المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تصنيف الناس بين الظن واليقين



أحمد سعد الدين
24-12-2004, 09:44 PM


بكر بن عبد الله أبو زيد‏



تَصْنِيفُ النَّاسِ
بَيْنَ الظَّنَّ وَ الْيَقِينِ‏


قال الله تعالى : ‏
‏(إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما
‏ ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند ‏
‏ الله عظيم ) .‏
‏[ النور / 15 ]

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 09:47 PM
المقدمة

‏ الحمد لله رب العالمين : اللهم إياك نعبد , وإياك ‏نستعين , وعليك نتوكل , وإليك نسعى ونحفد . ونصلي , ‏ونسلم على خاتم أنبيائك ورسلك .‏
أما بعد :‏
‏ فأنتخب من مزدحم الحياة : العلماء الهداة في مثالهم : ‏العالم العامل بعلمه في خاصة نفسه , ونصحه لله , ولرسوله , ‏ولإمامه , ولعموم أهل الإسلام , فما أن يذكر اسم ذلك ‏العالم إلا ويرفع في العلماء العاملين , فعلمه وعمله متلازمان ‏أبدا , كالشاخص والظل سواء , والله يمن على من يشاء .‏
‏ فأنتصر له حسبة لله , لا دفاعا عن شخصه فحسب , بل ‏وعن حرمات علماء المسلمين ومنهم دعاتهم , ورجال الحسبة ‏فيهم ؛ إذ بدا لقاء ما يحملونه من الهدى والخير والبيان :‏
اختراق:(( ظاهرة التجريح )) لأعراضهم بالوقيعة فيهم, وفري ‏الجراحين في أعراضهم ,وفي دعوتهم ,ولما صنعه (سعادة ‏الفتنة) من وقائع الافتراء, وإلصاق التهم,وألوان الأذى, ورمي ‏الفتيل هنا وهناك , مما لا يخفي في كل مكان وصلته أصواتهم ‏البغيضة .‏
‏ ولعظم الجنابة على العلماء , صار من المعقود في أصول ‏الاعتقاد : (( ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل )) .‏
‏ وعلى نحوه كلمات حسان لعدد من علماء الأمة الهداة ‏في العلم والدين1 .‏
‏ لذلك , ولما لهم على العامة والخاصة من فضل في ‏تعليم الناس الخير , ونشر السنن , وإماتة الأهواء والبدع , ‏فهم قد أوتوا الحكمة يقضون بها , ويعلمونها الناس , ولم ‏يتخلفوا في كهوف (( القعدة )) الذين صرفوا وجوههم عن ‏آلام أمتهم وقالوا((هذا مغتسل بارد وشراب)),وكأنما عناهم ‏شوقي بقوله:‏
‏ وقد يموت كثيرا لا تحسهم ‏
‏ كأنهم من هوان الخطب ما وجدوا‏
‏ بل نزلوا ميدان الكفاح , وساحة التبصير بالدين , وهم ‏الذين يُنبؤن عن مقياس العظمة (( العصامية )) التاريخية في ‏أشباحهم المغمورة , لا العظمة (( العظامية )) الموهومة , كما ‏لبعض أصحاب الرتب , والشارات , المفرغين لأنفسهم عن ‏قرن العلم بالعمل .‏
‏ * إن القيم , والأقدار , وآثارها الحسان , الممتدة على ‏مسارب الزمن لا تقوم بالجاه , والمنصب , والمال , والشهرة , ‏وكيل المدائح , والألقاب , وإنما قوامها وتقويمها بالفضل , ‏والجهاد , وربط العلم بالعمل , مع نبل نفس , وأدب جم , ‏وحسن سمت , فهذه , وأمثالها هي التي توزن بها الرجال ‏والأعمال .‏
‏ وإلى هذا الطراز المبارك تشخص أبصار العالم , ولكل ‏نبأ مستقر .‏
‏ لهذا كله , صار من الواجب على إخوانهم , الذب عن ‏حرماتهم وأعراضهم بكلمات تجلو صدأ ما ألصقه (المنشقون) ‏بهم من الثرثرة , وتكتم صدى صياحهم في وجه الحق .‏
وإيضاح السبيل الآمن الرشد , العدل الوسط .‏
‏ فالآن علينا البيان بألفاظ مقدودة على قدودها بلا طول , ‏ولا قصر , وعلينا وعليك الإنصاف بلا وكس ولا شطط .‏
‏ فها أنا2 أقول عن هذه الظاهرة (( تصنيف الناس )) في ‏واقعها, وطرقها, ودوافعها, وآثارها, وسبل علاجها, والقضاء ‏عليها بما لاح لي :‏
* إن كشف الأهواء , والبدع المضلة , ونقد المقالات ‏المخالفة للكتاب , والسنة , وتعرية الدعاة إليها , وهجرهم ‏وتحذير الناس منهم , وإقصائهم , والبراءة من فعلاتهم , سنة ‏ماضية في تاريخ المسلمين في إطار أهل السنة , معتمدين ‏شرطي النقد : العلم , وسلامة القصد .‏
‏ * العلم بثبوت البينة الشرعية , والأدلة اليقينية على ‏المدعى به في مواجهة أهل الهوى والبدعة , ودعاة الضلالة ‏والفتنة , وإلا كان الناقد ممن يقفو ما ليس له به علم . وهذا ‏عين البهت والإثم .‏
‏ * ويرون بالاتفاق أن هذا الواجب من تمام النصح لله ‏ولرسوله - ‏‎ ‎‏- ولأئمة المسلمين , وعامتهم . وهذا شرط ‏القصد لوجه الله تعالى , وغلا كان الناقد بمنزلة من يقاتل حمية ‏ورياء . وهو من مدرك الشرك في القصد .‏
‎ ‎‏ ‏‎ ‎وهذا من الوضوح بمكان مكين لمن نظر في نصوص ‏الوحيين الشريفين , وسبر الأئمة الهداة في العلم والدين .‏
‎ ‎‏* ولا يلتبس هذا الأصل الإسلامي بما تراه مع بلج ‏الصبح , وفي غسق الليل من ظهور ضمير أسود, وافد من كل ‏فج استبعد نفوسا بضراوة , أراه : " تصنيف الناس " وظاهرة ‏عجيب نفوذها هي : " رمز الجراحين " أو :" مرض التشكيك ‏وعدم الثقة " حمله فئام غلاظ من الناس يعبدون الله على ‏حرف , فألقوا جلباب الحياء , وشغلوا به أغرار التبس عليهم ‏الأمر فضلوا , وأضلوا , فلبس الجميع أثواب الجرح والتعديل, ‏وتدثروا بشهوة التجريح , ونسج الأحاديث , والتعلق بخيوط ‏الأوهام , فبهذه الوسائل ركبوا ثبج التصنيف للآخرين ؛ ‏للتشهير , والتنفير , والصد عن سواء السبيل . ‏
‎ ‎ومن هذا المنطلق الواهي , غمسوا ألسنتهم في ركام من ‏الأوهام والآثام , ثم بسطوها بإصدار الأحكام عليهم , ‏والتشكيك فيهم , وخدشهم , وإلصاق التهم بهم , وطمس ‏محاسنهم , والتشهير بهم , وتوزيعهم أشتاتا وعزين :‏
‎ ‎في عقائدهم , وسلوكهم , ودواخل أعمالهم , وخلجات ‏قلوبهم , وتفسير مقاصدهم , ونياتهم ... كل ذلك ‏وأضعاف ذلك مما هنالك من الويلات , يجري على طرفي, ‏التصنيف : الديني , واللاديني .‏
‏ فترى وتسمع رمي ذاك , أو هذا بأنه : خارجي. معتزلي. ‏أشعري . طرقي . إخواني . تبليغي . مقلد متعصب . متطرف ‏‏. متزمت . رجعي . أصولي .‏
‏ وفي السلوك : مداهن . مراء . من علماء السلطان . من ‏علماء الوضوء والغسل .‏
‏ ومن طرف لا ديني : ماسوني . علماني . شيوعي . ‏اشتراكي . بعثي . قومي . عميل .‏
‏ * وإن نقبوا في البلاد , وفتشوا عنه العباد , ولم يجدوا ‏عليه أي عثرة , أو زلة , تصيدوا له العثرات , وأوجدوا له ‏الزلات , مبينة على شبه واهية , وألفاظ محتملة .‏
‏ * أما إن أفلست جهودهم من كل هذا رموه بالأخرى ‏فقالوا : متستر . محايد .‏
‏ إلى غير ذلك من ضروب تطاول سعاة الفتنة والتفرق , ‏وتمزيق الشمل والتقطع .‏
‏ * وقد جرت هذه الظاهرة إلى الهلكة في ظاهرة أخرى من ‏كثرة التساؤلات المتجنية-مع بسمة خبيثة- عن فلان, وعلان, ‏والإيغال بالدخول في نيته , وقصده , فإذا رأوا ((شيخا)) ثنى ‏ركبتيه للدرس, ولم يجدوا عليه أي ملحظ, دخلوا في نيته, ‏وكيفوا حاله : ليبني نفسه , لسان حاله يقول : أنا ابن من ‏فاعرفوني . ليتقمص شخصية الكبار . يترصد الزعامة .‏
‏ * وإن ترفقوا , وغلبهم الورع , قالوا : محترف بالعلم .‏
‏ * وإن تورع ((الجراح)) عن الجرح بالعبارة, أو استنفدها, ‏أو أراد ما هو أكثر إيغالا بالجرح , سلك طريق الجرح ‏بالإشارة , أو الحركة بما يكون أخبث , وأكثر إقذاعا .‏
‏ مثل : تحريك الرأس , وتعويج الفم , وصرفه , والتفاته , ‏وتحميض الوجه , وتجعيد الجبين , وتكليح الوجه , والتغير , ‏والتضجر .‏
‏ أو يسأل عنه , فيشير إلى فمه , أو لسانه معبرا عن أنه : ‏كذاب , أو بذيء .‏
‏ ومثل : تقليب اليد , أو نفضها .‏
‏ إلى غير ذلك من أساليب التوهين بالإشارة, أو التحريك.‏
‏ ألا شلت تلك اليمين عند الحركة التوهين ظلما .‏
‏ وصدعت تلك الجبين عن تجعيدها للتوهين ظلما .‏
‎ ‎ويا‎ ‎ليت بنسعة من جلد,تربط بها تلك الشفة عند ‏تعويجها للتوهين ظلما. ‏
‎ ‎ولله در أبي العباس النميري , شيخ الإسلام ابن تيمية ‏- رحمه الله تعالى - إذ وضع النصال على النصال في كشف ‏مكنونات تصرفات الجراحين ظلما فقال3 :‏
‏ ( فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه ‏وعشائره مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون أو فيه بعض ‏ما يقولون لكن يرى انه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله ‏أهل المجلس ونفروا عنه فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة ‏وطيب المصاحبة وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض ‏معهم .‏
‏ ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى تارة في قالب ‏ديانة وصلاح فيقول : ليس لي عادة أن أذكر أحدا إلا بخير، ‏ولا أحب الغيبة ولا الكذب وإنما أخبركم بأحواله . ويقول: ‏والله إنه مسكين أو رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت . وربما ‏يقول : دعونا منه الله يغفر لنا وله وإنما قصدهم استنقاصه ‏وهضما لجنابه . ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة ‏يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقا وقد رأينا منهم ‏ألوانا كثيرة من هذا وأشباهه .‏
‏ ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه , فيقول : لو دعوت ‏
البارحة في صلاتي لفلان لما بلغي عنه كيت وكيت , ليرفع ‏نفسه ويضعه عند من يعتقده . أو يقول : فلان بليد الذهن ‏قليل الفهم وقصده مدح نفسه وإثبات معرفته وأنه أفضل منه .‏
‏ ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين ‏قبيحين : الغيبة ، والحسد . وإذا أثنى على شخص أزال ذلك ‏عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح ، أوفي قالب ‏حسد وفجور وقدح ، ليسقط ذلك عنه .‏
‏ ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ‏ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به .‏
‏ ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب ،فيقول تعجبت ‏من فلان كيف لايفعل كيت وكيت؟ومن فلان كيف وقع منه ‏كيت وكيت , وكيف فعل كيت وكيت فيخرج اسمه في ‏معرض تعجبه .‏
‏ ومنهم من يخرج الاغتمام , فيقول مسكين فلان ، غمني ما ‏جرى له وما تم له فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف , ‏وقلبه منطو على تشفي به ولو قدر لزاد على ما به ولربما ‏يذكره عنه أعدائه ليتشفى به . هذا وغيره من أعظم أمراض ‏القلوب والمخادعات لله ولخلقه.‏
‏ ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر، ‏فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول وقصده غير ما ‏أظهر والله المستعان ) انتهى .‏
‏ * ومن ألأم المسالك ما تسرب إلى بعض ديار الإسلام من ‏بلاد الكفر من نصب مشانق التجريح للشخص الذي يراد ‏تحطيمه والإحباط بما يلوث وجه كرامته .‏
‏ ويجري ذلك بواسطة سفيه يسافه عن غيره متلاعب ‏بدينه قاعد مَزْجَرَ الكلب النابح سافل في خلقه ممسوخ ‏الخاطر صفيق الوجه مغبون في أدبه وخلقه ودينه .‏
‏ * بل ربما سلكوا شأن أهل الأهواء كما يكشفهم ابن القيم ‏‏- رحمه الله تعالى - إذ يقول4 :‏
‏ ( وانظر سرعة المستجيبين لدعاة الرافضة , والقرامطة ‏الباطنية , والجهمية , والمعتزلة , وإكرامهم لدعاتهم وبذل ‏أموالهم وطاعتهم لهم من غير برهان أتوهم به أو آية أروهم ‏إياها غير أنهم دعوهم إلى تأويل تستغربه النفوس وتستطرفه ‏العقول وأوهموهم أنه من وظيفة الخاصة الذين ارتفعوا به عن ‏طبقة العامة فالصائر إليه معدود في الخواص مفارق للعوام ,‏
فلم تر شيئا من المذاهب الباطلة , والآراء الفاسدة , ‏المستخرجة بالتأويل قوبل الداعي إليه الآتي به , أولا ‏بالتكذيب له , والرد عليه , بل ترى المخدوعين المغرورين ‏يجفلون إليه إجفالا ويأتون إليه أرسالا , تؤزهم إليه شياطينهم ‏ونفوهم أزا , وتزعجهم إليه إزعاجا فيدخلون فيه أفواجا , ‏يتهافتون فيه تهافت الفراش في النار ، ويثوبون إليه مثابة الطير ‏إلى الأوكار، ثم من عظيم آفاته, سهولة الأمر على المتأولين في ‏نقل المدعوين عن مذاهبهم , وقبيح اعتقادهم إليهم, ونسخ ‏الهدى من صدورهم , فإنهم ربما اختاروا للدعوة إليه رجلا ‏مشهورا بالديانة والصيانة , معروفا بالأمانة , حسن الأخلاق, ‏جميل الهيئة , فصيح اللسان , صبورا على التقشف , والتزهد , ‏مرتاضا لمخاطبة الناس على اختلاف طبقاتهم , ويتهيأ لهم مع ‏ذلك من عيب أهل الحق والطعن عليهم والإزراء بهم ما يظفر ‏به المفتش عن العيوب , فيقولون للمغرور المخدوع :وازن بين ‏هؤلاء وهؤلاء, وحكم عقلك, وانظر إلى نتيجة الحق والباطل, ‏فيتهيأ لهم بهذا الخداع ما لا يتهيأ بالجيوش وما لا يطمع في ‏الوصول إليه بدون تلك الجهة ) انتهى .‏
‏ * وأما وقيعة الفُسَّاقِ في أهل الفضل والدين , فعلى شبه ‏
ممن قال الله فيهم :‏
‏ { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا ‏المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا .. }الآية ‏‏[ الحج : 72 ] .‏
‏ واستخفاف هؤلاء بالدين يحملهم على إشاعة أشياء عن ‏العلماء , والدعاة منهم , ورجال الحسبة فيهم بقصد الشناعة ‏عليهم .‏
‏ * ويشبه الجميع في قصد التشنيع : أهل الأهواء على ‏اختلاف فرقهم , وتنوع مشاربهم , واختلاف مدارسهم , ‏فإن لهم شهوة جامحة بالوقيعة في أهل السنة , وعلماء الأمة .‏
‏ * وإذا كانت هذه شناعات في مقام التجريح , فيقابلها ‏على ألسنة شقية : مقام الإطراء الكاذب , برفع أناس فوق ‏منزلتهم , وتعديل المجروحين , والصد عن فعلاتهم , وإن فعل ‏الواحد منهم فعل .‏
‏ وإذا كانت : (( ظاهرة التجريح )) وقيعة بغير حق , فإن ‏‏(( منح الامتياز )) بغير حق , يفسد الأخلاق , ويجلب الغرور ‏والاستعلاء , ويغر الجاهلين بمن يضرهم في دينهم ودنياهم . ‏ولهذا ترى العقلاء يأنفون من هذه الامتيازات السخيفة
وتأبى نفوسهم من هذه اللوثة الأعجمية الوافدة5 .‏
‏ وهذه أحرف نعترضة ثم أقول : ‏
‏ * وهكذا في سيل متدفق سيال على ألسنة كالسياط , ‏دأبها التربص , فالتوثب على الأعراض , والتمضمض ‏بالاعتراض , مما يوسع جراح الأمة , ويلغي الثقة في علماء ‏الملة , ويغتال الفضل بين أفرادها , ويقطع أرحامها تأسيسا ‏على خيوط من الأوهام , ومنازلات بلا برهان , تجر إلى فتن ‏تدق الأبواب , وتضرب الثقة في قوام الأمة من خيار العباد .‏
‏ فبئس المنتجع , وبئست الهواية , ويا ويحهم يوم تبلى ‏السرائر يوم القيامة .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 09:49 PM
واجب دفعها

