المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من الموسوعة الإسلامية - الصلاة



أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:36 PM
التعريف:‏
الصلاة أصلها في اللغة: الدعاء، لقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أي ادع ‏لهم. وفي الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصلّ، ‏وإن كان مفطراً فليطعم" رواه مسلم، أي ليدع لأرباب الطعام.‏
وفي الاصطلاح: قال الجمهور: هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مع ‏النية بشرائط مخصوصة.‏
وقال الحنفية: هي اسم لهذه الأفعال المعلومة من القيام والركوع والسجود.‏

مكانة الصلاة في الإسلام:‏
للصلاة مكانة عظيمة في الإسلام. فهي آكد الفروض بعد الشهادتين وأفضلها، وأحد ‏أركان الإسلام الخمسة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله ‏إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" رواه ‏البخاري، وقد نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركها إلى الكفر فقال: "إن بين الرجل وبين ‏الشرك والكفر ترك الصلاة" رواه مسلم، وعن عبد الله شقيق العقيلي قال: كان أصحاب النبي ‏صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. فالصلاة عمود الدين الذي ‏لا يقوم إلا به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، ‏وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وهي أول ما ‏يحاسب العبد عليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة ‏الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر" رواه الترمذي كما أنها آخر ‏وصية وصَّى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته عند مفارقته الدنيا فقال صلى الله عليه ‏وسلم: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" رواه ابن ماجه، وهي آخر ما يفقد من الدين، فإن ضاعت ‏ضاع الدّين كله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما ‏انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة". رواه أحمد.‏
كما أنها العبادة الوحيدة التي لا تنفك عن المكّلف، وتبقى ملازمة له طول حياته لا تسقط ‏عنه بحال.‏
وقد ورد في فضلها والحث على إقامتها، والمحافظة عليها، ومراعاة حدودها آيات ‏وأحاديث كثيرة مشهورة.‏

فرض الصلوات الخمس وعدد ركعاتها:‏
أصل وجوب الصلاة كان في مكة في أول الإسلام، لوجود الآيات المكية التي نزلت في ‏بداية الرسالة تحث عليها.‏
وأما الصلوات الخمس بالصورة المعهودة فإنها فرضت ليلة الإسراء والمعراج على ‏خلاف بينهم في تحديد زمنه.‏
وقد ثبتت فرضية الصلوات الخمس بالكتاب والسنة والإجماع :‏
أما الكتاب فقوله تعالى في غير موضع من القرآن. ‏
‏{وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ} [البقرة: 110]، وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} ‏‏[النساء: 103] أي فرضاً مؤقتاً. وقوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الْوُسْطَى} ‏‏[البقرة: 238] ومطلق اسم الصلاة ينصرف إلى الصلوات المعهودة، وهي التي تؤدى في كل يوم ‏وليلة. ‏
وقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ} [هود: 114] يجمع الصلوات الخمس، ‏لأن صلاة الفجر تؤدى في أحد طرفي النهار، وصلاة الظهر والعصر يؤديان في الطرف الآخر، ‏إذ النهار قسمان غداة وعشي، والغداة اسم لأول النهار إلى وقت الزوال، وما بعده العشي، فدخل ‏في طرفي النهار ثلاث صلوات ودخل في قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ} المغرب والعشاء، لأنهما ‏يؤديان في زلف من الليل وهي ساعاته. وقوله تعالى: ‏
‏{أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} ‏‏[الإسراء: 78] قيل: دلوك الشمس زوالها وغسق الليل أول ظلمته، فيدخل فيه صلاة الظهر ‏والعصر، وقوله: {وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ} أي وأقم قرآن الفجر وهو صلاة الفجر. فثبتت فرضية ثلاث ‏صلوات بهذه الآية وفرضية صلاتي المغرب والعشاء ثبتت بدليل آخر.‏
وقيل: دلوك الشمس غروبها فيدخل فيها صلاة المغرب والعشاء، وفرضية الظهر ‏والعصر وثبتت بدليل آخر.‏
وأما السنة فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عام حجة الوداع : ‏‏"اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحجوا بيتكم، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها ‏أنفسكم تدخلوا جنة ربكم". رواه أحمد.‏
وقد انعقد إجماع الأمة على فرضية هذه الصلوات الخمس وتكفير منكرها.‏
حكمة تشريع الصلاة: الصلاة أعظم فروض الإسلام بعد الشهادتين، لحديث جابر : "بين ‏الرجل وبين الكفر ترك الصلاة". رواه مسلم.‏
وقد شرعت شكراً لنعم الله تعالى الكثيرة، ولها فوائد دينية وتربوية على المستويين ‏الفردي والاجتماعي.‏

فوائد الصلاة الدينية: عقد الصلة بين العبد وربه، بما فيها من لذة المناجاة للخالق، ‏وإظهار العبودية لله، وتفويض الأمر له، والتماس الأمن والسكينة والنجاة في رحابه، وهي طريق ‏الفوز والفلاح، وتكفير السيئات والخطايا، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ ‏خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 و 2] {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذَا مَسَّهُ ‏الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلا الْمُصَلِّينَ} [المعارج 19 - 22].‏
وقال صلى الله عليه وسلم: "أرأيتم لو أن نَهَراً بباب أحدكم، يغتسل فيه كل يوم خمس ‏مرات، هل يَبْقى من دَرَنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فكذلك مَثَل الصلوات ‏الخمس، يمحو الله بهن الخطايا" متفق عليه.‏
وفي حديث آخر عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصلوات ‏الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن، ما لم تُغْشَ الكبائر" رواه مسلم والترمذي. وعن ‏عبد الله بن عمرو مرفوعاً: "إن العبد إذا قام يصلي، أُتي بذنوبه فوضعت على رأسه أو على ‏عاتقه، فكلما ركع أو سجد، تساقطت عنه" رواه ابن حبان، أي حتى لا يبقى منها شيء إن شاء ‏الله تعالى.‏

فوائد الصلاة الشخصية: التقرب بها إلى الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجنَّ وَالإِنسَ إِلا ‏لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وتقوية النفس والإرادة، والاعتزاز بالله تعالى دون غيره، والسمو عن ‏الدنيا ومظاهرها، والترفع عن مغرياتها وأهوائها، وعما يحلو في النفس مما لدى الآخرين من ‏جاه ومال وسلطان: {{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: ‏‏45].‏
كما أن في الصلاة راحة نفسية كبيرة، وطمأنينة روحية وبعداً عن الغفلة التي تصرف ‏الإنسان عن رسالته السامية الخالدة في هذه الحياة، قال صلى الله عليه وسلم: "حُبِّب إلي من ‏دنياكم: النساء والطيب، وجعلت قُرَّة عيني في الصلاة" رواه النسائي وأحمد، وكان عليه السلام ‏إذا حَزبه أمر (أي نزل به هم أو غم) قال: "أرحنا بها يا بلال". رواه أبو داود وأحمد.‏
وفي الصلاة: تدرب على حب النظام والتزام التنظيم في الأعمال وشؤون الحياة، لأدائها ‏في أوقات منظمة، وبها يتعلم المرء خصال الحلم والأناة والسكينة والوقار، ويتعود على حصر ‏الذهن في المفيد النافع، لتركيز الانتباه في معاني آيات القرآن وعظمة الله تعالى ومعاني الصلاة.‏
كما أن الصلاة مدرسة خلقية عملية انضباطية تربي فضيلة الصدق والأمانة، وتنهى عن ‏الفحشاء والمنكر: ‏
‏{وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45].‏

فوائد الصلاة الاجتماعية: إقرار العقيدة الجامعة لأفراد المجتمع، وتقويتها في نفوسهم، ‏وفي تنظيم الجماعة في تماسكها حول هذه العقيدة، وفيها تقوية الشعور بالجماعة، وتنمية روابط ‏الانتماء للأمة، وتحقيق التضامن الاجتماعي، ووحدة الفكر والجماعة التي هي بمثابة الجسد ‏الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.‏

وفي صلاة الجماعة: فوائد عميقة وكثيرة، من أهمها إعلان مظهر المساواة، وقوة الصف ‏الواحد، ووحدة الكلمة، والتدرب على الطاعة في القضايا العامة أو المشتركة باتباع الإمام فيما ‏يرضي الله تعالى، والاتجاه نحو هدف واحد وغاية نبيلة سامية هي الفوز برضوان الله تعالى.‏
كما أن بها تعارف المسلمين وتآلفهم، وتعاونهم على البر والتقوى، وتغذية الاهتمام ‏بأوضاع وأحوال المسلمين العامة، ومساندة الضعيف والمريض والسجين والملاحَق بتهمة ‏والغائب عن أسرته وأولاده. ويعد المسجد والصلاة فيه مقراً لقاعدة شعبية منظمة متعاونة ‏متآزرة، تخرِّج القيادة، وتدعم السلطة الشرعية، وتصحح انحرافاتها وأخطاءها بالكلمة الناصحة ‏والموعظة الحسنة، والقول الليِّن، والنقد البناء الهادف، لأن "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه ‏بعضاً" حديث.‏
والصلاة تميِّز المسلم عن غيره، فتكون طريقاً للثقة والائتمان، وبعث روح المحبة ‏والمودة فيما بين الناس : "من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما ‏للمسلم، وعليه ما على المسلم".‏

حكم تارك الصلاة:‏
لتارك الصلاة حالتان: إما أن يتركها جحوداً لفرضيتها، أو تهاوناً وكسلاً لا جحوداً.‏
فأما الحالة الأولى: فقد أجمع العلماء على أن تارك الصلاة جحوداً لفرضيتها كافر مرتد ‏يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كفراً كجاحد كل معلوم من الدين بالضرورة، ومثل ذلك ما لو جحد ‏ركنا أو شرطاً مجمعاً عليه. واستثنى الشافعية والحنابلة من ذلك من أنكرها جاهلاً لقرب عهده ‏بالإسلام أو نحوه فليس مرتداً، بل يعرّف الوجوب، فإن عاد بعد ذلك صار مرتداً.‏
وأما الحالة الثانية: فقد اختلف الفقهاء فيها - وهي: ترك الصلاة تهاوناً وكسلاً لا جحوداً - ‏فذهب المالكية والشافعية إلى أنه يقتل حداً أي أن حكمه بعد الموت حكم المسلم فيغسل، ويصلى ‏عليه، ويدفن مع المسلمين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ‏أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني ‏دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" رواه البخاري ومسلم، ولأنه تعالى أمر بقتل ‏المشركين ثم قال: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] وقالصلى ‏الله عليه وسلم: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً ‏بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه ‏وإن شاء أدخله الجنة" رواه أبوا داود، فلو كفر لم يدخل تحت المشيئة. وذهب الحنفية إلى أن ‏تارك الصلاة تكاسلاً عمداً فاسق لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يموت أو يتوب.‏
وذهب الحنابلة: إلى أن تارك الصلاة تكاسلاً يدعى إلى فعلها ويقال له: إن صليت وإلاّ ‏قتلناك، فإن صلى وإلا وجب قتله ولا يقتل حتى يحبس ثلاثاً ويدعى في وقت كل صلاة، فإن ‏صلى وإلا قتل حداً، وقيل كفراً، أي لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين. لكن لا ‏يرق ولا يسبى له أهل ولا ولد كسائر المرتدين. لما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ‏قال: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" رواه مسلم، وروى بريدة أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم قال : "من تركها فقد كفر" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وروى عبادة ‏مرفوعاً "من ترك الصلاة متعمداً فقد خرج من الملة" وكل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء. ‏ولأنه يدخل بفعلها في الإسلام، فيخرج بتركها منه كالشهادتين. وقال عمر رضي الله عنه: "لا ‏حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة" رواه الطبراني، وكذا عندهم لو ترك ركناً أو شرطاً مجمعاً ‏عليه كالطهارة والركوع والسجود، ولا يقتل بترك صلاة فائتة.‏
كما اختلف القائلون بالقتل في محله. فمحله عند المالكية هو بقاء ركعة بسجدتيها من ‏الوقت الضروري إن كان عليه فرض واحد فقط. قال مالك: إن قال: أصلي ولم يفعل قتل بقدر ‏ركعة قبل طلوع الشمس للصبح، وغروبها للعصر، وطلوع الفجر للعشاء، فلو كان عليه فرضان ‏مشتركان أخر لخمس ركعات في الظهرين، ولأربع في العشاءين. وهذا في الحضر، أما في ‏السفر فيؤخر لثلاث في الظهرين وأربع في العشاءين.‏
وذهب الشافعية إلى أن محل القتل هو إخراجها عن وقتها الضروري فيما له وقت ‏ضرورة - بأن يجمع مع الثانية في وقتها - فلا يقتل بترك الظهر حتى تغرب الشمس، ولا بترك ‏المغرب حتى يطلع الفجر، ويقتل في الصبح بطلوع الشمس، وفي العصر بغروبها، وفي العشاء ‏بطلوع الفجر، فيطالب بأدائها إذا ضاق الوقت ويتوعد بالقتل إن أخرها عن الوقت، فإن أخر ‏وخرج الوقت استوجب القتل، وصرحوا بأنه يقتل بعد الاستتابة، لأنه ليس أسوأ حالاً من المرتد.‏
والاستتابة تكون في الحال، لأن تأخيرها يفوت صلوات، وقيل: يمهل ثلاثة أيام. والقولان ‏في الندب، وقيل في الوجوب.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:37 PM
أوقات الصلاة‏ ‏


وقت الفجر:‏
يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس. والفجر الصادق: هو البياض المنتشر ‏ضوءه معترضاً في الأفق. ويقابله الفجر الكاذب: وهو الذي يطلع مستطيلاً متجهاً إلى الأعلى في ‏وسط السماء، ثم تعقبُه ظُلْمة. والأول: هو الذي تتعلق به الأحكام الشرعية كلها من بدء الصوم ‏ووقت الصبح وانتهاء وقت العشاء، والثاني: لا يتعلق به شيء من الأحكام، بدليل قوله عليه ‏السلام: "الفجر فجران: فجر يحرِّم الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة - أي صلاة ‏الصبح - ويحل فيه الطعام" رواه ابن خزيمة والحاكم وصححاه.‏
وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم: "ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم ‏تطلع الشمس" وما بعد طلوع الشمس إلى وقت الظهر يعتبر وقتاً مهملاً لا فريضة فيه.‏
وقت الظهر:‏
من زوال الشمس إلى مصير ظل كل شيء مثله، سوى ظل أو فيء الزوال وهذا قول ‏المالكية والشافعية والحنابلة. وقال أبو حنيفة: إن آخر وقت الظهر أن يصير ظل كل شيء ‏مِثْليْه.‏
وزوال الشمس: هو ميلها عن وسط السماء، ويسمى بلوغ الشمس إلى وسط (أو كبد) ‏السماء: حالة الاستواء، وإذا تحولت الشمس من جهة المشرق إلى جهة المغرب حدث الزوال.‏
ويعرف الزوال: بالنظر إلى قامة الشخص، أو إلى شاخص أو عمود منتصب في أرض ‏مستوية (مسطحة)، فإذا كان الظل ينقص فهو قبل الزوال، وإن وقف لا يزيد ولا ينقص، فهو ‏وقت الاستواء، وإن أخذ الظل في الزيادة علم أن الشمس زالت.‏
فإذا زاد ظل الشيء على ظله حالة الاستواء، أو مالت الشمس إلى جهة المغرب، بدأ ‏وقت الظهر، وينتهي وقته عند الجمهور بصيرورة ظل الشيء مثله في القدر والطول، مع إضافة ‏مقدار ظل أو فيء الاستواء، أي الظل الموجود عند الزوال.‏
ودليل الجمهور: أن جبريل عليه السلام صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي ‏حين صار ظل كل شيء مثله، ولا شك أن هذا هو الأقوى. ودليل أبي حنيفة قوله عليه السلام إذا ‏‏"اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم" رواه البخاري، وأشد الحر في ‏ديارهم كان في هذا الوقت يعني إذا صار ظل كل شيء مثله. ودليل الكل على بدء وقت الظهر ‏قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] أي زوالها.‏
وقت العصر:‏
يبدأ من خروج وقت الظهر، على الخلاف بين القولين المتقدمين، وينتهي بغروب ‏الشمس، أي أنه يبدأ من حين الزيادة على مثل ظل الشيء، أدنى زيادة عند الجمهور، أو من حين ‏الزيادة على مثلي الظل عند أبي حنيفة وينتهي الوقت بالاتفاق قبيل غروب الشمس، لحديث: "من ‏أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل ‏أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر" متفق عليه.‏
ويرى أكثر الفقهاء أن صلاة العصر تكره في وقت اصفرار الشمس لقوله صلى الله عليه ‏وسلم: "تلك صلاة المنافق، يجلس يرقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان، قام فنَقَرها ‏أربعاً، لا يذكر الله إلا قليلاً" رواه أبو داود والترمذي، وقوله عليه السلام أيضاً: "وقت العصر ما ‏لم تصفر الشمس". رواه مسلم.‏
وصلاة العصر: هي الصلاة الوسطى عند أكثر العلماء، بدليل ما روت عائشة عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: ‏
‏{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238]، والصلاة الوسطى: صلاة العصر، ‏رواه أبو داود والترمذي. وعن ابن مسعود وسمرة قالا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلاة ‏الوسطى: صلاة العصر" وسميت وسطى لأنها بين صلاتين من صلاة الليل، وصلاتين من صلاة ‏النهار.‏
وعند مالك: إن صلاة الصبح هي الوسطى لما روى النسائي عن ابن عباس قال: "أدلج ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عرّس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها، فلم يصل ‏حتى ارتفعت الشمس، فصلى وهي صلاة الوسطى".‏
وقت المغرب:‏
من غروب الشمس بالإجماع، أي غياب قرصها بكامله، ويمتد عند الجمهور (الحنفية ‏والحنابلة) إلى مغيب الشَّفَق، لحديث: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق". رواه مسلم.‏
والشفق عند الحنفية والحنابلة والشافعية: هو الشفق الأحمر، لقول ابن عمر: "الشفق: ‏الحمرة". رواه الترمذي وابن خزيمة.‏
وعند المالكية: أن وقت المغرب ينقضي بمقدار وضوء وستر عورة وأذان وإقامة ‏وخمس ركعات، أي أن وقته مضيق غير ممتد، لأن جبريل عليه السلام صلى بالنبي عليه الصلاة ‏والسلام في اليومين في وقت واحد، كما بينا في حديث جابر المتقدم، فلو كان للمغرب وقت آخر ‏لبينه، كما بين وقت بقية الصلوات. ورد بأن جبريل إنما بين الوقت المختار، وهو المسمى بوقت ‏الفضيلة. وأما الوقت الجائز وهو محل النزاع فليس فيه تعرض له.‏
وقت العشاء:‏
يبدأ من مغيب الشفق الأحمر إلى طلوع الفجر الصادق، أي قبيل طلوعه لقول ابن عمر ‏المتقدم: "الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة" ولحديث: "ليس في النوم تفريط، إنما ‏التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى" رواه مسلم. فإنه ظاهر في ‏امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا صلاة الفجر، فإنها مخصوصة من هذا ‏العموم بالإجماع.‏
وأما الوقت المختار للعشاء فهو إلى ثلث الليل أو نصفه، لحديث أبي هريرة: "لولا أن ‏أشق على أمتي لأمرتُهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" رواه الترمذي وابن ماجه، ‏وحديث أنس: "أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى" متفق ‏عليه وحديث ابن عمرو: "وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل". رواه مسلم وأبو داود والنسائي.‏
وأول وقت الوتر: بعد صلاة العشاء، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر.‏
الوقت الأفضل:‏
للفقهاء آراء في بيان أفضل أجزاء وقت كل صلاة أو الوقت المستحب، فقال الحنفية: ‏يستحب للرجال الإسفار بالفجر، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر" ‏رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والإسفار: التأخير للإضاءة. وحد الإسفار: أن يبدأ ‏بالصلاة بعد انتشار البياض بقراءة مسنونة، أي أن يكون بحيث يؤديها بترتيل نحو ستين أو ‏أربعين آية، ثم يعيدها بطهارة لو فسدت. ولأن في الإسفار تكثير الجماعة وفي التغليس تقليلها، ‏وما يؤدي إلى التكثير أفضل، وليسهل تحصيل ما ورد عن أنس من حديث حسن: "من صلى ‏الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له: كأجر ‏حجة تامة، وعمرة تامة".‏
وأما النساء: فالأفضل لهن الغَلَس (الظلمة)، لأنه أستر، وفي غير الفجر يَنْتَظِرْن فراغ ‏الرجال من الجماعة. وكذلك التغليس أفضل للرجل والمرأة لحاج بمزدلفة.‏
ويستحب في البلاد الحارة وغيرها الإبراد بالظهر في الصيف، بحيث يمشي في الظل، ‏لقوله صلى الله عليه وسلم السابق: "أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم" ويستحب ‏تعجيله في الشتاء والربيع والخريف، لحديث أنس عند البخاري: "كان النبي صلى الله عليه وسلم ‏إذا اشتد البرد بكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة".‏
ويستحب تأخير العصر مطلقاً، توسعة لأداء النوافل، ما لم تتغير الشمس بذهاب ضوئها، ‏فلا يتحير فيها البصر، سواء في الشتاء أم الصيف، لما فيه من التمكن من تكثير النوافل، لكراهتها ‏بعد العصر.‏
ويستحب تعجيل المغرب مطلقاً، فلا يفصل بين الأذان والإقامة إلا بقدر ثلاث آيات أو ‏جلسة خفيفة، لأن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود، ولقوله عليه السلام: "لا تزال أمتي ‏بخير أو قال: على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم". رواه أبو داود.‏
ويستحب تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل الأول، في غير وقت الغيم، فيندب تعجيله ‏فيه، للأحاديث السابقة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو ‏نصفه".‏
ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل ويثق بالانتباه: أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل، ‏ليكون آخر صلاته فيه، فإن لم يثق من نفسه بالانتباه أوتر قبل النوم، لقوله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"من خاف ألا يقوم آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فليوتر آخره، فإن صلاة ‏الليل مشهودة، وذلك أفضل". رواه مسلم.‏
وقال المالكية: أفضل الوقت أوله، فهو رضوان الله، لقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله: ‏أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة لوقتها" رواه البخاري. وعن ابن عمر مرفوعاً: "الصلاة في ‏أول الوقت: رضوان الله، وفي آخره عفو الله". رواه الترمذي.‏
وإذا كان الوقت وقت شدة الحر ندب تأخير الظهر للإبراد، أي الدخول في وقت البرد.‏
والخلاصة: أن المبادرة في أول الوقت مطلقاً هو الأفضل، إلا في حال انتظار الفرد ‏جماعة للظهر وغيره، وفي حال الإبراد بالظهر أي لأجل الدخول في وقت البرد.‏
وقال الشافعية: يسن تعجيل الصلاة ولو عشاء لأول الوقت، إلا الظهر، فيسن الإبراد ‏بالظهر في شدة الحر، للأحاديث السابقة المذكورة في مذهب المالكية، والحنفية، والأصح: ‏اختصاص التأخير للإبراد ببلد حار، وجماعة مسجد ونحوه كمدرسة، يقصدونه من مكان بعيد.‏
ويكره تسمية المغرب عشاء والعشاء عتْمة للنهي عنه، أما النهي عن الأول ففي خبر ‏البخاري: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، وتقول الأعراب: هي العشاء" وأما ‏النهي عن الثاني ففي خبر مسلم: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم ‏يُعتمون بالإبل" وفي رواية " بحلاب الإبل" معناه أنهم يسمونها العتمة لكونهم يعتمون بحلاب ‏الإبل، أي يؤخرونه إلى شدة الظلام"، ويكره النوم قبل صلاة العشاء، والحديث بعدها إلا في ‏خير، لما رواه الجماعة عن أبي بَرْزة الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يستحب أن ‏يؤخر العشاء التي يدعونها العَتْمة، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها".‏
وقال الحنابلة: الصلاة في أول الوقت أفضل إلا العشاء، والظهر في شدة الحر، ‏والمغرب في حالة الغيم، أما العشاء فتأخيرها إلى آخر وقتها المختار وهو ثلث الليل أو نصفه ‏أفضل، ما لم يشق على المأمومين أو على بعضهم، فإنه يكره، عملاً بقول النبي صلى الله عليه ‏وسلم السابق: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" ولأنه ‏صلى الله عليه وسلم "كان يأمر بالتخفيف رفقاً بهم".‏
وأما الظهر فيستحب الإبراد به على كل حال في وقت الحر، ويستحب تعجيلها في وقت ‏العشاء، عملاً بالحديثالسابق: "إذا اشتد الحر فأبردوا، فإن شدة الحر من فيح جهنم".‏
وأما حالة الغيم: فيستحب تأخير الظهر والمغرب أثناءه، وتعجيل العصر والعشاء، لأنه ‏وقت يخاف منه العوارض من المطر والريح والبرد، فيكون في تأخير الصلاة الأولى من أجل ‏الجمع بين الصلاتين في المطر، وتعجيل الثانية دفع للمشقة التي قد تحصل بسبب هذه العوارض.‏
ولا يستحب عند الحنابلة تسمية العشاء العتمة، وكان ابن عمر إذا سمع رجلاً يقول ‏‏"العتمة" صاح وغضب، وقال: "إنما هو العشاء".‏


‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:38 PM
متى تقع الصلاة أداء في الوقت؟
من المعلوم أن الصلاة إذا أديت كلها في الوقت المخصص لها فهي أداء، وإن فعلت مرة ‏ثانية في الوقت لخلل غير الفساد فهي إعادة، وإن فعلت بعد الوقت فهي قضاء، والقضاء: فعل ‏الواجب بعد وقته.‏
أما إن أدرك المصلي جزءاً من الصلاة في الوقت فهل تقع أداء ؟ للفقهاء رأيان: الأول ‏للحنفية، والحنابلة، والثاني للمالكية والشافعية.‏
الرأي الأول- للحنفية والحنابلة: تدرك الفريضة أداء كلها بتكبيرة الإحرام في وقتها ‏المخصص لها، سواء أخرها لعذر كحائض تطهر، ومجنون يفيق، أو لغير عذر، لحديث عائشة: ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس، أو من ‏الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها" رواه مسلم، وللبخاري "فليتم صلاته" وكإدراك ‏المسافر صلاة المقيم، وكإدراك الجماعة، ولأن بقية الصلاة تبع لما وقع في الوقت.‏
الرأي الثاني- للمالكية، والشافعية: تعد الصلاة جميعها أداء في الوقت إن وقع ركعة ‏بسجدتيها في الوقت، وإلا بأن وقع أقل من ركعة فهي قضاء، لخبر الصحيحين: "من أدرك ركعة ‏من الصلاة، فقد أدرك الصلاة" أي مؤداة.‏

الاجتهاد في الوقت:‏
من جهل الوقت بسبب عارض أو حبس في بيت مظلم، وعدم ثقة يخبره به عن علم، ولم ‏يكن معه ساعة تؤقت له، اجتهد بما يغلب على ظنه دخوله بوِرْد من قرآن ودرس ومطالعة ‏وصلاة ونحوه كخياطة وصوت ديك مجَّرب، وعمل على الأغلب في ظنه.‏
والاجتهاد يكون واجباً إن عجز عن اليقين بالصبر أو غيره كالخروج لرؤية الفجر أو ‏الشمس مثلاً، وجائزاً إن قدر عليه.‏
وإن أخبره ثقة من رجل أو امرأة بدخول الوقت عن علم، أي مشاهدة، عمل به، لأنه خبر ‏ديني يرجع فيه المجتهد إلى قول الثقة كخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، أما إن أخبره عن ‏اجتهاد فلا يقلده، لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً آخر.‏
وإذا شك في دخول الوقت، لم يصل حتى يتيقن دخوله، أو يغلب على ظنه ذلك، وحينئذ ‏تباح له الصلاة، ويستحب تأخيرها قليلاً احتياطاً لتزداد غلبة ظنه، إلا أن يخشى خروج الوقت.‏
وإن تيقن أن صلاته وقعت قبل الوقت، ولو بإخبار عدل مقبول الرواية عن مشاهدة، ‏قضى عند الشافعية وعند أكثر العلماء، وإلا أي إن لم يتيقن وقوعها قبل الوقت، فلا قضاء عليه. ‏ودليل القضاء: ما روي عن ابن عمر وأبي موسى أنهما أعادا الفجر، لأنهما صلياها قبل الوقت.‏
تأخير الصلاة: يجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لقوله صلى الله عليه وسلم: "أول ‏الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" ولأنا لو لم نجوز التأخير لضاق على الناس، فسمح لهم ‏بالتأخير. لكن من أخر الصلاة عمداً، ثم خرج الوقت وهو فيها، أثم وأجزأته.‏

الأوقات المكروهة:‏
ثبت في السنة النبوية النهي عن الصلاة في أوقات خمسة، ثلاثة منها في حديث، واثنان ‏منها في حديث آخر.‏
أما الثلاثة ففي حديث مسلم عن عقبة بن عامر الجُهَني: "ثلاث ساعات كان رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلِّي فيهن، وأن نقبُر فيهن موتانا: حين تطلعُ الشمس بازغة حتى ‏ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيَّف الشمس للغروب".‏
وهذه الأوقات الثلاثة تختص بأمرين: دفن الموتى والصلاة.‏
وأما الوقتان الآخران ففي حديث البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد ‏العصر حتى تغيب الشمس" ولفظ مسلم: "لا صلاة بعد صلاة الفجر" وهذان الوقتان يختصان ‏بالنهي عن الصلاة فقط.‏
فالأوقات الخمسة هي ما يأتي:‏
‏1- ما بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس كرُمْح في رأي العين.‏
‏2- وقت طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رُمح أي بعد طلوعها بمقدار ثلث ساعة.‏
‏3- وقت الاستواء إلى أن تزول الشمس أي يدخل وقت الظهر.‏
‏4- وقت اصفرار الشمس حتى تغرب.‏
‏5- بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.‏
والحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات وتحريم النوافل فيها هي: أن الأوقات ‏الثلاثة الأولى ورد تعليل النهي عن الصلاة فيها في حديث عمرو بن عبسة عند مسلم وأبي داود ‏والنسائي: وهو أن الشمس عند طلوعها تطلع بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار، وعند قيام ‏قائم الظهيرة تسجر (توقد) جهنم وتفتح أبوابها، وعند الغروب تغرب بين قرني شيطان، فيصلي ‏لها الكفار. فالحكمة هي إما التشبه بالكفار عبدة الشمس، أو لكون الزوال وقت غضب.‏
وأما حكمة النهي عن النوافل بعد الصبح وبعد العصر فهي ليست لمعنى في الوقت، وإنما ‏لأن الوقت كالمشغول حكماً بفرض الوقت، وهو أفضل من النفل الحقيقي.‏
وأما نوع الحكم المستفاد من النهي: فهو حرمة النافلة عند الحنابلة في الأوقات الخمسة ‏وعند المالكية في الأوقات الثلاثة، والكراهة التنزيهية في الوقتين الآخرين.‏
والحرمة أو الكراهة التحريمية تقتضي عدم انعقاد الصلاة على الخلاف الآتي.‏
وأما نوع الصلاة المكروهة ففيها خلاف بين الفقهاء.‏
أولاً- الأوقات الثلاثة (الشروق والغروب والاستواء) قال الحنفية: يكره تحريماً فيها كل ‏صلاة مطلقاً، فرضاً أو نفلاً، أو واجباً، ولو قضاء لشيء واجب في الذمة، أو صلاة جنازة أو ‏سجدة تلاوة أو سهو، إلا يوم الجمعة على المعتمد المصحح، وإلا فرض عصر اليوم أداء.‏
والكراهة تقتضي عدم انعقاد الفرض وما يلحق به من الواجب كالوتر، وينعقد النفل ‏بالشروع فيه مع كراهة التحريم فإن طرأ الوقت المكروه على صلاة شرع فيها تبطل إلا صلاة ‏جنازة حضرت فيها، وسجدة تليت آيتها فيها، وعصر يومه، والنفل والنذر المقيد بها، وقضاء ما ‏شرع به فيها ثم أفسده، فتنعقد هذه الستة بلا كراهة أصلاً، في الأولى منها، ومع الكراهة التنزيهية ‏في الثانية، والتحريمية في البواقي.‏
ودليلهم عموم النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، وعدم صحة القضاء، لأن الفريضة ‏وجبت كاملة فلا تتأدى بالناقص.‏
ولا يصح أداء فجر اليوم عند الشروق، لوجوبه في وقت كامل فيبطل في وقت الفساد، إلا ‏العوام فلا يمنعون من ذلك، لأنهم يتركونها، والأداء الجائز عن البعض أولى من الترك.‏
ويصح أداء العصر مع الكراهة التحريمية، لحديث أبي هريرة: "من أدرك ركعة من ‏العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".‏
ويصح مع الكراهة التنزيهية أداء سجدة التلاوة المقروءة في وقت النهي أو أداء صلاة ‏منذورة فيه أو نافلة شرع بأدائها فيه، لوجوبها في هذا الوقت. كذلك تصح صلاة الجنازة إذا ‏حضرت في وقت مكروه لحديث الترمذي: "يا علي ثلاثة لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة ‏إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت لها كفؤاً".‏
ثانياً- الوقتان الآخران (بعد صلاتي الفجر والعصر): يكره تحريماً أيضاً التنفل فيهما، ‏ولو بسنة الصبح أو العصر إذا لم يؤدها قبل الفريضة أو بتحية مسجد، أو منذور، وركعتي ‏طواف، وسجدتي سهو، أو قضاء نفل أفسده، وتنعقد الصلاة.‏
ولا يكره في هذين الوقتين قضاء فريضة فائتة أو وتر أو سجدة تلاوة وصلاة جنازة، لأن ‏الكراهة كانت لشغل الوقت بصاحب الفريضة الأصلية، فإذا أديت لم تبق كراهة بشغله بفرض ‏آخر أو واجب لعينه، لكن عدم الكراهة في القضاء بما بعد العصر مقيد بما قبل تغير الشمس، أما ‏بعده فلا يجوز فيه القضاء أيضاً، وإن كان قبل أن يصلي العصر.‏
وقال المالكية: يحرم النفل لا الفرض في الأوقات الثلاثة، ويجوز قضاء الفرائض الفائتة ‏فيها وفي غيرها، ومن النفل عندهم: صلاة الجنازة، والنفل المنذور، والنفل المفسد، وسجود ‏السهو البعدي، لأن ذلك كله سنة، عملاً بمقتضى النهي السابق الثابت في السنة.‏
ويكره تنزيهاً النفل في الوقتين الآخرين (بعد طلوع الفجر وبعد أداء العصر) إلى أن ‏ترتفع الشمس بعد طلوعها قدر رمح(1)، وإلى أن تصلى المغرب، إلا صلاة الجنازة وسجود ‏التلاوة بعد صلاة الصبح قبل إسفار الصبح، وما بعد العصر قبل اصفرار الشمس فلا يكره بل ‏يندب، وإلا ركعتي الفجر، فلا يكرهان بعد طلوع الفجر، لأنهما رغيبة كما سيأتي.‏
‏______________________‏
‏(1) المقصود رمح من رماح العرب، وقدره اثنا عشر شبر بشبر متوسط.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:39 PM
ويقطع المتنفل صلاته وجوباً إن أحرم بوقت تحرم فيه الصلاة، وندباً إن أحرم بوقت ‏كراهة، ولا قضاء عليه.‏
وقال الشافعية: تكره الصلاة تحريماً على المعتمد في الأوقات الثلاثة،وتنزيهاً في الوقتين ‏الآخرين. ولا تنعقد الصلاة في الحالتين.‏
واستثنى الشافعية حالات كراهة فيها وهي ما يأتي :‏
‏1- يوم الجمعة: لا تكره الصلاة عند الاستواء يوم الجمع، لاستثنائه في خبر البيهقي عن ‏أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الصلاة ‏نصف النهار إلا يوم الجمعة" وخبر أبي داود عن أبي قتادة نحوه، ولفظه: "وكره النبي صلى الله ‏عليه وسلم الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة". رواه أبو ‏داود.‏
والأصح عندهم جواز الصلاة في هذا الوقت، سواء أحضر إلى الجمعة أم لا.‏
‏2- حرم مكة: الصحيح أنه لا تكره الصلاة في هذه الأوقات في حرم مكة لخبر جبير بن ‏مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا ‏البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الترمذي، ولما فيه من زيادة فضل الصلاة ‏فلا تكره بحال، لكنها خلاف الأولى خروجاً من الخلاف.‏
‏3- الصلاة ذات السبب غير المتأخر، كفائتة، وكسوف، وتحية مسجد، وسنة الوضوء ‏وسجدة شكر، لأن الفائتة وتحية المسجد وركعتي الوضوء لها سبب متقدم، وأما الكسوف وصلاة ‏الاستسقاء وصلاة الجنازة وركعتا الطواف فلها سبب مقارن. والفائتة فرضاً أو نفلاً تقضى في أي ‏وقت بنص الحديث: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها" متفق عليه وخبر ‏الصحيحين: "أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر ركعتين، وقال: همااللتان بعد الظهر" ‏والكسوف وتحية المسجد ونحوهما معرضان للفوات، وفي الصحيحين عن أبي هريرة "أنه صلى ‏الله عليه وسلم قال لبلال: حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دَفْ نعليك(1) بين ‏يدي في الجنة؟ قال: ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل أو ‏نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي".‏
‏__________________‏
‏(1) الدَّف : صوت النعل وحركته على الأرض
‏ ‏
وفي سجدة الشكر: ورد في الصحيحين أيضاً في توبة كعب بن مالك: "أنه سجد سجدة ‏للشكر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس".‏
أما ما له سبب متأخر كركعتي الاستخارة والإحرام: فإنه لا ينعقد، كالصلاة التي لا سبب ‏لها.‏
وقال الحنابلة: يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها، لعموم ‏الحديث السابق: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها" ولحديث أبي قتادة: "ليس في ‏النوم تفريط، وإنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها". ‏رواه أبو داود والترمذي والنسائي.‏
ولو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح أتمها، خلافاً للحنفية، للحديث السابق: ‏
‏"إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته".‏
ويجوز فعل الصلاة المنذور في وقت النهي، ولو كان نذرها فيه، خلافاً للحنفية، لأنها ‏صلاة واجبة، فأشبهت الفريضة الفائتة وصلاة الجنازة.‏
ويجوز فعل ركعتي الطواف، للحديث السابق عند الشافعية: "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا ‏أحداً طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار".‏
وتجوز صلاة الجنازة في الوقتين (بعد الصبح وبعد العصر) وهو رأي جمهور الفقهاء، ‏ولا تجوز صلاة الجنازة في الأوقات الثلاثة (الشروق والغروب والاستواء) إلا أن يخاف عليها ‏فتجوز مطلقاً للضرورة، ودليلهم على المنع قول عقبة بن عامر السابق: "ثلاث ساعات كان ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا".‏
وتجوز إعادة الصلاة جماعة في أي وقت من أوقات النهي بشرط أن تقام وهو في ‏المسجد، أو يدخل المسجد وهم يصلون، سواء أكان صلى جماعة أم وحده، لما روى يزيد بن ‏الأسود، قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، فلما قضى صلاته، إذا هو ‏برجلين لم يصليا معه، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا ؟ فقالا: يا رسول الله، قد صلينا في رحالنا، ‏فقال: لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلِّيا معهم، فإنها لكم نافلة" ‏رواه أبو داود والترمذي، وهذا نص في الفجر، وبقية الأوقات مثله، ولأنه متى لم يعد لحقته تهمة ‏في حق الإمام.‏
ويحرم التطوع بغير الصلوات المستثناة السابقة في شيء من الأوقات الخمسة، للأحاديث ‏المتقدمة، سواء أكان التطوع مما له سبب كسجود تلاوة وشكر وسنة راتبة كسنة الصبح إذا ‏صلاها بعد صلاة الصبح، أو بعد العصر، وكصلاة الكسوف والاستسقاء وتحية المسجد وسنة ‏الوضوء، أم ليس له سبب كصلاة الاستخارة، لعموم النهي، وإنما ترجح عمومها على أحاديث ‏التحية وغيرها، لأنها حاظرة وتلك مبيحة، والحاظر مقدم على المبيح، وأما الصلاة بعد العصر ‏فمن خصائصه صلى الله عليه وسلم. لكن تجوز فقط تحية المسجد يوم الجمعة إذا دخل والإمام ‏يخطب فيركعهما، للحديث السابق "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار ‏إلا يوم الجمعة".‏
ويجوز في الصحيح قضاء السنن الراتبة بعد العصر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ‏فعله، فإنه قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر في حديث أم سلمة. والصحيح في ‏الركعتين قبل العصر أنها لا تقضى، لما روت عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما، ‏فقلت له: أتقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا". ويجوز قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، إلا أن أحمد ‏اختار أن يقضيهما من الضحى خروجاً من الخلاف.‏
والمشهور في المذهب أنه لا يجوز قضاء السنن في سائر أوقات النهي.‏
ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي، لعموم النهي.‏
كما لا فرق في وقت الزوال بين الجمعة وغيرها، ولا بين الشتاء والصيف، لعموم ‏الأحاديث في النهي.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:40 PM
كراهة التنفل في أوقات أخرى:‏
كره الحنفية والمالكية التنفل في أوقات أخرى هي ما يأتي، علماً بأن الكراهة تحريمية ‏عند الحنفية في كل ما يذكر هنا:‏
‏1- ما بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح: قال الحنفية: يكره تحريماً التنفل حينئذ بأكثر ‏من سنة الفجر، ولا كراهة عند الشافعية والحنابلة.‏
وقال المالكية: يكره تنزيهاً الصلاة تطوعاً بعد الفجر قبل الصبح، ويجوز فيه قضاء ‏الفوائت وركعتا الفجر، والوتر، والوِرْد، أي ما وظفه من الصلاة ليلاً على نفسه.‏
ودليل الحنفية والمالكية على الكراهة حديث ابن عمر: "لا صلاة بعد الفجر إلا الركعتين ‏قبل صلاة الفجر". رواه الطبراني.‏
‏2- ما قبل صلاة المغرب: يكره التنفل عند الحنفية والمالكية قبل صلاة المغرب، ‏للعمومات الواردة في تعجيل المغرب، منها حديث سلمة بن الأكوع: "أن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غَرَبت الشمس وتوارت بالحجاب" رواه أبو داود والترمذي، ‏وحديث عقبة بن عامر: "لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك ‏النجوم" رواه أبو داود، والتنفل يؤدي إلى تأخير المغرب، والمبادرة إلى أداء المغرب مستحبة.‏
وقال الشافعية: يستحب صلاة ركعتين قبل المغرب، وهي سنة غير مؤكدة، وقال ‏الحنابلة: إنهما جائزتان وليستا سنة، ودليلهم: ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل ‏‏"أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين" وقال أنس: "كنا نصلي على عهد ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب" رواه مسلم، ‏وعن عبد الله بن مُغّفَّل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم ‏قال: صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة". ‏رواه البخاري وأبو داود.‏
‏3- أثناء خطبة الإمام في الجمعة والعيد والحج والنكاح والكسوف والاستسقاء: يكره لدى ‏الحنفية والمالكية التنفل عند خروج الخطيب حتى يفرغ من الصلاة، لحديث أبي هريرة: "إذا ‏قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت" متفق عليه، وأضاف المالكية أنه ‏يكره التنفل بعد صلاة الجمعة أيضاً إلى أن ينصرف الناس من المسجد.‏
وكذلك يكره التنفل تنزيهاً أثناء الخطبة عند الشافعية والحنابلة إلا تحية المسجد إن لم ‏يخش فوات تكبيرة الإحرام، ويجب عليه أن يخففهما بأن يقتصر على الواجبات، فإن لم يكن ‏صلى سنة الجمعة القبلية نواها مع التحية إذ لا يجوز له الزيادة على ركعتين، ولا تنعقد صلاة ‏غير التحية عند الشافعية. ودليلهم خبر الصحيحين: "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى ‏يصلي ركعتين" فهو مخصص لخبر النهي. وروى جابر، قال: "جاء سُلَيك الغطفاني، ورسول الله ‏صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: يا سليك قم، فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما" رواه مسلم، أي ‏خفف فيهما.‏
‏4- ما قبل صلاة العيد وبعده: يكره التنفل عند الحنفية والمالكية والحنابلة قبل صلاة العيد ‏وبعده، لحديث أبي سعيد الخدري قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئاً، ‏فإذا رجع إلى منزله، صلى ركعتين" رواه ابن ماجه، وأضاف الحنابلة: لا بأس بالتنفل إذا خرج ‏من المصلى.‏
والكراهة عند الحنفية والحنابلة سواء للإمام والمأموم، وسواء أكان في المسجد أم ‏المصلى، أما عند المالكية فالكراهة في حال أدائها في المصلى لا في المسجد.‏
وقال الشافعية: يكره التنفل للإمام قبل العيد وبعده، لاشتغاله بغير الأهم، ولمخالفته فعل ‏النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏صلى يوم العيد ركعتين لم يصلّ قبلها ولا بعدها" متفق عليه.‏
ولا يكره النفل قبل العيد بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام، لانتفاء الأسباب المقتضية ‏للكراهة، كذلك لا يكره النفل بعد العيد إن كان لا يسمع الخطبة، فإن كان يسمع الخطبة كره له.‏
‏5- عند إقامة الصلاة المكتوبة: قال الحنفية: يكره تحريماً التطوع عند إقامة الصلاة ‏المفروضة، لحديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" رواه مسلم، إلا سنة الفجر إن لم ‏يخف فوت جماعة الفرض ولو بإدراك تشهده، فإن خاف تركها أصلاً، فيجوز الإتيان بسنة الفجر ‏عند الإقامة، لشدة تأكدها، والحث عليها، ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه السلام: ‏‏"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" رواه مسلم، وقالت عائشة: "لم يكن النبي صلى الله عليه ‏وسلم على شيء من النوافل أشدَّ تعاهداً منه على ركعتي الفجر" متفق عليه. وروى الطحاوي ‏وغيره عن ابن مسعود: "أنه دخل المسجد، وأقيمت الصلاة، فصلى ركعتي الفجر في المسجد إلى ‏أسطوانة".‏
وكذلك يكره التطوع عند ضيق وقت المكتوبة، لتفويته الفرض عن وقته.‏
وقال الشافعي والجمهور: يكره افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة، سواء أكانت راتبة كسنة ‏الصبح والظهر والعصر، أم غيرها كتحية للمسجد.‏
ودليل الجمهور على كراهة افتتاح النافلة: قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة ‏فلا صلاة إلا المكتوبة" وفي الرواية الأخرى: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل ‏يصلي، وقد أقيمت صلاة الصبح، فقال: يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً" ومعناه أنه لا ‏يشرع بعد الإقامة للصبح إلا الفريضة، فإذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة، ثم صلى معهم ‏الفريضة، صار في معنى "من صلى الصبح أربعاً" لأنه صلى بعد الإقامة أربعاً.‏
والصحيح في الحكمة في النهي عن صلاة النافلة بعد الإقامة: أن يتفرغ للفريضة من ‏أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض ‏مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها. وفيه حكمة أخرى هو النهي عن ‏الاختلاف على الأئمة.‏
إلا أن الإمام مالك قال: إن لم يخف فوات الركعة ركعهما خارج المسجد.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:41 PM
الأذان



