الزمخشري الفتنة ووصفها بقوله : ( والفتنة : ‏الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء وسائر ‏الطاعات الشاقة ، وهجر الشهوات والملاذ بالفقر والقحط وأنواع المصائب ‏في الأنفس والأموال ، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم ) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏* قال الحافظ ابن حجر : ( ومعنى الفتنة في الأصل : الاختبار ‏والامتحان ، ثم استعملت في كل أمر يكشفه الامتحان عن سوء ) (‏ ‏) .‏
قال الراغب الأصفهاني (‏ ‏) : ( أصل الفَتْنِ : إدخال الذهب النار ‏لتظهر جودته من رداءته ، واستُعمل في إدخال الإنسان النار ، قــال : { ‏يـَـــوْمَ هُمْ عَلَــــى النَّــارِ يُفْتَنُونَ } .... ) (‏ ‏) [ الذاريات : 13 ] .‏
ثم أخذ ـ رحمه الله ـ يُفصِّل في ذكر معاني الفتنة واستعمالاتها ‏ووجوهها في القرآن ، وأسهب في ذلك . بيد أن الحافظ ابن حجر ـ رحمه ‏الله ـ أورد كلامه هذا وذاك ، ولخصه ونقل معناه ـ وانتقى منه ـ ، وإن وافق ‏نصه أحياناً ، فقال بعد أن نقل كلامه السابق في أصل الفَتْن واستعمــاله : ( ‏ويطلق على العــذاب كقولــه : { ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ } [ الذاريات : 14 ] ، ‏وعلى ما يحصل عند العذاب كقوله تعالى : { أَلا في الفِتْنَةِ سَقَطُواْ } [ ‏التوبة: 49] ، وعلى الاختبـــــار كقوله : { وَفَتَنَّــكَ فُتُونَـــاً } [ طه :40 ‏‏] ، وفيما يدفع إليه الانسان من شدة ورخاء ، وفي الشدة أظهر معنى وأكثر ‏استعمــالاً قال تعالى : { وَنَبْلُــوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } [ الأنبياء : 35 ] ‏، ومنه قوله : { وَإِنْ كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } [ الإسراء : 73 ] . أي : يوقعونك ‏في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحى إليك ..... ) (‏ ‏) .‏
ثم نقل ـ رحمه الله ـ كلام الراغب الذي سنورده الآن من مصدره ‏الأصلي .‏
‏* قال الراغب ـ رحمه الله ـ : ( والفتنة من الأفعال التي تكون من الله ‏تعالى ومن العبد ، كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب ، وغير ذلك من الأفعال ‏الكريهة ، ومتى كان من الله يكون على وجه الحكمة ، ومتى كان من ‏الإنسان بغير أمر الله يكون بضد ذلك (‏ ‏) ولهــــذا يَذُم الله الإنســان بأنواع ‏الفتنة في كل مكــان نحــو قولــه : { وَالفِتــْنَــةُ أَشَـدُّ مِنَ القَتْلِ } [ البقرة ‏‏:191] { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ } [البــروج : 10 ] ، { مَاأَنْتُمْ عَلَيْهِ ‏بِفــَــتِــنِــينَ } [ الصــافات : 162] أي : بمضلـــين ، وقولـــه : { ‏بِــأَيـيـِّكُــمُ المـَفْـتُــونُ } [ القلم : 6 ] وكقوله : { وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ ‏عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ } .... ) (‏ ‏) [ المائدة : 49 ] .‏
هذا وقد بين ـ رحمه الله ـ مشــابهة الفتنــة للبلاء من حيث ‏الاستعمال ، فقال : ( وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يُدفَعُ إليه ‏الإنسان من شدةٍ ورخاء ، وهما في الشدة أظهر معنى ، وأكثر استعمالاً ، ‏وقــد قــال فيهـما : { َونــَـبْلُوكُم بِالشَّــرِّ وَالْخَيْــرِ فـِـتْــنَةً } [ الأنبياء : ‏‏35 ] . وقــال في الشــدة : { إِنَّــمَا نَـحْـنُ فِـتْــنَــةٌ } [ البقرة : 102 ] { ‏وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ } [ البقرة :191] { وَقــــَتِلُوهُمْ حَتَّى لاَتَكُونَ فِتْنَةٌ } ‏‏..... ) (‏ ‏) [ البقرة : 193] . ‏
‏ هذه هي تعريفات العلماء للفتنة . ‏
وخلاصتها : أن الفتنة هي : الابتلاء والاختبار والامتحان ، والعذاب ‏والشدة والحرق بالنار ، وكل مكروه وآيل إليه ، كالكفر والاثم والفضيحة ‏والفجور والمصيبة وغيرها من المكاره ، فإن كانت من الله فهي على وجه ‏الحكمة ، وإن كانت من الإنسان بغير أمره ـ سبحانه ـ فهي مذمومة ، والله ‏أعلم .‏
العلاقة بين المدلول اللغوي والاصطلاح الشرعي للفتنة ‏
إن العلاقة بين المدلول اللغوي والشرعي للفتنة تكْمُن في كون الفتنة ‏تُظهر المؤمن الصادق من الدَّعِي ، وتُنبئ عن سوء طويَّة من لم يستقر ‏الايمان في قلبه . وتُخرج الدَّغْل من قلوب المؤمنين ، فيخرجوا بعد البلاء ‏بقلوب صافية ، وأفئدة مؤمنة ، كما يحصل عند إدخال الذهب أو الفضة في ‏النار ، فيذهب الخَبَث ، ويبقى الجيد ، والله أعلم .

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:15 PM
المبحث الثاني
‏{ وجوه الفتنة في القرآن }‏
‏===========‏

إن المتأمل لآيات الفتنة الواردة في القرآن يجد أنها ترد على وجوه ‏كثيرة ومعان متعددة مختلفة ، ومن سَبَرَ كتب التفسير ، وغاص في بطونها ‏، وجد أن المفسرين ـ رحمهم الله ـ قد ذكروا للفتنة وجوهاً كثيرة ومتعددة ‏وستذكر زبدتها وخلاصتها هنا ـ إن شاء الله تعالى ـ إلا أنه تبين ـ بعد ‏جمعها ـ أن بعض العلماء قد حددها بخمسة عشر وجهاً ، والبعض الآخر ‏حددها باثني عشر وجهاً .‏
فممَّن حددها بخمسة عشر وجهاً العلامة ابن الجوزي (‏ ‏) ـ رحمه ‏الله ـ ، وممن حددها باثني عشر وجهاً العلامة الفيروز أبادي (‏ ‏) . فهاهي ‏أولاً الأوجه التي اتفقا عليها، ثم مازاده ابن الجوزي على الفيروز أبادي .‏
‏* فأما الأوجه التي اتفقا عليها فهي كما يلي : ‏
‏1ً ـ الفتنة بمعنى الشرك : ومنه قوله تعــالى : { وَقــــَتِلُوهُمْ حَتَّى ‏لاَتَكُونَ فِتْنَةٌ } [البقرة : 193] ، وقوله تعالى : { وَالفِتْنَةُ أَكْبرُ َ مِنَ القَتْلِ ‏‏} [ البقرة 217 ] وقوله تعالى { حَتَّى لاَتَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الــّدِيـــْنُ كُلُّه ‏لِلَّهِ } [ الأنفال : 39 ] . ‏
‏2ً ـ بمعنى الكفر : ومنه قوله تعالى : { فَأَمّا الَّــِذيْــنَ في قُلُوبِهِمْ ‏زَيــْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَاتَــشَـابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ } [ آل عمران : 7 ] ، ‏وقولــه تعــالى : { لَقَــدِ ابــْتَــغُــوا الفِتْنَةَ } [ التوبة 48 ] .‏
‏ 3ً ـ بمعنــى الابتــلاء والاختبــار والمحنـــة : ‏
ومنـه قوله تعالى : { وَفَتَنـــَّكَ فُــتُونًا } [ طه 40] أي : بلوناك . ‏وقولـه تعــالى : { وَلَقَد فَتــَنَّــا الَّذِيــنَ مِنْ قَــبْــلِهِمْ } [ العنكبوت : 3 ] أي ‏‏: امتحناهم ، وقوله تعالى : { أَنْ يَقُوُلُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْــتَــنُــون } [ ‏العنكبوت : 2 ] ، أي: يُـبتلون ، وقوله تعالى : { وَلَقَد فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ ‏فِرْعَونَ } [ الدخان : 17 ] ، أي:ابتليناهم ‏
‏4ً ـ وبمعنـــى العــــذاب : ‏
ومنه قوله تعالى :{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَافُتِنُـــوا } [ ‏النحل : 110] أي : عُذبوا ، وقولـه تعالى : { ذُوقُوا فِتْنَتَكُــــــم ْ } [ ‏الذاريات : 14 ] ، ومنه قوله تعالى : { جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ الله } [ ‏العنكبوت : 10 ] .‏
‏5ً ـ وبمعنى الإثم : ومنه قوله تعالى : { وَمِنْهُم مَن يَقُولُ ائْذَن لِي ‏وَلاتَـفْتِنـِّي أَلاَ في الفِتْنَةِ سَقَطُوا } [ التوبــة : 49 ] ، أي في الإثـــم ‏ســقطوا ، ومنــه قولـه تعـالى : { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ ‏تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } [ النور : 63 ] ، أي : إثم .‏
‏6ً ـ بمعنــى التعذيب والإحـــراق بالنـار : ومنه قوله تعالى : { ذُوقُواْ ‏فِتْنَتَكُمْ } [ الذاريات : 14] أي حُرَقكـم ، ومنــه قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ ‏فَتَنُواْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ } [ البروج : 10 ] أي : عذَّبوهم . ‏
‏7ً ـ وبمعنى القتل والهلاك : ومنه قوله تعالى : { إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ‏الَّذِينَ كَفَرُواْ } [ النساء : 101 ] ، أي يقتلكم ، وقوله تعالى : { عَلَى خَوْفٍ ‏مِّنْ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيــْهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ } [ يونس 83 ] أي : يقتلهم .‏
‏8ً ـ الصدُّ عن الصـراط المســتقيم : ومنه قوله تعالى : { وَإِنْ كــَادُواْ ‏لَيَفْتِنُونَكَ } [ الإسراء : 73 ] ، ومنه قوله تعالى : { وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ ‏‏} [ المائدة 49] أي : يصـدوك ، وقيـل : يوقعـوك في بليـة وشــدة في ‏صرفهم إياك عما أوحي إليك (‏ ‏) .‏
‏9ً ـ بمعنى الحيرة والضلالة : ومنه قوله تعالى : { وَمَن يُرِدِ الَّلهُ ‏فِتْنَتَهُ } [ المائدة 41 ] ، أي : ضلالته ، وقوله تعالى : { مَاأَنتُمْ عَلَيْهِ ‏بِفَــتِنِيْنَ } [ الصافات : 162 ] أي بضالِّين .‏
‏10ً ـ وبمعنى العُذْر والعلة : ومنه قوله تعالى : { ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ ‏إِلاَّ أَن قَالُواْ وَالَّلهِ رَبِّنا مَاكُناَّ مُشْرِكِينَ } [ الأنعام 23 ] ، أي : عُذرهم .‏
‏11ً ـ وبمعنى الجنون والغفلة : ومنه قوله تعالى : { فَسَتُبْصِرُ ‏وَيُبْصِرُونَ بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونَ } [ القلم : 6 ] أي : الجنون (‏ ‏) .‏
هذه هي الأوجه التي اتفق عليها الفيروز أبادي وابن الجوزي ، وقد ‏بلغت أحد عشر وجهاً .‏
‏* وأما مازاده ابن الجوزي على الفيروز أبادي فأربعة أوجه ‏هاك إياها :‏
‏1 ـ الفتنة بمعنى العِبْرة : ومنه قولـــه تعـالى : { رَبَّنَا لاَتَجْعَلْنَا فِتْنَةً ‏لِّلْقَومِ الظَّــلِـمِينَ } [ يونـــس : 85 ] ، وقولــه تعـالى : { لاَتَجْعَلْنَا فِتْنَةً ‏لّــِلَّذِينَ كَفَرُواْ } [ الممتحنة : 5 ] . ‏
‏2 ـ بمعنى العقوبة : ومنه قوله تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ ‏أَمْرِهِ أَن تُصِيــبَهُمْ فِتْنَةٌ } [ النور : 63 ] .‏
‏3 ـ بمعنى المرض : ومنه قوله تعالى { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَ نَّــهُمْ يُفْتَنُونَ ‏فِي كُـلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } [ التوبة : 126 ] .‏
‏4 ـ بمعنى القضاء : ومنه قوله تعالى : { إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا ‏مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء } (‏ ‏) [ الأعراف 155 ] .‏
وهناك وجوه ومعان أُخر غير التي ذكرها العلامتان ابن الجوزي ‏والفيروز أبادي ، وهي متناثرة في ثنايا كتب التفسير لاسيما تفسير ابن ‏جرير الطبري ، وتفسير النكت والعيون للماوردي ، وتفسير القرطبي ، ‏والشوكاني ـ رحمهم الله جميعاً ـ .‏
ومن تلك الوجوه والمعاني ـ أيضاً ـ ماذكره العلامة المحدث الحافظ ‏ابن حجر العسقلاني ـ رحمه الله ـ عند تفسير الألفاظ الغريبة الواردة في ‏صحيح البخاري ، ومما ذكره : (جاءت الفتنة بمعنى ذهاب العقل (( كدنا أن ‏نُفتن في صلاتنا )) (‏ ‏) وبمعنى التوبيخ قوله : { ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي } [ ‏التوبة 49 ] ، قال : أي : لاتوبخني ، وقال غيره: لاتضلني ، ووردت بمعنى ‏الالتهاء بالشيء عن أولى منه ، ومنه { إِنَّمَا أَمْوَ لُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ } [ ‏التغابن : 15 ] ، وبمعنى الدلالة على الشيء ومنه : { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ ‏‏} ) (‏ ‏) [ الإسراء : 73 ] .‏
وقال في موضع آخر : ( وتطلق ـ يعني الفتنة ـ على الكفر ، والغلو ‏في التأويل البعيد ، وعلى الفضيحة والبلية والعذاب والقتال والتحول من ‏الحسن إلى القبيح ، والميل إلى الشيء والإعجاب به ، وتكون في الخير ‏والشر كقوله تعالى : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِفِتْنَةً } (‏ ‏) [ الأنبياء : 35 ‏‏] . ‏
هذا وقد ذكر الحسين بن محمد الدامغاني (‏ ‏) الأحد عشر وجهاً ‏التي اتفق عليها ابن الجوزي والفيروز أبادي ، إلا أنه لم يذكر أنها تأتي ‏بمعنى الإثم ، وذكر بدلاً من هذا الوجه وجهاً آخر لم يذكراه وهو أن الفتنة ‏تأتي بمعنى الإعجـــــاب بالشـيء ، قال تعالى : { رَبَّنَا لاَتَجْعَلْنَا فِتْنَةً ‏لّــِلْقَومِ الظَّــلِمِيْنَ } [ يونس 85 ] أي : لاتسلط علينا فرعون وقومه ‏فيقولون : لولا أننا أمثل منكم ماسُلّطنا عليكم . فيكون ذلك فتنة (‏ ‏) . ‏
وقد بين أبو هلال العسكري (‏ ‏) الفرق بين الفتنة والاختبار فقال ـ ‏رحمه الله ـ : الفرق بين الفتنة والاختبار : أن الفتنة أشد الإختبار وأبلغه ، ‏وأصله عرض الذهب ليتبين صــلاحه من فساده . ومنه قوله تعالى : { يَوْمَ ‏هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُــونَ } [ الذاريات : 13 ] ، ويكون في الخير والشر ، ‏ألا تسمع قوله تعالى : { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَولاَدُكُم فِتْنَةٌ } [ التغابن : 15] ، ‏وقال تعالى : { لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقَاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيْهِ } [ الجن : 16 ـ 17 ] ‏، فجعل النعمة فتنة ، لأنه قصد بها المبالغة في اختبار المنعم عليه بها ‏كالذهب إذا أريد المبالغة في تعرف حاله فيراني أدخل النار ، والله تعالى ‏لايختبر العبد لتغيير حاله في الخير والشر ، وإنما المراد بذلك شدة التكليف ‏‏(‏ ‏) .‏
هذا ومما سبق يتبين لنا أن لفظ الفتنة في القرآن يأتي على ‏وجوه كثيرة ، وأن له معان شتى ، من أهمها : الشرك والكفر والابتلاء ‏والامتحان والاختبار والعذاب والاثم والإحراق والتعذيب والقتل والهلاك ‏والضلال والجنون والعذر وغير ذلك مما ذكر في موضعه بإطناب ، والله ‏أعلم بالصواب . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:17 PM
المبحث الثالث
‏{ سنة الله في فتنة المؤمنين }‏
‏=================‏

إن من سنن الله تعالى في خلقه ابتلاء هم وتعريضهم للفتنة ، حتى ‏يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين . ‏
فسنة الحياة الدنيا والبشر فيها ، تجعل من المستحيل أن يخلو المرء ‏فيها من فتن وكوارث تصيبه ، ومحن وشدائد تحل بساحته ، فكم يَخْفِقُ له ‏عمل ، أو يخيب له أمل ، أو يموت له حبيب ، أو يمرض له بدن أو قريب ، ‏أو يُفْقد منه مال ، أو ...... أو ..... الى آخر مايفيض به نهر الحياة ... حتى ‏قال الشاعر يصف الدنيا :‏
جُبلت على كدر وأنت تُريدها صفواً من الآلام والأكدار !‏
ومُكلِّفُ الأيام ضد طِباعهـــــا مُتَطَلِّبٌ في الماء جذوة ناره ‏
‏ هذه سنة الله تعالى في الحياة الدنيا ، وهو سبحانه وتعالى إنما خلق ‏السماوات والأرض ، وخلق الموت والحياة ، وزيّن الأرض بما عليها ، ‏لابتلاء عباده وامتحانهم ، ليعلم من يريده ويريد ماعنده ممن يريد الدنيا ‏وزينتها .‏
قال الله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَ تِ والأَرْضَ في سِتَةِ أَيَّامٍ ‏وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَ يُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [ هود : 7 ] . ‏وقــال تعـالى : { إِنَّا جَعَلْنَا مَاعَلَى الأَرْضِ زِيــْنَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَ يُّهُمْ ‏أَحْسَنُ عَمَلاً } [ الكهف : 7 ] .‏
‏( فالاختبار والتمحيص مَحَك صدق الإيمان في السابقين والصالحين ‏‏. فقد بين الله ـ سبحانه وتعالى ـ أنه لابد من الاختبار والتعرض للفتنة ‏للتحقق من قوة الإيمان وصدقه ، وأن ذلك سنة الله في السابقين والصالحين ‏، يقول الله تعالى : { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُـتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ ‏لاَيُفْـتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِ ينَ مِن قَبْــلـِهِمْ فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ ‏وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } [ العنكبوت : 2 ـ 3 ] . ‏
قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ عند تفسيرها : ( استفهام انكار ، ‏ومعناه : أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لابد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ‏ماعندهم من الإيمان ....) (‏ ‏).‏
وقد جاء الاستفهام الإنكاري هنا على الذين يظنون أنهم مؤمنون ‏بمجرد ادعاء الإيمان باللسـان ، دون التعــرض للمحنــة والإبتلاء ، وثباتهم ‏في ميدان الإختبار والإمتحان (‏ ‏).‏
والاستفهام الإستنكاري في هذه الآية أُريد به التقرير والتوبيخ ، ‏ومعناه:الظن (‏ ‏) .‏
‏( أي : أَظَنَّ من آمن من الناس أن يُتركوا دون اختبار وتمحيص ‏لمجرد قولهم باللسان: آمنا ؟ لا . ليس الأمر كما ظنوا ، فلا بد من الإمتحان ‏ليتميز الصادق من الكاذب ، وكرر قوله : { وليعلمن الله } بعد قوله : { ‏فليعلمن الله } ، لزيادة التأكيد والتقرير ) (‏ ‏) .‏
‏( إن الإيمان ليس كلمة تقال ، إنما هو حقيقة ذات تكاليف ؛ وأمانة ‏ذات أعباء ؛ وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال . فلا يكفي ‏أن يقول الناس : آمنا . وهم لايُتركون لهذه الدعوة ، حتى يتعرضوا للفتنة ‏فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم ، خالصة قلوبهم . كما تفتن ‏النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به ـ وهذا هو أصل ‏الكلمة اللغوي ، وله دلالته وظله وإيحاؤه ـ وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب .‏
هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت ، وسنة جارية في ميزان الله ـ ‏سبحانه ـ ) (‏ ‏) .‏
‏( وهذا الطريق الذي حدده الله ـ تعالى ـ للإيمان ليس بِدَعاً ولا جديدا ‏في عالم الدعوات ، بل هو قديم أزلي مرت به الدعوات السابقة ، وستمر به ‏الدعوات اللاحقة ، الى أن يأخذ الله الأرض ومن عليها { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِ ينَ ‏مِن قَبْــلـِهِمْ فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِ ينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } [ العنكبوت ‏‏: 3 ] . وهذا الاختبار ليس القصد منه رمي المؤمنين في الفتنة ، وإنما ‏الغاية أن يمحص الله المؤمنين بالتجربة والاختبار ، فيعلم ـ وهو العليم ‏الخبير ـ الصادق منهم والكاذب ، حيث يسقط الأدعياء ويبقى الأولياء ) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏ ( والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء ، ولكن الابتلاء يكشف في ‏عالم الواقع ماهو مكشوف لعلم الله ، مغيب عن علم البشر ، فيحاسب الناس ‏إذن على مايقع من عملهم لاعلى مجرد مايعلمه سبحانه من أمرهم . وهو ‏فضل من الله من جانب ، وعدل من جانب ، وتربية للناس من جانب ، فلا ‏يأخذوا أحد اً إلا بما استعلن من أمره ، وبما حققه فعله . فليسوا بأعلم من الله ‏بحقيقة قلبه ! ) (‏ ‏) .‏
وهذا المعنى الذي دلت عليه الآيات السابقة قد جاء مبيناً في آيات ‏أُخَر من كتاب الله كقوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم ‏مَثَلُ الَّذِ ينَ خَلَواْ مِن قَـبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَ زُ لْزِلُواْ حَـتَّى ‏يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ } ‏‏[ البقرة : 214 ] . وقوله : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ ‏الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِ يـنَ } [ آل عمران : 142] ، وقوله ‏تعالى : { وَلَنَبْلُوَ نَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ ا لْمُجَــهِدِ ينَ مِنكُمْ وَالصَّــبِرِيــنَ وَ ‏نـَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ } [ محمد : 31 ] ، وقوله تعالى : { َمَا كَانَ اللهُ لِـيَذَرَ ‏المُؤْمِنــِينَ عَلَى مَاأَنـتُمْ عَلَيْهِ حَـتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ... } ‏الآية [ آل عمران: 179 ] ، وقوله تعالى : { وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَافِي ‏صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَافِي قُلُوبِـكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ آل ‏عمران : 154 ] ، وقوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تـُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ ‏الَّذِ ينَ جَــهَدُواْ مِنكُمْ وَ لَمْ يَـتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللهِ وَ لاَ رَسُولِهِ وَ لاَ ‏المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ التوبة : 16 ] ، إلى غير ‏ذلك من الآيات ، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله هنــا: { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِ ينَ ‏مِن قَبْــلـِهِمْ فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِ ينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } (‏ ‏) ‏‏[العنكبوت : 3 ] . أي : ابتلينا الماضين كالخليل أُلقي في النار، وكقوم ‏نُشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه ، وكقوم موسى وفتنة فرعون ‏لهم ، وغيرهم من المؤمنين في غابر الأزمان (‏ ‏) .‏
قال ابن جرير الطبري ـ رحمه الله تعالى ـ عند تفسير هذه الآية ‏مانصه : ( يقول تعالى ذكره : ولقد اختبرنا الذين من قبلهم من الأمم ، ممن ‏أرسنا إليهم رسلنا ، فقالوا مثل ماقالته أمتك يامحمد بأعدائهم ، وتمكيننا ‏إياهم من أذاهم كموسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل ، فابتليناهم بفرعون ‏وملئهم ، وكعيسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل ، فابتلينا من اتبعه بمن تولى ‏عنه ، فكذلك ابتلينا أتباعك بمخالفيك من أعدائك { فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِ ينَ ‏صَدَقُواْ } منهم في قيلهم آمنا { وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } منهم في قيلهم ذلك ، ‏والله عالم بذلك منهم قبل الاختبار ، وفي حال الاختبار ، وبعد الاختبار ، ‏ولكن معنى ذلك : وليظهرن الله صدق الصادق منهم في قيله آمنا بالله من ‏كذب الكاذب منهم بابتلائه إياه بعدوه ، ليعلم صدقه من كذبه أولياؤه ) (‏ ‏).‏
وقال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ عند تفسير قوله تعالى : { فَليَعْلَمَنَّ ‏اللهُ الَّذِ ينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } [العنكبوت : 3 ] ، أي : الذين ‏صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه ، والله ـ سبحانه ‏وتعالى ـ يعلم ماكان وما يكون ومالم يكن لو كان كيف يكون . وهذا مجمع ‏عليه عند أئمة السنة والجماعة ، وبهذا يقول ابن عباس وغيره ... (‏ ‏) .‏
هذا وقد بينت السنة الثابتة أن هذا الابتلاء المذكور في هذه الآية يُبتلى ‏به المؤمنون على قدر ماعنــدهم من الإيمان ، كمــا في حديث أبي سعيد ‏الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ‏يوعك ، فوضعت يدي عليه ، فوجدت حرّة بين يدي فوق اللحاف . فقلت : ‏يارسول الله ماأشدَّها عليك؟ قال : (( إنا كذلك يُضَعَّف لنا البلاء ويُضَعَّف لنا ‏الأجر )) قلت : يارسول الله ! أيّ الناس أشد بلاء ؟ قال : (( الأنبياء )) وقلت ‏‏: ثم من ؟ قال : (( ثم الصالحون إن كان أحدهم ليُبتلى بالفقر حتى مايجـد إلا العباءة ‏يُحَوِّيْهَا ، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء )) (‏ ‏) .‏
وعن سعد بن أبي وقاص قال : قلت : يارسول الله ! أي الناس أشد ‏بلاءً ؟ قال : (( الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل . يبتلى العبد على حسب دينه . فإن كان ‏في دينه صُلباً اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رِقّة ابتلي على حسب دينه . فما يبرح ‏البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وماعليه من خطيئة )) (‏ ‏) .‏
وعن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ، فقلنا له : ألا تسـتنصر لنا ؟ ألا ‏تدعو لنا ؟ فقال : (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل ‏فيها ، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ‏لحمه وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه، والله لَـيُتِمَّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من ‏صنعاء إلى حضرموت لايخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون )) (‏ ‏) ‏‏.‏
‏( وفي هذه الأحاديث دلالة صريحة على أن المؤمن كلما كان أقوى ‏إيماناً ، ازداد بلاءً وامتحاناً ، والعكس بالعكس ... فالبلاء غالباً دليل خير ، ‏وليس نذير شر كما يدل على ذلك حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال : (( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن ‏رضي فله الرضا ، ومن ســخط فله السخط )) (‏ ‏) .‏
وقد دل هذا الحديث ـ أيضاً ـ على أمر زائد على ماسبق ، وهو أن ‏البلاء إنما يكون خيراً ، وأن صاحبه يكون محبوباً عند الله تعالى ، إذا صبر ‏على بلاء الله تعالى ، ورضــي بقضاء الله عز وجل . ويشهد لذلك قوله ‏صلى الله عليه وسلم : (( عجبت لأمـــر المـؤمن ، إن أمره كله خير ، إن أصابه ‏مايحب حمد الله وكان له خير ، وإن أصابــه مايكــره فصبر كان له خير ، وليس كل ‏أحد أمره كله خير إلا المؤمن )) (‏ ‏) ) (‏ ‏)‏
فكل مكلف عاقل من المسلمين ، ومن السابقين ، من الإنس ومن ‏الجن ، مبتلى وممتحن بألوان من الفتن ، على مستوى الأفراد وعلى ‏مستوى الأمم ، كل ذلك ليميز الله الخبيث من الطيب ، والصادق من الكاذب ‏، وهذه سنة الله في خلقه منذ القدم .‏
‏( إن الإيمان أمانة الله في الأرض ، لايحملها إلا من هم لها أهل ، ‏وفيهم على حملها قدرة ، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص . وإلا الذين ‏يؤثرونها على الراحة والدعة ، وعلى الأمن والسلامة ، وعلى المتاع ‏والإغراء . وإنها لأمانة الخلافة في الأرض ، وقيادة الناس إلى طريق الله ، ‏وتحقيق كلمته في عالم الحياة . فهي أمانة كريمة ، وهي أمانة ثقيلة ، وهي ‏من أمر الله يضطلع بها الناس ، ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر ‏على الإبتلاء .‏
ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله ، ثم لايجد ‏النصير الذي يسانده ويدفع عنه ، ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة ؛ ولا ‏يجد القوة التي يواجه بها الطغيان . وهذه هي الصورة البارزة للفتنة ، ‏المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة . ولكنها ليست أعنف صور الفتنة . ‏فهناك فتن كثيرة في صور شتى ، ربما كانت أمرُّ وأدهى .‏
هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه ‏، وهو لايملك عنهم دفعاً ، وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم ، وينادونه باسم ‏الحب والقرابة ، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك ) (‏ ‏) ‏‏.‏
وقد أُشير في سورة العنكبوت ـ عند قوله تعالى : { وَوَصَّـيْنَا الإِ ‏نْسَــنَ بِوَالِدَيـْهِ حُسْناً ...} [ العنكبوت : 8 ] ـ إلى لون من هذه الفتنة ، ‏وهي الفتنة مع الوالدين ، وهو لون شاق عسير .‏
ومن ذلك ماتعرض له الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ـ رضي ‏الله عنه ـ، عندما امتنعت أمه عن الطعام حتى تموت جوعاً ـ بُغْية إرغامه ‏على ارتداده عن الإسلام ـ فيعيره العرب بعقوقه لأمه ، فأوصاه الله تعالى ‏ببرها وعدم طاعتها بالمعصية . ‏
‏( وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين ، ورؤية الناس لهم ناجحين ‏مرموقين ، تهتف لهم الدنيا ، وتصفق لهم الجماهير ، وتتحطم في طريقهم ‏العوائق ، وتصاغ لهم الأمجاد وتصفو لهم الحياة . وهو مُهْمَل مُنْكَر لايحس ‏به أحد ، ولايحامي عنه أحد ، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون ‏من أمثاله الذين لايملكون من أمر الحياة شيئاً .‏
وهنالك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة ، حين ينظر ‏المؤمن فيرى كل ماحوله وكل من حوله غارقاً في تيار الضلالة ، وهو ‏وحده موحش عريب طريد . ‏
وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيام . فتنة أن يجد ‏المؤمن أمماً ودولاً غارقة في الرذيلة ، وهي مع ذلك راقية في مجتمعها ، ‏متحضرة في حياتها ، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية مايناسب قيمة ‏الإنسان ، ويجدها غنية قوية ، وهي مشاقة لله ! ‏
وهنالك الفتنة الكبرى . أكبر من هذا كله وأعنف . فتنة النفس ‏والشهوة . وجاذبية الأرض ، وثِقلة اللحم والدم ، والرغبة في المتاع ‏والسلطان ، أو في الدّعة والاطمئنان ، وصعوبة الاستقامة على صراط ‏الإيمان والاستواء على مرتقاه ، مع المعوقات والمثبطات في أعماق النفس ‏، وفي ملابسات الحياة ، وفي منطق البيئة ، وفي تصورات أهل الزمان !‏
فإذا طال الأمد ، وأبطأ نصر الله ، كانت الفتنة أشد وأقسى . وكان ‏الابتلاء أشد وأعنف . ولم يثبت إلا من عصــم الله ، وهؤلاء هــم الذيـن ‏يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان ، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى ، ‏أمانة السماء في الأرض ، وأمانة الله في ضمير الإنسان . ‏
ومابالله ـ حاشا لله ـ أن يعذب المؤمنين بالابتلاء ، وأن يؤذيهم بالفتنــة ‏‏) (‏ ‏). فليس الابتلاء للمؤمنين ليلاً لاصبح بعده ، وإنما ذلك يكون لأمد ‏يعلمه الله في علم الغيب قد يطول وقد يقصر ، ولعل الآية التي وردت سابقاً ‏ـ وهي قول الله تعالى : { مَاكَانَ اللهُ لِـيَذَرَ الْمُؤْمِنـِينَ عَلَى مَاأَنتُمْ عَلَيْهِ ‏حَـتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهَُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَ ‏لَـكِنَّ الله َ يَجْتَبِى مِن رُسُلِهِ مَن يَشَاءُ ..... } الآيــة [ آل عمران: ‏‏179 ] ــ تدل على ذلك . ‏
فليس المؤمن يوجد في هذه الحياة ليكون العذاب والألم لزيمة أو ‏قرينة ، وإنما الأمر أمر تربية وإعداد . بتربية هذا المؤمن يتربى آخرون ، ‏وقد تتربى أمة بحالها ، والله تبارك وتعالى هو العليم وحده بالمقاصد ‏والغايات من وراء إجراء سننه في خلقه .‏
إنه : ( الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة . فهي في حاجة إلى إعداد ‏خاص لايتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق ، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على ‏الشهوات ، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام ، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر ‏الله أو في ثوابه ، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء .‏
والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث ، وتستجيش كامن قواها ‏المذخورة فتستيقظ وتتجمع . وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ‏ويصقل . وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات ، فلا يبقى صامداً إلا أصلبها ‏عوداً ، وأقواها طبيعة ، وأشدها اتصالاً بالله ، وثقة فيما عنده من الحسنيين ‏‏: النصر أو الأجر ، وهؤلاء هم الذين يُسَلَّمون الراية في النهاية . مؤتمنين ‏عليها بعد الاستعداد والاختبار ) (‏ ‏).‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:18 PM
المبحث الرابع
‏{ الناس أمام الفتنة }‏
‏========‏

إن الناس يختلفون في الفتنة من ناحية استقبالهم وتصورهم لها . ‏فالناس معادن أمام الفتن ، فمنهم من يفتن نفسه بنفسه ، ومنهم من يفتن غيره ‏، ومنهم من يؤمن بلسانه ، فإذا أصابه بلاء من الله أو مصيبة في نفسه افتتن ‏‏.‏
وسيُعرض في هذا المبحث ـ إن شاء الله تعالى ـ نماذج من الناس أمام ‏الفتن .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:18 PM
المطلب الأول ‏
‏{ استقبال الناس للفتنة }‏
‏* * * *‏
إن بعض الناس يدعي الإيمان ويقول بلسانه آمنا ، بيد أنه إذا أوذي ‏في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله .‏
‏( ولما ذكر تعالى : أنه لابد أن يمتحن من ادّعى الايمان ، ليظهر ‏الصادق من الكاذب ـ كما تقدم في المبحث السابق ـ ، بيّن تعالى ، أن من ‏الناس فريقاً لاصبر لهم على المحن ، ولا ثبات لهم على بعض الزلازل ، ‏فقــال : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَا مَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى اللهِ } [ ‏العنكبوت : 10 ] بضرب ، أو أخذ مال ، أو تعيير ، ليرتد عن دينه ، ‏وليراجع الباطل { جَعَلَ فِتْـنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ } [ العنكبوت : 10 ] أي : ‏يجعلها صادّة له عن الإيمان ، والثبات عليه ، كما أن العذاب صاد عما هو ‏سببه ) (‏ ‏) .‏
هذا حال بعض الناس ـ نسأل الله السلامة والعافية ـ وهذه صفات ‏المكذبين الذين يدَّعون الإيمان بألسنتهم ولم يثبت الإيمان في قلوبهم ، فإذا ‏ماجاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم ‏فارتدوا عن الإسلام ، وجزعوا من ذلك كما يُجزع من عذاب الله ، ولا ‏يصبروا على الأذية في الله .‏
فهذا الصنف من الناس هم الذين قال الله فيهم : { وَمِنَ النَّاسِ مَن ‏يَعْبُدُ اللهََ عَلَى حَرْفٍ فــَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَـتْهُ فِتْـنَةٌ ‏انـقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْـيَا وَالآخِرَةَ ذَلـِكَ هُوَ اْلخُسْرَانُ المُبِينُ } ‏‏[ الحج : 11 ] . ‏
إنهم يعبدون الله على حرف ، أي : على شك وطرف ، فإن وجدوا ‏مايحبونه استقروا وإلا انشمروا (‏ ‏) .‏
ثم أخبر سبحانه وتعالى ـ في بقية الآية نفسها ـ عن صفة أخرى من ‏صفاتهم أمام الفتنــة . فقـال تعــالى : { وَلَـئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ‏إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } [العنكبوت :10] . فأخبر تعالى بأنه لو جاء للمؤمنين نصر ‏قريب وفتح ومغانم من الله تعالى ليقولن هؤلاء المرتدون للمؤمنين إنا كنا ‏معكم ، أي : إخوانكم في الدين وهم كاذبون كما قال تعالى : { الَّذِينَ يَتَرَ ‏بَّصُونَ بـِكُمْ فَإِن كَانَ لـَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُواْ أَ لَمْ نـَكُن مَّـعَكُمْ وَإِن كَانَ ‏لِـلْكَفـِرِ ينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ ‏النساء : 141 ] ، فرد الله عليهم وقال لهم : { أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى ‏صُدُورِ الْعَالَمِينَ } [ العنكبوت : 10 ] نعم ، أليس الله بأعلم بما في قلوبهم ‏وماتكنه ضمائرهم وإن أظهروا للمؤمنين الموافقة ؟ فهو ـ سبحانه وتعالى ـ ‏يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور ، وهو أدرى وأعلم بما في أفئدتهم ‏منهم بأنفسهم . (‏ ‏)‏
هذا نموذج للناس أمام الفتنة ومدى استقبالهم لها ، فنسأل الله تعالى أن ‏لايجعلنا مثلهم وأن يجعلنا من الصابرين الصامدين صمود الجبال الراسيات ‏أمام الفتن الكاسحات وأن يجعلنا ممن تزيدهم إيمانا على إيمانهم وعلى ربهم ‏يتوكلون . أ هـ .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:19 PM
المطلب الثاني
‏{ فتنة الناس بعضهم البعض }‏
‏===========‏
إن من حكمة الله تعالى وسنته في خلقه أن يفتن الناس بعضهم ببعض ‏، ويختبرهم ويبلوهم ليعلم من يطيع ممن يعصي ، فالمسلم مبتلى بالكافر ‏ومفتون به ، والكافر مفتون بالمسلم ومبتلى به ، ويمتحن الله الأغنياء ‏بالفقراء ، والفقراء بالأغنياء ، والضعفاء بالأقوياء والأقوياء بالضعفاء ‏‏......... وهكذا يمتحن الله عباده بعضهم ببعض .‏
وللعلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ كلام نفيس فريد في بابه في هذا ‏الموضوع ، فها هو إيراد جملة منه مع بعض الزيادات من كلام علماء ‏السلف الصالح ـ رحمهم الله تعالى ـ . قال تعالى : { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ ‏فِتْنَةً } [ الفرقان : 20 ] ، أي: اختبرنا بعضكم ببعض وبلونا بعضكم ‏ببعض لنعلم من يطيع ممن يعصي . (‏ ‏) ‏
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ عند ذكره لهذه الآية :‏
‏( وهذا عام في جميع الخلق ، امتحن بعضهم ببعض ، فامتحن الرسل ‏بالمرسل إليهم ودعوتهم الى الحق والصبر على أذاهم . وتحمل المشاق في ‏تبليغهم رسالات ربهم ، وامتحن المرسل اليهم بالرسل ، وهل يطيعونهم ، ‏وينصرونهم ويصدقونهم أم يكفرون بهم ويردون عليهم ويقاتلونهم ؟ ‏وامتحن العلماء بالجهال ، هل يعلمونهم وينصحونهم ، ويصبرون على ‏تعليمهم ونصحهم وإرشادهم ، ولوازم ذلك ؟ وامتحن الجهال بالعلماء ، هل ‏يطيعونهم ويهتدون بهم ؟ وامتحن الملوك بالرعية ، والرعية بالملوك ، ‏وامتحن الأغنياء بالفقراء ، والفقراء بالأغيناء ، وامتحن الضعفاء بالأقوياء ‏، والأقوياء بالضعفاء ، والسادة بالأتباع ، والأتباع بالسادة ، وامتحن المالك ‏بمملوكه ، ومملوكه به ، وامتحن الرجل بامرأته ، وامرأته به ، وامتحن ‏الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، والمؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين . ‏وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم ، وامتحن المأمورين بهم ، ‏ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل ، فتنة لأغنيائهم ‏ورؤسائهم ، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصــدق الرســل ، وقالوا : { ‏لَوْ كَانَ خَيْرَاً مَّا سَبَقُونَا إِلَيـْهِ } [ الأحقاف : 11 ] هؤلاء ، وقالوا لنوح ‏عليه السلام : { أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ } [ الشعراء : 111 ] . ‏
قال تعالى : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لّـِيـَقُولُواْ أَهَـؤُ لاَءِ مَنَّ ‏اللهُ عَلَيْهِم مِّن بـَيْنِنَا } [ الأنعام : 53 ] . فإذا رأى الشريفُ الرئيسُ ‏المسكينَ الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حَمَى وأَنِفَ أن يسلم ، ‏فيكون مثله ، وقال : أُسلم فأكون أنا وهذا الوضيعَ على حد سواء ؟ ) ا هـ ‏كلام ابن القيم ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
نعم ماأجمله من كلام ! وما أصدقه من قيل ! ولله درُّ قائله ـ رحمه ‏الله تعالى ـ .‏
ومن المناسب جداً أن نذكر مثلاً لذلك مما جاء عن أسلافنا ـ رحمهم ‏الله تعالى ـ في هذا المضمار .‏
قال عكرمة ـ رحمه الله تعالى ـ عند قوله تعالى : { وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِ ينَ ‏يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَ بّـِهِمْ .... } الآية [ الأنعام : 51 ] ، جاء عتبة ‏بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، ومطعم بن عدي ، والحارث بن نوفل ، ‏وقلظة بن عبد عمرو بن نوفل في أشراف من بني عبد مناف من الكفار ، ‏إلى أبي طالب فقالوا : ياأبا طالب ، لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا ‏وحلفاءنا فإنما هم عبيدنا وعُسفاؤنا ، كان أعظم في صدورنا ، وأطوع له ‏عندنا ، وأدنى لاتّباعنا إياه وتصديقنا له ، قال : فأتى أبو طالب النبي صلى ‏الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه به ، فقال عمر بن الخطاب : لو فعلت ذلك ‏حتى تنظر ماالذي يريدون ، وإلى مايصيرون من قولهم ، فأنزل الله تعالى ‏هذه الآية : { وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبـِّــهِمْ لَيْسَ لَهُم ‏مِّن دُونِهِ وَ لِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَـتَّقُونَ * وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِيـنَ يَدْعُونَ ‏رَبــَّــهُم بِالْغَدوةِ وَالْعَشِــيِّ يُرِ يــــدُونَ وَجْهـَــهُ ...... } إلى قولـه : { أَ ‏لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } [ الأنعام : 51 ـ 53 ] . قال : وكانوا بلالاً ‏وعمار بن ياسر، وسالماً مولى أبي حذيفة ، وصبيحاً مولى أُسيد ، ومن ‏الحلفاء : ابن مسعود ، والمقداد بن عمرو ، ومسعود بن القاري ، وواقد بن ‏عبد الله الحنظلي ، وعمرو ابن عبد عمرو ذو الشمالين ، ومرثد بن أبي ‏مرثد ، وأبو مرثد من غنيِّ حليف حمزة بن عبد المطلب ، وأشباههم من ‏الحلفاء ، ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفـاء { وَكَذَلِكَ ‏فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوأ أَهَــؤُ لاَءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنِا } ... ‏الآية [ الأنعام : 53 ] فلمــا نزلــت أقبــل عمــر بن الخطاب ، فاعتذر من ‏مقالته ، فأنزل الله ـ تعالى ـ: { وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِيـنَ يُؤْمِنُونَ بِآ يَـتِنَا فَقُلْ ‏سَــلـــَمٌ عَلَـيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } الآيـــة [ الأنعام : 54 ] ‏‏(‏ ‏) .‏
وهكذا تكون الأَنَفة والغَطْرسة سداً منيعاً ، وقفلاً حصيناً يحول بين ‏العبد وربه ، فإذا رأى الشريفُ الرئيسُ المسكينَ الذليلَ قد سبقه إلى فعل ‏الخيرات والطاعات ، والقيام بالواجبات ، والانتهاء عن المنهيات ‏والمنكرات ، حَمِيَ وأَنِفَ أن يُسلم نفسه لله ، فيكون مثله ، وقال : أُسلمُ ‏وأفعل نحوه فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء ؟
هذا حال بعض الدهماء من الناس نسأل الله السلامة والعافية ! ‏
قال الزَّجاج : ( كان الرجل الشريف ربما أراد الإسلام ، فيمتنع عنه ، ‏لئلا يقال أسـلم قبله من هو دونه ، فيقيـم على كفره ، لئلا يكون للمسـلم ‏المســابقة عليـه في الفضل ) (‏ ‏) .‏
ومن كون بعض الناس لبعضهم فتنة : أن الفقير يقول : لِمَ لَمْ أَكُنْ مثل ‏الغني ؟ ويقول الضعيف : هلاَّ كنتُ مثل القوي ؟ ويقول المبتلى : هلاَّ كنتُ ‏مثل المعافى ؟ وقال الكفار : { لَن نُّــؤْمِنَ حـَــتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ ‏رُسُلُ اللهِ }(‏ ‏) [ الأنعام : 124 ] .‏
هذا وقد ثبت في السنة مايدل دلالة ناصعة ـ لاَجَرَمَ فيها ـ على ماتقرر ‏سابقاً من أن الابتلاء لامحيص عنه ، وأن العباد يَفْتِن ويَبْلِي بعضهم بعضاً ، ‏حتى الرسل ـ عليهم صلوات ربي وسلامه ـ فإن الله مبتليهم ومبتلي بهم ، ‏فابتلى الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم . ‏وتحمل المشاق في تبليغهم رسالات ربهم ، وابتلى المرسلَ إليهم بالرسل ، ‏وهل يطيعونهم وينصرونهم ويُصدقونهم ، أم يكفرون بهم ويرُدُّون عليهم ‏ويقاتلونهم ؟
ومما ثبت في ذلك : الحديث القدسي الطويل ، والشاهد فيه : (( ... ‏إنما بعـثـتك لأبتليَـكَ وأبتليَ بك .... )) (‏ ‏) .‏
فالابتلاء لابد منه ، والفتنة لامحيص عنها ولا مفر منها ، فهي كِيـْرُ ‏القلوب ، ومَحَكُّ الإيمان ، وبها يتبين الصادق من الكاذب .‏
قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : ( لايقولن أحدُكم : اللهم إني أعوذ ‏بك من الفتنة ، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة ، لأن الله تعالى ‏يقول : { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْ لــــَدُكُمْ فِتْـنَةٌ } [ التغابن : 15 ] ، فأيكم ‏استــعاذ فليستـــعذ بالله ‏
تعالى من مضلات الفتن ) (‏ ‏) .‏
فنعوذ بالله من مضلات الفتن ماظهر منها وما بطن .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:21 PM
المطلب الثالث
‏{ فتنة الإنسان نفسه }‏

إن من الناس من يفتن نفسه بنفسه ، وذلك باتباعه واندراجه تحت ‏أحضان شهواته فيكون رهيناً لها ، وقد يُفتن بالغَرور الذي يُزين له الكفر ‏والريب ، فيطمئن له ، ويثق بوعده ، ويُصدِّق خبره .‏
وقد يفتن العبد نفسه بالشك في البعث بعد الموت ، وقد تغرُّه الأماني ‏الباطلة ، وطول الأمل. فيفتن نفسه بذلك ... إلى آخر مايفيض به نهر الحياة ‏من فتنةالإنسان نفسه. ‏
قال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ :‏
‏( فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمّارة ، وشيطانه ‏المُغوي المزيّن ، وقرنائه ومايراه ويشاهده ، مما يعجزُ صبره عنه ، ويتفق ‏مع ذلك ضعف الإيمان واليقين ، وضعف القلب ومرارة الصبر ، وذوقُ ‏حلاوةِ العاجــل ، وميلُ النفس إلى زهرة الحياة الدنيا . وكون العِوَضِ ‏مؤجلاً في دارٍ أخرى غير هذه الدارالتي خلق فيها ، وفيها نشأ ، فهو مكلفٌ ‏بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيبٍ طُلب منه الإيمان به :‏
فو الله ، لولا اللهُ يُســعِدُ عبــــدَه بتوفيقــه ، والله بالعبـــد أرحـمُ
لما ثبتَ الإيمان يومــاً بقلبـــه على هـذه العِلاّتِ ، والأمرُ أعظمُ ‏
ولا طاوعته النفس في ترك شهوةٍ مخافــــةَ نــارٍ ، جمرُهـــا ‏يَتَضـرَّمُ
ولا خـاف يوماً مـن مقـام إلــهه عليه بحكمِ القسطِ ، إذ ليس يَظلمُ ) ‏‏(‏ ‏)‏
إن من الناس من يستعمل نفسه ويهلكها بالفتنة بشتى أنواعها . وقد ‏حكى الله عن مشهد جسيم من مشاهد يوم القيامة وما يقع في العرصات من ‏الأهوال المزعجة والزلازل العظيمة والأمور الفظيعة . وذلك فيمن فتنوا ‏أنفسهم في الدنيا ، وتربصوا بالمؤمنين ، وارتابوا في التوحيد ، وغرتهم ‏الأماني الكاذبة الباطلة ، وغرهم بالله الغرور . فقال سبحانه وتعالى: { يَوْمَ ‏يَقُولُ الْمـُنَــفِقُونَ وَالْمـُنَــفِقَاتُ لِلَّذِ يـنَ ءامَنُواْ انظُرُونَــا نَقْتَبِسْ مِن ‏نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورَاً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ ‏بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَــهِرُهُ مِن قِــبَـــلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَ لَمْ ‏نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنـفُسَكُمْ وَ تَرَبـَّــصْتُمْ وَارْتَــبْــتُمْ وَغَرَّ ‏تْكُمُ اْلأَمَانِيُّ حَـتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُم بِاللهِ الْـغَرُورُ } [ الحديد : 13 ـ ‏‏14 ] .‏
إنه مشهدٌ عظيم ، وإن هناك المنافقين والمنافقات ، في حيرةٍ وضلال ‏، وفي مهانة وإهمال . وهم يتعلقون بأذيال المؤمنين : { يَوْمَ يَقُولُ ‏الْمُنَــفِقُونَ وَالْمُنَــفِقَاتُ لِلَّــِذيــنَ ءامَنُواْ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } ‏‏... أي : أمهلونا ، لننال من نوركم مانمشي به لننجو من العذاب .‏
وحيثما تتوجه أنظار المؤمنين والمؤمنات يشع ذلك النور اللطيف ‏الشفيف . ولكن أنّى للمنافقين أن يقتبسوا من هذا النور وقد عاشوا حياتهم ‏كلها في الظلام ؟
وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال : { يُخَــدِعُونَ اللهََ ‏وَهُــوَ خَــدِعَهُمْ } [ النساء : 142 ] .‏
إن صوتاً يناديهم : { قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورَاً } أي : ‏ارجعوا إلى الموضع الذي أُخذ منه النور ، واطلبوا هنالك لأنفسكم نوراً ، ‏فإنكم لاتقتبسون من نور المؤمنين ، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه ‏النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم .‏
وعلى الفور يُفصل بين المؤمنين والمؤمنات ، والمنافقين والمنافقات ‏، فهذا يوم الفصل إن كانوا في الدنيا مختلطين في الجماعة : { فَضُرِبَ ‏بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَــهِرُهُ مِن قِبَــلِـهِ الْعَذَابُ ‏‏} أي ضُرب بينهم بحائط وحاجز بين الجنة والنار، ليحجز بين المؤمنين ‏والمنافقين ، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه ، فإذا استكملوا دخولهم ‏أُغلق الباب وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب كما كانوا ‏في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة وفساد .‏
وهذا السور { بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ } أي : الجنة ، وهذا هو الذي ‏يلي المؤمنين ، { وَظَــهِرُهُ مِن قِبــَلــِهِ الْعَذَابُ } أي : النار ، وهذا هو ‏الذي يلي المنافقين .‏
ثــم ينــادي المنافقون المؤمنين ، فيقولون تضرعاً وترحماً { ألَمْ ‏نَـكُن مّـَعَكُمْ } ؟ أما كنا معكم في الدار الدنيا نشهد معكم الجمعات ، ‏ونصلي معكم الجماعات ، ونقف معكم بعرفات ، ونحضر معكم الغزوات ، ‏ونؤدي معكم سائر الواجبات ؟ ألم نعش معكم في صعيد واحد ؟ وقد بُعثنا ‏معكم هنا في صعيد واحد ؟ ‏
‏{ قَا لُواْ بَلَى } فأجاب المؤمنـون المنافقــين قائلـين : بلـى . كان ‏الأمر كذلك . { وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنـفُسَكُمْ } وهذا هو الشاهد في موضوعنا ‏في هذا المطلب: فتنة الإنسان نفسه ، فهاهم أولاء المنافقون قد فتنوا أنفسهم ‏وصرفوها عن الهدى باللذات والمعاصي والشهوات . ‏
ولم تقتصر فتنتهم لأنفسهم على ذلك ، بل أجابهم المؤمنون بأمور ‏أخرى فتنوا بها أنفسهم فقالوا لهم : { .... وَتَرَ بـَّصْتُمْ } أي : أخرتم التوبة ‏من وقت إلى وقت ، وترقبتهم الدوائر بالحق وأهله . { وَارْتَبْتُمْ } في ‏التوحيــد ، والنبـوة ، والبعث بعد الموت . { وَغـَــرَّتــــْكُــمُ اْلأَمَانِيُّ } ‏الباطلة ، من طول الأمل في أن تنجوا وتربحوا بالذبذبة وإمساك العصا من ‏طرفيها ! { حَتَّــى جَـاءَ أَمْـرُ اللهِ } بموتكم وانتهى الأمـر . { وَغَرَّكُم ‏بِاللهِ الْغَرُورُ } وهو الشيطان الذي كان يُطمِعكم ويُمنّيكم . (‏ ‏) ‏
وقد ذكر سيد قطب ـ رحمه الله ـ الحكمة الخاصة لاختيار مشهد النور ‏في هذا الموضع بالذات من الآيات السابقة فقال :‏
‏( وننظر من ناحية التناسق الفني في عرض المشهد ، فنجد لاختيار ‏مشهد النور في هذا الموضع بالذات حكمة خاصة ..... إن الحديث هنا عن ‏المنافقين والمنافقات ... والمنافقون والمنافقات يُخفون باطنهم ويتظاهرون ‏بغير مافي الضمير المكنون ، ويعيشون في ظلام من النفاق والدس ‏والوقيعة ، والنور يكشف المخبوء ويفضح المستور . كما أن الصفحة ‏المقابلة الوضيئة لصفحة النفاق المظلمة المطموسة . فهو أليق شيء بأن ‏تُطلق أشعته على المشهد الكبير . وبأن ينير بين أيدي المؤمنين والمؤمنات ‏وبأيمانهم ، بينما المنافقون في الظلام الذي يناسب ظلمات الضمير وظلمات ‏الخفاء المستور ! ) (‏ ‏) .‏
وهكذا يفتن الإنسان نفسه حينما يكون أسيراً لشهواته وملذاته ، ‏حينما يكون بعيداً عن ربه ، معرضاً عن ذكره ، ناسياً لآياته ، { وَمَنْ ‏أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكَاً وَنَحْشــُرُهُ يَوْمَ الْـقِيَــمَةِ ‏أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِـمَ حَشَرْتَـنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيـرَ اً * قَالَ ‏كَذَلِكَ أَتـَــتْكَ ءَا يَــتُـنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَــذَلِكَ ‏نَـجْزِى مـَنْ أَسـْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِـآيَــاتِ رَ بِّهِ وَلَعَذَابُ اْلآخِرَةِ ‏أَشَــدُّ وَأَبْقَى } [ طه : 124 ـ 127 ] .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:22 PM
الباب الأول

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:23 PM
الفصل الأول

المبحث الأول
‏{إخباره ــ صلى الله عليه وسلم ــ عن ظهور الفتن ومجيئها }‏
‏= = = = = = = = = = = = ‏

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن ظهور الفتن على اختلاف ‏أنواعها وأشكالها ، وأن ظهورها يُعد من أشراط الساعة الصغرى ، وأخبر ‏بأنها فتنٌ عظيمة ، يلتبس فيها الحق بالباطل فتزلزل الإيمان ، حتى يصبح ‏الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع دينه بعَرَض ‏من الدنيا قليل (‏ ‏) .‏
وكلما ظهرت فتنة قال المؤمن : هذه مُهلكتي ، ثم تنكشف ، وتجيء فتنة ‏غيرها فيقول : هذه هذه .... (‏ ‏) ولا تزال الفتن تظهر في الناس إلى أن تقوم ‏الساعة .‏
ومما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم به أمته عن ظهور الفتن المختلفة ‏وأن ذلك من أشـراط الساعة ، ماجـــاء عن أبـــي هريرة رضــي الله عنه قال ‏‏: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( يتقارب الزمان ، ويُقبض العلــم ، وتَظهر ‏الفتن ، ويُلْقَى الشُّحُّ ، ويكثُرُ الهرْج )) قالوا : وما الهرج ؟ قال : (( القتلُ )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية : (( لاتقوم الساعة حتى .... تظهر الفتن ... )) الحديث (‏ ‏) .‏
هذا وقد اختلفت أقوال العلماء وتفسيراتهم في تقارب الزمان المذكور في ‏الحديث إلى أقوال كثيرة وسيُذكر منها مايلي :‏
‏1 ـ قيل المراد : قصر الأعمار بالنسبة إلى كل طبقة ، فالطبقة الأخيرة ‏أقصر أعماراً من الطبقة التي قبلها (‏ ‏) .‏
‏2 ـ وقيل المراد : نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان ، وذلك من ‏علامات قرب الساعة ، فيصير الانتفاع باليوم كالانتفاع بالساعة الواحدة .‏
هذا ماذهب إليه النووي تبعاً لعياض وغيره ـ رحمهم الله ـ وهذا هو ‏الذي رجحه ابن حجر ـ رحمه الله ـ حيث ذكره وصدَّره بأنه هو الحق (‏ ‏) .‏
‏3 ـ وقيل معنى تقارب الزمان : استواء الليل والنهار (‏ ‏) .‏
‏4 ـ وقيل المـراد بذلك : قصر الزمان وســرعته وتقاربه ، وقصر مدة ‏الأيام والليـالي (‏ ‏) .‏
وفيما يظهر ـ والله أعلم ـ أنه قول قوي سديد ، لأن أصحابه استدلوا له ‏بحديث يؤيد ماقالوا ويفسر المراد من تقارب الزمان المذكور .‏
وهو حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم : (( لاتقوم الساعة حتى يتقارب الزمان ، فتكون السنة كالشهر ، ويكون ‏الشهر كالجمـــعة ، وتكــون الجمعة كاليوم ، ويكون اليوم كالساعة ، وتكون الساعة ‏كاحتراق السَّعَفَة الخُوْصَة (‏ ‏) )) (‏ ‏) .‏
فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم المراد من تقارب الزمان المذكور ‏في الحديث وذلك بقوله : (( فتكون السنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ... )) الحديث ‏‏.‏
‏5 ـ وهناك قول جميل وجيه في المراد بذلك لسماحة الشيخ العلاّمة عبد ‏العزيز بن عبد الله بن باز (‏ ‏) ـ حفظه الله ـ حيث قال في تعليقه على مانقله ‏الحافظ ابن حجر من أقوال العلماء في ذلك مانصه : ‏
‏( الأقرب تفسير التقارب المذكور في الحديث بما وقع في هذا العصر ‏من تقارب مابين المدن والأقاليم وقِصر زمن المسافة بينها بسبب اختراع ‏الطائرات والسيارات والإذاعة وما إلى ذلك ، والله أعلم ) (‏ ‏) .‏
وبنحو قوله هذا ، قال الشيخ حمود بن عبد الله التويجري (‏ ‏) ، والشيخ ‏السيد سابق (‏ ‏) ، والشيخ الجزائري (‏ ‏) ـ حفظهم الله جميعاً .‏
هذه مجمل أقوال العلماء في المراد بـ ( تقارب الزمان ) المذكور في ‏الحديث لُخِّصَت ورُتِّبَت وانتُقِيَت من أسفارهم ومصادرهم ، مع الإحجام عن ‏ذكر بعض الأقوال في ذلك خشية الإطالة .‏
والمراد بقوله صلى الله عليه وســلم في بقية الحديث (( .. ويُقبض العلم ‏‏...)) أي : يُرفع ، وهو من أشراط الســـاعة ، فقد ثبت عنه صلى الله عليه ‏وســلم أنه قال : (( إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويثبت الجهل ... )) الحديث ‏‏(‏ ‏) .‏
والمراد برفعه هنا موت حملته ، فإن العلم لايرفع إلا بقبض العلماء (‏ ‏) ‏، وبقبضهم يُقبض العلم ، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ‏سمعــت رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( إن الله لايقبض العلم ‏انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ ‏الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضَــلُّوا وأضلُّوا )) (‏ ‏) .‏
قال النووي ـ رحمه الله ـ عند شرح هذا الحديث مانصه : ‏
‏( هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ‏ليس هو محوه من صدور حفاظه ، ولكن معناه : أن يموت حملته ويتخذ الناس ‏جهالاً يحكمون بجهالاتهم فيَضِلُّون ويُضِلُّون ) (‏ ‏) .‏
وليس المقصود بالعلم هنا أي علم ، بل هو العلم الشرعي ، علم الكتاب ‏والسنة وهو ماورثه العلماء عن الأنبياء عليهم السلام ، فإن العلماء هم ورثة ‏الأنبياء ، وبموتهم يذهب العلم وتموت السنن ، وتتفشى البدع ، ويعم الجهل .‏
وإلاّ فعلم الدنيا يزداد يوماً تلو الآخر ، كما نشاهده عياناً ، فليس هو العلم ‏المقصود في الأحاديث السابقة ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : (( فسُئلوا ‏فأَفتوا بغير علم فضَـلُوا وأَضلُّوا )) ولا يكون الضلال إلا عند الجهل بالدين والبعد ‏عن رب العالمين.‏
هــذا وقد جاء حديث (( ويُقبض العلم )) بلفظ آخـر فــي روايــة أخــرى ‏وهي (( وينقص العلم )) (‏ ‏) .‏
قال النووي ـ رحمه الله ـ في التعليق على هذه الرواية (( وينقص العلم ‏‏)) : ‏
‏( هذا يكون مثل قبضه ) (‏ ‏) .‏
وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في التعليق على هذه الرواية أيضاً ‏‏:( اختلف في المراد بقوله (( ينقص العلم )) فقيل المراد : نقص علم كل عالم ‏بأن يطرأ عليه النسيان مثلاً ، وقيل نقص العلم بموت أهله ، فكلما مات عالم ‏في بلد ولم يخلفه غيره نقص العلم من تلك البلد ) (‏ ‏) .‏
ونأتي الآن إلى الشاهد في الحديث الذي سِيْقَ قريباً في أول الكلام ‏للاستدلال على ماتُرجم به هذا الفصل من إخباره صلى الله عليه وسلم عن ‏ظهور الفتن . والشاهد هنا في قوله صلى الله عليه وسلم : (( .... وتظهر الفتن ‏‏.... )) . والمراد : كثرتها واشتهارها وعدم التكاتم بها ، والله المستعان (‏ ‏). ‏فيكثر ظهورها على اختلاف أنواعها وأشكالها ، ومايترتب عليها من المحن ‏والبلايا العظام (‏ ‏) .‏
وقد ترجم البخاري ـ رحمه الله ـ لهذا الحديث بقوله : ( باب ظهور الفتن ‏‏) (‏ ‏) والـمراد بالفــتن في قوله ـ صلى الله عليه وســلم ـ (( وتظهر الفتن )) ‏مايؤثر في أمر الدين (‏ ‏) وفي قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( وتظهر الفتن )) ‏إشارة إلى تغلغلها في الأوساط الإسلامية وهذا ماترجم به الحافظ ابن كثير ـ ‏رحمه الله ـ لهذا الحديث حيث قال ( إشارة نبوية إلى تغلغل الفتن في الأوساط ‏الإسلامية ) (‏ ‏) .‏
‏ وإخباره ـ صلى الله عليه وسلم ـ هنا عن ظهور الفتن يشمل فتن الدين ‏والدنيا ، أما فتن الدين : فكل مايصد عن الإيمان بالله والقيام بأمره واتباع ‏هدى نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من العقائد الفاسدة والأفكار الهدّامة والسلوك ‏المنحرف ، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة بالاشتغال بالشهوات واللذائذ ‏المحرمة . وأما فتن الدنيا : فما يحصل من القتل والخوف والسلب والنهب . ‏وظهور الفتن دليل على ضعف العلم الصحيح والإيمان الخالص والولاية ‏العادلة (‏ ‏).‏
هذا ماشرحه العلماء بالنسبة لهذه الجزئية في الحديث ، وهي ظهور ‏الفتن ، وذلك من خلال تتبع ماكُتب في هذه الجزئية ، فلم أجد أحداً أفاض بأكثر ‏مما أشرت إليه .‏
ويبدو لي .. أن الحديث ـ بعد تأمل طويل لألفاظه ـ يحمل إعجاز النبوة ‏في الإخبار بالمغيبات بحيث إنه لم يحدد نوعية الفتن كماً ولا كيفاً ، بل أخبر ‏بظهور الفتن ، وما يشاهده المرء في عالم اليوم من تتابع الفتن ظهوراً وكثرةً ‏لهو يُجلي بحق ، ويُظهر بصدق عظمة إعجاز النبوة في الإخبار عن هذه ‏المغيبات ، فنرى اليوم فتناً تظهر في مجال الإعلام والتعليم ، والاقتصاد ، ‏والسياسة والعلاقات الدولية ، واستضعاف المسلمين وهوانهم وحرق مساجدهم ‏وتدميرها ، واستحلال أعراضهم ، وسفك دمائهم ، وطردهم من أراضيهم . ‏وكذلك مانراه من فتنة النساء وكثرتهن وصولتهن وخروجهن على مأمورات ‏الشرع ، وكذلك فتنة العلم ، فأصبح الناس يتعلمون لا لذات العلم ولا لوجه الله ‏، وإنما يتعلمون من أجل الوظيفة والشهادة ، ـ إلا من رحم ربي ـ . وكذلك فتنة ‏فُشُو الأمراض المستعصية الفتاكة والتي لم تكن في الأمم السابقة ولا في ‏أسلافهم .‏
وكذلك فتنة المروق عن الدين ومجون المجتمعات وفسادها ، حتى إن ‏الناس في كل يوم يصبحون مستغربين لأنماط من الفتن ومن غرائب الأحوال ‏، مالم يكن قد ألفوه من قبل ، وكأن الناس حينما تُحيط بهم الفتن ظهوراً وتتابعاً ‏وكثرةً ، تَغْمرهم هذه الفتن ، فلا يتبين كثير منهم طريق الحق والصواب ، ‏وإنما يسير الكثير في دوامة هذه الفتن من فتنة إلى أخرى ، ومن واحلة إلى ‏التي هي أكبر منها وأشد ، وقليل هم المُستبصرون وسط هذه الدوامة المُهلكة ، ‏أعاذنا الله منها ، وجعلنا من عباده المستبصرين الذين يعرفون طريقهم إلى الله ‏فيعتصمون به برغم كل شيء .‏
وقوله صلى الله عليه وسلم في بقية الحديث : ( .... ويُلقى الشُّح ... ) ، أي ‏‏: يوضع في القلوب (‏ ‏) .‏ ‏ والشُّح : هو البُخل ، والإمساك المفرط والتشدد ‏الفاحش (‏ ‏) .‏
قال النووي ـ رحمه الله ـ : ( والشُّحُّ هو : البُخل بأداء الحقوق والحرص ‏على ماليس له ) (‏ ‏) .‏
وقيل : الشح أشدّ البخل ، وهو أبلغ في المنع من البخل (‏ ‏) .‏
وقيل : الشح الحرص على ماليس عنده والبخل بما عنده (‏ ‏) .‏
وقيل غير ذلك (‏ ‏) .‏
والمراد بإلقاء الشح في الحديث : إلقاء البخل في قلوب الناس على ‏اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه ، فيترك التعليم والفتوى ، ويبخل ‏الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره ، ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير ‏، وليس المراد وجود أصل الشح لأنه لم يزل موجوداً (‏ ‏) .‏
وفي الحديث : (( إياكم والشح ؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالشح : أمرهم ‏بالبخل فبخلوا ، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ، وأمرهم بالفجور ففجروا )) (‏ ‏) .‏
وقوله : (( ويكثر الهَرْج )) : الهرج ـ بفتح الهاء وسكون الراء المهملة ـ ‏أصله : الكثرة في الشيء والاتساع . (‏ ‏) ‏
وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ ( وأصل الهرج في اللغة العربية : ‏الاختلاط ، يقال : هَرَجَ الناس اختلطوا واختلفوا ، وهَرَج القوم في الحديث إذا ‏كثروا وخلطوا ) (‏ ‏) هذا وقد صرّحت الرواية التي معنا هنا بالمراد من ‏الهرج المذكور في الحديث بأنه القتل . وذلك عندما قال صلى الله عليه وسلم : ‏‏(( ..... ويكثر الهرج )) قالوا : وما الهرج ؟ قال : (( القتل )) . فهذه الرواية ‏صريحة في تفسير الهرج هنا بأنه القتل ، وقد ورد ذلك في عدة من الروايات ‏المرفوعة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمُخَرَّجَة عقب ذكر الحديث في ‏أول هذا الفصل .‏
ومعنى ذلك : أنه يكثر بين المسلمين القتل لأسباب عدة ، وهذا قد حصل ‏ورُئي عياناً كما قال ابن بطال . ـ وسيأتي قوله بعد أسطر قلائل إن شاء الله ‏تعالى ـ وهو واقع وحاصل في عصرنا وزماننا هذا . سواء كان من قتل ‏المسلمين بعضهم البعض أو قتالهم مع غيرهم من الكفار ، أو قتل الكفار فيما ‏بينهم . وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى مزيد بيان فيما يتعلق بالهرج وفتنته في ‏الفصل السادس من هذا الباب ـ .‏
هذا وقد أورد العلاّمة ابن منظور عدة معان للهرج ، فذكر منها : ‏الاختلاط ، والفتنة في آخر الزمان ، وشدة القتل وكثرته ، وكثرة الجماع ‏والنكاح ، وكثرة الكذب ، وكثرة النوم . (‏ ‏) ‏
هذا مايتعلق بشـرح وتفسير المراد من الصفات والأشراط المذكورة في ‏الحديث وهي : تقارب الزمان ، وقبض العلم ، وظهور الفتن ، وإلقاء الشح ، ‏وكثرة الهرج .‏
وقد ذكر أهل العلم أن جميع ماتضمنه هذا الحديث من الأشراط قد ‏حصل ورُئي عياناً . ‏
قال ابن بطّال (‏ ‏) ـ فيما نقله عنه الحافظ ـ : ( وجميع ماتضمنه هذا ‏الحديث من الأشراط قد رأيناها عياناً ، فقد نقص العلم وظهر الجهل وأُلقي ‏الشح في القلوب ، وعمّت الفتن ، وكثر القتل ) . (‏ ‏) ‏
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ معلقاً على قول ابن بطال هذا : ( قلت ‏‏: الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله ، والمراد من ‏الحديث : استحكام ذلك حتى لايبقى مما يقابله إلا النادر ، وإليه الإشارة ‏بالتعبير بقبض العلم فلا يبقى إلاّ الجهل الصرف ، ولا يمنع من ذلك وجود ‏طائفة من أهل العلم لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك .... وكذا القول ‏في باقي الصفات ، والواقع أن الصفات المذكورة وُجدت مباديها من عهد ‏الصحابة ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض ، وقد مضى من الوقت ‏الذي قال فيه ابن بطال ماقال نحو ثلاثمائة وخمسين سنة ، والصفات المذكورة ‏في ازدياد في جميع البلاد لكن يقل بعضها في بعض ، ويكثر بعضها في بعض ‏، وكلما مضت طبقة ظهر النقص الكثير في التي تليها وإلى ذلك الإشارة بقوله ‏في حديث الباب الذي بعده (( لايأتي زمان إلا والذي بعده شر منه )) (‏ ‏) ) (‏ ‏) ‏‏.‏
وإذا كان الحافظ ـ رحمه الله ـ قد ذكر أن كلام ابن بطال ـ والمتضمن أن ‏جميع الصفات المذكورة في هذا الحديث قد وقعت ورؤيت عياناً ـ قد مضى ‏عليه نحواً من ثلاثمائة وخمسين سنة ، ثم ذكر أن هذه الصفات في ازدياد ، ‏وذلك حسبما ظهر في عصره وازداد ، فما بالك في عصرنا هذا المُحْزِن الذي ‏تدمع له الأعين وتدمى له القلوب . وبينه وبين عصر ابن حجر مدة مديدة ‏وأزمنة بعيدة ، فإن الحافظ ـ رحمه الله ـ قد توفي في منتصف القرن التاسع ‏وبالتحديد في سنة 852 هـ ، ونحن الآن في منتصف سنة 1413 هـ فتبين أن ‏بين عصره ـ رحمه الله ـ وعصرنا بون شاسع وفرق واسع ، يقرب من نحو ‏خمسة قرون ونصف القرن وبالتحديد إحدى وستون وخمسمائة سنة ( 561 ) . ‏والله المستعان وعليه التكلان .‏
قال المُنَاوي (‏ ‏) _ رحمه الله ـ عند شرح حديث بنحو حديثنا هذا ‏المذكور فيه بعض الصفات والأشراط السابقة : ( وفيه حث على اقتباس العلوم ‏الدينية قبل هجوم تلك الأيام الدنيئة الرديئة ) ا هـ . (‏ ‏) ‏
هذا ويتلخص من كل ماسبق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن ‏ظهور بعض صفات وأشراط الساعة ومن ضمنها إخباره صلى الله عليه وسلم ‏عن ظهور الفتن وهذا شاهدناه ـ كما سبق ذكره من هذا الفصل ـ .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:24 PM
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن ذلك أيضاً في كثير من الأحاديث ، ‏منها : ‏

‏1 = حديث أسامة بن زيد قال : أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على ‏أُطُم من آطام المدينة فقال : (( هل ترون ماأرى )) ؟ قالوا : لا . قال : (( فإني ‏لأرى الفتنَ تقعُ خلال بيوتكم كوقع القطر )) (‏ ‏) .‏
فدل الحديث على إخباره صلى الله عليه وسلم عن إقبال الفتن ورؤيته لها ‏ونزولها كمواقع القطر ، وفيه إشارة نبوية إلى تغلغلها في الأوساط الإسلامية ‏‏(‏ ‏) .‏
ومعنى قوله : ( أشرف ) أي : علا وارتفع (‏ ‏) ، واطّلع ونظر من علو ‏ومكان مرتفع . (‏ ‏) ‏
والأُطُم : ـ بضم الهمزة والطاء ـ هو القصر والحصون التي تبنى ‏بالحجارة (‏ ‏). وقيل : هو كل بيت مربع مُسطّح . (‏ ‏) ‏
وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إني لأرى )) الرؤية هنا بمعنى النظر ، ‏أي : كُشف لي فأبصرت ذلك عياناً (‏ ‏) . بمعنى أنها رؤية عين ، بأن تكون ‏الفتن مُثّلت له حتى رآها ، كما مُثّلت له الجنة والنار في القبلة ، حتى رآها وهو ‏يصلي . وقيل : الرؤية هنا بمعنى العلم (‏ ‏) . أي أنه أُخبر بها .‏
والمراد بـ ( مواقع الفتن ) أي : مواضع السقوط (‏ ‏) . ومعنى ( خلال ‏بيوتكم ) : أي : نواحيها (‏ ‏) .‏
قال الحافظ : ( شبه سقوط الفتن وكثرتها بسقوط القطر في الكثرة ‏والعموم ، وهذا من علامات النبوة لاخباره بما سيكون ، وقد ظهر مصداق ‏ذلك من قتل عثمان وهلمّ جرا ولا سيما يوم الحرة ) (‏ ‏) .‏
وقال أيضاً : ( إنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان رضي الله عنه ‏كان بها ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك ، فالقتال بالجمل وبصفين كان ‏بسبب قتل عثمان ، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين ، وكل قتال ‏وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك أو عن شيء تولّد عنه ، ثم إن ‏قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على أمرائه ثم عليه بتوليته لهم ، وأول ‏مانشأ ذلك من العراق وهي من جهة المشرق ........ وحسن التشبيه بالمطر ‏لإرادة التعميم ، لأنه إذا وقع في أرض معينة عمها ولو في بعض جهاتها ) ‏‏(‏ ‏) .‏
قال ابن بطال : ( ...... أخبر في حديث أسامة بوقوع الفتن خلال البيوت ‏ليتأهبوا لها فلا يخوضوا فيها ، ويسألوا الله الصبر والنجاة من شرها ) ا هـ ‏‏(‏ ‏) .‏
وقول الحافظ هذا هو نحو قول النووي ـ رحمه الله ـ عند شرحه لهذا ‏الحديث (‏ ‏) ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:25 PM
‏ 2 = ومنها : حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ‏استيقظ رســول الله صلى الله عليه وسلـم ليــــلةً فزعاً يقول : (( سبحان الله ، ‏ماذا أنزل الله من الخزائن ، وماذا أنزل من الفتن .... )) الحديث . (‏ ‏) ‏
ففـــي الحديـث اخبـار منـه صلى الله عليه وسلـم عن نزول الفتن ‏ومجيئهـا . فقــد ( أوحي إليه في نومه ذاك بما سيقع بعده من الفتن فعبَّر عنه ‏بالإنزال ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد ذكــر القرطبي ـ رحمه الله ـ رواية أخرى لهذا الحديث تصرح ‏بمجيء الفتن ونــزولها فقال : ( عن عبيــد بن عمير قال : خرج رسـول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ فقــال : (( ياأصحاب الحجرات : ســعرت النار ، وجاءت ‏الفتن كقطع الليل المظلم .....)) الحديث (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:25 PM
‏3 = ومنها : ماثبت من قوله صلى الله عليه وسلم : (( إن الفتنة تجيء ‏من هاهنا ، وأومأ بيده نحو المشرق .... )) (‏ ‏) فأخبر النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ في هذا الحديث عن ظهور الفتن وأنها قادمة لامحالة . وسيأتي شرح ‏الحديث مفصلاً قريباً إن شاء الله . (‏ ‏) ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:26 PM
‏4 = ومنها : قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( بادروا بالأعمال فتناً كقطـع ‏الليل المظلم .... )) الحديث (‏ ‏) . وهنا أخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أيضاً عن ‏ظهور الفتن وأنها ستأتي وتظهر ، فلذلك حث على المبادرة بالأعمال الصالحة ‏قبل مجيء الفتن المظلمة الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل ‏المظلم لا المقمر وذلك بما يحصل من القتل والنهب والاختلاف .... (‏ ‏) . ‏وســيأتي قريبــاً مزيد شـرح وبيان لهذا الحديث إن شــاء الله . (‏ ‏) ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:26 PM
‏5 = ومنها : ماثبت عن حذيفة قال : (( قام فينا رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ مقاماً ماترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة ، إلاّ حدَّث به ‏حفظه من حفظه ونسيه من نسيه . قد علمه أصحابي هؤلاء ، وإنه ليكونُ منه الشيء ‏قد نَـسِـيـتُه فأراه فأذكره . كما يذكر الرجل وجهَ الرجل إذا غاب عنه ، ثم إذا رآه عَرَفَهُ ‏‏)) (‏ ‏) .‏
وعن حذيفة بن اليمان قال : والله ! إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة ، ‏فيما بيني وبين الساعة . ومابي إلاّ أن يكون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏أسرَّ إليَّ في ذلك شيئاً لم يُحَدِّثْه غيري ، ولكن رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قال : وهو يحّـِدث مجلســاً أنا فيـه عن الفتن فقال رســـول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ وهو يَعدُّ الفتن : (( منهن ثلاث لايكدْن يَذَرْنَ شيئاً ، ومنهن فتنٌ ‏كرياح الصيف . منها صغارٌ ومنها كبار )) . ‏
قال حذيفة : فذهب أؤلئك الرهط كلهم غيري . (‏ ‏) ‏
وعن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنه ـ قال : (( كنا قعوداً عند رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن فأكثر في ذكرها ... )) الحديث (‏ ‏) ‏
فدلت هذه الأحاديـث الثلاثة التي ســقناها على اخبار النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ بما يكون من ظهور الفتن من بعده ، وهذا مافهمه أئمة الإسلام .‏
فقد أورد هذه الأحاديث الإمام القرطبي ـ رحمه الله ـ وترجم لها بقوله : ‏‏( باب مايكون من الفتن وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بها ) (‏ ‏) .‏
وبنحو ترجمة القرطبي هذه ترجم شرَّاح صحيح مسلم للحديثين الأولين ‏من هذه الفقرة (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:27 PM
‏6 = ومنها ماأخبر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته بما سيصيبهم ‏من بلاء وفتن . ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قال :‏
‏(( إنه لم يكن نبي قبلي إلاّ كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير مايعلمُـهُ لهم ‏وينذرهم شر مايعلمه لهم ، وإن أمتكم هذه جُعل عافيتُها في أولهـا ، وسـيصيب آخرَها ‏بلاءٌ وأمورٌ تُنكرونها . وتجيء فتنةٌ فيُرقِّــقُ بعضها بعضاً ، وتجيءُ الفتنةُ فيقولُ ‏المؤمنُ : هذه مهلكتي . ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن : هــذه هذه ...)) ‏الحديث (‏ ‏) .‏
قوله (( يرقق بعضها بعضاً )) أي : يصير بعضها رقيقاً أي خفيفاً لعظم ‏مابعده فالثاني يجعل الأول رقيقاً ، وقيل يشبه بعضها بعضاً ، وقيل : يسوق ‏بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها (‏ ‏) . وتظهر من الحديث دلالته على ‏ماقلنا سابقاً من اخباره صلى الله عليه وسلم أمته بما سيصيبهم من بلاء وفتن . ‏والله المستعان وعليه التكلان .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:27 PM
‏7 = ومنها : ماأخبر به صلى الله عليه وسلم من وقوع الفتن كالظلل . ‏
فعن كُرْز بن علقمة الخُزاعي قال : قال رجــل : يارســـول الله ! هل ‏للإسـلام من منتهى ؟ قال : (( أيّما أهل بيت ـ وقال في موضــع آخــر : قال : ‏نــعم ، أَيّما أهل بيت ـ من العرب أو العجم ، أراد الله بهم خيراً ، أدخل عليهم الإســلام ‏‏)) . قال : ثم مــــه ؟ قال : (( ثم تقع الفتن كأنها الظُّلل )) ، قـال : كــلا ، والله إن ‏شـاء الله . قال : (( بلـــى ، والذي نفسي بيده ثم تعودون فيها أســــاود صُباً يضرب ‏بعضــكم رقـــاب بعض )) (‏ ‏) . فدل الحديث على مجيء الفتن وظهورها وأنها ‏تقع كالظُّلل ، وأن الناس سيضرب بعضهم رقاب بعض كما تنصب وترتفع ‏الحية السـوداء على الملدوغ فتلدغه ، وهذا المقصود بقوله (( أساود صُبا )) ‏‏(‏ ‏) . ‏
‏ وسيأتي ـ إن شاء الله(‏ ‏) ـ شرح هذا الحديث بالتفصيل .‏
هذا ماتيسر جمعه وتخرجه وشرحه فيما يتعلق بهذا المبحث من إخباره ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ظهور الفتن ومجيئها ، وقد ذكرنا نحواً ‏من أحد عشر حديثاً تقريباً ، وبينا وجه دلالتها وعلاقتها بهذا المبحث . ولعل في هذا كفاية .. والله من وراء تحقيق الغاية ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:28 PM
ورد في السنة كوكبة من الأحاديث النبوية الصحيحة الشريفة ، ‏وفحواها يتكلم عن تعظيم شأن الفتن وشدة وقعها ، فتجد بعضها يصف الفتن ‏وصفاً دقيقاً ويشبهها بقطع الليل المظلم ، والبعض الآخر يشبه موجها بموج ‏البحر ، والبعض الآخر يصفها بأنها عمياء صماء تجعل الناس كالأنعام ، ‏وبعض الأحاديث تصف الفتن بأنها تذهب العقول من شدة وقعها ، وبعض ‏الفتن يدخل حرها بيت كل مسلم ، بل وصل الأمر إلى تمني الموت من شدة ‏وقعها وعظم شأنها .‏
وهذا ماسيُعرض في هذا المبحث ـ إن شاء الله تعالى ـ ونظراً لتشعب ‏المادة العلمية في هذا المبحث وتشتتها قُسِّــمَ إلى عدة مطالب بغية تقريبها ‏إلى الأذهان وترتيبها بحيث يسهل شرحها وفهمها من غير اتعاب بدن ولا ‏إعمال قريحة . ‏
والله من وراء القصد