‏ والقسمة كما ترى : واحد ظالم لنفسه مبين , وآخر ‏مظلوم . ومن قواعد الملة : (( نصر المسلم أخاه المسلم ظالما أو ‏مظلوما )) لا على مقصد أول من تكلم بها : جندب بن العنبر ‏‏, إذ أراد بها حمية الجاهلية , ولكن على مقصد النبي - صلى ‏الله عليه وسلم - إذ أخذ - صلى الله عليه وسلم - ‏الصورة , ونقلها إلى معنى شريف بمعنى :‏
‏ نصرته ظالما , بالأخذ على يده , وإبداء النصح له , ‏وإرشاده وتخليصه من بناء الأحكام على الظنون والأوهام , ‏وإعمال اليقين مكان الظن , والبينة محل الوسوسة , والصمت ‏عن القذف بالباطل والإثم , ومبدأ حسن النية , بدل سوء ‏الظن والطوية , وتحذيره من نقمة الله وسخطه .‏
‏ ونصرته مظلوما , بردع الظالم عنه , والإنصاف له منه , ‏والدفع عن عرضه وكرامته , وتسليته , وتذكيره , بماله من ‏الأجر الجزيل , والثواب العريض , وأن الله ناصره - بمشيئته ‏‏- ولو بعد حين .‏
‏ وهذه النصرة لهما من محاسن الإسلام , وأبواب الجهاد , ‏وتعلن النذارة لذوي النفوس الشريرة ملة الشقاق والشغب أن ‏على الدرب رجالا بالمرصاد , على حد قول الله تعالى :‏
‏{ فشرد بهم من خلفه لعلهم يذكرون } [ الأنفال : 57 ] .‏
‏ فتنقمع نفوسهم وهم يسفون المل , وينطوي عن الساحة ‏الشقاق والشغب , وتلقين الناس السؤال عن فلان وعلان , ‏وما يجره من تعب من غير أرب .‏
لهذا جرى القلم في عرض ما هو كائن في معيار الشرع المطهر ‏‏, عسى أن يكون وسيلة إنقاذ لمن أضناه مشوار التجريح
والتصنيف , فيلقي عصا التسيار قبل الممات .‏
‏ وسلوة لمظلوم مضرج برماح الجراحين , فتكشف الضر , ‏وتبعد السوء .‏
‏ وتحذيرا لكل عبد مسلم , من سبيل من احاطت به ‏خطيئته .‏
‏ وعسى أن يكون في هذه الأوراق تطهير لجماعة المسلمين ‏من هذه الرواسب , وأمن من هذه المخاوف , ونرفع بها ‏الغطاء عن هذه المحنة الدفينة ؛ لإطفاء جذوتها وكتم حملتها , ‏خشية أن تعمل عملها فتفرق كلمة المسلمين , وتوجد الفروق ‏بينهم , فيتخطفهم الناس , ويبقى صوت الحق ضئيلا , ‏وحامله ضعيفا .‏
‏ ومع هذا فلن تراها سجلا للحوادث والواقعات المرة , ‏فهي كثيرة , وصاحبها حامل لمسؤليتها { فكلا أخذنا بذنبه} ‏من"الآية : 40 العنكبوت". لكنها أحرف جريئة في ورقات ‏قليلة , تقرع جرس النذارة من هذه المكيدة: (تصنيف الناس) ‏اعتداء, و(( تجريحهم )) بغيا وعدوانا , فتكشف هذه الظاهرة ‏بجلاء , وتواجه وجوه الذين يتعاملون معها بنصوص واضحة , ‏وقوارع من نصوص الوحيين ظاهرة , فإلى فاتحة البيان لها : ‏
‏ * إن جارحة اللسان الناطق بالكلام المتواطأ عليه , أساس ‏في الحياة والتعايش دينا ودنيا , فبكلمة التوحيد يدخل المرء في ‏ملة الإسلام , وبنقضها يخرج منها , وبين ذلك مراحل ‏انتظمت أبواب الشريعة , فلو نظرت إلى (( الكلام )) وما بني ‏عليه من أحكام لوجدت من ذلك عجبا في : الطهارة , ‏والصلوات , وسائر أركان الإسلام , والجهاد , و البيوع , ‏والنكاح , والطلاق , والجنايات , والحدود , والقضاء , ...‏
‏ بل أفردت أبواب في الفقهيات كلها لما تلفظ به هذه ‏الأداة : (( اللسان )) :‏
‏ في أبواب : القذف , والردة , والأيمان , والنذور , ‏والشهادات , والإقرار .‏
‏ وفي اصل الأصول : (( التوحيد )) يدور عليه البحث ‏والتأليف .‏
‏ فكم من كلام أوجب ردة فقتلا, أو واجب قذفا فجلدا, ‏أو أوجب كفارات أو نزعت بسببه حقوق فردت مظالم إلى ‏أهلها . أو إقرار أوجب بمفرده حكما , ولذا قالوا : (( إقرار ‏المرء على نفسه أقوى البينات )) .‏
وهكذا من مناهج الشريعة المباركة الغراء ؛ ولهذا تكاثرت
نصوص الوحيين الشريفين في تعظيم شأن السان ترغيبا ‏وترهيبا , وأفرد العلماء في جمع غفير من مفرداته المؤلفات ففي ‏الترغيب : الدعوة إلى الله على بصيرة , ونشر العلم بالدرس , ‏وفضل الصدق , وكلمة الحق ...‏
‏ وفي الترهيب : عن الغيبة , والنميمة , والكذب , وآفات ‏اللسان الأخرى .‏
‏ وقد جمعت في ذلك (( معجم المناهي اللفظية )) وبسطت ‏أصوله الشرعية في مقدمته .‏
‏ * وإذا علمت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيما ‏صح عنه :" من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه : ‏أضمن له الجنة".علمت أن هذه(( الضمانة))لا تلعق إلا على ‏أمر عظيم .‏
‏ وهذه بمؤداها (( رقابة شرعية )) على حفظ أعراض ‏المسلمين وكف الأذى عنهم في (( العرض , والدين , ‏والنسب , والمال , والبدن , والعقل )) .‏
‏ ولما جمع الله شمل المسلمين أعلنها النبي - ‏‎ ‎‏- في حجة ‏الوداع , فقال - ‏‎ ‎‏- في خطبته الجامعة على مسمع يزيد عن ‏مائة ألف نفس من المسلمين :‏
‏ " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة ‏يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت " . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 09:51 PM
طرق التصنيف

‏ وإذا علمت فُشُوَّ ظاهرة التصنيف الغلابة ,وإن إطفاءها ‏واجب , فاعلم أن المحترفين لها سلكوا لتنفيذها طرقا منها :‏
‏ * أنك ترى الجراح القصاب , كلما مر على ملأ من ‏الدعاة اختار منهم ((ذبيحا)) فرماه بقذيفة من هذه الألقاب ‏المرة,تمرق من فمه مروق السهم من الرمية,ثم يرميه في الطريق, ‏ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق,فإن ذلك من شعب ‏الأيمان؟؟؟
‏ * وترى دأبه التربص,والترصد:عين للترقب وأذن ‏للتجسس,كل هذا للتحريش,وإشعال نار الفتن بالصالحين ‏وغيرهم .‏
‏ * وترى هذا ((الرمز البغيض)) مهموما بمحاضرة الدعاة ‏بسلسلة طويل ذرعها,رديء متنها, تجر أثقالا من الألقاب ‏المنفرة, والتهم الفاجرة ,ليسلكهم في قطار أهل الأهواء، ‏وضلال أهل القبلة, وجعلهم وقود بلبلة , وحطب اضطراب ‏وبالجملة فهذا (( القطيع )) هم أسوأ (( غزاة الأعراض
بالأمراض )) والعض بالباطل في غوارب العباد , والتفكه بها , ‏فهم مقربون بأصفاد : الغل , والبغضاء , والحسد , والغيبة , ‏والنميمة , والكذب , والبهت , والإفك , والهمز , واللمز , ‏جميعها في نفاذ واحد .‏
‏ إنهم بحق : (( رمز الإرادة السيئة )) يرتعون فيها بشهوة ‏جامحة .‏
‏ نعوذ بالله من حالهم , لا رعوا .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 09:52 PM
‏ آثارها‏