معنى الأذان:‏
الأذان لغة: الإعلام، ومنه قوله تعالى: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس} [التوبة: 3]، ‏أي إعلام "وأذِّن في الناس بالحج" [الحج: 27] أي أعلمهم.‏
وشرعاً: قول مخصوص يعلم به وقت الصلاة المفروضة. أو هو الإعلام بوقت الصلاة ‏بألفاظ مخصوصة.‏
مشروعيته وفضله:‏
دل القرآن والسنة والإجماع على شرعية الأذان، لأن فيه فضلاً كثيراً وأجراً عظيماً.‏
فمن القرآن: قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة ...} [المائدة: 58].‏
ومن السنة: أحاديث كثيرة، منها خبر الصحيحين: "إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم ‏أحدكم، وليؤمَّكم أكبركم" رواه مالك، ودل حديث عبد الله بن زيد على كيفية الأذان المعروف ‏بالرؤيا التي أيده فيها عمر بن الخطاب في حديث طويل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها ‏لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فإنه أندى صوتاً منك" رواه أبو داود ‏وأحمد.‏
والخبر الصحيح أن بدء الأذان كان بالمدينة كما أخرجه مسلم عن ابن عمر، وعلى هذا ‏كانت رؤيا الأذان في السنة الأولى من الهجرة، وأيده النبي صلى الله عليه وسلم.‏
وفي الأذان ثواب كبير، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الناس ما في النداء، ‏والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتهموا عليه(1) لاستهموا عليه" متفق عليه، وقوله عليه ‏السلام: "إذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع ‏صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة" رواه البخاري.‏
وفي حديث آخر: "المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة".‏
‏_________________‏
‏(1) الاستهام : الاقتراع.‏
واعتبر الأذان مع الإقامة عند الشافعي والحنابلة أفضل من الإمامة، لقوله تعالى: ‏
‏{ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً} [فصلت: 33] رواه أبو داود والترمذي، ‏قالت عائشة: هم المؤذنون، وللأخبار السابقة في فضيلته، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "الإمام ‏ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين" رواه أبو داود والترمذي. والأمانة ‏أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد، ولم يتوله النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه ‏لضيق وقتهم عنه.‏
وقال الحنفية: الإقامة والإمامة أفضل من الأذان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه ‏تولوا الإمامة، ولم يتولوا الأذان.‏
حكم الأذان:‏
الأذان والإقامة عند الجمهور (غير الحنابلة): سنة مؤكدة للرجال جماعة في كل مسجد ‏للصلوات الخمس والجمعة، دون غيرها، كالعيد والكسوف والتراويح وصلاة الجنازة، ويقال فيها ‏عند أدائها جماعة: "الصلاة جامعة" لما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: "لما ‏انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نودي: الصلاة جامعةٌ" أما الأذان ‏والإقامة، فلأن المقصود منهما الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة، والقيام إليها. ولا تسن ‏للنافلة والمنذورة. ودليلهم على السنية الحديث السابق: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف ‏الأول، لاستهموا عليه" ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بهما في حديث الأعرابي، مع ذكر ‏الوضوء والاستقبال وأركان الصلاة. وبناء عليه: لم يأثم أهل بلدة بالاجتماع على ترك الأذان إذا ‏قام به غيرهم ولم يضربوا ولم يحسبوا.‏
وأضاف الشافعية والمالكية أنه يستحب الإقامة وحدها لا الأذان للمرأة أو جماعة النساء، ‏منعاً من خوف الفتنة برفع المرأة الصوت به. وقال الحنفية: إنه تكره الإقامة كالأذان للنساء، لما ‏روي عن أنس وابن عمر من كراهتهما له، ولأن مبنى حالهن على الستر، ورفع صوتهن حرام.‏
الأذان للفائتة وللمنفرد:‏
عند الشافعي: يستحب أيضاً الأذان والإقامة للمنفرد أيضاً أداء أو قضاء رغم سماع أذان ‏الحي أو المسجد، ويرفع صوته بالأذان إلا إذا كان بمسجد وقعت فيه جماعة، لئلا يتوهم ‏السامعون دخول وقت صلاة أخرى، وإن اجتمع على المصلي فوائت أو جمع تقديماً أو تأخيراً ‏أذن للأولى وحدها، لما روى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه: "أنه صلى الله عليه وسلم ‏جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين" والمستحب عند الشافعي أن يكون للجمعة ‏أذان واحد بين يدي الإمام عند المنبر، لأنه لم يكن يؤذن يوم الجمعة للنبي صلى الله عليه وسلم إلا ‏بلال.‏
وهذا مذهب الشافعية في الفوائت. وقال الحنفية: يؤذن المصلي للفائتة ويقيم، لأنها بمنزلة ‏الحاضرة، فإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام، وكان مخيراً في الباقية بعدها: إن شاء أذن وأقام ‏لكل واحدة، وهو أولى، لأن ما سن للصلاة في أذانها، سن في قضائها كسائر المسنونات. وإن ‏شاء اقتصر فيما بعد الأولى على الإقامة، لأن الأذان للاستحضار، وهم حضور، والأولى الأذان ‏والإقامة لكل لفريضة، بدليل حديث ابن مسعود عند أبي يعلى حينما شغل المشركون رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب عن الصلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر النبي ‏صلى بلالاً بالأذان والإقامة لكل صلاة. رواه الترمذي والنسائي.‏
وقال مالك: إنه يقيم ولا يؤذن، لما روى أبو سعيد قال: "حبسنا يوم الخندق عن الصلاة، ‏حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً، فأمره ‏فأقام الظهر فصلاها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها" ولأن الأذان للإعلام بالوقت، وقد فات. ‏وعلى هذا قال المالكية: يكره الأذان لفائتة، ولصلاة ذات وقت ضروري (أي المجموعة مع ‏غيرها جمع تقديم أو تأخير) ولصلاة جنازة ونافلة كعيد وكسوف.‏
وقيد المالكية سنية الأذان في كل مسجد ولو تلاصقت المساجد: بجماعة طلبت غيرها، ‏سواء في حضر أو سفر، ولا يسن لمنفرد أو جماعة لم تطلب غيرها، بل يكره لهم إن كانوا في ‏حضر. ‏
ويندب لمنفرد أو لجماعة لا تطلب غيرها في أثناء السفر، ولو لمسافة دون مسافة القصر (89 ‏كم).‏
أما أكثر الحنابلة فقالوا: الأذان والإقامة فرضا كفاية للصلوات الخمس المؤداة والجمعة ‏دون غيرها، للحديث السابق: "إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم" والأمر ‏يقتضي الوجوب على أحدهم، وعن أبي الدرداء مرفوعاً: "ما من ثلاثة لا يؤذنون، ولا تقام فيهم ‏الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان" رواه أبو داود والنسائي، ولأنهما من شعائر الإسلام ‏الظاهرة، فكانا فرضي كفاية كالجهاد، فإذا قام به البعض، سقط عن الباقين، وبناء عليه يقاتل أهل ‏بلد تركوها.‏
ويكره ترك الأذان والإقامة للصلوات الخمس، ولا يعيد.‏
ويكفي أذان واحد في المصر، ويكتفي بقية المصلين بالإقامة.‏
وهو رأي الحنفية والمالكية أيضاً، خلافاً للشافعية كما بينا، ودليلهم أن ابن مسعود ‏وعلقمة والأسود صلوا بغير أذان، قال سفيان: كفتهم إقامة المصر لكن قال الحنفية: من صلى في ‏بيته في المصر، يصلي بأذان وإقامة ليكون الأداء على هيئة الجماعة، وإن تركهما جاز، لقول ‏ابن مسعود: "أذان الحي يكفينا".‏
ومن فاتته صلوات، أو جمع بين صلاتين في وقت أولاهما استحب له أن يؤذن للأولى، ‏ثم يقيم لكل صلاة إقامة، وهو موافق لقول الشافعية. ودليلهم على ذلك حديث أبي سعيد المتقدم: ‏‏"إذا كنت في غنمك .." وحديث أبي قتادة "أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فناموا حتى ‏طلعت الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا بلال، قم فأذن الناس بالصلاة" متفق عليه.‏
ومن دخل مسجداً قد صلي فيه، فإن شاء أذن وأقام، لما روى الأثرم وسعيد بن منصور ‏عن أنس: "أنه دخل مسجداً قد صلوا فيه، فأمر رجلاً فأذن وأقام، فصلى بهم في جماعة" وإن شاء ‏صلى من غير أذان ولا إقامة.‏
وليس على النساء أذان ولا إقامة، خلافاً للشافعية والمالكية في الإقامة، لما روى النجاد ‏بإسناده عن أسماء بنت بريد، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس على ‏النساء أذان ولا إقامة".‏
والخلاصة: أنه يؤذن للفائتة عند الجمهور، ويكره ذلك عند المالكية، ويسن الأذان ‏للرجال دون النساء، بالاتفاق، وتسن الإقامة للمرأة سراً عند الشافعية والمالكية، وتكره عند ‏الحنفية، ولا تشرع عند الحنابلة. ويكفي عند الجمهور أذان الحي، ولا يكفي عند الشافعية.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:42 PM
شروط الأذان:‏
يشترط في الأذان والإقامة ما يأتي:‏
‏1- دخول الوقت: فلا يصح الأذان ويحرم باتفاق الفقهاء قبل دخول وقت الصلاة، فإن ‏فعل أعاد في الوقت، لأن الأذان للإعلام، وهو قبل دخول الوقت تجهيل. ولذا يحرم الأذان قبل ‏الوقت لما فيه من التلبيس والكذب بالإعلام بدخول الوقت، كما يحرم تكرير الأذان عند الشافعية، ‏وليس منه أذان المؤذنين المعروف.‏
لكن أجاز الجمهور غير الحنفية: الأذان للصبح بعد نصف الليل، ويندب بالسَّحَر وهو ‏سدس الليل الأخير، ثم يعاد استناناً عند طلوع الفجر الصادق، لخبر الصحيحين عن عبد الله بن ‏عمرو: "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم" زاد البخاري: ‏‏"وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال: أصبحت أصبحت" لكن ينبغي لمن يؤذن قبل الوقت أن ‏يؤذن في وقت واحد في الليالي كلها، منعاً للالتباس على الناس. ويشترط في المرتب (الموظف) ‏للأذان علمه بالمواقيت، أما غير الموظف فلا يشترط علمه بالمواقيت، فمن أذن لنفسه أو لجماعة ‏مرة، أو كان أعمى، صح أذانه إذا علم من غيره دخول الوقت.‏
‏2- أن يكون باللغة العربية، فلا يصح بغيرها إن أذن لجماعة، فإن أذن غير العربي لنفسه ‏وهو لا يحسن العربية، جاز عند الشافعية، ولم يجز مطلقاً عند الحنابلة والحنفية لوروده بلسان ‏عربي كالقرآن.‏
‏3- يشترط في الأذان والإقامة إسماع بعض الجماعة، وإسماع نفسه إن كان منفرداً.‏
‏4- الترتيب والموالاة بين ألفاظ الأذان والإقامة: اتباعاً للسنة كما روى مسلم وغيره، ‏ولأن الموالاة بين كلمات الأذان يخل بالإعلام، فلا يصح الأذان إلا مرتباً، كما لا يصح بغير ‏المتوالي ويعاد غير المرتب وغير المتوالي، ولا يضر فاصل يسير بنوم أو إغماء أو سكوت أو ‏كلام ويبطل بالردة عند الفقهاء، فإن ارتد بعد انتهاء الأذان لم يبطل. وهذا شرط عند الشافعية ‏والحنابلة. وقال الحنفية والمالكية: يسن ترتيب كلمات الأذان والإقامة، والموالاة بينها، ويصح ‏بغير الترتيب والموالاة، مع الكراهة، والأفضل أن يعيد الأذان والإقامة.‏
ويرى بعض الحنابلة أن الأذان يبطل بالكلام المحرم ولو يسيراً كالسب ونحوه، وفيوجه ‏آخر لا يبطل كالكلام المباح.‏
‏5- كونه من شخص واحد: فلو أذن مؤذن ببعضه، ثم أتمه غيره لم يصح، كما لا يصح ‏إذا تناوبه اثنان بحيث يأتي كل واحد بجملة غير التي يأتي بها الآخر، لأن الأذان عبادة بدنية، فلا ‏يصح من شخصين يبني أحدهما على الآخر.‏
أما اجتماع جماعة على الأذان، بحيث يأتي كل واحد بأذان كامل، فهو صحيح. وأضاف ‏المالكية: أنه يكره اجتماع مؤذنين بحيث يبني بعضهم على ما يقول الآخر. ويكره تعدد الأذان ‏لصلاة واحدة.‏
ويلاحظ أن أول من أحدث أذانين اثنين معاً هم بنو أمية، والأذان الجماعي غير مكروه ‏كما حقق ابن عابدين.‏
‏6- أن يكون المؤذن مسلماً عاقلاً (مميزاً)، رجلاً، فلا يصح أذان الكافر، والمجنون ‏والصبي غير المميز والمغمى عليه والسكران، لأنهم ليسوا أهلاً للعبادة. ولا يصح أذان المرأة، ‏لحرمة أذانها وأنه لا يشرع لها الأذان، فلا تصح إمامتها للرجال، ولأنه يفتتن بصوتها، ولا يصح ‏أذان الخنثى، لأنه لا يعلم كونه رجلاً.‏
وهذا شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة. ويقرب منهم مذهب الحنفية، لأنهم قالوا: ‏يكره تحريكاً أذان هؤلاء الذين لم تتوافر فيهم هذه الشروط، ويستحب إعادته. وعلى هذا: يسن ‏عند الحنفية: أن يكون المؤذن رجلاً عاقلاً تقياً عالماً بالسنة وبأوقات الصلاة. ولا يشترط عند ‏الجمهور (غير المالكية) البلوغ والعدالة، فيصح أذان الصبي المميز، والفاسق، لكن يستحب أن ‏يكون المؤذن بالغاً عدلاً أميناً، لأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة والصيام، فلا يؤمن أن يغرهم ‏أذانه إذا لم يكن كذلك.‏
وقال الحنفية: يكره أذان الفاسق ويستحب إعادته.‏
وقال المالكية: يشترط العدالة والبلوغ في المؤذن، فلا يصح أذان الفاسق، والصبي ‏المميز إلا إذا اعتمد في دخول الوقت على بالغ.‏
واشتراطهم العدالة لحديث ابن عباس: "ليؤذن لكم خياركم، ويؤمكم قراؤكم" رواه أبو ‏داود وابن ماجه.‏
ولا يشترط النية عند الحنفية، والشافعية، لكن يشترط الصرف (أي عدم قصد غير ‏الأذان) فلو قصد به تعليم غيره، لم يعتد به.‏
وتشترط النية عند الفقهاء الآخرين، فإن أتى بالألفاظ المخصوصة بدون قصد الأذان لم يصح.‏
ولا يشترط في الأذان والإقامة عند جمهور الفقهاء: الطهارة، واستقبال القبلة، والقيام، ‏وعدم الكلام في أثنائه، وإنما يندب ذلك، ويكره الأذان عند الجمهور للمحدث، وللجنب أشد ‏كراهة، والإقامة أغلظ، والكراهة تحريمية عند الحنفية بالنسبة للجنب، ويعاد أذانه عندهم وعند ‏الحنابلة، ولا يكره عند الحنفية أذان المحدث. ودليل ندب الطهارة حديث: "لا يؤذن إلا متوضئ" ‏رواه الترمذي. ويكره الأذان قاعداً، مستدبراً القبلة، كما يكره الكلام فيه.‏
ويسن عند المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة أن يتولى الإقامة من تولى الأذان، ‏اتباعاً للسنة، فإن أقام غير المؤذن جاز، لأن بلالاً أذن، وعبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في ‏المنام أقام، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وبناء على هذه الشروط: يبطل الأذان والإقامة بردة ‏وسكر وإغماء ونوم طويل وجنون وترك كلمة منهما، ووجود فاصل طويل من سكوت أو كلام.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:43 PM
كيفية الأذان أو صفته: ‏
اتفق الفقهاء على الصيغة الأصلية للأذان المعروف الوارد بكيفية متواترة من غير زيادة ‏ولا نقصان وهو مثنى مثنى، كما اتفقوا على التثويب أي الزيادة في أذان الفجر بعد الفلاح وهي ‏‏"الصلاة خير من النوم" مرتين، عملاً بما ثبت في السنة عن بلال ولقوله صلى الله عليه وسلم ‏لأبي محذورة - فيما رواه أحمد وأبو داود - "فإذا كان أذان الفجر، فقل: الصلاة خير من النوم ‏مرتين" واختلفوا في الترجيع: وهو أن يأتي بالشهادتين سراً قبل أن يأتي بهما جهراً، فأثبته ‏المالكية والشافعية، وأنكره الحنفية والحنابلة، لكن قال الحنابلة: لو أتى بالترجيع لم يكره.‏
قال الحنفية والحنابلة: الأذان خمس عشرة كلمة، لا ترجيع فيه، كما جاء في خبر عبد ‏الله بن زيد السابق، وهي: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد ‏أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي ‏على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله".‏
معاني كلمات الأذان:‏
معنى ألفاظ الأذان: هو أن قوله "الله أكبر" أي من كل شيء، أو أكبر من أن ينسب إليه ‏ما لا يليق بجلاله، أو هو بمعنى كبير.‏
وقوله: "أشهد" أي أعلم. وقوله "حي على الصلاة" أي أقبلوا إليها، أو أسرعوا. والفلاح: ‏الفوز والبقاء، لأن المصلي يدخل الجنة إن شاء الله، فيبقى فيها ويخلَّد. والدعوة إلى الفلاح معناها: ‏هلموا إلى سبب ذلك. وختم بـ (لا إله إلا الله) ليختم بالتوحيد وباسم الله تعالى، كما ابتدأ به.‏
سنن الأذان:‏
يسن في الأذان ما يأتي:‏
‏1- أن يكون المؤذن صيِّتاً (عالي الصوت)، حسن الصوت، يرفع صوته بالأذان، على ‏مكان مرتفع وبقرب المسجد، لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر عبد الله بن زيد المتقدم: "ألقه ‏على بلال، فإنه أندى منك صوتاً" أي أبعد، ولزيادة الإبلاغ، وليرق قلب السامع، ويميل إلى ‏الإجابة، ولأن الداعي ينبغي أن يكون حلو المقال، وروى الدارمي وابن خزيمة: أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم أمر عشرين رجلاً فأذنوا، فأعجبه صوت أبي محذورة، فعلمه الأذان.‏
أما رفع الصوت: فليكون أبلغ في إعلامه، وأعظم لثوابه، كما ذكر في حديث أبي سعيد: ‏‏"إذا كنت في غنمك .." ولما رواه الخمسة إلا الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ‏وسلم قال: "المؤذن يغفر له مدَّ صوته، ويشهد له كل رطب ويابس"، ولكن لا يجهد نفسه في رفع ‏صوته زيادة على طاقته، لئلا يضر بنفسه، وينقطع صوته. ويسن رفع الصوت بالأذان لمنفرد ‏فوق ما يسمع نفسه، ولمن يؤذن لجماعة فوق ما يسمع واحداً منهم، ويخفض صوته في مصلى ‏أقيمت فيه جماعة وانصرفوا. (وينوب عن ذلك في زماننا مكبرات الصوت لحصول المقصود ‏به).‏
وكونه على مكان مرتفع، ليكون أيضاً أبلغ لتأدية صوته، روى أبو داود عن عروة بن ‏الزبير عن امرأته من بني النجار، قالت: "كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال ‏يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر (وهو السدس الأخير من الليل)، فيجلس على البيت ينظر إلى ‏الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أستعينك وأستعديك على قريش: أن يقيموا دينك، قالت: ‏ثم يؤذن" وكونه بقرب المسجد، لأنه دعاء إلى الجماعة وهي فيه أفضل.‏
‏2- أن يؤذن قائماً: قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن السنة أن ‏يؤذن قائماً. وجاء في حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: "قم فأذن" متفق ‏عليه، وكان مؤذنو رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذنون قياماً. فإن كان له عذر كمرض، أذن ‏قاعداً. كذلك يسن أن يقيم قائماً.‏
‏3- أن يكون المؤذن حراً بالغاً عدلاً أميناً صالحاً عالماً بأوقات الصلاة، لحديث ابن عباس ‏السابق: "ليؤذن لكم خياركم ويؤمكم قراؤكم". وهذا سنة عند الجمهور غير المالكية، أما المالكية ‏فيشترطون العدالة، كما أن الشافعية يشترطون في موظف الأذان العلم بالوقت.‏
‏4- أن يكون متوضئاً طاهراً، للحديث السابق: " لا يؤذن إلا متوضئ" وفي حديث ابن ‏عباس: "إن الأذان متصل بالصلاة فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر".‏
‏5- أن يكون المؤذن بصيراً، لأن الأعمى لا يعرف الوقت، فربما غلط، فإن أذن الأعمى ‏صح أذانه، فإن ابن مكتوم كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عمرو فيما روى ‏البخاري: "كان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت" وقال المالكية: يجوز ‏أذان الأعمى إن كان تبعاً لغيره أو قلد ثقة في دخول الوقت.‏
‏6- أن يجعل أصبعيه في أذنيه، لأنه أرفع للصوت، ولما روى أبو جحيفة "أن بلالاً أذن، ‏ووضع إصبعيه في أذنيه" متفق عليه، وعن سعد مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: "إنه أرفع لصوتك" ‏رواه ابن ماجه والحاكم.‏
‏7- أن يترسَّل (يتمهل أو يتأنى) في الأذان بسكتة بين كل كلمتين، لقول النبي صلى الله ‏عليه وسلم لبلال رضي الله عنه: "إذا أذنت فترسَّل ، وإذا أقمت فاحدر" رواه الترمذي، ولأن ‏الأذان لإعلام الغائبين بدخول الوقت، والإعلام بالترسل أبلغ، أما الإقامة فلإعلام الحاضرين ‏بالشروع في الصلاة، ويتحقق المقصود بالحدر.‏
‏8- أن يستقبل القبلة في الأذان والإقامة: لأن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ‏يؤذنون مستقبلي القبلة، ولأن فيه مناجاة فيتوجه بها إلى القبلة.‏
ويستحب في الحيعلتين (حي على الصلاة، حي على الفلاح): أن يدير أو يحول وجهه ‏يميناً في الأولى، وشمالاً في الثانية، من غير أن يحول قدميه، لأن فيه مناداة فيتوجه به إلى من ‏على يمينه وشماله، ولما روى أبو جحيفة قال: "رأيت بلالاً يؤذن، فجعلت أتَتبَّع فاه ههنا يميناً ‏وشمالاً، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وأصبعاه في أذنيه" وفي لفظ قال: "أتيت ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أَدَم (جلد) فخرج بلال، فأذن، فلما بلغ: ‏حي على الصلاة، حي على الفلاح، التفت يميناً وشمالاً، ولم يستدر" رواه أبو داود، ويصح عن ‏استدبار القبلة إن احتيج إليه.‏
ويستحب بعد انتهاء الأذان: أن يفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يحضر المصلون، مع ‏مراعاة الوقت المستحب، وفي المغرب بقدر قراءة ثلاث آيات قصار. ودليل هذا الاستحباب قوله ‏عليه السلام: "يا بلال، اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَساً يفرغ الآكل من طعامه في مهل، ويقضي ‏حاجته في مهل" رواه أحمد.‏
ولأن الذي رآه عبد الله بن زيد في المنام أذن، وقعد قعدة أي لانتظار الجماعة، حتى ‏يتحقق المقصود من النداء.‏
وقال الحنفية: يستحب بعد الأذان في الأصح أن يثوب في جميع الأوقات، كأن يقول: ‏الصلاة الصلاة يا مصلين، لظهور التواني في الأمور الدينية.‏
وقال الشافعية: يسن أن يقول المؤذن بعد الأذان أو الحيعلتين في الليلة الممطرة أو ذات ‏الريح أو الظلمة: ألا صلوا في الرحال".‏
‏9- أن يؤذن محتسباً، ولا يأخذ على الأذان والإقامة أجراً باتفاق العلماء.‏
ولا يجوز أخذ الأجرة على ذلك عند الحنفية، والحنابلة، لأنه استئجار على الطاعة، ‏وقربة لفاعله والإنسان في تحصيل الطاعة عامل لنفسه، فلا تجوز الإجارة عليه كالإمامة ‏وغيرها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان بن أبي العاص: "واتخذ مؤذناً لا يأخذ على ‏أذانه أجراً" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.‏
وأجاز المالكية والشافعية الاستئجار على الأذان، لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الأجر عليه ‏كسائر الأعمال. وأفتى متأخرو الحنفية وغيرهم - كما سيأتي في بحث الإجارة - بجواز أخذ ‏الأجرة على القربات الدينية، ضماناً لتحصيلها بسبب انقطاع المكافآت المخصصة لأهل العلم من ‏بيت المال.‏
كما أن الحنابلة قالوا: إن لم يوجد متطوع بالأذان والإقامة، أعطي من يقوم بهما من مال ‏الفيء المعد للمصالح العامة.‏
‏10- يستحب عند الجمهور غير الحنفية أن يكون للجماعة مؤذنان، لا أكثر، لأن النبي ‏صلى الله عليه وسلم "كان له مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم" متفق عليه، ويجوز الاقتصار على ‏مؤذن واحد للمسجد، والأفضل أن يكون مؤذنان لهذا الحديث، فإن احتاج إلى الزيادة عليهما، جاز ‏إلى أربعة، لأنه كان لعثمان رضي الله عنه أربعة مؤذنين، ويجوز إلى أكثر من أربعة بقدر ‏الحاجة والمصلحة عند الحنابلة والشافعية.‏
وإذا تعدد المؤذنون فالمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد، كما فعل بلال وابن أم مكتوم، ‏كان أحدهما يؤذن بعد الآخر، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام.‏
وفي حالة تعدد المؤذنين: إما أن يؤذن كل واحد في منارة، أو ناحية، أو يؤذنوا دفعة ‏واحدة في موضع واحد.‏
‏11- يستحب أنْ يؤذن المؤذن في أول الوقت ليعلم الناس، فيستعدوا للصلاة، وروى جابر ‏ابن سمرة قال: "كان بلال لا يؤخر الأذان عن الوقت، وربما أخر الإقامة شيئاً" رواه ابن ماجه، ‏وفي رواية قال: "كان بلال يؤذن إذا مالت الشمس لا يؤخر، ثم لا يقيم، حتى يخرج النبي صلى ‏الله عليه وسلم، فإذا خرج أقام حين يراه" رواه أحمد.‏
‏12- يجوز استدعاء الأمراء إلى الصلاة، لما روت عائشة رضي الله عنها أن بلالاً جاء، ‏فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، فقال النبي صلى الله ‏عليه وسلم: "مروا أبا بكر فليصل بالناس. وكان بلال يسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ‏كما كان يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏
‏13- يستحب ألا يقوم الإنسان قبل فراغ المؤذن من أذانه، بل يصبر قليلاً إلى أن يفرغ أو ‏يقارب الفراغ، لأن في التحرك عند سماع الأذان تشبهاً بالشيطان.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:44 PM
مكروهات الأذان:‏
للأذان مكروهات هي ما يأتي:‏
‏1- يكره الأذان إذا لم تتوافر السنن السابقة، وقد عدد الحنفية أحوال الكراهة إذا لم تتحقق ‏السنن، فقالوا:‏
يكره تحريماً أذان جنب وإقامته، ويعاد أذانه، وإقامة المحدث، وأذان مجنون ومعتوه ‏وصبي لا يعقل، وامرأة وخنثى، وفاسق، وسكران، وقاعد إلا إذا أذن لنفسه، وراكب إلا المسافر.‏
‏2- يكره التلحين وهو التطريب أو التغني أو التمديد الذي يؤدي إلى تغيير كلمات الأذان، ‏أو الزيادة والنقص فيها، أما تحسين الصوت بدون التلحين فهو مطلوب. ويصح أذان ملحَّن على ‏الراجح عند الحنابلة، لحصول المقصود منه كغير الملحن. ويكره أيضاً اللحن أو الخطأ في النحو ‏أو الإعراب.‏
‏3- يكره المشي فيه، لأنه قد يخل بالإعلام، والكلام في أثنائه، حتى ولو بِرَدّ السلام، ‏ويكره السلام على المؤذن ويجب عليه أن يرد عليه بعد فراغه من الأذان. ولا يبطله الكلام ‏اليسير، ويبطله الكلام الطويل، لأنه يقطع الموالاة المشروطة في الأذان عند الجمهور غير ‏الحنفية. وأشار الحنابلة: أنه يجوز رد السلام في أثناء الأذان والإقامة.‏
‏4- يكره التثويب في غير الفجر، سواء ثوّب في الأذان أو بعده، لما روي عن بلال أنه ‏قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في الفجر، ونهاني أن أثوب في العشاء" ‏رواه ابن ماجه، ولأن التثويب مناسب لصلاة الفجر حيث يكون الناس نياماً، فاحتيج إلى قيامهم ‏إلى الصلاة عن نوم.‏
‏5- قال الحنابلة: يحرم ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، لعمل ‏أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو الشعثاء: "كنا قعوداً مع أبي هريرة في المسجد، فأذن ‏المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو ‏هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم" رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث ‏حسن صحيح، وقال عثمان بن عفان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أدركه الأذان في ‏المسجد، ثم خرج، لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة، فهو منافق".‏
أما الخروج لعذر فمباح، بدليل أن ابن عمر خرج من أجل التثويب في غير حينه.‏
وقال الشافعية: يكره الخروج من المسجد بعد الأذان من غير صلاة إلا لعذر.‏
‏6- قال الحنابلة: يكره الأذان قبل الفجر في شهر رمضان، لئلا يغتر الناس به، فيتركوا ‏السحور. ويحتمل ألا يكره في حق من عرف عادته بالأذان في الليل، لأن بلالاً كان يفعل ذلك، ‏بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" ‏وقوله عليه السلام: "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، فإنه يؤذن بليل لينبه نائمكم، ويرجع ‏قائمكم". ويكره عندهم القول قبل الإقامة: اللهم صل على محمد، ولا بأس بنحنحة قبلها، كما يكره ‏عندهم النداء بالصلاة بعد الأذان في الأسواق وغيرها، مثل أن يقول: الصلاة، أو الإقامة، أو ‏الصلاة رحمكم الله. وقال النووي: تسن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإقامة.‏
إجابة المؤذن والمقيم:‏
يسن عند جمهور العلماء لمن سمع المؤذن أو المقيم: أن يقول مثلما يقول مثنى مثنى ‏عقب كل جملة، إلا في الحيعلتين، فيحوقل فيقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" ومعنى ذلك: أنه لا ‏حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونته، كما قال ابن مسعود.‏
وروى مسلم عن عمر في فضل القول كما يقول المؤذن كلمة كلمة سوى الحيعلتين (حي ‏على الصلاة، حي على الفلاح) فيقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" وروى ابن خزيمة: عن أنس ‏رضي الله عنه قال: "من السنة إذا قال المؤذن في الفجر: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من ‏النوم" وسن أن يقول: أقامها الله وأدامها عند قول المقيم قد قامت الصلاة لما أخرج أبو داود عن ‏بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "أن بلالاً أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت ‏الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أقامها الله وأدامها".‏
ويستحب لمن كان يقرأ ولو قرآناً أن يقطع القراءة، ليقول مثلما يقول المؤذن أو المقيم، ‏لأنه يفوت، والقراءة لا تفوت، لكن إن سمعه في الصلاة، لم يقل مثل قوله، لئلا يشتغل عن ‏الصلاة بما ليس منها، وقد روي "إن في الصلاة لشغلاً" وعلى هذا ينبغي عند الحنفية ألا يتكلم ‏ولا يشتغل بشيء حال الأذان أو الإقامة.‏
وتشمل الإجابة عند الجمهور كل سامع، ولو كان جنباً أو حائضاً أو نفساء، أو كان في ‏طواف فرضاً أو نفلاً، ويجيب بعد الجماع والخلاء والصلاة ما لم يطل الفصل بينه وبين الأذان.‏
وقال الحنفية: تشمل الإجابة من سمع الأذان ولو كان جنباً، لا حائضاً ونفساء وسامع ‏خطبة وفي صلاة جنازة، وجماع، ومستراح في بيت الخلاء، وأكل، وتعليم علم وتعلمه، لكن في ‏أثناء قراءة القرآن يجيب لأنه لا يفوت، وتكرار القراءة للأجر.‏
ويندب عند الحنفية القيام عند سماع الأذان، والأفضل أن يقف الماشي للإجابة ليكون في ‏مكان واحد.‏
ويجيب المؤذن سواء سمعه كله أم بعضه. فإن لم يسمعه لبعد أو صمم لا تسن له الإجابة.‏
وينبغي تدارك إجابة المؤذن إن لم يطل الفصل، وإن طال فلا.‏
قال الشافعية: وإذا دخل المسجد، والمؤذن قد شرع في الأذان، لم يأت بتحية ولا بغيرها، ‏بل يجيب المؤذن واقفاً حتى يفرغ من أذانه ليجمع بين أجر الإجابة والتحية.‏
وقال الحنفية والحنابلة: إذا دخل المسجد، والمؤذن يقيم، قعد إلى قيام الإمام في مصلاه.‏
ما يستحب بعد الأذان:‏
يستحب بعد الأذان وبعد الإقامة ما يأتي:‏
‏1- أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك عند الشافعية والحنابلة مسنون بعد ‏الفراغ من الأذان لكل من المؤذن والسامع، للحديث الآتي. وقد استحدث الصلاة على النبي بعد ‏الأذان في أيام صلاح الدين الأيوبي سنة 781هـ في عشاء ليلة الاثنين، ثم يوم الجمعة، ثم بعد ‏عشر سنين حدث في الكل إلا المغرب، ثم فيها مرتين، قال الفقهاء: وهو بدعة حسنة.‏
‏2- أن يدعو بالدعاء المأثور: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمداً ‏الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته" لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم ‏المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشراً، ‏ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن ‏أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلَّت عليه الشفاعة" رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ‏ماجه.‏
وعن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‏
‏"من قال حين يسمع النداء: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، ‏رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، غفر له ذنبه" رواه مسلم.‏
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يسمع النداء: اللهم ‏رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي ‏وعدته - حلت له شفاعتي يوم القيامة". رواه البخاري.‏
وإذا كان الأذان للمغرب قال: "اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، ‏وحضور صلواتك، فاغفر لي" رواه أبو داود والترمذي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم ‏سلمة أن تقول ذلك ويقول بعد الصبح: "اللهم هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك وأصوات دعاتك ‏فاغفر لي".‏
‏3- يدعو عند فراغ الأذان بينه وبين الإقامة، ويسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة ‏لقوله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: ‏سلوا الله العفو العافية في الدنيا والآخرة" رواه أبو داود والترمذي والنسائي.‏
والمستحب أن يقعد المؤذن بين الأذان والإقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة، كما بينا في ‏سنن الأذان.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:46 PM
الإقامة



صفة الإقامة: ‏
الإقامةسنة مؤكدة في الفرائض الوقتية والفائتة، على المنفرد والجماعة، للرجال والنساء ‏عند الجمهور غير الحنابلة. أما الحنابلة فقالوا: ليس على النساء أذان وإقامة.‏
واختلف العلماء في صفة الإقامة على آراء ثلاثة:‏
فقال الحنفية: الإقامة مثنى مثنى مع تربيع التكبير مثل الأذان، إلا أنه يزيد فيه بعد ‏الفلاح: "قد قامت الصلاة مرتين" فتكون كلماتها عندهم سبع عشرة كلمة، بدليل ما روى ابن أبي ‏شيبة، قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى ‏النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا رسول الله، رأيت في المنام، كأن رجلاً قام وعليه بُرْدان ‏أخضران، فقام على حائط، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى".‏
وروى الترمذي عن عبد الله بن زيد، قال: "كان أذان رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة".‏
وعن أبي محذورة قال: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة ‏والإقامة سبع عشرة كلمة". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.‏
وقال المالكية: الإقامة عشر كلمات، تقول: قد قامت الصلاة" مرة واحدة، لما روى أنس ‏قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".‏
وقال الشافعية والحنابلة: الإقامة فرادى، إحدى عشرة كلمة، إلا لفظ الإقامة: "قد قامت ‏الصلاة" فإنها تكرر مرتين، لما روى عبد الله بن عمر أنه قال: "إنما كان الأذان على عهد رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد ‏قامت الصلاة".‏
أحكام الإقامة:‏
أحكام الإقامة كأحكام الأذان السابقة، ويزاد عليها ما يأتي:‏
‏- يسن إدراج الإقامة أو حدرها: أي الإسراع بها مع بيان حروفها، فيجمع بين كل كلمتين ‏منها بصوت، والكلمة الأخيرة بصوت، عملاً بالحديث السابق عن جابر: "إذا أذنت فترسّل - أي ‏تمهل - وإذا أقمت فاحدُر، واجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرُغ الآكل من أكله".‏
‏- الأفضل في المذاهب الأربعة أن يتولى الإقامة من أذن، اتباعاً للسنة: "من أذن فهو ‏يقيم"، كما بينا في شروط الأذان، فإذا أذن واحد وأقام غيره جاز.‏
لكن قال الحنفية: يكره أن يقيم غير من أذن إن تأذى بذلك، لأن اكتساب أذى المسلم ‏مكروه، ولا يكره إن كان لا يتأذى به.‏
‏- يستحب عند الحنابلة أن يقيم في موضع أذانه، لأن الإقامة شرعت للإعلام، فشرعت ‏في موضعه، ليكون أبلغ في الإعلام، إلا أن يؤذن في المنارة أو مكان بعيد من المسجد، فيقيم في ‏غير موضعه، لئلا يفوته بعض الصلاة.‏
وقال الشافعية: يستحب أن تكون الإقامة في غير موضع الأذان، وبصوت أخفض من ‏الأذان.‏
ولا يقيم حتى يأذن له الإمام، فإن بلالاً كان يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ‏حديث زياد بن الحارث الصدائي قال: "فجعلت أقول للنبي صلى الله عليه وسلم أقيم أقيم ؟" وقال ‏صلى الله عليه وسلم: "المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة".‏
‏- لا يقوم المصلون للصلاة عند الإقامة حتى يقوم الإمام أو يقبل، لقوله عليه الصلاة ‏والسلام: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني". متفق عليه.‏
وأما تعيين وقت قيام المؤتمين إلى الصلاة: فقال المالكية: يجوز للمصلي القيام حال ‏الإقامة أو أولها أو بعدها، فلا يطلب له تعيين حال، بل بقدر الطاقة للناس، فمنهم الثقيل والخفيف. ‏وقال الحنفية: يقوم عند "حي على الفلاح" وبعد قيام الإمام.‏
وقال الحنابلة: يستحب أن يقوم عند قول المؤذن "قد قامت الصلاة" لما روي عن أنس ‏‏"أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة".‏
وقال الشافعية: يستحب أن يقوم المصلي بعد انتهاء الإقامة إذا كان الإمام مع المصلين ‏في المسجد، وكان يقدر على القيام بسرعة، بحيث يدرك فضيلة تكبيرة الإحرام، وإلا قام قبل ذلك ‏بحيث يدركها.‏
‏- يسن كما في الأذان أن يقيم قائماً متطهراً، مستقبل القبلة، ولا يمشي في أثناء إقامته، ولا ‏يتكلم، ويشترط ألا يفصل بين الإقامة والصلاة بفاصل طويل، وينبغي إن طال الفصل أو وجد ما ‏يعد قاطعاً كأكل أن تعاد الإقامة. ويسن أن يحرم الإمام عقب فراغ الإقامة، ولا يفصل إلا بمندوب ‏كأمر الإمام بتسوية الصفوف. ولا تجزئ إقامة المرأة للرجال.‏
ويسن عند الشافعية لمن كان أهلاً أن يجمع بين الأذان والإقامة والإمامة. وكذلك قال ‏الحنفية: الأفضل كون الإمام هو المؤذن، لأنه عليه السلام - كما في الضياء - أذن في سفر بنفسه ‏وأقام وصلى الظهر.‏
ولا يسن في الإقامة كونها في مكان مرتفع، ولا وضع الأصبع في الأذن، ولا الترجيع ‏فيها والترتيل.‏
‏- إذا أذن المؤذن وأقام، لم يستحب لسائر الناس أن يؤذن كل منهم أو يقيم، وإنما يقول ‏مثل ما يقول المؤذن، لأن السنة وردت بهذا.‏
‏- يستحب للإمام تسوية الصفوف، يلتفت عن يمينه وشماله، فيقول: استووا رحمكم الله، ‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة" متفق ‏عليه. ‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:48 PM
شروط الصلاة




شروط وجوب الصلاة:‏
الإِسلام:‏
تجب الصلاة على كل مسلم ذكر أو أنثى. ولا تجب على الكافر الأصلي لأنها لو وجبت ‏عليه حال كفره لوجب عليه قضاؤها، لأن وجوب الأداء يقتضي وجوب القضاء، واللازم منتف، ‏ويترتب على هذا أنا لا نأمر الكافر بالصلاة في كفره ولا بقضائها إذا أسلم، لأنه أسلم خلق كثير ‏في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده فلم يؤمر أحد بقضاء الصلاة، ولما فيه من التنفير ‏عن الإِسلام، ولقول الله تعالى: ‏
‏{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] وهذا بناء على أن الكفار غير ‏مكلفين. وعلى القول بتكليفهم وهو المعتمد فهو شرط صحة.‏
وقد صرح الشافعية والحنابلة بأن الصلاة لا تجب على الكافر الأصلي وجوب مطالبة ‏بها في الدنيا، لعدم صحتها منه، لكن يعاقب على تركها في الآخرة زيادة على كفره، لتمكنه من ‏فعلها بالإِسلام.‏
واختلف الفقهاء في وجوب الصلاة على المرتد. فذهب جمهور الفقهاء - الحنفية ‏والمالكية والحنابلة: - إلى أن الصلاة لا تجب على المرتد فلا يقضي ما فاته إذا رجع إلى ‏الإِسلام، لأنه بالردة يصير كالكافر الأصلي، وذهب الشافعية إلى وجوب الصلاة على المرتد ‏على معنى أنه يجب عليه قضاء ما فاته زمن الردة بعد رجوعه إلى الإِسلام تغليظاً عليه، ولأنه ‏التزمها بالإِسلام فلا تسقط عنه بالجحود كحق الآدمي.‏
العقــــل:‏
يشترط لوجوب الصلاة على المرء أن يكون عاقلاً، فلا تجب على المجنون باتفاق ‏الفقهاء. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن ‏المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر" رواه أبو داود. وفي رواية الحاكم: "وعن المعتوه ‏حتى يفيق".‏
واختلفوا فيمن تغطى عقله أن ستر بمرض أو إغماء أو دواء مباح.‏
فذهب الحنفية: إلى التفريق بين أن يكون زوال العقل بآفة سماوية، أو بصنع العبد، فإن ‏كان بآفة سماوية كأن جنّ أو أغمي عليه ولو بفزع من سبع أو آدمي نظر، فإن كانت فترة الإِغماء ‏يوماً وليلة فإنه يجب عليه قضاء الخمس، وإن زادت عن ذلك فلا قضاء عليه للحرج، ولو أفاق ‏في زمن السادسة إلا أن تكون إفاقته في وقت معلوم فيجب عليه قضاء ما فات إن كان أقل من يوم ‏وليلة مثل أن يخف عنه المرض عند الصبح مثلاً فيفيق قليلاً ثم يعاوده فيغمى عليه، فتعتبر هذه ‏الإِفاقة، ويبطل ما قبلها من حكم الإِغماء إذا كان أقل من يوم وليلة، وإن لم يكن لإِفاقته وقت ‏معلوم لكنه يفيق بغتة فيتكلم بكلام الأصحاء ثم يغمى عليه فلا عبرة بهذه الإِفاقة.‏
وإن كان زوال العقل بصنع الآدمي كما لو زال عقله ببنج أو خمر أو دواء لزمه قضاء ما ‏فاته وإن طالت المدة: ويسقط القضاء بالبنج والدواء، لأنه مباح فصار كالمريض، والمراد شرب ‏البنج لأجل الدواء، أما لو شربه للسكر فيكون معصية بصنعه كالخمر. ومثل ذلك النوم فإنه لا ‏يسقط القضاء، لأنه لا يمتد يوماً وليلة غالباً، فلا حرج في القضاء.‏
وذهب المالكية: إلى سقوط وجوب الصلاة على من زال عقله بجنون أو إغماء ونحوه، ‏إلا إذا زال العذر وقد بقي من الوقت الضروري ما يسع ركعة بعد تقدير تحصيل الطهارة المائية ‏أو الترابية، فإذا كان الباقي لا يسع ركعة سقطت عنه الصلاة. ويستثنى من ذلك من زال عقله ‏بسكر حرام فإنه تجب عليه الصلاة مطلقاً، وكذا النائم والساهي تجب عليهما الصلاة، فمتى تنبه ‏الساهي أو استيقظ النائم وجبت عليهما الصلاة على كل حال سواء أكان الباقي يسع ركعة مع فعل ‏ما يحتاج إليه من الطهر أم لا، بل ولو خرج الوقت ولم يبق منه شيء.‏
وعند الشافعية: لا تجب الصلاة على من زال عقله بالجنون أو الإِغماء أو العته أو ‏السكر بلا تعد في الجميع، لحديث عائشة: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن ‏المعتوه حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر".‏
فورد النص في المجنون، وقيس عليه من زال عقله بسبب يعذر فيه، وسواء قلّ زمن ‏ذلك أو طال، إلا إذا زالت هذه الأسباب وقد بقي من الوقت الضروري قدر زمن تكبيرة فأكثر، ‏لأن القدر الذي يتعلق به الإِيجاب يستوي فيه الركعة وما دونها، ولا تلزمه بإدراك دون تكبيرة، ‏وهذا بخلاف السكر أو الجنون أو الإِغماء المتعدِّى به إذا أفاق فإنه يجب عليه قضاء ما فاته من ‏الصلوات زمن ذلك لتعديه.‏
قالوا: وأما الناسي للصلاة أو النائم عنها والجاهل لوجوبها فلا يجب عليهم الأداء، لعدم ‏تكليفهم، ويجب عليهم القضاء، لحديث: "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصلّيها إذا ‏ذكرها" رواه مسلم ويقاس على الناسي والنائم: الجاهل إذا كان قريب عهد بالإِسلام.‏
وقصر الحنابلة عدم وجوب الصلاة على المجنون الذي لا يفيق، لحديث عائشة - رضي ‏الله عنها - مرفوعاً: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يفيق، وعن ‏الصبي حتى يكبر" ولأنه ليس من أهل التكليف أشبه الطفل، ومثله الأبله الذي لا يفيق.‏
وأما من تغطى عقله بمرض أو إغماء أو دواء مباح فيجب عليه الصلوات الخمس، لأن ‏ذلك لا يسقط الصوم، فكذا الصلاة، ولأن عمّاراً - رضي الله عنه - "غشي عليه ثلاثاً، ثم أفاق ‏فقال: هل صليت؟ فقالوا: ما صليت من ثلاث، ثم توضأ وصلى تلك الثلاث"، وعن عمران بن ‏حصين وسمرة بن جندب نحوه، ولم يعرف لهم مخالف، فكان كالإجماع، ولأن مدة الإِغماء لا ‏تطول - غالباً - ولا تثبت عليه الولاية، وكذا من تغطى عقله بمحرم - كمسكر - فيقضي، لأن ‏سكره معصية فلا يناسب إسقاط الواجب عنه.‏
وكذا تجب الصلوات الخمس على النائم: بمعنى يجب عليه قضاؤها إذا استيقظ لقوله ‏صلى الله عليه وسلم : "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" رواه مسلم. ‏ولو لم تجب عليه حال نومه لم يجب عليه قضاؤها كالمجنون، ومثله الساهي.‏
البلوغ:‏
لا خلاف بين الفقهاء في أن البلوغ شرط من شروط وجوب الصلاة، فلا تجب الصلاة ‏على الصبي حتى يبلغ، للخبر الآتي، ولأنها عبادة بدنية، فلم تلزمه كالحج، لكن على وليه أن ‏يأمره بالصلاة إذا بلغ سبع سنوات، ويضربه على تركها إذا بلغ عشر سنوات، لحديث عمرو بن ‏شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء ‏سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع". رواه أبو داود.‏
وقد حمل جمهور الفقهاء - الحنفية والشافعية والحنابلة - الأمر في الحديث على ‏الوجوب، وحمله المالكية على الندب.‏
وقد صرح الحنفية بأن الضرب يكون باليد لا بغيرها كالعصا والسوط، وأن لا يجاوز ‏الثلاث، ويفهم من كلام المالكية جوازه بغير اليد، ولا يحد بعدد كثلاثة أسواط بل يختلف باختلاف ‏حال الصبيان، ومحل الضرب عند المالكية إن ظن إفادته، قالوا: الضرب يكون مؤلماً غير مبرح ‏إن ظن إفادته وإلا فلا.‏
وقد ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن وجوب الأمر بها يكون بعد استكمال السبع والأمر ‏بالضرب يكون بعد العشر بأن يكون الأمر في أول الثامنة وبالضرب في أول الحادية عشرة. ‏وقال المالكية: يكون الأمر عند الدخول في السبع والضرب عند الدخول في العشر.‏
وقال الشافعية: يضرب في أثناء العشر، ولو عقب استكمال التسع، لأن ذلك مظنة البلوغ، ‏وأما الأمر بها فلا يكون إلا بعد تمام السبع.‏

