المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من الموسوعة الإسلامية - الطهارة



أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:00 PM
تعريف الطهارة:‏
الطهارة في اللغة: النظافة.‏
وفي الشرع: هي عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة.‏
‏ ‏
تقسيم الطهارة:‏
الطهارة تنقسم إلى قسمين: طهارة من الحدث، وطهارة من النجس، أي: حكمية وحقيقية.‏
فالحدث هو: الحالة الناقضة للطهارة شرعاً، بمعنى أن الحدث إن صادف طهارة نقضها، وإن لم ‏يصادف طهارة فمن شأنه أن يكون كذلك.‏
وينقسم إلى قسمين: الأكبر والأصغر، أما الأكبر فهو: الجنابة والحيض والنفاس، وأما الأصغر ‏فمنه: البول والغائط والريح والمذي والودي وخروج المنى بغير لذة، والهادي وهو: الماء الذي ‏يخرج من فرج المرأة عند ولادتها.‏
وأما النجس: فهو عبارة عن النجاسة القائمة بالشخص أو الثوب أو المكان. ويعبر عنه بالخبث ‏أيضاً.وشرعت الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذين آمنُوا إذَا قُمْتُمْ ‏إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ‏وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6].‏
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقبل صلاة بغير طهور" رواه مسلم.‏
وشرعت طهارة الخبث -وهي طهارة الجسد والثوب والمكان الذي يصلى عليه من النجس- بقوله ‏تعالى: {وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] وقوله تعالى: {وعَهِدْنَا إِلى إبْراهِيمَ وإِسْماعيلَ أن طَهِّرَا بَيْتِيَ ‏لِلطَّائِفِينَ والْعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُود}[البقرة: 125].‏
وبقوله عليه الصلاة والسلام: "اغسلي عنك الدم وصلي" متفق عليه.‏
والطهارة من ذلك كله من شروط صحة الصلاة.‏
شروط الطهارة الحقيقية:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يشترط لصحة الصلاة طهارة بدن المصلي وثوبه ومكانه من ‏النجاسة.‏
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي: "صُبّوا عليه ذَنوباً من ماء" رواه أبو داود.‏
وقال المالكية: إنها واجبة مع الذكر والقدرة، وسنة مع النسيان وعدم القدرة.‏
والمعتمد في المذهب: أن من صلى بالنجاسة متعمداً عالماً بحكمها، أو جاهلاً وهو قادر على ‏إزالتها يعيد صلاته أبداً، ومن صلى بها ناسياً أو غير عالم بها أو عاجزاً عن إزالتها يعيد في ‏الوقت. ‏
وأيضاً تشترط الطهارة الحقيقية لصلاة الجنازة، وهي شرط في الميت بالإضافة إلى المصلي.‏
وتشترط الطهارة الحقيقية كذلك في سجدة التلاوة.‏
واختلف الفقهاء في اشتراط الطهارة الحقيقية في الطواف.‏
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى اشتراطها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الطواف ‏بالبيت بمنزلة الصلاة إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير".‏
وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط الطهارة الحقيقية في الطواف.‏
والأكثر على أنها سنة مؤكدة.‏
وذهب الشافعية -على خلاف غيرهم- إلى اشتراط الطهارة الحقيقية في خطبة الجمعة. ‏
تطهير النجاسات:‏
النجاسات العينية لا تطهر بحال، إذ أن ذاتها نجسة، بخلاف الأعيان المتنجسة، وهي التي كانت ‏طاهرة في الأصل وطرأت عليها النجاسة، فإنه يمكن تطهيرها.‏
والأعيان منها ما اتفق الفقهاء على نجاسته، ومنها ما اختلفوا فيه.‏
فممّا اتفق الفقهاء على نجاسته: الدم المسفوح، والميته، والبول، والعذرة من الآدمي.‏
ومما اختلف الفقهاء فيه: الكلب والخنزير.‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى القول بنجاسة الخنزير والكلب.‏
وقال الحنفية في الأصح: إن الكلب ليس بنجس العين، وإنما لحمه نجس.‏
النية في التطهير من النجاسات:‏
اتفق الفقهاء على أن التطهير من النجاسة لا يحتاج إلى نية، فليست النية بشرط في طهارة ‏الخبث، ويطهر محل النجاسة بغسله بلا نية.‏
المُطَهِّرات
اتفق الفقهاء على أن الماء المطلق رافع للحدث مزيل للخبث، لقول الله تعالى:‏
‏{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّركُم بِه} [الأنفال: 11].‏
وذهب أبو حنفية إلى أنه يجوز تطهير النجاسة بالماء المطلق، وبكل مائع طاهر قالع، كالخل ‏وماء الورد ونحوه مما إذا عصر انعصر، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت:‏
‏(ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها، فقصعته ‏بظفرها) أي حكته. رواه البخاري.‏
واتفق الفقهاء على طهارة الخمر بالاستحالة، فإذا انقلبت الخمر خلاًّ بنفسها فإنها تطهر، لأن ‏نجاستها لشدتها المسكرة الحادثة لها، وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها، فوجب أن تطهر، ‏كالماء الذي تنجس بالتغير إذا زال تغيره بنفسه.‏
وذهب الحنفية والشافعية إلى أن جلد الميتة يطهر بالدباغة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا ‏دبغ الإهاب فقد طهر"رواه مسلم.‏
وقال المالكية والحنابلة بعدم طهارة جلد الميتة بالدباغ.‏
وعدّ الحنفية من المطهرات: الدلك، والفرك، والمسح، واليبس، وانقلاب العين، فيطهر الخف ‏والنعل إذا تنجس بذي جرم بالدلك، والمني اليابس بالفرك، ويطهر الصقيل كالسيف والمرآة ‏بالمسح، والأرض المتنجسة باليبس، والخنزير والحمار بانقلاب العين، كما لو وقعا في المملحة ‏فصارا ملحاً.

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:02 PM
المياه التي يجوز التطهير بها، والتي لا يجوز:‏
قسم الفقهاء الماء من حيث جواز التطهير به ورفعه للحدث والخبث، أو عدم
ذلك، إلى عدة أقسام:‏

القسم الأول: ‏
ماء طاهر مطهّر غير مكروه، وهو الماء المطلق، وهو الماء الباقي على
خلقته، أو هو الذي لم يخالطه ما يصير به مقيداً.‏
والماء المطلق يرفع الحدث والخبث باتفاق الفقهاء. ويلحق به عند جمهور الفقهاء ما
تغير بطول مكثه، أو بما هو متولد منه كالطحلب.‏

القسم الثاني: ‏
ماء طاهر مطهّر مكروه، وخص كل مذهب هذا القسم بنوع من
المياه: قال الحنفية: إن الماء الذي شرب منه حيوان مثل الهرة الأهلية والدجاجة المخلاة وسباع ‏الطير والحية والفأرة، وكان قليلاً، الكراهة تنزيهية على الأصح، ثم إن الكراهة إنما هي عند ‏وجود المطلق، وإلا فلا كراهة أصلاً.‏
وقال المالكية: إن الماء إذا استعمل في رفع حدث أو في إزالة حكم خبث فإنه يكره استعماله بعد ‏ذلك في طهارة حدث كوضوء أو اغتسال مندوب لا في إزالة حكم خبث، والكراهة مقيدة بأمرين: ‏أن يكون ذلك الماء المستعمل قليلاً كآنية الوضوء والغسل، وأن يوجد غيره، وإلا فلا كراهة، كما ‏يكره عندهم الماء اليسير -وهو ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل فما دونها- إذا حلت فيه نجاسة ‏قليلة كالقطرة ولم تغيره، والكراهة مقيدة بقيود سبعة: أن يكون الماء الذي حلت فيه النجاسة ‏يسيراً، وأن تكون النجاسة التي حلت فيه قطرة فما فوقها، وأن لا تغيره، وأن يوجد غيره، وأن لا ‏يكون له مادة كبئر، وأن لا يكون جارياً، وأن يراد استعماله فيما يتوقف على طهوره، كرفع حدث ‏وحكم خبث ووضوء أو غسل مندوب، فإن انتفى قيد منها فلا كراهة.‏
ومن المكروه أيضاً: الماء اليسير الذي ولغ فيه كلب ولو تحققت سلامة فيه من النجاسة، ‏وسؤر شارب الخمر. ‏

وذهب الشافعية إلى أنَّ الماء المكروه ثمانية أنواع:‏
المشمس، وشديد الحرارة، وشديد البرودة، وماء ديار ثمود إلا بئر الناقة، وماء ديار قوم لوط، ‏وماء بئر برهوت، وماء أرض بابل، وماء بئر ذروان.‏
وذهب الحنابلة إلى أن المكروه: الماء المتغير بغير ممازج، كدهن وقطران وقطع كافور، أو ماء ‏سخن بمغصوب أو بنجاسة، أو الماء الذي اشتد حره أو برده، والكراهة مقيدة بعدم الاحتياج إليه، ‏فإن احتيج إليه تعين وزالت الكراهة.‏
وكذا يكره استعمال ماء البئر الذي في المقبرة، وماء في بئر موضع غصب، وما ظن تنجسه، كما ‏نصوا على كراهية استعمال ماء زمزم في إزالة النجاسة دون طهارة الحدث تشريفاً له.‏

القسم الثالث:‏
‏- ماء طاهر في نفسه غير مطهر. ذهب الحنفية إلى أن الماء الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره، ‏هو الماء المستعمل وهو: ما أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة، ولا يجوز ‏استعماله في طهارة الأحداث، بخلاف الخبث، ويصير مستعملاً عندهم بمجرد انفصاله عن الجسد ‏ولو لم يستقر بمحل.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه الماء المتغير طعمه أو لونه أو ريحه بما خالطه من ‏الأعيان الطاهرة تغيراً يمنع إطلاق اسم الماء عليه، وهو كذلك عند الشافعية: الماء المستعمل في ‏فرض الطهارة ونفلها على الجديد.‏
وصرح المالكية والشافعية والحنابلة بأن هذا النوع لا يرفع حكم الخبث أيضاً، وعند الحنفية ‏يرفع حكم الخبث.‏

القسم الرابع:‏
ماء نجس، وهو: الماء الذي وقعت فيه نجاسة وكان قليلاً، أو كان كثيراً وغيّرته، وهذا لا يرفع ‏الحدث ولا النجس بالاتفاق.‏

القسم الخامس: ‏
ماء مشكوك في طهوريته، وانفرد بهذا القسم الحنفية، وهو عندهم: ما شرب منه بغل أو حمار.‏

القسم السادس: ‏
ماء محرم لا تصح الطهارة به، وانفرد به الحنابلة، وهو عندهم: ماء آبار ديار ثمود-غير بئر ‏الناقة- والماء المغصوب، وماء ثمنه المعين حرام.‏

تطهير محل النجاسة:‏
اختلف الفقهاء في ما يحصل به طهارة محل النجاسة:‏
فذهب الحنفية إلى التفريق بين النجاسة المرئية وغير المرئية.‏
فإذا كانت النجاسة مرئية فإنه يطهر المحل المتنجس بها بزوال عينها ولو بغسله واحدة على ‏الصحيح ولو كانت النجاسة غليظة. ولا يشترط تكرار الغسل، لأن النجاسة فيه باعتبار، فتزول ‏بزوالها.‏
وهذا الحكم فيما إذا صب الماء على النجاسة، أو غسلها في إجّانة كطست فيطهر بالثلاث ‏إذا عصر في كل مرة.‏
وإذا كانت النجاسة غير مرئية فإنه يطهر المحل بغسلها ثلاثاً وجوباً، والعصر كل مرة ‏في ظاهر الرواية، تقديراً لغلبة الظن في استخراجها.‏
ويبالغ في المرة الثالثة حتى ينقطع التقاطر، والمعتبر قوة كل عاصر دون غيره، فلو كان ‏بحيث لو عصر غيره قطر طهر بالنسبة إليه دون ذلك الغير.‏
أما إذا غمسه في ماء جار حتى جرى عليه الماء أو صب عليه ماء كثير، بحيث يخرج ما ‏أصابه من الماء ويخلف غيره ثلاثا، فقد طهر مطلقا بلا اشتراط عصر وتكرار غمس.‏
ويقصد بالنجاسة المرئية عندهم: ما يرى بعد الجفاف، وغير المرئية: ما لا يرى بعده.‏
وذهب المالكية إلى أنه يطهر محل النجاسة بغسله من غير تحديد عدد، بشرط زوال طعم ‏النجاسة ولو عسر، لأن بقاء الطعم دليل على تمكن النجاسة من المحل فيشترك زواله، وكذلك ‏يشترط زوال اللون والريح إن تيسر ذلك، بخلاف ما إذا تعسر.‏
وذهب الشافعية إلى التفريق بين أن تكون النجاسة عيناً أو ليست بعين.‏
فإن كانت النجاسة عينا فإنه يجب إزالة الطعم، ومحاولة إزالة اللون والريح، فإن لم يزل ‏بحتّ أو قرص ثلاث مرات عفي عنه ما دام العسر، ويجب إزالته إذا قدر، ولا يضر بقاء لون أو ‏ريح عسر زواله فعفي عنه، فإن بقيا معاً ضر على الصحيح، لقوة دلالتهما على بقاء عين ‏النجاسة. ‏
وإن لم تكن النجاسة عيناً -وهي ما لا يدرك لها عين ولا وصف، وسواء أكان عدم الإدراك لخفاء ‏أثرها بالجفاف، كبول جفَّ فذهب عينه ولا أثر له ولا ريح، فذهب وصفه، أم لا، لكون المخل ‏صقيلاً لا تثبت عليه النجاسة كالمرآة والسيف- فإنه يكفي جريان الماء عليه مرة، وإن لم يكن ‏بفعل فاعل كمطر.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه تطهر المتنجسات بسبع غسلات منقية، لقول ابن عمر رضي الله تعالى ‏عنهما: "أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً" وقد أمرنا به في نجاسة الكلب، فيلحق به سائر ‏النجاسات، لأنها في معناها، والحكم لا يختص بمورد النص، بدليل إلحاق البدن والثوب به.‏
وفي قول عند الحنابلة: إنه لا يجب فيه عدد، اعتماداً على أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم في ذلك شيء، لا في قوله ولا في فعله.‏
ويضر عندهم بقاء الطعم، لدلالته على بقاء العين ولسهولة إزالته ويضر كذلك بقاء اللون أو ‏الريح أوهما معا إن تيسر إزالتهما، فإن عسر ذلك لم يضر.‏
وهذا في غير نجاسة الكلب والخنزير.‏

تطهير ما تصيبه الغسالة قبل طهارة المغسول:‏
الغسالة المتغيرة بأحد أوصاف النجاسة نجسة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الماء لا ‏ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه ولونه وطعمه" رواه ابن ماجه.‏
قال المالكية: سواء كان تغيرها بالطعم أو اللون والريح ولو المتعسرين، ومن ثم ينجس ‏المحل الذي تصيبه الغسالة المتغيرة، ويكون تطهيره كتطهير أي محل متنجس عند الجمهور.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه لا يطهر المحل المتنجس إلا بغسله سبعاً، فيغسل عندهم ما نجس ‏ببعض الغسلات بعدد ما بقي بعد تلك الغسلة، فلو تنجس بالغسلة الرابعة مثلاً غسل ثلاث غسلات ‏لأنها نجاسة تطهر في محلها بما بقي من الغسلات، فطهرت به في مثله.‏
وذهب المالكية إلى أنَّ الغسالة غير المتغيرة طاهرة، فلو غسلت قطرة بول مثلاً في جسد ‏أو ثوب وسالت غير متغيرة في سائره ولم تنفصل عنه كان طاهرا.‏
وقالت الشافعية: الغسالة غير المتغيرة إن كانت قلتين فطاهرة، وإن كانت دونهما فثلاثة ‏أقوال عند الشافعية، أظهرها: أن حكمها حكم المحل بعد الغسل، إن كان نجساً بعد فنجسة، وإلا ‏فطاهرة غير مطهرة، وهو مذهب الشافعي الجديد.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:03 PM
تطهير الآبار:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا تنجس ماء البئر، فإن تطهيره يكون بالتكثير إلى أن يزول ‏التغير، ويكون التكثير بالترك حتى يزيد الماء ويصل إلى حد الكثرة، أو بصب ماء طاهر فيه ‏حتى يصل هذا الحد.‏
كما ذهب المالكية والحنابلة إلى اعتبار النزح طريقاً للتطهير أيضاً.‏
وذهب الحنفية إلى أنه إذا تنجس ماء البئر فإن تطهيره يكون بالنزح فقط.‏
الوضوء والاغتسال في موضع نجس:‏
لا خلاف بين الفقهاء في أن الوضوء والاغتسال في موضع نجس مكروه خشية أن يتنجس به ‏المتوضىء أو المغتسل، وتوقي ذلك كله أولى، ولأنه يورث الوسوسة.‏
تطهير الجامدات والمائعات:‏
ذهب الفقهاء إلى أنه إذا وقعت النجاسة في جامد، كالسمن الجامد ونحوه، فإن تطهيره ‏يكون برفع النجاسة وتقوير ما حولها وطرحه، ويكون الباقي طاهراً، لما روت ميمونة رضي الله ‏تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة سقطت في سمن فقال: " ألقوها، وما ‏حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم".‏
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا وقعت النجاسة في مائع فإنه ينجس، ولا يطهر. ‏ويراق، لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع ‏في السمن فقال: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه" وفي رواية "وإن ‏كان مائعاً فأريقوه" رواه أحمد.‏
وذهب الحنفية إلى إمكان تطهيره بالغلي، ذلك بأن يوضع في ماء ويغلى، فيعلو الدهن ‏الماء، فيرفع بشيء، وهكذا ثلاث مرات.‏
تطهير ما كان أملس السطح:‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أصابت النجاسة شيئاً صقيلاً -كالسيف والمرآة- فإنه ‏لا يطهر بالمسح، ولا بد من غسله، لعموم الأمر بغسل الأنجاس، والمسح ليس غسلاً.‏
ذهب الحنفية إلى أن ما كان أملس السطح، كالسيف والمرآة ونحوهما، إن أصابه نجس ‏فإن تطهيره يكون بالمسح بحيث يزول أثر النجاسة، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏كانوا يقتلون الكفار بسيوفهم ثم يمسحونها ويصلون وهم يحملونها، ولأنه لا يتشرب النجاسة، وما ‏على ظاهره يزول بالمسح.‏
فإن كان بالصقيل صدأ يتشرب معه النجاسة، أو كان ذا مسام تتشربها، فإنه لا يطهر إلا ‏بالماء.‏
وذهب المالكية إلى أن ما كان صلباً صقيلاً، وكان يخشى فساده بالغسل كالسيف ونحوه، ‏فإنه يعفى عما أصابه من الدم المباح ولو كان كثيراً، خوفاً من إفساد الغسل له.‏
المراد بالمباح غير المحرم، فيدخل فيه دم مكروه الأكل إذا ذكاه بالسيف، والمراد. المباح ‏أصالة، فلا يضر حرمته لعارض كقتل مرتد به، وقتل زان أحصن بغير إذن الإمام.‏
كما قيدوا العفو بأن يكون السيف مصقولاً لا خربشة فيه، وإلا فلا عفو.‏
تطهير الثوب والبدن من المني
‏-اختلف الفقهاء في نجاسة المنى.‏
فذهب الحنفية والمالكية إلى نجاسته.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه طاهر.‏
واختلف الحنفية والمالكية في كيفية تطهيره:‏
فذهب الحنفية إلى أن تطهيره محل المني يكون بغسله إن كان رطباً، وفركه إن كان ‏يابساً، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كنت أفرك المنى من ثوب رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم إذا كان يابساً، وأغسله إذا كان رطباً".‏
ولا فرق في طهارة محله بفركه يابساً وغسله طرياً بين مني الرجل ومني المرأة،كما أنه ‏لا فرق في ذلك بين الثوب والبدن على الظاهر من المذهب.‏
وذهب المالكية إلى أن تطهير محل المني يكون بالغسل لا غير.‏
طهارة الأرض بالماء:‏
قال جمهور الفقهاء: إذا تنجست الأرض بنجاسة مائعة- كالبول والخمر وغيرهما- ‏فتطهيرها أن تغمر بالماء بحيث يذهب لون النجاسة وريحها، وما انفصل عنها غير متغير بها ‏فهو طاهر. ‏
وذلك لما رواه أنس رضي الله عنه قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة (ناحية) من ‏المسجد، فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضي بوله أمر بذَنوب من ماء ‏فأهريق عليه" وفي لفظ فدعاه فقال: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، ‏وإنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن" وأمر رجلاً فجاء بدلو من ماء فشنه عليه ‏‏[متفق عليه]. ‏
وإنما أمر بالذنوب لأن ذلك يغمر البول، ويستهلك فيه البول وإن أصاب الأرض ماء المطهر أو ‏السيول فغمرها وجرى عليها فهو كما لو صب عليها، لأن تطهير النجاسة لا تعتبر فيه نيَّة ولا ‏فعل، فاستوى ما صبَّه الآدمي وما جرى بغير صبّه.‏
ولا تطهر الأرض حتى يذهب لون النجاسة ورائحتها، ولأن بقاءهما دليل على بقاء ‏النجاسة، فإن كانت مما لا يزول لونها إلا بمشقة سقط عنه إزالتها كالثوب، كذا الحكم في الرائحة.‏
ويقول الحنفية: إذا أصابت النجاسة أرضاً رخوة فيصب عليها الماء فتطهر، لأنها تنشف ‏الماء، فيطهر وجه الأرض، وإن كانت صلبة يصب الماء عليها، ثم تكبس الحفيرة التي اجتمعت ‏فيها الغسالة.‏

ما تطهر به الأرض سوى المياه:‏
ذهب جمهور الحنفية إلى أن الأرض إذا أصابها نجس، فجفت بالشمس أو الهواء أو ‏غيرهما وذهب أثره طهرت وجازت الصلاة عليها.‏
وذهب المالكية والحنابلة، والشافعية في الأصح عندهم، إلى أنها لا تطهر بغير الماء، ‏لأمره صلى الله عليه وسلم أن يصب على بول الأعرابي ذنوب ماء، وقوله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"أهريقوا على بوله ذنوبا من ماء، أو سجلا من ماء" [رواه البخاري]. والأمر يقتضى الوجوب، ‏لأنه محل نجس فلم يطهر بغير الغسل.‏
طهارة النجاسة بالاستحالة:‏
‏- اتفق الفقهاء على طهارة الخمر بالاستحالة، فإذا انقلبت الخمر خلا صارت طاهرة.‏
واختلف الفقهاء فيما عدا الخمر من نجس العين هل يطهر الاستحالة أم لا؟ فذهب ‏الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يطهر نجس العين بالاستحالة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم " ‏نهى عن أكل الجلالة وألبانها" لأكلها النجاسة، ولو طهرت بالاستحالة لم ينه عنه.‏
وذهب الحنفية والمالكية إلى أن نجس العين يطهر بالاستحالة.‏
ونظيره في الشرع النطفة نجسة، وتصير علقة وهي نجسة، وتصير مضغة فتطهر، ‏والعصير طاهر فيصير خمراً فينجس، ويصير خلاً فيطهر، فعرفنا أن استحالة العين تستتبع ‏زوال الوصف المرتب عليها.‏
ونص الحنفية على أن ما استحالت به النجاسة بالنار، أو زال أثرها بها يطهر.كما تطهر ‏النجاسة عندهم بانقلاب العين.‏
فلو وقع إنسان أو كلب في قدر الصابون فصار صابوناً يكون طاهراً لتبدل الحقيقة.‏
ونص المالكية على أن الخمر إذا تحجرت فإنها تطهر، لزوال الإسكار منها، وأن رماد ‏النجس طاهر، لأن النار تطهر.‏
ما يطهر من الجلود بالدباغة:‏
اتفق الفقهاء على نجاسة جلود ميتة الحيوانات قبل الدباغ، واختلفوا في طهارة جلود ‏الميتة بالدباغة.‏
تطهير الخف من النجاسة:‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أصابت أسفل الخف أو النعل نجاسة فإن تطهيره ‏يكون بغسله، ولا يجزىء لو دلكه كالثوب والبدن، ولا فرق في ذلك بين أن تكون النجاسة رطبة ‏أو جافة.‏
وعند الشافعية قولان في العفو عن النجاسة الجافة إذا دلكت، أصحها: القول الجديد للشافعي، ‏وهو أنه لا يجوز حتى يغسله، ولا تصح الصلاة به، والثاني: يجوز لما روى أبو سعيد الخدري ‏رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، ‏فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما".‏
وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا أصاب الخف نجاسة لها جرم، كالروث والعذرة، فجفت، ‏فدلكه الأرض جاز، والرطب وما لا جرم له كالخمر والبول لا يجوز فيه إلا الغسل، وقال أبو ‏يوسف: يجزىء المسح فيهما إلا البول والخمر، قال محمد: لا يجوز فيهما إلا الغسل كالثوب.‏
وعلى قول أبي يوسف أكثر المشايخ، وهو المختار لعموم البلوى.‏
وفرق المالكية بين أرواث الدواب وأبوالها وبين غيرها من النجاسات، فإذا أصاب الخف ‏شيء من روث الدواب وأبوالها فإنه يعفى عنه إن دلك بتراب أو حجر أو نحوه حتى زالت العين، ‏وكذا إن جفت النجاسة بحيث لم يبق شيء يخرجه الغسل سوى الحكم.‏
وقيد بعضهم العفو بأن تكون إصابة الخف أو النعل بالنجاسة بموضع يطرقه الدواب ‏كثيراً -كالطرق- لمشقة الاحتراز عنه.‏
تطهير ما تصيبه النجاسة من ملابس النساء في الطرق:‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا تنجس ذيل ثوب المرأة فإنه يجب غسله كالبدن، ولا ‏يطهره ما بعده من الأرض.‏
وذهب المالكية إلى أنه يعفى عما يصيب ذيل المرأة اليابس من النجاسة إذا مرت بعد ‏الإصابة على موضع طاهر يابس، سواء كان أرضاً أو غيره.‏
وقيدوا هذا العفو بعدة قيود هي:‏
‏1.‏ ‏1. أن يكون الذيل يابساً وقد أطالته للستر، لا للزينة والخيلاء.‏
‏2.‏ ‏2. وأن تكون النجاسة التي أصابت ذيل الثوب مخففة جافة، فإن كانت رطبة ‏فإنه يجب الغسل، إلا أن يكون معفوا عنه كالطين.‏
جـ- وأن يكون الموضع الذي تمر عليه بعد الإصابة طاهراً يابساً.‏
التطهير من البول الغلام وبول الجارية:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن التطهير من بول الغلام وبول الجارية الصغيرين أكلاً ‏أولا، يكون بغسله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "استنزهوا من البول".‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجزىء في التطهير من بول الغلام الذي لم يطعم ‏الطعام النضج، ويكون برش الماء على المكان المصاب وغمره به بلا سيلان، فقد روت أم قيس ‏بنت محصن رضي الله عنها أنها "أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء ‏فنضحه، ولم يغسله" أما بول الجارية الصغيرة فلا يجزىء في تطهيره النضح، ولا بد فيه من ‏الغسل، لخبر الترمذي "ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية".‏
تطهير أواني الخمر:‏
الأصل في تطهير أواني الخمر هو غسلها.‏
يقول الحنفية: تطهر بغسلها ثلاثاً بحيث لا تبقى فيها رائحة الخمر ولا أثرها، فإن بقيت ‏رائحتها لا يجوز أن يجعل فيها من المائعات سوى الخل، لأنه بجعله فيها تطهر وإن لم تغسل، ‏لأن ما فيها من الخمر يتخلل بالخل.‏
ويقول الشافعية: تطهر بغسلها مرة واحدة إذا زال أثر النجاسة، ويندب غسلها ثلاث ‏مرات، لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في ‏الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده".‏
فندب إلى الثلاث للشك في النجاسة، فدل على أن ذلك يستحب إذا تيقن، ويجوز الاقتصار ‏على الغسل مرة واحدة.‏
والغسل الواجب في ذلك: أن يكاثر بالماء حتى تستهلك النجاسة. ‏
وعند المالكية طهارة الفخار من نجس غواص كالخمر قولان.‏
ويقول الحنابلة: إذا كان في الإناء خمر يتشربها الإناء، ثم متى جعل فيه مائع، سواء ‏ظهر فيه طعم الخمر أو لونه، لم يطهر بالغسل، لأن الغسل لا يستأصل أجزاءه من جسم الإناء.‏
تطهير آنية الكفار وملابسهم:‏
يقول الحنفية في آنية الكفار: إنها طاهرة لأن سؤرهم طاهر، لأن المختلط به اللعاب، ‏وقد تولد من لحم طاهر، فيكون طاهراً، فمتى تنجست أوانيهم فإنه يجري عليها ما يجري على ما ‏تنجس من أواني المسلمين من غسل وغيره، إذ لهم ما لنا وعليهم ما علينا وثيابهم طاهرة، ولا ‏يكره منها إلا السراويل المتصلة بأبدانهم لاستحلالهم الخمر، ولا يتقونها كما لا يتوقون النجاسة ‏والتنزه عنها، فلو أمن ذلك بالنسبة لها وكان التأكد من طهارتها قائماً، فإنه يباح لبسها، وإذا ‏تنجست جرى عليها ما يجري على تطهير ملابس المسلمين عندما تصيبها نجاسة، سواء بالغسل ‏أو غيره.‏
وذهب الشافعية إلى كراهية استعمال أوانيهم وثيابهم.‏
فإن توضأ من أوانيهم نظرت: فإن كانوا ممن لا يتدينون باستعمال النجاسة صح ‏الوضوء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "توضأ من مزادة مشركة" وتوضأ عمر رضي الله عنه ‏من جرة نصراني، ولأن الأصل في أوانيهم الطهارة.‏
وإن كانوا ممن يتدينون باستعمال النجاسة ففيه وجهان: أحدهما: أنه يصح الوضوء لأن ‏الأصل في أوانيهم الطهارة، والثاني: لا يصح لأنهم يتدينون باستعمال النجاسة كما يتدين ‏المسلمون بالماء الطاهر فالظاهر من أوانيهم وثيابهم النجاسة.‏
وأجاز المالكية استعمال أوانيهم إلا إذا تيقن عدم طهارتها، وصرح القرافي في "الفروق" ‏بأن جميع ما يصنعه أهل الكتاب والمسلمون الذين لا يصلون ولا يستنجون ولا يتحرزون من ‏النجاسات من الأطعمة وغيرها محمول على الطهارة، وإن كان الغالب عليه النجاسة،فإذا تنجست ‏أوانيهم فإنها تطهر بزوال تلك النجاسة بالغسل بالماء أو بغيره مما له صفة الطهورية.‏
وكذلك الحال بالنسبة لملابسهم، فإن الأصل فيها الطهارة ما لم يصبها النجس، ولذا لا ‏يصلى في ملابسهم أي ما يلبسونه، لأن الغالب نجاستها، فحمل عليها عند الشك: أما إن علمت أو ‏ظنت طهارتها فإنه يجوز أن يصلى فيها.‏
ويقول الحنابلة في ثيابهم وأوانيهم: إنها طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها، ‏وأضافوا: إن الكفار على ضربين -أهل الكتاب وغيرهم- فأما أهل الكتاب فيباح أكل طعامهم ‏وشرابهم واستعمال آنيتهم ما لم تعلم نجاستها.‏
وأما غير أهل الكتاب -وهم المجوس وعبدة الأوثان ونحوهم -ومن يأكل لحم الخنزير من ‏أهل الكتاب في موضع يمكنهم أكله، أو يأكل الميتة، أو يذبح بالسن والظفر فحكم ثيابهم حكم ثياب ‏أهل الذمة عملاً بالأصل، وأما أوانيهم حكمها حكم أواني أهل الكتاب، يباح استعمالها ما لم يتحقق ‏نجاستها، ولأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك.‏
وفي قول: هي نجسة، لا يستعمل ما استعملوه منها إلا بعد غسله، ولأن أوانيهم لا تخلو ‏من أطعمتهم، وذبائحهم ميتة، فتتنجس بها وهذا ظاهر كلام أحمد، فإنه قال في المجوس: لا يؤكل ‏من طعامهم إلا الفاكهة، لأن الظاهر نجاسة آنيتهم المستعملة في أطعمتم، ومتى شك في الإناء هل ‏استعملوه أم لا؟ فهو طاهر، لأن الأصل طهارته.‏
تطهير المصبوغ بنجس:‏
لا خلاف بين الفقهاء في أن المصبوغ بنجس يطهر بغسله. ‏
قال الحنفية: يغسل حتى يصير الماء صافياً، وقيل: يغسل بعد ذلك ثلاث مرات.‏
وقال المالكية: يطهر بغسله حتى يزول طعمه فقد طهر ولو بقي شيء من لونه وريحه.‏
وقال الشافعية: يغسل حتى ينفصل النجس منه ولم يزد المصبوغ وزنا بعد الغسل على ‏وزنه قبل الصبغ، وإن بقي اللون لعسر زواله، فإن زاد وزنه ضر، فإن لم ينفصل عنه لتعقده به ‏لم يطهر، لبقاء النجاسة فيه.‏
وقال الحنابلة: يطهر بغسله وإن بقي اللون لقوله عليه الصلاة والسلام في الدم: "ولا ‏يضرك أثره".‏
رماد النجس المحترق بالنار:‏
المعتمد عند المالكية والمختار للفتوى، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية وبه يفتى، ‏والحنابلة في غير الظاهر: أن رماد النجس المحترق بالنار طاهر، فيطهر بالنار الوقود المتنجس ‏والسرقين والعذرة تحترق فتصير رماداً تطهر، ويطهر ما تخلف عنها.‏
تطهير ما يتشرب النجاسة:‏
اختلف الفقهاء في اللحم الذي طبخ بنجس، هل يطهر أم لا؟ ‏
فذهب الحنفية -عدا أبي يوسف- والحنابلة إلى أن اللحم الذي طبخ بنجس لا يمكن ‏تطهيره.‏
ذهب المالكية إلى أن اللحم الذي طبخ بنجس من ماء، أو وقعت فيه نجاسة حال طبخه ‏قبل نضجه، فإنه لا يقبل التطهير، أما إن وقعت فيه نجاسة بعد نضجه فإنه يقبل التطهير، وذلك ‏بأن يغسل ما تعلق به من المرق.‏
وذهب الشافعية إلى أن اللحم الذي طبخ بنجس يمكن تطهيره، وفي كيفية طهارته ‏وجهان: أحدهما: يغسل ثم يعصر كالبساط، والثاني: يشترط أن يغلى بماء طهور.‏
تطهير الفخار:‏
فذهب المالكية والحنابلة ومحمد من الحنفية إلى أن الفخار الذي يتشرب النجاسة لا ‏يطهر.‏
وذهب أبو يوسف من الحنفية إلى أنه يمكن تطهير الخزف الذي يتشرب النجاسة، وذلك ‏بأن ينقع في الماء ثلاثاً، ويجفف كل مرة.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه لا يطهر باطن جِبٍ تشرب النجاسة.‏
‏ ‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:05 PM
تعريف الآبار وبيان أحكامها العامة:‏
الآبار جمع بئر، مأخوذ من "بأر" أي حفر.‏
والأصل في ماء الآبار الطهورية (أي كونه طاهراً في نفسه مطهراً لغيره)، فيصح ‏التطهير به اتفاقاً، إلا إذا تنجس الماء أو تغير أحد أوصافه على تفصيل في التغير في أحكام المياه. ‏غير أن هناك آباراً تكلم الفقهاء عن كراهية التطهير بمائها لأنها في أرض مغضوب عليها. ‏وهناك من الآبار ما نص الفقهاء على اختصاصها بالفضل، ورتبوا على ذلك بعض الأحكام.‏
حد الكثرة في ماء البئر وأثر اختلاطه بطاهر وانغماس أو مَنْ به نجاسة آدمي في ‏طاهر.‏
اتفق فقهاء المذاهب على أن الماء الكثير لا ينجسه شيء ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ‏ريحه. واختلفوا في حد الكثرة.‏
ذهب الحنفية إلى أنها تقدر بما يوازي عشر أذرع في عشر دون اعتبار للعمق ما دام القاع لا ‏يظهر بالاغتراف. ‏
والذراع سبع قبضات، لأنها لو كانت عشراً في عشر فإن الماء لا يتنجس بشيء ما لم يتغير لونه ‏أو طعمه أو ريحه، اعتباراً بالماء الجاري.‏
والقياس أن لا تطهر لكن ترك القياس للآثار، ومسائل الآبار مبنية على الآثار.‏
والمفتى به القول بالعشر ولو حكماً ليعم ما له طول بلا عرض في الأصح. وقيل المعتبر في القدر ‏الكثير رأي المتبلى به، بناء على عدم صحة ثبوت تقديره شرعاً.‏
وذهب المالكية إلى أن الكثير ما زاد قدره عن آنية الغسل، وكذا ما زاد عن قدر آنية الوضوء، ‏على الراجح.‏
ويتفق الشافعية، والحنابلة في ظاهر المذهب، على أن الكثير ما بلغ قلتين فأكثر، لحديث "إذا بلغ ‏الماء قلتين لم ينجسه شيء" [رواه ابن ماجه] وفي رواية "لم يحمل الخبث." [رواه أحمد] وإن ‏نقص عن القلتين برطل أو رطلين فهو حكم القلتين.‏
انغماس الآدمي في ماء البئر:‏
اتفق فقهاء المذاهب على أن الآدمي إذا انغمس في البئر، وكان طاهراً من الحدث والخبث، ‏وكان الماء كثيراً، فإن الماء لا يعتبر مستعملاً، ويبقى على أصل طهوريته.‏
ومذهب الشافعية، والصحيح عند الحنابلة، أن الآدمي طاهر حياً أو ميتاً، وأن موت الآدمي في ‏الماء لا ينجسه إلا إن تغير أحد أوصاف الماء تغيراً فاحشا. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ‏‏"المؤمن لا يَنْجُسُ". ولأنه لا ينجس بالموت، كالشهيد، لأنه لو نجس بالموت لم يطهر بالغسل، ‏ولا فرق بين المسلم والكافر، لاستوائهما في الآدمية.‏
وذهب الحنفية إلى أنه ينزح كل ماء البئر بموت الآدمي فيه، إذ نصوا على أنه ينـزح ماء البئر ‏كله بموت سِنَّورَيْن أو كلب أو شاة أو آدمي. وموت الكلب ليس بشرط حتى لو انغمس وأخرج حيا ‏ينـزح جميع الماء.‏
وإذا انغمس في البئر من به نجاسة حكمية، بأن كان جنباً أو محدثاً، فإنه ينظر: إم أن يكون ماء ‏البئر كثيراً أو قليلاً، وإما أن يكون قد نوى بالانغماس رفع الحدث. وإما أن يكون بقصد التبرد أو ‏إحضار الدلو.‏
فإن كان البئر مَعيناً، أي ماؤه جار، فإن انغماس الجنب ومن في حكمه لا ينجسه عند المالكية ‏وهو مذهب الحنابلة إن لم ينو رفع الحدث. وهو اتجاه من قال من الحنفية: إن الماء المستعمل ‏طاهر لغلبة غير المستعمل، أو لأن الانغماس لا يصيره مستعملاً، وعلى هذا فلا ينـزح منه شيء.‏
ويرى الشافعية كراهة انغماس الجنب ومن في حكمه في البئر، وإن كان مَعيناً، لخبر أبي هريرة ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَغْتَسِلُ أحدُكم في الماء الدائم وهو جنب. [رواه مسلم].‏
ومذهب الحنابلة إن نوى رفع الحدث. وإلى هذا يتجه من يرى من الحنفية أن الماء بالانغماس ‏يصير مستعملاً.‏
وإذا كان ماء البئر قليلاً وانغمس فيه بغير نيّة رفع الحدث.‏
فالمالكية على أن الماء المجاور فقط يصير مستعملاً.‏
وعند الشافعية والحنابلة الماء على طهوريته.‏
واختلف الحنفية على ثلاثة أقوال ترمز لها كتبهم: "مسألة البئر جحط". ويرمزون بالجيم إلى ما ‏قاله الإمام من أن الماء نجس بإسقاط الفرض عن البعض بأول الملاقاة، والرجل نجس لبقاء ‏الحدث في بقية الأعضاء، أو لنجاسة الماء المستعمل.‏
ويرمزون بالحاء لرأي أبي يوسف من أن الرجل على حاله من الحدث، لعدم الصب، وهو شرط ‏عنده، والماء على حاله لعدم نية القربة، وعدم إزالة الحدث. ‏
ويرمزون بالطاء لرأي محمد بن الحسن من أن الرجل طاهر لعدم اشتراط الصب، وكذا الماء ‏لعدم نية القربة.‏
أما إذا انغمس في الماء القليل بنية رفع الحدث كان الماء كله مستعملاً عند الحنفية والمالكية ‏والشافعية، ولكن عند الحنابلة يبقى الماء على طهوريته ولا يرفع الحدث. وكذلك يكون الماء ‏مستعملاً عند الحنفية لو تدلّك ولو لم ينو رفع الحدث، لأن التدلك فعل منه يقوم مقام نية رفع ‏الحدث.‏
أما إذا انغمس إنسان في ماء البئر وعلى بدنه نجاسة حقيقية، أو ألقي فيه شيء نجس، فمن المتفق ‏عليه أن الماء الكثير لا يتنجس بشيء، ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه.‏
ذهب الحنابلة، في أشهر روايتين عندهم، أن ما يمكن نـزحه إذا بلغ قلتين فلا يتنجس بشيء من ‏النجاسات، إلا ببول الآدميين أو عَذرتهم المائعة.‏
وكذلك إذا ما سقط فيه شيء نجس، وفي مقابل المشهور في مذهب أحمد أن الماء لا ينجس إلا ‏بالتغير قليلة وكثيرة.‏
وقد فصل الحنفية هذا بما لم يفصله غيرهم، ونصوا على أن الماء لا ينجس بخرء الحمام ‏والعصفور، ولو كان كثيراً، لأنه طاهر استحساناً، بدلالة الإجماع، فإن الصدر الأول ومن بعدهم ‏أجمعوا على جواز اقتناء الحمام في المساجد، حتى المسجد الحرام، مع ورود الأمر بتطهيرها. ‏وفي ذلك دلالة ظاهرة على عدم نجاسته. وخرء العصفور كخرء الحمامة، فما يدل على طهارة ‏هذا يدل على طهارة ذاك. وكذلك خرء جميع ما يؤكل لحمه من الطيور على الأرجح.‏
أثر وقوع حيوان في البئر
الأصل أن الماء الكثير لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه. ‏
واتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن ما ليس له نفس سائلة، إذا ما وقع في ماء البئر، لا يؤثر ‏في طهارته، وكذا ما كان مأكول اللحم، إذا لم يكن يعلم أن على بدنه أو مخرجه نجاسة، وخرج ‏حياً، ما دام لم يتسبب في تغير أحد أوصاف الماء، عدا ما كان نجس العين كالخنـزير.‏
ويرى الحنابلة وبعض الحنفية أن المعتبر السؤر، فإن كان لم يصل فمه إلى الماء لا ينـزح منه ‏شيء، وإن وصل وكان سؤره طاهراً فإنه طاهر.‏
ويختلف الفقهاء فيما وراء ذلك.‏
فغير الحنفية من فقهاء المذاهب الأربعة يتجهون إلى عدم التوسع في الحكم بالتنجس بوقوع ‏الحيوان ذي النفس السائلة (الدم السائل) عموماً وإن وجد اختلاف بينهم.‏
فالمالكية ينصون على أن الماء الراكد، أو الذي له مادة، أو كان الماء جارياً، إذا مات فيه حيوان ‏برّي ذو نفس سائلة، أو حيوان بحري، لا ينجس، وإن كان يندب نـزح قدر معين، لاحتمال نـزول ‏فضلات من الميت، ولأنه تعافه النفس. وإذا وقع شيء من ذلك، وأخرج حياً، أو وقع بعد أن مات ‏بالخارج، فإن الماء لا ينجس ولا ينـزح منه شيء، لأن سقوط النجاسة بالماء لا يطلب بسببه ‏النـزح.‏
وإنما يوجب الخلاف فيه إذا كان يسيراً. وموت الدابة بخلاف ذلك فيها. ولأن سقوط الدابة بعد ‏موتها في الماء هو بمنزلة سقوط سائر النجاسات من بول وغائط، وذاتها صارت نجسة بالموت. ‏فلو طلب النـزح في سقوطها ميتة لطلب في سائر النجاسات، ولا قائل بذلك في المذهب.‏
وقيل: يستحب النـزح بحسب كبر الدابة وصغرها، وكثرة ماء البئر وقلته.‏
وقال الشافعية: إذا كان ماء البئر كثيراً طاهراً، وتفتَّتَتْ فيه نجاسة، كفأرة تمعَّط شعرها بحيث لا ‏يخلو دلوٌ من شعرة، فهو طهور كما كان إن لم يتغير. وعلى القول بأن الشعر نجس ينـزح الماء ‏كله ليذهب الشعر، مع ملاحظة أن اليسير عرفا من الشعر معفو عنه ما عدا شعر الكلب ‏والخنـزير.‏
ويفهم من هذا أن ماء البئر إذا كان قليلاً فإنه يتنجس ولو لم يتغير.‏
ويقول الحنابلة: إذا وقعت الفأرة أو الهرة في ماء يسير، ثم خرجت حية، فهو طاهر، لأن الأصل ‏الطهارة. وإصابة الماء لموضع النجاسة مشكوك فيه. وكل حيوان حكم جلده وشعره وعرقه ‏ودمعه ولعابه حكم سؤره في الطهارة والنجاسة.‏
ويفهم من قيد "ثم خرجت حية" أنها لو ماتت فيه يتنجس الماء، كما يفهم من تقييد الماء " ‏باليسير" أن الماء الكثير لا ينجس إلا إذا تغير وصفه.‏
وذهب الحنفية إلى أن الفأرة إذا وقعت هاربة من القط ينـزح كل الماء، لأنها تبول. وكذلك إذا ‏كانت مجروحة و متنجسة. وقالوا: إن كانت البئر معيناً، أو الماء عشراً في عشر، ولكن تغير أحد ‏أوصافه، ولم يمكن نـزحها، نـزح قدر ما كان فيها.‏
وإذا كانت البئر غير عين، ولا عشراً في عشر، نـزح منها عشرون دلواً بطريق الوجوب، إلى ‏ثلاثين ندباً، بموت فأرة أو عصفور أو سام أبرص. ولو وقع أكثر من فأر إلى الأربع فكالوا حده ‏عند أبي يوسف، ولو خمساً إلى التسع كالدجاجة، وعشراً كالشاة، ولو فأرتين كهيئة الدجاجة ‏ينـزح أربعون عند محمد. وإذا مات فيها حمامة أو دجاجة أو سنور ينـزح أربعون وجوباً إلى ‏ستين استحباباً. وفي رواية إلى خمسين.‏
وينـزح كله لسنَّورين وشاة، أو انتفاخ الحيوان الدموي، أو تفسخه ولو صغيراً. وبانغماس كلب ‏حتى لو خرج حياً. وكذا كل ما سؤره نجس أو مشكوك فيه. وقالوا في الشاة إن خرجت حية فإن ‏كانت هاربة من السبع نـزح كله خلافاً لمحمد.‏
وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف في البقر والإبل أنه ينجس الماء، لأنها تبول بين أفخاذها فلا ‏تخلو من البول. ويرى أبو حنيفة نـزح عشرين دلواً، لأن بول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة، ‏وقد ازداد خفة بسبب البئر فيكفي نزح أدنى ما ينـزح. وعن أبي يوسف: ينـزح ماء البئر كلُّه، ‏لاستواء النجاسة الخفيفة والغليظة في حكم تنجس الماء.‏
تطهير الآبار وحكم تغويرها
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه إذا تنجس ماء البئر فإن التكثير طريق تطهيره عند ‏تنجسها إذا زال التغير. ويكون التكثير بالترك حتى يزيد الماء ويصل حد الكثرة، أو بصب ماء ‏طاهر فيه حتى يصل هذا الحد.‏
وأضاف المالكية طرقاً أخرى، إذ يقولون: إذا تغير ماء البئر بتفسّخ الحيوان طعماً أو لوناً أو ‏ريحاً يطهر بالنـزح، أو بزوال أثر النجاسة بأي شيء. بل قال بعضهم: إذا زالت النجاسة من ‏نفسها طهر. وقالوا في بئر الدار المنتنة: طهور مائها بنـزح ما يذهب نتنه.‏
وذهب الشافعية إلى أنَّ التطهير على التكثير فقط إذا كان الماء قليلاً (دون القلتين)، وإما بالترك ‏حتى يزيد الماء، أو بصب ماء عليه ليكثر، ولا يعتبرون النـزح لينبع الماء الطهور بعده، لأنه ‏وإن نـزح فقعر البئر يبقى نجساً كما تنجس جدران البئر بالنـزح. وقالوا: فيما إذا وقع في البئر ‏شيء نجس، كفأر تمعط شعرها، فإن الماء ينـزح لا لتطهير الماء، وإنما بقصد التخلص من ‏الشعر.‏
التطهير بالتكثير، إذا كان الماء المتنجس قليلاً، أو كثيراً لا يشق نـزحه ويخصون ذلك بما إذا كان ‏تنجس الماء بغير بول الآدمي أو عذرته. ويكون التكثير بإضافة ماء طهور كثير، حتى يعود الكل ‏طهوراً بزوال التغير.‏
أما إذا كان تنجس الماء ببول الآدمي أو عذرته فإنه يجب نـزح مائها، فإن شق ذلك فإنه يطهر ‏بزوال تغيره، سواء بنـزح ما لا يشق نـزحه، أو بإضافة ماء إليه، أو بطول المكث، على أن ‏النـزح إذا زال به التغير وكان الباقي من الماء كثيراً (قلتين فأكثر) يعتبر مطهراً عند الشافعية.‏
وذهب الحنفية إلى أن التطهير لا يكون إلا بالنـزح، لكل ماء البئر، أو عدد من الدلاء على ما ‏سبق.‏
وإذا كان المالكية والحنابلة اعتبروا النـزح طريقاً للتطهير فإنه غير متعيّن عندهم كما أنهم لم ‏يحددوا مقداراً من الدلاء وإنما يتركون ذلك لتقدير النازح.‏
ومن أجل هذا نجدُ الحنفية هم الذين فصلوا الكلام في النزح، وهم الذين تكلموا على آلة النـزح، ‏وما يكون عليه حجمها.‏
فإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت، وكان نـزح ما فيها من الماء طهارة لها.‏
لو نـزح ماء البئر، وبقي الدلو الأخير فإن لم ينفصل عن وجه الماء لا يحكم بطهارة البئر، وإن ‏انفصل عن وجه الماء، ونحي عن رأس البئر طهر. وأما إذا انفصل عن وجه الماء، ولم ينح عن ‏رأس البئر، والماء يتقاطر فيه، لا يطهر عند أبي يوسف. وعند محمد يطهر.‏
وإذا وجب نـزح جميع الماء من البئر ينبغي أن تسد جميع منابع الماء إن أمكن، ثم ينـزح ما فيها ‏من الماء النجس. وإن لم يمكن سد منابعه لغلبة الماء روي عن أبي حنيفة أنه ينـزح مائة دلو، ‏وعن محمد أنه ينـزح مائتا دلو، أو ثلثمائة دلو؟ وعن أبي يوسف روايتان في رواية يحفر بجانبها ‏حفرة مقدار عرض الماء وطوله وعمقه ثم ينـزح ماؤها ويصب في الحفرة حتى تمتلىء فإذا ‏امتلأت حكم بطهارة البئر.‏
وفي رواية: يرسل فيها قصبة، ويجعل لمبلغ الماء علامة، ثم ينـزح منها عشر دلاء مثلاً، ثم ‏ينظر كم انتقص، فينزح بقدر ذلك، ولكن هذا لا يستقيم إلا إذا كان دور البئر من أول حد الماء ‏إلى مقر البئر متساوياً، وإلا لا يلزم إذا نقص شبر بنـزح عشر دلاء من أعلى الماء أن ينقص شبر ‏بنزح مثله من أسفله، والأوفق أنه يؤتى برجلين لهما بصر في أمر الماء فينـزح بقولهما، لأن ما ‏يعرف بالاجتهاد يرجع فيه لأهل الخبرة.‏
وذهب المالكية إلى أن النـزح طريق من طرق التطهير. ولم يحددوا قدراً للنـزح، وقالوا إنه يترك ‏مقدار النـزح لظن النازح. قالوا: وينبغي للتطهير أن ترفع الدلاء ناقصة، لأن الخارج من الحيوان ‏عند الموت مواد دهنية، وشأن الدهن أن يطفو على وجه الماء، فإذا امتلأ الدلو خشي أن يرجع ‏إلى البئر.‏
وذهب الحنابلة إلى أن: لا يجب غسل جوانب بئر نـزحت، ضيقة كانت أو واسعة، لا غسل ‏أرضها، بخلاف رأسه. وقيل يجب غسل ذلك، وقيل إن الروايتين في البئر الواسعة، وأما الضيقة ‏فيجب غسلها رواية واحدة.‏
وقد بينا أن الشافعية لا يرون التطهير بمجرد النـزح.‏
آلة النـزح
منهج الحنفية، القائل بمقدار معين من الدلاء للتطهير في بعض الحالات، يتطلب بيان حجم الدلو ‏الذي ينـزح به الماء النجس. فقال البعض: المعتبر في كل بئر دلوها، صغيراً كان أو كبيراً. ‏وروى عن أبي حنيفة أنه يعتبر دلو يسع قدر صاع. وقيل المعتبر هو المتوسط بين الصغير ‏والكبير. ولو نـزح بدلو عظيم مرة مقدار عشرين دلواً جاز. وقال زفر: لا يجوز لأنه بتواتر الدلو ‏يصير كالماء الجاري.‏
وبطهارة البئر يطهر الدلو والرِّشاء والبكرة ونواحي البئر ويد المستقي. وروى عن أبي يوسف ‏أن نجاسة هذه الأشياء بنجاسة البئر، فتكون طهارتها بطهارتها، نفياً للحرج.‏
ولم يتعرض فقهاء المذاهب الأخرى -على ما نعلم- لمقدار آلة النـزح. وكل ما قالوه أن ماء البئر ‏إذا كان قليلاً، وتنجس، فإن الدلو إذا ما غرف به من الماء النجس القليل تنجس من الظاهر ‏والباطن. وإذا كان الماء مقدار قلتين فقط، وفيه نجاسة جامدة، وغرف بالدلو من هذا الماء، ولم ‏تغرف العين النجسة في الدلو مع الماء فباطن الدلو طاهر، وظاهره نجس، لأنه بعد غرف الدلو ‏يكون الماء الباقي في البئر والذي احتك به ظاهر الدلو قليلاً نجساً.‏
آبار لها أحكام خاصة
آبار أرض العذاب
أرض العذاب: هي أرض نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن دخولها، كأرض بابل، وديار ثمود، ‏وذلك لغضب الله عليها، كما نهى عن الانتفاع بآبارها.‏
حكم التطهر والتطهير بمائها:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى صحة التطهر والتطهير بمائها مع الكراهة.‏
ودليلهم على صحة التطهير بمائها العمومات الدالة على طهارة جميع المياه ما لم تتنجس أو يتغير ‏أحد أوصاف الماء، والدليل على الكراهة أنه يخشى أن يصاب مستعمله بأذى لأنها مظنة العذاب.‏
ذهب جمهور المالكية وقول ظاهر عند الحنابلة إلى الجزم بعدم التطهير. مثل أرض ثمود كبئر ‏ذي أروان وبئر برهوت
والدليل على عدم صحة التطهير بماء هذه الآبار أن النبي صل الله عليه وسلم أمر بإهراق الماء ‏الذي استقاه أصحابه من آبار أرض ثمود، فإن أمره بإهراقها يدل على أن ماءها لا يصح التطهير ‏به. وهذا النهي وإن كان وارداً في الآبار الموجود بأرض ثمود إلا أن غيرها من الآبار الموجودة ‏بأرض غضب الله على أهلها يأخذ حكمها بالقياس عليها بجامع أن كلا منها موجود في أرض ‏نزل العذاب بأهلها.‏
وذهب الحنابلة إلى إبقاء ما وراء أرض ثمود على القول بطهارتها، وحملوا النهي على الكراهة، ‏وكذلك حكموا بالكراهة على الآبار الموجودة بالمقابر، والآبار في الأرض المغصوبة، والتي ‏حفرت بمال مغصوب.‏
البئر التي خصت بالفضل:‏
بئر زمزم بمكة لها مكانة إسلامية. وروى ابن عباس أن رسول الله قال: "خير ماء على وجه ‏الأرض زمزم." رواه الطبراني في الأكبر وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ماء ‏زمزم لما شرب له، وإن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله." [رواه ‏الدارقطني والحاكم].‏
وللشرب منه واستعماله آداب نص عليها الفقهاء. فقالوا إنه يستحب لشربه.‏
‏1.‏ ‏1. أن يستقبل القبلة، ‏
‏2.‏ ‏2. ويذكر اسم الله تعالى.‏
‏3.‏ ‏3. ويتنفس ثلاثاً.‏
‏4.‏ ‏4. ويتضلع منه.‏
‏5.‏ ‏5. ويحمد الله تعالى. ‏
‏6.‏ ‏6. ويدعو بما كان ابن عباس يدعو به إذا شرب منه "اللهم إني أسألك علماً ‏نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء". ويقول: "اللهم إنه بلغني عن نبيك ‏صلى الله عليه وسلم أن ماء زمزم لما شرب له وأنا أشربه لكذا".‏
ويجوز بالاتفاق نقل شيء من مائها. والأصل في جواز نقله ما جاء في جامع الترمذي عن السيدة ‏عائشة أنها حملت من ماء زمزم في القوارير، وقالت: حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ‏وكان يصب على المرضى، ويسقيهم. رواه الترمذي.‏
اتفق الفقهاء على عدم استعماله في مواضع الامتهان، كإزالة النجاسة الحقيقية.‏
واتفق الفقهاء على أنه لا ينبغي أن يغسل به ميت ابتداءً.‏
وذهب المالكية إلى جواز التطهير أي الوضوء والغسل بماء زمزم.‏
وذهب الشافعية إلى جواز استعمال ماء زمزم في الحدث دون الخبث.‏
وقال الحنابلة: ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم على ما هو الأولى في المذهب.‏
وذهب الحنفية إلى التصريح بأنه لا يغتسل به جنب ولا محدث.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:07 PM
الاستنجاء‏ ‏