‏ * فيا لله كم لهذه : (( الوظيفة الإبليسية )) من آثار ‏موجعة للجراح نفسه؛ إذ سلك غير سبيل المؤمنين . فهو لقىً, ‏منبوذ , آثم , جان على نفسه , وخلقه , ودينه , أمته .‏
‏ من كل أبواب سوء القول قد أخذ بنصيب , فهو يقاسم ‏القاذف , ويقاسم : البهات , والقتات , والنمام , والمغتاب , ‏ويتصدر الكذابين الوضاعين في أعز شيء يملكه المسلم : ‏‏(( عقيدته وعرضه )) .‏
قال الله تعالى : ‏
‏ { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ‏احتملوا بهتانا وإثما مبينا } [ الأحزاب : 58 ] .‏
‏ وهذا البهت قد يوجب : (( ردة )) للقائل نفسه , كما ‏لو قال لمن عمل بالإسلام : رجعي , متخلف , كما ترى ‏تقريره في أبواب الردة من كتب الشريعة الحديثية والفقهية ؛ ‏ولهذا ألف ابن قطلوبغا, رسالة باسم:(( من يكفر ولم يشعر)).‏
‏ وهذا أسوأ أثر على المتفكهين بهذه الظاهرة فضلا عن ‏آثارها الأخرى عليه: منها سقوط الجراح من احترام الآخرين, ‏وتقويمه بأنه خفيف , طيَّاش , رقيق الديانة , صاحب هوى, ‏جره هواه وقصور نظره عن تمييز الحق من الباطل , إلى ‏مخاصمة المحق , والهجوم عليه بغير حق .‏
‏ بل وسوأة عظمى احتساب المبتلى هذا السعي بالفساد , ‏من الدين , وإظهاره بلباس الشرع المتين , والتلذذ بذكره , ‏ونشره .‏
حقا لقد أتعب التاريخ , وأتعب نفسه , وآذى التاريخ , ‏وآذى نفسه , فلا هو قال خيرا فغنم , ولا سكت فسلم .‏
‏ فإلى قائمة الممقوتين في سجل التاريخ غير مأسوف ‏عليهم :‏
إن الشقي بالشقاء مولع لا يملك الرد له إذا أتى
‏ * وكم أورثت هذه التهم الباطلة من أذى للمكلوم بها ‏من خفقة في الصدر , ودمعة في العين , وزفرات تظلم يرتجف ‏منها بين يدي ربه في جوف الليل , لهجا بكشفها مادّاً يديه ‏إلى مغيث المظلومين , كاسر الظالمين .‏
‏ والظالم يغط في نومه , وسهام المظلومين تتقاذفه من كل ‏جانب , عسى أن تصيب منه مقتلا .‏
‏ فيا لله : " ما أعظم الفرق بين من نام وأعين الناس ‏ساهرة تدعو له , وبين من نام وأعين الناس تدعو عليه6 " .‏
‏ * وكم جرت هذه المكيدة من قارعة في الديار , بتشويه ‏وجه الحق , والوقوف في سبيله , وضرب للدعوة من حدثاء ‏الأسنان في عظماء الرجال باحتقارهم وازدرائهم , ‏والاستخفاف بهم وبعلومهم , وإطفاء مواهبهم , وإثارة ‏الشحناء , والبغضاء بينهم .‏
‏ ثم هضم لحقوق المسلمين : في دينهم , وعرضهـم .‏
وتحجيم لانتشار الدعوة بينهم , بل صناعة توابيت , تقبر فيها ‏أنفاس الدعاة ونفائس دعوتهم ؟؟
انظر : كيف يتهافتون على إطفاء نورها , فالله حسبهم , ‏
وهو حسيبهم .‏
‏ وهذا مطمع مؤكد من خطط أعداء الملة لعدائها , ‏والاستعداء عليها في منظومتهم الفَسْلَة لكيد المسلمين , ‏ومنها :‏
‏ أن الكفار تكلموا طعنا في راوية الإسلام أبي هريرة- ‏رضي الله عنه-دون غيره من الصحابة-رضي الله عنهم-؛ لأنه ‏أكثرهم رواية, فإذا استسهل الطعن فيه, تبعه من دونه رواية.‏
‏ لهذا فقد أطبق أهل الملة الإسلامية , على أن الطعن في ‏واحد من الصحابة - رضي الله عنهم - : زندقة مكشوفة .‏
قال أبو زرعة الرازي – رحمه الله تعالى7 - :‏
‏ " إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول ‏الله- ‏‎ ‎‏-فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن رسول الله- ‏‎ ‎‏-حق، ‏والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله ‏الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب ‏والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة " .‏
‏ وقد أجرى العلماء هذا الحكم بمن قدح في أحد من ‏حملة الشرع المطهر ، علماء الأمة العاملين ؛ لأن القـدح ‏
بالحامل يفضي إلى القدح بما يحمله من رسالة البلاغ لدين الله ‏وشرعه ؛ ولهذا أطبق العلماء – رحمهم الله تعالى – على أن ‏من أسباب الإلحاد :" القدح بالعلماء ".‏
‏ قال الدورقي – رحمه الله تعالى -: ‏
‏ " من سمعته يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهمه على ‏الإسلام " . ‏
وقالها أحمد – رحمه الله تعالى – في حق يحيى بن معين ، ‏وقيلت في حق أبي زرعة ، وعكرمة – رحم الله الجميع - .‏
‏ " قال سفيان بن وكيع : أحمد عندنا محنة ، من عاب ‏أحمد فهو عندنا فاسق " .‏
‏ وقال غيره : " احمد محنة به يعرف المسلم من الزنديق " .‏
وقيل فيه :‏
‏ أضحى ابن حنبل محنة مأمونة ‏
‏ وبحب أحمد يعرف المتنسك ‏
‏ وإذا رأيت لأحمد متنقصا ‏
‏ فاعلم بأن ستوره ستهتك
‏ فأهل السنة يمتحن بمحبتهم فيتميز أهل السنة بحبهم ؛ ‏وأهل البدعة ببغضهم :‏
‏ وقال الحافظ ابن عساكر – رحمه الله تعال8ى - :‏
‏ " واعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته ، وجعلنا ممن ‏يخشاه ويتقيه حق تقاته ، أن لحوم العلماء – رحمة الله عليهم ‏‏– مسمومة ، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ؛ ‏لأن الوقعية فيهم مرتع وخيم ، والاختلاف على من اختاره ‏الله منهم لنعش العلم خلق ذميم …." .‏
‏ ومازالت ثائرة أهل الأهواء ، توظف هذه المكيدة في ثلب ‏علماء الأمة . فقد لجوا في الحط على شيخ الإسلام ابن تيمية ‏‏– رحمه الله تعالى – لأنه عمدة في القرون المتأخرة لإحياء ‏منهج السلف .‏
‏ ونشروا في العالم التشنيع على دعوة علماء السلف في ‏قلب الجزيرة العربية بالرجوع إلى الوحيين الشريفين ، ونبزهم ‏بشتى الألقاب للتنفير . ‏
‏ وفي عصرنا الحاضر يأخذ الدور في هذه الفتنة دورته في ‏مسلاخ من المنتسبين إلى السنة متلفعين متلفعين بمرط ينسبونه ‏إلى السلفية – ظلما لها – فنصبوا أنفسهم لرمي الدعاة بالتهم ‏
الفاجرة ، المبنية على الحجج الواهية ، واشتغلوا بضلالة ‏التصنيف .‏
‏ وهذا بلاء عريض ، وفتنة مضلة في تقليص ظل الدين ، ‏وتشتيت جماعته ، وزرع البغضاء بينهم ، وإسقاط حملته من ‏أعين الرعية ، وما هنالك من العناد ، وجحد الحق تارة ، ‏ورده أخرى .‏
‏ صدق الأئمة الهداة : إن رمي العلماء بالنقائص ، ‏وتصنيفهم البائس من البينات ، فتح باب الزندقة .‏
‏ * ويا لله كم صدت هذه الفتنة العمياء عن الوقوف في ‏وجه المد الإلحادي ، والمد الطرقي ، والعبث الأخلاقي ، ‏وإعطاء الفرصة لهم في استباحة أخلاقيات العباد ، وتأجيج ‏سبل الفساد والإفساد .‏
‏ إلى آخر ما تجره هذه المكيدة المهينة من جنايات على ‏الدين ، وعلى علمائه ، وعلى الأمة ، وعلى ولاة أمرها .‏
‏ وبالجملة فهي فتنة مضلة ، والقائم يها (( مفتون )) و ‏‏(( منشق )) عن جماعة المسلمين .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 09:54 PM
سندها

‏ * وبعد الإشارة إلى آثار (( المنشقين )) وغوائل تصنيفهم ‏فإنك لو سألت : (( الجراح )) عن مستنده ، وبينته على هذا ‏‏(( التصنيف )) الذي يصك بع العباد صك الجندل ، لأفلت ‏يديه ، يقلب كفيه ، متلعثما اليوم بما برع به لسانه بالأمس ، ‏ولوجدت نهاية ما لديه من بينات هي :‏
‏ وساوس غامضة ، وانفعالات متوترة ، وحسد قاطع .‏
‏ وتوظيف لسوء الظن ، والظن أكذب الحديث .‏
‏ وبناء الزعم ، وبئس مطية الرجل زعموا .‏
‏ فالمنشق يشيد الأحكام على هذه الأوهام المنهارة ، ‏والظنون المرجوحة ، ومتى كانت أساسا تبنى عليه ‏الأحكام9 ؟؟‏

‏ ومن آحادها السخيفة التي يأتمرون ويتلقون عليها للتصنيف:‏
‏ * فلان يترحم على فلان ، وهو من الفرقة الفلانية ؟
‏ فانظر كيف يتحرجون رحمة الله ، ويقعون في أقوام لعلهم ‏قد حطوا رحالهم في الجنة ، إضافة إلى التصنيف بالإثم .‏
‏ * إنه يذكر فلانا بالدرس ، وينقل عنه : ‏والذي تحرر لي أن العلماء لا ينقلون عن أهل الأهواء ‏
المغلظة ، والبدع الكبرى – المكفرة - ، ولا عن صاحب ‏هوى أو بدعة في بدعته ، ولا متظاهر ببدعة متسافه بها ، ‏داعية إليها .‏
‏ وما دون ذلك ينقلون عنهم على الجادة أي : سبيل ‏الاعتبار ، كالشأن في سياق الشواهد والمتابعات في المرويات .‏
‏ * ومن مستندات (( المنشقين )) الجراحين : تتبع ‏العثرات ، وتلمس الزلات ، والهفوات .‏
‏ فيجرح بالخطأ ، ويتبع العالم بالزلة ، ولا تغفر له هفوة .‏
‏ وهذا منهج مرد .‏
‏ فمن ذا الذي سلم من الخطأ – غير أنبياء الله ورسله - ، ‏وكم لبعض المشاهير من العلماء من زلات ، لكنها مغتفرة ‏بجانب ما هم عليه ما هم عليه من الحق والهدى والخير الكثير :‏
‏ من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط‏
ولو أخذ كل إنسان بهذا لما بقي معنا أحد ، ولصرنا مثل دودة ‏القز ، تطوي نفسها بنفسها حتى تموت .‏
وانظر : ما ثبت في (( الصحيحين )) عن جابر – رضي الله ‏عنه – " أن رسول الله - ‏‎ ‎‏- نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا ‏يتخونهم أو يلتمس عثراتهم " .‏
‏ هذا وهم أهل بيت الرجل وخاصته فكيف بغيرهم ؟
‏ وما شرع أدب الاستئذان ، وما يتبعه من تحسيس أهل ‏البيت بدخول الداخل إلا للبعد عن الوقوع على العثرات ‏فكيف بتتيعها .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 09:55 PM
* ومن طرائقهم :‏
‏ ترتيب سوء الظن ، وحمل التصرفات قولا ، وفعلا على ‏محامل السوء والشكوك .‏
‏ ومنه : التناوش من مكان بعيد لحمل الكلام على محامل ‏السوء بعد بذل الهم القاطع للترصد ، والتربص ، والفرح ‏العظيم بأنه وجد على فلان كذا ، وعلى فلان كذا .‏
‏ ومتى صار من دين الله : فرح المسلم بمفارقة أخيه المسلم ‏للآثام .‏
‏ ألا إن هذا التصيد ، داء خبيث متى ما تمكن من نفس ‏أطفأ ما فيها من نور الإيمان ، وصير القلب خرابا يبابا ، ‏يستقبل الأهواء والشهوات، ويفرزها. نعوذ بالله من الخذلان .‏
‏ ومن هذا العرض يتبين أن : (( ظاهرة التصنيف )) تسري ‏بدون مقومات مقبولة شرعا ، فهي مبنية على دعوى مجردة ‏من الدليل ، وإذا كانت كذلك بطل الادعاء ، واضمحلت ‏الدعوى ، وأصبحت غير مسموعة شرعا ، وآلت حال المدعي ‏إلى مدعى عليه تقام الدعوى بما كذب وافترى وفي الحديث أن ‏النبي - ‏‎ ‎‏- قال :‏
‏ " لو يعطى الناس بدعواهم … " الحديث .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 09:56 PM
‏ دوافعها

‏ * حينئذ يأتي السؤال : ماهي الأسباب الداعية إلى شهوة ‏التجريح بلا دليل ؟
‏ والجواب : أن الدافع لا يخلو :‏
‏ * إما أن يكون الدافع (( عداوة عقدية في حسبانه )) ‏فهذا لأرباب التوجهات الفكرية ، والعقدية المخالفة للإسلام ‏الصحيح في إطار السلف . ‏
‏ وهؤلاء هم الذين ألقوا بذور هذه الظاهرة في ناشئتنا .‏
‏ * أو يكون الدافع من تلبيس إبليس ، وتلاعبه في بعض ‏العباد بداء الوسواس ، وكثيرا ما يكون في هؤلاء الصالحين من ‏نفث فيهم أهل الأهواء نفثة ، فتمكنت من قلوبهم ، وحسبوها ‏زيادة في التوقي الورع ، فطاروا بها كل مطار حتى أكلت ‏أوقاتهم ، واستلهمت جهودهم ، وصدتهم عما هم بحاجة إليه ‏من التحصيل ، والوقوف على حقائق العلم والإيمان .‏
‏ ولهذا كثرت أسئلتهم عن فلان ، وفلان ، ثم تنزلت بهم ‏الحال إلى الوقوع فيهم .‏
‏ وكأن ابن القيم – رحمه الله تعالى – شاهد عيان لما يجري ‏في عصرنا إذ يقول10 : ‏
‏ " ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز ‏من أكل الحرام ، والظلم ، والزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، ‏ومن النظر المحرم ، وغير ذلك . ‏
‏ ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه ، حتى نرى ‏الرجل يشار إليه بالدين ، والزهد ، والعبادة ، وهو يتكلم ‏بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالا ، وينزل بالكلمة ‏الواحدة منها أبعد ، بين المشرق والمغرب .‏
‏ وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه ‏يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول )انتهى .‏
‏ * أو يكون الدافع : (( داء الحسد والبغي والغيرة )) ‏وهي أشد ما تكون بين المنتسبين إلى الخير والعلم ، ‏فإذا رأى المغبون في حظه من هبوط منزلته الاعتبارية ‏في قلوب الناس ، وجفولهم لهم عنه ، بجانب مــا ‏كتب الله لأحد أقرانه من نعمة – هو منهــــا ‏محروم - ، من القبول في الأرض ، وانتشار الذكر ، والتفاف ‏الطلاب حوله ، أخذ بتوهين حاله ، وذمه بما يشبه المدح ، ‏فلان كذا إلا أنه …‏
‏ وقد يسلك – وشتان بين المسلكين – صنيع المتورعين من ‏المحدثين في المجروحين كحركات التوهين ، وصيغ الدعاء ‏التي تشير إلى المؤاخذات ، والله يعلم أنه لا يريد إلا التمريض ، ‏يفعل هذا كمدا من باب الضرب للمحظوظين بوساوس ‏المحرومين .‏
‏ وكل هذا من عمل الشيطان .‏
‏ ومن هنا تبتهج النفس بدقة نظر النقاد ؛ إذ صرفوا النظر ‏عما سبيله كذلك من تقادح الأقران .‏
‏ ولهذا تتابعت كلمات السلف كما روى بعضا منها ابن ‏عبدالبر – رحمه الله تعالى – بأسانيده في : (( جامعه )) عن ‏ابن عباس –ر ضي الله عنهما – ومالك بن دينار ، وابن حازم ‏‏– رحمهم الله تعالى – ومنها : ‏
‏ " خذوا العلم حيث وجدتم ، ولا تقبلوا قول الفقهاء ‏بعضهم على بعض ، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في ‏الزريبة " .‏
‏ وقال أبي حازم :‏
‏ " العلماء كانوا فيما مضى من الزمان إذا لقي العالم من ‏هو فوقه في العلم كان ذلك يوم غنيمة ، وإذا لقي من هو مثله ‏ذاكره ، وإذا لقي من هو دونه لم يزه عليه حتى كان هذا ‏الزمان ، فصار الرجل يعيب من هو فوقه ابتغاء أن ينقطع منه ‏حتى يرى الناس أنه ليس به حاجه إليه ، ولا يذاكر من هو ‏مثله ، ويزهى على من هو دونه ، فهلك الناس " . ‏
‏ وصدق النبي - ‏‎ ‎‏- فيما رواه حواري رسول الله -‏‎ ‎‏- ‏وابن عمته : الزبير بن العوام – رضي الله عنه – أن رسول الله ‏‏- ‏‎ ‎‏- قال :‏
‏" دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد ، والبغضاء ، البغضاء ‏هي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين ، والذي ‏نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا , ولا تؤمنوا حتى ‏تحابوا، ألا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم : أفشوا السلام بينكم ". ‏
‏ * أو الدافع : (( عداوة دنيوية )) فكم أثارت من تباغض ‏وشحناء ، ونكد ، ومكابدة ، فهؤلاء دائما في غصة من ‏حياتهم ، وتحرق على حظوظهم ، ولا ينالون شيئا .‏