شروط صحة الصلاة:‏
يشترط لصحة الصلاة: الإسلام والتمييز والعقل، كما يشترط ذلك لوجوب الصلاة، ‏فتصح الصلاة من المميز، لكن لا تجب عليه، وهناك شروط إحدى عشرة أخرى متفق عليها بين ‏الفقهاء: وهي دخول الوقت، والطهارة عن الحدثين، والطهارة عن النجس، وستر العورة، ‏واستقبال القبلة، والنية.‏
‏1- العلم بدخول الوقت:‏
لقول الله تعالى: {أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ‏الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمّني جبريل عند البيت ‏مرتين، فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ‏كل شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ‏غاب الشفق، ثم صلى الفجر، حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى المرة الثانية ‏الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل ‏شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى ‏الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليّ جبريل وقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، ‏والوقت فيما بين هذين الوقتين". رواه الترمذي وقال: حديث حسن.‏
وقد اتفق الفقهاء على أنه يكفي في العلم بدخول الوقت غلبة الظن.‏
‏2- الطهارة عن الحدثين:‏
الأصغر والأكبر (الجنابة والحيض والنفاس) بالوضوء والغسل أو التيمم، لقوله تعالى: ‏‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ .... إلى قوله ‏سبحانه: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة ‏بغير طهور". رواه مسلم. "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". متفق عليه.‏
والطهارة عن الحدث شرط في كل صلاة، مفروضة أو نافلة، كاملة أو ناقصة كسجدة ‏التلاوة، وسجدة الشكر.‏
فإذا صلى بغير طهارة، لم تنعقد صلاته.‏
وإذا تعمد الحدث بطلت الصلاة بالإجماع، إلا في آخر الصلاة فلا تبطل عند الحنفية، وإن ‏سبقه الحدث بطلت صلاته حالاً عند الشافعية والحنابلة، لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا فسا أحدكم ‏في الصلاة، فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته". رواه مسلم وأبو داود والترمذي وقال الحنفية: لا ‏تبطل في الحال وإنما تبطل بمكثه قدر أداء ركن بعد سبق الحدث مستيقظاً بلا عذر. فإن وجد ‏عذر كرعاف مثلاً بنى على صلاته إن شاء (أي أكملها من بعد وقت العذر) بعد استكمال ‏الطهارة، وإن شاء استأنف الصلاة، أي ابتدأها من جديد، ويخرج من الصلاة واضعاً يده على أنفه ‏تستراً.‏
وقال المالكية كالحنفية: يجوز البناء على الصلاة في حالة الرعاف بشروط ستة بعد أن ‏يخرج من الصلاة ممسكاً أنفه من أعلاه وهو مارنه، لا من أسفله من الوترة لئلا يبقى الدم في ‏طاقتي أنفه. وهذا الشروط هي:‏
الأول: إن لم يتلطخ بالدم بما يزيد على درهم، وإلا قطع الصلاة.‏
الثاني: ولم يجاوز أقرب مكان ممكن، لغسل الدم فيه، فإن تجاوزه بطلت الصلاة.‏
الثالث: أن يكون المكان الذي يغسل فيه قريباً، فإن كان بعيداً بعداً فاحشاً بطلت.‏
الرابع: ألا يستدبر القبلة بلا عذر، فإن استدبرها لغير عذر بطلت.‏
الخامس: ألا يطأ في طريقه نجساً، وإلا بطلت.‏
السادس: ألا يتكلم في مضيه للغسل، فإن تكلم ولو سهواً بطلت.‏
‏3- الطهارة عن الخبث: أي النجاسة الحقيقية.‏
وهي طهارة البدن والثوب والمكان عن النجاسة الحقيقية، لقوله تعالى: ‏
‏{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] وإذا وجب تطهير الثوب فتطهير البدن أولى، ولقول النبي صلى الله ‏عليه وسلم: "تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه" رواه الدارقطني وقوله صلى الله عليه ‏وسلم: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي". رواه البخاري ‏ومسلم فثبت الأمر باجتناب النجاسة، والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي في العبادات يقتضي ‏الفساد.‏
وأما طهارة مكان الصلاة فلقوله تعالى: ‏
‏{أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125] وقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ ‏فَطَهِّرْ} فهي تدل بدلالة النص على وجوب طهارة المكان كما استدل بها على وجوب طهارة ‏البدن كما سبق.‏
ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة ‏ومعاطن الإِبل وقوارع الطريق والحمام والمقبرة ... إلخ". رواه الترمذي.‏
ومعنى النهي عن الصلاة في المزبلة والمجزرة كونهما موضع النجاسة.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:49 PM
مسائل متفرعة على طهارة الثوب والبدن والمكان: ‏
طهارة الثوب والبدن:‏
أ- لو وقعت ثياب المصلي كالعباءة على أرض نجسة عند السجود: لا يضر ذلك عند ‏الحنفية، لأن المفسد للصلاة عندهم أن يكون النجس في موضع قيامه أو جبهته أو في موضع يديه ‏أو ركبتيه.‏
وتفسد الصلاة عند الشافعية والحنابلة، فلا تصح صلاة ملاقٍ بعضُ لباسه أو بدنه ‏نجاسة، لأن ثوب المصلي تابع له، وهو كعضو سجوده.‏
ب- جهل النجاسة: لو صلى حاملاً نجاسة غير معفو عنها، ولا يعلمها: تبطل صلاته في ‏المذاهب الثلاثة (غير المالكية) وعليه قضاؤها، لأن الطهارة مطلوبة في الواقع، ولو مع جهله ‏بوجود النَّجِس أو بكونه مبطلاً، لقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] والمشهور عند ‏المالكية: أن الطهارة من الخبث أو إزالة النجاسة واجبة في حال الذكر والقدرة، فمن صلى بها ‏ذاكراً قادراً، أعاد، ويسقط الوجوب بالعجز والنسيان، فلا يعيد إن صلى ناسياً أو عاجزاً.‏
جـ- الثوب المتنجس أو المكان النجس: إن لم يجد المصلي غير ثوب عليه نجاسة غير ‏معفو عنها ولم يتيسر غسل النجاسة، أو وجد الماء ولم يجد من يغسلها وهو عاجز عن غسلها، أو ‏وجده ولم يرض إلا بأجرة ولم يجدها، أو وجدها ولم يرض إلا بأكثر من أجرة المثل، أو حبس ‏على نجاسة، واحتاج إلى فرض السترة عليها، لم يجز لبس الثوب النجس عند الشافعية لأنه سترة ‏نجسة، وجاز لبسه عند الحنفية والمالكية والحنابلة وصلى بالثوب النجس عند المالكية، وصلى ‏عندهم قائماً عُرْياناً إن لم يجد ثوباً يستر به عورته، لأن ستر العورة مطلوب عند توفر القدرة ‏على سترها، والمعتمد الإعادة في الوقت إن وجد ثوباً طاهراً. إن صلى بنجس أو بحرير أو بذهب ‏ولو خاتماً، أو صلى عرياناً.‏
ويصلي في حال فقد الساتر جالساً، يومئ إيماءً عند الحنابلة والحنفية، عملاً بفعل ابن ‏عمر، روى الخلال بإسناده عن ابن عمر في قوم انكسرت مراكبهم، فخرجوا عراة، قال: ‏‏"يصلون جلوساً، يؤمئون إيماءً برءوسهم" وروى عبد الرازق عن ابن عباس، قال: "الذي يصلي ‏في السفينة، والذي يصلي عرياناً، يصلي جالساً". أما في حالة وجود الساتر النجس فيصلي فيه، ‏ولا يعيد، ولا يصلي عرياناً، لأن الستر آكد من إزالة النجاسة، فكان أولى، ولأن النبي صلى الله ‏عليه وسلم قال: "غطِّ فخذك" وهذا عام، ولأن السترة متفق على اشتراطها، والطهارة من ‏النجاسة مختلف فيها، فكان المتفق عليه أولى.‏
ويصلي عند الشافعية عرياناً قائماً متماً الأركان، ولا إعادة عليه على المذهب عندهم، ‏لأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض. لكن لو كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها، ولم يجد ‏ما يغسل به، صلى وأعاد كفاقد الطهورين، لأن الصلاة مع النجاسة لا يسقط بها الفرض.‏
وفصل الحنفية في الأمر فقالوا: إن كان ربع الثوب فأكثر طاهراً، صلى فيه حتماً، ولم ‏يصل عرياناً، لأن الربع كالكل، يقوم مقامه في مواضع منها كشف العورة، ويتحتم عليه تقليل ‏النجاسة بقدر الإمكان، ويلبس أقل ثوبيه نجاسة.‏
وإن كان أقل من ربعه طاهراً، ندب صلاته فيه بالقيامة والركوع والسجود، وجاز أن ‏يصلي عارياً بالإيماء، والصلاة في ثوب نجس الكل أحب من الصلاة عرياناً. وإذا لم يجد المسافر ‏ما يزيل به النجاسة أو يقللها، صلى معها، أو عارياً، ولا إعادة عليه، والقاعدة عندهم: أن فاقد ما ‏يزيل به النجاسة يصلي معها، ولا إعادة عليه، ولا على فاقد ما يستر عورته. والصلاة عُرْياناً: ‏أن يمد رجليه إلى القبلة لكونه أستر، ويومئ إيماء بالركوع والسجود وهو أفضل من الصلاة ‏قائماً، لأن الستر آكد.‏
د- جهالة محل النجاسة في الثوب: إذا وجد ثوب متنجس، ولكن خفي عليه موضع ‏النجاسة:‏
يكفي عند الحنفية غسل طرف من الثوب، ولو من غير تحر، ويطهر. ويغسل الثوب كله ‏أو البدن كله عند الشافعية إن كان الخفاء في جميعه، وكذلك يغسل كله على الصحيح إن ظن ‏طرفاً، لأن الثوب والبدن واحد. ولو اشتبه عليه طاهر ونجس من ثوبين أو بيتين، اجتهد فيهما ‏للصلاة.‏
هـ- طرف الثوب على نجاسة: لو كان على المصلي ثوب أو غيره وطرفه واقع على ‏نجاسة كطرف عمامته الطويلة أو كمه الطويل المتصل بنجاسة:‏
لم تصح صلاته عند الشافعية كالمسألة الأولى، وإن لم يتحرك الطرف الذي يلاقي ‏النجاسة بحركته أثناء قيامه وقعوده أو ركوعه وسجوده، لأن اجتناب النجاسة في الصلاة شرع ‏للتعظيم، وهذا ينافيه هنا. وذلك بخلاف ما لو سجد على متصل بالنجاسة حيث تصح الصلاة إن لم ‏يتحرك بحركته، لأن المطلوب في السجود كونه مستقراً على غيره، لحديث "مكّن جبهتك" فإذا ‏سجد على متصل بنجس لم يتحرك بحركته، حصل المقصود. وعلى هذا لا يضر في صحة ‏الصلاة نجس يحاذي صدر المصلي في الركوع والسجود وغيرهما على الصحيح، لعدم ملاقاته ‏له.‏
وقال الحنفية: تصح صلاته إن لم يتحرك الطرف النجس بحركته، فإن تحرك لم تصح، ‏لأن الشرط عندهم طهارة ثوب المصلي وما يتحرك بحركته، أو يعد حاملاً له، كما سيأتي. وذلك ‏بخلاف ما لم يتصل كبساط طرفه نجس، وموضع الوقوف والجبهة طاهر، فلا يمنع صحة ‏الصلاة.‏
و- إمساك حبل مربوط بنجس: إذا أمسك المصلي حبلاً مربوطاً بنجس، كالحبل الذي ‏يمسك به كلب بقلادة في عنقه، أو دابة أو مركب صغير يحملان نجساً:‏
لم تصح صلاته عند الشافعية، لأن الكلب سواء أكان صغيراً أم كبيراً نجس العين ‏عندهم، ويصبح المصلي في هذه الحالة حاملاً نجساً، لأنه إذا مشى انجر معه. بخلاف السفينة ‏الكبيرة التي لا تنجر بجره، فإنها كالدار، تصح الصلاة بحبل متصل بها. لكن لو جعل طرف ‏الحبل تحت رجله، صحت صلاته في جميع الصور عند الشافعية.‏
وتصح صلاته عند الحنفية كالحالة السابقة في حالة إمساك الكلب لأنه ليس بنجس العين، ‏بل هو طاهر الظاهر، كغيره من الحيوانات سوى الخنزير، فلا ينجس إلا بالموت. وذلك إذا لم ‏يسل من الكلب ما يمنع الصلاة.‏
ز- حمل بيضة صار مُحُّها(1) دماً: لو صلى المصلي حاملاً بيضة مَذِرة (فاسدة) صار ‏محها دماً، جاز عند الحنفية، كمسألة الكلب، لأن الدم في معدن البيض، والشيء ما دام في معدنه ‏لا يعطى له حكم النجاسة، بخلاف ما لو حمل قارورة فيها بول، فلا تجوز صلاته، لأنه في غير ‏معدنه.‏
‏__________________‏
‏(1) المح : خالص كل شيء. والمراد هنا صفرة البيض أو كل ما في البيض.‏
‏ ‏
ولا تصح صلاته في الحالتين عند الشافعية، لأنه يكون حاملاً نجاسة.‏
ح- حمل صبي صغير في الصلاة: لو حمل المصلي صبياً صغيراً عليه نجس: تبطل ‏صلاته عند الحنفية إن لم يستمسك بنفسه، لأنه يعد حاملاً للنجاسة، ويشترط عندهم طهارة ما يعد ‏حاملاً له أي باستثناء ما يكون في الجوف كمسألة الكلب والبيضة السابقة. وتصح صلاته إن كان ‏الصغير يستمسك بنفسه، لأنه لا يعد حاملاً للنجاسة.‏
وقال الشافعية كالحنفية وغيرهم اتفاقاً لا خلاف فيه: لا يضر حمل الصبي الذي لا تظهر ‏عليه نجاسة، فلو حمل حيواناً طاهراً في صلاته، صحت صلاته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ‏حمل أمامة بنت أبي العاص في صلاته. متفق عليه. ولأن ما في الحيوان من النجاسة في معدن ‏النجاسة هو كالنجاسة التي في جوف المصلي.‏
ط- وصل العظم بنجس: قال الشافعية: لو وصل عظمه المنكسر بنجس لفقد الطاهر، فهو ‏معذور تصح صلاته معه للضرورة.‏
ثانياً- طهارة المكان:‏
أ- الصلاة على بساط عليه نجاسة: إذا صلى على بساط عليه نجاسة: فإن صلى على ‏الموضع النجس، فلا تصح صلاته بالاتفاق، لأنه ملاق للنجاسة، ووضع العضو على النجاسة ‏بمنزلة حملها، وإن صلى على موضع طاهر صحت صلاته اتفاقاً أيضاً، ولو كان البساط صغيراً ‏عند الحنفية، لأنه غير ملاق للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بالنجاسة. ‏
ب- الصلاة على موضع نجس بحائل: إن فرش على الأرض النجسة شيئاً وصلى عليه، ‏جاز بالاتفاق إن صلح الفرش ساتراً للعورة، لأنه غير مباشر للنجاسة ولا حامل لما هو متصل ‏بها. فإن لامس النجاسة من ثقوب الفرش، بطلت صلاته، وأضاف الحنفية: أنه تجوز الصلاة ‏على لِبْد (فرش سميك) وجهه الأعلى طاهر، والأسفل نجس، وعلى ثوب طاهر وبطانته نجسة إذا ‏كان غير مخيط بها، لأنه كثوبين فوق بعضهما.‏
جـ- النجاسة في بيت أو صحراء: إذا كانت النجاسة في بيت أو صحراء وعرف مكانها، ‏صلى في المواضع الخالية عن النجاسة.‏
وإن خفي عليه موضعها: تحرى المكان الطاهر وصلى عند الحنفية.‏
وقال الشافعية: إن كانت الأرض واسعة كصحراء، فصلى في موضع منها جاز، لأنه ‏غير متحقق لها، ولأن الأصل فيها الطهارة، ولا يمكن غسل جميعها.‏
وإن كانت الأرض صغيرة كبيت، لم يجز أن يصلي فيه حتى يغسله، كما في حالة الشك ‏بنجاسة جزء من الثوب، لأن البيت ونحوه يمكن غسله وحفظه من النجاسة،فإذا نجس أمكن ‏غسله، وإذا خفي موضع النجاسة منه غسله كله كالثوب.‏
وإن كانت النجاسة في أحد البيتين واشتبها عليه، تحرى كما يتحرى في الثوبين.‏
وإن حبس في موضع نجس - حُش (هو الخلاء)، وجب عليه أن يصلي عند جمهور ‏العلماء، لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم" متفق عليه. ‏وقياساً على المريض العاجز عن بعض الأركان.‏
وإذا صلى يجب عليه أن يتجافى عن النجاسة في قعوده بيديه وركبتيه وغيرهما القدر ‏الممكن، ويجب عليه أيضاً الإيماء أو الانحناء في السجود إلى القدر الذي لو زاد عليه لاقى ‏النجاسة، ولا يسجد على الأرض، على الصحيح، لأن الصلاة قد تجزئ مع الإيماء، ولا تجزئ ‏مع النجاسة.‏
وتجب عليه الإعادة في موضع طاهر جديد، لأنه ترك الفرض لعذر نادر غير متصل، ‏فلم يسقط عنه الفرض، كما لو ترك السجود ناسياً. والذي يعتبر فرضاً هو الصلاة الثانية.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:50 PM
‏4- ستر العورة:‏
لقول الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] ‏
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: المراد به الثياب في الصلاة.‏
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" رواه أبو داود ‏وقال الترمذي حديث حسن، ولأن ستر العورة حال القيام بين يدي الله تعالى من باب التعظيم.‏
شروط الساتر:‏
‏1- يجب أن يكون صفيقاً كثيفاً: فالواجب الستر بما يستر لون البشرة ولا يصفها من ثوب ‏صفيق أو جلد أو ورق، فإن كان الثوب خفيفاً أو رقيقاً يصف ما تحته أو يتبين لون الجلد من ‏ورائه، فيعلم بياضه أو حمرته، لم تجز الصلاة به، لأن الستر لا يحصل بذلك. وإن كان يستر ‏لونها، ويصف الخلقة أو الحجم، جازت الصلاة به، لأن هذا مما لا يمكن التحرز منه، حتى ولو ‏كان الساتر صفيقاً، لكنه عند الشافعية للمرأة مكروه، وللرجل خلاف الأولى.‏
وقال الشافعية: شرط الساتر: ما يمنع لون البشرة، ولو ماء كدراً أو طيناً، لا خيمة ضيقة ‏وظلمة، ويجب عندهم أن يكون الساتر طاهراً. ‏
وقال المالكية: إن ظهر ما تحته فهو كالعدم، وإن وصف فهو مكروه.‏
‏2- والشرط عند الشافعية والحنابلة: أن يشمل المستور لبساً ونحوه، فلا تكفي الخيمة ‏الضيقة والظلمة.‏
‏3- والمطلوب هو ستر العورة من جوانبها، عند الحنفية، وغيرهم من الفقهاء، فلا يجب ‏الستر من أسفل أو من فتحة قميصه، فلو صلى على زجاج يصف ما فوقه، جاز.‏
وإن وجد ما يستر بعض عورته، يجب سترها ولو بيده عند الشافعية، لحصول ‏المقصود، فإن كفى الساتر سوأتيه أو الفرجين تعين لهما، وإن كفى أحدهما تعين عليه ستر القُبُل ‏ثم الدبر عند الشافعية، وبالعكس عند الحنفية والمالكية. ويجب أن يزر قميصه أو يشد وسطه إن ‏كانت عورته تظهر منه في الركوع أو غيره.‏
الصلاة في الثوب الحرام: ويصح الستر مع الحرمة عند المالكية والشافعية، وتنعقد ‏الصلاة مع الكراهة التحريمية عند الحنفية: بما لا يحل لبسه كثوب حرير للرجل، ويأثم بلا عذر، ‏كالصلاة في الأرض المغصوبة.‏
وقال الحنابلة: لا تصح بالحرام كلبس ثوب حرير، أو صلاة في أرض مغصوبة ولو ‏منفعتها أو بعضها، أو صلاة في ثوب ثمنه كله أو بعضه حرام أو كان متختماً بخاتم ذهب، إن ‏كان عالماً ذاكراً، لما روى أحمد عن ابن عمر: "من اشترى ثوباً بعشرة دراهم، وفيه درهم ‏حرام، لم يقبل الله له صلاة، مادام عليه" ثم أدخل أصبعيه في أذنيه وقال: "صُمَّتا إن لم يكن النبي ‏صلى الله عليه وسلم سمعته يقوله"، ولحديث عائشة: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" ‏رواه مسلم، ولأن قيامه وقعوده ولبثه فيه محرم منهي عنه، فلم يقع عبادة كالصلاة في زمن ‏الحيض، وكالنجس.‏
فإن جهل كونه حريراً أو غصباً، أو نسي كونه حريراً أو غصباً، أو حبس بمكان غصب ‏أو نجس، صحت صلاته، لأنه غير آثم.‏
واتفق علماء المذاهب: أن ستر العورة واجب ولو بإعارة، فإن صلى عرياناً مع وجود ‏ثوب عارية، أو مع وجود حرير طاهر عند الجمهور غير الحنابلة، بطلت صلاته. ولو وُعد به ‏ينتظر ما لم يخف فوات الوقت، وهو الأظهر عند الحنفية، ويلزمه الشراء بثمن المثل كالمقرر في ‏شراء الماء سابقاً.‏
عادم الساتر: ومن لم يجد ساتراً لعورته: صلى عرياناً عند المالكية، لأن ستر العورة ‏مطلوب عند القدرة، ويسقط بالعجز.‏
وصلى قاعداً يومئ إيماء عند الحنابلة، عملاً بفعل ابن عمر كما بينا سابقاً في الشرط ‏الثالث.‏
ويجب عليه أن يصلي عند الشافعية والحنفية ولو بطين يتطين به يبقى إلى تمام صلاته، ‏أو بماء كدر غير صاف، وتكفيه الظلمة للاضطرار عند الحنفية والمالكية، وباليد عند الشافعية ‏في الأصح وعند الحنابلة لحصول المقصود كما قدمنا، ويصلي قائماً عند الشافعية متمماً ‏الأركان، ولا إعادة عليه على المذهب عندهم كما أوضحنا. ويصلي قاعداً مومياً بركوع وسجود ‏عند الحنفية كالحنابلة، وهو أفضل من الصلاة قائماً بإيماء أو بركوع وسجود، لأن الستر أهم من ‏أداء الأركان.‏
قال الحنابلة: ومن كان في ماء وطين ولم يمكنه السجود على الأرض إلا بالتلوث بالطين ‏والبلل بالماء صلى على دابته، يومئ بالركوع والسجود.‏
انكشاف العورة فجأة: إن انكشفت عورة المصلي فجأة بالريح مثلاً عن غير عمد، فستره ‏في الحال، لم تبطل صلاته عند الشافعية والحنابلة لانتفاء المحذور، وإن قصر أو طال الزمان، ‏بطلت لتقصيره، ولأن الكثير يفحش انكشاف العورة فيه، ويمكن التحرز منه، فلم يعف عنه. وقال ‏المالكية: تبطل الصلاة مطلقاً بانكشاف العورة المغلظة.‏
وقال الحنفية: إذا انكشف ربع العضو من أعضاء العورة، فسدت الصلاة إن استمر ‏بمقدار أداء ركن، بلا صنعه، فإن كان بصنعه فسدت في الحال.‏
صلاة العراة جماعة: الجماعة مشروعة للعراة، فلهم عند الشافعية والحنابلة أن يصلوا ‏فرادى أو جماعة، وفي حال الصلاة جماعة يقف الإمام معهم في الصف وسطاً، ويكون ‏المأمومون صفاً واحداً، حتى لا ينظر بعضهم إلى عورة بعض، فإن لم يمكن إلا صفين، صلوا ‏وغضوا الأبصار.‏
وإن اجتمع نسوة عراة، استحب لهن الجماعة، وتقف وسطهن في كل حال لأنهن ‏عورات، وذلك لأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد، كما هو الثابت في السنة. ويصلون ‏قياماً مع إتمام جميع الأركان عند الشافعية، ويومئون إيماء، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم ‏عند الحنابلة.‏
وهل الأفضل أن يصلوا جماعة أم فرادى؟
قال الشافعية: إن كانوا عُمْياً أو في ظلمة بحيث لا يرى بعضهم بعضاً، استحبت الجماعة ‏بلا خلاف، ويقف إمامهم قُدَّامهم. وإن كانوا بحيث يرون، فأصح الأقوال أن الجماعة والانفراد ‏سواء.‏
وإن وجد مع إنسان كسوة، استحب أن يعيرهم، فإن لم يفعل، لم يغصب منه، لأن صلاتهم ‏تصح من غير سترة.‏
وقال المالكية والحنفية: يصلون فرادى، ويتباعد بعضهم من بعض، وإن كانوا في ظلمة ‏صلوا جماعة ويتقدمهم إمامهم. وإن لم يمكن تفرقهم صلوا جماعة قياماً صفاً واحداً مع ركوع ‏وسجود، إمامهم وسطهم، غاضين أبصارهم وجوباً.‏
حد العورة: يشترط عند أئمة المذاهب لصحة الصلاة ستر العورة لكن الفقهاء اختلفوا في ‏حد العورة للرجل.‏
مذهب الحنفية:‏
أ- عورة الرجل: هي ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته فالركبة من الفخذ عورة.‏
ب- المرأة ومثلها الخنثى: جميع بدنها حتى شعرها النازل ما عدا الوجه والكفين، ‏والقدمين ظاهرهما وباطنهما لعموم الضرورة، والصوت ليس بعورة، والقدمان ليسا بعورة في ‏حق الصلاة، والصحيح أنهما عورة في حق النظر والمس. واستدلوا بقوله تعالى: ‏
‏{وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] والمراد محل زينتهن، وما ظهر منها: الوجه ‏والكفان، كما قال ابن عباس وابن عمر، وبقوله صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة، فإذا خرجت ‏استشرفها الشيطان" رواه الترمذي. وبحديث عائشة السابق: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت ‏المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفه". رواه أبو داود.‏
وبحديث عائشة المتقدم أيضاً: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" والخمار : ما يغطى ‏به رأس المرأة.‏
وقال الحنفية: أن كشف ربع عضو من أعضاء العورة (الغليظة وهي القبل والدبر وما ‏حولهما، أو المخففة: وهي ماعدا السوأتين) إن استمر بمقدار أداء ركن، بدون تعمد، يبطل ‏الصلاة، لأن ربع الشيء له حكم الكل، كما قدمنا سابقاً. ولا تبطل بما دون ذلك.‏
مذهب المالكية: ‏
يجب ستر العورة عن أعين الناس إجماعاً، أما في الصلاة فالعورة هي:‏
أ- عورة الرجل في الصلاة: هي المغلظة فقط وهي السوأتان وهما من المقدم: الذكر مع ‏الأنثيين، ومن المؤخر: ما بين الأليتين. فيجب إعادة الصلاة في الوقت لمكشوف الأليتين فقط، أو ‏مكشوف العانة. فليس الفخذ عورة عندهم، وإنما السوأتان فقط، لحديث أنس "أن النبي صلى الله ‏عليه وسلم يوم خيبر حَسَر الإزار عن فخذه، حتى إني لأنظر إلى بياض فخذه". رواه البخاري.‏
ب- عورة المرأة المغلظة: جميع البدن ما عدا الصدر والأطراف من رأس ويدين ‏ورجلين. وما قابل الصدر من الظهر كالصدر. فإن انكشف من العورة المخففة شيء من صدرها ‏أو أطرافها، ولو ظهر قدم لا باطنه، أعادت في الوقت الضروري السابق بيانه: في الظهرين ‏للاصفرار، وفي العشاءين الليل كله، وفي الصبح للطلوع.‏
فمن صلى مكشوف شيء من العورة المغلظة بطلت صلاته، ويعيد الصلاة أبداً.‏
ومن صلى مكشوف شيء من العورة المخففة، لا تبطل صلاته، وإن كان كشفها مكروهاً ‏ويحرم النظر إليها، ولكن يستحب لمن صلى مكشوف العورة المخففة أن يعيد الصلاة في الوقت ‏الضروري (في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين: الليل كله، وفي الصبح للطلوع).‏
مذهب الشافعية:‏
أ- عورة الرجل: ما بين سُرَّته وركبته في الصلاة والطواف وأمام الرجال الأجانب ‏والنساء المحارم، لما روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، ‏قال : "عورة المؤمن ما بين سرته إلى ركبته" وروي في ستر الفخذ أحاديث منها: "لا تُبرز ‏فخِذاك، ولا تنظر إلى فخذي حي ولا ميت" رواه أبو داود وابن ماجه ومنها قوله صلى الله عليه ‏وسلم لجَرْهد الأسلمي: "غطِّ فخذك، فإن الفخذ عورة". رواه أبو داود والترمذي.‏
فالسرة والركبة ليستا من العورة على الصحيح، لحديث أنس السابق في مذهب المالكية ‏المتضمن إظهار النبي صلى الله عليه وسلم فخذه. لكن يجب ستر شيء من الركبة لستر الفخذ، ‏ومن السرة، لأن ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب.‏
ب- عورة المرأة ومثلها الخنثى: ما سوى الوجه والكفين، ظهرهما وبطنهما من رؤوس ‏الأصابع إلى الكوعين (الرسغ أو مفصل الزند) لقوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ ‏مِنْهَا} [النور: 31] قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم: "هو الوجه والكفان" ولأن النبي ‏صلى الله عليه وسلم نهى المرأة الحرام (المحرمة بحج أو عمرة) عن لبس القفازين والنقاب، عن ‏ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا ‏تلبس القفازين". رواه البخاري، ولو كان الوجه عورة لما حرم سترهما في الإحرام، ولأن ‏الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء، وإلى إبراز الكف للأخذ والعطاء، فلم يجعل ذلك ‏عورة.‏
وإذا انكشف بعض العورة في الصلاة مع القدرة على سترها بطلت صلاته، إلا إن كشفها ‏ريح أو سهواً، فسترها في الحال فلا تبطل. وإن كشفت بغير الريح أو بسبب بهيمة أو غير مميز ‏فتبطل.‏
‏ ‏
مذهب الحنابلة: ‏
أ- عورة الرجل: ما بين سرته وركبته، للأحاديث السابقة التي استدل بها الحنفية ‏والشافعية، وليست سرته وركبتاه من عورته، لحديث عمرو بن شعيب السابق: ".. فإن ما تحت ‏السرة إلى الركبة عورة"، ولأن الركبة حد، فلم تكن من العورة كالسرة. والخنثى المشكل ‏كالرجل، إذ لا نوجب عليه الستر بأمر محتمل متردد.‏
وإن انكشف من العورة يسير، لم تبطل صلاته، لما رواه أبو داود عن عمرو بن سلمة ‏الذي كانت تنكشف عنه بردته لقصرها إذا سجد.‏
وإن انكشف من العورة شيء كثير، تبطل صلاته. والمرجع في التفرقة بين اليسير ‏والكثير إلى العرف والعادة.‏
لكن إن انكشف الكثير من العورة عن غير عمد، فستره في الحال، من غير تطاول ‏الزمان، لم تبطل، لأن اليسير من الزمان أشبه اليسير في القَدْر، فإن طال كشفها، أو تعمد كشفها، ‏بطلت الصلاة مطلقاً.‏
جـ- عورة المرأة: جميع بدنها سوى وجهها، وكفيها لقوله تعالى: ‏
‏{وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال ابن عباس وعائشة: "وجهها وكفيها" رواه البيهقي ‏وليس لها كشف ما عدا وجهها وكفيها في الصلاة، بدليل الأحاديث السابقة عند الشافعية. والدليل ‏على وجوب تغطية القدمين: ما روت أم سلمة قالت: "قلت: يا رسول الله، أتصلي المرأة في درع ‏وخمار ليس عليها إزار؟ قال: نعم، إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها". رواه أبو داود وهذا يدل ‏على وجوب تغطية القدمين، ولأنه محل لا يجب كشفه في الإحرام، فلم يجز كشفه في الصلاة ‏كالساقين.‏
ويجزئ المرأة من اللباس ما سترها الستر الواجب، لحديث أم سلمة السابق. والمستحب ‏أن تصلي المرأة في دِرْع (قميص سابغ يغطي قدميها) وخمار يغطي رأسها وعنقها، وجلباب ‏تلتحف به من فوق الدرع. وحكم انكشاف شيء من عورة المرأة غير الوجه والكفين بالتفرقة بين ‏اليسير والكثير، كحكم الرجل سابقاً.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:51 PM
‏5- استقبال القبلة:‏
اتفق الفقهاء على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، لقوله تعالى:‏
‏{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] إلا في ‏حالتين: في شدة الخوف، وصلاة النافلة للمسافر على الراحلة. وقيد المالكية والحنفية شرط ‏الاستقبال بحالة الأمن من عدو وسبع وبحالة القدرة، فلا يجب الاستقبال مع الخوف، ولا مع ‏العجز كالمربوط والمريض الذي لا قدرة له على التحول ولا يجد من يحوله، فيصلي لغيرها إلى ‏أي جهة قدر، لتحقق العذر.‏
واتفق العلماء على أن من كان مشاهداً معايناً الكعبة: ففرضه التوجه إلى عين الكعبة ‏يقيناً. ومثله عند الحنابلة: أهل مكة أو الناشئ بها وإن كان هناك حائل محدث كالحيطان بينه وبين ‏الكعبة.‏
وأما غير المعاين للكعبة ففرضه عند الجمهور (غير الشافعية) إصابة جهة الكعبة، لقوله ‏صلى الله عليه وسلم: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"وهذا في قبلة أهل المدينة والشام، رواه ‏الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وظاهره أن جميع ما بينهما قبلة، ولأنه لو كان الفرض ‏إصابة عين الكعبة، لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين ‏متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها.‏
وقال الشافعي في الأم: فرضه - أي الغائب عن مكة - إصابة العين أي عين الكعبة، لأن ‏من لزمه فرض القبلة، لزمه إصابة العين، كالمكي، ولقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا ‏وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] أي أنه يجب عليه التوجه إلى الكعبة، فلزمه التوجه إلى عينها ‏كالمعاين.‏
والمطلوب عند أئمة المذاهب في إصابة جهة الكعبة محاذاتها ببدنه وبنظره إليها، بأن ‏يبقى شيء من الوجه مسامتاً (محاذياً) للكعبة، أو لهوائها عند الجمهور غير المالكية، بحيث لو ‏امتد خط من وجهه في منتصف زاوية قائمة، لكان ماراً على الكعبة أو هوائها، والكعبة: من ‏الأرض السابعة إلى العرش، فمن صلى في الجبال العلية والآبار العميقة السافلة، جاز، كما يجوز ‏على سطحها وفي جوفها، ولو افترض زوالها، صحت الصلاة إلى موضع جدارها.‏
وقال المالكية: الواجب استقبال بناء الكعبة، ولا يكفي استقبال الهواء لجهة السماء.‏
الاجتهاد في القبلة:‏
ويجب التحري والاجتهاد في القبلة أي بذل المجهود لنيل المقصود بالدلائل على من كان ‏عاجزاً عن معرفة القبلة، واشتبهت عليه جهتها، ولم يجد أحداً ثقة يخبره بها عن علم يقين ‏ومشاهدة لعينها، فمن وجده اتبعه، لأن خبره أقوى من الاجتهاد.‏
والدليل على وجوب التحري: ما روى عامر بن ربيعة أنه قال: "كنا مع رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل من على حياله، فلما أصبحنا ‏ذكرنا ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فنزلت {فأينما تولوا فثَمَّ وجه الله} [البقرة: 115] ‏رواه الترمذي ابن ماجه.‏
الخطأ في الاجتهاد:‏
وإن تيقن الخطأ في اجتهاده، فقال الحنفية: إن كان في الصلاة استدار وبنى عليها أي ‏أكمل صلاته، فلو صلى كل ركعة لجهة جاز. وإن كان بعد الصلاة صلى الصلاة القادمة، ولا ‏إعادة عليه لما مضى، لإتيانه بما في وسعه، قال علي: "قبلة المتحري جهة قصده" ومن صلى بلا ‏تحرٍ وأصاب، لم تصح صلاته، لتركه فرض التحري، إلا إذا علم إصابته بعد فراغه.‏
ومن أمَّ قوماً في ليلة مظلمة، فتحرى القبلة وصلى إلى جهة أخرى، وتحرى من خلفه، ‏وصلى كل واحد منهم إلى جهة، وكلهم خلف الإمام، فمن علم منهم بحال إمامه تفسد صلاته، ومن ‏لم يعلم ما صنع الإمام، صحت صلاته وأجزأه، لوجود التوجه إلى جهة التحري، ومخالفة ‏المأمومين لإمامهم لا تمنع صحة الصلاة، كالصلاة في جوف الكعبة.‏
وقال المالكية: إن تبين المجتهد في القبلة خطأ: يقيناً أو ظناً، في أثناء الصلاة، قطعها إن ‏كان بصيراً منحرفاً كثيراً: بأن استدبر أو شرّق أو غرب، وابتدأها بإقامة، ولا يكفي تحوله لجهة ‏القبلة.‏
وإن كان أعمى، أو كان منحرفاً انحرافاً يسيراً، فلا إعادة عليه. وإن كان بصيراً منحرفاً ‏كثيراً أو ناسياً للجهة التي أداه اجتهاده إليها، أو التي دله عليها العارف، أعاد في الوقت.‏
وقال الشافعية: إن تيقن الخطأ في الصلاة أو بعدها، استأنفها أي أعادها من جديد، لأنه ‏تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء، فلم يعتد بما مضى، كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص ‏بخلافه.‏
وإن تغير اجتهاده للصلاة الثانية، فأداه اجتهاده إلى جهة أخرى، صلى الصلاة الثانية إلى ‏الجهة الثانية، ولا يلزمه إعادة ما صلاه إلى الجهة الأولى، كالحاكم إذا حكم باجتهاد، ثم تغير ‏اجتهاده، لم ينقض ما حكم فيه بالاجتهاد الأول.‏
ويجتهد لكل فرض، فإن تحير، صلى كيف شاء، ويقضي وجوباً لأن ذلك أمر نادر.‏
وقال الحنابلة: إن بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة، استدار إلى جهة الكعبة، وبنى ‏على ما مضى من الصلاة، كما قرر الحنفية، لأن ما مضى منها كان صحيحاً، فجاز البناء عليه، ‏كما لو لم يبن له الخطأ. وكذلك تستدير الجماعة مع الإمام إن بان لهم الخطأ في حال واحدة.‏
وإن تبين خطأ اجتهاده بعد الصلاة، بأن صلى إلى غير جهة الكعبة يقيناً لم يلزمه الإعادة. ‏ومثل المجتهد في هذا: المقلد الذي صلى بتقليده، وهذا موافق لمذهب الحنفية.‏
أما من صلى في الحضر إلى غير الكعبة سواء أكان بصيراً أم أعمى، ثم بان له الخطأ، ‏فعليه الإعادة، لأن الحضر ليس بمحل الاجتهاد، لأن من فيه يقدر على معرفة القبلة بالمحاريب، ‏ويجد من يخبره عن يقين غالباً، فلا يكون له الاجتهاد، كالقادر على النص في سائر الأحكام.‏
والخلاصة : أن الحنفية والحنابلة يقررون البناء على الصلاة في أثنائها، ولا يوجبون ‏الإعادة في حال الاجتهاد. وتبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة. والمالكية والشافعية يقررون قطع ‏الصلاة إذا عرف الخطأ فيها، وإعادة الصلاة إذا عرف الخطأ بعدها، لكن المالكية يوجبون ‏الإعادة في الوقت الضروري فقط. والشافعية يوجبون الإعادة مطلقاً في الوقت وبعده، لتبين فساد ‏الأولى.‏
هذا ويتعلق بشرط الاستقبال بحث أمرين: الصلاة في الكعبة، وصلاة المسافر على ‏الراحلة.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:52 PM
الصلاة في الكعبة:‏
عرفنا أنه لابد شرعاً من استقبال جزء من الكعبة، وعند غير المالكية: أو هوائها إلى ‏السماء، والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل الكعبة المشرفة يوم فتح مكة مرة واحدة ‏وصلى فيها، روى ابن عمر أنه قال لبلال: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ قال: ‏نعم، ركعتين بين السَّاريتين عن يسارك إذا دخلتَ، ثم خرج، فصلى في وجهة الكعبة ركعتين" ‏رواه البخاري وأحمد.‏
وقد أقر الفقهاء مشروعية الصلاة في جوف الكعبة، فقال الحنفية: يصح أداء الصلاة ‏فرضاً أو نفلاً ولو جماعة في الكعبة أو على سطحها وإن لم يتخذ سترة، لكنه يكره الصلاة فوقها، ‏لإساءة الأدب، باستعلائه عليها، وترك التعظيم المطلوب لها، ونهي النبي عنه، وإن صلى الإمام ‏بجماعة، فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الإمام جاز، ومن جعل منهم ظهره إلى وجه الإمام لم ‏تجز صلاته، لتقدمه على الإمام.‏
وإذا صلى الإمام في المسجد الحرام، تحلَّق الناس حول الكعبة، وصلوا بصلاة الإمام، ‏فمن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام، جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام،لأن التقدم ‏والتأخر إنما يظهر عند اتحاد الجانب.‏
وتكره السنن المؤكدة كالوتر والعيدين وركعتي الفجر وركعتي الطواف.‏
ولا تجوز صلاة الفرض في الكعبة أو في الحِجْر، فإن وقع، أعاده بوقت ضروري (وهو ‏في الظهرين للاصفرار وفي العشاءين الليل كله، وفي الصبح حتى طلوع الشمس). وتبطل صلاة ‏الفرض على ظهر الكعبة، ويعاد أبداً،لأن الواجب استقبال البناء، ولا يكفي استقبال الهواء لجهة ‏السماء.‏
وقال الشافعية: تجوز الصلاة فرضاً أو نفلاً في الكعبة أو على سطحها إن استقبل من ‏بنائها أو ترابها شاخصاً (سترة) ثابتاً كعتبة وباب مردود أو عصا مسمَّرة أو مثبتة فيه، قدر ثلثي ‏ذراع تقريباً فأكثر بذراع الآدمي، وإن بعد عنه ثلاثة أذرع فأكثر.‏
وإنما صح استقبال هوائها لمن هو خارج عنها، فلأنه يعد حينئذ متوجهاً إليها كالمصلي ‏على أعلى منها كأبي قبيس، بخلاف القريب منها المصلي فيها أو عليها.‏
وأجاز الحنابلة أيضاً صلاة النافلة في الكعبة أو على سطحها، ولا تصح صلاة الفريضة ‏لقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] والمصلي فيها أو على ‏ظهرها غير مستقبل لجهتها، والنافلة مبناها على التخفيف والمسامحة بدليل صلاتها قاعداً، أو إلى ‏غير القبلة في السفر على الراحلة.‏

صلاة النافلة على الراحلة للمسافر:‏
يجوز التطوع على الراحلة للمسافر قبل جهة مقصده بإجماع العلماء، ولِما ثبت في ‏السنة، عن عامر بن ربيعة قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على راحلته يسبِّح، ‏يومئ برأسه، قِبَل أي وِجْهة توجَّه، ولم يكن يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة" متفق عليه.‏
وللفقهاء آراء وشروط في صلاة النافلة على الرحلة:‏
قال الحنفية: إن قبلة العاجز لمرض أو ركوب على دابة جهة قدرته، ولو مضطجعاً، ‏ويصلي بإيماء أي يتوجه العاجز إلى أي جهة قدر، سواء أكان مسافراً أم خائفاً من عدو أو سبع ‏أو لص، أم هارباً من العدو. لكن يشترط في الصلاة على الدابة إيقافها إن قدر، وإلا بأن خاف ‏الضرر، كأن تذهب القافلة وينقطع، فلا يلزمه إيقافها ولا استقبال القبلة، حتى في ابتداء الصلاة ‏بتكبيرة الإحرام.‏
والجائز هو صلاة النفل والسنن المؤكدة إلا سنة الفجر، فلا تجوز صلاة الفرض، ‏والواجب بأنواعه كالوتر، والمنذور، وصلاة الجنازة، لا يجوز ذلك على الدابة بلا عذر لعدم ‏الحرج.‏
والنافلة تجوز للمقيم الراكب خارج المصر لمسافة يجوز القصر فيها (وهي 89 كم)، كما ‏تجوز للمسافر بالأولى، فالأول في حكم الثاني.‏
وتتم الصلاة بالإيماء بالركوع والسجود، إلى أي جهة توجهت دابته للضرورة، ولا ‏يشترط استقبال القبلة في الابتداء كما أشرنا، لأنه لما جازت الصلاة إلى غير جهة الكعبة، جاز ‏الافتتاح إلى غير جهتها.‏
وتصح الصلاة ولو كان على سرج الدابة أو ركابها نجس كثير.‏
وقال المالكية: يجوز للمسافر الراكب في السفر الذي يخاف إن نزل لصاً أو سبعاً أن ‏يتنفل بالصلاة ولو بوتر، على الدابة إلى القبلة وغيرها بحسب اتجاه الدابة، ولو كان بمَحْمِل (وهو ‏ما يركب فيه من مِحَفَّة(1) أو هَوْدَج ونحوهما مما يجلس فيه) ويصلي فيه متربعاً.‏
والراكب يصلي بالإيماء، فيومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ‏ولا يتكلم ولا يلتفت. ولا يشترط طهارة الأرض.‏
‏___________________‏
‏(1) المحفة : مركب من مراكب النساء كالهَوْدَج، إلا أنها لا تُقبَّب كما تقبب الهوادج.‏
واشترطوا لجواز التنفل صوب السفر شروطاً:‏
‏1- أن يكون السفر طويلاً سفر قصر (89 كم) ومشروعاً، فلا يتنفل العاصي بسفره. ‏
‏2- وأن يكون راكباً لا ماشياً ولا جالساً. أما الراكب في السفينة فيصلي إلى القبلة، فإن ‏دارت السفينة استدار.‏
‏3- وأن يكون راكباً دابة من حمار أو بغل أو فرس أو بعير، لا سفينة أو راجل.‏
‏4- وأن يكون ركوبه لها على الوجه المعتاد، لا مقلوباً، أو جاعلاً رجليه معاً لجنب واحد.‏