التعريف اللغوي:‏
من معاني الاستنجاء: الخلاص من الشيء، يقال: استنجى حاجته منه، أي خلصها.‏
التعريف الشرعي:‏
وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الاستنجاء اصطلاحا، وكلها تلتقي على أن الاستنجاء ‏إزالة ما يخرج من السبيلين، سواء بالغسل أو المسح بالحجارة ونحوها عن موضع الخروج وما ‏قرب منه.‏
وليس غسل النجاسة عن البدن أو عن الثوب استنجاء.‏
‏ ‏
حكم الاستنجاء:‏
للفقهاء رأيان:‏
الرأي الأول: أنه واجب إذا وجد سببه، وهو الخارج، وهو قول المالكية والشافعية ‏والحنابلة. واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه ‏بثلاث أحجار، يستطيب بهن، فإنها تجزي عنه" [أخرجه أبو داود] وقوله: "لا يستنجي أحدكم ‏بدون ثلاثة أحجار" [رواه مسلم].‏
الرأي الثاني: أنه مسنون وليس بواجب. وهو قول الحنفية، ورواية عن مالك. ‏
واحتج الحنفية بما في سنن أبي داود من قول النبي صلى الله عليه وسلم "من استجمر ‏فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" واحتجوا أيضاً بأنه نجاسة قليلة، والنجاسة القليلة ‏عفو.‏
ثم هو عند الحنفية سنة مؤكدة لمواظبته صلى الله عليه وسلم.‏
وقت وجوب الاستنجاء عند القائلين بوجوبه:‏
إن جوب الاستنجاء إنما هو لصحة الصلاة.‏
علاقة الاستنجاء بالوضوء، والترتيب بينهما: ذهب الحنفية والشافعية والمعتمد عند ‏الحنابلة إلى أن الاستنجاء من سنن الوضوء قبله، ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لو ‏أخره عنه جاز وفاتته السنية، لأنه إزالة نجاسة، فلم تشترط لصحة الطهارة، ما لو كانت على ‏غير الفرج.‏
وصرح المالكية بأنه لا يعد من سنن الوضوء، وإن استحبوا تقديمه عليه.‏
أما الرواية الأخرى عند الحنابلة: فالاستنجاء قبل الوضوء -إذا وجد سببه- شرط في ‏صحة الصلاة. فلو توضأ قبل الاستنجاء لم يصح.‏
حكم استنجاء من به حدث دائم وهو المعذور: ‏
من كان به حدث دائم، كمن به سلس البول ونحوه، يخفف في شأنه حكم الاستنجاء، كما ‏يخفف حكم الوضوء.‏
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يستنجي ويتحفظ، ثم يتوضأ لكل صلاة بعد ‏دخول الوقت. فإذا فعل ذلك وخرج منه شيء لم يلزمه إعادة الاستنجاء والوضوء بسبب السلس ‏ونحوه، ما لم يخرج الوقت على مذهب الحنفية والشافعية، وهو أحد قولي الحنابلة. أو إلى أن ‏يدخل وقت الصلاة الأخرى على المعتمد من قولي الحنابلة.‏
وذهب المالكية إلى أنه لا يلزم من به السلس التوضؤ منه لكل صلاة، بل يستحب ذلك ما ‏لم يشق، فعندهم أن ما يخرج من الحدث إذا كان مستنكحاً -أي كثيراً يلازم الزمن أوجله، بأن ‏يأتي كل يوم مرة فأكثر- فإنه يعفى عنه، ولا يلزمه غسل ما أصاب منه ولا يسن، وإن نقض ‏الوضوء وأبطل الصلاة في بعض الأحوال، سواء أكان غائطاً، أم بولاً، أم مذياً، أم غير ذلك.‏
ما يستنجى منه:‏
أجمع الفقهاء على أن الخارج من السبيلين المعتاد النجس الملوث يستنجى منه حسبما ‏تقدم. أما ما عداه ففيه خلاف، وتفصيل بيانه فيما يلي:‏
الاستنجاء من الخارج غير المعتاد:‏
الخارج غير المعتاد كالحصى والدود والشعر، لا يستنجى منه إذا خرج جافاً، طاهراً كان ‏أو نجساً. ذهب الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية وقول عند الحنابلة إلى أنه:‏
إذا كان به بلة ولوّث المحل فيستنجى منها، فإن لم يلوث المحل فلا يستنجى منه.‏
وفي قول آخر عند كل من الشافعية والحنابلة يستنجى من كل ما خرج من السبيلين غير ‏الريح.‏
الاستنجاء من الدم والقيح وشبههما من غير المعتاد:‏
إن خرج الدم أو القيح من أحد السبيلين ففيه قولان للفقهاء:‏
القول الأول: أنه لا بد من غسله كسائر النجاسات، ولا يكفي فيه الاستجمار. وهذا قول ‏عند كل من المالكية والشافعية، لأن الأصل في النجاسة الغسل، وترك ذلك في البول والغائط ‏للضرورة، ولا ضرورة هنا، لندرة هذا النوع من الخارج.‏
والقول الثاني: أنه يجزىء فيه الاستجمار، وهو رأي الحنفية والحنابلة، وقول لكل من ‏المالكية والشافعية، وهذا إن لم يختلط ببول أو غائط.‏
الاستنجاء مما خرج من مخرج بديل عن السبيلين:‏
ذهب المالكية إلى أنه إذا انفتح مخرج للحدث، وصار معتاداً، استجمر منه عند المالكية، ‏ولا يلحق بالجسد، لأنه أصبح معتادا بالنسبة إلى ذلك الشخص المعين.‏
‏ وذهب الحنابلة إلى أنه: إذا انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر، لم يجزئه الاستجمار فيه، ‏ولا بد من غسله، لأنه غير السبيل المعتاد. وفي قول لهم: يجزىء.‏
ولم يعثر على قول الحنفية والشافعية في هذه المسألة.‏
الاستنجاء من المذي:‏
المذي نجس عند الحنفية، فهو مما يستنجى منه كغيره، بالماء أو بالأحجار. ويجزىء ‏الاستجمار أو الاستنجاء بالماء منه. وكذلك عند المالكية في قول هو خلاف المشهور عندهم، وهو ‏الأظهر عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة.‏
أما في المشهور عند المالكية، وهي الرواية الأخرى عند الحنابلة، فيتعين فيه الماء ولا ‏يجزىء الحجر، لقول عليٍّ رضي الله عنه: " كنت رجلاً مذّاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: يغسل ذكره وأنثييه ‏ويتوضأ. وفي لفظ "يغسل ذكره ويتوضأ" [متفق عليه].‏
وإنما يتعين فيه الغسل عند المالكية إذا خرج بلذة معتادة، أما إن خرج بلا لذة أصلا فإنه يكفي فيه ‏الحجر، ما لم يكن يأتي كل يوم على وجه السلس، فلا يطلب في إزالته ماء ولا حجر، بل يعفى ‏عنه.‏
الاستنجاء من الودي:‏
الودي خارج نجس، ويجزىء فيه الاستنجاء بالماء أو بالأحجار عند فقهاء المذاهب ‏الأربعة.‏
الاستنجاء من الريح: ‏
لا استنجاء من الريح. صرح بذلك فقهاء المذاهب الأربعة.‏
الاستنجاء بالماء:‏
يستحب باتفاق المذاهب الأربعة الاستنجاء بالماء.‏
الاستنجاء بغير الماء من المائعات: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا ‏يجزىء الاستنجاء بغير الماء من المائعات.‏
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يمكن أن يتم الاستنجاء -كما في إزالة النجاسة- ‏بكل مائع طاهر مزيل، كالخل وماء الورد، دون ما لا يزيل كالزيت، لأن المقصود قد تحقق، وهو ‏إزالة النجاسة.‏
أفضلية الغسل بالماء على الاستجمار:‏
إن غسل المحل بالماء أفضل من الاستجمار، لأنه أبلغ في الإنقاء، ولإزالته عين النجاسة ‏وأثرها. وفي رواية عن أحمد: الأحجار أفضل. وإذا جمع بينها بأن استجمر ثم غسل كان أفضل ‏من الكل بالاتفاق.‏
ما يستجمر به:‏
الاستجمار يكون بكل جامد إلا ما منع منه، وهذا قول جمهور العلماء، ومنهم الإمام أحمد ‏في الرواية المعتمدة عنه، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة.‏
وفي رواية عن أحمد: لا يجزىء في الاستجمار شيء من الجوامد من خشب وخرق إلا ‏الأحجار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأحجار، وأمره يقتضي الوجوب، ولأنه موضع ‏رخصة ورد فيها الشرع بآلة مخصوصة، فوجب الاقتصار عليها، كالتراب في التيمم.‏
الاستجمار هل هو مطهر للمحل؟
اختلف الفقهاء في هذا على قولين: ‏
القول الأول: أن المحل يصير طاهراً بالاستجمار، وهو قول عند كل من الحنفية ‏والمالكية والحنابلة.‏
والقول الثاني: هو القول الآخر لكل من الحنفية والمالكية، وقول المتأخرين من الحنابلة: ‏أن المحل يكون نجساً معفوا عنه للمشقة.‏
وجمهور الفقهاء على أن الرطوبة إذا أصابت المحل بعد الاستجمار يعفى عنها.‏
المواضع التي لا يجزىء فيها الاستجمار:‏
أ-النجاسة الواردة على المخرج من خارجه:‏
ذهب الحنفية في المشهور إلى أنه إن كان النجس طارئاً على المحل من خارج أجزأ فيه ‏الاستجمار. وقال الشافعية والحنابلة بأن الحجر لا يجزىء فيه، بل لا بد من غسله بالماء. وهو ‏قول آخر للحنفية. ومثله عند الشافعية، ما لو طرأ على المحل المتنجس بالخارج طاهر رطب، أو ‏يختلط بالخارج كالتراب. ومثله ما لو استجمر بحجر مبتل، لأن بلل الحجر يتنجس بنجاسة المحل ‏ثم ينجسه.‏
وكذا لو انتقلت النجاسة عن المحل الذي أصابته عند الخروج، فلا بد عندهم من غسل ‏المحل في كل تلك الصور.‏
ب- ما انتشر من النجاسة وجاوز المخرج:‏
اتفقت المذاهب الأربعة على أن الخارج إن جاوز المخرج وانتشر كثيراً لا يجزىء فيه ‏الاستجمار، بل لا بد من غسله. ووجه ذلك أن الاستجمار رخصة لعموم البلوى، فتختص بما تعم ‏به البلوى، ويبقى الزائد على الأصل في إزالة النجاسة بالغسل.‏
لكنهم اختلفوا في تحديد الكثير، فذهب المالكية والحنابلة والشافعية إلى أن الكثير من الغائط هو ‏ما جاوز المخرج، وانتهى إلى الألية، والكثير من البول ما عم الحشفة.‏
وانفرد المالكية في حال الكثرة بأنه يجب غسل الكل لا الزائد وحده.‏
وذهب الحنفية إلى أن الكثير هو ما زاد عن قدر الدرهم، ومع اقتصار الوجوب على ‏الزائد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لمحمد، حيث وافق المالكية في وجوب غسل الكل.‏
جـ-استجمار المرأة:‏
يجزىء المرأة الاستجمار من الغائط بالاتفاق، وهذا واضح.‏
أما من البول فعند المالكية لا يجزىء الاستجمار في بول المرأة، بكراً كانت أو ثيبا. ‏قالوا: لأنه يجاوز المخرج غالباً.‏
وعند الشافعية: يكفي في بول المرأة -إن كانت بكراً- ما يزيل عين النجاسة خرقاً أو غيرها، أما ‏الثيب فإن تحققت نزول البول إلى ظاهر المهبل، كما هو الغالب، لم يكف الاستجمار، وإلا كفى. ‏ويستحب الغسل حينئذ.‏
أما عند الحنابلة ففي الثيب قولان الأول: أنه يكفيها الاستجمار. والثاني: أنه يجب غسله. ‏وعلى كلا القولين لا يجب على المرأة غسل الداخل من نجاسة وجنابة وحيض، بل تغسل ما ‏ظهر، ويستحب لغير الصائمة غسله.‏
ومقتضى قواعد مذهب الحنفية أنه إذا لم يجاوز الخارج المخرج كان الاستنجاء سنة. ‏وإن جاوز المخرج لا يجوز الاستجمار، بل لا بد من المائع أو الماء لإزالة النجاسة.‏
ولم يتعرضوا لكيفية استجمار المرأة.‏
ما لا يستجمر به:‏
اشترط الحنفية والمالكية فيما يستجمر به خمسة شروط:‏
‏(1) أن يكون يابساً، وعبر غيرهم بدل اليابس بالجامد.‏
‏(2) طاهراً
‏(3) منقيا.‏
‏(4) غير مؤذ.‏
‏(5) ولا محترم.‏
وعلى هذا فما لا يستنجى به عندهم خمسة أنواع:‏
‏(1) ما ليس يابسا.‏
‏(2) الأنجاس.‏
‏(3) غير المنقى، كالأملس من القصب ونحوه.‏
‏(4) المؤذي، ومنه المحدد كالسكين ونحوه.‏
‏(5) المحترم وهو عندهم ثلاثة أصناف:‏
أ- المحترم لكونه مطعوما.‏
ب- المحترم لحق الغير.‏
جـ-المحترم لشرفه.‏
وهذه الأمور تذكر في كتب المالكية أيضاً، إلا أنهم لا يذكرون في الشروط عدم الإيذاء، ‏وإن كان يفهم المنع منه بمقتضى القواعد العامة للشريعة.‏
هل يجزىء الاستنجاء بما حرم الاستنجاء به: ‏
إذا ارتكب النهي واستنجى بالمحرم وأنقى، فعند الحنفية والمالكية، كما في الفروع: ‏يصح الاستنجاء مع التحريم.‏
أما عند الشافعية فلا يجزىء الاستنجاء بما حرم لكرامته من طعام أو كتب علم، وكذلك ‏النجس. ‏
أما عند الحنابلة فلا يجزىء الاستجمار بم حرم مطلقاً، لأن الاستجمار رخصة فلا تباح بمحرم.‏
وفرقوا بينه وبين الاستجمار باليمين -فإنه يجزىء الاستجمار بها مع ورود النهي- بأن ‏النهي في العظم ونحوه لمعنى في شرط الفعل، فمنع صحته كالوضوء بالماء النجس. أما باليمين ‏فالنهي لمعنى في آلة الشرط، فلم يمنع، كالوضوء من إناء محرم. وسووا في ذلك بين ما ورد ‏النهي عن الاستجمار به كالعظم، وبين ما كان استعماله بصفة عامة محرما كالمغصوب.‏
قالوا: ولو استجمر بعد المحرم بمباح لم يجزئه ووجب الماء، وكذا لو استنجى بمائع غير الماء. ‏وإن استجمر بغير منق كالقصب أجزأ الاستجمار بعده بمنق. وفي المغني: يحتمل أن يجزئه ‏الاستجمار بالطاهر بعد الاستجمار بالنجس، لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل فزالت بزوالها.‏
كيفية الاستنجاء وآدابه:‏
أولاً: الاستنجاء بالشمال:‏
ورد في الحديث عن أصحاب الكتب الستة عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه".‏
فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء باليمين، وحمل الفقهاء هذا النهي على ‏الكراهة، وهي كراهة تحريم عند الحنفية.‏
وكل هذا في غير حالة الضرورة أو الحاجة، للقاعدة المعروفة: الضرورات تبيح المحظورات.‏
فلو أنّ يسراه مقطوعة أو شلاء، أو بها جراحة جاز الاستنجاء باليمين من غير كراهة، إلا أنه ‏يجوز الاستعانة باليمين في صب الماء، وليس هذا استنجاء باليمين، بل المقصود منه مجرد إعانة ‏اليسار، وهي المقصودة بالاستعمال.‏
ثانياً: الاستتار عند الاستنجاء:‏
الاستنجاء يقتضي كشف العورة، وكشفها أمام الناس محرم في الاستنجاء وغيره، فلا يرتكب ‏لإقامة سنة الاستنجاء، ويحتال لإزالة النجاسة من غير كشف للعورة عند من يراه.‏
فإن لم يكن بحضرة الناس، فعند الحنفية: من الآداب أن يستر عورته حين يفرغ من الاستنجاء ‏والتجفيف، لأن الكشف كان لضرورة وقد زالت.‏
وعند الحنابلة في التكشف لغير حاجة روايتان: الكراهة، والحرمة.‏
وعليه فينبغي أن يكون ستر العورة بعد الفراغ من الاستنجاء مستحبا على الأقل.‏
ثالثا: الانتقال عن موضع التخلي:‏
إذا قضى حاجته فلا يستنجي حيث قضى حاجته. كذا عند الشافعيه والحنابلة -قال الشافعية: إذا ‏كان استنجاؤه بالماء- بل ينتقل عنه، لئلا يعود الرشاش إليه فينجسه. واستثنوا الأخلية المعدة ‏لذلك، فلا ينتقل فيها. وإذا كان استنجاؤه بالحجر فقط فلا ينتقل من مكانه، لئلا ينتقل الغائط من ‏مكانه فيمتنع عليه الاستجمار.‏
أما عند الحنابلة، فينبغي أن يتحول من مكانه الذي قضى فيه حاجته للاستجمار بالحجارة أيضاً، ‏كما يتحول للاستنجاء بالماء، وهذا إن خشي التلوث.‏
رابعاً: عدم استقبال القبلة حال الاستنجاء: ‏
من آداب الاستنجاء عند الحنفية: أن يجلس له إلى يمين القبلة، أو يسارها كيلا يستقبل القبلة أو ‏يستدبرها حال كشف العورة. فاستقبال القبلة أو استدبارها حالة الاستنجاء ترك أدب، وهو مكروه ‏كراهة تنزيه، كما في مد الرجل إليها.‏
وعند الشافعية: يجوز الاستنجاء مع الاستنجاء مع الاتجاه إلى القبلة من غير كراهة، لأن النهي ‏ورد في استقبالها واستدبارها ببول أو غائط، وهذا لم يفعله.‏
خامساً: الانتضاح وقطع الوسوسة:‏
ذكر الحنفية والشافعية والحنابلة: أنه إذا فرغ من الاستنجاء بالماء استحب له أن ينضح فرجه أو ‏سراويله بشيء من الماء، قطعاً للوسواس، حتى إذا شك حمل البلل على ذلك النضح، ما لم يتيقن ‏خلافه.‏
وهذا ذكره الحنفية أنه يفعل ذلك إن كان الشيطان يريبه كثيراً.‏
ومن ظن خروج شيء بعد الاستنجاء فقد قال أحمد بن حنبل: لا تلتفت حتى تتيقن، وَالْهُ عنه فإنه ‏من الشيطان، فإنه يذهب إن شاء الله.‏
‏ ‏
‏ ‏
الاستنزاه
التعريف:‏
‏1- الاستنزاه: استفعال من التنزه وأصلة التباعد. والاسم النزهة، ففلان يتنزه من الأقذار وينزه ‏نفسه عنها: أي يباعد نفسه عنها.‏
وفي حديث المعذب في قبره "كان لا يستنزه من البول" أي لا يستبرىء ولا يتطهر، ولا يبتعد ‏منه.‏
والفقهاء يعبرون بالاستنزاه والتنزه عند الكلام عن الاحتراز عن البول أو الغائط.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:09 PM
الوضوء