‏ " وإنما أهلك الناس الدرهم والدينار " .‏
‏ واللبيب يعرف شرح ذلك .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 09:57 PM
‏ وعلى كل حال فإن الهوى هو الذي يحمل الفريقين على ‏هذه الموبقات ، وقد يجتمع في الإنسان أكثر من دافع .‏
‏ وأشدهم طوعا للهوى ، أكثرهم إغراقا في هذه الدوافع ؛ ‏إذ إن إصدار أي حكم لا يخلو من واحد من مأخذين لا ثالث ‏لهما :‏

‏1-‏ الشريعة : وهي المستند الحق وموئل (( العدل )) ، ‏وماذا بعد الحق إلا الضلال .‏
‏2-‏ ‏ الهوى : وهو المأخذ الواهي الباطل المذموم ، ولا ‏يترتب عليه حق أبدا .‏
‏ والهوى – نعوذ بالله منه – هو أول فتنة طرقت العالم ، ‏وباتباع الهوى ضل إبليس ، وبه ضل كثير من الأمم عن اتباع ‏رسلهم وأنبيائهم كما في قصص القرآن العظيم ؛ ولهذا حكم ‏الله – وهو أعدل الحاكمين – أنه لا أحد أضل ممن اتبع هواه ‏، فقال سبحانه :‏
‏{ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } ‏‏[ القصص : 50 ]‏
‏ وقال تعالى ‏
‏ { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون ‏عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } ‏‏[ ص : 66 ]‏
‏ ولذلك قيل للمائلين عن سبيل القصد :( أهل الأهواء ) ؛ ‏وذلك لاتباعهم الهوى ، أو لأنها تهوي بأهلها في النار .‏
‏ * وإذا كان أهل الأهواء قد نجحوا في نفثتهم المحمومة ‏هذه ، ففتح الأغرار بها كوة على علمائهم ، فإن اللادينيين قد ‏حولوها إلى باب مفتوح على مصراعيه ، فألحقوا كل نقيصة ، ‏وسخرية في كل متدين وعبد صالح ، وأما العلماء فقد ‏جعلوهم (( وقود البلبلة وحطب الاضطراب )) .‏
الاشتقاق بها
‏ * وإذا كانت هذه الظاهرة مع شيوعها ، وانتشارها ، ‏واهية السند ، معدومة البينة ، فمن هو الذي تولى كبرها ، ‏ونفخ في كيرها ، وسعى في الأرض فسادا بنشرها ، وتحريك ‏الفتن بها ، والتحريش بواسطتها ؟؟؟
‏ والجواب : هم أرباب تلك الدوافع، ولا تبتعد فتبتئس ‏وخل عنك التحذلق والفجور، نعوذ بالله من أمراض القلوب .‏
‏ والنفس لا تتقطع حسرات هنا ، فإن من في قلبه نوع ‏هوى وبدعة ، قد عرفت هذه الفعلات من جادتهم التي ‏يتوارثونها على مدى التاريخ ، وتوالي العصر ، وقد نبه على ‏مكايدهم العلماء ، وحذروا الأغرار من الاغترار …‏
‏ لكن بلية لا لعاً لها ، وفتنة وقى الله شرها حين سرت في ‏عصرنا – ظاهرة الشغب هذه إلى من شاء الله من المنتسبين إلى ‏السنة , ودعوى نصرتها ، فاتخذوا (( التصنيف بالتجريح )) ‏دينا وديدناً ، فصاروا إلباً على أقرانهم من أهل السنة ، وحربا ‏على رؤوسهم ، وعظمائهم ، يلحقونهم الأوصاف المرذولة ، ‏و ينبزونهم بالألقاب المستشنعة المهزولة ، حتى بلغت بهم ‏الحال أن فاهوا بقولتهم عن إخوانهم في الاعتقاد ، والسنة ، ‏والأثر:( هم أضر من اليهود والنصارى ) و ( فلان زنديق )؟؟
‏ وتعاموا عن كل ما يجتاب ديار المسلمين، ويخترق آفاقهم، ‏ومن الكفر ، والشرك ، والزندقة ، والإلحاد ، وفتح سبل ‏الإفساد والفساد ، وما يفد في كل صباح ومساء من مغريات ‏وشهوات ، وأدواء وشبهات ، تنتج تكفير الأمة ، وتفسيقها ، ‏وإخراجها نشأ آخر منسلخا من دينه وخلقه .‏
‏ وهنا ، ومن هذا (( الانشقاق )) تشفى المخالف بواسطة
‏ (( المنشقين )) ووصل العدو من طريقهم ، وجندوهم للتفريق ‏من حيث يعلمون أولا يعلمون ، وانفض بعضٌ عن العلماء ، ‏والالتفاف حولهم ، ووهنوا حالهم ، وزهدوا الناس في عملهم. ‏
‏ وبهؤلاء (( المنشقين )) آل أمر طلائع الأمة ، وشبابها إلى ‏أوزاع ، وأشتات ، وفرق ، وأحزاب، وركض وراء السراب، ‏وضياع في المنهج ، والقدوة ، وما نجا من غمرتها إلا من ‏صحبه التوفيق ، وعمر الإيمان قلبه . ‏
‏ ولا حول ولا قوة إلا بالله .‏
‏ وهذا(الانشقاق ) في صف أهل السنة لأول مرة– حسبما ‏نعلم – يوجد في المنتسبين إليهم من يشاقهم، ويجند نفسه ‏لمثافنتهم ، ويتوسد ذراع الهم لإطفاء جذوتهم، والوقوف في ‏طريق دعوتهم، وإطلاق العنان للسان يفري في أعراض الدعاة ‏ويلقي في طريقهم العوائق في:(عصبية طائشة ).‏
‏ فلو رأيتهم – مساكين يرثى لحالهم وضياعهم – وهم ‏يتواثبون ، ويقفزون ، والله أعلم بما يوعون ، لأدركت فيهم ‏الخفة والطيش في أحلام طير . وهذا شأن من يخفق على غير ‏قاعدة ولو حاججت الواحد منهم لما رأيت عنده إلا قطعة من ‏الحماس يتدثر بها على غير بصيرة ، فيصل إلى عقول السذج ‏من باب هذه الظاهرة : الغيرة . نصرة السنة . وحدة الأمة . ‏وهم أول من يضع رأس المعول لهدمها ، وتمزيق شملها …‏
‏ لكن مما يطمئن أن هذه : (( وعكة )) مصيرها إلى ‏الاضمحلال و (( لوثة وافدة )) تنطفي عن قريب ، وعودة (( ‏المنشقين )) إلى جماعة المسلمين أن تعلم :‏
‏ * أن هذا التبدد يعيش في أفراد بلا أتباع ، وصدق الله :‏
‏ { وما للظالمين من أنصار } [ البقرة : 270 ] .‏
‏ ومن صالح الدعاء :‏
‏ { ربنا لا تجعلنا من القوم الظالمين } [ الأعراف : 47 ] ‏‏.‏
‏ وقوله تعالى :‏
‏ { رب فلا تجعلني في القوم الظالمين } [ المؤمنين : 94 ]‏
‏ * وأن هؤلاء الأفراد يسيرون بلا قضية .‏
‏ * وأن جولانهم : هو من فزع وثبة الانشقاق ؛ ولهذا ‏تلمس فيهم زعارة ، وقلة توفيق .‏
‏ فلا بد 0 بإذن الله تعالى – أن تخبوا هذه اللوثة ، ويتقلص ‏ظلها ، وتنكتم أنفاسها ، ويعود (( المنشق )) تائبا إلى صف ‏جماعة المسلمين ، تاليا قول الله تعالى { ربي نجني من القوم ‏الظالمين } [ القصص : 21 ] .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 09:59 PM
تبعة فشوها

‏ * ثم يأتي سؤال ثان :‏
‏ من الذي يحمل تبعة فشو (( ظاهرة التصنيف )) ‏فالانشقاق عن (( أهل السنة )) ؟؟
‏ يحتمل تبعتها فريقان :‏
‏ الأول : الغافلون عن تنفس التوجهات الفكرية، والعقدية، ‏والمادية ، وزرعها في أفئدة الناشئة . ‏
‏ وأصله : التفريط في الغيرة على الحق ، والأمر بالمعروف ‏والنهي عن المنكر ، ومد بساط : عسى ، ولعل . ‏الثاني: غياب العالم القدوة عن القيام بدوره الجهادي التربوي ‏‏- بلا تذبذب -كل بما فتح الله عليه حسب وسعه وطاقته . ‏
‏ لهذين الأثر العظيم في تنفس هذه الظاهرة . ‏
العمل لمواجهتها
‏ هذه هي حقيقة هذه الظاهرة ، وآثارها ، ومستندها ، ‏ودوافعها ، ومتولي كبرها ، وأسباب فشوها ، وتفنيدها .‏
حينئذ يأتي سؤال يفرض نفسه :‏
ما العمل لمواجهتها ، وكف بأسها عن المسلمين ؟ ‏
فأقول :‏
‏ العمل في أصول إلى ثلاث فئات :‏
‏1-‏ إلى (( الجراح )) المتلبس بظاهرة التصنيف .‏
‏2-‏ ‏ إلى الذي وجه إليه التصنيف .‏
‏3-‏ ‏ أصول لهما، ولكل مسلم يريد الله والدار الآخرة.‏
فإلى بيانها :‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 10:00 PM
إِلَى مُحْتَرِفِ التَّصْنِيفِ


‏ قَدِّر لِرِجْلِكَ قَبْلَ الخَطْوِ مَوْضِعَهَا ‏
‏ فَمَنْ عَلاَ زَلَقاً عَنْ غِرَّةٍ زَلَجَا ‏