ولا تصح صلاة فرض على ظهر الدابة، وإن كان المصلي مستقبلاً القبلة إلا في أحوال ‏أربعة هي:‏
أولها- حالة التحام القتال مع العدو الكافر أو غيره، من كل قتال جائز لا يمكن النزول فيه ‏عن الدابة، فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن، ولا يعيد الملتحم.‏
ثانيها- حالة الخوف من عدو كسبع أو لص إن نزل عن دابته، فيصلي الفرض على ‏ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن، وإن لم يمكن صلى لغير القبلة. فإن أمن الخائف بعد صلاته، أعاد ‏في الوقت.‏
ثالثها- الراكب في خضخاض (قليل) من ماء، لا يطيق النزول فيه أو خشي تلطخ ثيابه، ‏وخاف خروج الوقت الاختياري (المعتاد) أو الضروري. ويصلي الفرض على الدابة إيماء، فإن ‏لم يخف خروج الوقت أخر الصلاة لآخر الاختياري.‏
رابعها- حالة مرض الراكب الذي لا يطيق النزول معه، فيؤدي الفريضة إيماء على ‏الدابة للقبلة بعد إيقافها، كما يؤديها على الأرض بالإيماء.‏
وقال الشافعية: يجوز للمسافر سفراً مباحاً طويلاً أو قصيراً صلاة النافلة على الراحلة، ‏ولا يجوز ذلك للعاصي بسفره والهائم، ولا للماشي، فعليهم إتمام الشروط والأركان كلها من ‏استقبال القبلة وإتمام الركوع والسجود، ولا يمشي الماشي إلا في قيامه وتشهده.‏
ويومئ المتنفل بركوعه وسجوده، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ويشترط أن يبدأ ‏الصلاة بالاتجاه إلى القبلة إن أمكنه. ولا تصح صلاة الآخذ بزمام الدابة إذا كان بها نجاسة، وإن ‏وطئت نجاسة رطبة أو جافة لم تفارقها بطلت صلاته، وتفصيل ذلك فيما يأتي :‏
أ- إن كان الراكب في مَرْقَد أو هودج (محمل واسع)، لزمه أن يتوجه إلى القبلة في جميع ‏صلاته وإتمام الأركان كلها أو بعضها الذي هو الركوع والسجود، لتيسره عليه، وإن لم يسهل ‏عليه ذلك، فلا يلزمه إلا التوجه للقبلة في تكبيرة إحرامه إن سهل عليه: بأن تكون الدابة واقفة ‏وأمكنه تحريفها، أو تكون سائرة وبيده زمامها، وهي سهلة القيادة. فإن كانت صعبة أو لم يمكن ‏تحريفها، أو كانت مقطورة لم يلزمه التوجه للقبلة للمشقة واختلال أمر السير عليه. ويحرم ‏انحراف المصلي عن طريقه إلا إلى القبلة.‏
ودليل اشتراط استقبال القبلة في ابتداء الصلاة: حديث أنس رضي الله عنه قال: "كان ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في السفر، وأراد أن يصلي على راحلته تطوعاً، استقبل ‏القبلة، وكبر، ثم صلى، حيث توجهت به" رواه أبو داود وأحمد.‏
ب- وأما الملاح في سفينة (أي قائدها) فلا يلزمه التوجه للقبلة لمشقة ذلك عليه.‏
وقال الحنابلة: يجوز للمسافر الراكب لا الماشي، سفراً طويلاً أو قصيراً أن يتطوع في ‏السفر على الراحلة إذا قصد جهة معينة، ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من ‏الركوع، قال جابر: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فجئت وهو يصلي على ‏راحلته نحو المشرق، والسجود أخفض من الركوع" رواه أبو داود، ولا يسقط الاستقبال إذا تنفل ‏في الحضر كالراكب السائر في مصره أو قريته، لأنه ليس مسافراً، وليس للهائم والتائه والسائح ‏التنفل، إذ ليس له جهة معينة.‏
ويجوز أن يصلى على البعير والحمار وغيرهما، قال ابن عمر: "رأيت رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر" رواه أبو داود والنسائي، لكن إن صلى ‏على حيوان نجس، فلا بد أن يكون بينهما سترة طاهرة. وقبلة المصلي: حيث كانت وجهته، ولا ‏يجوز انحرافه عن جهة سيره عند الإمكان إلا إلى القبلة، فإن فعل ذلك مغلوباً أو نائماً فهو على ‏صلاته. وإن كان في مركب أو سفينة كبيرة يدور فيه كيفما شاء، ويتمكن من الصلاة إلى القبلة ‏والركوع والسجود، فعليه استقبال القبلة في صلاته، ويسجد على ما هو عليه إن أمكنه ذلك. وإن ‏قدر على الاستقبال دون الركوع والسجود، استقبل القبلة وأومأ بهما.‏
وإن عجز عن الاستقبال سقط بغير خلاف، كما يسقط الاستقبال لأعذار أخرى كالتحام ‏حرب وهرب من سيل أو نار أو سبع ونحوه، ولو كان العذر نادراً كمريض عجز عن الاستقبال، ‏وكمقعد عجز عمن يديره إلى القبلة وكمربوط ونحوه. وإن عجز عن الاستقبال في ابتداء صلاته، ‏كراكب راحلة لا تطيعه، أو كان في قافلة (قطار) فليس عليه استقبال القبلة في شيء من الصلاة. ‏ولا يلزم الملاح في سفينة الاتجاه إلى القبلة ولو في الفرض، لحاجته إلى تسيير السفينة وإن أمكنه ‏افتتاح الصلاة إلى القبلة يلزمه كراكب راحلة منفردة تطيعه لحديث أنس السابق في مذهب ‏الشافعية.‏
ويجوز للمسافر التنفل على الراحلة ولو كانت النافلة وتراً أو غيره من سنن الرواتب ‏وسجود التلاوة. والماشي في السفر لا تباح له الصلاة في حال مشيه، بل يلزمه افتتاح النافلة إلى ‏القبلة، كما يلزمه الركوع والسجود إلى القبلة على الأرض لتيسر ذلك عليه مع متابعة سيره، ‏ويفعل باقي الصلاة إلى جهة سيره.‏
وأما الصلاة على الراحلة لأجل المرض فإنه يجوز، لأن المشقة بالنزول في المرض أشد ‏منها بالنزول في المطر. ومن صلى على الراحلة لمرض أو مطر، فليس له ترك الاستقبال.‏
والخلاصة: أن الفقهاء اتفقوا على جواز الصلاة على الراحلة في السفر الطويل، وعل ‏كون الصلاة بالإيماء، واختلفوا في السفر القصير، فأجازها الشافعية والحنابلة، ومنعها المالكية ‏والحنفية.‏
وليس استقبال القبلة شرطاً عند الحنفية والمالكية، وهو شرط عند الشافعية والحنابلة ‏في بداية الإحرام بالصلاة عند الإمكان، ويسقط بالعجز، بأن لم يمكنه افتتاح النافلة إلى القبلة، بلا ‏مشقة، كأن يكون مركوبه حَرُوناً تصعب عليه إدارته.‏
ولا يضر اشتمال الدابة على نجاسة عند الحنفية والمالكية، ويضر ذلك عند الشافعية، ‏وتصح الصلاة عند الحنابلة بشرط وجود ساتر، إذ إنه يشترط لصحة التنفل طهارة محل المصلي ‏نحو سرج وإكاف كغيره، لعدم المشقة فيه، فإن كان المركوب نجس العين، أو أصاب موضع ‏الركوب منه نجاسة، وفوقه حائل طاهر، من برذعة ونحوها، صحت الصلاة، وإن وطئت دابته ‏نجاسة، لم تبطل صلاته عند الحنابلة.‏
ولا تصح صلاة الفرض على الدابة إلا إذا أتى بها كاملة الأركان مستوفية الشروط. ومن ‏صلى في سفينة عليه أن يستقبل القبلة متى قدر على ذلك، وعليه إذا غيرت جهتها أن يدور لو ‏دارت السفينة وهو يصلي.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:53 PM
‏6- النية:‏
النية من شروط الصلاة عند الحنفية والحنابلة، وكذا عند المالكية على الراجح، وهي ‏من فروض الصلاة أو أركانها عند الشافعية ولدى بعض المالكية، لأنها واجبة في بعض الصلاة، ‏وهو أولها، لا في جميعها، فكانت ركناً كالتكبير والركوع.‏
وهي لغة: القصد، وشرعاً: عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى. ‏
بأن يقصد بعمله الله تعالى، دون شيء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو ‏محبة مدح أو نحوه. وهذا هو الإخلاص.‏
والنية واجبة في الصلاة باتفاق العلماء لتتميز العبادة عن العادة، وليتحقق في الصلاة ‏الإخلاص لله تعالى، لأن الصلاة عبادة، والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى، قال الله تعالى: ‏‏{وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] قال الماوردي: والإخلاص في ‏كلامهم النية. ودل الحديث المعروف على إيجابها أيضاً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما ‏الأعمال بالنيات، وإنما لكلِ امرئ ما نوى" متفق عليه، فلا تصح الصلاة بدون النية بحال.‏
وكمال النية أن يستشعر المصلي الإيمان، وينوي التقرب إلى الله بالصلاة، ويعتقد ‏وجوبها وأداءها في ذلك اليوم، ويعينها، وينوي عدد ركعاتها، وينوي الإمامة أو المأمومية ‏‏(الاقتداء) أو الانفراد، ثم ينوي تكبيرة الإحرام. ‏
والواجب باتفاق الفقهاء استصحاب حكم النية دون حقيقتها، بمعنى أنه لا ينوي قطعها، فلو ذهل ‏عنها وعزبت (غابت عنه) في أثناء الصلاة، لم يضر.‏
شروط النية: وشروط النية: الإسلام، والتمييز، والعلم بالمنوي.‏
مقارنة النية للتكبير: ويشترط اتصال النية بالصلاة بلا فاصل أجنبي عند الحنفية بين ‏النية والتكبيرة، والفاصل عمل لا يليق بالصلاة كالأكل والشرب ونحو ذلك، أما إذا فصل بينهما ‏بعمل يليق بالصلاة كالوضوء والمشي إلى المسجد، فلا يضر، فلو نوى، ثم توضأ أو مشى إلى ‏المسجد، فكبر، ولم تحضره النية جاز، لعدم الفاصل الأجنبي، بدليل إن أحدث في الصلاة، له ‏البناء عليها بعد تجديد الوضوء.‏
ويندب اقتران النية بتكبيرة الإحرام، خروجاً من الخلاف، ولا يصح أن تتأخر النية عن ‏التحريمة في الصحيح.‏
وكذلك يجوز تقديم النية في الحج، فلو خرج من بيته يريد الحج، فأحرم ولم تحضره ‏النية، جاز. وكذلك الزكاة تجوز بنية وجدت عند الإفراز.‏
ولا تجزئ النية المتأخرة عن التكبير في الصلاة، أما الصوم فيجوز تأخيرها عند البدء به ‏للضرورة، ولا ضرورة في الصلاة.‏
وقال الحنابلة: الأفضل مقارنة النية للتكبير، خروجاً من خلاف من أوجبه، فإن تقدمت ‏النية على التكبير بزمن يسير بعد دخول الوقت في أداء وراتبة، ولم يفسخها، وكان ذلك مع بقاء ‏إسلامه، بأن لم يرتدّ، صحت صلاته، لأن تقدم النية على التكبير بالزمن اليسير لا يخرج الصلاة ‏عن كونها منوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناوياً مخلصاً، ولأن النية من شروط الصلاة، فجاز ‏تقدمها كبقية الشروط، وفي طلب المقارنة حرج ومشقة، فيسقط لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في ‏الدين من حرج} [الحج: 78]، ولأن أول الصلاة من أجزائها، فكفى استصحاب النية فيه ‏كسائرها.‏
وقال المالكية: يجب استحضار النية عند تكبيرة الإحرام، أو قبلها بزمن يسير.‏
وقال الشافعية: يشترط اقتران النية بفعل الصلاة، فإن تراخى عنه سمي عزماً، ولو قال: ‏‏"نويت أصلي الظهر، الله أكبر، نويت" بطلت صلاته، لأن قوله "نويت" بعد التكبيرة كلام أجنبي ‏عن الصلاة، وقد طرأ بعد انعقاد الصلاة، فأبطلها.‏
تعيين المنوي: ويشترط تعيين نوع الفرض الذي يصليه باتفاق الفقهاء، كالظهر أو ‏العصر، لأن الفروض كثيرة، ولا يتأدى واحد منها بنية فرض آخر.‏
محل النية: ومحل التعيين هو القلب بالاتفاق، ويندب عند الجمهور غير المالكية التلفظ ‏بالنية، وقال المالكية: يجوز التلفظ بالنية، والأولى تركه في صلاة أو غيرها. والأصح عند ‏الشافعية أيضاً وجوب نية الفرضية، دون الإضافة إلى الله تعالى، فتكون شروط النية عندهم ‏ثلاثة: القصد، والتعيين، والفرضية.‏
آراء الفقهاء في النية:‏
تفصيل آراء المذاهب في النية فيما يأتي:‏
قال الحنفية:‏
الكلام في النية يتناول مواضع ثلاثة: تفسير النية، وكيفية النية، ووقت النية.‏
أ- تفسير النية: النية: هي الإرادة، فنية الصلاة: هي إرادة الصلاة لله تعالى، والإرادة ‏عمل القلب. فمحل النية: هو القلب: بأن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي، ولا يشترط الذكر باللسان، ‏وإنما يستحب إعانة للقلب الجمع بين نية القلب وتلفظ اللسان.‏
أما التعيين فهو أفضل وأحوط عموماً، ثم إن كانت الصلاة فرضاً كظهر وعصر مثلاً أو ‏واجباً كالوتر وسجود التلاوة والنذر وصلاة العيدين، فلا بد من التعيين، كما لا بد من تعيين اليوم ‏أو الوقت في حالة القضاء، ولا يلزم نية القضاء. أما الأداء فلا يلزم قرن النية باليوم أو الوقت، ‏كما لا يلزم تعيين عدد الركعات.‏
وأما صلاة النفل ولو سنة الفجر والتراويح وغيرها في الصحيح، فيكفيها مطلق النية، ‏والاحتياط : التعيين، فينوي مراعياً صفة النافلة بالتراويح أو سنة الوقت.‏
ولا تبطل نية الصلاة أو الصوم بتعليقها بمشيئة الله، لأن محل النية: القلب.‏
والمعتمد أن العبادة ذات الأفعال تنسحب نيتها على كلها.‏
ولو أدرك شخص القوم في الصلاة، ولم يدر أفرض أم تراويح، ينوي الفرض، فإن كانوا ‏هم فيه صح، وإن لم يكن فيه تقع نفلاً.‏
ب- كيفية النية: إن كان المصلي منفرداً: عين نوع الفرض أو الواجب، وإن كان تطوعاً ‏تكفيه نية الصلاة، كما بينا.‏
وإن كان المصلي إماماً: عين كما سبق، ولا يشترط للرجل نية إمامة الرجال، ويصح ‏اقتداؤهم به بدون إمامتهم. ويشترط له نية إمامة النساء لصحة اقتدائهن به، والفرق أنه لو صح ‏اقتداء المرأة بالرجل، فربما تحاذيه، فتفسد صلاته، فيلحقه الضرر من غير اختياره، فشرط نيه ‏اقتدائها به، حتى لا يلزمه الضرر من غير التزامه ورضاه، وهذا المعنى منعدم في جانب ‏الرجال. ‏
والخلاصة: تلزم نية الإمام في صورة واحدة: وهي حالة صلاة الرجل إماماً بالنساء.‏
وإن كان مقتدياً: عين أيضاً كما سبق، ويحتاج لزيادة نية الاقتداء بالإمام، كأن ينوي ‏فرض الوقت والاقتداء بالإمام فيه، أو ينوي الشروع في صلاة الإمام، أو ينوي الاقتداء بالإمام ‏في صلاته.‏
جـ- وقت النية: يندب أن تكون النية وقت التكبير، أي مقارناً له ويصح عندهم تقديم النية ‏على التحريمة، إذا لم يوجد بينهما عمل يقطع أحدهما عن الآخر، والقران ليس بشرط.‏
وقال المالكية: ‏
النية: قصد الشيء، ومحلها القلب، ونية الصلاة فرض والراجح أنها شرط بأن يقصد ‏بقلبه أداء فرض الظهر مثلاً، والقصد للشيء خارج عن ماهية الشيء، والأولى ترك التلفظ بها، ‏إلا الموسوس فيستحب له التلفظ ليذهب عنه اللبس، ويجب أن تكون النية مقارنة لتكبيرة الإحرام، ‏فإن تأخرت النية أو تقدمت بوقت كثير، بطلت اتفاقاً، وإن تقدمت بوقت يسير، فقيل: تصح ‏كالحنفية.‏
ويجب التعيين في الفرائض، والسنن الخمس (وهي الوتر والعيد والكسوف والخسوف ‏والاستسقاء) وسنة الفجر، دون غيرها من النوافل، كالضحى والرواتب والتهجد، فيكفي فيه نية ‏مطلق نفل، وينصرف للضحى إن كان قبل الزوال، ولراتب الظهر إن كان قبل صلاته، أو بعده، ‏ولتحية المسجد إن كان حين الدخول فيه، وللتهجد إن كان في الليل، وللشفع (سنة العشاء) إن كان ‏قبل الوتر.‏
ولا يشترط نية الأداء أو القضاء أو عدد الركعات، فيصح القضاء بنية الأداء وعكسه.‏
ويستثنى من وجوب التعيين صورة واحدة: وهي ما إذا دخل شخص المسجد، فوجد ‏الإمام يصلي، فظن أن صلاته هي الجمعة، فنواها، فتبين أنها الظهر، فتصح، وعكس ذلك باطل.‏
وتجب نية الانفراد، والمأمومية، ولا تجب نية الإمامة إلا في الجمعة والجمع بين ‏الصلاتين تقديماً للمطر، والخوف، والاستخلاف(1)، لكون الإمام شرطاً فيها، فلو ترك الإمام نية ‏الإمامة في الجمعة بطلت الصلاة عليه وعلى المأمومين، ولو تركها في صلاة الجمع تقديماً ‏للمطر بطلت الثانية، وإذا تركها في صلاة الخوف تبطل الصلاة على الطائفة الأولى من ‏المأمومين فقط، وتصح للإمام وللطائفة الثانية. ولو تركها في صلاة الاستخلاف، صحت له، ‏وبطلت على المأمومين.‏
‏_____________________‏
‏(1) الاستخلاف : أن يقدم الإمام أو المصلون أحد المصلين لمتابعة الصلاة، في حال فساد صلاة ‏الإمام بالحدث وغيره، وذلكقبل خروج الإمام من المسجد.‏
‏ ‏
وقال الشافعية: ‏
النية: قصد الشيء مقترناً بفعله، ومحلها القلب، ويندب النطق بها قبيل التكبير. ‏
ولو عقب النية بقوله: إن شاء الله بقلبه أو لسانه، فإن قصد التبرك ووقوع الفعل بمشيئة الله تعالى، ‏لم يضره. وإن قصد به التعليق أو الشك، لم يصح. فإن كانت الصلاة فرضاً ولو فرض كفاية ‏كصلاة الجنازة، أو قضاء كالفائتة، أو معادة، أو نذراً، يجب ثلاثة أمور: نية الفرضية (أي يلاحظ ‏ويقصد كون الصلاة فرضاً)، وقصد إيقاع الفعل (بأن يقصد فعل الصلاة لتتميز عن سائر ‏الأفعال) وتعيين نوع الفريضة من صبح أو ظهر مثلاً: بأن يقصد إيقاع صلاة فرض الظهر مثلاً.‏
ويشترط أن يكون ذلك مقارناً لأي جزء من أجزاء تكبيرة الإحرام، وهذا هو المقصود ‏عندهم بالاستحضار والمقارنة العرفيين (أي يستحضر قبل التحريمة فعل الصلاة من أقوالها ‏وأفعالها في أولها وآخرها ولو إجمالاً، ويقرن ذلك الاستحضار السريع في الذهن في أثناء تكبيرة ‏الإحرام). وإن كانت الصلاة نفلاً ذات وقت كسنن الرواتب، أو ذات سبب كالاستسقاء، وجب ‏أمران: قصد فعله، وتعيينه كسنة الظهر أو عيد الفطر أو الأضحى، ولا يشترط نية النفلية على ‏الصحيح.‏
ويكفي في النفل المطلق (وهو الذي لا يتقيد بوقت ولا سبب نحو تحية المسجد وسنة ‏الوضوء): نية فعل الصلاة.‏
ولا تجب الإضافة إلى الله تعالى، لأن العبادة لا تكون إلا له سبحانه وتعالى، لكن تستحب ‏ليتحقق معنى الإخلاص.‏
ويستحب نية استقبال القبلة وعدد الركعات خروجاً من الخلاف، فلو أخطأ في العدد، كأن ‏نوى الظهر ثلاثاً أو خمساً، لم تنعقد صلاته، كما يستحب نية الأداء والقضاء.‏
والأصح أنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسه في حالة العذر، كجهل الوقت بسبب غيم أو ‏نحوه، فلو ظن خروج الوقت، فصلاها قضاء، فبان بقاؤه، أو ظن بقاء الوقت فصلاها أداء، فبان ‏خروجه، صحت صلاته.‏
كذلك تصح صلاته في حالة عدم العذر إذا قصد المعنى اللغوي، لاستعمال كل بمعنى ‏الآخر، تقول: قضيت الدين وأديته، بمعنى واحد، وهو دفعه.‏
أما إذا فعل ذلكبلا عذر، ولم ينو المعنى اللغوي، لم تصح صلاته لتلاعبه.‏
ولا يشترط التعرض للوقت، فلو عين اليوم وأخطأ، لم يضر. ومن عليه فوائت: لا ‏يشترط أن ينوي ظهر يوم كذا، بل يكفيه نية الظهر مثلاً. ولا يندب ذكر اليوم أو الشهر أو السنة.‏
والنية شرط في جميع الصلاة، فلو شك في النية، هل أتى بها أم لا، بطلت صلاته.‏
ولا يشترط لإمام نية الإمامة، بل يستحب ليحوز فضيلة الجماعة،فإن لم ينو لمتحصل له، ‏إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى. وتشترط نية الإمامة في حالات أربعة: في الجمعة، والصلاة ‏المجموعة مع غيرها للمطر جمع تقديم، والصلاة المعادة في الوقت جماعة، والصلاة التي نذر أن ‏يصليها جماعة للخروج من الإثم.‏
ويشترط للمقتدي نية الاقتداء: بأن ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الائتمام أو ‏الجماعة بالإمام الحاضر أو بمن في المحراب ونحو ذلك، لأن التبعية عمل، فافتقرت إلى نية، إذ ‏ليس للمرء إلا ما نوى. ولا يكفي إطلاق نية الاقتداء، من غير إضافة إلى الإمام. فلو تابع بلا نية، ‏أو مع الشك فيها، بطلت صلاته إن طال انتظاره.‏
وقال الحنابلة:‏
النية: عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى، فلا تصح الصلاة بدونها بحال. ‏ومحلها القلب وجوباً، واللسان استحباباً.‏
فإن كانت الصلاة فرضاً: اشترط أمران: تعيين نوع الصلاة: ظهراً أو عصراً أو ‏غيرهما، وقصد الفعل، ولا يشترط نية الفرضية بأن يقول: أصلي الظهر فرضاً.‏
أما الفائتة: فإن عينها بقلبه أنها ظهر اليوم، لم يحتج إلى نية القضاء ولا الأداء، ويصح ‏القضاء بنية الأداء أو عكسه إذا بان خلاف ظنه.‏
وإن كانت الصلاة نافلة: فيجب تعيينها إن كانت معينة أو مؤقتة بوقت كصلاة الكسوف ‏والاستسقاء، والتراويح والوتر، والسنن الرواتب.‏
ولا يجب تعيينها إن كانت مطلقة، كصلاة الليل، فيجزئه نية الصلاة لا غير، لعدم التعيين ‏فيها، فهم كالشافعية في هذا.‏
وقالوا: إذا دخل في الصلاة بنية مترددة بين إتمامها وقطعها، لم تصح، لأن النية عزم ‏جازم، ومع التردد لا يحصل الجزم، وهذا باتفاق الفقهاء. وإن دخل في الصلاة بنية صحيحة، ثم ‏نوى قطعها والخروج منها، بطلت عند الجمهور، لأن النية شرط في جميع الصلاة، وقد قطعها ‏بما حدث. وقال أبو حنفية: لا تبطل بذلك، لأنها عبادة صح دخوله فيها، فلم تفسد بنية الخروج ‏منها، كالحج.‏
الشك في النية: وإن شك في أثناء الصلاة، هل نوى أو لا؟ أو شك في تكبيرة الإحرام، ‏استأنفها، كما قال الشافعية، لأن الأصل عدم ما شك فيه. فإن ذكر أنه كان قد نوى، أو كبر قبل ‏قطعها، فله البناء أي الإكمال، لأنه لم يوجد مبطل لها. وإن عمل في الصلاة عملاً مع الشك، ‏بطلت الصلاة، كما قال الشافعية.‏
تغيير النية: وإذا أحرم بفريضة، ثم نوى نقلها إلى فريضة أخرى، بطلت الاثنتان، لأنه ‏قطع نية الأولى، ولم ينو الثانية عند الإحرام، وهذا متفق مع الشافعية أيضاً. فإن حول الفرض إلى ‏نفل فعند الشافعية والحنابلة، تنقلب نفلاً، لأن نية الفرض تتضمن نية النفل، بدليل أنه لو أحرم ‏بفرض، فبان أنه لم يدخل وقته، كانت صلاته نافلة، والفرض لم يصح، ولم يوجد ما يبطل النفل.‏
ولا يشترط إضافة الفعل إلى الله تعالى في العبادات كلها، بأن يقول: أصلي لله، أو أصوم ‏لله، ونحوه، لأن العبادات لا تكون إلا لله، بل يستحب ذلك خروجاً من خلاف من أوجبه. كما لا ‏يشترط أيضاً ذكر عدد الركعات، ولا استقبال القبلة، كما قال الشافعية.‏
وتأتي النية عند تكبيرة الإحرام، إما مقارنة لها أو متقدمة عليها بزمن يسير، كما قال ‏المالكية والحنفية، لكن الأفضل المقارنة، كما أسلفنا.‏
ويشترط لصحة الجماعة: أن ينوي الإمام والمأموم حالهما، فينوي الإمام أنه إمام، ‏والمأموم أنه مأموم في أول الصلاة إلا في صورتين: الأولى: أن يكون المأموم مسبوقاً، فله أن ‏يقتدي بعد سلام إمامه بمسبوق مثله في غير الجمعة. والثانية: ما إذا اقتدى مقيم بمسافر يقصر ‏الصلاة، فله أن يقتدي بمثله في بقية الصلاة.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:55 PM
أركان الصلاة‏ أركان الصلاة‏



أركان الصلاة المتفق عليها:‏
يلاحظ أن الفقهاء اتفقوا على ستة فروض أو أركان وهي: التحريمة، والقيام، والقراءة، ‏والركوع، والسجود، والقعدة الأخيرة مقدار التشهد إلى قوله: "عبده ورسوله".‏

الركن الأول- التحريمة أو تكبيرة الإحرام:‏
هي أن يقول المصلي قائماً مسمعاً نفسه: "الله أكبر"(1) إلا في حالة العجز عن القيام، ‏وذلك بالعربية، لمن قدر عليها، لا بغيرها من اللغات.‏
هذا إذا كان المصلي غير إمام، فأدناه أن يسمع نفسه، فإن كان إماماً يستحب له أن يجهر ‏بالتكبير ليسمع من خلفه، فلا تنعقد الصلاة إلا بقول "الله أكبر"، وإن عجز عن التكبير كأن كان ‏أخرساً أو عاجزاً عن التكبير بكل لسان، سقط عنه. وإن قدر على الإتيان ببعضه، أتى به، إن كان ‏له معنى.‏
ودليلهم على اشتراط لفظ "الله أكبر" وأنه ركن: هو قوله تعالى:‏
‏{وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر:3] والحديث السابق عن علي: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها ‏التكبير" رواه أبو داود والترمذي، وحديث رفاعة بن رافع: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع ‏الوضوء مواضعه، ثم يستقبل القبلة، فيقول: الله أكبر" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ‏والنسائي، وقال عليه السلام للمسيء صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر" متفق عليه، وقال صلى ‏الله عليه وسلم أيضاً: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح ‏والتكبير وقراءة القرآن" قرن التكبير
‏_____________________ ‏
‏(1) سميت هذه التكبيرة الإحرام، لأنه يحرم على المصلي ما كان حلالاً له قبلها من موانع ‏الصلاة كالأكل والشرب والكلام ونحو ذلك، ويقصد بها الذكر الخالص لله تعالى الذي يحرم به ‏المصلي على نفسه الاشتغال بما سوى الله.‏
بالقراءة، فدل على أنه مثله في الركنية.‏
وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: التكبير ركن لا شرط، إلا أن الشافعية قالوا: لا تضر ‏زيادة لا تمنع اسم التكبير، مثل "الله الأكبر"، لأنه لفظ يدل على التكبير، وعلى زيادة مبالغة في ‏التعظيم، ومثل "الله الجليل أكبر"، وكذا كل صفة من صفاته تعالى، إذا لم يطل بها الفصل، لبقاء ‏النظم. ويشترط إسماع نفسه التكبير كالقراءة وسائر الأركان القولية، ويُبين التكبير كما أوضح ‏الشافعية والحنابلة، ولا يمد في غير موضع المد، فإن فعل بحيث تغير المعنى، مثل أن يمد الهمزة ‏الأولى، فيقول "الله" أو يمد "آكبر" أو يزيد ألفاً بعد باء "أكبر"، لم يصح، لأن المعنى يتغير به. ‏وعند الشافعية: أن من عجز عن التكبير بالعربية أتى بمدلول التكبير بأي لغة شاء. ووجب التعلم ‏إن قدر عليه. ومن عجز عن النطق بالتكبير كأخرس، لزمه تحريك لسانه، وشفتيه ولهاته ما ‏أمكنه، فإن عجز نواه بقلبه.‏
وقال أبو حنفية: التحريمة شرط، لا ركن، وقولهما هو المعتمد لدى الحنفية، لقوله ‏تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15].‏
وأجاز أبو حنيفة افتتاح الصلاة بكل تعبير خالص لله تعالى، فيه تكبير وتعظيم، كقول ‏المصلي: الله أجل، الله أعظم، وكبير أو جليل، والرحمن أعظم، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، ‏والحمد لله، ونحوه، لأن ذلك كله يؤدي معنى التكبير، ويشتمل على معنى التعظيم، فأشبه قوله : ‏‏"الله أكبر" ولو افتتح الصلاة بـ "اللهم اغفر لي" لا يجوز، لأنه مشوب بحاجته، فلم يكن تعظيماً، ‏ولو افتتح بقوله: "اللهم" فالأصح أنه يجزئه، لأن معناه: يا الله.‏
ومن عجز عن التكبير كالأخرس، سقط عنه ذلك، لتعذر الواجب في حقه، وتكفيه النية ‏عن التحريمة.‏
وقال أبو حنيفة: إنه يجزئ التكبير بغير العربية، لقول الله تعالى: ‏
‏{وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] وهذا قد ذكر اسم ربه.‏
واشترط جمهور الفقهاء ألا يكبر المأموم حتى يفرغ إمامه من التكبير، للحديث المتفق ‏عليه: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا" وأجاز الحنفية مقارنة المأموم في التكبير ‏وغيره، فيكبر معه كما يركع معه.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:56 PM
الركن الثاني- القيام في الفرض لقادر عليه، وكذا في الواجب كنذر وسنة فجر في ‏الأصح عند الحنفية:‏
لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] أي مطيعين، وقيل: خاشعين، وقوله ‏صلى الله عليه وسلم في حديث عمران بن حصين: "صلِّ قائماً" متفق عليه.‏
ولا يجب القيام في النافلة، فتصح مع القدرة على القيام، لأن مبنى النوافل على التيسير ‏والأخذ بالرفق، ولأن النوافل كثيرة، فلو وجب فيها القيام شَقَّ وانقطعت النوافل.‏
ولا يجب أيضاً على المريض العاجز عن القيام، سواء في الفريضة أم النافلة، لأن ‏التكليف بقدر الوسع، ومن عجز عن القيام قعد كيف شاء.‏
وحدُّ القيام عند الحنفية: أن يكون بحيث لو مدَّ يديه لا ينال ركبتيه. وعند المالكية ‏والحنابلة: ألا يكون في حالة جلوس ولا في حالة انحناء بحيث يصير راكعاً. ولا يضر خفض ‏الرأس على هيئة الإطراق لأنه لا يخرجه عن كونه يسمى قائماً.‏
وعند الشافعية: يشترط نصب فَقَار المصلي(1)، لأن اسم القيام دائر معه، ولا يشترط ‏نصب رقبته، لأنه يستحب إطراق الرأس. فإن وقف منحنياً أو مائلاً يمنة أو يسرة، بحيث لا ‏يسمى قائماً، لم يصح قيامه لتركه الواجب بلا عذر. والانحناء المنافي للقيام: أن يصير إلى ‏الركوع أقرب، فلو كان أقرب إلى القيام أو استوى الأمران صح. فهم إذاً كالمالكية والحنابلة.‏
‏__________________‏
‏(1) أي فقرات الظهر ومفاصله.‏
ومن لم يطق انتصاباً بسبب مرض أو تقوس ظهر بسبب الكبر، فالصحيح أنه يقف كذلك، ‏ويزيد انحناءه للركوع إن قدر.‏
والمقدار المفروض من القيام: هو عند الحنفية بقدر القراءة المطلوبة فيه، وهو بقدر ‏قراءة الفاتحة وسورة وتكبيرة الإحرام.‏
وعند الجمهور: بقدر تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة فقط، لأن الفرض عندهم قراءة ‏الفاتحة، وأما السورة بعدها فهي سنة.‏
هل يشترط الاستقلال في القيام؟
قال الحنفية: يشترط للقادر الاستقلال في الفرض، فمن اتكأ على عصاه، أو على حائط ‏ونحوه، بحيث يسقط لو زال، لم تصح صلاته، فإن كان لعذر صحت.‏
أما في التطوع أو النافلة: فلا يشترط بالقيام سواء أكان لعذر أم لا، إلا أن صلاته تكره ‏لأنه إساءة أدب، وثوابه ينقص إن كان لغير عذر.‏
وقال المالكية: يجب القيام مستقلاً في الفرائض للإمام والمنفرد حال تكبيرة الإحرام ‏وقراءة الفاتحة والهوي للركوع، وأما حال قراءة السورة فهو سنة، فلو استند إلى شيء بحيث لو ‏أزيل لسقط، فإن كان في غير قراءة السورة، بطلت صلاته، لأنه لم يأت بالفرض الركني، وإن ‏كان في حال قراءة السورة لم تبطل وكره استناده، ولو جلس في حال قراءة السورة بطلت صلاته ‏لإخلاله بهيئة الصلاة. أما المأموم فلا يجب عليه القيام لقراءة الفاتحة، فلو استند حال قراءتها ‏لعمود بحيث لو أزيل لسقط، صحت صلاته.‏
‏ ‏
وقال الشافعية: لا يشترط الاستقلال في القيام، فلو استند إلى شيء، أجزأه مع الكراهة، ‏لوجود اسم القيام. لكن لو استند إلى شيء بحيث لو رفع قدميه إن شاء، ظل مستنداً ولم يسقط، لم ‏تصح صلاته، لأنه لا يسمى قائماً، بل معلقاً نفسه.‏
وقال الحنابلة: يشترط الاستقلال في القيام للقادر عليه في فرض، فلو استند استناداً قوياً ‏على شيء بلا عذر، بطلت صلاته.‏
صلاة المريض أو متى يسقط القيام؟
اتفق الفقهاء على أنه يسقط القيام في الفرض والنافلة للعاجز عنه لحديث عمران بن ‏حصين السابق: "صلِّ قائماً، فإن لم تستطع، فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" فإن قدر على ‏بعض القراءة ولو آية قائماً، لزمه بقدرها.‏
ويسقط القيام أيضاً عند جمهور الفقهاء غير الشافعية للعريان، فإنه يصلي قاعداً ‏بالإيماء إذا لم يجد ساتراً يستر به عورته، كما قدمنا.‏
ومن حالات العجز المسقطة للقيام: حالة المداواة: كمن يسيل جرحه إذا قام، أو أثناء ‏مداواة العين استلقاء. ومنها: حالة سلس البول: فإذا كان يسيل بوله لو قام، وإن قعد لم يسل، صلى ‏قاعداً، ولا إعادة عليه حتى عند الشافعية.‏
ومنها: حالة الخوف من عدو بحيث إذا قام، رآه العدو، صلى قاعداً ولا إعادة عليه حتى ‏عند الشافعية أيضاً.‏
ومنها: عند الحنابلة قصر سقف لعاجز عن خروج، وصلاة خلف إمام حي عاجز.‏
كيفية صلاة العاجز المريض:‏
للفقهاء آراء متقاربة في كيفية صلاة المريض، وبعضها أيسر من بعض.‏
قال الحنفية:‏
أ- إذا عجز المريض عن القيام، سقط عنه، وصلى قاعداً كيف تيسر له، يركع ويسجد إن ‏استطاع، فإن لم يستطع الركوع والسجود، أو السجود فقط، أومأ إيماء برأسه، وجعل إيماءه ‏للسجود أخفض من ركوعه، تفرقة بينهما، لحديث عمران بن حصين المتقدم.‏
ولا يرفع إلى وجهه شيئاً مثل الكرسي والوسادة، يسجد عليه، لنهيه صلى الله عليه وسلم ‏عن ذلك، روى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد مريضاً، فرآه يصلي على وسادة، ‏فأخذها، فرمى بها، فأخذ عوداً ليصلي عليه، فأخذه، فرمى به، وقال صلِّ على الأرض إن ‏استطعت، وإلا فأومئ إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك. رواه البيهقي.‏
ب- فإن لم يستطع القعود، استلقى على ظهره، وجعل رجليه إلى القبلة، وأومأ بالركوع ‏والسجود.‏
وإن استلقى على جنبه، ووجهه إلى القبلة، وأومأ، جاز والكيفية أو الهيئة الأولى هنا ‏أولى، لأن إشارة المستلقي تقع إلى هواء الكعبة، وإشارة المضطجع على جنبه تقع إلى جانب ‏قدميه، أي أن الاستلقاء عندهم أولى من الاضطجاع، وعلى الشق الأيمن أولى من الأيسر.‏
جـ- فإن لم يستطع الإيماء برأسه: أخر الصلاة، ولا يومئ بعينيه ولا بقلبه، ولا بحاجبيه، ‏لأنه لا عبرة به، عملاً بالحديثين السابقين عن عمران وجابر، ولأن إقامة البدل عن هيئة الصلاة ‏الواجبة شرعاً بالرأي ممتنع، ولا قياس على الرأس، لأنه يتأدى به ركن الصلاة، دون العين ‏والحاجبين والقلب.‏
ولا تسقط عنه الصلاة، ويجب عليه القضاء، ولو كثرت الصلوات إذا كان يفهم مضمون ‏الخطاب.‏
وإن قدر المريض على القيام، ولم يقدر على الركوع والسجود، لم يلزمه القيام، وجاز أن ‏يصلي قاعداً يومئ برأسه إيماء. والأفضل الإيماء قاعداً، لأنه أشبه بالسجود، لكون رأسه أخفض ‏وأقرب إلى الأرض.‏
وإن صلى الصحيح بعض صلاته قائماً، ثم حدث به مرض، أتمها قاعداً، يركع ويسجد، ‏أو يومئ إن لم يستطع الركوع والسجود، أو مستلقياً إن لم يستطع القعود، لأن بناء الأدنى على ‏الأعلى، وبناء الضعيف على القوي أولى من الإتيان بالكل ضعيفاً.‏
ومن صلى قاعداً يركع ويسجد لمرض به، ثم صح في خلالها، بنى على صلاته قائماً، ‏لأن البناء كالاقتداء، والقائم يقتدي بالقاعد.‏
وإن كان المريض صلى بعض صلاته بإيماء، ثم قدر في خلالها على الركوع والسجود، ‏استأنف (جدد) الصلاة، لأنه لا يجوز اقتداء الراكع بالمومئ، فكذا البناء لا يجوز.‏
وقال المالكية:‏
أ- إذا لم يقدر المصلي على القيام استقلالاً لعجز أو لمشقة فادحة كدوخة في صلاة ‏الفرض، جاز فيه الجلوس، ولا يجوز الاضطجاع إلا لعذر.‏
ب- ومن قدر على القيام في الفرض، ولكن خاف به ضرراً كالضرر المبيح للتيمم (وهو ‏خوف حدوث مرض من نزلة أو إغماء أو زيادته لمتصف به، أو تأخر برء)، أو خاف بالقيام ‏خروج حدث كريح، استند ندباً لحائط أو على قضيب أو لحبل معلق بسقف البيت يمسكه عند ‏قيامه، أو على شخص غير جنب أو حائض. فإن استند على جنب أو حائض أعاد بوقت ‏ضروري.‏
وإن صلى جالساً مستقلاً عن غيره، مع القدرة على القيام مستنداً، صحت صلاته.‏
جـ- وإن تعذر القيام بحالتيه (مستقلاً أو مستنداً)، جلس وجوباً إن قدر، وإن لم يقدر جلس ‏مستنداً.‏
وتربع ندباً للجلوس البديل عن القيام: وهو حالة تكبيرة الإحرام، والقراءة والركوع، ثم ‏يغير جلسته في الجلوس بين السجدتين والتشهد.‏
د- وإن لم يقدر على الجلوس بحالتيه (مستقلاً أو مستنداً)، صلى على شق أيمن ندباً، ‏فأيسر إن عجز عن الأيمن، ثم مستلقياً على ظهر ورجلاه للقبلة، فإن لم يقدر فعلى بطنه ورأسه ‏للقبلة.‏
والشخص القادر على القيام فقط، دون الركوع والسجود والجلوس، أومأ للركوع ‏والسجود قائماً.‏
والقادر على القيام مع الجلوس، أومأ للركوع من القيام، وأومأ للسجود من الجلوس، فإن ‏خالف فيهما، بطلت صلاته.‏
وإذا أومأ للسجود من قيام أو جلوس، حَسَر (رفع) عمامته عن جبهته وجوباً، بحيث لو ‏سجد لأمكن وضع جبهته بالأرض، أو بما اتصل بها من فرض ونحوه.‏
وإن كان بجبهته قروح، فسجد على أنفه، صحت صلاته، لأنه أتى بما في طاقته من ‏الإيماء، علماً بأن حقيقة السجود: وضع الجبهة على الأرض.‏
وإن قدر المصلي على جميع الأركان، في الركعة الأولى، إلا أنه إذا سجد بعد أن أتم ‏الركوع وقراءة الفاتحة، لا يقدر على القيام، صلى الركعة الأولى بسجدتيها، وتمم صلاته جالساً.‏
هـ- إن لم يقدر المصلي على شيء من الأركان إلا على نية، بأن ينوي الدخول في ‏الصلاة ويستحضرها، أو قدر على النية مع إيماء بطرف، وجبت الصلاة بما قدر عليه، وسقط ‏عنه غير المقدور عليه. وإن قدر مع ذلك على "السلام" سلم.‏
ولا يجوز له تأخير الصلاة عن وقتها بما قدر عليه، ما دام المكلف في عقله.‏
وقال الشافعية:‏
أ- إن لم يقدر على القيام في الفرض مع نصب عموده الفقري، وقف منحنياً، لأن ‏الميسور لا يسقط بالمعسور.‏
ب- وإن عجز عن القيام أصلاً (بأن لحقته مشقة شديدة لا تحتمل في العادة كدوران رأس ‏راكب السفينة)، قعد كيف شاء، لخبر عمران بن حصين، وركع محاذياً جبهته قُدَّام ركبتيه، ‏والأفضل أو الأكمل: أن يحاذي موضع سجوده. وكل من ركوعه وسجوده على وزان ركوع ‏القائم في المحاذاة بحسب النظر، لأنه يسن للمصلي النظر إلى موضع سجوده.‏
وقعوده مفترشاً كهيئة الجالس للتشهد الأول أفضل من تربعه في الأظهر، لأنها هيئة ‏مشروعة في الصلاة، فكانت أولى من غيرها، ويكره الإقعاء بأن يجلس على وركيه ناصباً ‏ركبتيه، لما فيه من التشبه بالكلب والقرد.‏
جـ- فإن لم يقدر على القعود: بأن نالته المشقة السابقة، اضطجع وجوباً على جنبه، ‏مستقبلاً القبلة بوجهه ومقدم بدنه. والجنب الأيمن أفضل للاضطجاع عليه من الأيسر، والأيسر ‏بلا عذر مكروه.‏
د- فإن لم يقدر على الاضطجاع، استلقى، ويرفع وجوباً رأسه بشيء كوسادة ليتوجه إلى ‏القبلة بوجهه ومقدم بدنه، إلا أن يكون في الكعبة وهي مسقوفة، فيجوز له الاستلقاء على ظهره، ‏وعلى وجهه وإن لم تكن مسقفة، لأنه كيفما توجه، فهو متوجه لجزء منها. ويركع ويسجد بقدر ‏إمكانه، فيومئ برأسه للركوع والسجود، وإيماؤه للسجود أكثر، قدر إمكانه.‏
هـ- فإن لم يقدر، أومأ بطرفه (أي بصره) إلى أفعال الصلاة.‏
و- فإن لم يقدر، أجرى الأركان على قلبه، مع السنن، بأن يمثل نفسه قائماً وراكعاً، ‏وهكذا، لأنه الممكن.‏
فإن اعتقل لسانه، أجرى القراءة وغيرها على قلبه كذلك.‏
ولا تسقط عنه الصلاة ما دام عقله ثابتاً، لوجود مناط التكليف.‏
ومتى قدر على مرتبة من المراتب السابقة في أثناء الصلاة، لزمه الإتيان بها.‏
ز- وللقادر على القيام: أن يتنفل قاعداً، أو مضطجعاً، لا مستلقياً، ويقعد للركوع والسجود ‏ولا يومئ بهما إن اضطجع، لعدم وروده في السنة.‏
وأجر القاعد القادر نصف أجر القائم، والمضطجع نصف أجر القاعد.‏
والخلاصة: أن المريض يصلي كيف أمكنه ولو مومئاً ولا يعيد، والغريق والمحبوس ‏يصليان موميين ويعيدان.‏
ومذهب الحنابلة كالشافعية، فإنهم قالوا:‏
أ- يجب أن يصلي المريض قائماً إجماعاً في فرض، ولو لم يقدر إلا بصفة ركوع، ‏لحديث عمران بن حصين مرفوعاً: "صل قائماً، فإن لم تستطع فعلى جنب" رواه الجماعة، وزاد ‏النسائي: "فإن لم تستطع فمستلقياً" وحديث "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم".‏
ويصلي قائماً ولو بالاستناد إلى شيء آخر بأجرة مثله أو زائدة يسيراً إن قدر عليها، فإن ‏لم يقدر على الأجرة، صلى على حسب ما يستطيع، وهذا يوافق رأي المالكية.‏
ب- فإن لم يستطع المريض القيام أو شق عليه مشقة شديدة لضرر من زيادة مرض، أو ‏تأخر برء ونحوه، فإنه يصلي قاعداً لما تقدم من الخبر، متربعاً ندباً كمتنفل أي كما قال المالكية، ‏وكيف قعد جاز كالمتنفل، ويثني رجليه في ركوع وسجود، كمتنفل.‏
جـ- فإن لم يستطع القعود أو شق عليه، فيصلي على جنب، لما تقدم في حديث عمران.‏
والصلاة على الجنب الأيمن أفضل من الصلاة على الجنب الأيسر، لحديث علي مرفوعاً ‏‏: "يصلي المريض قائماً، فإن لم يستطع، صلى قاعداً، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ، وجعل ‏سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً، صلى على جنبه الأيمن مستقبل ‏القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقياً، رجلاه مما يلي القبلة" رواه الدارقطني، فإن صلى على ‏الجنب الأيسر، جاز، لظاهر خبر عمران، ولتحقق استقبال القبلة.‏
د- ويصح أن يصلي على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، مع القدرة على الصلاة على جنبه، ‏لأنه نوع الاستقبال، مع الكراهة. فإن تعذر عليه أن يصلي على جنبه تعين الظهر، لما تقدم في ‏حديث علي.‏
ويلزمه الإيماء بركوعه وسجوده برأسه ما أمكنه، لحديث "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما ‏استطعتم"، ويكون سجوده أخفض من ركوعه وجوباً، لحديث علي، وليتميز أحدهما عن الآخر.‏
هـ- فإن عجز عن الإيماء برأسه لركوعه وسجوده كأسير عاجز، أومأ بطرفه (أي عينه) ‏ونوى بقلبه، لما روى زكريا الساجي عن علي بن أبي طالب أنه صلى الله عليه وسلم قال : "فإن ‏لم يستطع أومأ بطرفه".‏
و- فإن عجز عن الإيماء بطرفه، فيصلي بقلبه، مستحضراً القول إن عجز عنه بلفظه، ‏ومستحضراً الفعل بقلبه، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وقوله: ‏‏{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر ‏فائتوا منه ما استطعتم".‏
ولا تسقط الصلاة حينئذ عن المكلف، ما دام عقله ثابتاً، لقدرته على أن ينوي بقلبه، مع ‏الإيماء بطرفه أو بدونه، ولعموم أدلة وجوب الصلاة.‏
والخلاصة : أن أقصى حالات التيسير للمريض هو الإيماء بالرأس عند الحنفية، والإيماء ‏بالطرف (البصر أو العين) أو مجرد النية عند المالكية، وإجراء الأركان على القلب عند الشافعية ‏والحنابلة.‏
واتفق الكل على أنه لا تسقط الصلاة عن المرء ما دام في عقله، ويجب قضاؤها عند ‏الحنفية إن لم يستطع الإيماء برأسه.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:56 PM
الركن الثالث- القراءة لقادر عليها:‏
الركن عند الحنفية الذي هو فرض عملي في جميع ركعات النفل والوتر، وفي ركعتين ‏من الفرض، للإمام والمنفرد: هو قراءة آية من القرآن، لقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ ‏الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] ومطلق الأمر للوجوب، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا ‏بقراءة" رواه مسلم، وأقل الواجب عند أبي حنيفة: هو آية بمقدار ستة أحرف مثل "ثم نظر" ‏‏[المدثر: 21] ولو تقديراً مثل "لم يلد" إذ أصله "لم يولد".‏
وأما تعيين القراءة في الركعتين الأوليين من الفرض فهو واجب، لقول علي رضي الله ‏عنه: "القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين" وعن ابن مسعود وعائشة: "التخيير في ‏الأخريين، إن شاء قرأ، وإن شاء سبح" وكذلك قراءة الفاتحة والسورة، أو ثلاث آيات، هو واجب ‏أيضاً.‏
وليست الفاتحة عندهم فرضاً في الصلاة مطلقاً، لا في السرية ولا في الجهرية، لا على ‏الإمام، ولا على المأموم، بل تكره قراءتها للمأموم.‏
البسملة عند الحنفية:‏
وليست البسملة آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور إلا من سورة النمل في أثنائها ‏لحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ‏وعمر وعثمان رضي الله عنهم فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم" رواه مسلم.‏
لكن يقرأ المنفرد بسم الله الرحمن الرحيم مع الفاتحة في كل ركعة سراً، كما أنه يسر ‏بالتأمين، فالتسمية والتأمين يسر بهما القارئ. أما الإمام فلا يقرأ البسملة ولا يسر بها لئلا يقع ‏السر بين جهرين، قال ابن مسعود: "أربع يخفيهن الإمام : التعوذ، والتسمية، والتأمين، ‏والتحميد".‏
وأدلتهم ما يأتي:‏
‏1ً- قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] هو أمر بمطلق قراءة، ‏فتتحقق بأدنى ما يطلق عليه اسم القرآن.‏
‏2ً- جاء في حديث المسيء صلاته المتقدم: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم ‏استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" فالواجب هو مطلق القراءة، كما دل القرآن، ‏ولو كانت قراءة الفاتحة فرضاً أو ركناً لعلمه إياها، لجهله بالأحكام وحاجته إليها.‏
‏3ً- أما حديث "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"الذي رواه الستة عن عبادة بن ‏الصامت، فمحمول على نفي الفضيلة، لا نفي الصحة كحديث "لا صلاة لجار المسجد إلا في ‏المسجد" رواه الدارقطني.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:57 PM
الركن الرابع- الركوع:‏
الركوع لغة: مطلق الانحناء، وشرعاً: الانحناء بالظهر والرأس معاً حتى تبلغ يداه (أو ‏راحتاه) ركبتيه، وأقله:أن ينحني حتى تنال راحتاه ركبتيه، وأكمله: تسوية ظهره وعنقه (أي يمدّها ‏بانحناء خالص بحيث يصيران كالصفيحة الواحدة) اتباعاً كما رواه مسلم، ونصب ساقيه وفخذيه، ‏ومساواة رأسه بعجزه، ويكفيه أخذ ركبتيه بيديه وتفرقة أصابعه لجهة القبلة، ولا يرفع رأسه ولا ‏يخفضه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه بالنسبة للرجل، أما المرأة فتضم بعضها إلى بعض، ومن ‏تقوس ظهره يزيد في الانحناء قليلاً إن قدر عليه.‏
ودليل فرضية الركوع: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا} [الحج: 77] وحديث ‏المسيء صلاته "... ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" وللإجماع على فرضيته.‏
ودليل وضع اليدين على الركبتين: ما ذكره أبو حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم: "رأيته إذا ركع، أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره" يعني عصره حتى يعتدل.‏
ودليل مشروعية التفريق بين الأصابع: ما رواه أبو مسعود عقبة بن عمرو: أنه ركع، ‏فجافى يديه، ووضع يديه على ركبتيه، وفرَّج بين أصابعه من وراء ركبتيه، وقال: هكذا رأيت ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي" رواه أبو داود والنسائي.‏
ودليل عدم رفع الرأس وعدم خفضه: قول عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك" متفق عليه، وجاء في الحديث ‏عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان إذا ركع، لو كان قدح ماء على ظهره ما تحرك" وذلك ‏لاستواء ظهره.‏
ويشترط عند الشافعية والحنابلة ألا يقصد بركوعه غيره، فلو هوى للتلاوة، فجعله ‏ركوعاً، لم يكفه.‏
الاطمئنان في الركوع: ‏
أقل الاطمئنان في الركوع: هو أن يمكث في هيئة الركوع حتى تستقر أعضاؤه راكعاً قدر تسبيحة ‏في الركوع والسجود وفي الرفع منهما. وهو واجب عند الحنفية كما بينا لقوله تعالى: {ارْكَعُوا ‏وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] ولم يذكر الطمأنينة، وفرض عند الجمهور كما أشرنا، لحديث المسيء ‏صلاته : "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" وروى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسوأ ‏الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قيل: وكيف يسرق من صلاته ؟ قال: لا يتم ركوعها ولا ‏سجودها ولا خشوعها" رواه أحمد، وقال أيضاً: "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها في ‏الركوع والسجود" رواه البخاري.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:58 PM
الركن الخامس- الرفع من الركوع والاعتدال:‏
قال أبو حنيفة: القيام من الركوع والاعتدال (الاستواء) والجلوس بين السجدتين واجب لا ‏ركن، لأنه من مقتضيات الطمأنينة (تعديل الأركان)، ولقوله تعالى:‏
‏{ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] ويصح الركوع بمجرد الانحناء.‏
وقال غير الحنفية: الرفع من الركوع والاعتدال قائماً مطمئناً ركن أو فرض في الصلاة، ‏وهو أن يعود إلى الهيئة التي كان عليها قبل الركوع، سواء أكان قائماً أم قاعداً، أو يفعل مقدوره ‏إن عجز. ولا يقصد غيره، فلو رفع فَزَعاً (خوفاً) من شيء كحية، لم يكف رفعه لذلك عن رفع ‏الصلاة، كما صرح الشافعية.‏
وإذا سجد ولم يعتدل، لم تصح وبطلت صلاته، لتركه ركناً من أركان الصلاة. لقوله ‏صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته : "ثم ارفع حتى تعتدل قائماً" وداوم النبي على فعله، وقال : ‏‏"صلوا كما رأيتموني أصلي"، ونفى النبي صلى الله عليه وسلم كون ما فعل المسيء صلاة، فدل ‏كل ذلك على أن الاعتدال والطمأنينة ركن، ويدخل فيه الرفع من الركوع لاستلزامه له.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:59 PM
الركن السادس- السجود مرتين لكل ركعة:‏
السجود لغة: الخضوع والتذلل، أو التطامن والميل، وشرعاً: أقله وضع بعض الجبهة ‏مكشوفة على الأرض أو غيرها من المُصلَّى، لخبر: "إذا سجدت، فمكن جبهتك ولا تنقر نقراً" ‏رواه ابن حبان، وخبر خباب بن الأرت: "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر ‏الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا، أي لم يزل شكوانا" رواه البيهقي. وأكمل السجود : وضع ‏جميع اليدين والركبتين والقدمين والجبهة مع الأنف.‏
وهو فرض بالإجماع، لقوله تعالى: ‏
‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] ولمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره ‏به المسيء صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى ‏تطمئن ساجداً" ولإجماع الأمة.‏
والواجب عند المالكية: سجود على أيسر جزء من الجبهة: وهي ما فوق الحاجبين وبين ‏الجبينين. ويندب إلصاق جميع الجبهة بالأرض وتمكينها، ويندب السجود على أنفه أيضاً، ويعيد ‏الصلاة لتركه في الوقت الضروري (وهو في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين لطلوع الفجر ‏وفي الصبح لطلوع الشمس) مراعاة لمن يقول بوجوبه، فلو سجد على جبهته دون أنفه، لم يكفه، ‏ويجزئ السجود على الجبهة بخلاف الأنف، وإن عجز عن السجود على الجبهة أومأ للسجود، ‏كمن كان بجبهته قروح تؤلمه إن سجد.‏
وذكر الشافعية والحنفية والحنابلة: أن من منعه الزحام عن السجود على أرض أو ‏نحوها مع الإمام، فله السجود على شيء من إنسان أو متاع أو بهيمة أو نحو ذلك، لقول عمر فيما ‏رواه البيهقي بإسناد صحيح: "إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه".‏
وأما السجود على اليدين والركبتين وأطراف القدمين فهو سنة. ‏
ودليلهم حديث العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سجد ‏العبد سجد معه سبعة آراب - أعضاء - وجههُ وكفّاه وركبتاه وقدماه" رواه مسلم وأبو داود ‏الترمذي.‏
واتفق العلماء على أن السجود الكامل يكون على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين ‏وأطراف القدمين، لحديث ابن عباس: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار ‏بيده على أنفه، واليدين، والرُّكبتين، والقدمين" متفق عليه، وفي رواية "أُمِرَ النبي صلى الله عليه ‏وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعراً ولا ثوباً: الجبهة واليدين والركبتين، ‏والرِّجلين" والمراد من عدم كف الشعر والثوب: عدم رفع الثوب والشعر عن مباشرة الأرض، ‏فيشبه المتكبرين.‏
ولا خلاف أن السجود على مجموع الجبهة والأنف مستحب. وأجمعت الصحابة على أنه ‏لا يجزئ السجود على الأنف وحده.‏
واتفق علماء الحنفية وغيرهم على أنه إن اقتصر في السجود على الجبهة دون الأنف، ‏جاز.‏
ووضع اليدين والركبتين سنة عند الحنفية لتحقق السجود بدونهما. وأما وضع القدمين ‏فهو فريضة في السجود.‏
والخلاصة: أن فرض السجود عند الحنفية والمالكية يتحقق بوضع جزء من الجبهة ولو ‏كان قليلاً، والواجب عند الحنفية وضع أكثرها، ويتحقق الفرض أيضاً بوضع أصبع واحدة من ‏القدمين، فلو لم يضع شيئاً من القدمين لم يصح السجود. وأما تكرار السجود فهو أمر تعبدي أي لم ‏يعقل معناه على قول أكثر مشايخ الحنفية، تحقيقاً للابتلاء (الاختيار) ولو سجد على كَوْر عمامته ‏إذا كان على جبهته أو فاضل (طرف) ثوبه، جاز عند الحنفية والمالكية والحنابلة، ويكره إلا من ‏عذر لحديث أنس "كنا نصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع ‏أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه" متفق عليه.‏
ولا خلاف في عدم وجوب كشف الركبتين، لئلا يفضي إلى كشف العورة، كما لا يجب ‏كشف القدمين واليدين، لكن يسن كشفهما، خروجاً من الخلاف.‏
ودليل جواز ترك كشف اليدين حديث عبد الله بن عبد الرحمن قال: "جاءنا النبي صلى ‏الله عليه وسلم، فصلى بنا في مسجد بني الأشهل، فرأيته واضعاً يديه في ثوبه إذا سجد" رواه ابن ‏ماجه وأحمد.‏
وقال الشافعية: إن سجد على متصل به كطرف كّمه الطويل أو عمامته، جاز إن لم ‏يتحرك بحركته، لأنه في حكم المنفصل عنه. فإن تحرك بحركته في قيام أو قعود أو غيرهما ‏كمنديل على عاتقه، لم يجز. وإن كان متعمداً عالماً، بطلت صلاته، وإن كان ناسياً أو جاهلاً، لم ‏تبطل، وأعاد السجود. وتصح صلاته فيما إذا سجد على طرف ملبوسه ولم يتحرك بحركته.‏
والشافعية والحنابلة متفقون على وجوب السجود على جميع الأعضاء السبعة المذكورة ‏في الحديث السابق، ويستحب وضع الأنف مع الجبهة عند الشافعية، لكن يجب عند الحنابلة ‏وضع جزء من الأنف. واشترط الشافعية أن يكون السجود على بطون الكفين وبطون أصابع ‏القدمين، أي أنه يكفي وضع جزء من كل واحد من هذه الأعضاء السبعة كالجبهة، والعبرة في ‏اليدين ببطن الكف، سواء الأصابع والراحة، وفي الرجلين ببطن الأصابع، فلا يجزئ الظهر منها ‏ولا الحرف.‏
الاطمئنان في السجود: يجب أن يطمئن المصلي في سجوده، والطمأنينة فرض عند ‏الجمهور واجب عند الحنفية، لحديث المسيء صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً" كما يجب ‏عند الشافعية: أن ينال ثقل رأسه محل سجوده، للخبر السابق: "إذا سجدت فمكِّن جبهتك" ومعنى ‏ذلك: أن يتحامل بحيث لو فرض تحته قطن أو حشيش لانكبس، وظهر أثره في يده.‏
يتضح مما سبق أنه يشترط لصحة السجود: الطمأنينة، وكشف الجبهة عند الشافعية، ولا ‏يشترط ذلك عند الجمهور، وكون السجود على الجبهة بالاتفاق، ويضم لها القدمان عند الحنفية، ‏واليدان والركبتان والقدمان عند الشافعية والحنابلة، والأنف أيضاً عند الحنابلة، وأن يكون ‏السجود على ما تستقر عليه جبهة المصلي، والتنكس: وهو استعلاء أسافل المصلي وتسفل أعاليه ‏إلا لزحمة سجد فيها على ظهر مصل آخر، كما أوضح الشافعية والحنفية. وأن يقصده عند ‏الشافعية، فلو سقط لوجهه، وجب العود إلى الاعتدال.‏
والسنة في هيئة السجود عند الجمهور: أن يضع المصلي على الأرض ركبتيه أولاً، ثم ‏يديه، ثم جبهته وأنفه. ويرفع أولاً وجهه ثم يديه ثم ركبتيه، لحديث وائل بن حُجْر قال: "رأيت ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد، وضع رُكبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ‏ركبتيه، رواه أبو داود والترمذي. فإن عكس الترتيب المذكور أجزأ، مع مخالفة السنة إلا من ‏عذر.‏
وقال المالكية: يندب تقديم اليدين على الركبتين عند السجود، وتأخير اليدين عن الركبتين ‏عند القيام للقراءة، لحديث أبي هريرة: "إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه ‏ثم ركبتيه" رواه أبو داود والترمذي.‏
مكان الصلاة:‏
قال المالكية: تكره الصلاة على غير الأرض وما تنبته. وقال الحنابلة: تصح الصلاة ‏على الثلج بحائل أو لا، إذا وجد حجمه لاستقرار أعضاء السجود، كما تصح على حشيش وقطن ‏منتفش إذا وجد حجمه، وإن لم يجد حجمه، لم تصح صلاته، لعدم استقرار الجبهة عليه.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 10:59 PM
الركن السابع- الجلوس بين السجدتين:‏
الجلوس بين السجدتين مطمئناً ركن عند الجمهور، واجب عند الحنفية، لحديث المسيء ‏صلاته: "ثم ارفع حتى تطمئن جالساً" وفي الصحيحين "كان صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه، ‏لم يسجد حتى يستوي جالساً".‏
وأضاف الشافعية: ويجب ألا يقصد برفعه غيره، فلو رفع فزعاً من شيء لم يكف، وألا ‏يُطوِّله، ولا الاعتدال، لأنهما ركنان قصيران ليسا مقصودين لذاتهما، بل للفصل بين السجدتين.‏
والسنة في هيئة السجود: أن يجلس بين السجدتين مفترشاً: وهو أن يثني رجله اليسرى، ‏ويبسطها ويجلس عليها، وينصب رجله اليمنى ويخرجها من تحته، ويجعل بطون أصابعه على ‏الأرض معتمداً عليها، لتكون أطراف أصابعه إلى القبلة. وذلك للاتباع، كما سيأتي في صفة ‏صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها، ثم اعتدل حتى رجع ‏كل عظم في موضعه، ثم هوى ساجداً" وفي حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم "وكان ‏يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى" متفق عليه.‏
ويضع يديه على فخذيه قريباً من ركبتيه، منشورتي الأصابع، اليمنى واليسرى سواء.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:00 PM
الركن الثامن- القعود الأخير مقدار التشهد:‏
هذا فرض عند الحنفية إلى قوله: "عبده ورسوله"، فلو فرغ المقتدي قبل فراغ الإمام، ‏فتكلم أو أكل، فصلاته تامة، وهو مع التشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعده ‏قاعداً بمقدار: "اللهم صلِّ على محمد" ركن عند الشافعية والحنابلة. والركن عند المالكية هو ‏بمقدار الجلوس للسلام. ويلاحظ أن التشهد الأول كالأخير واجب عند الحنفية، سنة عند الجمهور، ‏كما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير سنة عند الحنفية والمالكية.‏
استدل الحنفية: بحديث ابن مسعود رضي الله عنه حين علمه النبي التشهد، فقال له النبي ‏صلى الله عليه وسلم: "إذا قلت هذا، أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك" رواه الدارقطني، أي إذا قلت ‏التشهد أو فعلت القعود، فقد تمت صلاتك. فإنه صلى الله عليه وسلم علق تمام الصلاة بالفعل، وهو ‏القعود، والقراءة لم تشرع بدون القعود، حيث لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فيه، ‏فكان القعود هو المعلق به تمام الصلاة في الحقيقة، لاستلزامه القراءة، وكل ما علق بشيء لا ‏يوجد بدونه، وبما أن تمام الصلاة واجب أو فرض وتمام الصلاة في الحقيقة، لاستلزامه القراءة، ‏وكل ما علق بشيء لا يوجد بدونه، وبما أن تمام الصلاة واجب أو فرض وتمام الصلاة لا يوجد ‏بدون القعود، فالعقود واجب أي فرض، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.‏
واستدل المالكية على أن التشهد والقعود ليسا بواجب : بأنهما يسقطان بالسهو، فأشبها ‏السنن.‏
وأما الشافعية والحنابلة فاستدلوا : بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الجلوس، وداوم ‏على فعله، وأمر به في حديث ابن عباس، وقال: "قولوا: التحيات لله" رواه مسلم وأبو داود: ‏وسجد للسهو حين نسيه، وقد قال عليه السلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقال ابن مسعود: ‏‏"كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام ‏على ميكائيل، السلام على فلان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا: السلام على الله، فإن ‏الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله .." رواه الدارقطني والبيهقي. ... والدلالة منه بوجهين:‏
أحدهما - التعبير بالفرض، والثاني: الأمر به وفرضه في جلوس آخر الصلاة. ‏
وأما الجلوس له، فلأنه محله، فيتبعه.‏
وأما فرضية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، فلإجماع العلماء ‏على أنها لا تجب في غير الصلاة، فتعين وجوبها فيها، ولحديث "قد عرفنا كيف نسلم عليك، ‏فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ... الخ" متفق عليه، وفي ‏رواية "كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال : قولوا ...الخ" رواه الدارقطني ‏وابن حبان، والمناسب لها من الصلاة، التشهد آخرها، فتجب فيه، أي بعده. وقد صلى النبي صلى ‏الله عليه وسلم على نفسه في الوتر، كما رواه أبو عوانة في مسنده، وقال: "صلوا كما رأيتموني ‏أصلي" ولم يخرجها شيء عن الوجوب. ومما يدل على الوجوب حديث علي عند الترمذي وقال: ‏حسن صحيح: "البخيل من ذكرت عنده، فلم يصلِّ علي" وقد ذكر النبي في التشهد، ومن أقوى ‏الأدلة على الوجوب ما أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏بلفظ: "إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صلِّ على محمد .. " الحديث.‏
والصلاة على النبي سنة عند الشافعية في التشهد الأول، لبنائه على التخفيف، ولا تسن ‏على الآل في التشهد الأول، وتسن الصلاة على الآل (وهم بنو هاشم وبنو المطلب) في التشهد ‏الأخير، وقيل: تجب فيه لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: "قولوا: اللهم صل على ‏محمد وعلى آل محمد" والأمر يقتضي الوجوب.‏
صفة الجلوس: ‏
صفة الجلوس للتشهد الأخير عند الحنفية، كصفة الجلوس بين السجدتين، يكون مفترشاً ‏كما وصفنا، سواء أكان آخر صلاته أم لم يكن، بدليل حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس - يعني للتشهد - فافترش ‏رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته" رواه البخاري، وقال وائل بن حجر: "قدمت ‏المدينة، لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جلس - يعنى للتشهد - افترش ‏رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ونصب رجله اليمنى" رواه الترمذي ‏وقال: حديث حسن صحيح.‏
وقال المالكية: يجلس متوركاً في التشهد الأول والأخير، لما روى ابن مسعود "أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم" كان يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركاً".‏
وقال الحنابلة والشافعية: يسن التورك في التشهد الأخير، وهو كالافتراش، ولكن يخرج ‏يسراه من جهة يمينه ويلصق وركه بالأرض، بدليل ما جاء في حديث أبي حميد الساعدي: "حتى ‏إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته، أخَّر رجله اليسرى، وقعد على شقة متوركاً، ثم سلم" ‏رواه أبو داود والترمذي، والتورك في الصلاة: القعود على الورك اليسرى، والوركان: فوق ‏الفخذين كالكعبين فوق العضدين. لكن قال الحنابلة: لا يتورك في تشهد الصبح، لأنه ليس بتشهدٍ ‏ثانٍ، والذي تورك فيه النبي بحديث أبي حميد هو التشهد الثاني للفرق بين التشهدين، وما ليس فيه ‏إلا تشهد واحد لا اشتباه فيه، فلا حاجة إلى الفرق.‏
والخلاصة: أن التورك في التشهد الثاني سنة عند الجمهور، وليس بسنة عند الحنفية.‏
صيغة التشهد:‏
للتشهد صيغتان مأثورتان:‏
فقال الحنفية والحنابلة: التشهد هو: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها ‏النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد ‏أن محمداً عبده ورسوله. وهو التشهد الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود ‏رضي الله عنه. رواه أبو داود والترمذي.‏
وقال الإمام مالك: أفضل التشهد: تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه "التحيات لله، ‏الزاكيات لله، الصلوات لله" وسائره كتشهد ابن مسعود السابق.‏
وقال الشافعية: أقل التشهد: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام ‏علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. وأكمل ‏التشهد ما ورد في حديث ابن عباس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا التشهد، كما ‏يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها ‏النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد ‏أن محمداً رسول الله".‏
‏ ‏
معاني ألفاظ التشهد:‏
معنى "التحيات لله": الثناء على الله تعالى بأنه مالك مستحق لجميع التحيات الصادرة من ‏الخلق. وهي جمع تحية يقصد بها البقاء والعظمة والملك، وقيل: السلام. والمباركات: الناميات. ‏والصلوات: الصلوات الخمس وغيرها من العبادات الفعلية. والطيبات: الأعمال الصالحة. ‏والسلام: أي اسم الله عليك، أو السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي. وعلينا: أي ‏الحاضرين من إمام ومأموم وملائكة وغيرهم. والعباد: جمع عبد. والصالحين: جمع صالح، وهو ‏القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده. ومعنى رسول الله، هو الذي يبلغ خبر من ‏أرسله. وسمي تشهداً لما فيه من النطق بالشهادتين.‏
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير:‏
أقل الصلاة على النبي، الذي هو الركن عند الشافعية والحنابلة في التشهد الأخير: "اللهم ‏صل على محمد" لظاهر الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(1) [الأحزاب: ‏‏56] وهي تدل على الوجوب، لأن الأمر للوجوب، علماً بأنه قد حصل السلام على النبي في ‏التشهد بقوله: "السلام عليك" وأما الصلاة على الآل فهي سنة.‏
وأكمل الصلاة على النبي أن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ‏على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم ‏وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".‏
وقد ثبتت هذه الصيغة عند البخاري ومسلم بل عند الجماعة عن كعب بن عُجْرة، قال: ‏‏"إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا الله، كيف نسلم عليك، ‏فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل ‏إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك ‏حميد مجيد".‏
وقال الحنفية والمالكية: الصلاة على النبي سنة كما سيأتي.‏
‏_________________‏
‏ ‏‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎
‏(1) الصلاة من الله على عباده : الرحمة والرضوان، ومن الملائكة : الدعاء والاستغفار، ومن ‏الأمة : دعاء وتعظيم للنبي لإظهار مكانته عند ربه، ولنيل الثواب الجزيل، كما ورد عنه عليه ‏السلام: "من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً".‏
‏ ‏
التشهد بالعربية:‏
يشترط موالاة التشهد، وكونه بالعربية، هو وسائر أذكار الصلاة المأثورة فلا يجوز لمن ‏قدرعلى العربية التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بغيرها، كما ذكرنا في التكبير ‏والقراءة، فإن عجز مؤقتاً حتى يتعلم تشهد بلغته، كالأخرس. ومن قدر على تعلم التشهد والصلاة ‏على النبي صلى الله عليه وسلم، لزمه ذلك، لأنه من فروض الأعيان، فلزمه كالقراءة. فإن صلى ‏قبل تعلمه مع إمكانه، لم تصح صلاته. وإن خاف فوات الوقت، أو عجز عن تعلمه، أتى بما ‏يمكنه، وأجزأه للضرورة. وإن لم يحسن شيئاً بالكلية، سقط كله.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:01 PM
الركن التاسع- السلام:‏
السلام الأول للخروج من الصلاة حال القعود فرض عند المالكية، والشافعية، ‏والتسليمتان: فرض عند الحنابلة، إلا في صلاة الجنازة ونافلة وسجدة تلاوة وشكر، فيخرج منها ‏بتسليمة واحدة، وتنقضي الصلاة عند المالكية والشافعية بالسلام الأول، وعند الحنابلة بالسلام ‏الثاني.‏
ودليلهم قوله صلى الله عليه وسلم : "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها ‏التسليم" رواه مسلم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يسلم من صلاته" ويديم ذلك، ولا يخل ‏به، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" رواه البخاري.‏
وقال الحنفية: السلام ليس بفرض، بل واجب والواجب تسليمتان، فلو قعد قدر التشهد، ثم ‏خرج من الصلاة بسلام أو كلام أو فعل أو حدث، أجزأه ذلك، فالفرض: إنما هو الخروج من ‏الصلاة بصنع المصلي، عملاً بحديث ابن مسعود السابق: "إذا قضيت هذا تمت صلاتك" ولأن ‏السلام لم يذكر في حديث المسيء صلاته. وتنقضي الصلاة عندهم بالسلام الأول قبل قوله ‏‏"عليكم".‏
ومما يدل على عدم فرضية السلام، وأن الفرض في آخر الصلاة هو القعود بمقدار ‏التشهد: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قضى ‏الإمام الصلاة، وقعد، فأحدث قبل أن يتكلم، فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة" ‏ويؤيده حديث ابن عباس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من التشهد، أقبل علينا ‏بوجهه، وقال: من أحدث حدثاً بعد ما يفرغ من التشهد، فقد تمت صلاته" رواه البيهقي.‏
‏ ‏
صيغة السلام :‏
أقل ما يجزئ في واجب السلام مرتين عند الحنفية: السلام، دون قوله: "عليكم"، وأكمله ‏وهو السنة أن يقول: "السلام عليكم ورحمة الله" مرتين.‏
وينوي الإمام بالتسليمتين السلام على مَنْ هم في جهة يمينه ويساره من الملائكة ومسلمي ‏الإنس والجن. ويسن عدم الإطالة في لفظه والإسراع فيه لحديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود: ‏‏"حذف التسليم سنة" قال ابن المبارك: معناه ألا يمد مداً.‏
وأقل ما يجزئ عند الشافعية والحنابلة: "السلام عليكم" مرة عند الشافعية، ومرتين عند ‏الحنابلة وأكمله : السلام عليكم ورحمة الله" مرتين يميناً وشمالاً، ملتفتاً في الأولى حتى يرى خده ‏الأيمن، وفي الثانية: الأيسر، ناوياً السلام على من عن يمينه ويساره من ملائكة وإنس وجن. ‏وينوي الإمام أيضاً زيادة على ما سبق السلام على المقتدين. وهم ينوون الرد عليه وعلى من سلم ‏عليهم من المأمومين، فينويه المقتدون عن يمين الإمام عند الشافعية بالتسليمة الثانية، ومن عن ‏يساره بالتسليمة الأولى. وأما من خلفه وأمامه فينوي الرد بأي التسليمتين شاء.‏
ودليل ذلك حديث سمرة بن جندب قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرد ‏على الإمام، وأن نتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض" رواه أبو داود وأحمد.‏
وقال الحنفية: ينوي المأموم الرد على الإمام في التسليمة الأولى إن كان في جهة اليمين، ‏وفي التسليمة الثانية إن كان في جهة اليسار، وإن حاذاه نواه في التسليمتين. وتسن نية المفرد ‏الملائكة فقط.‏
ولا يندب زيادة "وبركاته" عند الشافعية والحنابلة، ودليلهم يتفق مع دليل الحنفية: وهو ‏حديث ابن مسعود وغيره المتقدم : "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن ‏يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يُرى بياض خده".‏
فإن نكَس السلام فقال: "عليكم السلام" أو قال "سلامٌ عليكم" لم يجزه عند الشافعية ‏والحنابلة.‏
نية الخروج من الصلاة بالسلام:‏
والأصح عند الشافعية والمالكية: أنه لا تجب نية الخروج من الصلاة، قياساً على سائر ‏العبادات، ولأن النية السابقة منسحبة على جميع الصلاة، ولكن تسن خروجاً من الخلاف، ويسن ‏بالتسليمتين معاً نية الخروج من الصلاة عند الحنابلة، لتمييز الصلاة عن غيرها، كما تتميز ‏بتكبيرة الإحرام.‏
وأقل ما يجزئ عند المالكية: "السلام عليكم" بالعربية، ويجزئ "سلام عليكم" وأكمله : ‏‏"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" لما رواه أبو داود عن وائل بن حجر، ورواه أيضاً ابن حبان ‏في صحيحه وابن ماجه من حديث ابن مسعود ويسلم المأموم عند المالكية ثلاثاً: واحدة يخرج بها ‏من الصلاة، وأخرى يردها على إمامه، والثالثة : إن كان على يساره أحد، رد عليه.‏
ويسن رد المقتدي السلام على إمامه، وعلى مَنْ هم على يساره إن وجد وشاركه في ‏ركعة فأكثر، لا أقل.‏
ودليل جواز الاقتصار على تسليمة واحدة عند المالكية والشافعية حديث عائشة قالت: ‏‏"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه" رواه ابن ماجه، وحديث ‏سلمة بن الأكوع قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فسلم تسليمة واحدة" رواه ابن ‏ماجه، لأنه إيجاب التسليمتين عند الحنفية والحنابلة: حديث ابن مسعود السابق، وحديث جابر بن ‏سمرة عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم ‏يسلم على أخيه من على يمينه وشماله".‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:02 PM
الركن العاشر: الطمأنينة في أفعال معينة:‏
الطمأنينة ركن أو شرط ركن عند الجمهور في الركوع والاعتدال منه، والسجود، ‏والجلوس بين السجدتين، وواجب عند الحنفية للأمر بها في حديث المسيء صلاته: "إذا قمت إلى ‏الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل ‏قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في الصلاة كلها" متفق عليه، ولحديث حذيفة: ‏‏"أنه رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال له: ما صليت، ولو مِتَّ متَّ على غير الفطرة ‏التي فطر الله عليه محمداً صلى الله عليه وسلم". رواه البخاري، وظاهره أنها ركن واحد في ‏الكل، لأنه يعم. والطمأنينة: سكون بعد حركة، أو سكون بين حركتين بحيث ينفصل مثلاً رفعه ‏عن هويه. وأقلها: أن تستقر الأعضاء في الركوع مثلاً بحيث ينفصل الرفع عن الهوي كما قال ‏الشافعية. وذلك بقدر الذكر الواجب لذاكره، وأما الناسي فبقدر أدنى سكون، كما قال بعض ‏الحنابلة.‏
أو هي تسكين الجوارح قدر تسبيحة في الركوع والسجود، والرفع منهما، كما قال ‏الحنفية:‏
أو هي استقرار الأعضاء زمناً ما في جميع أركان الصلاة، كما قال المالكية.‏
الركن الحادي عشر: ترتيب الأركان على النحو المشروع في صفة الصلاة في السنة:‏
الترتيب ركن عند الجمهور، واجب في القراءة وفيما يتكرر في كل ركعة، وفرض فيما ‏لا يتكرر في كل الصلاة أو في كل ركعة كترتيب القيام على الركوع، وترتيب الركوع على ‏السجود، عند الحنفية، بأن يقدم النية على تكبيرة الإحرام، والتكبيرة على الفاتحة، والفاتحة على ‏الركوع، والركوع على الرفع منه، والاعتدال على السجود، والسجود على السلام، والتشهد ‏الأخير على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الشافعية والحنابلة.‏
وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلى الصلاة مرتبة، وعلمها للمسيء صلاته مرتبة ‏بلفظ: "ثم"، ولأنها عبادة تبطل عند الجمهور غير الحنفية بالحدث، فكان الترتيب فيها ركناً ‏كغيره.‏
ويترتب على كون الترتيب ركناً عند الجمهور، وكما ذكر الشافعية: أن من تركه عمداً ‏كأن سجد قبل ركوعه، بطلت صلاته إجماعاً لتلاعبه. وإن سها عن الترتيب فما فعله بعد المتروك ‏لغو، لوقوعه في غير محله. فإن تذكر المتروك قبل بلوغ مثله من ركعة أخرى، فعله بعد تذكره ‏فوراً، فإن تأخر بطلت صلاته.‏
وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله، تمت به ركعته المتروك آخرها كسجدته الثانية منها، ‏وتدارك الباقي من صلاته، لأنه ألغى ما بينهما.‏
ولو تيقن في آخر صلاته ترك سجدة من الركعة الأخيرة، سجدها وأعاد تشهده.‏
وإن كانت السجدة من ركعة أخرى غير الأخيرة، أو شك هل ترك السجدة من الأخيرة أو ‏من غيرها، لزمه ركعة، لأن الناقصة قد تكملت، بسجدة من الركعة التي بعدها، وألغي باقيها.‏
وإن قام للركعة الثانية، وتذكر أنه ترك سجدة من الركعة الأولى: فإن كان قد جلس بعد ‏سجدته التي قام عنها ولو للاستراحة، سجد فوراً من قيامه. وإن لم يكن قد جلس، جلس مطمئناً، ‏ثم سجد.‏
وإن علم في آخر صلاة رباعية ترك سجدتين أو ثلاث، جهل موضعها، وجب عليه ‏ركعتان، أخذاً بأسوأ الافتراضات، فتنجبر الركعة الأولى بسجدة من الثانية، ويلغوا باقيها، وتنجبر ‏الركعة الثالثة بسجدة من الرابعة ويلغو باقيها.‏
وإن علم ترك أربع سجدات، فعليه سجدة وركعتان. فإن كانت خمساً أو ستاً فعليه ثلاث ‏ركعات. وإن كانت سبعاً فعليه سجدة وثلاث ركعات.‏
وإن تذكر ترك ركن بعد السلام، فإن كانت النية، أو تكبيرة الإحرام، بطلت صلاته، وإن ‏كان غيرها، بنى على صلاته السابقة إن قرب الفاصل، ولم يأت بمناف للصلاة كمس نجاسة. ولا ‏يضر استدبار القبلة إن قصر زمنه عرفاً، ولا الكلام إن قل عرفاً أيضاً، لأنهما يحتملان في ‏الصلاة.‏
وإن طال الفصل عرفاً استأنف، أي ابتدأ صلاة جديدة.‏
ويترتب على كون الترتيب واجباً فيما يتكرر في كل ركعة عند الحنفية: أنه لو سجد ثم ‏ركع، لم يعتبر سجوده، ويلزمه سجود آخر، فإن سجده صحت صلاته لتحقيق الترتيب المطلوب، ‏ويلزمه سجود السهو، لتقديمه السجود المفروض.‏
ولو قعد القعود الأخير، وتذكر سجدة صلبية، فإنه يسجدها، ويعيد القعود، ويسجد للسهو، ‏لاشتراط الترتيب بين القعود وما قبله، ويبطل القعود بالعود إلى السجدة الصلبية أو التلاوية.‏
ولو ترك ركوعاً، فإنه يقضيه مع ما بعده من السجود.‏
‏ ‏
ولو تذكر قياماً أو قراءة، صلى ركعة.‏
‏ ‏ ولو نسي سجدة من الركعة الأولى، قضاها ولو بعد السلام قبل الكلام، ثم يتشهد، ثم يسجد ‏للسهو، ثم يتشهد، أي يقرأ التشهد إلى "عبده ورسوله" فقط.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:03 PM
واجبات الصلاة