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:29 PM
المطلب الأول
‏{ فتن كقطع الليل المظلم }
‏= = = = = = = =‏
حث النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين على المبادرة إلى الأعمال ‏الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن العظام والمحن ‏الجسام ، وقد وصفها بأنها فتن متراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم ، لا ‏المقمر .‏
وقد وصف صلى الله عليه وسلم ـ أيضاً ـ نوعاً من شدائد تلك الفتن ، ‏وهو أن يمسي الإنسان مؤمناً ثم يصبح كافراً ، والعكس كذلك ، فينقلب في ‏اليوم الواحد هذا الانقلاب السريع ، وماذاك إلا لعظم شأن الفتن وشدة وقعها ‏‏(‏ ‏) .‏
ومما ورد في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم قال : (( بادروا بالأعمــال فتنـــاً كقطـــع الليــل المظلم . ‏يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً . ويمســي مؤمناً ويصبح كافراً . يبيع دينه ‏بعرض من الدنيا قليل )) (‏ ‏) ‏
وقوله صلى الله عليه وسلم (( كقطع الليل المظلم )) أي : كقطع من ‏الليل المظلم لفرط سوادها وظلمتها وعدم تبيّن الصلاح والفساد فيها .‏
وحاصل المعنى : تعجلوا بالأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن ‏المظلمة من القتل والنهب والاختلاف بين المسلمين في أمر الدنيا والدين ، ‏فإنكم لاتطيقون الأعمال على وجه الكمال فيها . ‏
والمراد من التشبيه : بيان حال الفتن من حيث أنه بشيع فظيع ، ولا ‏يعرف سببها ولا طريق الخلاص منها ، فالمبادرة المسارعة بإدراك الشيء ‏قبل فواته أو بدفعه قبل وقوعه .‏
وقوله : (( يصبح الرجل مؤمناً )) أي : موصوفاً بأصل الإيمان أو ‏بكماله (‏ ‏). ‏
‏ ومما يدل على بشاعة الفتن وعظم شأنها ماجاء عن الحسن ‏البصري ـ رحمه الله ـ في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( يصبــح الرجـــل ‏مؤمناً ويمسي كافراً .... )) قال : ( يُصبحُ مُحرِّماً لدم أخيه وعرضه وماله ‏ويمسي مستحلاً له ، ويمسي محرِّماً لدم أخيه وعرضه وماله ويُصبح ‏مستحلاً له ) (‏ ‏) . وقيل : (( يمسي كافراً )) أي : حقيقة ، أو كافراً للنعمة أو ‏مشابهاً للكفرة أو عاملاً عمل الكفر . ‏
وقوله : (( بِعَرَضٍ )) ـ بفتحتين ـ أي : بأخذ متاع دنيء وثمن رديء . ‏وما أكثر ذلك في زماننا هذا ممن يبيع دينه وعرضه بعَرَض من الدنيا قليل ‏‏.‏
‏ قال الحسن : ( فوالله لقد رأيناهم صوراً ولا عقولاً ، وأجساماً ولا ‏أحلاماً ، فراش نار وذباب طمع ، يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين ، ‏يبيع أحدهم دينه بثمن العنز ) (‏ ‏) .‏
فإذا كان ذلك في زمن الحسن ـ رحمه الله ـ والرعيل الأول فما بالك ‏بزماننا هذا ؟ والله المستعان وعليه التكلان . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:30 PM
المطلب الثاني
‏{ وقوع الفتن كالظلل }‏
‏ = = = = = = = =‏
عن كُرْز الخزاعي رضي الله عنه قال : قال رجل يارســول الله هل ‏للإســلام من منتهى ؟ قال : (( أيّما أهل بيت ـ وقال في موضــع آخــر : قال ‏‏: نــعم ، أَيـُّما أهل بيت ـ من العرب أو العجم ، أراد الله بهم خيراً ، أدخل عليهم ‏الإســلام )) . قال : ثم مـه ؟ قــال : (( ثم تقع الفتــــن كأنها الظُّلل )) ، قال : ‏كلا ، والله إن شـاء الله . قال : (( بلى ، والذي نفسي بيده ثم تعودون فيها أسَاود ‏صُباً يضرب بعضكم رقاب بعض ، فخير الناس يومئذٍ : مؤمن معتزل في شعب من ‏الشعاب ، يتقي الله ، ويذر الناس من شره )) (‏ ‏) .‏
قوله : ( هل للإسلام من منتهى ) هو سؤال الأعرابي للنبي صلى الله ‏عليه وسلم عن انتهاء العمل بشرائع الإسلام ، وأحكامه وقواعده التي ‏أرساها النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أجابه النبي عليه الصلاة والسلام بـ ‏‏(( نعم )) أي أن ذلك واقع في الأزمنة المقبلة (‏ ‏) .‏
وقوله : (( ثم تقع الفتن كالظّلل )) الظلل : السحاب ، والظُّلة : السحابة ‏، ومنه قوله تعالى : { فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّـلَّـةِ } (‏ ‏) [ الشعراء : ‏‏189 ] ، وشُبِّهت الفتن بالظلَّة لشدة ســوادها وكثرتها ، وعظم شأنها ، وأنها ‏تتبع بعضها بعضاً ، فهي متراكمـة كالظّلل (‏ ‏) .‏
قوله (( أساود صُباً )) : قال الزهري : أساود صباً : الحية السوداء إذا ‏أراد أن ينهش ارتفع هكذا ثم انصب (‏ ‏) .‏
قال أبو الخطاب بن دحية (‏ ‏) : الأساود نوع من الحيات عظام فيها ‏سوداء ، وهو أخبثها ، والصُّب منها التي تنهش ثم ترتفع ، ثم تنصب . ‏شبّههم فيما يتولونه من الفتن والقتل والأذى بالصب من الحيات (‏ ‏) .‏
وقوله : (( يضرب بعضكم رقاب بعض )) أي : يستحل بعضكم دماء ‏بعض ، فيكون القتل (‏ ‏) .‏
وما أكثر ضرب الناس بعضهم رقاب بعض ، فها هي الحروب ‏الطاحنة التي تأكل الأخضر واليابس قد دار رحاها ولا زال ، وإلى الله ‏المرجع والمآل .‏
وأما ذكره صلى الله عليه وسلم لأمر العزلة في آخر الحديث فسيأتي ‏إن شاء الله تعالى الحديث عنها بالتفصيل (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:31 PM
المطلب الثالث ‏
‏{ الفتنة العمياء الصمّاء التي تجعل الناس كالأنعام }‏
‏= = = = = = ‏
عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال : (( جعلت في هذه الأمة ‏خمس فتن : فتنة عامة ، وفتنة خاصة ، ثم فتنة عامة ، ثم فتنة خاصة ، ثم تأتي ‏الفتنة العمياء الصماء المطبقة ، التي يصير الناس فيها كالأنعام )) (‏ ‏) .‏
هذا الحديث من قول علي رضي الله عنه ، فهو موقوف عليه ، ولكن ‏له حكم الرفع حتى ولو لم يرفعه الصحابي ، لأن ذلك من باب الإخبار عن ‏الغيب مما لامجال للرأي فيه . والله أعلم .‏
وفي الحديث بيان الفتن التي تقع في هذه الأمة ، وأنها تنقسم إلى ‏خاصة وعامة ، تختص بها طائفة من الناس دون أخرى ، وأخرى فتنة ‏عامة ، يصل شرها إلى الجميع ، ويعم بلاؤها إلى ديار المسلمين .‏
وقوله (( يصير الناس فيها كالأنعام )) أي : أن الأنعام والبهائم لاعقول ‏لها ، فشبههم حينئذ بالأنعام لكونهم لايعقلون في ذلك الزمان ، ولا يسيرون ‏على بصيرة ، بعيدين عن أوامر الله تعالى ، لايملك أكثرهم من أمره شيئاً ، ‏كالأنعام المسخرة ، بيد الراعي ، وفي التنزيل العزيز قوله تعالى : { ‏أُوْلَــئِكَ كَالأَنْعَــمِ بَـلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَــئِكَ هُمُ الْغَـــفِلُونَ } (‏ ‏) [ الأعراف ‏‏: 179 ] .‏
وربما شبههم بالأنعام لشدة تلك الفتنة وعظم شأنها إذ أنها عمياء ‏صماء تجعلهم كالأنعام بلا عقول . كما سيأتي من كلام الحافظ ابن حجر ـ ‏رحمه الله ـ في آخر هذا المطلب . والله أعلم . وهذا هو شاهدنا من الحديث ‏ومطابقته مع عنوان هذا المطلب والمبحث واضحة جلية . ولعل الفتنة ‏المشار إليها هنا هي فتنة الدهيماء التي تموج كموج البحر ، والتي ستأتي ـ ‏إن شاء الله ـ في المطلب القادم . ‏
وهذه الفتن بمعنى واحد ، وإن اختلفت الألفاظ ، والله أعلم (‏ ‏) .‏
ومما يدل على أن الفتنة المشار إليها هنا هي فتنة الدهيماء التي تموج ‏كموج البحر مايُفهم من كلام الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ حيث أن البخاري ‏ـ رحمه الله ـ ترجم لفتنة موج البحر بقوله : ( باب الفتنة التي تموج كموج ‏البحر ) فقال الحافظ معلقاً على هذه الترجمة : ( كأنه يشير إلى ماأخرجه ابن ‏أبي شيبة (‏ ‏) من طريق عاصم بن ضمرة عن علي قال : (( وضع الله في ‏هذه الأمة خمس فتن )) فذكر الأربعة ثم فتنة تموج كموج البحر وهي التي ‏يُصبــح الناس فيها كالبهائــم ، أي : لاعقــول لهم ، ويؤيده حديث أبي موسى ‏‏(( تذهب عقول أكثر ذلك الزمان )) ..... ) (‏ ‏) ا هـ .‏
وفي قوله صلى الله عليه وسلم : (( يصير الناس فيها كالأنعام )) إشارة ‏إلى انعدام ضوابط المروءة والدين والخلق ، فالناس عندها يصبحون ‏كالأنعام في كل مايعنيه هذا التشبيه ، من حيث تحقق صفات المشبه به في ‏المشبه ، ولاشك أن الأنعام تأكل بطريقة لانقرها نحن الآدميين العقَلاء ، ‏وكذلك تتناكح وتتهارش وتتصايح ، ... إلى آخر صور حياتها المشاهدة . ‏وهذا من بليغ كلام النبوة ومشكاتها ، على صاحبها أفضل الصلاة ، وأزكى ‏التسليم . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:33 PM
المطلب الرابع
‏{ الفتنة التي تموج كموج البحر }‏
‏= = = = = = = = ‏
عن حذيفة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أيُّكم يحفظ قول ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة ؟ فقال حذيفة : أنا أحفظ كما قال . ‏قال : هاتِ ، إنك لجريء . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( فتنــة ‏الرجل في أهله وماله وجاره تُكفِّرها الصــلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي ‏عن المنكر )) قال : ليست هذه ، ولكن التي تموجُ كموج البحر ، قال : ياأمير ‏المؤمنين لابأس عليك منها ، إن بينك وبينها باباً مُغلقاً . قال : يُفتــح الباب ‏أو يُكسر ؟ قال : لا ، بل يكســر ، قال : ذلك أحرى أن لايُغلق . قلنا : علمَ ‏البابَ ؟ قال : نعم ، كما أن دون غدٍ الليلة . إني حدَّثتُه حديثاً ليس بالأغاليــط ‏‏. فهبنا أن نسأله ، وأمرنا مسروقاً ، فســأله فقال : من البابُ ؟ قال : عمر ) ‏‏(‏ ‏) .‏
وفي رواية أن : ( حذيفة قال : كنا عند عمر . فقال : أيُّكــم ســمع ‏رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يذكرُ الفتن ؟ فقال قوم : نحن سمعناه . ‏فقال : لعلكم تَعنُون فتنة الرجل في أهله وجاره ؟ قالوا : أجل . قال : تلك ‏تُكفِّرها الصلاةُ والصيام والصدقة . لكن أيُّكم سمع النبي صلى الله عليه ‏وسلم يذكرُ الفتن التي تموج كمـوج البحر ؟ قال حذيفة : فأسكتَ القوم . ‏فقلت : أنا . قال : أنتَ ، لله أبوك ! قال حذيفةُ : سمعت رسول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ يقول : (( تُعرَضُ الفتنُ على القلوب كالحصيرِ عُوداً عُوداً . فأيُّ ‏قلبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فيه نُكتَةٌ سوداءُ . وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بيضاء ، حتى ‏تصير على قلبين ، على أبيضَ مثل الصفا ، فلا تضُرُّهُ فتنةٌ مادامتِ السماواتُ ‏والأرضُ . والآخرُ أسودُ مُرْبادَّاً كالكُوْزِ مُجَخِّياً لايَعْرِفُ معروفاً ولا يُنْكِرُ منكراً . ‏إلاّ ماأُشْرِبَ من هواهُ )) قال حذيفة : وحدّثته أن بينك وبينها باباً مغلقاً يوشك ‏أن يُكسَرَ . قال عمر : أَكَسْراً ، لا أَبَالَكَ ! فلو أنه فُتِحَ لعلَّهُ كان يُعاد . قلت : ‏لا بل يُكسَرُ . وحدَّثْتُهُ أنَّ ذلك الباب رجلٌ يُقتَلُ أو يموت . حديثاً ليس ‏بالأغاليط ) . قال أبو خالد : فقلتُ لسعدٍ : ياأبا مالكٍ ! ماأسودُ مُربادّاً ؟ قال : ‏شدة البياض في ســوادٍ . قال ، قلتُ : فما الكُوزُ مُجَخِّياً ؟ قال : منكوسَاً ‏‏(‏ ‏) .‏
فلعل الفتنة المشار إليها هنا ـ في هذا الحديث ـ هي الفتنة العمياء ‏الصماء التي يصير الناس فيها كالأنعام ـ والتي تقدم ذكرها في المطلب ‏السابق ـ مع الأدلة على ذلك .‏
وكما سبق من أن هذه الفتن بمعنى واحد ، وإن اختلفت الألفاظ . والله ‏أعلم بالمراد . ‏
‏* وفي قوله : ( أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ‏الفتنة ) دليل على جـــواز إطلاق اللفظ العـــام وإرادة الخـــاص ، إذ تبـــين ‏أنـــه لم يسأل إلا عن فتنة مخصوصة (‏ ‏).‏
‏ * قوله ( فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام ‏‏.... ) ‏
قال الزين بن المُنير (‏ ‏) : ( الفتنة بالأهل تقع بالميل إليهن أو عليهن ‏في القسمة والإيثار حتى في أولادهن ، ومن جهة التفريط في الحقوق ‏الواجبة لهن ، وبالمال يقع الاشتغال به عن العبادة أو بحبسه عن إخراج حق ‏الله ، والفتنة بالأولاد تقع بالميل الطبيعي إلى الولد وإيثاره على كل أحد ، ‏والفتنة بالجار تقع بالحسد والمفاخرة والمزاحمة في الحقوق وإهمال التعاقد ‏‏.‏
ثم قال : وأسباب الفتنة بمن ذكر غير منحصرة فيما ذكرت من ‏الأمثلة ، وأما تخصيص الصلاة وما ذكر معهـا بالتكفير دون ســائر ‏العبادات ففيه إشارة إلى تعظيم قدرها لانفي أن غيرها من الحسنات ليس ‏فيها صلاحية التكفير ، ثم إن التكفير المذكور يحتمل أن يقع بنفس فعل ‏الحسنات المذكورة ، ويحتمل أن يقع بالموازنة ، والأول أظهر ، والله أعلم ‏‏) . ا هـ كلام ابن المنير (‏ ‏) .‏
وقال ابن أبي جمرة (‏ ‏) : ( خص الرجل بالذكر لأنه في الغالب ‏صاحب الحكم في داره وأهله ، وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم . ثم ‏أشار إلى أن التكفير لايختص بالأربع المذكورات ، بل نبه بها على ماعداها ‏، والضابط : أن كلَّ مايشغل صاحبه عن الله فهو فتنة له ، وكذلك المكفرات ‏لاتختص بما ذكر بل نُبّه به على ماعداها ، فذكر من عبادة الأفعال : الصلاة ‏والصيام ؛ وذكر من عبادة المال : الصدقة ، ومن عبادة الأقوال : الأمر ‏بالمعروف ) ا هـ كلام ابن أبي جمرة (‏ ‏) .‏
وفي تشبيهه صلى الله عليه وسلم الفتن بأنها تموج كموج البحر إشارة ‏واضحة إلى قوتها وشدتها ثم إلى تتابعها ، وإلى أنه لايمكن لأحد الوقوف ‏أمامها ، لأنه لايمكن لأحد أن يقف أمام موج البحر ، وأن الناس أمام هذه ‏الفتن ســتضطرب حركتهم ويختل توازنهم ، وتضيق صدورهم ، وينقطع ‏نفسهم ، وهذه حال من يصارع الموج . وإذا علمنا أن أمواج البحر تتكاثر ‏وتتعاظم مع شدة الريح وانتشار السحاب ، فإن لنا أن نتصور جو الفتن بأنه ‏جو مظلم ، فالذي يشاهد موج البحر العاتِ فتبدو أمامه زرقة البحر مع ‏ظلمة السحاب وكثرته ، مع شدة هبوب الرياح وقوتها فكذلك الذي يواجه ‏هذه الفتن ، تحيط به الظلمات والأعاصير ، فهو مهموم مغموم ظاهراً ‏وباطناً ، وللموج صوت وأي صوت ؟ ولهذه الفتن صوت ، لايَسمع الواقف ‏فيها صوت ماعداها وإنما تطبق عليه . فهي كالصاخة ، فيظل الواقف فيها ‏حيراناً خائفاً قلقاً ، يتطلع إلى الأمان ولا يجده ، وهل ينجو من البحر وشدة ‏موجه إلا من بعد عنه ، وهذا مصداق ماتقدم من قوله صلى الله عليه وسلم : ‏‏(( فخير الناس يومئذ ، مؤمن معتزل في شعب من الشعاب ، يتقي الله ، ويذر الناس ‏من شره )) (‏ ‏) .‏
والناس حين يواجهون أمواج البحر مجتمعين ، في أية حالة من ‏حالاته ، فإنه يُسمع لهم صُراخ وعويل وتهارش وتخاصم ، لايَسمع الواحد ‏منهم لآخر . وكل يريد أن ينجو بنفسه ، وقد يُغرق الواحد منهم غيره لينجو ‏هو . ‏
‏( ولعل هذا ماكنى به الحديث من شدة المخاصمة وكثرة المنازعة ‏وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة ) كما ذكر الحافظ ابن حجر ـ رحمه ‏الله ـ (‏ ‏) .‏
وقد أشار النووي ـ رحمه الله ـ : إلى قول حذيفة : ( فأسكت القوم ) ‏بسبب أنهم لم يكونوا يحفظون هذا النوع من الفتنة ، وإنما حفظوا النوع ‏الأول (‏ ‏) .‏
ولعله يقصد بالنوع الأول من الفتنة : فتنة الرجل في أهله وجاره ، ‏كما هو مذكور في صدر الحديث . والله أعلم .‏
وعبارة ( لله أبـــــوك ) تسـتعمل في لســان العرب ، وهي شبيهة ‏بعبارة ( لله درُّ أبيك ) . وهي تدل على المدح ، وقد اعتادت العرب الثناء ‏بها ، فإن الإضافة إلى العظيم تشريف . ولهذا يُقال : بيت الله ، وناقة الله . ‏فإذا وجد من الولد مايحُمد ، قيل له : لله أبوك حيث أتى بمثلك (‏ ‏) . وعبارة ‏الحديث : ( إن بينك وبينها باباً مغلقاً ) معناها : أن تلك الفتن لايخرج شيء ‏منها في حياتك (‏ ‏) .‏
قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ بعد سياقه لهذا الحديث مانصه : ( ‏هكذا وقع الأمر سواء بعد ماقتل في سنة ثلاث وعشرين وقعت الفتن بين ‏الناس ، وكان قتله سبب انتشارها بينهم ) (‏ ‏) . هذا وقد ترجم ـ رحمه الله ـ ‏لهذا الحديث بقوله : ( إشارة نبوية إلى أن عمر رضي الله عنه سيقتل ) (‏ ‏) ‏‏. فالباب هو حياة عمر رضي الله عنه ـ كما فسره حذيفة رضي الله عنه ـ ‏في آخر الحديث ، وقد وقعت الفتن والمحن والبلايا بين الناس وفشت ‏وانتشرت ـ كما قال ابن كثير ـ بعد وفاته في جميع أنحاء بلاد الإسلام ، والله ‏المستعان .‏
وقال النووي : ( قوله : " وحدّثته أن ذلك الباب رجل يُقتل أو يموت ‏حديثاً ليس بالأغاليط " أما الرجل الذي يقتل : فقد جاء مبيناً في الصحيح أنه ‏عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وقوله " يقتل أو يموت " يحتمل : أن ‏يكون حذيفة رضي الله عنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم هكذا على ‏الشك والمراد به الإبهام على حذيفة وغيره . ويحتمل : أن يكون حذيفة علم ‏أنه يُقتل ولكنه كره أن يخاطب عمر رضي الله عنه بالقتل ، فإن عمر ‏رضي الله عنه كان يعلم أنه هو الباب كما جاء مبيناً في الصحيح أن عمر ‏كان يعلم من الباب كما يعلم أن قبل غدٍ الليلة ، فأتى حذيفة رضي الله عنه ‏بكلام يحصل منه الغرض مع أنه ليس اخباراً لعمر بأنه يقتل . ا هـ . كلامه ‏رحمه الله ) (‏ ‏) . ( وكأنه مثَّل الفتن بدار ، ومثَّل حياة عمر بباب لها مغلق ‏، ومثَّل موته بفتح ذلك الباب ، فما دامت حياة عمر موجودة فهي الباب ‏المغلق لايخرج مما هو داخل تلك الدار شيء ، فإذا مات فقد انفتح ذلك ‏الباب فخرج مافي تلك الدار ) (‏ ‏) .‏
قوله : ( قال يُفتح الباب أو يكسر ؟ قال : لا . بل يكسر ، قال : ذلك ‏أحرى ألاّ يُغلق ) وفي روايــة : ( ذاك أجْدَرُ أن لايُغلــق إلى يوم القيامــة ) ‏‏(‏ ‏) قال ابن بطال (‏ ‏) : ( إنما قال ذلك لأن العادة أن الغلق إنما يقع في ‏الصحيح ، فأمّا إذا انكسر فلا يتصور غلقه حتى يجبر ) ا هـ (‏ ‏) .‏
قال الحافظ : ( ويُحتمل أن يكون كنَّى عن المـوت بالفتــح ، وعن ‏القتـــل بالكسر ... ) (‏ ‏) . وقول عمر : ( أكسراً ) أي : أيكسر كسراً . فإن ‏المكسور لايمكن إعادته بخلاف المفتوح ، ولأن الكسر لايكون غالباً إلاّ عن ‏إكراه وغلبة وخلاف عادة (‏ ‏) ‏
وقول عمر : ( لاَأَبَالَك ) قال صاحب التحرير ( هذه كلمة تذكرها ‏العرب للحث على الشيء . ومعناها : أن الإنسان إذا كان له أب وحَزَبَهُ أمر ‏ووقع في شدة عاونه أبوهورفع عنه بعض الكَلِّ ، فلا يحتاج من الجِدِّ ‏والاهتمام إلى مايحتاج إليه حالة الانفراد وعدم الأب المعاون ، فإذا قيل : ‏لاأبالك ، فمعناه : جدّ في هذا الأمر وشمّر وتأهب تأهبَ من ليس له معاون ‏‏. والله أعلم ) (‏ ‏) .‏
وقول حذيفة : ( كما أن دون غدٍ الليلة ) أي : أن ليلــة غـدٍ أقرب إلى ‏اليوم من ‏
غدٍ (‏ ‏) . فعمر رضي الله عنه كان يعلم من الباب كما يعلم أن قبل غدٍ الليلة ‏‏(‏ ‏) .‏
وقوله : ( إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط ) . الأغاليط : جمع أغلوطة ‏وهي التي يغالط بها ،والمسألة التي يعيى بها المسئول فيغلط فيها، وهي ‏صعاب المسائل (‏ ‏). فمعناه : حدثته حديثاً صدقاً محققاً ليس هو من صحف ‏الكتابيين ولامن اجتهاد ولا رأي ، بل من حـديث النبي صلى الله عليه وسلم ‏‏(‏ ‏) . قال ابن بطـال (‏ ‏) : ( إنما علم عمر أنه الباب لأنه " كان مع النبي ‏صلى الله عليه وسلم على حراء وأبي بكر وعثمان فرجف ، فقال : إثبت ، ‏فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان " أو فهم ذلك من قول حذيفة : " بل يكسر " ‏‏) ا هـ كلام ابن بطال . فقال الحافظ ابن حجر معلقاً على كلام ابن بطال هذا : ‏‏( والذي يظهر أن عمر علم الباب بالنص كما قدمت عن عثمان بن ‏
مظعون وأبي ذر (‏ ‏) ، فلعل حذيفة حضر ذلك ، وقد تقدم في بدء الخلق ‏حديث : أن عمر سمع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن بدء الخلق ‏حتى دخل أهل الجنة منازلهم ، وسيأتي في هذا الباب حديث حذيفة أنه قال : ‏‏(( أنا أعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة )) وفيه أنه سمع ذلك ‏معه من النبي صلى الله عليه وسلم جماعة ماتوا قبله .‏
فإن قيل : إذا كان عمر عارفاً بذلك فلم شك فيه حتى سأل عنه ؟
فالجواب : أن ذلك يقع مثله عند شدة الخوف ، أو : لعله خشي أن ‏يكون نسي فسأل من يذكره ، وهذا هو المعتمد ) ا هـ كلام الحافظ رحمه الله ‏‏(‏ ‏) .‏
ولفظ (( هبنا )) في الحديث ـ بكسر الهاء أي خفنا ـ فيه إشارة ‏واضحة إلى مدى تأدب صغار الصحابة أمام كبارهم ، دلّ ذلك على كمال ‏فضلهم ، وكرم نفوسهم رضي الله عنهم أجمعين (‏ ‏) .‏
والحاصل : أن الحائل بين الفتن والإسلام : عمر رضي الله عنه ، ‏وهو الباب . فما دام حياً لاتدخل الفتن . فإذا مات دخلت الفتن . وكذا كان . ‏والله أعلم . (‏ ‏) ‏
وأما مايتعلق بشرح مازاده الإمام مسلم في روايته (( تعرض الفتن ‏على القلوب كالحصير عوداً عوداً .... )) فكانت الرغبة شرحُها في مطلب أو ‏مبحث مستقبل بيد أنها رواية مرتبطة ارتباطاً وثيقاُ بما سبق شرحه في ‏رواية البخاري ، فلذا آثرنا شرحها هنا مع رواية الإمام البخاري ـ رحمه الله ‏ـ ، فهاهو شرحها بالتفصيل ، والله الهادي إلى سواء السبيل .‏
‏* فأما معنى : (( تعرض الفتن )) أي : تلصق بعــرض القلــوب ، أي ‏جانبها ، كما يلصق الحصير بجانب النائم ويؤثر فيه شدة التصاقها به (‏ ‏) .‏
‏* وفي قوله صلى الله عليه وسلم : (( عوداً عوداً )) نص النووي ـ ‏رحمه الله ـ على أن ( هذين الحرفين مما اختلف في ضبطه على ثلاثة أوجه ‏‏:‏
أظهرها وأشهرها : عُوداً عُوداً ، بضم العين وبالدال المهملة .‏
‏ والثـانـــــي : بفتح العين وبالدال المهملة أيضاً .‏
‏ والثالــــث : بفتح العين وبالذال المعجمة .‏
‏ ولم يذكر صاحب التحرير غير الأول ، وأما القاضي عياض فذكر ‏هذه الأوجه الثلاثة عن أئمتهم واختار الأول أيضاً . واختار شيخنا أبو ‏الحسين بن سراج : فتح العين والدال المهملة .........‏
‏* ومعنى (( عوداً عوداً )) أي : تعاد وتكرر شيئاً بعد شيء .‏
قال ابن سراج : ومن رواه بالذال المعجمة فمعناه : سؤال الاستعاذة ‏منها ، كما يُقال : غفراً غفراً ، وغفرانك ، أي : نسألك أن تعيذنا من ذلك ‏وتغفر لنا .‏
وقال الأستاذ أبو عبد الله بن سليمان : معناه : تظهر على القلوب . ‏أي : تظهر لها فتنة بعد أخرى ) . ا هـ كلام النووي رحمه الله . (‏ ‏) ‏
‏* وأما قوله صلى الله عليه وسلم : (( كالحصير )) أي : ( كما ينسج ‏الحصير عــوداً عــوداً وشــظية بعد أخرى ، قال القاضي : وعلى هــذا ‏يترجح روايــة ضم العـين ، وذلك: أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع ‏عوداً أخذ آخر ونسجه ، فشبَّه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى ‏بعرض قضبان الحصير على صانعها واحداً بعد واحدٍ . قال القاضي : وهذا ‏معنى الحديث عندي ، وهو الذي يدل عليه سياق لفظه ، وصحة تشبيهه ‏والله أعلم ) (‏ ‏) .‏
‏* والإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم : (( فأيُّ قلب أُشربها )) ‏واضحة بأن المراد أيُّ قلب دخلت فيه دخولاً تاماً وألزمها وحلت منه محل ‏الشــراب . ومنــه قولـه تعـالى : { وَأُشْرِ بـــُــواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْـعِجْلَ } [ ‏البقرة : 93 ] ، أي : حب العجل . ومنه قولهم : ثوبٌ مُشْرَبٌّ بِحُمرة ، أي ‏خالطته الحمرة مخالطة لاانفكاك لها . (‏ ‏) ‏
ومعنى قوله عليه السلام : (( نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سوداء )) : أي : نقط فيه ‏نقطة سوداء وهــي : بالتاء المثناة في آخره . قال ابن دريد وغيره : كل ‏نقطة في شيء بخلاف لونه فهو نكت (‏ ‏) ، ومعنى (( أَنْكَرها )) : أي ‏ردّها . (‏ ‏) ‏
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : (( حتى تصير على قلبين ، على ‏ابيضَ مثل الصَّفا )) .‏
قال القاضي عياض ـ رحمه الله ـ : ليس تشبيهه بالصفا بيان لبياضه . ‏لكن صفة أُخرى ، لشدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل . وأن الفتن ‏لم تُلْصَقْ به ولم تؤثر فيه كالصفا ، وهو : الحجر الأملس الذي لايعلق به ‏شيء .‏
وأما قوله : (( مُرْبادّ اً )) فقال النووي ـ رحمه الله ـ : ( كذا هو في ‏روايتنا وأصول بلادنا ......... وذكر القاضي عياض ـ رحمه الله ـ خلافــاً ‏في ضبطه ، وأن منهم من ضبطه كما ذكرنا ، ومنهم من رواه ( مربئدّ ) ‏بهمزة مكسورة بعد الباء ، قال القاضي : وهذه رواية أكثر شيوخنا ، ....... ‏‏) (‏ ‏) ‏
هذا وقد فُسِّرَ معنى ( مُرْباداً ) في آخر رواية الإمام مسلم حيث ذكر ـ ‏رحمه الله ـ عن أبي خالد أنه قال : فقلت لسعدٍ : ياأبا مالك ٍ ! ماأسودُ مُرْبادّاً ‏؟ قال : شدة البياض في سوادٍ .‏
فعلق القاضي عياض على هذا المعنى بقوله : كان بعض شيوخنا ‏يقول : إنه تصحيف ، وهو قول القاضي أبي الوليد الكنانيّ . قال : أرى أن ‏صوابه : ( شبه البياض في سواد ) . وذلك أن شدة البياض في سواد ‏لايسمى ( ربدة ) ، وإنما يقال لها : ( بلق ) إذا كان في الجسم ، ( وحَوَر ) ‏إذا كان في العين . والربدة إنما هو شيء من بياض يسير يخالط السواد ‏كلون أكثر النعام ، ومنه قيل للنَّعامة : ربداء . فصوابه : ( شبه البياض ) لا ‏‏( شدة البياض ) ..... (‏ ‏) ‏
وفي معنى تشبيهه صلى الله عليه وسلم للقلب بأنه : (( كالكُوزِ مُجَخِّيـاً ‏‏)) فالكوز هو : إناء من الأواني يُشرب به الماء وله عروة ، وأما الكوب ‏فهو : قدحٌ من الزجاج ونحوه مستدير الرأس لاعروة له ، وهو من آنية ‏الشراب . (‏ ‏) ‏
ومعنى (( مُجَخِّياً )) : ـ بميم مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم خاء معجمة ‏مكسورة ـ أي : مائلاً . كذا قاله الهروي وغيره . وفسَّره الراوي في الكتاب ‏بقوله : ( منكوساً ) وهو قريب من معنى المائل . قال القاضي عياض ـ ‏رحمه الله ـ : شبه القلب الذي لايعي خيراً بالكوز المنحرف الذي لايثبت ‏الماء فيه .‏
وقال صاحب التحرير : معنى الحديث : أن الرجل إذا تبع هواه ‏وارتكب المعاصي دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة ، وإذا صار كذلك ‏افتتن ، وزال عنه نور الإسلام ، والقلب مثل الكوز فإذا انكب انصب مافيه ‏، ولم يدخله شيء بعد ذلك . (‏ ‏) ‏
والحاصل : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر أمته بأنه وُضع ‏فيهم فتن ، منها فتنة تموج فيهم كموج البحر واضطرابه عند هيجانه ، يدفع ‏بعضها بعضاً ، وما ذاك إلا لشدة عظمها وكثرة شيوعها ، حتى يصبح الناس ‏فيها كالبهائم والأنعام لاعقول لهم ، بل تذهب عقول أكثر أهل ذلك الزمان ـ ‏كما في حديث أبي موسى المتقدم (‏ ‏) ـ نسأل الله السلامة والعافية .‏
ثم أخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الفتن تعرض على القلوب ‏وتلصق بعرضها كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه . ويُكرر ويُعاد ‏ذلك عُوداً عُوداً أي شيئاً بعد شيء ، فأي قلب أُشرِبَها وتقبلها ، ولم ينكرها ، ‏نُقط فيه نقطة أو علامة سوداء . وأي قلب أنكرها وردّها نُقِط فيه نقطة ‏وعلامة بيضاء . ‏
ثم أخبر صلى الله عليه وسلم أن الناس أمام وتجاه هذه الفتن ينقسمون ‏إلى قسمين وذلك بقوله : (( حتى تصير على قلبين )) أي ينقسم الناس إلى : ‏
‏* مؤمن حقيقي ، إيمانه في قلبه ناصع لاشيء فيه من الآثام .‏
‏* وفي المقابل : يأتي قلب الفاجر أو المنافق ، الذي يكون قلبه أسود ، ‏وعمله مختلط فيه الإثم والفسق . لذا قال صلى الله عليه وسلم عن هذا القلب ‏‏: (( أســود مُربادّاً )) أي : كما فسره الراوي : شدة البياض في سواد ، أو ‏شبَه البياض في سواد ، أي : يختلط العمل الصالح بالعمل السيء ، ويختلط ‏الإيمان بالنفاق ـ عياذاً بالله ـ .‏
ثم شبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك القلب بالكوز المُجَخيِّ ، أي : بالإناء ‏الذي يُشرب به الماء وهو مائل منكوس ، أي أن قلب هذا كالإناء المنكوس ‏المائل المقلوب ، الذي يستحيل ملؤه بالماء ، لأنه مقلوب منكوس ، فكذلك قلب ‏هذا ، يستحيل تقبله للنصيحة والموعظة ، فهو جاف .‏
ثم وصف ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا القلب بأنه لايعرف المعروف ، ولا ‏يُنكر المنكر ، ولا يتبع الحق الذي يُوعظ به ، إلا ماكان موافقاً لهواه وشهواته ‏وملذّاته ، فهو يأخذ به ، ليس خوفاً من الله ولا اتباعاً لأمره ، بل لأنه يُوافق هواه ‏‏(‏ ‏) .‏
ثم أخبر حذيفة ـ رضي الله عنه ـ في آخر الحديث أنه قال لعمر رضي الله ‏عنه : لابأس عليك من هذه الفتنة ، لأن بينك وبينها باباً مغلقاً ، أي : أن تلك ‏الفتن لايخرج شيء منها في حياتك .‏
وذكر حذيفة أن الباب هو حياة عمر ـ رضي الله عنه ـ فسأله عمر : هل ‏يُفتح ذلك الباب أو يُكسر ؟ فقال له : لا ، بل يُكسر ، وحدثه بأن ذلك الباب هو ‏رجل يُقتل أو يَموت ، وقد ذكر ابن حجر ـ رحمه الله ـ أنه جاء في الصحيح أن ‏الرجل الذي يُقتل هو عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وقد كان ـ أي عمر ـ ‏يعلم أنه هو المقصــود بالباب كما يعلم أن قبل غدٍ الليلة .‏
فيتلخص : أن الحائل بين الفتن والإسلام عمر ـ رضي الله عنه ـ وهو ‏الباب المذكور ، فما دام حياً لاتدخل الفتن ، فإذا مات دخلت الفتن . وكذا كان ، ‏فقد وقعت بعده رضي الله عنه الفتن والمحن والبلايا العظام التي عمت وطمَّت ‏في كثير من البلاد ، وظهر الخلاف والشقاق بين الناس بعد وفاته رضي الله عنه ‏، وظهر بذلك مصداق نبوته صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به . والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:34 PM
المطلب الخامس
‏{ فتن لاتدع بيتا إلا دخلته } ‏
‏= = = = = = ‏
عن عوف بن مالك قال : أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في غزوة ‏تبوك ، وهو في قُبَّةٍ من أَدَمٍ ، فقال : (( أعْدُد سِتاً بينَ يَدَيِ الساعةِ : مَوْتِي ، ثُمَّ ‏فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ ثُمَّ مُوْتَانٌ : يَأْخُذُ فيكُم كَقُعَاصِ الغَنَمِ ، ثم استِفَاضَةُ المالِ حَتَّى ‏يُعطى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطاً ، ثمَّ فِتْنَةٌ لايَبْقَى بَيْتٌ من العَرَبِ إلاَّ دَخَلَتْهُ ، ثُمَّ ‏هُدْنَةٌ تَكونُ بَيْنَكُم وبيْنَ بَنِي الأَصْــفَرِ ، فَيَغْدِرُونَ فَيَأتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِيْنَ غَايَةً ، تَحْتَ كُلِّ ‏غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم : (( ست من أشراط الساعة ، ..... ـ وذكر منها ـ وفتنة ‏يدخل حربها بيت كل مسلم ........... )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية عن عوف بن مالك ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم أنه قال : (( ياعوفُ احفظ خلالاً ستاً بين يدي الساعة : ...... ـ وذكر ‏منها ـ ثم فتنة تكون بينكم حتى لايبقى بيت مؤمن إلاّ دخلته ...... )) الحديث (‏ ‏) .‏
القبة التي أشار إليها عــوف ـ رضي الله عنه ـ في قوله : (( في قُبَّةٍ ‏من أَدَمٍ )) هي : ـ بضم القاف ، وتشديد الباء الموحدة ـ الخرقاهة ، وكل بناء ‏مُدَوَّرٍ فهو قبة .‏
والأَدَمُ : ـ بفتحتين ـ اسم لجمع أديم ، وهو : الجلد المدبوغ المصلح ‏بالدباغ (‏ ‏) .‏
وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ستاً )) أي : ست علامات لقيام ‏الساعة ، أو لظهور أشراطها المقتربة منها (‏ ‏) . ‏
وستُشرح ـ بإذن الله تعالى ـ كل واحدة منها بالتفصيل ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:38 PM
العلامة الأولى : موت النبي صلى الله عليه وسلم :‏
وذلك في قوله عليه السلام (( مَوْ تــِي )) : فإن موت النبي صلى الله ‏عليه وسلم يُعَدُّ من أشراط الساعة الصغرى وعلاماتها ، كما كانت بعثته ‏أول أشراطها ، ففي حديث سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم : (( بُعثت أنا والساعة كهاتين ، ويشير بإصبعيه فيمدهما ‏‏)) (‏ ‏) .‏
وقد كان موت النبي صلى الله عليه وسلم أول أمر دهم الإسلام ، ‏وأعظم مصيبة وقعت على المسلمين ، فأظلمت الدنيا في عيون أصحابه ‏رضي الله عنهم عند موته صلى الله عليه وسلم .‏
قال أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ : ( لما كان اليومُ الذي دخل فيه ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، أضاء منها كل شيء ، فلما كان ‏اليومُ الذي مات فيه أظلم منها كلُّ شيء ، وما نَفَضْنَا أيدينا من التراب وإنا ‏لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا ) (‏ ‏) .‏
وقد عبّر أنس ـ رضي الله عنه ـ في قوله هذا عن اللوعة بفقد أكرم ‏الرسل ، وأنها ساعة شديدة حتى أنكروا أنفسهم من شدة الحزن وانقطاع ‏الوحي وفقد الصحبة ، فلم يجدوها على الحالة السابقة .‏
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ مُعلقاً على قول أنس مانصه : ( ‏يريد أنهم وجدوها تغيرت عما عهدوه في حياته من الألفة والصفاء والرقة ، ‏لفقدان ماكان يمدُّهم به من التعليم والتأديب ) ا هـ (‏ ‏) .‏
وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : ( مارأيت يوماً قطُّ كان أحسن ولا ‏أضوءَ من يومٍ دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومارأيت ‏يوماً كان أقبح ولا أظلم من يومٍ مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ‏‏(‏ ‏) .‏
فبموته صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي من السماء كما في جواب ‏أم أيمن لأبي بكر وعمر رضي الله عنهم ـ عندما زاراها بعد موت النبي ‏صلى الله عليه وسلم ، فلما انتهيا إليها بكت ، فقالا لها : ( مايُبكيك ؟ ماعند ‏الله خــير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) فقالت : ماأبكي ألاّ أكون أعلمُ ‏أن ماعند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم ولكني أبكي أن الوحي قد ‏انقطع من الســماء ، فهيَّجتهما على البكاء فجعلا يبكيـان معهـا ) (‏ ‏) .‏
فقد مات عليه الصلاة والسلام كما يموت الناس لأن الله تعالى لم ‏يكتب الخلود في هذه الحياة الدنيا لأحد من الخلق بل هي دار ممر لا دار ‏مقر ، كما قال تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّنْ قَــبْـلِكَ الْخُـلْدَ أَفَــإِيــن مِّتَّ ‏فَهُمُ الْخَــلِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِـقَةُ الْمَوْتِ وَنَــبْلُوكُم بِالشَّـِرّ ‏وَالْخَـيْرِ فِـتْــنَةً وَإِلـَـيْنَا تُرْجَعُونَ } [ الأنبياء 34 ـ 35 ]. إلى غير ذلك ‏من الآيات التي تبين أن الموت حق وأن كل نفس ذائقة الموت ، حتى ولو ‏كان سيد الخلق وإمام المتقين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ‏موته كما قال القرطبي ـ رحمه الله ـ ( أول أمر دهم الإسلام ) ثم بعده موت ‏عمر ـ رضي الله عنه ـ فبموت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ انقطع الوحي ‏، وماتت النبوة ، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك ، وكان ‏أول انقطاع الخير وأول نقصانه . ‏
وقال أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ في أبيات يرثي بها النبي ‏صلى الله عليه وسلم :‏
‏ فَلَتَحْدُثَنَّ حَوادثُ من بعده‏ تعني بهنَّ جوانــح وصــدور
وقالت صفية بنت عبد المطلب في أبيات ترثي بها النبي صلى الله ‏عليه وسلم :‏
‏ لعمرُك ماأبكي النبيَّ لفقـده ‏ ولكن ماأخشى من الهرج (‏ ‏) آتيا ‏‏(‏ ‏) ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:39 PM
العلامة الثانية : فتح بيت المقدس : ‏
وهي قوله صلى الله عليه وسلم : (( ثم فتحُ بيت المقدس )) : وهذا كذلك ‏من أشراط الساعة الصغرى ، فقد تم فتح بيت المقدس على يدي عمر بن ‏الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ســنة ســت عشرة من الهجرة كما نقله الحافظ ‏ابن كثير ـ رحمه الله ـ عن أئمة السير (‏ ‏) .‏
ولا نتكثر بذكر وصف بيت المقدس ، وما صاحَبَهُ وتقدمه من أحداث ‏مما عُنيت بالحديث عنه كتب السيرة والتاريخ ، مما يدخل في دائرة ‏الوصف التاريخي .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:39 PM
العلامة الثالثة : موت يأخذ كثيراً من الناس : ‏
وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : (( ثُمَّ مُوْتَانِ يَأْخُذُ فيكم كقُعَاصِ الغنم ‏‏)) المُوْتان : ـ بضم الميم وسكون الواو ـ هو الموت كما قال القزاز ، وقال ‏غيره : الموت الكثير الوقوع (‏ ‏) .‏
والقُعَاص : ـ بضم القاف وتخفيف العين المهملة وآخره صاد مهملة ـ ‏هو : داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة (‏ ‏) .‏
قال العيني : وبعضهم ضبطه بتقديم العين على القاف ، ولم أر ذلك ‏في شرح من شــروح البخاري ، وما ذكره ابن الأثير وابن قرقول ‏وغيرهمـا إلا بتقديم القاف على العين (‏ ‏) .‏
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ : ( ويقال أن هذه الآية ظهرت في ‏طاعون عِمْوَاس في خلافة عمـــر وكان ذلك بعــد فتـح بيت المقدس ) (‏ ‏) ‏‏. وقد وقع طاعـــون
عِمْوَاس (‏ ‏) في كورة عمواس ، وذلك سنة ثماني عشرة للهجرة على ‏المشهور الذي عليه الجمهور ـ كما نقله الحافظ ابن كثير عنهم وعن أئمة ‏السير كابن اسحاق والواقدي وغيرهما ـ ثم انتشر هذا الطاعون وفشا في ‏أرض الشام ، فمات فيه خلق كثير لايحصى من الصحابة ـ رضي الله عنهم ‏ـ ومن غيرهم ، حتى قيل إنه بلغ عدد من توفي فيه من المسلمين بالشام : ‏خمسة وعشرون الفاً ـ كما نقله الحافظ ابن كثير عن الواقدي ـ وقيل : مات ‏فيه ثلاثون ألفاً (‏ ‏) . ويقال : سبعون ألفاً في ثلاثة أيام (‏ ‏) . وقد ذكر ‏الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ طائفة من أعيانهم ـ رضي الله عنهم ـ فذكر ‏من المشهورين منهم : أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجرّاح ، ومعاذ ‏بن جبل ، والحارث بن هشام ، وشرحبيل بن حسنة ، والفضل بن عباس ‏بن عبد المطلب ، ويزيد بن أبي ســفيان ، وأبو جندل بن سهيل (‏ ‏) .‏
ولا يبعد أن يكون الموتان الذي حصل إنما كان في طاعون عمواس ‏كما استنتج ذلك ابن كثير وابن حجر وغيرهما ، وهذا دقيق في الصحة إذا ‏كان مراد الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : (( فيكم )) شخوص الصحابة ‏ـ رضي الله عنهم ـ أنفسهم ، ولقد توفي منهم في هذه الحادثة أعداد كثيرة ‏يربو عددهم على ثلاثين وقيل سبعين ألفاً .‏
أما إذا كان قوله صلى الله عليه وسلم : (( فيكم )) معنياً به الأمة حيثما ‏امتدت ونمت فوق الأرض ، وإنما كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ مقدمة ‏هذا الامتداد وهذا الوجود ، فإنه بناء على ذلك يمكن القول أنه المراد بهذا ‏المُوتان طاعون عِمْواس وغيره . وعلى ذلك فلا يمتنع أن يكون ذلك ‏الموتان الذي يحدث ناشئاً من استعمال غازات ووسائل تسبب الموت ، ‏ينشرها ويستعملها أعداء المسلمين من يهود ونصارى ، وهذه ليست ‏بالضرورة أن تكون ناشئة عن حرب أو قتال بين المسلمين وبين أعدائهم ، ‏بل إن هؤلاء قد يستعملون هذه الأسلحة التدميرية السرية ، وينشأ عنها كثرة ‏الموت في ديار المسلمين . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:40 PM
العلامة الرابعة : ( استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة ) :‏
وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : (( ثم استفاضة المال حتّى يُعطى ‏الرجلُ مائة دينار فيظلُّ ساخطاً )) وهذا كذلك من أشراط الساعة الصغرى (‏ ‏) ‏‏. ـ كما سيأتي قريباً ذكر الأحاديث الدالة على ذلك إن شاء الله تعالى ـ .‏
والاستفاضة : من فاض الماء والدمع وغيرهما : إذا كثر ، فاستفاضة ‏المال : كثرته فيكثر المال ويستفيض حتى يُعطى الرجل مالاً كثيراً كمائة ‏دينار مثلاً ـ كما في الحديث ـ فيظَلُّ ساخطاً ، أي يبقى ساخطاً استقلالاً ‏للمبلغ وتحقيراً له (‏ ‏) . وهذا كناية عن كثرة المال واتساع الحال (‏ ‏) .‏
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ عن زمن ظهور استفاضة المال ‏المذكورة في هذا الحديث مانصه :‏
‏ ( وظهرت في خلافة عثمان عند تلك الفتوح العظيمة .... ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد جاء في أحاديث أخر مايدل على استفاضة المال والاستغناء ‏عنه وعن الصدقة في زمن الصحابة وغيرهم فمن ذلك : ماجاء عن أبي ‏هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لاتقوم ‏الساعة حتى يكثُر فيكم المالُ ، فيفيـضَ حتى يُهِـــمَّ ربَّ المـــالِ من يَقْبَــلُهُ منه صدقـــةً ‏، ويُدْعَى إليه الرجلُ فيقول : لاأَرَبَ لِيْ فيهِ )) (‏ ‏) .‏
قوله : (( حتى يكثر فيكم المال )) إن التقييد بقوله (( فيكم )) يُشعر بأنه ‏محمول على زمن الصحابة ، فيكون إشارة إلى ماوقع من الفتوح واقتسامهم ‏أموال الفرس والروم .‏
ويكون قوله : (( فيفيضَ حتى يُهِمَّ ربَّ المال )) إشـارة إلى ماوقــع في ‏زمن عمر بن عبد العزيز .... فقد وقع في زمنه أن الرجل كان يعرض ماله ‏للصدقــة فلا يجد من يقبل صدقته . ويكون قوله : (( حتى يَعرِضَه فيقولُ الذي ‏يَعْرِضُهُ عليه : لاأَرَبَ لي )) (‏ ‏) إشارة إلى ماسيقع في زمن عيسى بن مريم ‏‏.‏
‏ فيكون في هذا الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال :‏
الأولى : إلى كثرة المال فقط ، وقد كان ذلك في زمن الصحابة ، ومن ‏ثم قيل فيه (( يكثر فيكم )) .‏
الثانية : الإشارة إلى فيضه من الكثرة بحيث أن يحصل استغناء كل ‏أحد عن أخذ مال غيره ، وكان ذلك في آخـر عصر الصحابة وأول عصر ‏من بعدهم ، ومن ثم قيــل : (( يُهِمُّ ربَّ المال )) وذلك ينطبق على ماوقع في ‏زمن عمر بن عبد العزيز ـ كما تقدم ـ ‏
الثالثة : فيه الإشارة إلى فيضه وحصول الاستغناء لكل أحدٍ حتى ‏يهم صاحب المال بكونه لايجد من يقبل صدقته ، ويزداد بأنه يعرضه على ‏غيره ولو كان ممن لايستحق الصدقة فيأبى أخذه فيقول : لاحاجة لي فيه ، ‏وهذا في زمن عيسى عليه السلام . ويحتمل أن يكون هذا الأخير : خروج ‏النار واشتغال الناس بأمر الحشر فلا يلتفت أحد حينئذٍ إلى المال ، بل يقصد ‏أن يتخفف مااستطاع (‏ ‏) .‏
ومعنى قوله : (( يُهِمَّ )) ضبطوه بوجهين : أجودهما وأشهرهما ( يُهِمَّ ‏‏) بضم الياء وكسر الهاء ، فيُقال : أهمه إذا أحزنه ، وأهمه إذا أَذابَهُ ، ومنه ‏قولهم : هَمَّك ماأهمَّك . أي أذابك الشيء الذي أحزنك فأذهب شحمك .‏
والوجه الثاني : ( يَهُمَّ ) ـ بفتح الياء وضم الهاء ـ هو من هَمَّ به إذا ‏قَصَدَهُ (‏ ‏) .‏
وفي رواية لهذا الحديث بلفظ : (( تصدّقوا . فيوشِكُ الرجُلُ يَمْشِي بصدقتِهِ ‏، فيقولُ الذي أُعْطِيَهَا (‏ ‏) : لو جِئْتَنا بها بالأمسِ قبِلْتُهَا . فأما الآن فلا حاجة لي بها ‏فلا يَجِدُ من يَقْبَلُهَا )) (‏ ‏) .‏
قال النووي ـ رحمه الله ـ عند شرح هذه الأحاديث مانصه : ( وفي ‏هذا الحديث والأحاديث بعده مما ورد في كثرة المال في آخر الزمان ، وأن ‏الإنسان لايجد من يقبل صدقَتَهُ : الحث على المبادرة بالصدقة واغتنام ‏إمكانها قبل تعذرها ، وقد صرح بهذا المعنى بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏في أول الحديث : (( تصدقوا فيوشك الرجل ....)) إلى آخره ، وسبب عدم ‏قبولهم الصدقة في آخر الزمان : لكثرة الأموال وظهور كنوز الأرض ‏ووضع البركات فيها ، كما ثبت في الصحيح بعد هلاك يأجوج ومأجوج ‏وقلة آمالهم وقرب الســاعة ، وعدم ادّخارهــم المـال ، وكثرة الصدقات ، ‏والله أعلم ) ا هـ كلامه ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
وفي رواية لأبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى ‏الله عليه وسلم قال : (( ليأتيَنَّ على الناس زمانٌ يطوفُ الرجلُ فيه بالصدقة من ‏الذهب ثم لايجد أحداً يأخُذُها منه .... )) الحديث (‏ ‏) .‏
فقوله صلى الله عليه وسلم : (( يطوف الرجلُ بصدقته من الذهب )) إنما ‏هذا يتضمن التنبيه على ماسواه لأنه إذا كان الذهب لايقبله أحد فكيف الظنُّ ‏بغيره ؟ .‏
وقوله صلى الله عليه وسلم : (( يطوف )) : إشارة إلى أنه يتردد بها ‏بين الناس فلا يجد من يقبلها ، فتحصل المبالغة والتنبيه على عدم قبول ‏الصدقة بثلاثة أشياء : ‏
‏1 ـ كونه يعرضها .‏ ‏2 ـ ويطوف بها .‏ ‏3 ـ وهي ذهب (‏ ‏) .‏
والحاصل : أنه قد تحقق كثير مما أخبر به الصادق صلى الله عليه ‏وسلم من استفاضة المال ورد الصدقة ، فكثر المال واستفاض في زمن ‏الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وكان ذلك بسبب ماوقع من الفتوح الإسلامية ‏واقتسامهم أموال الفرس والروم . ثم فاض المال ـ أيضاً ـ في عهد عمر بن ‏عبد العزيز ـ رحمه الله ـ وكثر ، حتى كان الرجل يعرض ماله للصدقة فلا ‏يجد من يقبل صدقته ـ كما ذُكر قريباً عن الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ
وسيكثر المال في آخر الزمان حتى يعرض الرجل ماله ، ويطوف ‏بصدقته من الذهب ، ثم لايجد أحداً يأخذها منه ، وكلما عرضها على أحدٍ ‏قال له : لاأرَبَ لي فيها ، ومنهم من يقول له : لو جئتنا بالأمس قبلتُها ، فأما ‏الآن فلا حاجة لي بها . فلا يجدُ من يقبَلُها .‏

وهذا ـ والله أعلم ـ إشارة إلى ماسيقع في زمن عيسى ـ عليه السلام ‏كما تقدم قريباً عن الحافظ ابن حجر رحمه الله ـ من كثرة الأموال وإخراج ‏الأرض لبركتها وكنوزها كما في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ ‏قــال : قال رسـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( تَـقِــيءُ الأرضُ أَفْلاذَ كَبِدِهَا ‏‏(‏ ‏) أمثال الأُسْطُوَان (‏ ‏) من الذهب والفِضَّةِ.......)) الحديث (‏ ‏) .‏
قال ابن التين (‏ ‏) : ( إنما يقع ذلك بعد نزول عيسى حين تُخرج ‏الأرض بركاتها حتى تُشْبِعَ الرمانة أهل البيت ولا يبقى في الأرض كافر ) ا ‏هـ (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:41 PM
العـلامة الخامســـة : (( فتن لاتدع بيتاً إلا دخلته )) :‏
وهذا شاهدنا في هذا المطلب وهو مستل من قوله صلى الله عليه وسلم : ‏‏-‏
‏(( ثم فتنةٌ لايَبْقَى بيت من العرب إلا دخلته )) : تقدم تعريف الفتنة لغة ‏واصطلاحا ، وذكر وجوهها في أول الرسالة (‏ ‏) .‏
ولا شك أن ظهور الفتن من أشراط الساعة الصغرى ـ أيضاً ـ وقد سبق ‏الكلام قريباً (‏ ‏) عن ظهور الفتن ومجيئها ومعنى ذلك بالتفصيل ، وذُكرت ‏هناك الأحاديث الواردة في ظهورها مع الكلام عليها بما فيه الكفاية .‏
وذكر الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ أن الفتنة المشار اليها هنا في هذا ‏الحديث افتُتِحَتْ بقتل عثمان ، واستمرت الفتن بعده (‏ ‏) . وهذه الرواية التي ‏معنا هنا أطلقت بأن الفتنة لاتبقي بيت عربي الاّ دخلته ، ولم تُقَيِّد هل المقصود ‏دخولها بيوت مؤمني العرب أو مشركيهم . ولكن جاء في روايتين أخريين ـ ‏سبق ذكرهما قريباً ـ (‏ ‏) تقييدها ببيوت مؤمني ومسلمي العرب ، ولفظهما ‏كالآتي :‏
‏1 - الرواية الأولى لفظها : (( وفتنة يدخل حربها بيت كل مسلم )) (‏ ‏) .‏
‏2 - والرواية الثانية لفظها : (( ثم فتنة تكون بينكم حتى لايبقى بيت مؤمن الاّ ‏دخلته .....)) (‏ ‏) .‏
فهاتان الروايتان تقيدان ما أُطلق في الرواية السابقة ، بلفظ (( العرب )) ‏بما يعم مؤمنهم ومسلمهم .‏
ومما يؤيد ويقوي ذلك أيضاً : قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية ‏الثانية المُقيّدة :‏
‏ (( ... ثم فتنة تكون بينكم ... )) . فقوله : (( بينكم )) خطاب للصحابة ـ ‏رضي الله عنهم ـ يدل على أن المقصود بهذه الفتنة هم المؤمنون والمسلمون ‏لاغيرهم من الكافرين .‏
وقد تقدم ـ قريباً ـ أن الفتنة المشار اليها هنا افتُتحت بقتل عثمان ـ رضي ‏الله عنه ـ واستمرت الفتن من بعده (‏ ‏) .‏
والفتنة التي تدخل بيت كل مسلم ، قيل : هي واقعة التتار ، إذ لم يقع في ‏الإسلام بل ولا في غيره مثلها . وقيل غيرها ، وهي لم تقع بعد (‏ ‏) .‏
ووصفه صلى الله عليه وسلم لها بأنها لاتدع ولاتبقي بيتاً إلا دخلته ، إنما ‏يدل على شدة عظمها وكثرة شيوعها وانتشارها ، وأنه لايمكن لأحد الوقوف ‏أمامها ـ إلا من رحم الله ـ وإلا لما مكنها من دخول بيته ، بين أهله وذويه . ( ‏فيدخل حرُّها ، وتَلِجُ مشقتها وجهدها من كثرة القتل والنهب ) (‏ ‏) . وولوجها ‏كل بيت ينبئ عن شدة المخاصمة ، وكثرة المنازعة ، وماينشأ عن ذلك من ‏المشاتمة والمقاتلة .‏
فالفتن ـ أعاذنا الله منها ـ شأنها عظيم ، ووقعها شديد ، شبهها النبي صلى ‏الله عليه وسلم بأنها تمـــوج وتضطرب ، كما يموج ويضطرب البحر عند ‏هيجانه ، ويدفع بعضه بعضاً (‏ ‏) ، بحيث لايمكن لأحد أن يقف أمامه .‏
والفتن العاصفة ـ عياذاً بالله منها ـ لايمكن لأحد الوقوف أمامها ، كما ‏لايمكن لأحد أن يقف أمام موج البحر عند هيجانه ، وهل ينجو من البحر وشدة ‏موجه الاّ من اعتزله وبَعُدَ عنه ! وكذا الفتن العاصفة لاينجو منها إلا من جُنِّبَها ‏وبعد عنها واعتزلها ، وعندئذٍ فهو السعيد ، نعم إنه السعيد ، وكيف لايكون ‏سعيداً حينئذٍ ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن السعيد لمن جُنب الفتن )) ‏‏(‏ ‏) . وهو ـ أيضاً ـ خير الناس يومئذ نعم إنه خيرهم ، وكيف لايكون خيرهم ‏عندئذٍ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ‏
‏(( خير الناس يومئذٍ ، مؤمن معتزل في شعب من الشعاب ، يتقي الله ، ويذر ‏الناس من شره )) (‏ ‏) .‏
فنسأل الله ـ عز وجل ـ بأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، أن يجنبنا وأهلينا ‏وبيوتنا وجميع المسلمين سوء الفتن والمحن ماظهر منها ومابطن ، إنه عليم ‏قدير ، وبالإجابة جدير.‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:42 PM
‏ العلامة السادسة : - ( كثرة الروم (‏ ‏) وقتلهم للمسلمين ) :‏
وهذا مُسْتل من قوله صلى الله عليه وسلم : (( ثم هدنة تكون بينكم وبين ‏بني الأصفر ، فيَغْدِرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية ، تحت كلِّ غاية اثنا عشر ألفاً )) .‏
والهُدْنَةُ : ـ بضم الهاء وسكون المهملة بعدها نون ـ أصلها : السُّكون ، ‏وهي الصُّلح على ترك القتال بعد التحرك فيه (‏ ‏) .‏
والمراد ببني الأصفر : الروم (‏ ‏) وفي تسميتهم بذلك قولان : ـ ‏
أحدهما : أن جيشاً من الحبشة غُلبوا على ناحيتهم في بعض الدهر ، ‏فوطئوا نساءهم فولدن أولاداً صفراً . قاله ابن الأنباري .‏
الثاني : أنهم نُسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن ‏إبراهيم عليه السلام .‏
قال القرطبي : وهذا ـ يعني القول الثاني ـ أشبه من القول الأول (‏ ‏) .‏
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الروم يغدرون ، وسبب غدرهم ‏هو موالاتهم للصليب ، الذي يزعمون أن عيسى ـ عليه السلام ـ قد صلب عليه ‏، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في حديث ذي مخْبَرٍ ـ رضي الله عنه ‏ـ حيث قال _ صلى الله عليه وسلم : (( ستصالحون الروم صُلحاً آمناً ، فتغزون أنتم ‏وهم عدواً من ورائكم فتُنصرون وتغنمون وتسلمون ، ثم ترجعون حتى تنزلوا بمَــْرجٍ ‏ذي تُلُولٍ ، فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب فيقول : غلب الصليب ، فيغضب ‏رجل من المسلمين فيدقه ، فعند ذلك تغدِرُ الروم وتجتمع الملحمة )) (‏ ‏) .‏
وأخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أيضاً ـ ( أنهم يأتون المسلمين تحت ‏ثمانين غاية ، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً ) .‏
والغاية : بالغين المعجمة وبالياء آخر الحروف ـ هي الراية (‏ ‏) . ‏وسميت بذلك لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف (‏ ‏) . وقيل : لأنها تشبه ‏السحابة لمسيرها في الجو ، ولأنها تظل الأجناد لكثرة راياتهم ، واتصال ‏ألويتهم وعلاماتهم كالسحاب الذي يظل الإنسان (‏ ‏) .‏
هذا وجملة العدد المشار إليه في قوله : (( فيأتونكم تحت ثمانين غاية ، ‏تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً )) تسعمائة ألف وستون ألفاً (‏ ‏) . ولعل أصله : ألف ‏ألف ، فألغيت كســوره (‏ ‏) .‏
قال المُهَلَّب (‏ ‏): ( فيه أن الغدر من أشراط الساعة ، وفيه أشياء من ‏علامات النبوة قد ظهر أكثرها ) (‏ ‏) .‏
وقال ابن المنيّر (‏ ‏) : ( أما قصة الروم فلم تجتمع إلى الآن ولا بلغنا ‏أنهم غزوا في البرِّ في هذا العدد فهي من الأمور التي لم تقع بعد . وفيه بشارة ‏ونذارة ، وذلك أنه دلّ على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش ، وفيه ‏إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ماهو عليه ) (‏ ‏) .‏
‏( وهذه الست المذكورة ظهر منها الخمس : موت النبي صلى الله عليه ‏وسلم ، وفتح بيت المقدس ، والموتان كان في طاعون عمواس زمن عمر بن ‏الخطاب ـ رضي الله عنه ـ مات فيه سبعون الفاً في ثلاثة أيام ، واستفاضة ‏المال كانت في خلافة عثمان ـ رضي الله عنـه ـ عنـد تلك الفتـوح العظيمـة ، ‏والفتنـة اســتمرت بعده ، والســادســـة لم تجيء بعد ) (‏ ‏) .‏
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ ( والسادسة لم تجيء بعد ) (‏ ‏) . ‏ويعني بالسادسة قتال الروم وما يتعلق به . والله أعلم .‏
وقال ـ أيضاً ـ : ( ووقع في رواية للحاكم (‏ ‏) من طريق الشعبي عن ‏عوف بن مالك في هذا الحديث : ( أن عوف بن مالك قال لمعاذ في طاعون ‏عمواس أن رسول الله صلى الله عليــه وســلم قال لي : (( اعــدد ســتاً بين يدي ‏الســاعة )) ، فقد وقع منهــن ثلاث ، يعني موته صلى الله عليه وسلم ، وفتح ‏بيت المقدس ، والطاعون ، قال : وبقي ثلاث ، فقال له معاذ : أن لهذا أهلاً ) . ‏ووقع في الفتن لنعيم بن حماد أن هذه القصة تكون في زمن المهدي على يد ‏ملك من آل هرقل ) (‏ ‏) ا هـ كلامه رحمه الله .‏
هذا وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ مزيد بيان وتفصيل فيما يتعلق بقتال ‏الروم وكثرتهم في مبحث قتال الروم من الفصل السادس من هذا الباب (‏ ‏) . ‏والله الموفق .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:43 PM
المطلب السادس
‏{ فتنٌ تُذْهِبُ العُقُول }‏
‏= = = = = =‏
عن حذيفـــة بــن اليمـان ـ رضي الله عنه ـ قــال : قال رســول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( تكونُ فتنــةٌ تعــرجُ فيها عُقُــولُ الرجــالِ ، حتى ماتكادُ ‏ترى رجلاً عاقلاً )) (‏ ‏) . وعنه ـ رضي الله عنه ـ قال : (( ماالخمر صرفاً بأذهب ‏بعقول الرجال من الفتنة )) (‏ ‏) . ‏
وعنــه ـ رضـي الله عنــه ـ قـال : قــال رســول الله صـلى الله عليـه ‏وســلم : ‏
‏(( تكون فتنةٌ ، ثم تكون جماعة ، ثم فتنة ، ثم تكون جماعة ، ثم فتنة تَعْوَجُّ فيها ‏عقولُ الرجال )) (‏ ‏) .‏
وعــن الضحــاك بن قيس عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( إن ‏بين يدي الساعة فتناً كقطع الدخان ، يموت منها قلب الرجل كما يموت بدنه .... )) ‏الحديث (‏ ‏) .‏
وعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : (( أخاف عليكم فتناً ، ‏كأنها الدخان ، يموت فيها قلبُ الرجل ، كما يموت بدنه )) (‏ ‏) .‏
وعن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ قال : كان رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم يحدثنا (( أن بين يدي الساعة الهرج )) ، قيل : وما الهرج ؟ قال : (( الكذب ‏والقتل )) فقال بعض المسلمين : يارسول الله ! إنّا نَقْتُلُ الآن في العام الواحد ، ‏من المشركين كذا وكذا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنه ليس ‏بقتلكم الكفار ، ولكنه قتل بعضكم بعضاً ، حتى يَقْــتُـلَ الرجلُ جاره ، ويَقْتُلَ أخاهُ ، ‏ويَقتلَ عمه ، ويقتل ابن عمه )) قالوا : سبحان الله ! ومعنا عقولنا ذلك اليوم ؟ قال ‏‏: (( لا ، إلاّ أنه يُنْزَعُ عقولُ أهل ذاك الزمان ، حتى يحسب أحدكم أنه على شيء ‏وليس على شيء )) .‏
وفي رواية : (( لا . تُنْزَعُ عُقُولُ أكثرِ ذلك الزمان ، ويَخْلُفُ له هَبَاءٌ من الناسِ ‏لاعُقولَ لهم )) . ‏
ثم قال الأشعري : والذي نفس محمد بيده لقد خشيت أن تدركني وإياكم ‏تلك الأمور ، وما أجد لي ولكم منها مخرجاً فيما عهد إلينا نبينا صلى الله عليه ‏وسلم إلاّ أن نخرج منها كما دخلناها لم نحدث منها شيئاً (‏ ‏) .‏
في هذه الأحاديث إخبار منه صلى الله عليه وسلم بأنه ستكون فتن تُذهب ‏عقول الرجال حتى ماتكادُ ترى رجلاً عاقلاً ، فتصبح عقول الرجال فيها ‏مُعْوَجَّةً لااعتدال ولا اتزان فيها ، من شدة تلك الفتن ، وكثرة شيوعها ، وعظم ‏شأنها ، حتى يَقْتُلَ الرجل جاره ، ويقتلَ أخاه ، ويقتُلَ عمه ، ويقتُلَ ابن عمه .‏
ولا يُفْعَلُ ذلك إلاّ حينما تذهب العقول ، فعندما أخبر النبي صلى الله عليه ‏وسلم بما يحصل من قتل الرجل جارَهُ وأخاه وعمه وابن عمه ، ذُهل الصحابة ‏من هول ذلك ! فقالــوا للنبي صلى الله عليه وســلم : ســبحان الله ! ومعنا ‏عقولنـــا ذلك اليوم ؟ قـال : ‏
‏(( لا . تُـنْزَعُ عُقولُ أهلِ ذلك الزمان ، ويَخلُفُ له هَبَاءٌ من الناس لاعُقـول لَهم )) ، أي ‏‏: يَخلُفُ له حُثالة من الناس لاعقول لهم ، فالهَبَاء : ماتسفي به الريح كما قال ‏ابن عباس (‏ ‏) وهو دُقاقُ التراب والشيءُ المُنْبَثُّ الذي يُرى في ضوء الشمس ‏‏(‏ ‏) وقيل : هو مايخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه بالغبار (‏ ‏) . ‏والمراد بالهباء من الناس هنا : حثالتهم (‏ ‏) .‏
وما يحصل من قتل الرجل أخاه وجاره وعمه وابن عمه .... ، إنما هو ‏مُنبىءٌ عن اشتداد الفتن وهبوبها كرياح الصيف ، وأنها فتن عمياء صماء ‏مطبقة ، تجعل الناس كالأنعام كما سبق معنا من قول النبي صلى الله عليه ‏وسلم (‏ ‏) ، فإن الأنعام والبهائم لاعقول لها ، وما تشبيه النبي صلى الله عليه ‏وسلم لهم بالأنعام إلا لكونهم لايعقلون ولا يملكون من أمرهم شيئاً ، فهم ‏كالأنعام المسخرة بيد الراعي ، يقودها متى شاء وحيث شاء وفي التنزيل ‏المبارك قوله تعالى : { أُوْلَــئِكَ كَالأَنْعَــمِ بَـلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَــئِكَ هُمُ ‏الْغَـــفِلُونَ } [الأعراف : 179] . وربما يكون تشبيهه صلى الله عليه وسلم لهم ‏بالأنعام لشدة تلك الفتنة ، وجسيم خطبها ، وعظم شــأنها ، إذ أنها عمياء صماء ‏تجعلهم كالأنعام ، أي : لاعقول لهم . ‏
ويؤيد ذلك حديث أبي موسـى ـ الذي ذكرنـاه في آخـر هـذا المطلـب ـ ‏وفيـه : (( يُنزَع عُقول أهلِ ذلك الزمان )) . وقد تقدم هذا من كلام الحافظ ابن ‏حجر ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
وفي تشبيهه صلى الله عليه وسلم للناس بالأنعام ونزع عقولهم في تلك ‏الأزمان ، إشارة إلى انعدام ضوابط المروءة والدين والخلق ، فالناس عندها ‏يصبحون كالأنعام في كل مايعنيه هذا التشبيه ، من حيث تحقق صفات المُشبه ‏به في المشبه ، ولاشك أن الأنعام تأكل بطريقة لانقرها ولا نرضاها نحن ‏الآدميين العُقلاء ، وكذلك تتناكح وتتهارش وتتصايح ... إلى آخرصور حياتها ‏المُشاهدة . وهذا من بليغ كلام النبوة ومشكاتها على صاحبها أفضل الصلاة ‏وأزكى التسليم . ‏
والفتن إذا أضرمت نارها واشتد لهيبها وعظم خطبها ، أذهبت عقول ‏الرجال وصرفتها أكثر مما يصرفها الخمر كما تقدم ـ في أول هذا المطلب ـ ‏من قول حذيفة ـ رضي الله عنه ـ : (( ماالخمر صرفاً بأذهب بعقول الرجال من ‏الفتن )) (‏ ‏) . بل قد تموت فيها قلوب الرجال كما تموت أبدانهم ، كما أخبر ‏النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث الضحاك بن قيس ـ رضي الله عنه ـ ‏المتقدم (‏ ‏) . وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم فيه الفتن بقطع الدخان ، ‏يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه .‏
ولعله شبهها صلى الله عليه وسلم بالدخان لشدة سوادها ، وعظم شأنها ، ‏وانتشارها وإحاطتها بالناس ، فالدخان أسود اللون ـ غالباً ـ كما هو معلوم ، ‏وإذا دخل قلبَ الرجل أماته كما يموتُ بدنه . والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:43 PM
‏ المطلب السابع‏
‏{ وقوع الفتن كرياح الصيف }‏
‏= = = = = = = = ‏
عن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ قال : والله إني لأعلمُ الناس بكل ‏فتنة هي كائنةٌ فيما بيني وبين الساعة وما بي إلا أن يكون رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم أسرَّ إليّ في ذلك شيئاً لم يحدِّثه غيري . ولكن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم قال وهو يحدث مجلسـاً أنا فيه عن الفتن . فقال رســول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ ، وهو يَعُدُّ الفتن :‏
‏(( منهن ثلاثٌ لايكدْنَ يَذرْنَ شيئاً . ومنهن فتنٌ كرياح الصيف ، منها صغار ومنها ‏كبار )) قال حذيفةُ : فَذَهب أولئك الرَّهْطُ كلهم غيري (‏ ‏) .‏
شاهدنا من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم في آخره : (( ومنهن فتن ‏كرياح الصيف ... )) . وقد ترجمنا وعَنْوَنا ـ فيما سبق ـ للمبحث الثاني بقولنا ( ‏شدة وقع الفتن وعظم شأنها ) وهذا المطلب الذي نحن فيه الآن عنوانه يدل ‏على ذلك فتشبيهه صلى الله عليه وسلم للفتن برياح الصيف يدل على أن فيها ‏بعض الشدة إذ أن رياح الصيف شديدة وإن كانت هي أخف من رياح الشتاء ‏كما يُفهم من كلام ابن الأثير الجزري ـ رحمه الله ـ حيث قال عند شرحه لعبارة ‏‏(( كرياح الصيف )) : ( يريد أن فيها بعض الشدة ، وإنما خص رياح الصيف ، ‏لأن رياح الشتاء أقوى ) (‏ ‏) . فشبهها صلى الله عليه وسلم برياح الصيف ‏لتفاوت زمنها ، وسرعة مجيئها ، وذهابها ، وكذلك التفاوت في الشدة ، والآثار ‏التي تحدثها ، والله أعلم (‏ ‏) .‏
ومن المعلوم أن خصائص رياح الصيف ، خاصة والرسول صلى الله ‏عليه وسلم يتكلم أمام صحابته الذين عاشوا في جزيرة العرب معلومة في ‏أذهانهم ، فالصورة التي تتبادر إلى أذهانهم من خلال وصف الرياح بأنها رياح ‏الصيف ، إنما هي تلك الصورة التي عرفوها لتلك الرياح في جزيرتهم ، وذلك ‏من حيث شدة الحر ، وإثارة الغبار وعدم الرؤيا وجانب الغرابة أيضاً من حيث ‏إن الهواء في الصيف ساكن مستقر ، وحركته بطيئة ، على غير حركته في ‏أيام الشتاء والخريف . ‏
والناس يألفون الرياح في أيام الشتاء ، وقد تكون جزءاً من حسِّهم في ‏هذا الفصل أما في ايام الصيف فإن الناس يُشغلون في معالجة الحر ، فكيف ‏إذا انضم إلى شدة الحر ريح شديدة ؟ .‏
فعندها تُصبح حالة الناس أقسى وأعنف من حالتهم في فصل الشتاء ، ‏لأن الريح في الشتاء قد يُغلِقُ أبوابه دونها ينشد الدفء في بيته . أما في ‏الصيف فإنه إذا أغلق أبوابه زادت معاناته ، لأن الحر سيزداد . يُضاف إلى ‏ذلك في هذه المعاناة صورة الغبار الذي يتطاير من شدة الريح في أيام الصيف ‏‏. حتى أن الأفق يكاد يُرى محمراً مما يبعث الكآبة والانقباض في النفس .‏
فالرياح في الصيف الحار تحيط بالناس وترتقع في أجوائهم مسيطرة ‏عليهم لاانفكاك لهم عنها ، وتحمل مع صورتها الكآبة في النفوس .‏
وهذا كله وغيره يشير إلى بعض خصائص هذه الفتن التي وصفها ‏الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها (( كرياح الصيف )) . دليلاً على قوتها ‏وشدتها وإحاطتها بالناس وانتشارها بينهم فلا يجدون منها مهرباً ولا ‏يستطيعون لها مقاومة . والله أعلم . ‏
هذا وقد أقسم حذيفة ـ رضي الله عنه ـ في بداية الحديث بأنه أعلم الناس ‏بكل فتنة هي كائنة فيما بينه وبين الساعة .... ، وهذا يدل على اختصاص ‏حذيفة ـ رضي الله عنه ـ بذلك ، وقد خصه النبي صلى الله عليه وسلم به ، لما ‏رآه من حرصه على السؤال عن معرفة الشر ، والذي تكون الفتن منه ، فقــد ‏كان يقــول : (( كان الناس يسألون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الخيــر ، ‏وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ...)) (‏ ‏) .‏
وقيل في ذلك : إنه هو الوحيد الذي يعلم الفتن ، لكون الذين سمعوا معه ‏قد ماتوا وبقي هو حياً من دونهم ، فلا أحد ممن يعايشونه يعرف الذي سمع ، ‏وإن كان من الصحابة ، وبدليل قوله ـ رضي الله عنه ـ في آخر الحديث الذي ‏معنا : ( فذهب أولئك الرهط كلهم غيري ) .‏
وأخبر صلى الله عليه وسلم بأن هذه الفتن لاتكاد تذر شيئاً ، أي : لاتكاد ‏تبقي شيئاً ، يقال : وذرت الريح التراب ، أي : أطارته وفرّقته . وفي التنزيـل ‏العزيــز : { وَمـَآ أَدْرَبـــكَ مَاسَــــقَرْ * لاَ تُــبْقـِى وَلاَ تـَذَرْ } [ المدثر : ‏‏27] (‏ ‏) . ‏
ولعل ذلك يدل على عظم شأن تلك الفتن ، وشدة لهيبها . والله أعلم .‏
‏ وقد قسّم صلى الله عليه وسلم ـ في آخر الحديث ـ تلك الفتن إلى قسمين ‏‏: كبار وصغار ، ومن المعلوم أن تأثير الفتن الكبار أشد من الصغار .‏
‏( والفتن الكبار هي الشديدة المظلمة ، والصغار هي الخفيفة ) (‏ ‏) والله ‏أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:44 PM
المطلب الثامن
‏{ تمني الموت من شدة الفتن }‏
‏= = = = = = = = ‏
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والذي ‏نفسي بيده لاتذهب الدنيا حتى يمرَّ الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول : ياليتني كنت ‏مكان صاحب هذا القبر ، وليس به الدِّين إلا البلاءُ )) (‏ ‏) .‏
وعنه ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لاتقوم ‏الساعة حتى يمرَّ الرجل بقبر الرجل فيقول : ياليتني مكانه )) (‏ ‏) .‏
يُؤْخَذ من قوله صلى الله عليه وسلم : (( حتى يمر الرجل بقبر الرجل )) أن ‏التمني المذكور إنما يحصل عند رؤية القبر ، وليس ذلك مراداً ، بل فيه إشارة ‏إلى قوة هذا التمني ، لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد ‏يذهب ذلك التمني أو يخف عند مشاهدة القبر والمقبور ، فيتذكر هول المقام ‏فيضعف تمنيه ، فإذا تمادى على ذلك دلَّ على تأكد أمر تلك الشدة عنده حيث لم ‏يصرفه ماشاهده من وحشة القبر وتذكر مافيه من الأهوال عن استمراره على ‏تمني الموت (‏ ‏) .‏
وقد استخرج القرطبي ـ رحمه الله ـ مايشير إليه الحديث فقال : ( قلت : ‏وكأن هذا إشارة إلى أن كثرة الفتن وشدة المحن والمشقات والأنكاد اللاحقة ‏للإنسان في نفسه وماله وولده ، قد أذهبت الدِّين منه ومن أكثر الناس ، أو قلة ‏الاعتناء به من الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن وكذلك عظم قدر العبادة في ‏حالة الفتن ، حتى قال النبي صلى الله النبي صلى الله عليه وسلم : (( العبادة في ‏الهرج كهجرة إليَّ )) (‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
‏ قال ابن بطال : (‏ ‏) ( تغبط أهل القبور وتمني الموت عند ظهور الفتن ‏إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله ، وظهور المعاصي والمنكر ) ‏‏(‏ ‏) .‏
وقد علق الحافظ ابن حجر على قول ابن بطال هذا فقال : ( وليس هذا ‏عاماً في حق كل أحد ، وإنما هو خاص بأهل الخير ، وأما غيرهم فقد يكون لما ‏يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه ، وإن لم يكن في ذلك شيء ‏يتعلق بدينه ، ويؤيده ماأخرجه في رواية أبي حازم عن أبي هريرة عند مسلم : ‏‏(( لاتذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه : ويقول : ياليتني مكان ‏صاحب هــذا القبر ، وليــس به الدِّيــن إلاّ البلاء )) (‏ ‏) ، وذكر الرجل فيه للغالب ‏وإلا فالمرأة يتصور فيها ذلك ، والسبب في ذلك: ماذكر في رواية أبي حازم ‏أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على ‏المرء ، فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده ، وبهذا جزم القرطبي ، وذكره ‏عياض احتمالاً ) (‏ ‏) .‏
وأما مسألة جواز تمني الموت من شدة الفتن فلا تعارض بينها وبين ‏ماورد في النهي عن تمني الموت ، وقد أجاب عنها الحافظ ابن حجر ـ رحمه ‏الله ـ وجمع فيها أقوال العلماء وعلق عليها فقال : ( قال ابن عبد البر : ظنّ ‏بعضهم أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت ، وليس كذلك ، وإنما ‏في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ‏ضعفه أو خوف ذهابه لالضرر ينزل في الجسم .‏
كذا قال ، وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر ‏الجسم ، وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا . وقد ذكره عياض احتمالاً أيضا ‏‏. وقال غيره : ليس بين هذا الخبر وحديث النهي عن تمني الموت معارضة ، ‏لأن النهي صريح وهذا إنما فيه إخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني ‏، وليس فيه تعرض لحكمة ، وإنما سيق للإخبار عما سيقع .‏
‏ قلت (‏ ‏) : ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله : (( وليس به الدِّين ‏انما هو البلاء )) ، فإنه سيق مساق الذم والإنكار ، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ‏ذلك بسبب الدين لكان محمـودا ، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فســاد أمر ‏الدين عن جماعة من السلف ) (‏ ‏) .‏
وقد أفاد النووي ـ رحمه الله ـ بأنه لاكراهة في ذلك ، وقد فعله خلائق ‏من السلف عند خوف الفتنة في أديانهم (‏ ‏) منهم : عمر بن الخطاب ، وعيسى ‏الغفاري ، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم (‏ ‏) .‏
والخلاصـة : أن حديث (( لايتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ، فإن كان لابد متمنياً فليقل ‏‏: اللهم أحييني ماكانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي )) (‏ ‏) فيه ‏التصريح بكراهية تمني الموت لضر نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا ، فأما إذا خاف ضرراً في دينه ‏أو فتنة فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث وغيره . ويؤيده فعل الصحابة وغيرهم من السلف كما أفاده النووي وغيره ممن تقدم في ثنايا هذا ‏المطلب . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:46 PM
الفصل الثانى

المبحث الأول
‏{ ظهور الفتن من المشرق }‏
‏= = = = = = = =‏

إن المستقرئ في السنة النبوية يُبصر ويجد فيها أن أكثر وأهم الأماكن التي حُدّدت ‏بظهور الفتن وتغلغلها فيها هي بلاد المشرق ـ العراق ـ .‏
وأكبر شاهد لذلك التاريخ الإسلامي ، فإن المتأمل والمتمعن فيه ، يلحظ جهاراً أن ‏أكثر الفتن التي ألمّت بالمسلمين كان منبعها وخروجها من المشرق ـ العراق ـ ، كما ‏سيأتي ذكر ذلك في أواخر هذا المبحث إن شاء الله ، مع أنه لاتوجد بقعة ولا مكان ‏معصوم من الفتن كلها . بيد أنه قد يعصم الله بعض الأمكنة والبقاع من بعض الفتن ‏كعصمة المدينة النبوية من فتنة الدجال ، ومع ذلك فهي ليست معصومة من الفتن كلها .‏
وبؤر الفتن تكثر في بقاع وتقل في أخرى ، فقد أخبرنا رسولنا ـ عليه صلوات ‏ربي وسلامه ـ بالجهة التي تهب منها رياح الفتن على الديار الإسلامية .‏
وستُعرض في هذا المبحث ـ إن شاء الله تعالى ـ الأمكنة التي تكثر فيها الفتن .‏
‏* فعن أبي مسعود ـ رضي الله عنه ـ يبلغ به النبي ـ صلى الله عليـه وسـلم ‏ـ قال : (( من هاهنا جاءت الفتن نحو المشرق ....)) (‏ ‏) . ‏
‏* وعن ابن عمر ـ رضي الله عنـهما ـ أنه سمع رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ وهو مستقبلٌ المشرقَ يقول : (( ألا إن الفتنة هاهنا ....)) (‏ ‏) . ‏
‏* وعنه ـ رضي الله عنه ـ قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشير ‏بيده يَؤُمُّ العراق : (( ها ، إن الفتنة ههنا ، ها ، إن الفتنة ههنا ، ثلاث مرات ...)) (‏ ‏) ‏‏.‏
‏* وعنه ـ رضي الله عنه ـ يقول : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ يقول : (( إن الفتنة تجيءُ من ههنا )) وأومأ بيده نحو المشرق .... (‏ ‏) .‏
فدلت الأحاديث السالفة على أن منبع الفتن وهبوبَ رياحها جهة المشرق ، وقد ‏قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه الأحاديث وهو في المدينة ، وكان يشير إلى جهة ‏المشرق ، وفي بعض الروايات أنه كان مستقبلاً المشرق .‏
وقد ذكـر الخطـابي ـ رحمه الله ـ أن بادية العراق ونواحيها هي مشــرق ‏أهل المدينة (‏ ‏) . وذكر نحوه الحافظ ابن حجر _ رحمه الله ـ (‏ ‏) . ‏
بل قد أشار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن العراق هي منبع الفتن ـ كما في ‏رواية ابن عمر الثانية والتي تقدم ذكرها في أول هذا المبحث ـ ولا ريب أن العراق ‏مشرق أهل المدينة كما تقدم من قول الخطابي ـ رحمه الله ـ .‏
‏( ومن نظر خريطة العرب بنظر الإمعان يظهر له أن الأرض الواقعة في شرق ‏المدينة إنما هي أرض العراق فقط ، موضع الكوفة والبصرة وبغداد ، والراسخون في العلم ‏يعلمون هذا من إلقاء النظرة في الخريطة ) (‏ ‏) . ‏
وقد ذكر ابن حجر ـ رحمه الله ـ عند شرحه لحديث أبي مسعود المتقدم أن ‏المراد بـ ( ها هنا ) في الحديث : المشرق ، وأن ذكره ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجيء ‏الفتن بلفظ الماضي مبالغة في تحقق وقوعه ، وإن كان المراد أن ذلك سيجيء (‏ ‏) .‏
ومما يؤيد ماذكره الحافظ ـ رحمه الله ـ من أن المراد أن ذلك سيجيء : ماجاء ‏في رواية مسلم المتقدمة ـ في هذا المبحث ـ بلفظ : (( إن الفتنة تجـــيء مـــن ههنــا ‏‏)) والله أعلم .‏
وإنما أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشرق لأن أهله يومئذٍ كانوا أهل كفر ، ‏فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية ، فكان كما أخبر (‏ ‏) . فوقعت الفتن هناك ، ‏وسيأتي ذكرها في آخر هذا المبحث إن شاء الله تعالى .‏
وهنا إشكال قد يطرأ على البال ، لابد من التنويه والإجابة عليه ، وهو الظن بأن ‏هذه الأحاديث ـ التي ذكرت في في هذا المبحث وحدّدت البؤرة التي تنبعث منها الفتن ‏على الأمة الإسلامية ـ تُعارض ماتقدم ذكره (‏ ‏) من حديث أسامة بن زيد ـ رضي ‏الله عنهما ـ قال : أشرف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أُطــم من آطــام ‏المدينة فقال : (( هل تـرون ماأرى )) ؟ قالــوا : لا ، قــال : (( فإني لأرى ‏الفتن خــلال بيوتكم كوقع القطر )) (‏ ‏) والواقع أنه لاتعارض ولا منافاة ، وقد أجاب ‏عن ذلك الحافظ ابن حجـر ـ رحمه الله ـ بجــواب نفيس فقــال : ( وإنما ‏اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان ـ رضي الله عنه ـ كان بها ، ثم انتشرت الفتن في ‏البلاد بعد ذلك ، فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان ، والقتال بالنهروان كان ‏بسبب التحكيم بصفين ، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك أو ‏عن شيء تولد عنه ، ثم إن قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على أمرائه ثم عليه بتوليته ‏لهم ، وأول مانشأ ذلك من العراق وهي من جهة المشـرق فلا منافاة بين حديث الباب ‏‏(‏ ‏) وبين الحديث الآتي أن الفتنة من قبل المشرق ....) (‏ ‏) .‏
والحاصـل : والمقصود أنه لاشك من أن العراق واقعة في جهة المشرق من ‏المدينة النبوية ، فهي مبدأ الفتنة والفساد ، ومركز الكفر والإلحاد ، ومصدر الابتداع ‏والزيغ والعناد ، كما نوّه ابن حجر وأفاد (‏ ‏) .‏
ومن أمعن النظر في خريطة العرب وجد أن الأرض الواقعة في شرق المدينة النبوية ‏هي أرض العراق التي أشار إليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستقبلها وأخبر بأنها ‏منبع ومصدر الفتن . وقد صرح بذلك ابن عمر ـ رضي الله عنهما كما تقدم في روايته ‏الثانية من هذا المبحث ـ حيث قـال : (( رأيت رســول الله صلى الله عليه وسلم ‏يشير بيده يؤُمُّ العراق .... )) وذكر الحديث .‏
وأكبر شاهد على ذلك تاريخ أمتنا الإسلامية العريق ، فمن قلّب صفحاته وتتبع ‏أخباره ورواياته ، خرج بأن كثيراً من الشرور العظام ، والفتن الجسام ، إنما انبجست من ‏العراق ، موضع الكوفة والبصرة وبغداد .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:46 PM
وهاكم ذكر طرف من تلك الشرور والفتن ، والبلايا والمحن ، التي انفجرت من ‏العراق :‏
‏1 = فمنها : قتل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ رضي الله عنهم ـ ‏كقتل الخليفة الراشد ذي النورين وأبي السبطين عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ على ‏يد طائفة من دعاة الشر الذين تألّبوا عليه من العراق ، فدخلوا المدينة وقتلوه وهو في داره ‏ـ رضي الله عنه ـ (‏ ‏) .‏
‏2 = وبسبب قتل عثمان ـ رضي الله عنه ـ نشأ القتال في موقعة الجمل وصفين ‏، وهما في المشرق ـ العراق ـ (‏ ‏) .‏
‏3 = قتل الحسين بن علي ـ رضي الله عنه ـ ســـبط رســـول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ ، وكان ذلك في العراق بعد أن تخلوا عنه وخذلوه (‏ ‏) .‏
‏4 = الفتن الاعتقادية التي عصفت بالأمة الإسلامية ومزقت كيانها ووحدتها ، قد ‏تولدت وتفجرت من الكوفة والبصرة وماحولهما ، ومن أشر ماظهر من الفرق الضالة ‏هناك : فرقة الحرورية المارقة من الخوارج ، وكذلك الشيعة الروافض ، والباطنية ، ‏والقدرية ، والجهمية ، والمعتزلة ، وغيرها من الفرق الزائفة المشهورة التي مرقت عن سبيل ‏المؤمنين (‏ ‏) .‏
‏5 = وفي البصرة قامت ثورة الزنج في عام 255 هـ (‏ ‏) .‏
‏6 = وفي عام 278 هـ انبعثت منها حركة القرامطة .‏
ومن اطّلع على ماأحدثه الزنج والقرامطة في الأمة الإسلامية يذهل مما ارتكبوه من ‏فظائع . (‏ ‏) ‏
‏7 = وأيضاً فإن ظهور غزو التتار للمسلمين في القرن السابع الهجري كان من ‏المشرق ـ العراق ـ بقيادة هولاكو الذي دمّر وأباد مدينة بغداد ، وقتل وشرّد الكثيرين ‏من أهل الإسلام وعلمائه ، وقضى على الخلافة الإسلامية آنذاك ، ومكّن لأهل الكفر ‏والزندقة والإلحاد من الاستيلاء على البلاد ، مما هو مدون في كتب التاريخ . (‏ ‏) ‏
‏8 = وإلى اليوم لايزال الشرق ملجأً وعشاً تبيض وتتفرخ منه الفتن العاصفة ‏والشرور والبدع الجاثمة ، والحروب الطاحنة القاصمة ، التي تقضي على الأخضر واليابس ‏ومن ذلك :‏
أ - ماوقع في عصرنا هذا من القتل والحرب التي دبت بين العراق وإيران ، بقيادة ‏طاغيتين من دهاقنة وفراعنة هذا العصر ، وقد لبثت هذه الحرب بما يربو على ثمان سنوات ‏عجاف . مما كبّدت كلاً منهما خسائر في الأموال والأنفس والثمرات . وقد تَهدد العالم ‏الإسلامي بالفناء والدمار من جرّاء تلك الحرب التي تعد من أكبر الحروب وأعظمها ‏خسارة في تاريخنا الحديث .‏
ب ـ ومن أواخر الفتن التي لازالت تهب إلينا رياحها من الشرق ، تلك الفتنة ‏التي قصمت ظهر البعير بغزو العراق للكويت ، مما نتج عنه فتن عظيمة ، ومحن جسيمة ‏لايعلم مداها إلا الله ـ سبحانه وتعالى ـ . ‏
‏( وقد وقعت هذه الجريمة البشعة النكراء ، والفتنة العمياء ، والمصيبة الصماء ، في ‏ليلة مظلمة على يد ذاك الطاغية السفاك الذي قاد جيش العراق في حربه مع إيران ، ‏والذي تمثل فيه قرن الشيطان (‏ ‏) ليلة الخميس من شهر محرم الحرام سنة (1411 ) هـ ‏الحادي عشر من ذاك الشهر الذي قتل العراقيون فيه ابن ابنة رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم الحسين بن علي رضي الله عنهما ، دون رحمة ولا شفقة ) . (‏ ‏) ‏
وتلك جريمة لاتُغتفر ، وفضيحة لاتُستر ، سيسجلها التاريخ بالمداد القاتمة ‏والحروف الدامية .‏
‏9 = وسيبقى الأمر كذلك من تفجر أنهار الفتن من المشرق ، إلى أن تأتي رايات ‏الدجال ويأجوج ومأجوج من ناحيتها . (‏ ‏) ‏
جنّبنا الله والمسلمين مضلات الفتن ماظهر منها وما بطن .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:47 PM
المبحث الثاني
‏{ وقوع الزلازل قبل المشـرق }‏
‏= = = = = = = =‏

تقدم في المبحث السابق ظهور الفتن من المشرق ، بيد أنها فتن عامة لم يخصص ‏النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها نوعاً بعينه ، وأما في هذا المبحث فستُذكر فتنة ‏خاصة تظهر في تلك الجهة الممقوتة ، وهي وقوع الزلازل قبل المشرق التي أخبرنا عنها ‏رسولنا صلى الله عليه وسلم .‏
‏* فعـن ابـن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : ذكر النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ : (( اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا )) قالوا ‏يارسول الله : وفي نجدنا ؟ قال : (( اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في ‏يمننا )) قالوا يارســول الله ! وفي نجــدنا ؟ فأظنــه قال في الثالثة : (( هناك ‏الزلازل والفتن... )) . (‏ ‏) ‏
ففـــي هــذا الحديث دعا رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏للشـــام واليمــن بالبركة ، ( الظاهر في وجه تخصيص المكانين بالبركة لأن طعام ‏أهل المدينة مجلوب منهما ، وقيل : إنما دعا لهما بالبركة لأن مولده بمكة وهي من اليمن ، ‏ومسكنه ومدفنه بالمدينة وهي من الشام ، وناهيك من فضل الناحيتين أن احداهما مولده ‏والأخرى مدفنه ، فإنه أضافهما إلى نفسه وأتى بضمير الجمع تعظيماً وكرر الدعاء ) . ‏‏(‏ ‏) ‏
ثم سأله الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أن يدعو لنجد بالبركة كما دعا للشام ‏واليمـن ، فقالـوا له : وفي نـجدنا ؟ أي : ( قل وفي نجدنا لتحصل البركة لنا من ‏صوبه أيضاً ) (‏ ‏) إلا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبى الدعاء بالبركة لأهل ‏نجد ـ العراق ـ.‏
وقد ذكر المهلب (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ سبب ذلك فقال : ( إنما ترك ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم ‏لاستيلاء الشيطان بالفتن ) (‏ ‏) .‏
والنجد في لغة العرب ـ بفتح أوله ، وسكون ثانيه ـ قِفَاف الأرض وصِلابها وما ‏غَلُظَ منها وأشرفَ وارتفع واستوى (‏ ‏) .‏
فأصل النجد : ماارتفع من الأرض (‏ ‏) . والجمع : أنجدٌ وأنجادٌ ونِجادٌ ونُجُودٌ ‏ونُجُــدٌ (‏ ‏) وجمع النُّجود : أنْجِدَةٌ (‏ ‏) . ‏
هذا وقد توافقت كلمة شراح الحديث على معنى النجد . فقال الخطابي ـ رحمه ‏الله ـ : ( نجد : ناحية المشرق ، ومن كان بالمدينة كان نجدُه بادية العراق ونواحيها ، ‏وهي مشرق أهلها . وأصل النجد : ماارتفع من الأرض . والغَوْر : ماانخفض منها . ‏وتِهامة كلُّها من الغَوْر ، ومنها مكةُ ، والفتنةُ تبدو من المشرق . ومن ناحيتها يخرج ‏يأجوج ومأجوجُ والدَّجال في أكثر مايُروى من الأخبار ) ا هـ (‏ ‏) .‏
وذكر نحوه الكرماني (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ فقال : ( والنجد هو ماارتفع من ‏الأرض ، والغَوْر ماانخفض منها ....) . (‏ ‏) ‏
وأصرح من هذا قوله : ( ومن كان بالمدينة الطيبة صلى الله على ساكنها ، كان ‏نجده بادية العراق ونواحيها ، وهي مشرق أهلها ) (‏ ‏) .‏
وبنحـو ماتقدم ـ من كلام الخطابي والكرماني ـ ذكـــر شــُرَّاح ‏الحـديث ـ رحمهم الله ـ كابن حجر (‏ ‏) ، والقسطلاني (‏ ‏) ‏
‏ والعيني (‏ ‏) ، والمباركفوري (‏ ‏) ، نقلاً عن الخطابي فيما سبق من قوله .‏
هذا وهناك مفهوم خاطئ عند كثير من الناس وهو أنهم يجعلون نجد اليمامة ـ التي ‏بالسعودية ـ وأهلها الموحدين هي المقصود بـ ( نجد ) التي وردت في الأحاديث التي ‏جاء فيها ذكر العراق ، مثل حديث : (( نجد يطلع منها قرن الشيطان )) (‏ ‏) ‏وكالحديث المذكور في أول هذا المبحث والذي فيه : ((.... هناك الزلازل والفتن )) ، ‏ونحوهما من الأحاديث التي تدل على ذم نجد العراق ، مع العلم بأن النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ لم يذم نجد اليمامة قط ، ولم يمتنع عن الدعاء لها بالبركة ، بل دعا لها وبشر ‏أهلها وأخبر عن إيمانهم وحكمتهم بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( الإيمان ‏يَمَان ، والحكمة يَمَانية )) (‏ ‏) .‏
ونجد اليمامة من اليمن ، لأنها واقعة بينها وبين مكة . وإنما ذم النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ نجد العراق الواقعة في جهة المشرق من المدينة ، موضع الكوفة والبصرة ، ‏وهي مطلع قرن الشيطان ـ كما سيأتي بيانه (‏ ‏) ـ وموضع الفتن الكبار والزلازل ‏العظام ، ومبدأ الابتداع ـ كما تقدم في المبحث السابق ـ . ‏
ونجد العراق هي التي أبى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الدعاء بالبركة ‏لأهـلهـا ، ليكفوا وليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم ، لاستيلاء الشيطان ‏بالفتن ، كما تقدم من كلام المهلب ـ رحمه الله ـ لا نجد اليمامة مسكن أهل ‏التوحيـــد ، كثــر الله سوادهم ، ووفقهم لخدمة الدين كما يحب ويرضى (‏ ‏) .‏
وقد جاءت الأحداث الأخيرة ـ من غزو العراق للكويت ـ وما أسفرت عنه من ‏فتن ظهر بعضها ، ولم يظهر الكثير منها ، لتؤكد وتدعم الحقائق السابقة ، من أن المراد ‏بـ ( نجد ) في الأحاديث التي مر ذكرها إنما هو نجد العراق . والحق أحق أن يُتَّبَع ، ‏وليس مطلوباً من الحق أن يرضي الناس كلهم . والله المستعان .‏
هذا وقد توهم البعض ، فظن أن المراد بـ ( نجد ) المذكور في الحديث ، موضع ‏مخصوص أو بلدة بعينها .‏
وممن قال بذلك الداودي (‏ ‏) ، حيث ذكر أن نجداً من ناحية العراق ، وقد رد ‏عليه الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ ووهَّى كلامه . فقال ـ رحمه الله ـ في الرد عليه ‏ـ بعد أن ذكر قول الخطابي السابق في معنى النجد ـ مانصه : ( وعرف بهذا وَهاء ماقاله ‏الداودي أن نجداً من ناحية العراق ، فإنه توهم أن نجداً موضع مخصوص ، وليس كذلك ‏بل كل شيءٍ ارتفع بالنسبة إلى مايليه يسمى المرتفع نجداً ، والمنخفض غَوْراً ) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:48 PM
ومن خلال ماتقدم يتجلى لنا أنه قد اتفقت كلمة شراح الحديث وأئمة اللغة ‏ومهرة جغرافية العرب أن النجد ليس اسماً لبلد خاص ولا لبلدة بعينها ، بل يقال لكل ‏قطعة من الأرض مرتفعة عما حواليها نجد .‏
وبالمناســبة فإن نجود العرب كثيرة . ذكـــرها أهل العلم في أسفارهم ، ‏نذكر منها مايلي :‏
‏1 ـ نجدُ أَلْوَذَ : ( في بلاد هُذيل ) .‏
‏2 ـ نجدُ أجـأ : ( علم لجبل أسود بأجإ أحد جبلي طيّء ) . ‏
‏3 ـ نجدُ بَرْق : ـ بفتح الباء وسكون الراء والقاف ـ ( وادٍ باليمامة بين سعد ‏ومهب الجنوب ) .‏
‏4 ـ نجدُ خال : ( موضع بعينه ) .‏
‏5 ـ نجدُ الشَّرى : ( موضع في شعر ساعدة بن جُؤيّة الهذلي ) . ‏
‏6 ـ نجدُ عُفْر .‏
‏7 ـ نجد العُقَاب : ( المراد ثنية العقاب المطلة على دمشق ) .‏
‏8 ـ نجد كبكب : ـ بتكرير الكاف والباء ـ ( طريق بكبكب : وهو الجبل ‏الأحمر الذي تجعله خلف ظهرك إذا وقفت بعرفة ) .‏
‏9 ـ نجد مُرِيعٍ .‏
‏10 ـ نجد اليمن : ( بعض نجــد اليمن في شرقي تهامة ، ونجد اليمن غير نجد ‏الحجاز ، غير أن جنوبي نجد الحجاز يتصل بشمالي نجد اليمن ، وبين النجدين وعمان برية ‏ممتنعة ) .‏
‏11 ـ نجد الحجاز .‏
‏12 ـ نجد العراق (‏ ‏) .‏
قال الأصمعي (‏ ‏) : هي نـجود عدة : فمنها نجد كبكب ، ونجد مَريع ، ونجد ‏خال .... (‏ ‏) ، ونجد بَرْق ـ واد باليمامة ، ونجد عُفْر (‏ ‏) .‏
ومن تأمل فهرس نجود العرب ولاحظه من الجغرافيا ونظر في خريطة العرب ، ‏وجد أن نجد العراق في جهة المشرق من المدينة النبوية (‏ ‏) . فكل ماوراء الخندق الذي ‏خَنْدَقَهُ كسرى على سواد العراق فهو نجد إلى أن تميـل إلى الحَرَّةِ ، فإذا مِلْتَ إليها فأنت ‏في الحجاز (‏ ‏) .‏
ونجد العراق ـ هذه ـ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ـ كما تقدم في أول هذا ‏المبحث ـ أنها بُؤر الزلازل والفتن .‏
فقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( هناك )) أي في نجد تقع (( الزلازل )) ‏حسية كانت أو معنوية ، فهي تزلزل القلوب فيضطرب أهلها منها ، ومن نجد أيضاً تتفجر ‏ينابيع (( الفتن )) أي : البليات والمحن الموجبة لضعف الدين وقلة الديانة . ولذا فلم يكن ‏مناسباً أن يدعو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لنجــد العـــراق بالبركة ، ‏بــل إن امتناعه ـ عليه السلام ـ عن ذلك كان في محله تماماً (‏ ‏) . وذلك الامتناع ‏منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدل على ذم تلك الجهة والسكنى فيها . (‏ ‏) ‏
والحاصـل : أن القطعة المرتفعة التي تمتد من خندق كسرى إلى العراق يُقال ‏لها نجدٌ وهي التي أبى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الدعاء لها بالبركة . وقال فيها : ‏‏(( هناك الزلازل والفتن )) (‏ ‏) . و (( نجد يطلع منها قرن الشيطان )) (‏ ‏) وقال ‏فيها أيضاً : (( رأس الكفر قبل المشرق )) (‏ ‏) ، كما سيأتي بيانه في مباحث هذا ‏الفصل ـ إن شاء الله تعالى ـ والله أعلم . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:49 PM
‏ المبحث الثالث ‏
‏{ طلوع قرن الشيطان من المشرق }‏
‏= = = = = = = =‏

عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏وهو مستقبل المشرق يقول : (( ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان )) ‏‏(‏ ‏) وفي رواية : (( حيث يطلع قرنا الشيطان )) (‏ ‏) . وقد تقدم شرح قوله صلى الله ‏عليه وسلم : (( ألا إن الفتنة هاهنا )) قريباً (‏ ‏) .‏
وذكر النووي ـ رحمه الله ـ المراد بقرني الشيطان فقال : ( وأما قرنا الشيطان ‏فجانبا رأسه ، وقيل : هما جمعاه اللذان يغريهما بإضلال الناس ، وقيل : شيعتاه من الكفار ‏‏. ‏
والمراد بذلك : اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر كما قال ‏في الحديث الآخر : (( رأس الكفر نحو المشرق )) (‏ ‏) ....) (‏ ‏) .‏
وبنحو ذلك ذكر الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) ‏
هذا وقد ذكر الخطابي ـ رحمه الله ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏ضرب المثل بقرني الشيطان فيما لايحمد من الأمور (‏ ‏) .‏
وهناك رواية بلفظ : (( قرن الشمس )) ، وقد اختُلف في المراد بذلك ، فنقل ‏الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ عن الداودي (‏ ‏) قوله : ( للشمس قرن حقيقة ‏ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال ، وهذا أوجه . وقيل : ‏إن الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها ليقع سجود عبدتها له ، قيل : ويحتمل أن ‏يكون للشمس شيطان تطلع الشمس بين قرنيه ) . ‏
ثم نقل ـ رحمه الله ـ عن الخطابي قوله : ( القرن : الأمة من الناس يحدثون بعد ‏فناء آخرين ، وقرن الحية أن يضرب المثل فيما لايحمد من الأمور ) (‏ ‏) .‏
والحاصـل : أن المشرق اختص بمزيد من تسلط الشيطان عليه ، وأنه رأس ‏الكفر ومنبع الفساد ، وبؤر الإلحاد والعناد ، فجهته ممقوتة غير محمودة ، فلذلك ضرب ‏النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به المثل بقرني الشيطان ، كما يفهم من كلام الخطابي ‏ـ رحمه الله ـ المتقدم .‏
وقد تسلط الشيطان وأعوانه على تلك الديار أيَّما تسلط ، ومن تسلطه عليه نتج ‏الفساد العريض ، والفتن العاصفة المهلكة ، عبر الأزمان الغابرة والمعاصرة ، والتي تقدم ‏ذكر جملة منها (‏ ‏) كقتل عثمان بن عفان والحسين بن علي ـ رضي الله عنهم ‏أجمعين ـ ، وموقعة الجمل وصفين ، وظهور الفرق المارقة ، وحركة القرامطة ، وغزو ‏التتار ، والحرب بين العراق وإيران ، ثم بين العراق والكويت . فنعوذ بالله من تسلط ‏الشيطان وأعوانه علينا وعلى المسلمين . والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:50 PM
المبحث الرابع
‏{ رأس الكفر نحو المشرق }‏
‏= = = = = = = =‏

عن ابي هــريرة رضــي الله عنه أن رســـول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قـال : (( رأس الكفر نحو المشرق ... )) (‏ ‏) . ‏
إن إخباره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك فيه اختصاص المشرق بمزيد من ‏الكفر كما أشار إلى ذلك النووي ـ رحمه الله ـ فقال : ( وكان ذلك في عهده ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ حين قال ذلك ، ويكون حين يخرج الدجال من المشرق ، وهو ‏فيما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة ) (‏ ‏) .‏
وقد ذكر الحافظ ابن حجر ، والعيني ـ رحمهما الله ـ أن في هذا الحديث إشارة ‏إلى شدة كفر المجوس ، لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق ‏بالنسبة إلى المدينة ، وكانوا في غاية القسوة والتكبر والتجبر حتى مزَّق ملكهم كتاب النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ (‏ ‏) .‏
ثم أضاف العيني قائلاً : ( ومن شدة أكثر أهل المشرق كفراً وطغياناً أنهم كانوا ‏يعبدون النار ، وأن نارهم ماانطفأت ألف سنة ، وكان الذين يخدمونها وهم السَّدنة خمسة ‏وعشرون ألف رجل ) (‏ ‏) .‏
ثم إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقــل الكفــر نحو المشــرق ‏، بــل قال : (( رأس الكفر نحو المشرق )) فدل ذلك على أن المشرق ـ لاسيما ‏العراق ـ أساس الكفر وأصله ، فمنه ينبع ماؤه ، وتتفجر ينابيعه وأنهاره ، وقد اختُص ‏المشرق بذلك دون غيره من الجهات لتسلط الشيطان واستحواذه عليه ، كيف لا ؟ والنبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أخبر بأنه يطلع منه قرن الشيطان ـ كما تقدم في ‏المبحث السابق ـ وقد لوحظ هذا جهاراً نهاراً في الغابر والحاضر ، فهو حقاً منبع ورأس ‏الكفر والطغيان ، والقسوة والتجبر والعصيان . فكم عانى المسلمون غابراً وحاضراً من ‏الوَيْلات والنكبات التي هبت رياحها إليهم من المشـرق ، لاســيما من العراق . وقد ‏سـطر لنا التاريخ الإسلامي ذلك كله ـ كما تقدم ذكره (‏ ‏) ـ ولم يدع لنا شاردة ولا ‏واردة إلا حبَّرها . ‏
وبذلك يظهر الإعجاز النبوي ، في صدق النبي الأمي ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ فيما أخبر به . والله أعلم .‏
ويجدر التنبيه هنا من أنه ليس المراد من ظهور الفتن من المشرق ـ لاسيما العراق ‏ـ ووقوع الزلازل بها ، وطلوع قرن الشيطان منها ، وأنها رأس الكفر والطغيان ، أن ‏أولياء الله لم يوجدوا هناك أو لايوجدون في المستقبل ، بل المراد من تلك الأحاديث أن ‏بلاد العراق وأرض الكوفة منبع لظهور الفتن والزلازل ، وجديرة بصدور الشرور والبدع ‏، وأنـــواع الضـلال أكثر من غيرها ، فإذا كان الأمـــر كذلك فإن الله ـ ‏بحكمتـــه ورحمته سبحانه ـ يبعث من تلك البلاد جهابذة وفحول من العلماء ‏ومشاهير الأئمة والأنصار ، ونحارير المجتهدين ، ليتم حجته على أهلها ، فلذلك ارتحل ‏إليها أجل الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ واستوطنوها وتولَّد كبار أئمة التابعين في ‏الكوفة والبصرة وبغداد ، وانتقل الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ من مكة إلى العراق لنشر ‏الكتاب وإشاعة السنة ، وكان يُلقب هناك بناصر السنة . وولد بالعراق نفسها إمام أهل ‏السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ وكذا ولد هناك كبار مشايخ العلم ‏كالجنيد البغدادي (‏ ‏) ، والشيخ عبد القادر الجيلاني (‏ ‏) ، ولا تزال طائفة من أهل الحق ‏تخرج من هناك إلى يوم القيامة ، لايضرهم من خالفهم ، أيدهم الله وكثر سوادهم (‏ ‏). ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:51 PM
الفصل الثالث

إن مما يبعث الأسى في النفوس ، ويدمي القلوب ، وتذرف منه العيون ، أن نرى ‏الأمة الإسلامية قد تفرقت أيدي سبأ (‏ ‏) ، وذهبت شذر مذر ، فدب الخلاف والتفرق ‏بينها ، ولم يقتصر هذا التفرق والاختلاف على دولها وحكامها ، وشعوبها عامة ، بل ‏للأسف أنه قد دبّ بين علمائها ودعاتها ، وطلاب العلم منها ، الذين هم قادة هذه الأمة ‏وورثة نبيها ـ عليه صلوات ربي وتسليماته ـ .‏
وقد نتج عن هذا الواقع النكد التعيس في هذا العصر الذي شهد تفرق هذه الأمة ‏بصورة لامثيل لها في ماضيها وحاضرها ـ لفيف من الأقوام المتباغضة ، المتناحرة المتدابرة ‏، فجنت الأمة الهوان ، وتجرعت كأس الضعف والتمزق والخسران ، بما قدمت يداها ، ‏وأصبحت مثلاً في التخلف والانحطاط ، بعد أن كانت نبراساً يُستضاء به عبر غابر ‏الأزمان .‏
فالفرقة والخلاف يعنيان تدابراً وانفصاماً في الصف الواحد ، وتقاطعاً وتناحراً .‏
‏ إذاً : فالعواقب المترتبة على الفرقة وخيمة ، وقد اتخذ القرآن في توحيد الصف ‏أسلوباً فريداً من نوعه ، فبيّن الحق ، ودعا إلى الاعتصام به { وَاعْتَصِمُواْ بِحَــبْلِ ‏اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ } [ آل عمران : 103 ] . ‏
إذا عُلم ذلك : فإن الطريق الصحيح إلى النجاة هو التمسك بكتاب الله تعالى ، ‏وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فإنهما حصن حصين ، وحرز متين لمن وفقه ‏الله تعالى ، ولا يمكن أن يتم ذلك إلاّ بالبعد عن التفرق والاختلاف ، والأسباب المؤدية إلى ‏ذلك (‏ ‏) .‏
ومما لاشك فيه أنه لاشيء أعظم فساداً للدين ، وأشد تقويضاً لبنيانه ، وأكثر تفريقاً ‏لشمل الأمة من الاختلاف والتنازع ، فهما يفتكان بالأمة فتك الذئب بالغنم ، وينخران ‏فيها نخر السوس في الحب ، ويسريان فيها سريان السرطان في الدم ، والنار في الهشيم .‏
ولهذا حذّر الإسلام الحنيف من الفرقة والاختلاف ، ودعا اتباعه إلى توحيد الصف ‏وإلى التراص ، لأن التفرق يؤدي إلى التنازع ، والتنازع يؤدي إلى الاختلاف ، وبالتالي إلى ‏الفشل ، والفشل يورث الذل والهوان ، والضعف والخسران . فالعواقب المترتبة على ‏الفرقة والاختلاف إذاً وخيمة ، ولهذا جاءت النصوص الكثيرة من القرآن والسنة وكلام ‏السـلف ـ رحمهم الله ـ تبالغ في التحذير من ذلك والنهي عنه ، وتكشف عن سوء ‏عواقبه . ‏
‏ ومــن ذلك قــوله تعــالى : { وَاعـْــتَصِـــمُواْ بِحَــبْــلِ اللهِ ‏جَمِيعـــاً وَلاَ تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] . وقوله : { وَلاَ تــَكُونُواْ ‏كَالَّذِيــنَ تــَفَرَّقـُواْ وَاخْــتَـلَـفُــواْ } [ آل عمران : 105 ] وقولــه : { إِنَّ ‏الَّذِيـنَ فَرَّقُـواْ دِيــنـَهُـمْ وَكَانُـواْ شِـيَعاً لَسْــتَ مِنْهُــمْ فِى شَــىْءٍ } ‏‏[الأنعام : 159 ] ، وقوله : { وَأَنَّ هَــذَا صِــرَطِى مُسْـتَقِيـماً فَاتَّــبِعُوهُ ‏وَلاَ تَـتَّـبِعُوا السُّــبُـلَ } [ الأنعام : 153 ] . ‏
وقد ذم الله تعالى الطوائف المختلفة في غير ما آية ، ومن ذلك قوله تعالى : { وَلاَ ‏يَزَالُــونَ مُخْـتَلِـفِـينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبــُّكَ } [ هود : 118 ، 119] ، ‏فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف (‏ ‏) . وكذلك قوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ ‏نَزَّلَ الْـكِتَــبَ بِالْحــَــقِّ وَإِنَّ الَّذِيــنَ اخْـتَـلَــفُواْ فِــى الْـكِتَـــــــــبِ ‏لـَفِـــــى شِقَـاقٍ بَعِيدٍ } [ البقرة : 176 ] . وكـذلك قولــه : { وَمَا ‏اخْـتَـلَـفَ الَّـذِيــنَ أُوتُواْ الْـكِتَــبَ إِلاَّ مِن بَـعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْـعِلْمُ ‏بَغْـياً بـَيـْنـَهُمْ } [ آل عمران : 19 ] ، وقوله : { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّـذِيـنَ ‏تَفَرَّقُـواْ وَاخْـتَـلَـفُـواْ مِن بَعْدِ مَاجَاءَهُمُ الْبـَـيِّنــَــتُ } [ آل عمران : 105 ] ‏
وكذلك وصف اختلاف النصارى بقوله : { فَأَغْـرَ يـْـنَا بَـيْـنَـهُمُ الْعَدَاوَةَ ‏وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَــــمَةِ وَسَوْفَ يـُنـَبــِّئـُـهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ ‏يَصْنَعُونَ } [ المائدة:14] ‏
ووصف اختــلاف اليهــود بقــوله : { وَأَلْــقَيْنَا بَـيْـنَـهُمُ ‏الْـعَــدَوَةَ وَالْـبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَـــمَةِ كُـلَّـمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ ‏أَطْفَـأَهَا اللهُ .. } [ المائــدة : 64 ] . وقـــال : { فَتَقَطَّــعُواْ أَمْـرَهُم ‏بــَيـْنَهُمْ زُ بُــراً كُــلُّ حِــــزْبٍ بــِمَــا لَدَيـْهِمْ فَرِحُونَ } (‏ ‏) [ المؤمنون ‏‏: 53 ] . ‏
وكذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، لما وصف أن الأمة ستفترق على ‏ثلاث وسبعين فرقة ، قال : (( كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة )) وفي الرواية ‏الأخرى : (( من كان على مثل ماأنا عليه اليوم وأصحابي )) (‏ ‏) .‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ مُعلقاً على هذا الحديث : ( فبين : ‏أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين ، إلا فرقة واحدة ، وهم أهل السنة والجماعة ) ‏‏(‏ ‏) .‏
وقد أشار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن التفرقة ، والاختلاف لابد ‏من وقوعهما في الأمة . فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( سألت ربي ثلاثاً ، ‏فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة : سألت ربي أن لايهلك أمتي بالسَّنَة (‏ ‏) فأعطانيها . ‏وسألت ربي أن لايُهلـك أمتي بالغرق فأعطانيهــا . وسألته أن لايجعل بأسـهم بينهم ‏فمنعنيها )) (‏ ‏) .‏
فعلق شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ على هذا الحديث بقوله : ( وهذا المعنى ‏محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ، يشير إلى أن التفرقة ، والإختلاف ، لابد ‏من وقوعهما في الأمة ) (‏ ‏) .‏
وكان صلى الله عليه وسلم يحذر أمته من التفرقة والاختلاف لينجو منهما من شاء الله ‏له السلامة ، كما قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : ( سمعت رجلاً قرأ آية سمعت النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأ خلافها ، فأخذت بيده ، فانطلقت به إلى النبي ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ فذكرت ذلك له ، فعرفت في وجهه الكراهية ، وقال : (( كلاكما ‏محسن ، ولا تختلفوا ، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا )) (‏ ‏) .‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ معلقاً على هذا الحديث : ( ‏نهــى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد ‏من المختلفين مامع الآخر من الحق ، لأن كلا القارئين كان محسناً فيما قرأه ، وعلَّل ذلك ‏‏: بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا . ولهذا قال حذيفة لعثمان : ( أدرك هذه الأمة ، لا ‏تختلف في الكتاب كما اختلف فيه الأمم قبلهم ) (‏ ‏) لمّا رأى أهل الشام والعراق ‏يختلفون في حروف القرآن الاختلاف الذي نهى عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) ‏‏(‏ ‏) .‏
ومما سلف يتجلى لنا : أن التفرق والاختلاف خطير جد خطير ، وشر أيما شر ، ‏ولهذا لما أتم عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ الصلاة بمنى أربع ركعات ـ خلافاً لما ‏كان عليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ـ ‏عجب الصحابة من صنيعــه ذلك ، حتى إن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ‏اســترجــع وقـــال : (( صليت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏بمنى ركعتين ، وصليت مـع أبـــي بكر ـ رضي الله عنه ـ بمنى ركعتيــن ، وصليــت ‏مـع عمــر بــن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بمنى ركعتين ، فليت حظــي من أربع ‏ركعــات ركعتان متقبلتان )) (‏ ‏) . وفي رواية أنه : ( صلى أربعاً ، فقيل له : عبت ‏على عثمان ثم صليت أربعاً ، قال : الخلاف شر ) (‏ ‏) .‏
رضي الله عن ابن مسعود ، فما أحكمه وما أعلمه ! فهو ـ رضي الله عنه ـ ‏يعلم أن إتمام عثمان خلاف هدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبيه ـ رضي ‏الله عنهما ـ ومع ذلك وافق عثمان وأتم أربعاً ، كل ذلك خشية التنازع والتفرق ، وما ‏ينتج عن ذلك من فتن عظيمة ، ومحن جسيمة ، فالخلاف حقاً شر كما قال ـ رضي الله ‏عنه ـ .‏
ولــــذا نقـل الحافــــظ ابـن حجـــر ـ رحمه الله ـ عن ‏الداودي (‏ ‏) ـ رحمه الله قوله: ( وتبع ـ يعني ابن مســعود ـ عثمـان كراهـة ‏لخلافــه ، وأخبر بما يعتقده ) (‏ ‏) وقد قــال : ـ رضــي الله عنه ـ ‏متمنيــاً : ( فليت حظــي من أربع ركعات ركعتان متقبلتـان ) ـ كما تقدم ـ ‏ومعناه : ـ على ماذكر النووي رحمه الله ـ : ( ليت عثمان صلى ركعتين بدل الأربع ‏كما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر وعمر وعثمان ـ رضي الله عليهم ‏أجمعين ـ في صدر من خلافته يفعلون . ومقصوده : كراهة مخالفة ماكان عليه رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحباه ، ومع هذا فابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ‏موافق على جواز الإتمام ، ولهذا كان يصلي وراء عثمان ـ رضي الله عنه ـ متماً ، ولو ‏كان القصر عنده واجباً لما استجاز تركه وراء أحد ) ا هـ (‏ ‏).‏
وهنا تأتي القاعدة الأصولية : (( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح )) . فابن ‏مسعود ـ رضي الله عنه ـ درأ مفسدة عظيمة ، وهي الخلاف والتفرق والنزاع ، ‏وقدمها على مصلحة متابعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما هو أولى وأفضل ، ‏فوافق على جواز الإتمام مع أنه كان يرى أن السُّنة في القصر تأســياً برســـول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبيه ـ رضي الله عنهما ـ .‏
هذا ولتشعب المسائل في هذا الفصل ، كان لابدَّ من تقسيمه إلى عدة مباحث ، ‏تسهيلاً للفهم من غير إتعاب بدن ، ولا إعمال قريحة .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:52 PM
المبحث الأول
‏{ الفرق بين الاختلاف والافتراق }‏
‏= = = = = = = = = = = =‏