‏ كانت العرب في جاهليتها تعاقب الشاعر الهجاء بشد ‏لسانه بنسعة - سير من جلد مفتول - أو يشترون منه لسانه ‏بأن يفعلوا به خيراً ، فينطلق لسانه بشكرهم ، فكأنما ربط ‏لسانه بنسعة .‏
‏ قال عبد يغوث بن الحارث لما أسرته " تيمٌ " : يوم ‏الكلاب الثاني11 :‏
‏ أقول وقد شدوا لساني بنسعة ‏
‏ أمعشر تيم أطلقوا لسانيا ‏
‏ وقد أقرت الشريعة هذه العقوبة بالمعنى الثاني ، منذ أن أمر ‏بها النبي - ‏‎ ‎‏- في غزاة حنين ، يوم توزيع الغنائم فقال ‏‏- ‏‎ ‎‏- " اقطعوا عني لسانه".‏
‏ وهذه سنة الله ماضية في مواجهة من يمس الأخوة ‏الإسلامية بسوء من القول .‏
‏ ولهذا أنفذها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله ‏
عنه-في الحطيئة: جرول بن أوس العبسي المتوفي سنة 45 ‏هـ. لما أكثر من هجاء الزبرقان بن بدر التميمي - رضي الله ‏عنه - فشكاه إلى عمر - رضي الله عنه - فسجنه عمر ‏بالمدينة ، فاستعطفه بأبياته المشهورة ، فأخرجه ، ونهاه عن ‏هجاء الناس ، فقال : إذاً تموت عيالي جوعاً ........ فاشترى ‏عمر - رضي الله عنه - منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف ‏درهم .‏
‏ فأوقع عمر - رضي الله عنه - بالحطيئة عقوبتين :‏
‏ حبس الأبدان ، وحبس اللسان .‏
‏ ثم ترى هذه في تاريخ المسلمين الطويل ، يبذلون العطاء ، ‏لقطع ألسنة اللسن ، وكف بذاءتهم عن اعراض المسلمين .‏
‏ وإذا كانت هذه عوامل دفع للأذى ، وتطهير للساحة ‏الإسلامية من البذاء ، فقد حفلت الشريعة بنصوص الوعيد لمن ‏ظلم ، واعتدى ، تنذر بعمومها محترفي التصنيف ظلماً وعدواناً ‏، وظناً وبهتاناً ، وتحريشاً وإيذاءً .‏
‏ فالظالم : قد ظلم نفسه ، وخسرها ، متبع لهواه ، قد بدل ‏الحق إلى الباطل ، يحول القول إلى غيره ، مفتر ، كذاب ، ‏حجته أبداً : الهوى ، متعد لحدود الله ، ولهذا استحق هذا ‏الوصف البشع : " الظالم " كما قال الله تعالى : (( ومن يتعد ‏حدود الله فأولئك هم الظالمون )) [ البقرة : 229 ] .‏
‏ * ومحاصرة للظلم وأهله ، فقد جاءت النصوص ناهية ‏عن معاشرة الظالم ، والركون إليه ، وتوليه ، والقعود معه ، ‏‏(( فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين )) ‏
‏[ الأنعام : 68 ] . والنهي عن السكن في مسكنه ، ويخاطب ‏بغير التي هي أحسن ، وأن السبيل عليه : (( إنما السبيل على ‏الذين يظلمون الناس )) [ الروم : 42 ] .‏
‏ والظالم : لايفلح . وليس له من أنصار . والله لايحب ‏الظالمين ولا يهديهم . وليس للظالم من ولي ولا نصير . ودائماً ‏في ضلال مبين . وفي زيادة خسار وتباب . وعليه اللعنة . ‏وللظالم سوء العاقبة ، وقطع دابره . والظالم وإن قوي فإن ‏القوة لله جميعاً . ولاعدوان إلا على الظالمين .‏
‏ وقد تنوعت عقوبات الظلمة والظالمين في هذه الدنيا :‏
بزجر من السماء . والأخذ بالصاعقة ، وبالطوفان . وتدمير ‏بيوتهم ، وخوائها . وأخذ الظالم بعذاب بئيس ، وأن عقوبة ‏جرمه تعم . وحاله شديدة في غمرات الموت. ‏وللظالم من الوعيد يوم القيامة : الوعيد بالنار ، وبويل ، ‏وبعذاب كبير ، وسيعض على يديه . وسيجد ماعمل حاضراً ‏ولايظلم ربك أحداً .‏
‏ * وتجريح الناس وتصنيفهم بغير حق ، شعبة من شعب ‏الظلم ، فهو من كبائر الذنوب والمعاصي ، فاحذر سلوك ‏جادةٍ يمسك منها عذاب .‏
وقد ثبت من حديث ابي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي ‏‏- ‏‎ ‎‏- أنه قال : ‏
‏ (( لتؤدن الحقوق يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من ‏القرناء )) .رواه أحمد ، ومسلم . ‏
‏ وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال : ‏
‏ (( سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي العمل ‏أفضل ؟ قال إيمان بالله وجهاد في سبيله ، قلت : فأي الرقاب ‏أفضل ؟ قال : أعلاها ثمناً ، وأنفسها عند أهلها ، قلت : فإن ‏لم أفعل ؟ قال : تعين ضائعاً ، أو تصنع لأخرق )) .‏
‏ قال : فإن لم أفعل ؟ قال :‏
‏ تدع الناس من الشر ، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك))‏
متفق عليه .‏
وثبت عن النبي - ‏‎ ‎‏- أنه قال :‏
‏ (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده )) .‏
‏ وثبت أيضاً أن النبي - ‏‎ ‎‏- قال : ‏
‏ (( لاتحاسدوا ولاتناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا،ولا يبيع ‏بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخواناً المسلم أخو ‏المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله التقوى ههنا- ويشير إلى ‏صدره ثلاث مرات- بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه ‏المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه )) .‏
‏ وثبت أيضاً من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن ‏النبي - ‏‎ ‎‏- قال :‏
‏ (( أتدرون ما المفلس ؟ )) قالوا : المفلس فينا من لادرهم ‏له ولا متاع . فقال : (( إن المفلس من أمتي ، من يأتي يوم ‏القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ، ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف ‏هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا. ‏فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته . فإن فنيت حسناته ‏، قبل أن يقضى ماعليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه . ‏ثم طرح في النار )) رواه مســلم
‏ وساق الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى- في "الإصابة ‏‏"عن أم الغادية -رضي الله عنها- قالت:خرجت مع رهط من ‏قومي إلى النبي - ‏‎ ‎‏- فلما أردت الانصراف ، قلت : يا ‏رسول الله أوصني ، قال :‏
‏ (( إياك ومايسوء الأذن )) .‏
‏ رواه ابن منده ، والخطيب في " المؤتلف والمختلف " . ‏
‏ وساق أيضاً عن عمر - رضي الله عنه - : ‏
‏ (( لا يعجبنكم طنطة الرجل ، ولكن من أدى الأمانة ، ‏وكف عن أعراض الناس فهو الرجل )) .‏
‏ رواه أحمد في "الزهد "‏
‏ وساق أيضاً من محاسن شعر أبي الأسود الدؤلي :‏
‏ لاترسلن مقالة مشهورة ‏
‏ لاتستطيع إذا مضت إدراكها ‏
‏ لاتبدين نميمة نبئتـها
‏ وتحفظـن من الذي أنباكهـا ‏
‏ والنصوص الواردة وفيها بيان أنواع العقوبات على هذا ‏في الدارين ، أكثر من أن تحصر ، وربما يبتلى " الجراح " بمن ‏يشينه بأسوأ مما رمي به غيره ، مع ما يلحقه من سوء الذكر ‏حياً وميتاً ، فنعوذ بالله من سوء المنقلب .‏

‏ فيا محترف الوقيعة في أعراض العلماء ، اعلم أنك بهذه ‏المشاقة قد خرقت حرمة الاعتقاد الواجب في موالاة علماء ‏الإسلام .‏
‏ قال الطحاوي - رحمه الله تعالى - في بيان معتقد أهل ‏السنة في ذلك12 :‏
‏ (( وعلماء السلف من السابقين ، ومن بعدهم من ‏التابعين - أهل الخير والأثر ، أهل الفقه والنظر - لايذكرون ‏إلا بالجميل ، ومن ذكرهم بسوء فهـو على غير سبيل ))‏
‏ قال شارحه - رحمه الله تعالى - :‏
‏ " قال تعالى (( ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له ‏الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم ‏وساءت مصيراً )) [ النساء : 115 ] .‏
‏ فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ، ورسوله ، موالاة ‏المؤمنين ، كما نطق به القرآن ، خصوصاً الذين هم ورثة ‏الأنبياء ، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم ، يهتدي بهم في ‏ظلمات البر والبحر ، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ، ‏ودرايتهم ، إذ كل أمة قبل مبعث محمد - ‏‎ ‎‏- علماؤهــا ‏

شرارها ، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم ، فإنهم خلفاء ‏الرسول من أمته ، والمحيون لما مات من سنته ، فبهم قام ‏الكتاب ، وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا ، وكلهم ‏متفقون اتفاقا يقينياً على وجوب اتباع الرسول - ‏‎ ‎‏- ولكن ‏إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه ، ‏فلابد له في تركه من عذر - ثم ذكرها )) انتهى .‏
‏ وإني أقول : إن تحرك هؤلاء الذين يجولون في أعراض ‏العلماء اليوم سوف يجرون - غداً - شباب الأمة إلى مرحلتهم ‏الثانية13: الوقيعة في أعراض الولاة من أهل السنة ، وقد قيل : ‏‏" الحركة ولود ، والسكون عاقر " . وهو أسوأ أثر يجره ‏المنشقون وهذا خرق آخر لجانب الاعتقاد الواجب في موالاة ‏ولي أمر المسلمين منهم . " وسوف يحصد الزوبعة من حرك ‏الريح " .‏
‏ قال الطحاوي - رحمه الله تعال14ى - : ‏
‏ ((ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، ‏وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولاننزع يداً من ‏طاعتهم، ونرى طاعتهـم مـــــــــــــن ‏
طاعة الله - عز وجل - فريضة مالم يأمروا بمعصية .‏
‏ وندعو لهم بالصلاح والمعافاة . ونتبع السنة والجماعة ، ‏ونتجنب الشذوذ ، والخلاف ، والفرقة )) انتهى .‏
‏ فاتق الله أيها الجراح ، واعلم أن احترافك التجريح ‏بالتصنيف مختبر ينفذ منه الناس باليقين إلى وصف منك ‏لدخائل نفسك ، وماتحمله من ميول ، ودوافع ، فتقيم الشاهد ‏عليك من فلتات لسانك ، وإدانة المرء من فيه أقوى ، فأحكم ‏‏- رحمك الله - الرقابة على اللسان لايوردك موارد الهلكة ، ‏ولا تمش براحلة العمر - الوقت - وأنت تثقلها بهذه الظاهرة ‏الفتاكة " ظاهرة الهدم والتدمير " فتحرق في غمرتها : الجهد ‏، والنشاط ، وبواكير الحياة ومقتبل العمر ، بل وربما خاتمته ، ‏أعاذنا الله وإياك من سوء الخاتمة .‏
‏ والزم - عافاك الله - تقوى الله ، ومراقبته ، والإنابة إليه، ‏واستغفاره ، واحذر صنعة المفاليس هذه ، وتدبر هذه الآية :‏
‏ (( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله ‏غفوراً رحيماً )) [ النساء : 40 ] .‏
وقوله تعالى : (( فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله ‏يتوب عليه إن الله غفور رحيم )) [ المائدة : 39 ] .‏
‏ فبادر - ياعبدالله - إلى التوبة ، وأداء الحقوق إلى أهلها ‏، والتحلل منهم ، فقد ثبت عن نبي الهدى - ‏‎ ‎‏- أنه قال : ‏
‏(( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه ، أو ماله ، ‏فليؤدها إليه ، قبل أن يأتي يوم القيامة لايقبل فيه دينار ‏ولادرهم ............ )) الحديث . رواه البخاري .‏
ولعلي بهذا كما قـال صخر : ‏
‏ لعمري لقد نبهت من كـان نائـماً ‏
‏ وأسمعت من كـانت لـه أذنان ‏
‏ وكل عبد صالح يسمع الخيـر ، سماع استجابة ، وهذا ‏شأن المؤمن أواهٌ منيب ، ومن لحقه الإدبار فأبى ، فإليه :‏
‏(( إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمعٍ من في القبور ))‏
‏ [ فاطر : 22 ] .‏
وأنشـد ابن الشجـري :‏
‏ إذا نهي السفـيه جرى إليـه‏
‏ وخالف والسفـيه إلى خـلاف ‏
‏ وهذا يعاني : " أزمة في الضمير " و " ذبحة في الصدر " ، ‏إذ تمكن منه الداء ، وللميؤس أحكام بينها الفقهاء ، نعوذ بالله ‏من الشقاء .‏
‏ وما بقي لمن أبى إلا الحجر على لسانه لصالح الديانة .‏
‏ أما من كانت وقيعته ظلماً فيمن عظم شأنه في المسلمين ‏بحق ، فينبغي تغليظ عقوبة الواقع ، إضافة إلى الحجر على ‏لسانه ، ولهذا نظائر في الشريعة ، كوقوع الظلم في الأشهر ‏الأربعة الحرم ، والرفث والفسوق والجدال في الحج ، وتغليظ ‏الدية في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام ، وفي البلد الحرام ‏، وفي ذوي الرحم ، كما هو مذهب الشافعي ، فهذه وأمثالها ‏محرمات على كل مسلم في كل زمان ومكان ، لكن لما عظم ‏الجرم بتعدد جهات الانتهاك ، عظم الإثم ، والجزاء .‏
ولمثل هؤلاء - كما قال عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالى ‏‏- : ( تقشــر العصـي ) . ‏
والله أعلم . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 10:01 PM
إلى مــن رُمـــي بالتصـــنيف ظُلْـــــماً



اتل ما أوحي إلى نبيك - صلى الله عليه وسلم - : ‏
‏ (( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو ‏مغفرة وذو عقاب أليـم )) [ فصلت : 43 ].‏
‏ والقرآن العظيم قد حوى قصص أنبياء الله ورسله ‏مع أممهم وماينالهم من الأذايا والبلايا في سبيل الدعوة، ‏ولهذا فقد وفق من أفرد قصصهم وشرحها، وأحسن ‏كل الإحسان من ألف باسم : " دعوة الرسل " .‏
‏ وهذه سنة من الله ماضية لكل من سلك سبيلهم ، ‏واقتفى أثرهم .‏
ألم تر سير الصحابة والتابعين وأتباعهم في كل عصر ومصر ‏إلى عصرنا الحزين ، كيف يقاومهم المبطلون ، ويشنع عليهم ‏المبطنون .‏
وفي هذا مواقف لا تحصى ، وقصص لا تنسى ، ‏وإذا قرأت كتاب : " من أخلاق العلماء " رأيت من ذلك ‏عجباً . ‏
فكم في سيرهم الشريفة من إمام ضرب بل قتل ، وإمام ‏
سجن ، وإمام عزل وأهين ، بل فيهم من جمعت له هذه كلها ‏أو جلها ، بما لبس في حقهم الملبسون ، وأرجف المرجفون ، ‏وهم منها براء ، والمرجفون في قرارة أنفسهم عليها شهداء .‏
‏ وخذ أمثلة على هذا فيمن رمي بشناعة وهو منها برئ : ‏
‏ فرمي جماعة من فحول العلماء بالتشيع ، وآخرون ‏بالنصب ، وآخرون بالتجهم ، وغير ذلك ، وهم من هذه ‏النحل الفاسدة براء . ‏
‏ ومنهم - أجزل الله مثوبتهم - من حكي ما وقع له على ‏سبيل ما من الله به عليه من لزوم السنة ، ونصرتها ، والدعوة ‏إليها ورجاء مضاعفة الأجر بما يصنعه الأضداد البؤساء .‏
‏ وفي حياة الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وهو يعيش بين ‏محنة الدنيا والدين ، عبرة للمعتبرين .‏
‏ وخذ على سبيل المثال : ابن العربي المالكي المتوفى سنة ‏‏543 هـ - رحمه الله تعالى - إذ يقول في فاتحة كتابه : ‏
‏ " عارضة الأحوذي " :‏
‏ (( فإن طائفة من الطلبة عرضوا علي رغبةً صادقة في صرف ‏الهمة إلى شرح كتاب أبي عيسى الترمذي، فصادف مني تبعاداً ‏
‏ عن أمثال ذي ، وفي علم علام الغيوب أني أحرص الناس على ‏أن تكون أوقاتي مستغرقةً في باب العلم ، إلا أني منيت بحسدةٍ ‏لايفتنون ؟ ومبتدعة لا يفهمون ، قد قعدوا مني مزجر الكلب ‏يبصبصون ، والله أعلم بما يتربصون : ‏
‏ (( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص ‏بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا ‏معكم متربصون )) [ التوبة : 52 ] .‏
‏ بيد أن الامتناع عن التصريح بفوائد الملة ، والتبرع ‏بفوائد الرحلة لعدم المنصف ، أو مخافة المتعسف ، ليس من ‏شأن العالمين ، أو لم يسمعن قول رب العالمين لنبيه الكريم :‏
‏ (( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها ‏بكافرين )) [ الأنعام : 89 ] . )) انتهى .‏
‏ وحياة بطل الإصلاح الديني بالمشرق شيخ الإسلام ابن ‏تيمية المتوفى سنة 728هـ - رحمه الله تعالى - مثلٌ أعلى ‏للعلماء العاملين ، والدعاة المصلحين من أتباع خاتم الأنبياء ‏والمرسلين - ‏‎ ‎‏- ‏
‏ وهذا عصريه بالمغرب الإمام الشاطبي المتوفى سنة 79 ‏هـ - رحمه الله تعالى - يحكي حاله لما قام بنصرة السنة ، ‏فجن عليه الليل والنهار بقالة السوء المظلمة ، فيقول - رحمه ‏الله تعالى15 - :‏
‏ ( فتردد النظر بين - أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما ‏اعتاد الناس فلابد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد ، ‏لاسيما إذا دعي أهلها أن ماهم عليه هو السنة لا سواها إلا أن ‏في ذلك العبء الثقيل مافيه من الأجر الجزيل - وبين أن ‏أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح ، فأدخل تحت ‏ترجمة الضلال عائذاً بالله من ذلك ، إلا أني أوافق المعتاد ، ‏وأعد من المؤالفين ، لا من المخالفين ، فرأيت أن الهلاك في ‏اتباع السنة هو النجاة ، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئاً ، ‏فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور ، فقامت ‏علي القيامة ، وتواترت علي الملامة ، وفوق إلي العتاب سهامه ‏، ونسبت إلي البدعة والضلالة ، وأنزلت منزلة أهل الغباوة ‏والجهالة ، وإني لو التمست لتلك المحدثات مخرجاً لوجدت ، ‏غير أن ضيق العطن ، والبعد عن أهل الفطن ، رقي ‏بي مرتقى صعباً،وضيق علي مجالاً رحباً، وهو كلامٌ يشير ‏بظاهره إلى أن اتباع المتشابهات، لموافقة العادات، ‏
أولى من اتــباع الواضحات ، وإن خالفت السلف الأول . ‏
‏ وربما ألموا في تقبيح ما وجهت إليه وجهتي بما ‏تشمئز منه القلوب ، أو خرجوا بالنسبة إلى بعض ‏الفرق الخارجة عن السنة شهادة ستكتب ويسألون عنها يوم ‏القيامة .‏
‏ فتـارةً نسبت إلى القول بأن الدعاء لاينفع ولا فائدة ‏فيه كما يعزى إلى بعض الناس ، بسبب أني لم ألتزم ‏الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة الإمامة . ‏وسيأتي مافي ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح ‏والعلماء .‏
‏ وتـارةً نسبت إلي الرفض وبغض الصحابة - رضي الله ‏عنهم - ، بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في ‏الخطبة على الخصوص ، إذ لم يكن ذلك من شأن السلف في ‏خطبهم ، ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء ‏الخطب.‏
‏ وقد سئل " أصبغ " عن دعاء الخطيب للخلفاء ‏المتقدمين16 فقال : هو بدعة ولا ينبغي العمل به ، وأحسنـه ‏أن
‏ يدعو للمسلمين عامة . قيل له : فدعاؤه للغزاة ‏والمرابطين ؟ قال : ما أرى به بأساً عند الحاجة إليه ، ‏وأما أن يكون شيئاً يصمد له في خطبته دائماً فإني أكره ‏ذلك .‏

