المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من نماذج ألف ليله وليله



زهرة العز
26-01-2006, 12:58 AM
غانم بن أيوب المتيم المسلوب ,,
بقلم : عباس خضر ,,
الحكاية تقول انه كان في قديم الزمان تاجر له مال وله ولد كأنه البدر ليلة اكتماله , فصيح اللسان , يسمى غانم بن أيوب, وله ابنة اسمها فتنه من فرط حسنها وجمالها .
توفي التاجر وترك مالا جزيل لولديه .. من جملته مائه حمل بعير من القز والديباج ونوافج المسك والعطور , وكان أعدها كي يقصد بها بغداد وأسواقها . فلما توفاة الله ومضت مدة ,اخذ ولده هذه الأحمال وسافر بها الى بغداد , وكان ذلك في زمن هارون الرشيد , وقبل سيره ودع أمه وأخته وأقاربه وخرج متوكلا على الله تعالى , وكتب له الله السلامة حتى وصل بغداد , فاستأجر دار حسنه وفرشها بالبسط والوسائد وانزل فيها الأحمال والجمال, ووفد عليه أكابر تجار بغداد وسلموا عليه .
في صباح اليوم التالي اخذ أثواب من القماش النفيس ونزل بها الى السوق , فرحب به التجار وانزلوه في دكان شيخ السوق , وباع بضاعته و ربح بكل دينار دينارين.
لم يزل على تلك الحال سنه من الزمان , وفي أول السنة الجديدة ,جاء الى السوق كعادته فوجد بابه قد أغلق فسأل عن السبب فقيل له : توفي احد التجار وذهب الجميع يمشون في جنازته .
سال عن محل الجنازة كي يذهب إليه ويمشي معهم , فدله الناس عليها , وصلى على المتوفى مع المشيعين ,وساروا مع الجنازة حتى وصلوا الى المقابر , فوجد أهل الميت قد ضربوا خيمة واحظروا الشموع والقناديل , ثم دفنوا الميت و وجلس التجار ومعهم غانم بن أيوب وقد غلب عليه الحياء فقال في نفسة :لا يصح أن أفارقهم حتى انصرف معهم .
فلما اقبل الليل قلق غانم وخاف على بضاعته من اللصوص , وقال في نفسة ,أنا رجل غريب ومتهم بالمال , فان بت الليلة بعيدا عن منزلي سرق اللصوص ما فيه ,فقام وخرج من بين الجماعة مستأذنا كي يقضي حاجة ,سار غانم نحو المدينة حتى وصل الى بابها فوجده مغلقا , إذ كان الوقت يشرف على نصف الليل ولم يرى أو يسمع احد سوى نباح الكلاب, فقال"لا حول ولا قوة إلا بالله ,كنت خائف على مالي فصرت الآن خائف على نفسي .."رجع يبحث عن مكان ينم فيه فوجد قبر محاط بأربع جدران , وفيه نخله وله باب مفتوح فدخل وأراد أن ينام , فلم يجيئه نوم وشعر بالخوف والوحشة بين القبور , فقام ونظر حوله فوجد نورا يلوح من بعيد من ناحية المدينة وكان الضوء يتقدم مسرعا من قبل المدينة الى حيث القبر الذي به أيوب فخشي على نفسة وصعد النخلة ليختبئ ثم تأمل فراء ثلاث عبيد اثنان يحملان صندوق والثالث بيدة فاس ومصباح ,حفروا قبرا ووضعوا الصندوق فيه وغطوه بالتراب وجلسوا يتجاذبون أطراف الحديث وأيوب مستمع لكلامهم من فوقهم من على النخلة .