إن الفرق بين الافتراق والاختلاف أمر مهم جداً ، وينبغي أن يُعنى به أهل العلم ؛ ‏لأن كثيراً من الناس خاصة بعض المتعالمين في هذا العصر ، لايفرقون بين مسائل الخلاف ‏ومسائل الافتراق ، ومن هنا قد يرتب بعضهم على مسائل الاختلاف أحكام الافتراق ‏وهذا خطأ فاحش أصله الجهل بأصول الافتراق ، ومتى يكون ؟ وكيف يكون ؟ ومن ‏الذي يحكم بمفارقة شخص ، أو جماعة ما ؟ ‏
من هنا كان لابد من ذكر بعض الفروق بين الاختلاف وبين الافتراق . فهذه ‏خمسة فروق على سبيل المثال لاعلى سبيل الحصر .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:53 PM
الفرق الأول : ‏
أن الافتراق أشد أنواع الاختلاف ، بل هو من ثمار الخلاف ، إذ قد يصل الخلاف ‏إلى حد الافتراق ، وقد لايصل ، فالافتراق اختلاف وزيادة ، لكن ليس كل اختلاف ‏افتراق ، وينبني على هذا الفرق الثاني

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:53 PM
الفرق الثاني : ‏
وهو أنه ليس كل اختلاف افتراقاً ، بل كل افتراق اختلاف ، فكثير من المسائل ‏التي يتنازع فيها المسلمون هي من المسائل الخلافية ، ولا يجوز الحكم على المخالف فيها ‏بالكفر ولا المفارقة ولا الخروج من السنة (‏ ‏) ثم إن الاختلاف والنزاع في الأحكام قد ‏يكون رحمة بالمؤمنين لا نقمة عليهم ، فلهذا لايعتبر ذلك من قبيل الأهواء ولا الافتراق ، ‏وقد أفاد بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فقال : ( والنزاع في الأحكام قد ‏يكون رحمـة إذا لم يفـض إلى شـــر عظيم من خفاء الحكــم ، ولهذا صنف ‏رجل كتاباً سـماه : ( كتاب الاختلاف ) فقال أحمد : سمّه كتاب ( السّعة ) ، وإن ‏الحق في نفس الأمر واحد ، وقد يكـون من رحمــة الله ببعض الناس خفاؤه ، لما في ‏ظهوره من الشدة عليه ، ويكون من باب قوله تعالى : { لاَ تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن ‏تُـبْـدَ لـَكُمْ تَـسُؤْكُمْ } ) (‏ ‏) [ المائدة : 101 ] .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:54 PM
الفرق الثالث :‏
أن الافتراق لايكون إلا على أصول كبرى ، أي : أصول الدين التي لايسع ‏الخلاف فيها ، والتي تثبت بنص قاطع أو بإجماع ، أو استقرت منهجاً علمياً لأهل السنة ‏والجماعة لايختلفون عليه ، فما كان كذلك فهو أصل ، من خالف فيه فهو مفترق ، أما ‏مادون ذلك فإنه يكون من باب الاختلاف . فالاختلاف يكون فيما دون الأصول مما ‏يقبل التعدد في الرأي ، ويقبل الاجتهاد ، ويحتمل ذلك كله ، وتكون له مسوغات عند ‏قائله ، أو يحتمل فيه الجهل والإكراه والتأويل ، وذلك في أمور الاجتهاديات والفرعيات ، ‏ويكون في بعض الأصول التي يعذر فيها بالعوارض عند المعتبرين من أئمة الدين ، ‏والفرعيات أحياناً قد تكون في :‏
بعض مسائل العقيدة التي يتفق على أصولها ، ويختلف على جزئياتها ، كإجماع ‏الأئمة على وقوع الإسراء والمعراج ، واختلافهم وتنازعهم في رؤية النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ لربه فيه ، هل كانت عينية ، أو قلبية ؟ .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:55 PM
الفرق الرابع : ‏
أن الاختلاف قد يكون عن اجتهاد وعن حسن نية ويُؤجر عليه المخطىء مادام ‏متحرياً للحق ، والمصيب أكثر أجراً ، وقد يحمد المخطىء على الاجتهاد أيضاً ، أما إذا ‏وصل إلى حد الافتراق فهو مذموم كله ، بينما الافتراق لايكون عن اجتهاد ، ولا عن ‏حُسن نية ، وصاحبه لايُؤجر بل هو مذموم وآثم على كل حال ، ومن هنا فهو لايكون إلاّ ‏عن ابتداع أو عن اتباع هوى ، أو تقليد مذموم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:56 PM
الفرق الخامس :‏
أن الافتراق يتعلق به الوعيد ، وكله شذوذ وهلكة ، أما الاختلاف فليس كذلك ‏مهما بلغ الخلاف بين المسلمين في أمور يسع فيها الاجتهاد ، أو يكون صاحب الرأي ‏المخالف له مُسَوَّغٌ ، أو يحتمل أن يكون قال الرأي المخالف عن جهل بالدليل ولم تقم ‏عليه الحجة ، أو عن إكراه يعذر به قد لايطلع عليه أحد ، أو عن تأويل ولا يتبين ذلك إلاَّ ‏بعد إقامة الحجة (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:57 PM
المبحث الثاني
‏{ التنبيه على بعض الأخطاء في التفرق والاختلاف } ‏
‏= = = = = = = = = = = =‏

وبمناسبة الفرق بين الاختلاف والافتراق لابد من التنبيه على بعض الأخطاء التي ‏يقع فيها كثير من الناس في هذا العصر ، خاصة الذين يواجهون الأمر بالمعروف والنهي ‏عن المنكر ، أو الدعوة إلى الله سبحانه مع ضعف في العلم ، وضعف في الفقه في الدين ، ‏أو قلة في التجربة ، أو انحراف في التصور ، وخاصة بعض روّاد الحركات ـ والجماعات ‏ـ الإسلامية المعاصرة . فمن هذه الأخطاء :‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:58 PM
الخطأ الأول : ‏
‏( إنكار أن يكون في الأمة افتراق ) . وينبني عليه نزوع بعضهم إلى إنكار حديث ‏الافتراق الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ وسيأتي الكلام عنه تفصيلاً في مبحث ‏لاحق إن شاء الله (‏ ‏) ـ وهذا خطأ فادح ، أن يميل بعض الناس أو يدعي أنه ليس في ‏الأمة افتراق ، وهو بذلك يزعم أنه يريد أن يظهر حسن النية في الأمة ، وأن يعامل الأمة ‏بالظاهر ، ومن هنا يتنكر لحديث الافتراق أو يؤوله ، أو يصرف الافتراق إلى فرق خارجة ‏عن الإسلام قطعاً ، أو إلى فرق في الأمة هي من غير المسلمين ، وهذا خطأ فادح أيضاً ، ‏بل هو معارضة صريحة لأخبار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، بل الأخبار القاطعة في ‏الكتاب والسنة ، تدل على وقوع الافتراق (‏ ‏) ، فالأمة فعلاً فيها افتراق وهذا حق ، ‏والافتراق من الابتلاء ، والحق لايتبين إلاّ بضده ، والله سبحانه وتعالى كتب منذ الأزل ألاّ ‏يبقى على الحق إلاّ الأقلون ، وعلى هذا فإن الافتراق لايعد إساءة ظن بالأمة ، بل هو أمر ‏واقع لابد من الاعتراف به ، ولا بد من تصديق خبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏فيه كما أخبر ، وكون الافتراق يقع في الأمة لايعني أن الإنسان يُسَلِّم بالأمر الواقع ، أو ‏يزعم أن المفارقة مشروعة ، أو يرضى بأن يفارق أو لايتحرى الحق ولا يبحث عنه ‏استسلاماً لقدر المفارقة ، بل إن وقوع الافتراق هو دافع لكل مسلم بأن يتحرى الحق ‏ويستمسك به، ويعرف الشر ليحذره ويتجنب مسالكه ، وليعلـــم أن الــــحق ‏لابد متحدد في نهج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي نهج صحابته ـ رضوان الله ‏عليهم أجمعين ـ ونهج السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 12:59 PM
الخطأ الثاني : ‏
وهو قد يتخذ ذريعة للمفارقة ، وهو يقابل الخطأ الأول بالتمام ، وهو اعتقاد أن ‏المفارقة مادامت أمراً واقعاً فهذا يعني أن الأمة تقع فيه بِرِضاً وتسليم ، وأنه يشرع للدعاة ‏أن يرضوا بواقع الافتراق ويسلموا به ، وأن يقبلوا هذا الضلال دون أن يسعوا لعلاجه ، ‏وأنه لايضر المسلم أن يكون مع أي فريق كان ؛ لأن المفارقة أمر واقع ، فعلى المسلم أن ‏يذهب مع من يعجبه من أهل الأهواء وأهل الفرق ، أو يتعاطف معهم . ‏
وهذه أيضاً دعوى باطلة ، بل هي تلبيس على المسلمين ، فلا يجوز أن يكون الخبر ‏عن الاختلاف ذريعة للمفارقة ، أو ذريعة للرضا بالبدع ، أو ذريعة للرضا بالأهواء ‏والرضا بالخطأ ، لأن الخبر عن الافتراق في الدين جاء بمعرض النهي والتحذير الشديد ، ‏ولقد وصل الأمر عند البعض ممن ينتسبون للدعوة أن يقول مادام الرسول ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ أخبر بأن الأمة ستفترق ، فإذاً لابد أن نرضى بالبدع ونُقرها أمراً واقعاً ، ‏ونرضــى بالأهواء ونُقرها أمراً واقعاً ، ونسلّم للأمـر الواقع ولنعــرف بأنه ‏لاديـن إلاّ بِدَخَن !!! وهذه دعوى باطلة بل هي من مداخل الشيطان على الإنسان ، ‏لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما أخبر عن الافتراق ، أخبر بأنه ستبقى ‏طائفة من هذه الأمة على الحق ، ظاهرة منصورة (‏ ‏)، ظاهرة بالحق تأمر بالمعروف ‏وتنهى عن المنكر ، وهذه الطائفة تقوم بها الحجة ، ويهتدي بها من أراد الهدى ، ويقتدي ‏بها من أراد الحق والخير والسنة ، فإذاً الحجة لابد أن تكون قائمة ، والحق لابد أن يظهر ، ‏ولا يمكن أن يخفى على كل ذي بصيرة ، ولا على كل من يريد الحق ويسعى إليه صادقاً ‏، فإنه من يتق الله يجعــل له مخرجـاً .‏
فمن هنا كان الرضا بالبدع والأهواء على أنها أمر واقع لايجوز شرعاً ، بل هو ‏تلبيس على المسلمين ، وهو أيضاً تحقيق للباطل ، وإعراض عن الحق ، واتباع لغير سبيل ‏المؤمنين (‏ ‏) .‏
وفرق مابين أهل السنة وأهل البدعة والأهواء والفرقة . ‏
ومن أبين الفوارق بينهم : حقيقة الاسم والانتساب ، فأهل السنة ينتمون للسنة ‏والجماعة ، وأهل الأهواء والبدع كل طائفة منهم تنتسب إما إلى شخص من أهل البدع ‏ورؤوس الضلالة كالجهمية ، أو إلى شخص خالف السلف في بعض الأصول كالأشعرية ، ‏وإما إلى أصل من أصول الضلالة ، وإما إلى وصف يدل على حقيقتهم وشعارهم ‏كالرافضة والصوفية .... (‏ ‏) ‏
‏( وأئمة السنة ليسوا مثل أئمة البدعة ، فإن أئمة السنة تضاف السنة إليهم لأنهم ‏مظاهر بهم ظهرت ، وأئمة البدعة تضاف إليهم لأنهم مصادر عنهم صدرت ، ولهذا كان ‏جُمَل الاعتقاد الذي يذكره أهل المقالات عن أهل السنة والجماعة هو قول أحمد وأمثاله ‏من أئمة السنة ) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:00 PM
الخطأ الثالث : ‏
خطأ الذين يجعلون من الاختلاف ذريعة للتسرع في وصف المخالفين بالخروج ، ‏أو المفارقة ، أو المروق من الدين ، وما يستتبع ذلك من الاستعجال في الحكم على ‏المخالفين دون الرجوع إلى قواعد الشرع وأصول الحكم ، ومناهج أئمة الدين في ذلك ، ‏لأن التكفير له ضوابطه وأصوله ، حتى مع مرتكبي البدع والأهواء ، لأن ترتيب الأحكام ‏عليهم بالكفر أو بالبراء والبغض والهجر ، والتحذير من المخالف مطلقاً ، دون التثبت ‏ودون إقامة الحجة لايجوز ، ومعنى ذلك : أنه لاينبغي لكل من رأى أي بدعة في شخص ‏أن يصفه بالمفارقة ، ولا كل من رأى أمراً مخالفاً للشرع والدين والسنة أن يصفه بالمفارقة، ‏لأن من الناس من يجهل الأحكام ، والجاهل معذور حتى يعلم ، ومن الناس من يكون ‏مُكرهاً في بيئته ، أو في مكان ما ، كما يحدث في بعض البلاد الإسلامية التي يُكْره فيها ‏المسلمون ـ مثلاً ـ على حلق اللحى ، أو على ترك الجماعة ، أو على التلفظ بالكفر ، ‏أو علــى ممارسة بعض الأعمال التي لاتجوز شرعاً ، ويكرهون على ذلك ، ولو لم ‏يفعلوا لقتلوا ، أو عذبوا ، أو انتهكت أعراضهم ، أو نحو ذلك .‏
إذاً فإن عارض الإكراه لابد أن يرد في ذهن الحاكم على الناس بأي حكم من ‏الأحكام ، وقد يكون فاعل البدع أو معتقد الضلالة متأولاً ، ولم تقم عليه الحجة ، فلا بد ‏من إقامة الحجة على الناس ، فقد يرى أحد منا إنساناً يرتكب بدعة من البدع التي عادة ‏إنما يرتكبها أهل الافتراق ـ كبدعة المولد مثلاً ـ فإذا فعلها إنسان عامي جاهل فلا يعني ‏أن يُوصف بالابتداع ، حتى يُبيّن له الأمر ، وتُقام عليه الحجة ، ولا أن يوصف بالافتراق ، ‏أما فعله فيوصف بالابتداع ، لكن لايوصف بأنه مفارق ، أو أنه خارج عن الجماعة ، أو ‏أنه من الفرق الهالكة بمجرد رؤية بدعة أظهرها حتى تقام عليه الحجة ، اللهم إلاّ البدع ‏المكفرة ، وليس المقام هنا يتسع للكلام عنها .‏
بل اتهام الناس بالمفارقة للدين فيما هو دون الأصول من البدع والمخالفات ‏والمحدثات لايجوز ، بل هو من التعجل المذموم ، وينبغي على من رأى شيئاً من ذلك ، أن ‏يتثبت أو أن يسأل أهل العلم ، ويفترض أن المسلم الذي وقع في ذلك جاهل ، أو متأول ، ‏أو مقلد يحتاج إلى نصح وبيان وإرشاد ، وأن يعامل ابتداءً بإشفاق ورفق ؛ لأن القصد ‏هدايته لاتجريحه . (‏ ‏)‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:01 PM
الخطأ الرابع : ( الجهل بما يسع فيه الخلاف وبما لايسع ) ‏
أي : عدم التفريق عند كثير من المنتسبين للإسلام ، بل المنتسبين للدعوة ، بين ‏ماهو من أمور الخلاف ، وماهو من الأمور التي لايصح فيها خلاف ، ولـيُضرب لذلك ‏أمثلة : ـ
‏1 = من الناس من يعد بعض المسائل الخلافية من القطعيات والأصول دون أن ‏يرجع إلى أصول أهل العلم ، وإلى أقوالهم ، أو دون أن يهتدي بأهل الفقه في الدين ، ‏الذين يُبْصرون في هذه الأمور .‏
‏2 = ومن ذلك عدم التفريق بين الأمور المكفرة وغير المكفرة .‏
‏3 = عــدم التفريق بين البدعيات الكبرى ومادونها ، والبدعيات المخرجة من ‏الدين ، أو المكفرة وما دونها ، فإن كثيراً من الأخطاء التي تحدث من الأشخاص ، أو من ‏الهيئات ، أو من الجماعات ـ ويُكَفِّرهم بعض المتعجلين بسببها ـ هي ليست كذلك ، ‏فإن بعض الناس إذا عرف بأصل من الأصول التي تكفر ، كالقول مثلاً : بأن القرآن ‏مخلوق ، طبّقه على كل قائل بهذه المقولة دون الأخذ بأحكام التكفير ، وهكذا في بقية ‏المسائل ، وعدم التفريق بين الأصل وبين الحكم على المعيَّن أمر مخالف لأصول السلف ‏وأصول أهل السنة والجماعة . ‏
إن أهل السنة والجماعة يُفرِّقون بين الاحكام بالكفر ، والأحكام بالفسق ، ‏والأحكام بالتبديع على وجه العموم ، وبين الحكم على المعيّن ، فقد يُحكم على عمل أو ‏شيء ما بأنه كفر ، ويُحكم على مقولة ما من المقولات بأنها كفر ، وهذا لايعني أن كل ‏من اعتقد أو فعل هذا الكفر يكفر ، ولا كل من قال بهذا القول يكفر ، هناك كثيرون ‏لايفرقون في هذه المسائل ، فيُكَفِّرون باللوازم ، ويُكفّرون دون الأخذ بضوابط التكفير ، ‏مع أن الكفر لايجوز إطلاقه حتى يتم التثبت ، وبيان الحجة وإقامتها ، وبيان الدليل ومعرفة ‏عــدم وجود العوارض المانعة من إطلاق التكفير على المعيّن ، كالجهل وعدم وجود ‏الإكراه ، وعدم وجود التأويل . وهذه المسألة تحتاج إلى مقامات طويلة ، وإلى مقابلة ‏للأشخاص ، وإلى الجلوس إليهم ، ونقاشهم ونصيحتهم ، أما أن تُرتَّب أحكام الكفر على ‏كل من ظهرت منه حالة الكفر ، أو مقولة الكفر ، أو اعتقاد كفر ، فإن هذا لايجوز إلا ‏في الأمور الكبرى التي تُعلم من الدين بالضرورة ، كمن أنكر أن يشهد أن لاإله إلا الله ، ‏فهذا معلوم من الدين بالضرورة كفره ، أو من أنكر أن يشهد أن محمداً رسول الله ، فهذا ‏معلوم من الدين بالضرورة كفره ، أو من سب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ‏فهذا معلوم من الدين بالضرورة كفره ، لكن هناك من أصول الدين ماتخفى وقائعه ‏وتفصيلاته ، وألفاظ الاعتقاد به على العامة ، ومن في حكمهم ، كمسائل الصفات ، ‏ومسائل القدر ، ومسائل الرؤية ، والشفاعة ، ومسائل الصحابة ، وغير ذلك من الأمور ‏التي لايعلمهـا العامة ، بل تخفى حتى على بعض من ينتسبون إلى العلم ، تخفى عليهم ‏تفاصيله ، وربما يتلفظ بعضهم بلفظ كفر وهو لايشعر ، أو هو لم يتعمد ، أو هو لايدري ‏أو لم يتمعن العبارة ، فهل هذا يُحكم بكفره ؟ طبعاً لا .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:02 PM
إن من أشد الأخطاء التي يقع فيها كثيرون من الذين يتعرضون للحكم على الناس ‏ـ خاصة صغار طلاب العلم والأحداث منهم ، الذين لم يتفقهوا في الدين على أهل العلم ‏، إنما أخذوا العلوم الشرعية عن الكتب والوسائل دون اهتداء ، ودون اقتداء ، ودون ‏مراعاة للأصول ، ولا معرفة بأصول الاستدلال وأصول الأحكام ـ هؤلاء يقع بعض منهم ‏في هذه المسائل الخطيرة ، وهي عدم التفريق بين الأصول وبين تطبيق الأصول على ‏الجزئيات والحوادث والنوازل .‏
فأحكام الكفر والتكفير وأحواله ، لاتعني تكفير كل شخص يقول بها ، أو يعلمها ‏أو يعتقدها ، وأحكام الولاء والبراء ، مثل أحكام التكفير ، لا تعني تطبيق هذا الولاء ‏والبراء على كل من يظهر منه موجبه ، حتى يتم التأكد ، أقصد بذلك البراء بخاصة ، أما ‏الولاء فهو الأصل لكل مسلم ، ولا يجوز التوقف والتبين في الولاء إذْ الولاء واجب لكل ‏من يظهر منه الإسلام ، حتى يظهر ويتأكد مايخالفه .‏
كذلك عدم اعتبار المصالح والمفاسد ، أو الجهل بقواعد جلب المصالح ودرء المفاسد ‏سبب من أعظم أسباب الوقوع في هذا الخطأ (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:02 PM
الخطأ الخامس :‏
الذي يلاحظ ذلك الخلط المزعج في المسائل الكبيرة والصغيرة ، وبين المسائل التي ‏لايستقل بفهمها إلاَ ذوو العلم والبصر والفهم والاستدلال والاستنباط ، وبين المسائل ‏العادية التي يُمكن أن تكون أمراً عاماً يمكن حتى للعوام من الخوض فيه .‏
والمشاهد في حياتنا اليوم ـ بكل أسف ـ فيما هو مطروح أنه لايوجد فصل ‏وتفريق بين ما هو دقيق في العلم لايستطيعه إلاّ خواص أهل العلم وبين ما هو عموميات .‏
وأخطر من هذا إقحام العوام وأنصاف المتعلمين والمثقفين والجهلة والمتعالمين في ‏مسائل من العلم دقيقة وخطيرة ، لا يمكن أن ينفرد بفهمها والقول فيها إلاّ من أُوتي مع ‏العلم الواسع بصراً وفهماً وقدرة على الاستدلال والاستنباط .‏
ولاشك أن الخوارج حينما ظهروا استطاعوا تحقيق بعض النجاحات ، لأنهم أفلحوا ‏في إقحام العوام في الخوض في المسائل الكبرى .‏
وكأن التاريخ يعيد نفسه ، فتجد في عصر اليوم إنساناً أمياً لايقرأ ولا يكتب ‏ويتطاول على أهل العلم والدعاة إلى الله ، ولا يكلف نفسه جهداً ، وإنما يكفيه أن يقول ‏تأكيداً لهذا التطاول : سمعنا عن فلان هذا ـ وقد يكون من كبار العلماء والدعاة ـ بأنه ‏ليس بـذاك ، أو لايُطمـأن إلى عقيدتـه ، أو أنه ســليم المُعتقـد في الظاهر ، ‏بدعي في الباطن ....‏
وهكذا وقعت الأمة في بحر متلاطم الأمواج من التطاول على علمائها ودعاتها ، ‏والانتقاص من أقدار كثير منهم ، فأصبح التطاول والانتقاص سمة بارزة لكثير من الناس ‏حتى ـ بكل أسف ـ ممن ينتسبون للعلم والدعوة .‏
والله وحده المأمول الذي يدرك هذه الأمة بألطافه يُهيىء لها سبيل الخروج مما ‏وقعت فيه .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:03 PM
المبحث الثالث
‏{ أسباب التفرق والاختلاف }‏
‏= = = = = = = = ‏

لو حاول الباحث أن يستقرىء أسباب الافتراق منذُ أن بدأ حتى يومنا هذا ، ‏لوجدها كثيرة جداً ، لاتكاد تُحصى ، وكلما تجددت للناس أفكار وثقافات وأهواء ، ‏تجددت معها أسباب للافتراق ، لكن هناك أسباب كبرى رئيسة ، وتكاد تتفق عليها ‏أصول الفرق قديماً وحديثاً ، مُلخَّصُها كما يلي : ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:04 PM
السبب الأول : ( الاختلاف في أصل النحلة ) :‏
إن أول أسباب الافتراق وأشدها نكاية على الأمة ، كيد الكائدين بأصنافهم من ‏أهل الديانات ، كاليهود والنصارى والصابئة والمجوس والدهريين ، وكذلك من الموتورين ‏أي : الذين حقدوا على الإسلام والمسلمين ، لأن الجهاد قضى على دولتهم ، وأبطل ‏أديانهم وهيمنة سلطانهم من الأرض ، كالفرس والروم ، فهؤلاء منهم الذين بقوا على ‏كفرهم ، وحقدهم على المسلمين والدين والإسلام ، وآثروا النفاق والزندقة بإعلان ‏الإسلام ظاهراً فقط ، أو البقاء على دياناتهم مع دفع الجزية حفاظاً على رقابهم ، وإيثاراً ‏للسلامة ، للتعايش مع المسلمين ، وهؤلاء هم أشد المعاول عملاً في الفتك بالمسلمين ، ‏والكيد لهم بالأفكار ، وبث المبادىء والبدع والأهواء بينهم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:04 PM
السبب الثاني : ‏
‏( أهل الأهواء الذين يجدون مصالح شخصية أو شعوبية في الافتراق ) :‏
فكثير من أتباع الفرق نجد أنهم يجدون في التفرق تحقيقاً لمصالح شخصية ، إما ‏شهوات ، وإما أهواء ، وإما أغراض عصبية ، أو شعوبية ، أو قبلية ، أو غيرها ، وربما ‏بعضهم يقاتل لهذا الأمر لهوى ، أو لعصبية ، هذا الصنف هم مادة وقود الفِرَق ، فهم ‏الذين يُكَثِّرون أتباع تلك الفرق ، ويجتمعون حولهم لتحقيق هذه المصالح ، وهذه الفئة ‏موجودة في كل زمان وفي كل مكان ، فإنه متى ماظهر في الناس رأي شــاذ ، أو بدعة ‏، أو صاحب هوى ، فإنه يجد من الغوغاء ، ومن أصحــاب الأهــواء ‏وأصحــاب الشهــوات والأغراض الشخصية ، من يتبعه لتحقيق ذلك ، وما ‏أكثرهم في كل زمان ـ لا كثّرهم الله ـ . (‏ ‏)‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:05 PM
السبب الثالث : ( الجهــل ) : ‏
وقد يكون سبب التفرق والاختلاف تارة : جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي ‏يتنازعان فيه ، أو الجهل بالدليل الذي يرشد أحدهما به الآخر ، أو جهل أحدهما بما مع ‏الآخر من الحق في الحكم ، أو في الدليل ، وإن كان عالماً بما مع نفسه من الحق حكماً ‏ودليلاً .‏
والجهل والظلم : هما أصل كل شر ، كما قال سبحانه : { وَحَـمَلــَهَا الإِ ‏نْـسَــنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } (‏ ‏) [ الأحزاب : 72 ] . ‏
والجهل داء عضال وقاسم مشترك يشمل كل الأسباب ، لكن الجهل المقصود هنا ‏هو عدم التفقه في الدين ، وهو الجهل بالسُّنة وأصولها وقواعدها ومناهجها ، وليس مجرد ‏عدم تحصيل المعلومات ، لأن الإنسان قد يكفيه أن يُحصِّل مايُحصِّن به نفسه ، وما يحفظ ‏به دينه ، ويكون بذلك عالماً بدينه ، ولو لم يتبحر في العلم ، والعكس كذلك قد يوجد من ‏الناس من يعلم الشيء الكثير ، وذهنه محشو بالمعلومات ، لكنه يجهل بديهيات الأصول ‏والقواعد الشرعية في الدين ، فلا يفقه أحكام الخلاف ، وأحكام الإفتراق ، وأحكام ‏التعامل مع الآخرين ، وهذه مصيبة كبرى أُصيب بها كثير من الناس اليوم ، وهي أن ‏الواحد منهم توجد لديه معلومات شرعية ، أو يكون ممن يتعلمون ويأخذون العلم الشرعي ‏عن مصادر كثيرة ، لكــن تجده جاهلاً في فقه أحكام الإسلام ، وفي الأحكام على ‏الآخرين ، وفي أحكام التعامل مع الناس ، وفي أحكام الدعوة ، وفي أحكام الأمر ‏بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيُفسد من حيث لايشعر ، فالجهل مصيبة ، والجهل سبب ‏رئيس لوجود الافتراق ، والجهلاء هم مادة الفرق ، وهم وقودها . وهم مادة كل فتنة ، ‏وحطب كل نار من نيران الظلام .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:06 PM
السبب الرابع : ( الخلل في منهج التلقي ) : ‏
والمقصود بذلك أنه قد يوجد لدى كثير من الناس علم ، وقد يطلع على كثير من ‏الكتب ، لكنه جهل أو اختل عنده منهج تلقي الدين ، لأن تلقي الدين له منهج مأثور منذ ‏عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصحابة والتابعين ، وسلف الأمة ، واقتفاه أئمة ‏الهدى إلى يومنا هذا .‏
وهذا المنهج إنما هو العلم والعمل والاهتداء والاقتداء والسلوك والتعامل ، وهو ‏الالمام بالقواعد الشرعية والأصول العامّة أكثر من مجرد الإلمام بفرعيات الأحكام أو ‏بكميات النصوص (‏ ‏).‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:07 PM
من مظاهر الخلل في منهج التلقي :‏
ومن مظاهر هذا الخلل في منهج التلقي التي يتبين بها المقصود : ‏

‏1) ـ أخذ العلم عن غير أهله : والمقصود بذلك أن الناس صاروا يأخذون العلم ‏عن كل من دعاهم إلى التعليم ، وكل من رفع فوق رأسه راية الدعوة ، وقال أنا داعية ، ‏جعلوه إماماً في الدين ، وتلقوا عنه ، وقد لايفقه من الدين شيئاً ، فلذلك ظهرت في العالم ‏الإسلامي دعوات كبرى ، ينضوي تحت لوائها الفئآم من الناس خاصة الشباب ، وقادتها ‏ورؤساؤها جهلة في بديهيات الدين ، فيفتون بغير علم ، ويَضِلون ويُضِلون ، وسبب ذلك ‏أنهم وجدوا أتباعاً لهم يأخذون عنهم دون تروي ، ودون تثبت ودون منهج صحيح سليم ‏ولا يتثبتون من حال القادة في كونهم أهلاً لأخذ الدين أو التلقي عنهم ، ثم إن كثيراً من ‏الناس تجذبهم العواطف أكثر مما يجذبهم العلم والفقه ، وهذا خطأ فادح ، بمعنى أنه بمجرد ‏أن يظهر داعية له شهرة وأثر في ناحية ما ، يجعله الناس إماماً في الدين ، حتى ولو لم يكن ‏يعلم من السنة والفقه شيئاً ، وهذا مصداق قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ‏‏(( إن الله لاينتزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً ، ولكن ينتزعه منهم مع قبض ‏العلماء بعلمهم ، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيَضلّون ويُضلون )) (‏ ‏) ‏‏.‏
ولا ينبغي أن يتصدر الدعوة إلى الله ، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا ‏العلماء الأجلاء ، الذين يفقهون الدين ، ويأخذونه عن أصوله ، على منهج سليم صحيح ‏، وإلا فليس كل من حُشي ذهنه بالمعلومات والثقافة والأفكار يكون إماماً في الدين، لأنه ‏قد يوجد من الفسقة بل من الكفرة من يعلم من فرعيات الدين الشيء الكثير ، وقد وُجد ‏من المستشرقين من يحفظ بعض الكتب الكبيرة في الفقه الإسلامي ، بل حتى منهم من ‏يحفظ القرآن ، ويحفظ صحيح البخاري ، ويحفظ بعض السنن ونحو ذلك ، فهذا الصنف ‏يحفظ العلم لكن لايفقه من الدين شيئاً ، وكذا بعض من يدعي الإسلام ، قد يكون عنده ‏من المعلومات الشيء الكثير ، لكن لايفقه منهج التلقي والعمل والتعامل والتزام السنة ، ‏ولم يأخذ الدين على منهجه الصحيح ، وعلى العلماء الربانيين ، فصار يفتي بغير علم ، ‏ويوجه بلا فقه (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:08 PM
‏ 2) ـ من مظاهر الخلل في منهج التلقي وهو سبب للإفتراق : ‏
الاستقلالية عن العلماء والأئمة : أي : استقلالية بعض المتعلمين وبعض الدعاة ، ‏وبعض الأحداث عن العلماء ، فيكتفون بأخذ العلم عن الكتاب والشريط والمجلة والوسيلة ‏ويعزفون عن التلقي عن العلماء ، وهذا هو منهج خطير ، بل هو بذرة خطيرة للإفتراق ، ‏ولو رجعنا إلى أسباب الافتراق في أول تاريخ الإسلام ، كافتراق الخوارج والرافضة ، ‏لوجدنا أن من أهم أسباب وجود هذا الافتراق عند من ينتسبون للإسلام وليس المقصود ‏أصحاب الأغراض أو المنافقين أو الزنادقة ، لكن ممن ينتسبون للإسلام ، أعظم أسباب ‏هلاكهم وافتراقهم : استقلاليتهم وانعزالهم عن الصحابة ، واستهانتهم بهم ، وترك أخذ ‏الدين عنهم ، وأخذهم العلم عن أنفسهم وعن بعضهم ، قالوا : علمنا القرآن ، وعلمنا ‏السنة ، فلسنا بحاجة إلى الرجال ، وهذا حق أريد به باطل ، فمن هنا استقلوا وخرجوا ‏عن منهج التلقي الصحيح ، وعن سبيل المؤمنين المأخوذ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ بالقدوة والاهتداء ، والذي أخذه التابعون عن الصحابة بهذا الطريق يأخذه الأئمة ‏العدول جيل عن جيل .‏
وكما ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه (( يَحْمِلُ هذا العِلْمَ من كُلِّ ‏خَلَفٍ عُدُولُهُ )) (‏ ‏) والعُدول : هم الحفاظ الثقات ، الذين يأخذون الدين عن أئمته ، ثم ‏ينقلونه إلى الآخرين .‏
فالاستقلالية عن العلماء خطر كبير جداً ، لأن العلم إنما تكون بركته وتلقيه ‏الصحيح عن العلماء ، والعلماء لايمكن أن ينقطعوا في أي زمان .‏
ودعوى بعض الناس أن في العلماء نقصاً وتقصيراً ، دعوى مضللة ، نعم ، العلماء ‏بشر ، لايخلون من نقص وتقصير ، لكنهم مع ذلك في جملتهم هم القدوة ، وهم الحجة ، ‏وهم الذين جعل الله الدين يؤخذ عن طريقهم ، وهم أهل الذكر ، وهم الراسخون ، وهم ‏أئمة الهدى ، وهم المؤمنون الذين من تخلى عن سبيلهم هلك ، وهم الجماعة ، ومن ‏فارقهم هلك ، وتلقي العلم من غير أهله خطر على أصحابه ، وعلى الأمة . (‏ ‏) ‏
‏ والعلماء الذين يرجع إلى قولهم ويوالَون ويحبون صفتهم أنهم : ‏
أولاً : هم أهل السنة والجماعة في وقتهم ، وأئمة التوحيد ، والذين يرجع إلى ‏قولهم في التوحيد في وقتهم .‏
ثانياً : ثم هم أهل الشمولية في معرفة الأحكام الشرعية ، فيعلمون الفقه بأبوابه ‏كلها ، ويعلمون قواعد الشرع ، والأصول المرعية ، فلا يكون عندهم التباس ،ولا ‏اختلاف بين المسألة والأخرى ، ولا بين القضايا بعضها مع بعض . (‏ ‏) ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:09 PM
‏3 ) ـ من مظاهر الخلل عند بعض المتعالمين والدعاة : ازدراء العلماء ‏واحتقارهم والتعالي عليهم ، وهذه مظاهر شاذة مع الأسف بدأنا نرى نماذج منها ، ‏وهذا أمر مقلق يجب أن نتناصح فيه ، وما لم يعالجه طلاب العلم والعلماء فالأمر خطير ‏جد خطير .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:09 PM
‏4) ـ تتلمذ الأحداث : أي : صغار السن على بعضهم ، أو على طلاب العلم ‏الذين هم دون من هم أعلم منهم ، بمعنى التتلمذ الكامل وترك المشايخ الكبار والانقطاع ‏عنهم ، ولا يعني ذلك أنه لايجوز أخذ العلم عن أي طالب علم ، بل من أجاد أي علم من ‏العلوم الشرعية وكان صالحاً أخذ عنه ، لكن لايعني الاستغناء به عمن هو أعلم منه ، أو ‏الانقطاع إليه ، وترك المشايخ الكبار ، وهذا هو مكمن الانحراف ، أي أن يستغني بعض ‏الشباب في أخذ علمه وقدوته ودعوته وسلوكه وهديه ببعض طلاب العلم عن العلماء ‏الذين هم أجل وأكبر وأعلم ، وهذا مسلك خطير ، بل أخطر منه أن يكون الصغار ‏بعضهم شيوخاً لبعض في العلم ، وليس المقصود بذلك عدم جواز المجالسة والمخالطة ‏والمشاركة في الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعــروف والنهي عن المنكـر ، فإن هذا أمر ‏مطلوب ، والاجتماع على ذلك مطلب شرعي ضروري ، لكن المقصود أن تلقي العلم ‏بهذه الطريقة الخاطئة ، والاستغناء بها عن أخذه عن هؤلاء العلماء من سمات أهل الفرق ‏والأهواء ، وهذا مسلك خطير ، وهو من أبرز أسباب وجود الافتراق ، لأن هذا يؤدي ‏إلى حصر أخذ الدين عن أناس معينين ، والتحزب لهم ، والتعصب لهم ، لاسيما وهم ‏لاتتوفر فيهم صفات العالم القدوة ، ومن ثم تكون هذه بذوراً للافتراق .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:10 PM
السبب الخامس : ومن أسباب الافتراق :‏
‏ ( اعتبار اتّباع الأئمة على هدى وبصيرة تقليداً ) ‏
وهذه شنشنة تُسمع كثيراً من بعض المتعالمين فيقولون : إن اتّباع المشايخ تقليد ، ‏والتقليد لايجوز في الدين ، وهم رجال ونحن رجال ، وعلينا أن نجتهد كما اجتهدوا ، ‏ونحن نملك الوسائل والكتب ، والآن توفرت وسائـل العلم ، فما لنا وأخذ العلم عن ‏العلماء ، بل أخذ العلم عن العلماء تقليد ، والتقليد باطل .‏
نعم ، التقليد باطل ، لكن مامفهوم التقليد ؟ هناك فرق بين التقليد وبين الاتباع ‏والاهتداء ، الاتباع واجب شرعاً وعامة المسلمين بل كثير من طلاب العلم لايجيدون ‏ممارسة الاجتهاد ، أو أخذ أصول العلم على الطريقة الصحيحة ، فممن يأخذون العلم ؟ ‏وكيف يأخذون أصول التلقي ومنهج السنة ومنهج السلف الصالح ومنهج الأئمة ؟ لايمكن ‏أن يأخذوه إلا باتباع العلماء ، والاتباع ليس بتقليد ، وإلا فهذا يعني أن كل إنسان هو إمام ‏نفسه ، ، ومن هنا يكون كل إنسان فرقة ، وتكون الفرق بعدد الناس ، وهذا باطل قطعاً ‏، إذاً اتباع الأئمة على هدى وبصيرة ليس بتقليد ، إنما الاتباع الأعمى هو التقليد .‏
ومن المظاهر الخطيرة : التَّمشيُخ ، أو التتلمذ على مجرد الوسائل ، وهو أن يكتفي ‏طالب العلم بأخذ العلم عن الكتب وينطوي وينعزل عن الناس ، وينعزل عن أهل العلم ، ‏وينعزل عن أهل الخير ، وأهل الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعن العلماء ، ‏ويقول : أنا أتلقى العلم عن الكتـب وعن الوســائل ، ولدي الشــريط ، ‏والكتاب والإذاعة ، .... الخ ، من الوسائل المقروءة والمسموعة ثم يقول : أنا بإمكاني أن ‏أتعلم من هذه الوسائل .‏
نعم : لاشك أن هذه الوسائل نعمة ، لكنها ايضاً سلاح ذو حدين ، فالاكتفاء ‏بأخذ العلوم الشرعية عنها إنما هو مسلك زلل ، وهو من أسباب الافتراق ؛ لأن هذا ينمي ‏العزلة المحرمة ، أو يوجد أشخاصاً صوراً ممسوخة لأهل العلم ، يأخذون العلم على غير ‏أصوله ، وعلى غير قواعده ، بغير اهتداء ، وبغير اقتداء ، ويأخذون العلم بمشاربهم هم ، ‏وبأهوائهم ، وبأمزجتهم ، وبأحكامهم المفردة ، فإذا ظهرت الأحداث والفتن ، شذوا عن ‏العلماء ، وازدروا آراءهم ، والإنسان مهما بلغ من الذكاء والقدرة والتأهل للعلم ، فإنه ‏وحده لايستطيع أن يصل إلى الحق مالم يعرف ماعليه السلف ، وما عليه أهل العلم في ‏وقته ، ويعالج قضايا العلم وقضايا الأمة والأحداث مع العلماء ، فإنه إن لم يفعل ذلك فقد ‏يَهلك ويُهلك .‏
بل إن الوسائل هذه أوجدت عندنا صوراً ممسوخة لمن يسمون بالمثقفين ، وعندهم ‏من المعلومات مايعجب الناس ويبهرهم لكنهم لايقرون بأصل ، ولا يفهمون منهج السلف ‏ويجدون من يقتدي بهم بغير علم ، وهذا الأمر أو هذه الظاهرة كثرت بشكل مزعج ، ‏حتى وجد من هذا الصنف أناس يتصدرون الدعوة إلى الله ، وتوجيه الشباب على هذا ‏النمط ، لمجرد أنهم يملكون من المعرفة والثقافة العامة مايبهر السُّذج ، وعندهم كم هائل ‏من المعلومات الشرعية ، دون معرفة للضوابط ، ولا للأصول ، ولا للمناهج ، ولا ‏لكيفيات التطبيق ، وكيفيات العمل ، ولا لطريقة أئمة الدين في تناول مسائل العلم ‏وتطبيقها على النوازل والحوادث . (‏ ‏) ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:11 PM
السبب السادس : من أسباب وجود الافتراق :‏
‏( التقصير في فهم فقه الخلاف ) :
والمقصود هنا بفقه الخلاف معرفة أحكام ‏الخلاف بين المسلمين ، وماذا يترتب على وقوع الخلاف ؟ وما يجوز الخلاف فيه وما ‏لايجوز ؟ ، وإذا خالف المخالف متى يُعذر ومتى لايُعذر ؟ وماذا نطلق عليه ؟ ومتى نطلق ‏عليه الكفر أو الفسوق ؟ وهل إطلاق الحكم على المخالف أو الموقف منه متروك لكل ‏أحـد ؟ (‏ ‏) ، وتفصيل ذلك أمر يجهله كثير من الناس ، ومن هنا قد يحدث الافتراق ‏في أمور لايجوز الافتراق عليها .‏
فالاختلاف قد يكون رحمة ، وأهله معذورون (‏ ‏) ، ‏
‏ والافتراق عذاب وفرقة ، ولا يُعذر أهله : ‏
فأهل السنة المختلفون في الفروع داخلون في قوله تعالى : { إِلاّ مَن رَّحِمَ ‏رَبُّكَ } [ هود : 119 ] . لأنهم باينوا الذيـن { وَلاَيَــزَالُـونَ مُخْتَلِفِينَ } [ ‏هود : 118 ] . وهم أهل الأهواء والافتراق .‏
والخلاف في مسائل الاجتهاد وقع قطعاً من السابقين أهل الفضل والرحمة : ‏الصحابة والتابعين ، ولم يوجب افتراقاً ولا خصومات في الدين ، أما ماوقع من أهل ‏الأهواء فهو من الخصومات في الدين ، لأنه كان عن هوىً ، ولأنه ادَّى إلى إكفار بعضهم ‏لبعض ، فلو كان القول قولاً واحداً لكان الناس في ضيق (‏ ‏) . كما قال عمر بن عبد ‏العزيز ـ رحمه الله ـ : ( ماأحب أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، لايختلفون ) ‏، قال القاسم : ( لأنه لو كان قولاً واحداً لكان الناس في ضيق ) (‏ ‏) . لأنه اختلاف ‏رحمة واجتهاد . أما اختلاف أهل الأهواء ، فهو اختلاف عذاب وفرقة . ‏
‏ ثم إن الاختلاف الذي لايؤدي إلى الافتراق ليس مذموماً مادام فيما أذن الله فيه : ‏
‏ فقد نقل الشاطبي ـ رحمه الله ـ عن بعض العلماء (‏ ‏) قولهم : ( .... ‏ووجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من بعده قد اختلفوا في أحكام الدين ‏ولم يتفرقوا ، ولا صاروا شيعاً لأنهم لم يفارقوا الدين ، وإنما اختلفوا فيما أذن لهم من ‏اجتهاد إلى الرأي ، والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصاً ، واختلف في ‏ذلك أقوالهم فصاروا محمودين ، لأنهم اجتهدوا فيما أمروا به : كاختلاف أبي بكر وعمر ‏وعلي وزيد في الجدّ مع الأم ، وقول عمر وعلي في أمهات الأولاد ، وخلافهم في الفريضة ‏المشتركة ، وخلافهم في الطلاق قبل النكاح ، وفي البيوع ، وغير ذلك مما اختلفوا فيه ، ‏وكانوا مع هذا أهل مودة وتناصح ، وأخوة الإسلام فيما بينهم قائمة ، فلما حدثت ‏الأهواء المردية ، التي حذر منها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وظهرت ‏العداوات ، وتحزّب أهلها ، فصاروا شِيَعاً ، دل على أنه إنما حدث ذلك من المسائل ‏المحدثة التي ألقاها الشيطان على أفواه أوليائه ) (‏ ‏) .‏
وكذلك التقصير في فقه الاجتماع والجماعة ، وهو فقه مهم جداً قد غفل عنه ‏الكثير من الشباب الذين يأخذون العلوم الشرعية ، كما غفلوا عن المقاصد العظمى للدين ‏في الاجتماع ! ، اجتماع الأمة وجمع الشمل وفقه الجماعة ، وأكثرهم لايفقه محاذير ‏الافتراق ، وكيف يكون ، ومحاذير الفتن ، وما توصل إليه ؟ ولا يُحسن التفريق بين ‏الثوابت وبين المتغيرات من الأحكام والأصول .‏
وسمتهم الجهل بقواعد الشرع العامة ، وبمقاصد الشرع العامة ، مثل قاعدة جلب ‏المصالح ودرء المفاسد ، وقاعدة التيسير ، ومسألة متى يكون للناس في أمر من الأمور ‏رخصة ؟ ، ومتى يكون لهم ضرورة ؟ ، واللجوء إلى الضرورة كيف يكون ؟ ، وأحكام ‏الفتن ، وأحكام السّلم ، ولا يجيدون أحكام التعامل مع المخالفين ، ولا أحكام التعامل مع ‏العلماء ، ولا أحكام التعامل مع ولاة الأمور ، لذلك نجد كثيراً من الناس لايفرق في ‏كلامه وأحكامه بين ظروف الشدة والفتن ، وبين ظروف السّلم والأمن ، وهذا خلل ‏كبير وسبب للافتراق .‏
وأقرب مثال لذلك : ماحدث في ماشجر بين إخواننا الأفغان ، إن ماحدث من ‏النزاع في ( كُنَر ) فتنة ، فالمتبصر يدرك أن المسألة ليست صراعاً بين الحق والباطل من كل ‏وجه ، أو أن الصراع ربما لم يكن عقائدياً من كل وجه ، ولم يكن هناك دليلاً قطعياً على ‏أن الحق مع إحدى الطائفتين ، إنما قد يترجح الحق مع إحدى الطائفتين عند فريق من ‏الناس ، وآخر لايسلم له ، فكان مقتضى الحال التثبّت ، والسعي للإصلاح ، وإطفاء الفتنة ‏أولاً ، والرجوع في ذلك إلى أهل العلم .‏
لكن تكلم في الفتنة من لايفقه أحكام الكلام في الفتن ، ومتى يكون الكلام مناسباً ‏ومتى لايكون ؟ ومتى يجوز الحديث عن الأشخاص والحكم عليهم ؟ ومتى لايجوز ؟ ولا ‏بصيرة له بفقه المصالح الكبرى للأمة ، والمصالح المعتبرة في جمع الشمل ، وجمع الكلمة ‏والإصلاح وضرورة السكوت إذا كان الكلام يُشعل الفتن ، والإعراض والكف عما ‏يشجر بين المسلمين اثناء الفتن ، ودرء المفاسد إلى آخره ، وقد وَلجَ كثير من الناس على ‏غير هدى ولا بصيرة في هذا الأمر ، ولم يهتدوا بكلام أهل العلم ، ولم يسترشدوا بالمشايح ‏وهم بين ظهرانيهم ، وكان جهد كثير منهم ينصب على محاولة إقناع المشايخ بوجهة نظره ‏وأن يحجبهم عن سماع الرأي المقابل (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:12 PM
السبب السابع : ( التشدد والتعمق في الدين ) : ‏
وهو من أعظم الأسباب . والتشدد يقصد به التضييق على النفس ، أو على ‏الناس في الأحكام الشرعية ، أو المواقف تجاه الآخرين ، أو التعامل معهم بما لاتقتضيه ‏قواعد الشرع ومقاصد الدين ، لأن الدين مبني على الأخذ بالأحكام الشرعية ، مع مراعاة ‏التيسير ودفع المشقة والتوسيع ، والأخذ بالرخص في مواطنها ، وإحسان الظن بالناس ، ‏والإشفاق عليهم ، ودرء الحدود بالشبهات ، والإحسان إليهم ، والنصح لهم ، والعفو ‏عنهم والتماس الأعذار لهم ، هذا هو الأصل ، والخروج عنه لغير مصلحة راجحة مقدرة ‏عند أهل الفقه في الدين ، يُعد من التشديد المنهي عنـــه في قــــول النــبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إِنَّ الدِّين يُسر وَلن يُشادّ الدِّينَ أحدٌ إِلا غَلَبَه ، فَسَدِّدُوا ‏وَقَارِبُوا وأَبْشِرُوا واستعينُوا بالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ )) (‏ ‏) . وقد يقول ‏قائل : كيف نفرق بين التشدد المذموم والتمسك المشروع ؟ فالجواب : إن العبرة بهدي ‏الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فهو الأنموذج الأعلى ، وعليه سار الصحابة ‏والتابعون وأئمة الهدى ، وهو سمــت العلمـــاء المقتدى بهم ، وفي يومنا هذا توزن ‏الأمور بمن كان على السنة من خلال أمور :‏
أ ) ـ العلماء العاملون المهتدون ، فهم القدوة والمثل الأعلى ، فمن زاد على ‏هديهم وعلى سمتهم في الأحكام والمواقف ، وفي الهدي والسلوك ، فهو المتشدد إن كان ‏غالياً ، والمقصر والمفرط إن كان متساهلاً .‏
ب ) ـ الخروج عن مقتضى التيسير وإيقاع المسلمين في العنت والحرج في أمور ‏دينهم ، والمقصود بالمسـلمين هنا : الذين هم على السنة ـ إذ لاعبرة بالفساق وأهل ‏الفجور ـ فمن أوقع المؤمنين في حرج في دينهم ، أو شدد عليهم ولم يسلك مسلك ‏التيسير في أمورهم التي يضطرون إليها فهو متشدد .‏
جـ ) ـ ومن علامات التشدد : التسرع في إطلاق الأحكام إذ بمجرد أن يسمع ‏أحدهم قضية أو حادثة أو خبراً أو مقولة ما ، يحكم على صاحبها غيابياً ، أو يحكم قبل أن ‏يتثبت ، أو يحكم باللوازم ، كأن يقول : ( إذا كان فلان قد قال كذا فهو كافر ) بدون ‏نقاش . ومثل قولهم : ( من لم يُكفّر فلاناً فهو كافر ) وربما لم يتبين له كفر فلان ، ومثل ‏قولهم : ( فلان رأى بدعة فلم ينكرها ، أو تنتشر بين قومــه فلــم يغيرهـا ، إذاً ‏فهو مبتدع ) ، وهكذا .... ، فنزعة إطلاق الأحكام ، والالزامات في الأقوال والإكثار ‏من التكفير بما يخرج عن سمت العلماء وحكمهم ورأيهم ، هذا مظهر بارز من مظاهر ‏التشدد في الدين .‏
د ) ـ ومن علامات التشدد الممقوت الحكم على القلوب وإساءة الظن والتوقف ‏في مجهول الحال والمستور ، والبراء على المسائل الخلافية . ‏
فالتشدد في الدين سبب رئيس من أسباب الافتراق ، وهو الذي افترقت به ‏الخوارج عن الأمة ، ثم ماتلاها من فرق وأهواء .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:13 PM
السبب الثامن : من أسباب الافتراق ( الابتداع ) : ‏
والبدع في الدين سواء في العقائد والعبادات والأحكام أو غيرها (‏ ‏).‏
وأهل البدع هم : كل من أحدث في الدين ماليس منه في الاعتقادات والأقوال ‏والأعمال ، ولها عند عامة أهل العلم إطلاقات :‏
الأول : عام حيث تطلق كلمة ( أهل البدع ) على كل أهل الأهواء والافتراق ‏والمبتدعات الاعتقادية والقولية والعملية : كالخوارج والشيعة والجهمية والمعتزلة وغيرهم .‏
الثاني : خاص حيث تطلق كلمة ( أهل البدع ) على أصحاب البدع العملية : ‏كالمقابرية ، وأصحاب التوسلات البدعية ، والصوفية الطرقية ، وبدع الأذكار والمشاهد ‏والمزارات ، ونحو ذلك .‏
والإطلاقان لايتعارضان بل يتداخلان ، لكن قد يكون إطلاق ( أهل البدع ) على ‏البدع العملية أكثر ، لأنها أظهر وأعم ، وأكثر في الناس ويدركها العامة والخاصة ( أهل ‏العلم ) .‏
أما البدع الاعتقادية فهي مما لايدركه إلاّ أهل العلم ، ويخفى أكثره على العامة ، ‏والبدع الاعتقادية ليست ظاهرة غالباً (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:14 PM
السبب التاسع : من أسباب الافتراق : ‏
‏( العصبيات بشتى أصنافها وأنواعها ) :
سواء كانت مذهبية أو ‏عرقية أو شعوبية أو قبلية أو حزبية أو شعارات أو غيرها ، وأخطر تلكم العصبيات هي ‏مايكون في مجـال الدعوة ، لأنه يُلَـبَّس على الناس ، وتكون هذه العصبيات في الدعوة ‏مبررة باسم الدين . ‏
وهذه السمة من أبرز السمات في أكثر الدعوات الإسلامية المعاصرة التي يقل في ‏أتباعها وقادتها الفقه في الدين ، وتعتمد على الفكر والثقافة والحركة أكثر من اعتمادها ‏على العلوم الشرعية والعلماء .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:14 PM
السبب العاشر : من الأسباب الكبرى للافتراق قديماً وحديثاً :‏
‏( تأثر المسلمين بالأفكار والفلسفات الوافدة من بلاد الكفار على المسلمين ) :
أياً كان ‏نوع هذه الأفكار والفلسفات ، مادامت تتعلق بأمور الدين أو الأحكام أو العادات ‏والأخلاق .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:15 PM
السبب الحادي عشر : ‏
من الأسباب للافتراق والتي حدثت بعد القرون الثلاثة الفاضلة ، هي : ‏
‏( دعاوى التجديد في الدين ) :
وقد صــح عـن النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ : (( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كــل مائة سنــة من يجــدد لها ‏دينها )) (‏ ‏) . والمفهوم الحقيقي للتجديد إنما يعني استئناف العمل بالدين اعتقاداً وعملاً ‏وإحياء مااندثر من السنن ، وإماتة ماابتدع من البدع والمحدثات ، كما صنع المجددون من ‏أئمة الدين في تاريخ المسلمين إلى يومنا ، حيث كانوا يجددون العمل بالسنة ، وهدي ‏السلف الصالح في العلم والعمل ، وليس التجديد وضع أصول وقواعد ومناهج جديدة ‏للدين ، كما يزعم كثير من المفكرين والكتاب ، فما بين وقت وآخر يظهر على المسلمين ‏بليَّة يدَّعي صاحبها أنه يريد أن يجدد للناس أمر دينهم ، وقد يكون هذا المجدد ينسف ‏بتجديده قواعد أهل العلم وما عليه أهل السنة والجماعة في المناهج والأصول . وهذه ‏الدعاوى التي تدعو إلى الافتراق كثرت في الآونة الأخيرة في مجال الدعوات المعاصرة ، ‏وقد كثُر الذين يَدْعون إلى التجديد ، وليتهم قصدوا بالتجديد تجديد أمور الحياة والوسائل ‏والأساليب والأسباب ، هذا أمر بديهي وهو من سنن الله في خلقه ، لكنهم قصدوا ‏بالتجديد تجديد الأصول والمناهج في الدين ، وتجديد العلوم وما استقر عند الأئمة في الدين ‏ومآخذ الفقه في الدين ومآخذ الأحكام من النصوص وغير ذلك ، وهذا أمر خطير ينسف ‏كل ماكان عليه أهل السنة والجماعة من الأصول التي أبقتهم على هدي النبي ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ وأصحابه والتابعين والقرون الفاضلة ، وذلك هو غير سبيل المؤمنين ، ‏الذي حذرنا الله منه (‏ ‏) . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:16 PM
السبب الثاني عشر : ‏
‏( التساهل في مقاومة ومحاربة مظاهر البدع في المسلمين ) :
بمعنى أنه قد تظهر ‏بعض البدع فيغفل عنها الناس ويتساهلون فيها ، ثم تنمو وتزيد وتكثر ، وقد تظهر بعض ‏البدع أول أمرها بمظاهر مُلبَسة تظهر على شكل عادات معينة أو أحوال معينة ، فتأخذ ‏بتبريرات وأشكال وأسماء أخرى غير أسماء البدع حتى تستقر ، ثم تتحول مع مرور الزمن ‏إلى بدع ثم بعد ذلك ينزع أصحابها إلى الفرقة أو الافتراق عن الدين وعن الأمة ، وأغلب ‏البدع وبذور الافتراق في التاريخ نشأت بهذا التدرج وهي من حيل الشيطان على الأمم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:16 PM
السبب الثالث عشر : كذلك من أسبابه : ‏
‏( ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) :
وترك المناصحــــة لولاة ‏الأمور والأئمة ، وذوي الشأن في الأمة ، ووقوع المداهنة في الدين ، وعدم قيام طائفة من ‏الأمة في أداء النصيحة ودرء الفساد والافتراق عنها ، والمناصحة باب عظيم من أبواب ‏الأمر بالمعروف والنهــي عن المنكر والجهــاد ، كما أوصى بذلك الرســول ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( وأن تُناصحوا من ولاّه الله أمركم )) (‏ ‏)، والمناصحة ‏قوة للخير وإعذار عند الله ، أو دفع للبلاء ، والنقمـــة عـــن الأمـــة (‏ ‏) ‏، ولكن النصح ـ لاسيما مع ولاة الأمور ـ يكون بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويكون ‏سراً ، لأن النصيحة ـ كما قيل ـ بين الملأ فضيحة ، والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:17 PM
المبحث الرابع
‏{ افتراق هذه الأمة واختلافها }‏
‏= = = = = = = =‏

ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عدة أحاديث بألفاظ مختلفة وروايات ‏متعددة كلها تنبىء عن وقوع الاختلاف والافتراق في هذه الأمة ، بيد أن هناك حديث ‏مشهور يدل على ذلك ، وهو العمدة في أحاديث الافتراق ، وقد رواه جمــع من ‏الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وخرجه الأئمة العدول والحفاظ في أسفارهم وسننهم ، ‏وصححه جمع من أهل العلم ـ كما سيأتي بيانه مفصلاً عند تخريجه إن شاء الله ـ وهذا ‏الحديث هو : مارواه أبو هريــرة ـ رضي الله عنه ـ قـال : قــال رســـول ‏الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ‏، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث ‏وسبعين فرقة )) (‏ ‏) .‏
وهناك رواية أخرى لهذا الحديث فيها زيادة على ماسبق ، وهي عن معاويـة بن ‏أبي سفيان ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إن ‏أهل الكتاب تفرّقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة ، وتفترق هذه الأمة على ثلاث ‏وسبعين كلها في النار إلاّ واحدة ، وهي الجماعة .... )) الحديث (‏ ‏) .‏
وهذا حديث عظيم قدره ، كبير شأنه ، مشهور الرواية ، ثابت لاشك فيه ، ‏ولذلك تتابع وتواتر العلماء خلفاً عن سلف على الاحتجاج به ، حتى قال عنه أبو عبد الله ‏الحاكم في أول مستدركه : ( إنه حديث كبــير في الأصــول ) (‏ ‏)، وهذا من ‏معجزاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، لأنه أخبر عن غيب وقع (‏ ‏) .‏
وقد قيل في معنى الحديث : بأن الافتراق المذكور فيه ، هو مايقع في أصول الدين ‏والاعتقاد ، لا مايقع في الفروع والاجتهادات الفقهية ، لأن مثل هذا قد وقع بين جمهور ‏الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة المسلمين في كثير من المسائل كما تقدم ـ قريباً ـ ‏‏(‏ ‏) ، وأن الخلاف إذا وقع في الأصول ومسائل العقيدة المجمع عليها ، يكون صاحبه ‏على غير الصراط المستقيم ، لأن الله تعالى يقول : { ... وَيــَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيـلِ ‏الْمُؤْمـِنـِينَ نُوَلّـِهِ مَاتَوَلَّى وَنُـصْـلِـهِ جَـهَـنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِــيراً } [ النساء ‏‏: 115 ] (‏ ‏) .‏
فالافتراق إذاً : لايكون إلاّ على أصول كبرى ، أي : أصول الدين التي لايسع ‏الخلاف فيها ، والتي تثبت بنص قاطع أو بإجماع ، أو استقرت منهجاً عملياً لأهل السنة ‏والجماعة لايختلفون عليه ، فما كان كذلك فهو أصل ، من خالف فيه فهو مفترق ، أما ‏مادون ذلك فإنه يكون من باب الاختلاف ، فالاختلاف يكون فيما دون الأصول مما ‏يقبل التعدد في الرأي ، ويقبل الاجتهاد ، ويحتمل ذلك كله ، وتكون له مسوغات عند ‏قائله ، أو يحتمل فيه الجهل والإكراه والتأول ، وذلك في أمور الاجتهاديات والفرعيات ، ‏ويكون في بعض الأصول التي يُعذر فيها بالعوارض عند المعتبرين من أئمة الدين ، ‏والفرعيات أحياناً قد تكون في : ‏
بعض مسائل العقيدة التي يتفق على أصولها ، ويختلف على جزئياتها ، كإجماع ‏الأئمة على وقوع الإسراء والمعراج ، واختلافهم وتنازعهم في رؤية النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ لربه ، هل كانت عينية ، أو قلبية ؟ (‏ ‏) .‏
قال عبد القاهر البغدادي التميمي (‏ ‏) : ( وقد علم كل ذي عقل من اصحاب ‏المقالات المنسوبة إلى الإسلام أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يُرِدْ بالفرق التي هي من أهل ‏النار فِرَقَ الفقهاء الذين اختلفوا في فروع الفقه مع اتفاقهم على أصول الدين ، لأن ‏المسلمين فيما اختلفوا فيه من فروع الحلال والحرام على قولين : ‏
أحدهما : قول من يرى تصويب المجتهدين كلهم في فروع الفقه ، وفرق الفقه ‏كلها عندهم مصيبون .‏
والثاني : قول من يرى في كل فرع تصويب واحد من المختلفين فيه ، وتخطئة ‏الباقين ، من غير تضليل منه للمخطىء فيه .‏
وإنما فصل النبي عليه الصلاة والسلام بذكر الفرق المذمومة فرق أصحاب الأهواء ‏الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية في أبواب العدل والتوحيد ، أو في الوعد والوعيد ، أو ‏في بابي القدر والاستطاعة ، أو في تقدير الخير والشر ، أو في باب الهداية والضلالة ، أو في ‏باب الإرادة والمشيئة ، أو في باب الرؤية والإدراك ، أو في باب صفات الله عز وجل ‏وأسمائه أوصافه ، أو في باب من أبواب التعديل والتجوير ، أو في باب من أبواب النبوة ‏وشروطها ونحوها من الأبواب التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي ‏والحديث على أصل واحد خالفهم فيها أهل الأهواء الضالة من القدرية والخوارج ‏والروافض والنجارية ، والجهمية والمجسمة ، والمشبهة ومن جرى مجراهم من فرق الضلال ‏فإن المختلفين في العدل والتوحيد والقدر والاستطاعة وفي الرؤية والصفات والتعديل ‏والتجوير وفي شروط النبوة والإمامة يكفِّر بعضهم بعضاً .‏
فصحَّ تأويل الحديث المرويّ في افتراق الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة إلى هذا النوع من ‏الاختلاف ، دون الأنــواع التي اختلفت فيهـا أئمــة الفقه مــن فـروع ‏الأحـكام في أبـواب الحلال والحرام ، وليس فيما بينهم تكفير ولا تضليل فيما ‏اختلفــوا فيه من أحكام الفروع ) ا هـ (‏ ‏) .‏
وبهذا قد لخص لنا ـ عبد القاهر التميمي رحمه الله ـ المراد بالحديث في آخر ‏كلامه بأوجز عبارة ، وأقصر إشارة ، والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:19 PM
المبحث الخامس
‏{ سبل الوقاية من التفرق والاختلاف }‏
‏= = = = = = = =‏

وأخيراً : كيف نتوقى الافتراق ؟
لاشك أن توقي الافتراق وسد ذرائعه قبل وقوعه خير من علاجه بعد وقوعه . ‏وينبغي أن نعرف أن توقي الافتراق يكون بتوقي أسبابه التي مضت (‏ ‏) ، وهناك أمور ‏أخرى تكون سبباً للوقاية من الافتراق وهي عامة وخاصة :

فمن الأسباب العامة :‏
الاعتصام بالكتاب والسنة (‏ ‏) ، وهذه قاعدة كبرى لابد أن يندرج تحتها توصيات ‏وأمور كثيرة ، وهي الأسباب الخاصة :‏
‏1 ـ من ذلك معرفة هدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتمسك به ، ‏ومن فعل هذا سيهتدي إن شاء الله ويكون من دينه على بصيرة ، ومن ثم يبتعد عن ‏الافتراق أو النزوع إلى الفرقة أو الوقوع فيها وهو لايشعر .‏
‏2 ـ من الأسباب الخاصة التي تقي من الافتراق السير على نهج السلف الصالح ، ‏الصحابة والتابعين وأئمة الدين أهل السنة والجماعة (‏ ‏) . ‏
هذا وقد أوصى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته بالسير على نهج السلف الصالح ‏من بعده فقال : (( اقتدوا بالَّلــذَيْنِ من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر ، واهتدوا ‏بهدي عمّار ، وتمسكوا بعهد ابن مسعود )) (‏ ‏) ، فاقتفاء هدي الرسول ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ والصحابة ومن تبعهم من الأسباب الواقية من فتنة التفرق والاختلاف .‏
‏3 ـ التفقه في الدين بأخذه عن العلماء وبطريقته الصحيحة بمنهج أهل العلم .‏
‏4 ـ ومنها الالتفاف حول علماء الأمة ، الأئمة المهتدين الذين تثق الأمة بدينهم ‏وعلمهم وأمانتهم ، وهم بحمد الله كثيرون ، ولا يمكن أن تفقدهم الأمة ، ومن زعم أنهم ‏يفقدون ، فقد زعم أن الدين ينتهي ، وهذا لايصح لأن الله تكفل بحفظه إلى قيام الساعة ‏ولأن الأمة إنما تمثل بعلمائها ، وأهل السنة والجماعة لابد ظاهرون إلى قيام الساعة ، وإنما ‏يمثلهم أهل العلم والفقه في الدين ، فمن ادعى في يوم من الأيام أنه يمكن أن يكون هناك ‏فَقْدٌ لأهل العلم ، أو لايوجد القدوة من العلماء تهتدي بهم الأمة فقد زعم أنه ليست هناك ‏طائفة منصورة ولا فرقة ناجية ، وأن الحق ينقطع ويعمى عن الناس ، وهذا يخالف قطعيات ‏النصوص وبدهيات الدين (‏ ‏) . ‏
إن الالتفاف حول العلماء ـ أئمة أهل السنة والجماعة في وقتهم ـ عامل معين ‏على عدم الزيغ والانحراف في وقت الفتن ، وعامل وسبيل من سبل الوقاية من فتنة التفرق ‏والاختلاف ، وكيف لا ؟ وهم أنصار شرع الله والذين يبينون للناس الحق من الباطل ، ‏والهدي من الضلال ، ولذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إن من الناس ‏ناساً مفاتيح للخير، مغاليق للشر ... )) (‏ ‏) . فلا بد من الالتفاف حولهم بحضور ‏حِلَقِهِم العلمية وزيارتهم زيارات دورية حتى لاتنقطع علاقاتنا بهم ، وحتى لايجد أعداء ‏الإسلام فجوة يستطيعون الدخول عن طريقها للنخر في الإسلام ، وقد حدث في التاريخ ‏الإسلامي فتن ثبت الله فيها المسلمين بعلمائهم ، ومن ذلك ماقاله علي بن المديني ـ ‏رحمه الله ـ : ‏
‏( أعز الله الدين بالصديق يوم الردة ، وبأحمد يوم المحنة ) . ومن ذلك : ماذكره ‏ابن القيم ـ رحمه الله ـ من التفافـــه حــول عالمه وشيخه شــيخ الإسلام ‏ابن تيمية ـ رحمه الله ـ إبان الفتن حيث قال : ( وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا ‏الظنون ، وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله ‏عنا ) (‏ ‏) .‏
‏5 ـ ومنها الحذر من التعالي على العلماء ، أو الشذوذ عنهم بأي نوع من أنواع ‏الشذوذ التي تؤدي إلى الفتنة أو المفارقة .‏
‏6 ـ من ذلك ايضاً ضرورة معالجة مظاهر الفرقة خاصة عند بعض الأحداث أو ‏المتعجلين والذين تخفى عليهم الحكمة في الدعوة ، وينقصهم الفقه في الدين والتجارب .‏
‏7 ـ الحرص على الجماعة والاجتماع والإصلاح بمعانيها العامة وبأصولها ، إذ ‏لابد أن يحرص كل مسلم وكل طالب علم بالأخص وكل داعية بشكل أخص ، على ‏الجماعة والاجتماع والإصلاح بين الدعاة وأهل الخير ، وعلى جمع الكلمة على البر ‏والتقوى .‏
‏8 ـ ومن توقى الوقوع في الفرقة تجنب الجزئيات وإن كانت في الدعوة ، ‏وكذلك العصبيات أياً كان نوعها ومصدرها لأنها بذور للفرقة .‏
‏9 ـ ومنه إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على فقه وبصيرة (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 01:20 PM
الفصل الرابع

المبحث الأول
‏{ دواعي فتنة المرأة وظواهرها }‏
‏= = = = = = = = = = ‏

قال تعالى : { زُيــِّنَ لِلنَّـاسِ حُبُّ الشَّــهَــوَتِ مِنَ النِّسَاءِ ‏وَالْـبَـنِينَ وَالْقَـنَـطِيرِ الْمُـقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْـفِضَّـةِ وَالْخَـيـْلِ ‏الْـمُسَــوَّمـَــةِ وَالأَنْـعَـمِ وَالْـحَـرْثِ ذَلِكَ مَـتَــعُ الْـحَـيَـــوةِ الدُّنْــيَا وَاللهُ ‏عِندَهُ حُـسْــنُ الْـمَـئَابِ } [ آل عمران : 14 ] .‏
مقتضى هذا القول الكريم أن المرأة تكون فتنة للرجل في حالة معينة ‏وهي حالة اشتهائها من الرجل لأنها تكون مشتهاة منه ، وهذا هو منطق ‏الفطرة ، فالشيء الذي تعافه النفس أو تعزُف عنه لايكون مثار فتنة بالنسبة ‏إليها . فإذاً : مَكْمَن الفتنة ومحورها في الرجل تجاه المرأة كون المرأة ‏مُشتهاة ومطلوبة من الرجل ، ولاشك أن الإنسان من حيث هو إنسان ‏ضعيف أمام شهواته عموماً ، خاصة إذا كان من هذه الشهوات مايكون ‏غريزياً يسري في الدم واللحم ، ويستمد قوته وسريانه من مطعومات هذا ‏الإنسان ومشروباته ، فإن الأمر حينئذٍ يصبح أشد وأقوى مما يجعل هذا ‏الإنسان أضعف وأضعف أمام هذا النوع من الشهوات ، وقد عالجت ‏الديانات الوضعية قبل الإسلام هذه المشكلة ، مشكلة شهوة الرجل للمرأة ، ‏بوسائل لم يكن من شأنها رحمة هذا الإنسان ، والترفق به ، ورفع مكانته ‏ككائن مخلوق لغاية نبيلة شريفة في هذه الحياة ، بل كان هذا العلاج نوعاً ‏من الدمار الذي حلّ بالإنسان ، حيث أباحت بعض هذه الديانات للإنسان ‏قضاء شهوته بدون تحديد ضوابط أو معايير ، فعمّت الإباحية والشيوعية ‏وأصبح الإنسان حيواناً ينزو على المرأة ، وأصبحت المرأة بذلك شيئاً ‏رخيصاً تافهاً في نظر هذا الإنسان ، وزاد سُعار الشهوة بين الرجال ‏والنساء . والإسلام العظيم عالج هذه القضية بأتم علاج وأفضله وأحكمه . ‏ولم يكن هذا العلاج يتجاهل تكوين الرجل وخصائصه وضعفه أمام شهواته ‏، ومنها شهوة المرأة ، وبالتالي فلم يتجاهل المرأة كذلك كمخلوق لها ‏أحاسيسها ، ولها رغباتها ، تحتاج وتشتهي الرجل بالقدر الذي يشتهيها ‏الرجل أو أكثر .‏
جاء الإسلام العظيم بعلاج ينتظم السعادة والخير والكرامة والرفعة ‏والعفة للرجل والمرأة في آن واحد ، فلم يبح الإسلام الأمر في قضاء الشهوة ‏كما أباحته الديانات الوضعية والفلسفات السابقة عليه ، وإنما كان موقفه ‏متفرداً يقوم على المواء مة بين متطلبات الروح والجسد ، ذلك أن الإنسان ‏كائن قوامه الجسد والروح ، ولكل منهما طلباته وضروراته . فإطغاء جانب ‏على آخر مما يُشقي هذا الإنسان ، وهذا هو المطب الذي وقعت فيه تلك ‏الديانات والفلسفات قبل الإسلام حيث كانت عمياء ، فلم تُبصر طبيعة تكوين ‏هذا الكائن الإنساني فأهملت جانب الروح فيه وأشبعت جانب المادة . وهذا ‏مانراه اليوم من مظاهر وسمات مايُسمى بالحضارة الغربية في مظاهرها ‏وأوساخها وحركاتها وماتدعو له .‏
نرى عُرام الجسد وقوته واضحة ، بينما ضَمُرَ وجفَّ جانب الروح ‏تماماً . والإسلام حين ينظم العلاقة واللقاء بين الرجل والمرأة ، كان ذلك ‏سبيلاً إلى قيام حياة فاضلة راشدة يُرفرف عليها رايات الخير والاستقرار ‏والانشراح .‏
عرّف الإسلام أتباعه بأن المرأة فتنة للرجل من حيث إنها مشتهاة ‏منه . كما عرفهم بأن الرجل فتنة للمرأة كذلك من حيث إنه مشتهاً منها ، ‏ولكن الإسلام لم يترك أتباعه أمام هذه الفتنة ضعافاً تعصف بهم كيفما ‏شاءت وتطيح بهم فتذرهم ذات اليمين وذات الشمال ، فلا يقومون لخير ولا ‏يصلحون له . وإنما جاء بالتعليمات الفاضلة الهادفة التي من شأنها أن تجعل ‏المسلمين يقفون أمام هذه الفتنة ولا يسقطون ، فحرّم الاختلاط ، وحرّم الزنا ‏ودواعيه ومقدماته وأسبابه ، وأحاطهم بسياج من الفضيلة والطهر والنقاء ‏يتمثل ذلك فيما شرعه لهم من الصلاة والجهاد والذكر والصوم وطاعة الله ‏تبارك وتعالى . وجعل سبيل الوصول إلى قضاء الشهوة من الجانبين محاطاً ‏بشرع الله في ثوب من العفة والنقاء ، فشرّع النكاح وحث عليه ودعا إليه ، ‏ووعد بالأجر والثواب والسعة عليه ، وأعلى على لسان النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ أن من بلغ سن النكاح واستطاع الباءة والنفقة والقيام بحقوق ‏الزوجية فعليه بالزواج ، ومن لم بسـتطع فله في الصوم ، فرصة مؤقتة ، ‏وليست طويلة أو دائمة ليستطيع بعدها لتهيئة نفسه للزواج ، وأمر في ذات ‏الوقت لأولياء أمور النساء بوجوب تزويجهن ممن يُرضى دينه وخلقه ، ‏وهدّد بأن النكوص عن تحقيق ذلك وقفل الأبواب أمامه فتنة وفساد لايعلم ‏نتائجهما وآثارهما إلاّ الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : (( إذا جاءكم من ‏ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)) (‏ ‏) .‏
ولكن يظل الرجل من حيث هو رجل مفتوناً بالمرأة من حيث هي ‏امرأة مشتهاة من الرجل ، ولذلك فإن الإسلام لم يتناول هذا الجانب من ‏حيث كونه هو تناولاً سلبياً ، وإنما بينت الأحاديث الشريفة مظاهر هذه ‏الفتنة وأسبابها ووضعت العلاج لها ، وذلك كله لكي تستقيم مسيرة المسلم ‏فوق ظهر الأرض لتعمر حياته بقيم الدين الفاضلة وأخلاقه السامية ، فيسعَد ‏ويُسعد ، وتكون حياته الدنيا الناجحة سبيلاً إلى حياة أُخروية ناجحة ، فلم ‏يفجأ المسلمون بناء على ذلك بما قذفتهم به حياة الغرب والشرق من أحوال ‏المرأة وموضاتها وطرائق حياتها ، لأن نبي الإسلام قد بين بعض أوصاف ‏وأحوال لما ستكون عليه المرأة حينما تتمرد عن قيم الدين وأخلاقياته ‏فتخرج كاسية عارية ، مائلة مميلة ، تستعمل من ألوان الموضات والقصات ‏مايشبه بعضه سنام البخت المائلة في شعرها .‏
وقد ذكر ابن كثير ـ رحمه الله ـ سبب تقديمه سبحانه وتعالى للنساء ‏والابتداء بهن من بين الشهوات الأخرى فقال : ( يُخبر تعالى عما زين ‏للناس في هذه الحياة الدنيا من أنـواع المـلاذ من النســاء والبنين فبدأ ‏بالنسـاء لأن الفتنة بهن أشد ، كما ثبت في الصحيح أنه ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قال : (( ماتركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)) (‏ ‏) . فأما إذا ‏كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب ‏إليه كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه ، وإن خير ‏هذه الأمة من كان أكثرها نساءً (‏ ‏) ) (‏ ‏) ‏
هذا وقد أشـار ـ أيضـاً ـ الحافـظ ابـن حجـر ـ عند شرحه لهذا الحديث ‏السابق : (( ماتركت بعدي فتنة .... )) ـ إلى أن الفتنة بالنســاء أشد من ‏الفتنـــة بغيرهــن ، فقال ـ رحمه الله ـ : ( وفي الحديث أن الفتنة بالنساء ‏أشد من الفتنـة بغيرهن ، ويشهد له قوله تعالى : { زُيــِّنَ لِلنَّـاسِ حُبُّ ‏الشَّــهَــــوَتِ مِنَ النِّسَاءِ } [ آل عمران : 14 ] ، فجعلهـن من حـب ‏الشــهوات ، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك .... ‏‏) (‏ ‏) ‏
ومن المناسب هنا أن تُذكر فرية من دأب بعض الكتاب والأُدباء في ‏عصرنا . وهي ماذكره الشيخ أحمد شاكر ـ رحمه الله ـ وردَّ عليه حيث قال ‏‏: ( وقد دأب الكتاب والأدباء في عصرنا هذا على فرية أن آدم عليه الســلام ‏خدعته حواء حتى أكل من الشجرة !!! يصطنعون قول الكاذبين المفترين ‏من أهل الكتاب ، بما حرفوا وكذبوا ثم اجترؤوا واجترأت الصحف الماجنة ‏والمجلات الداعرة على السخرية بآدم وحواء ، وتصويرهما في صور ‏قبيحة منكرة جرأة منهم على الدين واستهزاء بأول النبيين ، وما كان لمسلم ‏أن يفعل هذا أو يقوله ، أعاذنا الله مما يقولون ويصنعون ) (‏ ‏) ا هـ .‏
وأشار المباركفوري ـ رحمه الله ـ إلى العلة في كونه ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ ماترك بعده فتنة أضر على الرجال من النســـاء فقــال : ( لأن ‏الطباع كثيراً تميل إليهن وتقع في الحـــرام لأجلـــهن وتسعى للقتال والعداوة ‏بسببهــن ، وأقل ذلك أن ترغبه في الدنيا ، وأي فســـاد أضر من هذا ، وإنما ‏قال : (( بعدي )) لأن كونهـــن فتنة أضرّ ، ظهر بعده (‏ ‏) ) ا هـ (‏ ‏) .‏
وأما القسطلاني فقد ذكر بأن : ( تحقيق كون الفتنة بهن أشد ، أن ‏الرجل يحب الولد لأجل المرأة ، وكذا يحب الولد الذي أمه في عصمته ، ‏ويرجحه على الولد الذي فارق أمه بطلاق أو وفاة غالباً ، وقد قال مجاهد ‏في قوله تعالى : { إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَـــدِكُمْ عَدُوّاً لَّــكُمْ } [ التغابن : ‏‏14 ] ، قال : تَحْمِلُ الرجل على قطيعة الرحم ، فلا يستطيع مع حبه إلاّ ‏الطاعة ) (‏ ‏) انتهى .‏
ومن فتن النساء للرجال مانراه اليوم عياناً جهاراً ، ليلاً ونهاراً ، من ‏ظهور النساء كاسيات عاريات مائلات مميلات ، وهذا من علامات الساعة ‏الصغرى (‏ ‏) التي أخبر عنها الصادق المصدوق عليه صلوات ربي ‏وسلامه .‏
فعـــن أبـــي هريـــرة ـ رضــي الله عنه ـ قال : قال رســول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( صنفان من أهل النار لم أرهما ، قوم معهم سياط ‏كأذناب البقر ، يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات ، مميلات مائلات ، ‏رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لايدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها لتوجــد ‏مــن مسيرة كذا وكذا )) (‏ ‏) .‏
وقد علق النووي ـ رحمه الله ـ على الحديث قائلاً : ( هذا الحديث ‏من معجزات النبوة ، فقد وقع ماأخبر به ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) (‏ ‏) .‏
وإذا كان هذا وقع في عصر النووي ـ رحمه الله ـ فهو في زماننا هذا ‏أكثر وقوعاً وأشد انتشاراً ، وأبين ظهوراً . والله المستعان .‏
وقد سمى النبي هذا الصنف من النساء بالكاسيات العاريات ، لأنهن ‏يلبسن الثياب ومع هذا فهن (( عاريات )) لأن ثيابهن لاتؤدي وظيفة الستر ‏لرقتها وشفافيتها كأكثر ملابس النساء في هذا العصر (‏ ‏) .‏
وقيل : إن معنى (( الكاسيات العاريات )) أي : كاسية جسدها ولكنها ‏تشد خمارها وتضيق ثيابها حتى تظهر تفاصيل جسمها ، فتبرز صدرها ‏وعجيزتها ، أو تكشف بعض جسدها ، فتعاقب على ذلك في الآخرة (‏ ‏) .‏
وقد جمـع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وصف هؤلاء النسوة ‏بأنهن (( كاسيات عاريات )) وأيضاً (( مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت ‏المائلة )) ، وهذا إخبار عن شيء مشاهد في هذا العصر ، كأنه ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ ينظر إلى عصرنا هذا ويصفه لنا ، فقد أصبح في عصرنا هذا ‏أماكن لتصفيف شعور النساء وتجميلها وتنويع أشكالها في محلات تسمى ( ‏كوافير ) يشرف عليها غالباً رجال يتقاضون أغلى الأجور ، وليس ذلك ‏فحسب ! فكثير من النساء لايكتفين بما وهبهن الله من شعر طبيعي فيلجأن ‏إلى شراء شعر صناعي تصله المرأة بشعرها ليبدو أكثر نعومة ولمعاناً ‏وجمالاً لتجذب إليها الرجال (‏ ‏) .‏
وأما قوله : (( مميلات مائلات )) ففي معناها أربعة أوجه ـ كما ذكر ‏النووي رحمه الله ـ : ـ
‏1 ـ زائغــــات عــــن طاعـــة الله تعـالى وما يلزمهن من حفظ ‏الفروج وغيرها ، ومميلات : يُعلمن غيرهن مثل فعلهن .‏
‏2 ـ مائلات أي : متبخترات في مشيتهن ، مميلات أكتافهن .‏
‏3 ـ مائلات أي : يتمشطن المشطة الميلاء وهي مشطة البغايا معروفة ‏لهن .‏
‏ ومميـــلات : يمشطن غيرهن تلك المشطة .‏
‏4 ـ مائلات إلى الرجال ، مميلات لهم بما يبدين من زينتهن وغيرها ‏‏(‏ ‏) .‏
ومعنى (( رؤوسهن كأسنمة البخت .... )) أي يعظمن رؤوسهن بالخمر ‏والعمائم وغيرها مما يلف على الرأس حتى تشبه أسنمة الإبل البخت . وهذا ‏هو المشهور في تفسيره كما قال النووي ـ رحمه الله ـ .‏
وقيل : يجوز أن يكون معناه يطمحن إلى الرجال ، ولا يغضضن ‏عنهم ، ولا يُنكِّسْن رؤوسهن (‏ ‏) .‏
ونقل النووي ـ رحمه الله ـ : ( أن المائلات تمشطن المشطة الميلاء ، ‏وهي ضفر الغدائر وشدّها الى فوق وجمعها في وسط الرأس فتصير كأسنمة ‏البخت . ـ وذكر ـ أن هذا يدل على أن المراد بالتشبيه بأسنمة البخت إنما هو ‏لارتفاع الغدائر فوق رؤوسهن ، وجمع عقائصها هناك وتكثرها بما ‏يضفرنه حتى تميل الى ناحية من جــوانب الرأس كما يميل السنام ) (‏ ‏) . ‏
هـذا وقد بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمثال هؤلاء النسوة في ‏عجز الحديث بقوله : (( لايدخلن الجنة )) وهو محمول على من استحلت ‏حراماً من ذلك مع علمها بتحريمه ، فتكون كافرة مخلدة في النار لاتدخل ‏الجنة ابداً .‏
وقيل : يحمل على أنها لاتدخلها أول الأمر مع الفائزين ، والله تعالى ‏أعلم (‏ ‏) .‏
والملاحظ اليوم أن النساء قد خرجن عن الآداب الشرعية ، فأصبحن ‏يلبسن ثياباً شفافة تصف عوراتهن ، ويمتشطن مشطة تجعل رؤوسهن ‏كأسنمة الإبل البُخت .‏
وفتن النساء هذه التي أخبر عنها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏موجودة الآن وواقعة ـ كما تقدم قريباً من كلام النــووي رحمه الله ـ فالفتنة ‏بهن أشد من الفتنـة بغيرهن ـ كما تقدم ـ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في ‏النساء ، وكان نساؤهم يكلفن رجالهم مالا يطيقون كما في الحديث : (( إن ‏أول ماأهلك بني إسرائيل أن امرأة الفقير كانت تكلفه من الثياب أو الصيغ ماتكلف ‏امرأة الغني )) (‏ ‏) والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:21 PM
المبحث الثاني
‏{ فتنة الخلوة بالنساء والتحذير منها }‏
‏= = = = = = = = = = = = ‏

حذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الخلوة بالنساء غير المحارم ‏أيما تحذير ، وأنذر من ذلك وأعذر وكرر . وماذاك إلاّ لما يترتب على ‏الخلوة من المفاسد العظمية ، والمحن الجسيمة .‏
فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : سمعت النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ يخطب يقول : (( لايخلون رجل بامرأة إلاّ ومعها ذو محرم .... )) ‏‏(‏ ‏) .‏
وأخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن الخلوة بالمرأة الأجنبية توجب ‏حضور الشيطان فيصبح ثالثهما ، فيوسوس بينهما حتى يوقعهما في الإثم ‏والهلاك . ‏
فعن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ : ‏
‏(( .... لايخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان ... )) (‏ ‏) .‏
والخلوة المحرمة التي عناها الشارع هنا هي : انفراد الرجل مع ‏المرأة الأجنبية في مكان يأمنان فيه دخول أحد عليهما .‏
والمراد بالمحرم من لايحل له نكاحها من أقاربها كالأب والابن ‏والأخ والعم ومن يجري مجراهم ، فإن كان معها أحد من هؤلاء جاز ‏لانتفاء المحذور . ولو كان معها زوجها كان كالمحرم وأولى بالجواز (‏ ‏) .‏
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( فإن ثالثهما الشيطان )) معناه : أنه ‏إذا لم يكن معها محرم فإن الشيطان يحضر هذا المجلس ، ويكثر لهما ‏الوسوسة بالزنا فيقعان فيه ، وسببه الخلوة (‏ ‏) ، والشيطان يكون مع ‏الواحد ، وهو من الإثنين أبعد ، ومعناه : أن المرأة إذا كانت منفردة مع ‏أجنبي كان الشــيطان معها ، فإذا كان معها محــرم تباعد الشــيطان عنها ‏‏(‏ ‏) .‏
وكما نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الخلوة بالمرأة الأجنبية ‏، نهى ايضاً عن الدخول على النساء .‏
فعن عُقبة بن عامر أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( ‏إياكم والدخولَ على النساء )) فقال رجل من الأنصار : يارسول الله ! أفرأيت ‏الحمْوَ ؟ قال : (( الحَمْوُ الموتُ )) (‏ ‏) .‏
والحموُ : مفرد أحماء ، وهم أقارب زوج المرأة كأبيه وعمه وأخيه ‏وابن أخيه وابن عمه ونحوهم ، وأما أقارب زوجة الرجل فيقال لهم أخْتان ‏‏.والأصهار يقع على النوعين .‏
والحمو : كلمة تقولها العرب ، كما يقال الأسد الموت ، أي لقاؤه مثل ‏الموت ، فالخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في الدين ، فجعله كهلاك ‏الموت . فورد الكلام مورد التغليظ .‏
ومعنى الحديث : أن الخوف من الحمو أكثر من غيره ، والشر ‏يُتوقع منه ، والفتنـــة أكثــر لتمكنــه من الوصول إلى المرأة والخلوة من ‏غير أن ينكر عليه . بخلاف الأجنبي . والمراد بالحمو هنا : أقارب الزوج ‏غير آبائه وأبنائه . فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته ، تجوز لهم الخلوة ‏بها ، ولا يوصفون بالموت . وإنما المراد الإخ وابن الأخ ، والعم وابنه ‏ونحوهم ممن ليس بمحرم ، فهذا هو الموت ، وهو أولى بالمنع من الأجنبي ‏‏(‏ ‏) .‏
وقد جرت العادة عند كثير من الناس اليوم بالتساهل في أمر الأحماء ‏، ودخولهم على الزوجات وخلوتهم بهن ، ، فيخلو الأخ بامرأة أخيه فتتفجر ‏الفتنة والهلاك ، فلذا شبهه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالموت . وهو ‏أولى بالمنـــع مـــن الأجنبي ، فالشر بـه أكثر ، والفتنة به أمكن من ‏الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير نكير عليه ، بخلاف الأجنبي .‏
ومن المناسب جداً أن تُذكر هنا حادثة لأبي بكر الصديق ـ رضي الله ‏عنه ـ في هذا المضمار : ‏
دخل نفر من بني هاشم على أسماء بنت عميس ، فدخل أبو بكرٍ ‏الصديق ـ رضي الله عنه ـ وهي تحته يومئذٍ ، فرآهم ، فكره ذلك ، فذكر ‏ذلك لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال : لم أرَ إلاّ خيراً . فقال رسول ‏الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إنّ الله قد برَّأها من ذلك )) . ثــم قـــام رســولُ ‏الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المنبر فقال :‏
‏(( لايدخُلَنَّ رجلٌ بعد يومي هذا على مُغِيبَةٍ ، إلاّ ومعه رجل أو اثنان )) (‏ ‏) .‏
والمُغِيبَة : ـ بضم الميم وكسر الغين المعجمة وإسكان الياء ـ هي : ‏التي غاب عنها زوجها . والمراد غاب زوجها عن منزلها سواء غاب عن ‏البلد بأن سافر ، أو غاب عن المنزل وإن كان في البلد (‏ ‏) .‏
قال النووي ـ رحمه الله ـ : ( ظاهر هذا الحديث جواز خلوة الرجلين ‏أو الثلاثة بالأجنبية . والمشهور عند أصحابنا تحريمه . فيتأول الحديث على ‏جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة لصلاحهم أو مروءتهم أو ‏غير ذلك ، وقد أشار القاضي إلى نحو هذا التأويل ) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:22 PM
المبحث الثالث
‏{ التحذير من فتنة النساء }‏
‏= = = = = = = =‏

حذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من فتنة النساء أيما تحذير ، ‏وأنذر وأعذر ، وكرر ذلك في غير ما حديث ، فمضرة النساء والفتنة بهن ‏عظيمة ، وعاقبتها مَذمومة وخيمة .‏
فعـن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قال : ‏
‏(( إن الدنيا حُلوةٌ خَضِرَةٌ وإِن الله مستَخْلِفُكُم فيها . فينظُرُ كيف تعملونَ . فاتقوا ‏الدنيا واتقوا النساء . فإن أول فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء )) (‏ ‏) .‏
ففي هذا الحديث تحذير منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من فتنة النساء ‏لاسيما الزوجات .‏
وقد ذكر النووي ـ رحمه الله ـ معنى : (( واتقوا النساء )) فقال : ( ‏اجتنبوا الافتتان بالنساء وتدخل في النساء الزوجات وغيرهن ، وأكثرهن ‏فتنة الزوجات ، لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن ) (‏ ‏) .‏
‏ والمراد بقوله : (( إن الدنيا حلوة خضرة )) يحتمل شيئين :‏
أحدهما : حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها . كالفاكهة الخضراء ‏الحلوة ، فإن النفوس تطلبها طلباً حثيثاً . فكذا الدنيا .‏
والثاني : سرعة فنائها كالشيء الأخضر في هذين الوصفين (‏ ‏) .‏
وقوله : (( إن الله مستخلفكم فيها )) أي : جاعلكم خلفاء من القرون ‏الذين قبلكم فينظر هل تعملون بطاعته أم بمعصيته وشهواتكم (‏ ‏) .‏
ومن فتن النساء التي حذر منها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنذر : ‏ماجاء عن جابر ابن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ رأى امرأةً فأتى امرأته زينب ، وهي تَمْعَسُ مَنِيْئَةً لها (‏ ‏) ‏فقضى حاجته ، ثم خرج إلى أصحابــه فقـال : (( إن المرأة تُقبِلُ في صورة ‏شيطان ، وتُدبر في صورة شيطان ، فإذا أبصر أحدكم امرأةً فليأتِ أهله فإن ذلك ‏يرُدُ مافي نفسه )) (‏ ‏) .‏
‏( ومعنى الحديث : أنه يستحب لمن رأى امرأة فتحركت شهوته أن ‏يأتي امرأته أو جاريته إن كانت له ، فليواقعها ليدفع شهوته ، وتسكن نفسه ، ‏ويجمع قلبه على ماهو بصدده ) (‏ ‏) .‏
وهناك رواية أخرى أصرح من هذه الرواية دلالــة ومعنــى ، وهـي ‏تدل على معنى الحديث المذكور ، بل هي مبينـة لهذه الروايــة المذكـــورة ، ‏كما قال النووي ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) . وهي لجابـــر ـ رضــي الله عنه ـ أيضاً ‏قــــال : سمعـت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( إذا أحَدكم أعجَبَتْهُ ‏المرأةُ ، فوقعت في قلبه ، فليعمد إلى امرأته فليواقعها ، فإنّ ذلك يَرُدُّ مافي نفسه )) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏ وفي لفظ : (( .... فليقم إلى أهله فإن معها مثل الذي معها )) (‏ ‏) .‏
ففي هذه الأحاديث تشبيه من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بليغ ، ‏فكما أن الشيطان يفتن بني آدم بإغوائه ، ووسوسته ، فكذلك المرأة فيها فتنة ‏للرجال ، وبالأخص إذا كانت تستعمل شيئاً من الأصباغ وتخرج متبرجة ‏سافرة ، فحينئذٍ تكون الفتنة بها أعظم ، والمحنة أجسم وأوخم .‏
هذا وقد وصف لنا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث ‏العلاج الشافي ، والدواء الكافي ـ بعد الله سبحانه وتعالى ـ لمن رأى امرأة ‏فأعجبته وهو جنحه إلى امرأته أو جاريته وإتيانه لها . ثم علل ذلك بقوله : ‏‏(( فإن ذلك يرد مافي نفسه )) أي : يكبح بذلك شهوته ، وتسكن نفسه ، ويجمع ‏قلبه على ماهو بصدده .‏
وأخبر في آخر رواية ذُكرت بأن عند امرأة كل إنسان ماعند التي ‏رآها فأعجبته وفتنته مما يدرأ به فتنتها ، ويكبح به شهوته ، ويطفئ ناره .‏
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إن المرأة تقبل في صورة شيطان ‏‏))معنــاه ـ كما نقل النووي رحمه الله عن العلماء ـ : ( الإشارة إلى الهوى ‏والدعاء إلى الفتنة بها ، لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى ‏النساء والالتذاذ بنظرهن وما يتعلق بهن ، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه ‏إلى الشر بوسوسته وتزيينه له ) (‏ ‏) .‏
ثم قال النووي : ( ويُستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج بين ‏الرجال إلاّ لضرورة ، وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها والإعراض عنها ‏مطلقاً ) (‏ ‏) .‏
ويمكن أن يكون المراد ـ أيضا ـ من خلال تشبيه الرسول ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ للمرأة في خروجها مقبلة ومدبرة في صورة شيطان بجامع ‏الإغواء في كل منهما ، فالشيطان له قدرة على الإغواء بنص قوله تعالى : ‏‏{ لأُغْـوِيـَنَّـهُمْ أَجْمَعِينَ } [ ص : 82 ] . بل إن من أخص خصائصه ‏الإغواء ، والإنسان الغَاوي ـ أي : المُغوى به ـ كأنه يقع في دائرة من التأثير ‏عليه ممن يُغويه ، فتُحجب عنه عيون الحكمة والرشد والعقل والتبصُّر .‏
والمرأة بهذا الاعتبار إذا خرجت من بيتها أغوت الرجل ، فيقع في ‏دائرة الاهتمام بها ، فتقوده إلى حيث لايُدرك رشدَه وحكمته ، كما يقود ‏الشيطان من يغويهم إلى المهالك .‏
هذا وليُعلم أن المرأة كلما كانت في قعر بيتها كلما كانت أقرب إلى ‏ربها ، والعكس بالعكس ، فكلما خرجت من بيتها لاسيما إلى الأسواق ‏ومواطن الريبة ومن غير ضرورة كلما استشرفها أهل الريبة أو الشيطان ‏ليغويها ويغوي بها حتى تبعد عن ربها ، ويدل على ذلك مارواه ابن مسعود ‏ـ رضي الله عنهما ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : (( إن ‏المرأة عورةٌ ، فإذا خرجت استشرفها الشيطان ، وأقرب ماتكون من وجه ربها وهي ‏في قعر بيتها )) (‏ ‏) .‏
والمراد بالحديث ( نظر الشيطان إليها ليغويها ويغوي بها ، أو المراد ‏‏: استشراف أهل الريبة ، والإسناد إلى الشيطان لكونه الباعث على ذلك ، ‏والله أعلم ) (‏ ‏) .‏
فلذا : ينبغي للرجال أن يغاروا على نسائهم ، وألا يجعلوا نساءهم ‏فاكهة يتلذذ بالنظر إليها ، ويقتطف منها كل قاصٍ ودانٍ ، وكذلك ألاّ يدَعوا ‏نساءهم يتلذذن بالنظر إلى الرجال فيفْتَتِنَّ بهم .‏
وقد أكد على ذلك وحذر منه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ ‏رضي الله عنه ـ بقوله : ( ألا تغارون . يترك أحدكم زوجته تَنظر إلى ‏الرجال وينظرون إليها ) .‏
هــذا مايتعلــق بفتنة النساء ، أعاذنا الله والمســـلمين من سمومها ‏القـاتلة ، وعواقبها المؤلمة .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:24 PM
الفصل الخامس
فتنة المال