‏ ونص أيضاً عز الدين بن عبد السلام : على أن الدعاء ‏للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة .‏

‏ وتـارة أضيف إلي القول بجواز القيام على الأئمة ، وما ‏أضافوه إلا من عدم ذكري لهم في الخطبة ، وذكرهم فيها ‏محدث لم يكن عليه من تقـدم .‏

‏ وتـارة أحمل على التزام الحرج والتنطع في الدين ، وإنما ‏حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفـتيا الحمل على ‏
مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه ، وهم يتعدونه ويفتون بما ‏يسهل على السائل ويوافق هواه ، وإن كان شاذاً في المذهب ‏الملتزم أو في غيره . وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك ‏وللمسألة بسط في كتاب " الموافقات " .‏
‏ وتـارة نسبت إلي معاداة أولياء الله ، وسبب ذلك ‏أني عاديت بعض الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة ، المنتصبين ‏‏- بزعمهم - لهداية الخلق ، وتكلمت للجمهور على جملة ‏من أحوال هؤلاء الذين نسبوا إلى الصوفية ولم يتشبهوا بهم . ‏
‏ وتـارة نسبت إلي مخالفة السنة والجماعة ، بناء منهم على ‏أن الجماعة التي أمر باتباعها - وهي الناجية – ما عليه العموم ‏، ولم يعلموا أن الجماعة ما كان عليه النبي - ‏‎ ‎‏- وأصحابه ‏و التابعون لهم بإحسان.وسيأتي بيان ذلك بحول الله، وكذبوا ‏علي في جميع ذلك، أو وهموا، والحمد لله على كل حال .‏
فكنت على حالة تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة ‏الحافظ مع أهل زمانه ، إذ حكي عن نقسه فقال : (( عجبت ‏من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني ، والأبعدين ، ‏والعارفين ، والمنكرين ، فإني وجدت بمكة ، وخرا سـان ، ‏وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقاً أو مخالفاً ، ‏دعاني إلى متابعته على ما يقوله ، وتصديق قوله والشهادة له ‏فإن كنت صدقته فيما يقول وأجزت له ذلك - كما يفعل ‏أهل هذا الزمان - سماني موافقاً .‏
‏ وإن وقفت في حرف من قوله أو في شيء من فعله - ‏سماني مخالفاً .‏
‏ وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ‏ذلك وارد ، سماني خارجياً .‏
‏ وإن قرأت عليه حديثاً في التوحيد سماني مشبهاً .‏
‏ وإن كان في الرؤية سماني سالمياً .‏
‏ وإن كان في الإيمان سماني مرجئياً .‏
‏ وإن كان في الأعمال ، سماني قدرياً .‏
‏ وإن كان في المعرفة سماني كرامياً .‏
‏ وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر ، سماني ناصبياً .‏
‏ وإن كان في فضائل أهل البيت ، سماني رافضياً .‏
‏ وإن سكتُ عن تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا ‏بهما ، سماني ظاهرياً . ‏
‏ وإن أجبت بغيرهما ، سماني باطنياً .‏
‏ وإن أجبت بتأويل ، سماني أ شعرياً .‏
‏ وإن جحدتهما ، سماني معتزلياً .‏
‏ وإن كان في السنن مثل القراءة ، سماني شافعياً .‏
‏ وإن كان في القنوت ، سماني حنفياً .‏
‏ وإن كان في القرآن ، سماني حنبلياً .‏
‏ وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخيار ‏‏-إذ-ليس في الحكم والحديث محاباة-قالوا:طعن في تزكيتهم .‏
‏ ثم اعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرؤون علي من ‏أحاديث رسول الله ‏‎ ‎ما يشتهون من هذه الأسامي،ومهما ‏وافقت بعضهم عاداني غيره،وإن داهنت جماعتهم أسخطت الله ‏تبارك وتعالى،ولن يغنوا عني من الله شيئاً.وإني مستمسك ‏بالكتاب والسنة،وأستغفر الله الذي لا اله إلا هو الغفور الرحيم
‏ هذا تمام الحكاية فكأنه رحمه الله تعالى تكلم على لسان ‏الجميع. فقلما تجد عالماً مشهوراً أو فاضلاً مذكوراً ، إلا وقد ‏نُبز بهذه الأمور أو بعضها ، لأن الهوى قد يداخل المخالف ، ‏بل سبب الخروج عن السنة : الجهل بها ، والهوى المتبع ‏الغالب على أهل الخلاف ، فإذا كان كذلك حُمل على ‏صاحب السنة ، أنه غير صاحبها ، ورُجع بالتشنيع عليــه ‏
والتقبيح لقوله وفعله ، حتى ينسب هذه المناسب .‏
‏ وقد نُقل عن سيد العباد بعد الصحابة أويس القرني أنه ‏قال : " إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن ‏صديقاً ، نأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا ، ويجدون في ‏ذلك أعواناً من الفاسقين ، حتى - والله - لقد رموني بالعظائم ‏، وايم الله لا أدع أن أقوم فيهم بحقه " . ) انتهى . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 10:02 PM
وعليه فألق سمعك للنصائح الآتية : ‏

‏1- استمسك بما أنت عليه من الحق المبين من أنوار الوحيين ‏الشريفين وسُـلوك جادة السلف الصالحين ، ولا يحركك ‏تهيج المرجفين ، وتباين أقوالهم فيك عن موقعك فتضل .‏
وخذ هذه الشذرة عن الحافظ ابن عبدالبر - رحمه الله تعالى17 ‏‏- : (( قال أبو عمر : الذين رووا عن أبي حنيفة ، ووثقوه ، ‏وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلموا فيه .‏
والذين تكلموا فيه من أهل الحديث ، أكثر ما عابوا عليه ‏الإغراق في الرأي ، والقياس ، والإرجاء .‏
وكان يقال : يستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين ‏الناس فيه .‏
قالوا : ألا ترى إلى علي بن أبي طالب ، أنه هلك فيه فتيان : ‏مُحب أفرط ، ومبغض أفرط ، وقد جاء في الحديث : أنه ‏يهلك فيه رجلان : محب مُطرٍ ، ومبغض مُفترٍ .‏
وهذه صفة أهل النباهة ، ومن بلغ في الدين والفضل الغاية ‏والله أعلم )) انتهى .‏

‏2- لا تبتئس بما يقولون ، ولا تحزن بما يفعلون ، وخذ ‏بوصية الله سبحانه لعبده ونبيه نوح - عليه السلام - ‏‏(( وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا ‏تبتئس بما كانوا يفعلون )) [ هود : 36 ] . ‏
ومن بعد أوصى بها يوسف - عليه السلام - أخاه : (( قال ‏إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون ))[ يوسف: 69 ]. ‏
‏3- ولا يثنك هذا " الإرجــاف " عن موقفك الحق ، ‏وأنت داع إلى الله على بصيرة فالثبات الثبات متوكلاً على ‏مولاك - والله يتولى الصالحين - قال تعالى : (( فلعلك تارك ‏بعض مايوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل ‏عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ ‏وكيل )) [ هود : 12 ] .‏

‏4- ليكن في سيرتك وسريرتك من النقاء ، والصفاء ، ‏والشفقة على الخلق ، ما يحملك على استيعاب الآخرين ، ‏وكظم الغيظ ، والإعراض عن عرض من وقع فيك ، ولا ‏تشغل نفسك بذكره ، واستعمل : " العزلة الشعورية " .‏
فهذا غاية في نبل النفس ، وصفاء المعدن ، وخلق المسلم .‏
وأنت بهذا كأنما تُسف الظالم المل .‏
والأمور مرهونة بحقائقها ، أما الزبد فيذهب جُـفاء .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 10:04 PM
إلـى كــل مـســـــلم‏ ‏



‏ إلى كُل مسلم . إلى كُل من احترف التصنيف فتاب . إلى ‏من رُمي بالتصنيف فصبر . إلى كُل عبد مسلم شحيح بدينه ، ‏يخشى الله ، والدار الآخرة . إلى هؤلاء جميعاً مسلمين ، قانتين ‏، باحثين عن الحق على منهاج النبوة ، وأنوار الرسالة - ‏أسوق التذكير والنصيحة - علماً وعملاً - بالأصول الآتية :‏

‏1- الأصل الشرعي : تحريم النيل من عرض المسلم .‏
وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة في إطار الضروريات ‏الخمس التي جاءت من أجلها الشرائع ، ومنها : " حفظُ ‏العرض " .‏
فيجب على كل مسلم قدر الله حق قدره ، وعظم دينه ‏وشرعه ، أن تعظم في نفسه حرمة المسلم : في دينه . ودمه . ‏وماله . ونسبه . وعرضه . ‏

‏2- والأصل بناء حال المسلم على السلامة ، والستر ، لأن ‏اليقين لا يزيله الشك ، وإنما يُزالُ بيقين مثله .‏
فاحذر - رحمك الله - ظاهرة التصنيف هذه ، واحـــذر ‏
الاتهامات الباطلة ، واستسهال الرمي بها هنا وهناك ، وانفض ‏يدك منها ، يخل لك وجه الحق ، وأنت به قرير العين ، رضي ‏النفس .‏

‏3- لا يُخرجُ عن هذين الأصلين إلا بدليل مثل الشمس في ‏رائعة النهار على مثلها فاشهد أو دع . فالتزام واجب "التبين " ‏للأخبار ، والتثبت منها ، إذ الأصل البراءة .‏
وكم من خبر لا يصح أصلاً .‏
وكم من خبر صحيح لكن حصل عليه من الإضافات مالا ‏يصح أصلاً ، أو حرف ، وغير ، وبدل . وهكذا .‏
وبالجملة فلا تُقرر المؤاخذة إلا بعد أن تأذن لك الحُجة ، ‏ويقوم عندك قائم البرهان كقائم الظهيرة .‏
وقد أمرنا الله تعالى بالتبيُن فقال سبحانه :‏
‏ ( يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا ‏قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على مافعلتم نادمين ) [ الحجرات :6] .‏
وقال تعالى :‏
‏( وإذا جآءهُم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه ‏إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمهُ الذين يستنبطونه ‏منهم ولولا فضلُ الله عليكم ورحمتهُ لأتبعتُمُ الشيطــان إلا ‏
قليلاً )[ النساء: 83 ] .‏
قال السيوطي - رحمه الله تعالى - :‏
‏( نزلت الآية في جماعة من المنافقين ، أو في ضعفاء المؤمنين ‏كانوا يفعلون ذلك فتضعف قلوب المؤمنين ، ويتأذى ‏النبيُ - ‏‎ ‎‏-)18 .‏

‏4- من تجاوزهما بغير حق مُتيقن فهو خارقٌ حُرمة الشرع ‏بالنيل ظلماً من "عرض أخيه المسلم " وهذا " مفتون " .‏

‏5- يجب أن يكون المسلم على جانب كريم من سُمُو الخلق ‏وعلو الهمة ، وأن لا يكون معبراً تمررُ عليه الواردات ‏والمُختـلقات .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 10:05 PM
‏6 - يوجد أفراد شُغلهم الشاغل : " تطيير الأخبار كُل ‏مطار " يتلقى لسان عن لسان بلا تثبت ولا روية ، ثم ينشره ‏بفمه ولسانه بلا وعي ولا تعقل ، فتراه يقذف بالكلام ، ‏ويطير به هنا وهناك ، فاحذر طريقتهم ، وادفع في وجهها ، ‏واعمل على استصلاح حالهم .‏
ومن وقع في حبالهم فعليه سل يده من رابطتهم هذه .‏