لما خلى المكان لأيوب من العبيد الثلاثة انشغل باله بالصندوق ,فنزل من على النخلة , وفتح القبر وأزال التراب عن الصندوق وفتحة وإذا به صبية نائمة "غائبة عن الوعي" .اخرج الصبية من الصندوق وأرقدها على ظهرها , فلما استنشقت الهواء عطست وسعلت حتى خرج من حلقها قرص مخدر , ففتحت عينيها وتكلمت:" من جاء بي من بين الستور والخدور ووضعني في هذه القبور ؟ فقال لها غانم وقد بهره جمالها:" يا سيدتي لا خدور ولا ستور ولا قبور ما هذا إلا عبدك غانم بن أيوب " .ردت عليه :" أيها الشاب المبارك من جاء بي الى هنا ". فحكى لها غانم ما رأت عينه , فقالت له "أيها الشاب ,الحمد لله أن رماني عند مثلك ,فقم ألان وضعني في الصندوق , واذهب للطريق ابحث عن مكاريا فاكتر منه بغلا أو حملا واحملني الى بيتك واحكي لك قصتي ". ففرح وخرج لطريق وكانت قد أشرقت الشمس فاكترى بغلا وعاد لها فحمل الصندوق الى بيته وعندما وصل أخرجها منه فنظرت الى المكان فوجدته قد فرش بالبسط الجميلة وبه اقمشه حسنه فعلمت انه تاجر وتأملت غانم فإذا به شاب جميل مليح فوقع حبه في قلبها كما وقع حبها في قلبه ,فقالت له "هل عندك شيء نأكله ." فرد :"حبا وكرما ". فنزل الى السوق وابتاع شواء وحلوى فاكلأ وشربا وهما في غاية السرور . لما اقبل الليل قام أيوب وأشعل القناديل والشموع , وجلسا يلعبان ويضحكان وينشدان الأشعار وقال لها :"يا سيدتي ألا تأذنين لي بقبله لعلها تطفئ نار قلبي ...". فقالت له : " يا غانم اصبر واعلم انه لا يحق لك ذلك لأمر ستعلمه ..". فانكسر قلبه وزاد به الغرام ومضى على هذه الحال شهرا كاملا وفي ليله قال لها :" يا سيدتي ,ارحمي أسير هواك ومن قتلت عيناك , قد كنت سليم القلب قبل أن أراك . فردت عليه :" والله يا سيدي ونور عيني أنا لك عاشقة وبك وافقه وألان أوضح لك على أمري حتى تعرف قدري وتقف على سري ."
ثم أمسكت بذيل قميصها ومدت له يدها وهي تشير الى كلمات مكتوبة على ناحية القميص ومنسوجة بخيوط من ذهب :"أنا لك وانت لي يا ابن عم النبي" .
قال لها :"إذن فأنت ..." ردت عليه :"محظية أمير المؤمنين واسمي قوت القلوب وقد رباني أمير المؤمنين في قصره ولما كبرت نظر لصفاتي ومحاسني فأحبني واسكنني مقصورة خاصة وأمر لي بعشر جوار يخدمنني وأعطاني هذه الحلي والجواهر التي تراها .ثم سافر الخليفة الى بعض البلاد فاستدعت زوجته زبيدة جاريه من الجواري اللائي في خدمتي وكانت في الأصل جاريتها وقالت لها :" اذا نامت سيدتك قوت القلوب فضعي هذه القطعة من البنج في انفها أو في شرابها ولك من المال ما تريدين ." فقالت الجارية "حبا وكرما " . ونفذت الجارية ما أمرتها به زبيدة وتمت لها الحيلة ووضعتني في الصندوق واستدعت العبيد وأمرتهم بأخذ الصندوق الى المقبرة حيث كنت أنت , وكانت نجاتي على يديك ,هذه هي قصتي و وما اعرف ما أصاب الخليفة في غيبتي .لما سمع غانم كلامها تراجع للوراء من هيبة أمير المؤمنين واخذ جانبا بعيدا عن جاريه أمير المؤمنين وصار حائر بين عشقه وبين حق الخليفة الذي ليس له الوصول إليه , لما رأت قوت القلوب الحال التي صار عليها أقبلت منه تلاعبة وتلاطفه فارتد عنها قائلا :" أعوذ بالله , إن هذا الشيء لا يكون فما كان لأمير المؤمنين محرم علي أن أقربه ". ,, ثم بكى وبكت لبكائه .
اما ما كان من أمر زبيدة زوجة الخليفة أنها تحيرت ما تقول للخليفة عندما يعود من سفرة ويسال عن قوت القلوب ؟ فدعت بامرأة عجوز كانت عندها فأطلعتها على الأمر فأشارت عليها العجوز أن تأمر احد النجارين أن يصنع لها جسد من الخشب كشخص ميت وان تدفنه في فناء القصر في حفرة كالقبر وتوقد عليها الشموع وتقول للخليفة إن قوت القلوب قد توفيت ,و أنها قد دفنتها في القصر لمعزتها عند الخليفة , وعندما عاد الخليفة أخبرته زبيدة بموت قوت القلوب فجزن عليها اشد الحزن وكان كل مساء يجلس الى قبرها يبكيها وفي احد الليالي عندما كان نائما وعنده إحدى جواريه عند رأسه وأخرى عند قدمه يتهامسان قالت أحداهما للأخرى "إن سيدنا ليس عنده علم انه يجلس كل ليلة يبكي على جسد خشبي يضنه قوت القلوب ,فردت الأخرى أنها سمعت أن قوت القلوب تسكن عند احد التجار يقال له غانم بن أيوب,فقام الخليفة من فورة واستدعا الوزير وطلب منه أن يذهب بمن معه من العسكر الى المدينة يبحث عن بيت التاجر غانم بن أيوب , عرف الوزير ببيت غانم وأحاط هو العسكر بالدار , ولمحت قوت القلوب العسكر بالباب فعرفت أن الخبر وصل للخليفة فأشارت على غانم بالهرب و ألبسته ثوبا باليا ليبدوا كالخادم وحرج من الدار وظن العسكر انه خادم ودخل الوزير الدار ونظر الى قوت القلوب فأسرعت تقبل الأرض تحت قدميه وقالت :"يا سيدي جرى القلم بما حكم الله ,,.فقال لها :"لا باس عليك امرني أمير المؤمنين أن أعيدك واقبض على غانم بن أيوب , فقالت له انه قد ذهب الى دمشق ولا تعلم عنه شيء . وعندما عادوا بها الى القصر أمر بها أمير المؤمنين أن توضع في مكان منعزل في القصر وان تلازمها عجوز تقضي لها حوائجها فقد راوده ظن السوء بغانم وبها , وأمر بالبحث عن غانم لكن لم يعثر عليه .