المبحث الأول
‏{ التحذير من فتنة المال }‏
‏= = = = = = = =

حذر المولى سبحانه وتعالى عباده المؤمنين في غير ما آية من فتنة ‏المال والانشغال به عن ذكر الله وطاعته ، فهو سبحانه ـ يعلم مواطن ‏الضعف في هذه الكينونة البشرية ، ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى ‏الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها . فقال سبحانه : { وَاعْـلَـمُـواْ أَنَّـمَآ ‏أَمْـــَـولُـكُمْ وَأَوْلَـــدُكُمْ فِنْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ, أَجْرٌ عَظِيمٌ } [ الأنفال : ‏‏28 ] . إذا لم ينتبه المؤمنون إلى ماعند الله من الأجر العظيم واهتموا له ، ‏واهتموا بتحصيله ، وجاهدوا أنفسهم في سبيل ذلك ووازنوا بين مابين أيديهم ‏من أموال وأولاد زائلة ، وبين ماعند الله من أجر عظيم ، باقٍ خالدٍ ، فقدّموا ‏الباقي الخالد ، على الفاني الزائل ، إذا لم يفعلوا ذلك وركنوا بالكلية إلى ‏أموالهم وأولادهم فألهتهم عن ذكر الله ، فعند ذلك تكون الخسارة المحققة ‏الماحقة .‏
ولذلك نبه الله ـ تعالى ـ المؤمنين ، إلى خطــر هــذا الموقـف ‏وجسـامته ، وخســارة من يصــل إليه ، فقـال عز من قائــل : { يَـــأَيــُّهَا ‏الَّذِيـنَ ءَامَنُواْ لاَتُـلْـهِـكُمْ أَمـْـــَولـُكُمْ وَلآَ أَوْلَـدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَمَن ‏يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَــئِكَ هُمُ الْخَــسِرُونَ } [ المنافقون : 9 ] . ‏
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ عند تفسير هذه الآية : ( يقول تعالى آمراً ‏لعباده المؤمنين بكثرة ذكره ، وناهياً لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد ‏عن ذلك ، ومخبراً لهم بأنه من التهى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق ‏له من طاعة ربه وذكره فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم ‏يوم القيامة ) (‏ ‏) . ‏
وذكر القرطبي ـ رحمه الله ـ : أن المولى سبحانه في هذه الآية حذر ‏المؤمنين أخلاق المنافقين ، أي : لاتشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون إذْ ‏قالوا ـ للشح بأموالهم ـ : { لاَ تُـنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُـولِ اللهِ } [ ‏المنافقون : 7 ].‏
وذكر أيضا ـ رحمه الله ـ : الخلاف في المراد بـ { ذِكْرِ اللهِ } في ‏الآية : فقيل : لاتلهكم عن الحج والزكاة ، وقيل : عن قراءة القرآن ، وقيل ‏إدامة الذكر ، وقيل : عن الصلوات الخمس ، قاله الضحاك ، وقال الحسن : ‏جميع الفرائض ، كأنه قال عن طاعة الله (‏ ‏) .‏
والذي يظهر ـ والله أعلم ـ : أن ذكر الله أعم من ذلك كله فيدخل ‏تحتها جميع ماتقدم ، مالم يرد النص الذي يخصص واحداً منها .‏
وكما حذر ـ سبحانه وتعالى ـ من الإلتهاء بالأموال عن ذكره ، فكذلك ‏كرر هذا التحذير مرة أخرى ـ في غير ما آية ـ وأخبر بأن المال فتنة . فقال ‏سبحانه : { إِنَّمَـآ أَمْـــَـولُكُمْ وَأَوْلَــدُكُمْ فِــتْــنَــةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ ~ أَجْرٌ ‏عَظِيمٌ } [ التغابن : 15 ].‏
والملاحظ في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قدّم المال على الولد ‏وذلك : لشدة تعلق النفوس بالمال ، فهو فتنتها أكثر من الولد ، وذلك لقربه ‏وسهولة مأخذه وتناوله ، وسرعة نجدته ، وسهولة استثماره وتنميته ، وأن ‏مردود ه سريع ، وربحه سريع . ‏
وأما الولد : فيحتاج الى فترات زمنية قد تطول من حيث التنشئة ‏والتربية ، حتى يبلغ مرحلة السعي ، وبعد ذلك قد يكون قريبا ، وقد يكون ‏بعيداً ، وقد يكون مريضاً ، وقد يكون باراً ، وقد يكون عاقاً .‏
إذاً فالمال أشدّ فتنة ، والمشاهَدُ المنظور في حياة الناس اليوم وقبل ‏اليوم افتتانهم بالمال أكثر من افتتانهم بالولد ، فخراب الذمم عند كثير من ‏الناس ، والرشاوة والسرقة والغصب والربا وأكل مال اليتيم وغيرها ، كل ‏ذلك بسبب فتنة المال ـ أعاذنا الله والمسلمين منها ـ .‏
فكلمــة فتنة في الآية { إِنَّمَـآ أَمْـــَـولُــكُمْ وَأَوْلَــدُكُمْ فِــتْــنَــةٌ } ‏تحتمل معنيين : ‏
الأول : أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد بمعنى يختبركم ، فانتبهوا لهذا ‏، وحاذروا وكونوا أبداً يقظين لتنجحوا في الابتلاء ، وتخلصوا وتتجردوا لله ‏، كما يفتن الصائغ الذهب بالنار ليخلصه من الشوائب .‏
والثاني : أن هذه الأموال والأولاد فتنة لكم توقعكم بفتنتها في المخالفة ‏والمعصية فاحذروا هذه الفتنة لاتجرفكم وتبعدكم عن الله (‏ ‏) .‏
‏( إن هذا القرآن يخاطب الكينونة البشرية ، بما يعلم خالقها من ‏تركيبها الخفي ، وبما يطلع منها على الظاهر والباطن ، وهو ـ سبحانه ـ ‏يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة . ويعلم أن الحرص على الأموال ‏وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها ... ومن هنا ينبهها إلى حقيقة ‏هبة الأموال والأولاد ... لقد وهبها الله للناس ليبلوهم بها ويفتنهم فيها . فهي ‏من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء ، ليرى الله فيها ‏صنيع العبد وتصرفه ... أيشكر عليها ويؤدي حق النعمة فيها ؟ أم يشتغل بها ‏حتى يغفل عـن أداء حق الله فيها ؟ : { وَنَــبْلُوكُم بِالشَّـــّرِ وَالْخَيْرِ ‏فِـتْـنَـةً } ....[ الأنبياء : 35 ] فالفتنة لاتكون بالشدة والحرمان وحدهما ... ‏إنها كذلك تكون بالرخاء والعطاء أيضا ! ومن الرخاء العطاء هذه الأموال ‏والأولاد ...‏
هذا هو التنبيه الأول : { واعلموا أن الله عنده أجر عظيم } (‏ ‏) فإذا ‏انتبه القلب الى موضع الامتحان والاختبار ، كان ذلك عونا له على الحذر ‏واليقظة والاحتياط ، أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة ثم ‏لايدعه الله بلا عون منه ولا عوض .. فقد يضعف عن الأداء ـ بعد الانتباه ـ ‏لثقل التضحية وضخامة التكليف ، وبخاصة في موطن الضعف في الأموال ‏والأولاد ! إنما يلوَّح له بما هو خير وأبقى ، ليستعين به على الفتنة ويتقوى ‏‏: { وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ ~ أَجْرٌ عَظِيمٌ } ...[ الأنفال : 28 ] ‏
إنه ـ سبحانه ـ هو الذي وهب الأموال والأولاد ... وعنده ورائهما ‏أجر عظيم لمن يستعلي على فتنة الأموال والأولاد ، فلا يقعد أحد عن ‏تكاليف الأمانة وتضحيات الجهاد ... وهذا هو العون والمدد للإنسان ‏الضعيف ، الذي يعلــم خالقـه مواطن الضعف فيه : { وَخُلـِقَ الإِنــسَــنُ ‏ضَـعِـيفـاً } .. [ النساء : 28 ] .‏
إنه منهج متكامـل في الاعتقـاد والتصـور ، والتربيــة والتوجيه ، ‏والفرض والتكليف ، منهج الله الذي يعلم لأنه هو الذي خلق : { أَلاَ يَعْـلَمُ ‏مَنْ خَــلَقَ وَهُوَ اللَّـطِــيفُ الْخَبِيرُ } (‏ ‏) [ الملك : 14 ] .‏
وقد فسر القرطبي ـ رحمه الله ـ الأجر العظيم في قوله : { وَأَنَّ اللهَ ‏عِنْدَهُ ~ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [ الأنفال : 28 ] بالجنة وقال : ( فهي الغاية ، ولا ‏أجر أعظم منها في قول المفسرين ) (‏ ‏) .‏
ووصف ـ سبحانه وتعالى ـ الأجر عنده بأنه أجر عظيم ، هذا يجعل ‏المؤمنين يقدمون على هذا الأجر في مقابل التضحية لزينة المال والولد ، ‏فإن للمال زينة ورنّة ، وإن للولد حلاوة ونظارة في النفس ، والناس قد ‏يلتَهون بأموالهم تنمية واستثماراً وتجارة ، ويظنون أنهم بذلـك يعملـون ‏الصالح لأنفســهم وأبنائهــم وهم مفتونــون بذلك ، فالمولى ـ تبارك وتعالى ـ ‏العليم بخفايا النفس البشرية وضعفها لم يقل للمؤمنين { إِنَّمَـآ أَمْـــَـولُكُمْ ‏وَأَوْلَــدُكُـمْ فِـتَــنَــــةٌ } [ الأنفال : 28 ] فحسب ! ولكنه ـ جل وعلا ـ ‏أخبرهم بما عنده وأغراهم به لأن النفوس لكي تتجافى عن لهو المــال ‏والولد ، لابد لها في المقابل من شيٍ تَحُسُّ أنه أعظم وأبقى وأكثر مما بين ‏يديها ، ولذلك جــاء قولـه تعالى : { وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ ~ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [ ‏الأنفال : 28 ] في غاية المناسبة في هذا المقام ، والله أعلم .‏
وينبغي ألا يُفهم من كلامنا السابق في هذا المبحث أن الإسلام يدعو ‏أتباعه إلى التخلص من المال والولد بالكلية ، والإقبال على ذكر الله فقط . ‏وليس الأمر كذلك ، بل إن الإسلام دين حياة وآخرة ، والإسلام هو الدين ‏الوحيد الذي واء م ووازن بين متطلبات الروح ومتطلبات الجسد في هذا ‏الكائن البشري ، فلم يطغي جانباً على آخر ، أو لم يُهمل جانباً على حساب ‏آخر ، ولعلّ الآية التي يقول الله تعالى فيها { وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَــكَ اللهُ الدَّارَ ‏الأَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْـيَا } [ القصص : 77 ] ، تعكس ‏موقف الإسلام ونظرته إلى حقيقة التكوين البشري ، فللروح أشواقها ‏وطلباتها ، وللجسد رغباته ومادته ، ولكن الإسلام لايجعل للدنيا مقاماً يعلو ‏على الآخرة ، ولعل ذلك يُشعر به لفظ { وَابْتَغِ } في الآية ، الذي يطلق ‏على الكثير والقليل في كل أحوال الإنسان ابتداءً من التسبيحة والتحميدة ‏والتهليلة الواحدة ، وانتهاءً بالجهاد في ساحات الوغى ، ومروراً فيما بين ‏ذلك مما يشمل سائر القربات والطاعات ، مما هو معلوم . فإذاً حركة ‏الابتغاء هذه لاتنتهي في حياة المؤمن إلا في حالة النوم أو العجز المطلق ‏الذي يسقط معه التكليف .‏
أما فيما يتصل بالدنيا فقد جاء لفظ { وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ‏‏} ، ولفظ النصيب يشعر بأنه محدود ومعلوم ومقدّر ، كماً وكيفاً وزماناً ، ‏وإضافته إلى كافة الخطاب مُشعر كذلك أنه ملازم لهذا الإنسان حتى لو ‏ذهب واختفى تحت حجر أو شجر لتبعه نصيـبه ، قال له : قم فأنا نصيـبك ، ‏وصــدق رسـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ يقــول : (( أيها الناس ! اتقوا ‏الله وأجملوا في الطلب . فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها ، وإن أبطأ عنها ... ‏‏)) (‏ ‏)، والإسلام يدعو إلى كسب المال ، واستثماره وتنميته بالطرق ‏المشروعة ، والقرآن ينص على أن المؤمنين الذين يعبدون الله ويقيمون ‏الصلاة ، ويتوكلون عليه ، وتكون لهم أموال ينفقون منها ، يصفهم بأنهم هم ‏المؤمنون حقاً قال الله تعالى : { إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِيـنَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ ‏وَجِلَتْ قُـلُـوبُـهُمْ وَإِذَا تُـلِيَتْ عَـلَـيْـهِمْ ءَايـَـتُهُ, زَادَتْهُمْ إِيمَـــناً وَعَلَى ‏رَبّــِهِمْ يَـتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيـمُونَ الصَّـلَــوةَ وَمِمَّا رَزَقْـنَـــهُمْ ‏يُـنْـفِـقُـونَ * أُوْلَـئِـكَ هُمُ المُـؤْمِنُـونَ حَـقًّا لَّـهُمْ دَرَجَـــتٌ عِندَ ‏رَبــِّــهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [ الأنفال : 2 و 3 و 4 ] .‏
والإسلام إنما فرض الزكاة ليلفت المؤمنين إلى أهمية العناية في ‏ميدان المال واستثماره وتنميته في حياتهم ، والزكاة دعوة إلى ذلك ، لأن ‏المؤمن إذا لم ينمي ماله ويستثمره في الحلال فإن الزكاة ستأكله ، ولا يكلف ‏الله تعالى بالزكاة أمةً فقيرة تعيش عالة على الآخرين ، وإنما كلفهم وفرض ‏عليهم الزكاة لتكون لهم أموال ينفقون منها على أنفسهم وأهليهم وإخوانهم ‏والمسلمين في كل مكان ، نصرةً لدين الله وجهاداً في سبيله ، ورفعةً لرايته ‏وحرباً لأعدائه . ‏
وعثمان بن عفـــان ـ رضي الله عنـــه ـ لم يظفر بقول الرســول ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( ماضر عثمان ماعمل بعد اليــوم )) (‏ ‏) ، لم يظفر ‏بهذا القول بكثرة صيامه وقيامه ، وإنما ظفر به نتيجة ماأنفقه من ماله على ‏جيش العسرة و (( نعم المال الصالح مع الرجل الصالح )) (‏ ‏)ولكن الإسـلام مع ‏هذا كله يجعل ميدان الدنيا بكل ماتشمله من مال وولد وغيرها ، ميدانهما ( ‏اليدين والجوارح ) ، ويجعل ميدان الآخرة بكل ماتشمله ( القلب ) . وهذه ‏النظرة لم يفهمها أعداء الإسلام . والحمد لله على نعمة الإسلام ، والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:25 PM
المبحث الثاني
‏{ فتنة هذه الأمة وهلاكها المال }‏
‏= = = = = = = = = = = =‏

عــن كعب بن عيــــاض ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعــت النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( إن لكل أمة فتنة ، وفتنة أمتي المال )) (‏ ‏) .‏
شرح المباركفوري هذا الحديـث بكلام وجيز فقال : ( قوله : (( إن ‏لكل أمة فتنة )) أي : ضلالاً ومعصية ، (( وفتنة أمتي المال )) أي : اللهو به ‏لأنه يشغل البال عن القيام بالطاعة ويُنسي الآخرة ) (‏ ‏) .‏
فالمال قد يهلك صاحبه لأنه مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه فتمنع ‏منه فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك (‏ ‏) .‏
ولذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( والله لا الفقر أخشى عليكم ، ‏ولكن أخشى عليكم ، أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسُوها ‏كما تنافسُوها ، وتهلككم كما أهلكتهم )) (‏ ‏) .‏
قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الحديث حينما جاء أبو عبيدة ‏بن الجراح بالجزية والأموال من البحرين ، فاجتمع الصحابـة عند النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ لذلك ، فقال لهم : (( أبشروا وأمِّلوا مايسرُّكم ، فو الله لا ‏الفقر أخشى عليكم ... )) وذكر الحديث .‏
فاستنبط الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ فائدة من ذلك فقال : ( وفيه ‏أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى الهلاك ) (‏ ‏) .‏
والمنافسـة في هذا الحـــديث كانت في المــــال أعاذنا الله من فتنته ، ‏فلذلك أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلمكما تقدم في أول هذا المبحث ـ أن ‏لكل أمة فتنة ، وفتنة هذه الأمة المال . ‏
ومعناه : ( أن لكل أمة من الأمم فتنة ، تختص بها وتكون سبباً ‏لضلالها ، ومعصيتها ، كما أخبر بأن غالب فتنة بني اسرائيل كانت في ‏النساء ، مع وجود غيرها من الفتن إلاَّ أنها الغالبة عليها . (( وفتنة أمتي المال ‏‏)) أي : أن أكثر ضلال أمتي وسبب عصيانها هو بسبب المال ، فإن ‏الحرص على المال والانشغال بجمعه دون الأخذ بالاعتبار ، ماسيؤدي إليه ‏جمع هذا المال ، من كثرة الحساب عليه ، وتعدد الحقوق فيه مثلاً للفقراء ‏والمستحقين له ، فإن صاحب هذا المال يعرّض نفسه للهلاك والخسران ‏بسببه ، وقد جاء في الحديث المروي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ‏اثنتان يكرههما ابن آدم : يكره الموت ، والموت خير له من الفتنة ، ويكره قلة المال ، ‏وقلة المال أقل للحساب )) (‏ ‏) . كذلك لايخفى مايؤدي إليه الحرص على ‏طلب المال ، من تضييع حق الله في العبادة ، والانشغال عن الواجبات ، ‏كالصلوات وحضور مجالس العلم وترك العناية بتربية الأولاد ، وإصلاح ‏الأهل حيث لايجد الرجل وقتاً لتعليم أولاده التربية الصالحة ، ويتركهم ‏عُرضة للإنحراف والضياع ، وهو المسئول عنهم أمام الله يوم القيامة ) ‏‏(‏ ‏) .‏
ومما يدل على أن فتنة هذه الأمة وهلاكها المال ، مارواه ابن مسعود ‏ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( إن هذا الدينار ‏والدرهم أهلكا من كان قبلكم ، ولا أراهما إلا مُهلكاكم )) (‏ ‏) .‏
والمعنى : ( أن هذين هما سبب هلاككم ، كما كانا سبب هلاك من ‏قبلكم من الأمم وخسرانهم ، وضلالهم ، ومعصيتهم ، فاستوجب عقابهم ، ‏على هذا . والمراد : الحرص والجمع زيادة على الحاجة ، والاشتغال بهما ‏عن الواجبات والطاعات ، وهذا الذي ذمه الشـارع الحكيم ، بقوله عليه ‏الصلاة والســلام : (( تَعِسَ عبد الدينار والدرهم )) (‏ ‏) أي : الطالب لهما ‏والحريص على جمعهما وحفظهما ، فيكون كالعبد والخــادم لهما ، يرضى ‏لزيادتهمـا ، ويغضب لنقصانهما ، لذا قال في آخر الحديث المذكور : (( إن ‏أعطي رضي ، وإن لم يعط لم يرض )) (‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
وما أجمل ماقاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حق المال ووضعه في ‏محله : (( من أخذه بحقه ، ووضعه بحقه ، فنعم المعونة هو ، وإن أخذه بغير حقه ، ‏كان كالذي يأكل ولا يشبع ، ويكون شهيداً عليه يوم القيامة )) (‏ ‏) .‏
والحاصل : أن كل ماتقدم فيما يتعلق بفتنة المال يرشدنا إلى الحذر ‏منه ومن سوء استخدامه ، فإن ذلك يهوي في وادٍ سحيق من الفتنة والهلاك ، ‏ويكون هذا المال شاهداً عليــه في الآخـرة ، ويحاسـب عليه عند الله عز ‏وجل ويُسأل ، كما في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( لاتزول قدما عبد يوم ‏القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه فيما فعل ، وعن ماله من أين ‏اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن جسمه فيما أبلاه )) (‏ ‏) ، والله أعلم . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:26 PM
المبحث الثالث
‏{ فتنة انتشار الربا }‏
‏= = = = = = = =‏

إن من فتن المال المتناثرة في بلاد المسلمين ، والمتفشية في جوائهم ‏فتنة الربا الذي حرمه الله عز وجل تحريماً شديداً ، وهدد آكليه تهديداً مخيفاً ‏، وأكّد هذا أكثر من مرة ، مع أنه لايتصل بأعراض الناس ودمائهم ! ذلك ‏أن القرآن حينما يرد فيه تحريم أمر أوْ حلّه فإنه قد لاتبدو مصلحة الفرد ‏ظاهرة . لكن مراد القرآن مصلحة الأمة كلها ، وكيانها كلِّه فلا شك أن ‏النظام الذي كان سائداً في العصور الوسطى ، وفي أوربا ، كان نظاماً ‏ربوياً فاحشاً ، يديره اليهود ومن وراءهم ، ولا زال الأمر كذلك إلى يومنا ‏هذا .‏
وأما الإسلام فأقام دولة تقوم على منهج اقتصادي ، ونظام مالي سليم ‏، لكي لايكون هناك منْهج يُشوّش أو يُحرّف عليه ذلك . وقام النظام ‏الاقتصادي الإسلامي ليواجه النظام اليهودي الربوي المفسد .‏
وجاءت الآيات تحذر المسلمين من الربا بأساليب وبالفاظ تدل على ‏عظم هذه القضية ومنزلتها من القضايا التي تحدث عنها القرآن . فهي قضية ‏تتصل بكيان الأمة السياسي والاجتماعي والاقتصادي . فهي أعظم من ‏قضية فردية تختص بجزء من المجتمع .‏
فالربا ـ أعاذنا الله منه ـ مهلك للأمة ، ومُتَوعَّدٌ عليه بعقوبات شديدة ، ‏لأن المال عصب الحياة ، ولا يمكن أن تتحرر هذه الأمة وتكون طليقةً إلا ‏إذا كانت في اقتصادها متحررة عن رق الربا .‏
وحرم الإسلام الزيادة في الربا لأن فيها استغلالاً واستعباداً وهيمنة ‏وسيطرة على الآخرين . والإسلام دين الرحمة والمرحمة وليس دين ‏السيطرة والاستعباد ، ذاك منهج اليهود .‏
فالغرض من القرض السَّعة والرحمة للمسلمين ، والمقترض بالفائدة ‏يتعب مرتين ، في حفظ القرض وجمعه ، وفي الوفاء بهذه الزيادة .‏
فالوقــوع في الربا من أعظـم الفتن ـ عياذاً بالله ـ كيف لا ؟ وهــو من ‏أكبر الكبائر (‏ ‏) ( ولم يحل في شريعة قط ، ولم يُؤذن الله في كتابه عاصياً ‏بالحرب سوى آكله وإن أكله علامة على سوء الخاتمة ) (‏ ‏) .‏
ومن الآيـات التي تـدل على هــول فتنـــة الربــا وبشــاعة جريمتــه ‏قولـه تعـالى : { الَّذِيـنَ يَأْكُلُونَ الـــّرِبــَـــو اْ لاَ يَـقُـومُـونَ إِلاَّ كَمَا ‏يَقُومُ الَّذِى يَتَخَـبَّـطُهُ الشّـَــيْطَـنُ مِنَ المَــِسّ ذَلِكَ بِأَنَّــهُمْ قَالُـوآْ ‏إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الـــّرِبــَـــو اْ وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الـــّرِبــَـــو اْ ‏فَمَن جَآءَهُ, مَوْعِظَةٌ مِّن رَبـــّـِهِ~ فَانـتـَهَى فَـلَهُ, مَاسَـلَـفَ وَأَمْرُه, ‏إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَـــبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَـــلِدُونَ * ‏يَمْحَقُ اللهُ الـــّرِبــَـــو اْ وَيُرْبــِى الصَّدَقَـتِ وَاللهُ لاَيُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ ‏أَثِيمٍ } [ البقرة : 275 ـ 276 ] . ‏
لما ذكر تعالى ـ في الآيات التي قبل هذه ـ الأبرار المؤدين النفقات ، ‏المخرجين الزكوات ، المتفضلين بالبر والصدقات ، لذوي الحاجات ‏والقرابات ، في جميع الأحوال والأوقات ، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال ‏الناس بالباطل وأنواع الشبهات ، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم ‏وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم فقال ـ تعالى ـ : { الَّذِيـنَ يَأْكُلُونَ ‏الـــّرِبــَـــو اْ لاَ يَـقُـومُـونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَـبَّـطُهُ ‏الشّـَــيْطَـنُ مِنَ المَـــِسّ } أي : يتخبله الشيطان في الدنيا ، وهو الذي ‏يتخبطه فيصرعه من المس ، يعني من الجنون . فهم لايقومون من قبورهم ‏يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له ، وذلك ‏أنه يقوم قياماً منكراً (‏ ‏) .‏
قال ابن عباس : ( آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق ) وبنحوه ‏قال سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان (‏ ‏) .‏
وقوله { يَـتَـخَـبَّـطُـهُ } يتفعّله من خَبَط يخبِط ، أي : يضربه ‏الشيطان ضرباً غير منتظم (‏ ‏) .‏
وكذلك يُعرف أكلة الربا يوم القيامة ـ بالإضافة إلى الصرع والجنون ‏ـ بأنهم يُبعثون وقد انتفخت بطونهم كالحُبالى ، وكأنها خيمة مضروبة بين ‏أيديهم ، وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم (‏ ‏) .‏
ونجد أن الله تبـارك وتعـالى يصـف متعاطـي الربا بالآكل { الَّـذِينَ ‏يَأْكُلُونَ الـــّرِبــَـــو اْ... } الآية ، وهذا أول تقبيح وتشنيع مع أن قابض ‏الربا يأخذه بيده ، ومع ذلك وصفه بالأكل لتبشيع صنيعهم والدلالة على ‏جشعهم .‏
قال القرطبي ـ رحمه الله ـ : ( وقال تعالى : { يَأْكُلُونَ } والمراد : ‏يكسبون الربا ويفعلونه . وإنما خصّ الأكل بالذكر لأنه أقوى مقاصد الإنسان ‏في المال ، ولأنه دال على الجشع وهو أشد الحرص ) (‏ ‏) .‏
وقوله ـ تعالى ـ : { ذَلِكَ بِأَنَّــهُمْ قَالُـوآْ إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ ‏الـــّرِبــَـــو اْ وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الـــّرِبــَـــو اْ } أي : إنما جوّزوا ‏بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه وليس هذا قياساً منهم للربا ‏على البيع لأن المشركين لايعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله ‏في القرآن ، ولو كان هذا من باب القيــاس لقالــوا : إنما الربـا مثــل البيع ، ‏وإنما قالــوا : { إِنَّمَا البَـيْـعُ مِثْلُ الـــّرِبــَـــو اْ } أي : هو نظيره فلم ‏حُرّم هذا وأُبيح هذا ؟ ـ وهذا اعتراض منهم على الشرع ـ ، أي : هذا مثل ‏هذا ، وقد أحلّ هذا وحرّم هذا يحتمل أن يكون من تمام الكلام رداً عليهم ، ‏أي : على ماقالوه من الاعتراض مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكماً ‏، وهو العليم الحكيم الذي لامعقب لحكمه ، ولا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون ‏، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها ، وما ينفع عباده فيبيحه لهم ، وما ‏يضرهم فينهاهم عنه ، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل .‏
ولهذا قال : { فَمَن جَآءَهُ, مَوْعِظَةٌ مِّن رَبـــِــّـهِ~ فَانـتـَهَى فَـلَهُ, ‏مَاسَـلَـفَ } (‏ ‏) . ‏
قال الطبري : ( يعني بالموعظة : التذكير والتخويف الذي ذكرهم ‏وخوفهم به في آي القرآن ، وأوعدهم على أكلهم الربا من العقاب ، يقول جل ‏ثناؤه : فمن جاءه ذلك فانتهى عن أكل الربا ، وارتدع عن العمل به ، ‏وانزجر عنه { فَلَهُ, مَاسَــلَفَ } يعني ماأكل وأخذ فمضى قبل مجيء ‏الموعظة والتحريم من ربه في ذلك { وَأَمْرُه, إِلَى اللهِ } يعني : وأمرُ ‏آكله بعد مجيئه الموعظة من ربه والتحريم ، وبعد انتهاء آكله عن أكله إلى ‏الله في عصمته وتوفيقه ، إن شاء عصـــمه عـــن أكله وثبته في انتهائه عنه ‏، وإن شاء خذله عن ذلك . { وَمَـنْ عَـادَ } يقول : ومن عـاد لأكل الربا ‏بعد التحريم ، وقال ماكان يقوله قبل مجيء الموعظة من الله بالتحريم ‏مــــن قوله : { إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الـــّرِبــَـــو اْ } { فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَـــبُ ‏النَّارِ هُمْ فِيهَا خَـــلِدُونَ } يعني : ففاعلوا ذلك وقائلوه هم أهل النار ، ‏يعني: نار جهنم فيها خالدون ) (‏ ‏) ا هـ .‏
وبنحو قول ابن جرير والطبري هذا قال السُدي ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
وقال الذهبي ـ رحمه الله ـ عند قوله تعالى : { وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ ‏أَصْحَـــبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَـــلِدُونَ }. ( فهذا وعيد عظيم بالخلود في ‏النار كما ترى لمن عاد إلى الربا بعد الموعظة ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ) ‏‏(‏ ‏) . ا هـ
ثم قال جل ثناؤه : { يَمْحَقُ اللهُ الـــّرِبــَـــو اْ وَيُرْبــِى ‏الصَّدَقَـتِ } أي : ينقص الله الربا فيذهبه . إما أن يذهبه بالكلية من يد ‏صاحبه ، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به ، بل يعدمه به في الدنيا ويعاقبه ‏عليه يوم القيامة (‏ ‏) .‏
والتعبير الكريـم في قــول الله تعــــالى بلفــظ { يَمْحَقُ } يُشعر ‏بمدى غضب الله ـ تعالى ـ وسخطه على آكل الربا ، فإن المحق هو : إزالة ‏بغضب ، وهذا يدل على أن نهايات الربا نهايات خسران وألم وحسرة ، فلا ‏يبقى لها شيء ذو أثر ينتفع به ، وذلك كله يقتضيه لفظ : { يَمْحَقُ } . ‏وسيأتي (‏ ‏) من الأحاديث النبوية الصحيحة مايقوي ويعضد هذا المعنى .‏
‏( وأما قوله : { وَيُرْبـــِى الصَّدَقَـتِ } فإنه جل ثناؤه يعني : أنه ‏يضاعف أجرها لربها ، وينميها له .... وكيفية إرباء الله الصدقات : ‏إضعافه الأجر لربها (‏ ‏) . ‏
ومن أشد الآيات التي توعد الله بها أكلة الربا قوله تعالى : { ‏يَـــأَيـــُّــهَا الَّـذِيـنَ ءَامَنُواْ اتَّـقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَابَقِىَ مِنَ الـــّرِبــَـــو اْ ‏إِن كُنتُم مُّـؤْمـِنـِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ ‏وَرَسُــولِـهِ وَإِن تُـبـْتُـمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْــوَلِكُمْ لاَتَظْلِمُونَ وَلاَ ‏تُـظْـلَمُـونَ } [ البقرة : 278 ـ 279 ] .‏
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ عنــد تفســير هذه الآية : ( يقــول تعالى ‏آمراً عباده المؤمنين بتقواه ناهياً لهم عما يقربهم الى سخــطه ويبعدهم عن ‏رضاه فقال : { يَـأَيُّــهَا الَّـذِيـنَ ءَامَنُواْ اتَّـقُواْ اللهَ } أي : خافوه ‏وراقبوه فيمــا تفعلــون . { وَذَرُواْ مَابَقِىَ مِنَ الـــّرِبــَـــو اْ } أي : ‏أتركوا مالكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال بعد هذا الإنذار. { ‏إِن كُنتُم مُّـؤْمـِنـِينَ } أي : بما شــرع الله لكــم من تحليــل البيع وتحريم ‏الربا وغير ذلك ........ ) (‏ ‏) . أ هـ ‏
ثم نوَّه ـ رحمه الله ـ علىفظاعة الربا وبشاعته وتهديده سبحانه ‏لمرتكبه عند قوله تعــــالى : { فَإِن لَّـمْ تَــفـْــعَــلُواْ فَـــأْذَنُــواْ بِحَـرْبٍ ‏مِّنَ اللهِ وَرَسُــــولِـهِ } فقــال ـ رحمه الله ـ : ( وهذا تهديــد شــديد ووعيد ‏أكيد لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار ، قـال ابن عباس : { فَأْذَنُواْ ‏بِحـَــرْبٍ } أي : استيقنوا بحرب من الله ورسوله .‏
وقال ـ أيضاً ـ : يقال يوم القيامة لآكل الربا خذ سلاحك للحرب ثم قرأ ‏‏{ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُــولِـهِ } .‏
وقال ـ أيضاً ـ : فمن كان مقيماً على الربا لاينزع عنه ، كان حقاً ‏على إمام المسلمين أن يستتيبه ، فإن نزع وإلا ضرب عنقه .‏
وعن الحسن وابن سيرين أنهما قالا : والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة ‏الربا وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله ولو كان على الناس إمام عادل ‏لاستتابهم ، فإن تابوا وإلا وضع فيهم السلاح ) (‏ ‏) انتهى .‏
ومما سمعناه من العلماء في محاربة المرابي ومعاملته قولهم : جديرٌ ‏بمن يحب الله ورسوله أن يحارب ماحاربه الله ورسوله فلا يتزوج ولا ‏يُصاهِر ولا يُسافِر مع المرابي . فإذا كان المخلَّفون ـ في عهد النبي صلى ‏الله عليه وسلم ـ في قضية فردية ، ولم ينكروا الجهاد ، ولا استخفوا بالإسلام ‏، ومع ذلك مرت بهم خمسون يوماً عجافاً من القطيعة والهجر ، فآكل الربا ‏حري بالقطيعة والزجر والهجر .‏
ولعل هذا الفهْم مُستفاد مما تُشْعر به لفظة { حــَــرْبٍ } في الآية ‏والتي تعني أنه لاتعاون ولا منافع ولا تهاوُن بين المحارِب والمحارَب .‏
والحرب المذكورة في الآية هي أعم من أن تُحْصَر في الآخرة . فهي ‏حرب في الدنيا والآخرة ، في المحسوس والمعقول ، في الظاهر والباطن ، ‏في العاجل والآجل ، لأن المُحَارب هنا ـ سبحانه ـ هو القادر المهيمن ، ‏الجبار المتكبر ، الذي بيده ملكوت كل شيء ولا يُعجزه شيء في ملكوته ، ‏فالحرب هنا فيما نُقَدّر وفيما لانُقَدّر ، إنها حرب عظيمة بعظمة من أعلنها ـ ‏سبحانه وتعالى ـ وهي شاملة بشمول القدرة الإلهية وإحاطتها .‏
كما ورد في السنة كوكبة ثمينة من الأحاديث النبوية عُنيت بالحديث ‏عن الربا وفتنه العظيمة ، وعقوباته الوخيمة ، ومن ذلك : ‏
‏* مــارواه أبــو هريــــرة ـ رضــي الله عـنـه ـ عن النــبي ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ قال : (( اجتنبوا السبْعَ المُوبقاتِ )) قالــوا : يارســول الله ! وما ‏هُــنَّ ؟ فذكر الحديث وفيه : (( ... وآكل الربا ... )) (‏ ‏) .‏
والمراد بالموبقات : المهلكات كما قال النووي (‏ ‏) والمنذري (‏ ‏) ـ ‏رحمهما الله ـ
‏* وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : (( لعن رسولُ الله صلى الله ‏عليه وسلم آكلَ الربا ومُوكلَه )) (‏ ‏) ـ وفي رواية ـ (( وشاهديه وكاتبه )) (‏ ‏) .‏
‏* وعن سمُرة بــن جُندب ـ رضي الله عنه ـ قــال : قــال الــنبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( رأيت الليلة رجُلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدَّسة ، ‏فانطلقا حتى أتيا على نهر من دَمٍ ، فيه رجل قائم ، وعلى وسط النهرِ رجلٌ بين يديه ‏حجارة ، فأقبل الرَّجل الذي في النهر ، فإذا أراد الرَّجل أن يخرج رمى الرَّجلَ بحجر ‏في فيه فردّه حيث كان ، فجعلَ كلما جاء لِيَخرجَ رَمى في فيه بحجر فيرجعُ كما كان ‏، فقلت : ماهذا ؟ فقال الذي رأيتَهُ في النهر : آكل الربا )) (‏ ‏) .‏
‏* ومما يدل على أن الربا من الكبائر ـ كما سبق قريباً في أول هذا ‏المبحث ـ مارواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ : (( الكبائر سبع )) ـ فذكر منها ـ : (( .... أكل الربا .... )) ‏‏(‏ ‏) .‏
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم بشاعة الربا ، وأن أبوابه ووجوهه ‏متعددة أقلها وأيسرها ، مثل نكاح الرجل أمه ـ عياذا بالله ـ وأشدها الكلام في ‏أعراض المسلمين .‏
‏* فعــن ابـن مسعــود ـ رضي الله عنه ـ قــال : قال رســول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( الربا ثلاثة وسبعون باباً ، أيسرها مثل أن ينكح الرجل ‏أمّه ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم )) (‏ ‏) .‏
وأكثر بلايا هذه الأمة حين أصابها ماأصاب بني إسرائيل من البأس ‏الشنيع والانتقام بالسنين : من عمل الربا (‏ ‏) .‏
قال الغزالي ـ رحمه الله ـ : ( كل من عامل بالربا فقد كفر النعمة ‏وظلم لأن النقد وسيلة لغيره لا لعينه ) (‏ ‏) انتهى . ‏
وما أصابنا من عذاب الله ونقمته وما يحل بالمسلمين اليوم من فتن ‏وكوارث مُهيلة إلا بظهور الزنا والربا وغيرهما من المنكرات .‏
‏* وهاهو النبي ـ عليه صلوات ربي وسلامه ـ يخبرنا عن ذلك فيقول ‏‏: (( إذا ظهر الزنا والربا في قرية ، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله )) (‏ ‏) .‏
والربا ـ أعاذنا الله منه ـ من أشد وأبشع الجرائم التي عرفتها البشرية ‏، كيف لا ؟ ولم يُؤْذِنِ الله في القـرآن ـ كما ســبق في أول المبحـث ـ عاصياً ‏بالحرب سوى آكله . كيف لا ؟ ونبينا عليه السلام جعل أدناه كأن ينكح ‏الرجل أمه . بل جعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشد عند الله من ستة وثلاثين ‏زنية ، كــما في حــديث عبــــد الله بن حنظلة ـ غســيل الملائكــة رضي الله ‏عنهــما ـ قــال : قــال رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( درهم رباً يأكله ‏الرجلُ وهو يعلمُ أَشَدُّ عند الله من ستةٍ وثلاثين زنيةً )) (‏ ‏) .‏
‏* وعن كعب الأحبار قال : (( لأن أزْنِي ثلاثاً وثلاثين زنيةً أحبُّ إِليَّ ‏من أن آكل درهمَ ربا ، يعلم الله أنّي أكلتُهُ حين أكلتُهُ رباً )) (‏ ‏) .‏
فدلَّ ذلك على شدة هول الربا وعظيم عقابه ، فلذا مثّل ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ عقاب فاعله بستة وثلاثين جزءاً ، أي : جعل ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ أكل درهم من الربا أعظم عقوبة ، وأشد جُرماً عند الله من الزنا ، ‏بل من ستة وثلاثين زنية . ( وإنما كان الربا أشد من الزنا لأن فاعله حاول ‏محاربة الشارع بفعله بعقله ، قال تعالى : { فَأْذَنُـواْ بِــحَــرْبٍ مِّنَ اللهِ ‏وَرَسُــــــولِه } [ البقرة : 279 ] أي : بحرب عظيم ، فتحريمـــه محض ‏تعبد ، وأما قبح الزنا فظاهر عقلاً وشرعاً ، وله روادع وزواجر سوى ‏الشرع ، فآكل الربا يهتك حرمة الله ، والزاني يخرق جلباب الحياء ، ‏فريحه يهبُّ حيناً ثم يسْكن ، ولواؤُه يخفق برهة ثم يقر .‏
قال الزمخشري : وهذا على مذهب قولهم : للباطل صولة ثم يضْمحل ‏ولريح الضلالة عَصْفَةٌ ثم تَخْفت ) (‏ ‏) .‏
‏* وظهور الربا يُعَدُّ من أشراط الساعة الصغرى كما ذكر ذلك من ‏كتب في أشراطها (‏ ‏) ، ودليل ذلك : مارواه ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ‏عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : (( بين يدي الساعة يظهر الربا ‏والزنا والخمر )) (‏ ‏) .‏
‏* وأصبح بعض الناس لايبالون بأكل المال الحرام ، فعن أبي هريرة ‏ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( ليأتين على ‏الناس زمان لايبالي المرء بما أخذ المال ، أمِن الحلال أم من حرام )) (‏ ‏) .‏
ومن فقه الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ أنه أورد هذا الحديث تحت ‏باب قول الله تعالى : { يَــأيُّـهَا الَّـذِيـنَ ءَامَنُواْ لاَ تَـأْكُلُواْ الـــّرِبــَـــو اْ ‏أَضْعَــفاً مُّضَـــعَـفَـةً } [ آل عمران : 130 ] . أي : تحت مايتعلق بالربا ‏، ليبين أن أكل الربا أضعافاً مضاعفة إنما يكون عند تساهل الناس وعدم ‏مبالاتهم بكيفية جمع المال ، سواء كان من الحلال أم من الحرام .‏
وما أكثر أكلة الربا اليوم ، الذين لايبالون ولايتحرون بطرق جمع ‏المال والمكاسب فتجدهم يجمعونها بأي طريقة كانت مشروعة أم غير ‏مشروعة . وما ذاك إلاّ بتفشي الربا في معاملاتهم ، فها هي اليوم المصارف ‏الربوية تتصدر الطرقات ، وتأتي من كل فج عميق لنشر هذه الفتن العظيمة ‏والله المستعان .‏
‏* وعلى كلٍ فمهما جمع المرابي من المال فإن ماله إلى قُلٍّ ونقصان ‏وفقر وذهاب للبركـــة ، فعــن ابن مسـعود ـ رضي الله عنه ـ عــن النــبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( الربا وإن كَثُرَ فإن عاقبته إلى قُلٍّ )) (‏ ‏) . أي ‏‏: ( إنه وإن كان زيادة في المال عاجلاً يؤول إلى نقص ومحق آجلاً بما يفتح ‏على المرابي من المغارم والمهالك ، فهو مما يكون هباءً منثوراً { ‏يَـمْـحَــقُ اللهُ الـــّرِبــَـــو اْ } ) (‏ ‏) [ البقرة : 276 ] .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:27 PM
المبحث الرابع
‏{ عقوبات آكل الربا }‏
‏=========‏

توعد الله ـ عز وجل ـ ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المرابي ‏بعقوبات شديدة وموبقات أليمة . ومن العلماء من حصرها بخمس عشرة ‏عقوبة ، بيد أن من ذكرها لم يستدل لها كلها ، لذا سنذكر كل عقوبة ودليلها ‏من الكتاب أو السنة إن لم يكن سبق ذكرها في المباحث الآنفة . وأما إن ‏سبق ذكرها فنكتفي بالإشارة والتنويه إلى أنه تقدم ذلك ، فهاهي تلكم ‏العقوبات :‏
أولاً : المرابي يصيبه الهلاك والأمراض لأن الربا من الموبقات ـ ‏كما تقدم في الحديث ـ (‏ ‏) .‏
ثانياً : المرابـي ملعون بلعنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم كما ‏تقدم في الحديث ـ (‏ ‏) .‏
ثالثاً : المرابي يُرمى ـ يوم القيامة ـ بالحجارة في فيه حتى يخرج دمه ‏ـ كما تقدم في الحديث ـ (‏ ‏) .‏
رابعاً : المرابي ارتكب بعمله هذا كبيرة من الكبائر توجب العذاب ‏الأليم ـ كما تقدم في الحديث ـ (‏ ‏) .‏
خامساً : المرابي متوعد بعدم دخول الجنة ، ولعلهم استدلوا لذلك ‏بحديث أبي هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( أربعٌ حــق ‏على الله أن لايُدْخلهم الجنة ، ولا يذيقـهـم نعيمها : مدمن الخمر ، وآكل الربا ، وآكل ‏مال اليتيم بغير حق ، والعاق لوالديه )) (‏ ‏) .‏
سادساً: آكل الربا إن لم يتب منه فإنه متوعد بخلوده في النار بنص ‏القرآن ، وقد استوجب العقوبة وقامت عليه الحجــة لقولــه تعــالى ـ لمن عاد ‏إلى الربا بعد بلوغه نهى الله عنه ـ : { فَأُوْلــــئِكَ أَصْحَـــبُ النَّارِ هُمْ ‏فِيهَا خَـــلِدُونَ } [ البقرة : 275 ] . وقد تقدم كلام الذهبي في ذلك (‏ ‏) .‏
سابعاً : المرابي فعله هذا في القبح والإجرام أعظم عند الله من عقاب ‏ست وثلاثين زنية ـ كما تقدم ـ (‏ ‏) ، وناهيك بقبح الزنا وعاقبته الوخيمة كما ‏قال تعالى : { وَلاَ تَـقْرَبــُــواْ الـــِزّنـــَى~ إِنَّـهُ, كَانَ فـــَحِشَــةً وَسَــآءَ ‏ســبيلاً } [ الإسراء : 32 ] .‏
ثامناً : فعل الربا نذير الخراب وباعث الدمار ، وجالب الخيبة ، ‏ومسبب الفقر ، والقحط ونزع البركة والرحمة ، واستدلوا لذلك بحديث : (( ‏مامن قوم يظهر فيهمُ الربا إلاّ أُخذوا بالسَّنَةِ ... )) (‏ ‏) .‏
تاسعاً : فاعل الربا يرسل الله له الحيّات والأفاعي تأوي إلى بطنه ‏تغدو وتروح لتعذبه وتهلكه وتُؤلمه ، واستدلوا لذلك بحديث : (( أتيتُ ليلة ‏أُسري بي ، على قوم بُطُونهم كالبيوت ، فيها الحيَّاتُ تُرى من خارج بُطونهم . فقلتُ ‏‏: مَن هؤلاء ياجبرائيل ؟ قال : هؤلاء أَكلةُ الربا )) (‏ ‏) .‏
عاشراً : فَعَلَةُ الربا يُرمون في الطريق ليمر عليهم الكفار الذين ‏يعذبون صباح مساء ، واستدلوا لذلك بحديث : (( أن رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم لمّا عُرج به إلى السماء ، نظر في سماء الدنيا فإذا رجالٌ بطونُهم كأمثال ‏البيوت العظامِ قد مالت بُطُونهم وهم مُنَضَّــدُون على سَابِلَةِ آل فرعون يُوقَـفُون على ‏النار كلَّ غَدَاةٍ وعَشِيٍّ يقولون : ربنا لاتُقِم الساعة أبداً . قلتُ : ياجبريل من هؤلاء ؟ ‏قال : هؤلاء أَكَلَةُ الربا من أُمتك لايقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من ‏المس )) (‏ ‏) ‏
وقوله : ( مُنَضَّدُون ) أي : طُرِح بعضهم على بعض ، و ( السَّابلة ) ‏‏: المارة . أي : يتواطؤُهم آل فرعون الذين يُعرضون على النار كلَّ غداةٍ ‏وعشيٍ (‏ ‏) .‏
حادي عشر : انتشار الربا من علامات قرب الساعة ـ كما تقدم في ‏الحديث ـ (‏ ‏) ‏
ثاني عشر : يخرج المرابي من قبره للبعث مخبولاً مجنوناً ، ودليلهم ‏على ذلك حديث : (( .... فمن أكل الربا بُعث يوم القيامة مجنوناً يتخبط .... )) ‏‏(‏ ‏) .‏
ثالث عشر : يصيب آكل الربا العرج والكساح وكسر الجسم ، ‏واستدلوا لذلك ‏
بحديث : (( يأتي آكل الربا يومَ القيامة مخبَّلاً يَجُرُّ شِقَّيْهِ .... )) (‏ ‏) .‏
المُخَبَّل : المجنون ، ومعنى يَجُرُّ شِقَّيْهِ : أي وسطه ، ويزحف كالمُقعد ‏‏(‏ ‏) .‏
رابع عشر : مهما كثرت أموال آكل الربا فإنها تزول بسرعة ومآلها إلى قُلَّة ـ ‏كما تقدم في الحديث ـ (‏ ‏) .‏
خامس عشر : فعل الربا من علامة استحقاق المسخ وزوال النعمة ونزول ‏العذاب ودليلهم حديث : (( والذي نفسي بيده ليـبـيـتن أُناسٌ من أمتي على أشـرٍ ‏‏(‏ ‏) ، وبطرٍ (‏ ‏) ، ولعبٍ ولهوٍ ، فيُصبحوا قردةً وخنازير : باستحلالهم المحارم ‏، واتخاذهم القَيْنَاتِ (‏ ‏) ، وشربهم الخمر ، وبأكلهم الربا ، ولُبْسِهِم الحرير )) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏ هذه خمس عشرة عقوبة للمرابين (‏ ‏) ، أعاذنا الله والمسلمين منها ‏ومن كل سوء .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:29 PM
الفصل السادس


المبحث الأول
‏{ إخباره صلى الله عليه وسلم بفتن الاقتتال من بعده }‏
‏= = = = = = = = = = = = = = = = = =‏

أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بوقوع القتال من بعده ، ومن ذلك ‏‏:‏

‏1 = ماوقع بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من المقتلة العظيمة ، ‏وهي ماتُعرف بموقعة صِفِّين (‏ ‏) .‏
فعــن أبي هــريرة ـ رضـــي الله عنــه ـ عن النــبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قال : (( لاتقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان وتكون بينهما مقتلة ‏عظيمة دعواهما واحدة )) (‏ ‏) ‏
ذكر الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ : أن المراد بالفئتين هنا هما ‏طائفة علي ومن معه ، وطائفة معاوية ومن معه (‏ ‏) .‏
قال النووي ـ رحمه الله ـ عند شرح هذا الحديث مانصه : ( هذا من ‏المعجزات ، وقد جرى هذا في العصر الأول ) (‏ ‏) انتهى .‏
فوقع القتال بين الفريقين في المكان المعروف بـ ( صفين ) ، وكان ‏ذلك في شهر ذي الحجة عام ست وثلاثين من الهجرة النبوية ، وقد قُتل الجم ‏الغفير من المسلمين حتى بلغ عددهم نحو سبعين ألفاً ، وقيل كانوا أكثر من ‏ذلك ، ويُقال كان بينهم أكثر من سبعين زحفاً ، على ماذكر الحافظ ابن حجر ‏ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) . ‏
وما حصـل من قتـال بين علـي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ لم يكن ‏يريده واحد منهما ، بل كان هناك من الأيدي المدسوسة في الجيشين للوشاية ‏وإشعال نار الفتنة بين الفريقين من أهل الأهواء ، مما أدى إلى معارك ‏طاحنة خرج فيها الأمر من يد علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ فهما أطلب ‏لكف الدماء من أكثر المقتتلين ، لكن غُلبا فيما وقع ، والفتنة إذا ثارت عجز ‏الحكماء عن إطفاء نارها .‏
وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) ‏وللنووي كلام نفيس في الباب حيث قال : ‏
‏( واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ليست ‏بداخلة في هذا الوعيد (‏ ‏) . ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم ‏والإمساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم ، وأنهم مجتهدون متأولون لم ‏يقصدوا معصية ولا محض الدنيا بل اعتقد كل فريق أنه المحق ، ومخالفه ‏باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله . وكان بعضهم مصيباً وبعضهم ‏مخطئاً معذوراً في الخطأ لأنه لاجتهاد ، والمجتهد إذا أخطأ لاإثم عليه ، ‏وكان علي ـ رضي الله عنه ـ هو المحق المصيب في تلك الحروب . هذا ‏مذهب أهل السنة ، وكانت القضايا مشتبهة حتى إن جماعة من الصحابة ‏تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب ، ثم تأخروا ‏عن مساعدته منهم . ) (‏ ‏) انتهى .‏
هذا وقد ذهب الحافظ ابن حجـــر ـ رحمه الله ـ إلى ماذهب إليه ‏النووي ـ رحمه الله ـ من ترجيح أن الحق كان مع علي ـ رضي الله عنه ـ ‏وذكر الأدلة على ذلك (‏ ‏) ، ومنها : حديث (( تقتل عمّاراً الفئة الباغية )) (‏ ‏) ‏، وعمار ـ رضي الله عنه ـ كان مع فريق علي ، وأصحاب معاوية قتلوه ‏كما قال الحافظ (‏ ‏) .‏
ومــن الأدلــة أيضـاً ماجاء عن زيد بن وهب قال : (( كنا عند حذيفة ‏فقال : كيف أنتم وقد خــرج أهــل دينكم يضـرب بعضهــم وجـوه بعض ‏بالسيف ؟ قالوا : فما تأمرنا ؟ قال انظروا الفرقة التي تدعوا إلى أمر علي ‏فالزمـوها فإنها على الحق )) (‏ ‏) . ‏
وهنــاك أدلة أخــــرى ذكرها الحافـــظ ـ رحمه الله ـ لايتسع المقام ‏لذكــرها فليُرجع إليــها (‏ ‏) .‏
ولا ريب أن كــلا الطائفتــين تدعـــوان إلى الإسلام ، وفي قوله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ فيما تقدم ـ (( دعواهما واحدة )) رد على الخوارج ومن ‏تبعهم في تكفيرهم كلا من الطائفتين كما ذكر الحافظ ابــن حــجر ـ رحمه ‏الله ـ (‏ ‏) . ويشهد لذلك قوله تعالى : { وَإِن طَـآئـِفَـتَان مِنَ الْمُـؤْمـِنـِينَ ‏اقْــتَتَلُواْ فَأَصْلِحُـواْ بَـيْـنَهـُـمَـا } [ الحجرات : 9 ] ، فسماهما من ‏المؤمنين ، بالرغم من أنهما تتقاتلان .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:29 PM
‏2 = ومما أخبر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من فتن القتال ‏من بعده ، مارواه سعيد بن زيد ـ رضي الله عنه ـ قال :كنا عند النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ فذكر فتنة فعظّم أمرها : فقلنا : يارسول الله لئن ‏أدركتنا هذه لتهلكنا ؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( كلا ، إن ‏بحسبكم القتل )) (‏ ‏) .‏
ومعناه : ( حسبك فعل الخير ، أي : أن هذه الفتنة لو أدركتكم ليكفيكم ‏فيها القتل : أي : كونكم مقتولين ، والضرر الذي يحصلكم منها ليس إلا القتل ‏، وأما هلاك عاقبتكم فكلا ، بل يرحم الله عليكم هناك ويغفر لكم ) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:30 PM
‏3 = وكذلك أخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتفرق أمته من بعده ، ‏وأنه سيقتل بعضهم بعضاً ، حيث قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث ‏طويل جـاء في آخره : ‏
‏((.....وستأتون أفناداً يفني بعضكم بعضاً ، وبين يدي الســاعة مُوتان ‏شــديد.....)) (‏ ‏) .‏
ومعنى ( أفناداً ) أي : جماعات متفرقين ، ومعناه : أنهم يصيرون ‏فرقاً مختلفين يقتلُ بعضهم بعضاً (‏ ‏) .‏
فأخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن أمته ستفترق من بعده ـ كما تقدم ‏‏(‏ ‏) ـ وأنها ستتعرض لفتنة القتل عن طريق المعارك والحروب ، وقد وقع ‏ذلك من بعده سواء كان في عصر الصحابة كما حصل في صفين والجمل ‏والحرة وغيرها ، أم بعد عصر الصحابة .‏
فالحروب الطاحنة لازال رحاها يدور ، ولهيبها يشتعل .... وقد تقدم ‏معنى المُوتان الشديد المذكور في الحديث بأنه الموت الكثير الوقوع وأن ‏ذلك وقع في طاعون عِمْواس في خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ وقد هلك فيه ‏خلائق يقرب عددهم من سبعين الفاً في ثلاثة أيام (‏ ‏) .‏
والحاصل : أن كل ماتقدم يدل على إخباره ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ بفتن القتال من بعده ، وقد وقع منها ماوقع ، والله أعلم بما سيقع . وقد تقدم ‏‏(‏ ‏) ذكر مايتعلق بقتل الأمة بعضها بعضاً أو قتالهم مع الكفار ، إضافة إلى ‏ماذُكر في هذا المبحث . ولعل في ذلك كفاية ، والله من وراء تحقيق الغاية .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:32 PM
المبحث الثاني
‏{ فتنة اقتتال المسلمين مع الروم }‏
‏= = = = = = = = = =‏

أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الروم سيغدرون بالمسلمين ، ‏وسبب غدرهم هو موالاتهم للصليب ، الذي يزعمون أن عيسى ـ عليه ‏السلام ـ قد صُلب عليه ـ كما تقدم ذكره (‏ ‏) ـ من قوله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ : (( ستصالحون الروم صُلحاً آمنا ، فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائكم ، ‏فتُنصرون وتغنمون وتسلمون ، ثم ترجعون حتى تنزلوا بِمَرجٍ ذي تُلُولٍ (‏ ‏) ، ‏فيرفع رجل من أهل النصرانيةَ الصليبَ فيقول : غلب الصليبُ ، فيغضبُ رجلٌ من ‏المسلمين فيدقُّهُ فعند ذلك تغْدِر الرُّوم وتجتمع الملحمة )) (‏ ‏) .‏
سبق التعريف بالروم (‏ ‏) ، وأنهم من سلالة العيص بن اسحاق بن ‏ابراهيم الخليل عليهما السلام كما قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
آمناً ، أي : ذا أمن ، فيغزون ويُقاتلون هم والروم عدواً من خلفهم . ‏
أي : أن المسلمين والروم يغزون معاً عدواً آخرين بالمشاركة ‏والاجتماع . بسبب الصلح الذي بينهم ، أو أن المسلمين يغزون عدوهم ‏لوحدهم ، والروم يغزون عدوهم بالإنفراد . والاحتمال الأول قيل هو ‏الظاهر .‏
ثم أخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنهم يُنصرون بعد غزوهم هذا ‏ويغنمون الأموال ويسلمون من القتل والجرح في القتال ، ثم يرجعون بعد ‏الغزو عن عدوهم حتى ينزلوا هم والروم بِمَرْجٍ ذي تُلولٍ أي : بموضع ‏مرتفع فيه نبات ترعى فيه الدواب ، وبعد أن ينزلوا بهذا المكان يقوم رجل ‏من أهل النصرانية ـ وهم الأروام حينئذ ـ فيرفع الصليب الذي هو عبارة ‏عن خشبة مربعة يدَّعون أن عيسى ـ عليه السلام ـ صلب على خشبة كانت ‏على تلك الصورة ، فيقول هذا الرجل الذي من الروم : غَلَب الصَّليبُ ، أي : ‏دين النصارى ، قاصداً بذلك إبطال الصلح أو مجرد الافتخار وإيقاع ‏المسلمين في الغيظ ، فحينئذٍ يغضب المسلمون فيقوم رجل منهم فيدُقُّه ، أي : ‏فيكسر الصليب ، فعند ذلك تَغْدِرُ الروم ، أي : تنقض العهد فتجمع رجالها ‏وجيوشها ، ويجتمعون للملحمة ، أي للحرب (‏ ‏) .‏
إلى هنا انتهى الحديث الذي ذكرناه وانتهى شرحه ، بيد أن هناك ‏رواية أخرى فيها زيادة وإكمال لقصة هذه الملحمة وهي بلفظ : (( ويثور ‏المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون ، فيُكرم الله تلك العِصابة بالشهادة )) (‏ ‏) .‏
أي : بعد أن تغدِر الروم وتجمع رجالها للحرب ، حينئذ يثور ويهوج ‏المسلمون فيقومون مسرعين إلى أسلحتهم فيقتتلون معهم ، فيكرم الله تلك ‏العصابة ، أي : جماعة المسلمين بالشهادة (‏ ‏) .‏
هذا وقد جاء وصفهم للقتال الذي يدور ويقع بين المسلمين والروم ، ‏ففي الحديث عن يُسَيْر بن جابر (‏ ‏) قال : هَاجَتْ ريحٌ حمــراءُ بالكوفــةِ . ‏فجــاء رجلٌ ليس له هِجِّيرى (‏ ‏) إلاّ : ياعبــد الله بن مسعود ! جاءت ‏الساعة . قال : فقعد وكان متكئاً. فقال : إن الساعــة لاتقــوم ، حتى لايُقْسَم ‏ميراثٌ ، ولا يُفرح بغنيمة ، ثم قال بيده هكـذا ( ونحَّاها نحو الشأْم ) فقال : ‏عدوٌّ يجمعون لأهل الإسلام (‏ ‏) ، ويجمع لهم أهل الإسلام . قلتُ : الروم ‏تعنِى ؟ قال : نعم . وتكون عند ذاكم القتال ردةٌ شديدة (‏ ‏). فيشترطُ (‏ ‏) ‏المسلمون شُرْطَة (‏ ‏) للموت لاترجع إلا غالبةً . فيقتتلون حتى يحـجزَ بينهم ‏الليــل . فيفيء (‏ ‏) هؤلاء وهؤلاء . كلٌ غيرُ غالبٍ . وتفنى الشرطة . ثم ‏يشترط المسلمون شرطة للموت لاترجع إلا غالبة . فيقتتلون . حتى يحجز ‏بينهم الليل . فيفيء هؤلاء وهؤلاء . كل غير غالب . وتفنى الشرطة . ثم ‏يشترط المسلمون شرطة للموت . لاترجع إلا غالبة . فيقتتلون حتى يمسوا . ‏فيفيء هؤلاء وهؤلاء . كل غير غالب . وتفنى الشرطة . فإذا كان يوم ‏الرابع ، نهدَ (‏ ‏) إليهم بقية أهل الإسلام ، فيجعل الله الدَّبرَة عليهم (‏ ‏) . ‏فيقتلون مقتلة ـ إما قال لايرى مثلها ، وإما قال لم يُرَ مثلها ـ حتى إن الطائر ‏ليمر بجنباتهم (‏ ‏) فما يُخَلِّفُهُم (‏ ‏) حتى يخرَّ ميتاً ، فيتعادُّ بنو الأب (‏ ‏) ‏كانوا مائة ، فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد ، فبأي غنيمة يفرح ؟ أو ‏أي ميراث يقاسم ؟ فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس ، هو أكبر من ذلك . ‏فجاءهم الصريخ ؛ إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم فيرفضون (‏ ‏) مافي ‏أيديهم ويقبلون فيبعثون عشرة فوارس طليعة : قال رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ : (( إني لأعرفُ أسماءهُمْ ، وأَسْمَاءَ آبائهم ، وألوانَ خيولِهِم ، هم خير ‏فوارس على ظهر الأرض يومئذ أو مِنْ خَيْرِ فَوارِسَ عَلَى ظَهْرِ الأرضِ يومَئِذٍ )) ‏‏(‏ ‏) .‏
وكذلك ذكر القرطبي ـ رحمه الله ـ وصفاً آخر لهذه الملحمة التي تقع بين ‏المسلمين والروم فقال مانصه : ( وقد روي مرفوعاً في حديث فيه طول عن ‏حذيفة : أن الله تعالى يرسل ملك الروم وهو الخامس من الهرقل يقال له : ‏شمارة ، وهو صاحب الملاحم ، فيرغب إلى المهدي في الصلح ، وذلك لظهور ‏المسلمين على المشركين فيصالحه إلى سبعة أعوام فيضع عليهم الجزية عن يد ‏وهم صاغرون فلا تبقى لرومي حرمة ، ويكسرون لهم الصليب ، ثم يرجع ‏المسلمون إلى دمشق ، فبينما الناس كذلك إذا برجل من الروم قد التفت فرأى ‏أبناء الروم وبناتهم في القيود والأغلال فتعير نفسـه فيرفع الصليب ويرفع ‏صوته ، فيقول : لا ، من كان يعبد الصليب فلينصره ، فيقوم رجل من المسلمين ‏فيكسر الصليب ، ويقول : الله ، أغلب وأنصر ، فحينئذٍ يغدرون وهم أولى ‏بالغدر ، فيجمعون عند ذلك ملوك الروم في بلادهم خفية، فيأتون إلى بلاد ‏المسلمين حيث لايشعر بهم المسلمون ، والمسلمون قد أخذوا منهم الأمن وهم ‏على غفلة أنهم مقيمون على الصلح ، فيأتون أنطاكية في اثني عشر ألف راية ، ‏تحت كل راية اثنا عشر ألفاً ، فلا يبقى بالجزيرة ولا بالشام ولا بأنطاكية ‏نصراني إلا ويرفع الصليب ، فعند ذلك يبعث المهدي إلى أهل الشام والحجاز ‏واليمن والكوفة والبصرة والعراق ، يعرفهم بخروج الروم وجمعهم ويقول لهم : ‏أعينوني على جهاد عدو الله وعدوكم ، فيبعث إليه أهل المشرق أنه قد جاءنا ‏عدو من خراسان على ساحل الفرات ، وحل بنا ماشغلنا عنك ، فيأتي إليه ‏بعض أهل الكوفة والبصرة ، ويخرج إليهم المهدي ، ويخرج معهم المسلمون ‏إلى لقائهم فيلتقي بهم المهدي ومن معه من المسلمين ، فيأتون إلى دمشق ‏فيدخلون فيها فتأتي الروم إلى دمشق فيكونون عليها أربعين يوماً ، فيفسدون ‏البلاد ، ويقتلون العباد ، ويهدمون الديار ، ويقطعون الأشجار ، ثم إن الله تعالى ‏ينزل صبره ونصره على المؤمنين فيخرجون إليهم فتشتد الحرب بينهم ‏ويستشهد من المسلمين خلق كثير ، فيالها من وقعة ومقتلة ماأعظمها وما أعظم ‏هولها ويرتد من العرب يومئذ أربع قبائل : سُليم ، ونهد وغسان وطيء ، ‏فيلحقون بالروم ويتنصرون مما يعاينون من الهول العظيم والأمر الجسيم ، ثم ‏إن الله تعالى ينزل النصر والصبر والظفر على المسلمين فيقتل من الروم مقتلة ‏عظيمة حتى يخوض الخيل في دمائهم وتشتعل الحرب بينهم ، حتى إن الحديد ‏يقطع بعضه بعضاً ، وأن الرجل من المسلمين ليطعن العلج بالسفود فينفذه ‏وعليه الدرع من الحديد ، فيقتل المسلمون من المشركين خلقاً كثيراً حتى ‏تخوض الخيل في الدماء ، وينصر الله تعالى المسلمين ، ويغضب على الكافرين ‏، وذلك رحمة من الله تعالى لهم ، فعصابة من المسلمين يومئذ خير خلق الله ، ‏والمخلصين من عبد الله ليس فيهم مارد ولا مارق ولا شارد ولا مرتاب ولا ‏منافق ، ثم إن المسلمين يدخلون إلى بلاد الروم ويكبرون على المدائن ‏والحصون فتقع اسوارها بقدرة الله ، فيدخلون المدائن والحصون ويغنمون ‏الأموال ويسبون النساء والأطفال ، ويكون أيام المهدي أربعين سنة : عشر ‏سنين في المغرب ، واثنتا عشرة سنة بالكوفة ، واثنتا عشرة بالمدينة ، وستة ‏بمكة ، وتكون منيته فجأة بينما الناس كذلك إذ تكلم الناس بخروج الدجال اللعين ‏‏) (‏ ‏) .‏
وقد ذكر وصف هذه الملحمة ـ أيضاً ـ العيني (‏ ‏) ـ رحمه الله تعالى ‏ـ بنحو ماذكره القرطبي .‏
والروم عددهم كثير جداً ، كما ورد ذلك في غيرما حديث ، منها : ‏حديث عوف بن مالك الأشجعي ـ رضي الله عنه ـ المتقدم ـ (‏ ‏) قال : قال ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وســلم ـ : (( اعْـــدُدْ سِتاً بين يَـدَي السَّاعة )) فذكـــر ‏منها : (( ...... ثم هُدْنَةٌ (‏ ‏) تكون بينكــم وبين بني الأصـــفر (‏ ‏) فَيَغْدِرُونَ ‏فيأتونكـم تحــت ثمانين غاية (‏ ‏) ، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً )) (‏ ‏) .‏
ومنها : حديث المستورد القرشي (‏ ‏) ـ رضي الله عنه ـ قال : ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( تقوم الساعة والروم أكثر ‏الناس )) (‏ ‏) .‏
هذا وجملة العدد المشار إليه في حديث عوف بن مالك ـ السابق ـ ‏بقوله عليه السلام : (( .... فيأتونكم تحت ثمانين غاية ، تحت كل غاية اثنا عشر ‏ألفاً )) : تسعمائة ألف وستون ألفاً (‏ ‏) (960000 ) .‏
‏ ولعل أصله : ألف ألف ، فَأُلْغِيَتْ كسورُه (‏ ‏) .‏
وقد ذكر العيني ـ رحمه الله ـ أن الستَّ المذكورة آنفاً في حديث ‏عوف بن مالك ـ المتقدم ـ قد ظهر منها خمس علامات ، وأما السادسة ـ ‏آخرها ـ ، وهي قتال المسلمين مع الروم فلم تظهر بعد ، فقال مانصه : ( ‏هذه الست المذكورة ظهر منها الخمس .... ) وذكرهـا ثم قال عن السـادسـة ‏التي هي قتال الروم مع المسلمين : ( والسادسة لم تجيء بعد ) (‏ ‏) .‏
وكذلك أشار الحافظ بقوله : ( والسادسة لم تجيء بعد ) (‏ ‏) ، ‏ويعني بالسادسة قتال الروم وما يتعلق به ، والله أعلم .‏
وقال المهلب (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ : ( وفيه ـ أي في حديث عوف بن ‏مالك المتقدم ـ أن الغدر من أشراط الساعة ، وفيه شيء من علامات النبوة ‏قد ظهر أكثرها ) (‏ ‏) .‏
وأشــار أيضاً ابن المنير (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ إلى أن قصة الروم لم ‏تجتمع بعــد فقال : ( أما قصة الروم فلم تجتمع إلى الآن ، ولا بلغنا أنهم ‏غزوا في البرِّ في هذا العدد ، فهي من الأمور التي لم تقع بعد . وفيه ـ أي في ‏حديث عوف بن مالك المتقدم ـ بشارة ونذارة ، وذلك أنه دل على أن العاقبة ‏للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش ، وفيه إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين ‏سيكون أضعاف ماهو عليه ) (‏ ‏) .‏
وهذا القتال الذي يكون بين المسلمين والروم إنما يقع في الشام في ‏آخر الزمان قبل ظهور الدجال ، كما أفادته الأحاديث السالفة في هذا ‏المبحث ، وكما دلت عليه الأحاديث اللاحقة ـ الآن ـ ، ويكون انتصار ‏المسلمين على الروم تهيئة لفتح القســـطنطينية (‏ ‏) .‏
‏* ففي الحديث عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( لاتقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق ‏‏(‏ ‏) فيخرجُ إليهم جيشٌ من المدينة ، من خيار أهل الأرض يومئذٍ فإذا تصافُّوا قالت ‏الروم : خَلُّوا بينَنا وبين الذين سُبُّوا منَّا نُقاتِلُهم . فيقول المسلمونَ : لا . وَاللهِ ! لانُخَلِّي ‏بينكــم وبين إخواننا . فيُقاتِلونَهُم . فيَنْهزم ثُلُثٌ لايتوبُ الله عليهم أبداً (‏ ‏) ويُقْتَلُ ثُلُثُهُم ‏‏. أفضَلُ الشهداء عند الله ، ويَفْتَتِحُ الثلث . لايُفْتَنون أبداً ، فيفتَتِحون قُسطَنطينيَّةَ . فبينما ‏هم يَقتسمون الغنائمَ ، قد علَّقوا سيوفهم بالزيتون ، إذْ صاح فيهم الشيطان : إن المسيح ‏قد خلَفَكُم في أهليكم . فيخْرُجُــون . وذلك باطل . فإذا جــاؤا الشَّأْم خـــرج . فبينما هم ‏يُعِدُّون للقتال ، يُسَـوُّون الصــفُوف ، إذ أُقيمت الصلاة . فينزل عيســى ابــن مريم ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ ....)) الحديث (‏ ‏) .‏
‏* وعــن أبـــي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ أن رســـول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قال : (( إن فُسْطَاطَ (‏ ‏) المسلمين يوم الملحمة بالغُوطَة (‏ ‏) إلى ‏جانب مدينة يقال لها دِمَشق (‏ ‏) من خير مدائن الشام )) (‏ ‏) .‏
ومعنــاه : إن فسطاط المسلمين أي : حصنهم الذي يتحصنون به من ‏الفتن ـ بعد الله سبحانه وتعالى ـ يوم الملحمة أي : المقتلة العظمى في الفتن ‏بالغوطة التي هي موضع بالشام كثير الماء والشجر وهي غوطة دمشق ، ‏ولهذا قال : (( إلى جانب مدينة يقال لها دمشق )) وهي قصبة الشام ، وسميت ‏بذلك : لأن دماشاق بن نمْرُود بن كنعان هو الذي بناها ، فسُمِّيت باسمه ، ‏وكان آمن بابراهيم عليه السلام ، وسار معه ، وكان أبوه نمرود دفعه اليها ‏لِما رأى له من الآيات .‏
ودمشق هي من خير مدائن الشام كما في عجز هذا الحديث ، بل هي ‏خيرها ، ولا يقدح فيه ( من ) لأن بعض الأفضل قد يكون أفضل بدليل خبر ‏عائشة ـ رضي الله عنها ـ : (( كان ـ أي النبي صلى الله عليه وسلم ـ من أحسن ‏الناس خلقاً )) (‏ ‏) ، مع كونه أحسنهم (‏ ‏) . وسيأتي مزيد بيان لفضائل ‏الشام ، وأنها حصن من الفتن ـ بعد الله عز وجل ـ في آخر الرسالة ـ إن ‏شاء الله تعالى ـ (‏ ‏) .‏
وعلــى كــلٍ : فإن حديث أبي الدرداء هذا وحديث أبي هريرة الذي ‏قبله وكذلك حديث يُسير بن جابر وحديث حذيفة ـ رضي الله عنهم جميعاً ـ ‏في أول هذا المبحث ، كلها تدل على ماذُكر آنفا من أن هذه الملحمة الكبرى ‏التي تقع بين المسلمين والروم إنما يكون موقعها في الشام ، وتدل أيضا على ‏أن المسـلمين ينتصرون فيها على الروم .‏
وهذا كُله يكون في آخر الزمان ، ويكون انتصار المسلمين على ‏الروم في هذه الملحمة الكبرى تهيئة لفتح مدينة القسطنطينية على أيديهم ، ‏ثم يخرج الدجال بعد فتح المسلمين لها .‏
فهي إذاً سلسلة متتابعة الأحداث ، ويسبق هذه السلسلة ـ وهي قتال ‏الروم ثم فتح القسطنطينية ثم خروج الدجال ـ سلسلة قبلها أيضا ، وهي ‏عمران بيت المقدس ثم خراب يثرب ، كما يدل على ذلك كله حديث معاذ ‏بن جبل ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ‏عمران بيت المقدس خرابُ يَثْرب ، وخراب يثرب خُروج الملحمة ، وخُروج الملحمة ‏فتح قسطنطينية ، وفتح القسطنطينينة خروج الدجال ... )) (‏ ‏) .‏
ومعنى ( عُمران بيت المقدس ) أي : عمارته بكثرة الرجال والعقار ‏والمال .‏
‏ وعمرانه سبب خراب يثرب وهو وقت خرابها . لأن عمرانه يكون ‏باستيلاء الكفار . وقيل المراد بعمران بيت المقدس : عمرانه بعد خرابه ، ‏فإنه يخرب في آخر الزمان ثم يعمره الكفار .‏
والأصـــح : أن المراد بالعمران : الكمال في العمارة ، أي عمران ‏بيت المقدس كاملاً مجاوزاً عن الحد ـ وقت خراب يثرب ـ ، فإن بيت ‏المقدس لايخرب (‏ ‏) .‏
وأما قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( خــراب يثرب )) فيثرب اسم ‏المدينة المشرفة (‏ ‏) ، مدينة سيدنا رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ (‏ ‏) ، ‏فقد كانت تسمى بذلك في الجاهلية ، فكره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ تسميتها بهذا الاسم (‏ ‏) ، كما في حديث أبــي هريرة ـ رضي الله عنــه ـ ‏قال : قــال رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أُمرت (‏ ‏) بقرية تأكل ‏‏(‏ ‏) القُــــرى ، يقــولون يثرب ، وهي المدينــة....)) الحديث (‏ ‏) فيُفهم من هذا ‏الحديث النهي عن تسمية المدينة ( يثرب ) .‏
قال النووي ـ رحمه الله ـ عند شرحه لهذا الحديث : ( يعني أن بعض ‏الناس من المنافقين وغيرهم يسمونها يثرب ، وإنما اسمها المدينة وطابة ‏وطيبة ، ففي هذا كراهة تسميتها يثرب ) (‏ ‏) .‏
وسبب كراهيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذا الاسم لأنه مأخوذ من ‏الثَّرْب ، وهو فساد في كلام العرب (‏ ‏) ، أو من التثريب ، وهو التوبيخ ‏والملامة ، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يغير الاسم القبيح إلى ‏الحسن (‏ ‏) .‏
وذكر النووي ـ رحمه الله ـ : أن تسميتها في القرآن ( يثرب ) إنما ‏هو حكاية عن قول المنافقين الذين في قلوبهم مرض (‏ ‏) . ‏
وأما مايتعلق بخراب المدينة ، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة ‏مايدل على حدوث ذلك في آخر الزمان ، قرب قيام الساعة ، وأن الناس ‏يخرجون منها بالكلية ، ففي الحديث عن أبــي هـــريرة ـ رضي الله عنه ـ ‏قال : سمعـت رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( تتركون المدينة ‏على خير ماكانت لايغشاها إلا العوافي ـ يريد عوافي السباع والطير ـ وآخر من يحشر ‏راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشاً ، حتى إذا بلغا ثنية ‏الوداع خرا على وجوههما )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية : (( لتُتْرَكَنَّ المدينة على أحسن ماكانت حتى يدخل الكلبُ أو ‏الذئب فَيُغَذّي (‏ ‏) على بعض سواري المسجد أو على المنبر )) فقالوا : يارسول ‏الله فلمن تكون الثمار ذلك الزمان ؟ قال : (( للعوافي . الطير والسباع )) (‏ ‏) .‏
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ : ( والمقصود أن المدينة تكون عامرة ‏أيام الدجال ، ثم تكون عامرة في زمان عيسى بن مريم رسول الله عليه ‏الصلاة والسلام حتى تكون وفاته بها ودفنه فيها ، ثم يخرج الناس منها بعد ‏ذلك ) (‏ ‏) .‏
وعن عوف بن مالك قال : دخل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏المسجد ثم نظر إلينا فقال : (( أما والله ليدعنها أهلها مُذَلَّلَةً أربعين عاماً للعوافي . ‏أتدرون ماالعوافي ؟ الطير والسباع )) (‏ ‏) .‏
قال الحافظ بن حجر ـ رحمه الله ـ عقب ذكره لهذا الحديث مانصه : ( ‏وهذا لم يقع قطعاً ) (‏ ‏) . ‏
والحاصل : أنه يُستدل من هذه النصوص ومن كلام العلماء عليها ‏أن المدينة النبوية تخرب فيخرج الناس منها بالكلية في آخر الزمان قرب ‏قيام الساعة بعد خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ كما ‏تقدم من كلام ابن كثير ـ رحمه الله ـ والله أعلم .‏
هذا مايتعلق بالسلسلة الثانية المذكورة في حديث معاذ السابق وهي ‏‏( خراب يثرب ) بعـد أن ذكـر أن عمران بيت المقدس سبب لخرابها ، ثم ‏ذكر ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديــث معــاذ الســابق السـلسـلة الثالثة في ‏الحديث وهي خروج الملحمة فقال : (( ... وخراب يثرب خروج الملحمة .... )) ‏أي : أن خرابها سبب لظهور الملحمة والحـرب العظيمــة بين أهـل الشــام ‏والروم ، وقيل : بين تاتار والشام . والأظهر هو الأول (‏ ‏) . ‏
ثم ذكر ـ صلى الله عليه وسلم ـ السلسلة الرابعة والخامسة ـ كما تقدم ‏ـ بقوله : (( وخروج الملحمة فتح قســطنطينية ، وفتح القسطنطينية خروج الدجال ‏‏)) أي : ( لما كان بيت المقدس باستيلاء الكفار عليه وكثرة عمارتهم فيها ‏أمارة مستعقبة بخراب يثرب ، وهو أمارة مســتعقبة بخروج الملحمة ، وهو ‏أمارة مستعقبة بفتح قسطنطينية ، وهو أمارة مســتعقبة بخروج الدجال ، ‏جعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كل واحد عين مابعده وعبر به عنه . ‏
وخلاصته : أن كل واحد من هذه الأمور أمارة لوقوع مابعده وإن ‏وقع هناك مُهْلَة ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد ذكر الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ أن الروم يسلمون في آخر ‏الزمان مستنبطاً ذلك من حديث المستورد القرشي (‏ ‏) ـ رضي الله عنه ـ ‏قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( تقوم الساعة والروم ‏أكثر الناس )) قال فبلغ ذلك عمرَو بن العاصِ فقال : ماهذه الأحاديث التي ‏تُذكر عنــك إنــك تـقولها عن رسـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟ فقال له ‏المستوردُ : قلتُ الذي سمعتُ من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . قال : ‏فقال عمرٌو : لئن قلت ذلك ، إنهم لأحلمُ الناس عند فتنةٍ ، وأجبَرُ الناس عند ‏مُصيبةٍ ، وخير الناس لمساكينهمْ وضعفائهم (‏ ‏) .‏
وفي رواية : لَئِن قلت ذلك ، إن فيهم لخصالاً أربعاً : إنهم لأحلم الناس ‏عند فتنة ، وأسرعهم إصابة بعد مصيبة ، وأوشكُهم كرَّةً بعد فرَّةً . وخيرُهم ‏لمسكينٍ ويتيم ٍ وضعيفٍ وخامسةٌ حسنةٌ جميلةٌ وأمْنَعُهُم من ظُلم الملوك (‏ ‏) ‏‏.‏
وقد ترجم ابن كثير ـ رحمه الله ـ وعَنْون لهذا الحديث بقوله : ( بعض ‏خصال الروم الحسنة ) ثم قال عقب الحديث مانصه : ( وهذا يدل على أن ‏الروم يسلمون في آخر الزمان ، ولعل فتح القسطنطينية يكون على يدي ‏طائفة منهم كما نطق به الحديث المتقدم أنه : (( يغزوها سبعون ألفاً من بني ‏إسحاق )) (‏ ‏) والروم من سلالة العيص بن اسحاق بن ابراهيم الخليل ، ‏فمنهم أولاد عم بني إسرائيل ، وهو يعقوب بن اسحق ، فالروم يكونون في ‏آخر الزمــان خــيراً من بني إسرائيــل ، فإن الدجال يتبعه سبعون الفاً من ‏يهود أصبهان ، فهم أنصار الدجال ، وهؤلاء ـ أعني الروم ـ قد مُدِحوا في ‏هذا الحديث فلعــلهم يُسلمــون على يــدي المســيح بن مريم ، والله أعلم ) ‏‏(‏ ‏) انتهـى كـلام ابن كثير ـ رحمه الله ـ .‏
ومما يدل ـ أيضاً ـ على ماذكره ابن كثير ـ رحمه الله ـ من أن الروم ‏يسلمون في آخر الزمان حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ السابق (‏ ‏) ـ ‏في قتال الروم ، وفيه أن الروم يقولون للمسلمين : (( .... خلُّوا بيننا وبين الذين ‏سُبُوا منا نُقاتلهم . فيقول المسلمون : لا . والله ! لانُخلِّي بينكم وبين إخواننا .... )) ‏فالروم يطلبون من المسلمين أن يتركوهم يقاتلون الروم الذين سبوا منهم ، ‏لأنهم أسـلموا . فيرفض المسلمون ذلك بقولهم : (( لا . والله ! لانخلي بينكم وبين ‏إخواننا .... )) ، فيبينون للروم أن من أسلم منهم فهو من إخواننا لانسلمه ‏لأحد .‏
وكون غالب جيش المسلمين ممن سُبِيَ من الكفار ليس بمستغرب كما ‏أفاد النووي ـ رحمه الله ـ حيث قال مانصه : ( وهذا موجود في زماننا ، بل ‏معظم عساكر الإسلام في بلاد الشام ومصر سُبُوا ، ثم هم اليوم ـ بحمد الله ـ ‏يَسْبُون الكفار، وقد سَبَوْهم في زماننا مراراً كثيرة ، يسبون في المرة ‏الواحدة من الكفار أُلوفاً ، ولله الحمد على إظهار الإسلام وإعزازه ) (‏ ‏) .‏
ومما يُؤيد كون هذا الجيش الذي يفتح القسطنطينية من بني إسحاق ، ‏أن جيش الروم يبلغ عددهم قريبـاً من ألـف ألـف ، وبالتحديــد تســعمائة ‏ألـف وســـتون ألفــــــاً ( 960000 ) ـ كما تقدم ـ (‏ ‏) ، ويكون من أسلم ‏من الروم مع جيش المسلمين الذي يفتح القسطنطينية كما تقدم قريباً من قول ‏ابن كثير ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
ففتح القسطنطينية ـ إذن ـ الفتح الأعظم والأخير الذي قبل خروج ‏الدجال ، يكون على يدي جيش المسلمين الذي من بينه الروم الذين اسلموا . ‏والذي تدل عليه الأحاديث ـ السالفة ـ أن هذا الفتح العظيم يكون بعد قتال ‏الروم في الملحمة الكبرى وانتصار المسلمين عليهم ، وقبل خروج الدجال ـ ‏كما سلف ـ .‏
وهذا الفتح ـ للقسطنطينية ـ يفتحه الله للمسلمين بدون قتال ، وسلاحهم ‏فيه التكبير والتهليل .‏
ففي الحديث عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قال : (( سمعتم بمدينـة جانب منـها في البرِّ وجانب منـها فـي البحـر ؟ ‏‏)) قالوا : نعم . يارسول الله ! قال : (( لاتقوم الساعــة حتى يغزوها سبعون الفاً ‏من بني إسحاق . فإذا جاؤها نزلوا . فلم يُقاتلوا بسلاحٍ ولم يرْمُوا بسهمٍ . قالوا : لا إله ‏إلا اللهُ ، واللهُ أكبرُ . فيسْقُط أحدُ جانبيها )) .‏
قال ثورٌ (‏ ‏) ـ وهو أحد رواة الحديث ـ لاأعلمُه إلاّ قال : (( الذي في ‏البحر . ثم يقولوا الثانية : لا إلـه إلا الله والله أكبر . فيسقط جانبها الآخر . ثم يقولوا ‏الثالثة : لا إله إلا الله والله أكبر . فَيُفَرَّجُ لهم . فيدخلوها فيغنموا ، فبينما هم يقتسمون ‏المغانم ، إذْ جاءَهُم الصَّرِيخُ فقال : إن الدجال قد خرجَ . فيتركون كل شيء ويرجِعُون ‏‏)) (‏ ‏) .‏
والمقصود بهذه المدينة التي ذكرها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ‏أول هذا الحديث هي مدينة القسطنطينية كما نقله النووي عن القاضي ‏عياض ـ رحمهما الله ـ (‏ ‏) .‏
وفتح القسـطنطينية بدون قتال بسلاح ـ كما نطق به هذا الحديث ـ لم ‏يقع إلى الآن (‏ ‏).‏
فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قـال : (( فتحُ القسطنطينية مع قيام الساعة )) ‏‏(‏ ‏) أي : مع قرب قيامها كما قال المباركفوري ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
قال الترمــــذي ـ رحمه الله ـ بعــد روايته لهذا الحديث : ( قال ‏محمود ـ أي ابن غيلان شيخ الترمذي ـ هذا حديث غريب ، والقسطنطينية ‏هي مدينة الروم تفتح عند خروج الدجــال ، والقسطنطينية قد فُتحــت في ‏زمان بعض أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) (‏ ‏) انتهى .‏
والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن كلام محمود هذا ـ رحمه الله ـ فيه نظر ‏، فإن الوقائع تدل على أن القسطنطينية لم تفتح الفتح الأعظم ، كما سيأتي ‏الآن من كلام الحافظ ابن كثير ، أما فتح الترك الذي كان قبل عصرنا هذا ‏فإنه كان تمهيداً للفتح الأعظم كما سيأتي قريباً من كلام الشيخ أحمد شاكر ـ ‏رحمه الله ـ .‏
هذا وقد تعقب الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ كلام محمود هذا ولم ‏يرتضيه ، فقال ـ رحمه الله ـ بعد أن نقل كلامه : ( هكذا قال : إنها فُتحت في ‏زمن الصحابة ، وفي هذا نظر ، فإن معاوية بعث إليها ابنه يزيد في جيش ‏فيهم أبو أيوب الأنصاري ، ولكن لم يتفق أن فتحها ، وحاصرها مسلمة بن ‏عبد الملك بن مروان في زمان دولتهم ولم تفتح أيضاً ، ولكن صالحهم على ‏بناء مسجد بها ) (‏ ‏) .‏
وقد تكلم الشيخ أحمد شاكر ـ رحمه الله ـ في هذا الموضوع فقال : ‏فتح القسطنطينية المُبَشَّر به في الحديث سيكون في مستقبل قريب أو بعيد ‏يعلمه الله عز وجل ، وهو الفتح الصحيح لها حين يعود المسلمون إلى دينهم ‏الذي أعرضوا عنه ، وأما فتح الترك الذي كان قبل عصرنا هذا فإنه كان ‏تمهيداً للفتح الأعظم ، ثم هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين منذ أن ‏أعلنت حكومتهم هناك أنها حكومة غير إسلامية وغير دينية ، وعاهــدت ‏الكفــار أعداء الإســـلام ، وحكمـــت أمتها بأحكام القوانــين الوثنيـــة ‏الكافرة ، وسـيعود الفتح الإســـلامي لها إن شــاء الله كما بشــَّر به رسول ‏الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) (‏ ‏) .‏
هذا مايتعلق بفتنة قتال الروم مع المسلمين ، وإسلام طائفة منهم في ‏آخر الزمان ، وفتح القسطنطينية على أيديهم بعد إسلامهم . ولعل في هذا ‏كفاية ، والله من وراء تحقيق الغاية .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:33 PM
المبحث الثالث
‏{ فتنة اقتتال المسلمين مع الترك }‏
‏= = = = = = = = = = = = ‏

ذكر العلماء في أصل الترك أقوالاً كثيرة منها : ‏
‏1 = أنهم من بني قنطوراء أمة كانت لابراهيم عليه السلام ، ولدت له ‏أولاداً جاء من نسلهم الترك والصين .‏
‏2 = أنهم من نسل يافث بن نوح الذي من نسله يأجوج ومأجوج ، فهم ‏بنو عمهم .‏
‏3 = أنهم من نسل تبع .‏
‏4 = أنهم من ولد أفريدون بن سام بن نوح .‏
‏ وبلادهم يقال لها تركستان ، وهي مابين مشارق خراسان إلى ‏مغارب الصين وشمال الهند إلى أقصى المعمور (‏ ‏)‏
‏ هذا وقد جاء وصف الترك في غيرما حديث . ‏
فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رســول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قال : (( لاتقوم الساعة حتى يُقاتِلَ المسلمونَ التركَ قوماً وجوهُهُم كالمَجَانِّ ‏المُطْرَقَةِ يلبسونَ الشعرَ ويمشونَ في الشَّعْرِ )) (‏ ‏) .‏
وعنه ـ رضي الله عنــه ـ قــال : قــال رســول الله ـ صــلى الله عليه ‏وسلم ـ : ‏
‏ (( لاتقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغارَ الأعين حُمرَ الوجوه ، ذُلْفَ ‏الأُنوفِ ، كأنَّ وجوهَهُمُ المَجَّانُّ المُطْرَقَةُ . ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهُم ‏الشَّعَرُ )) (‏ ‏).‏
والمراد بالمَجَان المذكور : جمع مِجَن وهو الترس ، والميم زائدة ‏لأنه من الجُنَّة وهي السترة (‏ ‏) .‏
وقد ضبط النووي ـ رحمه الله ـ ( المَجَّان ) ـ بفتح الميم وتشديد النون ‏ـ جمع مِجن بكسر الميم (‏ ‏) .‏
وأما المُطْرقَة : ـ فبإسكان الطاء وتخفيف الراء ـ ، هذا هو الفصيح ‏المشهور . وهي التي ألبست العقب وأطرمت به طاقة فوق طاقة .‏
ومعناه : تشبيه وجوه الترك في عرضها وتنور وجناتها بالترس ، ‏قد أُلبست الأطرقة .‏
وأما ذُلْفُ الأُنوف : ـ فهو بالذال المعجمة والمهملة ، والصواب : ‏المعجمة ، وهو بضم الذال وإسكان اللام ـ جمع أُذْلُف ، ومعناه : فطس ‏الأنوف ، قصارها مع انبطاح ، وقيل هو غِلَظٌ في أرنبة الأنف ، وقيل ‏تطامن فيها ، وكله متقارب (‏ ‏) .‏
وقد وصف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أولئك الترك بأنهم (( ‏يلبسون الشعر ويمشون في الشعر )) ومعناه : ينتعلون الشعر كما صرح به في ‏الرواية الأخرى ـ التي تقدمت في أول المبحث ـ وهي : (( نعالهم الشعر )) ‏‏(‏ ‏) .‏
قال النووي ـ رحمه الله ـ : ( وقد وُجدوا في زماننا هكذا ، وفي ‏الرواية الأخرى : (( حُمر الوجوه )) أي : بيض الوجوه مشوبة بحمرة ، وفي ‏هذه الرواية : (( صغار الأعين )) وهذه كلها معجزات لرسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ ، فقد وُجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ : (( صغار الأعين ، حمر الوجوه ، ذُلْف الأُنف ، عراض الوجوه ‏، كأن وجوههم المَجَّان المُطْرَقَة ، ينتعلون الشعر )) فوجدوا بهذه الصفات كلها في ‏زماننا ، وقاتلهم المسلمون مرات ، وقتالهم الآن . ونسأل الله الكريم إحسان ‏العاقبة للمسلمين .... ) (‏ ‏) .‏
وقد قاتل المسلمون أولئك الترك منذ عهد الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ‏، وكان ذلك في أول خلافة بني أمية في عهد معاوية ـ رضي الله عنه ـ . وقد ‏كان مشهوراً في زمن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ حديث : (( اتركوا الترك ‏ماتركوكم )) (‏ ‏) . ومن وجه آخر من حديث معاوية بن حُدَيْج (‏ ‏) قال : ‏كنت عند معاوية بن أبي سفيان حين جاءه كتاب عامله يُخْبِرُه أنه وقع ‏بالترك وهزمهم ، وكثْرة من قُتل منهم ، وكثْرة من غُنم ، فغضب معاوية من ‏ذلك ، ثم أمر أن يكتب إليه قد فهمتُ ماذكرتَ مما قتلْتَ وغنمتَ فلا أعْلَمَنَّ ‏ماعُدتَ لشيء من ذلك . ولا قاتلتهم حتى يأتيك أمري . قلتُ له : لِمَ ياأمير ‏المؤمنين ؟ فقال : سمعتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( ‏لتـَظْهرَنَّ التركُ على العربِ حتى تُلحقها بمنابتِ الشِّيحِ والقيصوم )) فأكره قتالهم ‏لذلك (‏ ‏) .‏
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ وهو يصف تاريخ الترك : ( ‏وقاتل المسلمون الترك في خلافة بني أمية ، وكان مابينهم وبين المسلمين ‏مسدوداً إلى أن فُتح ذلك شيئاً بعد شيء ، وكثر السبي منهم ، وتنافس الملوك ‏فيهم لما فيهم من الشدة والبأس ، حتى كان أكثر عسكر الإسلام المعتصم ‏منهم ، ثم غلب الأتراك على الملك فقتلوا ابنه المتوكل ، ثم أولاده واحداً بعد ‏واحد ، إلى أن خالط المملكة الديلم ، ثم كان الملوك السامانية من الترك ‏أيضاً ، فملكوا بلاد العجم ، ثم غلب على تلك الممالك آل سبكتكين ، ثم آل ‏سلجوق ، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام والروم ، ثم كان بقايا أتباعهم ‏بالشام وهم آل زنكي وأتباع هؤلاء ، وهم بيت ايوب ، واستكثر هؤلاء أيضاً ‏من الترك ، فغلبوهم على المملكة بالديار المصرية والشامية والحجازية .‏
وخرج على آل سلجوق في المائة الخامسة ( الغز ) فخربوا البلاد ، ‏وفتكوا في العباد ، ثم جاءت الطامة الكبرى بالططر (‏ ‏) فكان خروج ‏جنكيزخان بعد الستمائة فأُسعرت بهم الدنيا ناراً خصوصاً المشرق بأسره ‏حتى لم يبق بلد منه ، حتى دخله شرهم ، ثم كان خراب بغداد وقَتْلُ الخليفة ‏المستعصم آخر خلفائهم على أيديهم في سنة ست وخمسين وستمائة ، ثم لم ‏تزل بقاياهم يخربون إلى أن كان آخرهم ( اللنك ) ومعناه : الأعرج ، ‏واسمه ( تَمُر ) ـ بفتح المثناة وضم الميم وربما أشبعت ـ ، فطرق الديار ‏الشامية وعاث فيها ، وحرّق دمشق حتى صارت خاوية على عروشها ، ‏ودخل الروم والهند ومابين ذلك ، وطالت مدته إلى أن أخذه الله ، وتفرق ‏بنوه البلاد ، وظهر بجميع ماأوردته مصداق قوله ـ صلى الله عليه وســلم ـ : ‏‏(( إن بنــي قـنـطــوراء أول من سلب أمتي ملكهم )) ...... وكأنه يريد بقوله : (( ‏أمتي )) أمة النسب لا أمة الدعوة يعني العرب ، والله أعلم ) (‏ ‏) . انتهى ‏كلام ابن حجر .‏
وعلى هذا يكون التتار الذين ظهروا في القرن السابع الهجري هم من ‏الترك ، فإن الصفات التي جاءت في وصف الترك تنطبق على التتار ( ‏المغول ) ، وقد كان ظهورهم في زمن الإمام النووي ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) ‏كما تقدم (‏ ‏) بأنهم وُجدوا في عصره بالصفات المذكورة في الحديث كلها ‏من صغر الأعين ، وحمر الوجوه .... الخ (‏ ‏) .‏
وقد بوّب القرطبي ـ رحمه الله ـ باباً في سياقة الترك للمسلمين ، ‏وسياقة المسلمين لهم ، وذكر فيه حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : ‏كنت جالساً عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فسمعنا النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ يقول : (( إن أمتي يسوقها قوم عراض الأوجه ، صغار الأعين ، كأن ‏وجوههم الحجف (‏ ‏) ثلاث مرار حتى يلحقوهم بجزيرة العرب ، أما السابقة الأولى ‏فينجو من هرب منهم ، وأما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض وأما الثالثة فيصطلمون ‏‏(‏ ‏) كلهم من بقي منهم )) قالوا : يانبي الله ! من هم ؟ قال : (( هم الترك )) ‏قال : (( أما والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين )) .‏
قال : وكان بريدة لايفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسقية بعد ‏ذلك للهرب مما سمع من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من البلاء من أمراء ‏الترك ) (‏ ‏) .‏
‏ والحوادث تدل على وقوع ذلك على نحو ماورد في هذه الرواية ‏‏(‏ ‏) .‏
وأفاد القرطبي ـ رحمه الله ـ ( أن الحديث يدل على خروجهم وقتالهم ‏للمسلمين وقتلهم ، وقد وقع ذلك على نحو ماأخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏فخرج منهم في هذا الوقت أنهم لايحميهم إلاّ الله (‏ ‏) ولا يردهم عن ‏المسلمين إلا الله حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم ) (‏ ‏) .‏
‏ ثم نقل ـ رحمه الله ـ عن أبي الخطاب عمر بن دحية ـ رحمه الله ـ ‏ماخلاصته :‏
أنه في سنة سبع عشرة وستمائة خرج جيش من الترك يقال له ( ‏الططر ) (‏ ‏) على المسلمين ثلاث مرات ، وكان خروجهم الأخير ‏تدميرهم بغداد ، وقتلهم للخليفة والعلماء والأمراء ، والفضلاء والعباد ، ‏وأنهم أوغلوا في البلاد حتى ملكوا الشام مدة يسيرة ، ودخل رعبهم الديار ‏المصرية إلى أن تصدى لهـم الملك المظفـر الملقب ( بـقُطْز ) في معركة ( ‏عين جالوت ) فكان له النصر والظفر عليهم كما كان النصر لطالوت ، ‏وتفرقت جموعهم وكفى الله المسلمين شرورهم ومروقهم (‏ ‏) .‏
هذا وقد دخل جم غفير من الترك في دين الإسلام ، وحصل على ‏أيديهم الخير الوفير للأمة الإسلامية ، وقامت على عواتقهم دولة إسلامية ‏عظمى ، انطلقت منها فتوحات إسلامية ، كفتح القسطنطينية عاصمة الروم ‏، وكان هذا الفتح تهيئة وتمهيداً للفتح الأعظم في آخر الزمان قبل خروج ‏الدجال ـ كما تقدم تفصيله ـ (‏ ‏) ، ثم دخل الإسلام وانتشر إلى أوربا ‏والشرق والغرب ، وما ذاك إلا تصديقاً لما قاله المصطفى ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ بعد أن ذكر قتال الترك ـ كما في أول هذا المبحث (‏ ‏) ـ (( وتجدون ‏من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر (‏ ‏) حتى يقع فيه (‏ ‏) ، والناس معادنُ ، ‏خيارهم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام .... )) (‏ ‏) .‏
والحاصل : أنه يتلخص لنا من هـذا المبحث أن للعلماء في أصل ‏الترك أقوال : ـ تقدمت (‏ ‏) ـ وبلادهم تركستان ، وصفاتهم صغر الأعين ‏، حمر الوجوه ، ذُلْف الأنوف عِراض الوجوه ، والمراد تشبيه وجوههم في ‏عرضها وتنوّر وجناتها بالترسة المُطرقة ، وقد وجدوا في زمان الإمام ‏النووي ـ رحمه الله ـ في القرن السابع الهجري ، وفيه ظهر التتار المغول ـ ‏وهم جيش من الترك ـ فقتلوا المسلمين ، وعظم الخطب ، واشتد الخطر ، ‏وقضي لهم من الفتك بالمؤمنين الوطر ، ولم تهتد إلى دفعه بالحيل الفطر .‏
وقد قاتل المسلمون أولئك الترك منذ الرعيل الأول ، عصر الصحابة ‏ـ رضي الله عنهم ـ ، في خلافة بني أمية ، ـ في عهد معاوية ـ رضي الله ‏عنه ـ ، وأسلم كثير منهم ، وابلوا بلاءً حسناً ، وفتحوا الفتوح . والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:35 PM
المبحث الرابع
‏{ فتنة اقتتال المسلمين مع العجم }‏
‏= = = = = = = = = = = =‏