‏7 - التزم " الإنصاف الأدبي " بأن لا تجحد ما للإنسان من ‏
فضل ، وإذا أذنب فلا تفرح بذنبه ، ولا تتخذ الوقائع العارضة ‏منهية لحال الشخص ، واتخاذها رصيداً يُنفق منه الجراح في ‏الثلب ، والطعن . وأن تدعو له بالهداية ، أما التزيد عليه ، ‏وأما البحث عن هفواته ، وتصيدها ، فذنوب مضافة أخرى .‏
والرسوخ في الإنصاف بحاجة إلى قدر كبير من خلق رفيع ، ‏ودين متين .‏
وعليه فاحذر قلة الإنصاف : ‏
‏ ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة‏
‏ بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم‏

‏8 - احذر " الفتانين " دعاة " الفتنة " الذين يتصيدون ‏العثرات وسيماهُم :‏
جعل الدعاة تحت مطارق النقد ، وقوارع التصنيف ، موظفين ‏لذلك : الحرص على تصيد الخطأ ، وحمل المحتملات على ‏المؤاخذات ، والفرح بالزلات والعثرات ، ليمسكوا بها بالحسد ‏والثلب ، واتخاذها ديدناً .‏
وهذا من أعظم التجني على أعراض المسلمين عامة ، وعلى ‏الدعاة منهم خاصة .‏
وسيماهم أيضاً : توظيف النصوص في غير مجالها ، وإخراجها ‏في غير براقعها ، لتكثير الجمع ، والبحث عن الأنصار ، ‏وتغرير الناس بذلك .‏
فإذا رأيت هذا القطيع فكبر عليهم ، وولهم ظهرك ، وإن ‏استطعت صد هجومهم وصيالهم فهو من دفع الصائل .‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 10:06 PM
‏ 9 - اعلم أن " تصنيف العالم الداعية " - وهو من أهل ‏السنة - ورميهُ بالنقائص : ناقض من نواقض الدعوة وإسهام ‏في تقويض الدعوة ، ونكث الثقة ، وصرف الناس عن الخير ، ‏وبقدر هذا الصد ، ينفتح السبيل للزائغين .‏
فاحذر الوقوع في ذلك .‏
وقد عقدتُ في هذا مبحثاً من كتاب " التعالم " أ سوقه هنا ‏للحاجة 19إليه : ‏
‏( أسند البخاري في : كتاب الشروط من صحيحه: قصة ‏الحديبية ومسير النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها وفيها20: ‏
وسار النبي - ‏‎ ‎‏- حتى إذا كان بالثنية التي يهبط ‏عليهم منها بركت به راحلته ، فقال الناس : حل حل، فألحت ‏
فقالوا :‏
خلأت القصواء ، فقال النبي - ‏‎ ‎‏- : (( ماخلأت القصواء ‏وماذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل )) . ‏
الحديث ‏
قال الحافظ ابن حجر في فقه هذا الحديث :‏
‏ ( جواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته ، وإن جاز ‏أن يطرأ غيره ، فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه ‏مثلها ، لا ينسب إليها ، ويُرد على من نسبه إليها ، ومعذرة ‏من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله ، لأن خلأ ‏القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة : ‏صحيحاً ، ولم يعاتبهم النبي - ‏‎ ‎‏- على ذلك لعذرهم في ‏ظنهم ) اهـ . ‏
فقد أعذر النبي - ‏‎ ‎‏- غير المكلف من الدواب ‏باستصحاب الأصل ، ومن قياس الأولى إذا رأينا عالماً ‏عاملاً ، ثم وقعت منه هنة أو هفوة ، فهو أولى بالإعذار ، ‏وعدم نسبته إليها والتشنيع عليه بها - استصحاباً للأصل ، ‏وغمر مابدر منه في بحر علمه وفضله ، وإلا كان المعنف ‏قاطعاً للطريق ، ردءاً للنفس اللوامة ، وسبباً في حرمان ‏العالم من علمه ، وقد نُهينا أن يكون أحدنا عوناً للشيطان ‏على أخيه . فما ألطف هذا الاستدلال وأدق هذا المنزع ، ‏ورحم الله الحافظ الكناني ابن حجر العسقلاني ، على ‏شفوف نظره ، وفقه نفسه ، وتعليقه الحكم بمدركه .‏
قال الصنعاني - رحمه الله تعالى21 - : ‏
‏( وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في ‏جنب فضله وتجتنب ) اهـ .‏
وقال أبوهلال العسكري 22 : ‏
‏( ولا يضع من العالم الذي برع في علمه : زلة ٌ ، إن كانت ‏على سبيل السهو والإغفال ، فإنه لم يعر من الخطأ إلا من ‏عصم الله جل ذكره . وقد قالت الحكماء : الفاضل من ‏عُدت سقطاته ، وليتنا أدركنا بعض صوابهم أو كنا ممن ‏يميز خطأهم ) اهـ .‏
وقد تتابعت كلمة العلماء في الاعتذار عن الأئمة فيما ‏بدر منهم ، وأن ما يبدو من العالم من هنات لا تكون مانعـة ‏
للاستفادة من علمه وفضله .‏
فهذا الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - يقول في ترجمة كبير ‏المفسرين قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة 117 هـ ‏رحمه الله تعالى بعد أن اعتذر عنه23 : ‏
‏( ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه ، وعلم تحريه ‏للحق ، واتسع علمه ، وظهر ذكاؤه ، وعرف صلاحه وورعه ‏واتباعه يغفر له زللة ، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه ، ‏نعم : لانقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك ) ‏اهـ .‏
وقال أيضاً في دفع العتاب عن الإمام محمد بن نصر المروزي - ‏رحمه الله تعالى 24- : ‏
‏( ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ ‏مغفوراً له ، قمنا عليه ، وبدعناه وهجرناه لما سلم معنا لا ابن ‏نصر ولا ابن منده ، ولا من هو أكبر منهما ، والله هو هادي ‏الخلق إلى الحق ، وهو أرحم الراحمين ، فنعوذ بالله من الهوى ‏والفظاظة ) اهـ .‏

وقال في ترجمة إمام الأئمة ابن خزيمة المتوفى سنة 311 هـ - ‏رحمه الله تعالى 25: ‏
‏ ( وكتابه : في التوحيد . مجلد كبير . وقد تأول في ذلك ‏حديث الصورة .‏
فليعذر من تأول بعض الصفات ، وأما السلف فما خاضوا في ‏التأويل ، بل آمنوا وكفوا ، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله ‏، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه وتوخيه ‏لاتباع الحق - أهدرناه وبدعناه ، لقل من يسلم من الأئمة ‏معنا . رحم الله الجميع بمنه وكرمه ) اهـ .‏
وقال في ترجمة : باني مدينة الزهراء بالأندلس : الملك الملقب ‏بأمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد صاحب الأندلس المتوفى ‏سنة 350هـ 26:‏
‏( وإذا كان الرأس عالي الهمة في الجهاد ، احتملت له هنات ، ‏وحسابه على الله ، أما إذا أمات الجهاد ، وظلم العباد ، ‏وللخزائن أباد ، فإن ربك لبالمرصاد ) اهـ . ‏
وقال في ترجمة : القفال الشاشي الشافعي المتوفى سنــــة ‏
‏365 هـ - رحمه الله تعالى27 - : ‏
‏( قال أبو الحسن الصفار : سمعت أبا سهل الصعلوكي ، ‏وسُئل عن تفسير أبي بكر القفال ، فقال : قدسه من وجه ‏ودنسه من وجه ، أي : دنسه من جهة نصره للاعتزال .‏
قلت : قد مر موته ، والكمال عزيز ، وإنما يمدح العالم بكثرة ‏ماله من الفضائل ، فلا تدفن المحاسن لورطةٍ ، ولعله رجع عنها ‏‏. وقد يغفر له في استفراغه الوسع في طلب الحق ولاحول ولا ‏قوة إلا بالله ) اهـ . ‏
وبعد أن ذكر بعض الهفوات لأبي حامد الغزالي المتوفى سنة ‏‏505 هـ - رحمه الله تعالى- قال28 : ‏
‏( قلت : الغزالي إمام كبير ، وما من شرط العالم أنه ‏لا يخطئ ) اهـ . ‏
وقال أيضاً 29: ‏
‏( قلت : مازال الأئمة يخالف بعضهم بعضاً ، ويرد هذا على ‏هذا ، ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل ) اهـ . ‏
وقال ايضاً 30:‏
‏( فرحم الله الإمام أبا حامد ، فأين مثله في علومه وفضائله ‏ولكن لاندعي عصمته من الغلط والخطأ . ولاتقليد في ‏الأصول ) اهـ .‏
ونبه على على حال مجاهد فقال31 :‏
‏( قلت : ولمجاهد أ قوال وغرائب في العلم والتفسير ‏تُستنكر ) اهـ .‏
وقال في ترجمة ابن عبد الحكم 32: ‏
‏ ( قلت : له تصانيف كثيرة ، منها : كتاب في الرد ‏على الشافعي . وكتاب أحكام القرآن . وكتاب الرد ‏على فقهاء العراق . ومازال العلماء قديماً وحديثاً يرد بعضهم ‏على بعض في البحث وفي التواليف ، وبمثل ذلك يتفقه العالم ، ‏وتتبرهن له المشكلات ، ولكن في زمننا قد يعاقب ‏الفقيه إذا اعتنى بذلك لسوء نيته ، ولطلبه للظهور والتكثر ، ‏فيقوم عليه قضاة وأضداد ، نسأل الله حســـــــن ‏
الخاتمة وإخلاص العمل ) اهـ . ‏
وفي ترجمة إسماعيل التيمي المتوفى سنة 535 هـ أنه قال33 : ‏‏( اخطأ ابن خزيمة في حديث الصورة ، ولا يطعن عليه بذلك ‏بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب .‏
قال أبو موسى - المديني - : أشار بهذا إلى أنه قل إمام إلا وله ‏زلة ، فإذا ترك لأجل زلته ، ترك كثير من الأئمة ، وهذا لا ‏ينبغي أن يفعل ) اهـ .‏
فهذا الذهبي نفسه34 قد تكلم رحمه الله تعالى - في أن علوم ‏أهل الجنة تسلب عنهم في الجنة ولا يبقى لهم شعور بشئ منها ‏‏. وقد تعقبه العلامة الشوكاني في فتاواه المسماة : الفتح الرباني ‏‏. وذكر إجماع أهل الإسلام على أن عقول أهل الجنة تزداد ‏صفاءً وإدراكاً - لذهاب ماكان يعتريهم في الدنيا . وساق ‏النصوص في ذلك . منها قوله تعالى (( يليت قومي يعلمون بما ‏غفر لي ربي وجعلني من المُكرمين )) .‏
وقال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية النميري – رحــمه الله ‏
تعالى - ، في جواب له بإبطال فتوى قضاة مصر بحبسه ‏وعقوبته من أجل فتواه بشأن شد الرحل إلى القبور35 : ‏
‏ ( إنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى ، أفتى في عدة مسائل ‏بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه ، ‏وخلاف ما عليه الخلفاء الراشدون : لم يجز منعه من الفتيا ‏مطلقاً ، بل يبين له خطؤه فيما خالف فيه ، فمازال في كل ‏عصر من أعصار الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من علماء ‏المسلمين من هو كذلك ...... ) اهـ . ‏
وهذا الإمام الحافظ ابن حبان المتوفى سنة 354 هـ رحمه الله ‏تعالى فاه بقوله : النبوة العلم والعمل . فهُجر وحُكم عليه ‏بالزندقة وكتب فيه إلى الخليفة فكتب بقتله .‏
لكن أنصفه المحققون من أهل العلم فوجهوا قوله واستفادوا من ‏علمه وفضله منهم : ابن القيم36 ، والذهبي 37، وابن حجر38 ‏في سواهم من المحققين .‏

ومما قاله الذهبي : ‏
‏( قلت : وهذا أيضاً له محمل حسن ، ولم يرد حصر المبتدأ ‏في الخبر . ومثله : الحج عرفة ، فمعلوم أن الرجل لا يصير ‏حاجاً بمجرد الوقوف بعرفة ، إنما ذكر مهم الحج ، ومهم ‏النبوة ، إذ أكمل صفات النبي : العلم والعمل ، ولا يكون ‏أحد نبياً إلا أن يكون عالماً عاملاً . نعم النبوة موهبة من الله ‏تعالى لمن اصطفاه من أولي العلم والعمل لا حيلة للبشر في ‏اكتسابها أبداً ، وبها يتولد العلم النافع والعمل الصالح .‏
ولا ريب أن إطلاق ما نقل عن ابي حاتم : لا يسوغ ، وذلك ‏نفسٌ فلسفي ) اهـ .‏
وهذا العلامة أبو الوليد الباجي المالكي المتوفى سنة 474 هـ ‏رحمه الله تعالى افترع القول بارتفاع أمية النبي - ‏‎ ‎‏- ‏لقصة الحديبية فقام عليه أهل عصره حتى حكموا بكفره .‏
وقال بعضهم فيه : ‏
‏ عجبت ممن شرى دنياً بآخرة ‏
‏ وقال إن رسول الله قد كتبا ‏
ثم تطامنت الفتنة وأوضح المحققون بأن واقعة الحديبيـــة لا ‏
سبيل إلى إنكارها لثبوتها لكنها لا تنفي الأمية ، كما أن ‏النبي - ‏‎ ‎‏- بُعث في العرب وهم أمة أمية لا تكتب ‏ولا تحسب ومع هذا يوجد فيهم من يكتب مثل كتاب ‏الوحي - لكنهم على ندرة ولم ينف هذا أمية أمته ‏‏- ‏‎ ‎‏- من العرب . حقق ذلك الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى ‏في ترجمة الباجي من السير 39.‏
ولعصرينا ابن حجر القاضي القطري كتاب حافل ‏باسم : الرد الشافي الوافر على من نفى أمية سيد الأوائل ‏والأواخر .‏
وهذا عبد الملك بن حبيب رحمه الله تعالى من ‏أعلام الفقه المالكي . عيب عليه أشياء ولم يُهجر ‏رحمه الله تعالى 40.‏
والجياني : أحمد بن محمد بن فرج اللغوي الشاعر ، لحقته ‏محنة لكلمة عامية نطق بها ، نقلوها عنه ، وكان سجنه ‏بسببها في زمن : الحكم بن عبد الرحمن الناصر المتوفى ‏سنة 336 هـ 41. ‏