قد سبق أنه لم يقل بواجبات الصلاة سوى الحنفية والحنابلة، وواجبات الصلاة عند ‏الحنفية تختلف عن واجبات الصلاة عند الحنابلة.‏
أ- واجبات الصلاة عند الحنفية:‏
قراءة الفاتحة. وهي من واجبات الصلاة لثبوتها بخبر الواحد الزائد على قوله تعالى: ‏‏{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] والزيادة وإن كانت لا تجوز لكن يجب العمل بها.‏
ومن أجل ذلك قالوا بوجوبها. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قمت إلى الصلاة ‏فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" رواه مسلم، ولو كانت ‏قراءة الفاتحة ركناً لعلمه إياها لجهله بالأحكام وحاجته إليه، قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ‏صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" رواه البخاري ومسلم، محمول على نفي الفضيلة.‏
ثم إن كل آية منها واجبة، ويسجد للسهو بتركها. وهذا على قول الإمام القائل إنها واجبة ‏بتمامها، وأما عند الصاحبين: فالواجب أكثرها، فيسجد للسهو بترك أكثرها لا أقلها. قال ‏الحصكفي: وهو - أي قول الإمام - أولى، وعليه فكل آية واجبة.‏
ضم أقصر سورة إلى الفاتحة - كسورة الكوثر - أو ما يقوم مقامها من ثلاث آيات قصار ‏نحو قوله تعالى: {ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} [المدثر: 21 - 23] أو آية ‏طويلة تعدل ثلاث آيات قصار، وقدَّرها بثلاثين حرفاً.‏
ومحل هذا الضم في الأوليين من الفرض، وجميع ركعات النفل والوتر.‏
ويجب تعيين القراءة في الأوليين عيناً.‏
ويجب تقديم الفاتحة على كل السورة، حتى قالوا: لو قرأ حرفاً من السورة ساهياً ثم تذكر ‏يقرأ الفاتحة ثم السورة ويلزمه سجود السهو، وقيده في فتح القدير بأن يكون مقدار ما يتأدّى به ‏ركن. وهو ما مال إليه ابن عابدين قال: لأن الظاهر أن العلة هي تأخير الابتداء بالفاتحة، ‏والتأخير اليسير وهو ما دون ركن معفو عنه.‏
وكذا يجب ترك تكريرها قبل سورة الأوليين، فلو قرأها في ركعة من الأوليين مرتين ‏وجب سجود السهو، لتأخير الواجب وهو السورة، ومثله ما لو قرأ أكثرها ثم أعادها. أما لو قرأها ‏قبل السورة مرة وبعدها مرة فلا تجب، لعدم التأخير، لأن الركوع ليس واجباً بإثر السورة، فإنه ‏لو جمع بين سور بعد الفاتحة لا يجب عليه شيء.‏
ولا يجب ترك التكرار في الأخريين، لأن الاقتصار على مرة في الأخريين ليس بواجب ‏حتى لا يلزمه - سجود السهو بتكرار الفاتحة فيها سهواً، ولو تعمده لا يكره ما لم يؤد إلى التطويل ‏على الجماعة، أو إطالة الركعة على ما قبلها.‏
ويجب رعاية الترتيب بين القراءة والركوع وفيما يتكرر، ومعنى كونه واجباً: أنه لو ‏ركع قبل القراءة صح ركوع هذه الركعة، لأنه لا يشترط في الركوع أن يكون مترتباً على قراءة ‏في كل ركعة، بخلاف الترتيب بين الركوع والسجود مثلاً فإنه فرض حتى لو سجد قبل الركوع لم ‏يصح سجود هذه الركعة، لأن أصل السجود يشترط ترتبه على الركوع في كل ركعة كترتب ‏الركوع على القيام كذلك، لأن القراءة لم تفرض في جميع ركعات الفرض بل في ركعتين منه بلا ‏تعيين. أما القيام والركوع والسجود فإنها معينة في كل ركعة.‏
والمراد بقوله فيما يتكرر: السجدة الثانية من كل ركعة وعدد الركعات. أما السجدة الثانية ‏من كل ركعة: فالترتيب بينها وبين ما بعدها واجب، حتى لو ترك سجدة من ركعة ثم تذكرها فيما ‏بعدها من قيام أو ركوع أو سجود فإنه يقضيها، ولا يقضي ما فعله قبل قضائها مما هو بعد ‏ركعتها من قيام أو ركوع أو سجود، بل يلزمه سجود السهو فقط، لكن اختلف في لزوم قضاء ما ‏إذا تذكرها فقضاها فيه، كما لو تذكر وهو راكع أو ساجد أنه لم يسجد في الركعة التي قبلها فإنه ‏يسجدها، وهل يعيد الركوع أو السجود المتذكر فيه؟
لا تجب إعادته بل تستحب لأن الترتيب ليس بفرض بين ما يتكرر من الأفعال، ولو نسي ‏سجدة من الركعة الأولى قضاها ولو بعد السلام قبل إتيانه بمفسد، لكنه يتشهد، ثم يسجد للسهو، ثم ‏يتشهد، لبطلان التشهد والقعدة الأخيرة بالعود إلى السجدة، لاشتراطها الترتيب. والتقييد بالترتيب ‏بينها وبين ما بعدها للاحتراز عما قبلها من ركعتها، فإن الترتيب بين الركوع والسجود من ركعة ‏واحدة شرط.‏
وأما الركعات فإن الترتيب فيها واجب إلا لضرورة الاقتداء حيث يسقط به الترتيب، فإن ‏المسبوق يصلي آخر الركعات قبل أولها.‏
تعديل الأركان:‏
وهو: تسكين الجوارح في الركوع والسجود حتى تطمئن مفاصله، وأدناه قدر تسبيحة. ‏وهو واجب، ووجهه أنه شرع لتكميل ركن فيكون واجباً كقراءة الفاتحة.‏
واستدل على الوجوب بقوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] حيث أمر ‏بالركوع، وهو: الانحناء لغة، وبالسجود، وهو: الانخفاض لغة، فتتعلق الركنية بالأدنى منهما.‏
وفي آخر الحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم سماه صلاة. ‏
فقال له: "إذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئاً انتقصت من صلاتك" رواه ‏الترمذي.‏
وكذا تجب الطمأنينة في الرفع من الركوع والسجود، وكذا نفس الرفع من الركوع ‏والجلوس بين السجدتين، للمواظبة على ذلك كله، وللأمر في حديث المسيء صلاته.‏
القعود الأول: يجب القعود الأول قدر التشهد إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة ‏الثانية في ذوات الأربع والثلاث، ولو في النفل.‏
التشهدان: أي تشهد القعدة الأولى وتشهد الأخيرة، ويجب سجود السهو بترك بعضه، ‏لأنه ذكر واحد منظوم فترك بعضه كترك كله، وأفضل صيغ التشهد هي المروية عن ابن مسعود.‏
السلام: واستدلوا على وجوبه وعدم فرضيته بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى ‏عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال له حين علمه التشهد: "إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت ‏صلاتك" رواه أبو داود.‏
وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "إذا أحدث الرجل وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته" رواه ‏الترمذي.‏
وعن علي - رضي الله تعالى عنه -: "إذا قعد قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته" وأما ‏قوله صلى الله عليه وسلم: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" رواه الترمذي، فإنه إن صح لا ‏يفيد الفرضية، لأنها لا تثبت بخبر الواحد، وإنما يفيد الوجوب. ثم إنه يجب مرتين، والواجب منه ‏لفظ "السلام" فقط دون "عليكم".‏
ويجب إتيان كل فرض أو واجب في محله، فلو أخره عن محله سهواً سجد للسهو. ومثال ‏تأخير الفرض: ما لو أتم الفاتحة ثم مكث متفكراً سهواً ثم ركع.‏
ومثال تأخير الواجب: ما لو تذكر السورة وهو راكع فضمها قائماً وأعاد الركوع سجد ‏للسهو. وكذا يجب ترك تكرير الركوع وتثليث السجود - لأن في زيادة ركوع أو سجود تغيير ‏المشروع، لأن الواجب في كل ركعة ركوع واحد وسجدتان فقط، فإذا زاد على ذلك فقد ترك ‏الواجب، ويلزم منه أيضاً ترك واجب آخر، وهو إتيان الفرض في غير محله، لأن تكرير الركوع ‏فيه تأخير السجود عن محله وتثليث السجود فيه تأخير القيام أو القعدة، وكذا القعدة في آخر ‏الركعة الأولى أو الثالثة فيجب تركها، ويلزم من فعلها - أيضاً - تأخير القيام إلى الثانية أو الرابعة ‏عن محله.‏
وهذا إذا كانت القعدة طويلة، أما الجلسة الخفيفة التي استحبها الشافعية فتركها غير ‏واجب، بل هو الأفضل.‏
وهكذا كل زيادة بين فرضين أو بين فرض وواجب يكون فيها ترك واجب بسبب تلك ‏الزيادة، ويلزم منها ترك واجب آخر، وهو تأخير الفرض الثاني عن محله. ويدخل في الزيادة ‏السكوت، حتى لو شك فتفكر سجد للسهو.‏
فإن ترك هذه المذكورات واجب لغيره، وهو إتيان كل واجب أو فرض في محله، فإن ‏ذلك الواجب لا يتحقق إلا بترك هذه المذكورات، فكان تركها واجباً لغيره، لأنه يلزم من الإخلال ‏بهذا الواجب الإخلال بذاك الواجب فهو نظير عدّهم من الفرائض الانتقال من ركن إلى ركن فإنه ‏فرض لغيره. ‏
وبقي من واجبات الصلاة: قراءة قنوت الوتر، وتكبيرات العيدين، والجهر والإسرار فيما ‏يجهر فيه ويسر.‏
ب- واجبات الصلاة عند الحنابلة:‏
تكبيرات الانتقال في محلها: ومحلها ما بين بدء الانتقال وانتهائه لحديث أبي موسى ‏الأشعري: "فإذا كبر (يعني الإمام) وركع، فكبروا واركعوا ... ، وإذا كبر وسجد، فكبروا ‏واسجدوا" رواه مسلم، وهذا أمر، وهو يقتضي الوجوب، ولو شرع المصلي في التكبير قبل ‏انتقاله كأن يكبر للركوع أو السجود قبل هويّه إليه، أو كمله بعد انتهائه بأن كبر وهو راكع أو ‏وهو ساجد بعد انتهاء هويه، فإنه لا يجزئه ذلك التكبير، لأنه لم يأت به في محله.‏
وإن شرع فيه قبله أو كمله بعده فوقع بعضه خارجاً منه فهو كتركه، لأنه لم يكمله في ‏محله فأشبه من تعمد قراءته راكعاً أو أخذ في التشهد قبل قعوده.‏
ويستثنى من ذلك تكبيرة ركوع مسبوق أدرك إمامه راكعاً، فكبر للإحرام ثم ركع معه ‏فإن تكبيرة الإحرام ركن، وتكبيرة الركوع هنا سنة للاجتزاء عنها بتكبيرة الإحرام.‏
قالوا: وإن نوى تكبيرة الركوع مع تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته.‏
التسميع: وهو قول: (سمع الله لمن حمده)، وهو واجب للإمام والمنفرد دون المأموم، ‏لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك. ولقوله صلى الله عليه وسلم لبريدة "يا بريدة، إذا ‏رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد" ويجب أن يأتي بها ‏مرتبة، فلو قال: من حمد الله سمع له، لم يجزئه.‏
وأما المأموم فإنه يحمد فقط في حال رفعه من الركوع ولا يسمع، لما روى أبو هريرة ‏رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال (يعني الإمام) سمع الله لمن حمده، ‏فقولوا: ربنا ولك الحمد" رواه البخاري ومسلم.‏
التحميد: وهو قول: "ربنا ولك الحمد" وهو واجب على الإمام والمأموم والمنفرد. لحديث ‏أنس وأبي هريرة المتقدم، ويجزئه أن يقول: ربنا لك الحمد بلا واو. وبالواو أفضل، كما يجزئه أن ‏يقول: "اللَّهم ربنا ولك الحمد".‏
التسبيح في الركوع: وهو قول: "سبحان ربي العظيم" والواجب منه مرة واحدة، لما ‏روى حذيفة "أنه صلّى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم. ‏وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وعن عقبة بن عامر ‏قال: لما نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] قال النبي صلى الله عليه وسلم: ‏‏"اجعلوها في ركوعكم". فلما نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] قال: "اجعلوها في ‏سجودكم" رواه أبو داود.‏
التسبيح في السجود: وهو قول: "سبحان ربي الأعلى"، والواجب منه مرة واحدة ‏لحديث حذيفة وعقبة بن عامر المتقدمين.‏
قول: "رب اغفر لي" في الجلوس بين السجدتين: وهو واجب مرة واحدة على الإمام ‏والمأموم والمنفرد، لما روى حذيفة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: رب ‏اغفر لي" قالوا: وإن قال: "رب اغفر لنا" أو "اللّهم اغفر لنا" فلا بأس.‏
التشهد الأول: لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وداوم على فعله وأمر به، وسجد ‏للسهو حين نسيه. قالوا: وهذا هو الأصل المعتمد عليه في سائر الواجبات، لسقوطها بالسهو ‏وانجبارها بالسجود، والمجزئ من التشهد الأول (التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله، ‏سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، أو وأن ‏محمداً عبده ورسوله) فمن ترك حرفاً من ذلك عمداً لم تصح صلاته، للاتفاق عليه في كل ‏الأحاديث.‏
الجلوس للتشهد: الأول : وهو واجب على غير من قام إمامه سهواً ولم ينبه، فيسقط عنه ‏حينئذ التشهد الأول، ويتابع إمامه وجوباً.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:05 PM
سنن الصلاة الداخلة فيها



سنن الصلاة : هي الأقوال والأفعال التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، بل يعاتب ‏ويلام، ولا تنجبر إذا تركت بسجود السهو، ولا تبطل الصلاة بتركها عمداً.‏
والسنة كما ذكر الحنفية: ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق المواظبة، ولم ‏يتركها إلا لعذر، كدعاء الثناء، والتعوذ، وتكبيرات الركوع والسجود.‏
وللصلاة عندهم سنن وآداب، والأدب فيها : ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ‏أو مرتين، ولم يواظب عليه، كزيادة التسبيحات في الركوع والسجود على الثلاثة : والزيادة على ‏القراءة المسنونة، وقد شرع لإكمال السنة:‏
والسنة أو الأدب عندهم دون الواجب، لأن الواجب في الصلاة : ما تجوز الصلاة بدونه، ‏ويجب بتركه ساهياً سجدتا السهو.‏
وذكر المالكية للصلاة أربع عشرة سنة، وثمانية وأربعين أدباً. والسنة عندهم: ما طلبه ‏الشرع وأكد أمره وعظم قدره وأظهره في الجماعة. ويثاب فاعله ولا يعاقب تاركه كالوتر وصلاة ‏العيدين.‏
والمندوب عندهم: ما طلبه الشرع طلباً غير جازم، وخفف أمره، ويثاب فاعله ولا يعاقب ‏تاركه، كصلاة أربع ركعات قبل الظهر. ويسجد سجود السهو لثمان من السنن وهي: السورة، ‏والجهر، والإسرار، والتكبير، والتحميد، والتشهد، والجلوس لهما.‏
وسنن الصلاة عند الشافعية نوعان: أبعاض وهيئات.‏
والأبعاض: هي التي يجبر تركها بسجود السهو وهي ثمانية:‏
التشهد الأول، والقعود له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعده، وعلى آله بعد ‏التشهد الأخير، والقنوت في الصبح ووتر النصف الأخير من رمضان، وللقيام للقنوت، والصلاة ‏على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله بعد القنوت.‏
والهيئات: وهي أربعون كالتسبيحات ونحوها لا يجبر تركها بسجود السهو.‏
والسنة أو المستحب عندهم إن تركها المصلي لا يعود إليها بعد التلبس بفرض آخر، فمن ‏ترك التشهد الأول، فذكره بعد اعتداله مستوياً، لا يعود إليه لكنه يسجد للسهو، فإن عاد إليه عامداً ‏عالماً بتحريمه، بطلت صلاته، أما إن عاد إليه ناسياً أنه في الصلاة، فلا تبطل صلاته، ويلزم ‏القيام عنه فوراً عند تذكيره ثم يسجد للسهو. هذا إن كان المصلي إماماً أو منفرداً.‏
فإن كان المصلي مأموماً عاد وجوباً لمتابعة إمامه؛ لأن المتابعة آكد من التلبس بالفرض، ‏فإن لم يعد عامداً عالماً، بطلت صلاته إذا لم ينو المفارقة، فإن نواها لم تبطل.‏
وقال الحنابلة: ما ليس بفرض نوعان: واجبات، وسنن. والواجبات: وهي ما تبطل ‏الصلاة بتركه عمداً، وتسقط سهواً أو جهلاً، ويجيز تركها سهواً بسجود السهو، وهي ثمانية:‏
‏1- التكبير "الله أكبر" للانتقال في محله: (وهو ما بين انتهاء فعل وابتداء فعل آخر) لأنه ‏صلى الله عليه وسلم كان يكبر كذلك، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فلو شرع المصلي في ‏التكبير قبل الانتقال، كأن يكبر للركوع أو السجود قبل هُوِّية إليه، لم يجزئه، ويجزئه فيما بين ‏الابتداء والانتقال وانتهائه.‏
وهذا التكبير غير تكبيرتي الإحرام، وتكبيرة ركوع مأموم أدرك إمامه راكعاً، فإن الأولى ‏ركن، والثانية سنة للاجتزاء عنه بتكبيرة الإحرام.‏
‏2- التسميع: أي قول "سمع الله لمن حمده" لإمام، ومنفرد دون مأموم.‏
‏3- التحميد: أي قول "ربنا لك الحمد" لكل من الإمام والمأموم والمنفرد.‏
‏4- تسبيح الركوع: "سبحان ربي العظيم".‏
‏5- تسبيح السجود: "سبحان ربي الأعلى".‏
‏6- دعاء "رب اغفر لي" بين السجدتين. والواجب مرة واحدة في كل ما سبق، والأكمل ‏أن يكرر ذلك مراراً، وأدنى الكمال: ثلاث.‏
‏7- التشهد الأول: لأنه صلى الله عليه وسلم فعله وداوم على فعله وأمر به، وسجد للسهو ‏حين نسيه. وأقله: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ‏السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله".‏
‏8- الجلوس للتشهد الأول. وهذا مع ما قبله واجب على غير مأموم قام إمامه عنه سهواً.‏
وأما السنن: فهي سنن أقوال وأفعال وهيئات. وسنن الأقوال سبع عشرة وهي (الاستفتاح، ‏والتعوذ، والبسملة، والتأمين، وقراءة السورة في الركعتين الأوليين من الصلاة الرباعية ‏والثلاثية، وفي صلاة الفجر، والجمعة، والعيدين، وفي التطوع كله، والجهر والإخفات في ‏محلهما، وقول: "ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" بعد التحميد في حق ‏الإمام والمنفرد، دون السجدتين، والتعوذ في التشهد الأخير، أي قول: أعوذ بالله من عذاب جهنم ‏‏... الخ، والدعاء في آخر التشهد الأخير، والصلاة في التشهد الأخير على آل النبي صلى الله عليه ‏وسلم والبركة فيه، أي قول: وبارك على محمد وعلى آل محمد ... الخ، وما زاد على المجزئ من ‏التشهد الأول، والقنوت في الوتر).‏
وما سوى ذلك: سنن أفعال وهيئات، كسكون الأصابع مضمومة ممدودة حال رفع اليدين ‏مبسوطة (ممدودة الأصابع) مضمومة الأصابع مستقبل القبلة ببطونها إلى حذو منكبيه، عند ‏الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه، وحطهما عقب ذلك.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:06 PM
بيان سنن الصلاة الداخلة فيها:‏