‏ العجم : خلاف العرب ، مفرد عجمي ، كعربي جمعه عرب (‏ ‏) .‏
وقد ذكرهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وذكر أوصاف بعضهم في ‏غيرما حديث ، منها : ‏
‏* حديث أبي هريرة : (( لاتقوم الساعة حتى تقاتلوا خُـْوزاً (‏ ‏) وكَـرْمان ‏‏(‏ ‏) من الأعاجم ، حمرَ الوجوه ، فُطْسَ الأنوف ، صغار الأعين ، كأن وجوههم ‏المَجَّان المُطْرقة ، نعالهم الشعر )) (‏ ‏) .‏
تقدم الكلام على هذه الصفات المذكورة في الحديث في مستهل ‏المبحث السابق بما يغني عن إعادته (‏ ‏) .‏
وخُوز وكَرمان : من العجم كما نطق به الحديث .‏
وهنا إشـــكال : وهو أن هؤلاء ليسوا من الترك ، وقد وردت ‏صفاتهم في هذا الحديث بنفس الصفات التي وردت في الترك ـ في المبحث ‏السابق ـ .‏
ورُدَّ : بأنه لاإشكال فيه ، ويمكن أن يجاب بأن هذا الحديث ـ الوارد ‏في صفات العجم ـ غير حديث قتال الترك ، ولا مانع من اشتراك الصنفين ‏في الصفات المذكورة مع اختلاف الجنس ، ويجتمع منهما الإنذار بخروج ‏الطائفتين .‏
وقال الطيبي (‏ ‏) : ( لعل المراد بهما صنفين من الترك ، فإن أحد ‏أصول أحدهما من خُوز ، وأحد أصول الآخر من كَرمان ) (‏ ‏) .‏
وقد ذهب الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ إلى أن حديث قتال العجم ‏هذا غير حديث قتال الترك ، وأنهما طائفتان أُنذر بخروجهما (‏ ‏) .‏
ومما يعضد قول ابن حجر هذا حديث : (( يوشك أن يملأ الله عز وجل ‏أيديكم من العجم ثم يكونون أُسْداً لايفرون فيقتلون مقاتلكم ويأكلون فيئكم )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية لأبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( يوشــك أن يكثر فيكم من العجم أُسْد لايفرون ، ‏فيقتلون مقاتلكم ويأكلون فيئكم )) (‏ ‏) .‏
وعلى هذا : فقتال العجم من أشراط الساعة الصغرى (‏ ‏) . ‏والأوصاف التي تقدم ذكرها في الترك والعجم من صغر الأعين .... الخ قد ‏جاء بعضها في بني قنطوراء (‏ ‏) الذين تناسل منهم الترك .‏
ففي الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( .... فإذا كان ‏آخر الزمان جاء بنو قنطوراء ، عراض الوجوه ، صغار الأعين .... )) (‏ ‏) . ‏والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:36 PM
الباب الثانى
موقف المسلم من الفتن

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:37 PM
بعد أن انتهى بنا المطاف في عرض نماذج من أسس وأصول الفتن ، ‏وكبار وأشهر البلايا والمحن ، آن الأوان للشروع في الكلام على موقف المسلم ‏من الفتن ، وما يجب عليه نحوها ،كي لاتزل به الأقدام وتجنح وتُغرِّر به ‏الكتابات والأقلام ، فينزلق عن الطريق ، ويهوي في وادٍ سحيق ، وينغمس في ‏ظلام دامس عميق .‏
ثم إنه يجب على المسلم ألا يغفل هذا الميدان ومعرفته ، لأن معرفة الشر ‏تؤدي إلى الخير ، فمعرفته لا لأجله وإنما لتوقيه كما قال الشاعر : ‏
‏ عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه‏ ‏ ومن لايعرف الشر من الخير ‏يقع فيه
وكما قال حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ صاحب سر رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : كان الناس يسألون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني . فقلتُ : يارسول الله ، إنّا ‏كنّـا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال : ‏‏(( نعم ...)) الحديث (‏ ‏) .‏
وعنه ـ رضي الله عنه ـ قال : ( تعلم أصحابي الخيرَ ، وتعلّمت الشرَّ ) ‏‏(‏ ‏) . فلا يمكن للمسلم أن يحدد موقفه من الفتن إلا بعد تصورها ومعرفتها جيداً ‏، وكما قيل في القاعدة الشرعية : ( الحكم على الشيء فرع عن تصوره ) .‏
إذن : بعد أن ذكرنا في الباب الأول فصول ومباحث متعددة عن الفتن ‏العظام ، والمحن الجسام ناسب أن يُردف ذلك الباب بباب آخر يبين للمسلم ‏موقفه تجاه تلك الفتن في ضوء الكتاب والسنة الصحيحة ، وعلى منهج أهل ‏السنة والجماعة من سلف هذه الأمة على صاحبها أفضل السلام وأزكى التسليم ‏‏. ‏

أمر سبحانه وتعالى عباده المؤمنين ، بالاعتصام والتمسك بحبله المتين . ‏بكتابه وسنة سيد المرسلين ، عقيدة وشريعة ، ونهاهم عن التفرق والاختلاف ، ‏وأرشدهم إلى ذكر نعمته تعالى عليهم بالأُلفة والمحبة التي كانت ثمرة هدايتهم ‏للإيمان والإسلام ، بعد أن كانوا أعداء متناحرين مختلفين ، فألف بين قلوبهم ‏فأصبحوا بها إخواناً متحابين متعاونين ، كما كانوا قبل نعمة الهداية إلى الإيمان ‏على شفا جهنم لو مات أحدهم يومئذ لوقع فيها خالداً أبداً ، وكما أنعم عليهم ‏وأنقذهم من النار مازال يبين لهم الآيات الدالة على طريق الهداية الداعية إليه ‏ليثبتهم على الهداية ويكملهم فيها (‏ ‏) .‏
فالرجوع إلى الكتاب والسنة ، والاعتصام بهما ، في كل الأمور هو ‏طريق الفوز والفلاح ، ومسلك الهدى والنجاح ، لاسيما زمن الفتن والكفاح .‏
إنه االاعتصام بحبل الله المتين . وصراطه المستقيم المبين .‏
إنه طريق العصمة من التفرق والاختلاف .‏
‏ قال تعالى : { وَاعْتَصِــمُواْ بِحَبْــلِ اللهِ جَمِيــعاً وَلاَ تَفَرَّقُــواْ ‏وَاذْكُــرُواْ نِعْمَــتَ اللهِ عَلَيْــكُمْ إِذْ كُنْتُــمْ أَعْدَآ ءً فَأَلـــَّـفَ بَـيْنَ قُـلُـوبِكُمْ ‏فَأَصْبَحْــتُم بِـنِعْمَـتــِهِ إِخـْــَـونـاً وَكُنْــتُمْ عَلَى شَفَــا حُفْــرَةٍ مِـنَ النَّــارِ ‏فَــأَنـقَــذَكُم مّــِــنْــهَا كَذَلِكَ يُـبَــيـّــِـنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَــــتِــهِ لَعَــلَّكُمْ تَــهْتَــدُونَ ‏‏} [ آل عمران : 103].‏
والحبـــل : الرباط ، وهو لفظ مشترك ، أصله في اللغة : السبب الذي ‏يُتَوصل به الى البُغية والحاجة (‏ ‏) .‏
وأصل الحبل في كلام العرب ينصرف على وجوه : منها : العهد ، وهو ‏الأمان.. كان من عادة العرب أن يُخيف بعضها بعضاً في الجاهلية ، فكان ‏الرجل إذا أراد سفراً أخذ عهداً من سيد كل قبيلة ، فيأمن به مادام في تلك القبيلة ‏، حتى ينتهي إلى الأخرى ، فيأخذ مثل ذلك أيضاً ، يريد به الأمان ، فهذا حبل ‏الجوار ، أي : مادام مجاوراً أرضه . أو هو من الإجارة : الأمان والنُّصرة . ‏فمعنى قول ابن مسعود : ( عليكم بحبل الله ) أي : عليكم بكتاب الله وترك ‏الفرقة ، فإنه أمان لكم ، وعهد من عذاب الله وعقابه .‏
وقال الأعشى بن ثعلبة يذكر مسيراً له : ‏
‏ وإذا تُجَوِّزَهــا حِبــالُ قبيلةٍ‏ أخَذَتْ من الأخرى إليك حِبَالها . ‏
يريد الأمان . والحبلُ : الدَّاهية ، قال كثير :‏
فَلا تَعْجَلي يا عَزُّ أن تَتَفَهَّمي ‏ بِنُصْحٍ أتى الواشُون أم بِحُبُـــولِ
‏ وفي الحديث : (( بيننا وبين القوم حِبال )) (‏ ‏) أي : عهود ومواثيق (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:39 PM
هذا وقد جاء تفسير الحبل ومعناه عن السلف ـ رحمهم الله ـ بألفاظ ‏مختلفة ومعانٍ متقاربة متداخلة ، وهاهو تفصيلها :‏
‏1 = قيل الحبل : بمعنى العهد ، فقوله تعالى : { بِحَبْــلِ اللهِ } أي : ‏بعهد الله ، كما قال في الآية التي بعدها : { ضُرِ بـــَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلــَّةُ أَيــْنَ ‏مَاثُـقِفُــواْ إِلاَّ بِحَبــْلٍ مّــِــنَ اللهِ وَحَــبْــلٍ مّــِــنَ النَّــاسِ } [ آل عمران : ‏‏112 ] . أي : بعهد وذمة .‏
فالحبل هنا بمعنى العهد . وقد روى ذلك ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ‏ـ بسنده إلى مجــاهد وقتادة وعطاء (‏ ‏) ، ونقله القرطبي ـ رحمه الله ـ عن ابن ‏عباس ـ رضي الله عنهما ـ (‏ ‏) .‏
‏2 = وقيل الحبل : بمعنى القرآن . رواه ابن جرير ـ رحمه الله ـ عن عبد ‏الله بن مسعود والضحاك والسُّدي وقتادة ، وروى ـ أيضا ـ نحوه عن أبي سعيد ‏الخدري ـ رضي الله عنه ـ (‏ ‏) . وقد رُوي ذلك عــن علــي ـ رضي الله عنه ـ ‏مرفوعاً في صفة القرآن : ‏
‏(( هو حبل الله المبين ، وصراطه المستقيم )) (‏ ‏) . ومما يقوي هذا القول ‏بتفسير الحبــل بالقــرآن ماثبت في الحديث : (( كتاب الله حبل ممدود من السماء ‏إلى الأرض )) (‏ ‏) .‏
‏3 = وقيل : حبل الله هو الجماعة . رواه ابن جرير ـ رحمه الله ـ عن ‏عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ (‏ ‏) ، وروي عن غيره من وُجوه (‏ ‏) .‏
‏4 = وقيــل : الحبــل : الاعتصــام بالإخلاص لله وحده . رواه ابن ‏جرير ـ رحمه الله ـ عن أبي العالية (‏ ‏) .‏
‏5 = وقيل : الحبل : الإسلام . رواه ابن جرير ـ رحمه الله ـ عن ابن زيد ‏‏(‏ ‏) .‏
‏ والحاصل من هذه الأقوال : أنه لاتعارض بينها ، فكلها ‏متقاربة المعنى متداخلة . ( فلا تعارض بين قول من قال : حبل الله هو عهد ‏الله ، وبين من قال : إنه القرآن . فالكل حبل الله ، والعهد الذي أخذه الله على ‏المسلمين هو الاعتصام بالقرآن والسنة . فالقولان مؤداهما واحد بحمد الله ) ‏‏(‏ ‏) .‏
وقد قال القرطبي ـ رحمه الله ـ بعد ذكره الأقوال الآنفة الذكر في المراد ‏بحبل الله مانصه : ( والمعنى كله متقارب مُتداخل ، فإن الله تعالى يأمر بالألفة ‏، وينهى عن الفرقة ، فإن الفرقة هلكة ، والجماعة نجاة . ورحم الله ابن ‏المبارك حيث قال :‏
إن الجماعة حبلُ الله فاعتصموا منه بِعُــرْوَتِهِ الوُثْقى لمن دانا . ) ‏‏(‏ ‏) ‏
‏ هذا وقد قال ابن جرير ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية : { ‏وَاعْتَصِــمُواْ بِحَبْــلِ اللهِ جَمِيــعاً وَلاَ تَفَرَّقُــواْ } مانصه : ( يعني بذلك جلّ ‏ثناؤه : وتعلقوا بأسباب الله جميعاً يريد بذلك ـ تعالى ذكره ـ : وتمسكوا بدين الله ‏الذي أمركم به ، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة والإجتماع ‏على كلمة الحق ، والتسليم لأمر الله..) (‏ ‏).‏
وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ عند تفسير قوله { وَلاَ تَفَرَّقُــواْ } مانصه ‏‏: ‏
‏ ( أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة . وقد وردت الأحاديث المتعددة ‏بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف ... (‏ ‏) ) إلى أن قال ـ رحمه ‏الله ـ : ( وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ ، كما وردت بذلك ‏الأحاديث المتعددة أيضاً وخيف عليهم الافتراق والاختلاف فقد وقع ذلك في ‏هذه الأمة ... ) (‏ ‏) .‏
وذكر الشوكاني ـ رحمه الله ـ عند تفسير هذه الآية أنه سبحانه : ( أمرهم ‏بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن ، ونهاهم عن التفرق ‏الناشىء عن الاختلاف في الدين ) (‏ ‏) .‏
وقـــد ( ثنى ـ سبحانه وتعالى ـ أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم لأخراهم ، ‏بأمرهم بما فيه صلاح حالهم في دنياهم ، وذلك بالاجتماع على هذا الدين ، ‏وعدم التفرق ليكتسبوا باتحادهم قوة ونماء . ‏
والاعتصام : افتعَال من عَصَم ، وهو طلب مايعصم أي : يمنع . ‏والحبل : مايُشدُّ به للإرتقاء ، أو التدلي ، أو للنجاة من غَرَقٍ ، أو نحوه . ‏والكلام تمثيل لهيئة اجتماعهم والتفافهم على دين الله ووصاياه وعهوده بهيئة ‏استمساك جماعة بحبل أُلقي إليهم من منقذ لهم من غَرَقٍ أو سقوطٍ ، وإضافة ‏الحبل إلى الله قرينة هذا التمثيل .‏
وقوله : { جَمِيــعاً } حال ، وهو الذي رجّح ارادة التمثيل ، إذْ ليس ‏المقصود الأمر باعتصام كل مسلم في حال انفراده اعتصاماً بهذا الدين ، بل ‏المقصود الأمر باعتصام الأمة كُلِّها ، ويحصل في ضمن ذلك : أمر كُلِّ واحد ‏بالتمسك بهذا الدين ، فالكلام أمر لهم بأن يكونوا على هاته الهيئة ، وهذا هو ‏الوجه المناسب لتمام البلاغة لكثرة مافيه من المعاني ..... ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد فُسِّر الحبل المذكور في الآية بالقرآن ـ كما تقدم في أول هذا ‏الفصل ـ وكما ثبت ذلك في حديث : (( كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى ‏الأرض )) (‏ ‏) ولاتتحقق الأخوة في الله ، على منهج الله ، لتحقيق منهج الله ، ‏إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة ، بحبل الله المتين ، وبدون الاعتصام يكون كل ‏تجمُّــع تجتمــع عليه الأمة تجمعاً جاهلياً ، ولا يكون هناك منهج لله تجتمع عليه ‏أمة ، إنما تكون هناك مناهج جاهلية . ولا تكون هناك قيادة راشدة في الأرض ‏للبشرية ، إنما تكون القيادة للجاهلية (‏ ‏) .‏
فالاعتصام بالكتاب والسنة نجاة من الفتن ، وعاصم من المحن ، وهو ‏أساس لكل عمل صالح ، وركن ركين وأساس متين وحصن حصين لنجاح ‏أعمالنا ، وصلاح مساعينا.‏
ويجدر بنا ونحن نتحدث عن بالغ أهمية الاعتصام بحبل الله ، أن نذكر ‏ماجاء في هذا المعنى من كلام سيد قطب ـ رحمه الله ـ حيث قال : ‏
‏( فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام ... من الركيزة الأولى .. ‏أساسها الاعتصام بحبل الله ـ أي : عهده ونهجه ودينه ـ وليست مجرد تجمع ‏على أي تصور آخر ، ولا على أي هدف آخر ، ولا بواسطة حبل آخر من ‏حبال الجاهلية الكثيرة !‏
‏{ وَاعْتَصِــمُواْ بِحَبْــلِ اللهِ جَمِيــعاً وَلاَ تَفَرَّقُــواْ } ....‏
هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة ‏المسلمة الأولى . وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائماً . وهو هنا ‏يذكرهم هذه النعمة . يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية : { أَعْدَآءً } .... وما ‏كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد . وهما الحيان العربيان في ‏يثرب (‏ ‏) . يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون ‏في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعاً . ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح ‏الذي لاتعمل إلا فيه ، ولا تعيش إلا معه . فألف الله بين قلوب الحيين من ‏العرب بالإسلام .... وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة . ‏وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع ، فيصبحون بنعمة الله إخوانا ، ‏وما يمكن أن يجمع القلوب إلا أخوة في الله ، تصغر إلى جانبها الأحقاد ‏التاريخية ، والثارات القبلية ، والأطمــاع الشــخصية ، والغايات العنصــريـة . ‏ويتجــمع الصـف تحت لــواء الله الكبير المتعـــال ... ) (‏ ‏) انتهى .‏
وأما قوله تعالى في آخر الآية { وَلاَ تَفَرَّقُــواْ } فقد قال ابن جرير ـ ‏رحمه الله ـ في تفسيرها : ( يعني جل ثناؤه بقوله : { وَلاَ تَفَرَّقُــواْ } ولا ‏تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع ‏على طاعته وطاعة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والانتهاء إلى أمره ) ثم ‏روى ـ رحمه الله ـ بسنده عن قتادة في قوله تعالى : { وَلاَ تَفَرَّقُــواْ وَاذْكُــرُواْ ‏نِعْمَــتَ اللهِ عَلَيْــكُمْ } أن الله عز وجل قد كره لكم الفـرقة ، وقــدّم إليكم فيها ‏، وحذركموهــا ، ونهاكم عنها ، ورضي لكم السمع والطاعة ، والألفــة ‏والجماعة ، فارضوا لأنفسكم مارضي الله لكم إن استطعتم ، ولا قوة إلاّ بالله ) ‏‏(‏ ‏) .‏
وقوله تعالى : { وَلاَ تَفَرَّقُــواْ } تأكيد لمضمون : اعتصموا جميعاً ، ‏كقولهم : ذُممتَ ولم تُحْمَدَ . وهو أمر دال على طلب الاتحاد في الدين (‏ ‏) .‏
وقد لخص القرطبي ـ رحمه الله ـ معنى الآية على التمام فقال : ( .... ‏فأوجب تعالى علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه ، والرجوع إليهما عند الاختلاف ‏، وأمر بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقاداً وعملاً ، وذلك سبب ‏اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين ، والسلامة من ‏الاختلاف ، وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين . ‏هذا معنى الآية على التمام ....) (‏ ‏) .‏
ومن خلال كلام القرطبي ـ رحمه الله ـ يظهر معنى الاعتصام ‏والاستمساك بحبل الله المتين ، وأهمية ذلك ، وعدم التفرق ، وأن ذلك هو ‏الركيزة والدعامة الأولى ، والقاعدة الرئيسة الأساسية في اجتماع كلمة ‏المسلمين واتفاقها ، وحصول تآلفهم ، وذلك هو مفهوم النص القرآني ، وهو ‏الحل الصحيح لمأساة الفرقة ومرض الشقاق الواقع والحاصل بين المسلمين ‏اليوم . وليُعلم أن أي قاعدة أو ركيزة أخرى لن تُفلح في اتفاق كلمة المسلمين ‏وانتظام شتاتهم ، كما عبر القرطبي ـ رحمه الله ـ قبل قليل ، وأن أي حل تلفيقي ‏آخر لن يفلح ولن ينجح لحل مأساة فرقة المسلمين ، ولن يدخل المسلمــون ‏بسببه في رحمة الله وفضله ، ولن يهتدوا إلى الله وإلى صراطه المستقيم ، إلا ‏بالإيمــان بــه سبحانه وتعالى والاعتصــام بحبلــه المتين كما قال تعالى : { ‏فَأمَّا الَّذِيـنَ ءَامَنُواْ بِاللهِ وَاعْتَصَـمُواْ بِـهِ فَسَــيُدْخِلُـهُـمْ فِى رَحْمَــٍة ‏مّــِـنْــهُ وَفَضْـلٍ وَيـــَهــْـدِيـهِمْ إِلَـيْهِ صِــَـرطًا مُّسْـتَقِيمًا } ..... [ النساء : ‏‏175 ] .‏
وهاهو العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ يوجز لنا حقيقة الاتصال ‏بالاعتصام فيقول: (.... واتصال الاعتصام : تصحيح القصد . ثم تصفية ‏الإرادة . ثم الحال .... فاتصال الاعتصام : مقام الإيمان .... فقد قال تعالى : { ‏وَاعْتَصِمُـواْ بِاللهِ هُـوَ مَــــْولـَـــكُمْ فَنِعْـمَ الْمَــــْولـَـى وَنِـعْــمَ النَّصـِيـرُ } [ ‏الحج : 78 ] ، وقال تعالى : { وَمَــن يـَـعْـتَـصِـم بِاللهِ فَقَدْ هُـدِىَ إِلَـى ‏صِــَـرٍط مُّسْـتَقِيـمٍ } [ آل عمران : 101 ] ، وقال تعالى : { إِلاَّ الَّــذِيـــــنَ ‏تَــابُــواْ وَأَصْـلَـحُواْ وَاعْـتَصَـمُواْ بِاللهِ وَأَخْــلَـصُـواْ دِيـنَـهُــمْ لِلَّــهِ } [ ‏النساء : 146] وقال : { وَاعْتَصِــمُواْ بِحَبْــلِ اللهِ جَمِيــعاً } [ آل عمران : ‏‏103].‏
فالاعتصام به نوعان : اعتصام توكل واستعانة وتفويض ولَجإٍ وعياذ ، ‏وإسلام النفس إليه ، والاستسلام له سبحانه .‏
والثاني : اعتصام بوحيه . وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم ، ‏ومعقولاتهم ، وأذواقهم وكشوفاتهم ومواجيدهم . فمن لم يكن كذلك فهو مُنْسَلٌ ‏من هذا الاعتصام . فالدين كله بالاعتصام به وبحبله ، علماً وعملاً ، وإخلاصاً ‏واستعانةً ، ومتابعة واستمراراً على ذلك إلى يوم القيامة ) (‏ ‏) ا هـ .‏
هذا وقد أمر سبحانه وتعالى بالتمسك بكتابه والاعتصام به ، وإقامة ‏الصلاة فقال تعالى : { وَالَّذِيــنَ يُـمَسِّـكُونَ بِالْكِتَـــــــبِ وَأَقَـامُـواْ الصَّــلَــوةَ ‏إِنَّـا لاَنُـضِـيــعُ أَجْــرَ الْمُـصْـلِحِـينَ } [ الأعراف : 170 ] . فأثنى سبحانه ‏وتعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رســوله محمــد ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ كما هو مكتوب فيه ، فلــذا قال: { وَالَّذِيــنَ يُـمَـسّـِــكُونَ ‏بِالْكِتَـــــــبِ } أي : اعتصموا به واقتدوا بأوامره ، وتركوا زواجره ، { ‏وَأَقَـامُـواْ الصَّــلَــوةَ إِنَّـا لاَنُـضِـيــعُ أَجْــرَ الْمُـصْـلِحِـينَ } (‏ ‏) .‏
والعقلاء حقيقة من وصفهم الله في هذه الآية بالتمسك بكتابه ، أي : ‏يتمسكون به علماً وعملاً ، فيعلمون مافيه من الأحكام والأخبار ، التي علمها ‏أشرف العلوم ويعملون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون ، وسرور ‏القلوب ، وأفراح الأرواح ، وصلاح الدنيا والآخرة (‏ ‏) .‏
‏{ وَالَّذِيــنَ يُـمَسّـِـكُونَ بِالْكِتَـــــــبِ وَأَقَـامُـواْ الصَّــلَــوةَ إِنَّـا ‏لاَنُـضِـيــعُ أَجْــرَ الْمُـصْـلِحِـينَ } وهو تعريض بالذين أخذ عليهم ميثاق ‏الكتاب ودرسوا مافيه ، ثم هم لايتمسكون بالكتاب الذي درسوه ، ولا يعملون ‏به ، ولا يحكمونه في تصوراتهم وحركاتهم ؛ ولا في سلوكهم وحياتهم .... غير ‏أن الآية تبقى ـ من وراء ذلك التعريض ـ مطلقة ، تعطي مدلولها كاملاً لكل ‏جيل ولكل حالة .‏
إن الصيغة اللفظية : { يُـمَسّـِـكُونَ } ... تصور مدلولاً يكاد يحس ‏ويرى ... إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة .... الصورة التي ‏يحب الله أن يؤخذ بها كتابه وما فيه .. في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت .. ‏فالجد والقوة والصرامة شيء ، والتعنت والتنطع والتزمت شيء آخر .. إن ‏الجد والقوة والصرامة لاتنافي اليسر ولكنها تنافي التميع ! ولا تنافي سعة ‏الأفق ولكنها تنافي الاستهتار ! ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون ‏‏( الواقع ) هو الحكم في شريعة الله ! فهو الذي يجب أن يظل محكوماً بشريعة ‏الله ! .‏
والتمسك بالكتاب في جد وقوة وصرامة ؛ وإقام الصلاة ـ أي شعائر ‏العبادة ـ هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة .. والتمسك بالكتاب في هذه ‏العبارة مقروناً إلى الشعائر يعني مدلولاً معيناً . إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في ‏حياة الناس لإصلاح هذه الحياة ، مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس ‏‏. فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس ، ولا تصلح بسواه .. ‏والإشارة إلى الإصلاح في الآية : { إِنَّـا لاَنُـضِـيــعُ أَجْــرَ الْمُـصْـلِحِـينَ } .. ‏يشير إلى هذه الحقيقة .. حقيقة أن الاستمساك الجاد بالكتاب عملاً ، وإقامة ‏الشعائر عبادة هما أداة الإصلاح الذي لايضيع الله أجره على المصلحين .‏
وما تفسد الحياة كلها إلا بترك طرفي هذا المنهج الرباني .. ترك ‏الاستمساك الجاد بالكتاب وتحكيمه في حياة الناس ؛ وترك العبادة التي تصلح ‏القلوب فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص ، كالذي كان يصنعه أهل ‏الكتاب ؛ وكالذي يصنعه أهل كل كتاب ، حين تفتر القلوب عن العبادة فتفتر ‏عن تقوى الله .. إنه منهج متكامل . يقيم الحكم على أساس الكتاب ؛ ويقيم القلب ‏على أساس العبادة .. ومن ثم تتوافى القلوب مع الكتاب ؛ فتصلح القلوب ، ‏وتصلح الحياة .‏
إنه منهج الله ، لايعدل عنه ولا يستبدل به منهج آخر ، إلا الذين كتبت ‏عليهم الشقوة وحق عليهم العذاب ! (‏ ‏) .‏
هذا وقد وعد ـ سبحانه وتعالى ـ عباده المؤمنين الذين آمنوا به رباً وإلهاً ‏، وبرسوله نبياً ورسولاً ، واعتصموا بكتابه فعملوا به ، فجمعوا بين مقامي ‏العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم ، ـ وعدهم سبحانه ـ بأنه سيدخلهم ‏في رحمة منه وفضل ، أي : يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثواباً ومضاعفة ‏ورفعاً في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه إليهم ويهديهم إليه صراطاً ‏مستقيماً ، أي : طريقاً واضحاً قصداً قواماً لااعوجاج فيه ولا انحراف وهذه ‏صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة .... (‏ ‏) .‏
فثمن السعادة ودخول الجنة : الإيمان بالله ورسوله ولقائه والعمل ‏الصالح وهو التمسك بالكتاب والسنة المعبر عنه بالاعتصام (‏ ‏) في قوله ‏تعالى : { فَأمَّا الَّذِيـنَ ءَامَنُواْ بِاللهِ وَاعْتَصَـمُواْ بِـهِ فَسَــيُدْخِلُـهُـمْ فِى ‏رَحْمَـــٍة مّـِــنْــهُ وَفَضْـلٍ وَيـَــهْـدِيـهِمْ إِلَـيْهِ صِـــــَرطًا مُّسْـتَقِيمًا } [ النساء ‏‏: 175 ] .‏
إن ( الاعتصام بالله ثمرة ملازمة للإيمان به .... متى صح الإيمان ، ‏ومتى عرفت النفس حقيقة الله وعرفت حقيقة عبودية الكل له . فلا يبقى أمامها ‏إلا أن تعتصم بالله وحده . وهو صاحب السلطان والقدرة وحده .... وهؤلاء ‏يدخلهم الله في رحمة منــه وفضل . رحمة في هذه الحياة الدنيا ـ قبل الحياة ‏الأخرى ـ وفضل في هذه العاجلة ـ قبل الفضل في الآجلة ـ فالإيمان هو الواحة ‏الندية التي تجد فيها الروح الظلال من هاجرة الضلال في تيه الحيرة والقلق ‏والشرود . كما أنه هو القاعدة التي تقوم عليها حياة المجتمع ونظامه ؛ في ‏كرامة وحرية ونظافة واستقامة .... حيث يعرف كل إنسان مكانه على حقيقته ، ‏عبد لله وسيد مع كل من عداه .... وليس هذا في أي نظام آخر غير نظام ‏الإيمان ـ كما جاء به الإسلام ـ هذا النظام الذي يخرج الناس من عبادة العباد ‏إلى عبادة الله وحده . حين يوحد الألوهية ؛ ويسوي بين الخلائق جميعاً في ‏العبودية . وحيث يجعل السلطان لله وحده ، والحاكمية لله وحده ، فلا يخضع ‏بشر لتشريع مثله ، فيكون عبداً له مهما تحرر ! ) (‏ ‏) .‏
‏*

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:40 PM
ومن الاعتصام بالكتاب والسنة : الاستجابة لله ورسوله في الأمور ‏كلها ، صغيرها وكبيرها ، وفي كل الأمكنة وجميع الأزمنة ، لاسيما زمن ‏الفتن وعند حلول المحن قال تعالى : { يَــأَيــَّــــهَا الَّذِيــنَ ءَامَــنُـواْ ‏اسْتَـجِيـبُـواْ لِلَّـهِ وَلِلرَّسُــولِ إِذَا دَعَـاكُـمْ لِمَا يُـحْـيِـــيـكُمْ ...} [ الأنفال : ‏‏24 ] .‏
ففي هذه الآية ( يأمر ـ تعالى ـ عباده المؤمنين ، بما يقتضيه الإيمان ‏منهم ، وهو : الاستجابة لله وللرسول ، أي : الانقياد لما أمر به ، والمبادرة إلى ‏ذلك ، والدعوة إليه ، والاجتناب لما نهيا عنه ، والانكفاف عنه ، والنهي عنه .‏
وقوله : { إِذَا دَعَـاكُـمْ لِمَا يُـحْـيِـــيـكُم } وصف ملازم ، لكل مادعا ‏الله ورسوله إليه وبيان لفائدته وحكمته ، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله ‏تعالى ، ولزوم طاعته ، وطاعة رسوله ، على الدوام . ثم حذر من عدم ‏الاستجابة لله وللرسول فقال : { وَاعْـلَـمُـواْ أَنَّ اللهَ يَـحُـولُ بَـيْـنَ الْـمَـرْءِ ‏وَقَـلْـبِـهِ } [ الأنفال : 24 ] ، فإياكم أن تردوا أمر الله أول مايأتيكم ، فيحال ‏بينكم وبينه ، إذا أردتموه بعد ذلك ، وتختلف قلوبكم فإن الله يحول بين المرء ‏وقلبه ، يقلب القلوب حيث شاء ، ويصرفها أنّى شاء . فليكثر العبد قول : (( ‏يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ))، (( يامصرف القلوب ، اصرف قلبي إلى ‏طاعتك )) (‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
قال الشيخ محمد رشيد رضا (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ عند تفسيره لهذه الآية :‏
‏ ( معناه : إذا علمتم ما فرضناه عليكم من الطاعة ، وشأن سماع التفقه ‏من الهداية وقد دعاك الرسول بالتبليغ عن الله تعالى لما يحييكم ، فأجيبوا ‏الدعوة بعناية وهمة ، وعزيمة وقوة . فهو كقوله تعالى : { خُذُواْ مآ ‏ءَاتَـيْــنَـــكُم بِقُــوٍَّة } [البقرة : 63و 93] والمراد : بالحياة هنا حياة العلم بالله ‏تعالى وسننه في خلقه وأحكام شرعه ، والحكمة والفضيلة والأعمال الصالحة ‏التي تكمل بها الفطرة الإنسانية في الدنيا ، وتستعد للحياة الأبدية في الآخرة . ‏وقيل المراد بالحياة هنا : الجهاد في سبيل الله ، لأنه سبب القوة والعزة ‏والسلطان . والصواب : أن الجهاد يدخل فيما ذكرنا وليس هو الحياة المطلوبة ‏، بل هو وسيلة لتحققها ، وسياج لها بعد حصولها ، وقيل هي الإيمان والإسلام ‏، وإنما يصح باعتبار ما كان يتجدد من الأحكام وثمرته في القلوب والأعمال ، ‏وبما في الاستجابة من معنى المبالغة في الإجابة . وإلاّ فالخطاب للمؤمنين .‏
وقيل هي القرآن ، ولاشك أنه ينبوعها الأعظم ، الهادي الى سبيلها ‏الأقوم ، مع بيانه من سنة الرسول وهديه الذي أمرنا بأن يكون لنا فيه أسوة ‏حسنة ، ويدل عليه اقتران طاعته بطاعة الله تعالى ) (‏ ‏) . انتهى .‏
هذا وهناك آيات كثيرة يأمر الله تبارك وتعالى فيها بطاعته وطاعة ‏رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والاعتصام بحبل الله والتمسك بهديه القويم .‏
ولاشك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المبلِّغ الصادق لرسالة ‏رب العالمين إلى عباده ، والمفسر الأمين لكتابه أمام الخلق ، والمصدر الوحيد ‏بعد القرآن لمعرفة العقائد والأحكام . فلأجل ذلك أوجب الله عز وجل على ‏جميع المسلمين اتباع رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نحو أربعين موضعاً ‏من القرآن الكريم بأساليب مختلفة ونواحي شتى . ولذلك سنورد بعضها ونكتفي ‏به عن كلها :‏
‏* فنجد أن الله ـ سبحانه ـ قرن طاعة رسوله بطاعته في آيات كثيرة ، ‏وذلك بأسلوب الترغيب تارة ، نحو قوله تعالى : { وَأَطِـيعُـواْ اللهَ وَالرَّسُــولَ ‏لَـعَـلــَّكُــمْ تُرْحَــمُــونَ } [ آل عمران : 132 ] . ‏
‏* وبأسلوب الترهيب تارة أخرى نحو قوله تعالى : { قُـلْ أَطِيـعُـواْ ‏اللهَ وَالرَّسُــولَ فَإِن تَـوَلَّـوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَيُحِبُّ الْكَــــفِـرِ يــــنَ } [ آل ‏عمران : 32 ] . فأشار إلى أن مخالفة الرســول كفر ، وهذا محمـول على ردِّ ‏ماجاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتكذيبه ، فأما مـجرد المعصية فلا تبلغ ‏درجة الكفر على ماهو معروف من مذهب أهل السـنة والجماعـة (‏ ‏) .‏
‏ * والله عز وجــل لم يبــح للمــؤمنين مطلقــاً أن يخــالفــوا حكمه أو ‏أوامــره { وَمَـا كَـانَ لِـمُـؤْمِــــنٍ وَلاَ مُـؤْمِـنَـــٍة إِذَا قَـضَـى اللهُ ‏وَرَسُــــولُهُ, أَمْــراً أَن يـَكُـــونَ لَـهُـمُ الْخِـيَـرَةُ مِـــنْ أَمْـرِهِــمْ وَمَـن ‏يَـعْـــصِ اللهَ وَرَسُـــــولـَـهُ فَقَـــدْ ضَـلَّ ضَـــلَـلاً مّــُـبِــــيــــنـاً } [ ‏الأحزاب : 36 ] . ( فهــذه الآية عامة في جميع الأمـــور ، وذلك أنــه إذا حكم ‏الله ورســوله بشيء ، فليس لأحد مخالفته ، ولا اختيار لأحد ههنا ، ولا رأي ‏ولا قول ) (‏ ‏) .‏
وقد نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتقدموا بين يدي الله ورسوله ، ‏فقال تعالى : { يــَــــأَيــُّــــهَا الَّــذِيــــنَ ءَامَنُــواْ لاَتُـقَـدِّمُــواْ بَـيْـنَ يَـــدَىِ ‏اللهِ وَرَسُـــولِـهِ وَاتَّقُــواْ اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيـعٌ عَلِيـمٌ } [ الحجرات : 1 ] ‏‏. ‏
وقد ذكر ابن كثير ـ رحمه الله ـ أقوالاً كثيرة عن السلف الصالح في ‏معنى قوله تعالى { لاَتُـقَـدِّمُــواْ بَـيْـنَ يَـدَىِ اللهِ وَرَسُـــولِـهِ } منها : ‏ماورد عن ابن عباس قال : لاتقولوا خلاف الكتاب والسنة . وعن الضحاك : ‏لاتقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائــع دينكم . وقال سفيان الثوري : { ‏لاَتُـــقَـدِّمُــواْ بَـيْـنَ يَـدَىِ اللهِ وَرَسُـــولِـهِ } بقول ولا بفعل (‏ ‏) .‏
‏* واعتبر ـ سبحانه ـ طاعة رسوله طاعة له ، واتباعه حباً له : { مَّـن ‏يُـطِــــعِ الرَّسُـــولَ فَقَدْ أَطَـاعَ اللهَ } [ النساء : 80 ] . وقال : { قُـلْ إِن ‏كُـنتُـم تُحِـبُّـونَ اللهَ فَاتَّبِـعُـونِى يُـحْبِــبْكُـمُ اللهُ } [ آل عمران : 31 ] . ‏
‏* وأوجـــب ـ سبحانه ـ على المســلمين اتبـــاعه ـ صلى الله عليه ‏وســلم ـ فيمــا يأمر وينهى: { وَمَآ ءَاتَــــــكُــمُ الرَّسُــولُ فَــخُــذُوهُ وَمَـا ‏نَـهَـــكُــمْ عَــنْـهُ فَانـتَـهُــواْ } [الحشر : 7 ] .‏
‏* وأمـر ـ سبحانه ـ بالاعتصام بالكتــاب والسنة وذلك بالرد إليهما عند ‏التنازع : { فَـإِن تَــنَــزَعْـتُـمْ فِى شَـىءٍ فَـرُدُّوهُ إِلَــى اللهِ وَالرَّسُـــولِ ‏‏...} [ النساء : 59 ] هكذا فسره السلف (‏ ‏) .‏
‏* وحـــذر ـ ســـبحانه ـ مـن مخالفــة أمـر رســوله ـ صـلى الله عليـه ‏وســلم ـ : { فَلْيَـحْـذَرِ الَّـذِيــنَ يُـخَـالِـفُونَ عَـنْ أَمْـرِهِ أَن تُصِـيبَـهُـمْ فِتْـنَةٌ ‏أَوْ يُصِـيبَهُـمْ عَـذَابٌ أَلِـيمٌ } [النور : 63] . ‏
‏* واعتبر ـ سبحانه ـ الإعراض عن تحكيم الرسول في مواضع الخلاف ‏من علامات النفاق : فقال تعالى : { وَيـــَــقُـولُـونَ ءَامَنَّـا بِاللهِ وَبِالرَّسُــولِ ‏وَأَطَـعْـنَا ثُـمَّ يَـتَـــَولَّـــى فَــــرِيـــقٌ مّـِــنْـهُـم مِّـن بَـعْـــدِ ذَلِــكَ وَمَـآ أُوْلَـئِـكَ ‏بِالْمُـؤْمِـنِـينَ * وَإِذَا دُعُــواْ إِلَـى اللهِ وَرَسُــولِهِ لِيَـحْكُــمَ بَـيـْنـَهُــمْ إِذّا ‏فَـرِ يـــقٌ مِّنْـهُـم مُّـعْـرِضُـونَ } ـ إلى قوله تعالى ـ : { إِنَّـمَا كَان قَـوْلَ ‏الْمُــؤْمِـنِـينَ إِذّا دُعُــواْ إِلَى اللهِ وَرَسُــولِهِ لِيَـحْكُــمَ بَـيْـنَـهُـمْ أَن يَـقُـولُـوا ‏سَـمِـعْـنَا وَأَطَـعْـنَا وَأُوْلَـئِـكَ هُـمُ الْمُـفْـلِـحُـونَ } [ النور : 47 ـ 51 ] .‏
‏* بل جعل ـ الله ـ من لوازم الإيمان ألا يذهب الصحابة حيث يكونون مع ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون أن يستأذنوا منه فقال تعالى : { إِنَّـمَا ‏الْمُــؤْمِـنُـونَ الَّـذِيـنَ ءَامَــنُـواْ بِاللهِ وَرَسُـولِـهِ وَإِذَا كَانُـواْ مَـعَـهُ, عَلَـى ‏أَمْــرٍ جَـامِـعٍ لَّــمْ يَـذْهَـبُـواْ حَـتَّى يَسْــتَئْـذِنُـوهُ إِنَّ الَّــذِيـنَ يَسْــتَئْـذِنُـونَـكَ ‏أُوْلَـئِـكَ الَّـذِيـنَ يُـؤْمِـنُـونَ بِاللهِ وَرَسُـــولِهِ فَـإِذَا اسْــتــَــئْـذَنُـوكَ لِـبَـعْضِ ‏شَــأْنِـهِــمْ فَـأْذَن لِّـمَـن شَــئْـتَ مِـنْـهُـمْ وِاسْــتَـغْـفـِـرْ لَـهُــمُ اللهَ إِنَّ اللهَ ‏غَـفُـورٌ رَّحِـيمٌ } [ النور : 62 ] .‏
قـال ابـــن القيــم ـ رحمه الله ـ : ( فإذا جعــل من لوازم الإيمان أنهم ‏لايذهبون مذهبــاً إذا كانوا معـــه إلاّ باســــتئذانه ، فأولى أن يكون من لوازمــه ‏ألاّ يذهبـوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد اســـتئذانه ، وإذنُه يُعــرف بدلالة ‏ماجاء به على أنه أَذِن فيه ...) ا هـ (‏ ‏) .‏
هذا وقد حث سبحانه وتعالى عباده على الاستجابة لما يُدعو إليـه فقال ‏تعـالى : { يَــــأَيــَّـهَا الَّـذِيــنَ ءَامَـنُـواْ اسْــتَجِـيــبُـواْ للهِ وَلِلرَّسُــــولِ إِذَا ‏دَعَـاكُـمْ لِـمَـا يُـحْيِـيكُمْ } (‏ ‏) [ الأنفال : 24 ] . ‏
‏* كما أوجب ـ سبحانه وتعالى ـ النزول على حكمه في كل خلاف : { ‏فَلاَ وَرَبِّـكَ لاَيُـؤْمِـنُـونَ حَتَّـى يُحَـكِّــمُوكَ فِيـمَا شَـجَـرَ بَـيْـنَـهُمْ ثُــمَّ ‏لاَيَـجِـدُواْ فِى أَنْفُسِــهِمْ حَـرَجـًا مِـمَّـا قَـضَـيْـتَ وَيُـسَــلِّــمُــواْ تَـسْــلِـيمًا } ‏‏[ النساء : 65 ] .‏
‏* بل أخبر ـ سبحانه وتعالى ـ أن من مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم ‏إيضاح الحق حين يختلف فيه الناس { وَمَـآ أَنـزَلْـنَا عَـلَـيْـكَ الْكِتَــبَ إِلاَّ ‏لِـتُـبَـيِّـنَ لَـهُـمُ الَّــذِى اخْتَـلَــفُـواْ فِـيـهِ وَهُــدًى وَرَحْـمَـةً لِّـقَـوْمٍ ‏يُـؤْمِـنُـونَ } [ النحل : 64 ] .‏
وقال تعالى : { لِـكُـلٍّ جَـعَلْنـَـا مِـنـكُــمْ شِـــرْعَـةً وَمِـنْهَـاجًـا } [المائدة ‏‏: 48] . قــال ابــن عبـــاس في تفسير الآية : سنة وسبيلاً (‏ ‏) . وعن مجاهد ‏وقتادة والسدي نحوه .‏
‏* وعن الحسن في قوله تعالى : { ثُـمَّ جَـعَـلـْنَـــكَ عَـلَى شَــرِيعَـــٍة ‏مِّـنَ الأَمْــرِ فَاتَّـبِـعْـهَـا } [ الجاثية : 18 ] قال : على السنة (‏ ‏) .‏
‏* وعن عطاء في قوله عز وجل : { الَّـذِيـنَ ءَاتَـيْـنَــهُـمُ الْكِـتَـبَ ‏يَـتْـلُونَـهُ حَـقَّ تِـلاَوَتِــهِ } [ البقرة : 121 ] . قال : يتبعونه حق اتباعه ‏ويعملون به حق عمله (‏ ‏) .‏
‏* وعن الحسن في قوله تعالى : { قُـلْ إِن كُـنتُـمْ تُـحِـبُّـونَ اللهَ ‏فَاتَّـبِـعُـونِـى يُـحْـبِـبْكُـمُ اللهُ } [ آل عمران : 31 ] قال : وكان علامة حبه ‏إياهم اتباع سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (‏ ‏) .‏
‏* وعن الحسن ـ أيضاً ـ رحمه الله في قوله تعالى : { وَيُـعَـلِّمُـهُـمُ ‏الْكِـتَـــبَ وَالْحِــكْمَـةَ } [ البقرة : 129 ] قال : الكتاب : القرآن ، والحكمة : ‏السنة (‏ ‏) . وعن قتادة نحوه .‏
‏* وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى : { وَإِنـــّـِـــي لَغَـفَّارٌ لِّـمَـن تَـابَ ‏وَءَامَـنَ وَعَـمِـلَ صَــــــلِـحًا ثُـمَّ اهْـتَـدَى } [ طه : 82 ] قــال : ثم استقام ‏قال : لزوم السنة والجماعة (‏ ‏).‏
‏* وعن عطاء ـ رحمه الله ـ في قوله تعـــالى : { وَأَطِـيــعُــــواْ اللهَ ‏وَأَطِـيـعُــــواْ الرَّسُــولَ وَأُوْلِى الأَمْـرِ مِنـكُـمْ } [ النساء : 59 ] قال : وطاعة ‏الرسول : اتباع الكتاب والسنة (‏ ‏) .‏
هذا وهناك آيات كثيرة يأمر الله تبارك وتعالى فيها بطاعة الله ورسوله ‏والاعتصام بحبل الله والتمسك بهديه القويم . بيد أن المقام لايتسع لحصرها ، ‏والمدة لاتسمح بذكرها وقد ذكرنا سابقاً أن من منهجنا في الرسالة الاكتفاء ‏بالجزء عن الكل ، وعدم حصر كل الآيات والأحاديث والآثار التي تتعلق بكل ‏فصل أو مبحث ، فإن هذا بحر لاساحل له ، وبر لانهاية له ، مع أننا ذكرنا جماً ‏غفيراً من الآيات في ذلك ، ولعله يفي بالمقصود إن شاء الله تعالى .‏
وأما الأحاديث النبوية التي جاءت في هذا المعنى فهي كثيرة أيضاً ، فلذا ‏سنكتفي بذكر بعضها من التي جاء فيها التصريح بالتشديد على أهمية التمسك ‏والاعتصام بحبل الله فمن ذلك : ‏
‏* ماجاء عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم : (( مامن نبي بعثه الله في أمة قبلي إلاّ كان له من أمته حواريون ‏‏(‏ ‏) وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلُف من بعدهم خُلُوف . ‏يقولون مالا يفعلون . ويفعلون مالا يؤمرون ...)) (‏ ‏) الحديث .‏
‏* وقد بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه سيكون اختلاف من بعده ‏وافتراق كثير ، وأن الحق مع المتمسكين بسنته وسنة الخلفاء الراشدين ‏والمعتصمين بها .‏
حيـث قــال ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديــث العــرباض بن سـارية ـ ‏رضي الله عنه ـ : (( اتقوا الله وعليكم بالسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً ، وإنه من ‏يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ‏، عضوا عليها بالنواجذ (‏ ‏) ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة )) ‏‏(‏ ‏) ففي هذا الحديث كناية عن شدة ملازمة السنة والاعتصام والتمسك بها ‏‏(‏ ‏) .‏
‏* وقد بشر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المتمسكين بسنته ‏والمعتصمين بها من أمته بأعظم بشارة وأشرف مقصد يطلبه كل مؤمن ‏ويسعى إلى تحقيقه من كان في قلبه أدنى مَسَكَة من إيمان ، ألا وهو الفوز ‏بدخول الجنة . جاءت هذه البشرى في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال ‏‏: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( كل أمتي يدخلون الجنة إلاّ من أبى ‏‏)) . قالوا : ومن يأبى يارسول الله ؟ قال : (( من أطاعني دخل الجنة ومن ‏عصاني فقد أبى )) (‏ ‏) .‏
‏ وأي إباء ورفض للسنة أعظم من مخالفة أمره ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ .‏

‏* وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( لقد جئتكم بها بيضاء نقية فلا تختلفوا ‏بعدي )) (‏ ‏) . ‏
وفي رواية : (( لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها ، لايزيغ عنها ‏بعدي إلا هالك )) (‏ ‏) .‏
‏* وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إني تارك فيكم ماإن تمسكنتم به لن ‏تضلوا بعدي . كتاب الله وسنتي )) (‏ ‏) . وفي رواية : (( ....كتابُ اللهِ حبلٌ ممدودٌ ‏من السماء إلى الأرض ....)) (‏ ‏) . وفي رواية : (( كتاب الله فيه الهدى والنور ، ‏فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به ....)) (‏ ‏) .‏
كما وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والاختلاف ، والأمر ‏بالاجتماع والائتلاف والاعتصام بحبل الله المتين ، كحديث أبي هريرة ـ رضي ‏الله عنه ـ أن رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( إن الله يرضى لكم ثلاثاً ، ‏ويسخط لكم ثلاثاً ، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتصموا بحبل الله ‏جميعاً ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم . ويسخط لكم ثلاثاً : قِيْلَ وقالَ ، ‏وكثــرةَ السؤالِ ، وإضاعةَ المالِ )) (‏ ‏) ، وقد ضمنت لهم العصمة ـ عند اتفاقهم ـ ‏من الخطأ ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً ، وخيف عليهم الافتراق ‏والاختلاف ، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة ، ‏منها فرقة ناجية إلى الجنة ومُسَلَّمَةٌ من عذاب النار ، وهم الذيــــن علــى ماكان ‏عليــه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ) (‏ ‏) ـ كما تقدم ـ (‏ ‏) .‏
فهذا الحديث العظيم دل على أهمية الاعتصام بحبل الله المتين وحصنه ‏الحصين ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالبعد عن التفرق والاختلاف ، والأسباب ‏المؤدية إلى ذلك ، فلذا أمر الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد الاعتصام ‏بعدم التفرق { وَلاَ تَفَرَّقُواْ } .‏
والملاحظ في هذا الحديث أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرن ‏الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق ، بعبادة الله وعدم الإشراك به ، مما يدل على ‏أن الاعتصام وعدم التفرق غاية في الأهمية .‏
‏ وقد تقدم (‏ ‏) تفصيل ذلك وإشباعه ، بما يغني عن إعادته .‏
‏* قال النووي ـ رحمه الله ـ في شرح هذا الحديث :‏
‏ ( وأما الاعتصام بحبل الله فهو التمسك بعهده ، وهو اتباع كتابه العزيز ‏وحدوده والتأدب بأدبه ، والحبل يطلق على العهد وعلى الأمان ، وعلى ‏الوصلة وعلى السبب ، وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور ‏لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم ، ويوصلون بها المتفرق ، فاستُعير اسم ‏الحبل لهذه الأمور . وأما قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( ولا تفرقوا )) فهو ‏أمر بلزوم جماعة المسلمين ، وتآلف بعضهم ببعض ، وهذه إحدى قواعد ‏الإسلام ....) (‏ ‏) انتهى .‏
ومن الاعتصام بالكتاب والسنة: الأخذ بما جاء به الرسول ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ والانتهاء عما نهى عنه ، كما ـ تقدم ـ في قوله تعالى : { وَمَآ ‏ءَاتَــكُـمُ الرَّسُــولُ فَـخُـذُوهُ وَمَـا نَــهَـــكُــمْ عَـنْـهُ فَانـتَـهُـواْ } [ الحشر : 7 ‏‏] . أي : ( مهما أمركم به فافعلوه ، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه ، فإنه إنما يأمر ‏بخير ، وإنما ينهى عن شر ) (‏ ‏) .‏
وكما جاء ذلك في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مااستطعتم ، وما نهيتكم ‏عنه فاجتنبوه )) (‏ ‏) .‏
ولابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قصة في ذلك ، حيث قال : (( لعن الله ‏الواشمات والمستوشمات ، والمتنمصات والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق الله عز ‏وجل )) قال : فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب ، فجاءت إليه ‏فقالت : بلغني أنك قلت كيت وكيت ، قال : مالي لاألعن من لعن رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ ، وفي كتاب الله تعــالى . فقــالت : إني لأقرأ مابين ‏لوحيه فمـا وجدتــه ، فقال : إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه . أما قرأت { وَمَآ ‏ءَاتَـكُـمُ الرَّسُــولُ فَـخُـذُوهُ وَمَـا نَــهَـكُــمْ عَـنْـهُ فَانـتَـهُـــــواْ } قالت : بلى ؟ ‏قال : فإن رســـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عنـــه ، قـــالت : إني ‏لأظن أهلك يفعلونه ، قال : اذهبي فانظري ، فذهبت فلم تر من حاجتهـــا شيئاً ‏، فجاءت فقالت : مارأيت شيئاً . قال : لو كان كذا لما تجامعنا ) (‏ ‏) ‏
وعن جابـر بـن عبــد الله ـ رضي الله عنهمـا ـ قال : كنا عند النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ . فخــطَّ خــطاً . وخــطَّ خطـين عن يمينه . وخطَّ خطين عن ‏يســاره . ثم وضع يده في الخطِّ الأوسـط فقال : (( هـذا ســـبيل الله )) ثم تلا الآية : ‏‏{ وَأَنَّ هَـــذَا صِــرَاطِى مُسْــَتقِيمًا فَاتَّـبِـعُــوهُ وَلاَ تَـتَّـبِـعُـواْ السُّــبُـلَ ‏فَـتَـفَــرَّقَ بِـكُمْ عَـن سَــبِيـلِهِ } (‏ ‏) [ الأنعام : 153 ] . ‏
ومــن الأحـــاديث التي جـــاء فيها التصريح بالاعتصام بالكتاب والسـنة ‏والتمسـك بهما :‏
‏* ماجاء عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : ((.....إن هذا ‏القرآن حبــل الله ، والـنــور والشـــفاء النافع ، عصمــة لمن تمسك به ، ونجاة لمن ‏اتبعه ...)) (‏ ‏) .‏
‏* وعنــه ـ رضي الله عنه ـ قــال : (( إن هذا الصــراط محتضر تحضره ‏الشياطين ، ينادون : ياعبـــد الله هذا الطريق ، فاعتصموا بحبل الله ، فإن حبـــل الله ‏القرآن )) (‏ ‏) .‏
‏* عـن علـي ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ يقول : (( أتاني جبريل ـ عليه السلام ـ فقال : يامحمد إن أُمـَّــتَـك مختلفة بعدك ‏، قال : فقلت له : فأين المخرج ياجبريل ؟ قال : فقال : كتاب الله تعالى ، به يقصمُ الله ‏كل جبّار ، ومن اعتصم به نجا ، ومن تركه هلك .... )) (‏ ‏) .‏
وقد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتمسك بكتاب الله ، وأخبر أن ‏من تمسك به لن يهلك ولن يضل بعده أبداً .‏
فعن ابي شريح الخزاعي (‏ ‏) ـ رضي الله عنه ـ قال : خرج علينا ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : (( أبشروا أبشروا ، أليس تشهدون ألا ‏إله إلا الله وأني رسول الله )) ؟ قالوا : نعم . قال : (( فإن هذا القرآن سببٌ طرفه بيد ‏الله ، وطرفه بأيديكم فتمسكوا به ، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً )) (‏ ‏) .‏
وعن عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ : (( مامن مسلم يخرج من بيته يريد سفراً أو غيره فقال حين يخرج : ‏بسم الله ، آمنت بالله ، اعتصمت بالله ، توكلت على الله ، لاحول ولا قوة إلا بالله ، إلاّ ‏رُزِقَ خير ذلك المخرج ، وصُرِف عنه شر ذلك المخرج )) (‏ ‏) .‏
‏ ففي هذا الحديث : حث على الإيمان بالله والاعتصام به ، والتوكل ‏عليه .‏
ومن الاعتصام به : الاعتصام بكتابه المبين ، وحبله المتين ، وبسنة سيد ‏المرسلين ، وإمام الأولين والآخرين ، وقدوة الخلائق أجمعين ، عليه صلوات ‏ربي وسلامه إلى يوم الدين ، والله أعلم .‏
ومن شهد ألاّ إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله ، وأقام الصلاة ، وآتى ‏الزكاة ، فقد اعتصم وعصم دمه وماله إلا بحقها ، وحسابه على الله ، كما هو ‏في الحديث المتواتر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .‏
فعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ قال : (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لاإله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ‏، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ‏بحق الإسلام ، وحسابهم على الله )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية أخرى جاء فيها التصريح بأن من فعل ماذكر في الحديث من ‏الشهادتين وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، فقد اعتصم وعصم دمه وماله .. ، ‏وهي من حديث معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ وفيها : (( ....فإذا فعلوا ذلك فقد ‏اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها ، وحسابهم على الله )) (‏ ‏) .‏
وهذا الحديث متواتر كما قال السيوطي ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) فقد ورد عن ‏جمع من الصحــابة كأبــي هريرة وابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك ‏وغيرهم من الصحابة ـ رضي الله عنهم جميعـاً ـ وبألفاظ متقاربة (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:42 PM
هذا وقد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بطاعته ـ كما تقدم (‏ ‏) ـ ‏وأوصى بكتاب الله تعالى ، وبإحلال حلاله وتحريم حرامه .‏
‏* فعن أبي أيوب الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ قال : خرج علينا رسول ‏الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : (( أطيعوني ماكنت بين أظهركم ، وعليكــم ‏بكتاب الله ، أحلُّوا حلاله ، وحرِّموا حرامه )) (‏ ‏) .‏
فهذه وصية نافعة جامعة منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بطاعته ووصية ‏بكتاب الله تعالى ، كيف لا ؟ وكلامــه ـ سبحانه وتعالى ـ خير الكلام ، وكتابه ‏أحسن الحديث وخيره ، وهدي نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ خير الهدي .‏
‏* فعــن جابر ـ رضي الله عنه ـ قـــال : قـــال رســــول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ : (( أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهديِ هديُ محمدٍ ، ‏وشر الأمور محدثاتها ، وكلَّ بدعةٍ ضلالة )) (‏ ‏) .‏
فالاعتصام بالكتاب والسنة فوز وفلاح ، والتمسك بهما نجاة ونجاح ، ‏والإعراض عنهما وتركهما هلاك وضياع .‏
‏* وعن المقـــــدام بــن معــــدي كــرب ، قال : قال رســول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ : (( ألا إني أُوتِيْتُ القرآن ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبــعان على ‏أريكته (‏ ‏) يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم ‏فيه من حرام فحرموه ، وإن ماحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حَرَّمَ الله ...)) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏* وعن جابر ـ رضي الله عنـــه ـ عــن النــبي ـ صـلى الله عليه وسلم ـ ‏قــال : ‏
‏(( والذي نفس محمد بيده ، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني ، لضللتم عن سواء ‏السبيل ، ولو كان حياً وأدرك نبوتي لاتبعني )) (‏ ‏) .‏
هذا وهناك أحاديث أُخَر تأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهما ، ‏والعض عليهما بالنواجذ ، ولعل فيما ذُكِر كفاية ، وكما قيل : مالايُدرك كله ‏لايُترك جلّه وقد حاولنا ذكر معظم الأحاديث الدالة على الاعتصام والآمرة به ‏سواء كانت صريحة الدلالة على ذلك ، أو فيها إشارة إليه .‏
وأما الآثار الواردة في ذلك عن السلف الصالح ـ رحمهم الله ورضي ‏عنهم ـ فقد ورد منها كوكبة زاخرة بذلك ، ووصايا جامعة نافعة تدل المسلم ‏وتنير له الطريق نحو ربه عز وجل ، وقد حاولت جمع ماأمكنني جمعه من ‏تلك الآثار فيما يتعلق بموضوعنا هذا عن الاعتصام فظفرت ـ بحمد الله ‏وتوفيقه ـ على عدد كثير وجملة غفيرة من تلك الآثــار المأثـورة عــن السلف ‏الصالح ـ رضي الله عنهم ـ وهي تحث على لزوم الاعتصام بالكتاب والسنة ، ‏وتحذر من مخالفتهما ، ومن ذلك :‏
‏* ماجــاء عــن أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : ( السنة ‏هي حبل الله المتين ، فمن تركها فقد قطع حبله من الله ) (‏ ‏) .‏
‏* ويقــول عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ( .... إن أصحاب السنن ‏أعلم بكتاب الله ) (‏ ‏) .‏
وذلك أن من تمسك بالسنة واتبع الأثر فهو متمسك بالعروة الوثقى ، ‏وأهل السنة كذلك (‏ ‏) .‏
‏* وقال أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ ( عليكم بالسبيل والسنة فإنه ليس ‏من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله ، فتمسه ‏النار أبداً ، وإن اقتصاداً في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة ‏‏) (‏ ‏) ‏
‏* وكان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقبل الحجر الأسود ويقول : ‏‏( إني لأعلم أنك حجر لاتضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ يُقبلك ماقبلتك ) (‏ ‏) . فدل هــذا على شــدة اتبــاع الصحابة ـ ‏رضــي الله عنهم ـ للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وحرصهم على الاعتصام ‏بالكتاب والسنة .‏
‏* هذا وقد أوصى ـ رضي الله عنه ـ بالوقوف عند قبول ظاهر الشريعة ‏، واتباعها من غير تفتيش عن الشبه ، وتنقير عن أهل الزيغ والأهواء .‏
‏* فعن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ يَنميه (‏ ‏) إلى عمر بن ‏الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : ( تُركتم على الواضحة ، ليلُها كنهارها ، ‏وكونوا على دين الأعراب وغِلْمان الكُتَّاب ) (‏ ‏) .‏
ومعنى ( الواضحة ) : البيّنة ، وهي صفة لمحذوف ، تقديره : على ‏الملة الواضحة الظاهرة (‏ ‏) وأراد بقوله ـ رضي الله عنه ـ : (كونوا على دين ‏الأعراب وغلمان الكتَّاب ) الوقوف عند قبول ظاهر الشريعة ، واتباعها من ‏غير تفتيش عن الشبه وتنقير عن أهل الزيغ والأهواء ، ومثله قوله : ( عليكم ‏بدين العجائز ) (‏ ‏) .‏
‏* وهذا أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ يقول : ( إنما أنا مثلكم ، ‏وإني لاأدري لعلكم ستكلفوني ماكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يطيقه ‏‏. إن الله اصطفى محمداً على العالمين وعصمه من الآفات . وإنما أنا متبع ‏ولست بمبتدع . فإن استقمت فتابعوني ، وإن زغت فقوّموني ) (‏ ‏) .‏
‏* وعن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال : ( تُرِكْتُم على الجادَّة ‏‏: منهجٍ عليه أم الكتاب ) (‏ ‏) .‏
‏* وعن معاوية بن قُرَّة عن أبيه قال : أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ في رهط من مزينة ، فبايعناه ، وإن قميصه لمُطْلَقُ الإزرار ، قال : ‏فبايعته ثم أدخلت يدي في جَيْبِ قميصه فمسَسْت الخاتم ، قال عروة : فما رأيت ‏معاوية ولا ابنَهُ قطُّ إلا مُطْلِقَيْ أزرارهُمَا في شتاء ولا حر ، ولايُزَرِّران ‏أزرَارَهُما أبداً (‏ ‏) . وقد أورد هذا الحديث المنذري ـ رحمه الله ـ تحت باب ‏الترغيب في اتباع الكتاب والسنة (‏ ‏) ، وقد دل على شدة اعتصام الصحابة ـ ‏رضي الله عنهم ـ بالكتاب والسنة وحرصهم على اتباعها والتمسك بهما في كل ‏الأمور كبيرها وصغيرها في الازرار وغيره .‏
وأما ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فهو معروف من بين صحابة رسول ‏الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشدة اقتفائه واتباعه لسنة الرسول ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ واعتصامه وتمسكه بها ، فلذلك كثرت عنه الآثار في ذلك ومنها :‏
‏* ماجاء عن زيد بن أسلم قال : رأيت ابن عمر يصلي محلولَةً أزراره ‏، فسألته عن ذلك ؟ فقال : (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلُه )) (‏ ‏) ‏‏.‏
‏* وعن مجاهد قال : كنا مع ابن عمر ـ رحمه الله ـ في سفر ، فمرَّ ‏بمكان فحاد عنه ، فسُئلَ :لم فعلت ذلك ؟ قال : (( رأيت رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ فعل هذا ، ففعلت )) (‏ ‏) . ومعنى قوله : (( حاد )) ـ بالحاء والدال ‏المهملين ـ أي : تنحى عنه وأخذ يمينا أو شمالاً (‏ ‏) .‏
‏* وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنــه كان يأتي شجرة بين مكة ‏والمدينــة ، فيَقيلُ تحتها ، ويُخــبرُ (( أن رســول اللــه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏كان يفـعــل ذلك )) (‏ ‏) .‏
‏* وعن أنس بن سيرين قال : (( كنت مع ابن عمر ـ رحمه الله ـ بـ ‏‏(عرفات) فلما كان حين راحَ ، رُحتُ معه ، حتى إذا أتى الإمام فصلى معه ‏الأولى والعصر، ثمّ وقفَ وأنا وأصحابٌ لي ، حتــى أفاض الإمام ، فأفضنا ‏معه ، حتى انتهى إلى المَضِيق دون المَأْزَمَيْنِ ، فأناخ وأنَخْنا ، ونحن نحسِبُ ‏أنه يريد أن يصلي ، فقال غلامه الذي يُمسِك راحلته : إنه ليس يُريدُ الصلاة ، ‏ولكنه ذكـر (( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى الى هذا المكان قضى حاجتَه ‏‏)) فهو يُحب أن يقضيَ حاجته (‏ ‏) .‏
وقد أورد هذه الآثار المنذري ـ رحمه الله ـ تحت باب الترغيب في اتباع ‏الكتاب والسنة من كتابه الترغيب والترهيب (‏ ‏) . وهي تدل على شدة لزوم ‏السنة والإعتصام بها من صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لاسيما ‏عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وقد كان معروفا بذلك من بين الصحابة ـ ‏رضي الله عنهم ـ .‏
‏* ( وكان ابن عمر إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لمْ ‏يَعْدُهُ ولم يُقصِّر دونَهُ ) (‏ ‏) .‏
‏* وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : ( الإقتصاد في السنة أحسن ‏من الاجتهاد في البدعة ) (‏ ‏) .‏
‏* وعنه ـ رضي الله عنه ـ قال : ( إن هذا القرآن شافع مُشَفَّعٌ ، من اتَّبعه ‏قاده إلى الجنة ، ومن تركه أو أعرض عنه ( أو كلمة نحوها ) زُخَّ (‏ ‏) في ‏قفاه إلى النار ) (‏ ‏) .‏
‏* وعنه ـ رضي الله عنه ـ قال : ( من كان منكم مسـتـناً ، فليستنَّ بمـن ‏قد مات ، فإن الحيَّ لاتُؤْمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد : أبَرُّ هذه ‏الأمــة قلـوباً ، وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً ، قوم اختـــارهم الله تعــالى لصحبة ‏نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم حقَّهم ، وتمسكوا بهديهم ‏، فإنهم على الهدى المستقيم ) (‏ ‏) .‏
‏* وعنه ـ رضي الله عنه ـ قال : ( تعلموا العلم قبل أن يُقبض ، وقبضه ‏أن يذهب أهله ، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع ، وعليكم بالعتيق ) (‏ ‏) .‏
‏ والعتيق : القديم الأول0‏
‏* وعنه ـ رضي الله عنه ـ قال : ( اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتُم ، وكل ‏بدعة ضلالة ) (‏ ‏) . ووالله حقاً لقد كُفينا كما قال ابن مسعود ـ رضي الله ‏عنه ـ وهاهو كتاب الله واضح جلي بين أيدينا ، وسنة رسوله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ واضحة ومفصلة وشارحة لكتاب الله ، وسيرة سلفنا الصالح محفوظة ‏لدينا ، وما علينا إلا اتباع الكتاب والسنة والاعتصام والتمسك بهما والعض ‏عليهما بالنواجذ .‏
هذا وقد أورد العلماء هذه الآثار المروية عن ابن مسعود وغيره في ‏الاعتصام تحت أبواب الترغيب في اتباع الكتاب والسنة والاعتصام بهما ، ‏وممن أوردها تحت هذه الأبواب الدارمي (‏ ‏) والبغوي (‏ ‏) واللالكائي ‏‏(‏ ‏) والمنذري (‏ ‏) والتبريزي (‏ ‏) وغيرهم .‏
‏* وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : ( من تعلم كتاب الله ثم اتبع ‏مافيه هـــداه الله مــن الضــلالة في الدنيا ، ووقـاه يوم القيــامة سوء الحســاب ‏‏) وفي روايــة قــال : ( من اقتدى بكتاب الله لايضل في الدنيا ولا يشقــى في ‏الآخــرة ) ثــم تلا هذه الآية : { فَمَنِ اتَّـبـَـعَ هُـدَا ىَ فَلاَ يــَضِــلُّ وَلاَ ‏يَشْــقَى } [ طه : 123 ] (‏ ‏) ‏
‏* وعنــه ـ رضــي الله عنه ـ قــال : ( عليكـم بالاســتقامة والأثـر وإياكم ‏والتبـدع ) (‏ ‏) ، وفي روايــة : ( عليــك بتقـوى الله تعالى والاستقــامة ، ‏اتبــع ولا تبتدع ) (‏ ‏) .‏
‏* ( وكان ـ رضي الله عنه ـ إذا سُئل عن الأمر وكان في القرآن ، أخبر ‏به ، فإن لم يكن وكان عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر به ، فإن ‏لم يكن فعن أبي بكر وعمر ، فإن لم يكن قال فيه برأيه ) (‏ ‏) .‏
فهذه الآثار عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ تدل على شدة اعتصامه ‏وتمسكه بالكتاب والسنة واتباعه لهما ، وقد ذكر هذه الآثار العلماء في كتبهم ‏تحت باب الاعتصام بالكتاب والسنة كما هو مخرج تحت كل أثر منها .‏
‏* وعن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ قال : ( اقتصاد في سنة خير من ‏اجتهاد في بدعــة ، إنك إن تتبــع خير من أن تبتدع ، ولن تخطىء الطريق ‏مااتبعت الأثر ) (‏ ‏) .‏
‏* وعن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال : ( اتقوا الله يامعشر القراء! خذوا ‏طريق من قبلكم ، لئن سَـبَقْـتُم لقد سَـبَقتم سَبقاً بعيداً ، وإن تركتموه يميناً ‏وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً ) (‏ ‏) .‏
وبعد أن مر ذكر هذه النماذج من آثار الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في ‏الحث على الاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهما ولزوم اتباعهما ، ناسب ‏الشروع في ذكر نماذج من أقوال التابعين وغيرهم ممن بعدهم من السلف ـ ‏رحمهم الله ـ في ذلك ، وهي كثيرة جداً منها :‏
‏* عن محمد بن سيرين ـ رحمه الله ـ قال : ( كانوا يرون أنهم على ‏الطريق ماكانوا على الأثر ) (‏ ‏) .‏
‏* وعن سعيد بن جبير ـ رحمه الله ـ قال : ( لايُقبل قول وعمل ونية إلا ‏بنية موافقة للسنة ) (‏ ‏) .‏
‏* وعن الحسن ـ رحمه الله ـ قال : ( ياأهل السنة ترفقوا ـ رحمكم الله ـ ‏فإنكم من أقل الناس ) (‏ ‏) .‏
‏* وعن الزهري ـ رحمه الله ـ قال : ( كان مَنْ مضى من علمائنا يقول : ‏الاعتصام بالسنة نجاة ، والعلم يُقبض سريعاً ، فنعش (‏ ‏) العلم ثبات الدين ‏والدنيا وذهاب العلماء ذهاب ذلك كله ) (‏ ‏) .‏
‏* وعنه ـ رحمه الله ـ قال : ( لاتناظر بكتاب الله ، ولا بســنة رســول ‏اللـه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، أي : لاتجعل شيئاً نظيــراً لهمـا ، فـتَدَعَهُما ‏لقول قائل ) (‏ ‏) .‏
‏* وعنه ـ أيضاً رحمه الله ـ أنه قال : ( من الله الرسالةُ ، وعلى الرسول ـ ‏صلىالله عليه وسلم ـ البلاغُ ، وعلينا التسليم ) (‏ ‏) .‏
‏* وعنه ـ رحمه الله ـ قال : ( الاعتصام بالسنة نجاة ) (‏ ‏) .‏
‏* وعن أبي العالية ـ رحمه الله ـ قال : ( تعلموا الإسلام ، فإذا تعلمتموه ‏فلا ترغبوا عنه ، وعليكم بالصراط المستقيم ، فإنه الإسلام ، ولا تحرفوا ‏الإسلام يميناً وشمالاً وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه وإياكم ‏وهذه الأهواء التي تُلقي بين الناس العداوة والبغضاء . فحدثت به الحسن ، فقال ‏‏: صدق ونصح . قال : فحدثت به حفصة بنت سيرين فقالت : ياباهلي ! أنت ‏هل حدثت بهذا محمداً ؟ (‏ ‏) قلت : لا ، قالت : فحدثه إذاً ) (‏ ‏) .‏
‏* وقال الأوزاعي ـ رحمه الله ـ : ( ندور مع السنة حيث دارت ) (‏ ‏) ‏‏.‏
‏* وقال ـ أيضاً رحمه الله ـ : ( كان يقال : خمــس كان عليــها أصحــاب ‏محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتابعون لهم بإحسان : لزوم الجماعة ، واتباع ‏السنة ، وعمارة المساجد ، وتلاوة القرآن ، والجهاد في سبيل الله ) (‏ ‏) .‏
‏* ومن آثار السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ في الوصية بلزوم الكتاب ‏والسنة والاعتصام والتمسك بهما ماجاء عن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ ‏أن عاملاً له كتب إليه يسأله عن الأهواء ، فكتب إليه عمر يقول : ‏
‏( أما بعد : فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره ، واتباع سنته ، ‏وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وترك ماأحدث المحدثون بعده مما ‏جرت به سنته وكُفوا مؤنته ، فعليك بلزوم السنة ، فإنها لك ـ بإذن الله ـ ‏عصمـة ، واعلم أن الناس لم يحدثوا بدعة إلا وقد مضى قبلها ماهو دليل عليها ‏وعبرة فيها ، فإن السنة إنما سنها من علم مافي خلافها من الخطأ والزلل ‏والحمق والتعمق فارض لنفسك مارضي القوم لأنفسهم فإنهم السابقون وإنهم ‏عن علم وقفوا ، وببصر نافذ كفّوا ، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى ‏وبفضل فيه لو كان أحرى ، فلئن كان الهدى ماأنتم عليه ، فقد سبقتموهم إليه ، ‏ولئن قلت إنما أحدث بعدهم ماأحدثه إلا من اتبع غير سبلهم ، ورغب بنفسه ‏عنهم ، لقد تكلموا فيه بما يكفي ، ووصفوا منه مايشفي ، فما دونهم مقصر ، ‏وما فوقهم مُحْصِر ، لقــد قصُر دونهم أقوام فجنَوا ، وطمح عنه آخرون فغلَوا ‏إنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم ) (‏ ‏) .‏
رحم الله عمر بن عبد العزيز ، فما أعظم وصيته هذه التي رسم فيها ‏طريق أهل السنة والجماعة ووسطيتهم ، وحث على لزوم الجماعة والاعتصام ‏بالكتاب والسنة واتباعهما والتمسك بهما .‏
‏* وكتب ـ رحمه الله ـ ( بإحياء السنة ، وإماتة البدعة ) (‏ ‏) .‏
‏* وكتب ـ أيضاً ـ إلى الناس أنه لارَأْيَ لأحدٍ مع سنةٍ سنها رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ ) (‏ ‏) .‏
‏* وقـــال ـ رحمه الله ـ ( لاعــــذر لأحـــدٍ بعد السُّــنةِ في ضلالة ركبها ‏يحسب أنها هدى ) (‏ ‏) .‏
‏* وعن حماد بن زيد ـ رحمه الله ـ قال : ( كان أيوب عندي أفضل من ‏جالستُه ، وأشدّه اتباعاً للسنة ) (‏ ‏) .‏
‏* وقال ـ رحمه الله ـ : ( حضرتُ أيوب السختياني وهو يغسل شعيب بن ‏الحبحاب وهو يقول : إن الذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يُطفئوا نور ‏الله بأفواههم والله متمُ نوره ولو كره الكافرون ) (‏ ‏) .‏
‏* وقال الشافعي ـ رحمه الله ـ : ( حُكمي في اصحاب الكلام أن يُضربوا ‏بالجريد ويُحملوا على الإبل ، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل ، ويُقال : هذا ‏جزاء من ترك الكتاب والسنة ، وأخذ في الكلام ) (‏ ‏) .‏
‏* وسُئل سفيان عن الكلام فقال : ( دع الباطل ، أين أنت عن الحق ، ‏اتبع السنة ودع البدعة ، وقال : وجدت الأمر الاتباع . وقال : عليكم بما عليه ‏الحمالون والنساء في البيوت والصبيان في المكاتب من الاقرار والعمل ) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏* وعنه ـ رحمه الله ـ قال : ( استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء ) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏* وقال أيضاً ـ رحمه الله ـ : ( وجدت الأمر : الاتبـاع ) (‏ ‏) .‏
‏* وقال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ : ( أصول السنة عندنا : التمسـك بما ‏كان عليه أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والاقتداء بهم وترك ‏البدع ، وكل بدعة فهي ضلالة ،.... والسنة عندنا آثار رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ ، والسنة تفسير القرآن وهي دلائل القرآن ) (‏ ‏) .‏
‏* وقال ابن عون (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ : ( ثلاثٌ أُحِبُّهُن لنفسي ولإخواني ‏‏: هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها ، والقرآن أن يتفهموه ويسألوا الناس ‏عنه ، ويدعوا الناسَ إلاّ من خيرٍ ) (‏ ‏) . وفي رواية : ( .... أن ينظر ذاك ‏الأثر والسنة فيسأل عنه ويتْبَعَهُ جهده ) (‏ ‏) .‏
‏* وقال معتمر بن سليمان (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ : ( دخلت على ابي وأنا ‏منكسر ، فقال : مالك ؟ قلت : مات صديق لي . قال : مات على السنة ؟ قلت : ‏نعم . قال : فلا تخف عليه ) (‏ ‏) .‏

‏* وقال أبو بكر بن عياش (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ : ( السنة في الإسلام أعز ‏من الإسلام في سائر الأديان ) (‏ ‏) .‏
‏* وعن عون (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ قال : ( من مات على الإسلام والسنة ‏فله بشير بكل خير ) (‏ ‏) .‏
‏* وقال شريح (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ : ( إن السنة قد سبقت قياسكم ، ‏فاتَّـبِـعْ ولا تبتدع ، فإنك لن تضل ماأخذت بالأثر ) (‏ ‏) .‏
‏* وقال شيخ الإسلام اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (‏ ‏) ـ ‏رحمه الله ـ وهو يصف آداب أصحاب الحديث من السلف الصالح ، ويذكر ‏اشياء من صفاتهم الجميلة فيقول : ( ...... ويقتدون بالنبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ .... ويقتدون بالسلف الصالحين من أئمة الدين وعلماء المسلمين ، ‏ويتمسكون بما كانوا به متمسكين من الدين المتين والحق المبين ....) (‏ ‏) .‏
‏* وقال شــيخ الإســلام ابــن تيمية ـ رحمه الله ـ بعد أن ذكر قول ‏الزهــري السابق : ( الاعتصام بالسنة نجاة ) ـ : ( وذلك أن السنة كما قال ‏مالك ـ رحمه الله ـ مثل ســفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق .‏
والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من ‏الأسماء مقصود واحد ، ولها أصلان :‏
أحدهما : أن لايُعْبَد إلا الله .‏
الثـــاني : أن لايُعبد إلا بما أمر وشرع .... ) (‏ ‏) .‏
‏* وقال ـ رحمه الله ـ في موضع آخر : ( .... فمن كان محباً لله ، لزم أن ‏يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر ، ويطيعه فيما أمر ، ويتأسى به فيما فعل ، ‏ومن فعل هذا فقد فعل مايحبه الله ، فيحبه الله .‏
وقد جعل الله لأهل محبته علامتين : اتباع الرسول ، والجهاد في سبيله ‏‏...) (‏ ‏) .‏
‏* وقال الشيخ العلاّمة المحقق صديق حسن خان القِـنَّــوْجِي(‏ ‏) ـ ‏رحمه الله ـ بعد أن ذكر جملة من الأحاديث والآثار الدالة على الاعتصام ‏بالكتاب والسنة ـ : ( قلت : هذه جملة مختصرة من الكتاب والسنة ، وآثار ‏السلف ، فالزمها وما كان مثلها مما صحَّ عن الله ورسوله وصالح سلف الأمة ‏بما حصل من الاتفاق عليه من خيار الأمة ، ودع أقوال من عداهم محقوراً ، ‏مهجوراً ، مُبْعداً ، مدحوراً ، .... ـ إلى أن قال رحمه الله ـ : فهذه الأقاويل التي ‏وصفت مذاهب أهل السنة والأثر ، وأصحاب الرواية ، وحملة العلم النبوي ، ‏فمن خالف شيئاً من هذه ، أو طعن فيهم ، أو عاب قائلها ، فهو مخالف مبتدع ، ‏خارج عن الجماعة ، زائل عن منهج السنة ، وسبيل الحق ....) (‏ ‏) .‏
‏* وقال علاّمة عصره سماحة الوالد الشـــيـخ عبـــد العزيــز بن بــاز ‏‏(‏ ‏) ـ حفظه الله ـ : ( وطريــق النجــاة من الفتن هو التمسك بكتاب الله وســنة ‏رسوله ـ صلى الله عليه وســلم ....) (‏ ‏) .‏
وبعد فهذا جهد المُقل ، وهو ماجاد به القلم ، وسمح به الوقت ، وعبّر ‏عنه اللسان فيما يتعلق بالاعتصام بالكتاب والسنة ، فهذا ماأمكن جمعه في ذلك ‏‏. ‏
ومعلـوم موقف الصحــابــة ـ رضي الله عنهم ـ من اتباع النبي ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ فقــد كانوا يدركـــون تماماً بأن الله عز وجل أمر باتبــاع النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ اتباعاً كاملاً ، ولم يجعل ذلك لأحدٍ غيره ، فكانوا ‏يتسابقون في الامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه ، في كل مايأمر وينهى من ‏العقائد والأحكام والعبادات والمعاملات والأخلاق والآداب على السواء ، ولم ‏يستقلوا بآرائهم خلاف أمره ، فإن حصل ذلك فسرعان مارجعوا إليه فكانوا ‏أوفياء في اتباعهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمناء في نقلهم ذلك إلى من ‏بعدهم من التابعين ودواوين السنة أكبر شاهد على ذلك .‏
وأيضاً كان التابعون وأتباعهم في القرون المشهود لها بالخير ، على هذه ‏الصفة الحميدة في الرجوع إلى الكتاب والسنة والاعتصام والتمسك بهما ، ‏حتى استقرت المذاهب الفقهية المعروفة ، فبدأ الناس ينحازون إليها ، ‏ويتشبثون بأقـوال إمامهـم أيما تشبت ، فبدت ظاهرة الابتعاد عن التلقي المباشر ‏من الكتاب والسنة بجلاء ووضوح ، وبمرور الزمن صارت كتب المذاهب ‏المرجع الأول لمقلديها في تلقي الأحكام .‏
وإن الأئمة ـ رحمهم الله ـ لم يألوا جهداً في اتباع السنة ونشرها ، وكذلك ‏لم يُقصروا في النهي عن تقليدهم خلاف سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ واحتاطوا ـ بهذا الصدد ـ احتياطاً لازماً لكون الإحاطة ممتنعة على البشر .‏
والحاصل : أنه لامخرج ولا نجاة للمسلم من الفتن التي تعصف به ، ‏والمحن التي تقذف به في واد سحيق إلاّ بالاعتصام بالكتاب والسنة قولاً وعملاً ‏، عقيدة وشريعةً ، وهذا ـ الاعتصام ـ من أهم مايجب على المسلم تجاه الفتن ، ‏وهو أول موقف للمسلم يجب أن يتخذه أمامها ، لأن من تمســك واعتصــم ‏بحبل الله المتين ، وحصنه الحصين أنجاه الله وحماه من تلك الفــتن العاصفة ‏والمحن الكاسحة . { وَاعْتَصِمُواْ بِحَــبْلِ اللهِ جَمِيعَاً وَلاَ تَفَرَّقُو اْ} [ آل ‏عمران : 103 ] .‏
وإن أهداف الفتن والبلايا التي يبتلي الله بها خلقه كثيرة متعددة ، بيد أن ‏الهدف الرئيس هو عودتهم إليه سبحانه واعتصامهم به ، فهو يبتليهم ليكون ذلك ‏سبباً في إيابهم إليه ، ثم النجاة بعد ذلك من النار ....‏
‏ قــال تـعــالى : { وَبـــلَـوْنَــهُــم بِالْحَـسَــــنَــتِ وَالسّــَــيّــِـئَـاتِ ‏لــَعَـلَّــــهُـمْ يَرْجِـعُــونَ } [ الأعراف : 168 ] .‏
فالله يختبر عباده بالرخاء والشدة في العيش لينيبوا إلى ربهم ويرجعوا ‏إلى طاعته . والبلاء لايكون بالشدة فحسب ! بل يكون في رغد العيش والحياة ‏المُيَسَّرَةِ أيضاً ، فإذا لم يرجع إليه بالرخاء ابتلاه بالشدة ، لعل ذلك يرجعه إليه ‏‏(‏ ‏) .‏
ويقول تعالى : { ظَـهَـرَ الْفَـسَـادُ فِى الْبَـــِرّ وَالْبَــحْرِ بِـمَا كَسَــبَتْ ‏أَيــْــدِى النَّـاسِ لِيُــــِذيــقَـهُـم بَعْـضَ الَّـذِى عَـمِـلُـواْ لَـعَـلَّـهُـمْ يَرْجِـعُـونَ } ‏‏[ الروم : 41 ] .‏
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ عند تفسيرها : ( أي : بأن النقص في الزروع ‏والثمار بسبب المعاصي . وقال أبو العالية : من عصى الله في الأرض فقد ‏أفسد في الأرض ، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة ) (‏ ‏) .‏
كما أخبر سبحانه وتعالى أنه يذيق عباده عذاب الدنيا والآخرة لعلهـم ‏يرجعــون . { وَلَـنُـــِذيــــقَـنَّـهُم مّــِــنَ الْـعَــــذَابِ الأَدْنَـى دُونَ الْعَـــذَابِ ‏الأَكْـبَرِ لَـعَـلَّـهُـــمْ يَرْجِـعُـــونَ } [ السجدة : 21 ] .‏
وقد فُسِّر العذاب الأدنى بالعذاب في الدنيا ، والعذاب الأكبر بعذاب الآخرة (‏ ‏) . فذكر سبحانه في هذه الآية أنه سيذيق الناس بسبب ‏معاصيهم وإعراضهم وعدم اعتصامهم بالكتاب والسنة بعض العقوبة في الدنيا قبل عقوبة الآخرة حتى يعتصموا بحبله المتين ويرجعوا إليه ‏وينيبوا فيكون ذلك سبباً في مغفرته ورضوانه ، وسبباً في نجاتهم من الفتن ، وخلاصهم من البلايا والمحن ، والله أعلم ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:43 PM
الفصل الأول

من المعلوم ماللتقوى من أهمية بالغة في حياة الإنسان ، كيف لا ؟ ‏وهي وصية الله لجميع خلقه الأولين والآخرين كما قال تعالى : { وَلَـقَــدْ ‏وَصَّـيْنَــا الَّــذِيــنَ أُوتُــواْ الْــكِتَــــبَ مِــن قَــبْــلِكُـمْ وَإِيَّــاكُمْ أَنِ ‏اتَّــقُـواْ اللهَ } [ النساء : 131 ] ، كيف لا ؟ وهي وصية رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ لأمته ، وقد (( كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أمَّر أميراً ‏على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً ‏‏)) (‏ ‏) ، ولما خطب ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حجة الوداع في يوم النحر ، ‏أوصى الناس بتقوى الله وبالسمع والطاعة لأئمتهم .‏
وقد ذكر ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ أن من اتبع القرآن والسنة وعمل ‏بما فيهما واتقى الله ارتفع في حقه شقاء الآخرة بلا شك ، وكذلك شقاء الدنيا ‏فلا يشقى أصلاً ، ويبين هذا قوله تعالى : { وَمَــن يَــتَّـقِ اللهَ يَـجْـعَـل ‏لَّــهُ, مَـخْـرَجـاً } [ الطلاق : 2 ] ، والغالب أنه لاينزل بالإنسان شدة إلا إذا ‏انحرف عن جادة التقوى .‏
وأما الملازم لطريق التقوى فلا آفة تطرقه ، ولابلية تنزل به ، هذا ‏هو الأغلب ، فإن وجد من تطرقه البلايا مع التقوى ، فذاك في الأغلب لتقدم ‏ذنب يجازى عليه ، فإن قدرنا عدم الذنب . فذاك لإدخال ذهب صيَّره كير ‏البلاء حتى يخرج تبراً أحمر ، فهو يرى عذوبة العذاب ، لأنه يشاهد ‏المبتلى في البلاء لا الألم .‏
قال الشبلي : ‏
أحبك الناس لنعمائك وأنا أحبك لبلائك (‏ ‏) .‏
وعن أبي ذر ومعاذ بن جبل ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئةَ الحسنة تمحُها ، ‏وخالق الناس بخلق حسن )) (‏ ‏) . قال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ عند ‏شرحه لهذا الحديث :‏
‏( فهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله وحقوق عباده ، فإن ‏حق الله على عباده أن يتقوه حق تقاته ، والتقوى وصية الله للأولين ‏والآخرين ) (‏ ‏) .‏
وقد جعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التقوى أكبر أسباب دخول ‏الجنة ، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : سئل النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ : ما أكثر مايدخل الناس الجنة ؟ قال : (( تقوى الله ، وحُسنُ الخلق )) ‏قيل : فما أكثر ما يُدخلُ الناس النارَ ؟ قال : (( الأجوفان : الفم والفرجُ )) (‏ ‏) .‏
وقد ذكر ابن رجب ـ رحمه الله ـ أن أصل التقوى : أن يجعل العبدُ ‏بينه وبين مايخافه ويحذره وقايةً تقيه منه ، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه ‏وبين مايخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه ، وقايةً تقيه من ذلك . ‏وهو فعلُ طاعته واجتنابُ معاصيه (‏ ‏) .‏
ثم ذكــر ـ رحمه الله ـ مجموعة مـــن تعريفات التقــوى ، ولعل من ‏أجمعها فيمــا يظهــر ـ والله أعلم ـ قــول طلق بــن حبيب (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ ‏‏: ( التقوى أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله ترجو ثواب الله ، وأن تترك ‏معصية الله على نورٍ من الله تخاف عقاب الله ) (‏ ‏) .‏
وقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ في قوله تعالى : { اتَّقُــواْ اللهَ ‏حَـقَّ تُـقَاتِــهِ } [ آل عمران : 102] ، قال : ( أن يُطاع فلا يُعصى ، ‏ويُذكر فلا ينسى ، وأن يُشكر فلا يُكفر ) (‏ ‏) . وشكرُه يدخل فيه جميع فعل ‏الطاعات (‏ ‏) .‏
فموضوع التقوى بالغ الأهمية ، وهو ذروة السنام ، مثابته مثابة ‏الرأس من الجسد حتى إن ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ توسع وفصل ‏فيه عند شـــرحه للحديث المتقــدم ـ قريباً (‏ ‏) ـ : (( اتق الله حيثما كنت )) ‏‏(‏ ‏) . وتتأكد وتزداد أهميته عند حلول الفتن ، ومباغته البلايا والمحن .‏
ومن تقوى الله عز وجل عبادته حق عبادته ، وهي أهم واجب على ‏المكلف ، وأعظم فريضة عليه ، وقد عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية ـ ‏رحمه الله ـ بتعريف جامع مانع فقال : ( العبادة هي اسم جامع لكل مايحبه ‏الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة .‏
فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث ...... وأمثال ذلك ‏هي من العبادة . ‏
وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له ، والمرضية له ، التي خلق ‏الخلق لها كما قــال تعـالى : { وَمَا خَلَقْـــتُ الْجِــــنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ ‏لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] . وبهـا أرسل جميع الرسل ، كما قال نوح ‏لقومه : { اعْـبُـدُواْ اللهَ مَالَكُم مِنْ إِلَـــٍه غَـيْرُهُ } ) (‏ ‏) [ الأعراف : ‏‏59 ] .‏
وقد امر سبحانه جميع الثقلين بهذه العبادة التي خُلقوا لها ، وأرسل ‏الرسل جميعاً ، وأنزل الكتب لبيان هذه العبادة وتفصيلها والدعوة إليها ، ‏والأمر بإخلاصها لله وحده ، كما قال تعالى : { يَـــــأَيــُّــــهَا النَّـــاسُ ‏اعْبُــدُواْ رَبــَّــكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّــــِذيــنَ مِـن قَــبْــلِكُمْ لَعَــلَّــــكُـــمْ ‏تـَــــتَّــقُــونَ } [ البقرة : 21 ] ، وقال عز وجــل : { وَقَضَى رَبـــُّــكَ أَلاَّ ‏تـَـــعْــبُدُواْ إِلاَّ إِيـــَّــاهُ وَبِــالْــــَـولـــِدَيــــْــن إِحْـسَــــــنـاً } [ الإسراء : ‏‏23 ] ، وقــال تعـــالى : { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَــعْبُـدُواْ اللهَ مُخْــلِصِينَ لَـهُ ‏الــِـدّيـــنَ حُنَــفَــآءَ وَيُــقِيــمُـــواْ الـصَّلـــَـــوةَ وَيُــؤْتُـــواْ الزَّكَـــوةَ ‏وَذَلِــكَ دِيـــــنُ الــقَـــــيـّــِــمَــةِ } [ البينة : 5 ] ، والآيات في هذا المعنى ‏كثيرة .‏
وهذه الآيات المحكمات وما جاء في معناها من كتاب الله كلها تدل ‏على وجوب إخلاص العبادة لله وحده ، وأن ذلك هو أصل الدين وأساس ‏الملة ، كما تدل على أن ذلك هو الحكمة في خلق الجن والإنس وإرسال ‏الرسل وإنزال الكتب .‏
وقد صح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مايوافق ما دل عليه ‏كتاب الله عز وجــل ، فعــن معـــاذ ـ رضــي الله عنــه ـ أن النــبي ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ قــال له : (( أتدري ماحق الله على العباد ، وما حق العباد على ‏الله )) ؟ فقال معاذ : قلت الله ورسوله أعلم ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ‏‏(( حق الله على العباد أن يعبدوه ولايشــركوا به شيئاً ، وحــق العبــاد علــى الله ألا ‏يعــذب مــن لايشــرك بــه شيئاً )) (‏ ‏) الحديث .‏
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، وهذه المسألة هي أهم المسائل ‏وأعظمها (‏ ‏) .‏
ومما سبق يتلخص لدينا ماللتقوى والعبادة من مكانة سامية ، ورفعة ‏عالية ، فحقيق بكل مسلم الإعتناء بهما حق العناية ، ولزومهما من أوجب ‏الواجبات ، وأفضل القربات ، وأحب الطاعات ، فهما بحق أعظم المسائل ‏وأهمها .‏
والمسلم إبّان الفتن أحوج مايكون إلى تقوى الله وعبادته ، فبهما ‏نجاتــه من كل فتنة ، وعصمته من أي محنة .‏
وسنحاول ـ بإذن الله ـ من خلال فصول ومباحث هذا الباب أن نضع ‏النقاط على الحروف ، فنبين أهم مايجب على المسلم تجاه الفتن ، ونعرض ‏ذلك ـ إن شاء الله ـ عرضاً يُضيء للقارئ طريقة زمن الفتن ، فيوقد له ‏السراج الوهّاج ، ويستنير من خلاله دربه بنور الله المبين ، وبسنة سيد ‏المرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ .‏
هذا وقد أفردت المبحث الثاني والثالث من هذا الفصل للصلاة ‏والصبر ، لورود أحاديث خاصة بهما ، إبان الفتن ، مع أنهما يدخلان ضمن ‏المبحث الأول في العبادة ، بيد أني أفردتها لذلك .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:44 PM
المبحث الأول
‏{ فضل العبادة زمن الفتن }‏
‏= = = = = = = = = ‏