وهؤلاء الأئمة : ابن الأثير ، وابن خلدون ، والمقريزي ‏قد صححوا النسب الفاطمي للعبيديين . وقد صاح المحققون ‏على القائلين بهذا منهم : ابن تيمية ، وابن القيم ، ‏والذهبي ، وابن حجر وغيرهم في القديم والحديث . ‏
والمؤرخ ابن خلدون أيضاً عقب عليه الهيتمي بأنه ‏لما ذكر الحسين بن علي - رضي الله عنه - في تاريخه ‏قال 42 :‏
‏ ( قتل بسيف جده ) .‏
لكن دافع الحافظ ابن حجر عن ابن خلدون بأن هذه ‏الكلمة لم توجد في التاريخ الموجود الآن ولعله ذكرها ‏في النسخة التي رجع عنها .‏
وقد تتابع الغلط على ابن خلدون أيضاً في أنه يحط ‏على العرب من أنهم أهل ضعن ووبر لا يصلحون لـملك ولا ‏
سياسة .......... وابن خلدون كلامه هذا في " الأعراب " لا ‏في " العرب " فليعلم .‏
فهذه الآراء المغلوطة لم تكن سبباً في الحرمان من علوم هؤلاء ‏الأجلة بل مازالت منارات يهتدي بها في أيدي أهل الإسلام . ‏وما زال العلماء على هذا المشرع ينبهون على خطأ الأئمة مع ‏الاستفادة من علمهم وفضلهم ، ولو سلكوا مسلك الهجر ‏لهدمت أصول وأركان ، ولتقلص ظل العلم في الإسلام ، ‏وأصبح الاختلال واضحاً للعيان . والله المستعان .‏
وكان الشيخ طاهر الجزائري المتوفى سنة 1338 هـ رحمه ‏الله تعالى يقول وهو على فراش الموت 43 :‏
‏( عدوا رجالكم ، واغفروا لهم بعض زلاتهم ، وعضوا عليهم ‏بالنواجذ لتستفيد الأمة منهم ، ولا تُنفروهم ، لئلا يزهدوا في ‏خدمتكم ) اهـ .‏
وينتظم ما سلف تحقيق بالغ للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله ‏تعالى ذكره في مباحث الحيل من " إعلام الموقعين " ‏
‏( 3/ 294-298 ) فانظره . ‏

وإنما أتيت على النقول المتقدمة مع كثرتها، لعموم البلوى على ‏أهل العلم من بعض الجهال ... إذا حصل له رأي عن قناعة ‏ودراية في مسألة فقهية فروعية - يكادون يُزهقونه ويجهزون ‏عليه لتبقى الريادة الوهمية لهم ، والله المستعان على ما يفعلون .‏
أما المبتدعة فلا والله ، فإنا نخافهم ونحذرهم ، ولواجب البيان ‏نُحذرُهُم من بدعهم ، فاحذر مخالطهم ، والتلقي ‏
عنهم ، فإن ذلك سم ناقع " انتهى من كتاب : "التعالم " . ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 10:07 PM
‏10- قد ترى الرجل العظيم يشار إليه بالعلم والدين، وققز ‏القنطرة في أبواب التوحيد على أصول الإسلام والسنة وجادة ‏سلف الأمة ، ثم يحصل منه هفوة ، أو هفوات، أو زلة، ‏أو زلات . ‏
فلتعلم هنا : أنه ماكل عالم ولا داعية كذلك يؤخذ بهفوته ، ‏ولا يُتبع بزلته ، فلو عُمل ذلك لما بقي معنا داعية قط ، وكُلٌ ‏رادٌ ومردُودٌ عليه ، والعصمة لأنبياء الله ورسله .‏
نعم : يُنبه على خطئه ، ولا يُجرم به ، فيُحرمُ الناسُ من علمه ‏ودعوته ، وما يحصل على يديه من الخير .‏
ومن جرم المخطئ في خطئه الصادر عن اجتهاد له فيه مسرحٌ ‏
شرعاً ، فهو صاحب هوى يحمل التبعة مرتين : ‏
تبعة التجريم ، وتبعة حرمان الناس من علمه ، بل عليه عدة ‏تبعات معلومة لمن تأملها .‏

‏11 - قد ترى الرجل العظيم ، يشار إليه بالعلم والدين ، ‏وقد ينضاف إلى ذلك نزاله في ساحات الجهاد ، وشُهود ‏سنابك الجياد ، وبارقة السيوف ، ويكون له بجانب ذلك ‏هنات وهنات في توحيد العبادة ، أو توحيد الأسماء والصفات ‏، ومع هذا فترى نظراءه من أهل العلم والإيمان ممن سلم من ‏هذه الهنات ، يشهدون بفضله ويقرون ‏
بعلمه، ويدينون لفقهه ، وعلو كعبه، فيعتمدون كتبه وأقواله، ‏ولا يصرفهم هذا عن هذا : " وإذا بلغ الماء قُلتين لم يحمل ‏الخبث " .‏
ولا تمنعه الاستفادة منه من البيان بلطف عما حصل له من ‏عثرات ، بل يبينونها ويسألون الله أن يُقيل عثرته ، وأن يغفرها ‏بجانب فضله وفضيلته .‏
وخذ شاهداً في حال المعاصرة : إن شداة اعتقاد السلف - ‏كثر الله جمعهم - يكُدُون ليلهم ، ونهارهم ، ويبذلون وُكدهم ‏في تحضير الرسائل الجامعية لعدد من وجوه أهل ‏العلم في دراسة حياتهم ، وسيرهم ، وجمع شمائلهم ، وتحقيق ‏كتبهم ، ونشرها بين الناس، ويرون هذا قربة بعلمٍ يُنتـفع به.‏
وتتسابق كلمة علماء العصر بالمدح والثناء .‏
وبهذا تعلم أن تلك البادرة " الملعونة " من تكفير الأئمة :‏
النووي ، وابن دقيق العيد ، وابن حجر العسقلاني - رحمهم ‏الله تعالى - أو الحط من أقدارهم ، أو أنهم مبتدعة ضلال . ‏كل هذا من عمل الشيطان ، وباب ضلالة وإضلال ، وفساد ‏وإفساد ، وإذا جُرح شهود الشرع جُرح المشهود به ، لكن ‏الأغرار لا يفقهون ولا يتثبتون ، فهل من مُنفذٍ في الواقعين ‏نصيحة زياد فيما ساقه ابن عبد البر - رحمه الله تعالى - ‏بسنده أن زياداً خطب على منبر الكوفة فقال :‏
‏" أيها الناس إني بُتُ ليلتي هذه مُهتماً بخلال ثلاث رأيت أن ‏أتقدم إليكم فيهن بالنصيحة : ‏
رأيت إعظام ذوي الشرف ، وإجلال ذوي العلم ، وتوقير ‏ذوي الأسنان .‏
والله لا أوتى برجل رد على ذي علم ليضع بذلك منــه إلا ‏
عاقبته ....... إلى أن قال :‏
إنما الناس بأعلامهم ، وعلمائهم ، وذوي أسنانهم " 44.‏

‏12 - وإن سألت عن الموقف الشرعي من انشقاق هؤلاء ‏بظاهرة التجريح ، فأقول : ‏
أ - احذر هذا الانشقاق لا تقع في مثله مع " المنشقين ‏الجراحين " المبذرين للوقت والجهد والنشاط في قيل وقال ، ‏وكثرة السؤال عن " تصنيف العباد "، وذلك فيما انشقوا فيه، ‏فهو ذنب تلبسوا به ، وبلوى وقعوا فيها ، وادع لهم بالعافية. ‏
ب - إذا بُليت بالذين يأتون في مجالسهم هذا المنكر " ‏تصنيف الناس بغير حق " واللهث وراءه ، فبادر بإنفاذ أمر الله ‏في مثل من قال الله فيهم :‏
‏(( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى ‏يخوضوا في حديثٍ غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد ‏الذكرى مع القوم الظالمين )) [ الأنعام : 68 ] . ‏


وفي هذا القدر كفاية – إن شاء الله تعالى - وفيما كتبت في : ‏‏" حلية طالب العلم " ، و " التعالم " ، و " هجر المبتدع " " ‏وحكم الانتماء " ، و " الرد على المخالف " أصول نافعة . ‏

والله تعالى أعلم .‏

انتـهـــــى .‏


بكـــــر بن عبد الله أبو زيـــــــــد

‏8 / 3 / 1413 هــ‏

أحمد سعد الدين
24-12-2004, 10:08 PM
الحاشية:

‎1 ‎‏ أنظرها : ( ص / 26 – 28 ) .‏
‎2 ‎‏ هل يقال : " هاأنا " أو : " هاأنا ذا " فيه بحث أنظره في " التحرير والتدوير " : ( 1 / 586-588 ) . لكن لم يظهر لي تماماً توجيهه . ‏
‎3 ‎‏ " مجموع الفتاوى " : ( 28 /237 – 238 ) .‏
‎4 ‎‏ " الصواعق المرسلة " : ( 1 / 353 ) .‏
‎5 ‎‏ في رسالتي : " تغريب الألقاب العلمية " . زيادة بيان لها .‏
‎6 ‎‏ من كلام ابن القيم - رحمة الله تعالى - .‏
‎7 ‎‏ " فتح المغيث " : (4/94).‏
‎8 ‎‏ " تبين كذب المفترى " : (ص/29).‏
‎9 ‎‏ أنظر : " الفتاوى " : (13/110 - 112).‏
‎10 ‎‏ " الداء والدواء" : (ص/187).‏
‎11 ‎‏ " عقوبات العرب على المعاصي " للآلوسي – رحمه الله - .‏
‎12 ‎‏ " العقيدة الطحاوية مع شرحها" : (ص/491).‏
‎13 ‎‏ وهي نتيجة حتمية لمنهجهم ، فلهم بالأمس أسلاف في حادثة الحرم " السوداء " عام 1400 هـ ... اختلفت الأساليب والغاية واحدة.‏
‎14 ‎‏ " شرح الطاحوية " : (ص/379 - 382).‏
‎15 ‎‏ " الاعتصام " : ( 1/ 20 – 22 ) .‏
‎16 ‎‏ إن كان يقصد الخلفاء الراشدين : أبا بكر، وعمر، وعلي - رضي الله عنهم - فلا، ومن نظر في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في مواضع من " منهاج السنة " رأى ‏أن الترضي عن الخلفاء الأربعة الراشدين في خطبة الجمعة، من حسنات أهل السنة في مواجهة أهل الهوى والبدعة، الذين أنبتوا في وسط المسلمين مقالات الرفض، والنصب، فصار في ‏الترضي عنهم على منابر المسلمين، وشهود عامتهم وخاصتهم، تلقين الناس للمعتقد الحق، ومنابذة ما سواه . فليعلم‎ ‎
وأما الدعاء مطلقاً لولي أمر المسلمين منهم فهو من سنن الهدي‏‎ .‎
أنظر : " شرح الطحاوية " ( 379 ) و " التأصيل " : ( 1/ 76- 77 ) لراقمه ، وأما في خطبة الجمعة ، وداخل الصلاة ففيه بحث حررته في كتاب : " تصحيح الدعاء‎ " .‎؟
‎17 ‎‏ " جامع بيان العلم وفضله " : ( 2/ 439 ) .‏
‎18 ‎‏ وانظر في سبيل النزول : " صحيح مسلم "، و " تفسير الطبري " .‏
‎19 ‎‏ ( ص / 79 – 87 ) .‏
‎20 ‎‏ " فتح الباري " : ( 5 / 335 – 336 ) .‏
‎21 ‎‏ سبل السلام : الجزء الأول، نقله عنه أبو مدين الشنقيطي في " الصوارم والأسنة " : ( ص / 12 ) .‏
‎22 ‎‏ شرح ما يقع فيه التصحيف ( ص/ 6 ) .‏
‎23 ‎‏ " السيرة " : ( 5 / 271 ) .‏
‎24 ‎‏ " السيرة " : ( 14 / 40 ) .‏
‎25 ‎‏ " السيرة " : ( 14 / 374 ) .‏
‎26 ‎‏ " السيرة " : ( 15 / 564 ) .‏
‎27 ‎‏ " السيرة " : ( 16 / 285 ) .‏
‎28 ‎‏ " السيرة " : ( 19 / 339 ) .‏
‎29 ‎‏ " السيرة " : ( 19 / 342 ) .‏
‎30 ‎‏ " السيرة " : ( 19 / 346 ) .‏
‎31 ‎‏ " السيرة " : ( 4 / 455 ) .‏
‎32 ‎‏ " السيرة " : ( 12/ 500 – 501 ) .‏
‎33 ‎‏ " السيرة " : ( 20 / 88 ) . ‏
‎34 ‎‏ " أبجد العلوم " لصديق خان رحمه الله تعالى : ( 1 / 15 - 20) .‏
‎35 ‎‏ " مجموع الفتاوى " : ( 27 / 311 ) .‏
‎36 ‎‏ " مفتاح دار السعادة " . ‏
‎37 ‎‏ " تذكرة الحفاظ " : ( 3 / 922 ) . ‏
‎38 ‎‏ ( لسان الميزان ) : ( 5 / 113 – 116 ) .‏
‎39 ‎‏ " السيرة " : ( 18 / 540 ) .‏
‎40 ‎‏ " لسان الميزان " : ( 4 / 64 ) . ‏
‎41 ‎‏ " الصلة " لابن بشكوال : ( 1 / 5 ) . ‏
وانظر : ترجمة أبي حيان التوحيدي ففيها مع فساد معتقد ، أشياء من هذا كما في : " لسان الميزان " : ( 7 / 38 – 41 ) . ونحوها لأبي طالب المكي صاحب " قوت ‏القلوب " كما في : " الميزان " : ( 3 / 655 ) ، و " لسان " : ( 5 / 300 ) . ‏
‎42 ‎‏ " الضوء اللامع " : ( 3 / 147 ) ، " الإعلان بالتوبيخ " : ( ص / 71 ) . ‏
‎43 ‎‏ " كنوز الأجداد " .‏
‎44 ‎‏ " جامع بيان العلم " : ( 1 / 64 ) .‏