‏1-- رفع اليدين للتحريمة:‏
لا خلاف في استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام لافتتاح الصلاة، وذلك خَذْو ‏‏(مقابل) المنكبين عند المالكية والشافعية، ويخير عند الحنابلة في رفعهما إلى فروع أذنيه أو حذو ‏منكبيه. وقال الحنفية: يحاذي الرجل بإبهاميه أذنيه، وترفع المرأة حذاء منكبيها فقط، لأنه أستر ‏لها.‏
ودليل الحنفية: حديث وائل بن حجر: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين ‏دخل في الصلاة، وكبّر، وصفَّهما حيال أذنيه" رواه مسلم وحديث البراء بن عازب : "كان رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى، رفع يديه حتى تكون إبهاماه حذاء أذنيه" رواه أحمد وحديث ‏أنس: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر، فحاذى بإبهاميه أذنيه" رواه الدارقطني ‏والحاكم.‏
ودليل الشافعية والمالكية: حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أنه صلى الله عليه وسلم ‏كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة" متفق عليه.‏
ودليل الحنابلة على التخيير: أن كلا الأمرين مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏فالرفع إلى حذو المنكبين: في حديث أبي حميد الذي رواه أبو داود والترمذي، والرفع إلى حذو ‏الأذنين: رواه وائل بن حجر ومالك بن الحويرث الذي رواه مسلم.‏
‏2- زمن الرفع: ووقت الرفع عند الحنفية : أنه يرفع أولاً، ثم يكبر، لأن في فعله نفي ‏الكبرياء عن غير الله تعالى.‏
وقال المالكية: ترفع اليدان مبسوطتين ظهورهما للسماء وبطونهما للأرض على صفة ‏الخائف، عند الشروع في تكبير الإحرام، لا عند غيره.‏
وقال الشافعية والحنابلة: إنه يرفع مع ابتداء تكبيرة الإحرام، ويكون انتهاؤه مع انقضاء ‏التكبير، ولا يسبق أحدهما صاحبه، فإذا انقضى التكبير حط يديه، فإن نسي رفع اليدين حتى فرغ ‏من التكبير لم يرفعهما، لأنه سنة فات محلها، وإن ذكره في أثناء التكبير رفع، لأن محله باق. فإن ‏لم يمكنه رفع يديه إلى المنكبين، رفعهما قدر ما يمكنه، وإن أمكنه رفع إحداهما دون الأخرى ‏رفعها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، وإن لم يمكنه ‏رفعهما إلا بالزيادة على المسنون رفعهما، لأنه يأتي بالسنة.‏
‏3- حالة الأصابع: قال الحنفية والمالكية والشافعية: يسن نشر الأصابع، أي ألا تضم كل ‏الضم، ولا تفرج كل التفريج، بل تترك على حالها منشورة، أي مفرقة تفريقاً وسطاً، لأنه صلى ‏الله عليه وسلم كان إذا كبّر، رفع يديه، ناشراً أصابعه" رواه الترمذي، أي مفرقاً أصابعه.‏
وقال الحنابلة: يستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع، ويضم بعضها إلى بعض، لما روى ‏أبو هريرة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدّاً"رواه مسلم ‏وأبو داود والترمذي، والمد: ما يقابل النشر.‏
‏4- الجهر بتكبيرة الإحرام: قال المالكية: يندب لكل مصل إماماً أو مأموماً أو منفرداً ‏الجهر بتكبيرة الإحرام، وأما تكبيرات الانتقال فيندب للإمام دون غيره الجهر بها، والأفضل لغير ‏الإمام الإسرار بها.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:06 PM
‏5- رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام : قال الحنفية والمالكية: لا يسن رفع اليدين في ‏غير الإحرام عند الركوع أو الرفع منه، إذ لم يصح ذلك عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ‏واستدلوا.‏
بفعل ابن مسعود، قال: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فصلى، فلم ‏يرفع يديه إلا في أول أمره. وفي لفظ:"فكان يرفع يديه أول مرة، ثم لا يعود" رواه أبو داود ‏والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن، وقال أيضاً : "صليت مع رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم، وأبي بكر، وعمر، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة" رواه البيهقي والدارقطني.‏
وقال الشافعية والحنابلة: يسن رفع اليدين في غير الإحرام، عند الركوع، وعند الرفع ‏منه، أي عند الاعتدال، لما ثبت في السنة المتواترة عن واحد وعشرين صحابياً، منها الحديث ‏المتفق عليه عن ابن عمر قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى ‏يكونا بحَذْو مِنْكَبيه، ثم يكبّر، فإذا أراد أن يركع، رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع، ‏رفعهما كذلك أيضاً، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد".‏
وأضاف الشافعية: أنه يستحب الرفع أيضاً عند القيام من التشهد الأول، بدليل حديث نافع: ‏أن ابن عمر رضي الله عنهما: "كان إذا دخل الصلاة، كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا ‏قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه ورفع ابن عمر ذلك إلى رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم" رواه البخاري.‏
‏6- النظر إلى موضع السجود:‏
قال الشافعية وغيرهم: يستحب النظر إلى موضع سجود المصلي، لأنه أقرب إلى ‏الخشوع، ولما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ‏استفتح الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده" وذلك إلا عند التشهد فينظر إلى سبابته التي يشير ‏بها، عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد : وضع ‏يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، ولم يجاوز بصرُه ‏إشارته" رواه أبو داود والنسائي.‏
‏7- دعاء الثناء أو الاستفتاح :‏
قال المالكية: يكره دعاءالاستفتاح، بل يكبر المصلي ويقرأ، لما روى أنس قال: "كان ‏النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين" متفق عليه.‏
وقال الجمهور: يسن دعاء الاستفتاح بعد التحريمة في الركعة الأولى، وله صيغ كثيرة، ‏المختار منها عند الحنفية والحنابلة:‏
‏"سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك" لما روت عائشة، ‏قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك ‏اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك" رواه أبو داود. وسبحانك: من التسبيح: وهو تنزيه الله تعالى، ‏وتبارك اسمك: من البركة وهي ثبوت الخبر الإلهي في الشيء، وتعالى جدك: الجد: العظمة، ‏وتعالى: تفاعل من العلو، أي علت عظمتك على عظمة كل أحد غيرك، أو علا جلالك وعظمتك. ‏ومعناه إجمالاً: تنزيهاً لك يا رب، وإنما أنزهك بحمدك، دام خبر اسمك في كل شيء، وعلا ‏جلالك، ولا معبود غيرك.‏
قالوا : ولا يخفى أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالإيثار والاختيار.‏
والمختار عند الشافعية صيغة:‏
‏"وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً، وما أنا من المشركين، إن ‏صلاتي ونُسُكي، ومحيايَ ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين" ‏كما روى مسلم.‏
ومعناه : قصدت بعبادتي خالق السماوات والأرض، مائلاً إلى الدين الحق وهو الإسلام، ‏مبتعداً عن كل شرك بالله، مخلصاً كل شيء لله، فصلاتي وعبادتي وحياتي وموتي لله، وأنا مسلم.‏
وأجاز الإمام أحمد الاستفتاح بغير: "سبحانك اللهم"، وأجاز الحنفية في النافلة الجمع بين ‏الثناء والتوجه، لكن في صلاة الجنازة يقتصر على الثناء فقط.‏
وإذا شرع الإمام في القراءة الجهرية أو غيرها، لم يكن للمقتدي عند الحنابلة والحنفية أن ‏يقرأ الثناء، سواء أكان مسبوقاً أم مدركاً، أي لاحقاً الإمام بعد الابتداء بصلاته، أو مدركاً الإمام ‏بعد ما اشتغل بالقراءة، وذلك لأن الاستماع للقرآن في الجهرية فرض، وفي السرية يسن تعظيماً ‏للقراءة، فكان سنة غير مقصودة لذاتها، وعدم قراءة المؤتم في السرية لا لوجوب الإنصات، بل ‏لأن قراءة الإمام له قراءة. ويستفتح المأموم ويستعيذ عند الحنابلة في الصلاة السرية، أو الجهرية ‏في مواضع سكتات الإمام.‏
ويجوز عند الشافعية البدء بنحو "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ‏ونحو "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله وبحمده بكرةً وأصيلاً" ونحو "اللهم باعد ‏بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب ‏الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بالماء والثلج والبرد".‏
ويستحب الجمع بين جميع ذلك للمنفرد، ولإمام قوم محصورين راضين بالتطويل. ويزاد ‏على ذلك لهما: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت ‏بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لا ‏يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسَعْديك، ‏والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت ربي وتعاليت، فلك الحمد على ما ‏قضيت، أستغفرك وأتوب إليك".‏
ويستحب التوجه عند الشافعية في افتتاح الفريضة والنافلة، للمنفرد والإمام والمأموم، ‏حتى وإن شرع إمامه في الفاتحة أو أمَّن هو لتأمين إمامه قبل شروعه فيه، ولكن لا يبدأ به إذا بدأ ‏هو بالفاتحة أو بالتعوذ، فإنهم قالوا لا يستحب إلا بشروط خمسة :‏
أولاً- أن يكون في غير صلاة الجنازة، فليس فيها توجه، وإنما يسن فيها التعوذ.‏
ثانياً- ألا يخاف فوت وقت الأداء : وهو ما يسع ركعة، فلو لم يبق من الوقت إلا ما يسع ‏ركعة لم يسن التوجه.‏
ثالثاً- ألا يخاف المأموم فوت بعض الفاتحة، فإن خاف ذلك لم يسن، وإن بدأ به قرأ بقدره ‏من الفاتحة.‏
رابعاً- ألا يدرك الإمام في غير القيام، فلو أدركه في الاعتدال مثلاً لم يسن. وإن أدركه ‏في التشهد، وسلم الإمام أو قام قبل أن يجلس معه، سن له الافتتاح به.‏
خامساً- ألا يشرع في التعوذ أو القراءة ولو سهواً، فإن شرع لم يعد له.‏
‏8- التعوذ أو الاستعاذة(1) قبل القراءة في الصلاة:‏
قال المالكية: يكره التعوذ والبسملة قبل الفاتحة والسورة، لحديث أنس السابق: "أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين".‏
وقال الحنفية: يتعوذ في الركعة الأولى فقط.‏
وقال الشافعية والحنابلة: يسن التعوذ سراً في أول كل ركعة قبل القراءة، بأن يقول: ‏‏"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وعن أحمد أنه يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ‏الرجيم ودليله عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة ‏استفتح، ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من هَمْزه ونفْخه ونَفْثه" رواه ‏أحمد والترمذي، ثم يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" سراً عند الحنفية والحنابلة، وجهراً في ‏الجهرية عند الشافعية كما قدمنا، واستدلوا على سنية التعوذ بقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ‏فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل : 98].‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:07 PM
- التأمين:‏
هو أن يقول المصلي إماماً أو مأموماً أو منفرداً: "آمين" أي استجب، بعد الانتهاء من ‏الفاتحة، وذلك عند الحنفية والمالكية سراً، وعند الشافعية والحنابلة: سراً في الصلاة السرية، ‏وجهراً فيما يجهر فيه بالقراءة. ويؤمن المأموم مع تأمين إمامه.‏
ودليلهم حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أمَّن الإمام ‏فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه" وقال ابن شهاب الزهري: ‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمين. رواه أبو داود والنسائي.‏
وأضاف الحنابلة: فإن نسي الإمام التأمين أمن المأموم، ورفع صوته، ليذكّر الإمام، فيأتي ‏به، لأنه سنة قولية إذا تركها الإمام أتى بها المأموم كالاستعاذة، وإن أخفاها الإمام جهر بها ‏المأموم. وإن ترك المصلي التأمين نسياناً أو عمداً حتى شرع في قراءة السورة لم يأت به، لأنه ‏سنة فات محلها.‏
والدليل على كون التأمين سراً عند المالكية والحنفية قول ابن مسعود: "أربع يخفيهن ‏الإمام: التعوذ والتسمية والتأمين والتحميد" أي قول: ربنا لك الحمد.‏
‏ _______________________‏
‏(1) أي الاستجارة إلى ذي منعة، على جهة الاعتصام به من المكروه
ودليل الجهر به عند الشافعية والحنابلة: حديث أبي هريرة: "كان رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم إذا تلا: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف ‏الأول" رواه أبو داود وحديث وائل بن حُجْر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: غير ‏المغضوب
عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، يُمدُّ بها صوته" رواه أبو داود والترمذي وأحمد.‏
‏10- السكتة اللطيفة:‏
قال الشافعية: ست سكتات لطيفة تسن في الصلاة بقدر: "سبحان الله" إلا التي بين: آمين ‏والسورة، فهي في حق الإمام في الجهرية بقدر قراءة المأموم الفاتحة. ويسن للإمام أن يشتغل ‏فيها بقراءة أو دعاء سراً، والقراءة أولى، فمعنى السكوت فيها: عدم الجهر، وإلا فلا يطلب ‏السكوت حقيقة في الصلاة.‏
والسكتات الست: هي ما بين التوجه والتعوذ، وما بين التحرم والتوجه، وبين التعوذ ‏والبسملة، وبين الفاتحة وآمين، وبين آمين والسورة، وبين السورة وتكبيرة الركوع، أي ثلاثة قبل ‏الفاتحة وثلاثة بعد الفاتحة. والحكمة من السكتة الرابعة: أن يعلم المأموم أن لفظة "آمين" ليست ‏من القرآن.‏
وقال الحنابلة: يستحب أن يسكت الإمام عقيب قراءة الفاتحة يستريح فيها، ويقرأ فيها من ‏خلفه الفاتحة، كيلا ينازعوه فيها، كما يستحب السكوت عقب التكبير، وبعد الانتهاء من القراءة، ‏وبعد الفاتحة قبل قوله: "آمين".‏
ودليل مشروعية السكتات: حديث سمرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسكت ‏سكتتين، إذا استفتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها" وفي رواية: "سكتة إذا كبَّر، وسكتة إذا ‏فرغ من قراءة: غير المغضوب عليهم ولا الضالين" رواه أبو داود والترمذي، ففيه دليل على ‏مشروعية سكتات ثلاث: بعد التكبير، وبعد الفاتحة، وبعد القراءة كلها.‏
وقال الحنفية والمالكية : السكتة مكروهة. إلا أن المالكية قالوا في بحث وجوب الفاتحة ‏على المشهور: يندب الفصل بسكوت، أو ذكر وهو أولى بين تكبيرة الإحرام والركوع، لئلا تلتبس ‏تكبيرة الإحرام بتكبيرة الركوع، فإن لم يفصل وركع أجزأه.‏
وقال الحنفية: يخير مصلي الفريضة (المفترض) على المذهب في الركعتين الأخريين ‏‏(الثالثة والرابعة) بين قراءة الفاتحة وتسبيح ثلاثاً، وسكوت قدرها، ولا يكون مسيئاً بالسكوت، ‏لثبوت التخيير عن علي وابن مسعود، وهو الصارف لمواظبة النبي على الفاتحة عن الوجوب.‏
‏11- تفريج القدمين: ‏
قال الحنفية: يسن تفريج القدمين في القيام قدر أربع أصابع، لأنه أقرب إلى الخشوع.‏
وقال الشافعية: يفرق بين القدمين بمقدار شبر، ويكره لصق إحدى القدمين بالأخرى حيث ‏لا عذر، لأنه تكلف ينافي الخشوع.‏
وقال المالكية والحنابلة: يندب تفريج القدمين، بأن يكون بحالة متوسطة بحيث لا ‏يضمهما ولا يوسعهما كثيراً حتى يتفاحش عرفاً.‏
‏12- قراءة سورة بعد الفاتحة:‏
هذا واجب عند الحنفية كما بينا، سنة عند الجمهور في الركعتين الأولى والثانية من كل ‏صلاة، ويجهر بهما فيما يجهر فيه بالفاتحة، ويسر فيما يسر بها فيه، لفعل النبي صلى الله عليه ‏وسلم، فإن أبا قتادة روى: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين من ‏الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، يسمع الآية أحياناً، وكان ‏يقرأ في الركعتين الأوليين من العصر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى ويقصر في ‏الثانية وكان يطول في الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية" متفق عليه وروى أبو برزة ‏‏"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح من الستين إلى المائة" متفق عليه، وقد ‏اشتهرت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للسورة مع الفاتحة في صلاة الجهر، ونقل نقلاً متواتراً ‏وأمر به معاذاً، فقال: "اقرأ بالشمس وضحاها، وبسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى" متفق ‏عليه.‏
نوع السورة المقروءة: قال الحنفية: لا بأس أن يقرأ سورة ويعيدها في الثانية، وأن يقرأ ‏في الركعة الأولى من محل، وفي الثانية من آخر، ولو كان المقروء من سورة واحدة إن كان ‏بينهما آيتان فأكثر.‏
ويكره الفصل بسورة قصيرة، وأن يقرأ مكنوساً، بأن يقرأ في الثانية سورة أعلى مما قرأ ‏في الأولى، لأن ترتيب السور في القراءة من واجبات التلاوة، وإنما جوز للصغار تسهيلاً ‏لضرورة التعليم، واستثنوا من كراهة التنكيس: أن يختم القرآن، فيقرأ من البقرة.‏
ولو قرأ في الأولى {الْكَافِرُونَ} وفي الثانية {أَلَمْ تَرَ} أو {تَبَّتْ} ثم تذكر القراءة يتم. ولا ‏يكره في النفل شيء من ذلك.‏
وقراءة ثلاث آيات تبلغ قدر أقصر سورة أفضل من آية طويلة، لأن التحدي والإعجاز ‏وقع بذلك القدر، لا بالآية. والأفضلية ترجع إلى كثرة الثواب. والعبرة الأكثر آيات في قراءة ‏سورة وبعض سورة.‏
مواطن الجهر والإسرار في القراءة: اتفق الفقهاء على أنه يسن الجهر في الصبح ‏والمغرب والعشاء والجمعة والعيدين والتراويح ووتر رمضان، ويسر في الظهر والعصر. ‏وللفقهاء في النوافل كالوتر وغيره تفصيل:‏
فقال الحنفية: يجب الجهر على الإمام في كل ركعات الوتر في رمضان، وصلاة العيدين، ‏والتراويح. ويجب الإسرار على الإمام والمنفرد في صلاة الكسوف والاستسقاء والنوافل النهارية. ‏وأما النوافل الليلية فهو مخير فيها.‏
ويخير المنفرد بين الجهر والإسرار في الصلاة الجهرية أداء، أو قضاء في وقتها أو غير ‏وقتها، إلا أن الجهر أفضل في الجهرية ليلاً. أما الصلاة السرية فيجب عليه أن يسر بها على ‏الصحيح.‏
ويجب على المأموم الإنصات في كل حال.‏
وقال المالكية: يندب الجهر في جميع النوافل الليلية، والسر في جميع النوافل النهارية إلا ‏النافلة التي لها خطبة كالعيد والاستسقاء، فيندب الجهر فيها.‏
ويندب للمأموم الإسرار.‏
وقال الشافعية: يسن الجهر في العيدين وخسوف القمر والاستسقاء والتراويح ووتر ‏رمضان وركعتي الطواف ليلاً أو وقت الصبح، والإسرار في غير ذلك إلا نوافل الليل المطلقة ‏فيتوسط فيها بين الجهر والإسرار، إن لم يشوش على نائم أو مصل أو نحوه. والعبرة في قضاء ‏الفريضة بوقته أي وقت القضاء على المعتمد. وجهر المرأة دون جهر الرجل. ومحل جهرها إن ‏لم تكن بحضرة أجانب.‏
وقال الحنابلة: يسن الجهر في صلاة العيد والاستسقاء والكسوف والتراويح والوتر إذا ‏وقع بعد التراويح، ويسر فيما عدا ذلك.‏
ويخير المنفرد بين الجهر والإسرار في الصلاة الجهرية، كما قال الحنفية.‏
الدعاء أثناء القراءة: يستحب طلب الرحمة والمغفرة عند قراءة آية رحمة، والتعوذ من ‏النار عند المرور بذكره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند ذكر الجنة والنار: "أعوذ ‏بالله من النار، ويل لأهل النار" رواه أحمد، وكان لا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله عز وجل ‏واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله عز وجل، ورَغِب إليه رواه أحمد، وكان إذا قرأ: ‏‏{أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] ؟ قال: "سبحانك، فَبَلى" رواه أبو داود، ‏كذلك يسن التسبيح عند آية التسبيح نحو {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:96] وأن يقول عند ‏آخر {وَالتِّينِ} وآخر القيامة: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وفي آخر المرسلات: آمنا بالله.‏
متى وكيف تقرأ السورة؟
قال الشافعية: ولا سورة في الجهرية للمأموم، بل يستمع، فإن بعد، أو كانت الصلاة ‏سرية، قرأ في الأصح إذ لا معنى لسكوته. وغير الشافعية قالوا: لا سورة على المأموم.‏
وقال المالكية والحنابلة: ويسن أن يفتتح السورة بقراءة {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} ‏ويندب كمال سورة بعد الفاتحة، فلا يقتصر على بعضها، ولا على آية أو أكثر، ولو من الطوال، ‏ويندب قراءة خلف إمام سراً في الصلاة السرية، وفي أخيرة المغرب، وأخيرتي العشاء.‏
ويكره تكرير السورة عند الجمهور في الركعتين، بل المطلوب أن يكون في الثانية سورة ‏غير التي قرأها في الأولى، أنزل منها لا أعلى، فلا يقرأ في الثانية "سورة القدر" بعد قراءته في ‏الأولى سورة البينة. وقال الحنفية: لا بأس أن يقرأ سورة ويعيدها في الثانية. ويندب عند الجمهور ‏تقصير قراءة ركعة ثانية عن قراءة ركعة أولى في فرض، وقال أبو حنفية: يندب تطويل الركعة ‏الأولى في الفجر. اتباعاً للسنة، رواه الشيخان في الظهر والعصر، ورواه مسلم في الصبح، ‏ويقاس غير ذلك عليه.‏
ويندب باتفاق الفقهاء أن يكون ترتيب السور في الركعتين على نظم المصحف، فتنكيس ‏السور مكروه. ولا تكره قراءة أواخر السور وأوساطها، لأن أبا سعيد قال : "أمرنا أن نقرأ بفاتحة ‏الكتاب وما تيسر". وجاز الجمع بين السورتين فأكثر في صلاة النافلة، لأن النبي صلى الله عليه ‏وسلم "قرأ في ركعة سورة البقرة وآل عمران والنساء" أما الفريضة : فالمستحب أن يقتصر على ‏سورة مع الفاتحة من غير زيادة عليها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يصلي أكثر ‏صلاته.‏
المستحب في مقادير السور في الصلوات: يسن أن تكون السورة لإمام جماعة ‏محصورين رضوا بالتطويل في صلاة الفجر من طوال المفصَّل(1) باتفاق الفقهاء، وفي الظهر ‏أيضاً عند المالكية والحنفية والشافعية، أما عند الحنابلة فمن أوساط المفصل، وفي العصر ‏والعشاء من أوساط المفصل، وفي المغرب من قصار المفصل. وقال المالكية : العصر كالمغرب ‏يقرأ فيه.‏
والدليل حديث أبي هريرة قال: "ما رأيت رجلاً أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه ‏وسلم من فلان، قال سليمان بن يسار: فصليت خلفه، فكان يقرأ في الغداة بطوال المفصل، وفي ‏المغرب بقصاره، وفي العشاء بوسط المفصل" رواه النسائي، والحكمة في إطالة القراءة في ‏الفجر والظهر: طول وقتهما، وليدركهما من كان في غفلة بسبب النوم آخر الليل وفي القيلولة. ‏والتوسط في العصر لانشغال الناس بالأعمال آخر النهار، وفي العشاء لغلبة النوم والنعاس. ‏والتخفيف في المغرب لضيق وقته.‏
والحديث الجامع للقراءة في الصلوات عن جابر بين سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏كان يقرأ في الفجر بـ: ق والقرآن المجيد ونحوها، وكان صلاته بعد إلى تخفيف. وفي رواية: كان ‏يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحوَ ذلك، وفي الصبح أطولَ من ذلك" رواه مسلم، ‏وفي رواية: "كان إذا دحَضَت - مالت- الشمس، صلى الظهر، وقرأ بنحو من: والليل إذا يغشى، ‏والعصر كذلك، والصلوات كلِّها كذلك إلا الصبح، فإنه كان يطيلها". رواه أبو داود.‏
‏_________________‏
‏1.‏ ‏1. سمي بالمفصل لكثرة فواصله، وفصله بالبسملة وهو السبع السابع من ‏القرآن.‏
وروى ابن ماجه عن ابن عمر قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب: ‏قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد" ويندب للإمام التخفيف عموماً، لحديث جابر: "أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم قال: يا معاذ، أفتَّان أنت؟! أو قال: أفاتن أنت، فلولا صليت بسبح اسم ربك ‏الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى" متفق عليه، وفي رواية عند البخاري وغيره: "من ‏أمَّ بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة".‏
تحديد مقادير السور: للفقهاء آراء في تحديد السور الطوال والأوساط والقصار:‏
قال الحنفية: طوال المفصل: من سورة الحجرات إلى آخر البروج، (أو قدر أربعين أو ‏خمسين آية) وأوساط المفصل: من الطارق إلى أول البينة (أو مقدار خمس عشرة آية)، وقصار ‏المفصل: من البينة إلى آخر القرآن الكريم (أو مقدار خمس آيات في كل ركعة).‏
وقال المالكية: طوال المفصل: من الحجرات إلى سورة النازعات. وأوسط المفصل من ‏عبس إلى سورة: والليل. وقصاره من سورة "والضحى" إلى آخر القرآن.‏
وقال الشافعية: طوال المفصل: من الحجرات إلى النبأ (عمَّ)، وأوسطه من النبأ إلى ‏الضحى، وقصاره: من الضحى إلى آخر القرآن. ويقرأ في الركعة الأولى من صبح الجمعة "آلم ‏تنزيل" وفي الثانية: "هل أتى" لما ثبت من حديث أبي هريرة فيما رواه البخاري ومسلم.‏
وقال الحنابلة: أول المفصل سور "ق" وقيل : الحجرات.‏
وأوضح الحنابلة أنه يقرأ بما وافق مصحف عثمان، وهو ما صح تواتره وسنده ووافق ‏اللغة، ولا تصح الصلاة وتحرم القراءة بما يخرج عن مصحف عثمان، كقراءة ابن مسعود ‏وغيرها من القراءات الشاذة (وهي التي اختل فيها ركن من أركان القراءة المتواترة الثلاثة: ‏موافقة العربية ولو بوجه، وموافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصح إسنادها).‏
حد الجهر والإسرار: قال الحنفية: أقل الجهر إسماع غيره ممن ليس بقربه كأهل الصف ‏الأول، فلو سمع واحد أو اثنان لا يجزئ. وأقل المخافتة إسماع نفسه أو من بقربه من رجل أو ‏رجلين.‏
وقال المالكية : أقل جهر الرجل أن يسمع من يليه، وأقل سره: حركة اللسان. أما المرأة ‏فجهرها إسماع نفسها. وقال الشافعية والحنابلة: أقل الجهر: أن يسمع من يليه ولو واحداً، وأقل ‏السر أن يسمع نفسه، أما المرأة فلا تجهر بحضرة أجنبي.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:09 PM
‏13- التكبير عند الركوع والسجود والرفع منه، وعند القيام:‏
بأن يقول: "الله أكبر" وهو ثابت بإجماع الأمة، لقول ابن مسعود: "رأيت النبي صلى الله ‏عليه وسلم يكبّر في كل رفع وخفض، وقيام وقعود" رواه الترمذي والنسائي، وهو يدل على ‏مشروعية التكبير في هذه الأحوال إلا في الرفع من الركوع، فإنه يقول: سمع الله لمن حمده. وقد ‏قال الحنابلة بوجوب التكبير، كوجوب "سمع الله لمن حمده" وقول "ربي اغفر لي" بين ‏السجدتين، والتشهد الأول.‏
ويسن في الركوع ما يأتي:‏
أ- أخذ الركبتين باليدين وتمكين اليدين من الركبتين، وتسوية الظهر أثناء الركوع، ‏وتفريج الأصابع للرجل، أما المرأة فلا تفرجها، ونصب الساقين، وتسوية الرأس بالعجز، وعدم ‏رفع الرأس أو خفضه، ومجافاة الرجل عضديه عن جنبيه، بدليل حديث أبي مسعود عقبة بن ‏عَمْرو: "أنه ركع فجافى يديه، ووضع يديه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه، ‏وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي" رواه أبو داود والنسائي، وحديث ‏مصعب بن سعد قال: صليت إلى جنب أبي، فطبَّقت بين كفَّيَّ، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني ‏عن ذلك، وقال: كنا نفعل هذا، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب" رواه البخاري ومسلم، وحديث ‏أبي حميد الساعدي في بيان صفة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم: "أن النبي صلى الله عليه ‏وسلم: وضع يديه على ركبتيه، ووَتَر يديه فنحاهما عن جنبيه" رواه أبو داود والترمذي، وحديث ‏وابصة بن معبد عند ابن ماجه: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فكان إذا ركع، ‏سوَّى ظهره، حتى لو صب عليه الماء لاستقر" وحديث عائشة عند مسلم: "وكان إذا ركع لم ‏يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك".‏
ب- أن يقول: "سبحان ربي العظيم" مرة وهو الحد الأدنى، وأدنى الكمال ثلاثاً عند ‏الجمهور، ولا حد له عند المالكية، ويضيف المالكية والشافعية والحنابلة "وبحمده". والدليل ‏حديث حذيفة قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي ‏العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، وما مرَّت به آية رحمة إلا وقف عندها يسأل، ولا آية ‏عذاب إلا تعوذ منها" رواه الترمذي، وحديث عقبة بن عامر أنه قال: "لما نزلت: فسبح باسم ربك ‏العظيم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم" رواه أبو داود وابن ماجه وحديث ‏ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا ركع أحدكم، فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي ‏العظيم، وذلك أدناه" رواه أبو داود وابن ماجه.‏
ولا يزيد الإمام عن التسبيحات الثلاث، ويكره له ذلك، تخفيفاً على المأمومين. ولكن عند ‏الشافعية: يزيد المنفرد وإمام قوم محصورين راضين بالتطويل : "اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ‏ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي. رواه مسلم وفي رواية بزيارة ‏وما استقلت به قدمي" رواه ابن حبان.‏
وقال الحنفية: وكره تحريماً إطالة ركوع، أو قراءة لإدراك الجائي إن عرفه، وإلا فلا ‏بأس به، وهذا موافق لبقية الأئمة، والاطمئنان في الركوع واجب في المذاهب الأربعة كما بينا ‏سابقاً.‏
‏14- التسميع والتحميد:‏
أي قول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد: للإمام سراً في التحميد وللمنفرد عند ‏الحنفية والحنابلة، وأما المقتدي فيقول فقط عند الحنابلة وعلى المعتمد عند الحنفية: "ربنا لك ‏الحمد" أو "ربنا ولك الحمد" أو "اللهم ربنا لك الحمد" والأول عند الشافعية أولى لورود السنة ‏به، وأفضله عند الحنفية الأخير، ثم "ربنا ولك الحمد" ثم الأول. والأفضل عند الحنابلة ‏والمالكية: "ربنا ولك الحمد".‏
وعند المالكية: الإمام لا يقول: "ربنا لك الحمد" والمأموم لا يقول: "سمع الله لمن حمده" ‏والمنفرد يجمع بينهما حال القيام، لا حال رفعه من الركوع، إذا الرفع يقترن بـ "سمع الله"، فإذا ‏اعتدل قال: "ربنا ..." الخ.‏
والخلاصة: أن المقتدي عند الجمهور يكتفي بالتحميد.‏
ويسن عند الشافعية: الجمع بين التسميع والتحميد في حق كل مصل، منفرد وإمام ‏ومأموم.‏
والدليل على الجمع لدى الشافعية: حديث أبي هريرة قال: "كان رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبِّر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ‏حين يرفع صُلْبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد ..." الحديث متفق عليه، وفي ‏رواية لهما: "ربنا لك الحمد" متفق عليه.‏
ودليل التفرقة بين الإمام والمأموم لدى الجمهور: حديث أنس: أن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم قال: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" متفق عليه.‏
ويسن عند الشافعية والحنابلة القول: "ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، ‏وملء ما شئت من شيء بعد" أي بعدهما كالعرش والكرسي وغيرهما مما لا يعلمه إلا هو، ويزيد ‏المنفرد وإمام قوم محصورين رضوا بالتطويل: "أهلَ الثناء والمجد(1)، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا ‏لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدُّ"(2).‏
ودليلهم حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع ‏قال: اللهم ربَّنا لك الحمد، مِلء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت بعدُ، ‏أهلَ الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدَّ منك الجدُّ" رواه ‏مسلم والنسائي وكذلك حمله الحنفية على حال الانفراد.‏
‏__________________‏
‏(1) أي يا أهل المدح والعظمة.‏
‏(2) أي لا ينفع ذا الغنى عندك أو ذا الحظ في الدنيا، حظه في العقبى، إنما ينفعه طاعتك.‏
‏15- وضع الركبتين، ثم اليدين، ثم الوجه عند الهوي للسجود، وعكس ذلك عند الرفع ‏من السجود.‏
هذا عند الجمهور غير المالكية، لحديث وائل بن حجر السابق: "رأيت رسول الله صلى ‏عليه وسلم إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه".‏
وقال المالكية: يضع يديه، ثم ركبتيه عند السجود، ويرفع ركبتيه ثم يديه عند الرفع منه، ‏لحديث أبي هريرة: "إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه ثم ركبتيه" وقد ‏سبق بيان ذلك ولا ترجيح بين الكيفيتين.‏
‏16- هيئات السجود الأخرى:‏
أ- وضع الوجه بين الكفين عند الحنفية، وتوجيه الأصابع مضمومة مكشوفة نحو القبلة ‏باتفاق المذاهب ووضع اليدين حذو (مقابل) المنكبين في أثناء السجود عند غير الحنفية وإبرازهما ‏من ثوبه والاعتماد على بطونهما، والتفرقة بقدر شبر بين القدمين والركبتين والفخذين عند ‏الشافعية.‏
وعلى هذا يكون توجيه أصابع الرجلين نحو القبلة سنة.‏
دليل الحالة الأولى: حديث وائل بن حجر: "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع ‏وجهه بين كفيه".‏
ب- مباعدة الرجل بطنه عن فخذيه، ومرفقيه عن جنبيه، وذراعيه عن الأرض في ‏السجود في غير زحمه، وتفريقه بين ركبتيه ورجليه. أما المرأة فتضم بطنها إلى فخذيها وفي ‏جميع أحوالها، لأنه أستر لها.‏
ودليل حالة الرجل أحاديث: منها:‏
حديث ميمونة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى، حتى لو شاءت بهيمة ‏أن تمر بين يديه لمرت" رواه مسلم.‏
وحديث عبد الله بن بُحَيْنة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد يُجنِّح في ‏سجوده، حتى يُرى وَضَحُ إبطيه" متفق عليه، أي بياض إبطيه.‏
وحديث أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سجد فَرَّج ‏بين فخذيه، غير حامل بطنَه على شيء من فخذيه" رواه أبو داود.‏
وحديث أنس في النهي عن ترك المجافاة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اعتدلوا ‏في السجود، ولا يبسُطُ أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" رواه البخاري ومسلم.‏
جـ- تجب الطمأنينة باتفاق المذاهب كما بينا، ويستحب وضع الأنف مع الجبهة كما ‏ذكرنا، لحديث أبي حميد: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من ‏الأرض، ونحَّى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه" رواه أبو داود والترمذي.‏
د- التسبيح في السجود: بأن يقول: سبحان ربي الأعلى" مرة في الحد الأدنى، وثلاثاً ‏وهو أدنى الكمال، وهو سنة بالاتفاق لحديث ابن مسعود السابق: "... وإذا سجد، فقال في سجوده: ‏سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات".‏
وحديث حذيفة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد، قال: "سبحان ربي ‏الأعلى ثلاث مرات" رواه ابن ماجه.‏
قال الحنفية: ولا يزيد الإمام على ذلك تخفيفاً على المأمومين، ولا حد للتسبيح عند ‏المالكية.‏
وزاد المالكية والشافعية والحنابلة: "وبحمده" ويزيد عند الشافعية المنفرد و إمام قوم ‏محصورين راضين بالتطويل: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح، اللهم لك سجدت، وبك ‏آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن ‏الخالقين".‏
ودليلهم على الجملة الأولى حديث عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ‏في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس، ربُّ الملائكة والروح" رواه مسلم، وسبوح قدوس: من ‏صفات الله، والمراد: المسبَّح والمقدس، فكأنه يقول: مسبح مقدس، ومعنى "سبوح" المبرأ من ‏النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالألوهية. وقدوس: المطهر من كل ما لا يليق بالخالق.‏
وبقية التسبيح رواه مسلم.‏
هـ- الدعاء في السجود: قال الحنفية: لا يأتي المصلي في ركوعه وسجوده بغير التسبيح، ‏على المذهب، وما ورد محمول على النفل، ويندب الدعاء في السجود عند المالكية بما يتعلق ‏بأمور الدين أو الدنيا، أو الآخرة، له أو لغيره، خصوصاً أو عموماً، بلا حدّ بل بحسب ما يسر الله ‏تعالى. ولا بأس عند الحنابلة بالدعاء المأثور أو الأذكار.‏
ويتأكد طلب الدعاء في السجود عند الشافعية.‏
ودليلهم خبر مسلم وغيره: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء، ‏فقِمِن أن يستجاب لكم" رواه مسلم أي أكثروا الدعاء في سجودكم، فحقيق أن يستجاب لكم.‏
وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معاذ، إذا وضعت وجهك ساجداً، ‏فقل: اللهم أعني على شكرك وحسن عبادتك".‏
وعن أبي هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي
ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه(1)، وأوله وآخره، وعلانيته وسره" رواه مسلم.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:10 PM
‏17- الجلوس بين السجدتين، مطمئناً مفترشاً الرجل رجله اليسرى، وناصباً اليمنى، ‏موجهاً أصابعه نحو القبلة، واضعاً يديه على فخذيه، بصورة مبسوطة، بحيث تتساوى رؤوس ‏الأصابع مع الركبة.‏
‏18- الدعاء بين السجدتين: ‏
ليس عند الحنفية بين السجدتين دعاء مسنون، كما ليس بعد الرفع من الركوع دعاء، ولا ‏في الركوع والسجود على المذهب كما قدمنا، وما ورد محمول على النفل أو التهجد.‏
ولم يذكر المالكية هذا الدعاء من مندوبات الصلاة، وذكره ابن جزي فيما يقال بين ‏السجدتين.‏
والدعاء مشروع عند الشافعية والحنابلة، بل قال الحنابلة: إنه واجب، وأدناه أن يقول ‏مرة: "رب اغفر لي" وأدنى الكمال عندهم أن يقول ذلك: ثلاث مرات كالكمال في تسبيح الركوع ‏والسجود.‏
وصيغة هذا الدعاء عند الشافعية والمالكية والحنابلة: "رب اغفر لي وارحمنى، ‏واجبرني، وارفعني، وارزقني، واهدني، وعافني" وقال الحنابلة: لا يجوز في الصلاة، بغير ‏الوارد في السنة، ولا يجوز بما ليس من أمر الآخرة، كحوائج الدنيا وملاذها، وتبطل الصلاة به.‏
ودليل المشروعية: ما روى حذيفة: "أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يقول ‏بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي" رواه ابن ماجه والنسائي.‏
وروي عن ابن عباس أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين: ‏اللهم اغفر لي وارحمني، وارزقني، فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك" أي لأن المغفرة ‏والستر، والعافية: اندفاع البلاء عن الإنسان، والأرزاق نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنه ‏للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم.‏
جلسة الاستراحة: قال الشافعية: سنُّ جلسة خفيفة بعد السجدة الثانية تسمى جلسة ‏الاستراحة، في كل ركعة يقوم عنها فلا تسن عقب سجدة التلاوة، اتباعاً لما ثبت في السنة عند ‏البخاري. وروى الجماعة إلا مسلماً وابن ماجه عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي صلى الله ‏عليه وسلم يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعداً" رواه البخاري.‏
ولا تستحب جلسة الاستراحة عند الجمهور، إذ لم تذكر في حديث أبي حميد الساعدي في ‏بيان صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏
‏______________‏
‏(1) قليله وكثيره.‏
‏19- التشهد الأول، والافتراش له كالجلوس بين السجدتين، والتورك في التشهد الأخير:‏
وصيغة التشهد عند الشافعية: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك ‏أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله ‏وأشهد أن محمداً رسول الله".‏
وقد اتفق الفقهاء على مشروعية التشهد الأول والجلوس له، على أنهما سنتان عند ‏الجمهور، وواجبان عند الحنابلة، بدليل الأمر به وسقوطه بالسهو، قال ابن مسعود: "إن محمداً ‏صلى الله عليه وسلم قال: إذا قعدتم في كل ركعتين، فقولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، ‏السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا ‏إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبَه إليه، فليدع ربه ‏عز وجل" رواه النسائي وأحمد.‏
واستدل الحنابلة على وجوبه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته على فعله، وأمره ‏به في حديث ابن عباس، فقال: "قولوا: التحيات لله" وسجد للسهو حين نسيه، وقد قال: "صلوا كما ‏رأيتموني أصلي"، ولا تستحب عند الجمهور الزيادة على هذا التشهد ولا تطويله، وقال الحنابلة ‏أيضاً: إذا أدرك المسبوق بعض الصلاة مع الإمام، لم يزد المأموم على التشهد الأول، بل يكرره ‏حتى يسلم الإمام.‏
ويسن أن يضم إليه عند الشافعية: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في آخره، ‏فيقول: "اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي".‏
ويلاحظ أن كلاً من التشهد الأول والأخير سنة عند المالكية، والأول سنة والأخير واجب ‏عند الحنفية، والأول سنة أو بعض، والأخير فرض عند الشافعية، والأول واجب والأخير فرض ‏عند الحنابلة. ويسن باتفاق الفقهاء الإسرار بقراءة التشهد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ‏يجهر به، قال ابن مسعود: "من السنة إخفاء التشهد" رواه أبو داود، ولأنه ذكر غير القراءة ‏كالتسبيح فاستحب إخفاؤه.‏
وأما صفة الجلوس للتشهد الأول: فهي الافتراش عند الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو ‏أن يجلس على كعب يسراه بعد أن يضجعها، وينصب يمناه. وتتورك المرأة فيه عند الحنفية: لأنه ‏أستر لها، ودليل الافتراش حديث عائشة: "وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى" رواه أبو ‏داود والنسائي.‏
وحديث وائل بن حجر: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فسجد، ثم قعد ‏فافترش رجله اليسرى" وحديث أبي حميد "أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس - يعني للتشهد - ‏فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته" رواه البخاري، وحديث رفاعة بن رافع ‏‏"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: إذا سجدت، فمكِّن لسجودك، فإذا جلست فاجلس ‏على رجلك اليسرى" رواه أحمد.‏
وقال المالكية: يجلس متوركاً في التشهد الأول والأخير، لما بينا، ولما روى ابن مسعود: ‏‏"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركاً".‏
وقال الحنفية: الجلوس للتشهد الأخير كالتشهد الأول، يكون مفترشاً، لحديث أبي حميد.‏
وقال الشافعية والحنابلة: يسن التورك للتشهد الأخير، وهو كالافتراش، لكن يخرج يسراه ‏من جهة يمينه، ويلصق وَرِكَه بالأرض، بدليل حديث أبي حميد: "حتى إذا كانت الركعة التي ‏تنقضي فيها صلاته، أخَّر رِجْله اليسرى، وقعد على شقه متوركاً، ثم سلم" رواه أبو داود ‏والترمذي.‏
والأصح عندهم: يفترش المسبوق والساهي.‏
والخلاصة : أنه يسن التورك في التشهد الأخير عند الجمهور، ولا يسن عند الحنفية، إلا ‏أن الحنابلة قالوا: لا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان، فلا يتورك في تشهد الصبح.‏
‏20- وضع اليدين على الفخذين:‏
بحيث تكون رؤوس أصابعهما على الركبتين، ورفع الإصبع السبابة من اليمنى فقط عند ‏الشهادة في التشهد:‏
وقال الحنفية: يضع يمناه على فخذه اليمنى، ويسراه على اليسرى، ويبسط أصابعه، ‏كالجلسة بين السجدتين، مفرجة قليلاً، جاعلاً أطرافها عند ركبتيه، ولا يأخذ الركبة، ويشير بسبابة ‏يده اليمنى عند الشهادة، يرفعها عند نفي الألوهية عما سوى الله تعالى، بقوله: "لا إله"، ويضعها ‏عند إثبات الألوهية لله وحده، بقوله: "إلا الله" ليكون الرفع إشارة إلى النفي، والوضع إشارة إلى ‏الإثبات، ولا يعقد شيئاً من أصابعه.‏
ودليلهم رواية في صحيح مسلم عن ابن الزبير تدل على ذلك، لأنه اقتصر فيها على ‏مجرد الوضع والإشارة.‏
وقال المالكية: ترسل اليد اليسرى، ويعقد من اليد اليمنى في حال تشهده ما عدا السبابة ‏والإبهام: وهو الخنصر والبنصر والوسطى، بجعل رؤوسها باللُّحْمة التي بجنب الإبهام، مادَّاً ‏إصبعه السبابة كالمشير بها، فتصير الهيئة هيئة التسعة والعشرين، لأن مدَّ السبابة مع الإبهام ‏صورة عشرين، وقبض الثلاثة تحت الإبهام صورة تسع.‏
ويندب دائماً تحريك السبَّابة تحريكاً وسطاً من أول التشهد إلى آخره، يميناً وشمالاً، لا لجهة: فوق ‏وتحت، واستدلوا بحديث وائل بن حجر: أنه قال في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"ثم قعد فافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه، وركبته اليسرى، وجعل حد ‏مِرْفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه، وحلَّق حَلْقةً، ثم رفع أُصبعه، فرأيته ‏يحركها، يدعو بها" رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي.‏
ويحتمل أن يكون مراده بالتحريك: الإشارة بها، لا تكرير تحريكها، حتى لا يعارض ‏حديث ابن الزبير عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه بلفظ: "كان يشير ‏بالسبابة ولا يحركها، ولا يجاوز بصره إشارته" قال ابن حجر: وأصله في مسلم دون قوله: "ولا ‏يجاوز بصره إشارته".‏
وقال الشافعية والحنابلة: السنة وضع اليدين على الفخذين في الجلوس للتشهد الأول ‏والأخير، يبسط يده اليسرى منشورة، مضمومة الأصابع عند الشافعية، بحيث تسامت رؤوسها ‏الركبة، مستقبلاً بجميع أطراف أصابعها القبلة، فلا تفرج الأصابع، لأن تفريجها يزيل الإبهام عن ‏القبلة.‏
ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض منها الخنصر والبنصر، وكذا والوسطى ‏عند الشافعية، أما عند الحنابلة: فإنه يحلق الإبهام مع الوسطى.‏
ويشير بالسبابة (أو المُسبِّحة)، ويرفعها عند قوله: "إلا الله" ولا يحركها، لفعله صلى الله ‏عليه وسلم، ويديم نظره إليها، لخبر ابن الزبير السابق.‏
والأظهر عند الشافعية والحنابلة: ضم الإبهام إلى السبابة، كعاقد ثلاثة وخمسين، بأن ‏يضعها تحتها على طرف راحته. ولو أرسل الإبهام والسبابة معاً، أو قبضهما فوق الوسطى، أو ‏حلق بينهما برأسهما أو وضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، أتى بالسنة، لورود جميع ذلك، ‏لكن الأول أفضل كما قال الشافعية، لأن رواته أفقه.‏
ودليلهم حديث ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على ركبته ‏اليمنى، وعقد ثلاثاً وخمسين، وأشار بالسبابة" رواه مسلم، ودليلهم على عدم تحريك الأصبع: ‏حديث عبد الله بن الزبير: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها" ‏رواه أبو داود والنسائي، وحديث سعد بن أبي وقاص قال: "مرَّ عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ‏وأنا أدعو باصابعي، فقال: أحد، أحد، وأشار بالسبابة". رواه النسائي.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:11 PM
‏21- قراءة الفاتحة في الركعتين الثالثة والرابعة من الصلوات المفروضة:‏
تسن على الصحيح عند الحنفية ولو ضم إليها سورة لا بأس به، لأن القراءة في هاتين ‏الركعتين مشروعة من غير تقدير. وهي فرض عند الشافعية، وواجبة للإمام والمنفرد عند ‏المالكية والحنابلة.‏
دليل الحنفية: هو أن الفاتحة لا تتعين في الصلاة، وتجزئ قراءة آية من القرآن في أي ‏موضع كان، لقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20]، {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ ‏مِنْهُ} [المزمل:20] وقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: "ثم اقرأ ما تيسر معك من ‏القرآن"، ولأن الفاتحة وسائر القرآن سواء في سائر الأحكام، فكذا في الصلاة. وقد وردت آثار ‏عن بعض الصحابة (علي وابن مسعود) بسنيتها، فصرف الوجوب الظاهر من الأحاديث ‏للمواظبة على الفاتحة إلى السنية، وهو أدنى ما تدل عليه الأحاديث.‏
ودليل الجمهور: حديث عبادة بن الصامت: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" متفق ‏عليه، وبما أن القراءة (أي قراءة شيء من القرآن) فرض أو ركن في الصلاة، فكانت معينة ‏كالركوع والسجود.‏
وأما خبر المسيء صلاته فمقيد بحديث عن رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال للأعرابي: "ثم اقرأ بأم القرآن، وما شاء الله أن تقرأ" رواه أبو داود، فهو محمول على ‏الفاتحة، وما تيسر معها من القرآن مما زاد عليها.‏
‏22- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله في التشهد الأخير:‏
قال الحنفية: الصلاة على النبي وعلى آله - الصلوات الإبراهيمية: سنة وكذلك قال ‏المالكية: تسن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير، كما أن كل تشهد (أول ‏أو أخير ولو في سجود سهو) هو سنة مستقلة.‏
وقال الشافعية والحنابلة: تجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد ‏الأخير،أما الصلاة على الآل فيه فهي سنة عند الشافعية، واجبة عند الحنابلة.‏
ودليل الوجوب عند الحنابلة: حديث كعب بن عُجرة السابق: "إن النبي صلى الله عليه ‏وسلم خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا الله كيف نسلم عليك، فيكف نصلي عليك؟قال: ‏قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك ‏على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" متفق عليه.‏
والأمر يقتضي الوجوب، وصفة الصلاة على النبي وآله: تكون على النحو المذكور في ‏حديث كعب.‏
واستدل الشافعية على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر القرآني: {يَا ‏أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] وبالحديث السابق، وبحديث آخر ‏في معناه رواه الدارقطني وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وقال: إنه على شرط ‏مسلم، وبحديث أبي مسعود عند أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه. وأقل الصلاة على ‏النبي صلى الله عليه وسلم وآله : اللهم صلِّ على محمد وآله، والزيادة إلى "مجيد" سنة.‏
وأما كون الصلاة على الآل سنة: فلخبر أبي زرعة: "الصلاة على النبي صلى الله عليه ‏وسلم أمر، من تركها أعاد الصلاة" ولم يذكر الصلاة على آله.‏
ودليل الحنفية والمالكية على السنية مطلقاً (الصلاة على النبي وآله): أن الأوامر ‏المذكورة في الأحاديث تعلم كيفيته، وهي لا تفيد الوجوب. قال الشوكاني: إنه لم يثبت عندي من ‏الأدلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب، وعلى فرض ثبوته، فترك تعليم المسيء للصلاة، لا ‏سيما مع قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" قرينة صالحة لحمله على ‏الندب. ويؤيد ذلك قوله لابن مسعود بعد تعليمه التشهد: "إذا قلت هذا، أو قضيت هذا فقد قضيت ‏صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد" رواه أبو داود والترمذي.‏
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في غير الصلاة: أما الصلاة على النبي في غير ‏الصلاة فهي مندوبة، لا واجبة. وقال الحنفية: هي فرض مرة واحدة في العمر، والمذهب أنه ‏تستحب على التكرار كلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ولو اتحد المجلس.‏
السيادة لمحمد صلى الله عليه وسلم: قال الحنفية والشافعية: تندب السيادة لمحمد في ‏الصلوات الإبراهيمية، لأن زيادة الإخبار بالواقع عين سلوك الأدب، فهو أفضل من تركه. وأما ‏خبر "لا تسودوني في الصلاة" فكذب موضوع. وعليه: أكمل الصلاة على النبي وآله: "اللهم ‏صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا ‏إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم، وعلى ‏آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد".‏
‏23- الدعاء بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:‏
بما هو مأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم عند الحنفية، أو بما شاء من خيري الدنيا ‏والآخرة عند الأئمة الآخرين، والمأثور أفضل. ويندب تعميم الدعاء، لأنه أقرب إلى الإجابة، ومن ‏الدعاء العام: "اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزماً" أي جزماً.‏
ومن الدعاء المأثور: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" ‏ومنه: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من ‏عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" رواه البخاري، ومنه أيضاً: "اللهم إني أعوذ بك من ‏عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال" رواه ‏مسلم، ومنه: "اللهم إني أعوذ بك من المغرم والمأثم" ومنه: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، ‏وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا ‏أنت" رواه مسلم. وعن معاذ بن جبل قال: لقيني النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أوصيك ‏بكلمات تقولهن في كل صلاة: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" رواه مسلم، ‏وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فجعل يقول في صلاته أو في سجوده: ‏‏"اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي ‏نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، واجعل لي نوراً، أو قال: واجعلني ‏نوراً".‏
قال الحنفية: لا يجوز أن يدعو في صلاته بما يشبه كلام الناس، مثل "اللهم ارزقني كذا" ‏مثلاً، أو بما لا يستحيل حصوله من الناس مثل : "اللهم زوجني فلانة"، وهو مكروه تحريماً، ‏ويُبطل الصلاة إن وجد قبل القعود للتشهد الأخير وقدر التشهد، ويفوت الواجب لوجوده بعد القعود ‏قبل السلام بخروجه به من الصلاة دون السلام. وقد استدلوا بحديث مسلم السابق: "إن هذه ‏الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن".‏
وأجاز غير الحنفية الدعاء بما شاء الإنسان بدليل ما ثبت في السنة عن بعض الصحابة ‏كابن مسعود وأبي هريرة وغيرهما، وبدليل حديث ابن مسعود السابق في التشهد: "ثم ليختر من ‏الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به" رواه أحمد، وفي رواية "ثم يتخير من المسألة ما شاء" رواه أحمد، ‏وفي رواية: "ليتخير بعد من الكلام ما شاء" رواه البخاري. ‏
الدعاء بالعربية: يكون الدعاء بالعربية باتفاق الفقهاء، قال الحنفية: الدعاء بغير العربية ‏حرام، لكن تصح أذكار الصلاة عند أبي حنيفة بغير العربية، مع الكراهة التحريمية. وقال ‏الشافعية: ويترجم للدعاء والذكر المندوب العاجز عنه بالعربية لعذره، لا القادر عليه لعدم عذره.‏
‏24- الالتفات يميناً ثم شمالاً بالتسليمتين:‏
عرفنا أن السلام واجب عند الحنفية، ركن عند الجمهور، ويسن عند الجميع الالتفات ‏يميناً وشمالاً حتى يرى بياض خده، قائلاً عند الجمهور: "السلام عليكم ورحمة الله" ويزيد عند ‏المالكية "وبركاته" والأول هو الواجب عند المالكية والشافعية، والتسليمتان واجبتان عند الحنفية ‏والحنابلة.‏
ودليل سنية الالتفات: حديث مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: "كنت أرى النبي صلى ‏الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده"، وفي رواية الدارقطني: "كان ‏يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده، وعن يساره حتى يرى بياض خده".‏
ودليل إضافة "وبركاته" عند المالكية حديث ابن مسعود ووائل بن حجر السابقين. وقد ‏عرفنا أنه ينوي بالسلام من عن يمنيه ويساره من ملائكة وإنس وجن. وينوي الإمام السلام على ‏المقتدين، وهم ينوون الرد عليه، إلا أنه عند الحنفية ينوون الرد عليه في التسليمة الأولى إن ‏كانوا في جهة اليمين، وفي التسليمة الثانية إن كانوا في جهة اليسار، وعند الشافعية بالعكس.‏
استقبال القبلة في السلام: يرى الحنفية أنه يسن التيامن في التسليمة الأولى، ثم يسلم عن ‏يساره في الثانية. ويرى المالكية أن المأموم يندب له التيامن كلياً بتسليمة التحليل من الصلاة. أما ‏الإمام والمنفرد، فيشير عند النطق بالتسليمة للقبلة، ويختمها بالتيامن عند النطق بالكاف والميم من ‏‏"عليكم" حتى يرى من خلفه صفحة وجهه.‏
وقال الشافعية والحنابلة: يبتدئ السلام مستقبل القبلة، قائلاً "السلام عليكم" ثم يلتفت ويتم ‏سلامه قائلاً: "ورحمة الله" لقول عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم تلقاء وجهه" معناه ‏ابتداء السلام، ورحمة الله: يكون في حال التفاته.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:12 PM
25- خفض التسليمة الثانية عن الأولى:‏
يسن ذلك عند الحنفية والحنابلة، لأن الأولى للإعلام، فيجهر بها، وقد حصل العلم بالجهر ‏بها، فلا يشرع الجهر بغيرها.‏
وقال المالكية: يسن الجهر بتسليمة التحليل فقط دون تسليمة الرد، بل يندب السر فيها، ‏أي يسن للإمام والمأموم والمنفرد الجهر بالتسليمة يخرج بها من الصلاة، ويندب السر في تسليمة ‏المقتدي للرد على إمامه وعلى من يساره من إمام ومأموم. وقال الحنابلة: يجهر الإمام بالتسليمة ‏الأولى فقط، ويسر غيره التسليمتين.‏
‏26- مقارنة المقتدي لسلام الإمام:‏
يسن ذلك عند أبي حنيفة موافقة للإمام، كما تسن مقارنته في غير التسليم من تكبير ‏الإحرام وتكبيرات الانتقال.‏
وقال الشافعية: فإنه يسن عندهم في التسليم المعاقبة والبعدية عن الإمام، لئلا يسرع ‏المأموم بأمور الدنيا.‏
وأضاف الشافعية القول: إنه تنقضي القدوة بسلام الإمام، فللمأموم أن يشتغل بدعاء ‏ونحوه، ثم يسلم. ولو اقتصر الإمام على تسليمة، فللمأموم أن يسلم اثنتين، لإحراز فضيلة الثانية، ‏ولزوال المتابعة بالأولى.‏
‏27- انتظار المسبوق فراغ الإمام من التسليمتين، لوجوب المتابعة، حتى يعلم ألا سهو ‏عليه. وهذه سنة عند الحنفية.‏
‏28- ذكر الشافعية أنه يسن الخشوع وتدبر القراءة والأذكار، ودخول الصلاة بنشاط ‏وفراغ القلب من الشواغل الدنيوية، لأنه أعون على الخضوع والخشوع.‏