تقدم في بداية هذا الفصل ما للعبادة من فضل وأهمية بالغة . وسنورد ‏في هذا المبحث ماورد في فضلها وأهميتها زمن الفتنة .‏
فعن معْقِل بن يسار (‏ ‏) ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قال: (( العبادة في الهَرْج ، كهجرة إليَّ )) (‏ ‏) ، وفي رواية عنه ـ ‏أيضاً ـ : (( عبادة في الهرج أو الفتنة كهجرة إليَّ )) (3) وفي رواية عنه ـ أيضا ‏ـ : (( العبادة في الفتنة كهجرة إليَّ )) (‏ ‏) .‏
قال النووي ـ رحمه الله ـ عند شرحه لهذا الحديث : ( المراد بالهرج ‏هنا : الفتنة واختلاط أمور الناس ، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس ‏يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولايتفرغ لها الاّ الأفراد ) (‏ ‏) انتهى .‏
وقد ذكر المنذري ـ رحمه الله ـ أن الهرج : هو الاختلاف والفتن ، ‏وقد فُسِّرَ في بعض الأحاديث بالقتل ، لأن الفتن والاختــلاف مــن أسبابــه ، ‏فأُقيم المسبّب مقام السبب (‏ ‏) . ( ووجه تمثيله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏بالهجرة : أن الزمان الأول كان الناس يفرون فيه من دار الكفر وأهله ، إلى ‏دار الإيمان وأهله ، فإذا وقعت الفتن تعيَّن على المرء أن يفر بدينه من الفتة ‏إلى العبادة ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة ، وهو أحد أقسام الهجرة )) (‏ ‏) ‏‏.‏
فالنجاة من الفتن والعصمة منها تكون بالإقبال على عبادة الله ، ‏والإعتزال عن المخالفين من خلق الله كما دلّ عليه الحديث السابق (‏ ‏) .‏
قال الأُبـِّيُّ (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ عند شرحه لهذا الحديث : ( الهرج : ‏الفتنة والاختلاط ، ووجه التشبيه : أن المهاجر فرّ بدينه ممن يصده عنه إلى ‏الاعتصام برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكذلك هذا المنقطع للعبادة ‏في الفتنة فرّ عن الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه عز وجل ، فهو ‏مهاجر إلى الله سبحانه وتعالى ) (‏ ‏) .‏
وبنحوه قال السنوسي (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ عند شرحه لهذا الحديث ‏‏(‏ ‏) .‏
‏ فمعنى الحديث إذن : الحث على المداومة على العبادة والطاعات ‏والقربات إبّان زمــن الفــتن والــهرج ، وذلك لكثرة الغافلين عن العبادة ‏وقت حلول الفتن والكوارث والمحن . فجعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏في هذا الحديث الذي يكثر العبادة والطاعات والقربات زمن الفتنة ، ويلتزم ‏ويعتصم بأمر الله تعالى ، جعله كالمهاجر إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ .‏
هذا وهناك عدة أمور تدخل ضمن هذا المبحث في العبادة ، يجدر ‏التنبيه إليها ، وهي مما ينجي من الفتن ، ويعصم من المحن ، ويخرج بها ‏المسلم من الغــرق والخُذلان إلى ساحل البر والأمان . فمن ذلك :‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:49 PM
‏1 = الدعاء :
وكيف لاينجي من الفتن ؟ وقد أمر الله ـ تعالى ـ به ، ‏وتكفل بالإجابة ، وهو سبحانه وتعالى لايخالف الميعاد ، قال تعالى : { ‏وَقَــالَ رَبــُّــكُمُ ادْعُــونِى أَسْــتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] ، ومن ذلك ‏دعاء الأبوين ـ عليهما السلام ـ حيث قالا : { رَبـــَّــنَا ظَلَمْنَــآ أَنــفُسَنَــا ‏وَإِن لَّمْ تَغْــفِرْ لَنَــا وَتَــرْحَمْنَــا لَنَكُونَــنَّ مِــنَ الْخَــسِرِيــنَ } [ ‏الأعراف : 23 ] ومن ذلك دعوة يونس عليه السلام وهــو في بطن الحوت ‏‏: { لآ إِلَـــهَ إِلاَّ أَنـتَ سُـبْحَــنَكَ إِنــِّى كُنــتُ مِــنَ الظَّـــلِمِــينَ } [ ‏الأنبياء : 87 ] . وقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنها بقوله : (( إنه ‏لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قطُّ إلا استجاب الله له )) (‏ ‏) .‏
والدعاء من العبادة ، بل هو العبادة كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏من حديث النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ : (( الدعاء هو العبادة )) (‏ ‏) . ‏ومن ذلك دعاء الكرب : (( لاإله إلا اللهُ الحليم الحكيم ، لاإله إلا الله ربُّ العرش ‏العظيم ، لاإله إلا الله ربُّ السماوات والأرض ورب العرش الكريم )) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:49 PM
‏2 = إن أعظم ماينجي من الفتن :
الإعتصام والتمسك بالكتاب ‏والسنة ، والعض عليهما بالنواجذ . وقد تقدم تفصيل ذلك بما يغني عن ‏إعادته في أول فصل من هذا الباب الثاني .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:50 PM
‏3 = الإيمان الصادق والعمل الصالح الخالص لله تعالى ، ‏الموافق للسنة الصحيحة
قال تعالى : { مَــنْ عَـمِــلَ صَــــلِــحــاً مّــِـــن ‏ذَكَــرٍ أَوْ أُنـثَى وَهُــوَ مُــؤْمِــنٌ فَــلَنُــحْيِـيَـنَّــه, حَـيَــــوةً طَـيـّــِـــبَــةً ‏وَلَـنَــجْزِيـــَــنَّــهُمْ أَجْــرَهُم بِــأَحْــسَنِ ماكَانُــواْ يَعـْـمَــلُــونَ } [ النحل: ‏‏97 ] . والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت كما قال ابن ‏كثير ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
ويستلزم من الحياة الطيبة العصمة من الفتن . والإيمان الصحيح ‏ماحصل في القلب وصدَّقه العمل ، وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ـ ‏كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة ـ وله شعب تربو على السبعين .‏
وقرن الإيمان بالعمل الصالح في آيات كثيرة من القرآن ، وذلك ‏لتلازمهما ، ولا ينفع أحدهما بدون الآخر .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:51 PM
‏4 = وكذلك مما ينجــي مـن الفتن : التوبة والإستغفار ، على ‏الدوام والاستمرار .
قــال تعــالى : { وَتُــوبُــواْ إِلـَى اللهِ جَــمِيــعاً ‏أَيـــُّــهَ الْمُــؤْمِــنُـونَ لَــعَـلَّـكُمْ تُــفْـلِحُــونَ } [ النور : 31 ] . ( فإن ‏الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله ، وترك مانهيا عنه ) (‏ ‏) .‏
والفلاح كلمة جامعة للفوز بكل ماهو مطلوب ، والبعد عن كل ‏مرهوب . والتوبة والاستغفار من أسباب المتاع الحسن في هذه الحياة ، ‏وجزاء كل محسن إحسانه ، وذلك يتضمن حصول المحبوب ، والنجــاة من ‏المكروه والســـلامة من الفتن ، قال تعالى : { وَأَنِ اسْــتَغْفِرُ واْ رَبـــــــَّـكُمْ ‏ثُــمَّ تُـوبُـوا إِلــَيْــهِ يُـمَـتِّـعْكُـم مَّــتَــعًا حَسَــنًا إِلَـى~ أَجَــلٍ مُّسَــمّىً ‏وَيُـــؤْتِ كُلَّ ذِى فَـضْــلٍ فَـضْــلَـهُ } [ هـود : 3 ] .‏
وأخبر سبحانه وتعالى أن الاستغفار يمنع العذاب فقال تعالى : { وَمَا ‏كَانَ اللهُ مُـعَـذِّبَـهُـم وَهُــمْ يَسْــتَغْفِـرُونَ } [ الأنفال : 33 ] . وإذا كان ‏الاستغفار يمنع العذاب فهو بالتالي يمنع وينجي من الفتن ، لأنها من أنواع ‏العذاب ، وقد أوصى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أُمته بالتوبة والاستغفار ‏بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ياأيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم ‏إليه مائة مرة )) وفي رواية : (( وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة )) (‏ ‏) ‏فدل الحديث على الاكثار من التوبة والاستغفار وأهميتهما وملازمة ذلك ‏يومياً ، فإنه مما ينجي ويعصم من الفتن . والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:54 PM
‏5 = ومما ينجي من الفتن أيضاً : ذكر الله كثيراً .
قال تعالى :‏
‏{ وَالـــــَّذكِــريــــنَ اللهَ كَـثِيـراً وَالـذَّكِـــرَتِ أَعَــــدَّ اللهُ لَهُــــم ‏مَّـغْــفِـرَةً وَأَجْــرًا عَـظِيمـًا } [الأحزاب : 35] . وقــال تعـــالى : { ‏فَاذْكُرُونِــى أَذْكُــرْكُمْ } [ البقرة : 152] قال الحسن البصري : اذكروني ‏فيما أوجبت لكم على نفسي . وقال سعيد بن جبير : اذكروني بطاعتي ‏أذكركم بمغفرتي ، وفي رواية برحمتي (‏ ‏) . وقيل : اذكروني في النعمة ‏والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء (‏ ‏) .‏
والظاهر ـ والله أعلم ـ أن الآية عامة فهي تتضمن ماذُكر ، كما ‏تتضمن ذكره سبحانه وتعالى بالقلب واللسان ، وتتضمن ـ أيضاً ـ وقايته ‏سبحانه لمن يذكره من الفتن والمزالق ، والمحن والمضايق . ويؤيد ذلك أن ‏الله سبحانه أنجى يونس ـ عليه السلام ـ من فتنة الغرق واللبث في بطن ‏الحوت بسـبب تســبيحه وذكره لله تعالى كما قال ســبحانه : { فَـــلَــــْولآ ‏أَنــــَّـــهُ كَانَ مِـــــنَ الْمُسَــــبِّحِـينَ * لَـلَبِثَ فِى بَطْـــنِـــهِ إِلَى ‏يَــوْمِ يُـبْــعَـثُـــونَ } [ الصافات : 143 ـ 144 ] . وعن أبي هريرة ـ ‏رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( يقول الله ‏عز وجل : أنا عند ظنِّ عبدي بي . وأنا معَه حين يذكرني . فإن ذكرني في نفسه ، ‏ذكرته في نفسي . وإن ذكرني في ملإٍ ، ذكرتُه في ملإٍ خيرٍ منه ....)) (‏ ‏) .‏
وفي هذا دليل على فضل ذكر الله تعالى ، وأن الله مع من ذكره ‏برحمته ولطفه وإعانته والرضاء بحاله ، وهذه معية خاصة كما قال تعالى : ‏‏{ إِنَّ اللهَ مـَعَ الَّــــِذيـــنَ اتَّــقَـواْ وَّالَّـــِذيـــنَ هُم مُحْسِــنُونَ } [ ‏النحل : 128 ] . وذلك يتضمن العصمة من الفتن (‏ ‏) والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:56 PM
‏6 = ومما ينجي من الفتن ويعصم منها : لزوم تقوى الله عز وجل ‏، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، وفعل ماأوجب وترك ماحرّم .
وقد تقدم ‏الكلام على التقوى في أول هذا الفصل .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:57 PM
‏7 = ومنها : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،
وقد أخبر ‏سبحانه أنهما ينجيان من السوء فقال تعالى : { فَـلَمَّـا نَسُــواْ مَـاذُكِّــرُواْ ‏بِـهِ أَنـجَـيْـنَـا الَّـــِذيـنَ يَـنْـهَـوْنَ عَـنِ الـسُّـوءِ وَأَخَـــذْنـــَـا الَّـــِذيـــنَ ‏ظَـلَـــمُـــواْ بِـعَــــذَابٍ بَــئِــيــــسٍ بِـمَـا كَانُـواْ يَـفْسُــقُـونَ } [ ‏الأعراف : 165 ] .‏
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ عن هذه الآية : ( فنص على نجاة الناهين ‏وهلاك الظالمين ) (‏ ‏) ، فيفهم من هذا أن الآمرين بالمعروف والناهين عن ‏المنكر ينجيهم الله من الفتن والمزالق ويعصمهم من السوء والمضائق . ‏والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سفينة النجاة ، من ركبها نجا وسلم ، ‏ومن تخلف عنها هلك ، وقد ضرب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثلاً ‏لذلك فقال : (( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استَهَمُوا على سفينة ‏فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في اسفلها إذا استقوا من الماء ‏مرُّوا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنّا خرقْنا في نصيبنا خــْرقاً ولم نُؤْذِ من فوقَنا ، فإن ‏يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوا ونَجَوا جميعاً )) (‏ ‏) ‏‏.‏
ومعنى ( استهموا على سفينة ) أي : ( اقترعوها ، فأخذ كل واحد ‏منهم سهماً أي : نصيباً من السفينة بالقرعة بأن تكون مشتركة بينهم إما ‏بالإجارة وإما بالملك ) (‏ ‏).‏
‏( وبيان وجود الفرق الثلاث في المثل المضروب ، أن الذين أرادوا ‏خَرْقَ السفينة بمنزلــة الواقــع في حدود الله ، ثم من عداهم إما منكر وهو ‏القائم ، وإما ساكت وهو المُدْهِـــن . والقائم هو الآمر بالمعروف ، والمُدْهِن ‏هو التارك له ) (‏ ‏) .‏
وعــن أبي بكــر الصديــق ـ رضي الله عنه ـ أنــه قــال : ياأيها ‏النــاسُ إنكم تقرؤون هذه الآية : { يــــأيــُّــهَا الَّذيــنَ ءَامَنُــواْ عَلَيْكُــمْ ‏أَنْفُسَــكُـمْ لاَيـــَـضُرُّكُــمْ مَـنْ ضَــلَّ إِذَا اهـْـتَـــدَيـــْــتُــمْ } [ المائدة : ‏‏105 ] .‏
وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( إن الناس إذا ‏رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب منه )) (‏ ‏) .‏
وقد بوب وترجم الترمذي ـ رحمه الله ـ لهذا الحديث بقوله : ( باب ‏ماجاء في نزول العذاب إذا لم يُغير المنكر ) (‏ ‏) . ومفهوم المخالفة أن ‏تغيير المنكر يقي من العذاب الأليم ، والفتن المؤدية إلى الجحيم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:58 PM
‏8 = ومما ينجي من الفتن ، ويقي ويعصم من الشرور والمحن ـ ‏أيضاً ـ التعوذ بالله مما ظهر منها وما بطن ،
كيف لا ؟ وقد أمر ‏وأوصى بهــا نبينا عليه صلوات ربي وتســليمه حيث جاء في حديث طويل ‏أنه كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أصحابه فقال لهم : (( .... تعوذوا بالله من ‏الفتن ماظهر منها وما بطن )) قالوا : نعوذُ بالله من الفتن ماظهر منها وما بطن ‏‏(‏ ‏) .‏
هذا وقد استعاذ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من فتن عديدة ، ومحن ‏شديدة ، قريبة كانت أم بعيدة . فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول : (( اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم ، ‏والمأثم والمغرم ، ومن فتنة القبر وعذاب القبر ، ومن فتنة النار وعذاب النار ، ومن ‏شر فتنة الغنى ، وأعوذ بك من فتنة الفقر ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال .... )) ‏الحديث (‏ ‏) .‏
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ قال : (( إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر ، فليتعوذ بالله من أربع : من عذاب جهنم ‏‏. ومن عذاب القبر . ومن فتنة المحيا والممات . ومن شر المسيح الدجال )) (‏ ‏) .‏
ومن أعاذه الله ووقاه من الفتن المذكورة في الحديثين السابقين فقد ‏وقاه من كل شر وسوء ، في الحــال والمآل ، لأن ماذكــر فيهما أصـــول ‏الفـــتن والمزالق ، ومنبع الشرور والمضايق .‏
وقد كان عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول : ( نعوذ بالله من سوء الفتن ) ‏‏(‏ ‏) وقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ( لايقولنَّ أحدكم : اللهم إني أعود ‏بك من الفتنة ، فإنه ليس منكم أحدٌ إلاّ وهو مشتمل على فتنة ، لأن الله تعالى ‏يقول : { إِنَّمَا أَمْــَوالُكُمْ وَأَولاَدُكُم فِتْـــنَةٌ } [ التغابن : 15 ] ، فأيُّكم استعاذ ‏فليستعذ بالله تعالى من مضلات الفتن ) (‏ ‏) . فنعوذ بالله من مضلات وسوء ‏الفتن ماظهر منها وما بطن .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 05:59 PM
‏9 = ومما يقي من الفتن ويعصم منها : التوكل على الله ـ سبحانه ‏وتعالى ـ والاعتماد عليه واللجوء إليه في كل الأمور لاسيما إبّان الفتن ‏العاصفة ، والشرور الكاسحة .
قال تعالى : { وَمــَن يــَــتَـوَكَّــلْ عَلَى اللهِ ‏فَهُــوَ حَسْــبُـهُ } [ الطلاق : 3 ] . وقال سبحانه : { الَّـــِذيـــنَ قَالَ لَـهُـمُ ‏النَّــاسُ إِنَّ النَّــاسَ قَـدْ جَمَــعُواْ لَـكُــمْ فَاخْشَــوْهُـمْ فَـزَادَهُـمْ ‏إِيـمـَــــنًا وَقَالُـواْ حَسْــبُـنَا اللهُ وَنِـعْـمَ الْوَكِــيلُ * فَانْـقَـلَـبُـواْ ‏بِـنِـعْــمَــٍة مِنَ اللهِ وَفَـضْـلٍ لَّـمْ يَـمْسَــسْـهُمْ سُـــوءٌ وَاتَّـبَـعُـواْ ‏رِضْــوَنَ اللهِ واللهُ ذُو فَـضْـلٍ عَـظِـيـمٍ } [ آل عمران : 173 ـ 174 ] ‏‏.‏
وعن ابن عباس : { حَسْــبُـنَا اللهُ وَنِـعْـمَ الْوَكِــيلُ } قالها ‏ابراهيم عليه السلام حين ألقي في النار ، وقالها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ حين قالوا : { إِنَّ النَّــاسَ قَـدْ جَمَــعُواْ لَـكُــمْ فَاخْشَــوْهُـمْ فَـزَادَهُـمْ ‏إِيـمَــنًا وَقَالُـواْ حَسْــبُـنَا اللهُ وَنـِـــعْـمَ الْوَكِــيلُ } (‏ ‏) [ آل عمران : ‏‏173 ] . وعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : ( كان آخــر قــول ‏ابراهيــم حين ألقــي في النــار : { حَسْبِىَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيْلُ } ) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:00 PM
‏10 و 11 = ومما ينجي منها : الاستعانة بالصبر والصلاة ،
‏وسيأتي لكلٍ منهما مبحث مستقل به في هذا الفصل ـ إن شاء الله تعالى ـ ‏‏(‏ ‏) لأنه قد جاء فيهما أحاديث خاصة بالفتن ، وقد ذكرها أهل العلم في ‏أبواب الفتن ، والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:01 PM
المبحث الثاني
‏{ أهمية الصلاة وفضلها إبان الفتن }‏
‏= = = = = = = = = = = = ‏

كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحث أهل بيته على الصلاة تحسباً ‏للفتن ، ولنا فيه أسوة حسنة ، فقد أمر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهله بها ‏لمدافعة الفتن .‏
فعـــن أم سلمــة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالـــت : استيقــظ ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وســلم ـ ليلــة فزعاً يقول : (( سبحان الله ، ماذا ‏أنزل الله من الخزائن ، وماذا أنزل من الفتن ؟ من يوقــظ صواحب الحجــرات ـ يُريد ‏أزواجه ـ لكي يصلين ؟ ربّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة )) (‏ ‏) .‏
‏ ففي هذا الحديث بيان لأهمية الصلاة وفضلها زمن الفتنة خاصة .. ‏
وذكر الحافــظ ابن حجـــر ـ رحمه الله ـ أن فيه : ( الندب إلى الدعاء ‏والتضرع عند نزول الفتنة ، ولاسيما في الليل لرجاء وقت الإجابة ، ‏لتكشف أو يسلم الداعي ومن دعا له ) (‏ ‏) .‏
وذكر ـ رحمه الله ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشار بذلك إلى ‏موجب إيقاظ أزواجه ، أي : ينبغي لهن أن لايتغافلن عن العبادة ويعتمدن ‏على كونهن أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (‏ ‏) .‏
فالحديث دليل واضح على أن الصلاة مخرجٌ من الفتنة . كما أن فيه ‏جملة نفيسة من الفوائد منها : ‏
‏- جواز قول : ( سبحان الله ) عند التعجب .‏
‏- ندبية ذكر الله بعد الاستيقاظ .‏
‏- أيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة لا سيما عند آية تحدث .‏
‏- استحباب الاسراع إلى الصلاة عند خشية الشر كما قال تعالى : { ‏وَاسْتَعِـينُواْ بِالصَّـبْـرِ وَالصَّــلَــوةِ } [ البقرة : 45 ] ، وكان ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، وأمر من رأى في منامه ‏مايكره أن يصلي .‏
‏- التسبيح عند رؤية الأشياء المهولة .‏
‏- تحذير العالم من يَأخذ عنه من كل شيء يتوقع حصوله ، والإرشاد ‏إلى مايدفع ذلك المحذور (‏ ‏) .‏
وقوله : (( ماذا أنزل الله من الخزائن ، وماذا أنزل من الفتن )) قال ‏الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ : ( قال الداودي (‏ ‏) : الثاني هو الأول (‏ ‏) ‏، والشيء قد يعطف على نفسه تأكيداً ، لأن مايفتح من الخزائن يكون سببا ‏للفتنة ، وكأنه فهم أن المراد بالخزائن خزائن فارس والــروم ، وغيرهمــا ‏مما فتح على الصحابة ، لكن المغايرة بين الخزائن والفتن أوضــح لأنهما ‏غير متلازمتين ، وكم مــن نائل مـــن تلك الخزائن سالم مـــن الفتن ) (‏ ‏) ‏‏.‏
والمراد بصواحب الحجرات أزواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وإنما ‏خصهن بالإيقاظ لأنهن الحاضرات حينئذٍ ، أو من باب (( ابدأ بنفسك ثم بمن ‏تعول )) (‏ ‏) .‏
وقد تقدم (‏ ‏) أن المراد بالإنزال في قوله : (( ماذا أنزل الله من الخزائن ‏‏)) : إعلام الملائكة بالأمر المقدور ، أو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏أوحي إليه في نومه ذاك بما سيقع بعده من الفتن ، فعبّر عنه بالإنزال (‏ ‏) .‏
وفي هذا الحديث : أن الفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال ، بأن ‏يتنافس فيه فيقع القتال بسببه ، وأن يبخل به فيمنع الحق أو يبطر صاحبه ‏فيسرف ، فأراد ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحذير أزواجه من ذلك كله ، وكذا ‏غيرهن ممن بلغه ذلك (‏ ‏) . ‏
وأراد بقوله : (( من يوقظ )) بعض خدمه كما قال يوم الخندق : (( من ‏يأتيني بخبر القوم )) وأراد أصحابه ، لكن هناك عُرف الذي انتُدب . وهنا لم ‏يذكر (‏ ‏) .‏
هـذا وقد اختلف في المراد بقوله : (( رب كاسية في الدنيا عارية في ‏الآخرة )) على أوجه :‏
‏* أحدها : كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى ، عارية في الآخرة ‏من الثواب لعدم العمل في الدنيا .‏
‏* ثانيها : كاسية بالثياب لكنها شفافة لاتستر عورتها ، فتعاقب في ‏الآخرة بالعرى جزاءً على ذلك .‏
‏* ثالثها : كاسية من نعيم الله ، عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته ‏في الآخرة بالثواب .‏
‏* رابعها : كاسية جسدها لكنها تشد خمارها من ورائها فيبدو ‏صدرها ، فتصير عارية فتعاقب في الآخرة .‏
‏* خامسها : كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح ، عارية في ‏الآخرة من العمل فــلا ينفعــها صلاح زوجــها كما قال تعالى : { .... فَـلآ ‏أَنـسَــابَ بَـيْـنَـهُمْ .... } [ المؤمنون: 101 ] .‏
‏- وهذا الأخير ذكره الطيبي (‏ ‏) ورجحه لمناسبة المقام ، واللفظة ‏وإن وردت في أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكن العبرة بعموم اللفظ ‏‏(‏ ‏) .‏
هذا مايتعلق بفضل وأهمية الصلاة زمن الفتنة ، فرضاً كانت أم نفلاً ، ‏وأما صلاة الجماعة فلا يخفى فضلها وأهميتها في كل حين ، وعلى مر ‏الأيام والسنين ، بيد أن ذلك يزداد ويتأكد إبان حلول الفتن ، وسقوط ‏الكوارث والمحن ، لما في ذلك من جمع الشتات ولَمّ الشَّعث ، والبعد عن ‏التفرق والنزاع ، وفي ترك صلاة الجماعة لاسيما زمن الفتن يتَّسع شرخ ‏وجراحات المسلمين ، وتتفرق كلمتهم ، وتَنْسَلُّ وحدتهم وقوتهم وهيبتهم .‏
‏ فعن عبيد الله بن عديٍّ بن خِيار (‏ ‏) أنه دخل على عثمان بن عفان ‏ـ رضي الله عنه ـ وهو محصور ، فقـال : إنك إمــــام عــامةٍ (‏ ‏) ، ونــزل ‏بك مانرى (‏ ‏) ، ويُصلي لنا (‏ ‏) إمام فتنة (‏ ‏) ونتحرج ، فقال : ( الصلاة ‏أحسن مايعمل الناس ، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم ، وإذا أساؤوا فاجتنب ‏إساءتهم ) (‏ ‏) .‏
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ : ( وفي هذا الأثر الحض على ‏شهود الجماعة ولاسيما في زمن الفتة ، لئلا يزداد تفرق الكلمة ، وفيه أن ‏الصلاة خلف من تكره الصلاة خلفه أولى من تعطيل الجماعة ... ) (‏ ‏) .‏
وظاهر قوله : ( فإذا أحسن الناس فأحسن ) أنه رخّص له في الصلاة ‏معهم كأنه يقول : لايضرك كونه مفتوناً ، بل إذا أحسن فوافقه على إحسانه ‏واترك ماافتتن به (‏ ‏) .‏
وأما قوله : ( وإذا أساؤوا فاجتنب ) ففيه تحذير من الفتنة والدخول ‏فيها . ومن جميع ماينكر من قول أو فعل أو اعتقاد (‏ ‏) .‏
وما أشار إليه ابن حجر مما استنبطه من الأحاديث والآثار السالفة ‏من فوائد الصلاة بصفة عامة وخاصة صلاة الليل فهو مجال واسع لايقع ‏تحت حصر ، ذلك أن آثار الصلاة خاصة زمن الفتن ، وصلاة الليل على ‏وجه الخصوص منها ، لها آثار عظيمة وفوائد جليلة على المتمسك بها ، ‏فزمن الفتن يضطرب الناس ويموجون ، يصْغُر الكبير ويعظُم الحقير ، ‏وتضطرب الأمور أيما اضطراب ، فيحتاج المسلم إلى صلة بالله قوية ‏تُؤنس نفسه ، وتُهدِّئ من روعه ، وتقوي روحه وتُثبت قدمه وتشرح صدره ‏، فيزداد استبشاراً بموعود الله وموعود نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن ‏العاقبة لأهل الحق المتقين .‏
وصلاة الليل لها خصوصية زائدة ، فهي تسهم في إشراقة الروح ‏وقوتها ، وتقوي المسلم على شيطانه ووساوس نفسه ، وتقلل من سطوة ‏الشيطان وصولته على المسلم ، فيصبح المسلم المصلي بالليل نشيطاً ‏منشرحاً مستبشراً ، قريباً من الآخرة ، متجافياً عن دار الغرور ، كثير ‏الاستبشار بموعود الله ، خطرات الخير عنده أكثر من خطرات الشر ، ‏وهذا من شأنه أن يجعل قدم المسلم راسخة في الحق فلا يموج حين الفتن ‏كما يموج الناس ، ولاينزلق كما ينزلقون ، ولايضطرب كما يضطربون .‏
والآيات والأحاديث والآثار الواردة في فضل صلاة الليل كثيرة جداً ، ‏ليس هنا محل ذكرها (‏ ‏) ، والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:02 PM
المطلب الأول
‏{ فضل الصبر وأهميته }‏
‏= = = = = = = = ‏
جعل الله سبحانه وتعالى الصبر جواداً لايَكْبو ، وصارماً لايَنْبو ، ‏وجنداً غالباً لايهزم ، وحصناً حصيناً لايُهدم ولا يُلثم ، فهو والنصر أخوان ‏شقيقان .‏
فالصبر إذاً معين ثَرّ لاينضب . وموردٌ عذبٌ لايَثْن . متى تمكن في ‏القلوب والضمائر ، وتحكم في الأحاسيس والمشاعر ، أورث صاحبه قوة ‏عارمة ، وهمة عازمة ، وثقة جازمة ، تجعله يتحمل المشاق ، ويواجه ‏الأخطار غير هياب ولا وجِل ، يندفع إلى الشدائد غير ضعيف ولامستكين ‏، بل يستحلي المُرَّ ويستعذب العذاب ، ويحرص على الموت حرص كثير ‏من الناس على الحياة . مادام أنه في سبيل الله ، وفي مواطن الإباء والشرف ‏، وفي مواضع الحق والعدل .‏
وإذا تغلغل الصبر في النفوس ، وتربّع في سويداء القلوب ، أضفى ‏على صاحبه قوة معنوية ، تجعله يثبت أمام التحديات ، ويقوى في الشدائد ‏والملمّات .‏
ومن سنة الله ـ سبحانه وتعالى ـ في هذه الحياة : أن جعلها دار ابتلاء ‏وافتتان وامتحان ، لاتثبت على حال ، ولايقرُّ لها قرار ، فيوم لك ويوم ‏عليك ، ويوم نُساء ويوم نسر ، تمتزج فيه اللذات بالآلام ، وتختلط فيها ‏العافية بالأسقام ، والمحاب بالمكاره . صفوها مشوب بالكدر ، وفَرحُها ‏مَشوب بالحَزَن ، ولذَّتها متبوعة بالألم ، وصحتها مردوفة بالسَّقم ،كم أذاقت ‏بُؤَساء ، وكم جرَّعت غُصصاً . فهي كما قيل : إن أضحكت قليلاً أبكت ‏كثيراً ، وإن أسرت يوماً أساءت دهراً ، وإن متَّعَت قليلا منعت طويلاً ، ‏ولاسرَّتْه بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور ، وإذا كان الإنسان يُبتلى ‏بالخير والشر ، فهو بحاجة إلى أمر يستطيع به اجتياز مواقف الابتلاء ، ‏ولايكون ذلك إلا بالصبر .‏
إنه إذا استحكمت الأزمات ، وتوالت النكبات ، وكثرت العوائق ، ‏وترادفت الضوائق ، فإن الصبر وحده هو الذي يُشعّ للمسلم النور العاصم ‏من الردى ، ويدله على الهدى ، والهداية الواقية من التسخط والجزع . ‏والصبر خلق عظيم ، يحتاج إليه المسلم في أمور دينه ودنياه ، يبني عليه ‏الأعمال ، ويُعَلُّق عليه الآمال ، توطيناً للنفس على احتمال الشدائد دون ‏ضجر ، واستعذاب الفتن والمصائب دون خَوَر ، ومواجهة المسئوليات ‏والتحديات مهما ثقلت ، وانتظار الثمار والنتائج مهما بعُدت ، بقوة إيمان ، ‏وثبات جنان وصحة يقين ، حتى يخرج المسلم من المآزق ، وينجُوَ من ‏المضائق ، ويسلم من المزالق ، بالإضافة إلى سلامة دينه ودنياه . لذلك جاء ‏ذكر الصبر في القرآن في تسعين موضعاً كما قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ ‏‏(‏ ‏) ، وهو نصف الإيمان ، فإن الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف ‏شكر (‏ ‏) ، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فكما أنه لاجسد ‏لمن لارأس له ، فلا إيمان لمن لاصبر له .‏
وما كان الصبر ليتبوأ هذه المنزلة ، ويلقى هذه العناية لولا قيمته ‏الكبيرة ، وضرورته العظيمة للإنسان ، ليرقى في سلم المجد مادياً ومعنوياً ‏، وليسعد فردياً واجتماعياً فلا انتصار لدين ، ولا نهوض لدنيا إلا بالصبر ، ‏ولا نجاح في العاجل ، ولا فلاح في الآجل إلاّ به .‏
‏ لقد أكد القرآن الكريم أن الإبتلاء للناس لامحيص عنه . حتى يُعدّوا ‏عُدة الصبر لكل نازلة . ويكونوا على أهبة الاستعداد عند حُلول أيّ ضائقة ، ‏‏{ وَلَــنَـبْلُــوَنَّـكُم بِـشـْىءٍ مِّـنَ الْــخَـوْفِ والْـجُوعِ وَنَــقْـصٍ مّـِــنَ ‏الأَمْــوَلِ وَالأَنــفُـسِ وَالْـثَّـمَراتِ وَبــَــشـّـِــرِ الصّــبـــــــِر ينَ } [ ‏البقرة : 155 ] ، { وَلَــنَـبْلُــــَونــــَّـكُمْ حَــتَّـى نَـعْـلَــمَ الْــمُجَـــــهِـــِديــنَ ‏مِـنــكُمْ وَالصّـبــِر يـــنَ وَنَــبْـلُــوَاْ أَخْــبَــارَكُمْ } [محمد : 31].‏
يبتلى المسلم في دينه وماله وعِرضه . فلا ينبغي أن يستسلم لليأس ، ‏ولا أن يفقد نور الألم ، لأن تلك سنة ماضية ، { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن ‏يُـتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَيــُفْـتَـنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِ ينَ مِن ‏قَبْــلـِهِمْ فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِ يــنَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الــكَاذِبِـينَ } [ العنكبوت ‏‏: 2 و 3 ] .‏
‏( ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكــم الكتــاب أنـه يوفيهــم ‏أجرهــم بغير حساب ، وأخبرهم أنه معهــم بهــدايتــه ونصره العزيــز ، ‏وفتحه المبين ، فقال تعــالى : { وَاصْـبِــرُواْ إِنَّ اللهَ مَــعَ الصّـــبــِر يــنَ ‏‏} [ الأنفال : 46 ] .‏
فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة ، وفازوا بها بنعمه ‏الباطنة والظاهرة وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين ، ‏فقال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون: { وَجَـعَـلْـنَا مِـنْـهُمْ أَئِـمَّةً يَــهْـدُونَ ‏بِــأَمْــرِنَا لَمَّـا صَـبَــرُواْ وَكَانُــواْ بِــئَايَــتِــنَــا يُــوقِـنُــونَ } [ السجدة : ‏‏24 ] .‏
وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكداً باليمين ، فقال تعالى : { وَلَــئِـن ‏صَــبَرْتُــمْ لَــهُــوَ خَــيْــرٌ لِّـلـصَــبِرِ يــنَ } [ النحل : 126 ] ، وأخبر أن ‏مع الصبر والتقوى لايضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط ، فقال تعالى : { ‏وَإِن تَــصْـبِــرُواْ وَتَــتَّــقُـواْ لاَ يَــضُــرُّكُمْ كَيْــدُهُمْ شَيـْئـاً إِنَّ اللهَ ‏بِــمَـا يَــعْــمَـلُونَ مُــحِـيـطٌ } [ آل عمران : 120 ] . وأخبر عن نبيــه ‏يوســف الصديق أن صبره وتقواه أوصلاه إلى محل العز والتمكين فقال ‏تعــالى : { إِنَّــهُ, مَــن يَــتَّــقِ وَيـــَـصْـبِرْ فَــإِنَّ اللهَ لاَ يُــضِـيـعُ أَجْــرَ ‏الْــمُــحْـسِنِيـنَ } [ يوسف : 90 ] ، وعلق الفلاح بالصبر والتقوى ، فعقِل ‏ذلك عنه المؤمنون ، فقال تعالى: { يَــأَيـــُّــهَا الَّذِيــنَ ءَامَنُـــــواْ ‏اصْــبِـرُواْ وَصـَابِـرُواْ وَرَابِــطُواْ وَاتَّــقُـواْ اللهَ لَـعَـلَّـكُمْ تُــفْـلِـحُـونَ } [ ‏آل عمران : 200 ] . ‏
وأخبر عن محبته لأهله ، وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين ، فقال ‏تعالى : { وَاللهُ يُـحِـبُّ الصَّــبِرِ يــنَ } [ آل عمران : 146 ] ) (‏ ‏) .‏
فبدون الصبر لاتتحقق الآمال ، ولاتنجح الأعمال ، ولاتتم المقاصد ، ‏قد يفقد الإنسان عزيزاً لديه من ولد أو والد ، أو قريب أو حبيب . فتظلم ‏الدنيا في عينيه . فإذا لم يتَدَرَّع بالصبر أهلكه الجزع .‏
المرضى والمصابون الذين يتقلبون على فرش المرض والألم ، ‏ويرقدون على الأسرّة البيضاء . إذا لم يصبروا على مرارة الدواء لم يحلموا ‏بالشفاء . ‏
المقاتل في ساح الوغى لولم يصبر لم ينتصر . وهكذا المُزارع لولم ‏يصبر لما حَصَدَ. والطالب إذا لم يُروِّض نفسه على صعوبة التحصيل لم ‏ينجح . وهكذا كل عصاميٍّ لايصل إلى مايريد إلا بالصبر والمصابرة .‏
‏( ولقد بشر ـ سبحانه وتعالى ـ الصابرين بثلاث ،كل منها خير مما ‏عليه أهل الدنيا يتحاسدون ، فقال تعالى : { .... وَبــَــشـّـِــِر الصّــبــِر ‏يــنَ * الَّـذِيــنَ إِذآ أَصَــبَــتْهُـم مُّـصـِيـبَـةٌ قَـالــواْ إِنَّــا لِلَّهِ وِإِنَّــا ‏إِلَـيْـهِ رَجِــعُـونَ * أُوْلَـــئـِكَ عَــلَـيْـهِـمْ صَـلَـــَوتٌ مّـِـن رَّبــّـِـــهِـمْ ‏وَرَحْــمَـةٌ وَأُوْلَــــئِــكَ هُمُ الْـمُـهْتَــدُونَ } [ البقرة : 155 - 157] .‏
وأوصى عبــاده بالاســتعانة بالصــبر والصــلاة على نوائــب الدنيــا ‏والدين ، فقـال تعالى : { وَاسْــتَعِيـنُـواْ بِالصَّــبْرِ وَالصَّـــلَـــــوةِ وَإِنَّــهَا ‏لَـكَبِــيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَــــشِــعِينَ } [ البقرة : 45] . وجعــل الفــوز ‏بالجنــة والنجاة من النار لايحظــى بــه إلا الصابرون ، فقـال تعالى : { ‏إِنّــِـــــى جَزَ يـــْتُــــهُـمُ الْيَــوْمَ بِمَــا صَـــبَـرُواْ أَنَّــهُــمْ هُــمُ ‏الْفَـآئِــــزُونَ } [ المؤمنون:111] .‏
وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراض عن الدنيا وزينتها لاينالها إلا ‏أولوا الصبر المؤمنون ، فقال تعالى : { وَقَـالَ الَّـــِذيـنَ أُوتُـواْ الْعِلْـمَ ‏وَيـــْــلَكُــمْ ثَـوَابُ اللهِ خَيْـرٌ لِّـمَـنْ ءَامَـنَ وَعَمِــلَ صَـــلِـحًا وَلاَ ‏يُلَقَّـــــهَا إِلاَّ الصَّـــــبِـرُونَ } [ القصص : 80 ] . ‏
وأخبر تعالى أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسىء كأنه ولي ‏حميم ، فقال تعالى : { وَلاَ تَسْــتَوِى الْحَسَــنَةُ وَلاَ السَّــيـّــِـــئَـةُ ادْفَــعْ ‏بِالَّـتِى هِىَ أَحْسَـــنُ فَـإِذَا الَّـذِى بَـيْـنَـكَ وَبَــيْـنَهُ, عَـــَدوَةٌ كَأَنـــَّــهُ ‏وَلِىٌّ حَمِـيــمٌ } [ فصلت : 34 ] . وأن هذه الخصلة لايلقاها إلا الذين ‏صبروا ، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) (‏ ‏) .‏
فالصبر إذن : من شارات الكمال ، ومن معالم بناء الرجال ، ومن ‏دلائل قوة الإرادة ومضاء العزيمة ، وانضباط النفس ، والقدرة على التحمل ‏، فإن أعباء الحياة لايطيقها المجاهيل . ولا يقوى عليها المهازيل .‏
‏( وأخبر ســبحانه خبراً مؤكــداً بالقسم : { إِنَّ الإِنــسَــــنَ لَـفِـى ‏خُــسْـرٍ * إِلاَّ الَّــذِيــنَ ءَامَـنُـــواْ وَعَـمِـــلُـــواْ الصَّـــلِـحَــــتِ ‏وَتَــــوَاصَــوْا بِــالْــحَــِقّ وَتـــَــــوَاصَـــوْا بِـالصَّــبْرِ } [ العصر : 2 - 3 ‏‏] ، وخص الانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكل تمييزاً لهم بهذا الحظ ‏الموفور ، فقال في أربع آيات من كتابه : { إِنَّ فِـى ذَلِـكَ لأَيــَــــٍت ‏لِّـكُــِلّ صَــبَّــــارٍ شَــكُـــورٍ } [ إبراهيم : 5 ، لقمان : 31 ، سبأ : 19 ، ‏الشورى : 33 ] .‏
وعلق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر ، وذلك على من يسَّره ‏عليه يسير فقال : { إِلاَّ الَّذِينَ صَبَـرُواْ وَعَمِلُــواْ الصَّــلِحَـــتِ أُوْلَــئِــكَ ‏لَـهُــم مَّـغْـفِـرَةٌ وَأَجْــرٌ كَبِـيرٌ } [ هود : 11 ] . ‏
وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لاتبور ، ‏فقال : { وَلَمَـن صَـبَـرَ وَغَـفَـرَ إِنَّ ذَلِـكَ لَمِـنْ عَـزْمِ الأُمُــورِ } [ ‏الشورى : 43 ] .‏
والصبر آخيّة المؤمن التي يجول ثم يرجع إليها ، وساق إيمانه الذي ‏لااعتماد له إلا عليها ، فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم ، وترقوا إلى ‏أعلى المنازل بشكرهم ، فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات ‏النعيم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (‏ ‏).‏
والمؤمن ســمته الصبر في الشدة والرخاء ، في البأساء والضراء ، ‏فعن صُهيب (‏ ‏) ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ : (( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير . وليس ذاك لأحدٍ إلاّ للمؤمن . إن ‏أصابته سرَّاء شكر . فكان خيراً له . وإن أصابته ضرَّاءُ صبر . فكان خيراً له )) ‏‏(‏ ‏) . وأخبر عليه الصلاة والسلام أن : (( الصبر ضياء )) (‏ ‏) ، وقال عليه ‏الصلاة والسلام : (( ومن يتصبّر يُصبّره الله . وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسعَ ‏من الصبر )) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:03 PM
هذا وقد ورد ذكر أنواع الصبر والصابرين في القرآن الكريم ‏باساليب كثيرة متنوعة ، ذكرها العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) ، منها ‏‏:‏
‏1 = الأمر به كقولــه تعــالى : { وَاصْـبِرْ وَمَـا صَـبْـرُكَ إِلاَّ بِاللهِ ‏‏} [النحل: 127] وقــولــه : { يَــأَيـــُّــهَــــــا الَّــِذيــــــنَ ءَا مَـــنُــــواْ ‏اصْــبِـــرُواْ وَصـَـــابــِـرُواْ وَرَابِــطُواْ } [ آل عمران:200] .‏
‏2 = النهي عما يضاده كالاستعجال مثلاً ، قال تعالى : { فَاصْبِـرْ ‏كَمَـا صَـبَـرَ أُوْلُـواْ الْعَـزْمِ مِـنَ الرُّسُــلِ وِلاَ تَسْــتَعْجِـل لَّـهُــمْ} [ ‏الأحقاف : 35 ] . وقوله : { وَلاَ تَكُـن كَصَـاحِـبِ الْحُــوتِ } [ القلم : 48 ‏‏] وبالجملة فكل مانُهي عنه فإنه يضاد الصبر المأمور به .‏
‏3 = الثناء على أهلـــه ، وإيجــــاب محبــــة الله ومعيته لهم كقوله : ‏‏{ وَاللهُ يُـحِـــبُّ الصَّــبِـــرِ يــنَ } [ آل عمـــران : 146 ] . وقولـــــه : { ‏وَاصْـبِــرُواْ إِنَّ اللهَ مَــــــعَ الصّــبـــِــــرِ يــــنَ } [ الأنفال : 46 ] .‏
‏4 = إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم ، كقوله سبحانه : { وَلَـنَــجْزِ ‏يَــنَّ الَّـِذينَ صَبَـرُواْ أَجْــرَهُم بِــأَحْــسَنِ ماكَانُــواْ يَعـْـمَــلُــونَ } [ ‏النحل : 96 ] .‏
‏5 = إيجاب الجزاء لهم بغير حساب كقوله تعالى : { إِنَّمَـا يُـوَفَّـى ‏الصَّـبِرُونَ أَجْـرَهُــم بِغَـيْـرِ حِسَــــاٍب } [ الزمر : 10 ] .‏
‏6 = أنـــه سببٌ لدخـــول الجنة ، قال تعالى : { وَالْمَلَــــئِــكَـةُ ‏يَدْخُـلُـونَ عَلَيْهِم مِنْ كُـــِلّ بــــَـــــاٍب * سَــلاَمٌ عَلَيْكُـم بِمَـا ‏صَـبَرْتُـمْ فَنِـعْـــمَ عُقْـبَـى الدَّارِ } [ الرعد : 23 ـ 24 ] (‏ ‏) .‏
‏ فالصبر يورث صاحبه العيش الرغيد ، وخير عيش يُدركه المرء ‏بالصبر . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:04 PM
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ ( بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين ‏‏) (‏ ‏) .‏
ولو تأمل المسلم كتاب الله لوجد فيه نماذج فريدة للصابرين ، وأمثلة ‏رائعة في التحلي بالصبر . ولا سيما من الأنبياء والمرسلبين .‏
‏* فهذا نوح عليه السلام يبقى في دعوة قومه هذه المدة الطويلة لم ‏يدع فرصة إلاّ استغلها . ولا وسيلة إلاّ عملها . يجدُّ في دعوة قومه دون كلل ‏أو ملل . يواصل الليل بالنهار . والسرَّ بالجهار ، حكمة من الله . وسنةً فيها ‏الدروس والعبر .‏
‏* وهكذا كان ابراهيم وعيسى وموسى الكليم . الذي لقي من عنت ‏بني إسرائيل مالا يطيقه إلاّ أولوا العزائم .‏
‏* وإذا ماتأملنا ابتلاءات أيوب عليه السلام ، ضرٌّ في البدن ، فقدان ‏للأهل ، ومع ذلك يصبر ويحتسب ، ويستحق الثناء بقوله تعالى فيه : { إِنَّـا ‏وَجَـدْنَـــهُ صَابِــرًا نِّـعْـمَ الْعَـبْدُ إِنَّــهُ, أَوَّابٌ } [ ص : 44 ] .‏
‏* وهذا يعقوب عليه السلام امتُحن بفراق أحبّ أبنائه إليه ، وذلك ‏ليس بالأمر الهيّن . إلى أن وصل به الافتتان والابتلاء إلى حدّ العمى من ‏الحزن والبكاء ، ومع ذلك يقول تجملاً بالصبر أولاً وآخراً : { فَصَـبْرٌ ‏جَمِيـــلٌ وَاللهُ الْمُسْــتَعَـانُ عَلَى مَاتَصِــفُــونَ } [ يوسف : 18 ] .‏
‏* وهذا الكريم ابنُ الكريمُ ابنُ الكريمُ ابنُ الكريمُ : يوسُفُ بنُ ‏يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليه السلام : كيف قضى مراحل حياته ؟ ‏لايخرج من ضائقة إلاّ ويدخل في أخرى ، وهو قوي الإيمان . عظيمُ الصبرِ ‏، مُتألِّقُ اليقين وراء الجدران .‏
‏* وتمتد سلسلة هذه النماذج لتصل إلى سيد الصابرين عليه الصلاة ‏والسلام ـ بأبي هو وأمي ـ ماذا لقي في سبيل تبليغ دعوة الله ؟ أُوذِيَ في دينه ‏وجسده . أُدْميت عَقباه ، كُسرت رباعيته ، وُضِعَ ثَلُ الجَزُور على ظهره ‏وهو ساجد في ظل الكعبة ، وحصروه هو وأصحابـه في الشعب مدة طويلة ‏، أُخرج من بلده وأحب البقاع إليه . فكان صابراً محتسـباً .‏
‏* أوذي أصحابه من بعده وصبروا . وأوذين أمهات المؤمنين ‏فصبرن ، وكن خير قُدوةٍ وأُسوةٍ يُقتدى بهن .‏
‏* وأُوذي القادة والعظماء والأئمة والعلماء . سُجن الإمام أحمد بن ‏حنبل وجُلد أبو حنيفة . وضُرب مالك . وحُبس شيخ الإسلام ابن تيمية ، فلم ‏يكن لهم بدٌّ من الصبر والثبات .‏
هذا مايتعلق بفضل الصبر وأهميته في كل وقت وحين ، وعلى مر ‏الأيام والسنين وأما عند حلول الكوارث والمحن ، والابتلاء بالمصائب ‏والفتن ، فإن التحلي بالصبر آنذاك آكد وأوجب ، وضرورته أشد وأرغب .‏
وهذا ماسنعرضه في المبحث القادم إن شاء الله تعالى .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:05 PM
المطلب الثاني
‏{ الصبر وقت حلول الفتن }‏
‏= = = = = = = =‏
إن السعيد لمن جُنِّب الفتن ، وما أطيب من ابتلي فصبر على البلاء ‏والمحن ، فليس لمن فتن بفتنة دواء مثل الصبر ، فإن صبر كانت الفتنة ‏ممحصة له ، ومخلّصة من الذنوب ، كما يُخلِّص الكير خبث الذهب والفضة ‏‏.‏
والله ـ سبحانه وتعالى ـ يجزي المؤمن على صبره ، كما قال تعالى : ‏‏{ إنَّـه كَانَ فَـــرِ يـقٌ مِّـنْ عِبَـادِى يَقُـولُـونَ رَبَّـنَآ ءَامَنَّـا فَاغْفـِرْ لَنَا ‏وَارْحَـمْنَـا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّحِـمِيــنَ * فَاتَّخَـذْتُـمُـوهُـمْ سِـخْرِ يــًّـا حَتَّى ‏أَنْسَــوْكُمْ ذِكْـرِى وَكُنتُم مِّنْهُـمْ تَضْـحَـكُونَ * إِنّـِى جَزَ يـــْتُــــهُـمُ ‏الْيَــوْمَ بِمَــا صَـــبَـرُواْ أَنَّــهُــمْ هُــمُ الْفَـآئِــــزُونَ } [ المؤمنون : 109 ‏ـ 111 ] . فأخبر سبحانه أنه جزاهم على صبرهم ، كما قال تعالى : { ‏وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِـرُونَ } [ الفرقان : 20 ] . ‏
أي : أتصبرون على البلاء ، فقد عرفتم ماوجد الصابرون ، فقرن الله ‏ـ سبحانه ـ الفتنة بالصبر ههنا ، وفي قوله : { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّـــِذيــنَ هَاجَرُوا ‏مِنْ بَعْدِ مَافُتِنُـــوا ثُمَّ جَــــــهَدُواْ وَصَـبَرُوا } [ النحل : 110 ]‏
فالفتنة كير القلوب ، ومحكُّ الإيمان ، وبها يتبين الصادق من الكاذب ‏‏. قال تعالى: { وَلَقَدْ فَـتَنَّـا الَّذِ ينَ مِن قَــبْــلـِــهِمْ فَليَعْلَمَـــنَّ اللهُ الَّــِذ ‏يــــنَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَــنَّ الكَاِذبـــِـــينَ } [ العنكبوت : 3 ] . فالفتنة ‏قسمت الناس ، إلى صادق وكاذب ، ومؤمن ومنافق ، وطيب وخبيث . فمن ‏صبَر عليها كانت رحمةً في حقه ، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها ، ومن ‏لم يصبر عليها وقع في فتنة اشد منها .‏
فالفتنة لابد منهـا في الدنيـــا والآخرة ، كمــا قال تعـــالى : { يَوْمَ هُمْ ‏عَلَى النَّارِ يُفْـتَـنُــونَ * ذُوقُوا فِتْــنَــتَكُمْ هَــذَا الَّــذِى كُـنـتُم بِـــهِ ‏تَسْــتَعْجِـــلُــــونَ } [ الذاريات: 13 ـ 14 ] . فالنار فتنة من لم يصبر على ‏فتنة الدنيا (‏ ‏) .‏
هذا وقد جعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ السعادة لمن جُنِّبَ الفتن ، ‏وصبر عليها إذا ماابتُلي بها .‏
فعن المقداد بن الأسود ـ رضي الله عنه ـ قال : أيمُ الله لقــد سمعــت ‏رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( إن السعيد لَمَنْ جُنِّبَ الفتن ، إن ‏السعيد لَمَنْ جُنِّبَ الفتن ، إن السعيد لَمَنْ جُنِّبَ الفتن ، ولَمَن ابتُليَ فَصبر فَوَاهاً )) (‏ ‏) ‏‏.‏
ففي هذا الحديث إخبار منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن السعيد لَمَنْ ‏جُنِّب الفتن ، وجُنِّبَ ـ بضم الجيم وتشديد النون المكسورة ـ أي حفظ أو بَعُدَ ‏من الفتن ، والتكرار للمبالغة في التأكيد ، ويمكن أن يكون التكرار باعتبار ‏أول الفتن وآخرها (‏ ‏) .‏
‏ وقوله : (( لَمَنْ )) : باللام المفتوحة للتأكيد في خبر إن . ‏
وشاهدنا من الحديث هو قوله في عجُزه : (( ولَمَنْ ابتُلي فصبر فَوَاها ‏‏)) بفتح اللام في (( لَمَن )) وهي عطف على (( لَمَن جُنِّب )) (‏ ‏) .‏
وأما معنى (( فَوَاها )) فقد قال الخطابي ـ رحمه الله ـ : بأنها (كلمة ‏معناها التلهف . وقد يوضع أيضاً موضع الإعجاب بالشيء ، فإذا قلت ويهاً ‏‏: كان معناها : الإغراء ) (‏ ‏) وبنحوه قال ابن الأثير الجزري (‏ ‏) .‏
فإذاً معناه : التلهف والتحسر ، أي : واهاً لمن باشر الفتنة وسعى فيها ‏، أو معناه الاعجاب والاستطابة (‏ ‏) .‏
أما قـــوله : (( وَلَمَن ابتُلي فصبر )) ـ لِمـــن : بكسر اللام ـ أي : ‏ماأحسن ومــا أطيب صبر من صبر عليها ، ولا يخفى أنــه لو حمــل على ‏معنى التعجب لصح بالفتــح أيضاً (‏ ‏) .‏
ومن خلال ماتقدم من شرح هذا الحديث تظهر لنا مطابقته لترجمة ‏هذا المطلب ، فإن في الحديث حثاً وترغيباً لمن ابتُلي بالفتن أن يصبر ‏عليها ، بل فيه تعجب من أمر من ابتلي بالفتن فصبر على البلاء ، فكأنه قال ‏‏: وماأحسن وما أطيب من ابتلي بالفتن فصبر على البلاء ، كما أنه ليس في ‏الحديث التعرض لطلب البلاء كما هو واضح . والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:06 PM
ومما جاء أيضاً في الحث والترغيب في الصبر عند الفتن وصية ‏الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأبي ذر بذلك عند حلول المحن ، وسقوط ‏الكوارث والفتن .‏
فعـــن أبي ذر ـ رضي الله عنــه ـ قال : قال لي رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ (( ياأبـــا ذر )) قلــت : لبيـــك يارســـول الله وســعديك . ـ ‏فذكـــر الحديث ـ قال فيه : (( كيف أنت إذا اصاب الناس موتٌ يكون البيتُ فيه ‏بالوصيف ؟ )) ـ يعني القبر ـ قلت : الله ورسوله أعلم ُ ، أو قال : ماخار الله ‏لي ورسوله (‏ ‏) ، قال : (( عليك بالصبر )) أو قال : (( تصبر )).... الحديث ‏‏(‏ ‏) .‏
وفي روايـــة أن أبا ذر قال : ركــب رســـــول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ حماراً وأردفني خلفه وقال : (( ياأبا ذر : أرأيت إن أصاب الناس جوع ‏شديد لاتستطيع أن تقوم من فراشــك إلى مسجدك ، كيف تصنع )) ؟ قال : الله ‏ورسـوله أعلم ، قال : ‏
‏(( تعفـف )) قال : (( ياأبا ذر : أرأيت إن اصـــاب الناس مــوت شديد يكون البيت ‏فيه بالعبـــد ـ يعني القبر ـ كيف تصنع )) ؟ قلـت : الله ورسـوله أعلم ، قال : (( ‏اصبر ...... )) الحديث (‏ ‏) .‏
ففي هذا الحديث توجيه وإرشاد من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏لتحمل الأذى والصبر عليه عند حلول الفتن ، وبنحو ذلك ترجم الحافظ ابن ‏كثير ـ رحمه الله ـ لهذا الحديث عند ذكره له فقال : ( نصح الرسول ـ عليه ‏السلام ـ بتحمل الأذى عند قيام الفتن ، والبعد عن المشاركة في الشر ) (‏ ‏) ‏‏.‏
والمراد بالبيت المذكور في الروايتين : القبر ، كما هو مصرّح به في ‏الحديث . وكما ذكره جمع من أهل العلم ، كالخطابي (‏ ‏) وابن الأثير (‏ ‏) ‏وغيرهما .‏
وأما الوصيف : فهو العبد أو الخادم ، والوصيفة : الأمة ، يُريد أن ‏الناس يُشغلون عن دفن موتاهم ، وهذا يدل على أن الفتن تكثر ، فتكثر ‏القتلى ، حتى إنه ليشتري موضع قبر يدفن فيه الميت بعبدٍ ، من ضيق ‏المكان عليهم ، مبالغة في كثرة وقوع الفتن ، أو أنه لاشتغال بعضهم ببعض ‏وبما حدث من الفتن لايوجد من يحفر قبر ميت ويدفنه ، إلاّ أن يعطى ‏وصيفاً أو قيمته (‏ ‏) .‏
هذا وقد جعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصابر على دينه عند ‏اشتداد الفتن كالقابض على الجمر . ‏
فعـن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول اللهصلى الله ‏عليه وسلم : (( يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على ‏الجمر)) (‏ ‏) .‏
فهذا اخبار منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن شدة وقع الفتن ، لدرجة ‏أنه يأتي على الناس زمان الصابر فيهم ، أي : في أهل ذلك الزمان ، على ‏دينه ، أي : على حفظ أمر دينه بترك دنياه كالقابض أي : كصبر القابض ‏في الشدة ونهاية المحنة على الجمر ، والجمر جمع جمرة وهي شعلة من ‏النار (‏ ‏) .‏
قال الطيبي (‏ ‏) : المعنى : كما لايقدر القابض على الجمر أن ‏يصبر لإحراق يده ، كذلك المتدين يومئذٍ لايقدر على ثباته على دينه لغلبة ‏العصاة والمعاصي وانتشار الفسق وضعف الإيمان (‏ ‏) .‏
وقال القاري (‏ ‏) : الظاهر أن معنى الحديث : كما لايمكن القبض ‏على الجمرة إلا بصبر شديد وتحمُّل غلبة المشقة كذلك في ذلك الزمان ، ‏لايتصور حفظ دينه ونور إيمانه إلاّ بصبر عظيم . انتهى (‏ ‏) .‏
وقد أوصى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالصبر ـ أيضاً عند جور ‏الأمراء وضلال الحكام .‏
فعن ابن عباس عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( من كره من ‏أميره شيئاً فليصبر ، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية : (( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه ، فإنه من ‏فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية )) (‏ ‏) .‏
كما أوصى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالصبر أيضاً في قوله : (( ‏‏....إنكم ستلقون بعدي أُثْرةً ، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض )) (‏ ‏) .‏
والأُثْرَة ـ بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين ، ويجوز كسر أوله ‏مع الإسكان ـ أي : الانفراد بالشيء المشترك دون من يشركه فيه ، وفي ‏رواية (( أُثرة شديدة )) .‏
والمعنى : أنه يستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في الاستحقاق . وقيل ‏‏: ‏
معناه : يفضل نفسه عليكم في الفيء ، وقيل : المراد بالأُثرة : الشدة ‏‏(‏ ‏) . وقوله : (( فاصبروا حتى تلقوني على الحوض )) أي يوم القيامة ، أي : ‏اصبروا حتى تموتوا ، فإنكم ستجدونني عند الــحوض ، فيحصــل لكم ‏الانتصاف ممن ظلمكم والثواب الجزيل على الصبر (‏ ‏) .‏
هذا مايتعلق بالصبر وأهميته عند حلول الفتن ، ونزول البلايا ‏والمحن ، فليس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر ، فهو يجعل الفتنة ‏ممحصة له ، ومخلصة له من الذنوب ، كما يُخلِّص الكيرُ خبث الذهب ‏والفضة . والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:07 PM
المبحث الرابع
‏{ الصبر على حفظ اللسان وكفّه في الفتن }‏
‏= = = = = = = = ‏

يجب على كل مُكلَّف أن يكف لسانه ويحفظه عن كل باطل ، وفي ‏جميع الأوقات والأحوال ، بيد أنه يزداد ذلك الحفظ ويتأكد إبان الفتنة ، ‏وحلول المحنة ، ففيها تكثر الأقاويل ، وتزداد شهوة الاشاعات والمبالغات ‏والأباطيل ، وعندها تكون الآذان مستعدة لاستقبال كل مايُقال ، وفي هذه ‏تكمن الخطورة ، فربّ كلمة أشدّ من وقع السيف أيام الفتنة . ‏
‏ فلذا يجب على المسلمين قاطبة أن يكفُّوا ألسنتهم عن كل كلمة تزيد ‏عن الحقيقة وتزيد من وَهَج الفتنة .‏
وليُعلم أن اللسان من أخطر ما خلق الله في جسم الإنسان ، لذا يقول ‏تعالى منبها المؤمنين : { وَقُـلْ لِّـعِبَــادِى يَــقُـولُـواْ الَّـتِى هِـىَ أَحْـسَـنُ ‏إِنَّ الـشَّـيْـطَـــنَ يَـنْـزَعُ بَـيْــنَــهُمْ إِنَّ الـشَّـيْـطَـــنَ كَانَ لِـلإِنــسَـــنِ ‏عَـــدُوًا مُّــبِـيـنـًا } [ الإســراء : 53 ] . وقــال تعالى : { مَّـا يَـلْفِـظُ مِـن ‏قَـوْلٍ إِلاَّ لَدَيـــْـهِ رَقِـيبٌ عَـتِـيـدٌ } [ ق : 18 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ ‏رَبـــَّـــكَ لَبِالْمِـرْصَـادِ } [ الفجر : 14 ] .‏
قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ : ( اعلم أنه ينبغي لكل مكلَّف أن ‏يحفظ لسانه عن جميع الكلام ، إلاّ كلاماً تظهر المصلحة فيه ، ومتى استوى ‏الكلام وتركُه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه ، لأنه قد يَنْجَرُّ الكلام ‏المباح إلى حرام ، أو مكروه ، بل هذا كثير أو غالب في العادة ، والسلامة ‏لايعدلها شيء ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد قال الشاعر : ‏
احفظ لسانك أيها الإنسـان لايلدغنـَّـــك إنـــه ثعبـــان
كم في المقابر من قتيل لسـانه كانت تَهَابُ لقاءه الشجعان
وقال آخر : ‏
يموت الفتى من عثرةٍ بلســانه وليس يموت المرء من عثرة الرِّجلِ
فعثرته بلسانه تُذْهب رأســــه وعثرته برجلـــه تبراء على مهـــل
لذا ينبغي على المسلم أن لايخرج لفظة وأن لايتكلم بكلمة إلاّ وقد ‏وزنها بميزان الشرع ، فإن كانت موافقة له أخرجها وإلاّ فلا .‏
وإذا أردت الاستدلال على مايُكنه القلب في داخله فاستدل عليه ‏بحركة اللسان ، فإنه يطلعك على مافي القلب شاء صاحبه أم أبى .‏
قال يحيى بن معاذ (‏ ‏) : ( القلوب كالقدور تغلي بما فيها ، وألسنتها ‏مغارفها ، فانظر إلى الرجل حين يتكلم ، فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه ‏، حلو وحامض ، وعذب وأُجاج ، وغيرذلك ، ويبين لك طعم قلبه اغتراف ‏لسانه ) (‏ ‏) . أي : كما تطعم بلسانك طعم مافي القدور من الطعام فتدرك ‏العلم بحقيقة ذلك ، كذلك تطعم مافي قلب الرجل من لسانه فتذوق مافي قلبه ‏من لسانه كما تذوق مافي القدر بلسانك (‏ ‏) .‏
ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام ‏والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ، ومن النظر المحرم ، وغير ذلك ‏ويصعب عليه التحرز والتحفظ من حركة لسانه ، حتى ترى الرجل يشار ‏إليه بالدين ، والزهد والعبادة ، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لايُلقي لها ‏بالاً ، قد تهوي به في النار سبعين خريفاً ، وتهوي به في النار أبعد مما بين ‏المشرق والمغرب ، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ، ‏ولسانه ينتهك أعراض الأحياء والأموات وينهش في لحومهم ولا يبالي ‏مايقول .‏
وقد كان السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ يحاسب أحدهم نفسه في قوله ‏‏: ( يوم حــار ويوم بارد ) ، ولقد رُؤيَ بعض الأكابر من أهل العلم في النوم ‏فســئل عن حاله ؟ فقال : أنا موقوف على كلمةٍ قلتُها ، قلتُ : ما أحوج ‏الناس إلى غيث ، فقيل لي : وما يدريك ؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي (‏ ‏) .‏
وليُعلم أن أيسر حركات الجوارح حركة اللسان ، وهي أضرها على ‏العبد . وما أكثر الأحاديث والآثار الواردة في التحذير من آفات هذه الآلة ‏الخطيرة . في كل الأوقات عموماً ، وفي زمن الفتن والمحن خصوصاً .‏
فمما ورد في التحذير من آفة اللسان عموماً : سؤال معاذٍ النبيَّ ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده من النار ، ‏فأخبره برأسه وعموده وذروة سنامه ، ثم قال : (( ألا أُخبرك بملاك ذلك ‏كله ؟ )) قلت : بلى يارسول الله ، فأخذ بلسان نفسه ثم قال : (( كُفَّ عليك ‏هذا )) فقال : وإنّا لمُؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال : (( ثكلتك أمك يامعاذ ، وهل ‏يُكبُّ الناَس على وجوههم ـ أو مناخرهم ـ إلاّ حصائد ألسنتهم )) (‏ ‏) .‏
وقد ســـئل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عــن أكثر مايُدخــل الناس ‏النار ؟ فقــال : (( الأجوفان : الفم والفرج )) (‏ ‏) . وعن أبي هريرة ـ رضي ‏الله عنه ـ عن النــبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ....وإن العبد ليتكلم بالكلمة ‏من سخط الله لايلقي لها بالاً يهوي بها في نار جهنم )) (‏ ‏) . وفي لفظ : (( إن ‏العبد ليتكلم بالكلمة مايتبين مافيها يهوي بها في النار أبعدَ مابين المشرق والمغرب ‏‏)) (‏ ‏) .‏
وفي حديث بلال بن الحارث المُزني (‏ ‏) أن النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قــال : (( ......، وإن أحدكُم ليتكلم بالكلمة من سخط الله مايظن أن تبلغ ‏مابلغتْ فيكتُبُ الله بها سخطَه إلى يوم يَلْقاهُ )) (‏ ‏) .‏
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : ( قلت يارسول الله .... ماأخوفُ ‏ماتخافُ علي ؟ فأخذ بلسَانِ نفسه ، ثم قال : (( هـذا )) (‏ ‏) .‏
وعــن أم حبيبـــة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عـــن النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( كلُّ كلام ابن آدم عليه لا لَهُ ، إلاّ أمراً بمعروف ‏، أو نهياً عن منكر ، أو ذِكراً لله عز وجل )) (‏ ‏) .‏
وعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قال : (( إذا أصبحَ ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاء كلَّها تُكَفِّرُ اللسانَ (‏ ‏) فتقول : ‏اتقِ الله فينا ، فإنما نحن بك ، فإن استقمتَ استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا )) ‏‏(‏ ‏) .‏
هذا وقد اطَّلع عمر بن الخطاب على أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وهو ‏يمُدُّ لسانه فقـــال : ماتصنــعُ ياخليفـــة رسول الله ؟ فقـــال : إن هذا ‏أوردنــي المواردَ ، إنّ رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( ليسَ ‏شيءٌ من الجسدِ إلاّ وهو يشكُو ذَرَبَ اللسانِ )) (‏ ‏) .‏
وعن عبد الله بن عمــر ـ رضي الله عنهما ـ أنــــه ارتقــى الصفا ، ‏فأخــذ لسانه ، فقال : يالســـانُ قُـــل خيــراً تغْنَم ، واسكت عن شرٍّ تسْـــلَمْ ، ‏من قبل أنْ تندَمْ ، ثم قـــال : سمعت رســـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏يقولُ : (( أكثــــرُ خَطَأ ابنِ آدم في لســـانه )) (‏ ‏) .‏
وعــن أنس ـ رضي الله عنه ـ قـــال : قـــال رســــــول الله ـ صلى ‏الله عليـه وسلم ـ : (( لما عَرَج بي ربي عز وجل ، مررت بقوم لهم أظْفارٌ من ‏نُحاس يَخْمِشون وجوههم وصُدورَهم ، فقلتُ : من هؤلاء ياجبريل ؟ قال : هؤلاء ‏الذين يأكلون لُحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم )) (‏ ‏) .‏
وعن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( من صَمَت نَجا )) (‏ ‏) .‏
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏قال : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت .... )) (‏ ‏) .‏
قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ معلقاً على هذا الحديث : ( قلت : فهذا ‏الحديث المتفق على صحته نصٌّ صريح في أنه لاينبغي أن يتكلم إلا إذا كان ‏الكلام خيراً ، وهو الذي ظهرت له مصلحته ، ومتى شكَّ في ظهور ‏المصلحة فلا يتكلم . وقد قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ : إذا أراد الكلام ‏فعليه أن يُفكر قبل كلامه ، فإن ظهرت المصلحة تكلَّم ، وإن شكَّ لم يتكلم ‏حتى تظهر ) (‏ ‏) .‏
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ : ( والكلام أسيرك ، فإذا خرج من فِيكَ ‏صِرْتَ أنت أســيره ، والله عنـد لسان كل قائل : { مَّـا يَـلْفِـظُ مِـن قَـوْلٍ إِلاَّ ‏لَـدَيـْهِ رَقِـيبٌ عَـتِـيـدٌ } (‏ ‏) [ ق : 18 ] .‏
ثم ذكر ـ رحمه الله ـ أن السلف والخلف اختلفوا : ( هل يُكتب جميع ‏مايلفظ به أو الخير والشر فقط ؟ على قولين أظهرهما : الأول ) .‏
ثم قال ـ رحمه الله ـ : ( وفي اللسان آفتان عظيمتان ، إن خلص من ‏إحداهما لم يخلص من الأخرى : آفة الكلام ، وآفة السكوت ، وقد يكون كل ‏منهما أعظم إثماً من الأخرى في وقتها ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس ‏، عاصٍ لله ، مُراءٍ مداهن إذا لم يَخَفْ على نفسه . والمتكلم بالباطل شيطان ‏ناطق عاصٍ لله ، وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته . فهم بين هذين ‏النوعين ، وأهل الوسط ـ وهم أهل الصراط المستقيم ـ كفُّوا ألسنتهم عن ‏الباطل ، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة ، فلا ترى أحدهم يتكلم ‏بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة ، فضلاً أن تضره في آخرته ، وإن العبد ‏ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها ، ‏ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما ‏اتصل به ) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:08 PM
وأما الآثار عن السلف وغيرهم في هذا الباب فكثيرة ، لكن ننبه على ‏عيون منها : ‏
‏* ورد أن قسَّ بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا ، فقال أحدهما ‏لصاحبه : كم وجدت في ابن آدم من العيوب ؟ فقال : هي أكثر من أن ‏تُحصى ، والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب ، ووجدتُ خصلةً إن استعملتها ‏سترتَ العيوب كلها ، قال : ماهي ؟ قال : حفظ اللسان (‏ ‏) .‏
‏* وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه كان يحلف بالله الذي لاإله ‏إلا هو ماعلى الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان (‏ ‏) . ‏
‏ وقال غيره : ( مَثَلُ اللسان مثَلُ السَّبع إن لم تُوثِقه عدا عليك ) ‏‏(‏ ‏) .‏
وقال أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ : ( أنصف أذنيك من فيك ، فإنما ‏جُعِلتْ لك أذنان وفم لتسمع أكثر مما تتكلم به ) (‏ ‏) . ‏
وقال ابن بريدة : رأيت ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ آخذ بلسانه ‏وهو يقول : ويحكَ قُل خيراً تغنم أو اسكت عن سوءٍ تسلم ، وإلاّ فاعلم أنك ‏ستندم . فقيل له : يابن عباس ! لِمَ تقول هذا ؟ قال : إنه بلغني أن الإنسان ‏أراه قال : ليس على شيء من جسده أشدُّ حَنَقاً وغيظاً يوم القيامة منه على ‏لسانه إلاّ من قال خيراً أو أملى به خيراً (‏ ‏) .‏
وعن أبي علي الفُضَيل بن عياض ـ رضي الله عنه ـ قال : ( من عدَّ ‏كلامه من عمله قَلَّ كلامه فيما لايعنيه ) (‏ ‏) . ‏
وقـــال الإمام الشـــافعي ـ رحمه الله ـ لصـــاحبه الربيـــــع : ( ياربيع ‏لاتتكلــم فيما لايعنيك ، فإنك إذا تكلمت بالكلمة مَلَكَتْكَ ولم تَمْلِكْها ) (‏ ‏) .‏
هـذا مايتعلق ببعض الأحاديث والآثار الواردة في التحذير من آفات ‏اللسان عموماً ، أي : في جميع الأوقات والأيام ، وعلى مر الشهور ‏والأعوام . حسب ماتيسر لي الوقوف عليه ، وما سمح به الوقت ، وإلاّ ‏ماورد في آداب ومكارم الأخلاق فيه الشيء الكثير من هذا (‏ ‏) .‏
بيد أنَّ هناك بعض الأحاديث وردت في التحذير من آفات اللسان في ‏أوقات مخصوصة ، وهي إبّان نزول الكوارث والفتن ، والمصائب والمحن ‏، فإن وقع اللسان فيها أشدَّ وقعاً من السيف . ‏
‏* فمما ورد في ذلك : ماجاء عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنه ـ ‏قال : بينما نحن حول رسـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذْ ذكـــروا الفتنــة ‏، أو ذُكرتْ عنـــــده ، قال : (( إذا رايتم الناسَ قد مَرِجَتْ عهودُهم ، وخَـفَّت ‏أماناتُهم ، وكانوا هكذا )) ـ وشبك بين أصابعه ـ قال : فقمتُ إليه ، فقلت : ‏كيف أفعل عند ذلك ، جعلني الله فداك ؟ قال : (( الزم بيتك ، واملكْ عليك ‏لسانك ، وخُذْ بما تَعْرِفُ ، ودَعْ ماتُنْكِر، وعليك بأمر خاصةِ نفسك ، ودَع عنك أمرَ ‏العامة )) (‏ ‏) .‏
وشاهدنا من الحديث هو قوله : (( واملك عليك لسانك )) ومعناه : ‏احفظه وصنه ولا تجرّه إلا فيما لك لا عليك أو أمسكه عما لايعنيك (‏ ‏) .‏
وعن عبد الله بن عمرو ، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ‏‏(( تكون فتنة تَسْتَنْظِفُ العرب ، قتلاها في النار ، اللسان فيها أشدُّ من وقع السيف ‏‏)) (‏ ‏) . ‏
وقوله (( تَسْتَنْظِف العرب )) أي : تستوعبهم هلاكاً . يقال : استَنْظَفتَ ‏الشيء إذا أخذته كلَّه ، ومنه قولهم : استنظفت الخراج ، ولا يقال : نظَّفْتُه ‏‏(‏ ‏) .‏
‏ وقال القاري : ( أي تطهرهم من الأرذال وأهل الفتن ) (‏ ‏) .‏
وأما قوله : (( في النار )) أي : سيكونون في النار أو هم حينئذ في ‏النار لأنهم يباشرون مايـوجب دخولهـــم في النار ، كقــوله تعالى : { إِنَّ ‏الأَبــْرَارَ لَـفِـى نَعِيـمٍ } [ الانفطار : 13 ] . قال القاضي ـ رحمه الله ـ : ‏المراد بقتلاها من قتل في تلك الفتنة ، وإنما هم من أهل النار لأنهم ماقصدوا ‏بتلك المقاتلة والخروج إليها إعلاء دين أو دفع ظالم أو إعانة محق . وإنما ‏كان قصدهم التباغي والتشاجر طمعاً في المال والملك . ‏
ومعنى (( اللسان فيها أشد ...)) أي : وقعه وطعنه على تقدير مضاف ‏، ويدل عليه رواية : ( إشراف اللسان ) أي : إطلاقه وإطالته أشد من وقع ‏السيف ، لأن السيف إذا ضرب به أثَّر في واحد ، واللسان تضرب به في ‏تلك الحالة ألف نسَمَة (‏ ‏) . ‏
قـال القــرطبي ـ رحمه الله ـ : ( قوله : (( اللسان فيها أشد من وقع ‏السيف )) أي : بالكذب عند أئمة الجور ، ونقل الأخبار إليهم ، فربما ينشأ ‏عن ذلك من النهب والقتل والجلد والمفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من وقوع ‏الفتنة نفسها ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد ترجم الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ لهذا الحديث بقوله : ( ‏إشارة نبوية إلى أنه ستكون فتنة وقع اللسان فيها أشد من وقع السيف ) (‏ ‏) ‏‏.‏
‏* وعـــن ابن عمر ؛ قال : قال رسـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ‏‏(( إياكم والفتن . فإن اللسان فيها مثل وقع السيف )) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:10 PM
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قال : (( ستكون فتنة صَمَّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ من أشرف لها اسْتَشْرَفَتْ له ، ‏وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف )) (‏ ‏) .‏
وقد ذكر هذه الأحاديث كلها الخاصة باللسان وقت الفتنة القرطبي ـ ‏رحمه الله ـ مستشهداً بها ، وقد ترجم لها بقوله : ( باب ماجاء أن اللسان في ‏الفتنة أشد من وقع السيف ) (‏ ‏) . وتقدم نحو ذلك عن الحافظ ابن كثير ـ ‏رحمه الله ـ قبل أسطر قلائل .‏
ففي هذا الحديث الأخير يُخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه ستكون فتنة ‏، أي : ستحدث فتنة صماء بكماء عمياء ، يعني : بعمي الناس فيها ، فلا ‏يرون منها مخرجاً ويصمون عن استماع الحق ، أو المراد : فتنة لاتُسمع ‏ولاتُبصر ولاتُنطق ، فهي لفقد الحواس لاتقلع ولا ترتفع (‏ ‏) .‏
فوصفــت الفتنة بهذه الأوصاف بأوصاف أصحابها ، أي : لا يُسمع ‏فيها الحق ولا ينطق به ، ولا يتضـح الباطــل عن الحق ، فهم لايميــزون ‏فيها بين الحــق والباطل ، ولا يسمعون النصيحة والأمر بالمعروف والنهي ‏عن المنكر ، بل من تكلم فيها بحق أُوذي ووقع في الفتن والمحن .‏
ثم أخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن : (( من أشرف لها استشرفت له )) ‏أي : من اطّلع ينظر إليها جرّته لنفسها ، فالخلاص في التباعد منها ، ‏والهلاك في مقاربتها .‏
وأخـبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أيضا أن : (( اشراف اللسان فيها كوقوع ‏السيف )) أي : إطلاقه وإطالته بالكــلام يُعد كوقوع السيف في التأثير ‏والمحاربة ، وفي رواية : (( أشد من السيف )) (‏ ‏) .‏
قال ابن العربي (‏ ‏) : ( وجه كونه أشدّ : أن السيف إذا ضرب ‏ضربة واحدة مضت واللسان يضرب به في تلك الحالة الواحدة ألف نَسمة ، ‏ثم هذا يحتمل أنه اخبار عما وقع من الحروب بين الصدر الأول ، ويحتمل ‏أنه سيكون وكيفما كان فإنه من معجزاته لأنه اخبار عن غيب ) (‏ ‏) .‏
وفي ختام هذه الأحاديث ـ السالفة ـ في حفظ اللسان يتبين لنا أنها إنما ‏تُمثِّل إعجازا نبوياً ، فـهي لم تشمل الحقبة التي ظهرت فيها هذه الأحاديث ، ‏وهو عصر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وانما شملت كل زمان ومكان .‏
ونلحظ من واقع المسلمين اليوم أنهم في أمس الحاجة إلى التأدب بهذه ‏الآداب النبوية الكريمة التي تحث على حفظ اللسان ، وخاصة إبان الفتن ‏والشدائد .‏
ولا شك أن الإشاعة تُعَدُّ من أمضى الأسلحة التي يستعملها أعداء ‏الأمة ، لاختراق صفوفها ، والفتك بعضدها ، وتمزيق وحدتها ، وإذا كان ‏الأعداء في هذا العصر يُعطون للإشاعة أهمية كبرى ، وذلك من خلال ما ‏ينفقون عليها من أموال طائلة ، وبما يُجهِّزون لها من جيوش بشرية جَرّارة ‏، تعمل على نشر الإشاعات والترويج لها والتزيين لها ، وتقديمها للآخرين ‏في قالب النكتة ، أو في قالب الخبر المجرد البريء .‏
فهم يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة . وما فتئوا يبُثّون ‏الأقاويل الكاذبة والشائعات المرجفة . وما حادثة الإفك عن ذلك ببعيد ( فهي ‏تكشف عن شناعة الإشاعة وبشاعتها ، والتي تناولت بيت النبوة الطاهر ‏الكريم ، وعرض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكرم إنسان على الله ، ‏وعرض صديقه الصديق أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ أكرم إنسان على ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعرض رجل من الصحابة ـ صفوان بن ‏المعطل رضي الله عنه ـ يشهد رسول الله أنه لم يعرف عليه إلا خيرا ... ‏وهو يشغل المسلمين في المدينة شهراً من الزمان ... ‏
ذلك هو حديث الإفك الذي تطاول إلى ذلك المرتقى السامي الرفيع ، ‏والذي كلّف أطهر النفوس في تاريخ البشرية آلاماً لاتطاق ؛ وكلف الأمة ‏المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها الطويل ، وعلّق قلب ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقلب زوجه عائشة التي يحبها ، وقلب ‏أبي بكر الصديق وزوجه ، وقلب صفوان بن المعطل ... شهراً كاملاً ، ‏علقها بحبال الشك والقلق والألم الذي لايطاق .‏
كل ذلك بسبب تلك الإشاعة الخبيثة ، والغاية الدنيئة التي يبثها أعداء ‏الإسلام الحاقدون عليه .‏
وقد تولى كبر هذه الإشاعة الشنيعة ، وقاد حملتها ، واضطلع منها ‏بالنصيب الأوفى عبد الله بن أبي بن سلول . رأس النفاق ، وحامل لواء الكيد ‏‏. ولقد عرف كيف يختار مقتلا ، ولولا أن الله كان من ورائه محيطاً وكان ‏لدينه حافظاً ، ولرسوله عاصما ، وللجماعة المسلمة راعياً ... ولقد رُوي أنه ‏لما مرَّ صفوان بن المعطل بهودج أم المؤمنين وابن سلول في ملأ من قومه ‏قال : من هذه ؟ فقالوا : عائشة ـ رضي الله عنها ـ ... فقال والله مانجت منه ‏ولا نجا منها . وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ؛ ثم جاء ‏يقودها ! ‏
وهي قولة خبيثة ، وشائعة كاذبة بشعة ، راح يذيعها ـ عن طريق ‏عصبة النفاق ـ بوسائل ملتوية . بلغ من خبثها أن تموج المدينة بالفرية التي ‏لاتُصدق ، والتي تكذبها القرائن كلها . وأن تلوكها ألسنة المسلمين غير ‏متحرجين . وان تصبح موضوع أحاديثهم شهرا كاملاً . وهي الفرية ‏الجديرة بأن تُنفى وتستبعد للوهلة الأولى .‏
وإن الإنسان ليدهش ـ حتى اليوم ـ كيف أمكن أن تروج فرية ساقطة ‏كهذه في جو الجماعة المسلمة حينذاك . وأن تحدث هذه الآثار الضخمة في ‏جسم الجماعة ، وتسبب هذه الآلام القاسية لأطهر النفوس وأكبرها على ‏الإطلاق ) (‏ ‏) .‏
لـــذا فقد أمـــرنا الله ـ ســـبحانه وتعالى ـ بالتبين والتثبت عند ‏سمــاع أي نبأ أو خـــبر . فقـــال تعـــالى : { يَـــأَيـــَّــــهَـا الَّــِذيــنَ ‏ءَامَـنُـواْ إِن جَــاءَكُمْ فَــاسِـــقٌ بِـنَـبَـإٍ فَـتَـبَـيـَّنُــــواْ أَن تُـصِـيبُـواْ قَــوْمًا ‏بِـجــَـهَـــلَـــــٍة فَـتُـصْـبِحُـواْ عَـلَــــى مَـافَـعَـلْـتُــــمْ نَــــــــدِمِــينَ } [ ‏الحجرات : 6 ] .‏
وإن هذه الآية ( عامة ، وقاعدة أساسية هامة ، فعلى الفرد والجماعة ‏والدولة أن لايقبلوا من الأخبار التي تُنقل إليهم ولا يعملوا بمقتضاها إلاّ بعد ‏التثبت والتبين الصحيح ، كراهية أن يصيبوا فرداً أو جماعة بسوء بدون ‏موجب لذلك ولا مقتضٍ إلاّ قالَة سوء ، وفرية قد يريد بها صاحبها منفعة ‏لنفسه يجلب مصلحة أو دفع مضرة عنه . فالأخذ بمبدأ التثبت والتبين عند ‏سماع خبر من شخص لم يُعرف بالتقوى والاستقامة الكاملة والعدالة التامة ‏واجب صوناً لكرامة الأفراد وحمايةً لأرواحهم وأموالهم ) (‏ ‏) .‏
ولأنه قد يكون هذا الخبر الذي ذاع وانتشر في أوساط المسلمين ‏إشاعة مغرضة وقالة مفسدة ، يريد بها صاحبها الكيد والدّس للإسلام وأهله ‏، فإن الأعداء مافتئوا يبثون الأقاويل الكاذبة ، والشائعات المرجفة كيداً ‏للجماعة المسلمة .‏
وهذا التحذير كله من الله ـ سبحانه ـ إذا جاء الخبر عن طريق الفاسق ‏‏. فكيف إذا جاء من منافق معلوم النفاق كخبر حادثة الإفك الذي جاء عن ‏طريق رأس النفاق والمنافقين عبد الله بن أبي بن سلول حامل لواء الكيد ‏للإسلام والمسلمين .‏
هذا وليُعلم أن التحريَ والتثبت من الأخبار والأنباء المتناقلة على ‏الألسن إبّان حلول الفتن ، ووقت الحروب والمعارك أشد وآكد من أي وقت ‏آخر ، فإن الشائعات وقت الحروب والملاحم والفتن خطرها أعظم ‏وضررها وفتكها أكبر .‏
فلــذا ( أخبر ـ سبحانه وتعالى ـ عن أولئك المرضى بمرض النفاق ‏ناعياً عليهم إرجافهـم وهزائمهم المعنوية فقـال : { وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْـرٌ مِّنَ ‏الأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِـــهِ } [ النساء : 83 ] ، أي : إذا وصل من ‏سرايا الجهاد خبر بنصر أو هزيمة سارعوا بإفشائه وإذاعته ، وذلك عائد ‏إلى مرض قلوبهم ، لأن الخبر وأطلق لفظ الأمر لأن حالة الحرب غير حالة ‏السلم ، إذا كان بالنصر المعبّر عنه بالأمن فهم يُعلنونه حسداً أو طمعاً ، وإذا ‏كان بالهزيـمة المُعبَّــر عنها بالخوف يُعلنونه فزعاً وخوفاً لأنهم جبناء . ‏
ثم قال تعالى : ـ في بقية الآية ـ في تعليمهــم وتعليــم غيرهم ماينبغي ‏أن يكون عليه المجاهدون في حال الحرب : { وَلـَـوْ رَدُّوهُ إِلَــى ‏الرَّسُـــــولِ } أي : القائد الأعلى ، { وَإِلَــى أُوْلِى الأَمْرِ مِـنْـهُــمْ } وهم ‏أُمراء السرايا المجاهدة { لَعَـلِمَـهُ الَّـذِيـنَ يَسْـتَنـبِطُـونَهُ مِنْهُـمْ } أي : ‏لاستخرجوا سرَّ الخبر وعرفوا مايترتب عليه ، فإن كان نافعاً أذاعوه ، وإن ‏كان ضاراً أخفوه ) (‏ ‏) .‏
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ عند تفسير هذه الآية : ( وقوله : { وَإِذَا ‏جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ } إنكار على من يبادر إلى ‏الأمور قبل تحققها ، فيخبر بها ويفشيها وينشرها ، وقد لايكون لها صحة ، ‏وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه ... عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن ‏النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ماسمع )) ‏‏(‏ ‏) ، وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ (( نهى عن قيل وقال ....)) (‏ ‏) ، أي : الذي يُكثر من الحديث ‏عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبين . وفي الصحيح : (‎( من ‏حدّث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذِبِين )) (‏ ‏) .‏
ولنذكر ههنا حديث عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ المتفق على ‏صحته حين بلغه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ طلّق نساءه ، فجاء ‏من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك فلم يصبر حتى ‏اسـتأذن على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستفهمه أطلّقت نساءك ؟ فقال : ‏‏(( لا )) . فقلت : الله أكبر ....وذكر الحديث بطوله . وعند مسلم : فقلت : ‏أطلقتهن ؟ فقال : (( لا )) . فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي : ‏لم يُطَلِّق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نساءه ، ونزلت هذه الآية : { ‏وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلـــَـوْ رَدُّوهُ إِلَـــى ‏الرَّسُــــــولِ وَإِلَــى أُوْلــِــى الأَمــْـــرِ مِــــنْـهُــمْ لَعَـلِمَـهُ الَّـــــِذيـنَ ‏يَسـْــتَــنـبِطُـونَـــهُ مِنْـــهُـمْ } [ النساء : 83 ] ، فكنت أنا استنبطتُ ذلك ‏الأمر (‏ ‏) . ومعنى يستنبطونه : أي : يســتخـرجونه من معادنـــه ، يُقال ‏استنبـــط الرجل العين إذا حفرهــا واستخرجهــا من قعورهـــا ... ) (‏ ‏) ا ‏هـ كلام ابن كثير ـ رحمه الله ـ .‏
ثم قال تعالى في عجز الآية : { وَلَـوْلاَ فَـضْــلُ اللهِ عَـلَـيْـكُمْ ‏وَرَحْـمَـتُـهُ } أيها المؤمنون { لاَتَّـبَـعْـتُـمُ الشَّـيْـطَـــــنَ } في قبول تلك ‏الإشاعات المغرضة والإذاعات المُـثَـبِّطَة { إِلاَّ قَـلِـيـلاً } منكم من ذوي ‏الآراء الصائبة والحصافة العقلية ، إذْ مثلهم لاتُثـــيرهم الدعــاوي ولا ‏تغيرهــم الأراجيــف ، ككبــــار الصحابة من المهــاجرين والأنصار ـ ‏رضي الله عنهم أجمعين ـ (‏ ‏) .‏
‏( والصورة التي يرسمها هذا النص ، هي صورة جماعة في ‏المعسكر الإسلامي ، لم تألف نفوسهم النظام ، ولم يدركوا قيمة الإشاعة في ‏خلخلة المعسكر ؛ وفي النتائج التي تترتب عليها ، وقد تكون قاصمة ؛ لأنهم ‏لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث ؛ ولم يدركوا جدية الموقف ، وأن كلمة ‏عابرة وفلتة لسان ، قد تجرُّ من العواقب على الشخص ذاته ، وعلى ‏جماعته كلها مالا يخطُر له ببال ؛ وما لايتُدارك بعد وقوعه بحال ! أو ـ ‏ربما ـ لأنهم لايشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر ؛ وهكذا ‏لايعنيهم مايقع له من جرَّاء أخذ كل شائعة والجري بها هنا وهناك ، ‏وإذاعتها ، حين يتلقاها لسان عن لسان . سواء كانت إشاعة أمن أو إشاعة ‏خوف .... فكلتاهما قد يكون لإشاعتهما خطورة مدمّرة ! فإن إشاعة أمر ‏الأمن مثلاً في معسكر متأهب مستيقظ متوقع لحركة من العدو ... إشاعة ‏أمر الأمن في مثل هذا المعسكر تُحدِثُ نوعاً من التراخي ـ مهما تكن ‏الأوامر باليقظة ـ لأن اليقظة النابعة من التحفز للخطر غير اليقظة النابعة ‏من مجرد الأوامر ! وفي ذلك التراخي قد تكون القاضية !...‏
كذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن لقوته ، ثابت الأقدام ‏بسبب هذه الطمأنينة ، وقد تُحدث إشاعة أمر الخوف فيه خلخلة وارتباكاً ، ‏وحركات لاضرورة لها لارتقاء مظان الخوف .. وقد تكون كذلك القاضية !‏
وعلى أية حال فهي سمة المعسكر الذي لم يكتمل نظامه ، أو لم يكتمل ‏ولاؤه لقيادته ، أو هما معاً .. ويبدو أن هذه السمة وتلك كانتا واقعتين في ‏المجتمع المسلم حينذاك ؛ باحتوائه على طوائف مختلفة المستويات في ‏الإيمان ، ومختلفة المستويات في الإدراك ، ومختلفة المستويات في الولاء ‏‏.... وهذه الخلخلة هي التي كان يعالجها القرآن بمنهجه الرباني .‏
والقرآن يدل الجماعة المسلمة على الطريق الصحيح :‏
‏{ وَلــــَـوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُـــولِ وَإِلَــى أُوْلِى الأَمْرِ مِـنْـهُــمْ ‏لَعَـلِــمَـهُ الَّــــِذيـنَ يَسْـتَـنبِـطُـونَـهُ مِـنْـهُـمْ } [ النساء : 83 ] . أي : لو ‏أنهم ردّوا مايبلغهم من أنباء الأمن أو الخوف إلى الرسول ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ إن كان معهم ، أو إلى أمرائهم المؤمنين ، لَعَلِمَ حقيقته القادرون على ‏استنباط هذه الحقيقة ؛ واستخراجها من ثنايا الأنباء المتناقضة ، والملابسات ‏المتراكمة .‏
فمهمة الجندي الطيب في الجيش المسلم ، الذي يقوده أمير مؤمن ـ ‏بشرط الإيمان ذاك وحدّه ـ حين يبلغ إلى أذنيــه خبر ، أن يســـارع فيُخبر به ‏نبيه أو أميره ، لا أن ينقله أو يذيعه بين زملائه ؛ أو بين من لاشــأن لهم به . ‏لأن قيادتـه المؤمنة هي التي تملك استنباط الحقيقة ، كما تملك تقدير ‏المصلحة في إذاعة الخبر ـ حتى بعد ثبوته ـ أو عدم إذاعتـــه .... ) (‏ ‏) .‏
هذا ومن خلال ماتقدم من الكلام على هذه الآية التي تُبين خطورة ‏اللسان واستعماله في الإشاعات وإذاعة الأنباء والأخبار وتناقلها على ألسنة ‏الناس دون ردِّ الخبر إلى أولي الأمر ونحوهم من أهل المعرفة ، من خلال ‏ذلك كله يُستفاد من الآية : ( تقرير مبدأ أن أخبار الحرب لاتُذاع إلاّ من قِبل ‏القيادة العليا حتى لايقع الاضطراب في صفوف المجاهدين والأمة كذلك ) ‏‏(‏ ‏) .‏
ثم ليُعلم أن للقول ـ اللسان ـ والعمل في زمن الفتن ضوابط يُضبطان ‏بها ، فليس كل مقالة تبدو حسنةً تُعلن وتَظهر ، وكذلك ليس كل فعل يبدو ‏حسناً يُفعل ، لأن القول والفعل إبّان الفتنة يترتب عليهما أشياء وأشياء .‏
فلا غــرْوَ أن نســـمع أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ يقــول : ( حفظت ‏من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعاءيــن : فأمّا أحدهمــا فبثثتُهُ ، ‏وأمـــا الآخـــر فلو بثثتُه قُطع هذا البُلْعُـــوم ) (‏ ‏) .‏
والبُـلْـعُـوم : ـ بضم الموحدة ـ مجرى الطعام ، وقد كنّى بذلك عن ‏القتل ، وفي رواية : ( لقطع هذا ) يعني رأسه ، وحمل العلماء الوعاء الذي ‏لم يبثُه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم ‏، وقد كان أبو هريرة يُكني عن بعضه ولا يُصرّح به خوفاً على نفسه منهم ‏، كقوله : ( أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان ) يُشير إلى خلافة ‏يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة . واستجاب الله دعاء أبي ‏هريرة فمات قبلها بسنة (‏ ‏) .‏
فأبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ كتم الأحاديث التي في الفتن ، ‏والأحاديث التي في بني أمية ونحو ذلك من الأحاديث ، ككتمه لأسماء ‏الأُغَيْلمة السُّفهاء الذين يكون هلاك الأمــة على أيديهــم ، فقــد قـال ـ رضي ‏الله عنه ـ : سمعت الصـادق المصدوق يقول : (( هلكةُ أمتي على يدَي غِلْمَةٍ ‏مـــن قريش )) .... ثم قال أبــــو هريرة : لو شئت أن أقــول بني فلان ، بني ‏فلان لفعلت ) (‏ ‏) . وفي روايــة : إن شئْت أن أُسَمِّيَهُمْ ، وبني فلان ، ‏وبـــني فـــلان ) (‏ ‏) .‏
فأبو هريرة هو راوي هذا الحديث ، ويعلم أسماء أولئك الأُغيلمة ‏بأنهم من بني فــلان وفــلان ، ومــع ذلك كله كتـم أسماءهم خشــية الفتنة ، ‏وخشية على نفسه منهم ـ أيضاً ـ كما قد تقدم قريباً أنه حفظ من الرسول ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ وعاءين : بثَّ أحدُهما وأخفى الآخر ، لأنه لو بثه ‏لقُطِع بُلعومه كناية عن قتله ـ كما تقدم قريباً ـ وأنه كان يكني عن بعض ‏ماكتمه ولم يبثه ، ولا يُصرح به خوفاً على نفسه منهم . فقد استعاذ من رأس ‏سنة ستين ، ومن إمارة الصبيان ، وكأنه يشير بذلك إلى إمارة يزيد بن ‏معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة ـ كما تقدم من كلام الحافظ ـ وقد ‏ذكر الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ أنّ أول أولئــك الغلمان المشــار إليهــم ‏في حديث أبي هريرة هو يزيد بن معاوية ، واســـتدل على ذلك بقول أبي ‏هريــرة : ( اللهم لاتدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان ) فإن يزيــد كان ‏غالباً ينتــزع الشــيوخ من إمارة البلدان الكبار ويوليها الأصاغر من اقاربه ‏‏(‏ ‏) .‏
فأبو هريــرة ـ رضي الله عنه ـ كتــم الوعـــاء الآخر الذي حفظــه ‏من رســـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يبثه ، بل حفظ لسانه وكفه من ‏إشاعته درءاً للمفسدة وخشية الفتنة ، علماً بأنه قال هذا الكلام في زمن ‏معاوية ـ رضي الله عنه ـ ، ومعاوية قد اجتمع الناس عليه بعد فرقة وقتال ـ ‏معلوم في التاريخ ما حصل فيه ـ فأبو هريرة كتم الوعاء الآخر ولم يبثه في ‏ذلك الزمن ، وكتم ـ أيضاً ـ بعض الأحاديث الأخرى التي ليست من الأحكام ‏الشرعية ، كل ذلك لأجل ألاّ تكون فتنة بين الناس ، فهو ـ رضي الله عنه ـ ‏لم يقل : إن رواية الحديث وقوله حق ولا يجوز كتمان العلم ، لم يقل ذلك ‏لأن كتم العلم في مثل ذلك الوقت ـ وقت الفتن ـ الذي تكلم فيه أبو هريرة لابد ‏منه جلباً للمصلحة ودرءً للمفسدة ، لكي لايتفرق الناس شذَر مذَر بعد أن ‏اجتمعوا في عام الجماعة على معاوية بن ابي سفيان ـ رضي الله عنه ـ ‏وصنيع أبي هريرة هذا يدل على حكمته وحصافته وفطنته ـ رضي الله عنه ‏ـ حيث حفظ لسانه زمن الفتنة بُغية اجتماع الأمة وعدم افتراقها .‏
وهذا ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ يبين أنه لاينبغي للمسلم الفطن ‏الحصيف أن يطلق للسانه العنان فيحدث الناس بأحاديث وأمور لاتبلغها ‏عقولهم فتكون لبعضهم فتنة ، فيقول ـ رضي الله عنه ـ : ( ماأنت بمُحــدِّثٍ ‏قومــاً حديثاً لاتبلُغُهُ عُقُولُهــمْ ، إلا كان لبعضهــم فتنــة ) (‏ ‏) .‏
وفي ختام هذا المبحث يتبين لنا جلياً مالحفظ اللسان من أهمية بالغة ‏لاسيما زمن الفتنة ، فحفظه وقتها قد يكون حفظاً للأمة الإسلامية من ‏كوارث وبلايا .‏
‏ جعلنا الله ممن يحفظ لسانه ولا يطلقه إلاّ بخير إنه سميع مجيب‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:11 PM
المبحث الأول
‏{ الآيات القرآنية التي تحث على الجماعة وتأمر بها }‏
‏= = = = = = = = = = = = = ‏

إن من المخرج والخلاص عند حدوث الفتن والحوادث لزوم جماعة ‏المسلمين . والجماعة ليست بالكثرة ، ولكن من كان على منهج أهل السنة ‏والجماعة فهو الجماعة .‏
وقد وردت في الكتاب الكريم آيات تأمر المؤمنين وتحثهم على لزوم ‏الجماعة والائتلاف ، وتبين لهم أن الأمة الإسلامية أمة واحدة . وقد أكد ‏القرآن هذه الحقيقة في مواضع عدة .‏
ثم إن لأصل لزوم الجماعة عدة شروط يجب مراعاتها ، وضوابط ‏يلزم تحقيقها ، ولاسبيل إلى تحقيق هذه الغاية العظيمة إلا بمراعاة تلك ‏الضوابط والشروط .‏
وقد بينت الآيات تلك الشروط والضوابط ، ومن ذلك : إقامة الدين كله ‏بتوحيد الله تبارك وتعالى ، واجتناب الشرك بأنواعه .‏
ومن ذلك أيضاً : الحث على الأخوة الإيمانية ، والأمر بالتعاون على البر ‏والتقوى . وقد استنبط العلماء ـ رحمهم الله ـ من هذه الآيات المقومات ‏الصحيحة لاجتماع المسلمين وتآلفهم.‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:11 PM
وفيما يلي ذكر الأدلة من القرآن الكريم على وجوب لزوم ‏الجماعة :‏
‏1 = قوله تعالى : { يَــأَيـــُّـهَا الَّذِيــنَ ءَامَنُـــــواْ اتَّقُــواْ اللهَ حَـقَّ ‏تُـقَاتِــهِ وَلاَ تَمُـوتــُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَــبْلِ اللهِ ‏جَمِيعَاً وَلاَ تَفَرَّقُو اْ } [آل عمران: 102 ـ 103] . تقدم تفسير هذه الآية ‏‏(‏ ‏) بما يغني عن الإطالة فيها ، ولايمنع من تلخيصها هنا.‏
فالشاهد من الآية قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُواْ بِحَــبْلِ اللهِ جَمِيعَاً } ‏وتقدم أن ابن مسعود قال فيها ( الجماعة ) . وقيل القرآن ، والإخلاص لله ‏وحده ، والإسلام .‏
وتقدم أيضاً أن هذه الأقوال مؤداها واحد ، فالإعتصام بالقرآن ، ‏والإخلاص لله وحده والتمسك بالإسلام كلها مما ينتج عنه تآلف المسلمين ‏واجتماعهم وتماسكهم ، وترابط مجتمعهم .‏
‏2 = قوله تعالى : { إِنَّـمـَا الْـمُـؤْمِـنُـونَ إِخْـوَةٌ } [ الحجرات : 10 ‏‏] . فهذه الآية الكريمة دلت على أصل من أصول الإسلام وهو التآخي ‏والتحابب في الله الذي ينتج عنه اجتماع المســلمين وائتلافهم ، وتُقرر ‏الأخوة الإسلامية (‏ ‏) ، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان من أول الأعمال ‏التي قام بها بعد هجرته إلى المدينة هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ‏لأن ذلك له عظيم الأثر في اجتماع المسلمين وترابطهم .‏
وفي ذلك يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( لايؤمن أحدكم حتى ‏يحب لأخيه مايحب لنفسه )) (‏ ‏) .‏
وقد جعل ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحب في الله والتآخي من أوثق ‏عُرى الإيمان فقال : (( أوثق عُرى الإيمان الموالاة في الله ، والمعاداة في الله ، ‏والحب في الله والبغض في الله )) (‏ ‏) .‏
وعدَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحب في الله من الأسباب التي يجد بها ‏المؤمن حلاوة الإيمان ، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قال : (( ثلاث مــن كُنَّ فيـــه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ‏ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لايحبه إلاّ لله ، وأن يكره أن يعود ‏في الكفر بعد أن أنقذه منه كما يكره أن يُقذف في النار )) (‏ ‏) .‏
والواقع أن كثيراً من المسلمين اليوم قد أخلّوا بأمر الإلتزام بالجماعة ‏وهم في أشد الحاجة إليه لاسيما زمن الفتنة والمحنة ، فإن من موقف المسلم ‏تجاهها أن يلتف حول الجماعة لاسيما العلمـاء الموثوق بهم . وما حصل ‏للمسلمين اليوم من تفرق وضعف وهوان ... هو نتيجة للإخلال بهذا المبدأ ‏العظيم المرغَّب فيه في الكتاب والسنة .‏
‏3 = قوله تعالى : { وَالْـمـُـؤْمِـنُــونَ وَالْـمُـؤْمِـنَــــــتُ بَـعْـضُـهُمْ ‏أَوْلِـيَــــآءُ بَـعْـضٍ } [ التوبة : 71 ] . تقرر هذه الآية الكريمة مبدأ ( الولاء ‏‏) بين المؤمنين والمؤمنات وهو مبدأ أوسع من المبدأ السابق الذي هو ‏التآخي . وما التآخي إلاّ جزء من الولاء (‏ ‏) ، ويتحقق التآخي والولاء ‏باجتماع المسلمين وتآلفهم والتفافهم حول علمائهم لاسيما زمن الفتن .‏
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ عند تفسيره هذه الآية : ( أي : يتناصرون ‏ويتعاضدون كما جاء في الصحيح : (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ‏‏)) وشبك بين أصابعه (‏ ‏) ، وفي الصحيح أيضا : (( مثل المؤمنيــن فــي توادّهم ‏وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسـد بالحمى ‏والسهر)) (‏ ‏) ) (‏ ‏) انتهى.‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:12 PM
المبحث الثاني
‏{ الأحاديث الدالّة على وجوب لزوم جماعة المسلمين }‏
‏= = = = = = = = = = = = =‏