تعريف:‏
تعريف:الوضوء في اللغة بضم الواو: هو اسم للفعل أي استعمال الماء في أعضاء ‏مخصوصة، وهو المراد هنا، مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة، يقال: وضوء وأما بفتح ‏الواو فيطلق على الماء الذي يتوضأ به.‏
تعريف الوضوء شرعاً: نظافة مخصوصة، أو هو أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية. وهو ‏غسل الوجه واليدين والرجلين، ومسح الرأس. وأوضح تعريف له هو: أنه استعمال ماء طهور ‏في الأعضاء الأربعة (أي السابقة) على صفة مخصوصة في الشرع. وحكمه الأصلي أي ‏المقصود أصالة للصلاة: هو الفرضية، لأنه شرط لصحة الصلاة، بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ‏آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ‏إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] وبقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ‏يتوضأ" متفق عليه وبإجماع الأمة على وجوبه.‏
وفرض الوضوء بالمدينة كما أوضح المحققون. والحكمة من غسل هذه الأعضاء هو ‏كثرة تعرضها للأقذار والغبار.‏
وقد يعرض للوضوء أوصاف أخرى فتجعله مندوباً، أو واجباً بتعبير الحنفية، أو ممنوعاً، ‏لهذا قسمه الفقهاء أنواعاً، وذكروا له أوصافاً.‏
فقال الحنفية: الوضوء خمسة أنواع:‏
الأول- فرض:‏
أ- على المحدث إذا أراد القيام للصلاة فرضاً كانت أو نفلاً، كاملة، أو غير كاملة كصلاة ‏الجنازة وسجدة التلاوة، للآية السابقة: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ...} [المائدة: 6] ‏ولقوله عليه الصلاة والسلام : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" متفق عليه، ‏ولقوله أيضاً: "لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلُول". رواه مسلم ‏
ب- ولأجل لمس القرآن، ولو آية مكتوبة على ورق أو حائط، أو نقود، لقوله تعالى: {لا ‏يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يمس القرآن إلا طاهر". ‏رواه الحاكم والبيهقي ومالك.‏
الثاني- واجب:‏
للطواف حول الكعبة، وقال الجمهور غير الحنفية. إنه فرض، لقوله صلى الله عليه وسلم: ‏‏" الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فيه، فلا ينطق إلا بخير". رواه ‏الترمذي وابن حبان والحاكم.‏
قال الحنفية: ولما لم يكن الطواف صلاة حقيقية، لم تتوقف صحته على الطهارة، فيجب، ‏بتركه دم في الواجب، وبَدَنة في الفرض للجنابة، وصدقة في النفل بترك الوضوء.‏
الثالث- مندوب: في أحوال كثيرة منها ما يأتي:‏
أ- التوضؤ لكل صلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند ‏كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك" رواه أحمد، ويندب تجديد الوضوء إذا كان قد أدى ‏بالسابق صلاة : فرضاً أو نفلاً، لأنه نور على نور، وإن لم يؤد به عملاً مقصوداً شرعاً كان ‏إسرافاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات" رواه أبو داود ‏والترمذي وابن ماجه، كما يندب المداومة على الوضوء لما روى ابن ماجه والحاكم وأحمد ‏والبيهقي عن ثوبان: "استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على ‏الوضوء إلا مؤمن". رواه البخاري
ب- مس الكتب الشرعية من تفسير وحديث وعقيدة وفقه ونحوها، لكن إذا كان القرآن ‏أكثر من التفسير، حرم المس.‏
جـ- للنوم على طهارة وعقب الاستيقاظ من النوم مبادرة للطهارة، لقوله صلى الله عليه ‏وسلم: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم ‏إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ‏ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت". رواه البخاري.‏
د- قبل غسل الجنابة، وللجنب عند الأكل والشرب والنوم ومعاودة الوطء، لورود السنة ‏به، قالت عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ" ‏رواه مسلم وقالت أيضاً: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل ‏فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة" رواه أبو داود والترمذي وقال أبو سعيد الخدري: "إذا أتى أحدكم ‏أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ".‏
هـ- بعد ثورة الغضب، لأن الوضوء يطفئه، روى أحمد في مسنده: "فإذا غضب أحدكم ‏فليتوضأ".‏
و- لقراءة القرآن، ودراسة الحديث وروايته، ومطالعة كتب العلم الشرعي، اهتماماً ‏بشأنها، وكان مالك يتوضأ ويتطهر عند إملاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏تعظيماً له.‏
ز- للأذان والإقامة وإلقاء خطبة ولو خطبة زواج، وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، ‏وللوقوف بعرفة، وللسعي بين الصفا والمروة، لأنها في أماكن عبادة.‏
حـ- بعد ارتكاب خطيئة، من غيبة وكذب ونميمة ونحوها، لأن الحسنات تمحو السيئات، ‏قال صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى ‏يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار صلاة بعد ‏صلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط". رواه مسلم.‏
ط- بعد قهقهة خارج الصلاة، لأنها حدث صورة.‏
ي- بعد غسل ميت وحمله، لقوله صلى الله عليه وسلم : "من غسل ميتاً فليغتسل، ومن ‏حمله فليتوضأ". رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان
ك- للخروج من خلاف العلماء، كما إذا لمس امرأة، أو لمس فرجه ببطن كفه، أو بعد أكل ‏لحم الجزور، لقول بعضهم بالوضوء منه، ولتكون عبادته صحيحة بالاتفاق عليها، استبراء لدينه.‏
الرابع- مكروه:‏
كإعادة الوضوء قبل أداء صلاة بالوضوء الأول، أي أن الوضوء على الوضوء مكروه، ‏وإن تبدل المجلس ما لم يؤد به صلاة أو نحوها.‏
الخامس- حرام:‏
كالوضوء بماء مغصوب، أو بماء يتيم. وقال الحنابلة: لا يصح الوضوء بمغصوب ‏ونحوه لحديث : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". رواه مسلم.‏
وقال المالكية أيضاً: الوضوء خمسة أنواع:‏
واجب، ومستحب، وسنة، ومباح، وممنوع.‏
فالواجب: هو الوضوء لصلاة الفرض، والتطوع، وسجود القرآن، ولصلاة الجنازة، ‏ولمس المصحف، وللطواف. ولا يصلى عندهم إلا بالواجب، ومن توضأ لشيء من هذه الاشياء، ‏جاز له فعل جميعها.‏
والسنة: وضوء الجنب للنوم.‏
والمستحب: الوضوء لكل صلاة، ووضوء المستحاضة وصاحب السلس لكل صلاة، ‏وأوجبه غير المالكية لهما، والوضوء للقربات كالتلاوة والذكر والدعاء والعلم، وللمخاوف ‏كركوب البحر، والدخول على السلطان والقوم.‏
والمباح: للتنظيف والتبرد.‏
والممنوع: التجديد قبل أن تقع به عبادة.‏
واتفق الشافعية والحنابلة مع الحنفية والمالكية على الحالات السابقة ونحوها التي يندب ‏لها الوضوء، من قراءة قرآن أو حديث، ودراسة العلم، ودخول مسجد وجلوس أو مرور فيه، ‏وذكر وأذان ونوم ورفع شك في حدث أصغر، وغضب، وكلام محرم كغيبة ونحوها، وفعل ‏مناسك الحج كوقوف ورمي جمار، وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأكل، ولكل صلاة، ‏لحديث أبي هريرة يرفعه: "لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة". رواه ‏أحمد.‏
كما يستحب الوضوء عند الشافعية من بعد الفصد والحجامة والرعاف والنعاس والنوم ‏قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض، والقهقهة في الصلاة، وأكل ما مسته النار، ولحم الجزور، ‏والشك في الحدث، وزيارة القبور، ومن حمل الميت ومسه.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:10 PM
فرائض الوضوء:‏
نص القرآن الكريم على أركان أو فرائض أربعة للوضوء: وهي غسل الوجه، واليدين، ‏والرجلين، ومسح الرأس، في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ‏وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6].‏
وأضاف جمهور الفقهاء غير الحنفية بأدلة من السنة فرائض أخرى، اتفقوا فيها على ‏النية، وأوجب المالكية والحنابلة الموالاة، كما أوجب الشافعية والحنابلة الترتيب، وأوجب ‏المالكية أيضاً الدلك.‏
فتكون أركان الوضوء أربعة عند الحنفية هي المنصوص عليها، وسبعة عند المالكية ‏بإضافة النية والدلك والموالاة، وستة عند الشافعية بإضافة النية والترتيب.‏
وسبعة عند الحنابلة والشيعة الإمامية بإضافة النية والترتيب والموالاة.‏
وبه يتبين أن الأركان أو الفرائض نوعان : متفق عليها، ومختلف فيها.‏

فرائض الوضوء المتفق عليها:‏
هي أربعة منصوص عليها في القرآن العظيم وهي:‏
أولاً- غسل الوجه:‏
لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] أي غسل ظاهر جميع الوجه مرة.‏
والغسل: إسالة الماء على العضو بحيث يتقاطر، وأقله قطرتان ولا تكفي الإسالة بدون ‏التقاطر. والمراد بالغسل، الانغسال، سواء أكان بفعل المتوضئ أم بغيره. والفرض هو الغسل ‏مرة، أما تكرار الغسل ثلاث مرات فهو سنة وليس فرضاً.‏
والوجه: ما يواجه به الإنسان. وحدُّه طولاً: ما بين منابت شعر الرأس المعتاد، إلى منتهى ‏الذقن، أو من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن. والذقن: منبت اللحية فوق الفك السفلي أو ‏اللَّحْيين: أي العظمين اللذين تنبت عليهما الأسنان السفلى. ومن الوجه: موضع الغمم: وهو ما ‏ينبت عليه الشعر من الجبهة، وليس منه النزعتان: وهما بياضان يكتنفان الناصية: وهي مقدم ‏الرأس من أعلى الجبين، وإنما النزعتان من الرأس، لأنهما في حد تدوير الرأس.‏
وحد الوجه عرضاً: ما بين شحمتي الأذنين. ويدخل في الوجه عند الحنفية والشافعية ‏البياض الذي بين العذار والأذن. وقال المالكية والحنابلة: إنه من الرأس.‏
والصدغان من الرأس: وهما فوق الأذنين، متصلان بالعذارين، لدخولهما في تدوير ‏الرأس، وقال الحنابلة: يستحب تعاهد موضع المفصل (وهو ما بين اللحية والأذن) بالغسل، لأنه ‏مما يغفل الناس عنه. وقال الشافعية: ويسن غسل موضع الصلع والتحذيف والنزعتين ‏والصدغين مع الوجه، خروجاً من الخلاف في وجوب غسلها. ويجب غسل جزء من الرأس ومن ‏الحلق ومن تحت الحنك ومن الأذنين، كما يجب أدنى زيادة في غسل اليدين والرجلين، على ‏الواجب فيهما، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.‏
ومن الوجه: ظاهر الشفتين ومارن الأنف وموضع الجدع من الأنف ونحوه، ولا يغسل ‏المنضم من باطن الشفتين، ولا باطن العينين.‏
ويجب غسل الحاجب والهُدْب (الشعر النابت على أجفان العين) والعذار (الشعر النابت ‏على العظم الناتئ المحاذي للأذن بين الصدغ والعارض) والشارب وشعر الخد، والعنفقة (الشعر ‏النابت على الشفة السفلى) واللِّحية (الشعر النابت على الذقن خاصة، وهي مجمع اللَّحْيين) ‏الخفيفة، ظاهراً وباطناً، خفيفاً كان الشعر أو كثيفاً لما روى مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم ‏لرجل ترك موضع ظفر على قدمه: "ارجع فأحسن وضوءك".‏
فإن كانت اللحية كثيفة لا ترى بشرتها، فيجب فقط غسل ظاهرها، ويسن تخليل باطنها، ‏ولا يجب إيصال الماء إلى بشرة الجلد، لعسر إيصال الماء إليه، ولما روى البخاري أنه صلى الله ‏عليه وسلم توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه، وكانت لحيته الكريمة كثيفة، وبالغرفة الواحدة لا ‏يصل الماء إلى ذلك غالباً.‏
وأما المسترسل من اللحية الخارج عن دائرة الوجه فيجب غسله عند الشافعية، وعند ‏الحنابلة، لأنه نابت في محل الفرض، ويدخل في اسمه ظاهراً، ويفارق ذلك شعر الرأس، فإن ‏النازل عنه لا يدخل في اسمه، ولما رواه مسلم عن عمرو بن عَبْسة: "... ثم إذا غسل وجهه كما ‏أمره الله، إلا خَرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء".‏
ولم يوجب الحنفية والمالكية غسل المسترسل، لأنه شعر خارج عن محل الفرض، ‏وليس من مسمى الوجه.‏
وأضاف الحنابلة: أن الفم والأنف من الوجه يعني أن المضمضة والاستنشاق واجبان في ‏الوضوء، لما روى أبو داود وغيره: "إذا توضأت فمضمض" ولما روى الترمذي من حديث ‏سلمة بن قيس: "إذا توضأت فانتثر" ولحديث أبي هريرة المتفق عليه: "إذا توضأ أحدكم فليجعل ‏في أنفه ماء، ثم لينتثر" كما أوجب الحنابلة التسمية في الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ‏صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". رواه أبو داود وابن ماجه ‏وأحمد.‏
ثانياً- غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة :‏
لقوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة : 6] وللإجماع.‏
والمرفق: ملتقى عظم العضد والذراع.‏
ويجب عند جمهور العلماء منهم أئمة المذاهب الأربعة إدخال المرفقين في الغسل، لأن ‏حرف "إلى" لانتهاء الغاية، وهي هنا بمعنى "مع" كما في قوله تعالى : {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى ‏قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] {{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]، وقد أوضحت السنة النبوية ‏المطلوب وبينت المجمل، روى مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم ‏اليسرى حتى أشرع في العضد .." وروى الدارقطني عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: "هلمَّ ‏أتوضأ لكم وُضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسل وجهه ويديه حتى مسَّ أطراف ‏العضدين .." وروى الدارقطني أيضاً عن جابر، قال : "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ ‏أمَرَّ الماء على مرفقيه".‏
ويجب غسل تكاميش الأنامل، وغسل ما تحت الأظافر الطويلة التي تستر رؤوس ‏الأنامل، كما يجب عند غير الحنفية إزالة أوساخ الأظافر إن منعت وصول الماء، بأن كانت ‏كثيرة، ويعفى عن القليل منها، ويعفى عند الحنفية عن تلك الأوساخ، سواء أكانت كثيرة أم يسيرة ‏دفعاً للحرج. لكن يجب بالاتفاق إزالة ما يحجب الماء عن الأظافر وغيرها كدهن وطلاء.‏
ويجب عند المالكية تخليل أصابع اليدين، ويندب تخليل أصابع الرجلين.‏
ويجب غسل الإصبع الزائدة في محل الفرض مع الأصلية، لأنها نابتة فيه، كما يجب عند ‏الحنابلة والمالكية غسل جلدة متعلقة في غير محل الفرض وتدلت إلى محل الفرض. ‏
وقال الشافعية: إن تدلت جلدة العضد منه، لم يجب غسل شيء منها، لا المحاذي ولا غيره لأن ‏اسم اليد لا يقع عليها، مع خروجها عن محل الفرض.‏
فإن قطع بعض ما يجب غسله من اليدين، وجب بالاتفاق غسل ما بقي منه، لأن الميسور ‏لا يسقط بالمعسور، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".‏
أما من قطعت يده من المرفق فيجب عليه غسل رأس عظم العضد، لأنه من المرفق.‏
فإن قطع ما فوق المرفق، ندب غسل باقي العضد، لئلا يخلو العضو عن طهارة.‏
ويجب عند الجمهور تحريك الخاتم الضيق، ولا يجب عند المالكية تحريك الخاتم المأذون ‏فيه لرجل أو امرأة، ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته، ولا يعد حائلاً.‏
ثالثاً: مسح الرأس:‏
لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} وروى مسلم " أنه صلى الله عليه وسلم مسح ‏بناصيته وعلى العمامة".‏
والمسح: هو إمرار اليد المبتلة على العضو.‏
والرأس: منبت الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا. ويدخل فيه الصُدْغان ‏مما فوق العظم الناتئ في الوجه.‏
واختلف الفقهاء في القدر المجزئ منه:‏
فقال الحنفية: الواجب مسح ربع الرأس مرة، بمقدار الناصية، فوق الأذنين لا على ‏طرف ذؤابة (ضفيرة)، ولو بإصابة مطر أو بلل باق بعد غسل لم يؤخذ من عضو آخر.‏
لحديث البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فمسح ‏بناصيته، وعلى العمامة، والخفين" ولحديث داود عن أنس قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم يتوضأ وعليه عمِامة قِطْرية (من صنع قَطَر)، فأدخل يده تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ‏ولم ينقض العمامة".‏
وقال المالكية، والحنابلة: يجب مسح جميع الرأس، وليس على الماسح نقض ضفائر ‏شعره، ولا مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، ولا يجزئ مسحه عن الرأس، ويجزئ المسح ‏على الشعر الذي لم ينزل عن محل الفرض. فإن فقد شعره مسح بشرته، لأنها ظاهر رأسه ‏بالنسبة إليه.‏
وقال الحنابلة: بوجوب الاستيعاب للرجل، أما المرأة فيجزئها مسح مقدم رأسها، لأن ‏عائشة كانت تمسح مقدم رأسها. ويجب أيضاً عند الحنابلة مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، ‏لأنهما من الرأس، لما رواه ابن ماجه: "الأذنان من الرأس".‏
ويكفي المسح عندهم مرة واحدة، ولا يستحب تكرار مسح رأس وأذن، قال الترمذي وأبو ‏داود: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، لأن أكثر من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم ذكر أنه مسح رأسه واحدة، لأنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وقالوا فيها: "ومسح برأسه" ‏ولم يذكروا عدداً، كما ذكروا في غيره.‏
ودليلهم حديث عبد الله بن زيد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه، ‏فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدِّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قَفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه" ‏رواه مسلم.‏
وقال الشافعية: الواجب مسح بعض الرأس، ولو شعرة واحدة في حدِّ الرأس، بأن لا ‏يخرج بالمدِّ عنه من جهة نزوله.‏
وفي مذهب الشافعية: جواز غسله لأنه مسح وزيادة، وجواز وضع اليد على الرأس بلا ‏مَدّ، لحصول المقصود من وصول البلل إليه.‏
وعند الحنابلة: أنه لا يكفي غسل الرأس من غير إمرار اليد على الرأس، فيجزئه الغسل ‏مع الكراهة إن أمرّ يده.‏
رابعاً- غسل الرجلين إلى الكعبين:‏
لقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة : 6] ولإجماع العلماء، ولحديث عمرو بن ‏عَبْسة عند أحمد: "... ثم يمسح رأسه كما أمر الله، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله ‏ولحديث عثمان عند أبي داود والدارقطني بعد أن غسل رجليه قال: "هكذا رأيت رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم يتوضأ" ولغيرهما من الأحاديث كحديث عبدالله بن زيد وحديث أبي هريرة.‏
والكعبان: هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل القدم.‏
والواجب غسل الكعبين أو قدرهما عند فقدهما مع الرجلين مرة واحدة، كغسل المرفقين، ‏لدخول الغاية في المُغَيَّا أي لدخول ما بعد "إلى" فيما قبلها، ولحديث أبي هريرة السابق: "...ثم ‏غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: ‏هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ". رواه مسلم.‏
ويلزم أيضاً غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما لقوله صلى الله عليه وسلم : ‏‏"ويل للأعقاب من النار" متفق عليه فقد توعد على المسح، ولمداومته صلى الله عليه وسلم على ‏غسل الرجلين، وعدم ثبوت المسح عنه ومن وجه صحيح، ولأمره بالغسل، كما ثبت في حديث ‏جابر عند الدارقطني بلفظ "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأنا للصلاة أن نغسل ‏أرجلنا" ولثبوت ذلك من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عَبْسة وأبي هريرة وعبد ‏الله بن زيد وعثمان السابقة التي فيها حكاية وضوء رسول الله وفيها: "فغسل قدميه"، ولقوله ‏صلى الله عليه وسلم بعد أن توضأ وضوءاً غسل قدميه: "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء ‏وظلم" رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص، ولقوله ‏عليه السلام للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" رواه أبو داود وأحمد ثم ذكر له صفة الوضوء، ‏وفيها غسل الرجلين، ولإجماع الصحابة على الغسل.‏
ثم إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخليل أصابع اليدين والرجلين يدل على وجوب ‏الغسل.‏
والخلاصة : أن أركان الوضوء المتفق عليها أربعة: غسل الوجه واليدين والرجلين مرة ‏واحدة، والمسح بالرأس مرة واحدة، وأما التثليث فهو سنة.‏
فرائض الوضوء المختلف فيها:‏
اختلف الفقهاء في إيجاب النية والترتيب والموالاة والدلك. فقال غير الحنفية بفرضية ‏النية، وقال المالكية والحنابلة بوجوب الموالاة، وقال الشافعية والحنابلة بوجوب الترتيب، ‏وانفرد المالكية بإيجاب الدلك. ونبحث الخلاف في هذه الأمور:‏
أولاً- النية:‏
النية لغة: القصد بالقلب، لا علاقة للسان بها، وشرعاً: هي أن ينوي المتطهر أداء ‏الفرض، أو رفع حكم الحدث، أو استباحة ما تجب الطهارة له، كأن يقول المتوضئ: نويت ‏فرائض الوضوء،أو يقول من دام حدثه كمستحاضة وسلس بول أو ريح: نويت استباحة فرض ‏الصلاة، أو الطواف أو مس المصحف. أو يقول المتطهر مطلقاً: نويت رفع الحدث، أي إزالة ‏المانع بين فعل يفتقر إلى الطهارة. وعرف الحنفية النية اصطلاحاً بأنها توجه القلب لإيجاد الفعل ‏جزماً.‏
وقد اختلف الفقهاء في اشتراط النية للطهارة:‏
فقال الحنفية: يسن للمتوضئ البداية بالنية لتحصيل الثواب، ووقتها: قبل الاستنجاء ‏ليكون جميع فعله قربة. وكيفيتها: أن ينوي رفع الحدث، أو إقامة الصلاة، أو ينوي الوضوء أو ‏امتثال الأمر. ومحلها القلب، فإن نطق بها ليجمع بين فعل القلب واللسان، فهو مستحب عند ‏المشايخ.‏
ويترتب على قولهم بعدم فرضية النية: صحة وضوء المتبرد، والمنغمس في الماء ‏للسباحة أو للنظافة أو لإنقاذ غريق، ونحو ذلك.‏
قال جمهور الفقهاء: النية فرض في الوضوء. لتحقيق العبادة.‏
ما يتعلق بالنية: يتلخص مما سبق أمور تتعلق بالنية هي ما يأتي: ‏
حقيقتها: لغة: القصد، وشرعاً: قصد الشيء مقترناً بفعله.‏
ب- حكمها: عند الجمهور: الوجوب، وعند الحنفية: الاستحباب.‏
جـ- المقصود بها: تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز رتبتها أي تمييز بعض العبادات عن ‏بعض، كالصلاة تكون فرضاً تارة، ونفلاً أخرى.‏
د- شرطها: إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي.‏
هـ-محلها: القلب، إذ هي عبارة عن القصد، ومحل القصد: القلب، فمتى اعتقد بقلبه ‏أجزأه، وإن لم يتلفظ بلسانه، أما إن لم تخطر النية بقلبه، فلم يجزه الفعل الحاصل، والأولى عند ‏المالكية ترك التلفظ بالنية، ويسن عند الشافعية والحنابلة: التلفظ بها، إلا أن المذهب عند الحنابلة ‏أنه يستحب التلفظ بها سراً، ويكره الجهر بها وتكرارها.‏
و- صفتها: أن يقصد بطهارته استباحة شيء لا يستباح إلا بها، كالصلاة والطواف ومس ‏المصحف.‏
فإن نوى بالطهارة: ما لا تشرع له الطهارة، كالتبرد والأكل والبيع والزواج ونحوه، ولم ‏ينو الطهارة الشرعية، لم يرتفع حدثه، لأنه لم ينو الطهارة ولا ما يتضمن نيتها، فلم يحصل له ‏شيء، كالذي لم يقصد شيئاً.‏
وإن نوى بالوضوء الصلاة وغيرها كالتبرد أو النظافة أو التعليم أو إزالة النجاسة، ‏صحت النية وأجزأته. لكن لو أطلق النية أي لمجرد الطهارة الشاملة للحدث والخبث مثلاً، لم ‏تصح ولم تجزئ، حتى يتحقق تمييز العبادة عن العادة. ولا يتم التمييز إلا بالنية، والطهارة قد ‏تكون عن حدث وقد تكون عن نجس، فلم تصح بنية مطلقة.‏
وإن نوى المتوضئ بوضوئه ما تسن له الطهارة، كأن نوى الوضوء لقراءة وذكر وأذان ‏ونوم وجلوس بمسجد أو تعليم علم وتعلمه أو زيارة عالم ونحو ذلك، ارتفع حدثه، وله أن يصلي ‏ما شاء عند الحنابلة، لأنه نوى شيئاً من ضرورة صحة الطهارة.‏
ولا يجزئه للصلاة عند المالكية من غير أن ينوي رفع الحدث، لأن ما نواه يصح فعله مع ‏بقاء الحدث.‏
كما لا يجزئه في الأصح عند الشافعية، لأنه أمر مباح مع الحدث، فلا يتضمن قصده ‏رفع الحدث.‏
ولا خلاف أنه إذا توضأ لنافلة أو لما يفتقر إلى الطهارة كمس المصحف والطواف، صلى ‏بوضوئه الفريضة، لأنه ارتفع حدثه.‏
وإن شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها، لأنها عبادة شك في شرطها، وهو ‏فيها، فلم تصح كالصلاة.‏
ولا يضر شكه في النية بعد فراغ الطهارة، كسائر العبادات.‏
وإذا وضأه غيره، اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ، لأن المتوضئ هو ‏المخاطب بالوضوء، والوضوء يحصل له بخلاف الموضئ فإنه آلة لا يخاطب ولا يحصل له.‏
وينوي من حدثه دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوه استباحة الصلاة دون رفع ‏الحدث، لعدم إمكان رفعه.‏
ز- وقت النية: قال الحنفية: وقتها قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة، وقال الحنابلة: ‏وقتها عند أول واجب وهو التسمية في الوضوء، وقال المالكية: محلها الوجه، وقيل: أول ‏الطهارة.‏
وقال الشافعية: عند أول غسل جزء من الوجه، ويجب عند الشافعية قرنها بأول غسل ‏الوجه لتقترن بأول الفرض كالصلاة. ويستحب أن ينوي قبل غسل الكفين لتشمل النية مسنون ‏الطهارة ومفروضها، فيثاب على كل منهما. ويجوز تقديم النية على الطهارة بزمن يسير، فإن ‏طال الزمن لم يجزه ذلك.‏
ويستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر الطهارة، لتكون أفعاله مقترنة بالنية، وإن ‏استصحب حكمها أجزأه، ومعناه: ألا ينوي قطعها.‏
ولا يضر عزوب النية: أي ذهابها عن خاطره وذهوله عنها، بعد أن أتى بها في أول ‏الوضوء، لأن ما اشترطت له النية لا يبطل بعزوبها والذهول عنها كالصلاة والصيام. وذلك ‏بخلاف الرفض: أي الإبطال في أثناء الوضوء بأن يبطل ما فعله منه، كأن يقول بقلبه: أبطلت ‏وضوئي، فإنه يبطل.‏
والخلاصة: اتفق العلماء على وجوب النية في التيمم، واختلفوا في وجوبها في الطهارة ‏عن الحدث الأكبر والأصغر على قولين.‏
ثانياً: الترتيب:‏
الترتيب: تطهير أعضاء الوضوء واحداً بعد آخر كما ورد في النص القرآني: أي غسل ‏الوجه أولاً ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين. واختلف الفقهاء في وجوبه.‏
فقال الحنفية والمالكية: إنه سنة مؤكدة لا فرض، فيبدأ بما بدأ الله به.‏
وروي عن علي وابن عباس وابن مسعود ما يدل على عدم وجوب الترتيب، قال علي ‏رضي الله عنه: "ما أبالي بأي أعضائي بدأت" رواه الدارقطني قال ابن عباس رضي الله عنهما: ‏‏"لا بأس بالبداية بالرجلين قبل اليدين" رواه الدارقطني.‏
وقال الشافعية والحنابلة: الترتيب فرض في الوضوء لا في الغسل. لفعل النبي صلى الله ‏عليه وسلم المبين للوضوء المأمور به رواه مسلم، ولقوله صلى الله عليه وسلم في حجته: "ابدؤوا ‏بما بدأ الله به". رواه النسائي.‏
فلو نكس الترتيب المطلوب، فبدأ برجليه، وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، ثم يكمل ‏ما بعده على الترتيب الشرعي.‏
وإن غسل أعضاءه دفعة واحدة، لم يصح وضوءه، وكذا لو وضأه أربعة في حالة واحدة، ‏لأن الواجب الترتيب، لا عدم التنكيس، ولم يوجد الترتيب.‏
ولو اغتسل محدث حدثاً أصغر فقط بنية رفع الحدث أو نحوه، فالأصح عند الشافعية: أنه ‏إن أمكن تقدير ترتيب بأن غطس مثلاً صح، ولو بلا مُكْث، لأنه يكفي ذلك لرفع أعلى الحدثين، ‏فللأصغر أولى، ولتقدير الترتيب في لحظات معينة.‏
ولا يكفي ذلك عند الحنابلة، إلا إذا مكث في الماء قدراً يسع الترتيب فيخرج وجهه ثم ‏يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يخرج من الماء، سواء أكان الماء راكداً أم جارياً.‏
والترتيب مطلوب بين الفرائض، ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين ‏والرجلين، وإنما هو مندوب، لأن مخرجها في القرآن واحد، قال تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ .... وَأَرْجُلَكُمْ} ‏‏[المائدة: 6] والفقهاء يعدون اليدين عضواً، والرجلين عضوا. ولا يجب الترتيب في العضو ‏الواحد. وهذا هو المقصود من قول علي وابن مسعود، قال أحمد: إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى: ‏لأن مخرجها من الكتاب واحد.‏
ثالثاً- الموالاة أو الوِلاء:‏
هي متابعة أفعال الوضوء بحيث لا يقع بينها ما يعد فاصلاً في العرف، أو هي المتابعة ‏بغسل الأعضاء قبل جفاف السابق، مع الاعتدال مزاجاً وزماناً ومكاناً ومناخاً. واختلف الفقهاء في ‏وجوبها.‏
فقال الحنفية والشافعية: الموالاة سنة لا واجب، فإن فرق بين أعضائه تفريقاً يسيراً لم ‏يضر، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. وإن فرق تفريقاً كثيراً، وهو بقدر ما يجف الماء على العضو ‏في زمان معتدل، أجزأه، لأن الوضوء عبادة لا يبطلها التفريق القليل والكثير كتفرقة الزكاة ‏والحج.‏
وقال المالكية والحنابلة: الموالاة في الوضوء لا في الغسل فرض، بدليل ما يأتي:‏
رابعاً- الدلك الخفيف باليد:‏
الدلك: هو إمرار اليد على العضو بعد صب الماء قبل جفافه. والمراد باليد: باطن الكف، ‏فلا يكفي دلك الرِجْل بالأخرى.‏
واختلف الفقهاء في إيجابه.‏
فقال الجمهور (غير المالكية): الدلك سنة لا واجب، لأن آية الوضوء لم تأمر به، والسنة ‏لم تثبته، فلم يذكر في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. والثابت في صفة غسله عليه ‏الصلاة والسلام مجرد إضافة الماء مع تخلل أصول الشعر.‏
وقال المالكية: الدلك واجب، ويكون في الوضوء بباطن الكف، لا بظاهر اليد، ويكفي ‏الدلك بالرجل في الغسل، والدلك فيه: هو إمراراً العضو على العضو إمرارً متوسطاً، ويندب أن ‏يكون خفيفاً مرة واحدة، ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة.‏
وهو واجب بنفسه، ولو وصل الماء للبشرة على المشهور.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:12 PM
نواقض الوضوء:‏
‏ ‏
خروج شيء من أحد السبيلين :‏
قال الحنفية : ينتقض الوضوء بخروج النجس من الأدمي الحي من السبيلين (الدبر ‏والذكر أو فرج المرأة) معتادا كان كالبول والغائط والمني والمذي والودي ودم الحيض والنفاس، ‏أم غير معتاد كدم الاستحاضة. أو من غير السبيلين كالجرح والقرح والأنف والفم سواء كان ‏الخارج دماً أو قيحاً أو قيئاً.‏
وقال المالكية: ينتقض الوضوء بالخارج المعتاد من المخرج المعتاد، لا حصى ودود ولو ‏ببلة، وهذا يشمل البول والغائط والمذي والمني والودي والريح، سواء أكان خروجه في حال ‏الصحة باختيار، أم بغير اختيار، كسلس فارق أكثر الزمن، أي ارتفع عن الشخص، زماناً يزيد ‏على النصف. فإن لازمه كل الزمن أو أكثره أو نصفه فلا نقض، ويشمل الحدث عندهم الخارج ‏من ثقبة تحت المعدة إن انسد السبيلان.‏
وعلى ذلك فالخارج غير المعتاد، والدود، والحصى، والدم، والقيح، والقيء ونحوها لا ‏يعتبر حدثاً ولو كان من المخرج المعتاد.‏
وقال الشافعية: ينتقض الوضوء بخروج شيء من قبله أو دبره عيناً كان أو ريحاً، طاهراً ‏أو نجساً، جافاً أو رطباً، معتاداً كبول أو نادراً كدم، قليلاً أو كثيراً، طوعاً أو كرهاً. إلا المني ‏فليس خروجه ناقضاً قالوا: لأنه أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل فلا يوجب أدونهما وهو ‏الوضوء بعمومه، وكذلك إذا انسد مخرجه وانفتح تحت معدته فخرج المعتاد.‏
وقال الحنابلة: الناقض للوضوء هو الخارج من السبيلين قليلاً كان أو كثيراً، نادراً كان ‏كالدود والدم والحصى، أو معتاداً كالبول والغائط والودي والمذي والريح، طاهراً أو نجساً، ‏وكذلك خروج النجاسات من بقية البدن، فإن كانت غائطاً أو بولاً نقض ولو قليلاً من تحت المعدة ‏أو فوقها، سواء أكان السبيلان مفتوحين أم مسدودين. وإن كانت النجاسات الخارجة من غير ‏السبيلين غير الغائط والبول كالقيء والدم والقيح، ودون الجراح لم ينقض إلا كثيرها.‏
نواقض الوضوء المتفق عليها:‏
اتفق الفقهاء على أن الخارج المعتاد من السبيلين كالبول والغائط والمني والمذي والودي ‏والريح، وأيضاً دم الحيض والنفاس يعتبر حدثاً حقيقياً قليلاً كان الخارج أو كثيراً، والدليل على ‏ذلك قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء:43] فهو كناية عن الحدث من بول أو ‏غائط ونحوهما. ولقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج ‏منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً". رواه مسلم
وهذه الأسباب بعضها حدث أكبر فيوجب الغسل كخروج المني، والحيض والنفاس، ‏وبعضها حدث أصغر يوجب الوضوء فقط كالبول والغائط والمذي والودي والريح وسيأتي بيانه.‏
‏ ‏
نواقض الوضوء المختلف فيها:‏
أ- ما يخرج من السبيلين نادراً:‏
ما يخرج من السبيلين نادراً كالدود والحصى والشعر وقطعة اللحم ونحوها تعتبر أحداثاً ‏تنقض الوضوء عند جمهور الفقهاء: (الحنفية والشافعية والحنابلة)، لأنها خارجة من السبيلين ‏فأشبهت المذي، ولأنها لا تخلو عن بلة تتعلق بها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة ‏بالوضوء لكل صلاة. رواه البخاري، ودمها خارج غير معتاد.‏
وذهب المالكية إلى أن الخارج غير المعتاد من السبيلين كحصى تولد بالبطن ودود لا ‏يعتبر حدثاً ولو ببلة من بول أو غائط غير متفاحش بحيث ينسب الخروج للحصى والدود لا للبول ‏والغائط. والقول الثاني عندهم: أنه لا وضوء عليه إلا أن تخرج الدود والحصى غير نقية.‏
واختلفوا في الريح الخارجة من الذكر أو قبل المرأة : فقال الحنفية والمالكية وهو رواية ‏عند الحنابلة : لا تعتبر حدثاً، ولا ينتقض بها الوضوء، لأنها اختلاج وليس في الحقيقة ريحاً ‏منبعثة عن محل النجاسة، وهذا في غير المفضاة، فإن كانت من المفضاة فصرح الحنفية أنه يندب ‏لها الوضوء، وقيل: يجب، وقيل: لو منتنة، لأن نتنها دليل خروجها من الدبر.‏
وقال الشافعية وهو رواية أخرى عند الحنابلة: إن الخارجة من الذكر أو قبل المرأة ‏حدث يوجب الوضوء، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح". رواه ‏الترمذي.‏
ب- ما يخرج من غير السبيلين:‏
الخارج من غير السبيلين إذا لم يكن نجساً لا يعتبر حدثاً باتفاق الفقهاء. واختلفوا فيما إذا ‏كان نجساً، فقال الحنفية: ما يخرج من غير السبيلين من النجاسة حدث ينقض الوضوء بشرط أن ‏يكون سائلاً جاوز إلى محل يطلب تطهيره ولو ندباً، كدم وقيح وصديد عن رأس جرح، وكقيء ‏ملأ الفم من مرة أو علق أو طعام أو ماء، لا بلغم، وإن قاء دماً أو قيحاً نقض وإن لم يملأ الفم عند ‏أبي حنيفة، ويشترط عند الحنابلة أن يكون كثيراً إلا الغائط والبول فلا تشترط فيهما الكثرة ‏عندهم.‏
واستثنى المالكية والشافعية من هذا الحكم ما خرج من ثقبة تحت المعدة إن انسد ‏مخرجه، وكذلك إذا لم ينسد في قول عند المالكية، فينتقض الوضوء.‏
أسباب نواقض الوضوء:‏
زوال العقل أو التمييز وذلك بالنوم أو السكْر أو الإغماء أو الجنون أو نحوها. وهذه ‏الأسباب متفق عليها بين المذاهب في الجملة. واستدل الفقهاء لنقض الوضوء بالنوم بحديث ‏صفوان ابن عسال قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزغ ثلاثة ‏أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم. رواه الترمذي.‏
وبما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ". رواه ‏ابن ماجه.‏
واختلفت عباراتهم في كيفية النوم الناقض للوضوء:‏
فقال الحنفية: النوم الناقض هو ما كان مضطجعاً أو متكئاً أو مستنداً إلى شيء لو أزيل ‏منه لسقط، لأن الاضطجاع سبب لاسترخاء المفاصل فلا يعرى عن خروج شيء عادة، والثابت ‏عادة كالمتيقن. والاتكاء يزيل مسكة اليقظة، لزوال المقعدة عن الأرض. بخلاف النوم حالة القيام ‏والقعود والركوع والسجود في الصلاة وغيرها، لأن بعض الاستمساك باق، إذ لو زال لسقط، فلم ‏يتم الاسترخاء.‏
وذهب المالكية إلى أن الناقض هو النوم الثقيل بأن لم يشعر بالصوت المرتفع، بقربه، أو ‏بسقوط شيء من يده وهو لا يشعر، طال النوم أو قصر. ولا ينقض بالخفيف ولو طال، ويندب ‏الوضوء إن طال النوم الخفيف.‏
وعند الشافعية: إن من نام مُمَكناً مقعدته من الأرض أو نحوها لم ينقض وضوءه، وإن لم ‏يكن ممكناً ينتقض على أية هيئة كان في الصلاة وغيرها لحديث أنس قال: كان أصحاب رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء فينامون، أحسبه قال: قعوداً حتى تخفق رؤوسهم ثم ‏يصلون ولا يتوضئون. ويندب الوضوء عندهم إلا مع التمكين خروجاً من الخلاف.‏
وأما الحنابلة فقسموا النوم إلى ثلاثة أقسام: الأول: نوم المضطجع فينقض به الوضوء ‏قليلاً كان أو كثيراً. الثاني: نوم القاعد، فإن كان كثيراً نقض بناء على الحديثين، وإن كان يسيراً لم ‏ينقض لحديث أنس الذي ذكره الشافعية. الثالث: ما عدا هاتين الحالتين، وهو نوم القائم والراكع ‏والساجد. وقد روي عن أحمد في هذه الحالات روايتان: إحداهما: ينقض مطلقاً للعموم في ‏الحديثين، والثانية: لا ينقض، إلا إذا كثر، لحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏كان يسجد وينام ثم يقوم فيصلي فقلت له: صليت ولم تتوضأ، وقد نمت، فقال: "إنما الوضوء على ‏من نام مضطجعاً فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله رواه أبو داود والترمذي.‏
والعبرة في تحديد الكثير واليسير في الصحيح عندهم العرف. أما السكر والجنون ‏والإغماء فدليل نقض الوضوء بها أنها أبلغ في إزالة المسكة من النوم، لأن النائم يستيقظ بالانتباه، ‏بخلاف المجنون والسكران والمغمى عليه.‏
‏ المباشرة الفاحشة دون الجماع: ‏
وتفسيرها، كما قالت الحنفية: أن يباشر الرجل المرأة بشهوة وينتشر لها وليس بينهما ‏ثوب ولم ير بللاً.‏
ولأن المباشرة على الصفة التي ذكرنا لا تخلو عن خروج المذي عادة إلا أنه يحتمل إن ‏جف بحرارة البدن فلم يقف عليه أو غفل عن نفسه لغلبة الشبق فكانت سبباً مفضياً إلى الخروج، ‏وهو المتحقق في مقام وجوب الاحتياط.‏
التقاء بشرتي الرجل والمرأة:‏
جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة على أن لمس بشرتي الرجل والمرأة حدث ‏ينقض الوضوء في الجملة، لكن تختلف عباراتهم في الشروط والتفصيل.‏
فقال المالكية: الذي ينقض الوضوء هو اللمس بعضو أصلي أو زائد يلتذ صاحبه به ‏عادة، ولو لظفر أو شعر أو سن، ولو بحائل خفيف يحس اللامس فوقه بطراوة الجسد، إن قصد ‏اللذة أو وجدها بدون القصد، قالوا: وممن يلتذ به عادة الأمرد والذي لم تتم لحيته، فلا نقض بلمس ‏جسد أو فرج صغيرة لا تشتهى عادة، ولو قصد اللذة أو وجدها، كما لا تنقض بلمس محرم بغير ‏لذة، أم القبلة بفم فناقضة ولا تشترط فيها اللذة ولا وجودها.‏
وقال الشافعية: هو لمس بشرتي الذكر والأنثى اللذين بلغا حداً يشتهى، ولو لم يكونا ‏بالغين، ولا فرق في ذلك بين أن يكون بشهوة أو إكراه أو نسيان، أو يكون الذكر ممسوحاً أو ‏خصياً أو عنيناً، أو المرأة عجوزاً شوهاء، أو العضو زائداً أو أصليا سليماً أو أشل أو أحدهما ‏ميتاً. والمراد بالبشرة ظاهر الجلد. وفي معناها اللحم، كلحم الأسنان واللسان واللثة وباطن العين، ‏فخرج ما إذا كان على البشرة حائل ولو رقيقاً. والملموس في كل هذا كاللامس في نقض وضوئه ‏في الأظهر.‏
ولا ينقض بلمس المحرم ولا صغيرة، وشعر، وسن، وظفر، كما لا ينقض بلمس الرجل ‏الرجل والمرأة المرأة والخنثى مع الخنثى أو مع الرجل أو المرأة ولو بشهوة، لانتفاء مظنتها.‏
وقال الحنابلة: مس بشرة الذكر بشرة أنثى أو عكسه لشهوة من غير حائل غير طفلة ‏وطفل ولو كان اللمس بزائد أو لزائد أو شلل، ولو كان الملموس ميتاً أو عجوزاً أو محرماً أو ‏صغيرة تشتهى، ولا ينقض وضوء الملموس بدنه ولو وجد منه شهوة، ولا بلمس شعر وظفر ‏وسن وعضو مقطوع وأمرد مسه رجل ولا مس خنثى مشكل، ولا بمسه رجلاً أو أمرأة، ولا ‏بمس الرجل رجلاً، ولا المرأة ولو بشهوة فيهم.‏
هذا، ويستدل الجمهور في اعتبارهم اللمس من الأحداث بما ورد في الآية من قوله ‏تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ} [النساء: 43] أي لمستم كما قرئ به، ‏فعطف اللمس على المجيء من الغائط ورتب عليهما الأمر بالتيمم عند فقد الماء، فدل على أنه ‏حدث كالمجيء من الغائط. وليس معناه (أو جامعتم) لأنه خلاف الظاهر، إذ اللمس لا يختص ‏بالجماع. قال تعالى:{فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7] وقال صلى الله عليه وسلم: "لعلك لمست". ‏رواه أحمد
أما ما اشترطه المالكية من قصد اللذة أو وجودها والحنابلة من أن يكون اللمس بالشهوة ‏فللجمع بين الآية وبين الأخبار التي تدل على عدم النقض بمجرد الالتقاء كما سيأتي.‏
أما الحنفية فلا يعتبرون مس المرأة من الأحداث مطلقاً، لحديث عائشة رضي الله عنها ‏قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني ‏فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما. رواه البخاري وعنها أنه صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ‏ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. رواه الترمذي.‏
مس فرج الآدمي:‏
ذكر الشافعية والمالكية وهو رواية عند الحنابلة أن مس فرج الآدمي حدث ينقض ‏الوضوء في الجملة، ولكن اختلفت عباراتهم في الشروط والتفصيل.‏
فقال المالكية: ينقض الوضوء مطلق مس ذكر الماس البالغ المتصل ولو كان خنثى ‏مشكلا ببطن أو جنب لكف أو إصبع ولو كانت الإصبع زائدة وبها إحساس. ولا يشترط فيه التعمد ‏أو الالتذاذ. أما مس ذكر غيره فيجري على حكم اللمس من تقييده بالقصد أو وجدان اللذة.‏
وقال الشافعية: الناقض مس قبل الآدمي ذكراً كان أو أنثى من نفسه أو غيره متصلاً أو ‏منفصلاً ببطن الكف من غير حائل. وكذا حلقة دبره ولو فرج الميت والصغير ومحل الجب ‏والذكر الأشل وباليد الشلاء، لا برأس الأصابع وما بينهما.‏
وقال الحنابلة في الرواية التي تجعل مسه حدثاً: الناقض مس ذكر الآدمي إلى أصول ‏الأنثيين مطلقاً سواء أكان الماس ذكراً أم أنثى، صغيراً أو كبيراً بشهوة أو غيرها من نفسه أو ‏غيره، لا مسّ منقطع ولا محل القطع، ويكون المس ببطن الكف أو بظهره أو بحرفه غير ظفر، ‏من غير حائل، ولو بزائد.‏
كما ينقض مس حلقة دبر منه أو من غيره، ومس امرأة فرجها الذي بين شفريها أو فرج ‏امرأة أخرى، ومس رجل فرجها ومسها ذكره ولو من غير شهوة.‏
والدليل على أن مس الفرج حدث ما رواه بسرة بن صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال: "من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ" رواه الترمذي وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ‏قال: "من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر وجب عليه الوضوء" رواه أحمد وقوله صلى الله ‏عليه وسلم: "أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ". رواه أحمد.‏
ونص الحنفية - وهو رواية أخرى عند الحنابلة أن مس الفرج لا يعتبر من الأحداث فلا ‏ينقض الوضوء، لحديث طلق بن علي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل ‏يمس ذكره في الصلاة فقال: "هل هو إلا بضعة منك". رواه أبو داود.‏
قال الحنفية: يغسل يده ندباً لحديث من مس ذكره فليتوضأ أي ليغسل يده جمعا بينه وبين ‏قوله صلى الله عليه وسلم هل هو إلا بضعة منك حين سئل عن الرجل يمس ذكره بعدما يتوضأ.‏
القهقهة في الصلاة:‏
جمهور الفقهاء وهم المالكية والشافعية والحنابلة - لا يعتبرون القهقهة من الأحداث ‏مطلقاً، فلا ينتقض الوضوء بها أصلاً ولا يجعلون فيها وضوءاً، لأنها لا تنقض الوضوء خارج ‏الصلاة فلا تنقضه داخلها، ولأنها ليست خارجاً نجساً، بل هي صوت كالكلام والبكاء.‏
وذكر الحنفية في الأحداث التي تنقض الوضوء القهقهة في الصلاة إذا حدثت من مصل ‏بالغ يقظان في صلاة كاملة ذات ركوع وسجود، سواء أكان متوضئاً أم متيمماً أم مغتسلاً في ‏الصحيح، وسواء أكانت القهقهة عمداً أم سهواً، لقوله صلى الله عليه وسلم : "من ضحك في ‏الصلاة قهقهة فليعد الوضوء والصلاة معا". رواه ابن عدي في الكامل.‏
والقهقهة ما يكون مسموعاً لجيرانه، والضحك ما يسمعه هو دون جيرانه، والتبسم ما لا ‏صوت فيه ولو بدت أسنانه. قالوا: القهقهة تنقض الوضوء وتبطل الصلاة معاً، والضحك يبطل ‏الصلاة خاصة، والتبسم لا يبطل شيئاً. وعلى ذلك فلا يبطل وضوء صبي ونائم بالقهقهة في ‏الصلاة عند الحنفية، كما لا ينقض وضوء من قهقه خارج الصلاة، أو من كان في صلاة غير ‏كاملة، كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة.‏
فوجب الوضوء بها عقوبةً وزجراً، لأن المقصود بالصلاة إظهار الخشوع والخضوع ‏والتعظيم لله تعالى، والقهقهة تنافي ذلك فناسب انتقاض وضوئه زجراً له.‏
فهي ليست حدثاً وإلا لاستوى فيه جميع الأحوال مع أنها مخصوصة بأن تكون في ‏الصلاة الكاملة من مصل بالغ.‏
أكل لحم الجزور "الإبل":‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء كأكل سائر الأطعمة لما ‏روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل" رواه ‏الدارقطني ولما روى جابر قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ‏الوضوء مما مسته النار) رواه أبو داود، ولأنه مأكول أشبه سائر المأكولات في عدم النقض، ‏والأمر بالوضوء فيه محمول على الاستحباب أو الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين.‏
وصرح الحنابلة بأن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال نيئاً ومطبوخاً، عالماً ‏كان الآكل أو جاهلاً. لقوله عليه الصلاة والسلام: "توضئوا من لحوم الإبل ولا تتوضئوا من لحوم ‏الغنم". رواه أبو داود.‏
وقالوا: إن وجوب الوضوء من أكل لحم الجزور تعبدي لا يعقل معناه فلا يتعدى إلى ‏غيره، فلا يجب الوضوء بشرب لبنها، ومرق لحمها، وأكل كبدها وطحالها وسنامها وجلدها ‏وكرشها ونحوه.‏