آداب الصلاة عند الحنفية:‏
عرفنا أن الأدب: ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين، ولم يواظب عليه ‏كزيادة التسبيحات في الركوع والسجود، والزيادة على القراءة المسنونة. وقد شرع لإكمال السنة. ‏ومن هذه الآداب عند الحنفية ما يأتي:‏
‏1- إخراج الرجل كفيه من كميه عند تكبيرة الإحرام، لقربه من التواضع إلا لضرورة، ‏كبرد. أما المرأة فتستر كفيها حذراً من كشف ذراعيها.‏
‏2- نظر المصلي إلى موضع سجوده قائماً، وإلى ظاهر قدميه راكعاً، وإلى أرنبة أنفه ‏ساجداً، وإلى حجره جالساً، وإلى منكبيه مسلِّماً، تحصيلاً للخشوع في الصلاة، ملاحظاً قوله صلى ‏الله عليه وسلم: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" رواه مسلم.‏
‏3- إمساك فمه عند التثاؤب، فإن لم يقدر غطاه بظهر يده اليسرى، أو كمه، لأن التغطية ‏بلا ضرورة مكروهة.‏
‏4- دفع السعال ما استطاع، لأنه بلا عذر مفسد للصلاة.‏
‏5- قيام الإمام والمؤتم في حالة الإقامة عند القول: "حي على الفلاح" لأنه أمر به فيجاب. ‏هذا إذا كان الإمام حاضراً بقرب المحراب. فإن لم يكن حاضراً يقوم كل صف حين ينتهي إليه ‏الإمام على الأظهر. وإن دخل الإمام من قدام، قاموا حين يقع بصرهم عليه. وإن أقام الإمام بنفسه ‏في مسجد، فلا يقف المؤتمون حتى يتم إقامته.‏
ويشرع الإمام في الصلاة مذ قيل: "قد قامت الصلاة" ولو أخر حتى أتمها، لا بأس به ‏إجماعاً. وهو قول الأئمة الثلاثة غير الحنفية.‏
التبليغ خلف الإمام:‏
اتفق الفقهاء على أنه يسن (وعند المالكية: يندب) للإمام الجهر بقدر الحاجة بالتكبير ‏والتسميع والسلام، لإعلام من خلفه، فإن عجز جاز التبليغ من غيره، لأن أبا بكر في مرض النبي ‏صلى الله عليه وسلم كان يبلغ المؤتمين تكبيره. أما المؤتم والمنفرد فيسمع نفسه، وقال المالكية : ‏يندب لكل مصلٍ الجهر بتكبيرة الإحرام، كما بينا.‏
فإن كان من خلف الإمام يسمعه، كره التبليغ من غيره لعدم الحاجة إليه.‏
ويجب أن يقصد المبلغ سواء أكان إماماً أم غيره الإحرام للصلاة بتكبيرة الإحرام، فلو ‏قصد الإعلام فقط، لم تنعقد صلاته، وكذا لا تنعقد عند الشافعية إذا أطلق، فلم يقصد شيئاً، فإن ‏قصد مع الإحرام الإعلام، صحت الصلاة عند الشافعية والحنفية.‏
أما غير تكبيرة الإحرام الانتقال والتسميع والتحميد: فإن قصد بها التبليغ فقط، فلا تبطل ‏صلاته عند الجمهور، وإنما يفوته الثواب.‏
لكن قال الحنفية: إن قصد بذلك مجرد إعجاب الناس بتبليغه، فسدت صلاته على ‏الراجح، كما أن من رفع صوته زيادة على الحاجة، فقد أساء، والإساءة دون الكراهة.‏
وقال الشافعية: إذا قصد بذلك مجرد التبليغ، أو لم يقصد شيئاً، بطلت صلاته إن كان غير ‏عامي، أما العامي فلا تبطل صلاته، ولو قصد الإعلام فقط.‏
ودليل مشروعية التبليغ الحديث المتفق عليه عن جابر، قال: "صلى بنا رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه، فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر ليسمعنا".‏
الأمور التي تخالف فيها المرأة الرجل في الصلاة: ذكر الشافعية أربعة أمور تخالف فيها ‏المرأة الرجل في الصلاة يمكن ملاحظتها مما سبق، وهي ما يأتي:‏
‏1- الرجل يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه في الركوع والسجود. ‏والمرأة تضم بعضها إلى بعض، فتلصق بطنها بفخذيها وتضم ركبتيها وقدميها في ركوعها ‏وسجودها، لأنه أستر لها.‏
‏2- يجهر الرجل في موضع الجهر، ويسر في موضع الإسرار، كما بينا سابقاً، وتخفض ‏المرأة صوتها إن صلت بحضرة الرجال الأجانب، بحيث لا يسمعها من صلت بحضرته من ‏الأجانب، دفعاً للفتنة، وإن كان الأصح أن صوتها ليس بعورة، فلا يحرم سماع صوت المرأة ولو ‏مغنية، إلا عند خوف الفتنة، بأن كان لو اختلى الرجل بها، لوقع بينهما مُحرَّم.‏
‏3- إذا ناب الرجل شيء في الصلاة سبَّح، فيقول: "سبحان الله" بقصد الذكر فقط أو مع ‏الإعلام، أو أطلق، ولا تبطل صلاته، لكن إن قصد الإعلام فقط بطلت صلاته.‏
أما المرأة إذا نابها شيء في الصلاة، فتصفق، وإن كانت خالية عن الرجال الأجانب على ‏المعتمد، بضرب بطن اليمين على ظهر الشمال، فلو ضربت بطناً ببطن بقصد اللعب، ولو قليلاً، ‏مع علم التحريم بطلت صلاتها، فلو لم تقصد اللعب لم تبطل صلاتها. والخنثى كالمرأة في ‏التصفيق والضم وغيرهما.‏
ولا يضر التصفيق وإن كثر وتوالى حيث كان بقدر الحاجة. وكذا لو صفق الرجل فإنه لا ‏يضر وإن كثر وتوالى، ولا تبطل الصلاة، لأن الفعل خفيف، فأشبه تحريك الأصابع في سبحة، أو ‏لنحو جرب.‏
ولا تبطل الصلاة بالتصفيق ولو بقصد الإعلام، ولو من الرجل على المعتمد، بخلاف ‏التسبيح بقصد الإعلام فإنه يبطل الصلاة، لأن التسبيح لفظ يصلح لقصد الذكر، والتصفيق فعل لا ‏يصلح له.‏
أما التصفيق خارج الصلاة فيكره بلا قصد اللعب على المعتمد عند الرملي، ولو بقصد ‏اللعب على المعتمد عند ابن حجر، وذلك منعاً من التشبه بالعرب في الجاهلية: ‏
‏{وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال: 35].‏
‏4- عورة الرجل: ما بين سرته وركبته في الصلاة والطواف وأمام الرجال الأجانب ‏والنساء المحارم. أما عند النساء الأجانب فعورته جميع بدنه، وعورته في الخلوة: السوأتان فقط. ‏والأمة كالرجل.‏
وليست السرة والركبة من العورة، لكن يجب ستر جزء منهما ليتحقق ستر العورة، من ‏باب ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.‏
وجميع بدن المرأة الحرة في الصلاة عورة إلا وجهها وكفيها، أما خارج الصلاة فعورتها ‏جميع البدن.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:14 PM
سنن الصلاة الخارجة عنها



للصلاة سنن قبلها كالاستياك والأذان والإقامة، واتخاذ السترة، وهنا نبحث الأخير، وقد ‏سبق بحث ما قبله:‏
‏1- تعريف سترة المصلي:‏
هي ما يجعله المصلي أمامه لمنع المرور بين يديه.‏
‏2- حكم السترة:‏
هي سنة مشروعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، ‏ولْيَدْن منها، ولا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن جاء أحد يمر، فليقاتله، فإنه شيطان" رواه أبو داود ‏وابن ماجه والنسائي.‏
وليست واجبة باتفاق الفقهاء، لأن الأمر باتخاذها للندب، إذ لا يلزم من عدمها بطلان ‏الصلاة وليست شرطاً في الصلاة، ولعدم التزام السلف اتخاذها، ولو كان واجباً لالتزموه، ولأن ‏الإثم على المار أمام المصلي، ولو كانت واجبة لأثم المصلي، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ‏صلى في فضاء ليس بين يديه شيء" رواه البخاري.‏
‏3- حكمتها:‏
منع المرور أمام المصلي بين يديه، مما يقطع خشوعه، وتمكين المصلي من حصر ‏تفكيره في الصلاة، وعدم استرساله في النظر إلى الأشياء، وكف بصره عما وراء سترته لئلا ‏يفوت خشوعه.‏
‏4- آراء الفقهاء في السترة:‏
للفقهاء رأيان في اتخاذها مطلقاً أو في حالة خشية مرور أحد: فقال المالكية والحنفية : ‏السترة في الفرض أو النفل مندوبة للإمام والمنفرد إن خشيا مرور أحد بين يديهما في محل ‏سجودهما فقط، وأما المأموم فسترة الإمام سترة له، لأنه عليه السلام صلى ببطحاء مكة إلى ‏عَنَزة(1)، ولم يكن للقوم سترة. ولا بأس بترك السترة إذا أمن المصلي المرور، ولم يواجه ‏الطريق. فالمستحب لمن صلى بالصحراء أن ينصب بين يديه عوداً أو يضع شيئاً، ويعتبر الغرز ‏دون الإلقاء والخط، لأن المقصود وهو الحيلولة بينه وبين المار لا يحصل به.‏
وقال الشافعية والحنابلة: يستحب للمصلي أن يصلي إلى سترة، سواء أكان في مسجد أم ‏بيت، فيصلي إلى حائط أو سارية (عمود)، أم في فضاء، فيصلي إلى شيء شاخص بين يديه ‏كعصا مغروزة أو حربة، أو عرض البعير أو رحله عند الحنابلة، فإن لم يجد خطَّ خطاً قبالته، أو ‏بسط مصلَّى كسجادة كما ذكر الشافعية.‏
ودليلهم حديث أبي جحيفة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ركزت له العَنَزة، فتقدم وصلى ‏الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع" متفق عليه، وحديث طلحة بن عبيد الله ‏قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤَخَّرة الرحل، فليصل، ‏ولا يبال من مر وراء ذلك" رواه مسلم.‏
وسترة الإمام سترة لمن خلفه بالاتفاق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى سترة، ‏ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى، كما ذكر في رأي المالكية والحنفية.‏
وفي حديث عن ابن عباس قال: "أقبلت راكباً على حمار أتان، والنبي صلى الله عليه ‏وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض أهل الصف، فنزلت، فأرسلت ‏الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر علي أحد" متفق عليه.‏
وذكر الحنابلة: أنه لا بأس أن يصلى بمكة إلى غير سترة، فقد روي عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم فيما ذكر أحمد - "أنه صلى ثَمَّ، ليس بينه وبين الطواف سترة" أي كأن مكة ‏مخصوصة.‏
‏5- صفة السترة وقدرها:‏
للفقهاء آراء متقاربة في ذلك فقال الحنفية: أدنى السترة طول ذراع (46.20سم) فصاعداً ‏وغلظ أصبع، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل، فلا يضرك ‏من مر بين يديك" رواه مسلم، وقدرت العنزة التي كان يصلي إليها النبي صلى الله عليه وسلم في ‏الصحراء بذراع طولاً. ويعتبر الغرز دون الإلقاء والخط كما بينا. ويجوز عندهم الاستتار بظهر
‏ ________________‏
‏(1) العنزة : أطول من العصا، وأقصر من الرُّمح.‏
آدمي جالس أو قائم، أو بدابة لا إلى مصحف أو سيف، وحيلة الراكب: أن ينزل فيجعل الدابة بينه ‏وبين المصلي، فتصير سترة، فيمر. ومن احتاج إلى المرور بين يدي المصلي، ألقى شيئاً بين يدي ‏المصلي، ثم يمر من ورائه.‏
وقال المالكية أيضاً: أقلها طول الذراع في غلظ الرمح، بشرط أن تكون بشيء ثابت، ‏طاهر، وكره النجس، لا يشوش القلب، فلا يستر بصبي لا يثبت، ولا بامرأة، ولا إلى حلقة ‏المتكلمين، ولا بسوط وحبل ومنديل ودابة غير مربوطة، ويجوز الاستتار بالإبل والبقر والغنم ‏المربوطة، لأنها عندهم طاهرة الفضلة، ولا يجوز الاستتار بخط في الأرض ولا حفرة. بدليل ما ‏روي عن ابن عمر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم العيد، يأمر بالحربة، ‏فتوضع بين يديه، فيصلي إليها الناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر" متفق عليه، وعن أبي ‏جحيفة قال: "وبين يديه عَنَزة" وهي عصا قصيرة فيها زُجّ(1). متفق عليه.‏
ويكره عندهم الاستتار بظهر امرأة أجنبية أو كافر، ويجوز من غير كراهة الاستتار ‏برجل غير كافر، أو بامرأة محرم على الراجح.‏
وقال الشافعية: يستحب أن يصلي إلى شاخص قدر ثلثي ذراع طولاً وإن لم يكن له ‏عرض كسهم، لخبر: "استتروا في صلاتكم ولو بسهم" رواه الحاكم، ولا يستتر بدابة.‏
وقال الحنابلة كالحنفية والمالكية: قدر السترة في طولها ذراع أو نحوه، وأما قدرها في ‏الغلظ والدقة فلا حد عندهم، فيجوز أن تكون دقيقة كالسهم والحربة، وغليظة كالحائط، فإن النبي ‏صلى الله عليه وسلم كان يستتر بالعنزة.‏
واستدل الشافعية والحنابلة على إجزاء الخط بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم أنه قال: "إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينْصِب عصاً، فإن لم ‏يكن معه عصا، فليخط خطاً، ولا يضره ما مر بين يديه" رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد.‏
وصفة الخط عند الشافعية: أنه مستقيم طولاً. وعند الحنابلة: أنه مثل الهلال عرضاً ‏كالقنطرة، وقال بعض الحنابلة: كيفما خطه أجزأه، إن شاء معترضاً وإن شاء طولاً.‏
وإن كان معه عصا، فلم يمكنه نصبها، ألقاها عند الجمهور عرضاً، لأن هذا في معنى ‏الخط، فيقوم مقامه. وقال المالكية: لابد من وضعها منصوبة.‏
وأجاز الحنابلة أن يستتر ببعير أو حيوان أو إنسان، وفعله ابن عمر وأنس، بدليل ما ‏روى ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى إلى بعير" رواه البخاري ومسلم، وفي لفظ: ‏‏"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض راحلته، ويصلي إليها" قال: قلت: فإذا ذهب ‏الركاب؟ قال: يعرض الرحل، ويصلي إلى آخرته، فإن استتر بإنسان، فلا بأس، فإنه يقوم مقام ‏غيره من السترة.‏
‏____________________‏
‏(1) الزج : الحديدة التي في أسفل الرمح.‏
وعن نافع قال: "كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلاً إلى سارية من سواري المسجد، قال: ولّني ‏ظهرك". رواه البخاري.‏
وروي عن حميد بن هلال قال : "رأى عمر بن الخطاب رجلاً يصلي، والناس يمرون ‏بين يديه، فولاه ظهره، وقال بثوبه هكذا، وبسط يديه هكذا، وقال: صل ولا تعجل.‏
والخلاصة: أنه يصح الاستتار بظهر آدمي أو امرأة عند الحنفية والمالكية، وقال ‏الحنابلة: يصح الاستتار بالآدمي مطلقاً، ويصح عند الجمهور الاستتار بسترة مغصوبة ولا يصح ‏بها وتكره الصلاة إليها عند الحنابلة، ويصح الاستتار عند الجمهور بالسترة النجسة، ولا يصح ‏ذلك عند المالكية، ويصح بالاتفاق الاستتار بجدار.‏
‏6- استقبال وجه الإنسان أو الصلاة إلى نار أو صورة أو امرأة تصلي:‏
اتفق الفقهاء على أنه يكره أن يصلي مستقبلاً وجه إنسان، لأن عمر رضي الله عنه أدب ‏على ذلك، وفي حديث عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي حذاء وسط السرير، ‏وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، تكون لي الحاجة، فأكره أن أقوم، فاستقبله، فأنسل انسلالاً" متفق ‏عليه، ولأنه شبه السجود لذلك الشخص. والكراهة فيه عند الحنفية تحريمية.‏
ويكره اتفاقاً أن يصلى إلى نار من تنور، وسراج وقنديل وشمع ومصباح ونحوها، لأن ‏النار تعبد من دون الله، فالصلاة إليها تشبه الصلاة لها.‏
وتكره الصلاة إلى صورة منصوبة في وجهك، لأن الصورة تعبد من دون الله، وقد روي ‏عن عائشة قالت: "كان لنا ثوب فيه تصاوير، فجعلته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏وهو يصلي، فنهاني: أو قالت: كره ذلك" ولأن يكون في القبلة شيء معلق، مصحف أو غيره، ‏ولا بأس أن يكون موضوعاً على الأرض. وقال الحنفية: لا بأس بأن يصلي وبين يديه مصحف ‏معلق أو سيف معلق، لأنهما لا يعبدان. ولا بأس أن يصلي على بساط فيه تصاوير، لاستهانته بها.‏
ويكره أن يصلي، وأمامه امرأة تصلي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أخروهن من ‏حيث أخرهن الله". أما في غير الصلاة، فلا يكره لخبر عائشة المتقدم. وروى أبو حفص بإسناده ‏عن أم سلمة قالت: "كان فراشي حيال مصلَّى النبي صلى الله عليه وسلم".‏
‏7- المسافة بين السترة والمصلي:‏
يستحب عند الجمهور أن يقرب المصلي من سترته قدر ثلاثة أذرع فأقل من ابتداء ‏قدميه، لحديث بلال: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة، فصلى بينه وبين الجدار نحوٌ من ‏ثلاثة أذرع" رواه أحمد والنسائي، وروى الإسماعيلي عن سلمة: "كان المنبر على عهد رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما تمر العنز" وممر العنز: ثلاثة ‏أذرع.‏
وقال المالكية: يجعل بينه وبينها قدر ممر الهر أو الشاة، وقيل: ثلاثة أذرع. للحديث ‏المتفق عليه عن سهل بن سعد: "كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ‏ممر شاة".‏
‏8- موقف المصلي من السترة:‏
السنة باتفاق المذاهب الأربعة: أن يميل المصلي عن السترة يميناً أو يساراً، بحيث لا ‏يقابلها، ولا يصمُد لها صمداً (أي لا يجعلها تلقاء وجهه)، لما روى أبو داود عن المقداد بن ‏الأسود، قال: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى إلى عود أو إلى عمود، ولا شجرة، ‏إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمُد له صَمْداً" أي لا يستقبله، فيجعله وسطاً.‏
‏9- المرور بين يدي المصلي:‏
قال الحنفية: يكره تحريماً المرور بين يدي المصلي، ويأثم المار في موضع سجود ‏المصلي، إذا اتخذ سترة، دون أن يكون بينهما حائل كعمود أو جدار، وتحاذت بعض أعضاء ‏المار أعضاء المصلي كمحاذاة رأس المار قدمي المصلي، وذلك إذا كان يصلي في الصحراء. ‏ولو مر رجلان، فالإثم على من يلي المصلي.‏
فإن مر إنسان فيما بعد موضع سجود المصلي، أو لم يكن المصلي متخذاً سترة، أو وجد ‏حائل ولو ستارة، أو لم تتحاذ كل أعضاء المار مع أعضاء المصلي بأن مشى جانبه، أو مر في ‏المسجد وراء السترة، لم يحرم المرور ولم يأثم المار، لأن المؤثم المرور بين يدي المصلي، ولأن ‏المسجد كبقعة واحدة، ويجوز المرور بين يدي المصلي لسدّ فرجة في الصف.‏
كذلك يكره للمصلي أن يتعرض بصلاته لمرور الناس بين يديه، بأن يصلي بدون سترة ‏في طريق مثلاً، فيأثم بمرور الناس بين يديه بالفعل، لا بترك السترة، فلو لم يمر أحد لا يأثم، لأن ‏اتخاذ السترة في ذاته ليس واجباً.‏
ومن الذي يأثم؟ المصلي أم المار؟ هناك صور أربعة: الأولى: إثم المار وحده: أن يكون ‏للمار مندوحة عن المرور بين يدي المصلين ولم يتعرض المصلي لذلك، فيختص المار بالإثم إن ‏مر. الثانية: إثم المصلي وحده: وهي عكس الأولى: أن يكون المصلي تعرض للمرور وليس ‏للمار مندوحة عن المرور، فيختص المصلي بالإثم دون المار. الثالثة: أن يتعرض المصلي ‏للمرور ويكون للمار مندوحة، فيأثمان. الرابعة: ألا يتعرض المصلي ولا يكون للمار مندوحة، ‏فلا يأثم واحد منهما.‏
وقال المالكية: يأثم المار بين يدي المصلي فيما يستحقه من محل صلاته، سواء صلى ‏لسترة أم لا، ما لم يكن محرماً بصلاة، فيجوز له المرور لسد فرجة بصف أو لغسل رعاف، وما ‏لم يكن طائفاً بالبيت الحرام، فلا حرمة على الطائف والمصلي إذا مَرَّا بين يدي المصلي، ولو كان ‏لهما مندوحة، أي سعة وطريق يمران فيهما. وحرمة المرور هذه إذا كان للمار مندوحة أي سعة ‏وطريق آخر يمر فيه. فإن لم يكن له طريق إلا ما بين يدي المصلي، فلا إثم عليه إن احتاج ‏للمرور، وإلا أثم.‏
ويأثم مصل تعرَّض بصلاته من غير سترة في محل يظن به المرور، ومرَّ بين يديه أحد.‏
وقد يأثمان معاً إن تعرض بغير سترة، وكان للمار مندوحة.‏
وقد يأثم أحدهما، فيأثم المصلي إن تعرض، ولا مندوحة للمار، ويأثم المار إن كان له ‏مندوحة ولم يتعرض المصلي، أي إن قصر أحدهما دون الآخر أثم وحده.‏
وقد لا يأثم واحد منهما إن اضطر المار، ولم يتعرض المصلي.‏
وقال الشافعية: الصحيح تحريم المرور إن اتخذ المصلي سترة، وإن لم يجد المار سبيلاً ‏آخر، لخبر أبي جهم الأنصاري: "لو يعلم المار بين يدي المصلي (أي إلى السترة) ماذا عليه من ‏الإثم، لكان أن يقف أربعين خريفاً، خيراً له من أن يمر بين يديه" رواه البخاري ومسلم.‏
ويكره تعرض المصلي بصلاته في موضع يحتاج للمرور فيه.‏
وقال الحنابلة: يأثم المار بين يدي المصلي، ولو لم يكن له سترة، لحديث أبي جهم ‏الأنصاري السابق. ويكره تعرض المصلي لمكان فيه مرور، كما قال الشافعية.‏
المرور أمام المصلي في أثناء الطواف: اتفق الفقهاء على أنه يجوز المرور بين يدي ‏المصلي للطائف بالبيت أو داخل الكعبة أو خلف مقام إبراهيم عليه السلام، وإن وجدت سترة، ‏وأضاف الحنابلة أنه لا يحرم المرور بين يدي المصلي في مكة كلها وحرمها.‏
‏10- موضع حرمة المرور:‏
قال الحنفية: إن كان يصلي في الصحراء أو في مسجد كبير، فيحرم المرور بين يديه، ‏من موضع قدمه إلى موضع سجوده. وإن كان يصلي في بيت أو مسجد صغير (وهو ما كان أقل ‏من أربعين ذراعاً)، فإنه يحرم المرور من موضع قدميه إلى حائط القبلة، لأنه كبقعة واحدة، إن ‏لم يكن له سترة.‏
فلو كانت له سترة لا يضر المرور وراءها.‏
ولا يجعل المسجد الكبير أو الصحراء كمكان واحد، لأنه لو جعل كذلك، لزم الحرج على ‏المارة، فاقتصر على موضع السجود.‏
وقال المالكية: إن صلى لسترة حرم المرور بينه وبين سترته، ولا يحرم من ورائها، وإن ‏صلى لغير سترة، حرم المرور في موضع قيامه وركوعه وسجوده فقط.‏
وقال الشافعية: يحرم المرور فيما بين المصلي وسترته بقدر ثلاثة أذرع فأقل.‏
وقال الحنابلة: إن اتخذ المصلي سترة حرم المرور بينه وبينها ولو بعدت، وإن لم يتخذ ‏سترة حرم المرور في مسافة بقدر ثلاثة أذرع من قدمه.‏
‏11- دفع المار بين يدي المصلي:‏
يرى أكثر العلماء أن للمصلي منع المار بين يديه ودفعه، لما ثبت في السنة من الأحاديث ‏الصحيحة، منها ما رواه ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان أحدكم يصلي، فلا ‏يدع أحداً يمرّ بين يديه، فإن أبى فلْيقاتلْه، فإن معه القَرين" رواه مسلم وابن ماجه.‏
ومنها حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا صلَّى ‏أحدكم إلى شيء يستُره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما ‏هو شيطان" رواه البخاري ومسلم أي من فعل الشيطان.‏
ولكن اختلف الفقهاء في أفضلية دفع المار:‏
فقال الحنفية: هو رخصة، والأولى تركه، والعزيمة ترك التعرض له. أما الأمر بمقاتلة ‏المار فكان في بدء الإسلام حين كان العمل في الصلاة مباحاً، فهو منسوخ.‏
وإذا أراد الرجل الدفع عملاً بالرخصة: دفع بالإشارة، أو التسبيح، أو الجهر بالقراءة، ولا ‏يزاد عليها، ويكره الجمع بينهما. وتدفع المرأة بالإشارة أو بالتصفيق لا بباطن الكفين، وإنما ببطن ‏اليمنى على ظهر اليسرى.‏
ودليل الدفع بالإشارة: ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بولدي أم سلمة رضي الله ‏عنها رواه ابن ماجه. ودليل الدفع بالتسبيح حديث: "من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا ‏سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء". وراه البخاري ومسلم.‏
وقال المالكية: يندب للمصلي أن يدفع المار بين يديه دفعاً خفيفاً فإن كثر أبطل صلاته، ‏ولو دفعه فأتلف له شيئاً، كما لو خرق ثوبه أو سقط منه مال، ضمن على المعتمد، ولو دفعه دفعاً ‏مأذوناً فيه.‏
وقال الشافعية والحنابلة: يسن للمصلي أن يدفع المار بينه وبين سترته، عملاً بالأحاديث ‏الثابتة المتقدمة، ويضمن المصلي المار إن قتله أو آذاه. هذا ولا يرد المار بين يدي المصلي في ‏مكة والحرم، بدليل ما روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن المُطّلِب بن وَدَاعة: "أنه ‏رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه، وليس ‏بينهما سُترة".‏
‏12- هل المرور بين يدي المصلي يقطع الصلاة؟
اتفق ائمة المذاهب الأربعة على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطعها ولا يبطلها، وإنما ‏ينقص الصلاة إذا لم يرده، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقطع صلاة المرء شيء، وادرءوا ما ‏استطعتم".‏
وقال الإمام أحمد: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم(1)، قال معاذ ومجاهد: الكلب ‏الأسود شيطان، وهو يقطع الصلاة.‏
واقتصر الحنابلة على بطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود، لمعارضة هذين الحديثين ‏بحديث الفضل بن عباس عند أبي داود المتضمن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أمام حمار، ‏وحديث عائشة السابق المتضمن صلاة الرسول عليه وهي معترضة بينه وبين القبلة، وحديث ابن ‏عباس السابق المتفق عليه الذي مر راكباً على حمار، ثم نزل وترك الأتان ترتع بين الصفوف، ‏فبقي الكلب الأسود خالياً عن معارض فيجب القول به لثبوته، وخلوه عن معارض.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:16 PM
صفة الصلاة أو كيفيتها



ما تحرم الصلاة فيه (الصلاة في الموضع المغصوب):‏
الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع، لأن اللبث فيها يحرم في غير الصلاة، ‏فلأن يحرم في الصلاة أولى.‏
وهل تصح الصلاة في المكان المغصوب؟
قال الجمهور غير الحنابلة: الصلاة صحيحة، لأن النهي لا يعود إلى الصلاة، فلم يمنع ‏صحتها، كما لو صلى وهو يرى غريقاً يمكنه إنقاذه، فلم ينقذه، أو حريقاً يقدر على إطفائه فلم ‏يطفئه، أو مطل غريمه الذي يمكن ايفاؤه وصلى. ويسقط بها الفرض مع الإثم، ويحصل بها ‏الثواب، فيكون مثاباً على فعله، عاصياً بمقامه، وإثمه إذن للمكث في مكان مغصوب.‏
وقال الحنابلة: لا تصح الصلاة في الموضع المغصوب، ولو كان جزءاً مشاعاً، أو في ‏ادعائه الملكية، أو في المنفعة المغصوبة من أرض أو حيوان أو بادعاء إجارتها ظالماً، أو وضع ‏يده عليها بدون حق، لأنها عبادة أتى بها على الوجه المنهي عنه، فلم تصح، كصلاة الحائض ‏وصومها، وذلك لأن النهي يقتضي تحريم الفعل واجتنابه والتأثيم بفعله، فكيف يكون مطيعاً بما ‏هو عاص به، ممتثلاً بما هو محرم عليه، متقرباً بما يبعد به ؟! فإن حركاته وسكناته من القيام ‏والركوع والسجود أفعال اختياريه، هو عاص بها منهي عنها. ويختلف الأمر عن إنقاذ الغريق ‏وإطفاء الحريق، لأن أفعال الصلاة في نفسها منهي عنها.‏
وأضاف الحنابلة: أنه يصح الوضوء والأذان وإخراج الزكاة والصوم والعقود كالبيع ‏والنكاح وغيرهما، والفسوخ كالطلاق والخلع، في مكان مغصوب، لأن البقعة ليست شرطاً فيها، ‏بخلاف الصلاة.‏
وتصح الصلاة في بقعة أبنيتها غصب، ولو استند إلى الأبنية لإباحة البقعة المعتبرة في ‏الصلاة.‏
وتصح صلاة من طولب برد وديعة أو رد غصب، قبل دفعها إلى صاحبها، ولو بلا ‏عذر، لأن التحريم لا يختص بالصلاة.‏
ولو صلى على أرض غيره ولو كانت مزروعة بلا ضرر ولا غصب، أو صلى على ‏مصلاه بلا غصب ولا ضرر، جاز وصحت صلاته.‏
وإن صلى في غصب من بقعة أو غيرها جاهلاً أو ناسياً كونه غصباً، صحت صلاته، ‏لأنه غير آثم.‏
وإذا حبس في مكان غصب، صحت صلاته، لحديث: "عفي عن أمتي الخطأ والنسيان ‏وما استكرهوا عليه".‏
الأرض المسخوط عليها: وتصح الصلاة في الأرض المسخوط عليها، كأرض الخسف، ‏وكل بقعة نزل فيها عذاب، كأرض بابل، وأرض الحِجْر(1)، ومسجد الضرار(2)، وتكره الصلاة ‏في هذه المواضع، لأن هذا المسجد موضع مسخوط عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم ‏مر بالحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم".‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:17 PM
الأذكار الواردة عقب الصلاة:‏

يسن ذكر الله والدعاء المأثور والاستغفار عقب الصلاة، إما بعد الفريضة مباشرة إذا لم ‏يكن لها سنة بعدية كصلاة الفجر وصلاة العصر، وإما بعد الانتهاء من السنة البعدية كصلاة ‏الظهر والمغرب والعشاء، لأن الاستغفار يعوض نقص الصلاة، والدعاء سبيل الحظوة بالثواب ‏والأجر بعد التقرب إلى الله بالصلاة.‏
ويأتي بالأذكار سراً على الترتيب التالي إلا الإمام المريد تعليم الحاضرين فيجهر إلى أن ‏يتعلموا، ويقبل الإمام على الحاضرين، جاعلاً يساره إلى المحراب، قال سمرة: "كان النبي صلى ‏الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه" رواه البخاري.‏
‏___________________‏
‏(1) ديار ثمود بين المدينة والشام، وهم قوم صالح عليه السلام.‏
‏(2) هو مسجد بناه المنافقون، مجاور لمسجد قباء في المدينة، ليكون مركزاً للمؤمرات، وفيه ‏نزلت الآيات : {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وارصاداً لمن حارب ‏الله ورسوله من قبل ...} (الآية 17 من سورة التوبة).‏
‏1- يقول: "أستغفر الله" ثلاثاً، أو "أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيوم ‏وأتوب إليه" ثلاثاً. ثم يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، وإليك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا ‏الجلال والإكرام" لما روى ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان إذا سلم - وفي لفظ إذا ‏انصرف من صلاته - استغفر ثلاثاً، ويقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال ‏والإكرام" رواه مسلم.‏
ثم يقول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" لحديث معاذ ابن جبل، قال: ‏‏"لقيني النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة - أو في دبر ‏كل صلاة - اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" رواه أبو داود والنسائي.‏
‏2- يقرأ آية الكرسي، وسورة الإخلاص: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، والمعوذتين {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ‏الْفَلَقِ}، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} والفاتحة، لما روى الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ آية الكرسي في دُبُر الصلاة المكتوبة، كان في ذمة الله ‏إلى الصلاة الأخرى" رواه الطبراني، ولخبر أبي أمامه: "من قرأ آية الكرسي، وقل هو الله أحد، ‏دُبُر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت" رواه النسائي.‏
ولما روي عن عقبة بن عامر، قال: "أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقرأ المعوذات ‏دبر كل صلاة" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد.‏
‏3- يسبح الله يقول (سبحان الله)، ويحمده يقول (الحمد لله)، ويكبره يقول (الله أكبر) ثلاثاً ‏وثلاثين، ثم يختم تمام المائة بقوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ‏ويميت، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا ‏الجد منك الجد" لحديث أبي هريرة، قال: "من سبَّح الله دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحَمِد الله ‏ثلاثاً وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسع وتسعون - عدد أسماء الله الحسنى - وقال: تمام ‏المائة: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غُفرت ‏خطاياه، ولو كانت مثلَ زَبَد البحر" رواه مسلم.‏
وعن المغيرة بن شُعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة ‏مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا ‏مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجدّ" متفق عليه، وروى مسلم عن ‏ابن الزبير نحوه، وزاد بعد "قدير": "ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له ‏النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون".‏
‏4- يقول - قبل القراءة والتحميد وغيرهما من المذكور في الرقمين السابقين - بعد ‏صلاتي الصبح والمغرب، وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم، عشر مرات: "لا إله إلا الله وحده لا ‏شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير" لخبر أحمد عن عبد ‏الرحمن بن غُنم مرفوعاً. رواه الترمذي والنسائي.‏
ويقول أيضاً وهو على الصفة المذكورة سبع مرات: "اللهم أجرني من النار" لحديث ‏مسلم بن الحرث التميمي عن أبيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أسرَّ إليه، فقال: إذا انصرفت ‏من صلاة المغرب، فقل: اللهم أجرني من النار سبع مرات" وفي رواية: "قبل أن تكلم أحداً، فإنك ‏إذا قلت ذلك ثم مت في ليلتك، كتب لك جواراً منها، وإذا صليت الصبح، فقل مثل ذلك، فإنك إن ‏مت من يومك، كتب لك جواراً منها، قال الحرث: أسر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن ‏نخص بها إخواننا" رواه أبو داود وأحمد وابن حبان.‏
‏5- ثم يدعو المصلي لنفسه وللمسلمين بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، وخصوصاً بعد ‏الفجر والعصر، لحضور ملائكة الليل والنهار فيهما، فيؤمِّنون على الدعاء، فيكون أقرب للإجابة. ‏وأفضل الدعاء هو المأثور في السنة، مثل ما روى سعد بن أبي وقاص: أنه كان يعلِّم بنيه هؤلاء ‏الكلمات، كما يُعلِّم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوَّذ ‏بهن دُبُر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل ‏العُمُر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر" رواه البخاري.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:17 PM
ما يستحب للمصلي بعد انتهاء الصلاة المفروضة:‏

استحب الفقهاء بعد انتهاء الفريضة ما يأتي.‏
‏1- يستحب الانتظار قليلاً أو اللبث للإمام مع المصلين، إذا كان هناك نساء، حتى ‏ينصرف النساء ولا يختلطن بالرجال، لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم، قام النساء، حتى يقضي تسليمَه، وهو يمكث في مكانه يسيراً، قبل أن ‏يقوم، قالت: فنُرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء، قبل أن يُدركَهن الرجال. رواه ‏البخاري.‏
‏2- وينصرف المصلي في جهة حاجته إن كانت له يميناً أو شمالاً، فإن لم تكن له حاجة، ‏انصرف جهة يمينه، لأنها أفضل، لقول ابن مسعود: "لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً من صلاته، ‏يرى حقاً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما ‏ينصرف عن شماله" رواه مسلم، وعن قبيصة بن هُلْب عن أبيه: "أنه صلى مع النبي صلى الله ‏عليه وسلم، فكان ينصرف عن شقيه" رواه أبو داود وابن ماجه.‏
‏3- يندب أن يفصل المصلي بين الفرض والسنة بكلام أو انتقال من مكانه، والفصل ‏بالانتقال أفضل، للنهي عن وصل ذلك إلا بعد المذكور، والانتقال أفضل تكثيراً للبقاع التي تشهد ‏له يوم القيامة. ويفصل بين الصبح وسنته بالاضطجاع على جنبه الأيمن أو الأيسر، اتباعاً للسنة.‏
وقال أحمد: لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة، كما قال علي رضي الله ‏عنه. وقال أحمد أيضاً: من صلى وراء الإمام، فلا بأس أن يتطوع مكانه، كما فعل ابن عمر. ‏روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتطوع الإمام في مقامه الذي ‏يصلي فيه بالناس" وذكر الشافعية أن النفل الذي لا تسن فيه الجماعة صلاته في البيت أفضل منه ‏بالمسجد، للخبر الصحيح: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" لتعود بركة صلاته على ‏منزله.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:19 PM
القنوت في الصلاة



يندب القنوت في الصلاة، لكن الفقهاء اختلفوا في تحديد الصلاة التي يقنت فيها على ‏آراء، فقال الحنفية والحنابلة: يقنت في الوتر، قبل الركوع عند الحنفية، وبعد الركوع عند ‏الحنابلة، ولا يقنت غيره من الصلوات.‏
وقال المالكية والشافعية: يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع، والأفضل عند المالكية ‏قبل الركوع، ويكره عند المالكية القنوت في غير الصبح.‏
ويستحب عند الحنفية والشافعية والحنابلة: القنوت في الصلوات المفروضة إذا نزلت ‏بالمسلمين نازلة، وحصرها الحنابلة في صلاة الصبح، والحنفية في صلاة جهرية.‏
وتفصيل الكلام عن كل مذهب ما يأتي:‏
أولاً- قنوت الوتر أو الصبح :‏
قال الحنفية: يقنت المصلي في صلاة الوتر، فيكبر بعد الانتهاء من القراءة، ويرفع يديه ‏كرفعه عند الافتتاح، ثم يضعهما تحت سرته، ثم يقنت، ثم يركع، ولا يقنت في صلاة غير الوتر ‏إلا لنازلة في الصلاة الجهرية، وأما قنوت النبي صلى الله عليه وسلم في الفجر شهراً فهو منسوخ ‏بالإجماع، لما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قنت في صلاة الفجر شهراً ثم تركه. رواه ‏الطبراني والبزار.‏
وحكمه عندهم: أنه واجب عند أبي حنيفة.‏
ومحل أدائه: الوتر في جميع السنة قبل الركوع من الركعة الثالثة، بدليل ما روي عن ‏جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وهم (عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب) ‏أن قنوت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الوتر قبل الركوع.‏
ومقداره كمقدار: إذا السماء انشقت، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ ‏في القنوت: اللهم إنا نستعينك، أو اللهم اهدنا فيمن هديت الخ، وكلاهما على مقدار هذه السورة.‏
وصيغة الدعاء المفضلة عندهم وعند المالكية: "اللهم إنا نستعينك ونستهديك، ونستغفرك ‏ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع(1) ‏ونترك من يفجُرُك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد(2)، نرجو رحمتك ‏ونخشى عذابك، إن عذابك الجِدَّ(3) بالكفار مُلحِقَ"(4) وهو الدعاء المشهور لابن عمر، ولا مانع ‏من صحة نسبته لكل من عمر وابنه.‏
وذلك بدليل ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران، قال : "بينما ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر، إذ جاءه جبريل، فأومأ إليه أن اسكت، فسكت، ‏فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعَّاناً، وإنما بعثك رحمة للعالمين، ليس لك من الأمر ‏شيء، ثم علّمه القنوت: اللهم إنا نستعينك ... إلخ" ولأن الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على هذا ‏القنوت، فالأولى أن يقرأه. ولو قرأ غيره جاز، ولو قرأ معه غيره، كان حسناً. والأولى أن يقرأه ‏بعدما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما في قنوته: اللهم اهدنا ‏فيمن هديت .. إلى آخره، رواه الترمذي وأبو داود. ثم بعده يصلي فيه على النبي صلى الله عليه ‏وسلم وآله، فيقول: "وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم".‏
ومن لا يحسنه بالعربية أو لا يحفظه،إما أن يقول: يا رب أو اللهم اغفر لي ثلاثاً أو "ربنا ‏آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" والآية الأخيرة أفضل. ويجعل قنوته ‏سراً.‏
وحكمه حال نسيانه: إذا نسي المصلي القنوت حتى ركع، ثم تذكر بعدما رفع رأسه من ‏الركوع، لا يعود إليه، ويسقط عنه القنوت. كما يسقط عنه إذا تذكره في الركوع، ثم يسجد للسهو ‏في آخر صلاته قبل السلام، لفوات القنوت عن محله، فإن عاد إليه وقنت، ولم يعد الركوع، لم ‏تفسد صلاته، لكون ركوعه بعد قراءة تامة.‏
ويأتي المأموم بقنوت الوتر، ولو اقتدى بشافعي يقنت بعد الركوع، لأنه مجتهد فيه.‏
وإذا أدرك المقتدي الإمام في ركوع الثالثة من الوتر، كان مدركاً للقنوت حكماً، فلا يأتي ‏به في آخر صلاته.‏
وقالوا أخيراً: إذا قنت الإمام في صلاة الفجر سكت من خلفه عند أبي حنيفة ومحمد
‏__________________‏
‏(1) نلقي.‏
‏(2) نبادر ونسارع.‏
‏(3) الحق.‏
‏(4) لاحق بهم.‏
رحمهما الله، وهو الأظهر، لأنه منسوخ ولا متابعة فيه، وقال أبو يوسف: يتابعه، لأنه تبع لإمامه، ‏والقنوت مجتهد فيه.‏
مذهب المالكية:‏
يندب عند المالكية قنوت سراً في الصبح فقط، لا في الوتر وغيره فيكره، وذلك قبل ‏الركوع، وهو أفضل، ويجوز بعد الركوع. ولفظه المختار: اللهم إنا نستعينك ... إلخ كالحنفية، ولا ‏يضم إليه: "اللهم اهدنا فيمن هديت .." إلخ على المشهور.‏
ويقنت الإمام والمأموم والمنفرد سراً، ولا بأس برفع اليدين فيه.‏
مذهب الشافعية:‏
يسن عندهم القنوت في اعتدال ثانية الصبح، وصيغته المختارة هي: "اللهم اهدني فيمن ‏هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، ‏فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا ‏وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك"(1)، وصلى الله على سيدنا محمد ‏النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.‏
ويقنت الإمام بلفظ الجمع، فيقول: اللهم اهدنا .. إلخ، لأن البيهقي رواه بلفظ الجمع، فحمل ‏على الإمام.‏
ودليلهم على اختيار هذه الصيغة: ما رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي ‏الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح ‏في الركعة الثانية، رفع يديه، فيدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت .. إلخ ما تقدم. وزاد ‏البيهقي فيه عبارة: "فلك الحمد على ما قضيت .. "إلخ.‏
وقال أنس بن مالك: "ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر، حتى فارق ‏الدنيا" رواه أحمد وكان عمر يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم.‏
والصحيح سن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر القنوت للأخبار ‏الصحيحة في ذلك. كما يسن الصلاة على الآل، وسن رفع اليدين فيه كسائر الأدعية، اتباعاً للسنة.‏
ويسن في الدعاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء إن دعا لرفع بلاء، وعكسه إن دعا ‏لتحصيل شيء. وقد أفتى بعض الشافعية بأنه لا يسن ذلك عند قوله في القنوت : "وقني شر ما ‏قضيت" لأن الحركة في الصلاة ليست مطلوبة.‏
‏_____________________‏
‏(1) معناه إجمالاً : اللهم دلني على الطريق التي توصل إليك، مع من دللته إلى الطريق التي ‏توصل إليك، وعافني من البلايا مع من عافيته منها، وتول أموري وحفظي مع من توليت أموره ‏وحفطه، وأنزل يا الله البركة : وهي الخير الإلهي فيما أعطيته لي، واحفظني مما يترتب على ما ‏قضيته من السخط والجزع، وإلا فالقضاء المحتم لا بد من نفوذه. وأنت تحكم ولا يحكم عليك، لا ‏معقب لحكمه، ولا يحصل لمن واليته ذل، ولا يحصل لمن عاديته عز، تزايد برك وإحسانك ‏وارتفعت عما لا يليق بك. ويقول "ربنا" بصيغة الجمع ولو كان منفرداً اتباعاً للوارد. لك الحمد ‏من حيث نسبته إليك، لأنه لا يصدر عنك إلا الجميل، وإنما يكون شراً بنسبته لنا، أستغفرك من ‏الذنوب وأتوب إليك.‏
‏ ‏
والصحيح أنه لا يمسح بيديه وجهه، لعدم وروده، كما قال البيهقي. والإمام يجهر ‏بالقنوت، اتباعاً للسنة، ويؤمن المأموم للدعاء إلى قوله: "وقني شر ما قضيت"، ويجهر به كما في ‏تأمين القراءة، ويقول الثناء سراً بدءاً من قوله: "فإنك تقضي .." إلخ، لأنه ثناء وذكر فكانت ‏الموافقة فيه أليق، أو يقول: أشهد، والأول أولى، وقال بعضهم: الثاني أولى. فإن لم يسمع الإمام ‏قنت ندباً معه سراً كسائر الدعوات والأذكار التي لا يسمعها.‏
وهل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل الدعاء، فيؤمن فيها، أو من قبيل ‏الثناء فيشارك فيها ؟ المعتمد هو الأول، لكن الأولى الجمع بينهما. ولا يرد على اقتصاره على ‏التأمين قوله صلى الله عليه وسلم: "رغم أنف امرئ ذكرت عنده، فلم يصل علي" رواه الترمذي ‏والحاكم لأنه في غير المصلي، على أن التأمين في معنى الصلاة عليه.‏
ويصح الدعاء بغير هذه الصيغة، بكل ذكر مشتمل على دعاء وثناء، مثل: "اللهم اغفر ‏لي يا غفور" فقوله: "اغفر لي" دعاء، وقوله: "يا غفور" ثناء، ومثل "وارحمني يا رحيم" أو ‏‏"والطف بي يا لطيف" والأولى أن يقول: "اللهم اهدني .." السابق.‏
ويكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، لكن يستحب له الجمع بين قنوت النبي صلى الله عليه ‏وسلم "اللهم اهدني .. إلخ" وقنوت عمر أو ابنه: "اللهم إنا نستعينك ونستهديك" السابق. والجمع ‏لمنفرد وإمام جماعة التطويل، وإن اقتصر فليقتصر على الأول.‏
ويزاد عليهما: "اللهم عذب الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين، الذين يصدون عن ‏سبيلك، ويكذبون رسولك، ويقاتلون أولياءك. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين ‏والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم أصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم ‏الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك، وأوزعهم (أي ألهمهم) أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم ‏عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق، واجعلنا منهم".‏
والقنوت كما سنبين من أبعاض الصلاة، فإن تركه كله أو بعضه، أو ترك شيئاً من قنوت ‏عمر إذا جمعه مع قنوت النبي عليه السلام، أو ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعده، ‏سجد للسهو. كما يسجد للسهو إن ترك القنوت تبعاً لإمامه الحنفي، أو تركه إمامه المذكور وأتى ‏به هو.‏
مذهب الحنابلة:‏
يسن القنوت عندهم كالحنفية، في الوتر في الركعة الواحدة في جميع السنة، بعد الركوع، ‏كما قال الشافعي في وتر النصف الأخير من رمضان، فإن قنت قبل الركوع فلا بأس، لما روى ‏ابن مسعود: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع" رواه مسلم وروى حميد، قال: سئل ‏أنس عن القنوت في صلاة الصبح؟ فقال: "كنا نقنت قبل الركوع وبعده" رواه ابن ماجه.‏
ويقول في قنوته جهراً إن كان إماماً أو منفرداً: "اللهم إنا نستعينك .. إلخ" "اللهم اهدنا ‏فيمن هديت" والثاني أولى كما ذكر ابن قدامة، لما روى الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال ‏علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت .. إلخ ‏رواه أبو داود والترمذي. وعن عمر رضي الله عنه: أنه قنت في صلاة الفجر، فقال: بسم الله ‏الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك .. إلخ ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى آله. ولا ‏بأس أن يدعو في قنوته بما شاء غير ما تقدم.‏
وإذا أخذ الإمام في القنوت أمَّن من خلفه، ويرفع يديه، ويمسح وجهه بيديه، لقول النبي ‏صلى الله عليه وسلم: "إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك، ولا تدع بظهورها، فإذا فرغت فامسح ‏بها وجهك" رواه أبو داود وابن ماجه، وروى السائب بن يزيد عن أبيه : "أن النبي صلى الله عليه ‏وسلم كان إذا دعا، رفع يديه، ومسح بهما وجهه" رواه أبو داود. ويؤمن المأموم بلا قنوت إن ‏سمع، وإن لم يسمع دعا.‏
ولا يسن القنوت في الصبح ولا غيرها من الصلوات سوى الوتر، كما قال الحنفية، لما ‏روي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً، يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه" ‏رواه مسلم.‏
ثانياً- القنوت أثناء النوازل:‏
قال الحنفية والشافعية والحنابلة: يشرع القنوت للنازلة لا مطلقاً، في الجهرية فقط عند ‏الحنفية، وفي سائر الصلوات المكتوبات عند غيرهم إلا الجمعة عند الحنابلة اكتفاءً بالدعاء في ‏خطبتها، ويجهر في دعائه في هذا القنوت. والنازلة: أن ينزل بالمسلمين خوف أو قحط أو وباء أو ‏جراد، أو نحوها، اتباعاً للسنة، لأنه "صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على قاتلي أصحابه ‏القراء ببئر معونة" وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على ‏أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع ..".‏
وكون القنوت عند النازلة لم يشرع مطلقاً بصفة الدوام، عند الشافعية، فلأنه صلى الله ‏عليه وسلم لم يقنت إلا عند النازلة.‏
ويدعو بنحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وروي عن عمر رضي ‏الله عنه أنه كان يقول في القنوت: "اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، ‏وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل ‏الكتاب الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل ‏بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك".‏
ولا يسن السجود لترك قنوت النوازل، لأنه - كما قال الشافعية - ليس من أبعاض ‏الصلاة.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:21 PM
صلاة الوتر