‏ وأما الأحاديث الدالة على ذلك فهي كثيرة نذكر منها مايلي :‏
أولاً : عن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ قال : كان الناس ‏يسألون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الخير وكنت أسأله عن الشر ‏مخافة أن يدركني ، فقلت : يارســـول الله ! إنّا كنا في جاهليـة وشــر فجاءنا ‏الله بهــذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال : (( نعم )). قلت : وهـل ‏بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : (( نعم وفيه دَخَـــنْ )) ، قلت : وما دَخَنـه ؟ ‏قال : (( قوم يهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر )) ، قلت : فهل بعد ذلك ‏الخير من شر ؟ قال : (( نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ‏‏)) ، قلت : يارسول الله ! صفهم لنا . قال : (( هم من جلدتنا ويتكلمــون ‏بألســنتنا )) ، قلت : فمــا تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : (( تلزم جماعــة ‏المســلمين وإمامهـــم )) . قلت : فإن لم يكن لهم جماعــة ولا إمــام ؟ قال : (( ‏فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ‏ذلك )) (‏ ‏) .‏
يرشد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث إلى الطريق ‏الصحيح إذا لم تقم الجماعة . وبهذا ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث فقال ‏‏: ( باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ) (‏ ‏) . وشرح المراد بترجمته ‏الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ فقال : ( والمعنى : ماالذي يفعل المسلم في ‏حال الإختلاف من قبل أن يقع الإجماع على خليفة ) (‏ ‏) .‏
والدَخَن المذكور في الحديث ـ بالمهملة ثم المعجمة المفتوحتين ‏بعدهما نون ـ هو: الحقد ، وقيل : الدَّغَل ، وقيل : فساد في القلب ، ومعنى ‏الثلاثة متقارب ، يشير إلى أن الخير الذي يجيء بعد الشر لايكون خيراً ‏خالصاً بل فيه كدر . وقيل المراد بالدخن : الدخان ، ويشير بذلك إلى كدر ‏الحال ، وقيل الدخن : كل أمر مكروه ) (‏ ‏) اهـ .‏
والظاهر ـ والله أعلم ـ أن القول الأخير الذي ذكره ابن حجر وهو أن ‏الدخن كل أمر مكروه ، قول وجيه جميل وهو أعم من الأقوال التي قبله ‏فيشملها كلها لأن فساد القلب والحقد والدغل أمور مكروهة .‏
وقد لخص النووي ـ رحمه الله ـ هذا الحديث بأوجز عبارة حينما ‏ترجم وبوّب له فقال : ( باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور ‏الفتن وفي كل حال ، وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة ) (‏ ‏) .‏
ثم ذكر المراد بقولـــه : (( دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه ‏فيها )) ( بأن هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر ، ‏كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة ، وفي حديث حذيفة هذا لزوم ‏جماعة المسلمين وإمامهم ووجوب طاعته وإن فسق وعمل المعاصي من ‏أخذ الأموال وغير ذلك ، فتجب طاعته في غير معصية . وفيه : معجزات ‏لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهذه هي الأمور التي أخبر بها ، وقد ‏وقعت كلها ) (‏ ‏) .‏
ونقل ابـن حجـــر ـ رحمه الله ـ قول ابن بطال في أثناء شـرحه ‏للحديث فقال : ( قال ابن بطال : فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم ‏جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور ) .‏
ثم جاء بقول الطبري بأن الصواب أن المراد من الخبر لزوم ‏الجماعة ، ثم ساق كلامه في ذلك إلى أن ذكر مسألة العزلة عند الافتراق ‏والفتن (‏ ‏) . وسيأتي الكلام عليها في الفصل القادم إن شاء الله .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:14 PM
إذاً يتلخص لنا من كلام العلماء على حديث حذيفة بأنه أفاد عدة ‏أمور منها :‏
‏1 = أهمية ملازمة جماعة المسلمين وخاصة عند الفتن .‏
‏2 = التحذير الشديد من الخروج على الأئمة .‏
‏3 = اعتزال الناس عند التفرق وغياب الإمام والجماعة .‏
ثانياً : عن أبي هريـرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قـال : (( إن الله يرضى لكم ثلاثاً ، أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأن ‏تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم )) (‏ ‏) .‏
الشاهد من الحديث قوله : (( وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ‏‏)) . وقد تقدم الكلام على هذا وعلى الاعتصام عموماً بالتفصيل (‏ ‏) .‏
وأن النــــووي ـ رحمـه الله ـ قـــال عنـــد قولـــه ـ صلــى الله ‏عليــه وسـلم ـ (( ولا تفرقوا )) : ( فهو أمر بلزوم جماعة المســـلمين وتآلف ‏بعضهم ببعض ، وهذه إحدى قواعــد الإســلام ....) ا هـ .‏
ونلاحظ من كلام النووي هذا أنه جعل الاجتماع على الحق من قواعد ‏الإسلام العظمى ، وهذا ينبني على ماجــاء في هــذا الحديث الصحيـح ‏الســابق . الذي أصَّلَهُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .‏
ثالثاً : وجـاء في آخـر حديـث أنـس بن مالك أن رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قال : (( .... ثلاث لايغل عليهن صدر مسـلم ، إخلاص العمل لله عز ‏وجل ومناصحة أولي الأمر ، ولــزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ‏ورائهم )) (‏ ‏) .‏
ففي هذا الحديث التصريح بلزوم جماعة المسلمين الذي ينبثق من ‏أخوة الإسلام ، وبذلك يحصل التآلف والتراحم ووحدة الكلمة والصف ، في ‏وقت الفتن وغيرها .‏
رابعاً : وورد في آخر حديث عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ قال : (( .... فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ، فإن ‏الشيطان مع الواحد ومن الإثنين أبعد ، فمن ســّرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ‏‏)) (‏ ‏) .‏
وهذا أيضاً فيه صريح العبارة بالأمر بلزوم جماعة المسلمين ، وأن ‏الإنسان يقرب منه الشيطان إذا كان لوحده ، وهو من الاثنـين أبعـد ، وإنما ‏يأكل الذئب من الغنم القاصية ، ومن شذ شذّ في النار .‏
ولقد ذكر هذا الحديث الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ وتكلم عليه بكلام ‏غاية في النفاسة والعذوبة ، حيث قال : ‏
‏( قال : فما معنى أمر النبي بلزوم جماعتهم ؟
قلـت : لامعنى له إلاّ واحد .‏
قــال : فكيف لايحتمل إلاّ واحداً ؟
قلت : إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدِرُ أحدُ أن يلزم ‏جماعة أبدانِ قومٍ متفرقين ، وقد وُجِدَت الأبدان تكون مجتمعةً من المسلمين ‏والكافرين والأتقياء والفُجَّار ، فلم يكن في لزوم الأبدان معنىً ، لأنه لايمكن ‏، ولأن اجتماع الأبدانِ لايصنع شيئاً ، فلم يكن للُزوم جماعتهم معنىً ، إلاّ ‏ماعليهم جماعتُهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما .‏
ومن قال : بما تقول به جماعةُ المســلمين فقد لـزم جماعتَهم ، ومن ‏خالفَ ماتقول به جماعــةُ المســلمين فقــد خالف جماعتهم التي أُمر ‏بلزومهــا ، وإنما تكون الغفلة في الفرقة ، فأمّا الجماعةُ فلا يمكن فيهــا كافةً ‏غفلةٌ عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء الله ) (‏ ‏) انتهى .‏
ويفهم من كلام الشافعي هذا ـ رحمه الله ـ : أن المقصود بلزوم ‏جماعة المسلمين أن يتحقق في الشخص أمران : ‏
الأول : أن يتبع ماعليه جماعتهم من التحليل والتحريم . وهذا خاص ‏بأمر الأحكام والمعاملات .‏
الثاني : أن يقول بما تقول به جماعتهم . وهذا خاص بأمر الاعتقاد . ‏والله أعلم(‏ ‏).‏
خامساً : عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( إن الله لايجمع أمتي على ضلالة ، ويد الله مع ‏الجماعة ، ومن شذَّ شذّ إلى النار )) (‏ ‏) .‏
أفاد الحديث بأن هذه الأمة لايمكن بحال أن تجمع على الضلال ‏والباطل . قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ : ( .... فأما الجماعة فلا يمكن ‏فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء الله ) (‏ ‏) .‏
ثم ليُعلم أن المراد بالإجماع هنا هو إجماع العلماء .‏
قال المباركفوري عند شرحه للحديث : ( الحديث يدل على أن ‏اجتماع المسلمين حق ، والمراد إجماع العلماء ولا عبرة بإجماع العوام لأنه ‏لايكون عن علم ) (‏ ‏).‏
وأما قوله : (( ومن شذ شذ إلى النار )) أي : من انفرد عن الجماعة ‏باعتقاد أو قول أو فعل لم يكونوا عليه انفرد في النار . ومعناه : انفراده عن ‏أصحابه الذين هم أهل الجنة وأُلقي في النار .‏
والحديث استُدل به على حجية الاجماع (‏ ‏) .‏
إذاً مما سبق في الحديث الخامس هذا لابن عباس يتلخص لنا عدة ‏أمور وضوابط :‏
الأول : أن المراد بالاجتماع إجماع العلماء .‏
الثانـي : أن العوام تبع للعلماء ويجب عليهم ذلك وعدم الخروج ‏عليهم في إجماعهم .‏
الثالث : تحذير النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مفارقة الجماعة ‏بقوله : (( ومن شذ شذّ إلى النار )) .‏
الرابع : بشرى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن لازم الجماعة ، ‏وهذا مأخوذ من عبارتين في الحديث هما :‏
أ ـ قوله (( يد الله مع الجماعة )) وهذا بمفهوم الموافقة وصريح ‏العبارة .‏
ب ـ قوله : (( ومن شذ شذّ في النار )) وهذا بمفهوم المخالفة ، ‏فكأنه قال : ومن لم يشذ فهو في الجنة ، بل جاء التصريح بذلك ـ في الحديث ‏الرابع قريباً ـ من حديث عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قال : (( .... فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة )) .‏
سادساً : عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( الجماعة رحمة والفرقة عذاب )) (‏ ‏) .‏
فقعّد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث للأمة قاعدة من ‏أهم قواعد الإسلام فالاجتماع رحمة ونعمة عظمى ، والفرقة عذاب ومقت ‏وهلاك . ونلحظ جميعاً مصداق النبوة في ذلك فمتى اجتمع المسلمون ‏تراحموا وتآلفوا ، والعكس بالعكس .‏
وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة التي قرّرها الإمام الطحاوي ـ ‏رحمه الله ـ فقال : ( ونرى الجماعة حقاً وصواباً ، والفرقة زيغاً وعذاباً ) ‏‏(‏ ‏) .‏
والحاصل من هذا الفصل كله : أنه يجب الالتــزام بجماعـة أهل ‏السنة والجماعة . الالتزام بأقوالهم ، وعدم الخروج عن قواعدهم ‏وضوابطهم ، ولا عمّا قرره علماؤهم ، لأنهم يعلمون من أصول السنة ‏والجماعة ، ومن الأدلة الشرعية مالا يعلمه كثير من الناس لأن لهم علماً ‏راسخاً ، ونظراً صائباً ، وقدماً راسخة في العلم .‏
فهذا ـ مثلاً ـ عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ كان حكيماً ملتزماً ‏بأمر الجماعة مبتعداً عن التفرق حينما تابع عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ‏ـ في إتمام الصلاة في منى مع أنه كان يقول بأن السنة القصر فيها ، فوافق ‏عثمان لتجتمع الكلمة ولا تفترق وقال حينما سئل عن ذلك : ( الخلاف شر ‏‏....) . وقد تقدم (‏ ‏) التفصيل في قصة عثمان هذه وما يتعلق بها من الفرقة ‏والاجتماع .‏
ولا يفوتني في نهاية هذا الفصل أن أذكر كلاماً نفيساً فريداً من نوعه ‏لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ حيث قال : ( سبب الاجتماع والألفة ‏جمع الدين ، والعمل به كله ، وهو عبادة الله وحده لاشريك له ، كما أمر به ‏باطناً وظاهراً .‏
وســـبب الفرقـة : ترك حظ مما أمر العبد به ، والبغي بينهم .‏
ونتيجة الجماعة : رحمة الله ورضوانه ، وصلواته ، وسعادة الدنيا ‏والآخرة ، وبياض الوجوه .‏
ونتيجــة الفرقــة : عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول ‏منهم ) (‏ ‏). والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:15 PM
الفصل الثالث


إن موضوع العزلة غاية في الأهمية ، فهو خطير جدُّ خطير ، إذا لم ‏تُعرف أحكامه وحِكَمُه ، وأوقاته وآثاره ، وايجابياته وسلبياته ......‏
ثم إنه يجب القصد والاعتدال في الخلطة والعزلة ، وهذا ما مثَّل به ‏الإمام الخطابي ـ رحمه الله ـ خلاصة رأيه في العزلة ، ـ وهو من رواد هذا ‏الموضوع إن لم يكن رائده ـ حيث قال :( .... فإن الإغراق في كل شيء ‏مذموم ، وخير الأمور أوسطها ، والحسنة بين السيئتين . وقد عاب رسول ‏الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الإغراق في عبادة الخالق عز وجل ، والحملَ ‏على النفس منها مايؤُودُها ويكلُّها ، فما ظنُّك بما دونها من باب التخلُّق ‏والتكلُّف ) (‏ ‏) .‏
ثم استشـهد ـ رحمه الله ـ علــى ذلك بــحديث جابر ـ رضي الله ‏عنـه ـ قال: قال رســـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إنّ هذا الدين متينٌ ، ‏فأَوْغِل (‏ ‏) فيه برفق ، ولاتبغض الى نفسك عبادة الله ، فإن المُنْبَتَّ (‏ ‏) لا أرضاً قطع ‏، ولا ظهراً أبْقى )) (‏ ‏) .‏
وجاء عن علي بن غنَّام قوله : ( كلا طرفي القصد مذموم ) (‏ ‏) .‏
وقد نصح الخطابي ـ رحمه الله ـ بالتسامح والبعد عن المغالاة في ‏الأمور ، فأنشد قائلاً :‏
تسامَحْ ولا تَسْتَوْفِ حقَّــك كُلـَّــهُ ‏ وأبْقِ فَلَمْ يستَوْفِ قـــطُّ كريــــمُ‏
ولا تَغْلُ في شيء من الأمر واقْتَصِد ‏ كلا طرَفَيْ قَصْدِ الأمور ‏ذميمُ (‏ ‏) ‏
ثم لخص ـ رحمه الله ـ الطريقة المثلى في هذا الباب فقال : ( ‏والطريقة المثلى في هذا الباب ألاّ تمتنع من حقّ يلزمك للناس وإن لم ‏يطالبوك به ، وألاّ تنهمك لهم في باطل لايجب عليك وإن دعَوْكَ إليه . فإن ‏من اشتغل بما لايعنيه فاته مايعنيه ، ومن انحلّ في الباطل جمد عن الحق . ‏فكن مع الناس في الخير ، وكُن بِمَعْزلٍ عنهم في الشرِّ ، وتوخَّ أن تكون فيهم ‏شاهداً كغائب ، وعالماً كجاهل ) (‏ ‏) .‏
وعن وُهَيْب بن الوَرْد (‏ ‏) قال : قلت لوهب بن مُنَبِّه (‏ ‏) إني أريد أن ‏أعتزل الناس ، فقال لي : لابدَّ لك من الناس وللناس منك ؛ لك اليهم حوائِج ‏، ولهم إليك حوائج ولكن كُن فيهم أصمَّ سميعاً ، أعمى بصيراً ، سكوتاً ، ‏نطوقاً (‏ ‏) .‏
ولأكْثَم بن صَيْفيِّ (‏ ‏) قول غاية في النفاسة ، حيث قال : ( ‏الانقباض عن الناس مكسبةٌ للعداوة ، ومعرفتهم مكسَبَةٌ لقرين السوء ، فكن ‏للناس بين المنقبض والمقارب ، فإن خير الأمور أوساطها ) (‏ ‏) .‏
وقال وهب بن منبه : ( إني وجدت في حكمة آل داود : حقٌ على ‏العالم ألاّ يُشغل عن أربع ساعات ، ساعةٍ يناجي فيها ربه ، وساعةٍ يحاسب ‏فيها نفسه ، وساعةٍ يُفضي فيها إلى إخوانه الذين يَصْدُقونَهُ عيوبه ، ‏وينصحونه في نفسه ، وساعةٍ يخلو فيها بين نفسه وبين لذاتها مما يحلُّ ‏ويَجْمُلُ ؛ فإن هذه الساعة عون لهذه الساعات ، واستجمام للقلوب ، وفَضْلٌ ‏وبُلْغةٌ ، وعلى العاقل أن يكون عارفا بزمانه ، مُمْسكاً للسانه ، مقبلاً على ‏شأنهِ ) (‏ ‏) .‏
وجــاء عن ابــن مســعود قـوله : ( خــالطِ النــاس وزايلهــم (‏ ‏) ‏ودِينَكَ لاتكلمَنَّه (‏ ‏) ) (‏ ‏) . هذا وقد علق الخطابي ـ رحمه الله ـ على ‏قول ابن مسعود بتعليق جميل فقال : ( يريد : خالطهم ببدنك ، وزايلهم بقلبك ‏، وليس هذا من باب النِّفاق ، ولكنـه من باب المداراة . وقد قال النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( مُداراة الناس صدقة )) (‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
ثم إن المداراة حكمة بالغة ، وهي سمة العقلاء حتى قال فيها الحسن ـ ‏رحمه الله ـ : ( يقولون المداراة نصف العقل ) (‏ ‏) . فعلق الخطابي ـ ‏رحمه الله ـ على قول الحسن هذا فقال : ( وأنا أقول : هو (‏ ‏) العقل كُلُّه ) ‏‏(‏ ‏) .‏
ولمحمد بن الحنفيَّة (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ في ذلك قولاً : ( ليس الحكيم ‏من لم يعاشر بالمعروف من لايجد من معاشرته بُدّاً ، حتى يجعل الله له ‏فرجاً ، أو قال : مخرجاً ) (‏ ‏).‏
وأنشد المتنبي في ذلك : ‏
وَمِنْ نَكَدِ الدنيا على الحُرِّ أنْ يَرى عَــدواً له مَامِن صَداقتِهِ بُــدُّ ‏‏(‏ ‏) .‏
‏* ثم ليُعلم أن الأحكام الشرعية منها مايختلف باختلاف الأحوال ‏والأسباب كالجهاد ، والعُزلة ، والخُلطة وغيرها .‏
‏* وقد ورد في مدح الخلطة أحاديث ، وورد في مدح العزلة أحاديث ‏، ولابد من التوفيق بين هذه وتلك ، وهذا ماسيكون في هذا الفصل ـ إن شاء ‏الله تعالى ـ .‏
‏* ثم إن الإسلام دين الجماعة ، والاجتماع على الحق أصل عظيم في ‏الشريعة ، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي ‏لايخالطهم ولا يصبر على أذاهم . ومخالطة الناس بغرض دعوتهم إلى ‏الهدى والحق هو الأمر الذي كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . كما ‏سيظهر من خلال المباحث القادمة في هذا الفصل ـ إن شاء الله تعالى ـ .‏
‏* كما سيتبين من خلال تلك المباحث أيضاً أن الأحاديث الواردة في ‏مدح العزلة مطلقاً تحمل على أحد معنيين :‏
الأول : أن يكون خاصاً لأفراد معينين تكون العزلة في حقهم أولى ، ‏لأن مخالطتهم للناس تضر بدينهم ودنياهم ، وتضر بغيرهم أيضاً .‏
الثاني : أن يكون هذا خاصاً في زمان الفتن التي أخبر عنها النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ ، وأمر باعتزالها .‏
‏* وسيظهر أيضاً أن العزلة لاتشرع مطلقاً ، وإنما لها حالات تشرع ‏فيها .‏
‏* كما استحب العلماء اعتزال وهجر الديار التي تظهر فيها المعاصي ‏والفتن ، واستبدالها بديار الإيمان والصلاح ، ديار المؤمنين الصالحين ، ‏وورثة الأنبياء والمرسلين .‏
‏* وقد أذن الشارع الحكيم للمسلم ـ في موضوع العزلة ـ أن يتعرّب ‏ويسكن البادية ، بيد أنه قيّد ذلك بزمن الفتنة ، وعند حلول المحنة .‏
‏* هذا مايتعلق بالتمهيد لهذا الفصل في موضوع العُزلة والخُلطة ، ‏وتفصيل هذه المســائل ـ المذكورة في هذا التمهيد ـ والاستدلال لها ، موجود ‏في ثنايا مباحثه الآتية ، والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:16 PM
المبحـث الأول
‏{ التفضيل بين العزلة والخُلطة }‏
‏= = = = = = = =‏

اختلفت مذاهب العلماء في العزلة والمخالطة ، وأيتهما أفضل وأسلم . ‏مع أن كل واحدة منهما لاتنفك عن فوائد وغوائل ، وأكثر الزهاد اختاروا ‏العزلة ، وقد ظهر هذا الاختلاف بين التابعين (‏ ‏) ، وتفصيل المسألة ‏كالتالي :‏
القول الأول : ذهب أصحابه إلى اختيار العزلة وتفضيلها ‏على المخالطة . منهم : سفيان الثوري ، وإبراهيم بن أدهم ، والفضيل بن ‏عياض ، وآخرون (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:16 PM
الأدلـــة : استدل هؤلاء على تفضيل العزلة بما يلي :‏

‏1 = قوله تعالى حكاية عن ابراهيـم عليه الســلام : { ‏وَأَعْـتَـزِلُـكُـمْ وَمَـا تَـدْعُـونَ مِـــن دُونِ اللهِ وَأَدْعُـواْ رَبــّــِـى عَـسَـــى ‏أَلاَّ أَكُــونَ بِـدُعَـاءِ رَبـــّــِـى شَـقِـيّـــــًا } [ مريم: 48 ] ، ثم قـــال ‏تعـــالى في الآية بعدها : { فَـلَـمَّا اعْـتَـزَلَـهُـمْ وَمَـا يَـعْـبُـدُوْنَ مِـنْ دُونِ ‏اللهِ وَهَــــبْـنَا لَــهُ إِسْـحَـــقَ وَيـــَـعْـقُـوبَ وَكُلاًّ جَــعَـلْـنَا نَــــبِـــــيــّـــاً ‏‏} [ مريم : 49 ] . إشارة إلى أن ذلك ببركة العزلة . وهذا ضعيف ، لأن ‏مخالطة الكفار لافائدة فيها إلاّ دعوتهم إلى الدين ، وعند اليأس من إجابتهم ‏فلا وجه إلاّ هجرهم ، وإنما الكلام في مخالطة المسلمين وما فيها من البركة ‏‏.... فإذن كيف يُستدل باعتزال الكفار والأصنام على اعتزال المسلمين مع ‏كثرة البركة فيهم ؟ (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:17 PM
‏2 = واحتجوا أيضاً بقول موسى عليه السلام : { وَإِن لَّـمْ تُـؤْمِـنُـواْ ‏لِـى فَاعْـتَزِلُـونِ } [ الدخان : 21 ] . وأنه فزع إلى العزلة عند اليأس منهم ‏‏(‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:23 PM
‏3 = وبقولــه تعــالى في أصحاب الكهف : { وَإِذِ اعْتَـزَلْـتُـمُوهُـمْ ‏وَمَـا يَـعْـبُـدُونَ إِلاَّ اللهَ فَـأْوُ,اْ إِلَى الْكَـهْـفِ يَـنـشُرْ لَـكُـمْ رَبُّــكُـم مِّـن ‏رَّحـْمَـتِـهِ } [ الكهف : 16] . أمرهم بالعزلة . ( وكانوا قوماً كرهوا المقام ‏بين ظهراني أهل الباطل ؛ ففروا من فتنة الكفر وعبادة الأوثان ، فصرف ‏الله عنهم شرهم ، ودفع عنهم بأسهم ، ورفع في الصالحين ذكرهم ) (‏ ‏) .‏
وأجيب عن هذا الدليل بأن : أهل الكهف لم يعتزل بعضهم بعضاً وهم ‏مؤمنون ، وإنما اعتزلوا الكفار ، وإنما النظر في العزلة من المسلمين (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:24 PM
‏4 = واحتجوا أيضاً باعتزال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قومه ‏قريشاً لما جَفَوه وآذَوه ، فدخل الشعب وأمر أصحابه باعتزالهم والهجرة إلى ‏ارض الحبشة (‏ ‏) ، ثم تلاحقوا به إلى المدينة بعد أن أعلى الله كلمته (‏ ‏) .‏
وَرُدَّ : بأن هذا أيضاً اعتزال عن الكفار بعد اليأس منهم ، فإنه ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ لم يعتزل المسلمين ولا من توقع إسلامه من الكفار (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:25 PM
‏5 = وبقولـه ـ صلى الله عليه وسـلم ـ لعبد الله بن عامر الجهني لما ‏قال : يارســول الله ماالنجــاة ؟ قال : (( أمسك عليك لسانك ، وليَسَعْكَ بيتك ، ‏وابكِ على خطيئتك )) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:25 PM
‏6 = وبحديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : قيل ‏يارسول الله : أي الناس أفضل ؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( ‏مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله )) قالوا : ثم من ؟ قال : (( مؤمن في شعب ‏من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شرِّه )) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:26 PM
‏7 = وبقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إن الله يحب العبد التقيَّ ، الغنيَّ ‏، الخفيَّ )) (‏ ‏) .‏
ومعنى الخفي ـ على ماذكره النووي ـ رحمه الله ـ : الخامل المنقطع ‏إلى العبادة والاشتغال بأمور نفسه ، وذكر ـ رحمه الله ـ أن في هذا الحديث ‏حجة لمن يقول الاعتزال أفضل من الاختلاط ، وفي المسألة خلاف .... ‏ومن قال بالتفضيل للإختلاط قد يتأول هذا على الاعتزال وقت الفتنة ‏ونحوها (‏ ‏) .‏
هذا وقد أجاب عن الاســـتدلال بهـذه الأحاديث الثلاثة الأخيرة ‏الغزالي فقال : ( وفي الاحتجاج بهذه الأحاديث نظر ، فأما قوله لعبد الله بن ‏عامر فلا يمكن تنزيله إلاّ على ماعرفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنور النبوة ‏من حاله ، وأن لزوم البيت كان أليق به وأسلم له من المخالطة ، فإنه لم ‏يأمر جميع الصحابة بذلك ، ورب شخص تكون سلامته في العزلة بذلك ‏لافي المخالطة ، كما قد تكون سلامته في القعود في البيت وأن لايخرج إلى ‏الجهاد ، وذلك لايدل على أن ترك الجهاد أفضل . وفي مخالطة الناس ‏مجاهدة ومقاساة ، ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( الذي يخالط الناس ‏ويصبر على أذاهم خير من الذي لايخالط الناس ولا يصبر على أذاهم )) (‏ ‏) ، ‏وعلى هذا ينزل قوله عليه السلام : (( رجل معتزل يعبد ربّه ويدع الناس من ‏شرّه )) (‏ ‏) فهذا إشارة إلى شرير بطبعه تتأذى الناس بمخالطته . وقولـه : (( ‏إن الله يحــب التقــي الخفـي )) (‏ ‏) إشارة إلى إيثــار الخمـول وتوقـي الشـهرة . ‏وذلك لايتعلق بالعزلة فكم من راهــب معتزل تعرفه كافة الناس ؟ وكـم من ‏مخالط خامل لاذكر له ولا شهرة ؟ فهذا تعرض لأمر لايتعلق بالعزلة ) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:26 PM
‏8 = وكذلك استدلــوا بحديــث أبــي هريــرة ـ رضي الله عنه ـ عن ‏رســـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : (( خير مَعَايِشِ الناس لهم رجل ‏ممسك بِعنَانِ فرسه في سبيل الله ، ويطير على متنه (‏ ‏) ، كلما سمع هَيْعَةً أو فَزْعَةً ‏‏(‏ ‏) طار عليه ، يبتغي القتل والموت مظانة (‏ ‏) ، ورجل في غُنيمةٍ (‏ ‏) ، في ‏رأس شَعَفَةٍ (‏ ‏) من هذه الشَّعَف ، أو بطن وادٍ من هذه الأودية ، يقيم الصلاة ، ‏ويؤتي الزكاة ، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقينُ ، ليس من الناس إلاّ في خير )) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:27 PM
وهناك آثار عن السلف استدل بها أصحاب هذا القول منها :‏
‏ 9 = قول عمر ـ رضي الله عنه ـ : ( خذوا بحظكم من العزلة ) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏10 = وبقوله أيضاً : ( في العزلة راحة من خليط السوء ) (‏ ‏) .‏
‏11 = وبقول أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ : ( نعم صومعة الرجل ‏بيته ، يكفُّ سمعه وبصره ودينه وعرضه . وإياكم والجلوس في الأسواق ‏فإنها تُلهي وتُلغي ) (‏ ‏) .‏
‏12 = وبقول ابن سيرين ـ رحمه الله ـ : ( العزلة عبادة ) (‏ ‏) ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:28 PM
القول الثاني : قالوا بتفضيل المخالطة على العزلة .‏
واستحب ذلك وقال به أكثر التابعين ، وإليه ذهب ومال سعيد بن ‏المسيب والشعبي وابن عيينة وابن المبارك والشافعي وأحمد وجماعة (‏ ‏) .‏
الأدلــة : ذكر أدلتهم الخطابي ـ رحمه الله ـ وأجاب عنها فأغنى (‏ ‏) ‏‏. وكذا ذكرها الغزالي ـ رحمه الله ـ وأجاب عنها باختصار مفيد (‏ ‏) . ‏وهاهي الأدلة مع الأجوبة عنها :‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:29 PM
‏1 = قالوا قد أمر الله سبحانه وتعالى بالاجتماع وحضّ عليه ، ونهى ‏عن الافتراق وحذّر منه ، فقال تعالى ذكره : { وَاعْتَصِــمُواْ بِحَبْــلِ اللهِ ‏جَمِيــعًا وَلاَ تَفَرَّقُــواْ وَاذْكُــرُواْ نِعْمَــتَ اللهِ عَلَيْــكُمْ إِذْ كُنْتُــمْ أَعْدَآءً ‏فَأَلـــَّـــفَ بَيْنَ قُـلُـوبِكُمْ فَأَصْبَحْــتُم بِنِعْمَـتــِهِ إِخـْـــــــَـونـاً } [ آل ‏عمران : 103 ] .‏
‏2 = وقالوا أعظم المنة على المســلمين في جمـــع الكلمــة وتأليــف ‏القلــوب منهم ، واســتدلوا على ذلك بقولــه عــز وجــل : { وَأَلَّـفَ بَـيْـنَ ‏قُـلُـوبِـهِـمْ لَـوْ أَنـفَـقْــتَ مَـافِـى الأَرْضِ جَـمِـيـعًا مَـآ أَلَّـفْـــتَ بَـيْـنَ ‏قُـلُـوبِـهِــمْ وَلَـكِــنَّ اللهَ أَلَّــــفَ بَـيْـنَـهُـــــمْ } [ الأنفال : 63 ] . ‏
‏3 = واحتجوا أيضاً بقوله تعالى : { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّـذِيـنَ تَفَرَّقُـواْ ‏وَاخْـتَـلَـفُـواْ مِن بَعْدِ مَاجَاءَهُمُ الْبـَـيِّنــَــتُ } (‏ ‏) آل عمران : 105 ] . ‏
هذا وقد ذكر احتجاجهم بهذه الآيات ووجه استدلالهم منها الغزالي ـ ‏رحمه الله ـ وبين وجه ضعفها فقال بعد ذكره للآيات السالفة : ( امتن على ‏الناس بالسبب المؤلف وهذا ضعيف ؛ لأن المراد به تفرّق الآراء واختلاف ‏المذاهب في معاني كتاب الله وأصول الشريعة . والمراد بالألفة : نزغ ‏الغوائل من الصدور ، وهي الأسباب المثيرة للفتن المحركة للخصومات ، ‏والعزلة لاتُنافي ذلك ) (‏ ‏) .‏
‏4 = واحتجوا بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( المؤمن إلف مألوف ‏ولا خير فيمن لايَألف ولا يُؤلف )) (‏ ‏) .‏
وقد أجاب عن استدلالهم بهذا الحديث الغزالي فقال : ( وهذا ضعيف ‏لأنه إشارة إلى مذمة سوء الخلق تمتنع بسببه المؤالفة ، ولا يدخل تحته ‏الحسن الخلق الذي إن خالط أَلف وأُلف ، ولكنه ترك المخالطة اشتغالاً ‏بنفسه وطلباً للسلامة من غيره ) (‏ ‏) .‏
‏5 = وبقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( من فارق الجماعة شبراً ، فقد ‏خلع ربقة الإسلام من عنقه ) (‏ ‏) . وبقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( من ‏فارق الجماعة فمات فميتَتُهُ جاهلية )) (‏ ‏) . وبقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ‏حديــث ابـن عباس : (( من شقّ عصا المسلمين ، والمسلمون في إسلام دامج ‏‏(‏ ‏) ، فقد خَلَعَ رِبْقَةَ (‏ ‏) الإسلام من عنقه )) (‏ ‏) .‏
ووجه استدلالهم بهذه الأحاديث أنهم ( قالوا : نطقت هذه الأخبار ‏بأن المعتزل عن الناس ، المنفرد عنهم ، مفارق للجماعة ، شاذ عن الجملة ‏، شاق لعصا الأمة ، خالع للرِّبقة ، مخالف للسنة ) (‏ ‏) .‏
والجواب عن ذلك أن يقال : ( وهذا ضعيف ـ ايضاً ـ لأن المراد به ‏الجماعة التي اتفقت آراؤهم على إمام بعقد البيعة ، فالخروج عليهم بغي ، ‏وذلك مخالفة بالرأي وخروج عليهم ، وذلك محظور لاضطرار الخلق إلى ‏إمام مطاع يجمع رأيهم ، ولا يكون ذلك إلا بالبيعة من الأكثر ، فالمخالفة ‏تشويش مثير للفتنة فليس في هذا تعرض للعزلة ) (‏ ‏) .‏
‏6 = وقالوا ـ أيضاً ـ : وأقل مافي العزلة أنها إذا امتدت واستمرت ‏بصاحبها صارت هجرة ، وقد نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ‏الهجرة أكثر من ثلاث فعن أنس بن مالك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏قال : (( .... لايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال )) (‏ ‏) ، وزاد ابو ‏هريرة في روايته عن رسول الله ـ صلى الله عليه وســلم ـ قال : (( .... فمن ‏هجر فوق ثلاث فمات دخل النار )) (‏ ‏) ، وفي رواية : (( من هجر أخاه سنة فهم ‏كسفك دمه )) (‏ ‏) .‏
قالوا : والعزلة هجرة بالكلية .‏
وهذا ضعيف لأن المراد به : الغضب على الناس واللجاج فيه بقطع ‏الكلام والسلام والمخالطة المعتادة ، فلا يدخل فيه ترك المخالطة أصلاً من ‏غير غضب .‏
‏7 = كما اســـتدلوا على تفضيـل الخلطـة ايضاً بحديث ابن عمر ـ ‏رضي الله عنهما ـ قـال : قال رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ‏المســلم إذا كان مخالطــاً للناس ، ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لايخالط ‏الناس ، ولا يصبر على أذاهم )) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:30 PM
هذا وقد افاد الغزالي ـ رحمه الله ـ بعد سرده لأقوال الفريقين مع ‏أدلتها ـ بأن الأدلة التي ذكرها الفريقان لاشفاء فيها من الجانبين حيث قال : ‏‏( فإذا ظهر أن هذه الأدلة لاشفاء فيها من الجانبين فلابد من كشف الغطاء ‏بالتصريح بفوائد العزلة وغوائلها ومقايسة بعضها بالبعض ليتبين الحق فيها ‏‏) (‏ ‏) .‏
وأما الإمام الخطابي ـ رحمه الله ـ فقد عقــد بابــاً في كتابــه ( العزلة ‏‏) قال فيه : ( باب في حكاية مااحتج فيه من أنكر العزلة ) وقد ذكر تحته ‏أدلتهم على ذلك ـ وهي ماتقدم ذكرها في الغالب عند القول الثاني ـ ثم أجاب ‏عنها فقال : ( فالجواب ـ وبالله التوفيق ـ أن الآي التي تلوها في ذَمِّ العزلة ، ‏والأحاديث التي رووها في التحذير ومفارقة الجماعة ، لايعترض شيء ‏منها على المذهب الذي تذهبه في العزلة ، ولا يناقض تفصيلها جملته ؛ ‏لكنها تجري معه على سنن الوِفاق وقضية الائتلاف والاتساق . وسأوضح ‏لك التوفيق بينهما بما أقسمه لك من بيان وجوهِها ، وترتيب منازلها ) ....‏
ثم قسم ـ رحمه الله ـ الفُرقة فُرقتان ، والجماعة جماعتان ، وأطال في ‏ذلك إلى أن قال : ( ولسنا نريد ـ رحمك الله ـ بهذه العُزلة التي نختارها ‏مفارقة الناس في الجماعات والجُمعات ، وترك حقوقهم في العبادات ، ‏وإفشاء السلام ، ورد التحيات ، وماجرى مجراها من وظائف الحقوق ‏الواجبة لهم ، ووضائع السُّنن والعادات المستحسنة فيما بينهم ، فإنها مستثناة ‏بشرائطها ، جارية على سُبُلها ، مالم يَحُلْ دونها حائل شُغُلٍ ، ولا يمنع عنها ‏مانع عُذر ، إنما نريد للعزلة ترك فُضول الصحبة ، ونَبذ الزيادة منها ، ‏وحَطَّ العلاوة التي لاحاجة بك إليها . ‏
فإن من جرى في صحبة الناس والاستكثار من معرفتهم ، على ‏مايدعو إليه شَعَفُ النفوس ، وإِلْفُ العادات ، وترك الاقتصاد فيها ، ‏والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه ، كان جديراً ألا يحمَدَ غِبَّهُ ، وأن ‏يستوخم عاقبته ، وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان ‏جوعه ، ويأخُذ منه فوق قدْر حاجته ، فإن ذلك لايُلْبِثُه أن يقع في أمراض ‏مُدْنِفَةٍ ، وأسقام مُتْلِفَةِ . وليس مَنْ عَلِم كمن جَهِل ، ولا من جَرَّب وامتَحَنَ ‏كمن باده وخاطر ؛ ........) . ثم اورد ـ رحمه الله ـ ماجـاء في العزلة من ‏آيات وأحاديث وآثار ، وبعد إيــراده للآيــات في ذلك وقبل أن يشــرع في ‏رواية الأحاديث قال ـ رحمه الله ـ : ( والعزلة عند الفتنة سُنة الأنبياء ، ‏وعصمة الأولياء ، وسيرةُ الحكماء الألباء والأولياء ، فلا أعلم لمن عابها ‏عُذْراً ، لاسيما في هذا الزمان القليل خيرُهُ ، البكيء دَرُّهُ ، وبالله نستعيذ من ‏شرِّهِ وريْبِهِ ) (‏ ‏) انتهى .‏
هذه هي أقوال الفريقين ومعظم أدلتها مع أجوبتها ومناقشتها من كلام ‏أهل العلم وبعد النظر والتأمل فيها يظهر أن لكل من العزلة والخلطة فوائد ‏وغوائل فتارة تُخْتار العزلة، وتارة الخلطة ، كل بحسب مايقتضيه الحال ‏والمآل ، فقد تثمر العُزلة في بعض الأحوال والأوضاع مالا تثمره الخلطة . ‏والعكس بالعكس .‏
ثم لِيُعلم أن هذه الأقوال ـ المتقدمة ـ وما فيها من خلاف في المفاضلة ‏بين العزلة والخلطة ، ذكرها العلماء دون تخصيص تلك المفاضلة بزمن ‏معين ، ولا وقت محدد ، فهي تشمل كل زمان ومكان ، بيد أن العزلة تشرع ‏وتتأكد عند فساد الزمان وإبان حلول الفتن ، ونزول الكوارث والمحن .‏
وعلى هذا فإن الخلاف في المفاضلة بين العزلة والخلطة قد جاء ‏تخصيصه بأزمنة معينة وأوقات محددة ، وأحوال وأوضاع خاصة ، ويظلُّ ‏هذا التخصيص قائما كلما ظهرت دواعيه . فالعزلة ـ كما تقدم ـ يُرغَّب فيها ‏ويحث عليها ويؤكد عند فساد الزمان وعند ظهور الفتن المتنوعة المختلفة ، ‏كفتنة الاختلاف والتنازع بين المسلمين ، وما يتبع ذلك من نشوب فتن القتال ‏والتطاحن وسفك الدماء .‏
ولهذا جاء الخلاف في المفاضلة بين العزلة والخلطة ، بيد أنه جاء ‏هنا تخصيصه بزمن معين ووقت محدد ، وهو عند ظهور الفتن ، وخاصة ‏فتنة القتال الناشئة ـ غالبا ـ عن التنازع والاختلاف . فلذلك اختلف العلماء ‏هنا في المفاضلة فيها بين العزلة والخلطة ، كما هو حاصل من تقدم هذا ‏الاختلاف فيها ـ أيضا ـ بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في فتنة القتال ‏التي وقعت بين علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ فمنهم من رأى اعتزالها . ‏ولذلك اعتزلها عدد كبير من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وأبوا الدخــول ‏في قتال يقع بين المسلمين ، ـ كما سيأتي إن شاء الله (‏ ‏) ـ ومنهم من رأى ‏الخلطة والمشاركة فيها ، وذهب إلى وجوب نُصرة الحق وقتال الباغين .‏
وسيأتي ـ قريباً إن شاء الله (‏ ‏) تفصيل الخلاف في المفاضلة بين ‏العزلة والخلطة في فتنة القتال عموماً ، وفي هذه الفتنة التي وقعت بين ‏الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ خصوصاً.‏
هذا ومن خلال ماتقدم من خلاف في المفاضلة بين العزلة والخلطة ‏عموماً ، والنظر والتأمل في أحاديثهما ـ التي تقدم ذكر معظمها ـ ، ودراسة ‏هذا الموضوع في مظانه ـ سواء المصنفات التي صنفت فيه خاصة ـ قديما ‏وحديثا ـ أو ماكتب فيه في ثيانا المصنفات مع موضوعات أخرى مختلفة ـ ، ‏ومن خلال الوقوف على كلام أهل العلم فيه من مناقشة وأجوبة وجمع بين ‏الأقوال وترجيح وغير ذلك . من خلال ذلك كله رغبت أن أذكر خلاصةُ ‏تلك الفوائد ، وما يمكن التوصل إليه من نتائج في هذا الموضوع المهم ، ‏لاسيما في عصــرنا هــذا ، لارتباطه به ارتباطاً وثيقاً ، لما فيـــه من كثرة ‏البلايا والمحن ، وانتشار الرزايا والفتن .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:31 PM
وخلاصة الفوائد والنتائج كالتالي :‏

‏ * أولاً : من المعلوم أنه قد وردت أحاديث عن النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ تمدح العزلة وتبين فضلها ، وأخرى على عكسها تماماً ، تمدح ‏الخلطة وتُبين فضلها .‏
وقد تقدم إيراد نماذج من النوعين ـ قريباً عند ذكر الخلاف في ‏المفاضلة بينهما (‏ ‏)ـ والناظر فيما ورد في النوعين من النصوص قد يشكل ‏عليه من أول وهلة فهم ماورد في كل منهما ، ويطرأ عليه التعارض بينهما ‏، وتعذُّرَ الجمع والتوفيق . وقد لايتبين له وجه تأويل كل منهما .‏
بيد أن المتأمل لها إذا أمعن النظر فيها علم أنه ليس بين تلك الأحاديث ‏والنصوص تعارض ، بل يجد أن بعضها يكمل البعض الآخر ، ولا يناقض ‏المفصـل منهمـا المجمل ، ولا المطلق المقيد ، بل يجري معــه على سَنَن ‏الوِفاق ، وقضية الائتلاف والاتساق ـ كما تقدم قريباً من كلام الإمام ‏الخطابي رحمه الله تعالى ـ (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:32 PM
‏* ثانياً : إن الأصل في الإسلام الخُلطة وليست العزلة ، إذ الإسلام ‏دين الجماعة والاجتماع ، والأصل في المسلم الاختلاط بالناس ومعاشرتهم ‏لااعتزالهم وهجرهم ـ كما سيأتي تفصيله قريباً إن شاء الله (‏ ‏) ـ وبناء ‏على هذا الأصل المهم المتين ، فإن الأصل في العزلة الكلية المطلقة هو ‏المنع ، حيث يترتب عليها تضييع الحقوق ، وتفويت الفرائض ، وتعطيل ‏كثير من الواجبات ، كترك التعلم والتعليم ، والأمر والنهي ، وصلة الرحم ‏والقرابـة ، مع التعرض لكيد الشيطان ومكره ووسوسته وتلبيسه ، فإنه إنما ‏يأكل الذئب من الغنــم القاصيــة كما في حديث أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ‏ـ قـال : سمعت رسـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( مامن ثلاثة في ‏قرية ولا بدو لاتُقام فيهم الصلاة ، إلاّ استحوذ عليهم الشيطان ، فعليك بالجماعة ، ‏فإنما يأكل الذئب من القاصية )) (‏ ‏) .‏
فالأمر بالجماعة والتعليل بأن الشيطان يأكل القاصية يدل على منع ‏العزلة الكلية المطلقة ، وقصة رواية أبي الدرداء لهذا الحديث تدل على هذا ‏المعنى ، حيث سأل ابو الدرداء معدان بن ابي طلحة اليعمري ـ بعد أن فقده ‏برهة من الزمن ثم لقيه ـ : أفي قرية يسكن أم في مدينة ؟ فقال له : لا بل في ‏قرية قريبة من المدينة . فأوصاه أبو الدرداء بسكنى المدائن وقال له : فعليك ‏بالمدائن ....ويحك يامعدان (‏ ‏) .‏
ولكن ثمة حالات تستثنى من هذا المنع من العزلة الذي هو الأصل ‏الكلي العام (‏ ‏) وسيأتي بيان تلك الحالات المستثناة التي تُشرع فيها العزلة ‏قريباً إن شاء الله (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:33 PM
* ثالثاً : ثم إن الأحاديث التي وردت في مدح العزلة أكثرها جاء ‏بمدح نوع خاص من العزلة ، أو مدح العزلة في زمان خاص ، كمدح ‏العزلة عن أهل السوء ، ومدح العزلة زمن الفتنة .‏
‏ أما مدح العزلة مطلقاً وبالكلية فالأصل فيه المنع ، ومع ذلك فإنه لم ‏يثبت فيه من الأحاديث إلاّ القليل . ‏
والأحاديث التي ثبتت ووردت في مدح العزلة ، وبيان فضل المؤمن ‏المتعبد في شعب من الشعاب ، الذي ودع الناس من شره ، والثناء على ‏رجل في غنيمة في رأس شعفة ، أو بطن واد يقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، ‏ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ، ليس من الناس إلا في خير .‏
فهذه الأحاديث وما شابهها من أحاديث العزلة تُحمَل وتُقَيَّدُ على أحد ‏وجهين : ‏
الوجه الأول : أن يكون هذا في حق أفراد لايستطيعون الجهاد ، ولا ‏الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر ، ولو خالطوا الناس لتضرروا ‏بالمخالطة ، وأضروا بغيرهم ، إذ من الناس من لايستطيع منع أذاه وشره ‏عن الآخرين إلا باعتزالهم ، فإذا خالطهم وجد المثيرات التي تحركه إلى ‏الشر والإضرار بالنفس وبالناس (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:34 PM
وقد تقدم ـ قريباً (‏ ‏) ـ نحو هذا الوجه الأول من كلام الغزالي ـ رحمه ‏الله ـ وهو يجيب عن أدلة القول الأول القائل بتفضيل العزلة على الخلطة ، ‏ولابأس من ذكره هنا لنفاســـته ومناســبة المقام والحاجة لذكره مع أنه ‏مختصر ، فقال ـ رحمه الله ـ وهو يجيب عـن حديـــث عبــد الله بن عـامــر ‏الجهني حينما سأل النبي ـ صلى الله عليــه وسلم ـ وقال : يارسول الله ! ‏ماالنجاة ؟ قــال : (( أمســك عليـك لسـانك ، ولْيَسَعْكَ بيتك ، وابكِ على خطيئتك )) ‏‏(‏ ‏) . وهــو يجيب ـ أيضاً ـ عن حديث من سأل النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ أي الناس أفضل ؟ فذكر المؤمن المجاهد في سبيل الله بنفســـه ‏ومالــه ، فقيل لـه : ثـم من ؟ فقال : (( مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع ‏الناس من شره )) (‏ ‏) . فقال ـ رحمــه الله ـ وهو يجيب عن هذين الحديثين ‏‏: ( وفي الاحتجاج بهــذه الأحاديث (‏ ‏) نظر . فأمــا قوله لعبـد الله بن ‏عامر فلا يمكن تنزيله إلاّ على ماعرفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنور النبوة ‏من حاله ، وأن لزوم البيت كان أليق به وأسلم له من المخالطة ، فإنه لم ‏يأمر جميع الصحابة بذلك ، ورُبَّ شخصٍ تكون سلامته في العزلة بذلك ‏لافي المخالطة كما قد تكون سلامته في القعود في البيــت وألا يخــرج إلى ‏الجهــاد ، وذلك لايدل على أن ترك الجهاد أفضـل ، وفي مخالطـــة النــاس ‏مجاهــدة ومقاساة ، ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( الذي يخالط الناس ‏ويصبر على أذاهم خير من الذي لايخالط الناس ولا يصبر على أذاهم )) (‏ ‏) . ‏وعلى هــذا يتنــزل قوله عليه السلام : (( رجل معتزل يعبد ربه ويدع الناس من ‏شره )) (‏ ‏) . فهذه إشارة إلى شرير بطبعه تتأذى الناس بمخالطته ) (‏ ‏) ‏انتهى كلام الغزالي ـ رحمه الله ـ .‏
وذلك كمن يرى المنكرات ـ مثلاً ـ فيهيج وينفعل ، لأنه لايستطيع منع ‏شره وأذاه عن الآخرين إلاّ باعتزالهم ، وأما إذا خالطهم فيثور ويتحرك إلى ‏الشر والإضرار بنفسه وبغيره بمجرد رؤية أي منكر ، وإذا ثار وهاج ‏وانفعل أصبح يغير المنكر بطرق غير مشروعة ، بل قد يكون فيها اعتداء ‏وتسرّع ربما يؤدي إلى مضاعفة المنكر ، وربما يكون سبباً في إغلاق باب ‏الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وربما يترتب عليه أذى للمؤمنين ، ‏وكذلك كمن يكون شديد الحساسية ضد المنكرات ، فإذا رآها تأثّر تأثراً ‏شديداً ، وتعكّر مزاجه ، وتكدرت حياته ، فلم يهنأ بعيش ولا بعبادة ، وتفاقم ‏لديه الشعور بالغربة ، دون أن يصنع شيئاً لضعفه .‏
وكمن يعرف من نفسه الضعف والميل إلى الفواحش ، فإذا جاورها ‏وخالط أهلها ورآها في غدّوه ورواحه أَنسَت نفسه بها ، وشعر بالاسترواح ‏إليها وهو يستطيع أن يحمل نفسه على اعتزال هذه البيئات حفاظاً لما هو ‏أهم مما سيفقده حال الاعتزال .‏
فمثل هؤلاء قد تشرع في حقهم العزلة ،كفاً لشرهم عن الناس ، أو ‏حفاظاً لهم عن شرور الناس .‏
ولذلك جاء في الأحاديث الآنفة ـ قريباً (‏ ‏) ـ نفسها التعبير بـ (( ‏‏....مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ، ويدع الناس من شره )) وحديث (( .... ‏ليس من الناس إلاّ في خير )) وحديث أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ‏لأصحابه : (( ألا أخبركم بخير الناس ؟ )) قالوا : بلى يارسول الله ، فقال : (( ‏رجل اعتزل شرور الناس )) (‏ ‏) وهكذا ....‏
هــذا وقد يُفهم ويُستفاد من كلام الإمام النووي والحافظ ابن حجر ـ ‏رحمهما الله ـ أنه من الظاهر أن المرء إذا كان لايستطيع نفع المسلمين بعلم ‏ولا جهاد ولا أمر بمعروف ولا نهي عن المنكر ولاغير ذلك ، ولايستطيع ‏كف شره عنهم إذا خالطهم ، أو لايستطيع التوقي من شرهم في أمور دينه ‏ودنياه : أن العزلة في حقه أولى (‏ ‏) .‏
ولـذلك جاء في أوائل الأحاديث الثناء على المؤمن المجاهد بنفسـه ‏وماله في سبيل الله ، الممسك عنان فرسه ، يطير على متنه كلما سمع هيعة ‏طار إليها يبتغي القتل أو الموت مظانة (‏ ‏) .‏
وقد ذكر النووي ـ رحمه الله ـ أن الجمهور الذين قالوا بتفضيل ‏الاختلاط على الاعتزال أجابوا عن الحديث السابق : (( .... رجل معتزل في ‏شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره )) بأنه محمول على الاعتزال ‏في زمن الفتن والحروب ، أو هو فيمن لايسلم الناس منه ، ولا يصبر عليهم ‏أو نحو ذلك من الخصوص . وقد كانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ‏وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين ، فيحصلون منافع ‏الإختلاط كشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المرضى وحِلَق الذكر ‏وغير ذلك (‏ ‏) .‏
وحمل الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ هذا الحديث على من لايقدر ‏على الجهاد فقال : ( هو محمول على من لايقدر على الجهاد فيستحب في ‏حقه العزلة ليَسْلم ويسْلم غيره منه ، والذي يظهر أنه محمول على مابعد ‏عصر النبي صلى الله عليه وسلم ) (‏ ‏) .‏
وقال بعد ذلك بقليل وهو بصدد شرح حديث آخر في البخاري نفسه ـ ‏أيضاً ـ وهو قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( يأتي على الناس زمان خير مال ‏الرجل المسلم الغنمَ يتبع بها شعَف الجبال ومواقع القطْر ، يفر بدينه من الفتن )) (‏ ‏) ‏فقال ـ رحمه الله ـ معلقاً على هذا الحديث : ولفظه هنا صريح في أن المراد ‏بخيرية العزلة أن تقع في آخر الزمان ، وأما زمنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏فكان الجهاد فيه مطلوباً حتى كان يجب على الأعيان . إذا خرج الرسول ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ غازياً أن يخرج معه إلاّ من كان معذوراً ، وأما من ‏كان بعده فيختلف ذلك باختلاف الأحوال ) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:35 PM
الوجه الثاني : أن يكون هذا خاصاً بزمن الفتن التي أخبر عنها النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمر بالعزلة فيها ، فتُحمل هذه الأحاديث المطلقة ‏على الأحاديث المُقيدة . ويؤيد هذا أن في بعض ألفاظ الأحاديث ـ الآنفة ـ ‏المُسْتَشْهد بها على فضل العزلة مطلقاً مايدل على تقييد مجموعها .‏
ففي حديث أبي هريرة ـ المتقدم قريباً (‏ ‏) ـ مرفوعاً : (( خير معايش ‏الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه ....، ورجل في غنيمة ....)) وهو من أقوى ‏الأحاديث في فضل العزلة ، إذْ فيــه العطف بالواو ، بينما العطف في ‏الأحاديث الأخرى بـ ( ثم ) ، أو عبارة ( الذي يليه ) ، مما يدل على نزول ‏الرتبة .‏
فهذا الحديث نفسه ، جاء في رواية الإمام أحمد بلفظ : (( ليأتين على ‏الناس زمان يكون أفضل الناس فيه .... )) (‏ ‏) . فذكر فيه نحو ماسبق .‏
وفي حديث أم مالك البَهْزيَّة قالت : ذكر رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ فتنةً فقرَّبَها ، قالت : قلت يارسول الله ! من خير الناس فيها ؟ .... ‏‏(‏ ‏) ، فذكر الحديث بنحو ماسبق أيضاً .‏
كما يؤكد هذا أن عدداً من الأئمة أدخلوا الحديث في مصنفاتهم في ‏كتاب الفتن ، كعبد الرزاق (‏ ‏) ، وابن ماجة (‏ ‏) وغيرهما .‏
وقد صح المعنى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقيّداً في الفتنة في ‏أحاديث أخرى ، منها : ‏
‏* مارواه ابن طاووس عن أبيــه قـال : قال رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ : (( خيــر النـاس في الفتــن رجــل آخـذ بعنان فرسه ، أو قال : برسن ‏فرسه ، خلـف أعداء الله ، يخيفهم ويخيفونــه ، ورجـــل معتزل في باديته يؤدّي الحق ‏الذي عليـــه )) (‏ ‏) .‏
‏* وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : ياأيها الناس أظلّتكم فتن ‏كأنها قطع الليل المظلم ، أنجى الناس فيها ـ أو قال : منها ـ صاحب شاء ‏يأكل من رسل غنمه (‏ ‏) ، أو رجل من وراء الدرب ، آخذ بعنان فرسه ، ‏يأكل من سيفه (‏ ‏) .‏
فدل هذا على أن الحديث في المفاضلة هو في زمن الفتنة ، حيث ‏يكون افضل المؤمنين وأكملهم وأسلمهم رجلٌ قد شغل نفسه بالجهاد ، وقتال ‏أعداء الله ، يخيفهم ويخيفونه ، فإن لم يقدر على ذلك نجا ـ بنفسه ـ من الفتنة ‏باعتزالها واعتزال أهلها ، وذلك بالتفرد في رأس شَعَفَةٍ أو بطنِ وادٍ ، ‏ولذلك قال الحافظ ابن حجر حول تلك الأحاديث المفضلة للعزلة بإطلاق : ( ‏وهو مقيد بوقوع الفتن ) (‏ ‏) .‏
أما في الأحوال العادية التي ليس فيها فتنة عامة ، فالأصل فيها أن ‏المسلم الذي يستطيع الخُلطة فيُخالط الناس ، ويصبر على أذاهم ، ويوصل ‏إليهم النفع الديني والدنيوي هو خير من الذي لايخالطهم ولا يصبر على ‏أذاهم ، بل يعتزل شرورهم ، ويتفرد بنفسه .‏
وهذا ـ أي ترجيح الخُلطة في الأحوال الطبيعية ـ هو مذهب جماهير ‏السلف والعلماء (‏ ‏) ، فقد نســبــه الغـــزالي ـ كما تقدم (‏ ‏) ـ إلى أكثر ‏التابعين والشافعي وأحمــد وجماعة (‏ ‏) . ‏
وكذلك نسبه النووي ـ رحمه الله ـ للشافعي وأكثر العلماء أو ‏الجمهور (‏ ‏) وقال ـ رحمه الله ـ في موضع ومصدر آخر : ( اعلم أن ‏الاختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته (‏ ‏) هو المختار الذي كان عليه ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه ‏عليهم ، وكذلك الخلفاء الراشدون ، ومن بعدَهم من الصحابة والتابعين ، ‏ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهــم ، وهو مذهب أكثــرِ التابعـين ‏ومن بعدهم ، وبه قال الشافعي وأحمدُ ، وأكثر الفقهاء ـ رضي الله عنهم ‏أجمعين ـ قال الله تعالى : { وَتَـعَاوَنُـواْ عَلَى الْبِـــــِرّ وَالتَّـقْـوَى } [ ‏المائدة : 2 ] . والآيات في معنى ماذكرته كثيرة معلومة ) (‏ ‏) . انتهى ‏كلام النووي رحمه الله .‏
ونسبه الحافظ ابن حجر ـ أيضاً ـ للجمهور (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:36 PM
‏* رابعاً : ومن العزلة ترك فُضول الصحبة ، ونبذُ الزيادة منها ، ‏وحطُّ العلاوة التي لاحاجة بالمسلم إليها ـ كما تقدم من كلام الخطابي قريباً ‏وكما سيأتي الآن ـ ويُعَدُّ هذا النوع من العزلة نوعاً آخر منها ، بيد أنه ‏لايعني التفرد الكلي المطلق ، والاعتزال في شعب من الشعاب ، أو وادٍ ‏مــن الأوديـة ، بل هـــو كمـــا عـــبر عنه الإمام الخطابي ـ رحمه الله ـ ‏بقــوله : ‏
‏( ولسنا نريد ـ رحمك الله ـ بهذه العزلة التي نختارها مفارقة الناس ‏في الجماعات والجمعات ، وترك حقوقهم في العبادات ، وإفشاء السلام ، ‏وردّ التحيات ، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم ، ‏ووضائع السُّنن والعادات المستحسنة فيما بينهم ، فإنها مستثناة بشرائطها ، ‏جارية على سُبُلها مالم يَحُل دونها حائل شُغْل ، ولا يمنع عنها مانع عُذْر ، ‏إنما نريد بالعزلة ترك فُضول الصحبة ، ونبذ الزيادة منها ، وحطُّ العلاوة ‏التي لاحاجة بك إليها ) (‏ ‏) .‏
وإذا عُرِّفَت العزلة بتعريف الإمام أبي سليمان الخطابي هذا الذي ‏يعني الاقتصار في مخالطة الناس على مالا بدَّ منه ، والقيام بالفرائض ‏الواجبة من أداء الجمعة والجماعة ، وصلة الرحم والقرابة ، بل ومن ‏مجاراة الناس في صنائع السُّنن والعادات المستحسنة فيما بينهم ، إذا عُرِّفت ‏بذلك يظهر ويتبين أن حكم هذا النوع من العزلة يختلف اختلافاً كبيراً عن ‏العزلة المطلقة التامة . وتجتمع أقوال الأئمة في أن القدر المطلوب من ‏الخلطة بالناس ينبغي أن يكون معتدلاً ـ في الجملة ـ ثم هو يتفاوت بحسب ‏المصلحة ، وإن كان هؤلاء العلماء يختلفون في تقديرها ، فمنهم من يُغَلِّب ‏جانب المصلحة العامة الناتجة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ‏ونشر العلم ، ونفع الخلق . ومنهم من يُغَلِّبُ جانب السلامة الشخصية (‏ ‏) ‏‏.‏
هذا وقد قسَّمَ الإمام أبو سليمان الخطابي العزلة إلى عزلة أديان ، ‏وعزلة أبدان ، وقال بعد هذا التقسيم مانصه : ( وأما عزلة الأبدان ومفارقة ‏الجماعة التي هي العوامُّ (‏ ‏) ، فإن من حكمها أن تكون تابعة للحاجة ، ‏وجارية مع المصلحة ، وذلك أن عِظَمَ الفائدة في اجتماع النـــاس في المدن ‏، وتجاورهــم في الأمصــار ، إنما هو أن يتضافــروا فيتعاونوا على ‏المصالح ، ويتوازروا فيهــا إذا كانت مصالحهم لاتكْمُلُ إلا به ، ومعايشهم ‏لاتزكــوا إلا عليه .‏
وللإنسان أن يتأمل حال نفسه ، فينظر في أية طبقة تقع منهم ؟ وفي ‏أية جَنْبَةٍ ينحاز من جملتهم ؟ فإن كانت أحواله تقتضيه المُقام بين ظهرانيِّ ‏العامة لما يلزمه من إصلاح المِهْنةِ التي لاغُنيَةَ له به عنها ، ولايجد بداً من ‏الاستعانة بهم فيها ، ولا وجه (‏ ‏) لمفارقتهم في الدار ، ومباعدتهم في ‏السكن والجوار ، فإنه إذا فعل ذلك تضرر بوَحدتِهِ ، وأضَرَّ بمن وراءه من ‏أهله وأسرته . وإن كانت نفسه بكلها مستقلة ، وحاله في ذاته وذويه ‏متماسكة فالاختيار له في هذا الزمان اعتزال الناس ومفارقة عوامهم ، فإن ‏السلامة في مجانبتهم ، والراحة في التباعد منهم ) (‏ ‏) .‏
إن المتأمل في كلام الإمام أبي سليمان الخطابي ـ رحمه الله ـ يلحظ ‏أنه عَلَّقَ الخلطة أو العزلة بالمصلحة ثم ركَّز على مصلحة الفرد ذاته ، ‏ومصلحته الدنيوية من إصلاح معاشه ومهنته ، والقيام على أولاده وأسرته .‏
وإن كان يفهم من كلامه السابق في تعريف العزلة دخول المصالح ‏كلها ـ الدينية والدنيوية ـ في النظر والاعتبار ، بيد أنه لم يشر إليها هنا .‏
وأما الحافظ ابن حجــر ـ رحمه الله ـ فقد كانت العبارة التي نقلها ـ ‏مُقرّاً لها ومؤيداً لما فيها ـ أشمل وأوفى وأدق ، حيث قال : ( وقال غيره ‏‏(‏ ‏) : يختلف باختلاف الأشخاص ، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين ، ‏ومنهم من يترجح ، وليس الكلام فيه بل إذا تساويا فيختلف باختلاف ‏الأحوال فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات .‏
فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر ، ‏فيجب عليه إما عيناً وإما كفايةً ، بحسب الحال والإمكان .‏
وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر ‏بالمعروف والنهي عن المنكر .‏
وممن يستوي من يأمن على نفسه ، ولكنه يتحقق أنه لايطاع ، ... ) ‏‏(‏ ‏) أهـ .‏
إذن فالقضية تدور حيث دارت المصلحة ، سواءً كانت مصلحة عامة ‏كمصلحة الأمة قاطبة ، أم كانت مصلحة خاصة كمصلحة شخص أو فرد ‏بعينه . فأحيانا يكون الاختلاط فرضاً واجباً يتعين على شخص بعينه أو ‏أشخاص . ووجوبه إما لتعليم الناس ونشر العلم أو للإصلاح والصلة ، أو ‏للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو لإفادة وإعانة عباد الله دنيوياً ‏وأخروياً ....‏
وفي المقابل قد يكون اعتزال الناس والانكماش عنهم وترك فُضول ‏صحبتهم هو الواجب والمتعين على بعض الناس ، لاسيما من خشي ‏الإضرار بنفسه أو غيره بذلك الاختلاط ، دون أن تُجنى وتُحَقَّق مصلحة ‏أعظم وأكبر من هذا الإضرار .‏
وقد يكون أحد الأمرين ـ العزلة والخلطة ـ أرجح من الآخر دون أن ‏يصل الأمر إلى حد الوجوب إذا كان فيه تحصيل مندوب ، أو التخلص من ‏مكروه . ‏
وربما استوى الأمران حين لايكون ثَمَّ مصلحة ولا مفسدة ، أو حين ‏تكون المصلحة والمفسدة متعادلتين (‏ ‏) .‏
وقد فصَّل الغزالي ـ رحمه الله ـ في الأمور التي يرجع إليها في ‏تحديد المصلحة ، فبعد أن ذكر اختلاف العلماء في العزلة والخلطة ، وحجج ‏المائلين إلى المخالطة ، وحجج المائلين إلى العزلة ـ وقد تقدم ذكر ذلك كله ‏في أول هذا الفصل ـ ، ثم ذكر فوائد العزلة وغوائلها ، وفوائد الخلطة كذلك ‏‏(‏ ‏) .‏
بعد ذلك كله خلص إلى القول بـ : ( أن الحكم عليها (‏ ‏) مطلقاً ‏بالتفضيل نفياً وإثباتاً خطأ ، بل ينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله ، وإلى ‏الخليط وحاله ، وإلى الباعث على مخالطته ، وإلى الفائت بسبب مخالطته ‏من هذه الفوائد المذكورة ، ويُقاس الفائت بالحاصل ، فعند ذلك يتبين الحق ، ‏ويتضح الأفضل ، وكلام الشافعي ـ رحمه الله ـ هو فصل الخطاب ، إذ قال ‏‏: " يايونس ، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة ، والانبساط إليهم مجلبة ‏لقرناء السوء ، فكن بين المنقبض والمنبسط " فلذلك يجب الإعتدال في ‏المخالطة والعزلة ، ويختلف ذلك بالأحوال . وبملاحظة الفوائد والآفات ‏يتبين الأفضل . هذا هو الحق الصُّراح ، وكل ماسوى هذا فهو قاصر .... ) ‏‏(‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:37 PM
‏* ثم إن كل ماتقدم ذكره ـ بعد ذكر الخلاف في المفاضلة بين العزلة ‏والخلطة ـ من تلخيص وفوائد واستخلاص إنما هو متعلق بقضية العزلة ‏فحسب ولم تُطرق قضية الخلطة إلا بإشارات عابرة لاتفصيل فيها ، ‏والتفصيل فيها كالآتي :‏
‏* تقدم (‏ ‏) أن الأصل في الإسلام الخلطة ، وليست العزلة ، وأن ‏الإسلام دين الجماعة والاجتماع ، والأصل في المسلم الاختلاط بالناس ‏ومعاشرتهم ، لااعتزالهم وهجرهم .‏
‏* لذا نجد أن الشارع الحكيم أمر بالخلطة وحث عليها في المجامع ‏العامة كالأمر بالجماعة في الصلوات كصلاة الجمعة والصلوات المفروضة ‏وصلاة العيدين والكسوف وغيرها ، إما فرضا على الأعيان ، أو على ‏الكفاية .‏
‏* كما أمر بطلب العلم الشرعي وأوجبه وجوباً عينياً في بعض ‏المسائل ، وكفائياً في البعض الآخر ، كما جاء بإيجاب بذل العلم ونشره ‏وتيسيره لمن طلبه .‏
‏* ونجد أن الشارع الحكيم ـ أيضا ـ حث على تنظيم العلاقات ‏الاجتماعية ، وجاء ببيــان الحقـــوق والواجبات ، للفــرد والجماعة ، كما ‏في حديث البراء بن عازب قال : (( أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏بسبع ، ونهانا عن سبع . أمرنا بعيادة المريض ، واتباع الجنازة ، وتشميت العاطس ، ‏وإبرار القسم ، أو المُقْسِمِ ، ونصْرِ المظلوم ، وإجابة الدَّاعي ، وإفشاء السَّلام .... )) ‏الحديث (‏ ‏) .‏
‏* وأوجب الشارع الحكيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ‏والنصيحــة ، والرد على أهل البدع ، وجهاد الكفار ، إيجاباً كفائياً ، يأثم ‏بتركه والتفريـط فيه جميــع المسلمين .‏
‏* كما أمر الشارع بالهجرة إلى الله ورسوله ، وذم المتخلِّفين عن ذلك ‏ووعيدهم ونهى المرء أن يرتد أعرابياً بعد الهجرة ، كما يدل عليه قول ‏الحجاج بن يوسف لسلمة بن الأكوع : ياابن أكوع ، ارتددْت على عقبيك ، ‏تعَرَّبْتَ ؟ قال : لا ، (( ولكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أذن لي في البدو ‏‏)) (‏ ‏) .‏
ولايخفى مافي الهجرة من اجتماع المسلمين في مصر واحد وتعاونهم ‏وتكاتفهم.‏
‏* وأمر الشرع بحسن الخُلق واللين والتودد والملاطفة ، وحذّر من ‏البذاءة والجفاء والحقد والحسد ، والتباغض والتدابر ، وغيرها من الأخلاق ‏المذمومة الرديئة .‏
ومن المعلوم أن الإنسان لايدري مقدار تحققه بالأخلاق الفاضلة ، أو ‏مقدار تخلصه من الأخلاق المذمومة إلا بمخالطة الناس ومعاشرتهم ‏ومعاملتهم في الشئون المختلفة ، بحيث يتبين مدى صبر الإنسان وحلمه ، ‏وسعة خلقه وطيب معشره ، أو يتبين ضد ذلك من التبرّم ، والضيق ‏والغضب ، وسوء الخلق ، ورداءة الطبع .‏
فالإســلام دين الجماعــة والاجتماع ، والتوجيهات الإلهية معظمها ‏موجهة إلى : { الــِذيــنَ ءامـــَـنــُواْ } وفيها الحث على الاعتصام بحبل ‏الله وعدم التفرق ، وفيها الحث على التعاون على البر والتقوى ، لاعلى ‏الإثم والعدوان ، وفيها الحث على الجهاد والقتال صفاً كأنهم بنيان ‏مرصوص ........ الخ .‏
‏* كما أمر الشرع بإقامة بنيان الأخوة الإسلامية بين المؤمنين ، ‏وبيان فضلها وأهميتها ، والوعد بعظيم الأجر للمتحابين في الله ، ‏والمتزاورين فيه ، والمتجالسين فيه ، والمتباذلين فيه ، كما جاء بالنهي عن ‏التباغض ، والتدابر ، والتهاجر ، وسائر الأسباب التي تورث الضغينة ‏وتسبب البغضاء بين المؤمنين ، كما في حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ ‏مرفوعاً : (( لاتباغضوا ، ولاتحاسدوا ، ولاتدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، ‏ولايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام )) (‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
إذن فكل هذه الأمور ـ المذكورة ـ التي أمر بها الشرع تدل على أن ‏الأصل في الإسلام الخلطة وليست العزلة ، وأن الإسلام دين الجماعة ‏والاجتماع . وأن الأصل في المسلم مخالطته للناس ومعاشرته ومخالقته لهم ‏، لااعتزالهم وهجرهم ، والعزلة إنما تكون في أمور وحالات مستثناة ‏سيأتي ذكرها الآن ـ إن شاء الله ـ .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:39 PM
المبحث الثاني ‏
‏{ الحالات التي تُشرع فيها العزلة }‏
‏= = = = = = = = = =‏

تقدم ـ قريباً (‏ ‏) ـ أن الأصل في المسلم الخلطة وليست العزلة .‏
‏* وبناء على هذا الأصل المهم المتين : فإن الأصل في العزلة الكلية ‏المطلقة هو المنع حيث يترتب عليها تضييع الحقوق ، وتفويت الفرائض ، ‏وتعطيل كثير من الواجبات ، كترك التعلم والتعليم ، والأمر والنهي ، وصلة ‏الرحم والقرابة ، مع التعرض لكيد الشيطان ومكره ووسوسته وتلبيسه ، ‏فإنه إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ـ وقد تقدم قريباً تفصيل ذلك (‏ ‏) ـ .‏
ولكن ثمَّةَ حالات تُستثنى من هذا المنع من العزلة الذي هو الأصل ‏الكلي العام ، فتُشرع فيها العزلة .‏
وقد تقدم الكـــلام على بعــض هذه الحــالات التي تشرع فيها العزلــة ‏إجمالاً دون تفصيــــل فيها ، لاســيما الحالات التي تشــرع بسبب خاص ، ‏والتي تكون بسبب الفرد ذاتـــه (‏ ‏) .‏
‏* فقد تكون العزلة بالنسبة لأشخاص وأفراد معينين خيراً لهم من ‏الخلطة ، ومثال ذلك أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعبد الله بن عامر الجهني ‏بذلك ، حينما سـأله عن النجاة ؟ فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أملك ‏عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك )) (‏ ‏) . ولا يمكن تنزيل قوله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعبد الله بن عامر هذا القول إلا على ماعرفه ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ بنور النبوة من حاله ، وأن لزوم البيت كان أليق ‏وأسلم له من المخالطة ، بدليل أنه لم يأمر جميع الصحابة بذلك ، فرب ‏شخص تكون سلامته في العزلة بذلك لا في المخالطة ، كما قد تكون ‏سلامته في القعود في البيت وأن لايخرج إلى الجهاد ، وذلك لايدل على أن ‏ترك الجهاد أفضل . وفي مخالطة الناس مجاهدة ومقاساة ، ولذلك قال ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي ‏لايخالط الناس ولا يصبر على ذلك )) (‏ ‏) .‏
وعلى هذا يَتَنَزَّلُ قوله عليه السلام : (( رجل معتزل يعبد ربه ويدع ‏الناس من شره )) (‏ ‏) . فهذا إشارة إلى شرير بطبعه يتأذى الناس بمخالطته ‏‏(‏ ‏) .‏
فتشرع العزلة بسبب الفرد ذاته ، لعدم قدرته على رؤية المعاصي ‏والمفاسد .‏
‏* وذلك كمن يرى المنكرات ـ مثلا ـ فيهيج وينفعل ، لأنه لايستطيع ‏منع شره وأذاه عن الآخرين إلا باعتزالهم ، وأما إذا خالطهم فيثور ويتحرك ‏إلى الشر والإضرار بنفسه وبغيره بمجرد رؤية أي منكر ، وإذا ثار وهاج ‏وانفعل أصبح يغير المنكر بطرق غير مشروعة ، بل قد يكون فيها اعتداء ‏وتسرع ربما يؤدي إلى مضاعفة المنكر ، وربما يكون سبباً في اغلاق باب ‏الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وربما يترتب عليه أذى للمؤمنين .‏
‏* وكذلك كمن يكون شديد الحساسية ضد المنكرات ، فإذا رآها تأثر ‏تأثراً شديداً وتعكر مزاجه ، وتكدَّرت حياته ، فلم يهنـأ بعيـش ولا بعبادة ، ‏وتفاقم لديه الشعور بالغربة ، دون أن يصنع شيئاً لضعفه .‏
‏* وكمن يعرف من نفسه الضعف والميل إلى الفواحش ، فإذا جاورها ‏وخالط أهلها ورآها في غُدُوِّه ورواحه أنِسَت نفسه بها ، وشعر بالاسترواح ‏إليها ، وهو يستطيع أن يحمل نفسه على اعتزال هذه البيئات حفاظا لما هو ‏أهم مما سيفقده حال الاعتزال .‏
فمثل هؤلاء قد تُشرع في حقهم العزلة ، كفاً لشرهم عن الناس ، أو ‏حفاظاً لهم عن شرور الناس .‏
ولذلك جاء في الأحاديث الآنفة ـ قريبا (‏ ‏) ـ نفسها التعبير بـ (( .... ‏مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ، ويدع الناس من شره )) وحديث (( .... ‏ليس من الناس إلا في خير )) وحديث أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ‏لأصحابه : (( ألا أخبركم بخير الناس )) ؟ قالوا : بلى يارسول الله ، فقال : (( ‏رجل اعتزل شرور الناس )) (‏ ‏) . وهكذا .‏
فمثل هذه الحالات السالفة هي حالات خاصة شُرعت بسببها العزلة ، ‏وهي ـ كما سبق قريباً (‏ ‏) ـ تكون بسبب الفرد ذاته ، إما لعدم قدرته على ‏احتمال رؤية المعاصي والمفاسد ، أو لخوفه على نفسه من الوقوع فيها ‏خوفاً ظاهراً قوياً ، وإما لتَمَيُّزِه بطبائع وخلائق سيئة ، من الحدة والشدة ، أو ‏التعجل والهوج ، أو غيرها مما يلحق الضرر بالآخرين ، دون تحصيل ‏فائدة تُذْكر ، ولا يملك الخلاص منها أو تخفيفها وتهذيبها ، إلى أسباب ‏أخرى يكون متعلقها الفرد ذاته ، وليس الحال العام .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:41 PM
* وثَمَّة حالات أخرى عامة ، تُشرع فيها العزلة ، بسبب تغيُّرٍ عام ‏يقع في المجتمع .‏
ومن هذه الحالات مايلي :‏

الحالة الأولى : عند فساد الزمان : ‏
لقد اشار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الزمان الذي يتعذّر فيه ‏إصلاح العامة ، لاختلاف الناس وتناحرهم وتطاحنهم ، وخفة أحلامهم ‏وأماناتهم ، ومروج عهودهم ونذورهم ، ووصف ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏أهل ذلك الزمان بأنهم (( حُثالة )) من الناس . فهو إشارة إلى استقرار ‏الانحراف العام ، والغربة الشاملة ، وغلبة الشر والفساد ، غلبة لايطمع ‏معها في إصلاح العامة .‏
وقد بيّن ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه يُشرع للمرء حينئذٍ أن يُقبل على ‏خاصته ، ويذر أمر العامة .‏
ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قال : (( كيف بكم وبزمان أو : يوشك أن يأتي زمانٌ يغربل الناس ‏فيه غربلة (‏ ‏) ، تبقى حثالة من الناس قد مرجت (‏ ‏) عهودهم وأماناتهم ، ‏واختلفوا فكانوا هكذا ، وشبَّك بين أصابعه ، فقالوا : كيف بنا يارسول الله ؟ قال : ‏تأخذون ماتعرفون ، وتذرون ماتُنْكرون ، وتُقْبِلُون على أمر خاصتكم ، وتَذَرُون أمر ‏عامتكم )) (‏ ‏) .‏
وعن مرداس الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ وكان من أصحاب الشجرة ‏، قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( يذهب الصالحون الأوّل فالأوّل ، ‏ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر ، لايباليهم الله باله (‏ ‏) )) (‏ ‏) .‏

فقد بين ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الأحاديث مجموعة من ‏صفات أهل ذلك الزمان وهي كالتالي : ‏
‏1 = أنهم حثالة من الناس ، وهذا يعني شدة ضعفهم في الدين ، ‏والخلق والعقل والمروءة ، وأنهم بقية مخلفة في الناس ، كما تخلف الحثالة ‏في قاع الإناء .‏
‏2 = أنهم قد مرجت عهودهم وأماناتهم ، واختلطت ، وفقدت الثقة ‏فيهم ، فهم إذا حدّثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا عاهدوا غدروا ، وإذا ‏خاصموا فجروا ، وإذا ائتمنوا خانوا .‏
ولذلك بوّب الإمام البخـاري ـ رحمه الله ـ في كتاب الفتن من ‏صحيحــه باباً فقال : ( باب : إذا بقي في حثالة من الناس ) ، وساق تحته ‏حديث حذيفة في نــزع الأمانة : وجاء فيه : (( .... ويصبح الناس يتبايعون فلا ‏يكاد أحد يُؤدي الأمانة ، فيُقال : إن في بني فلان رجلاً أميناً .... )) الحديث (‏ ‏) .‏
‏3 = أنهم مختلفون متنازعون اختلافاً كبيراً ، عبّر عنـه النبي ـ صلى ‏الله عليه وسـلم ـ بصورة حسِّية حيث شبَّك أصابع يديه بعضها ببعض .‏
وفي حديث أبي ثعلبــة الخُشـــني ـ رضي الله عنه ـ حين ســئل عن ‏قولـه تعالى : { عَلَيْكُـمْ أَنـفُسَـكُمْ } [ المائدة : 105 ] ، قال للسائل (‏ ‏) : ‏أما والله لقد سألت عنها خبيراً ، سألت عنها رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ فقال : (( بل ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شُحاً ‏مطاعاً وهوىً متّبــعاً ، ودنـيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك ـ يعني ‏نفســـك ـ ، ودع عنك العـــوام )) (‏ ‏) .‏
‏ ويلاحظ أن هذا الحديث أضاف صفات أخرى غير ماسبق وهي :‏
‏4 = الشح المطاع : والشح هو البخل مع الحرص (‏ ‏) ، وطاعته ‏هي استجابة المرء لهذا الشح بالمال وبالمعروف ، ومطاوعة غيره له على ‏هذا الشح (‏ ‏) .‏
‏5 = الهوى المتَّبَع ، أي أن كل إنسان يتبع هواه ، ولا يلتفت إلى ‏شرع ولا دين ، بل يجري خلف ماتهواه نفسه ، ولو كان فيه عطبه ، وهذا ‏يدل على إعراض أهل هذا الزمان عن نصوص الوحي وتحكيمها ، ويدل ‏على غربة افراد الفرقة الناجية ، المجانبين للهوى وما يترتب على اتباعه ‏من أنواع الفسوق ، وأنواع البدع .‏
‏6 = الدنيا المؤثرة ، المؤثرة على الآخرة ، كما قال تعالى : { بَـلْ ‏تُـؤْثِـرُونَ الْحَيَــــوةَ الدُّنْيَــا * وَالآخِــرَةُ خَـيْــرٌ وَّ أَبــْــقَــى } [ ‏الأعلى : 16 ـ 17 ] .‏
‏7 = الإعجاب بالرأي ، وإعجاب المرء بنفسه مدعاة إلى ترك ‏الكتاب والسنة وأقوال الأئمة والسلف ، وسبب لعدم قبول الحق ممن جاء به ‏، وبهذا تتراكم الأخطاء ، ويتعذر التدارك والإصلاح .‏
ومحصل هذه الصفات ـ السالفة ـ كلها : أن لافائدة من الأمر ‏والنهي والإصلاح في مجال العامة ( وهم الدهماء والجمهور ، وإن ترأسوا ‏وسادوا ) (‏ ‏) ، بل ربما ترتب على الأمر والنهي ضرر بأن يتضاعف ‏المنكر ويزداد ، أو يتأذى الآمر في نفسه ، أو أهله ، أو ماله .‏
ولعل هذا هو الضابط العام لتلك الحال : ألا يكون ثم فائدة ترجى من ‏الدعوة والأمر والنهي بين هؤلاء المسَمّينِ بـ ( العامة ) ، وفي مقابل التحقق ‏من عدم النفع ، هناك توقع لحصول الضرر الديني والدنيوي للآمر ولغيره ‏، ولاشك أن الأصول العامة تقتضي ترك الأمر والنهي ـ حينئذٍ ـ دفعاً ‏للمفسدة المتوقعة التي لاتوجد مصلحة تكافئها في فصل الأمر والنهي . ‏فيكون الحديث مضطرباً مع القاعدة العامة في المصلحة والمفسدة .‏
وتحديد هذا الزمان أمر تختلف فيه الأنظار ، كما تختلف فيه الأقطار ‏، فقد يوجد في مكان دون مكان ، وفي زمان دون زمان ، كما قال الإمام ‏الطحاوي ـ رحمه الله ـ : ( يجوز أن الأزمنة تختلف وتتباين ، وأن كل ‏زمان منهـــا له حكمه الذي بينــه رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته ‏، وأعلمهم إياه ، وأعلمهم مايعملون فيه ، فعلى الناس التمسك بذلك ولزومه ‏، ووضع كل أمر موضعه الذي أمرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏بوضعها ، وألاّ يخرجوا عن ذلك إلى ماسواه ) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:42 PM
وقد رسم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الطريق الذي يسلكه المؤمن ‏حين تظهر تلك الصفات الست السابقة ، ووجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏المؤمن ـ كما في الأحاديث السابقة ـ في مثل تلك الظروف وما ينجم عنها ‏من ترك الأمر والنهي إلى أمرين مهمين :‏
أولهما : تأخذون ماتعرفون ، وتدعون ماتنكرون .‏
والثاني : تقبلون على أمر خاصتكم ، وتدعون أمر العامة .‏
فالأمر الأول : فيه بيان تعامل الفرد والجماعة مع الواقع من حولهم ، ‏تعاملاً يتميز بالعدل والإنصاف ، فيأخذون مايعرفون ، مما عرف بالشرع ‏والعقل حسنه ، ويتركون ماينكرون ، مما لم تأت به الشريعة ، ولاتقبله ‏العقول السليمة ، وبذلك ينتفعون بما يوجد لدى غيرهم من خير ، ويتجنبون ‏مايوجد لديهم من شر ، ويحفظون أنفسهم من السّمة الغالبة على أهل ‏عصرهم وهي سمة طاعة الشح ، واتباع الهوى ، والإعجاب بالرأي ، إذ ‏إنهم يحكّمون الشرع الذي بيّن لهم المعروف ليأخذوه ، والمنكر ليدعوه .‏
ويسلمون من البدع والآراء والأهواء التي هي سبب الاختلاف ‏والتفرق ، الذي هو سمة ذلك العصر ، كما في الحديث في صفتهم : (( ‏واختلفوا فصاروا هكذا ، وشبك بين أصابعه .... )) فالمعتصمون بالسنة ناجون ‏من الاختلاف وأسبابه ، وما أصابهم من اختلاف أو تفرق فبسبب نقص ‏الاتباع .‏
والأمر الثاني : فيه بيان موقفهم من الخاصة والعامة .‏
ويرى الإمام الخطابي أن المقصود بالخاصة في هذا الحديث مايخص ‏الإنسان في ذاته من إعانة أهله ، وسياسة ذويه ، والقيام لهم ، والسعي في ‏مصالحهم ، ويعتبر هذا التوجيه متعلقاً بالمصالح الدنيوية .‏
أما ترك العامة ـ عنده ـ فهو ترك التعرض لأمرهم ، والتعاطي ‏لسياستهم ، والترأس عليهم ، والتوسط في أمورهم (‏ ‏) .‏
وحين يُرجع إلى المعنى اللغوي لكلمة ( خاصة ) يتبين أنها تحتمل ‏عدة معان :‏
الأول : أن يراد بالخاصة الشخص ذاته ، دون غيره ، ومنه حديث : ‏‏(( بادروا بالأعمال ستاً : ... )) وذكر منها : (( ... أو خاصة أحدكم ، أو أمر ‏العامة )) (‏ ‏).‏
والمقصود بـ ( الخاصة ) أو ( الخويصة ) ، في هذا الحديث : ‏الشيء الذي يخص كل إنسان بعينه ، وهو الموت كما أفاده ابن الأثير ‏والنووي ـ رحمهما الله ـ (‏ ‏) ، وأمر العامة فسره قتادة بالقيامة (‏ ‏) .‏
وإذا فُسر حديث الباب بهذا المعنى صار المرء مطالباً فيه بالعناية ‏بنفسه وحفظها وترك التعرض لغيره .‏
الثاني : أن يراد بها مايخص الإنسان في أمور دنياه ، ويلزمه القيام ‏به ، من إعالة الأهل والأولاد ، والسعي لمصالحهم وأقواتهم (‏ ‏) .‏
وإذا فُسّر حديث الباب ـ أيضاً ـ بهذا المعنى صار المرء مطالبا ‏بالاقتصار من الدنيا ومن مخالطة أهلها ، على مالا بد له منه في تدبير أمور ‏معاشه ، ومعاش من يعول .‏
الثالث : أن يراد بـ ( الخاصة ) أصحاب الإنسان وخلصاؤه ‏وأصدقاؤه ، لأنه يختصهم بالود والمصافاة ، قال الشاعر :‏
إنّ امرءً خصَّنِي عمْداً مودّته على التنائي لعندي غير ‏مَكفورِ (‏ ‏) ‏
وقال الأزهري (‏ ‏) : الخاصة الذي اختصصته لنفسك (‏ ‏) .‏
ومنه مانسب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قوله : (( إن لكل ‏نبي خاصة من أصحابه ، وإن خاصتي من أصحابي أبو بكر وعمر )) (‏ ‏) .‏
وعلى هذا المعنى يكون مقصود الحديث أمر الإنسان المتبع بالإعتناء ‏بأمر الخاصة من أصحابه وخلصائه وأودَّائه في الله ، والاهتمام بصلاح ‏شئون دينهم ودنياهم ، وملازمتهم ، وترك أمر العامة .‏

وهذا يكون في الحال التي ينطبق عليها الوصف الوارد في الأحاديث ‏، وهي على ضربين : ‏
الأول : أن تقع في زمن خاص ، في مكان خاص من أرض الإسلام ، ‏وهذا جائز وقوعه في كل عصر .‏
والثاني : أن تقع شاملة في الأرض كلها ، بصورة تامة ، وهذا ‏ماترجح من أنه يكون قبيل الساعة ، حيث لاينفع أمر ولا نهي ، فيؤمر ‏المؤمنون المتحلون بصفات الطائفة المنصورة أن يُعنَوْا بصلاح حالهم ‏الخاص ويدعوا أمر العامة حتى يأتي أمر الله والله أعلم .‏

وهذا المعنى الثالث : هو الأقرب لدلالة الحديث ، لاعتبارات عديدة . ‏منها :‏
‏* أنه الموافق لقوله تعالى : { يَـــــأَيـــُّــهَا الَّذِيــنَ ءَامَنُـــــواْ ‏عَلَيْكُـمْ أَنـفُسَـكُمْ لاَ يَـضُرُّكُم مَّـن ضَـلَّ إِذَا اهْـتَـدَيــْــتُـمْ } [ المائدة : ‏‏105 ] .‏

‏* وكذلك فسر الآية جماعة من السلف ، كابن مسعود ، والحسن ‏البصري ، وابن عمر ، ـ رضي الله عنهم ـ وجماعة من أصحاب النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ يرون أن تأويل هذه الآية لم يجيء بعد ، وأنها في ‏آخر الزمان (‏ ‏) .‏
‏* ومنها : أن الصالحين والدعاة إلى الله مطالبون ـ شرعاً ـ بأن يشد ‏بعضهم بعضاً ويحفظ ويعين بعضهم بعضاً ، في كافة الأحوال والأوضاع . ‏لا أن يرمي بعضهم بعضاً بالتهم ، ويترصد بعضهم لبعض ويتصيدوا ‏العثرات والزلات والسقطات ، فينشرونها في مختلف وسائل الإعلام ، ‏ويحكمون على المقاصد والنيات ، ويُنَشِّؤُون المبتدئين على ذلك وعلى ‏التهَجُّم على الدعاة والعلماء كما هو حاصل في زماننا هذا والله المستعان .‏
‏* ومنها : أن الخاصة في الحديث مقابلة بـ ( العامة ) ، والأقــرب أن ‏المعنــى : مادام أن الاشتغال بصلاح العامة أمر غير ذي جدوى ، بل ‏ضرره أكثر من نفعه ـ إن كان له نفع ـ فدعوه ودعوهم ، واشتغلوا بصلاح ‏خاصتكم ، حيث يفيد الأمر والنهي والإصلاح .‏
ويمكن إدخال المعاني الأخرى ضمن هذا المعنى ، إذ حين يُفسَّر ‏الخاصة بخلصاء الإنسان وأودائه وأصحابه الموافقين له في لزوم السنة ، ‏واتباع المنهج ، فإنه يدخل ـ هو ـ فيهم دخولاً أوليــاً ، أي : عليــك بنفســك ‏، وبمن أنت منهم ، وعلى هذا تُحمل روايات : (( عليك بنفسك )) (‏ ‏) ، و ‏‏(( عليك بخاصة نفسك )) (‏ ‏) .‏
وحصر هذا التوجيه في الشئون الدينية ، كما يراه الخطابي ـ رحمه ‏الله فيما تقدم من قوله قريبا (‏ ‏) _ فيه بُعْدٌ ، وليس في النص مايسعفه ‏ويساعده ، أو يَشهد له ، بل الأولى أن يكون شاملاً لشئون الدنيا والدين ، ‏والله أعلم (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:48 PM
الحالة الثانية : عند حلـول الفـتن :‏
تقدم في أول الرسالة تعريف الفتنة في اللغة والاصطلاح ، وذكر ‏معانيها ووجوهها بما يُغني عن إعادتها (‏ ‏) .‏
والمقصود بها هنا : مايعرض للفرد والجماعة من آثار الشبهات ‏والشهوات من انحراف واختلاف وتفرق وتقاتل ، مما حفلت كتب السنة ‏النبوية المطهرة بخبره كله .‏
وقد جاءت السنة كثيراً بإطلاقها على الإختلاف والتفرق الواقع بين ‏المسلمين ، وما يترتب عليه من تحزُّب وقتال وقتل ، وشاع استعمالها بهذا ‏المعنى .‏
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ : ( والمراد بالفتنة ماينشأ عن ‏الاختلاف في طلب الملك ، حيث لايُعلم المُحق من المُبطل ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد وردت أحاديث في التحذير من الفتن عموماً ، والحث على ‏اعتزالها بالكلية ، والفرار منها .‏
ومن هذه الأحاديث ماتقدم ذكــره ، كحديــث أبي سعيد الخدري ـ ‏رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسـلم ـ قــال : (( يأتـي علـى ‏النــاس زمـان خيــر مال الرجل المسلم ، الغنمُ ، يَتْبَعُ بها شَــعَفَ الجبال ومواقع ‏القطر ، يفر بدينـــه مــن الفتن )) (‏ ‏) .‏
وحــديث ابي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رســول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قال : (( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل ‏مؤمناً ، ويمسي كافراً ، أو يمسي مؤمناً ، ويصبح كافراً ، يبيع دينه بعرض من ‏الدنيا )) (‏ ‏) .‏
وأما الأحاديث الواردة في الاختلاف والتنازع بين المسلمين ، وما ‏يتبعه من قتال وتطاحن وسفك للدماء فهي كثيرة جداً (‏ ‏) ، سيأتي ذكرها ـ ‏قريباً ـ إن شاء الله (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:49 PM
المبحث الثالث
‏{ العزلة والخلطة إبان فتنة القتال }‏
‏= = = = = = = = = = = = ‏

تقدم في مستهل المبحث السابق أن العلماء اختلفوا في التفضيل بين ‏العزلة والخلطة وتقدمت أقوالهم وحججهم مع مناقشتها ، بيد أن ذلك الخلاف ‏في المفاضلة بين العزلة والخلطة لم يحدد بزمن معين ووقت مخصص ، ‏فهو يشمل كل زمان ومكان تضافرت فيه أسباب أحدهما .‏
وأما هنا ـ في هذا المبحث ـ فسيُذكَر الخلاف في المفاضلة بين العزلة ‏والخلطة ولكن في وقت مخصص ، وهو عند ظهور الفتن ، وخاصة فتنة ‏القتال الناشئة ـ غالباً ـ عن التنازع والاختلاف ، فقد اختلف العلماء ـ هنا ـ ‏في المفاضلة فيها بين العزلة والخلطة ، كما هو حاصل من تقدم هذا ‏الاختلاف ـ فيها أيضاً ـ بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في فتنة القتال التي ‏وقعت بين علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ . فمنهم من رأى اعتزالها ، ‏ومنهم من رأى المشاركة فيها ونصر الحق وقتال الباغين ، وهاهو التفصيل ‏في هذه المسألة :‏
إن الأحاديث الواردة في الإختلاف والتنازع بين المسلمين ، وما ‏يتبعه من قتال وتطاحن وسفك للدماء كثيرة جداً ، سيأتي معظمها في ثنايا ‏ذكر الخلاف في فتنة القتال .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:52 PM
وقد اختلف العلماء ـ منذ عهد الصحابة ومن بعدهم ـ فيما إذا وقع بين ‏المسلمين فتنة حرب وقتال وتطاحن وسفك للدماء ، إلى عدة أقوال :‏

القول الأول :
قالوا باعتزالها وعدم الخوض والمشاركة فيها بحال ‏، وذلك لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرشد أمته إلى كيفية التصرف في ‏مثل هذه الفتن التي تثور بين المسلمين ، حيث يخفى الحق وتضطرب ‏الأمور ، فقد دعا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى اجتناب الصراع ‏والقتال في مثل هذه الحال ، والاعتزال في مكان ناءٍ ، يرعى الرجل الغنم ‏في قمم الجبال ، أو يجاهد الأعداء على حدود الدولة المسلمة ، فإن وصلت ‏إليه سيوف المتحاربين فقد أُمر بأن يمتنع عن الدفاع عن نفسه ، ولو كان ‏في هذا هلاكه أو موته (‏ ‏) ـ على خلاف في ذلك سيأتي قريباً بعد سوق أدلة ‏هذا القول ـ .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:53 PM
وقد استدل أصحاب هذا القول على قولهم باعتزال فتنة القتال بأدلة ‏كثيرة ، منها ماتقدم ذكره ، ومنها مالم يتقدم ، فمما استدلوا به :‏
‏1 = ماثبت عن أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ (( إنها ســتكون فتن . ألا ثم تكون فتنةٌ القاعد فيها خير من ‏الماشي فيها . والماشي فيها خيرٌ من الساعي إليها . ألا ، فإذا نزلت أو وقعت ، فمن ‏كان له إبِلٌ فَلْيَلْحقْ بإبلِــهِ . ومنْ كانت له غنمٌ فلْيَلْحق بغنمهِ . ومن كانت له أرض ‏فليلحق بأرضهِ )) قال : فقال رجل : يارسول الله ! أرأيت من لم يكن له إبل ‏ولا غنم ولا أرض ؟ قال : (( يعمد إلى سيفهِ فَيَدُقُّ على حَدِّهِ بِحَجَرٍ (‏ ‏) . ثم ليَنْجُ ‏إن استطاع النجاءَ . اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ؟ )) قال : ‏فقال رجل : يارسول الله ! أرأيت إن أُكْرِهْتُ حتى يُنْطَلَقَ بي إلى أحد ‏الصَّفَّيْنِ ، أو إحدى الفِئَتَيْنِ ، فضربني رجل بسيفهِ ، أَو يجيءُ سهمٌ فيقْتُلُني ؟ ‏قال : (( يبوءُ بإثمِهِ وإثْمِكَ (‏ ‏) ويكون من أصحابِ النار )) (‏ ‏) .‏
والظاهر : أن هذا إذا لم يترجَّح لدى المسلم جانب الحق ، وإلا وجب ‏عليه الوقوف معه ، ويقاتل من يقاتله ، ولكن العزلة أسلم في سائر الإحوال ‏‏. والله أعلم .‏
‏2 = كما استدلوا بحديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : ‏قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( يأتي على الناس زمان خير مال ‏الرجل المسلم ، الغنم ، يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجبال ومَواقِعَ القطرِ ، يَفِرُّ بدينهِ من الفتن )) ‏وقد تقدم ذكره وتخريجه قريباً (‏ ‏) . ‏
‏3 = وبحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( أَظَلَّتْكُمْ فتنٌ كقِطَعِ الليلِ المُظلم أَنجى الناس منها ‏صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمه ، أو رجل من وراء الدروب آخذ بعنان فرسه ‏يأكل من فيء سيفه )) (‏ ‏) .‏
‏4 = وكذلك استدلوا بقولهم : أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد ‏بيّن لأبي ذرّ ـ رضي الله عنه ـ كيف يتصرف في مثل هذه الفتن التي تثور ‏بين المسلمين من صراع وقتال ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ له : (( .... ‏أرأيت إنْ قتل الناس بعضهم بعضاً حتى تغرق حجارة الزيت في الدماء (‏ ‏) كيف ‏تصنع ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : اقعد في بيتك ، وأغلق عليك بابك . قال : ‏أرأيت إن لم أُترك ؟ قال : ائتِ من أنت منه فكن فيهم ، قال : فآخذ سلاحي ؟ قال : ‏إذاً تُشاركهم . ولكن إن خشيت أو يُرَوِّعَك شعاع السيف فألقِ طرف ردائك على ‏وجهك ، يبوء بإثمك وإثــمـــه )) (‏ ‏) .‏
‏5 = وبحديث أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل ‏المظلم ، يُصبح الرجل فيها مؤمناً ، ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ، ويصبح كافراً ، ‏القاعد فيها خير من القائم ، والماشي فيها خير من الساعي ، فكسِّروا قِسِيَّكُم (‏ ‏) ، ‏وقطِّعوا أوتاركم (‏ ‏) واضربوا سيوفكم بالحجارة ، فإن دُخِلَ ـ يعني أحد منكم ـ فليكن ‏كخيرِابني آدم )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية ـ فيها زيادة ـ أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في الفتنة : ‏‏(( كسِّروا فيهــا قِسِــيِّكم ، وقطعــوا فيها أوتاركم ، والزموا فيها أجواف بيوتكم ، ‏وكونوا كابن آدم )) (‏ ‏) .‏
‏6 = ومنها ـ أيضــا ـ مارواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : ‏قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ستكون فتن ، القاعد فيها خير من ‏القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من تشرَّف ‏‏(‏ ‏) لها تستشرفه ، فمن وجد منها ملْجأً أو معاذاً فليَعُذْ (‏ ‏) به )) (‏ ‏) .‏
‏7 = ومنها : حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : ســمعت ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( تكون فتنة ، النائم فيها خير من ‏المضطجع ، والمضطجع فيها خير من القاعد ، والقاعد فيها خير من القائم ، والقائم ‏خير من الماشي ، والماشي خير من الراكب ، والراكب خير من المُجري ، قتلاها ‏كلها في النار ، قال : قلت : يارسول الله! ومتى ذلك ؟ قال : ذلك أيام الهرج ، قلت : ‏ومتى أيام الهرج ؟ قال : حين لايأمن الرجل جليسه ! قال : فيم تأمرني إن أدركت ‏ذلك الزمــان ؟ قال : اكفف نفسك ويدك ، وادخل دارك ، قال : قلت : يارسول الله ! ‏أريت إن دخل رجل عليَّ داري ؟ قال : فادخل بيتك ، قال : قلت يارسول الله ! أريت ‏إن دخل رجـل عليَّ بيتــي ؟ قال : فادخل مســجـدك واصنــع هكـــذا ـ وقبض بيمينه ‏على الكوع ـ وقل : ربِيَ الله حتى تموت على ذلك )) (‏ ‏) .‏
وثمة أحاديث أخرى استدل بها أصحاب هذا القول ، وهي تحث على ‏اعتزال الفتنة ، وكف اليد ، ولزوم البيت ، وحفظ اللســان ، وإن لم يــأت ‏التصريح فيها بكلمة ( الفتنة ) . ومن هذه الأحاديث مايلي :‏
حديث أبي ذر ـ المتقدم (‏ ‏) ـ والذي قالوا فيه : أن رسول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ قد بين له ـ رضي الله عنه ـ كيف يتصرف في مثل هذه ‏الحروب والفتن التي تثور بين المسلمين من صراع وقتال .‏
‏8 = ومنها : حديث أبي هـريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ قال : (( ويل للعرب من شر قد اقترب ، أفلح من كفَّ يده )) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏9 = وعن الأحنف بن قيس قال : ذهبت لأنصر هذا الرجل (‏ ‏) ، ‏فلقيني أبو بكرة ، فقال : أين تريد ؟ قلت : أنصر هذا الرجل ، قال : ارجع ، ‏فإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( إذا التقى المسلمان ‏بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار )) فقلت : يارسول الله ! هذا القاتل ، فما بال ‏المقتول ؟ قال : (( إنه كان حريصاً على قتل صاحبه )) (‏ ‏) .‏
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ عند شرحه لهذا الحديث : ( ‏واحتج به من لم ير القتال في الفتنة .... ) (‏ ‏) .‏
‏10 = عن عُدَيْسَةَ بنت أُهْبَانَ (‏ ‏) قالت : جاء عليُّ بن أبي طالب ‏إلى أبي ، فدعاه إلى الخروج معه ، فقال له أبي : إن خليلي وابن عمك عهد ‏إليَّ إذا اختلف الناس أن أتَّخذ سيفاً من خشب ، فقد اتخذتُه ! فإن شئت ‏خرجتُ به معك ، قالت : فتركه (‏ ‏) . والمراد باتخاذ السيف من الخشب : ‏الامتناع عن القتال (‏ ‏) .‏