غسل الميت:‏
ذهب جمهور الفقهاء وهو قول بعض الحنابلة: إلى عدم وجوب الوضوء بتغسيل الميت، ‏لأن الوجوب يكون من الشرع، ولم يرد في هذا نص فبقي على الأصل. ولأنه غسل آدمي فأشبه ‏غسل الحي، وما روي عن أحمد في هذا محمول على الاستحباب.‏
ويرى أكثر الحنابلة أن من غسل الميت أو بعضه ولو في قميص يجب عليه الوضوء ‏سواء أكان المغسول صغيراً أم كبيراً، ذكراً أم أنثى، مسلماً أم كافراً. لما روي عن ابن عمر وابن ‏عباس رضي الله عنهم أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء، ولأن الغالب فيه أنه لا يسلم أن ‏تقع يده على فرج الميت فتقام مظنة ذلك مقام حقيقته كما أقيم النوم مقام الحدث.‏
الردة:‏
الردة - وهي الإتيان بما يخرج من الإسلام بعد تقرره - حدث حكمي تنقض الوضوء عند ‏الحنابلة المالكية، فالمرتد إذا عاد إلى الإسلام ورجع إلى دين الحق فليس له الصلاة حتى يتوضأ ‏وإن كان متوضئاً قبل ردته ولم ينقض وضوءه بأسباب أخرى.‏
لقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ‏والطهارة عمل.‏
ولم يعد الحنفية والشافعية الردة من أسباب الحدث فلا ينقض الوضوء بها عندهم لقوله ‏تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} ‏‏[البقرة: 217] فشرط الموت بعد الردة لحبوط العمل - كما قال ابن قدامة.‏
الشك في الحدث:‏
ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الشك لا يجب به الوضوء. فلو ‏أيقن بالطهارة (أي علم سبقها) وشك في عروض الحدث بعدها فهو على الطهارة، ومن أيقن ‏بالحدث وشك في الطهارة فهو على الحدث، لأن اليقين لا يزول بالشك، والأصل في ذلك ما ورد ‏عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم ‏لم يخرج فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" رواه مسلم.‏
ولو تيقنهما ولم يعلم الآخر منهما، مثل من تيقن أنه كان في وقت الظهر متطهراً مرة ‏ومحدثاً أخرى ولا يعلم أيهما كان لاحقاً يأخذ بضد ما قبلهما عند الحنابلة وعند الشافعية، وعلى ‏ذلك فإن كان قبلهما محدثاً فهو الآن متطهر لأنه تيقن الطهارة وشك في تأخر الحدث عنها ‏والأصل عدم تأخره، وإن كان قبلهما متطهراً فهو الآن محدث، لأنه تيقن الحدث وشك في تأخر ‏الطهارة عنه، والأصل عدم تأخرها، فإن لم يعلم ما قبلهما لزمه الوضوء لتعارض الاحتمالين من ‏غير مرجح.‏
أما المالكية فقد صرحوا بنقض الوضوء بشك في حدث بعد طهر عُلِمَ، فإن أيقن ‏بالوضوء ثم شك فلم يدر أحدث بعد الوضوء أم لا فليعد وضوءه إلا أن يكون الشك مستنكحاً ‏‏(الشك المستنكح هو الذي يأتي كل يوم ولو مرة). فمن شك أثناء صلاته هل هو على وضوء أم لا ‏فتمادى على صلاته وهو على شكه ذلك، فلما فرغ من صلاته استيقن أنه على وضوئه فإن ‏صلاته مجزئة، لأنه دخل في الصلاة بطهارة متيقنة، فلا يؤثر فيها الشك الطارئ. أما إذا طرأ ‏عليه الشك في طهارته قبل دخوله في الصلاة فوجب ألا يدخل في الصلاة إلا على طهارة متيقنة. ‏وينتقض الوضوء عندهم أيضاً بشك في السابق من الوضوء والحدث سواء كانا محققين أو ‏مظنونين أو مشكوكين أو أحدهما محققاً أو مظنوناً والآخر مشكوكاً أو أحدهما محققاً والآخر ‏مظنوناً.‏
وعند الحنفية أنه لو تيقنهما وشك في السابق فهو متطهر ولو شك في بعض وضوئه - ‏وهو أول ما شك - غسل الموضع الذي شك فيه لأنه على يقين من الحدث فيه، وإن صار الشك ‏في مثله عادة له بأن يعرض له كثيراً لم يلتفت إليه، لأنه من باب الوسوسة فيجب قطعها . لقول ‏النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليتَيْه فلا يتصرف حتى يسمع ‏صوتاً أو يجد ريحاً، رواه البيهقي.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:13 PM
وضوء المعذور:‏
ينتقض الوضوء بالخارج من أحد السبيلين إذا كان خروجه في حال الصحة، فإن كان في ‏حال المرض كان معذوراً.‏
والمعذور كما عرفه الحنفية: من به سلس بول لا يمكنه إمساكه، أو استطلاق بطن، أو ‏انفلات ريح أو رعاف دائم أو نزف دم جرح، أو استحاضة، وكذا كل ما يخرج بوجع ولو من ‏أذن وثدي وسرة، من دم أو قيح أو صديد، أو ماء الجرح والنفطة، وماء البثرة، والثدي والعين ‏والأذن.‏
وأحكام وضوء المعذور وصلاته تحتاج لتفصيل بين المذاهب.‏
‏1- مذهب الحنفية:‏
ضابط المعذور: هو - في ابتداء الأمر - من يستوعب عذره تمام وقت صلاة مفروضة، ‏بأن لا يجد في جميع وقتها زمناً يتوضأ، ويصلي فيه خالياً عن الحدث، كأن يستمر تقاطر بوله ‏مثلاً من ابتداء الظهر إلى العصر. فإن أصبح متصفاً بهذه الصفة، كفى وجوده في جزء من ‏الوقت ولو مرة، كأن يرى الدم مرة فقط في وقت العصر، بعد استمراره في وقت الظهر، ولا ‏يصبح معافى إلا إذا انقطع عنه وقت صلاة كامل، أي أن شرط ثبوت العذر في مبدأ الأمر : هو ‏استيعابه جميع الوقت. وشرط دوامه: وجوده في كل وقت بعد ذلك، ولو مرة واحدة، ليعلم بها ‏بقاؤه. وشرط انقطاعه وعدم اتصافه بوصف المعذور: خلو وقت صلاة كامل عنه، كأن ينقطع ‏طوال وقت العصر مثلاً.‏
وحكمه: أنه يتوضأ لوقت كل فرض، لا لكل فرض ونفل، لقوله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة" ويقاس عليها سائر ذوي الأعذار. ويصلي بهذا الوضوء ما ‏شاء من الفرائض والنوافل، ويبقى وضوءه ما دام باقياً بشرطين: أن يتوضأ لعذره، ولم يطرأ ‏عليه حدث آخر كخروج ريح أو سيلان دم من موضع آخر.‏
ويبطل وضوء المعذور بخروج وقت الصلاة المفروضة فقط، فإن توضأ بعد طلوع ‏الشمس لصلاة العيد، ودخل وقت الظهر، فإن وضوءه لا ينتقض، لأن دخول وقت الظهر ليس ‏ناقضاً، وكذا خروج وقت العيد ليس ناقضاً، لأنه ليس وقت صلاة مفروضة، بل هو وقت مهمل، ‏وصلاة العيد بمنزلة صلاة الضحى، وهذا يعني أنه يصح في هذه الحالة فقط وضوء المعذور قبل ‏دخول الوقت (وقت الظهر) ليتمكن من الأداء عند دخول الوقت، وأنه يبطل وضوء المعذور ‏بخروج الوقت لا بدخوله. فإذا خرج الوقت بطل وضوء المعذور واستأنف الوضوء لصلاة ‏أخرى.‏
أما إن توضأ قبل طلوع الشمس، فإنه ينتقض بطلوعها لخروج وقت الفريضة. وكذلك ‏ينتقض وضوءه إن توضأ بعد صلاة الظهر ثم دخل وقت العصر، لخروج وقت الظهر.‏
وعلى المعذور أن يخفف عذره بالقدر المستطاع، كالحفاظ للمستحاضة، والقعود في أثناء ‏الصلاة إن كانت الحركة أو القيام تؤدي إلى السيلان. ويستحب للرجل أن يحتشي إن رابه ‏الشيطان، ويجب إن كان لا ينقطع إلا به.‏
ولا يجب على المعذور غسل ما يصيب ثوبه أكثر من قدر الدرهم إذا اعتقد أنه لو غسله ‏تنجس بالسيلان قبل الفراغ من الصلاة. فإن لم يتنجس قبل فراغه من الصلاة، وجب عليه غسله.‏
‏2- مذهب المالكية:‏
السلس: هو ما يسيل بنفسه لانحراف الطبيعة بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو مذياً، ومنه دم ‏الاستحاضة. وذلك إذا لم ينضبط، ولم يقدر على التداوي. فإن انضبط بأن جرت عادته أن ينقطع ‏آخر الوقت، وجب عليه تأخير الصلاة لآخره، وإن كان ينقطع أو الوقت وجب عليه تقديم الصلاة. ‏وإن قدر على التداوي أو التزوج وجب عليه ذلك، واغتفر له زمن التداوي والتزوج.‏
فلا يكون السلس من طول العزوبة، وإنما من اختلال المزاج، أو من برودة وعلة.‏
ولا ينتقص الوضوء عند المالكية إن خرج البول والمذي على وجه السلس الملازم : ‏وهو أن يلازمه نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر، أو كل الزمن. لكن يندب الوضوء إذا لم يعم ‏الزمن.‏
وينتقض وضوء السلس: إذا بال البول المعتاد، أو أمذى بلذة معتادة بأن حدث كلما نظر ‏أو تفكر. ويعرف ذلك: بأن البول المعتاد يكثر ويمكن إمساكه، وأن المذي المعتاد يكون بشهوة.‏
كما ينتقض وضوء السلس: إن لازمه أقل الزمان.‏
وإذا لم ينتقض وضوء السلس، فله أن يصلي به ما شاء إلى أن يوجد ناقض غيره، لكن ‏يستحب لصاحب السلس والمستحاضة: أن يتوضآ لكل صلاة، ولا يجب عليهما.‏
‏ ‏
‏3- مذهب الحنابلة:‏
لا ينتقض وضوء المبتلى صاحب الحدث الدائم بسلس بول وكثرة مذي ونزف الدم ‏وانقلاب ريح ونحوها كالمستحاضة. وذلك إذا دام حدثه، ولم ينقطع زمناً من وقت الصلاة بحيث ‏يسعها مع الطهارة. فإن انقطع حدثه زمناً يسع الصلاة والطهارة، وجب عليه أداء الصلاة فيه.‏
لكن عليه الوضوء إن خرج منه شيء من حدثه الدائم لكل صلاة، بعد غسل محل الحدث، ‏وشدِّه، والتحرز من خروج الحدث بما يمكنه، ولا يصح وضوءه إلا بعد دخول وقت الصلاة لقول ‏النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: "توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت" ‏رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وفي لفظ: "توضئي لوقت كل صلاة" رواه الترمذي ولأنها ‏طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم، فإن توضأ قبل دخول الوقت وخرج منه شيء ‏بطلت طهارته.‏
ويجوز للمستحاضة وغيرها الجمع بين فرضي الصلاتين بوضوء واحد، لأن النبي صلى ‏الله عليه وسلم "أمر حَمْنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد" رواه الترمذي وأمر به ‏سهلة بنت سهيل، ولبقاء وضوئها إلى آخر الوقت، وكالمتيمم وأولى. ولو زال العذر كأن انقطع ‏دم المستحاضة وقتاً يسع الوضوء والصلاة، بطلت الطهارة ويلزم استئنافها لأنه صار بهذا ‏الانقطاع في حكم من حدثه غير دائم.‏
وكيفية إعداد المعذور للوضوء هي: أن تغسل المستحاضة المحل ثم تحشوه بقطن أو ‏نحوه ليرد الدم. ومن به سلس البول أو كثرة المذي: يعصب رأس ذكره بخرقة ويحترس حسبما ‏يمكنه. بشرط عدم الضرر.‏
وكذلك يفعل من به ريح أو نزف دم يعصب المحل. فإن كان مما لا يمكن عصبه مثل من ‏به جرح لا يمكن شده، أو باسور، أو ناسور لا يتمكن من عصبه، صلى على حسب حاله، كما ‏روي عن عمر رضي الله عنه "أنه حين طعن، صلى وجرحه يثْعَب دماً" أي يتفجر.‏
وينوي المعذور استباحة الصلاة ولا يكفيه نية رفع الحدث لأنه دائم الحدث.‏
‏4- مذهب الشافعية:‏
صاحب السلَس الدائم من بول أو مذي أو غائط أو ريح، والمستحاضة، يغسل الفرج ثم ‏يحشوه إلا إذا كان صائماً، أو تأذت المستحاضة به، فأحرقها الدم فلا يلزم الحشو حينئذ، ثم ‏يعصِب.‏
ثم يتوضأ أو يتيمم عقب ذلك فوراً، أي أنه تجب الموالاة بين الأفعال من عصب ‏ووضوء، يفعل كل ذلك بعد دخول وقت الصلاة، لأنه طهارة ضرورة، فلا تصح قبل الوقت ‏كالتيمم.‏
ثم يبادر وجوباً إلى الصلاة تقليلاً للحدث، فلو أخر لمصلحة الصلاة كستر العورة، وأذان ‏وإقامة، وانتظار جماعة، واجتهاد في قبلة وذهاب إلى مسجد، وتحصيل سترة، لم يضر، لأنه لا ‏يعد بذلك مقصراً، وإلا كأن أخر لا لمصلحة الصلاة كأكل وشرب وغزل وحديث، فيضر ‏التأخير، فيبطل الوضوء، وتجب إعادته وإعادة الاحتياط لتكرر الحدث والنجس مع إمكان ‏الاستغناء عنه.‏
وتجب الطهارة وتجديد العصابة، والوضوء لكل فرض ولو منذوراً، كالمتيمم لبقاء ‏الحدث، ويصلي به ما شاء من النوافل فقط، وصلاة الجنازة لها حكم النافلة، لقول النبي صلى الله ‏عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: "توضئي لكل صلاة" ولو زال العذر وقتاً يسع الوضوء ‏والصلاة، كانقطاع الدم مثلاً، وجب الوضوء، وإزالة ما على الفرج من الدم ونحوه.‏
وسلس المني: يلزمه الغسل لكل فرض.‏
ولو استمسك الحدث بالجلوس في الصلاة، وجب بلا إعادة.‏
ولا يجوز للسلس: أن يعلق قارورة يقطر فيها بوله.‏
وينوي المعذور استباحة الصلاة، لا رفع الحدث لأنه دائم الحدث، لا يرفعه وضوءه، ‏وإنما يبيح له العبادة، كما قال الحنابلة.‏
وبه يتبين أن مذهبي الشافعية والحنابلة متفقان في أحكام وضوء المعذور، إلا أن ‏الحنابلة ومثلهم الحنفية قالوا: يجوز بالوضوء الواحد صلاة أكثر من فرض في الوقت، لأن ‏الواجب عندهم الوضوء لوقت كل صلاة. ولم يجز الشافعية الصلاة به إلا فرضاً واحداً، لأن ‏الواجب عندهما تجديد الوضوء لكل فرض.‏
واتفق الجمهور (غير المالكية) على وجوب تجديد وضوء المعذور، وقال المالكية ‏باستحباب الوضوء فقط. والوضوء يكون بعد دخول الوقت عند الشافعية والحنابلة، وفي غير ‏صلاة الظهر عند الحنفية، أما صلاة الظهر فيجوز تقديم الوضوء لها على دخول الوقت، لسبقها ‏بوقت مُهْمل.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:14 PM
ما يحرم بالحدث الأصغر أو ما يمنع منه غير المتوضئ:‏
يحرم بالحدث الأصغر ثلاثة أمور: الصلاة ونحوها، والطواف، ومس المصحف ‏وتوابعه، على تفصيل بين المذاهب.‏
‏1- الصلاة ونحوها: يحرم على المحدث غير المتوضئ الصلاة فرضاً أو نفلاً، ونحوها، ‏كسجود التلاوة، وسجود الشكر، وخطبة الجمعة، وصلاة الجنازة. لقوله صلى الله عليه وسلم : "لا ‏يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" متفق عليه "لا صلاة لمن لا وضوء له ..." رواه ‏أبو داود وابن ماجه وأحمد.‏
‏2- الطواف بالبيت الحرام فرضاً أو نفلاً، لأنه صلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير". رواه الحاكم ‏والبيهقي.‏
إلا أن الحنفية جعلوا الطهارة للطواف واجباً لا شرطاً في صحته، فيصح مع الكراهة ‏التحريمية الطواف محدثاً، لأن الطواف بالبيت شبيه بالصلاة بنص الحديث السابق، ومعلوم أنه ‏ليس بصلاة حقيقة، فلكونه طوافاً حقيقة يحكم بالجواز، ولكونه شبيهاً بالصلاة يحكم بالكراهة.‏
‏3- مس المصحف كله أو بعضه ولو آية: والمحرم هو لمس الآية ولو بغير أعضاء ‏الطهارة لقوله تعالى:{لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] أي المتطهرون، وهو خبر بمعنى ‏النهي، ولقوله صلى الله عليه وسلم : "لا يمس القرآن إلا طاهر" رواه أبو داود والنسائي، ولأن ‏تعظيم القرآن واجب، وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلَّها الحدث. واتفق الفقهاء على أن ‏غير المتوضئ يجوز له تلاوة القرآن أو النظر إليه دون لمسه، كما أجازوا للصبي لمس القرآن ‏للتعلم، لأنه غير مكلف، والأفضل التوضؤ.‏
وقد حرم المالكية والشافعية مس القرآن بالحدث الأصغر ولو بحائل أو عود، وأجاز ‏الحنفية والحنابلة مسه بحائل أو عود طاهرين.‏
وهذه عبارات الفقهاء :‏
قال الحنفية : يحرم مس المصحف كله أو بعضه أي مس المكتوب منه، ولو آية على ‏نقود (درهم ونحوه) أو جدار، كما يحرم مس غلاف المصحف المتصل به، لأنه تبع له، فكان ‏مسه مساً للقرآن، ولا يحرم مس الغلاف المنفصل عن القرآن كالكيس والصندوق، ويجوز مسه ‏بنحو عود أو قلم أو غلاف منفصل عنه، ويكره لمسه بالكم تحريماً لتبعيته للابس.‏
ولا يجوز لغير المسلم مس المصحف ويجوز له تعلمه وتعلم الفقه ونحوه، ويجوز للصبي ‏مس القرآن أو لوح منه للضرورة من أجل التعلم والحفظ. ولا تحرم كتابة آية على ورقة، لأن ‏المحرم هو مس المكتوب باليد، أما القلم فهو واسطة منفصلة، كالثوب المنفصل الذي يمس به ‏القرآن، لأن المفتى به جواز مس المصحف بغلاف منفصل أو بصرة.‏
ولا يكره مس كتب التفسير إن كان التفسير أكثر، ويكره المس إن كان القرآن أكثر من ‏التفسير أو مساوياً له.‏
ولا مانع من مس بقية الكتب الشرعية من فقه وحديث وتوحيد بغير وضوء، والمستحب ‏له ألا يفعل. كما لا مانع من لمس الكتب السماوية الأخرى المبدلة، لكن يكره قراءة توارة وإنجيل ‏وزبور، لأن الكل كلام الله، وما بدل منها غير معين.‏
ويجوز قربان المرأة في بيت فيه مصحف مستور، ويكره وضع المصحف تحت رأسه ‏إلا للحفظ. ويكره لف شيء في ورق فيه فقه ونحوه من علوم الشرع. ويدفن المصحف كالمسلم ‏إذا صار بحال لا يقرأ فيه، ولا بأس أن تدفن كتب الشرع، أو تلقى في ماء جارٍ، أو تحرق، ‏والأول أحسن. ويجوز محو بعض الكتابة ولو قرآناً بالريق، ويجوز حمل الحجب المشتملة على ‏آيات قرآنية ودخول الخلاء بها ومسها ولو للجنب إذا كانت محفوظة بغلاف منفصل عنها ‏كالمشمع ونحوه.‏
وقال المالكية : يمنع المحدث حدثاً أصغر من مس مصحف أو جزئه، أو كتَبْه، أو حمله ‏ولو بعلاقة أو ثوب أو وسادة، أو كرسي تحته، ولو كان المس بحائل أو عود، أو كان الحمل مع ‏أمتعة أخرى غير مقصودة بالحمل. أما إن قصد حمل الأمتعة وفيها قرآن تابع لها كصندوق ‏ونحوه، فيجوز الحمل، أي إن قصد المصحف فقط أو قصده مع الأمتعة حرم الحمل، وإن قصد ‏الأمتعة بالحمل جاز.‏
ويجوز المس والحمل لمعلم ومتعلم بالغ، وإن كان حائضاً أو نفساء، لعدم قدرتهما على ‏إزالة المانع، ولا يجوز ذلك للجنب لقدرته على إزالة المانع بالغسل أو التيمم.‏
وقال الشافعية : يحرم حمل المصحف ومس ورقه وحواشيه، وجلده، المتصل به (لا ‏المنفصل عنه)، ووعائه وعلاقته، وصندوقه، وما كتب من الألواح لدارس قرآن، ولو بخرقة، أو ‏بحائل. ويحل حمل القرآن في أمتعة لا بقصده، وحمل التفسير الأكثر منه، أما إذا كانا متساويين ‏أو كان القرآن أكثر فلا يجوز، ويجوز حمل كتب العلم الأخرى غير التفسير المشتملة على آيات ‏قرآنية.‏
ويباح قلب ورقه بعود. ولا يمنع الصبي المميز من حمله ومسه للدراسة.‏
ويجوز حمل التمائم، وما على النقد، وما على الثياب المطرزة بالآيات القرآنية ككسوة ‏الكعبة لأنه لم يقصد به القرآن.‏
ويجوز للمحدث كتابة القرآن بدون مس.‏
ويحرم وضع شيء على المصحف كخبز وملح، لأن فيه إزراء وامتهاناً له. ويحرم ‏تصغير المصحف والسورة لما فيه من إيهام النقص، وإن قصد به التعظيم.‏
وقال الحنابلة : يحرم مس المصحف ولو آية منه، بشيء من جسده، ويجوز مسه بحائل ‏أو عود طاهرين، وحمله بعلاقة أو وعاء، ولو كان المصحف مقصوداً بالحمل، وكتابته ولو لذمي ‏من غير مس، وحمله بحرز ساتر طاهر.‏
ولا يجوز لولي الصبي تمكينه من مس المصحف أو لوح الدرس القرآني ولو للحفظ أو ‏التعلم، ما دام الصبي محدثاً، أي أن حرمة مس القرآن إلا بطهارة تشمل عندهم الصبي.‏
ويجوز مس كتب التفسير والفقه وغيرها وإن كان فيها آيات من القرآن، بدليل "أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر كتاباً فيه آية" متفق عليه. ويجوز في أرجح الوجهين : مس ‏الدراهم المكتوب عليها القرآن، والثوب المرقوم بالقرآن، لأنها لا تسمى قرآناً، ولأن في الاحتراز ‏منها مشقة، فأشبهت ألواح الصبيان على أحد الوجهين.‏
وإن احتاج المحدث إلى مس المصحف عند عدم الماء، تيمم وجاز مسه.‏
ويمنع الكافر (الذمي أو غيره) من مس القرآن ومن قراءته ومن تملكه ويمنع المسلم من ‏تمليكه له، ويحرم بيع المصحف ولو لمسلم، ويحرم توسد المصحف والوزن به والاتكاء عليه أو ‏على كتب العلم التي فيها القرآن. فإن لم يكن فيها القرآن، كره توسدها والوزن بها والاتكاء عليها، ‏إلا إن خاف عليها سرقة، فلا بأس أن يتوسدها للحاجة.‏
والخلاصة : أنه وقع الإجماع ما عدا داود الظاهري على أنه لا يجوز للمحدث حدثاً أكبر ‏أن يمس المصحف. وأما المحدث حدثاً أصغر فلم تدل الأدلة قطعاً على منعه من مس القرآن، لكن ‏أكثر الفقهاء على أنه لا يجوز له. وأجاز ابن عباس مس الصحف. والظاهر أن المراد من آية "لا ‏يمسه إلا المطهرون" [الواقعة : 79] هو اللوح المحفوظ، والمطهرون : الملائكة، فإن لم يكن ‏ظاهراً فهو احتمال، كاحتمال أن المراد من كلمة "طاهر" في الحديث "لا يمس القرآن إلا طاهر" ‏‏: هو المؤمن، والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر، ومن ليس على بدنه نجاسة.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:15 PM
السواك:‏
تعريفه، حكمه، كيفيته، فوائده
تعريف السواك:‏
السواك لغة: الدلك وآلته. وشرعاً: استعمال عود أو نحوه كأشنان وصابون، في الأسنان ‏وما حولها، ليذهب الصفرة وغيرها عنها.‏
حكم السواك:‏
السواك من سنن الفطرة (أي من السُّنَّة أو من الدين)، لأنه سبب لتطهير الفم وموجب ‏لرضا الله على فاعله، قال عليه السلام: "السواك مَطْهرة للفم، مَرْضاة للرب" رواه النسائي ‏وأحمد، وهو يدل على مطلق شرعيته دون تخصيص بوقت معين، ولا بحالة مخصوصة، فهو ‏مسنون في كل وقت. وهو من السنن المؤكدة، وليس بواجب في حال من الأحوال، لقوله صلى الله ‏عليه وسلم: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" وفي رواية لأحمد: ‏‏"لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء" قال بعض الفقهاء: اتفق العلماء على أنه سنة مؤكدة لحث ‏الشارع ومواظبته عليه، وترغيبه وندبه إليه.‏
وحكمه عند الفقهاء أنه سنة عند الحنفية لكل وضوء عند المضمضة، ومن فضائل ‏الوضوء قبل المضمضة عند المالكية، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي ‏لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" رواه النسائي إلا أنه إذا نسيه عند المضمضة في الوضوء ‏فيندب للصلاة. وهو لدى الشافعية والحنابلة سنة مستحبة عند كل صلاة، لحديث أبي هريرة ‏السابق برواية الجماعة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" وسنة أيضاً ‏عند الوضوء بعد غسل الكفين وقبل المضمضة ولتغير الفم أو الأسنان، بنوم أو أكل أو جوع أو ‏سكوت طويل أو كلام كثير، لحديث حذيفة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ‏يشوص فاه بالسواك" رواه الترمذي والنسائي أي يدلكه بالسواك، وقيس بالنوم غيره بجامع ‏التغير.‏
وكما أنه يتأكد للصلاة ولتغير الفم واصفرار الأسنان، يتأكد أيضاً لقراءة قرآن، أو حديث ‏شرعي، ولعلم شرعي، ولذكر الله تعالى، ولنوم ويقظة، ولدخول منزله، وعند الاحتضار، وفي ‏السحر، وللأكل، وبعد الوتر، وللصائم قبل الظهر. وأضاف الشافعية: ويسن التخلل قبل السواك ‏وبعده ومن آثار الطعام.‏
وأدلة ذلك: ما روى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن عائشة : " كان النبي صلى الله ‏عليه وسلم إذا دخل بيته بدأ بالسواك" وروى ابن ماجه عن أبي أمامة : "إني لأستاك، حتى لقد ‏خشيت أن أُحفي مقادم فمي" وعن عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرقد من ليل ‏أو نهار، فيستيقظ، إلا تسوك، قبل أن يتوضأ" رواه أبو داود وأحمد ولأن النوم والأكل ونحوهما ‏يغير رائحة الفم، والسواك مشروع لإزالة رائحته وتطييبه.‏
ويكره عند الشافعية والحنابلة: السواك للصائم بعد الزوال أي من وقت صلاة الظهر ‏إلى أن تغرب الشمس، لخبر الصحيحين: "لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" ‏وأطيبية الخلوف تدل على طلب إبقائه، فكرهت إزالته، وتزول الكراهة بالغروب، لأنه ليس ‏بصائم الآن، واختصاصه بما بعد الزوال لأن تغير الفم بالصوم إنما يظهر حينئذ.‏
ولا يكره عند المالكية والحنفية السواك للصائم مطلقاً لعموم الأحاديث السابقة الدالة على ‏استحباب السواك، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من خير خصال الصائم السواك" رواه ابن ‏ماجه وقال ربيعة بن عامر: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك، وهو ‏صائم". رواه الترمذي وأحمد.‏
كيفيته وأداته:‏
يستاك الشخص بيده اليمنى مبتدئاً بالجانب الأيمن، عرضاً في الأسنان (أي ظاهراً ‏وباطناً) من ثناياه إلى أضراسه، ويذهب إلى الوسط ثم الأيسر، وطولاً في اللسان، لحديث عائشة ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يحب التيامن في تنعله وترجله وطُهوره، وفي شأنه كله" ‏متفق عليه، ولخبر: "إذا استكتم فاستاكوا عرضاً" رواه أبو داود، ويجزئ الاستياك في الأسنان ‏طولاً، لكن مع الكراهة، لأنه قد يدمي اللثة، ويفسد لحم الأسنان.‏
وقال الحنابلة : يبدأ من أضراس الجانب الأيمن بيساره. ويحصل الاستياك بعود ليِّن من ‏نخل أو غيره، ينقي الفم، ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه كالأراك والفرشاة، والأفضل أن ‏يكون من أراك، ثم من النخل، ثم ذو الريح الطيب ثم اليابس المندى بالماء، ثم العود. ولا يكره ‏بسواك الغير إذا أذن وإلا حرم، روى أبو داود عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم يستنُّ، وعنده رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فأُوحي إليه في فضل السواك (أن كبِّر) أعط ‏السواك أكبرهما".‏
ويحصل أيضاً بالإصبع عند عدم السواك في رأي الحنفية والمالكية، قال علي رضي الله ‏عنه: التشويص بالمُسبِّحة والإبهام سواك، وروى البيهقي وغيره من حديث أنس يرفعه: "يجزي ‏من السواك الأصابع" رواه الدارقطني وروى الطبراني عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت: ‏يا رسول الله، الرجل يذهب فوه، يستاك ؟ قال: نعم، كيف يصنع ؟ قال: يدخل أصبعه في فيه، ‏فيدلكه".‏
ولا يحصل السواك بالأصبع في الأصح عند الشافعية، والحنابلة، كما لا يحصل بخرقة ‏عند الحنابلة، ويصح بكل خشن عند الشافعية، لأن استعمال الإصبع لا يسمى استياكاً، ولم يرد ‏الشرع به، ولا يتحقق به الإنقاء الحاصل بالعود.‏
ويغسل السواك بالماء بعد استعماله ليزيل ما عليه، قالت عائشة : "كان نبي الله صلى الله ‏عليه وسلم يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه". رواه أبو ‏داود
ولا يتسوك ولا يتخلل بما يجهله، لئلا يتضرر منه.‏
ويقول إذا استاك: "اللهم طهر قلبي، ومحِّص ذنوبي".‏
وقال بعض الشافعية: وينوي به الإتيان بالسنة.‏
ولا يكره السواك في المسجد، لعدم الدليل الخاص بالكراهة.‏
ويكره أن يزيد طول السواك على شبر، روى البيهقي عن جابر قال: "كان موضع سواك ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم موضع القلم من أذن الكاتب".‏
فوائد السواك:‏
ذكر العلماء من فوائد السواك: أنه يطهر الفم، ويرضي الرب، ويبيض الأسنان، ويطيب ‏النكهة، ويسوِّي الظهر، ويشد اللثة، ويبطئ الشيب، ويصفي الخلقة، ويذكي الفطنة، ويضاعف ‏الأجر، ويسهل النزع، ويذكر الشهادة عند الموت. ونحو ذلك، مما يصل إلى بضع وثلاثين ‏فضيلة.‏
ويوصي الأطباء المعاصرون باستعمال السواك لمنع نخر الأسنان، والقَلَح (الطبقة ‏الصفراء على الأسنان)، والتهابات اللثة والفم، ومنع الاختلاطات العصبية والعينية والتنفسية ‏والهضمية، بل ومنع ضعف الذاكرة وبلادة الذهن، وشراسة الأخلاق.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:16 PM
المسح على الخفين
تعريف المسح على الخفين:‏
هو إصابة اليد المبتلة بالماء لخف ساتر الكعبين فأكثره من جلد ونحوه ظاهر الخفين لا باطنهما ‏ليوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمالكية، ولم يحدد المالكية مدة المسح.‏
حكم المسح على الخفين:‏
هو رخصة، وجائز في المذاهب الإسلامية الأربعة، في الحضر والسفر للرجال والنساء.‏
شروط المسح على الخفين:‏
هناك شروط ثلاثة متفق عليها فقهاً، وشروط مختلف فيها بين الفقهاء، ومن المعلوم أنها ‏جميعاً شروط في المسح لأجل الوضوء، أما من أجل الجنابة فلا يجوز المسح، أي فلا يجوز ‏المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل، لحديث صفوان بن عسال المتقدم: "أمرنا النبي صلى ‏الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين، إذا نحن أدخلناهما على طهر، ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة ‏إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولا نخلعهما إلا من جنابة".‏
الشروط المتفق عليها: اتفق الفقهاء على اشتراط شروط ثلاثة في المسح على الخفين ‏لأجل الوضوء وهي ما يأتي:‏
‏1- لبسهما على طهارة كاملة: لحديث المغيرة السابق، قال: "كنت مع النبي صلى الله ‏عليه وسلم في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما" ‏متفق عليه، واشترط الجمهور أن تكون تلك الطهارة بالماء، وأجاز الشافعية: أن تكون الطهارة ‏بالماء من وضوء أو غسل، أو بالتيمم لا لفقد الماء.‏
وقد جعل المالكية هذا الشرط مشتملاً على شروط خمسة في الماسح هي:‏
الأول- أن يلبس الخف على طهارة، فإن لبسه محدثاً، لم يصح المسح عليه.‏
الثاني- أن تكون الطهارة مائية، لا ترابية، وهذا شرط عند الجمهور غير الشافعية فإن ‏تيمم ثم لبس الخف، لم يكن له المسح عند الجمهور، لأنه لبسه على طهارة غير كاملة، ولأنها ‏طهارة ضرورة بطلت من أصلها، ولأن التيمم لا يرفع الحدث، فقد لبسه وهو محدث. ‏
وقال الشافعية: إن كان التيمم لفقد الماء فلا يجوز المسح بعد وجود الماء، وإنما يلزمه إذا وجد ‏الماء نزع الخفين والوضوء الكامل. أما إن كان التيمم لمرض ونحوه، فأحدث فله أن يمسح على ‏الخف.‏
الثالث- أن تكون تلك الطهارة كاملة، بأن يلبسه بعد تمام الوضوء أو الغسل، الذي لم ‏ينتقض فيه وضوءه. فإن أحدث قبل غسل الرجل، لم يجز له المسح، لأن الرِجْل حدثت في ‏مقرها، وهو محدث، فصار كما لو بدأ اللبس وهو محدث.‏
والشرط عند الشافعية والحنابلة: أن تكون طهارة كاملة عند اللبس، أي لا بد من كمال ‏الطهارة جميعها وأما عند الحنفية: فالطهارة عند الحدث بعد اللبس أي لا يشترط كمال الطهارة، ‏وإنما المطلوب إكمال الطهارة. ويظهر أثر الخلاف فيما لو غسل المحدث رجليه أولاً، ولبس ‏خفيه، ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث، ثم أحدث، جاز له أن يمسح على الخفين عند الحنفية، ‏لوجود الشرط: وهو (لبس الخفين على طهارة كاملة وقت الحدث بعد اللبس). وعند الشافعية ‏والحنابلة: لا يجوز لعدم الطهارة الكاملة وقت اللبس، لأن الترتيب شرط عندهم، فكأن غسل ‏الرجلين مقدماً على الأعضاء الأُخرى، كأن لم يكن.‏
الرابع- ألا يكون الماسح مترفهاً بلبسه، كمن لبسه لخوف على حناء برجليه، أو لمجرد ‏النوم به، أو لكونه حاكماً، أو لقصد مجرد المسح، أو لخوف برغوث مثلاً، فلا يجوز له المسح. ‏لكن لو لبسه لحر أو برد أو وعر، أو خوف عقرب، ونحو ذلك، فيجوز له المسح.‏
الخامس- ألا يكون عاصياً بلبسه، كمُحرم بحج أو عمرة، لم يضطر للبسه، فلا يجوز له ‏المسح. أما المضطر للبسه، والمرأة، فيجوز لها المسح. والمعتمد عند المالكية والحنابلة ‏والشافعية: أنه يجوز المسح للعاصي بالسفر كالعاق والديه وقاطع الطريق. والضابط عند ‏المالكية: أن كل رخصة جازت في الحضر، كمسح خف وتيمم وأكل ميتة، تفعل في السفر، وكل ‏رخصة تختص بالسفر كقصر الصلاة وفطر رمضان تجوز في السفر لغير العاصي بسفره، أما ‏هو فلا يجوز له ذلك.‏
‏2- أن يكون الخف طاهراً، ساتراً المحل المفروض غسله في الوضوء: وهو القدم ‏بكعبيه من سائر الجوانب، لا من الأعلى، فلا يجوز المسح على خف غير ساتر الكعبين مع القدم، ‏كما لا يجوز المسح على خف نجس، كجلد الميتة قبل الدباغ عند الحنفية والشافعية، وكذلك بعد ‏الدباغ عند المالكية والحنابلة، لأن الدباغ عندهم غير مطهر، والنجس منهي عنه.‏
‏3- إمكان متابعة المشي فيه بحسب المعتاد: وتقدير ذلك محل خلاف، فقال الحنفية: أن ‏يكون الخف مما يمكن متابعة المشي المعتاد فيه فرسخاً فأكثر، فلا يجوز المسح على خف متخذ ‏من زجاج أو خشب أو حديد، أو خف رقيق يتخرق بالمشي. واشترطوا في الخفين: استمساكهما ‏على الرجلين من غير شد.‏
‏ ‏
والمعتبر عند المالكية: أن يمكن تتابع المشي فيه عادة، فلا يجوز المسح على خف واسع ‏لا تستقر القدم أو أكثرها فيه، وإنما ينسلت من الرجل عند المشي فيه.‏
والمقرر عند الأكثرين من الشافعية: أن يمكن التردد فيه لقضاء الحاجات، للمقيم سفر ‏يوم وليلة، وللمسافر: سفر ثلاثة أيام ولياليهن، وهو سفر القصر، لأنه بعد انقضاء المدة يجب ‏نزعه.‏
وانفرد الحنابلة برأي خاص هنا، فقالوا: إمكان المشي فيه عرفاً، ولو لم يكن معتاداً، ‏فجاز المسح على الخف من جلد ولبود وخشب، وزجاج وحديد ونحوها، لأنه خف ساتر يمكن ‏المشي فيه، فأشبه الجلود، وذلك بشرط ألا يكون واسعاً يرى منه محل الفرض، أي كما قال ‏الحنفية والمالكية.‏
الشروط المختلف فيها بين الفقهاء:‏
هناك شروط أخرى مقررة في المذاهب مختلف فيها وهي:‏
‏1- أن يكون الخف صحيحاً سليماً من الخروق: هذا شرط مفرع على الشرط الثالث ‏السابق، مشروط عند الفقهاء، لكنهم اختلفوا في مقدار الخرق اليسير المتسامح فيه.‏
فالشافعية والحنابلة: لم يجيزوا المسح على خف فيه خرق، ولو كان يسيراً، لأنه غير ‏ساتر للقدم، ولو كان الخرق من موضع الخرز، لأن ما انكشف حكمه حكم الغسل، وما استتر ‏حكمه المسح، والجمع بينهما لا يجوز، فغلب حكم الغسل، أي أن حكم ما ظهر الغسل، وما استتر ‏المسح، فإذا اجتمعا غلب حكم الغسل، كما لو انكشفت إحدى قدميه.‏
والمالكية والحنفية: أجازوا استحساناً ورفعاً للحرج المسح على خف فيه خرق يسير، ‏لأن الخفاف لا تخلو عن خرق في العادة، فيمسح عليه دفعاً للحرج. أما الخرق الكبير فيمنع صحة ‏المسح، وهو عند المالكية: ما لا يمكن به متابعة المشي، وهو الخرق الذي يكون بمقدار ثلث ‏القدم، سواء أكان منفتحاً أم ملتصقاً بعضه ببعض، كالشق وفتق خياطته، مع التصاق الجلد بعضه ‏ببعض. وإن كان الخرق دون الثلث ضر أيضاً إن انفتح، بأن ظهرت الرجل منه، لا إن التصق. ‏ويغتفر الخرق اليسير جداً بحيث لا يصل بلل اليد حال المسح لما تحته من الرجل.‏
والخرق الكبير عند الحنفية: هو بمقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع القدم.‏
‏2- أن يكون الخف من الجلد: هذا شرط عند المالكية، فلا يصح المسح عندهم على خف ‏متخذ من القماش، كما لا يصح عندهم المسح على الجورب: وهو ما صنع من قطن أو كتان أو ‏صوف، إلا إذا كسي بالجلد، فإن لم يجلَّد، فلا يصح المسح عليه. وكذلك قال الشافعية : لا يجزئ ‏المسح على منسوج لا يمنع نفوذ الماء إلى الرجل من غير محل الخرز، لو صب عليه لعدم ‏صفاقته.‏
واشترط المالكية أيضاً أن يكون الخف مخروزاً، لا إن لزق بنحو رسراس قصراً ‏للرخصة على الوارد.‏
وأجاز الجمهور غير المالكية: المسح على الخف المصنوع من الجلود، أو اللبود، أو ‏الخِرَق، أو غيرها، فلم يشترطوا هذا الشرط. ‏
واشترط الحنفية والشافعية: أن يكون الخف مانعاً من وصول الماء إلى الجسد، لأن الغالب في ‏الخفاف أنها تمنع نفوذ الماء، فتنصرف إليها النصوص الدالة على مشروعية المسح.‏
المسح على الجوارب: أجاز الحنفية: المسح على الجوربين الثخينين بحيث يمشي به ‏اللابس فرسخاً فأكثر، ويثبت الجورب على الساق بنفسه، ولا يرى ما تحته، ولا يشف (يرق حتى ‏يرى ما وراءه).‏
وأجاز الحنابلة أيضاً المسح على الجورب الصفيق الذي لا يسقط إذا مشى فيه، أي ‏بشرطين:‏
أحدهما- أن يكون صفيقاً لا يبدو منه شيء من القدم.‏
الثاني- أن يمكن متابعة المشي فيه.‏
ويجب أن يمسح علن الجوربين وعلى سيور النعلين قدر الواجب.‏
وأجاز الشافعية والحنابلة المسح على الخف المشقوق القدم كالزربول الذي له ساق إذا ‏شد في الأصح بواسطة العرا، بحيث لا يظهر شيء من محل الفرض إذا مشى عليه.‏
‏3- أن يكون الخف مفرداً: وهذا شرط عند الشافعية فلا يجوز المسح على الجرموقين ‏‏(وهو ما يلبس فوق الخف).‏
وقال الحنفية والحنابلة والمالكية: يجزئ المسح على الجرموق فوق الخف، لقول بلال: ‏‏"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الجُرموق" رواه أبو داود وأحمد.‏
ولكن اشترط الحنفية لصحة المسح على الجرموق شروطاً ثلاثة هي:‏
الأول- أن يكون الأعلى جلداً، فإن كان غير جلد يصح المسح على الأعلى إن وصل ‏الماء إلى الأسفل.‏
الثاني- أن يكون الأعلى صالحاً للمشي عليه منفرداً، فإن لم يكن صالحاً لم يصح المسح ‏عليه إلا بوصول الماء إلى الأسفل.‏
الثالث- أن يلبس الأعلى على الطهارة التي لبس عليها الأسفل.‏
وأجاز الحنابلة المسح على الخف الأعلى قبل أن يحدث، ولو كان أحدهما مخروقاً، لا إن ‏كانا مخروقين.‏
‏4- أن يكون لبس الخف مباحاً: هذا شرط عند المالكية والحنابلة، فلا يصح المسح على ‏خف مغصوب، ولا على محرم الاستعمال كالحرير، وأضاف الحنابلة: ولو في ضرورة، كمن ‏هو في بلد ثلج، وخاف سقوط أصابعه بخلع الخف المغصوب أو الحرير، فلا يستبيح المسح عليه، ‏لأنه منهي عنه في الأصل، وهذه ضرورة نادرة، فلا حكم لها. ولا يجوز عند الحنابلة للمحرم ‏المسح على الخفين ولو لحاجة. وعند الشافعية: لا يشترط هذا الشرط، فيكفي المسح على ‏المغصوب، والديباج الصفيق، والمتخذ من فضة أو ذهب، للرجل وغيره، كالتيمم بتراب ‏مغصوب. ويستثنى من ذلك المحرم بنسك اللابس للخف، لأن المحرم منهي عن اللبس من حيث ‏هو لبس، أما النهي عن لبس المغصوب ونحوه فلأنه متعدٍ في استعمال مال الغير.‏
‏5- ألا يصف الخف القدم لصفائه أو لخفته: هذا شرط عند الحنابلة، فلا يصح المسح ‏على الزجاج الرقيق، لأنه غير ساتر لمحل الفرض، ولا على ما يصف البشرة لخفته.‏
والمطلوب عند المالكية أن يكون الخف من جلد كما بيّنا، وعند الحنفية والشافعية: أن ‏يكون مانعاً من نفوذ الماء إلى الرِجْل من غير محل الخرز، لو صب عليه، لعدم صفاقته، وبناء ‏عليه يصح المسح على خف مصنوع من "نايلون" سميك، ونحوه من كل شفاف، لأن القصد هو ‏منع نفوذ الماء.‏
‏6- أن يبقى من مقدم القدم قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد: اشترط الحنفية هذا ‏الشرط في حالة قطع شيء من الرجل، ليوجد المقدار المفروض من محل المسح. فإذا قطعت ‏رجل من فوق الكعب سقط غسلها ولا حاجة للمسح على خفها، ويمسح خف القدم الأخرى الباقية. ‏وإن بقي من دون الكعب أقل من ثلاث أصابع، لا يمسح لافتراض غسل الجزء الباقي. وعليه فمن ‏كان فاقداً مقدم قدمه لا يمسح على خفه ولو كان عقب القدم موجوداً، لأنه ليس محلاً لفرض ‏المسح، ويفترض غسله.‏
ويصح عند الفقهاء الآخرين المسح على خف أي جزء باق من القدم مفروض غسله، ‏فإذا لم يبق من محل الغسل شيء من الرجل، وصار برجل واحدة، مسح على خف الرجل ‏الأخرى. ولا يجوز بحال أن يمسح على رجل أو ما بقي منها، ويغسل الأخرى، لئلا يجمع بين ‏البدل والمبدل في محل واحد.‏
مدة المسح على الخفين:‏
للفقهاء رأيان في توقيت مدة المسح، المالكية لم يؤقتوا، والجمهور أقتوا مدة.‏
أما المالكية فقالوا: يجوز المسح على الخف من غير توقيت بزمان، ما لم يخلعه، أو تصبه ‏جنابة، فيجب حينئذ خلعه للاغتسال، وإن خلعه انتقض المسح، ووجب غسل الرجل، وإن وجب ‏الاغتسال لم يمسح، لأن المسح إنما هو في الوضوء. وبالرغم من عدم وجوب نزع الخف في مدة ‏معينة، فإنهم قالوا: يندب نزع الخف كل أسبوع مرة في مثل اليوم الذي لبسه فيه.‏
واستدلوا بما يأتي:‏
أما الجمهور فقالوا: مدة المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها، ويرى ‏الحنفية أن المسافر العاصي بسفره كغيره من المسافرين، وأما الشافعية والحنابلة فيجعلون مدة ‏المسح له كالمقيم.‏