أما غانم فانه سار هائما على وجهه حتى أعياه التعب واتجه الى مسجد في البلد جلس فيه واسند ظهره للجدار وما كاد يقوى أن يتحرك لشدة الجوع والتعب فراءه الناس بالمسجد وسألوه عن سبب سوء حاله لكنه فتح عينيه نظر لهم ثم بكى ,احظروا له الطعام تناوله واعتزلهم في أحدى الزوايا بالمسجد , ولما راو مرضه واعتلاله راءو أن يرسلوه للمستشفى "المارستان" ببغداد وكان بين القوم شيخ السوق وراء شيخ السوق غانم فعطف عليه , ورق لحاله وقال في نفسه :أنا اكسب ثواب هذا المسكين . فأمر غلمانه بان يأخذوه الى بيته وأمر زوجته أن تعتني به وتحسن مثواه, ففعلت ما أمرها وقدمت لغانم الطعام والشراب والمغتسل وألبسته من ثياب زوجها وبذلت في خدمته ما أعاد له صحته وما عاد هناك ما ينغص عليه حياته غير فراق قوت القلوب التي لم ينسى حبها .
وهي لم تنساه وذات يوم مر الخليفة بالقرب من مكانها فسمعها تنشد :" يا حبيبي يا غانم .. ما أحسنك واعف نفسك... أحسنت لمن أساء إليك , وحفظت حرمة من انتهك حرمتك .
فلما سمع الخليفة مقالها ذهب الى المجلس وأمر أن يجيء بها فسألها:" يا قوت القلوب من هو الذي حفظ حرمتي وانتهكت حرمتة" . فقالت :"غانم بن أيوب , وحق نعمتك يا أمير المؤمنين انه لم يقربني بفاحشة ". فرد علها :"لا حول ولا قوة إلا بالله .. تمني علي وأنا أبلغك مرادك ." ردت :" أتمنى عليك محبوبي غانم بن أيوب ". واذن لها الخليفة ووعدها بالبحث عنه وطلبت أن تبحث هي عنه , وأجاب طلبها .
ذهبت الى سوق التجار وأعطت شيخ السوق ألف دينار ليتصدق بها على الفقراء فقال لها :"عندي رجل فقير لا أهل له ولا مال هل لك أن تذهبي وتنظري إليه ." فطلبت احد غلمانه ليدلها على الدار . استقبلتها زوجه التاجر بالتحية والترحيب ,نظرت الى غانم لكنها لم تتعرف عليه .. لأنه قد تغير وزاد نحولا فأخذتها الشفقة عليه وهو لم ينظر لها لما به من تعب , وتكررت زيارات قوت القلوب على دار شيخ السوق وفي كل مرة تعطي النقود لزوجه الشيخ وتوصيها بالضعيف , وذات يوم قدمت لزيارتهم فتأملت غانم وتأملها قال لها: "أدني مني..... يا........ قوت القلوب " فاقتربت مندهشة :" من أنت غانم بن أيوب ." فرد عليها :"أنا هو المتيم المسلوب " , حكت له ما جرى بينها وبين الخليفة ثم ذهبت للخليفة وقبلت الأرض بين قدميه وأخبرته بغانم ,,أمر الخليفة أن يحظر غانم للقصر وحكى له الحكاية كلها وسأله :"أتحب قوت القلوب يا غانم ". فرد غانم :"يا أمير المؤمنين إن العبد وما ملكت يداه لسيده ." فرد الخليفة :"هي لك يا غانم ولك ألف دينار ." وأقيمت الأفراح والليالي الملاح .للكاتب عباس خضر

محمد جاد الزغبي
26-01-2006, 02:06 AM
الأخت العزيزة ..
أحييك على المشاركة التراثية ..
وقد قمت بنقلها الى المنتدى المناسب لها ..
حيث أن فنون القصة القصيرة التى يقتصر عليها منتدى القصة القصيرة لا يقع تحت بنودها حكايا التراث