هذه هي الأحاديث التي استدل بها أصحاب هذا القول على ماذهبوا ‏إليه من عدم القتال في الفتنة واعتزالها .‏
وأدلتهم هذه التي استدلوا بها تدل على مشروعية الاعتزال في الفتنة ‏، وعدم المشاركة والخوض فيها .‏
ثم اختلف هؤلاء ـ أنفسهم ـ أصحاب هذا القول الأول في كيفية ‏اعتزال الفتنة على قولين :‏
الأول : قالت طائفة : اعتزال الفتنة يكون بلزوم البيوت . ‏
الثانـي : وقالت طائفة أخرى : بل الاعتزال يكون بالتحول عن بلد ‏الفتن أصلاً .‏
ثم اختلف ـ أيضاً ـ هؤلاء القائلون بالعزلة فيما إذا داهمهم الخصم ‏وأراد قتلهم على قولين ـ أيضاً ـ :‏
الأول : قالوا : لايدخل في الفتنة ، فإذا هجم على شيء من ذلك ، أو ‏أراد أحد قتله يجب عليه أن يكف يده ولا يدافع عن نفسه ولو قُتل ، لأن ‏الطالب متأول ، وهذا مذهب أبي بكرة الصحابي ـ رضي الله عنه ـ وغيره .‏
الثاني : قالوا : نعم لايدخل في الفتنة ، ولكن إذا أراد أحد قتله دافع ‏عن نفسه وعن ماله ، وعن أهله ، وهو معذور إن قتل أو قتل ، وهذا مذهب ‏ابن عمر وعمران بن حصين ـ رضي الله عنهما ـ وغيرهما .‏
فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام ، بيد ‏أنهما مختلفان في الدفاع عن النفس كما تقدم ذكره أعلاه (‏ ‏) ‏
هذا وقد احتج بالأحاديث والأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول ‏، كل من لم يــرَ القتال في الفتنة من الصحابـة ـ رضي الله عنهم ـ وهم كل ‏من ترك القتــال مع علي ـ رضي الله عنه ـ في حروبه .‏
ولذلك لما وقع القتال بينه وبين معاوية ـ رضي الله عنه ـ اعتزل عدد ‏كبير من الصحابة ، وأبوا الدخول في قتال يقع بين المسلمين مع اعترافهم ‏ببيعة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ـ رضي الله عنه ـ وخلافته .‏
فاعتــزل عبــد الله بـن عمر (‏ ‏) ، وســعد بن أبي وقاص (‏ ‏) ، ‏ومحمد بن مســلمة (‏ ‏) ، وابو بكرة ـ نفيع بن الحارث (‏ ‏) ـ ، وأبو موسى ‏الأشعري (‏ ‏) ، وسلمة ابن الأكوع (‏ ‏) ، وأسامة بن زيد (‏ ‏) ، وأبو ‏مسعود الأنصاري (‏ ‏) ، وغيرهم من الصحابة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ‏‏.‏
وقد استدلوا واحتجوا على اعتزالهم للقتال وتركه بأحاديث الفتن ، ‏وتحريم دماء المسلمين ، والعزلة عند اختلاف المصلين واقتتالهم ، حتى ‏قال سعد بن أبي وقاص لمن دعاه إلى القتال ، وزعم أنه أحق بهذا الأمر من ‏غيره : لاأقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ، ولسان وشفتان يعرف الكافر ‏من المؤمن (‏ ‏) .‏
وقال أيضاً : مثلنا ومثلكم كمثل قوم كانوا على محجة بيضاء ، فبينما ‏هم كذلك يسيرون هاجت ريح عجاجة ، فضلوا الطريق والتبس عليهم ، ‏فقال بعضهم : الطريق ذات اليمين ، فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا ، وقال ‏آخرون : الطريق ذات الشمال ، فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا ، وقال آخرون : ‏كنا في الطريق حيث هاجت الريح فنُنِيخُ ، فأناخوا ، فأصبحوا فذهب الريح ‏، وتبين الطريق (‏ ‏) .* ‏
فهؤلاء هم الجماعــة ، قـــالوا : نلــزم مافارَقَنا عليه رســول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ حتى نلقاه ، ولا ندخل في شيء من الفتن (‏ ‏) .‏
ويقول آخر (‏ ‏) لمن طلب منه الخروج في قتال فتنة : إن أبي وعمي ‏شهدا بدراً ، وإنهما عهدا إليَّ ألاّ أُقاتل أحداً يقول : لاإله إلاّ الله ، فإن أنت ‏جئتني ببراءة من النار قاتلت معك ! ثم يقول :‏
ولستُ بقاتِلٍ رجلاً يُصلي على سُلطان آخر من ‏قريش
لـه سـلطانه وعلــيَّ إثمــي معاذَ اللهِ من جهـلٍ وطيشٍ
أأقتُلُ مسلماً في غير جرمٍ فليسَ بنافِعِي ماعشتُ ‏عيشي (‏ ‏) ‏
‏ ويقول الإمام الخطابي ـ رحمه الله ـ في موقف هؤلاء المعتزلين :‏
‏( قال ميمون : فصار الجماعة والفئة التي تدعى فيه الإسلام ، ماكان ‏عليه سعد بن أبي وقــاص وأصحابــه الذين اعتزلوا الفتن ، حتى أذهب الله ‏الفُرقَة وجمع الألفة ، فدخلوا الجماعــة ولزمـــوا الطاعـــة وانقــادوا ، فمـن ‏فعـل ذلك ولزِمَه نجـا ، ومن لم يلْزَمْهُ وقع في المهـــالك ) (‏ ‏) .‏
ولذلك تمنى عدد من الصحابة الذين خاضوا في الفتنة أن لو كانوا في ‏موقف هؤلاء المعتزلين .‏
ومن كبار قادة الفئتين الذين تمنوا ذلك : عمرو بن العاص ـ رضي ‏الله عنه ـ حيث قال لابنه عبد الله ـ وهو ممن اعتزل هذه الفتنة ـ يوم صــفين ‏‏: ( يابني ! انظر أين ترى علياً ؟ قال : أراه في تلك الكتيبة القَتْماء ذات ‏الرماح ، عليه عمامة بيضاء ، قال : لله درُّ ابن عُمَرَ وابن مالك (‏ ‏) ! لئن ‏كان تخلُّفهم عن هذا الأمر خيراً كان خيراً مبروراً ، ولئن كان ذنباً كان ‏ذنباً مغفوراً ) (‏ ‏) .‏
وكذلك علي بن ابي طالب ـ رضي الله عنه ـ كان يقول : ( لله درّ مقام ‏قامه سعد بــن مالك وعبد الله بن عمـر ، إن كان برّاً إن أجره لعظيم ، وإن ‏كان إثماً إن خطأه ليسير ) (‏ ‏) .‏
ولاشك أن ماحصل بين علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ لم يكن ‏يريده واحد منهما ، بــل كان في الجيشــين من أهل الأهواء متغلبون ‏يُحرِّضُون على القتال ، الأمر الذي أدى إلى نشوب تلك المعـارك الطاحنة ، ‏وخروج الأمر من يد علي ومعاوية ـ رضي الله عنهمـــا ـ .‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : ( وأكثر الذين كانوا ‏يختارون القتال مـن الطائفتين لم يكونوا يطيعون لاعلياً ولا معاوية ، وكان ‏علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين ، ‏لكن غُلبا فيما وقع ، والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها ....) ‏‏(‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:54 PM
ومذهب أهل السنة والحق : إحسان الظن بهم ، والإمساك عما شجر ‏بينهم ، وتأويل قتالهم ، وأن دافع الصحابة كلهم ـ رضي الله عنهم ـ هو ‏الاجتهاد ، فهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا ، بل ‏اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر ‏الله. ولكن هذا لايمنع أن يكون بعضهم أولى بالحق ، وأقرب إليهم من بعض ‏، وأن يكون منهم فاضل ومفضول . فكان بعضهم مصيباً وبعضهم مخطئاً ‏معذوراً في الخطأ لأنه لاجتهاد ، والمجتهد إذا أخطأ لاإثم عليه ، وكان علي ‏ـ رضي الله عنه ـ هو المحق المصيب في تلك الحروب . هذا مذهب أهل ‏السنة ، وكانت القضايا مشتبهة ، حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها ‏فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب ثم تأخروا عن مساعدته ‏منهم (‏ ‏) .‏
وقد يكون اعتزال المعتزلين لعدم تبين الأمر لهم ، وقتال المقاتلين ‏لقناعتهم بأن الحق في القتال ، ومما يدل على ذلك قول سعد بن أبي وقاص ـ ‏المتقدم قريباً (‏ ‏) ـ والذي شبه المتوقفين عن القتال فيه بمن هاجت عليهم ‏ريح عجاجة فضيعوا الطريق فوقفوا حيث يستبين لهم الأمر .‏
وقـال الحافــــظ ابــن حجــر ـ رحمه الله ـ عنــد شــرحـــه لحـديــث ‏أبــي بكـرة ـ رضي الله عنه ـ : (( ابنــي هــذا ســـــيّد ولعـــل الله أن يُصلح به ‏بين فئتين من المســلمين )) (‏ ‏) . ( واسـتدل به علـى تصويب رأي من قعد ‏عن القتال مع معاوية وعلي ، وإن كان علي أحق بالخلافة ، وأقرب إلى ‏الحق ، وهو قول سعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسائر ‏من اعتزل تلك الحروب ....) (‏ ‏) .‏
القول الثاني : وذهب جمهور الصحابة والتابعين وعامة علماء ‏الإسلام إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين ، وذلك بالمشاركة والخلطة ‏والخوض في فتن القتال لوجوب إظهار الحق ونصرته في الفتن ، وقتال ‏الباغين .‏
واستدلوا بقوله تعالى : { وَإِن طَـآئـِفَـتَان مِنَ الْمُـؤْمـِنـِينَ اقْــتَتَلُواْ ‏فَأَصْلِحُـواْ بَـيْـنَهـُـمَـا فَـإِن بَـغَـتْ إِحْـــدَهُــمَا عَــلَــى الأُخْــرَى ‏فَـقَـــتِـلُـوا الَّـتِى تَـبْـغِـى حَـتَّـى تَـفِىءَ إِلَــى أَمْــرِ اللهِ } الآية [ ‏الحجرات : 9 ] . ففي الآية الأمر بقتال الفئة الباغية ، وقد ثبت أن من قاتل ‏علياً كانوا بغاة .‏
وجمهور أهل السـنة يذهب إلى تصويب من قاتل مع علي ، لامتثال ‏قوله تعالى : { وَإِن طَـآئـِفَـتَان مِنَ الْمُـؤْمـِنـِينَ اقْــتَتــَلُواْ } إلى قوله { ‏فَـقَـــتِـلُـواْ الَّـتِى تَـبْـغِـى حَـتَّـى تَـفِىءَ إِلَــى أَمْــرِ اللهِ } [ الحجرات ‏‏: 9 ] . فقالوا : هذا أمر بقتال الفئة الباغية ، وهي كل من قاتل ضد علي .‏
هذا وقد أجاب الجمهور ـ أصحاب هذا القول ـ عن أدلة القول الأول ـ ‏القائل باعتزال فتن القتال ـ وأحاديثهم التي استدلوا بها على مذهبهم بما يلي ‏‏:‏
قالوا : تُحمل الأحاديث الواردة في ذلك وتُأوَّل على :‏
‏* من لم يظهر له المُحق ، فَقَصُر نظره عن معرفة صاحب الحق .‏
‏* أو تُحمل وتُأَوَّل على من ضَعُفَ عن القتال .‏
‏* أو على طائفتين ظالمتين لاتأويل لواحدة منهما (‏ ‏) .‏
وقالوا : إذا بغت طائفة على الإمام فامتنعت عن الواجب عليها ، ‏ونصبت الحرب وجـب قتالها ، وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل ‏قادر الأخذ على يد المخطىء ونصــر المصيب . هذا هو قول الجمهور ‏‏(‏ ‏) ، وهو مارجحه الطبري والنووي ـ رحمها الله ـ ، كما سيأتي نص ‏قولهما في ثنايا القول الراجح بعد أسطر قلائل إن شاء الله تعالى .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:55 PM
‏ القول الثالث :
وفصل آخرون فقالوا :‏
كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لإمام للجماعة فالقتـال ‏حينئـذ ممنوع ، وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك ، وهو ‏قــول الأوزاعي (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:56 PM
القول الراجح : ‏
أما عن القول الراجح فقد رجح الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ القول ‏الثاني ، قول الجمهور القائل بالمشاركة وعدم العزلة في فتنة القتال ، ‏ووجوب نصر الحق وقتال الباغين . وكذلك الإمام النووي ـ رحمه الله ـ ‏فقد رجح قولهم أيضاً . وهذه هي أقوالهم وترجيحاتهم :‏
‏* قال الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ : ( لو كان الواجب في كل ‏اختلاف يكون بين الفريقين الهربَ منه ولزومَ المنازل لما أُقيم حدٌّ ولا أُبطل ‏باطل ، ولوجَد أهل النفاق والفجور سبيلاً إلى استحلال كل ماحرم الله عليهم ‏من أموال المسلمين وسَبْي نسائهم وسفك دماءهم ، بأن يتحزّبوا عليهم ، ‏ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم .... ) (‏ ‏) .‏
‏* وقال أيضاً : ( والصواب أن يُقال : إن الفتنة أصلها الابتلاء ، ‏وانكار المنكر واجب على كل من قدر عليه ، فمن أعان المحق أصاب ، ‏ومن أعان المخطئ أخطأ ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي ‏عن القتال فيها ... ) (‏ ‏) .‏
‏* وأما الإمام النووي : ـ رحمه الله ـ فقد صرح بترجيح وتصحيح ‏قول الجمهور الثاني وأجاب عن الأدلة والأحاديث التي استدل بها أصحاب ‏القول الأول : فقال ـ رحمه الله ـ : ( ..... وقال معظم الصحابة والتابعين ‏وعامة علماء الإسلام يجب نصر المحق في الفتن والقيــام معــه بمقاتلــة ‏الباغــين كمــا قــال تعــالى : { فَـقَــــتِـلُـواْ الَّـتِى تَـبْـغِـى } [ الحجرات ‏‏: 9 ] الآية ، وهذا هو الصحيح ، وتتأول الأحاديث على من لم يظهر له ‏المحق ، أو على طائفتين ظالمتين لاتأويل لواحدة منهما ، ولو كان كما قال ‏الأولون (‏ ‏) لظهر الفساد ، واستطال أهل البغي والمبطلون ، والله أعلم ) ‏‏(‏ ‏) .‏
هذه هي أقوالهم وترجيحاتهم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:57 PM
والـذي يظهــر ـ والله أعلم ـ بعد التأمـل والدراسة للنصوص ‏ولمواقف الصــحابة ـ رضي الله عنهم ـ مما حصل من فتن وحروب في ‏عصرهم أنه لابد من التفصيل في ذلك وعدم إطلاق الحكم بالمشاركة أو ‏الاعتزال مطلقاً دون تفصيل . فيقال :‏
إنه إذا اشتدت الحروب ، وتفاقمت المصائب وعظمت الخطوب ، ‏وبلغ الأمر من القتال والتطاحن وسفك الدماء مبلغه ، فإن معرفة الحق ‏والصواب في مثل هذه الظروف التي تقع فيها الفتن والمقاتلة ، وتظهر فيها ‏الأهواء صعب جداً . ولذلك فإن الأبرء والأقرب إلى السلامة هو البعد ‏والاعتزال عن الخوض والمشاركة في فتن الاقتتال ـ بين المؤمنين ـ كيلا ‏يصيب المسلم دماً حراماً ، ولا يؤذي مسلماً . ‏
وهذا هو صنيع أكثر أكابر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فإنهم ‏اعتزلوا ماحصل في ( صفين ) (‏ ‏) من قتال بين علي ومعاوية ـ رضي ‏الله عنهما كما تقدم قريباً (‏ ‏) ـ فلم يقاتلوا لامن هذا الجانب ، ولامن هذا ‏الجانب ، وكانوا يقولون : إن هذا القتال ونحوه هو قتال فتنة ، كما نقله ‏شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) وذكر ـ رحمه الله ـ أن القتـــال ‏في ( صفين ) بين علـي ومعـــاوية ـ رضي الله عنهما ـ إنما هــو رأي ‏رآه علــي ـ رضي الله عنه ـ وكــان أحياناً يحمـــد مــن لم ير القتال (‏ ‏) ـ ‏كما تقدم مــن قوله ـ رضي الله عنه ـ قريباً (‏ ‏) ـ .‏
ثم قال ـ رحمه الله ـ : ( وقد ثبت في الصحيح عن النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ أنه قال في الحسن : (( إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين ‏عظيمتين من المسلمين )) (‏ ‏) . فقد مدح الحسن وأثنى عليه باصلاح الله به ‏بين الطائفتين : أصحاب علي وأصحاب معاوية ، وهذا يبين أن ترك القتال ‏كان أحسن ، وأنه لم يكن القتال واجباً ولا مستحباً ) (‏ ‏) .‏
وقال أيضا ـ رحمه الله ـ في موضع آخر ـ بعد أن بين مذاهب الفقهاء ‏وأقوالهم في فتنة القتال ـ : ( ولعل أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا ‏الرأي (‏ ‏) . ولم يكن في العسكريين بعد علي أفضل من سعد بن أبي ‏وقاص ، وكان من القاعدين ) (‏ ‏) انتهى .‏
وهذا كله إذا لم يُعرف الحق والصواب في مثل هذه الظروف ‏العصيبة التي تقع فيها الفتن والاقتتال ، وتظهر فيها الأهواء ، لأن معرفته ‏آنذاك تصعب جداً . وأما إذا تبـيّن الحق ، وعُرف الصواب ، فإنــه حينئذٍ ‏يجب الخوض والمشاركة في ذلك ، لنصر الحق وقتال الباغين ، امتثالاً ‏لأمر الله تعــالى في قوله : { فَـقَــــــتِـلُـواْ الَّـتِى تَـبْـغِــى حَـتَّـى تَـفِىءَ ‏إِلَــى أَمْــرِ اللهِ } [ الحجرات : 9 ] ، وهــــذا مــارجَّحــــه الإمــام ‏الطــبري والنـووي ـ رحمهما الله كما تقدم من قولهما قريباً (‏ ‏) ـ .‏
والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن هذا التفصيل في حكم الفتن والاقتتال ‏الذي يقع بين المسلمين هو الأرجح والأولى من إطلاق الحكم بالمشاركة أو ‏عدمها دون تفصيل . فلا يقال باعتزال تلك الفتن مطلقاً ، ولا يُقال بالخوض ‏والمشاركة فيها مطلقاً . بل متى غَمُضَ الحقُّ وصَعُبَ ، وتعَسَّر معرفة ‏الصواب ، فإنه يترجح آنذاك جانب القول باعتزالها .‏
ومتى عُرف الحق وتبين الصواب مع من فيها ، فإنه يجب حينئذٍ ‏الخوض والمشاركة فيها لنصر الحق وقتال الباغي .‏
وأما أن يُطلق الحكم بدون هذا التفصيل فلا . وهذا مايفيده ـ أيضاً ـ ‏كلام الإمام الطبري والنووي ـ رحمهما الله ـ بعد التأمل والتدبُّر في ‏كلامهما ، والله أعلم .‏
‏( وليس المقصود بكل حال الدخول في حكومة بين أصحاب محمد ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ و ـ رضي الله عنهم ـ ، وإنما المقصود بيان وجه ‏اعتزال من اعتزل منهم ، وعلاقته بقضية العزلة في الفتنة .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:58 PM
أما كيف تكون العزلة في الفتنة ؟
فقد تبين من الأحاديث التي سبقت أنها تكون على وجهين :‏
الأول : العزلة التامة ، في مكان بعيد عن الناس ، بحيث يشتغل ‏المعتزل بغنم يتبع بها شَعَفَ الجبال ومواقع القطر ، أو إبل يرعاها ، أو ‏أرض يزرعها ويصلحها ، أو غير ذلك مما يُحقق له العزلة الكلية التامة ‏عن الناس .‏
الثاني : العزلة الجزئية ، بحيث يعتزل الفتنة وأهلها ، ولايدخل فيها ‏أو يشترك في قتالها ، أو يشتمل على شيء منها ، وإن كان مقيماً بين ‏ظهراني الناس .‏
وقد تنوعت مواقف المعتزلين للفتنة من الصحابة وغيرهم ، فمنهم من ‏اعتزل اعتزالا كلياً كسعد بن أبي وقاص (‏ ‏) ، ومحمد بن مسلمة (‏ ‏) .‏
ومنهم من تجنب الفتنة والخوض فيها ، ولم يعتزل الناس كأسامة بن ‏زيد (‏ ‏) ، وعبد الله بن عمر (‏ ‏) ، وأبي مسعود الأنصاري (‏ ‏) ، وأبي ‏موسى الأشعري (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:58 PM
والذي يُحدِّد هذا النوع من العزلة أو ذاك أمران :‏
أولهما : الحاجة والمصلحة ، فقد لايستطيع المرء اعتزال الفتنة إلاّ ‏باعتزال الناس كلهم ، أو يخشى أن يُقحم فيها فيُنْطَلق به حتى يكون بين ‏الصَّفين ، وقد يرى أن العزلة الكلية أبلغ وأوقع في نفوس الناس ، بمعنى أن ‏تكون عزلته دعوة له إلى الكفّ عن القتال أو الاختلاف ، وطلب السلامة .‏
وثانيهما : القدرة والاستطاعة ، فقد لايستطيع المرء اعتزال الناس ‏لحاجته إليهم في أمور دينه أو في أمور دنياه ، ولذلك أمر النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض أن يعمد إلى سيفه فيدُقُّه ‏بحجر ، ثم يبحث عن النجاة مااستطاع (‏ ‏) ، وأمر السائل في الحديث ‏الآخر أن يدخل داره (‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 06:59 PM
ويحسُن بنا في ختام هذا المبحث أن نُذيّله بما ورد من نصوص في ‏تعظيم أمر قتل المسلم بغير حق ، والتحذير منه ، لأنه في الفتن ـ لاسيما ‏فتنة القتال ـ تختلط المفاهيم ، وتضطرب الأمور وتتباين الأحوال ، ‏وتتصادم الأقوال ، وتصعب ـ آنذاك ـ معرفة الحق المبين ، من الباطل ‏المَشِيْنِ .‏
فيجب على المسلم في مثل هذه الفتن التريُّث والأناة ، وعدم التسرع ‏في الخوض فيها ، وقتل وسفك دماء المسلمين بغير حق .‏
فلذا ناسب هنا ذكر ماجاء في التحذير من ذلك من نصوص ، وفيما ‏يلي جملة منها :‏
‏1 = قــال الله تعـــالى : { وَمـَن يَقْـتُـلْ مُــؤْمِنــاً مُّـتَـعَـمـّــِــــدًا ‏فَـجَـزَآؤُهُ جَـهَـنَّــمَ خَــــــلِـدًا فِـيهَــــا وَغَـــضــِـبَ اللهُ عَلَـيْـــــهِ ‏وَلَـعَـنَــــهُ, وَأَعَــــدَّ لَـــهُ عَــــذَابـًا عَــظِيمـــــًا } [ النساء : 93 ] .‏
‏2 = وقال تعالى : { وَالَـذِيــنَ لاَيــــَــدْعُــونَ مَـعَ اللهِ إِلَــهـًا ‏ءَاخَــرَ وَلاَ يَـقْـتُـلُـونَ النَّـفْـسَ الَّـتِى حَـــَّرمَ اللهُ إِلاَّ بِالْـحَــــِقّ وَلاَ ‏يَـزْنُــونَ وَمَــن يَفْـعَــلْ ذَلِــكَ يَـلْـقَ أَثـــَـامًا * يُـضَــعَـفْ لَـهُ ‏الْـعَـذَابُ يَــوْمَ الْـقِـيَــامَــةِ وَيـــَــخْــلُـدْ فِـيـهِ مُــهَــانًا * إِلاَّ مَن تَابَ ‏وَءَامَـنَ وَعَـمِـلَ عَمَــلاً صَــلِــحًا فَـأُوْلَـــئِــكَ يُــبَــدِّلُ اللهُ ‏سَــيـّــِــئَــــاتَـهِـمْ حَسَــنَــــٍت وَكَانَ اللهُ غَـفُورًا رَحِــيـمًا } [ ‏الفرقان : 68 ـ 70 ] .‏
‏3 = وعن عبد الله بن بريـــدة عن أبيــه قال : قال رسول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ : (( قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا )) (‏ ‏)‏
‏4 = وعن البراء بن عــازب ، أن رســول الله ـ صــلى الله عليه ‏وسلم ـ قـــال : (( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق )) (‏ ‏) .‏
‏5 = وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ : (( لن يزال المؤمن في فسحة من دينه مالم يصب دماً حراماً )) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏6 = وعن عبــد الله بن مســعود ـ رضي الله عنه ـ قال : قــال ‏النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أول مايقضى بين الناس في الدماء )) (‏ ‏) .‏
‏7 = وعن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ يقول : (( كــل ذنب عســى الله أن يغفره إلاّ من مات مشركاً ، أو مؤمن قتل ‏مؤمناً متعمـــداً )) (‏ ‏) .‏
‏8 = وعن عبادة بن الصــامت عــن رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قــال :‏
‏ (( من قتل مؤمناً فاعتبط (‏ ‏) بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً )) (‏ ‏) .‏
‏9 = وعــن أبــي الدرداء : أن رســول الله ـ صلى الله عليه وســلم ـ ‏قـــال :‏
‏ (( لايزال المؤمن مُعْنِقاً (‏ ‏) صالحــاً مـــالم يُصــب دماً حــراماً ، فإذا أصاب دمــاً ‏حــراماً بلَّحَ (‏ ‏) )) (‏ ‏) .‏
إلى غير ذلك من الجمّ الغفير من الأحاديث النبوية التي تدل على ‏تغليظ وتعظيم قتل المسلم بغير حق ، وما أورِدَ هنا من الآيات والأحاديث ‏فيه الكفاية إن شاء الله تعالى وذلك على سبيل التمثيل والبيان لا على سبيل ‏الحصر والاستقصاء (‏ ‏) . والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:00 PM
المبحث الرابع
‏{ اعتزال وهجر أرض المعاصي والفتن }‏
‏= = = = = = = = = = = =‏

إن الفتنة إذا عمــت هلك الكل ، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار ‏المنكر وعدم التغيـــير .‏
فلذا قال العلماء : ( وإذا لم تُغير وجب على المؤمنين المنكرين لها ‏بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها ، وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا ‏من الأمم ، كما في قصة السبــت حين هجروا العاصــين وقالــوا ‏لانُســاكِنَكُم ؛ وبهذا قال السلف ـ رضي الله عنهـــم ـ ) (‏ ‏) . ‏
وستأتي أقوالهم قريباً ـ ان شـــاء الله ـ بعد ذكر الأحاديث المتعلقة بهذا ‏المبحث والتي منهـــا :‏
حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ قال : ‏
‏ (( يُهْـلِكُ أُمتي هذا الحــيُّ مـــن قريش )) قالوا : فما تَأْمُرُنا ؟ قال : (( لو أن ‏النـــاس اعتَزَلُوهُم )) (‏ ‏) . ‏
تقدم شرح هذا الحديث بالتفصيل بلفظ : (( هلكة أمتي على يَدَي غلمة من ‏قريش )) (‏ ‏) .‏
وذكر الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ مايؤخذ ويستفاد من هذا ‏الحديث فقال :‏
‏ ( ويؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها ‏اظهار المعصية فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك ، قال ‏ابن وهب عن مالك : تهجر الأرض التي يُصنع فيها المنكر جهاراً ، وقد ‏صنع ذلك جماعة من السلف ) (‏ ‏) .‏
وعن أبي سعيد الخدري ؛ أن نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ‏‏(( كان فِيْمَنْ كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نَفْساً . فسأل عن أعلم أهل الأرض ‏فَدُلَّ على راهبٍ فأتاه فقال : إِنَّهُ قتَلَ تسعةٍ وتسعينَ نفساً . فهل له من توبة ؟ فقال : لا ‏‏. فقتلهُ . فكمَّلَ به مائة . ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فَدُلَّ على رجل عالم . فقال : ‏إنه قتلَ مِائَةَ نفسٍ . فهل له من توبة ؟ فقال : نعم . ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ ‏انْطَلِقْ إلى أرض كذا وكذا . فإن بها أُناساً يعبدون الله فاعْبُد الله معهم . ولا تَرْجعْ إلى ‏أرضك فإنها أرض سوءٍ . فانْطَلَق حتى إذا نَصَفَ (‏ ‏) الطريق أتاه الموت . ‏فاختصمتْ فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب . فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً ‏مُقْبِلاً بِقَلبه إلى الله . وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيراً قطُّ . فأتاهم ملَكٌ في ‏صورَةِ آدميٍّ . فجعلوه بينهم . فقال : قيسوا مابين الأرضين . فإلى أيتهما كان أدنى ، ‏فهو له . فقاسُوهُ فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد . فقَبَضَتْه ملائكة الرحمة )) .‏
‏ قال قتادة : فقال الحسن : ذُكِرَ لنا ؛ أنه لما أتاه الموت نأى (‏ ‏) ‏بصدره (‏ ‏) .‏
فدل هذا الحديث على اســـتحباب هجــر واعتزال الأراضي والديار ‏التي تظهر فيها المعاصي والفتن والمنكرات ، وذلك مأخوذ من أمر العالم ‏لذلك الرجل حيث قال له : ‏
‏(( انطلق إلى أرض كذا وكذا )) ونهيه عن العودة إلى أرضه وتعليله بأنها ‏أرض سوء :‏
‏(( ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء )) .‏
كما دل الحديث أيضاً على استحباب مفارقة التائب لأخدان وأصحاب ‏السوء المساعدين على ارتكاب المعاصي ، ومقاطعتهم واعتزالهم ماداموا ‏على حالهم السيئة ، واستبدالهم بأصحاب أهل الخير والصلاح والعلماء ، ‏وبذلك تتأكد توبته . وبهذا قال أهل العلم ، وفيما يلي عرض لأقوالهم : ‏
قال الإمام النــووي ـ رحمه الله ـ عند شــرحه لهذا الحديث : ( قال ‏العلماء : في هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب ‏، والأخـــدان المســاعدين له على ذلك ، ومقاطعتهم ماداموا على حالهم ، ‏وأن يستبدل بهم صحبـة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الودعــين ‏، ومن يُقتدى بهــم ويُنتفع بصحبتهم ، وتتأكد بـــذلك توبـتــه ) (‏ ‏) .‏
وقد ذكر الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ نحو ذلك وهو في معرِض ‏ذكر فوائد هذا الحديث ، فقال : ( وفيه فضل التحول من الأرض التي ‏يصيب الإنسان فيها المعصية ، لما يغلُب بحكم العادة على مثل ذلك ، إما ‏لتذكرة لأفعاله الصادرة قبل ذلك والفتنة بها ، وإما لوجود من كان يعينه ‏على ذلك ويحضه عليه ، ولهذا قال له الأخير : (( ولاترجع إلى أرضك فإنها ‏أرض سوء )) ففيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي ‏اعتادها في زمن المعصية والتحول منها كلها والاشتغال بغيرها ....) (‏ ‏) .‏
وأورد القـرطبي ـ رحمه الله ـ نحواً من ذلك ثم نقل أقوال العلماء في ‏ذلـك فقال : ( الفتنة إذا عمّت هلك الكل ، وذلك عند ظهور المعاصي ‏وانتشار المنكر وعدم التغيير ، وإذا لم تُغَيَّر وجب على المؤمنين المنكرين ‏لها بقلوبهم هجران تلك البلدة ، والهرب منها ، وهكذا كان الحكم فيمن قبلنا ‏من الأمم كما في قصــة السبت حـين هجروا العاصين وقالوا : لانساكنكم ؛ ‏وبهذا قال السلف ـ رضي الله عنهم ـ ) (‏ ‏) .‏
ثم ذكر مارواه ابن وهب عن مالك قال : ( تهجر الأرض التي يصنع ‏فيها المنكر جهاراً ، ولا يستقر فيها ) واحتج بصنيع أبي الدرداء في ‏خروجه من أرض معاوية حين أعلن الربا ، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر ‏من وزنها (‏ ‏) .‏
وقال مالك : لاينبغي الإقامة في أرض يكون العمل فيها بغير حق ، ‏والسَّب للسلف ) .‏
قال أبو عمر (‏ ‏) : أما قول مالك هذا ، فمعناه إذا وجد بلداً يعمل فيه ‏الحق في الأغلب ، وقد قال عمر بن عبد العزيز : فلان بالمدينة ، وفلان ‏بمكة ، وفلان باليمن ، وفلان بالعراق ، وفلان بالشام ، ، امتلأت الأرض ‏والله جوراً وظلماً .‏
قال أبـو عمر : فأين الهرب إلا إلى السـكوت ولزوم البيت والرضى ‏بأقل قوت ؟
وقال منصور بن الفقيه فأحسن :‏
الخير أجمعُ في السكوتِ وفي مُلازمةِ البيوتِ
فإِذا استوى لكَ ذَا وَذا فَاقْنَع لهُ بِأَقلِّ قُوتٍ (‏ ‏) ‏
ثم نقل ـ رحمه الله ـ قول سفيان الثوري ، وهو غاية في النفاسة ‏فقال : وكان سفيان الثوري يقول : هذا زمان سوء ، لايؤمن فيه على ‏الخاملين ، فكيف بالمشهورين ؟ هذا زمان ينتقل فيه الرجل من قرية إلى ‏قرية يفر بدينه من الفتن .‏
ويحكى عنــه أنه قال : والله ماأدري أي البلاد أسكن ؟ فقيل له : ‏خراســان ، فقال : مذاهب مختلفة وآراء فاسدة ، فقيل : الشام ، فقال : يشار ‏إليكم بالأصابع ـ أراد الشهرة ـ فقيل له : فالعراق ، قال : بلد الجبابرة ، فقيل ‏له : فمكة . قال : مكة تذيب الكيس والبدن ) (‏ ‏) .‏
ولا ريب أن النجاة من المعاصي والفتن ، والسلامة من الشرور ‏والمحن ، يكون بالإقبال على عبادة الله تعالى ، والاعتزال عن المخالفين ‏لأمر الله . وذلك بهجرهم وهجر ديارهم ، وقد تقدم قولــه ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ : (( العبـــادة فــي الهــرج ، كهجــرة إلـــي )) (‏ ‏) .‏
وتقدم (‏ ‏) أن : ( وجه تمثيله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالهجرة : أن ‏الزمان الأول كان الناس يفرون فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان ‏وأهله . فإذا وقعت الفتن تعيّن على المرء أن يفـر بدينه من الفتنة إلى ‏العبادة ، ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة ، وهو أحد أقسام الهجرة .... ) ‏‏(‏ ‏) .‏
والحاصل : أنه من خلال ماسبق يتبين لنا استحباب اعتزال وهجر ‏الديار التي تظهر فيها المعاصي والفتن واستبدالها بديار الإيمان والصلاح . ‏ديار المؤمنين الصالحين المتقين ، والعلماء المصلحين الربانيين ، والله ‏أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:01 PM
المبحث الخامس
‏{ فضل الشام إبّان الفتن }‏
‏= = = = = = = =‏

تقدم في المبحث السابق اعتزال وهجر أرض المعاصي والفتن ، ‏فناسب أن يُردف بهذا المبحث عن فضل الشام إبّان الفتن والنوائب ، وعند ‏حدوث الكوارث والمصائب .‏
وقد ورد فيه من الآيات والأحاديث مايدل على فضله في كل حين ، ‏وعلى مر الأيام والسنين . بل ورد مايحض ويرغب فيه أكثــر وأكثــر إبان ‏الفتن الرهيبة ، والمحن العصــيبة .‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن فضله : ( ثبت للشام ‏وأهله مناقب بالكتاب والسنة وآثار العلماء ، وهي أحـــد مااعتمدتـــه في ‏تحضيضي للمسلمين على غزو التتار ، وأمري لهم بلزوم دمشق ، ونهيي ‏لهم عن الفرار إلى مصر ، واســتدعائي للعسكر المصري إلى الشــام ، ‏وتثبيت العســكر الشامــي فيه ، وقــد جرت في ذلك فصــول متعــددة ) ‏‏(‏ ‏) .‏
ثم أخذ ـ رحمه الله ـ يعدد مناقبه ، فمما ذكره :‏
‏1 = البركة فيه : ثبت ذلك بخمس آيات من كتاب الله تعالى :‏
‏1 - قوله تعالى في قصة موسى : { قَالُــواْ أُوذِ يـــنَـا مِـن ‏قَـبْـلِ أَن تَـأْتِـيَـنَـا وَمِـن بَـعْـدِ مَـا جِـئْـتَـنـَا قَـالَ عَسَـى رَبـــُّـكُمْ أَن ‏يُــهْـلِـكَ عَـدُوَّكُمْ وَيـَسْـتَـخْـلِفَـكُمْ فِـى الأَرْضِ فَـيَـنظُرَ كَـيْـفَ ‏تَـعْـمَـلُـونَ * وَلَـقَـدْ أَخَـذْنــَآ ءَالَ فِـرْعَـوْنَ بِـالسـّــِـنِـيـنَ وَنَــقْــصٍ ‏مـّــِــنَ الـثَّــمَــرتِ لَــعَــلَّــهُمْ يَــذَّكِـرُونَ * فَــإِذَا جَــاءَتْــهُمُ ‏الْحَــسَــنَـةُ .. } [ الأعراف : 129 - 131 ] .‏
‏* نجاة موسى وغرق فرعون : { قَـالُـواْ لَنَـا هَـــذِهِ وَإِن ‏تُصِـبْـهُـمْ سَــيــّـِـــئَـةٌ يَـطَّـيَّـرُواْ بِـمُـوسَــى وَمَــن مَّـعَـهُ أَلآ إِنَّــمَـا ‏طَــئِـرُهُــمْ عِـنـدَ اللهِ وَلَــكِـنَّ أَكْـثَـرَهُـمْ لاَيَعْـلَـمُـونَ * وَقَـالُـواْ ‏مَـهْـمَـا تـأْتِـنَـا بِـهِ مِـنْ ءَايَــــٍة لّــِتَسْــحَرَنَـا بِـهَـا فَـمَـا نَـحْـنُ لَـكَ ‏بِـمُـؤمِـنِـيـنَ * فَـأَرْسَــلْنَـا عَـلَـيْـهِـمُ الطُّـوفَـانَ وَالْجَــرَادَ وَالْـقُـمَّـلَ ‏وَالضَّـفَـادِعَ وَالـــــَّدمَ ءَايَـــــٍت مُّـفَـصَّـلَــــٍت فَـاسْــتَكْـبَـرُواْ وَكَانُــواْ ‏قَـوْمــًا مُّـجْـرِمِــيـنَ * وَلَــمَّـا وَقَــعَ عَـلَـيْـهِـمُ الرِّجْــزُ قَـالُـواْ ‏يَـــمُـوسَــى ادْعُ لَـنَـا رَبـــَّـكَ بِـمَـا عَــهِــدَ عِــنــدَكَ لَـئِـن كِـشَـفْـتَ ‏عَـنَّـا الرِّجْــزَ لَـنُـؤْمِـنَـنَّ لَـكَ وَلَـنُـرْسِـلَـنَّ مَـعَـكَ بَـنِـي إِسْــرَءِيـلَ * ‏فَـلَـمَّـا كَشَــفْـنَـا عَـنْــهُـمُ الرِّجْــزَ إِلَــى أَجَــلٍ هُــمْ بَــلِــغُــوهُ إِذَا ‏هُــمْ يَـنـكُـثُـونَ * فَـانـتَـقَـمْـنَـا مِـنْـهُـمْ فَـأَغْـرَقْـنَــــهُـمْ فِـي الْـيَـــــِمّ ‏بِـأَنَّـهُــمْ كَـذَّبُــواْ بِـــاَيَـــتِـنَـا وَكَـانُـواْ عَـنْـهَـا غَـــفِـلِـيـنَ * ‏وَأَوْرَثْـنَـا الْـقَـوْمَ الَّـذِيـنَ كَانُـواُ يُسْــتَـضْـعَـفُـونَ مَشَـــرِقَ الأَرْضِ ‏وَمَـغَــــرِ بــَـهَــا الَّـتِى بَـــرَكْـنَـا فِـيـهَـا وَتَـمَّـتْ كَلِـمَـتُ رَبـِّـكَ ‏الْـحُـسْـنَـى عَـلَـى بَـنِى إسْــرَءِيــلَ بِـمَـا صَـبَـرُواْ ... } [ الأعراف : ‏‏131 ـ 137 ] .‏
ومعلوم أن بني إسرائيل إنما أورثوا مشارق أرض الشام ومغاربها ‏بعد أن أغرق فرعون في اليمِّ (‏ ‏) .‏
وقال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ في قوله تعالى : { مَشَـــرِقَ ‏الأَرْضِ وَمَـغَــــرِبَــــهَــا الَّـتِى بَـــرَكْـنَـا فِـيـهَـا } [ الأعراف : 137 ] : ‏هي مشارق الشام ومغــاربهــا (‏ ‏) . ‏
وقــال قتـــادة في قوله تعالى : { وَلَـقَــــدْ بَــــوَّ أْنــــــَا بَـنِـى ‏إِسْــرَءِيــلَ مُـــبَــوَّأَ صِـدْقٍ } [ يونس : 93 ] .: بوَّأهم الشام وبيت ‏المقدس (‏ ‏) .‏
‏* الإســراء : ‏
‏2 = وقوله تعالى : { سُـبْـحَـنَ الَّـذِى أَسْــرَى بِـعَـبْـدِهِ لَـيْـلاً مِـنَ ‏الْـمَسْــجِـدِ الْـحَــــَرامِ إِلَى الْـمَسْــجِـدِ الأَقْـصَـا الَّـذِى بَــــرَكْــنَا ‏حَــــْولــَـهُ لِـنُـرِ يــَـهُ مِـنْ ءَايَـــتِـنَـآ إِنَّـهُ هُـوَ السَّــمِـيعُ الْـبَـصِـيرُ } [ ‏الإسراء : 1 ] . وصوله أرض الشام .‏
‏* نجاة إبراهيم ولوط :‏
‏3 = وقوله تعالى في قصة إبراهيم : { وَأَرَادُواْ بِـهِ كَـيْـدًا ‏فَـجَـعَـلْـنَــــهُمُ الأَخْسَــرِيـــنَ * وَنَــــجَّـيْـنَــــهُ وَلُـوطًا إِلَــــى الأَرْضِ ‏الَّـتِـى بَـــــرَكْــنَـا فِـيـهَـا لِـلْـعَـــــلَـمِـينَ } [ الأنبياء : 70 ـ 71 ] . ‏ومعلوم أن إبراهيم إنما نجاه الله ولوطاً إلى أرض الشام من أرض الجزيرة ‏والعراق .‏
‏* مملكـة سـليمان :‏
‏4 = وقوله تعالى : { وَلِسُــلَـيْـمَـــنَ الـــّـِر يــــحَ عَاصِـفَةً تَـجْـرِى ‏بِـأَمْـرِهِ إِلَـى الأَرْضِ الَّتِـى بَــــرَكْـنَـا فِـيـهَـا وَكُـنَّا بِكَــِلّ شَـئٍ ‏عَــلِـمِـيـنَ } [ الأنبياء : 81 ] وإنما كانت تجري إلى أرض الشام التي فيها ‏مملكة سليمان . ‏
‏* مسيرة ملكة سبأ للشام :‏
‏5 = وقوله تعالى في قصة سبأ : { وَجَـعَـلْـنَـا بَـيْـنَـهُـمْ وَبـــَـيْـنَ ‏الْـقُـرَى الَّـتِـى بَــــــرَكْــنَـا فِـيـهَا قُـرًى ظَـــــهِـرَةً وَقَـدَّرْنَـا فِـيـهَا ‏السَّيْرَ سِــيرُواْ فِيـهَـا لَـيَـالِـىَ وَأَيــــَّـامًا ءَامِـنِـيـنَ } [ سبأ : 18] ‏وهو ماكان بين اليمن مساكن سبأ ، وبين قرى الشام من العمارة القديمة كما ‏ذكره العلماء (‏ ‏) .‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ معلقاً على ماتقدم من ‏الآيات والكلام عليها : ( فهذه خمسة نصوص حيث ذكر الله أرض الشام ، ‏في :‏
ـ هجرة إبراهيم إليها .‏
ـ ومسرى الرسول إليها .‏
ـ وانتقال بني إسرائيل إليها .‏
ـ ومملكة سليمان بها .‏
ـ ومسير سبأ إليها .‏
وصفها بأنها الأرض التي باركنا فيها .... ) (‏ ‏) .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:04 PM
‏ ومن مناقب وفضائل الشام أيضاً :‏
‏2 = أن فيهـــا الطــــور الذي كلَّم الله عليه موســى ـ كما في قولــه ‏تعالى :‏
‏{ وَنـــَــدَيـــْـنَـــهُ مِـن جَـانِـبِ الطُّـورِ الأَيْمَنِ وَقَـرَّ بـــْــنَــــهُ نَـجِـيًّا } ‏‏[ مريم : 52 ] ـ والذي أقسم الله به في ســـورة الطـور : [ الطور : 1 ] وفي ‏‏: { وَالتِّـيـنِ وَالــــَّزيـــْتُـونِ * وَطُــورِ سِـيـــنِـيـنَ } [ التين : 1 ـ 2 ] ‏‏.‏
‏3 = وفيها المسجد الأقصى ، وإليها معراج ومسرى نبينا محمد ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ كما تقدم قريباً في هذا المبحث النص القرآني في ذلك ‏ـ .‏
‏4 = وفيها مبعث أنبياء بني إسرائيل . وقد تقدم النص القرآني ‏في ذلك والكلام عليه قريباً في هذا المبحث .‏
‏5 = وإليهـــا هجـــرة إبراهيــــم ، وقد جاء مايُرغِّب في سكناها ‏والهجرة إليها ، ففـــي حديـــث عبـــد الله ابن عمــرو قال : سمعت رسـول ‏الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( ستكون هجرةٌ بعد هجرةٍ ، فخِيــار أهل ‏الأرض ألزَمُهُم مُهَاجرَ إبراهيــم ....)) الحديث (‏ ‏) .‏
قال الخطابي ـ رحمه الله ـ عند شرحه لهذا الحديث : ( قوله : (( ‏ستكون هجرة بعد هجرة )) معنى الهجرة الثانية : الهجرة إلى الشام ، يُرغب ‏في المقام بها ، وهي مهاجر إبراهيم صلوات الله عليه ) (‏ ‏) .‏
وذكر نحوه ابن الأثير ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
هذا وقد أورد هذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو ‏يتكلم عن مناقب الشام وأهله ، ثم أردفه بقوله : ( فقد أخبر أن خيار أهل ‏الأرض من ألزمهم مهاجر إبراهيم ، بخلاف من يأتي إليه ثم يذهب عنه ، ‏ومهاجر إبراهيم هي الشام .‏
وفي هذا الحديث بشرى لأصحابنا الذين هاجروا من حرّان (‏ ‏) ‏وغيرها إلى مهاجر إبراهيم ، واتبعوا ملة إبراهيم ، ودين نبيهم محمد ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ (‏ ‏) وبيان أن هذه الهجرة التي لهم بعد هجرة ‏أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة ، لأن الهجرة إلى ‏حيث يكون الرسـول وآثاره ، وقد جعل مهاجَـر إبراهيم تعدل مهَاجَر نبينا ـ ‏صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فإن الهجرة إلى مهاجَره انقطعت بفتح مكة ‏‏(‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
‏6 = ومن مناقب وفضائل الشام ـ أيضاً ـ أن عمود الكتاب ‏والإسلام بها . وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية (‏ ‏) واستدل له ‏بما يأتي :‏
ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ ‏قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إني رأيت عمود الكتاب انتزع ‏من تحت وسادتي ، فأتبعه بصري ، فإذا هو نور ساطع عُمد به إلى الشام ، ألا وإن ‏الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام )) (‏ ‏) .‏
‏7 = ومن فضائلها ومناقبها أن الأمن والإيمان حين تقع ‏الفتن في آخر الزمان يكون بالشام ، كما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو ‏بن العاص ـ السابق ـ والذي جاء في آخره : (( .......ألا وإن الإيمان إذا وقعت ‏الفتن بالشام )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية : (( فإذا وقعت الفتن فالأمن بالشام )) (‏ ‏) .‏
‏* وقد ذكر هذا الحديث الحافظ ابن عساكر ـ رحمه الله ـ وترجم ‏وبوب له بقوله : ( باب بيان أن الإيمان يكون بالشام عند وقوع الفتن وكون ‏الملاحم العظام ) (‏ ‏).‏
‏* وكذلك أورده الهيثمي في موضعين وتحت ترجمتين وبابين ، ‏وقال في الموضع الأول : ( بـاب الإقامــة بالشــام زمن الفـتن ) (‏ ‏) . ثم ‏ذكره ، وقال في الموضع الثاني : ( باب ماجاء في فضل الشام ) (‏ ‏) ، ‏ثم ذكره .‏
‏* وأما المنــذري ـ رحمه الله ـ فقال : ( الترغيب في ســكنى الشام ‏وماجاء في فضلها ) (‏ ‏) . ثم ذكره مع أحاديث أخرى مما تقدم ومما ‏سيأتي في ثنايا هذا المبحث ـ إن شاء الله تعالى ـ .‏
والحاصل : أن كل من ذكر هذا الحديث من العلماء مسنداً أو غير ‏مسند فإنما يذكره تحت باب الترغيب والحث على سكنى الشام وما جاء في ‏فضله وأهله .‏
وهو وغيره من الأحاديث ـ مما تقدم ومما سيأتي ـ يفيد أن الشام إبان ‏الفتن يكون آمناً منها ، وأهل الإسلام به أسلمُ (‏ ‏) .‏
ولعل هذه الفتن في قوله : (( ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام )) هي ‏التي تكون عند خروج الدجال . والله ورسوله أعلم (‏ ‏) .‏
‏8 = ومن مناقب وفضائل الشام أنها عقر دار المؤمنين ، كما جاء ‏في حديث سلمة بن نفيل أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ـ في آخره ـ : ‏‏(( .... ألا إن عُقر دار المؤمنين بالشام ....)) (‏ ‏) .‏
‏ وهذا ماذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
قال ابن الأثير ـ رحمه الله ـ معلقاً على قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ‏‏(( عُقْرُ دار الإســلام بالشام )) (‏ ‏) . ( أي : أصله وموضعه ، كأنه أشار به ‏إلى وقت الفتن ، أي : يكون الشام يومئذٍ آمناً منها ، وأهل الإسلام به أسلم ) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏9 = ومن مناقبهـا ـ أيضاً ـ أن بها الطائفة المنصورة إلى ‏قيام الساعة ، التي ثبت فيها الحديث كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ ‏رحمه الله ـ مســتدلاً بحديث : (( لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق . ‏لايضرهم من خَذَلهُم . حتى يأتيَ أمر الله وهم كذلك )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية لمعاوية بن أبي سفيان بنحوه ، بزيادة في آخرها : ( قال ‏معاذ : وهم بالشام ) (‏ ‏) . وفي لفظ لمعاذ بن جبل أيضاً : (( وهم أهل الشام ‏‏)) (‏ ‏) . ولأبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ لفظ مثله (‏ ‏) .‏
وقول معــاذ ـ رضي الله عنه ـ : (( وهم بالشام )) موقوف عليه (‏ ‏) ‏، وأما قول أبي هريرة : (( وهم بالشام )) فقد رفعــه إلى النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ ، وقد جاء مرفوعاً ـ أيضاً ـ عن أبي أمامة وغيره (‏ ‏). ‏وســيأتي ـ قريباً بعد أســطر إن شاء الله ـ هذا الحديث مع شــرح شيخ ‏الإسلام له (‏ ‏) .‏
ومما يشــهد لها ـ أي روايــة (( وهم بالشــام )) وما في معناهــا ـ ‏الروايـة التي ذكرها شيخ الإســـلام كشاهد ، حيث قال : ( وفي تاريخ ‏البخاري مرفوعاً قال : " وهم بدمشق " ) (‏ ‏) . ومما يشهــد لذلك كله ‏حديث سعد بن أبي وقاص قال : قال رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ‏‏(( لايزال أهل الغــرب ظاهريــن علــى الحقِّ حتى تقــوم الساعـــة )) (‏ ‏) .‏
وقد ذكر هذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية مستدلاً به على أن ‏الطائفة المنصورة هي بالشام إلى قيام الساعة ، ونقل عقبه عن الإمام أحمد ‏ـ رحمه الله ـ أن أهل الغرب هم أهل الشام ، وأيده على ذلك من وجهين ، ‏وهذا نص قوله : ( وقال الإمام أحمد : أهل المغرب هم أهل الشام .‏
‏ وهو كما قال لوجهين :‏
أحدهما : أن في سائر الحديث بيان أنهم أهل الشام .‏
الثـــاني : أن لغة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهل مدينته في ( ‏أهل الغرب ) هم أهل الشام ، ومن يغرب عنهم ، كما أن لغتهم في ( أهل ‏المشرق ) هم أهل نجد والعراق ....) ثم أخذ يُعلق على الحديث قائلاً : ( ‏فأخبر : أن أهل الغرب لايزالون ظاهرين ، وأما أهل الشرق ، فقد يظهرون ‏تارة ، ويغلبون أخرى ، وهكذا هو الواقع ، فإن الجيش الشامي مازال ‏منصوراً .‏
وكان أهل المدينة يُسمون الأوزاعي : إمام أهل المغرب (‏ ‏) . ‏ويسمون الثوري شرقياً (‏ ‏) ، ومن أهل المشرق ) (‏ ‏) انتهى .‏
هذا وقد تبقى ـ في هذه الجزئية من فضائل الشام ـ السؤال عن المراد ‏بالطائفة المنصورة المذكورة في الحديث ؟ ‏
‏ وللجواب على ذلك يقال باختصار : ‏
‏ إن العلماء اختلفوا في تحديد المراد من تلك الطائفة المنصورة ‏المذكورة في الحديث على أقوال متقاربة في المعنى .‏
قال علي بن المديني : ( هم أصحــاب الحديث ) ، وفي رواية : ( هم ‏أهل الحديــث ) (‏ ‏) .‏
وقال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ حينما سئل عن معنى هذا الحديث : ( ‏إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم ) (‏ ‏) ‏‏.‏
وعلق القاضي عياض على قول الإمام أحمد هذا فقال : ( إنما أراد ‏أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث ) (‏ ‏) .‏
وقال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ ( بـاب قـول النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ : ‏
‏(( لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق )) : وهم أهل العلم ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد نقل الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ كلاماً نفيساً في بيان ‏المراد من تلك الطائفة عن الإمام النووي ـ رحمه الله ـ وزاد عليه ، فقال : ‏‏( قال النووي فيه أن الاجماع حجة ، ثم قال : يجوز أن تكون الطائفة ‏‏(‏ ‏) جماعة متعددة من أنواع المؤمنين . مابين شجاع وبصير بالحرب ، ‏وفقيه ومحدث ومفسر ، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وزاهد ‏وعابد . ولايلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد ، بل يجوز اجتماعهم في ‏قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض ، ويجوز أن يجتمعوا في البلد ‏الواحد ، وأن يكونوا في بعـض منــه دون بعض ، ويـجوز إخلاء الأرض ‏كلها من بعضهم أولا فأولاً إلى ألاّ يبقى إلا فرقة واحدة ، ببلد واحد ، فإذا ‏انقرضوا جاء أمر الله . انتهى ملخصا مع زيادة فيه ) (‏ ‏) انتهى كلام ابن ‏حجر ـ رحمه الله ـ .‏
‏10 = ومن مناقب وفضائل الشام أيضاً أنها خيرة الله في ‏الأرض ، وأن أهلها خيرة الله وخيرة أهل الأرض (‏ ‏) . كــمــا في ‏حديـث عبد الله بن حوالة الأزدي قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ : (( سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجندة ، جند بالشام ، وجند باليمن ، وجند ‏بالعراق )) قال ابن حواله : خِرْ لي يارسول الله إن أدركت ذلك ، فقال : (( ‏عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه ، يجتبي إليها خيرته من عباده ، فأما إن أبيتم ‏فعليكم بيمنكم ، واسقوا من غُدُرِكم ، فــإن اللــه توكّــل لي بالشام وأهلــه )) (‏ ‏) ‏ومن تكَـفَّـلَ الله به فلا ضيعة عليه (‏ ‏) .‏
قـال شــيخ الاســـلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : ( ففي هذا الحديث ‏مناقب المهاجرة ) (‏ ‏) . فأخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا ‏الحديث ـ إلى أنه سيؤول الأمر بالمسلمين إلى أن يكونوا جنوداً مُجَنَّدة أي : ‏مختلفة ، وقيل مجتمعة (‏ ‏) ، أي : مجموعـة . وهو مارجحه وذكره ابن ‏الأثير ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) والمراد : ستصيرون فرقاً ثلاثة (‏ ‏) ، فرقة ‏بالشام ، وثانية باليمن ، وثالثة بالعراق ، فلما سمع ذلك عبد الله بن حوالة ـ ‏رضي الله عنه ـ قال للرسـول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : خر لي يارسول الله ‏‏! أي : اختر لي الأصلح (‏ ‏) وخير تلك الأماكن (‏ ‏) واجعل لي من ‏أمري خيراً ، وألهمني فعله (‏ ‏).‏
فأوصــاه النــبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالشــام ، وعلل له سبب ‏اختيارها له بأنها (( خِيَرَةُ الله من أرضه )) أي : مختـارتـه ، وأنه (( يجتبي ‏‏)) أي : يختار ويصطفي ، (( إليها خِيــَرتِهِ من عباده )) أي : المختارين منهم ‏‏. ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد أن اختار له الشام وأشار عليه بها : (( ‏فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم )) أي : إن امتنعتــم من التــزام الشــــام واختيارهــا ‏‏(( فعليكم بيمنكم )) أي : فالزمـوا اليمـن ، (( واسقوا من غُدُرِكُم )) أي : اسقوا ‏من حياض الماء . فالغُدُرُ : ـ بضم الغين المعجمة وضم الدال المهملة ـ : ‏جمع غدير ، وهي القطعة من الماء يغادرها السيل ....‏
ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم في عجز الحديث ـ مؤكداً ومكرراً ‏اختياره للشام وبيان فضله وأهله : (( فإن الله توكل لي بالشام وأهله )) أي : ‏تكفل لي بالشام بأن لايخربه بالفتنة ، وتكفل لي كذلك بأهل الشام بأن ‏لاتصيبه الفتنة ولا يهلك الله بالفتنة من أقــام بهــا (‏ ‏) . ‏
ومما يدل ـ أيضاً ـ على أن الشام خيرة الله في الأرض ، وأن أهلها ‏خيرة الله ، وخيرة أهل الأرض : ماتقدم ـ قريباً ـ (‏ ‏) من حديث عبد الله ‏بن عمرو عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( ستكون هجرة بعد هجرة ، ‏فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ....)) الحديث (‏ ‏) .‏
وقد تقــدم شـــرحه من كلام الخطابــي وابن الأثير وشـــيخ الإسلام ‏ابن تيميــة ـ رحمهم الله جميعاً ـ (‏ ‏) وخلاصته : أنه ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ أخبر أن خيار أهل الأرض من ألزمهم مهاجر ابراهيم . ومهاجر ‏ابراهيم ـ عليه السلام ـ : هو الشام . فأراد بالهجرة الثانية في قوله : (( .... ‏هجرة بعد هجرة )) الهجرة إلى الشام ، يُرغب في المقــام بها .‏
‏11 = ومن فضائلها ومناقبها : أن الله تكفل بالشام وأهله ‏‏(‏ ‏) . كما تقدم ـ قريبا ـ من حديث عبد الله بن حواله ـ رضي الله عنه ـ ‏مع شرحه (‏ ‏) .‏
‏12 = ومن ذلك : أنها أرض المحشر ، وأن الناس يحشرون ‏إليها في آخر الزمان (‏ ‏) فإليها المحشر والمعاد (‏ ‏) .‏
ومما يدل على ذلك حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( الشام أرض المحشر والمنشر )) (‏ ‏) .‏
وحديث حكيم بن معاوية البهزي عن أبيه ـ فذكره ـ وفيه قوله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ : (( ههنا تحشرون ، ههنا تحشرون ، ههنا تحشرون ، ثلاثاً ركباناً ‏ومشاة وعلى وجوهكم )) . قال ابن أبي بكير (‏ ‏) : فأشار بيده إلى الشام ‏فقال : (( إلى ههنا تحشرون )) (‏ ‏) وفي رواية عن بَهْز بن حكيم عن أبيه ‏عن جده قال : قلت يارسول الله أيــن تأمرني ؟ قال : (( هاهنـــا )) . ونحا ‏بيده نحو الشــام (‏ ‏) . أي : أشار بيده إلى جهة الشــام (‏ ‏) .‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يُعدِّدُ مناقب الشام : ( وإليها المحشر ‏والمعاد . كما أن مكة المبدأ ، فمكة أم القرى من تحتها دحيت الأرض .‏
والشام إليها يحشر الناس كما في قوله : { لأَوَّلِ الْحَشْــرِ } [ الحشر ‏‏: 2 ] (‏ ‏). نبَّه على الحشر الثاني ، فمكة مبدأ ، وإيلياء (‏ ‏) معاد في ‏الخلق ، وكذلك بدأ الأمر . فإنه أسري بالرسول من مكة إلى إيلياء ، ومبعثه ‏ومخرج دينه من مكة ، وكمال دينه وظهوره وتمامه حتى يملكه المهدي ‏بالشام .‏
فمكة هي الأول ، والشام هي الآخر في الخلق والأمر ، في الكلمات ‏الكونية والدينية ) (‏ ‏) انتهى .‏
ومما يجدر التنبيه عليه أن هذا الحشر المذكور في الأحاديث يكون ‏في الدنيا ، وليس المراد به حشر الناس بعد البعث من القبور ، وهذا ماعليه ‏جمهور العلماء (‏ ‏) .‏
والسبب في كون أرض الشام هي ارض المحشر : أن الأمن والإيمان ‏حين تقع الفتن في آخر الزمان يكون بها (‏ ‏) ، كما تقدم قريباً (‏ ‏) .‏
‏13 = ومن فضائل الشام ومناقبها ـ أيضاً ـ أن نزول عيسى ‏في آخر الزمان يكون بها وبه يكون اجتماع المؤمنين لقتال الدَّجال .‏
فإنه بعد خروج الدجال وإفساده في الأرض يبعث الله عيسى ـ عليه ‏الســـلام ـ فينزل إلى الأرض ، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي ‏دمشق ـ الشام ـ ، وعليه مَهْرُوْدَتَان (‏ ‏) ، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين ‏، إذا طأطأ رأسه قَطَرَ ، وإذا رفعه تحدَّرَ منه جُمَانٌ (‏ ‏) كاللؤلؤ .....‏
هذا هو الأشهر في موضع نزوله ـ عليه السلام ـ كما قال ابن كثير ـ ‏رحمه الله ـ بأنه على المنارة البيضاء الشرقية لدمشق .... (‏ ‏) .‏
ويكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق ـ المتقدم ‏ذكرها (‏ ‏) ـ وتكون مجتمعة لقتال الدجال ، فينزل ـ عليه السلام ـ وقت ‏إقامة الصلاة ليصلي خلف أمير تلك الطائفة ، فيقول له أميرهم ـ إمام ‏المسـلمين ـ : ياروح الله : تقدم ، فيقول عليه السلام : تقدم أنت فإنها أقيمت ‏لك . وفي رواية : (( إن بعضكم على بعض أمراء تَكْرِمَةَ الله هذه الأمة (‏ ‏) )) ‏‏(‏ ‏) .‏
ومما يدل على نزول عيسى ـ عليه السلام ـ عند المنارة البيضاء ‏شرقي دمشق بالشام في آخــر الزمـان : حديث النواس بن ســـمعان ـ ‏رضي الله عنه ـ الطويــل في ذكر خروج الدجال ، ثم نزول عيســـى ـ ‏عليه السـلام ـ ، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ :‏
‏(( .... فبينما هو كذلك (‏ ‏) إذ بعث الله المسيح ابن مريم . فينزل عند المنارة ‏البيضاء شرقِيِّ دمشق بين مَهْرُودَتَين (‏ ‏) واضعاً كفيه على أجنحة مَلَكَيْنِ . إذا ‏طَأطَأَ رأسه قَطَرَ . وإذا رفعه تحدر منه جُمانٌ (‏ ‏) كاللؤلؤ ...)) (‏ ‏) الحديث .‏
ويدل عليه ايضاً حديث أوس بن أوس الثقفي ـ رضي الله عنه ـ أنه ‏سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( ينزل عيسى بن مريم ـ ‏عليهما السلام ـ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق )) (‏ ‏) .‏
قال الإمــام النــووي ـ رحمه الله ـ عنــد شرحـــه لحديــث النـــواس ‏بن سمعان ـ السابق ـ : ( وهذا الحديث من فضائل دمشق (‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
‏14 = ومن فضائل الشام : أن بها مدينة دمشق ، من خير ‏مدائن الشام ، والتي هي حصنٌ من الملاحم والفتن إبّان وقوعها .‏
ففي الحديث عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ قال : (( إنَّ فُسْطَاطَ المسلمين يومَ المَلْحَمَةِ بالغُوطَةِ إلى جانب مدينةٍ ‏يُقالُ لها دِمشقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشامِ )) (‏ ‏) .‏
ومعنى الفِسْطَاط في قوله : (( إنَّ فُسْطَاطَ المسلمين )) ـ هو بالضم ‏والكسر ـ المدينــة التي فيهــا مجتمع الناس ، وبه سُمِّيـت المدينة ، ومنه ‏سميت مصـر والبصرة الفُسـطـاط (‏ ‏) ، وأصله : الخيمة ، والمراد به : ‏حصـــن المســلمين الذي يتحصنـون به من الفتن (‏ ‏) .‏
‏( يوم الملحمة ) أي : يوم الوقعة العظيمة ، والمقتلــة العظمـــى والكــبرى ‏في الفتن القادمة (‏ ‏) كما في رواية : ( يوم الملحمة الكبرى ) (‏ ‏) .‏
والمراد بـ ( الغوطة ) ـ المذكورة في الحديث ـ هي : ـ بضم الغين ‏المعجمة ثم واو ساكنة وطاء مهملة ـ اسم البساتين والمياه التي حول دمشق ‏، وهي غوطة دمشق (‏ ‏) ، فالغوطة : موضع بالشام تحيط به جبال عالية ‏وبها أنهار وأشجار متصلة ، وفيها تقع مدينة دمشق (‏ ‏) . ولهذا ذكر بأنها ‏كائنة : ( إلى جانب مدينة يقال لها دِمَشق ) ـ بكسر ففتح ـ وهي قصبة الشام ‏‏(‏ ‏) ، وتعتبر : ( من خير مدائن الشام ) أي : هي من خير مدنها ، بل هي ‏خيرها . ولا يقــدح فيه ( من ) ، لأن بعض الأفضــل قد يكون أفضـل بدليل ‏خبر عائشة ـ رضي الله عنها ـ : (( كان ـ أي : النبي صلى الله عليه وسلم ـ من ‏أحسن الناس خلقاً )) (‏ ‏) . مع كونه أحسنهم (‏ ‏) .‏
هذا وقد ذكر أبو داود ـ رحمه الله ـ وروى هذا الحديث تحت باب ‏ترجم وبوّب له بقوله : ( باب في المعقل من الملاحم ) (‏ ‏) ، والمعقل ـ ‏بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف ـ مفرد معاقل . وهي الحُصُون ، ‏والمراد منه : الملجأ الذي يتحصن ويعتصم به المسلمون ويلتجئون إليه إبان ‏وقوع الملاحم والفتن (‏ ‏) .‏
فكأن أبا داود ـ رحمه الله ـ ذكر وروى هذا الحديث ليُدَلِّلَ على أن ‏غوطة دمشق ـ بالشــام ـ معقــل وحصن من الملاحم والفتن ، كما يــدل ‏عليه ترجمته وتبويبــه له ، والله أعلم .‏
والخلاصة : ـ من شرح الحديث ـ أن فُسطاط المسلمين أي : ‏اجتماعهم يوم الملحمة الكبرى والمقتلة العظمى في فتن آخر الزمان يكون ‏بغوطة دمشق التي تعتبر خير مدن الشام ، والتي هي معقِلٌ وحصنٌ يأوي ‏إليه المسلمون ويلتجئون ويعتصمون به ـ بعد الله عز وجل ـ عند حلول الفتن ‏والملاحم ، والله أعلم .‏
وهذا الحديث يدل على فضيلة دمشق ـ الشام ـ وعلى فضيلة سكانها ‏في آخر الزمان ، وأنها حصن مـن الفتن . ومن فضائلها : أنه دخلتها عشرة ‏آلاف عين رأت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ودخلها النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قبل النبوة وبعدها ، في غزوة تبوك وفي ليلة الإسراء (‏ ‏) .‏
‏15 = ومن فضائـل الشـــام أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏دعــا لها بالبركـة ، كما في حديــث ابن عمــر ـ رضي الله عنهما المتقدم ‏‏(‏ ‏) ـ قال : ذكر النبي ـ صلى الله عليـه وســلم ـ : (( اللهــم بارك لنــا في ‏شــامنا ، اللهم بــارك لنـا في يمننا ......)) الحديث ، وقد تقدم نصه بتمامه مع ‏تخريجه وشرحه وبيان وجه تخصيص المكانين ـ الشام واليمن ـ بالبركة ، ‏بما يُغني عن إعادته (‏ ‏) .‏
‏16 = ومن مناقبها وفضائلها ـ أيضاً ـ أن ملائكة الرحمن ‏باسطة أجنحتها عليها . ففي الحديث عن زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ ‏قال : كنا عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نُؤَلِّفُ القرآن من الرِّقاع ، ‏فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( طوبى للشام )) فقلنا : لأيٍّ ذلك ‏يارسول الله ؟ قال : (( لأن ملائكة الرحمن باسطةٌ أجنحتها عليها )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية عنه ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ يقول : (( ياطوبى للشام ! ياطوبى للشام ! ياطوبى للشام ! )) . قالوا ‏‏: يارسول الله وبم ذلك ؟ قال : (( تلك ملائكة الله باسطوا أجنحتها على الشام )) ‏‏(‏ ‏) .‏
وطوبى في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( طوبى للشام )) أصلها : ‏فُعلى من الطيب ، وهي اسم الجنة . وقيل هي شجرة فيها ، والمراد بها ‏هاهنا ـ في الحديث ـ فُعْلى من الطيب ، لا الجنة ولا الشجرة (‏ ‏) . والكلمة ‏دعاء منــه ـ صلى الله عليه وسلم ـ للشــــام .‏
فهي تأنيث أطيــب ، أي : راحة وطيب عيــش حاصـل للشام وأهلها ‏‏(‏ ‏). وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد قال ذلك حينما كان الصحابــة ـ ‏رضي الله عنهم ـ يُؤَلِّفون أي : يجمعون القرآن من الرقاع ، وهو مايُكتب ‏فيه القرآن وغيره (‏ ‏) . ‏
فلما سمع الصحابة ذلك سألوه فقالوا : ( لأيٍّ ذلك يارسول الله ؟ ) ـ ‏بتنوين العوض في أي ـ أي : لأي شيء ولأي سبب قلت ذلك يارسول الله ؟ ‏فأجابهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك السبب بقوله : (( لأن ملائكــة ‏الرحمــن باسطةٌ أجنحتها عليها )) وفي هذا إيماء إلى أن المراد بالملائكة هنا ‏ملائكة الرحمة . وقوله : (( باسـطة أجنحتها عليها )) أي : على بقعة الشام ‏وأهلها بالمحافظة عن الكفر (‏ ‏) .‏
‏ وقيل : أي : تحفها وتحوطها بإنزال البركات ودفع المهالك ‏والمؤذيات (‏ ‏) .‏
وبعـــد : فهذا ماتيسر جمعه في فضائل الشام ومناقبه وأهله باختصار ‏، فبلغت ست عشرة فضيلة ومنقبة ، وليس هذا على سبيل الحصر ، ثم إن ‏هذه المناقب منها ماهو خاص بزمن حلــول الفتن ، ومنها ماهو عام في كل ‏وقت وحين ، وعلى مرِّ الأيام والسنين ، والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:05 PM
المبحث السادس
‏{ التعرُّب وسكنى البدو في الفتنة }‏
‏= = = = = = = = = = = =‏

جاء في بعض الأحاديث الصحيحة مايدل ويُرَغِّب في سُكنى البدو ‏والتعرّب إبّان سقوط الفتن ، ونزول الكوارث والبلايا والمحن . فمما جاء ‏في ذلك :‏
مارواه أبو سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( يوشك أن يكون خيرُ مالِ المسلم غنمٌ يتبع بها شَعَفَ ‏الجبال ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن )) (‏ ‏) .‏
وعن سلمة بن الأكوع أنه دخل على الحجاج فقال : ( ياابن الأكوع ‏ارتددت على عقبيــك ، تعرَّبت ؟ قــال : لا ، ولكنَّ رســول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ أذن لي في البــدو ) (‏ ‏) .‏
وعن يزيد بن ابي عبيد قال : لمّا قُتل عثمان بن عفان خرج سلمة بن ‏الأكوع إلى الرّبذة وتزوج هناك امرأةً وولدَت له أولاداً ، فلم يزل بها حتى ‏قبل أن يموت بليالٍ ، نزل المدينــة ) (‏ ‏) .‏
وعن عبـد الرحمـن بن ابي صعصعة عن أبيه عن أبي ســعيد ‏الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : ( قال لي : إني أراك تحب الغنم وتتخذها ، ‏فأصلِحْها وأصلح رُعَامَها (‏ ‏) فإني سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏يقول : (( يأتي على الناس زمان تكون الغنم فيه خير مال المسلم ، يتبع بها شعف ‏الجبال ـ أو سَعَف الجبال ـ في مواقع القطر ، يفرُّ بدينه من الفتن )) (‏ ‏) .‏
وعن عبد الله بن طاوس عن ابيه قال : قال رســول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قال : (( خير الناس في الفتن رجل آخذ بعنان أو قال : برسن فرسه ، ‏خلف أعداء الله ، يخيفهم ويخيفونه، ورجل معتزل في باديته يؤدي الحق الذي عليه ‏‏)) (‏ ‏) .‏
وعن ابي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : ياأيها الناس ، أظلّتكم فتن ‏كأنها قطع الليل المظلم ، أنجى الناس فيها ـ أو قال : منها ـ صاحب شاءٍ ‏يأكل من رسل غنمه (‏ ‏) ، أو رجل من وراء الدرب ، آخذ بعنان فرسه ، ‏يأكل من سيفه (‏ ‏) .‏
هذا وقد ترجم الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ عند إيراده للأحاديث ‏الثلاثة الأولى المتقدمة ـ في أول هذا المبحث ـ فقال : ( باب التعرب في ‏الفتنة ) (‏ ‏) ثم علق الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ على ترجمته وتبويبه ‏هذا فقال عن معنى التعرُّب : ( بالعين المهملة والراء الثقيلة ، أي : السُّكنى ‏مع الأعراب ـ بفتح الألف ـ ، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر ‏منها فيسكن البدو فيرجع بعد هجرته أعرابياً ، وكان إذْ ذاك محرماً إلاّ إن ‏أَذِنَ له الشارع في ذلك ، وقيَّده بالفتنة إشارة إلى ماورد من الإذن في ذلك ‏عند حلول الفتن ـ كما في ثاني حديثي الباب (‏ ‏) ـ ، وقيل بمنعه في زمن ‏الفتنة لما يترتب عليه من خذلان أهل الحق ، ولكن نظر الســلف اختلف في ‏ذلك : فمنهــم من آثر السلامة واعتزل الفتن ، كسعد ومحمد بن مسلمة وابن ‏عمر في طائفة ، ومنهم من باشر القتال وهم الجمهور ) (‏ ‏) انتهى كلام ‏الحافظ . وقد تقدم (‏ ‏) تفصيل الخلاف في ذلك مع الأدلة والترجيح في ‏أوائل هذا الفصل ، والله أعلم .‏
وأما أبو داود ـ رحمه الله ـ فقد ترجم لحديث أبي سعيد ـ المتقدم في ‏أول هذا المبحث ـ بقوله : ( باب مايرخص فيه من البداوة في الفتنة ) (‏ ‏) .‏
وأما قول الحجاج ـ وهو ابن يوسف الثقفي الأمير المشهور (‏ ‏) ـ ‏للصحابي الجليل سلمة بن الأكوع : ( ياابن الأكوع ! ارتددت على عقبيك ؟ ‏‏) فكأنه إشارة إلى ماجاء في حديث ابي سعيد الخـــدري ـ رضي الله عنه ـ ‏في عدِّ الكبائـــر ، قال : قــال رســـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ‏الكبائر سبع ........)) وذكر منها : (( ..... والرجوع إلى الأعرابية بعد الهجرة ‏‏)) (‏ ‏) .‏
وفي حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً قال : (( آكل الربا ‏ومُوكلُه وكاتبُه إذا علموا ذلك والواشمة والموشومة للحسن ولاوى الصدقة والمرتدّ ‏أعرابياً بعد الهجرة ملعونون على لسان محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم القيامة )) ‏‏(‏ ‏) .‏
وجاء في حديث أبـي هريــرة ـ رضي الله عنه ـ قولـــه ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ : (( الكبائــــر أولهــــن الإشـــراك بالله ........)) ثم عددها وذكـــر ‏آخرها فقال : (( ....والانتقال إلى الأعراب بعد هجرته )) (‏ ‏) .‏
وعن سهـــل بن أبي خيثمة عن أبيه قال : سمعــت النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ يقول : (( اجتنبوا الكبائر الســبع .........)) فذكرها .......... ‏وذكر في آخرها : (( ....والتعرب بعد الهجرة )) (‏ ‏) .‏
وعن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ‏‏(( لعن الله من بدا بعد الهجرة ، لعن الله من بدا بعد الهجرة ، إلاّ في فتنة ، فإن البدو ‏خير من المقام في الفتنة )) (‏ ‏) .‏
وقال ابن الأثير ـ رحمه الله ـ عن معنى التعرب بعد الهجرة مانصه : ‏‏( هو أن يعود إلى البادية ويُقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجراً . وكان من ‏رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد ) (‏ ‏) .‏
وأما قول الحجاج لسلمة بن الأكوع : ( ارتددت على عقبيك ! تعربت ‏؟ ) فهذا من جفائه وسوء أدبه مع هذا الصحابي الجليل ـ رضي الله عنه ـ ‏حيث خاطبه بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشف عن عذره ، ويُقال : ‏إنه أراد قتله ، فبين الجهة التي يريد أن يجعله مستحقاً للقتل بها (‏ ‏) .‏
والحاصل : أنه يمكن أن يستفاد مما سبق بأن الشارع الحكيم أذِنَ ‏في التعرب وسكنى البادية ، وقيَّد ذلك بزمن الفتنة ، وعند حلول المحنة ، ‏إشارة إلى ماورد من الإذن في ذلك عند حلول الفتن كما في الأحاديث الأُول ‏من هذا المبحث .‏
وأما في الأحوال العادية التي ليس فيها فتنة عامة ، فالأصل فيها ‏سكنى المدن ، والأصل أن المسلم الذي يستطيع أن يخالط الناس ، ويصبر ‏على أذاهم ، ويوصل إليهم النفع الديني والدنيوي ، هو خير من الذي ‏لايخالطهم ، ولا يصبر على أذاهم ، ولا يساكنهم ، ويهجرهم ويعتزل ‏شرورهم ، ويتعرَّب وينفرد بنفسه ، وقد كانوا يَعَدُّون من فعــل ذلك ورجع ‏بعد الهجرة إلى موضعه وتعرّب واعتزل وهجر الناس من غير عذر ‏كالمــرتــد (‏ ‏) .‏
وتقدم ـ قريباً (‏ ‏) ـ ذكر الوعيد الشديد في ذلك ، وأن التعرب بعد ‏الهجرة يعد من الكبائر السبع ، وأن صاحبــه وفاعلـــه ملعــون ثلاثاً على ‏لسان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .‏
وهذا ـ أي : ترجيح الخلطة في الأحوال الطبيعية ـ هو مذهب جماهير ‏السلف والعلماء ، كما تقدم ـ قريباً (‏ ‏) ـ تفصيله والله أعلم .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:06 PM
{ الخاتمــــــــة }‏
‏* * * * * ‏

أحمد الله ـ سبحانه وتعالى ـ حمداً كثيراً ، كما ينبغي لجلال وجهه ، ‏وعظيم سلطانه . الذي يسر لي وأعانني على إتمام هذه الرسالة بهذه ‏الصورة ، فله الحمد في الأولى والآخرة ، ولــه الفضـل والمنة أولاً وآخــراً ‏‏: { الْـحَـمْــــدُ ِللهِ الَّذِى لَهُ, مَـا فِى السَّمَـــوَاتِ وَمَـا فــِـــى الأَرْضِ ‏وَلَــــهُ الْحَـمْـــدُ فِى الأَخِــَـر ةِ وَهُــوَ الْحَـكِــيـمُ الْخَـبِـيــــرُ } [ سبأ : ‏‏1 ] ، { لَـــــهُ الْـحَـمْـــدُ فِى الأُولَــــى وَالآَخِــرَ ةِ وَلَــهُ الْـحُـكْـمُ ‏وَإِلَـيْـــهِ تُـرْجَـعُــــونَ } [ القصص : 70 ] .‏
وبعـــد : فهذا ماامتن الله به عليَّ بعد هذه الرحلة العلمية المباركة ـ ‏إن شاء الله تعالى ـ التي تجولت من خلالها وطفت لمعرفة موقف المسلم من ‏الفتن في ضوء الكتاب والسنة ، مع التعرف على نماذج من أسس وكبار ‏وأهم الفتن ، التي أشير إليها في الكتاب والسنة . ومعرفة منهج أهل السنة ‏والجماعة وموقفهم فيما يعرض للمسلم من تلك الفتن .‏
وهذا ماوسعه جهد المُقل ، وجاد به القلم ، وسمح به الوقت ، وتوصّل ‏إليه الفهم المتواضـــع .‏
ثم ماكان فيه من صواب فمن الله وحده وله الحمد والشكر والثناء أولاً ‏وآخراً ، وماكان فيه من خطأ أو نقص فمني ومن الشيطان ، والله بريء منه ‏ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، واستغفر الله منه ، وتلك سنة الله في بني ‏الإنسان ، ولا أدعي الكمال ، فإنه من صفات الكبير المتعال ، والنقص ‏والتقصير واختلاف وجهات النظر من صفات الجنس البشري . وحسبي أني ‏بذلت جهدي وحاولت السداد والتقريب ، واستنفذت طاقتي ، ووضعت لبنة في ‏طريق من يريد إتمام البناء . وما ذاك كله إلاّ بتوفيق الله ـ تعالى ـ وأسأله ـ ‏سبحانه ـ أن ينفعني بذلك ‏
وأن يجعله في ميزان حسناتي ، يوم لاينفع مال ولا بنون ، إلاّ من أتى الله بقلب ‏سليم .‏
كما أسأله ـ سبحانه ـ أن ينفع به جميع المسلمين ، فإنه على كل شيء ‏قدير ، وبالإجابة جدير .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:07 PM
أولاً = خلاصة الرسالة وأهم نتائجها : ‏
‏ وأما عن خلاصة الرسالة وأهم نتائجها فهي كما يلي :‏
‏1 = أن الفتنة هي : الاختبار والابتلاء والامتحان . ويتلخص وينتج : ‏أن لفظها في القرآن يأتي على وجوه كثيرة ، وأن له معانٍ شتى من أهمها : ‏الشرك والكفر والابتلاء والضلال ، والجنون والغدر والعذاب ......‏
‏2 =‏ أ - أن منبع الفتن وبؤرها ومصدر ظهورها هو المشرق ـ ‏وخاصة العراق ـ وتاريخه أكبر شاهد على ذلك .‏
ب - كما ـ نتج وتلخص ـ أن العراق هو المراد بالـ ( نجد ) ‏المذكور في الأحاديث الثابتة .‏
هذا وقد اتفقت كلمة شراح الحديث ، وأئمة اللغة ، ومهرة جغرافية ‏العرب أن النجد ليس اسماً لبلد خاص ، ولا لبلدة بعينها ، بل يقال لكل قطعة ‏من الأرض المرتفعة عما حواليها نجد . ومن كان بالمدينــة كان نجده بادية ‏العراق ونواحيها ، وهي مشرق أهلها ، كما توافق شرّاح الحديث على ذلك ‏‏.‏
جـ - أن جهة المشــرق ـ العراق ـ ممقوتة غير محمودة ، ‏ولذلك ضرب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به المثل بقرني الشيطان ، ‏وأخبر أنه منبع الزلازل والفتن ، ورأس الكفر وأساسه ، ثم إن حاضره ‏وغابره يدل على ذلك ـ وخاصة العراق ـ والله أعلم .‏

‏3 = كما يستنتج من فتنة التفرق والاختلاف مايلي : ‏
أ - أن الافتراق أشد أنواع الاختلاف .‏
ب ـ وأنه ليس كل اختلاف افتراقاً ، بل العكس .‏
ج ـ وأن الافتراق لايكون إلا على أصول الدين الكبرى .‏
فافتراق هــذه الأمـــة المذكور في الحديث بأنها (( ستفترق على ثلاث ‏وسبعين فرقـــة )) إنما يقع في أصــول الديــن الكبرى والاعتقاد ، لا مايقع ‏في الفروع والاجتهــادات الفقهيــة .‏
‏4 = وأما عن نتائج فتنة القتال فهي كما يلي :‏
أولاً ـ اقتتال المسلمين مع الروم ـ في آخر الزمان ـ وبيانه ‏كالتالي :‏
أ - أن هذه الملحمة العظمى لم تجئ بعد ، وأن الروم لم يغزوا في ‏البرِّ بهذا العدد المهول ـ المقدر بألف ألف ـ فهي من الأمور التي لم تقع بعد ‏‏.‏
ب - كما أن الروم يسلمون في آخر الزمــان ، ويكــون فتــح مدينة ‏القسطنطينية ـ الفتح الأعظم والأخير ـ على أيدي طائفة منهم مع جيش ‏المسلمين .‏
ج ـ ويكون انتصار المسلمين عليهم تهيئة لفتح مدينة القسطنطينية ـ ‏المعروفة اليوم بتركيا ـ الفتح الأعظم والأخير ، الذي قبل خروج الدجال في ‏آخر الزمان وفتحهم لها يكون بدون قتال ، وسلاحهم فيها التكبير والتهليل .‏
د ـ وأما فتح الترك لها الذي كان قبل عصرنا هذا ، فإنه كان تمهيداً ‏للفتح الأعظم.‏
ثانياً ـ فتنة القتال التي تسبق اقتتال المسلمين مع الروم . فقد ‏ورد في الأحاديث مايفيد قتال المسلمين مع الترك والعجم قبل قتالهم مع ‏الروم . وورد فيها اشتراك الترك والعجم في الصفات الخلقية . ويمكن أن ‏يجاب بأن الحديث الوارد في صفات العجم غير حديث قتال الترك . ولامانع ‏من اشتراك الصنفين في الصفات المذكورة مع اختلاف الجنس. ويجتمع ‏منهما أنهما طائفتان أُنذر بخروجهما .‏
‏ 5 = وأما موقف المسلم من الفتن ، ومايجب عليه تجاهها فهو ‏كالتالي : ‏
أ - إن أول تلك المواقف فيما يجب عليه تجاه الفتن ، هو الاعتصام ‏بالكتاب والســنة .‏
ب - وثانيها : تقوى الله عز وجل وملازمة عبادته .‏
ج ـ كما يجب ـ ويتأكد آنذاك ـ الالتزام بجماعة المسلمين من أهل ‏السنة والجماعة.‏
د ـ وأما قضية اعتزال الفتن وترك القتال فيها ، فإن أهم نتائجها ـ ‏بعد بحثها الطويل ـ مايلي :‏
‏* يجب القصد والاعتدال في الخلطة والعزلة ـ من غير افراط ولا ‏تفريط ـ فالاغراق في كل شيء مذموم ، كما أن لكل من العزلة والخلطة ‏فوائد وغوائل . فتارة تُختار العزلة، وتارة الخلطة . كل بحسب مايقتضيه ‏الحال والمآل ، فقد تُـثمر العزلة في بعض الأحوال والأوضاع مالا تُثمره ‏الخلطة ، والعكس بالعكس . وهذا لايعارض ترجيح الخلطة على العزلة . ‏فإن ذاك الترجيــح في الأحــوال العامـــة ، لأنه قد يُرجَّــح أمـــر العزلة في ‏أحــوال مخصوصـــة . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:09 PM
‏* ثم إن الأصل في الإسلام الخلطة لا العزلة ، بل العزلة الكلية ‏المطلقة ؛ الأصل فيها المنـع ، لما يترتب على ذلك من تضييع الحقوق ، ‏وتفويت وتعطيل كثير من الواجبات .‏
ويستثنى من ذلك المنع حالات أخرى عامة ، تشرع فيها العزلة ‏بسبب تغيّر عام يقع في المجتمع . ومن هذه الحالات مايلي :‏
الحالة الأولى : عند فساد الزمان .‏
الحالة الثانية : عند حلول الفتن .‏
‏* وأما العزلة والخلطة إبّان فتنة القتال : فالذي يظهر ـ بعد النظر ‏والتأمل ـ ويترجح التفصيل . فمتى خفي الحق ، وتعسَّرت معرفة الصواب ‏في ذلك ، فإنه يترجح آنذاك جانب القول باعتزالها . ومتى عرف الحق ، ‏وتبين الصواب مع من فيها ، فإنه يجب حينئذ الخوض والمشاركة فيها ، ‏لنصر الحق وقتال الباغي .‏
‏* كما ظهر وتبين أن للشام فضل ومزية في كل حين ، وعلى مر ‏الأيام والسنين ، بل ورد مايحض ويرغب فيها أكثر وأكثر إبّان الفتن ، ‏وأنها معقل ومأوى المسلمين آنذاك.‏
‏* وأخيراً : تأتي قضية التعرب وسكنى البدو في الفتنة ، ويستنتج ‏منها : أن الشارع أذن في التعرّب وسكنى البادية ، وقيّد ذلك بزمن الفتنة . ‏وأما في الأحوال العادية التي ليس فيها فتنة عامة ، فالأصل فيها سكنى ‏المدن .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:10 PM
ثانياً = التوصيات والمقترحات :‏
‏1 = إن كان هناك من توصيات فإن أول ما أُوصي به نفســي ، ‏وإخواني المسلمين ـ لاسيما الدعاة والباحثين ـ تقوى الله ـ عز وجل ـ فهي ‏وصية الله لجميع خلقه الأولين والآخريــن ، كما قال تعالى : { وَلَـقَــدْ ‏وَصَّـيْنَــا الَّــذِيــنَ أُوتُــواْ الْــكِتَــــبَ مِــن قَــبْــلِكُـمْ وَإِيَّــاكُمْ أَنِ اتَّــقُـواْ ‏اللهَ } [ النساء : 131 ] فموضوع التقوى بالغ الأهمية . وهو ذروة السنام ، ‏مثابته مثابــة الرأس من الجســـد ، وتتأكد وتزداد أهميته عند حلول الفتن ‏ومباغة البلايا والمحن .‏
‏2 = كما أوصي ـ بما أوصى به الله ورسوله ـ بالالتزام والاعتصام ‏بجماعة المسلمين ، وعدم الخروج عليهم ، وعن منهجهم ـ منهج أهل السنة ‏والجماعة ـ الذي رسموه لنا ، ونبذ الفرقة والاختلاف . لأن ذلك شر وأيـّما ‏شر . فالجماعة رحمة والفرقة عذاب ، وتزداد أهمية ذلك كله وقت الفتن ‏فإنه أشد وأوجب ، وآكد وأرغب .‏
‏3 = وأوصي أيضاً ـ بعد تقوى الله عز وجل والاعتصام به والتوكل ‏عليه واللجوء إليه ـ بالالتفاف حول العلماء الربانيين ، والأئمة المهديين ، ‏الأتقياء الصالحين ، علماء أهل السنة والجماعة في كل عصر ، فإن ‏الالتفاف حولهم يعد سبيلاً مهماً من سبل الوقاية والنجاة من الفتن على ‏مختلف أنواعها وأشكالها ، كما يعين ذلك على الأمن من الزيغ والضلال . ‏فكم أنجى الله بالعلماء الأمة الإسلامية من محن عصيبة ، وفتن رهيبة ، ‏كإعزاز الله لدينة بالصديق ـ رضي الله عنه ـ يوم الردّة ، وبأحمد بن حنبل ‏يوم المحنة ، فكم ثبَّت الله المسلمين في تلك الفتن بعلمائهم . فلا بُد إذاً من ‏لزومهم ، والعيش في أكنافهم ، والالتفاف حولهم لاسيما وقت الفتن . ‏
كما أوصي في هذه الجزئية بأمر مهم وهو عدم الاستقلالية عن ‏العلماء مما يؤدي إلى احتقارهم والتعالي عليهم وعدم اتباعهم . وهذه شنشنة ‏شاذة ـ مع الأسف ـ بدأنا نرى نمـــاذج منــها ، بل وصـــل الأمر ببعضهــم أن ‏يقول عن الأئمة العلماء : هم رجال ونحن رجال .... وهذا أمر مقلق جداً ، يجب ‏أن نتواصى ونتناصح فيه ، وقد تقدم التفصيل في هذه الجزئية مما يغني عن ‏اعادته (‏ ‏) .‏
‏4 = إن الرفق والحلم والتأني وعدم التعجل ، وخاصة عند حدوث الفتن ‏، محمود أيما حمد ومطلوب ومرغب فيه أيما ترغيب ، لأن ذلك كله يجعل ‏المسلم يبصر حقائق الأمور بحكمة وحنكة . ويقف على خفاياها وأبعادها ‏وعواقبها . فالعجلة وعدم الأناة خِفة وطيش ، وحدّة في العبد تمنعه من التثبت ‏والوقار والحلم والرفق . وتُوجب وضع الشيء في غير محله ، كما تجلب الفتن ‏والشرور والنقم ، وتمنع السلامة والخيرات والنعم . فالرفق ماكان في شيء إلا ‏زانه ، ومانزع من شيء إلا شانه . كما أن الحلم والأنــاة يحبهما الله (‏ ‏) ولذلك ‏كانت خصلة الحلم هي السبب في بقاء الروم ـ والنصارى الكفرة ـ وكونهم أكثر ‏الناس كما وصفهم بذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : (( تقوم الساعة ‏والروم أكثر الناس )) (‏ ‏) .‏
وقد علل عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ بقاء الروم وكثرتهم ‏من بين الناس بقولــه : ( إن فيهــم لخصالاً أربعــاً ) الأولى : ـ وهي ‏شــاهدنا والتي تهمنــا في هذه الجزئيـــة ـ ( إنهم لأحلم الناس عند فتنة ) (2) ‏، وهذا ليس ثنــاء مــن عمــرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ على الروم ‏والنصارى الكفرة . وإنما هو تعليل منه ـ رضي الله عنه ـ ومعناه : أنه إذا ‏اضطربت الأحوال وتغيرت ، وبدت الفتن وكشَّرت عن أنيابها ، فإن الروم ‏آنذاك هم أحلم الناس في مواجهتها . وأكثرهم أناة وتريثاً وهدوءاً . لعلمهم ‏أن الفتنة إذا بزغت شمسها ، فإنها ستقضي عليهم .‏
إذاً : فالحلم والرفق والأناة من خير مايوصى به المسلمون إبّان الفتن ‏‏. ومن أهم مايوصى به في هذه الجزئية : الرفق والحلم والأناة .. مع الأئمة ‏وولاة الأمور ، وعدم الخروج عليهم ونزع يدٍ من طاعة ما أقاموا شرع الله ‏‏. فالرفق والحكمة والحلم ... معهم ينتج عنه كل خير واستقرار وأمن وأمان ‏‏... ، وإلاّ دخل المسلمون في عالم من الفوضى والمجازر والدماء ... التي ‏لانهاية لها . وهذا هو منهج السلف الصالح ، وما موقف الصحابة والتابعين ‏ـ رضي الله عنهم ـ من الحجاج ببعيد . وهو معروف بظلمه وجبروته ، ومع ‏ذلك كله كانوا يوصفون بالحلم والرفق والحكمة معه ، فالله الله في الرفق ‏والحلم والحكمة والأناة ، وخاصة وقت الفتن .‏
‏5 = عدم تطبيق ماورد في الفتن ـ من نصوص ـ على الواقع ‏المعاصر : ‏
تزداد شهوة الكلام عند حلول الفتن ، وتظهر جرأة كثير من ‏ضغام الناس وقتها . فيحلو لهم آنذاك ، استرجاع أحاديث الفتن وتقليب ‏صفحاتها ، ويربو ذلك ويزداد في اجتماعاتهم في المنتديات والمجالس . ‏فتجدهم ينزِّلون تلك الأحاديث على واقعهم الآني ، ويلوون أعناقها لتوافق ‏مايعتريهم ويصيبهم من فتن ، فيقولون : إن قول النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ .... كذا ... هو المراد بهذه الفتنة التي نحن فيها الآن . أو المراد به ‏الفتنة التي حدثت في الوقت الفلاني أو البلد الفلاني ... وهكذا يفسرون ‏ويطلقون المراد من كلام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحاديثه عن ‏الفتن ، بتحديد أزمانهــا وأماكنها وتطبيقها على واقعهم وزمنهم الآني . كل ‏ذلك ليس عندهم فيه من الله برهـــان .‏
وهذا خطأ فادح ، على خلاف منهج السلف الصالح ـ من أهل السنة ‏والجماعة ـ فإن منهجهم إبّان حلول الفتن ، هو عدم تنزيل أحاديثها على ‏واقع حاضر . وإنما يتبين ويظهر صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏بما أنبأ وحدث به أمته من حدوث الفتن عقب حدوثها واندثارها . مع تنبيه ‏الناس وتحذيرهم من الفتن عامة . ومن تطبيقها على الواقع الحالي خاصة .‏
‏6 = البعد عن أماكن الفتن وبؤرها : ‏
فالبعد عنها وعدم الخوض فيها أو التعرض لها مسلك شرعي ‏، بل هو مطلب من مطالب هذه الشريعة السمحاء . كيف لا ؟ والنبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ علق السعادة باجتناب تلك الفتن بقوله : (( إن السعيد ‏لمن جُنـِّـب الفتن ...)) (‏ ‏) كما حث على تجنبها والهرب منها ـ أيضاً ـ بقوله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع ، ‏والمضطجع فيها خير من القاعد ، والقاعد فيها خير من القائم ، والقائم ‏خير من الماشي ، والماشي خير من الراكب ، والراكب خير من المُجري ‏‏... )) (‏ ‏) فبين النووي ـ رحمه الله ـ أن :‏
‏( معنــاه : بيان عظيم خطــرها والحث على تجنبها والهـــرب منهــا ومن ‏التشبــث في شــيء منهـــا... ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد تواترت وصايا السلف في التحذير من مواطن الفتن ، وأن ‏يشخص لها أحد . فهذا حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ يقول : ( إياكم ‏والفتن ، لايشخص إليها أحد ، فوالله ماشخص فيها أحد إلاّ نسفته كما ينسف ‏السيل الدمن .... ) (‏ ‏) .‏
وقال أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ ( لاتقربوا الفتنة إذا حميت . ‏ولاتعرَّضوا لها إذا عرضت . واضربوا أهلها إذا أقبلت ) (‏ ‏) .‏
‏7 = لاشك أن الإشاعة تُعدُّ من أمضى الأسلحة التي يستعملها أعداء ‏الأمة ، لاختراق صفوفها ، والفتك بعضدها ، وتمزيق وحدتها . وتكمن ‏خطورتها ، وتنشط الدعاية لها ، إبّان الفتن ، ففي وقتها تكثر إثارتها ، ‏ويزداد ترويج بضاعتها . فالأعداء مافتئوا يبثون الأقاويل الكاذبة ، ‏والشائعات المرجفة ، حرصاً منهم على زعزعة أمن المسلمين وأمانهم ، ‏وماحادثة الإفك عن ذلك ببعيد ، وكذا ماحصل في غزوة أحد حينما قتل ‏مصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ أُشيع أن الذي قُتل هو النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ . فانكفأ المسلمون وجيشهم بسبب هذه الشائعات المرجفة . ‏فحفظ اللسان ، والتــبين والتثبت عند سماع الشائعات أو أي نبأ أو خبر ‏مطلب شرعي ، لاسيما وقت الفتن ، وعند الحروب والمعارك والمحن ، ‏فإنه آنذاك أشد وأرغب ، وآكد وأوجب . وقد تقدم (‏ ‏) كل مايتعلق بذلك من ‏حفظ اللسان أثناء الفتن والتثبت عندها والحذر من الشائعات وقتها .... بما ‏يغني عن إعادته والاستطراد فيه .‏
‏8 = ثم إن التعوذ من الفتن ، ماظهر منها وما بطن . مما أوصى به ‏النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته ، وأمر به أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ ‏فقال : (( تعوذوا بالله من الفتن ، ماظهر منها وما بطن )) (‏ ‏) فالتعوذ بالله ‏منها ينجي من الفتن ، ويقي من الشرور والمحن . وقد تقدمت الإشارة إلى ‏هذه الوصية بما يغني عن تكرارها .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 07:11 PM
وبعــــد : فهذا ماأمكن جمعه واستحضاره من توصيات إبان دراسة ‏موضوع الفتن وموقف المسلم منها . كما أن هناك توصيات أحجمت عن ‏ذكرها هنا خشية الإطالة بيد أن ماذُكر هنا أهمها .‏
وإن كان هناك من اقتراحات فهي كما يلي :‏
‏1 = أرى وأقترح عقد دورات علمية عملية ، لخطباء وأئمة المساجد ‏والدعاة . يبين لهم فيها ويُدَرَّس أهم مايجب على المسلم اتخاذه تجاه الفتن . ‏مع بيان منهج أهل السنة والجماعة ، وموقفهم منها ، ومن الأحاديث الواردة ‏فيها . كل ذلك بغية أن يُبيِّن إخواننا الدعاة والخطباء لعامة الناس ماأخذوه ‏واستفادوه من تلك الدورات . وحبذا أن تكون تلك الدورات تحت إشراف ‏هيئة كبار العلماء أو نحوها .‏
‏2 = كما أقترح اصدار مجلات دورية مختصرة ـ مابين فينة وأُخرى ‏ـ يُبيَّن فيها ما سبق في الاقتراح الأول . ولكن بعبارة سهلة وأسلوب يفهمه ‏ويستفيد منه العامة والخاصة.‏
ويكون إصدار تلك الدوريات وتوزيعها عن طريق جهات رسمية . ‏كمراكز الدعوة والارشاد ، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‏ونحوها .‏
‏3 = ولو كان ذلك ـ أيضاً ـ عن طريق الصحف الصادرة يومياً في ‏كل بلد . والتي يتداولها العامة والخاصة ، ويقتنيها أكثر الناس ، لكان حسناً ‏‏. فيُبـيَّن لهم فيها على فترات ـ لاسيما وقت الفتن ـ ماسبق اقتراحه . كما ‏يكون ذلك كله ـ أيضاً ـ تحت إشراف هيئة كبار العلماء ، أو الرئاسة العامة ‏للبحوث العلمية والافتاء ونحوها .‏
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

naser71s
19-12-2006, 09:47 PM
أخي الكريم
السلام عليكم ورحمة الله
أولا أشكرك على هذا المقال القيم. أسأله تعالى ان ينفع به ويتقبل منكم
ثم وددت أخي لو تكرمتم علينا بإرساله لي مرفقاً بهوامش التوثيقات التي لم أحظ بها في المقال المنشور؛ ذلك أني من غزة فلسطين، ونحن بحاجة لمثل هذا المقالات لتأصيل بعض الأحكام وما يتناسب مع الفتن الأخيرة والتي لا تخفى عليكم
أخوكم أبو عبد الرحمن ناصر
naser71s@yahoo.com
naser71s2@yahoo.com
naser71s@hotmail.com