بدء المدة: وتبدأ عند الجمهور مدة المسح المقررة من تمام الحدث بعد لبس الخف إلى ‏مثله من اليوم الثاني للمقيم، ومن اليوم الرابع للمسافر.‏
وعلى هذا: من توضأ عند طلوع الفجر، ولبس الخف، ثم أحدث بعد طلوع الشمس، ثم ‏توضأ ومسح بعد الزوال، فيمسح المقيم إلى وقت الحدث من اليوم الثاني: وهو ما بعد طلوع ‏الشمس من اليوم الثاني، ويمسح المسافر إلى ما بعد طلوع شمس اليوم الرابع.‏
وإذا مسح خفيه مقيماً حالة الحضر، ثم سافر، أو عكس بأن مسح مسافراً ثم أقام، أتم ‏الشافعية والحنابلة مسح مقيم، تغليباً للحضر، لأنه الأصل، فيقتصر في الحالتين على يوم وليلة. ‏وعند الحنفية: من ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة، مسح ثلاثة أيام ولياليها، لأنه ‏صار مسافراً، والمسافر يمسح مدة ثلاثة أيام، ولو أقام مسافر إن استكمل مدة الإقامة، نزع ‏الخف، لأن رخصة السفر لا تبقى بدونه، وإن لم يستكمل أتمها لأن هذه مدة الإقامة، وهو مقيم.‏
وإن شك، هل ابتدأ المسح في السفر أو الحضر، بنى عند الحنابلة على المتيقن وهو مسح ‏حاضر (مقيم)، لأنه لا يجوز المسح مع الشك في إباحته.‏
وقال الشافعية: ولا مسح لشاكّ في بقاء المدة، انقضت أو لا، أو شك المسافر هل ابتدأ في ‏السفر أو في الحضر، لأن المسح رخصة بشروط، منها المدة، فإذا شك فيها رجع إلى الأصل ‏وهو الغسل.‏
مبطلات (أو نواقض) المسح على الخفين:‏
يبطل المسح على الخف بالحالات الآتية:‏
‏1- نواقض الوضوء: ينتقض المسح على الخف بكل ناقض للوضوء، لأنه بعض ‏الوضوء، ولأنه بدل فينقضه ناقض الأصل. وحينئذ يتوضأ، ويمسح، إذا كانت مدة المسح باقية. ‏فإن انتهت المدة يعاد الوضوء وغسل الرجلين.‏
‏2- الجنابة ونحوها: إن أجنب لابس الخف، أو حدث منه موجب غسل كحيض في أثناء ‏المدة، بطل المسح، ووجب غسل الرجلين. فإن أراد المسح على الخف بعد الغسل، جدد لبسه، ‏لحديث صفوان بن عسال السابق: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أو ‏سَفْراً (أي مسافرين)، ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن، إلا من جنابة" وقيس بالجنابة غيرها، ‏مما هو في معناها، كالحيض والنفاس والولادة.‏
‏3- نزع أحد الخفين أو كليهما، ولو كان النزع بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف، ‏ينتقض بذلك، لمفارقة محل المسح مكانه، وللأكثر حكم الكل.‏
وفي هذه الحالة: يغسل عند الجمهور غير الحنابلة قدميه، لبطلان طهرهما، لأن الأصل ‏غسلهما، والمسح بدل، فإذا زال حكم البدل، رجع إلى الأصل، كالتيمم بعد وجود الماء.‏
ولا يكتفى بغسل الرجل المنزوع خفها، وإنما لا بد من غسل الرجلين، إذ لا يجوز الجمع ‏بين غسل ومسح.‏
وفي حالة نزع الخف الأعلى (الجرموق) قال المالكية : تجب المبادرة لمسح الأسفلين، ‏كما هو المقرر في الموالاة، وكما بينا سابقاً.‏
‏4- ظهور بعض الرجل بتخرق أو غيره كانحلال العرا ونحو ذلك: ينتقض الوضوء بذلك ‏عند الشافعية والحنابلة، وبظهور قدر ثلاث أصابع من أصابع الرجل عند الحنفية، أو بقدر ثلث ‏القدم عند المالكية، سواء أكان منفتحاً أم ملتصقاً بعضه ببعض، كالشق وفتق الخياطة مع التصاق ‏الجلد بعضه ببعض، أم أقل من الثلث أيضاً إن انفتح بأن ظهرت الرجل منه، لا إن التصق. فإن ‏كان المنفتح يسيراً جداً، بحيث لا يصل بلل اليد حال المسح لما تحته من الرجل، فلا يضر.‏
‏5- إصابة الماء أكثر إحدى القدمين في الخف، هذا ناقض للمسح على الصحيح عند ‏الحنفية، كما لو ابتل جميع القدم، فيجب قلع الخف وغسل الرجلين، تحرزاً عن الجمع بين الغسل ‏والمسح، فلا يغسل قدماً ويمسح على الأخرى إذ هو لا يجوز.‏
‏6- مضي المدة: وهي اليوم والليلة للمقيم، والثلاثة الأيام بلياليها للمسافر.‏
والواجب في هذه الحالة والأحوال الثلاثة السابقة عند الحنفية، والمالكية، والشافعية : ‏غسل الرجلين فقط، دون تجديد الوضوء كله، إذا ظل متوضئاً.‏
واستثنى الحنفية هنا حالة الضرورة: وهي الخوف من ذهاب رجله من البرد، فلا يقلع ‏الخفين، وإنما يجوز له المسح حتى يأمن، أي بدون توقيت ويلزمه استيعاب المسح جميع الخف، ‏لمسح الجبائر.‏
والواجب بعد مضي المدة أو خلع الخف عند الحنابلة: هو استئناف الطهارة (تجديد ‏الوضوء كله).‏
والخلاصة: أن نواقض المسح عند الحنفية أربعة أشياء.‏
كل ناقض للوضوء، ونزع الخف ولو بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف، وإصابة الماء ‏أكثر إحدى القدمين في الخف، ومضي المدة إن لم يخف ذهاب رجله من البرد، فيجوز له المسح ‏حينئذ حتى يأمن الضرر.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:17 PM
المسح على العمامة:‏
قال الحنفية: لا يصح المسح على عِمامة وقَلنسُوة، وبُرْقع وقُفَّازين، لأن المسح ثبت ‏بخلاف القياس، فلا يلحق به غيره.‏
وقال الحنابلة: من توضأ من الذكور ثم لبس عمامة، ثم أحدث وتوضأ، جاز له المسح ‏على العمامة أي عمامة الذكور، لقول عمرو بن أمية الضَّمْري: " رأيت رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم يمسح على عمامته وخفيه" رواه البخاري وابن ماجه وأحمد، وقال المغيرة بن شعبة: ‏‏"توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين، والعمامة" رواه مسلم والترمذي، ‏وعن بلال قال: "مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين والخمار". رواه مسلم.‏
والواجب مسح أكثر العمامة، لأنها بدل كالخف، وتمسح دوائرها دون وسطها لأنه يشبه ‏أسفل الخف، ولا يجب أن يمسح معها ما جرت العادة بكشفه، لأن العمامة نابتْ عن الرأس، ‏فانتقل الفرض إليها، وتعلق الحكم بها، ولا يجوز المسح على القلنسوة.‏
ويصح المسح على العمامة بشروط:‏
‏1- إذا كانت مباحة بألا تكون محرمة كمغصوبة أو كانت مصنوعة حرير.‏
‏2- أن تكون محنَّكة: وهي التي يدار منها تحت الحنك كَوْر، أو كَوران، سواء أكان لها ‏ذؤابة أم لا، لأنها عمامة العرب، ويشق نزعها، وهي أكثر ستراً. ‏
أو تكون ذات ذؤابة: وهي طرف العمامة المرخي، لأن إرخاء الذؤابة من السنة، قال ابن ‏عمر: "عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بعمامة سوداء، وأرخاها من خلفه، قدر أربع ‏أصابع". فلا يجوز المسح على العمامة الصماء، لأنها لم تكن عمامة المسلمين، ولا يشق نزعها، ‏فهي كالطاقية.‏
‏3- أن تكون لذكر، لا أنثى، لأنها منهية عن التشبه بالرجال، فلا تمسح أنثى على عمامة، ‏ولو لبستها لضرورة برد وغيره.‏
‏4- أن تكون ساترة لما لم تجْرِ العدة بكشفه، كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس.‏
وقال المالكية: يجوز المسح على عمامة خيف بنزعها ضرر، ولم يقدر على مسح ما ‏تحتها مما هي ملفوفة عليه كالقلنسوة. فإن قدر على مسح بعض الرأس، أتى به وكمل على ‏العمامة.‏
وقال الشافعية: لا يجوز الاقتصار على مسح العمامة، لحديث أنس السابق: "رأيت ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، وعليه عمامة قِطْرية (من صنع قَطَر)، فأدخل يده تحت ‏العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة". رواه أبو داود.‏
المسح على الجوارب:‏
اتفق الفقهاء على جواز المسح على الجوربين إذا كانا مجلدين أو منعلين، واختلفوا في ‏الجوربين العاديين على اتجاهين:‏
اتجاه يمثله جماعة: وهم المالكية والشافعية: لا يجوز، واتجاه آخر يمثله الحنابلة، ‏والحنفية: بأنه يجوز.‏
وأجاز الشافعية المسح على الجورب بشرطين:‏
أحدهما- أن يكون صفيقاً لا يشف بحيث يمكن متابعة المشي عليه.‏
والثاني- أن يكون منعلاً.‏
فإن اختل أحد الشرطين لم يجز المسح عليه، لأنه لا يمكن متابعة المشي عليه حينئذ ‏كالخرقة.‏
وأباح الحنابلة المسح على الجورب بالشرطين المذكورين في الخف وهما:‏
الأول- أن يكون صفيقاً لا يبدو منه شيء من القدم.‏
الثاني- أن يمكن متابعة المشي فيه، وأن يثبت بنفسه.‏
وقد ثبت في السنة النبوية المسح على الجوربين منها:‏
حديث المغيرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، ومسح على الجوربين ‏والنعلين". رواه الترمذي.‏
وحديث بلال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على المُوقَين والخمار". ‏رواه الترمذي وأحمد.‏
ويمسح على الجوربين إلى خلعهما مدة يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، ويجب عند ‏الحنابلة أن يمسح على الجوربين، وعلى سيور النعلين، قدر الواجب.‏
المسح على الجبائر:‏
معنى الجبيرة، مشروعية المسح عليها، حكمه، شرائط جواز المسح على الجبيرة، القدر ‏المطلوب مسحه، هل يجمع بين المسح والتيمم؟ هل تجب إعادة الصلاة بعده؟ نواقض المسح على ‏الجبيرة، الفوارق بينه وبين المسح على الخفين.‏
معنى الجبيرة: الجبيرة والجِبارة: خشب أو قصب يسوّى ويشد على موضع الكسر أو ‏الخلع لينجبر. وفي معناها: جبر الكسور بالجِبْس، وفي حكمها: عصابة الجراحة ولو بالرأس، ‏وموضع الفصد والكي، وخرقة القرحة، ونحو ذلك من مواضع العمليات الجراحية.‏
مشروعية المسح على الجبيرة: المسح على الجبائر جائز شرعاً بالسنة والمعقول.‏
أما السنة: فأحاديث منها: حديث علي بن أبي طالب، قال: "انكسرت إحدى زندي، فسألت ‏النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرني أن أمسح على الجبائر". رواه ابن ماجه والدارقطني ‏والبيهقي.‏
ومنها حديث جابر في الرجل الذي شُجَّ (كسر) فاغتسل، فمات، فقال النبي صلى الله عليه ‏وسلم: "إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويَعْصِب على جُرْحه خِرْقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر ‏جسده". رواه أبو داود.‏
وأما المعقول: فهو أن الحاجة تدعو إلى المسح على الجبائر، لأن في نزعها حرجاً ‏وضرراً.‏
حكمه- هل المسح على الجبيرة واجب أم سنة؟‏
قال أبو حنيفة: المسح على الجبائر واجب، وليس بفرض، وإذا كان المسح على الجبيرة ‏يضره سقط عنه المسح، لأن الغسل يسقط بالعذر، فالمسح أولى.‏
وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): المسح على الجبائر بماء واجب أي فرض ‏استعمالاً للماء ما أمكن.‏
ولا يجوز اتفاقاً المسح على جبيرة رِجْل مع مسح خف الأخرى الصحيحة، وإنما يجمع ‏بين المسح والغسل.‏
شرائط المسح على الجبيرة: يشترط لجوازه ما يأتي:‏
‏1- ألا يمكن نزع الجبيرة، أو يخاف من نزعها بسبب الغسل حدوث مرض، أو زيادته، ‏أو تأخر البرء كما في التيمم. قال المالكية: يجب المسح إن خيف هلاك أو شدة ضرر أو أذى، ‏كتعطيل منفعة من ذهاب سمع أو بصر مثلاً، ويجوز إن خيف شدة الألم أو تأخره بلا شين، أو ‏رمد أو دمل أو نحوها.‏
وذلك إذا كان الجرح ونحوه في أعضاء الوضوء في حالة الحدث الأصغر، أو في الجسد ‏في حالة الحدث الأكبر.‏
‏2- ألا يمكن غسل أو مسح نفس الموضع بسبب الضرر، فإن قدر عليه فلا مسح على ‏الجبيرة، وإنما يمسح على عين الجراحة إن لم يضر المسح بها، ولا يجزئه المسح على الجبيرة، ‏وإن لم يستطع مسح على الجبيرة. قال المالكية: والأرمد الذي لا يستطيع المسح على عينه أو ‏جبهته إن خاف الضرر، يضع خرقة على العين أو الجبهة ويمسح عليها. ‏
وقال الحنفية: يترك المسح كالغسل إن ضر، وإلا لا يترك.‏
وقال الشافعية: لا يمسح على محل المرض بالماء، وإنما يغسل الجزء الصحيح ويتيمم ‏عن الجزء العليل، ويمسح على الجبيرة إن وجدت.‏
‏3- ألا تتجاوز الجبيرة محل الحاجة، فإن تجاوزت الجبيرة محل الحاجة: وهو ما لا بد ‏منه للاستمساك، وجب نزعها، ليغسل الجزء الصحيح من غير ضرر لأنها طهارة ضرورة، ‏فتقدر بقدرها، فإن خاف من نزعها تلفاً أو ضرراً، تيمم لزائد على قدر الحاجة، ومسح ما حاذى ‏محل الحاجة، وغسل ما سوى ذلك، فيجمع إذن بين الغسل والمسح والتيمم، ولا يجب مسح ‏موضع العلة بالماء، وإن لم يخف منه، لأن الواجب إنما هو الغسل، لكن يستحب المسح، ولا ‏يجب عليه وضع ساتر على العليل ليمسح على الساتر، لأن المسح رخصة، فلا يليق بها وجوب ‏المسح.‏
وهذا شرط ذكره الشافعية والحنابلة. وأوجب الشافعية أيضاً التيمم مطلقاً كما سيأتي.‏
وقال الحنفية: إن كان حل الخرقة، وغسل ما تحتها من حوالى الجراحة، مما يضر ‏بالجرح، يجوز المسح على الخرقة الزائدة، ويقوم المسح عليها مقام غسل ما تحتها، كالمسح على ‏الخرقة التي تلاصق الجراحة. وإن كان ذلك لا يضر بها، لا يجوز المسح إلا على نفس الجراحة، ‏ولا يجوز على الجبيرة، لأن الجواز على الجبيرة للعذر، ولا عذر. وهذا هو المقرر أيضاً عند ‏المالكية، وبه يتبين أن الحنفية والمالكية لم يفرقوا بين ما إذا كانت الجبيرة قدر المحل المألوم أو ‏زادت عنه للضرورة.‏
‏4ً- أن توضع الجبيرة على طهارة مائية: وإلا وجبت إعادة الصلاة: هذا شرط عند ‏الشافعية والحنابلة، لأن المسح على الجبيرة أولى من المسح على الخف، للضرورة فيها، ‏ويشترط لبس الخف على طهارة (وضوء أو غسل). ولا تعاد الصلاة إن كانت الجبيرة بقدر ‏الاستمساك، ووضعت على طهر، وغسل الصحيح، وتيمم عن الجريح، ومسح على الجبيرة. ولو ‏شد الجبيرة على غير طهارة، نزعها إن لم يتضرر، ليغسل ما تحتها، فإن خاف من نزعها تلفاً أو ‏ضرراً، تيمم لغسل ما تحتها، ولو عمت الجبيرة فرض التيمم (الوجه واليدين) كفى مسحها بالماء ‏عند الحنابلة، وسقط التيمم، ويعيد الصلاة عند الشافعية لأنه كفاقد الطهورين.‏
ولم يشترط الحنفية والمالكية: وضع الجبيرة على طهارة، فسواء وضعها وهو متطهر ‏أو بلا طهر، جاز المسح عليها ولا يعيد الصلاة إذا صح، دفعاً للحرج. وهذا هو المعقول، لأنه ‏يغلب في وضعها عنصر المفاجأة، فاشتراط الطهارة وقتئذ فيه حرج وعسر.‏
‏5- ألا يكون الجبر بمغصوب، ولا بحرير محرم على الذكر، ولا بنجس كجلد الميتة ‏والخرقة النجسة، فيكون المسح حينئذ باطلاً، وتبطل الصلاة أيضاً. وهذا شرط عند الحنابلة.‏
القدر المطلوب مسحه على الجبيرة:‏
المفتى به عند الحنفية: أنه يكفي مسح أكثر الجبيرة مرة، فلا يشترط استيعاب وتكرار ‏ونية اتفاقاً، كما لا تطلب النية في مسح الخف والرأس أو العمامة.‏
والواجب عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): مسح الجبيرة كلها بالماء، ‏استعمالاً للماء ما أمكن، ولأن مسحها بدل عن غسل ما تحتها، وما تحت الجبيرة كان يجب ‏استيعابه بالغسل، فكذا المسح، ولا ضرر في تعميمها بالمسح، بخلاف الخف يشق تعميم جميعه، ‏ويتلفه المسح.‏
وأوضح المالكية والحنفية أن الواجب الأصلي هو غسل أو مسح المحل المجروح ‏مباشرة إن أمكن بلا ضرر، فإن لم يستطع المسح عليه، مسح جبيرة الجرح: وهي اللزقة التي ‏فيها الدواء الذي يوضع على الجرح ونحوه، أو على العين الرمداء، فإن لم يقدر على مسح ‏الجبيرة أو تعذر حلها، مسحت عصابته التي تربط فوق الجبيرة، ولو تعددت العصائب، فإنه ‏يمسح عليها. ولا يجزيه المسح على ما فوق العصائب إن أمكنه المسح على ما تحتها أو مسح ‏أسفلها.‏
ولا يقدر المسح بمدة، بل له الاستدامة إلى الشفاء (الاندمال)، لأنه لم يرد فيه تأقيت، ‏ولأن الساتر لا ينزع للجنابة، بخلاف الخف، ولأن مسحها للضرورة، فيقدر بقدرها، والضرورة ‏قائمة إلى حلِّها أو برء الجرح عند الجمهور، وإلى البرء عند الحنفية.‏
ويمسح الجنب ونحوه متى شاء. ويمسح المحدث عند الشافعية والحنابلة وقت غسل ‏الجزء العليل، عملاً بمبدأ الترتيب المطلوب عندهم، وله تقديم التيمم على المسح والغسل وهو ‏أولى.‏
ويجب مسح الساتر، ولو كان به دم، لأنه يعفى عن ماء الطهارة، ومسحه بدل عما أخذه ‏من الجزء الصحيح. فلو لم يأخذ الساتر شيئاً، أو أخذ شيئاً وغسله، لم يجب مسحه على المعتمد ‏عند الشافعية.‏
وذكر الشافعية: أنه لو برأ وهو على طهارة، بطل تيممه لزوال علته، ووجب غسل ‏موضع العذر، جنباً كان أو محدثاً.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:18 PM
هل يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم؟
يرى الحنفية والمالكية: الاكتفاء بالمسح على الجبيرة، فهو بدل لغسل ما تحتها، ولا يضم ‏إليه التيمم، إذ لا يجمع بين طهارتين.‏
ويرى الشافعية: أنه يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم، فيغسل الجزء الصحيح، ‏ويمسح على الجبيرة، ويتيمم وجوباً، لما روى أبو داود والدارقطني بإسناد كل رجاله ثقات عن ‏جابر في المشجوج الذي احتلم واغتسل، فدخل الماء شجته، فمات: أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال: "إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على رأسه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده".‏
ولو كان في بدنه جبائر كثيرة وأجنب وأراد الغسل، كفاه تيمم واحد عن الجميع، لأن بدنه ‏كعضو واحد. وفي حالة الحدث الأصغر (الوضوء) يتعدد التيمم بعدد الأعضاء المريضة على ‏الأصح، كما يتعدد مسح الجبيرة بتعددها. وعليه : إن كانت الجراحة في أعضاء الوضوء الأربعة ‏ولم تعمها فلا بد من ثلاثة تيممات: الأول للوجه، والثاني لليدين، والثالث للرجلين، أما الرأس ‏فيكفي فيه مسح ما قل منه فإن عمت الجراحة الرأس فأربعة تيممات. وإن عمت الأعضاء كلها ‏فتيمم واحد عن الجميع لسقوط الترتيب بسقوط الغسل.‏
وتوسط الحنابلة فرأوا أنه يجزئ المسح على الجبيرة، من غير تيمم، إذا لم تجاوز ‏الجبيرة قد الحاجة.‏
ويمسح ويتيمم إن تجاوزت الجبيرة محل الحاجة، أو خيف الضرر من نزعها، ويكون ‏التيمم للزائد على قدر الحاجة، والمسح لم يحاذ محل الحاجة، والغسل لِمَ سوى ذلك، فيجمع إذن ‏بين الغسل والمسح والتيمم. وإذا لم يكن على الجرح عصاب، يغسل الصحيح ويتيمم للجرح.‏
هل تجب إعادة الصلاة بعد البرء؟
الذين لم يشترطوا وضع الجبيرة على طهارة وهم المالكية والحنفية، ورأيهم هو الحق، ‏لم يوجبوا إعادة الصلاة بعد الصحة من الجرح، لإجماع العلماء على جواز الصلاة، وإذا جازت ‏الصلاة، لم تجب إعادتها.‏
أما الذين اشترطوا وضع الجبيرة على طهارة وهم الشافعية والحنابلة، فقد أوجبوا إعادة ‏الصلاة، لفوات شرط الوضع على طهارة.‏
وتعاد الصلاة عند الشافعية في الأحوال الثلاثة التالية: ‏
‏1- إذا كانت الجبيرة في أعضاء التيمم (الوجه واليدين) مطلقاً، سواء على طهر أو حدث.‏
‏2- إذا وضعت الجبيرة على غير طهر (حدث) سواء في أعضاء التيمم أو في غيرها.‏
‏3- إذا زادت الجبيرة على قدر الحاجة أو الاستمساك مطلقاً، سواء على طهر أو حدث.‏
ولا تعاد الصلاة عندهم في حالتين وهما:‏
‏1- إذا كانت في غير أعضاء التيمم، ولم تأخذ من الصحيح شيئاً، ولو على حدث.‏
‏2- إذا كانت في غير أعضاء التيمم، ووضعها على طهر، ولو زادت على قدر الحاجة.‏

نواقض المسح على الجبيرة:‏
يبطل المسح على الجبيرة في حالتين هما:‏
‏1- نزعها وسقوطها: قال الحنفية: يبطل المسح على الجبيرة إن سقطت عن برء، لزوال ‏العذر، وإن كان في الصلاة، استأنف الصلاة بعد الوضوء الكامل، لأنه قدر على الأصل قبل ‏حصول المقصود بالبدل.‏
وإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح، لأن العذر قائم، والمسح عليها كالغَسْل لِما ‏تحتها ما دام العذر قائماً: أي أن بطلان المسح على الجبيرة في الحقيقة يكون بالبرء ويجوز ‏تبديلها بغيرها ولا يجب إعادة المسح عليها، والأفضل إعادته.‏
وإذا رمد، وأَمَره طبيب مسلم حاذق ألا يغسل عينه، أو انكسر ظفره، أو حصل به داء، ‏وجعل عليه دواء، جاز له المسح للضرورة، وإن ضره المسح تركه، لأن الضرورة تقدر بقدرها.‏
وقال المالكية: يبطل المسح بنزع الجبيرة أو سقوطها للمداواة أو غيرها، فإذا صح غسل ‏الموضع على الفور، وإن لم يصح وبدَّلها للمداواة، أعاد المسح، وإن سقطت الجبيرة وهو في ‏الصلاة، بطلت الصلاة، وأعاد الجبيرة في محلها، وأعاد المسح عليها، إن لم يطل الفاصل، ثم ‏ابتدأ صلاته، لأن طهارة الموضع قد انتقضت بظهوره.‏
ويمسح المتوضئ رأسه إن سقط الساتر، الذي كان قد مسح عليه من الجبيرة أو العصابة ‏أو العمامة، ثم صلى إن طال فاصل سقوط الساتر نسياناً، وإلا ابتدأ طهارة جديدة أي أعاد ‏الوضوء.‏
وقال الشافعية: لو سقطت جبيرته في الصلاة، بطلت صلاته، سواء أكان قد برئ، أم لا، ‏كانقلاع الخف. وفي حالة البرء تبطل الطهارة أيضاً، فإن لم يبرأ رد الجبيرة إلى موضعها ومسح ‏عليها فقط.‏
وقال الحنابلة: زوال الجبيرة كالبرء، ولو قبل برء الكسر أو الجرح وبرؤها كخلع ‏الخف، يبطل المسح والطهارة والصلاة كلها، وتستأنف من جديد، لأن مسحها بدل عن غسل ما ‏تحتها، إلا أنه في الطهارة الكبرى من الجنابة يكفي بزوال الجبيرة غسل ما تحتها فقط. وفي ‏الطهارة الصغرى (الوضوء) إن كان سقوطها عن برء توضأ فقط، وإن كان سقوطها عن غير ‏برء، أعاد الوضوء والتيمم.‏
وهكذا يتبين أن الجمهور غير الحنفية يقررون بطلان المسح على الجبيرة بنزعها أو ‏سقوطها.‏
‏2- الحدث: يبطل المسح على الجبيرة بالاتفاق بالحدث. لكن إذا أحدث صاحب الجبيرة ‏يعيد عند الشافعية ثلاثة أمور: يغسل الصحيح، ويمسح على الجبيرة، ويتيمم. فإن لم يحدث وأراد ‏صلاة فرض آخر، تيمم فقط، ولم يعد غسلاً ولا مسحاً، لأن الواجب عندهم إعادة التيمم لكل ‏فريضة.‏
أهم الفروق بين المسح على الخفين والمسح على الجبيرة:‏
ذكر الحنفية فروقاً بين هذين النوعين من المسح، أهمها ما يأتي:‏
‏1- المسح على الجبائر غير مؤقت بالأيام، بل هو موقت بالبرء، أما المسح على الخفين ‏فهو بالشرع موقت بالأيام، للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها.‏
‏2- لا تشترط الطهارة لوضع الجبائر، فيجوز المسح عليها للمحدث. وتشترط الطهارة ‏للبس الخفين، فلا يجوز المسح عليهما للمحدث.‏
‏3- إذا سقطت الجبائر لا عن برء لا ينتقض المسح، وسقوط الخفين أو أحدهما يوجب ‏انتقاض المسح.‏
‏4- المسح على الجبائر جائز إذا كان يضره المسح على الجراحة، فإن لم يضره فلا ‏يمسح على الجبائر. أما المسح على الخفين فهو جائز ولو لم يعجز عن غسل الرجلين.‏
‏5- المسح على الجبائر جائز ولو كانت في غير الرجلين. أما المسح على الخفين ‏فمحصور في الرجلين.‏
وذكر الحنابلة خمسة فروق بين نوعي المسح المذكورين، وافقوا الحنفية في الفرق الأول ‏والثاني والرابع، أما الفرقان الآخران فهما: أنه يمسح على الجبيرة في الطهارة الكبرى، لأن ‏الضرر يلحق بنزعها فيها، بخلاف الخف، ويجب عندهم استيعابها بالمسح لأنه لا ضرر في ‏تعميمها، بخلاف الخف فإنه يشق تعميم جميعه ويتلفه المسح.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:20 PM
التيمم‏ ‏



التعريف:‏
التيمم لغة: القصد والتوخي والتعمد.‏
وفي الاصطلاح: هو مسح الوجه واليدين بوسيلة مخصوصة على وجه مخصوص.‏
مشروعية التيمم:‏
يجوز التيمم في السفر والحضر قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ‏مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ ‏اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43].‏
وقال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6].‏
قال صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا" [رواه البخاري ومسلم]. أي: له ‏صلى الله عليه وسلم ولأمته.‏
وقد أجمع المسلمون على أن التيمم مشروع بدلاً عن الوضوء والغسل في أحوال خاصة.‏
شروط وجوب التيمم:‏
يشترط لوجوب التيمم ما يلي:‏
أ- البلوغ، فلا يجب التيمم على الصبي لأنه غير مكلف.‏
ب- القدرة على استعمال الصعيد.‏
جـ- وجود الحدث الناقض. أما من كان على طهارة بالماء فلا يجب عليه التيمم.‏
أما الوقت فإنه شرط لوجوب الأداء عند البعض لا لأصل الوجوب، ومن ثم فلا يجب التيمم إلا إذا ‏دخل الوقت عندهم. فيكون الوجوب موسعاً في أوله ومضيقاً إذا ضاق الوقت.‏
هذا وللتيمم شروط وجوب وصحة معاً وهي:‏
أ-الإسلام: فلا يجب التيمم على الكافر لأنه غير مخاطب، ولا يصح منه لأنه ليس أهلاً للنية.‏
ب-انقطاع دم الحيض والنفاس.‏
جـ- العقل.‏
د- وجود الصعيد الطهور.‏
فإن فاقد الصعيد الطهور لا يجب عليه التيمم ولا يصح منه بغيره حتى ولو كان طاهراً فقط، ‏كالأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت، فإنها تكون طاهرة تصح الصلاة عليها، ولا تكون مطهرة ‏فلا يصح التيمم بها.‏
أركان التيمم:‏
للتيمم أركان وفرائض، والركن ما توقف عليه وجوب الشيء، وكان جزءاً من حقيقته، وبناء على ‏هذا قالوا: للتيمم ركنان هما:الضربتان، واستيعاب الوجه واليدين إلى المرفقين بالمسح فقط. ‏واختلفوا في النية هل هي ركن أم شرط؟
أ-النية: ‏
ذهب الجمهور إلى أن النية عند مسح الوجه فرض.‏
وذهب الحنفية وبعض الحنابلة إلى أنها شرط.‏
ما ينويه بالتيمم:‏
ذهب الحنفية إلى أنه: يشترط لصحة نية التيمم الذي تصح به الصلاة أن ينوي أحد أمور ثلاثة: ‏إما نية الطهارة من الحدث، أو استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة ‏كالصلاة، أو سجدة التلاوة، أو صلاة الجنازة عند فقد الماء.‏
وأما عند وجوده إذا خاف فوتها فإنما تجوز به الصلاة على جنازة أخرى إذا لم يكن بينهما فاصل. ‏فإن نوى التيمم فقط من غير ملاحظة استباحة الصلاة، أو رفع الحدث القائم به، لم تصح الصلاة ‏بهذا التيمم، كما إذا نوى ما ليس بعبادة أصلاً كدخول المسجد، ومس المصحف، أو نوى عبادة ‏غير مقصودة لذاتها، كالأذان، والإقامة، أو نوى عبادة مقصودة تصح بدون طهارة كالتيمم لقراءة ‏القرآن، أو للسلام، أو ردّهِ من المحدث حدثاً أصغر، فإن تيمم الجنب لقراءة القرآن صح له أن ‏يصلي به سائر الصلوات، وأما تعيين الحدث أو الجنابة فلا يشترط عندهم، ويصح التيمم بإطلاق ‏النية، ويصح أيضاً بنية رفع الحدث، لأن التيمم رافع له كالوضوء.‏
ويشترط عندهم لصحة النية: الإسلام، والتمييز، والعلم بما ينويه، ليعرف حقيقة المنوي.‏
وذهب المالكية إلى أنه ينوي بالتيمم استباحة الصلاة أو فرض التيمم، ووجب عليه وملاحظة ‏الحدث الأكبر إن كان عليه بأن ينوي استباحة الصلاة من الحدث الأكبر، فإن لم يلاحظه بأن نسيه ‏أو لم يعتقد أنه عليه لم يجزه وأعاد تيممه، هذا إذا لم ينو فرض التيمم، أما إذا نوى فرض التيمم ‏فيجزيه عن الأكبر والأصغر وإن لم يلاحظ، ولا يصلى فرض عند المالكية بتيمم نواه لغيره.‏
وذهب الشافعية إلى إنه ينوي استباحة الصلاة ونحوها مما تفتقر استباحته إلى طهارة. كطواف، ‏وحمل مصحف، وسجود تلاوة، ولو تيمم بنية الاستباحة ظاناً أن حدثه أصغر فبان أكبر أو عكسه ‏صح، لأن موجبهما واحد، وإن تعمد لم يصح في الأصح لتلاعبه. فلو أجنب في سفره ونسي، ‏وكان يتيمم وقتاً، وتوضأ وقتاً، أعاد صلاة الوضوء فقط.‏
ولا تكفي عند الشافعية نية رفع الحدث الأصغر، أو الأكبر، أو الطهارة عن أحدهما، لأن التيمم لا ‏يرفعه لبطلانه بزوال مقتضيه، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص وقد تيمم عن ‏الجنابة من شدة البرد: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ [رواه البخاري].‏
ولو نوى فرض التيمم، أو فرض الطّهر، أو التيمم المفروض، أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة ‏لم يكف في الأصح لأن التيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة،فلا يجعل ‏مقصوداً، بخلاف الوضوء.‏
والقول الثاني عندهم: يكفي كالوضوء ويجب قرن النية بنقل الصعيد الحاصل بالضرب إلى ‏الوجه، لأنه أول الأركان، وكذا يجب استدامتها إلى مسح شيء من الوجه على الصحيح. فلو ‏زالت النية قبل المسح لم يكف،لأن النقل وإن كان ركناً فهو غير مقصود في نفسه.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه ينوي استباحة ما لا يباح إلا بالتيمم، ويجب تعيين النية لما تيمم له كصلاة، ‏أو طواف، أو مس مصحف من حدث أصغر أو أكبر أو نجاسة على بدنه، لأن التيمم لا يرفع ‏الحدث وإنما يبيح الصلاة، فلا بد من تعيين النية تقوية لضعفه.‏
وصفة التعيين: أن ينوي الاستباحة صلاة الظهر مثلاً من الجنابة إن كان جنباً، أو من الحدث إن ‏كان محدثاً، أو منهما إن كان جنباً محدثاً، وما أشبه ذلك.‏
وإن التيمم لجنابة لم يجزه عن الحدث الأصغر، لأنهما طهارتان فلم تؤد إحداهما بنية الأخرى. ‏ولا يصح التيمم بنية رفع حدث لأن التيمم لا يرفع الحدث عند الحنابلة كالمالكية والشافعية، ‏لحديث أبي ذر: "فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير" [أخرجه أبو داود].‏
نية التيمم لصلاة النفل وغيره:‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن من نوى بتيممه فرضاً ونفلاً صلى به الفرض والنفل، وإن نوى ‏فرضاً ولم يعين فيأتي بأي فرض شاء، وإن عين فرضاً جاز له فعل فرض واحد غيره، وإن نوى ‏الفرض استباح مثله وما دونه من النوافل، وذلك لأن النفل أخف، ونية الفرض تتضمنه.‏
أما إذا نوى نفلاً أو أطلق النية كأن نوى استباحة الصلاة بلا تعيين فرض أو نفل لم يصل إلا نفلاً، ‏لأن الفرض أصل والنفل تابع فلا يجعل المتبوع تابعاً، وكما إذا أحرم بالصلاة مطلقاً بغير تعيين ‏فإن صلاته تنعقد نفلاً والمالكية كالشافعية والحنابلة إلا أنهم صرحوا بوجوب نية الحدث الأكبر ‏إن كان عليه حال نية استباحة الصلاة، فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أن الحدث الأكبر عليه ‏لم يجزه وأعاد أبداً.‏
ويندب عند المالكية نية الحدث الأصغر إذا نوى استباحة الصلاة، أو استباحة ما منعه الحدث، ‏ولكن لو نوى فرض التيمم فلا تندب نية الأصغر ولا الأكبر، لأن نية الفرض تجزىء عن كل ‏ذلك.‏
وإذا تيمم لقراءة قرآن ونحو ذلك لا يجوز للمتيمم أن يصلي به.‏
وذهب الحنفية إلى جواز صلاة الفرض والنفل سواء نوى بتيممه الفرض أو النفل، لأن التيمم ‏بدل مطلق عن الماء، وهو رافع للحدث أيضاً عندهم.‏
ب- مسح الوجه واليدين:‏
اتفق الفقهاء على أن من أركان التيمم مسح الوجه واليدين، لقوله تعالى {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ ‏وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6].‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن مسح الوجه فرض، ومسح اليدين فرض آخر. ولكن ذهب ‏المالكية إلى أن الفرض الأول هو الضربة الأولى، والفرض الثاني هو تعميم مسح الوجه ‏واليدين.‏
وذهب الحنفية والشافعية إلى أن المطلوب في اليدين هو مسحهما إلى المرفقين على وجه ‏الاستيعاب كالوضوء. لقيام التيمم مقام الوضوء فيحمل التيمم على الوضوء ويقاس عليه.‏
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الفرض مسح اليدين في التيمم إلى الكوعين، ومن الكوعين إلى ‏المرفقين سنة، لحديث عمار بن ياسر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتيمم للوجه ‏والكفين". [رواه البخاري ومسلم].‏
ثم إن المفروض عند الحنفية والشافعية ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين.‏
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الضربة الأولى فرض، والثانية سنة.‏
واتفق الفقهاء على إزالة الحائل عن وصول التراب إلى العضو الممسوح كنزع خاتم ونحوه ‏بخلاف الوضوء. وذلك لأن التراب كثيف ليس له سريان الماء وسيلانه.‏
ومحل الوجوب عند الشافعية في الضربة الثانية ويستحب في الأولى، ويجب النزع عند المسح لا ‏عند نقل التراب.‏
وذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب تخليل الأصابع بباطن الكف أو الأصابع كي يتم المسح.‏
والتخليل عند الشافعية والحنابلة مندوب احتياطاً. وأما إيصال التراب إلى منابت الشعر الخفيف ‏فليس بواجب عندهم جميعاً لما فيه من العسر بخلاف الوضوء. ‏
جـ- الترتيب:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين ليس بواجب بل مستحب، ‏لأن الفرض الأصلي المسح، وإيصال التراب وسيلة إليه فلا يجب الترتيب في الفعل الذي يتم به ‏المسح.‏
وذهب الشافعية إلى أن الترتيب فرض كالوضوء.‏
وذهب الحنابلة إلى أن الترتيب فرض عندهم في غير حدث أكبر، أما التيمم لحدث أكبر ونجاسة ‏ببدن فلا يعتبر فيه ترتيب.‏
د-الموالاة:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الموالاة في التيمم كما في الوضوء، وكذا تسن الموالاة بين التيمم ‏والصلاة.‏
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الموالاة في التيمم عن الحدث الأصغر فرض، وأما عن الحدث ‏الأكبر فهي فرض عند المالكية دون الحنابلة.‏
وزاد المالكية وجوب الموالاة بين التيمم وبين ما يفعل له من صلاة ونحوها.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:20 PM
الأعذار التي يشرع بسببها التيمم:‏
المبيح للتيمم في الحقيقة شيء واحد. وهو العجز عن استعمال الماء، والعجز إما لفقد الماء وإما ‏لعدم القدرة على استعماله مع وجوده:‏
أولاً: فقد الماء:‏
أ- فقد الماء للمسافر:‏
إذا فقد المسافر الماء بأن لم يجده أصلاً، أو وجد ماء لا يكفي للطهارة حساً جاز له التيمم، لكن ‏يجب عند الشافعية والحنابلة أن يستعمل ما تيسر له منه في بعض أعضاء الطهارة ثم يتيمم عن ‏الباقي لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ويكون فقد الماء شرعاً ‏للمسافر بأن خاف الطريق إلى الماء، أو كان بعيدا عنه فلا يكلف المسافر حينئذ بطلبه.‏
ويشترط عند الشافعية والحنابلة لمن ظن وجود الماء أو شك في وجوده (ومثله عند الشافعية ما ‏لو توهم وجوده) أن يطلبه فيما قرب منه لا فيما بعُد.‏
حد البعد عن الماء:‏
اختلف الفقهاء في حد البعد عن الماء الذي يبيح التيمم:‏
فذهب الحنفية إلى أنه ميل وهو يساوي أربعة آلاف ذراع أي ما يعادل 1680 متراً.‏
وحدده المالكية بميلين وحدده الشافعية بأربعمائة ذراع، وهو حد الغوث وهو مقدار غلوة (رمية ‏سهم)، وذلك في حالة توهمه للماء أو ظنه أو شكّه فيه، فإن لم يجد ماء تيمم، وكذلك الحكم عند ‏الحنفية فأوجبوا طلب الماء إلى أربعمائة خطوة إن ظن قربه من الماء مع الأمن.‏
وذهب الشافعية إلى أنه إن تيقن فقد الماء حوله تيمم بلا طلب، أما إذا تيقن وجود الماء ‏حوله طلبه في حد القرب (وهو ستة آلاف خطوة) ولا يطلب الماء عند الشافعية سواء في حد ‏القرب أو الغوث إلا إذا أمن على نفسه وماله وانقطاعه عن الرفقة.‏
وقال المالكية: إذا تيقن أو ظن الماء طلبه لأقل من ميلين، ويطلبه عند الحنابلة فيما قرب ‏منه عادة.‏
هذا فيما إذا لم يجد الماء، أما إذا وجد الماء عند غيره أو نسيه في رحله فهل يجب عليه ‏شراؤه أو قبول هبته؟
الشراء:‏
يجب على واجد الماء عند غيره أن يشتريه إذا وجده بثمن المثل أو بغبن يسير، وكان ما عنده من ‏المال فاضلاً عن حاجته.‏
فإن لم يجده إلا بغبن فاحش أو لم يكن معه ثمن الماء تيمم.‏
الهبة:‏
ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والحنابلة- وهو الأصح عن الشافعية إلى أنه لو وهب ‏له ماء أو أعير دلوا وجب عليه القبول، أما لو وهب ثمنه فلا يجب قبوله بالاتفاق لعظم المنة.‏
ب- فقد الماء للمقيم:‏
إذا فقد المقيم الماء وتيمم فهل يعيد صلاته أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء:‏
فذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) إلى أنه لا يعيد، لأن الشرط هو عدم الماء فأينما ‏تحقق جاز التيمم.‏
ويعيد عند المالكية المقصّر في طلب الماء ندباً في الوقت، وصحت صلاته إن لم يعد، كواجد ‏الماء الذي طلبه طلباً لا يشق عليه بقربه بعد صلاته لتقصيره، أو وجد الماء في رحله بعد طلبه. ‏أما خارج الوقت فلا يعيد، وقد اختلف المالكية في تيمم الصحيح الحاضر الفاقد للماء لصلاة ‏الجمعة إذا خشي فواتها بطلب الماء، ففي المشهور من المذهب لا يتيمم لها فإن فعل لم يجزه، لأن ‏الواجب عليه أن يصلي الظهر، وخلاف المشهور يتيمم لها ولا يدعها وهو أظهر مدركاً من ‏المشهور.‏
أما إذا كان فرض التيمم لعدم الماء بالمرة فيصليها بالتيمم ولا يدعها، ويصلي الظهر وهو ظاهر.‏
وكذا عند المالكية لا يتيمم الحاضر الصحيح الفاقد للماء لجنازة إلا إذا تعينت عليه بأن لم يوجد ‏غيره من متوضىء أو مريض أو مسافر.‏
ولا يتيمم لنفل استقلالا، ولا وتراً إلا تبعاً لفرض بشرط أن يتصل النفل بالفرض حقيقة أو حكماً ‏فلا يضر الفصل اليسير.‏
نسيان الماء:‏
لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى فإن تذكره قطع صلاته وأعادها إجماعا، أما إذا أتم صلاته ‏ثم تذكر الماء فإنه يقضى صلاته عند الشافعية في الأظهر، والحنابلة سواء في الوقت أو ‏خارجه.‏
وذهب المالكية إلى أنه إذا تذكر في الوقت أعاد صلاته، أو خارج الوقت فلا يقضي.‏
وسبب القضاء تقصيره في الوقوف على الماء الموجود عنده، فكان كما لو ترك ستر العورة ‏وصلى عريانا، وكان في رحله ثوب نسيه.‏
وذهب الحنفية إلى أنه لا يقضي لأن العجز عن استعمال الماء قد تحقق بسبب الجهالة والنسيان، ‏فيجوز التيمم كما لو حصل العجز بسب البعد أو المرض أو عدم الدلو والرشاء.‏
وذهب أبو يوسف من الحنفية إلى أنه يعيد إذا كان هو الواضع للماء في الرحل أو غيره بعلمه ‏سواء كان بأمره أو بغير أمره، أما لو كان الواضع للماء غيره وبلا علمه فلا إعادة اتفاقاً عندهم.‏
ثانياً: عدم القدرة على استعمال الماء:‏
يجب على من وجد الماء أن يستعمله في عبادة وجبت عليه لا تصح إلا بالطهارة، ولا يجوز ‏العدول عن ذلك إلى التيمم إلا إذا عدمت قدرته على استعمال الماء، ويتحقق ذلك بالمرض، أو ‏خوف المرض من البرد ونحوه، أو العجز عن استعماله.‏
أ- المرض:‏
اتفق الفقهاء على جواز التيمم للمريض إذا تيقن التلف، وكذلك عند الأكثرين إذا خاف من ‏استعمال الماء لوضوء أو لغسل، على نفسه أو عضوه هلاكه، أو زيادة مرضه، أو تأخر برئه، ‏ويعرف ذلك بالعادة أو بإخبار طبيب حاذق مسلم عدل، واكتفى بعض الحنفية بأن يكون مستورا ‏أي غير ظاهر الفسق، وصرح الشافعية في الأظهر -الحنابلة زيادة على ما تقدم- خوف حدوث ‏الشين الفاحش.‏
وقيده الشافعية بما يكون في عضو ظاهر، لأنه يشوه الخلقة ويدوم ضرره، والمراد بالظاهر عند ‏الشافعية ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين.‏
وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المريض الذي لا يقدر على الحركة ولا يجد من يستعين به يتيمم ‏كعادم الماء ولا يعيد.‏
وقال الحنفية: فإن وجد من يوضئه ولو بأجر المثل وعنده مال لا يتيمم في ظاهر المذهب.‏
ب- خوف المرض من البرد ونحوه:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التيمم في السفر والحضر (خلافاً لأبي يوسف ومحمد في ‏الحضر) لمن خاف من استعمال الماء في شدة البرد هلاكاً، أو حدوث مرض، أو زيادته، أو بطء ‏برء إذا لم يجد ما يسخن به الماء، أو لم يجد أجرة الحمام، أو ما يدفئه، سواء في الحدث الأكبر أو ‏الأصغر، لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه على تيممه خوف ‏البرد وصلاته بالناس إماما ولم يأمره بالإعادة.‏
وذهب الحنفية إلى أن جواز التيمم للبرد خاص بالجنب، لأن المحدث لا يجوز له التيمم للبرد في ‏الصحيح خلافاً لبعض المشايخ إلا إذا تحقق الضرر من الوضوء فيجوز التيمم حينئذ.‏
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المتيمم للبرد -على الخلاف السابق- لا يعيد صلاته.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يعيد صلاته في الأظهر إن كان مسافراً، والثاني: لا يعيد لحديث عمرو ‏بن العاص رضي الله عنه، أما إذا تيمم المقيم للبرد فالمشهور القطع بوجوب الإعادة.‏
جـ-العجز عن استعمال الماء:‏
يتيمم العاجز الذي لا قدرة له على استعمال الماء ولا يعيد كالمكره، والمحبوس،والمربوط بقرب ‏الماء، والخائف من حيوان، أو إنسان في السفر والحضر، لأنه عادم للماء حكما، وقد قال رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد ‏الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير".‏
واستثنى الحنفية مما تقدم المكره على ترك الوضوء فإنه يتيمم ويعيد صلاته.‏
د- الحاجة إلى الماء:‏
يتيمم ولا يعيد من اعتقد أو ظن أنه يحتاج الماء الذي معه ولو في المستقبل، لنحو عطش إنسان ‏معصوم الدم، أو حيوان محترم شرعاً -ولو كلب صيد أو حراسة- عطشا مؤدياً إلى الهلاك أو ‏شدة الأذى، وذلك صوناً للروح عن التلف، بخلاف الحربي، والمرتد، والكلب غير المأذون فيه، ‏فإنه لا يتيمم بل يتوضأ بالماء الذي معه لعدم حرمة هؤلاء.‏
وسواء أكانت الحاجة للماء للشرب، أم العجن، أم الطبخ.‏
ومن قبيل الاحتياج للماء إزالة النجاسة غير المعفو عنها به، سواء أكانت على البدن أم الثوب، ‏وخصها الشافعية بالبدن، فإن كانت على الثوب توضأ بالماء وصلى عرياناً إن لم يجد ساتراً ولا ‏إعادة عليه.‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إن كانت على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها لعدم الماء، أو ‏خوف الضرر باستعماله تيمم لها وصلى، وعليه القضاء عند الشافعية، وهو رواية للحنابلة.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه لا قضاء عليه، واستدلوا بعموم الحديث السابق ذكره (الصعيد الطيب ‏طهور المسلم). ونقل ابن قدامة عن أكثر الفقهاء أن من على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها يصلي ‏بحسب حاله بلا تيمم ولا يعيد.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:21 PM
ما يجوز به التيمم:‏
اتفق الفقهاء على جواز التيمم بالصعيد الطاهر، وهو شرط عند الجمهور، فرض عند المالكية.‏
قال الله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6].‏
وقد اختلفوا في المراد بالصعيد هل هو وجه الأرض أو التراب المنبت؟ أما جواز المسح على ‏التراب المنبت فبالإجماع.‏
وأما غيره مما على وجه الأرض، فقد اختلف الفقهاء فيه، فذهب المالكية وأبو حنيفة ومحمد ‏إلى أن المراد بالصعيد وجه الأرض، فيجوز عندهم التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، لأن ‏الصعيد مشتق من الصعود وهو العلو، وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب، بل يعم كل ما صعد ‏على الأرض من أجزائها. والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالأرض" من غير ‏فصل، وقوله عليه الصلاة والسلام: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" واسم الأرض يتناول ‏جميع أنواعها.‏
والطيب عندهم هو الطاهر، وهو الأليق هنا، لأنه شرع مطهراً، والتطهير لا يقع إلا بالطاهر، من ‏أن معنى الطهارة صار مرادا بالإجماع حتى لا يجوز التيمم بالصعيد النجس.‏
وقد اختلفوا في بعض ما يجوز به التيمم:‏
فذهب المالكية إلى إنه يجوز التيمم بالتراب -وهو الأفضل من غيره عند وجوده- والرمل، ‏والحصى، والجص الذي لم يحرق بالنار، فإن أحرق أو طبخ لم يجز التيمم به.‏
ويجوز التيمم المعادن ما دامت في مواضعها ولم تنقل من محلها إذا لم تكن من أحد النقدين -‏الذهب أو الفضة- أو من الجواهر كاللؤلؤ، فلا يتيمم على المعادن من شب، وملح،وحديد، ‏ورصاص، وقصدير، وكحل، إن نقلت من محلها وصارت أموالا في أيدي الناس.‏
ولا يجوز التيمم بالخشب والحشيش سواء أوجد غيرهما أم لا، لأنها ليسا من أجزاء الأرض، وفي ‏المسألة خلاف وتفصيل عند المالكية.‏
ويجوز التيمم عندهم بالجليد وهو الثلج المجمد من الماء على وجه الأرض أو البحر، حيث عجز ‏عن تحليله وتصييره ماء، لأنه أشبه بجموده الحجر فالتحق بأجزاء الأرض.‏
وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، ثم اختلفا، فقال أبو ‏حنيفة يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، التزق بيده شيء أو لا، لأن المأمور به هو ‏التيمم بالصعيد مطلقاً من غير شرط الالتزاق، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل.‏
وقال محمد: لا يجوز إلا إذا التزق بيده شيء من أجزائه، فالأصل عنده أنه لا بد من استعمال ‏جزء من الصعيد ولا يكون ذلك إلا بأن يلتزق بيده شيء منه.‏
فعلى قول أبي حنيفة يجوز التيمم بالجص، والنورة، والزرنيخ، والطين الأحمر، والأسود، ‏والأبيض، والكحل، والحجر الأملس، والحائط المطين، والمجصص، والملح الجبلي دون ‏المائي،والآجر، والخزف المتخذ من طين، خالص، والأرض الندية، والطين الرطب.‏
ولكن لا ينبغي أن يتيمم بالطين ما لم يخف ذهاب الوقت، لأن فيه تلطيخ الوجه من غير ضرورة ‏فيصير بمعنى المثلة، وإن كان لو تيمم به أجزأه عندهما، لأن الطين من أجزاء الأرض، فإن ‏خاف ذهاب الوقت تيمم وصلى عندهما، ويجوز التيمم عندهما بالغبار بأن ضرب يده على ‏الثوب، أو لبد، أو صفّة سرج، فارتفع غبار، أو كان على الحديد، أو على الحنطة، أو الشعير، أو ‏نحوها غبار، فتيمم به أجزأه في قولهما، لأن الغبار وإن كان لطيفاً فإنه جزء من أجزأه الأرض ‏فيجوز التيمم، كما يجوز بالكثيف بل أولى.‏
وقد روي أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان بالجابية (منطقة في دمشق) فمطروا فلم ‏يجدوا ماء يتوضؤون به، ولا صعيداً يتيممون به، فقال ابن عمر: لينفض كل واحد منكم غبار ‏ثوبه، أو صفّة سرجه، وليتيمم، وليصل، ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعاً. ولو كان المسافر في ‏طين وردغة لا يجد ماء ولا صعيدا وليس في ثوبه وسرجه غبار لطخ ثوبه أو بعض جسده ‏بالطين فإذا جف تيمم به.‏
أما ما لم يكن من جنس الأرض فلا يجوز التيمم به اتفاقاً عند الحنفية. فكل ما يحترق بالنار ‏فيصير رماداً كالحطب والحشيش ونحوهما، أو ما ينطبع ويلين كالحديد، والصفر، والنحاس، ‏والزجاج ونحوها، فليس من جنس الأرض. كما لا يجوز التيمم بالرماد لأنه من أجزاء الحطب ‏وليس من أجزاء الأرض.‏
وذهب الشافعية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر ذي ‏غبار يعلق باليد غير محترق لقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] وهذا ‏يقتضي أنه يمسح بجزء منه، فما لا غبار له كالصخر، لا يمسح بشيء منه. وقوله صلى اله عليه ‏وسلم: "جعل التراب لي طهورا" [أخرجه أحمد].‏
فإن كان جريشا أو ندياً لا يرتفع له غبار لم يكف. لأن الصعيد الطيب هو التراب المنبت، وقد ‏سئل ابن عباس رضي الله عنهما أي الصعيد أطيب فقال: الحرث، وهو التراب الذي يصلح للنبات ‏دون السبخة ونحوها.‏
وأضاف الشافعية إلى التراب الرمل الذي فيه غبار، وعن أحمد روايتان: الجواز وعدمه، وعن ‏أبي يوسف روايتان أيضاً.‏
ولا يجوز عندهم جميعاً (الشافعية وأحمد وأبو يوسف) التيمم بمعدن كنفط، وكبريت، ونورة، ولا ‏بسحاقة خزف، إذ لا يسمى ذلك تراباً.‏
ولا بتراب مختلط بدقيق ونحوه كزعفران،وجص، لمنعه وصول التراب إلى العضو، ولا بطين ‏رطب، لأنه ليس بتراب، ولا بتراب نجس كالوضوء باتفاق العلماء. لقوله تعالى: ‏
فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6].‏
وقال الشافعية إن ما استعمل في التيمم لا يتيمم به كالماء المستعمل. وزاد الحنابلة المغصوب ‏ونحوه فلا يجوز التيمم به.‏
ويجوز المسح بالثلج عند الحنابلة على أعضاء الوضوء إذ تعذر تذويبه لقوله صلى الله عليه ‏وسلم: إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم". ثم إذا جرى الماء على الأعضاء بالمس لم يعد ‏الصلاة لوجود الغسل وإن كان خفيفاً، وإن لم يسل أعاد صلاته، لأنه صلى بدون طهارة كاملة.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:22 PM
كيفية التيمم:‏
اختلف الفقهاء في كيفية التيمم: ‏
أ- فذهب الحنفية والشافعية إلى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين لقوله صلى الله ‏عليه وسلم: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين".‏
ب- وذهب المالكية والحنابلة إلى أن التيمم الواجب ضربة واحدة، لحديث عمار أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم قال في التيمم: "إنما كان يكفيك ضربة واحدة للوجه واليدين" واليد إذا أطلقت لا ‏يدخل فيها الذراع كما في اليد المقطوعة في السرقة.‏
والأكمل عنهم ضربتان وإلى المرفقين كالحنفية والشافعية.‏
وصورته -عندهم جميعاً- في مسح اليدين بالضربة الثانية: أن يمر اليد اليسرى على اليد اليمنى ‏من فوق الكف إلى المرفق، ثم باطن المرفق إلى الكوع (الرسغ)، ثم يمر اليمنى على اليسرى ‏كذلك.‏
والمقصود من التيمم إيصال التراب إلى الوجه واليدين، فبأي صورة حصل استيعاب العضوين ‏بالمسح أجزأه تيممه. سواء احتاج إلى ضربتين أو أكثر، وعلى هذا اتفق الفقهاء.‏

سنن التيمم:‏
يسن في التيمم أمور:‏
أ- التسمية:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أن التسمية سنة في أول التيمم كالوضوء بأن يقول: بسم الله الرحمن ‏الرحيم .‏
ويكتفي عند الحنفية بسم الله، وقيل: الأفضل ذكرها كاملة.‏
وذهب المالكية إلى أن التسمية فضيلة -وهي عندهم أقل من السنة- أما عند الحنابلة فالتسمية ‏واجبة كالتسمية في الوضوء.‏
ب- الترتيب: ‏
يسن الترتيب عند الحنفية والمالكية بأن يمسح الوجه أولاً ثم اليدين، فإن عكس صح تيممه، إلا ‏أنه يشترط عند المالكية أن يعيد مسح اليدين إن قرب المسح ولم يصلّ به، وإلا بطل التيمم.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب الترتيب كالوضوء.‏
جـ- الموالاة:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الموالاة سنة.‏
وذهب المالكية والحنابلة وهو قول الشافعي في القديم إلى وجوب الموالاة بحيث لو كان ‏المستعمل ماء لا يجف العضو السابق قبل غسل الثاني كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ‏صفة الوضوء المنقول عنه حيث لم يقع فيها الفصل بين أعضاء الوضوء.‏

د-سنن أخرى:‏
ذهب الحنفية إلى سنية الضرب بباطن الكفين وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب وإدبارهما ‏مبالغة في الاستيعاب، ثم نفضها اتقاء تلويث الوجه، نقل ذلك عن أبي حنيفة. وذهبوا أيضاً إلى ‏سنية تفريج الأصابع ليصل التراب إلى ما بينها.‏
وذهب المالكية إلى سنية الضربة الثانية ليديه والمسح إلى المرفقين، وأن لا يمسح بيديه شيئاً بعد ‏ضربهما بالأرض قبل مسح الوجه واليدين، فإن فعل كره وأجزأه، وهذا لا يمنع من نفضهما ‏نفضاً خفيفاً. ‏
ومن الفضائل عندهم في التيمم استقبال القبلة، والبدء باليمنى، وتخليل الأصابع.‏
وذهب الشافعية إلى سنية البداءة بأعلى الوجه، وتقديم اليمنى، وتفريق الأصابع في الضربة ‏الأولى، وتخليل الأصابع بعد مسح اليدين احتياطاً، وتخفيف الغبار لئلا تتشوه به خلقته.‏
ويسن عندهم أيضاً الموالاة بين التيمم والصلاة خروجاً من خلاف من أوجبها -وهم المالكية- ‏ويسن أيضاً إمرار اليد على العضو كالدلك في الوضوء، وعدم تكرار المسح، واستقبال القبلة، ‏والشهادتان بعده كالوضوء فيهما.‏
ويسن نزع الخاتم في الضربة الأول باعتبار اليد فيها أداة للمسح، وفي الثانية هي محل ‏للتطهير وهو ركن فيجب، ويسن السواك قبله، ونقل التراب إلى أعضاء التيمم.‏
ويستحب عند الحنابلة تخليل الأصابع أيضاً.‏

مكروهات التيمم:‏
يكره تكرار المسح بالاتفاق.‏
ويكره عند المالكية كثرة الكلام في غير ذكر الله، وإطالة المسح إلى ما فوق المرفقين، ‏وهو المسمى بالتحجيل.‏
وقال الشافعية: يكره تكثير التراب وتجديد التيمم ولو بعد فعل صلاة، ومسح التراب عن ‏أعضاء التيمم، فالأحب أن لا يفعله حتى يفرغ من الصلاة.‏
وعند الحنابلة: يكره الضرب أكثر من مرتين، ونفخ التراب إن كان خفيفاً.‏

نواقض التيمم:‏
ينقض التيمم ما يأتي:‏
أ- كل ما ينقض الوضوء والغسل، لأنه بدل عنهما، وناقض الأصل ناقض لبدله.‏
ب- رؤية الماء أو القدرة على استعمال الماء الكافي ولو مرة عند الحنفية والمالكية، ولو ‏لم يكف عند الشافعية والحنابلة وذلك قبل الصلاة لا فيها باتفاق الفقهاء، بشرط أن يكون الماء ‏فاضلاً عن حاجته الأصلية، لأن الماء المشغول بالحاجة كالمعدوم.‏
وقال الحنفية: إن مرور نائم أو ناعس متيمم على ماء كاف يبطل تيممه كالمستيقظ أما رؤية الماء ‏في الصلاة فإنها تبطل التيمم عند الحنفية والحنابلة، لبطلان الطهارة بزوال سببها، ولأن الأصل ‏إيقاع الصلاة بالوضوء.‏
ولا تبطله عند المالكية، ولا عند الشافعية بالنسبة للمسافر في محل لا يغلب فيه وجود ‏الماء، لوجود الإذن بالدخول في الصلاة بالتيمم، والأصل بقاؤه، لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا ‏أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33] وقد كان عمله سليماً قبل رؤية الماء والأصل بقاؤه، وقياساً على رؤية ‏الماء بعد الفراغ من الصلاة.‏
أما بالنسبة لصلاة المقيم بالتيمم فإنها تبطل عند الشافعية إذا رأى الماء في أثناء الصلاة وتلزمه ‏الإعادة لوجود الماء، لكن ليس مطلقاً، بل قيد الشافعية ذلك بكونه في محل يغلب فيه الماء، أما إذا ‏كان المقيم في محل لا يغلب فيه وجود الماء فلا إعادة عليه، وحكمه حينئذ حكم المسافر.‏
وأما إذا رأى الماء بعد انتهاء الصلاة، فإن كان بعد خروج وقت الصلاة فلا يعيدها المسافر باتفاق ‏الفقهاء، وإن كان في أثناء الوقت لم يعدها باتفاق الفقهاء أيضاً بالنسبة للمسافر. وذهب الشافعية ‏في الأصح عندهم إلى أن المقيم في محل يغلب فيه وجود الماء إذا تيمم لفقد الماء فإنه يعيد صلاته ‏لندور الفقد وعدم دوامه.‏
وفي قوله: لا يقضي واختاره النووي، لأنه أتى بالمقدور، وفي قول: لا تلزمه الصلاة في الحال ‏بل يصبر حتى يجده في الوقت، بخلاف المسافر فإنه لا يعيد إلا إذا كان في محل يغلب فيه وجود ‏الماء كما سبق.‏
جـ- زوال العذر المبيح له، كذهاب العدو والمرض والبرد، لأن ما جاز بعذر بطل بزواله. ‏
د- خروج الوقت: فإنه يبطل التيمم عند الحنابلة سواء أكان في أثناء الصلاة أم لا، وإن كان في ‏أثناء الصلاة تبطل صلاته، لأنها طهارة انتهت بانتهاء وقتها، كما لو انقضت مدة المسح وهو في ‏الصلاة.‏
هـ- الردة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الردة -والعياذ بالله- لا تبطل التيمم فيصلي به إذا أسلم، ‏لأن الحاصل بالتيمم الطهارة، والكفر لا ينافيها كالوضوء، ولأن الردة تبطل ثواب العمل لا زوال ‏الحدث.‏
وذهب الشافعية إلى أن الردة تبطل التيمم لضعفه بخلاف الوضوء لقوته.‏
و- الفصل الطويل: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الفصل الطويل بين التيمم والصلاة لا يبطله، ‏والموالاة ليست واجبة بينهما .‏
وذهب الشافعية في الأصح إلى أن العاصي بسفره، ومن سافر ليتعب نفسه أو دابته عبثاً يلزمه ‏أن يصلي بالتيمم ويقضي، لأنه من أهل الرخصة.‏
وذهب الشافعية أيضاً إلى أن العاصي بمرضه ليس من أهل الرخصة، فإن عصى بمرضه لم ‏يصح تيممه حتى يتوب.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:23 PM
التيمم بدل عن الماء:‏
ذهب عامة الفقهاء إلى أن التيمم ينوب عن الوضوء من الحدث الأصغر، وعن الغسل من الجنابة ‏والحيض والنفاس فيصح به ما يصح بهما من صلاة فرض أو سنة وطواف وقراءة للجنب ومس ‏مصحف وغير ذلك.‏
وقد اختلفوا في مرجع الضمير في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} بناء على اختلافهم ‏فيقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ} [المائدة:6] فمن ذهب من العلماء إلى أن الملامسة هي ‏الجماع. قال: إن الضمير يعود على المحدث مطلقاً، سواء أكان الحدث أصغر أم أكبر.‏
أما من ذهب منهم إلى أن الملامسة بمعنى اللمس باليد قال: إن الضمير يعود على المحدث حدثاً ‏أصغر فقط، وبذلك تكون مشروعية التيمم للجنب ثابتة بالسنة، كحديث عمران بن حصين قال: ‏كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل فقال: ما ‏منعك أن تصلي؟ قال: أصابني جنابة ولا ماء. قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك". [رواه ‏البخاري].‏
‏ ‏
نوع بدلية التيمم عن الماء:‏
اختلف الفقهاء في نوع البدل هل هو بدل ضروري أو بدل مطلق؟
فذهب جمهور الفقهاء إلى أن التيمم بدل ضروري ولذلك فإن الحدث لا يرتفع بالتيمم، فيباح ‏للمتيمم الصلاة مع قيام الحدث حقيقة للضرورة، كطهارة المستحاضة لحديث أبي ذر: "فإذا ‏وجدت الماء فأمسه جلدك فإنه خيرٌ لك". ولو رفع التيمم الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده، وإذا ‏رأى الماء عاد الحدث، مما يدل على أن الحدث لم يرتفع، وأبيحت له الصلاة للضرورة.‏
إلا أن الحنابلة أجازوا بالتيمم الواحد صلاة ما عليه من فوائت في الوقت إن كانت عليه خلافاً ‏للمالكية والشافعية.‏
وذهب الحنفية إلى أن التيمم بدل مطلق، وليس ببدل ضروري، فالحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت ‏وجود الماء في حق الصلاة المؤداة لقوله صلى الله عليه وسلم "التيمم وضوء المسلم ولو إلى ‏عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث".‏
أطلق النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء على التيمم وسماه به. والوضوء مزيل للحدث فكذا ‏التيمم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" والطهور اسم للمطهر، ‏والحديث يدل على أن الحدث يزول بالتيمم إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء عاد حكم الحدث.‏
‏ ‏
ثمرة هذا الخلاف:‏
يترتب على خلاف الفقهاء في نوع بدلية التيمم ما يلي:‏
أ- وقت التيمم:‏
ذهب الجمهور إلى عدم صحة التيمم إلا بعد دخول وقت ما يتيمم له من فرض أو نفل له وقت ‏مخصوص.‏
وذهب الحنفية إلى جواز التيمم قبل الوقت ولأكثر من فرض ولغير الفرض أيضاً لأن التيمم ‏يرتفع به الحدث إلى وجود الماء، وليس بمبيح فقط، وقاسوا ذلك على الوضوء، لأن التوقيت لا ‏يكون إلا بدليل سمعي، ولا دليل فيه.‏
تأخير الصلاة بالتيمم إلى آخر الوقت:‏
اتفق الفقهاء في الجملة على أن تأخير الصلاة بالتيمم لآخر الوقت أفضل من تقديمه لمن كان ‏يرجو الماء آخر الوقت، أما إذا يئس من وجوده فيستحب له تقديمه أول الوقت عند الجمهور ‏‏(الحنفية والمالكية والشافعية) وبعض الحنابلة.‏
وقيد الحنفية أفضلية التأخير إلى آخر الوقت بأن لا يخرج وقت الفضيلة لا مطلقا، حتى لا يقع ‏المصلي في كراهة الصلاة بعد وقت الفضيلة.‏
واختلفوا في صلاة المغرب هل يؤخر أم لا؟ ذهب إلى ذلك فريق من الحنفية.‏
وأما المالكية فقد فصلوا في هذه المسألة، فقالوا: استحباب التأخير لمن كان يرجو وجود الماء ظناً ‏أو يقيناً، أما إذا كان متردداً أو راجياً له فيتوسط في فعل الصلاة.‏
والشافعية خصوا أفضلية تأخير الصلاة بالتيمم بحالة تيقن وجود الماء آخر الوقت -مع جوازه في ‏أثنائه- لأن الوضوء هو الأصل والأكمل، فإن الصلاة به -ولو آخر الوقت- أفضل منها بالتيمم ‏أوله.‏
أما إذا ظن وجود الماء في آخره، فتعجيل الصلاة بالتيمم أفضل في الأظهر، لأن فضيلة التقديم ‏محققة بخلاف فضيلة الوضوء.‏
والقول الثاني: التأخير أفضل.‏
أما إذا شك فالمذهب تعجيل الصلاة بالتيمم.‏
ومحل الخلاف إذا اقتصر على صلاة واحدة، فإن صلى أول الوقت بالتيمم وبالوضوء في أثنائه ‏فهو النهاية في إحراز الفضيلة.‏
وذهب الحنابلة إلى أن تأخير الصلاة بالتيمم أولى بكل حال وهو المنصوص عن أحمد، لقول ‏علي -رضي الله عنه- في الجنب: يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا تيمم، ولأنه ‏يستحب التأخير للصلاة إلى ما بعد العشاء وقضاء الحاجة كيلا يذهب خشوعها، وحضور القلب ‏فيها، ويستحب تأخيرها لإدراك الجماعة، فتأخيرها لإدراك الطهارة المشترطة أولى.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:24 PM
ما يجوز فعله بالتيمم الواحد:‏
لما كان التيمم بدلاً عن الوضوء والغسل يصح به ما يصح بهما كما سبق، لكن على خلاف بين ‏الفقهاء فيما يصح بالتيمم الواحد.‏
فذهب الحنفية إلى أن المتيمم يصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل، لأنه طهور عند عدم ‏الماء كما سبق. واستدلوا بحديث: "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" ‏وبالقياس على الوضوء، وعلى مسح الخف، لأن الحدث الواحد لا يجب له طهران.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا يصلي بتيمم واحد فرضين، فلا يجوز للمتيمم أن يصلي أكثر ‏من فرض بتيمم واحد، ويجوز له أن يجمع بين النوافل، وبين فريضة ونافلة إن قدم الفريضة عند ‏المالكية.‏
أما عند الشافعية فيتنفل ما شاء قبل المكتوبة وبعدها لأنها غير محصورة، واستدلوا بقول ابن ‏عباس رضي الله عنه (من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم يتيمم للصلاة ‏الأخرى).‏
وهذا مقتضى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه طهارة ضرورية، فلا يصلي بها ‏فريضتين، كما استدلوا بأن الوضوء كان لكل فرض لقوله تعالى: ‏
إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] والتيمم بدل عنه، ثم نسخ ذلك في الوضوء، فبقي التيمم على ما ‏كان عليه، ولقول ابن عمر يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها، وصلى به فوائت ويجمع بين ‏صلاتين، ويتطوع بما شاء ما دام في الوقت، فإذا دخل وقت صلاة أخرى بطل تيممه وتيمم، ‏واستدل الحنابلة بأنه كوضوء المستحاضة يبطل بدخول الوقت.‏
ويجوز عند المالكية والشافعية في الأصح صلاة الجنازة مع الفرض بتيمم واحد، لأن صلاة ‏الجنازة لما كانت فرض كفاية سلك بها مسلك النفل في جواز الترك في الجملة.‏
ويجوز بالتيمم أيضاً قراءة القرآن إن كان جنباً ومس المصحف، ودخول المسجد للجنب، وأما ‏المرور فيجوز بلا تيمم.‏
وعند الشافعية يجدد التيمم للنذر لأنه كالفرض في الأظهر، ولا يجمعه في فرض آخر.‏
ويصح عند الشافعية لمن نسي صلاة من الصلوات الخمس أن يصليها جميعاً بتيمم واحد، لأنه ‏لما نسي صلاة ولم يعلم عينها وجب عليه أن يصلي الخمس لتبرأ ذمته بيقين -وإنما جاز التيمم ‏الواحد لهنّ لأن المقصود بهنّ واحدة والباقي وسيلة.‏
وعند المالكية يتيمم خمساً، لكل صلاة تيمم خاص بها، ولا يجمع بين فرضين بتيمم واحد.‏
‏ ‏
ما يصح فعله بالتيمم مع وجود الماء:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يصح فعل عبادة مبنية على الطهارة بالتيمم عند وجود الماء إلا ‏لمريض، أو مسافر وجد الماء لكنه محتاج إليه، أو عند خوف البرد وعلى هذا فمن فعل شيئاً من ‏العبادات المبنية على الطهارة بالتيمم مع وجود الماء في غير الأموال المذكورة بطلت عبادته ولم ‏تبرأ ذمته منها.‏
وذهب الحنفية -في المفتى به عندهم- إلى جواز التيمم لخوف فوت صلاة جنازة- أي: فوت جميع ‏تكبيراتها- أما إذا كان يرجو أن يدرك بعض تكبيراتها فلا يتيمم لأنه يمكنه أداء الباقي وحده، ‏سواء كان بلا وضوء، أو كان جنباً، أو حائضاً، أو نفساء إذا انقطع دمها على العادة.‏
لكنهم اشترطوا في الحائض أن يكون انقطاع دمها لأكثر الحيض.‏
أما إذا كان الانقطاع لتمام العادة فلا بد أن تصير الصلاة دينا في ذمتها، أو تغتسل، أو يكون تيمماً ‏كاملاً بأن يكون عند فقد الماء.‏
ولو جيء بجنازة أخرى إن أمكنه التوضؤ بينهما، ثم زال تمكنه أعاد التيمم وإلا لا يعيد، وعند ‏محمد يعيد على كل حال.‏
واختلفوا في ولي الميت، هل يجوز له التيمم لأن له حق التقدم، أو ينتظر لأن له حق الإعادة ولو ‏صلوا؟ فيه خلاف في النقل عن أبي حنيفة.‏
ويجوز التيمم عند وجود الماء أيضاً لخوف فوت صلاة العيد بفراغ إمام، أو زوال شمس ولو بناء ‏على صلاته بعد شروعه متوضئأ وسبق حدثه فيتيمم لإكمال صلاته، بلا فرق بين كونه إماماً أو ‏مأموما في الأصح، لأن المناط خوف الفوت لا إلى بدل.‏
وكذا كل صلاة غير مفروضة خاف فوتها ككسوف وخسوف، وسنن رواتب ولو سنة فجر خاف ‏فوتها وحدها، لأنها تفوت لا إلى بدل، هذا على قياس أبي حنيفة وأبي يوسف، أما على قياس ‏محمد فلا يتيمم لها، لأنها إذا فاتته لاشتغاله بالفريضة مع الجماعة يقضيها بعد ارتفاع الشمس ‏عنده، وعندهما لا يقضيها.‏
ويجوز التيمم عند الحنفية أيضاً عند وجود الماء لكل ما يستحب له الطهارة، ولا تشترط كنوم ‏وسلام وردّ سلام، ولدخول مسجد والنوم فيه، وإن لم تجز به الصلاة.‏
ولا يجوز التيمم عند الحنفية مع وجود الماء لخوف فوت جمعة، ووقت، ولو وتراً، لفواتها إلى ‏بدل.‏
وقال زفر: يتيمم لفوات الوقت.‏
فالأحوط أن يتيمم ويصلي ثم يعيد.‏
‏ ‏
حكم فاقد الطهورين:‏
فاقد الطهورين هو الذي لم يجد ماء ولا صعيدا يتيمم به، كأن حبس في مكان ليس فيه واحد ‏منهما، أو في موضع نجس ليس فيه ما يتيمم به، وكان محتاجاً للماء الذي معه لعطش، ‏وكالمصلوب وراكب سفينة لا يصل إلى ماء، وكمن لا يستطيع الوضوء ولا التيمم لمرض ‏ونحوه.‏
فذهب جمهور العلماء إلى أن صلاة فاقد الطهورين واجبة لحرمة الوقت ولا تسقط عنه مع ‏وجوب إعادتها عند الحنفية والشافعية، ولا تجب إعادتها عند الحنابلة، وأما عند المالكية فإن ‏الصلاة عنه ساقطة على المعتمد من المذهب أداء وقضاء.‏
‏ ‏
التيمم للجبيرة والجرح وغيرهما:‏
اتفق الفقهاء على أن من كان في جسده كسور أو جروح أو قروح ونحو ذلك، فإن لم يخف ‏ضرراً أو شيناً وجب غسلها في الوضوء والغسل، فإن خاف شيئاً من ذلك فيجوز المسح على ‏الجرح ونحوه، ويجوز التيمم وذلك في أحوال خاصة يذكر تفصيلها والخلاف فيها في مصطلح: ‏‏(جبيرة).‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:26 PM
الحَيْض‏ ‏



تعريفه لغة:‏
مصدر حاض، يقال: حاض السيل إذا فاض،وحاضت المرأة: سال دمها.‏
تعريفه شرعاً: ‏
هو دم ينفضه رحم المرأة سليمة عن داء وصغر.‏
أو دم جبلة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة من غير سبب في أوقات ‏معلومة.‏
‏ ‏
الحكم التكليفي لتعلم أحكام الحيض:‏
يجب على المرأة تعلم ما تحتاج إليه من أحكام الحيض. وعلى زوجها أو وليها أن يعلمها ما تحتاج ‏إليه منه إن علم، وإلا أذن لها بالخروج لسؤال العلماء، ويحرم عليه منعها إلا أن يسأل هو ‏ويخبرها فتستغني بذلك. ولها أن تخرج بغير إذنه إن لم يأذن لها.‏
وهو من علم الحال المتفق على فرضية تعلمه.‏
‏ ‏
ركن الحيض:‏
صرح فقهاء الحنفية بأن للحيض ركناً، وهو بروز الدم من الرحم، أي ظهور الدم بأن يخرج من ‏الفرج الداخل إلى الفرج الخارج، فلو نزل إلى الفرج الداخل فليس بحيض وبه يفتى.‏
وما صرح به الحنفية لا يأباه فقهاء المذاهب الأخرى حيث إنهم يعرفون الحيض بأنه (دم ‏يخرج...).‏
شروط الحيض:‏
هناك شروط لا بد من تحققها حتى يكون الدم الخارج حيضاً.‏
‏1- أن يكون رحم امرأة لا داء بها ولا حبل. فالخارج من الدبر ليس بحيض، وكذا الخارج من ‏رحم البالغة بسبب داء يقتضي خروج دم بسببه.‏
‏2- ألا يكون بسبب الولادة، فالخارج بسبب الولادة دم نفاس لا حيض.‏
‏3- أن يتقدمه نصاب الطهر ولو حكماً. ونصاب الطهر مختلف فيه فهو خمسة عشر يوماً عند ‏الحنفية والمالكية والشافعية، وثلاثة عشر يوماً عند الحنابلة. ‏
‏4- ألا ينقص الدم عن أقل الحيض، حيث إن للحيض مدة لا ينقص عنها، فإذا نقص علمنا أنه ليس ‏بدم حيض.‏
‏5- أن يكون في أوانه، وهو تسع سنين قمرية، فمتى رأت دماً قبل بلوغ السن لم يكن حيضاً، وإذا ‏رأت دماً بعد سن الإياس لم يكن حيضاً أيضاً.‏
‏ ‏
ما تراه الحائض من ألوان أثناء الحيض:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، لأنه الأصل فيما تراه ‏المرأة في زمن الإمكان.‏
والصفرة والكدرة: هما شيء كالصديد. واختلف الفقهاء في الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض.‏
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنهما ليسا بحيض في غير أيام الحيض، لقول أم عطية: ‏
‏" كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً" .‏
وقال المالكية والشافعية إلى أنهما حيض. إذا رأتهما المعتادة بعد عادتها، فإنها تجلس ‏أيامهما عند الشافعية.‏
‏ ‏
السن التي تحيض فيها المرأة:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أقل سن تحيض له المرأة تسع سنين قمرية.‏
سن الإياس:‏
وحدّ التمرتاشي -من علماء الحنفية- سن الإياس بخمسين سنة، وقال: وعليه المعول. وعليه ‏الفتوى في زماننا. وحدّه كثير منهم بخمس وخمسين سنة.‏
وقال الشافعية: بتحديده باثنتين وستين سنه لأنه باعتبار الغالب حتى لا يعتبر النقص عنه.‏
وعند المالكية أقوال ملخصها: بنت سبعين سنة ليس دمها بحيض، وبنت خمسين يسأل النساء، ‏فإن جزمن بأنه حيض أو شككن فهو حيض وإلا فلا، والمراهقة وما بعدها للخمسين يجزم بأنه ‏حيض ولا سؤال، والمرجع في ذلك العرف والعادة.‏
وقال الحنابلة: إلى إن أكثر سن تحيض فيه المرأة خمسون سنة.‏
‏ ‏
أقل فترة الحيض وأكثرها:‏
ذهب الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها -وقدروها باثنتين وسبعين ساعة، وأكثره ‏عشرة أيام بلياليها.‏
وذهب المالكية إلى أنه لا حد لأقله بالزمان، ولذلك بينوا أقله في المقدار وهو دفعة، قالوا: وهذا ‏بالنسبة إلى العبادة، وأما في العدة والاستبراء فلا بد من يوم أو بعضه.‏
وأما أكثره فإنه يختلف عندهم بوجود الحمل وعدمه، فأكثر الحيض لغير الحامل خمسة عشر يوماً ‏سواء كانت مبتدأة أو معتادة، غير أن المعتادة -وهي التي سبق لها حيض ولو مرة- تستظهر ‏ثلاثة أيام على أكثر عادتها إن تمادى بها.‏
فإذا اعتادت خمسة ثم تمادى مكثت ثمانية، فإن تمادى في المرة الثالثة مكثت أحد عشر. فإن ‏تمادى في الرابعة مكثت أربعة عشر، فإن تمادى في مرة أخرى مكثت يوماً ولا تزيد على ‏الخمسة عشر.‏
وأما الحامل -وهي عندهم تحيض- فأكثر حيضها يختلف باختلاف الأشهر سواء كانت مبتدأة أو ‏معتادة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً بلياليهن.‏
أحوال الحائض:‏
الحائض إما أن تكون مبتدأة، أو معتادة، أو متحيرة.‏
فالمبتدأة: هي من كانت في أول حيض أو نفاس، أو هي التي لم يتقدم لها حيض قبل ذلك.‏
والمعتادة: عند الحنفية هي من سبق منها دم وطهر صحيحان أو أحدهما .‏
وقال المالكية: هي التي سبق لها حيض ولو مرة.‏
وهي عند الشافعية من سبق لها حيض وطهر وهي تعلمهما قدراً ووقتاً.‏
ومذهب الحنابلة أن العادة لا تثبت إلا في ثلاثة أشهر -في كل شهر مرة- ولا يشترطون فيها ‏التوالي.‏
والمتحيرة: من نسيت عادتها عدداً أو مكاناً. ‏
وقال الشافعية: هي المستحاضة غير المميزة الناسية للعادة.‏
‏ ‏
أ- المبتدأة:‏
إذا رأت المبتدأة الدم وكان في زمن إمكان الحيض -أي في سن تسع سنوات فأكثر- ولم يكن الدم ‏ناقصاً عن أقل الحيض ولا زائداً على أكثره فإنه دم حيض، ويلزمها أحكام الحائض، لأن دم ‏الحيض جبلة وعادة، ودم الاستحاضة لعارض من مرض ونحوه، والأصل عدمه.‏
فإذا انقطع الدم لدون أقل الحيض فليس بحيض لعدم صلاحيته له، بل هو دم فساد.‏
ثم إن للمبتدأة أحوالاً، بحسب انقطاع الدم واستمراره.‏
الحالة الأولى: انقطاع الدم لتمام أكثر الحيض فما دون:‏
إذا انقطع الدم دون أكثر الحيض أو لأكثره ولم يجاوز ورأت الطهر، طهرت، ويكون الدم بين ‏أول ما تراه إلى رؤية الطهر حيضاً، يجب عليها خلاله ما يجب على الحائض، وهو ما ذهب إليه ‏الحنفية والمالكية والشافعية.‏
وذهب الحنابلة إلى أن الدم إن جاوز أقل الحيض ولم يعبر أكثره، فإن المبتدأة لا تجلس المجاوز ‏لأنه مشكوك فيه، بل تغتسل عقب أقل الحيض وتصوم وتصلي فيما جاوزه، لأن المانع منها هو ‏الحيض وقد حكم بانقطاعه، وهو آخر الحيض حكماً، أشبه آخره حسا.‏
الحالة الثانية: استمرار الدم وعبوره أكثر مدة الحيض:‏
اختلف الفقهاء فيما إذا استمر دم المبتدأة وجاوز أكثر الحيض، فمذهب الحنفية والمالكية إلى أن ‏حيضها أكثر فترة الحيض وطهرها ما جاوزه. فذهب الحنفية أن حيضها في كل شهر عشرة، ‏وطهرها عشرون.‏
والمشهور عند المالكية أنها تمكث خمسة عشر يوماً -لأكثر فترة الحيض عندهم- أخذاً بالأحوط ‏ثم هي مستحاضة.‏
ب-المعتادة:‏
ثبوت العادة:‏
ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والشافعية -إلى أن العادة تثبت بمرة واحدة في المبتدأة.‏
وذهب الحنابلة إلى أنها لا تثبت إلا بثلاث مرات في كل شهر مرة.‏
واختلف الحنفية في المعتادة إذا رأت ما يخالف عادتها مرة واحدة، هل يصير ذلك المخالف عادة ‏لها أم لا بد من تكراره؟ فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يصير ذلك عادة بمرة واحدة. وذهب ‏محمد إلى أنه لا يصير عادة إلا بتكراره.‏
أحوال المعتادة: ‏
المعتادة إما أن ترى من الدم ما يوافق عادتها،أو ينقطع الدم دون عادتها، أو يجاوز عادتها.‏
موافقة الدم للعادة:‏
اتفق الفقهاء على أنه إذا رأت المعتادة ما يوافق عادتها بأن انقطع دمها ولم ينقص أو يزد على ‏عادتها، فأيام الدم حيض وما بعدها طهر. فإن كانت عادتها خمسة أيام حيضاً. وخمسة وعشرين ‏طهراً ورأت ما يوافق ذلك، فحيضها خمسة أيام، وطهرها خمسة وعشرون كعادتها.‏
‏ ‏
انقطاع الدم دون العادة:‏
اتفق الفقهاء على أنه إذا انقطع دم المعتادة دون عادتها، فإنها تطهر بذلك ولا تتمم عادتها،بشرط ‏أن لا يكون انقطاع الدم دون أقل الحيض. ومنع الحنفية وطأها حينئذ حتى تمضي عادتها وإن ‏اغتسلت. قالوا: لأن العود في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب. ‏
ومذهب الجمهور أنه يجوز وطؤها. وقد صرح الحنابلة بعدم كراهته كسائر الطاهرات.‏
وإن عاد الدم بعد انقطاعه، فمذهب الحنفية أنه يبطل الحكم بطهارتها بشرط أن يعود في مدة أكثر ‏الحيض -عشرة أيام- ولم يتجاوزها إلى العشرة، فإذا رأت الدم في اليوم الأول تترك الصلاة ‏والصوم. وإذا طهرت في الثاني توضأت وصّلت وفي الثالث تترك الصلاة والصوم. وفي الرابع ‏تغتسل وتصلي وهكذا إلى العشرة.‏
ومذهب المالكية فيما لو عاد الدم بعد انقطاعه، فإن كان مقدار الانقطاع لا يبلغ أقل الطهر ألغي ‏ولم يحتسب به، وأضيف الدم الأول إلى الثاني، وجعل حيضة منقطعة تغتسل منها المرأة عند ‏إدبار الدم وإقبال الطهر، يوماً كان أو أكثر، وتصلي فإذا عاد الدم إليها كفّت عن الصلاة وضمته ‏إلى أيام دمها، وعدته من حيضتها.‏
وذهب الشافعية إلى أنه إذا عاد الدم بعد النقاء، فالكل حيض -الدم والنقاء- بشروط: وهي أن لا ‏يجاوز ذلك خمسة عشر يوماً، ولم تنقص الدماء من أقل الحيض، وأن يكون النقاء محتوشا بين ‏دمي الحيض.‏
وذهب الحنابلة إلى أنها إن طهرت في أثناء عادتها طهراً خالصاً ولو أقل مدة فهي طاهر تغتسل ‏وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات، ولا يكره وطء الزوج لها بعد الاغتسال فإن عاودها الدم في ‏أثناء العادة ولم يجاوزها، فإنها تجلس زمن الدم من العادة كما لو لم ينقطع، لأنه صادف زمن ‏العادة.‏
مجاوزة الدم للعادة:‏
اختلف الفقهاء فيما إذا جاوز دم المعتادة عادتها.‏
فذهب الحنفية إلى أنه إذا رأت المعتادة ما يخالف عادتها، فإما أن تنتقل عادتها أوْلاً، فإن لم تنتقل ‏ردت إلى عادتها، فيجعل المرئي فيها حيضاً وما جاوز العادة استحاضة، وإن انتقلت فالكل حيض ‏فإذا استمر دم المعتادة وزاد على أكثر الحيض فطهرها وحيضها ما اعتادت فترد إليها فيهما في ‏جميع الأحكام إن كان طهرها أقل من ستة أشهر، فإن كان طهرها ستة أشهر فأكثر فإنه لا يقدر ‏حينئذ بذلك. ‏
وذهب المالكية إلى أنه إذا تمادى دم الحيض على المعتادة، فإنها تستظهر ثلاثة أيام من أيام الدم ‏الزائد على أكثر عادتها، ثم هي طاهر بشرط أن لا تجاوز خمسة عشر يوماً، فإذا اعتادت خمسة ‏أيام أولاً، ثم تمادى، مكثت ثمانية، فإن تمادى في المرة الثالثة مكثت أحد عشر، فإن تمادى في ‏الرابعة مكثت أربعة عشر. فإن تمادى في مرة أخرى فلا تزيد على الخمسة عشر. ومن كانت ‏عادتها ثلاثة عشر فتستظهر يومين. ومن عادتها خمسة عشر فلا استظهار عليها.‏
وذهب الشافعية إلى أنه إن جاوز الدم عادتها ولم يعبر أكثر الحيض فالجميع حيض، لأن الأصل ‏استمرار الحيض.‏
والمذهب عند الحنابلة أنها لا تلتفت إلى ما خرج عن عادتها قبل تكرره، فما تكرر من ذلك ثلاثاً ‏أومرتين على اختلاف في ذلك فهو حيض، وإلا فلا، فتصوم وتصلي قبل التكرار.‏
انتقال العادة:‏
مذهب الحنفية في انتقال العادة:‏
إذا رأت المعتادة ما يخالف عادتها في الحيض. فإذا لم يجاوز الدم العشرة الأيام، فالكل حيض، ‏وانتقلت العادة عدداً فقط إن طهرت بعده طهراً صحيحاً خمسة عشر يوماً، وإن جاوز العشرة ‏الأيام ردت إلى عادتها، لأنه صار كالدم المتوالي. ‏
انتقال العادة عند غير الحنفية:‏
صرح المالكية والشافعية والحنابلة بأن العادة قد تنتقل، فتتقدم أو تتأخر، أو يزيد قدر الحيض أو ‏ينقص. ومن أمثلة انتقال العادة عند المالكية ما إذا تمادى دم المعتادة وزاد على عادتها فإنها ‏تستظهر بثلاثة أيام على عادتها، ويصير الاستظهار عادة لها.‏
أنواع العادة:‏
العادة قسمان: متفقة، ومختلفة.‏
فالمتفقة ما كانت أياماً متساوية، كسبعة من كل شهر، فهذه تجلس أيام عادتها ولا تلتفت إلى ما زاد ‏عليها.‏
والمختلفة هي ما كانت أياماً مختلفة، وهي قسمان: ‏
مرتبة، بأن ترى في شهر ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة، ثم تعود إلى مثل ذلك. ‏فهذه إذا استحيضت في شهر وعرفت نوبته عملت عليه. وإن نسيت نوبته جلست الأقل، وهو ‏ثلاثة لأنه المتيقن.‏
وغير مرتبة: بأن تتقدم هذه مرة، هذه أخرى كأن تحيض في شهر ثلاثة، وفي الثاني خمسة، وفي ‏الثالث أربعة. فإن أمكن ضبطه بحيث لا يختلف هو، فالتي قبلها، وإن لم يمكن ضبطه ردت إلى ‏ما قبل شهر الإستحاضة عند الشافعية بناء على ثبوت العادة بمرة.‏
وعند الحنابلة تجلس الأقل في كل شهر.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:27 PM
الطهر من الحيض:‏
أقل الطهر وأكثره:‏
أجمع الفقهاء على أنه لا حد لأكثر الطهر، لأن المرأة قد لا تحيض أصلاً.‏
واختلفوا في أقل الطهر . فذهب الحنفية والمالكية على المشهور، والشافعية إلى أن أقل طهر ‏بين حيضتين خمسة عشر يوماً بلياليها، لأن الشهر غالباً لا يخلو من حيض وطهر، وإذا كان أكثر ‏الحيض خمسة عشر لزم أن يكون أقل الطهر كذلك. واستدل الحنفية على ذلك بإجماع الصحابة.‏
وذهب الحنابلة إلى أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً.‏
علامة الطهر:‏
الطهر من الحيض يتحقق بأحد أمرين، إما انقطاع الدم، أو رؤية القصة.‏
والمقصود بانقطاع الدم الجفاف بحيث تخرج الخرقة غير ملوثة بدم، أو كدرة، أو صفرة. فتكون ‏جافة من كل ذلك، ولا يضر بللها بغير ذلك من رطوبة.‏
والقصة ماء أبيض يخرج من فرج المرأة يأتي في آخر الحيض. قالت عائشة رضي الله تعالى ‏عنها: "لما كانت النساء يبعثن إليها بالدُّرجة (اللفافة) فيها الكُرْسف (القطن) فيه الصفرة من دم ‏الحيض. لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء".‏
وقد صرح الحنفية والشافعية بأن الغاية الانقطاع، فإذا انقطع طهرت، سواء خرجت بعده رطوبة ‏بيضاء أم لا.‏
وفرق المالكية بين معتادة الجفوف، ومعتادة القصة، ومعتادة القصة مع الجفوف. فمعتادة الجفوف ‏إذا رأت القصة أولاً، لا تنتظر الجفوف وإذا رأت الجفوف أولاً، لا تنتظر القصة.‏
وأما معتادة القصة فقط، أو مع الجفوف إذا رأت الجفوف أولاً، ندب لها انتظار القصة لآخر ‏الوقت المختار. وإن رأت القصة أولاً فلا تنتظر شيئاً بعد ذلك. فالقصة أبلغ لمعتادتها، ولمعتادتها ‏مع الجفوف أيضاً.‏
حكم الطهر المتخلل بين أيام الحيض:‏
اختلف الفقهاء في النقاء المتخلل بين أيام الحيض، هل هو حيض أو طهر؟ فذهب الحنفية ‏والشافعية إلى أنه حيض.‏
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه طهر. ‏
دم الحامل:‏
اختلف الفقهاء في دم الحامل هل هو دم حيض، أو علة وفساد؟.‏
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن دم الحامل دم علة وفساد، وليس بحيض، لحديث أبي سعيد رضي ‏الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبي أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ‏ذات حمل حتى تحيض" فجعل الحيض علما على براءة الرحم، فدل على أنه لا يجتمع معه. ‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أن دم الحامل حيض، إن توافرت شروطه لعموم الأدلة.‏
وإجماع أهل المدينة عليه، ولأنه دم متردد بين دمي الجِبِلَّة والعلة، والأصل السلامة من العلة، ‏لأنه دم لا يمنعه الرضاع بل إذا وجد معه حكم بكونه حيضاً، وإن ندر فكذا لا يمنعه الحيض.‏
أنواع الطهر:‏
قسم الحنفية الطهر إلى صحيح، وفاسد، وإلى تام، وناقص.‏
فالطهر الصحيح: هو النقاء خمسة عشر يوماً فأكثر لا يشوبه خلالها دم مطلقاً لا في أوله، ولا في ‏وسطه، ولا في آخره، ويكون بين دمين صحيحين.‏
والطهر الفاسد ما خالف الصحيح في أحد أوصافه، بأن كان أقل من خمسة عشر، أو خالطه دم أو ‏لم يقع بين دمين صحيحين.‏
فإذا كان الطهر أقل من خمسة عشر يوماً، فإنه طهر فاسد، ويجعل كالدم المتوالي. ولو كان خمسة ‏عشر يوماً، لكن خالطه دم صار طهراً فاسداً.‏
والطهر التام ما كان خمسة عشر يوماً فأكثر سواء أكان صحيحاً، أم فاسداً.‏
والطهر الناقص: ما نقص عن خمسة عشر يوماً، وهو نوع من الطهر الفاسد.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:28 PM
ما يترتب على الحيض:‏
‏(1) البلوغ:‏
اتفق الفقهاء على أن الحيض علامة من علامات البلوغ التي يحصل بها التكليف، فإذا رأت ‏المرأة الدم في زمن الإمكان، فأصبحت بالغة مكلفة يجب عليها ما يجب على البالغات المكلفات.‏
‏(2) التطهر:‏
صرح الحنفية والمالكية والشافعية بأنه لا تصح طهارة الحائض، فإذا اغتسلت الحائض لرفع ‏حدث الجنابة، فلا يصح غسلها.‏
وذهب الحنابلة إلى أن الحائض إن اغتسلت للجنابة زمن حيضها صح غسلها، واستحب تخفيفاً ‏للحدث، ويزول حكم الجنابة. لأن بقاء أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر.‏
غسل الحائض:‏
اتفق الفقهاء على أن الحيض موجب من موجبات الغسل، فإذا انقطع الدم وجب على المرأة أن ‏تغتسل لاستباحة ما كانت ممنوعة منه بالحيض. ‏
وغسل الحيض كغسل الجنابة، ويستحب للمغتسلة من الحيض غير المحرمة والمحدة تطييب ‏موضع الدم.‏
طهارة الحائض:‏
لا خلاف بين الفقهاء في طهارة جسد الحائض، وعرقها، وسؤرها، وجواز أكل طبخها وعجنها، ‏وما مسته من المائعات، والأكل معها ومساكنتها.‏
‏(3)الصلاة:‏
اتفق الفقهاء على عدم صحة الصلاة من الحائض، إذ الحيض مانع لصحتها. كما أنه يمنع ‏وجوبها، ويحرم عليها أداؤها. ‏
وصرح الحنفية والشافعية والحنابلة بأن سجود التلاوة والشكر في معنى الصلاة فيحرمان على ‏الحائض.‏
كما اتفق الفقهاء على أن قضاء ما فات الحائض في أيام حيضها ليس بواجب.‏
‏ ‏
إدراك وقت الصلاة:‏
الحائض إما أن تدرك أول وقت الصلاة بأن تكون طاهراً قم يطرأ الحيض، أو تدرك آخر الوقت ‏بأن تكون حائضاً ثم تطهر.‏
‏(أ) إدراك أول الوقت:‏
اختلف الفقهاء فيما إذا أدركت الحائض أول الوقت، بأن كانت طاهراً ثم حاضت هل تجب عليها ‏تلك الصلاة أولاً.‏
فذهب الحنفية إلى أنه إن طرأ الحيض في أثناء الوقت سقطت تلك الصلاة، ولو بعد ما افتتحت ‏الفرض.‏
أما لو طرأ وهي في التطوع، فإنه يلزمها قضاء تلك الصلاة.‏
وذهب المالكية إلى أنه إن حدث الحيض في وقت مشترك بين الصلاتين سقطت الصلاتان، وإن ‏حدث في وقت مختص بإحداهما، سقطت المختصة بالوقت وقضيت الأخرى.‏
وذهب الشافية إلى أنه إن طرأ الحيض في أول الوقت، فإنه تجب عليها تلك الصلاة فقط إن ‏أدركت قدر الفرض، ولا تجب معها الصلاة التي تجمع معها بعدها، ويجب الفرض الذي قبلها ‏أيضاً، إن كانت تجمع معها وأدركت قدره ولم تكن قد صّلته لتمكنها من فعل ذلك.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه إن أدركت المرأة من أول الوقت قدر تكبيرة، ثم طرأ الحيض لزمها قضاء ‏تلك الصلاة التي أدركت التكبيرة من وقتها فقط، لأن الصلاة تجب بدخول أول الوقت على ‏مكلف، لم يقم به مانع وجوباً مستقراً، فإذا قام به مانع بعد ذلك لم يسقطها. فيجب قضاؤها عند ‏زوال المانع.‏
‏ ‏
‏(ب) إدراك آخر الوقت:‏
اختلف الفقهاء في مقدار الوقت الذي تدرك فيه الحائض الصلاة إن طهرت. فذهب الحنفية إلى ‏التفريق بين انقطاع الدم لأكثر الحيض، انقطاعه قبل أكثر الحيض بالنسبة للمبتدأة، وانقطاع دم ‏المعتادة في أيام عادتها أو بعدها، أو قبلها بالنسبة للمعتادة.‏
فإن كان انقطاع الدم لأكثر الحيض في المبتدأة، فإنه تجب عليها الصلاة لو بقي من الوقت مقدار ‏تحريمه، وإن بقي من الوقت ما يمكنها الاغتسال فيه أيضا، فأنه يجب أداء الصلاة. فإن لم يبق من ‏الوقت هذا المقدار فلا قضاء ولا أداء. فالمعتبر عندهم الجزء الأخير من الوقت بقدر التحريمة. ‏فلو كانت فيه طاهرة وجبت الصلاة وإلا فلا.‏
وذهب المالكية إلى أن الحائض تدرك الصلاة إذا بقي من الوقت ما يسع ركعة تامة، وذلك في ‏صلاة الصبح والعصر والعشاء، فإذا طهرت الحائض قبل الطلوع، أو الغروب، أو الفجر بقدر ‏ركعة، فإنها تجب عليها تلك الصلاة، ولا تدرك بأقل من ركعة على المشهور، وتدرك الظهر ‏والمغرب إذا بقي من وقتها الضروري ما يسع فضل ركعة على الصلاة الأولى لا الثانية، فإذا ‏طهرت الحائض وقد بقي من الليل قدر أربع ركعات صلت المغرب والعشاء، لأنه إذا صلت ‏المغرب بقيت ركعة للعشاء.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الصلاة تجب على الحائض إذا طهرت وقد أدركت من آخر ‏الوقت قدر تكبيرة، فيجب قضاؤها فقط إن لم تجمع مع التي قبلها، وقضاؤها وقضاء ما قبلها إن ‏كانت تجمع، فإذا طهرت قبل طلوع الشمس، وبقي من الوقت ما يسع تكبيرة لزمها قضاء الصبح ‏فقط، لأن التي قبلها لا تجمع إليها. وإن طهرت قبل غروب الشمس بمقدار تكبيرة لزمها قضاء ‏الظهر والعصر، وكذا إن طهرت قبل طلوع الفجر بمقدار تكبيرة لزمها قضاء المغرب والعشاء،.‏
‏(4) الصوم ‏
اتفق الفقهاء على تحريم الصوم على الحائض مطلقاً فرضاً أو نفلاً، وعدم صحته منها. كما اتفق ‏الفقهاء على وجوب قضاء رمضان عليها.‏
إدراك الصوم:‏
لا خلاف بين الفقهاء في أنه إذا انقطع دم الحيض بعد الفجر، فإنه لا يجزيها صوم ذلك اليوم ‏ويجب عليها قضاؤه، ويجب عليها الإمساك حينئذ عند الحنفية والحنابلة.‏
وعند المالكية يجوز لها التمادي على تعاطي المفطر ولا يستحب لها الإمساك.‏
وعند الشافعية لا يلزمها الإمساك.‏
كما اتفق الفقهاء على أنه إذا طهرت المرأة قبل الفجر، فإنه يجب عليها صوم ذلك اليوم.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:28 PM
‏(5) الحج:‏
‏1- أغسال الحج:‏
اتفق الفقهاء على سنية أغسال الحج للحائض، لحديث عائشة: قالت: قدمت مكة
وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة. قالت: فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم، فقال: "افعلي كما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري"[أخرجه ‏البخاري].‏
فيسن لها أن تغتسل للإحرام، ولدخول مكة. وللوقوف بعرفة وغيرها من الأغسال ‏المسنونة.‏
ب- الطواف:‏
لا خلاف بين الفقهاء في أن الحيض لا يمنع شيئاً من أعمال الحج إلا الطواف.‏
أ- قراءة القرآن:‏
اختلف الفقهاء في حكم قراءة الحائض للقرآن، فذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والشافعية ‏والحنابلة- إلى حرمة قراءتها للقرآن لقوله النبي صلى الله عليه وسلم "لا تقرأ الحائض ولا ‏الجنب شيئاً من القرآن" [أخرجه الترمذي ].‏
وهناك تفصيلات بيانها فيما يلي:‏
قال الحنفية: فلو قرأت الفاتحة على وجه الدعاء، أو شيئاً من الآيات التي فيها معنى‏
الدعاء، ولم ترد القراءة لا بأس به، وصرحوا أن ما ليس فيه معنى الدعاء كسورة المسد، لا تؤثر ‏فيه نية الدعاء فيحرم، وقد أجازوا للمعلمة الحائض تعليم القرآن كلمة كلمة، وذلك بأن تقطع بين ‏كل كلمتين.‏
ومذهب الشافعية حرمة قراءة القرآن للحائض ولو بعض آية، كحرف للإخلال بالتعظيم ‏سواء أقصدت مع ذلك غيرها أم لا، وصرحوا بجواز إجراء القرآن على قلبها من غير تحريك ‏اللسان، وجواز النظر في المصحف، وإمرار ما فيه في القلب، وكذا تحريك لسانها وهمسها ‏بحيث لا تسمع نفسها، لأنها ليست بقراءة قرآن. ويجوز لها قراءة ما نسخت تلاوته.‏
ومذهب الحنابلة أنه يحرم عليها قراءة آية فصاعداً، ولا يحرم عليها قراءة بعض آية، ‏لأنه لا إعجاز فيه، وذلك ما لم تكن طويلة.‏
وذهب المالكية إلى أن الحائض يجوز لها قراءة القرآن في حال استرسال الدم مطلقاً، كانت جنباً ‏أم لا، خافت النسيان أم لا. وأما إذا انقطع حيضها، فلا تجوز لها القراءة حتى تغتسل جنباً كانت أم ‏لا، إلا أن تخاف النسيان.‏
هذا هو المعتمد عندهم، لأنها قادرة على التطهر في هذه الحالة.‏
‏ ‏
‏(ب) مس المصحف وحمله:‏
اتفق الفقهاء على أنه يحرم على الحائض مس المصحف من حيث الجملة لقوله تعالى: ‏‏{لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة 79].‏
واستثنى المالكية من ذلك المعلمة والمتعلمة فإنه يجوز لها مس المصحف.‏
دخول المسجد:‏
اتفق الفقهاء على حرمة اللبث في المسجد للحائض.‏
واتفقوا على جواز عبورها للمسجد دون لبث في حالة الضرورة والعذر، كالخوف من ‏السبع قياساً على الجنب لقوله تعالى: ‏
‏{وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] واللص والبرد والعطش.‏
ويرى الحنفية والمالكية حرمة دخولها المسجد مطلقاً سواء للمكث أو للعبور، واستثنى ‏الحنفية من ذلك دخولها للطواف.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى حرمة مرورها في المسجد إن خافت تلويثه بالنجاسة لأن ‏تلويثه بالنجاسة محرم.‏
الاستمتاع بالحائض:‏
اتفق الفقهاء على حرمة وطء الحائض في الفرج لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي ‏الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222].‏
واختلف الفقهاء في الاستمتاع بما بين السرة والركبة، فذهب جمهور الفقهاء ‏
‏-الحنفية والمالكية والشافعية- إلى حرمة الاستمتاع بما بين السرة والركبة، لحديث عائشة ‏رضي الله عنها. قالت: "كانت إحدانا إذا كانت حائضاً فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ‏يباشرها أمرها أن تتزر ثم يباشرها. قالت: وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم يملك إربه [أخرجه: البخاري] ‏
وقد أجاز الحنفية والشافعية الاستمتاع بما بين السرة والركبة من وراء حائل.‏
ومنعه المالكية. كما منع الحنفية النظر إلى ما تحت الإزار، وصرح المالكية والشافعية بجوازه ‏ولو بشهوة.‏
كفارة وطء الحائض:‏
نص الشافعية على أن وطء الحائض في الفرج كبيرة من العامد المختار العالم بالتحريم، ‏ويكفر مستحله.‏
وعند الحنفية لا يكفر مستحله لأنه حرام لغيره.‏
واستحب الحنفية والشافعية أن يتصدق بدينار إن كان الجماع في أول الحيض وبنصفه ‏إن كان في آخره.‏
وطء الحائض بعد انقطاع الحيض:‏
ذهب جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنه لا يحل وطء الحائض حتى ‏تطهر -ينقطع الدم- وتغتسل. فلا يباح وطؤها قبل الغسل.‏
طلاق الحائض:‏
اتفق الفقهاء على أن إيقاع الطلاق في فترة الحيض حرام، وهو أحد أقسام الطلاق البدعي ‏الذي نهى الشارع عنه.‏
كما ذهب جمهور الفقهاء إلى وقوع الطلاق في زمن الحيض، لأن النبي صلى الله عليه ‏وسلم أمر عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما بالمراجعة، وهي لا تكون إلا بعد وقوع ‏الطلاق.‏
وذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب مراجعتها، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن ‏مراجعتها سنة.‏
خلع الحائض:‏
ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى جواز الخلع في زمن الحيض ‏لإطلاق قوله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]. ولحاجتها إلى الخلاص ‏بالمفارقة حيث افتدت بالمال.‏
ما يحل بانقطاع الدم:‏
إذا انقطع دم الحيض لم يحل مما حرم غير الصوم والطلاق، ولم يبح غيرهما حتى ‏تغتسل وإنما أبيح الصوم والطلاق بالانقطاع دون الغسل، أما الصوم فلأن تحريمه بالحيض لا ‏بالحدث بدليل صحته من الجنب، وقد زال.‏
أحكام عامة:‏
‏1- إنزال ورفع الحيض بالدواء:‏
صرح الحنابلة بأنه يجوز للمرأة شرب دواء مباح لقطع الحيض إن أمن الضرر، وقيّدوا ‏ذلك بإذن الزوج.‏
كما صرحوا بأنه يجوز للمرأة أن تشرب دواء مباحاً لحصول الحيض، إلا أن يكون لها ‏غرض محرم شرعاً كفطر رمضان فلا يجوز.‏
وقد صرح الحنفية بأنه إذا شربت المرأة دواء فنزل الدم في أيام الحيض فإنه حيض ‏وتنقضي به العدة.‏
‏2- ادعاء الحيض:‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه إذا ادعت المرأة الحيض وأمكن ذلك قبل قولها وجوباً، لأنها ‏مؤتمنة فيحرم وطؤها حينئذ وإن كذبها، وقيد الحنفية ذلك مما إذا كانت عفيفة أو غلب على الظن ‏صدقها، أما لو كانت فاسقة ولم يغلب على الظن صدقها بأن كانت في غير أوان الحيض فلا يقبل ‏قولها اتفاقاً.‏
وذهب الشافعية إلى أنها إن أخبرته بالحيض فإنه يحرم عليه مباشرتها إن صدقها وإلا ‏فلا، وإذا صدقها وادعت دوامه صدقت.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:30 PM
النفاس




تعريف النفاس:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أن النفاس: هو الدم الخارج عقب الولادة. أما الخارج مع الولد حال ‏الولادة أو قبله، فهو دم فساد واستحاضة، فتتوضأ إن قدرت وتصلي، وأضاف الحنفية: أو تتيمم ‏وتومىء في صلاتها ولا تؤخر الصلاة. واستثنى الشافعية الدم الخارج قبل الولادة المتصل ‏بحيض قبله، بناء على أن الحامل تحيض عندهم، وذهب المالكية إلى أن: الدم الذي يخرج قبل ‏الولادة هو دم حيض.‏
والنفاس عند الحنابلة الدم الخارج بسبب الولادة.‏
والدم النازل قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مع أمارة كالطلق، والدم الخارج مع الولادة هو دم نفاس ‏عندهم، كالدم الخارج عقب الولادة.‏
مدة النفاس:‏
أقل مدة النفاس: ذهب الشافعية إلى أنَّ أقلَّ النفاس لحظة أي مجة أو دفعة. ‏
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه: لا حد لأقله، لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى ‏الوجود الفعلي، وقد وجد قليلاً وكثيراً.‏
أكثر مدة النفاس:‏
ذهب المالكية والشافعية إلى أنَّ: أكثره ستون يوماً والمعتمد في ذلك
الاستقراء.‏
وذهب الحنفية والحنبلية إلى أنَّ: أكثر النفاس أربعون يوماً.‏
يحرم على النفاس ما يحرم على الحائض: أنظر بحث الحيض.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:31 PM
الاسْتِحَاضة




تعريفها:‏
الاستحاضة لغة: مصدر استحيضت المرأة فهي مستحاضة. والمستحاضة من يسيل دمها ولا ‏يرقأ.‏
والاستحاضة شرعاً: دم عرق يسمى العاذل انفجر ليس من الرحم.‏
فوراق الاستحاضة عن الحيض:‏
وتفترق الاستحاضة عن الحيض والنفاس بأمور منها:‏
أ- الحيض له وقت، وذلك حين تبلغ المرأة تسع سنين فصاعداً، أما الاستحاضة فليس لها وقت ‏معلوم.‏
ب- الحيض دم يعتاد المرأة في أوقات معلومة من كل شهر، أما الاستحاضة فهي دم شاذ يخرج ‏من فرج المرأة في أوقات غير معتادة.‏
جـ- الحيض دم طبيعي لا علاقة له بأي سبب مرضي، في حين أن دم الاستحاضة دم ناتج عن ‏فساد أو مرض أو اختلال الأجهزة أو نزف عرق.‏
د- لون دم الحيض أسود ثخين منتن له رائحة كريهة غالباً، بينما دم الاستحاضة أحمر رقيق لا ‏رائحة له.‏
هـ- دم النفاس لا يكون إلا مع ولادة.‏
الاستمرار بالاستحاضة عند الحنفية:‏
الاستحاضة غالباً ما تحصل بالاستمرار، وهو: زيادة الدم عن أكثر مدة الحيض أو النفاس، وهذا ‏عند الحنفية إذ لم يعتبر الاستمرار بهذا المعنى غيرهم، والاستمرار إما أن يكون في المعتادة أو ‏في المبتدأة.‏
الاستمرار في المعتادة:‏
إذا استمر دم المعتادة وجاوز أكثر الحيض فطهرها وحيضها ما اعتادت، وترد إلى عادتها في ‏الحيض والطهر في جميع الأحكام.‏
الاستمرار في المبتدأة:‏
ذكر الحنفية ثلاث حالات للمبتدأة:‏
حالات الاستمرار في المبتدأة:‏
الأولى: أن يستمر بها الدم من أول ما بلغت، فحينئذ يقدر حيضها من أول الاستمرار عشرة أيام، ‏وطهرها عشرين ثم ذلك دأبها، وإذا صارت نفساء فنفاسها يقدر بأربعين يوماً، ثم بعد النفاس يقدر ‏بعشرين يوماً طهراً، إذ لا يتوالى نفاس وحيض عند الحنفية، بل لا بد من طهر تام بينهما، ولما ‏كان تقديره بين الحيضتين عشرين، فليكن كذلك بين النفاس والحيض تقديراً مطرداً.‏
الثانية: أن ترى دماً وطهراً فاسدين، والدم الفاسد عند الحنفية ما زاد على عشرة أيام، والطهر ‏الفاسد ما نقص عن خمسة عشر يوماً، فلا يعتد بما رأت من حيث نصب العادة به، بل يكون ‏حيضها عشرة ولو حكماً، من حين استمر بها الدم، ويكون طهرها عشرين، وذلك دأبها حتى ترى ‏دماً وطهراً صحيحين.‏
الثالثة: أن ترى دماً صحيحاً، وطهراً فاسداً، فإن الدم الصحيح يعتبر عادة لها فقط، فترد إليه في ‏زمن الاستمرار، ويكون طهرها أثناء الاستمرار بقية الشهر.‏
استحاضة المبتدأة بالحيض، والمبتدأة بالحمل:‏
المبتدأة بالحيض هي التي كانت في أول حيض فابتدأت بالدم، واستمر بها. فعند الحنفية تقدم ‏تفصيل حكمها.‏
وعند المالكية تعتبر المبتدأة بأترابها، فإن تجاوزتهن تتمادى إلى تمام خمسة عشر يوماً، ثم هي ‏مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم.‏
وأما المبتدأة بالحيض عند الشافعية، فقد قالوا: المبتدأة إما أن تكون مميزة لما تراه أولاً، فإذا ‏كانت المبتدأة مميزة لما تراه بأن ترى في بعض الأيام دماً قوياً وفي بعضها دماً ضعيفاً، أو في ‏بعضها دماً أسود وفي بعضها دماً أحمر، وجاوز الدم أكثر الحيض، فالضعيف أو الأحمر ‏استحاضة وإن طال، والأسود القوي حيض وإن لم ينقص الأسود أو القوي عن أقل الحيض، وهو ‏يوم وليلة عندهم، ولا جاوز أكثر الحيض وهو خمسة عشر يوماً أيضاً، حتى لو رأت يوما وليلة ‏أسود ثم اتصل به الضعيف، وتمادى سنين كان طهراً، وإن كانت ترى الدم دائماً، لأن أكثر ‏الطهر لا حد له، فإن فقد شرط من ذلك كأن رأت الأسود أقل من يوم وليلة أو ستة عشر، أو رأت ‏الضعيف أربعة عشر، أو رأت أبداً يوماً أسود ويومين أحمر فحكمها كحكم غير المميزة لما تراه.‏
المبتدأة غير المميزة عند الشافعية، بأن رأت الدم بصفة واحدة أو بصفات مختلفة لكن
فقدت شرطاً من شروط التمييز التي ذكرت، فإن لم تعرف وقت ابتداء دمها فحكمها حكم ‏المتحيرة، وإن عرفته فالأظهر أن حيضها يوم وليلة من أول الدم وإن كان ضعيفا، لأن ذلك هو ‏المتيقن، وما زاد مشكوك فيه، فلا يحكم بأنه حيض، وطهرها تسعة وعشرون يوماً تتمة الشهر.‏
وأما الحنابلة فقالوا: إن المبتدأة إما أن تكون مميزة لما تراه أولاً، فإن كانت مميزة عملت
بتمييزها إن صلح الأقوى أن يكون حيضاً، بأن لم ينقص عن يوم وليلة، ولم يزد على خمسة ‏عشر يوماً.‏
وإن كانت غير مميزة قدّر حيضها بيوم وليلة، وتغتسل بعد ذلك وتفعل ما تفعله
الطاهرات.‏
وهذا في الشهر الأول والثاني والثالث، أما في الشهر الرابع فتنتقل إلى غالب الحيض وهو ستة ‏أيام أو سبعة باجتهادها أو تحريها.‏
وأما المبتدأة بالحمل: وهي التي حملت من زوجها قبل أن تحيض إذا ولدت فرأت زيادة عن ‏أربعين يوماً عند الحنفية والحنابلة فالزيادة استحاضة عن الحنفية، لأن الأربعين للنفاس كالعشرة ‏للحيض، فالزيادة في كل منهما استحاضة دون النظر إلى تمييز أو عدمه.‏
أما عند الحنابلة فإن أمكن أن يكون حيضاً فحيض وإلا فاستحاضة، لأنه يتصور عندهم اقتران ‏الحيض بالنفاس.‏
وعند المالكية والشافعية الزيادة على الستين استحاضة، وفرقوا بين المميزة لما ترى وغير ‏المميزة كما في الحيض.‏
إستحاضة ذات العادة:‏
أ- ذات العادة بالحيض:‏
ذهب الحنفية في ذات العادة بالحيض، وهي التي تعرف شهرها ووقت حيضها وعدد أيامها أنه: ‏إذا رأت المعتادة ما يوافق عادتها من حيث الزمن والعدد، فكل ما رأته حيض.‏
وعند المالكية: أنها تبقى أيامها المعتادة، وتستظهر (أي تحتاط) بثلاثة أيام، ثم تكون مستحاضة ‏تغتسل وتصلي وتصوم وتطوف ويأتيها زوجها، ما لم تر دماً تنكره بعد مضي أقل مدة الطهر من ‏يوم حكم باستحاضتها.‏
وقال الشافعية: المعتادة بالحيض إما أن تكون غير مميزة لما ترى بأن كان الدم بصفة واحدة، ‏وكان بصفات متعددة، وفقدت شرط التمييز، ولكن سبق لها حيض وطهر، وهي تعلم أيام حيضها ‏وطهرها قدراً ووقتاً فترد إليهما قدراً ووقتاً، وتثبت العادة بمرة في الأصح.‏
وأما المعتادة المميزة فيحكم بالتمييز لا بالعادة في الأصح، كما لو كانت عادتها خمسة من أول كل ‏شهر وباقيه طهر، فاستحيضت فرأت عشرة سوادا من أول الشهر وباقيه حمرة، فحيضتها العشرة ‏السواد وما يليه استحاضة.‏
وقال الحنابلة: لا تخلو المستحاضة من أربعة أحوال: مميزة لا عادة لها، ومعتادة لا تمييز لها، ‏ومن لها عادة وتمييز، ومن لا عادة لها ولا تمييز.‏
‏1- أما المميزة: وهي التي لدمها إقبال وإدبار، بعضه أحمر مشرق أو اصفر أو لا رائحة له، ‏ويكون الدم الأسود أو الثخين لا يزيد عن أكثر الحيض ولا ينقص عن أقله، فحكم هذه: أن حيضها ‏زمان الدم الأسود أو الثخين أو المنتن، فإن انقطع فهي مستحاضة، تغتسل للحيض، وتتوضأ بعد ‏ذلك لكل صلاة وتصلي.‏
‏2- أما المستحاضة التي لها عادة ولا تمييز لها، لكون دمها غير منفصل أي على صفة لا تختلف، ‏ولا يتميز بعضه من بعض، أو كان منفصلاً، إلا أن الدم الذي يصلح للحيض دون أقل الحيض، ‏أو فوق أكثره: فهذه لا تمييز لها، فإن كانت لها عادة قبل أن تستحاض جلست أيام عادتها، ‏واغتسلت عند انقضائها، ثم تتوضأ بعد ذلك لوقت كل صلاة.‏
‏3- من لها عادة وتمييز، فاستحيضت، ودمها متميز، بعضه أسود وبعضه أحمر، فإن كان الأسود ‏في زمن العادة فقد اتفقت العادة والتمييز في الدلالة فيعمل بهما، وإن كان أكثر من العادة وأقل -‏ويصلح أن يكون حيضاً- ففيه روايتان: الرواية الأولى: اعتبار العادة لعموم قوله: صلى الله عليه ‏وسلم لأم حبيبة إذ سألته عن الدم: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي" ‏‏[رواه مسلم] ولأن العادة أَولى. والثانية: يقدم التمييز فيعمل به وتدع العادة.‏
‏4- وهي التي لا عادة لها ولا تمييز، فسيأتي تفصيله في موضوع: استحاضة من ليس لها عادة ‏معروفة.‏
ب- ذات العادة في النفاس:‏
إذا رأت ذات العادة بالنفاس زيادة عن عادتها، فإن كانت عادتها أربعين فذهب الحنفية إلى أن ‏الزيادة استحاضة، وإن كانت عادتها دون الأربعين، وكانت الزيادة إلى الأربعين أو دونها، فما ‏زاد يكون نفاساً، وإن زاد على الأربعين ترد إلى عادتها فتكون عادتها نفاساً، وما زاد على العادة ‏يكون استحاضة.‏
وقال المالكية والشافعية: فما ذكر في الحيض للمعتادة يذكر هنا أيضاً.‏
وقالت الحنابلة: إن زاد دم النفساء على أربعين يوماً وأمكن جعله حيضاً فهو حيض، وإلا فهو ‏استحاضة.‏
استحاضة من ليس لها عادة معروفة:‏
قال الحنفية من لم يكن لها عادة معروفة في الحيض -بأن كانت ترى شهراً ستاً وشهراً سبعاً- ‏فاستمر بها الدم، فإنها تأخذ في حق الصلاة والصوم والرجعة بالأقل، وفي حق انقضاء العدة ‏والوطء بالأكثر، فعليها أن تغتسل في اليوم السابع لتمام اليوم السادس وتصلي فيه، وتصوم إن ‏كان دخل عليها شهر رمضان احتياطاً.‏
وإذا كانت هذه تعتبر حيضة ثالثة يكون قد سقط حق الزوج في مراجعتها.‏
وأما في انقضاء العدة للزواج من آخر، وحل استمتاع الزوج بها فتأخذ بالأكثر. لأن تركها التزوج ‏مع جوازه أولى من أن تتزوج بدون حق التزوج، كذا ترك الوطء مع احتمال الحل، أولى من ‏الوطء مع احتمال الحرمة، فإذا جاء اليوم الثامن فعليها أن تغتسل ثانياً، وتقضي اليوم السابع الذي ‏صامته، لأن الأداء كان واجباً، ووقع الشك في السقوط، إن لم تكن حائضاً فيه صح صومها ولا ‏قضاء عليها، وإن كانت حائضاً فعليها القضاء، فلا يسقط القضاء بالشك.‏
وليس عليها قضاء الصلوات، لأنها إن كانت طاهرة في هذا اليوم فقد صلت، وإن كانت حائضاً ‏فيه فلا صلاة عليها، وبالتالي لا قضاء عليها.‏
ولو كانت عادتها خمسة فحاضت ستة، ثم حاضت حيضة أخرى سبعة، ثم حاضت حيضة أخرى ‏ستة، فعادتها ستة بالإجماع حتى يبنى الاستمرار عليها.‏
ما تراه المرأة الحامل من الدم أثناء حملها:‏
إذا رأت المرأة الحامل الدم حال الحبل وقبل المخاض، فليس بحيض وإن كان ممتداً بالغاً نصاب ‏الحيض، بل هو استحاضة عند الحنفية والحنابلة. وكذلك ما تراه حالة المخاض وقبل خروج ‏أكثر الولد عند الحنفية.‏
أما الحنابلة فقد نصوا على أن الدم الذي تراه الحامل قبل الولادة بيومين أو ثلاثة دم نفاس وإن ‏كان لا يعد من مدة النفاس.‏
وقال الشافعي: هو حيض قي حق ترك الصوم والصلاة وحرمة القربان، لا في حق أقراء العدة.‏
وأما المالكية فإنهم نصوا على أن الحامل إذا رأت دماً في الشهر الأول أو الثاني يعتبر حيضاً، ‏وتعامل كأنها حامل، لأن الحمل لا يستبين -عادة- في هذه المدة،وأما إذا رأت دماً في الشهر ‏الثالث أو الرابع أو الخامس واستمر كان أكثر حيضها عشرين يوماً، وما زاد فهو استحاضة.‏
ما تراه المرأة من دم بين الولادتين
‏(إن كانت حاملاً بتوأمين).‏
فإن كان بين الأول والثاني أقل من ستة أشهر فالدم الذي تراه النفساء بين الولادتين دم صحيح، ‏أي نفاس في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.‏
وعند محمد وزفر دم فاسد أي استحاضة، وذلك بناء على أن المرأة إذا ولدت وفي بطنها ولد ‏آخر، فالنفاس من الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر من الولد الثاني، ‏وانقضاء العدة بالولد الثاني بالإجماع.‏
ويتفق الحنابلة في إحدى الروايتين مع الشيخين -أي أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي الرواية الثانية ‏مع محمد وزفر.‏
وعند المالكية: الدم الذي بين التوأمين نفاس، وقيل حيض.‏
وعند الشافعية: ثلاثة أوجه كالتي رويت عن الحنابلة.‏
أحكام المستحاضة:‏
دم الاستحاضة حكمه كالرعاف الدائم، أو كسلس البول، حيث تطالب المستحاضة بأحكام خاصة ‏تختلف عن أحكام الأصحاء، وعن أحكام الحيض والنفاس، وهي:‏
أ- يجب رد دم الاستحاضة، أو تحفيفه إذا تعذر رده بالكلية: وذلك برباط أو حشو أو بالقيام أو ‏بالقعود، كما إذا سال أثناء السجود ولم يسل بدونه، فتومىء من قيام أو من قعود، كذا لو سال الدم ‏عند القيام صلت من قعود، لأن ترك السجود أو القيام أو القعود أهون من الصلاة مع الحدث.‏
وهكذا إذا كانت المستحاضة تستطيع منع سيلان الدم بالاحتشاء فيلزمها ذلك، فإذا نفذت البلة أو ‏أخرجت الحشوة المبتلة انتقض وضوؤها.‏
فإذا ردت المستحاضة الدم بسبب من الأسباب المذكورة أو نحوها خرجت عن أن تكون صاحبة ‏عذر.‏
واعتبر المالكية المستحاضة صاحبة عذر كمن به سلس، فإذا فارقها الدم أكثر زمن وقت الصلاة ‏لم تعد صاحبة عذر.‏
ونص المالكية على أنها إذا رأت الدم عند الوضوء فإذا قامت ذهب عنها، قال مالك: تشد ذلك ‏بشيء ولا تترك الصلاة.‏
ويستثنى من وجوب الشد أو الاحتشاء أمران:‏
الأول: أن تتضرر المستحاضة من الشد أو الاحتشاء.‏
الثاني: أن تكون صائمة فتترك الاحتشاء نهاراً لئلا يفسد صومها.‏
شروط المعذورين:‏
وذكر الحنفية للمستحاضة ولغيرها من المعذورين ثلاثة شروط:‏
الأول: شرط الثبوت: حيث لا يصير من ابتلي بالعذر معذوراً، ولا تسري عليه أحكام المعذورين، ‏حتى يستوعبه العذر وقتاً كاملاً لصلاة مفروضة ولو حكماً، وليس في انقطاع -في جميع ذلك ‏الوقت- زمناً بقدر الطهارة والصلاة، وهذا شرط متفق عليه بين الفقهاء.‏
الثاني: شرط الدوام، وهو أن يوجد العذر في وقت آخر، سوى الوقت الأول الذي ثبت به العذر ‏ولو مرة واحدة.‏
الثالث: شرط الانقطاع، وبه يخرج صاحبه عن كونه معذوراً، وذلك بأن يستمر الانقطاع وقتاً ‏كاملاً فيثبت له حينئذ حكم الأصحاء من وقت الانقطاع.‏
محظورات ممنوعة بحق المستحاضة:‏
قال الحنفية: الاستحاضة حدث أصغر كالرّعاف. فلا تسقط بها الصلاة ولا تمنع صحتها أي على ‏سبيل الرخصة للضرورة، ولا تحرم الصوم فرضاً أو نفلاً، ولا تمنع الجماع _لحديث حمنة: أنها ‏كانت مستحاضة وكان زوجها يأتيها- ولا قراءة قرآن، ولا مس مصحف، ولا دخول مسجد، ولا ‏طوافاً إذا أمنت التلويث.وحكم الاستحاضة كالرعاف الدائم. فتطالب المستحاضة بالصلاة ‏والصوم.‏
وكذلك الشافعية والحنابلة، قالوا: لا تمتنع المستحاضة عن شيء، وحكمها حكم الطاهرات في ‏وجوب العبادات.‏
وقال المالكية كما في الشرح الصغير: هي طاهر حقيقة.‏
طهارة المستحاضة:‏
يجب على المستحاضة عند الشافعية والحنابلة الاحتياط في طهارتي الحدث والنجس، فتغسل ‏عنها الدم، وتحتشي بقطنة أو خرقة دفعاً للنّجاسة أو تقليلاً لها، فإن لم يندفع الدم بذلك وحده ‏تحفظت بالشدّ والتعصيب.‏
وأما عند الحنفية فيجب على المعذور رد عذره، أو تقليله إن لم يكن ردّه بالكليّة. وبردّه لا يبقى ذا ‏عذر. أما إن كان لا يقدر على الربط أو منع النش فهو معذور.‏
وقال الحنابلة: لا يلزمها إعادة الغسل والعصب لكل صلاة إن لم تفرط قالوا: لأن الحدث مع قوته ‏وغلبته لا يمكن التحرز منه.‏
ب_ حكم ما يسيل من دم المستحاضة على الثوب:‏
إذا أصاب الثوب من الدم مقدار مقعر الكف فاكثر وجب عند الحنفية غسله، إذا كان الغسل مفيداً، ‏بأن لا يصيبه مرة بعد أخرى، حتى لو لم تغسل وصلت لا يجوز، وإن لم يكن مفيداً لا يجب ما دام ‏العذر قائماً. أي إن كان لو غسلت الثوب تنجس ثانياً قبل الفراغ من الصلاة، جاز ألا تغسله لأن ‏في إلزامها التطهير مشقة وحرجاً.‏
وعند الشافعية إذا تحفظت لم يضر خروج الدم، وإن لوث ملبوسها في تلك الصلاة خاصة.‏
ولا يضر كذلك عند الحنابلة، لقولهم: إن غلب الدم وقطر بعد ذلك لم تبطل طهارتها.‏
متى يلزم المستحاضة أن تغتسل:‏
هناك عدة أقوال في ذلك:‏
الأول: تغتسل عندما يحكم بانقضاء حيضها أو نفاسها. وليس عليها بعد ذلك إلا الوضوء ويجزيها ‏ذلك. وهذا رأي جمهور العلماء.‏
الثاني: أنها تغتسل لكل صلاة.‏
قال المالكية والحنابلة: يستحب لها أن تغتسل لكل صلاة. ويكون الأمر في الحديث للاستحباب.‏
الثالث: أنها تغتسل لكل يوم غسلاً واحداً، روى هذا عن عائشة وابن عمر وسعيد بن المسيب.‏
الرابع: تجمع بين كل صلاتي جمع بغسل واحد، وتغتسل للصبح.‏
وضوء المستحاضة وعبادتها:‏
قال الشافعي: تتوضأ المستحاضة لكل فرض وتصلي ما شاءت من النوافل، ولأن اعتبار ‏طهارتها ضرورة لأداء المكتوبة، فلا تبقى بعد الفراغ منها.‏
وقال مالك في أحد قوليه: تتوضأ لكل صلاة.‏
فمالك عمل بمطلق اسم الصلاة، والشافعي قيده بالفرد، لأن الصلاة عن الإطلاق تنصرف إلى ‏الفرض، والنوافل أتباع الفرائض، لأنها شرعت لتكميل الفرائض جبراً للنقصان المتمكن فيها، ‏فكانت ملحقة بأجزائها، والطهارة الواقعة لصلاة مفروضة واقعة لها بجميع أجزائها، بخلاف ‏فرض آخر لأنه ليس بتبع، بل هو أصل بنفسه.‏
والقول الثاني للمالكية: أن تجديد الوضوء لوقت كل صلاة مستحب.‏
وعند الحنفية والحنابلة: تتوضأ المستحاضة وأمثالها من المعذورين لوقت كل صلاة مفروضة، ‏وتصلي به في الوقت ما شاءت من الفرائض والنذور والنوافل والواجبات، كالوتر والعيد وصلاة ‏الجنازة والطواف ومس المصحف.‏
ولا ينتقض وضوء المستحاضة بتجدد العذر، إذا كان الوضوء في حال سيلان الدم.‏
قال الحنفية: فلو توضأت مع الانقطاع ثم سال الدم انتقض الوضوء.‏
ولو توضأت من حدث آخر -غير العذر- في فترة انقطاع العذر، ثم سال الدم انتقض الوضوء ‏أيضاً.‏
وكذا لو توضأت من عذر الدم، ثم أحدثت حدثاً آخر انتقض الوضوء.‏
برء المستحاضة وشفاؤها:‏
عند الشافعية إذا انقطع دم المستحاضة انقطاعاً محققاً حصل معه برؤها وشفاؤها من علتها، ‏وزالت استحاضتها، نُظر:‏
إن حصل هذا خارج الصلاة:‏
أ- فإن كان بعد صلاتها، فقد مضت صلاتها صحيحة، وبطلت طهارتها فلا تستبيح بها بعد ذلك ‏نافلة.‏
ب- وإن كان ذلك قبل الصلاة بطلت طهارتها، ولم تستبح تلك الصلاة ولا غيرها.‏
إما إذا حصل الانقطاع في نفس الصلاة ففيه قولان:‏
أحدهما: بطلان طهارتها وصلاتها.‏
والثاني: لا تبطل كالتيمم.‏
والراجح الأول.‏
وإذا تطهرت المستحاضة وصلّت فلا إعادة عليها.‏
ولا يتصور هذا التفصيل عند الحنفية، لأنهم يعتبرونها معذورة لوجود العذر في الوقت ولو لحظة ‏كما سبق. ولا يتصور هذا عند المالكية أيضاً، لأنها طاهر حقيقة.‏
أما الحنابلة فعندهم تفصيل. قالوا: إن كان لها عادة بالانقطاع زمناً يتسع للوضوء والصلاة تعين ‏فعلها فيه. وإن عرض هذا الانقطاع لمن عادتها الاتصال بطلت طهارتها ولزم استئنافها. فإن وجد ‏الانقطاع قبل الدخول في الصلاة لم يجز الشروع فيها. وإن عرض الانقطاع في أثناء الصلاة ‏أبطلها مع الوضوء. ومجرد الانقطاع يوجب الانصراف إلا أن يكون لها عادة بانقطاع يسير. ولو ‏توضأ ثم برئت بطل وضوؤها إن وجد منها دم بعد الوضوء. ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:33 PM
الجنابة‏ ‏




تعريفها اللغوي:‏
ضد القرب والقرابة، والجنابة في الأصل: البعد
‏ ‏
التعريف الشرعي:‏
تطلق الجنابة في الشرع على من أنزل المني، وعلى من جامع، وسمي جنباً، لأنه يجتنب الصلاة ‏والمسجد والقراءة ويتباعد عنها.‏
‏ ‏
أسباب الجنابة:‏
للجنابة سببان:‏
أحدهما: غيبوبة الحَشَفَة أو قدرها من مقطوعها في قبل أو دبر امرأة أو رجل، وسواء أحصل إنزال ‏أم لم يحصل.‏
الثاني: خروج المني بشهوة من رجل أو امرأة، سواء أكان عن احتلام أم استمناء، أم نظر، أم فكر، أم ‏تقبيل، أم غير ذلك، هذا باتفاق.‏
ما ترتفع به الجنابة:‏
أ- بالغسل، والدليل على وجوب الغسل من الجماع ولو من غير إنزال قول النبي صلى الله عليه ‏وسلم: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الخِتان الختان، فقد وجب الغسل" متفق عليه وزاد مسلم: ‏‏"وإن لم ينزل".‏
والدليل على وجوب الغسل بنزول المني من غير جماع ما روته أم سلمة رضي الله عنها قالت: ‏جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: إن الله لا يستحي ‏من الحق: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت. قال: نعم إذا رأت الماء. [متفق عليه].‏
ب-التيمم: اختلف الفقهاء في أن التيمم هل هو رافع للجنابة، أو غير رافع لها؟ ومع اختلاف الفقهاء ‏في ذلك إلا أنهم متفقون في الجملة على أن التيمم يباح به ما يباح بالغسل من الجنابة.‏
ما يحرم على الجنب فعله:‏
‏1- يحرم على الجنب الصلاة سواء أكانت فرضاً أم نفلاً، لأن الطهارة شرط صحة الصلاة ولقوله ‏النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقبل صلاة بغير طهور" [أخرجه مسلم].‏
‏2- ويحرم كذلك الطواف فرضاً كان أو نفلاً، لأنه في معنى الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ‏‏"الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل لكم فيه الكلام" [أخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي].‏
‏3- ويحرم على الجنب مس المصحف بيده أو بشيء من جسده، سواء أكان مصحفاً جامعاً للقران، أم ‏كان جزءاً أم ورقاً مكتوباً فيه بعض السور، وكذا مس جلده المتصل به، وذلك لقوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ ‏إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79].‏
وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: "أن لا يمس القرآن إلا طاهراً" [أخرجه الحاكم ‏وصححه، ووافقه الذهبي].‏
‏4- ويحرم على الجنب كذلك حمل القرآن إلا إذا كان بأمتعة، والأمتعة هي المقصودة، أو كان حمله ‏لضرورة، كخوف عليه من نجاسة أو غير ذلك.‏
‏5- ويحرم عند الحنفية مس كتب التفسير، لأنه يصير بمسها ماسا للقرآن.‏
وهو قول ابن عرفة من المالكية.‏
والعبرة عند الشافعية بالقلة والكثرة، فإن كان القرآن أكثر كبعض كتب غريب القرآن حرم مسه، وإن ‏كان التفسير أكثر لا يحرم مسه في الأصح. ‏
وأجاز ذلك المالكية -غير ابن عرفة- والحنابلة لأنه لا يقع عليها اسم مصحف.‏
‏6- ويحرم عند الحنفية وفي وجه للشافعية والحنابلة مس الدراهم التي عليها شيء من القرآن، ‏وأجاز ذلك المالكية وهو الأصح من وجهين مشهورين عند الشافعية وفي وجه عند الحنابلة.‏
‏7- ويحرم على الجنب أن يكتب القرآن، وذلك عند المالكية وهو وجه مشهور عند الشافعية، وقال ‏محمد بن الحسن: من الحنفية أحب إليَّ أن لا يكتب، لأن كتابة الحروف تجري مجرى القراءة.‏
‏8- ويحرم على الجنب قراءة القرآن عند جمهور العلماء لما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ‏لا يحجزه شيء عن قراءة القرآن إلا الجنابة [أخرجه الإمام أحمد].‏
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تقرأ الحائض ولا ‏الجنب شيئاً من القرآن" [أخرجه الترمذي].‏
ويجوز عند جميع الفقهاء تلاوة ما لم يقصد به القرآن كالأدعية والذكر البحت.‏
‏9- ويحرم على الجنب دخول المسجد واللبث فيه، وقال الشافعية والحنابلة يجوز عبوره، للاستثناء ‏الوارد في قوله تعالى: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43].‏
ولم يجز الحنفية وهو المذهب عند المالكية العبور إلا بالتيمم.‏
‏10- ويحرم الاعتكاف للجنب لقوله تعالى: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ}.‏
‏ ‏
ما يباح ويستحب للجنب:‏
‏1- يباح للجنب الذكر والتسبيح والدعاء لما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي ‏صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه".‏
‏2- يستحب للجنب إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب أو يطأ ثانياً أن يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه ‏للصلاة.‏
‏3- يصح من الجنب أداء الصوم بأن يصبح صائماً قبل أن يغتسل.‏
‏4- يصح أذان الجنب مع الكراهة.‏
‏ ‏
ما مدى تأثير الجنابة في الصوم:‏
اتفق الفقهاء على أن الجنابة إذا كانت بالجماع عمداً في نهار رمضان فإنها تفسد الصوم، وتجب ‏الكفارة، وكذلك القضاء.‏
والكفارة فيما سبق إنما تجب إذا كان الجماع عمداً، فإن كان نسياناً فلا تجب الكفارة عند الحنفية ‏والمالكية والشافعية.‏
ولا تجب الكفارة بالجماع عمداً في صوم غير رمضان وهذا باتفاق.‏
أما إذا كانت الجنابة بالإنزال بغير جماع في نهار رمضان. فإن كان عن احتلام فلا يفسد الصوم ‏بالإجماع لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة، والقيء والاحتلام" ‏‏[أخرجه الترمذي] ولأنه لا صنع له فيه.‏
وإن كانت الجنابة بالإنزال عن تعمد بمباشرة فيما دون الفرج، أو قبلة، أو لمس بشهوة، أو استمناء ‏فسد الصوم عند جمهور الفقهاء.‏
وبفساد الصوم يجب القضاء دون الكفارة عند الحنفية والشافعية.‏
والمعتمد عند المالكية وجوب الكفارة مع القضاء، وهو قول الإمام أحمد.‏
والرجل والمرأة في ذلك سواء.‏
أما الجنابة التي تكون بالإنزال عن نظر أو فكر فلا تفسد الصوم عند الحنفية، وهو المذهب عند ‏الشافعية والحنابلة لقول النبي صلى اله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به ‏أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم". [متفق عليه ].‏
وعند المالكية إن دوام الفكر أو النظر فأنزل فعليه القضاء والكفارة، ,إن كانت عادته عدم الإنزال ‏فأنزل فسد صومه.‏
‏ ‏
ما مدى تأثير الجنابة في الحج:‏
اتفق الفقهاء على أن الجنابة إذا كانت بجماع فإن كانت قبل الوقوف بعرفة فسد الحج وعليه المضي ‏فيه والقضاء، وعليه بدنة عند الجمهور، وشاة عند الحنفية.‏
ويستوي في هذا الرجل والمرأة.‏
والعمد والنسيان عند الحنفية والمالكية والحنابلة الشافعية: لا يفسد بالجماع نسياناً.‏
وإن كانت الجنابة بالجماع بعد الوقوف بعرفة فعند الحنفية لا يفسد الحج وعليه بدنة.‏
وعند الشافعية والحنابلة، إن كانت الجنابة بالجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول فسد الحج، ‏ويجب المضي فيه وعليه القضاء مع وجوب بدنة عند الحنابلة وشاة عند الشافعية.‏
وإن كانت الجنابة بعد التحلل الأول لم يفسد الحج عندهما وعليه كفارة، قيل: بدنة وقيل: شاة.‏
ولا يفسد الحج بالجنابة بغير الجماع كأن كان بمباشرة أو قبلة أو لمس، وسواء أكانت الجنابة بذلك ‏قبل الوقوف بعرفة أم بعده مع وجوب الكفارة على الخلاف هل هي بدنة أو شاة، وهذا عند الحنفية ‏والشافعية والحنابلة.‏
وقد فصل المالكية القول فقالوا: إن الحج يفسد بالجنابة بالجماع ومقدماته، سواء أكان ذلك عمداً أم ‏سهواً، وذلك إن وقعت الجنابة على الوجه الآتي.‏
‏1.‏ ‏1. إذا كانت قبل الوقوف بعرفة.‏
‏2.‏ ‏2. إذا كانت في يوم النحر (أي بعد الوقوف بعرفة). ولكن قبل ‏رمي جمرة العقبة وقبل الطواف.‏
ولا يفسد الحج إن وقع الجماع أو مقدماته يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة أو بعد
الطواف.‏
أو وقع الجماع أو مقدماته بعد يوم النحر ولو قبل الطواف والرمي وعليه الهدى.‏
وإذا فسد الحج عليه المضي فيه والقضاء.‏
ما مدى تأثير الجنابة في العمرة:‏
والعمرة تفسد بما سبق بيانه في المذاهب قبل التحلل منها عند الجمهور.‏
وعند الحنفية قبل أن يطوف أربعة أشواط، فإن كانت الجنابة بعد الطواف أربعة أشواط فلا ‏تفسد وعليه شاة.‏