التعريف:‏
الوتر (بفتح الواو وكسرها) لغة: العدد الفردي، كالواحد والثلاثة والخمسة، ومنه قول ‏النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وتر يحب الوتر" رواه مسلم. ومن كلام العرب: كان القوم ‏شفعاً فوترتهم وأوترتهم، أي جعلت شفعهم وتراً. وفي الحديث: "من استجمر فليوتر" رواه ‏البخاري، معناه: فليستنج بثلاثة أحجار أو خمسة أو سبعة، ولا يستنج بالشفع.‏
والوتر في الاصطلاح: صلاة الوتر، وهي صلاة تفعل ما بين صلاة العشاء وطلوع ‏الفجر، تختم بها صلاة الليل، سميت بذلك لأنها تصلى وتراً، ركعة واحدة، أو ثلاثاً، أو أكثر، ولا ‏يجوز جعلها شفعاً، ويقال: صليت الوتر، وأوترت، بمعنى واحد. وصلاة الوتر اختلف فيها، ففي ‏قول: هي جزء من صلاة قيام الليل والتهجد، قال النووي: هذا هو الصحيح المنصوص عليه في ‏الأم، وفي المختصر. وفي وجه أي لبعض الشافعية: أنه لا يسمى تهجداً، بل الوتر غير التهجد.‏
حكم الوتر:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوتر سنة مؤكدة، وليس واجباً، ودليل سنيته قول النبي ‏صلى الله عليه وسلم: "إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن" رواه الترمذي وقال: ‏حديث حسن، وإن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وواظب عليه.‏
واستدلوا لعدم وجوبه بما ثبت: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أعرابي: عما فرض ‏الله عليه في اليوم والليلة؟ فقال: خمس صلوات، فقال : هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوّع" ‏رواه البخاري ومسلم.‏
وقال علي - رضي الله عنه - "الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة، ولكن سنة، سنها ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم" قالوا: ولأن الوتر يجوز فعله على الراحلة لغير الضرورة، ‏وثبت ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: "كان رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قِبَل أي وجه توجّه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها ‏المكتوبة" رواه البخاري، فلو كانت واجبة لما صلاها على الراحلة، كالفرائض.‏
وذهب أبو حنيفة إلى أن الوتر واجب، وليس بفرض، وإنما لم يجعله فرضاً لأنه لا يكفر ‏جاحده، ولا يؤذن له كأذان الفرائض، واستدل بوجوبه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : "الوتر ‏حق، فمن لم يوتر فليس منا" كرر ثلاثاً رواه أبو داود، وبقوله صلى الله عليه وسلم : "إن الله ‏تعالى أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي صلاة الوتر، فصلوها ما بين صلاة العشاء ‏إلى صلاة الفجر" رواه الترمذي والحاكم، وهو أمر، والأمر يقتضي الوجوب، والأحاديث الآمرة ‏به كثيرة، ولأنه صلاة مؤقتة تقضى.‏
وجوب الوتر على النبي صلى الله عليه وسلم:‏
صرح الشافعية والحنابلة: بأن من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الوتر ‏عليه، قالوا: وكونه كان يصلي الوتر على الراحلة يحتمل أنه لعذر، أو أنه كان واجباً عليه في ‏الحضر دون السفر. واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هن عليّ فرائض، وهن ‏لكن تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة الضحى".‏
درجة السنية في صلاة الوتر عند غير الحنفية، ومنزلتها بين سائر النوافل:‏
صلاة الوتر عند الجمهور سنة مؤكدة للأحاديث التي تحض عليها، وحديث خارجة بن ‏حذافة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمدّكم بصلاة هي خير لكم من حمر ‏النعم، وهي صلاة الوتر، فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر". رواه الترمذي ‏والحاكم.‏
ومن هنا ذهب الحنابلة إلى أن من تركها فقد أساء، وكره له ذلك. قال أحمد: من ترك ‏الوتر عمداً فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل له شهادة .. ا هـ.‏
والوتر من السنن الرواتب عند الحنابلة، وهو عند المالكية والشافعية: آكد الرواتب ‏وأفضلها.‏
وآكد النوافل عند الحنابلة: صلاة الكسوف، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتركها عند ‏وجود سببها، ثم الاستسقاء، لأنه تشرع لها الجماعة مطلقاً، فأشبهت الفرائض، ثم التروايح، لأنه ‏لم يداوم عليها خشية أن تفرض، لكنها أشبهت الفرائض من حيث مشروعية الجماعة لها، ثم ‏الوتر، لأنه ورد فيه من الأخبار ما لم يأت مثله في ركعتي الفجر، ثم سنة الفجر، ثم سنة المغرب، ‏ثم باقي الرواتب سواء.‏
وقت الوتر:‏
وقت الوتر عند الحنابلة وعند الشافعية يبدأ من بعد صلاة العشاء وذلك لحديث خارجة ‏المتقدم، وفيه: "فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" قالوا: ويصلي استحباباً بعد سنة العشاء، ‏ليوالى بين العشاء وسنتها. قالوا : ولو جمع المصلي بين المغرب والعشاء جمع تقديم، أي في ‏وقت المغرب فيبدأ وقت الوتر من بعد تمام صلاة العشاء.‏
ومن صلى الوتر قبل أن يصلي العشاء لم يصح وتره لعدم دخول وقته، فإن فعله نسياناً ‏أعاده.‏
وآخر وقته عند الشافعية، والحنابلة طلوع الفجر الثاني لحديث خارجة المتقدم.‏
وذهب المالكية: إلى أن أول وقت صلاة الوتر من بعد صلاة العشاء الصحيحة ومغيب ‏الشفق، فمن قدم العشاء في جمع التقديم فإنه لا يصلي الوتر إلا بعد مغيب الشفق. وأما آخر وقت ‏الوتر عندهم فهو طلوع الفجر، إلا في الضرورة، وذلك لمن غلبته عيناه عن ورده فله أن يصليه، ‏فيوتر ما بين طلوع الفجر وبين أن يصلي الصبح، ما لم يخش أن تفوت صلاة الصبح بطلوع ‏الشمس. فلو شرع في صلاة الصبح، وكان منفرداً، قبل أن يصلي الوتر، ندب له قطعها ليصلي ‏الوتر. ولا يندب ذلك للمؤتم، وفي الإمام روايتان.‏
وذهب الحنفية: إلى أن وقت الوتر هو وقت العشاء، أي من غروب الشفق إلى طلوع ‏الفجر، ولذا اكتفي بأذان العشاء وإقامته، فلا يؤذن للوتر، ولا يقام لها، مع قولهم بوجوبها.‏
قالوا: ولا يجوز تقديم صلاة الوتر على صلاة العشاء، لا لعدم دخول وقتها، بل لوجوب ‏الترتيب بينها وبين العشاء. فلو صلى الوتر قبل العشاء ناسياً، أو صلاهما، فظهر فساد صلاة ‏العشاء دون الوتر يصح الوتر ويعيد العشاء وحدها عند أبي حنيفة، لأن الترتيب يسقط بمثل هذا ‏العذر. وقال الحنفية - أيضاً -: من لم يجد وقت العشاء والوتر، بأن كان في بلد يطلع فيه الفجر مع ‏غروب الشفق، أو قبله، فلا يجب عليه العشاء ولا الوتر.‏
واتفق الفقهاء: على أنه يسن جعل الوتر آخر النوافل التي تصلى بالليل، لقول النبي صلى ‏الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً". رواه البخاري ومسلم.‏
فإن أراد من صلى العشاء أن يتنفل يجعل وتره بعد النفل، وإن كان يريد أن يتهجد - أي ‏يقوم من آخر الليل - فإنه إذا وثق باستيقاظه أواخر الليل يستحب له أن يؤخر وتره ليفعله آخر ‏الليل، وإلا فيستحب تقديمه قبل النوم، لحديث: "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ‏ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل" رواه ‏مسلم وحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "من كلّ اللّيل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم، من أول اللّيل وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السّحر" رواه البخاري ومسلم.‏
عدد ركعات صلاة الوتر:‏
أقل صلاة الوتر عند الشافعية والحنابلة ركعة واحدة. قالوا: ويجوز ذلك بلا كراهة ‏لحديث: "صلاة اللّيل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة" رواه البخاري ومسلم، ‏والاقتصار عليها خلاف الأولى، لكن في قول عند الشافعية: شرط الإيتار بركعة سبق نفل بعد ‏العشاء من سنتها، أو غيرها ليوتر النفل.‏
وقال الحنفية: لا يجوز الإيتار بركعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن ‏البتيراء" قالوا: "روي أن عمر - رضي الله عنه - رأى رجلاً يوتر بواحدة، فقال: ما هذه ‏البتيراء؟ لتشفعنّها أو لأؤدبنك".‏
وقال الشافعية والحنابلة: أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة، وفي قول عند الشافعية أكثره ‏ثلاث عشرة ركعة، ويجوز بما بين ذلك من الأوتار، لقول النبي صلى الله عليه وسم: "من أحب ‏أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" ‏رواه أبو داود وقوله: "أوتروا بخمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة" وقالت أم سلمة - رضي ‏الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث عشرة ركعة" رواه الحاكم. لكن قال ‏المحلي: يحمل هذا على أنها حسبت فيه سنة العشاء.‏
وأدنى الكمال عند الشافعية والحنابلة ثلاث ركعات، فلو اقتصر على ركعة كان خلاف ‏الأولى. ونص الحنابلة: على أنه لا يكره الإيتار بركعة واحدة، ولو بلا عذر. وأكمل من الثلاث ‏خمس، ثم سبع، ثم تسع ثم إحدى عشرة، وهي أكمله.‏
أما الحنفية: فلم يذكروا في عدده إلا ثلاث ركعات، بتشهدين وسلام، كما يصلى ‏المغرب. واحتجوا بقول عائشة - رضي الله عنها - "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر ‏بثلاث لا يسلّم إلا في آخرهن" رواه الحاكم.‏
أما عند المالكية: فإن الوتر ركعة واحدة، لكن لا تكون إلا بعد شفع يسبقها. واختلف: هل ‏تقديم الشفع شرط صحة أو كمال؟ قالوا: وقد تسمى الركعات الثلاث وتراً إلا أن ذلك مجاز، ‏والوتر في الحقيقة هو الركعة الواحدة. ويكره أن يصلي واحدة فقط، بل بعد نافلة، وأقل تلك النافلة ‏ركعتان، ولا حدّ لأكثرها. قالوا: والأصل في ذلك حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي ‏أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى".‏
وقالوا: لا يشترط في الشفع الذي قبل ركعة الوتر نية تخصه، بل يكتفي بأي ركعتين ‏كانتا.‏
صفة صلاة الوتر:‏
أولاً: الفصل والوصل:‏
المصلي إما أن يوتر بركعة، أو بثلاث، أو بأكثر:‏
أ- فإن أوتر المصلي بركعة - عند القائلين بجوازه - فالأمر واضح.‏
ب- وإن أوتر بثلاث، فله ثلاث صور:‏
الصورة الأولى: أن يفصل الشفع بالسلام، ثم يصلي الركعة الثالثة بتكبيرة إحرام مستقلة. ‏وهذه الصورة عند غير الحنفية، وهي المعيّنة عند المالكية، فيكره ما عداها، إلا عند الاقتداء ‏بمن يصِلُ.‏
وأجازها الشافعية والحنابلة، وقالوا: إن الفصل أفضل من الوصل، لزيادته عليه السلام ‏وغيره. وفي قول عند الشافعية: إن كان إماماً فالوصل أفضل، لأنه يقتدي به المخالف، وإن كان ‏منفرداً فالفصل أفضل. قالوا: ودليل هذه الصورة ما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه ‏قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة" رواه أحمد وورد: أن ابن ‏عمر - رضي الله عنهما - كان يسلم من الركعتين حتى يأمر ببعض حاجته.‏
وصرح الحنابلة بأنه يسن فعل الركعة بعد الشفع بعد تأخير لها عنه. نص على ذلك ‏أحمد. ويستحب أن يتكلم بين الشفع والوتر ليفصل. وذكر الشافعية أنه ينوي في الركعتين إن أراد ‏الفصل: (ركعتين من الوتر) أو (سنة الوتر) أو (مقدمة الوتر) قالوا: ولا يصح بنية (الشفع) أو ‏‏(سنة العشاء) أو (صلاة الليل).‏
الصورة الثانية: أن يصلي الثلاث متصلة سرداً، أي من غير أن يفصل بينهن بسلام ولا ‏جلوس، وهي عند الشافعية والحنابلة أولى من الصورة التالية. واستدلوا لهذه الصورة بأن النبي ‏صلى الله عليه وسلم: "كان يوتر بخمس، ولا يجلس إلا في آخرها".‏
وهذه الصورة مكروهة عند المالكية، لكن إن صلى خلف من فعل ذلك فيواصل معه.‏
الصورة الثالثة: الوصل بين الركعات الثلاث، بأن يجلس بعد الثانية فيتشهد ولا يسلم، بل ‏يقوم للثالثة ويسلم بعدها، فتكون في الهيئة كصلاة المغرب، إلا أنه يقرأ في الثالثة سورة بعد ‏الفاتحة خلافاً للمغرب. ‏
وهذه الصورة هي المتعينة عند الحنفية.‏
وقال الشافعية: هي جائزة مع الكراهة، لأن تشبيه الوتر بالمغرب مكروه.‏
وقال الحنابلة: لا كراهة.‏
ج- أن يصلي أكثر من ثلاث:‏
وهو جائز - كما تقدم - عند الشافعية والحنابلة.‏
قال الشافعية: فالفصل بسلام بعد كل ركعتين أفضل، لحديث: "كان رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر بإحدى عشرة ركعة ويسلم من ‏كل ركعتين، ويوتر بواحدة" ويجوز أن يصلي أربعاً بتسليمة، وستاً بتسليمة، ثم يصلي ركعة، وله ‏الوصل بتشهد، أو تشهدين في الثلاث الأخيرة.‏
وقال الحنابلة: إن أوتر بخمس أو سبع فالأفضل أن يسردهن سرداً فلا يجلس إلا في ‏آخرهن، لحديث عائشة - رضي الله عنها -: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ‏ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرها" رواه مسلم. ولحديث أم سلمة - ‏رضيالله عنها - قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بخمس، وسبع، لا يفصل بينهن ‏بتسليم" رواه النسائي.‏
وإن أوتر بتسع فالأفضل أن يسرد ثمانياً، ثم يجلس للتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ‏ويتشهد ويسلّم.‏
ويجوز في الخمس والسبع والتسع أن يسلم من كل ركعتين.‏
وإن أوتر بإحدى عشرة فالأفضل أن يسلم من كل ركعتين، ويجوز أن يسرد عشراً، ثم ‏يتشهد، ثم يقوم فيأتي بالركعة ويسلم، ويجوز أن يسرد الإحدى عشرة فلا يجلس ولا يتشهد إلا في ‏آخرها.‏
‏ ‏
ثانياً: القيام والقعود في صلاة الوتر، وأداؤها على الراحلة:‏
ذهب الحنفية إلى أن صلاة الوتر لا تصح إلا من قيام، إلا لعاجز، فيجوز أن يصليها ‏قاعداً، ولا تصح على الراحلة من غير عذر.‏
وذهب جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية والحنابلة - إلى أنه تجوز للقاعد أن يصليها ‏ولو كان قادراً على القيام، وإلى جواز صلاتها على الراحلة ولو لغير عذر. وذلك مروي عن ‏علي وابن عمر وابن عباس والثوري وإسحاق - رضي الله عنهم - قالوا: لأنها سنة، فجاز فيها ‏ذلك كسائر السنن.‏
واحتجوا لذلك بما ورد من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه ‏وسلم "كان يسبح على الراحلة قبل أيّ وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها ‏المكتوبة" رواه البخاري.‏
وعن سعيد بن يسار أنه قال: كنت أسير مع ابن عمر - رضي الله عنهما - بطريق مكة، ‏قال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، ثم أدركته، فقال لي ابن عمر: "أين كنت؟ فقلت له: ‏خشيت الفجر فنزلت فأوترت. فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ ‏فقلت: بلى والله. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير" رواه مسلم.‏
‏ ‏
ثالثاً: الجهر والإسرار:‏
قال الحنفية: يجهر في الوتر إن كان إماماً في رمضان لا في غيره.‏
وقال المالكية: تأكد ندب الجهر بوتر، سواء صلاه ليلاً أو بعد الفجر.‏
وقال الشافعية: يسن لغير المأموم أن يجهر بالقراءة في وتر رمضان، ويسر في غيره.‏
وقال الحنابلة: يخير المنفرد في صلاة الوتر في الجهر وعدمه.‏
رابعاً: ما يقرأ في صلاة الوتر:‏
اتفق الفقهاء على أنه يقرأ في كل ركعة من الوتر الفاتحة وسورة. والسورة عند الجمهور ‏سنّة، لا يعود لها إن ركع وتركها.‏
ثم ذهب الحنفية إلى أنه لم يوقّت في القراءة في الوتر شيء غير الفاتحة، فما قرأ فيه فهو ‏حسن، وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ به في الأولى بسورة {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ ‏الأَعْلَى}، وفي الثانية بالـ {الكافِرُون} وفي الثالثة {بالإخلاص}، فيقرأ به أحياناً، ويقرأ بغيره ‏أحياناً للتحرز عن هجران باقي القرآن.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه يندب القراءة بعد الفاتحة بالسور الثلاث المذكورة، لما ورد من ‏حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ذلك" رواه ‏الترمذي والحاكم.‏
وذهب المالكية والشافعية - كذلك- إلى أنه يندب في الشفع (سبح، والكافرون)، أما في ‏الثالثة فيندب أن يقرأ (بسورة الإخلاص، والمعوذتين)، لحديث عائشة - رضي الله عنها - في ‏ذلك. لكن قال المالكية: يندب ذلك إلا لمن له حزب، أي قدر من القرآن يقرؤه ليلاً، فيقرأ من ‏حزبه في الشفع والوتر.‏
خامساً: القنوت في صلاة الوتر:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القنوت في الوتر مشروع في الجملة، واختلفوا في أنه ‏واجب أو مستحب، وفي أنه يكون في جميع ليالي السنة أو في بعضها، وفي أنه هل يكون قبل ‏الركوع أو بعده، وفيما يسن أن يدعو به، وفي غير ذلك من مسائله. وذهب المالكية إلى أن القنوت ‏في الوتر مكروه.‏
الوتر في السفر:‏
لا يختلف حكم صلاة الوتر في السفر عنه في الحضر، فمن قال: إنه سنة، وهم المالكية ‏والشافعية والحنابلة فإنه يسن في السفر كالحضر.‏
ومن قال إنه واجب - وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة يجب في السفر كالحضر.‏
‏ ‏
أداء صلاة الوتر في جماعة:‏
ينص الشافعية والحنابلة على أنه لا يسن أن يصلي الوتر في جماعة، لكن تندب ‏الجماعة في الوتر الذي يكون عقب التراويح، تبعاً لها. وصرح الحنفية بأنه يندب فعله حينئذ في ‏المسجد تبعاً للتراويح.‏
وقال المالكية: يندب فعلها في البيوت ولو جماعة إن لم تعطل المساجد عن صلاتها بها ‏جماعة. وعللوا أفضلية الانفراد بالسلامة من الرياء، ولا يسلم منه إلا إذا صلى وحده في بيته.‏
ونص الحنابلة على أن فعل الوتر في البيت أفضل، كسائر السنن إلا لعارض، فالمعتكف ‏يصليها في المسجد، وإن صلى مع الإمام التراويح يصلي معه الوتر لينال فضيلة الجماعة، لكن ‏إن كان له تهجد فإنه يتابع الإمام في الوتر فإذا سلّم الإمام لم يسلِّم معه بل يقوم فيشفع وتره، وذلك ‏لينال فضيلة الجماعة.‏
ونص الحنابلة كذلك على أنه لو أدرك المسبوق بالوتر مع الإمام ركعة فإن كان الإمام ‏سلم من اثنتين أجزأت المسبوق الركعة عن وتره، وإن كان الإمام لم يسلم من الركعتين فعلى ‏المسبوق أن يقضيهما لحديث: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا" رواه عبد الرزاق في ‏المصنف.‏
نقض الوتر:‏
من صلى الوتر ثم بدا له بعد ذلك أن يصلي نفلاً، فإن ذلك جائز بلا كراهة عند الشافعية ‏ولو صلى مع الإمام التراويح، ثم أوتر معه وهو ينوي القيام بعد ذلك، فلا بأس أن يوتر معه إن ‏طرأت له النية بعده أو فيه. أما إن طرأت له قبل ذلك فيكره له على ما صرح به المالكية.‏
وإذا أراد أن يصلي بعد الوتر فله عند الفقهاء طريقتان:‏
الطريقة الأولى: أن يصلي شفعاً ما شاء، ثم لا يوتر بعد ذلك.‏
وقد أخذ الحنفية والمالكية والحنابلة بهذه الطريقة وهو مروي عن أبي بكر وسعد ‏وعمار وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم -، استدلوا بقول عائشة - رضي الله عنها - وقد ‏سئلت عن الذي ينقض وتره فقالت: "ذاك الذي يلعب بوتره" رواه سعيد بن منصور. واستدلوا ‏على عدم إيتاره مرة أخرى بحديث طلق بن علي مرفوعاً: "لا وتران في ليلة"رواه الترمذي ‏وقال: حديث حسن، ولما صح: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين" رواه ابن ‏ماجه.‏
والطريقة الثانية: وعند الشافعية: أن يبدأ نفله بركعة يشفع بها وتره، ثم يصلي شفعاً ما ‏شاء ثم يوتر، وهو مروي عن عثمان وعلي وأسامة، وسعد وابن عمر وابن مسعود وابن عباس - ‏رضي الله عنهم - ولعلهم ذهبوا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل ‏وتراً" رواه البخاري ومسلم.‏
قضاء صلاة الوتر:‏
ذهب الحنفية إلى أن من طلع عليه الفجر ولم يصل الوتر يجب عليه قضاؤه، سواء أتركه ‏عمداً أم نسياناً وإن طالت المدة، ومتى قضاه يقضيه بالقنوت. فلو صلى الصبح وهو ذاكر أنه لم ‏يصل الوتر فصلاة الصبح فاسدة عند أبي حنفية لوجوب الترتيب بين الوتر والفريضة. ولا ‏يقضي الوتر عند المالكية إذا تذكره بعد أن صلى الصبح. فإن تذكره فيها ندب له إن كان منفرداً ‏أن يقطعها ليصلي الوتر ما لم يخف خروج الوقت، وإن تذكره في أثناء ركعتي الفجر فقيل: ‏يقطعها كالصبح، وقيل: يتمها ثم يوتر.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه يقضى الوتر إذا فات وقته، أي على سبيل الندب لقول النبي صلى ‏الله عليه وسلم: "من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره" رواه أبو داود والحاكم، ‏قالوا: ويقضيه مع شفعه.‏
وعند الشافعية: أنه يستحب قضاء الوتر وهو المنصوص في الجديد ويستحب القضاء ‏أبداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من نام على صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها".‏
التسبيح بعد الوتر:‏
يستحب أن يقول بعد الوتر: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات، ويمد صوته بها في ‏الثالثة، لحديث عبد الرحمن بن أبزى قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ {سَبِّحْ ‏اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، وإذا أراد أن ينصرف من ‏الوتر قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ثم يرفع صوته بها في الثالثة" رواه النسائي.‏
‏ ‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:23 PM
صلاة الجماعة



‏1- مشروعية صلاة الجماعة:‏
الجماعة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.‏
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ..} [النساء: 102] الآية، أمر الله ‏بالجماعة في حالة الخوف أثناء الجهاد، ففي الأمن أولى، ولو لم تكن مطلوبة لرخص فيها حالة ‏الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها.‏
وأما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، بسبع ‏وعشرين درجة" متفق عليه.‏
وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة على مشروعيتها بعد الهجرة.‏
‏2- فضل صلاة الجماعة: ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: "من سره أن يلقى الله ‏تعالى غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم ‏صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وأنهن من سُنَن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم، كما يصلي ‏هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما ‏من رجل يتطهر فيحسن الطُّهور، ثم يَعْمَد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة ‏يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه سيئة، ولقد رأتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم ‏النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف" رواه مسلم وأبو داود.‏
وهي أيضاً نور المسلم يوم القيامة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "بشر المشاءين في ‏الظُلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" رواه أبو داود والترمذي.‏
وآكد الجماعات في غير الجمعة: جماعة الصبح ثم العشاء ثم العصر، للحديثين الآتيين: ‏عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم الناس ما في ‏النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في ‏التهجير، لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتَمة والصبح لأتوها، ولو حَبْواً" متفق عليه.‏
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‏‏"من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما ‏صلى الليل كله" رواه مسلم. أما العصر فلأنها الصلاة الوسطى.‏
‏3- حكمة صلاة الجماعة: تحقيق التآلف والتعارف والتعاون بين المسلمين، وغرس ‏أصول المحبة والود في قلوبهم، وإشعارهم بأنهم إخوة متساوون متضامنون في السراء ‏والضراء، دون فارق بينهم في الدرجة أو الرتبة أو الحرفة أو الثروة والجاه، أو الغنى والفقر.‏
وفيها تعويد على النظام والانضباط وحب الطاعة في البر والمعروف، وتنعكس آثار ذلك ‏كله على الحياة العامة والخاصة، فتثمر الصلاة جماعة أطيب الثمرات، وتحقق أبعد الأهداف، ‏وتربي الناس على أفضل أصول التربية، وتربط أبناء المجتمع بأقوى الروابط، لأن ربهم واحد، ‏وإمامهم واحد، وغايتهم واحدة، وسبيلهم واحدة.‏
‏4- حكم صلاة الجماعة:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن: الجماعة في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة، للرجال ‏العاقلين القادرين عليها من غير حرج، فلا تجب على النساء والصبيان والمجانين والعبيد والمقعد ‏والمريض والشيخ الهرم ومقطوع اليد والرجل من خلاف. وكونها سنة، لأن ظاهر الحديث ‏السابق "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" يدل على أن الصلاة في ‏الجماعات من جنس المندوب إليه، وكأنها كمال زائد على الصلاة الواجبة.‏
وذهب الشافعية إلى أن: الجماعة فرض كفاية، لرجال أحرار مقيمين، لا عراة، في أداء ‏مكتوبة، بحيث يظهر الشعار أي شعار الجماعة بإقامتها، في كل بلد صغير أو كبير. فإن امتنعوا ‏كلُّهم من إقامتها قوتلوا (أي قاتلهم الإمام أو نائبه دون آحاد الناس)، ولا يتأكد الندب للنساء تأكده ‏للرجال في الأصح. ‏
وذهب الحنابلة إلى أن: الجماعة واجبة وجوب عين. لقوله صلى الله عليه وسلم قال: ‏‏"والذي نفسي بيدهن لقد هممت أن آمر بحطب ليحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر ‏رجلاً، فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم" متفق عليه.‏
‏5- أقل الجماعة أو من تنعقد به الجماعة:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ أقل الجماعة اثنان: إمام ومأموم ولو مع صبي ذهب ‏المالكية والحنابلة إلى أن الجماعة لا تنعقد مع صبي مميز لكن عند الحنابلة في فرض لا نفل ‏فتصح به، لأن الصبي لا يصلح إماماً في الفرض. ويصح أن يؤم صغيراً في نفل، لأن النبي ‏صلى الله عليه وسلم أمَّ ابن عباس، وهو صبي في التهجد. ‏
‏6 - أفضل الجماعة: ‏
الجماعة في المسجد لغير المرأة أو الخنثى أفضل منها في غير المسجد، كالبيت لأن ‏المسجد مشتمل على الشرف والطهارة وإظهار الشعائر.‏
‏7- أفضلية المساجد التي تقام فيها الجماعة:‏
فقال الحنابلة: إن كان البلد ثغراً، وهو المكان المخوف، فالأفضل لأهله الاجتماع في ‏مسجد واحد، لأنه أعلى للكلمة، وأوقع للهيبة. والأفضل لغيرهم: الصلاة في المسجد، وتحصيل ‏الجماعة لمن يصلي فيه، وذلك معدوم في غيره، أو تقام فيه الجماعة بدون حضوره، لكن فيه جبر ‏قلوب الإمام أو الجماعة. ثم المسجد العتيق (مسجد مكة)، لأن الطاعة فيه أسبق.‏
الأفضل من المساجد: ما كان أكثر جماعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل مع ‏الرجل أولى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أولى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر ‏فهو أحب إلى الله" رواه أحمد وأبو داود.‏
ثم المسجد الأبعد أفضل من الصلاة في الأقرب، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أعظم ‏الناس في الصلاة أجراً أبعدهم فأبعدهم ممشى" رواه مسلم ولكثرة حسناته بكثرة خطاه.‏
‏8- حضور النساء إلى المساجد:‏
ذهب أبو حنيفة إلى أن: يكره للنساء الشوابّ حضور الجماعة مطلقاً، لما فيه من ‏خوف الفتنة، ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء.‏
وذهب المالكية إلى أنه: يجوز خلافاً للأولى خروج امرأة متجالَّة لا أرب للرجال فيها ‏للمسجد ولجماعة العيد والجنازة والاستسقاء والكسوف، كما يجوز خروج شابة غير مُفتنة لمسجد ‏وجنازة قريب من أهلها، أما التي يخشى منها الفتنة فلا يجوز لها الخروج مطلقاً.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: يكره للحسناء أو ذات الهيئة شابة أو غيرها حضور ‏جماعة الرجال، لأنها مظنة الفتنة، وتصلي في بيتها. ويباح الحضور لغير الحسناء إذا خرجت ‏‏(غير متعطرة) بإذن زوجها، وبيتها خير لها. لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله ‏مساجد الله، وليخرجن تَفِلات" رواه أحمد وأبو داود أي غير متطيبات. وعن أم سلمة : أن رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن".‏
‏9- إدراك ثواب الجماعة:‏
وذهب الحنابلة والحنفية إلى أنه: من كبر قبل سلام الإمام التسليمة الأولى، أدرك الجماعة، ولو ‏لم يجلس معه، لأنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام، فأشبه ما لو أدرك ركعة. لكنه دون فضل من ‏يدركها من أولها.‏
وذهب الشافعية إلى أن: إدراك فضيلة الجماعة ما لم يسلم الإمام، وإن لم يقعد معه، بأن ‏انتهى سلامه عقب تحرّمه، وإن بدأ بالسلام قبله، لإدراكه ركناً معه، لكنه دون فضل من يدركها ‏من أولها. واستثنوا صلاة الجمعة فإن جماعتها لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة مع الإمام.‏
وذهب المالكية إلى أنه: إنما يحصل فضل الجماعة الوارد به الخبر المتضمن كون ثوابها ‏بخمس أو بسبع وعشرين درجة، بإدراك ركعة كاملة يدركها مع الإمام، بأن يمكن يديه من ركبتيه ‏أو مما قاربهما قبل رفع الإمام وإن لم يطمئن إلا بعد رفعه. أما مدرك ما دون الركعة فلا يحصل ‏له فضل الجماعة، وإن كان مأموراً بالدخول مع الإمام، وأنه مأجور بلا نزاع.‏
‏10- إدراك الفريضة مع الإمام:‏
ذهب أئمة المذاهب إلى الاتفاق: على أن من أدرك الإمام راكعاً في ركوعه، فإنه يدرك ‏الركعة مع الإمام، وتسقط عنه القراءة، فإن ركع بعد رفع الإمام رأسه من الركوع، لم تحسب ‏الركعة. لكن المالكية قالوا: إنما تدرك الركعة مع الإمام بانحناء المأموم في أول ركعة له مع ‏الإمام قبل اعتدال الإمام من ركوعه، ولو حال رفعه، ولو لم يطمئن المأموم في ركوعه إلا بعد ‏اعتدال الإمام مطمئناً، ثم يكبر لركوع أو سجود بعد تكبيرة الإحرام، ولا يؤخر الدخول مع الإمام ‏في أي حالة من الحالات حتى يقوم للركعة التي تليها، وإن شك هل ركع قبل اعتدال الإمام أو ‏بعده لم تحسب له الركعة.‏
وقال الحنابلة: من أدرك الإمام راكعاً، أجزأته تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع، لأنه ‏فعل زيد بن ثابت وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، ولأنه اجتمع عبادتان من ‏جنس واحد، فأجزأ الركن عن الواجب، كطواف الزيارة والوداع.‏
واشترط الشافعية كالمالكية تكبيرة الركوع عدا تكبيرة الإحرام ليدرك جزءاً من القيام.‏
‏11 - المشي للجماعة:‏
يستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها، وعليه السكينة والوقار، لقوله صلى الله عليه ‏وسلم: "إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم ‏فصلّوا، وما فاتكم فأتموا" متفق عليه.‏
وذهب المالكية إلى أنه: أنه يجوز الإسراع لإدراك الصلاة مع الجماعة، بلا خَبَب (أي ‏هرولة: وهي ما دون الجري) وتكره الهرولة، لأنها تذهب الخشوع، والجري أولى.‏
‏12-المبادرة للاقتداء مع الإمام:‏
ذهب أئمة المذاهب إلى أن المصلي يبادر للاقتداء بالإمام، سواء أكان قائماً أم راكعاً أم ساجداً أم ‏نحوه.‏
تاسعاً - تكرار الجماعة في المسجد:‏
ذهب الحنفية إلى أنه: يكره تكرار الجماعة بأذان وإقامة في المسجد، إلا إذا كان مسجد ‏طريف، أو مسجداً لا إمام له ولا مؤذن، ويصلي الناس فيه فوجاً فوجاً.‏
أما مسجد الشارع، فالناس فيه سواء، لا اختصاص له بفريق دون فريق. وعلى ‏هذا لا يكره تكرار الجماعة في مساجد الطرق: وهي ما ليس لها إمام وجماعة معينون.‏
وذهب المالكية إلى أنه: يكره تكرار الجماعة في مسجد له إمام راتب، وكذلك يكره إقامة ‏الجماعة قبل الإمام الراتب، ويحرم إقامة جماعة الإمام الراتب. والقاعدة عندهم: أنه متى أقيمت ‏الصلاة مع الإمام الراتب، فلا يجوز إقامة صلاة أخرى فرضاً أو نفلاً، لا جماعة ولا فرادى. ‏ومن صلى جماعة مع الإمام الراتب، وجب عليه الخروج من المسجد، لئلا يؤدي إلى الطعن في ‏الإمام. وإذا دخل جماعة مسجداً، فوجدوا الإمام الراتب قد صلى، ندب لهم الخروج ليصلوا ‏جماعة خارج المسجد، إلا المساجد الثلاثة (المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى)، ‏فيصلون فيها فرادى، إن دخلوها، لأن الصلاة المنفردة فيها أفضل من جماعة غيرها.‏
وذهب الشافعية إلى أنه: يكره إقامة الجماعة في مسجد بغير إذن الإمام الراتب، ولا يكره ‏تكرار الجماعة في المسجد المطروق في ممر الناس، أو في السوق، أو فيما ليس له إمام راتب، ‏أو له وضاق المسجد عن الجميع، أو خيف خروج الوقت، لأنه لا يحمل التكرار على المكيدة.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه: يحرم إقامة جماعة في مسجد له إمام الراتب إلا بإذنه، ولأنه ‏يؤدي إلى التنفير عنه، وكذلك يحرم إقامة جماعة أخرى أثناء صلاة الإمام الراتب، ولا تصح ‏الصلاة في كلتا الحالتين. وعلى هذا فلا يحرم ولا تكره الجماعة بإذن الإمام الراتب، لأنه مع ‏الإذن يكون المأذون نائباً عن الراتب، ولا تحرم ولا تكره أيضاً إذا تأخر الإمام الراتب لعذر، أو ‏ظن عدم حضوره، أو ظن حضوره ولم يكن يكره أن يصلي غيره في حال غيبته.‏
ولا يكره تكرار الجماعة بإمامة غير الراتب بعد انتهاء الإمام الراتب إلا في مسجدي مكة ‏والمدينة فقط، فإنه تكره إعادة الجماعة فيهما، رغبة في توفير الجماعة، أي لئلا يتوانى الناس في ‏حضور الجماعة مع الراتب في المسجدين إذا أمكنهم الصلاة في جماعة أخرى، وذلك إلا لعذر ‏كنوم ونحوه عن الجماعة، فلا يكره لمن فاتته إعادتها بالمسجدين.‏
‏14 - إعادة المنفرد الصلاة جماعة:‏
ذهب الحنفية إلى أنه: يجوز للمنفرد إعادة الصلاة مع إمام جماعة، وتكون صلاته الثانية ‏نفلاً. وإذا كانت نفلاً، أعطيت حكم النافلة، فتكره إعادة صلاة العصر، لأن النفل ممنوع بعد ‏العصر، وتكره صلاة النفل خلف النفل إذا كانت الجماعة أكثر من ثلاثة، وإلا فلا تكره إن ‏أعادوها بدون أذان، وتكره مطلقاً إن أعادوها بأذان. وتجوز إذا كان إمامه يصلي فرضاً، لا نفلاً، ‏لأن صلاة النافلة خلف الفرض غير مكروهة.‏
وذهب المالكية إلى أنه: من صلى في جماعة لم يعد في أخرى إلا إذا دخل أحد المساجد ‏الثلاثة فيندب له الإعادة. ومن صلى منفرداً جازت له الإعادة في جماعة: اثنين فأكثر، لا مع ‏واحد، إلا إذا كان إماماً راتباً بمسجد فيعيد معه: لأن الراتب كالجماعة، ويعيد كل الصلوات غير ‏المغرب، والعشاء بعد الوتر، فتحرم إعادتهما لتحصيل فضل الجماعة، أما المغرب فلا تعاد، ‏لأنها تصير مع الأول شفعاً، لأن المعادة في حكم النفل، والعشاء تعاد قبل الوتر، ولا تعاد بعده، ‏لأنه إن أعاد الوتر يلزم مخالفة قوله صلى الله عليه وسلم: "لا وتران في ليلة"، وإن لم يعده، لزم ‏مخالفة: "اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً".‏
ولكل منفرد إعادة الصلاة إلا من صلى منفرداً في أحد المساجد الثلاثة، فلا يندب له ‏إعادتها جماعة خارجها، ويندب إعادتها جماعة فيها.‏
ويعيد إذا كان مأموماً، ولا يصح أن يكون إماماً كما قال الحنفية. وينوي المعيد الفرض، ‏مفوضاً لله تعالى في قبول أي الصلاتين.‏
وذهب الشافعية إلى أنه: يسن للمصلي وحده، وكذا للجماعة: إعادة الفرض بنية الفرض ‏منفرداً أو مع جماعة يدركها في الوقت ولو ركعة فيه، ولو كان الوقت وقت كراهة، وتكون ‏الإعادة مرة واحدة على الراجح، ولا يندب أن يعيد الصلاة المنذورة ولا صلاة الجنازة، إذا لا ‏يتنفل بها، ويشترط أن تكون الصلاة الثانية صحيحة وإن لم تغن عن القضاء، وألا ينفرد وقت ‏الإحرام بالصلاة الثانية عن الصف مع إمكان دخوله فيه، وأن تكون الصلاة الثانية من قيام لقادر، ‏وأن تكون الجماعة مطلوبة في حق من يعيدها، فإن كان عارياً فلا يعيدها في غير ظلام، ويصح ‏أن يكون المعيد إماماً.‏
وإذا صلى وأعاد مع الجماعة، فالفرض هو الأول، ولأنه أسقط الفرض بالصلاة الأولى، ‏فوجب أن تكون الثانية نفلاً. وينوي إعادة الصلاة المفروضة، حتى لا تكون نفلاً مبتدءاً.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه: يستحب لمن صلى فرضه منفرداً أو في جماعة أن يعيد الصلاة ‏إذا أقيمت الجماعة وهو في المسجد، ولو كان وقت الإعادة وقت نهي، سواء أكانت الإعادة مع ‏الإمام الراتب أو غيره إلا المغرب، فلا تسن إعادتها، لأن المعادة تطوع، وهو لا يكون بوتر. ‏وتكون صلاته الأولى فرضه، لحديث يزيد ابن الأسود السابق. وينوي بالثانية كونها معادة، لأن ‏الأولى أسقطت الفرض. وإن نوى المعادة نفلاً صح، لمطابقته الواقع، وإن نواها ظهراً مثلاً، ‏صحت، وكانت نفلاً.‏
أما من كان خارج المسجد فوجد جماعة تقام: فإن كان الوقت وقت نهي، لم يستحب له ‏الدخول، حتى تفرغ الصلاة، وتحرم عليه الإعادة ولم تصح، سواء قصد بدخوله المسجد تحصيل ‏الجماعة أم لا. وأما إذا لم يكن الوقت وقت نهي، وقصد المسجد للإعادة، فلا تسن له الإعادة، وإن ‏لم يقصد ذلك، كانت الإعادة مسنونة.‏
‏15 - وقت استحباب القيام للجماعة أو للصلاة:‏
ذهب الحنفية إلى أن المصلي يقوم عند "حي على الفلاح" وبعد قيام الإمام.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه يقوم عند "قد قامت الصلاة".‏
وذهب الشافعية إلى أنه يقوم بعد انتهاء المقيم من الإقامة.‏
‏16 - أعذار ترك الجماعة والجمعة: ‏
يعذر المرء بترك الجمعة والجماعة، فلا تجبان للأسباب الآتية: ‏
‏- المرض الذي يشق معه الحضور كمشقة المطر، وإن لم يبلغ حداً يسقط القيام في ‏الفرض، بخلاف المرض الخفيف كصداع يسير وحمى خفيفة فليس بعذر. ومثله تمريض من لا ‏متعهد له ولو غير قريب ونحوه، لأن دفع الضرر عن الآدمي من المهمات، ولأنه يتألم على ‏القريب أكثر مما يتألم بذهاب المال. وغير القريب كالزوجة والصهر والصديق والأستاذ.‏
فلا تجب الجماعة على مريض ومقعد وزَمِن ومقطوع يد ورجل من خلاف أو رجل ‏فقط، ومفلوج وشيخ كبير عاجز وأعمى وإن وجد قائداً في رأي الحنفية، ولا يعذر حينئذ عند ‏الحنابلة والمالكية والشافعية في ترك الجمعة دون الجماعة.‏
‏- أن يخاف ضرراً في نفسه أو ماله أو عرضه أو مرضاً يشق معه الذهاب.‏
فلا تجب الجماعة والجمعة بسبب خوف ظالم، وحبس معسر، أو ملازمة غريم معسر، وعُرْي، ‏وخوف عقوبة يرجى تركها كتعزير لله تعالى، أو لآدمي، وقَوَد (قصاص) وحد قذف مما يقبل ‏العفو إن تغيب أياماً، وخوف زيادة المرض أو تباطئه. فإن لم يتضرر المريض بإتيانه المسجد ‏راكباً أو محمولاً أو تبرع أحد بأن يركبه أو يحمله أو يقوده إن كان أعمى، لزمته عند الحنابلة ‏والمالكية والشافعية الجمعة لعدم تكررها دون الجماعة. ولا تجب الجماعة والجمعة بسبب ‏الخوف عن الانقطاع عن الرفقة في السفر ولو سفر نزهة. أو بسبب الخوف من تلف مال كخبز ‏في تنور، وطبيخ على نار ونحوه، أو الخوف من فوات فرصة كالخوف من ذهاب شخص يدله ‏على ضائع في مكان ما.‏
‏- المطر، والوَحَل (الطين) والبرد الشديد، والحر ظهراً، والريح الشديدة في الليل لا في ‏النهار، والظلمة الشديدة، لدليل ما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال: "كنا إذا كنا مع رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم في سفر، وكانت ليلة مظلمة أو مطيرة، نادى مناديه: أن صلوا في رحالكم" ‏متفق عليه، والثلج والجليد كالمطر.‏
‏- مدافعة الأخبثين (البول أو الغائط) أو أحدهما، لأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة ‏وخشوعها. وحضور طعام تتوقه نفسه، أي جوع وعطش شديدان لخبر أنس في الصحيحين: "لا ‏تعجلن حتى تفرغ منه"، وإرادة سفر، ويخشى أن تفوته القافلة أي تأهب لسفر مع رفقة ترحل، أما ‏السفر نفسه فليس بعذر، وغلبة نعاس ومشقة، لأن رجلاً صلى مع معاذ، ثم انفرد، فصلى وحده ‏عند تطويل معاذ، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبره. لكن الصبر والتجلد على ‏دفع النعاس، والصلاة جماعة أفضل، لما فيه من نيل فضل الجماعة. وأضاف الحنفية: واشتغاله ‏بالفقه لا بغيره.‏
‏- أكل منتن نيء إن لم يمكنه إزالته، ويكره حضور المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً ‏ونحوه، حتى يذهب ريحه، لتأذي الملائكة بريحه، ولحديث: "من أكل ثوماً أو بصلاً، فليعتزلنا، ‏وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته" متفق عليه. ومثله جزار له رائحة منتنة، ونحوه من كل ذي ‏رائحة منتنة، لأن العلة الأذى. وكذا من به برص أو جذام يتأذى به قياساً على أكل الثوم ونحوه ‏بجامع الأذى.‏
‏- الحبس في مكان، لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].‏
‏- أضاف الشافعية: تقطير سقوف الأسواق والزلزلة، والسموم: وهي ريح حارة ليلاً أو ‏نهاراً، والبحث عن ضالة يرجوها، والسعي في استرداد مغصوب، والسمن المفرط، والهم المانع ‏من الخشوع، والاشتغال بتجهيز ميت، ووجود من يؤذيه في طريقه أو في المسجد، وزفاف ‏زوجته إليه في الصلاة الليلية، وتطويل الإمام على المشروع، وترك سنة مقصودة، وكونه سريع ‏القراءة والمأموم بطيئاً، أو ممن يكره الاقتداء به، وكونه يخشى وقوع فتنة له أو به.‏
وأيدهم الحنابلة في عذر تطويل الإمام، وزفاف الزوجة أو العروس. وتسقط الجمعة ‏والجماعة عند المالكية لمدة ستة أيام بسبب الزفاف، ولا تسقط عن العروس في السابع وأضافوا ‏كالشافعية: يعذر من عليه قصاص (قَوَد) إن رجا العفو عنه، ومن عليه حد القذف، إن رجا العفو ‏أيضاً، لأنه حق آدمي. أما من عليه حد لله تعالى كحد الزنا وشرب الخمر وقطع السرقة، فلا يعذر ‏في ترك الجمعة ولا الجماعة، لأن الحدود لا يدخلها المصالحة، بخلاف القصاص.‏
يسقط حضور الجماعة عند الحنفية: واحد من ثمانية عشر أمراً: مطر، وبرد، وخوف، ‏وظلمة، وحبس، وعمى، وفلج، وقطع يد ورجل، وسقام، وإقعاد، ووحل، وزمانة، وشيخوخة، ‏وتكرار فقه بجماعة تفوته، وحضور طعام تتوقه نفسه، وإرادة سفر، وقيامه بمريض، وشدة ريح ‏ليلاً لا نهاراً. وإذا انقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها المبيحة للتخلف يحصل له ثوابها.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:24 PM
الإمامة في الصلاة:‏

شروط صحة الإمامة أو الجماعة:‏
تصح إمامة الإمام بالشروط التالية: ‏
الشرط الأول: الإسلام: فلا تصح إمامة الكافر.‏
الشرط الثاني العقل: فلا تصح الصلاة خلف مجنون، لأن صلاته لنفسه باطلة. فإن كان ‏جنونه متقطعاً. صحت الصلاة وراءه حال إفاقته.‏
الشرط الثالث البلوغ: فلا تصح إمامة المميز عند الجمهور للبالغ، في فرض أو نفل عند ‏الحنفية، وفي فرض فقط عند المالكية والحنابلة، أما في النفل ككسوف وتراويح فتصح إمامته ‏لمثله، لأنه متنفل يؤم متنفلاً، ودليلهم ما روى الأثرم عن ابن مسعود وابن عباس: "لا يؤم الغلام ‏حتى يحتلم"ولأن الإمامة حال كمال، والصبي ليس من أهل الكمال، ولأنه لا يؤمن الصبي ‏لإخلاله بشروط الصلاة أو القراءة.‏
وذهب الشافعية إلى أنه: يجوز اقتداء البالغ بالصبي المميز، لما روي عن عمرو بن ‏سلمة قال: أممت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام ابن سبع سنين" رواه ‏البخاري، وتصح إمامة الصبي عندهم في الجمعة أيضاً، مع الكراهة.‏
الشرط الرابع الذكورة المحققة: فلا تصح إمامة المرأة والخنثى للرجال، لا في فرض ‏ولا في نفل. ‏
أما إن كان المقتدي نساء فلا تشترط الذكورة في إمامتهن عند الجمهور، (المالكية والشافعية ‏والحنبلية) فتصح إمامة المرأة للنساء عندهم، بدليل ما روي عن عائشة وأم سلمة وعطاء: أن ‏المرأة تؤم النساء.‏
ولا تكره عند الشافعية جماعة النساء، بل تستحب وتقف وسطهن.‏
وذهب الحنفية إلى أنه: يكره تحريماً جماعة النساء وحدهن بغير رجال ولو في ‏التراويح، في غير صلاة الجنازة، فلا تكره فيها، لأنها فريضة غير مكررة، فإن فعلن وقفت ‏الإمام وسطهن كما يصلى للعراة.‏
الشرط الخامس: الطهارة من الحدث والخبث: فلا تصح إمامة المحدث، أو من عليه ‏نجاسة لبطلان صلاته، سواء عند الجمهور أكان عالماً بذلك أم ناسياً. وقال المالكية: الشرط: عدم ‏تعمد الحدث، وإن لم يعلم الإمام بذلك إلا بعد الفراغ من الصلاة، فإن تعمد الإمام الحدث، بطلت ‏صلاته وصلاة من اقتدى به، وإن كان ناسياً، فصلاته صحيحة إن لم يعلم بالنجاسة إلا بعد الفراغ ‏من الصلاة، لأن الطهارة من الخبث شرط لصحة الصلاة مع العلم فقط عندهم، ولا يصح الاقتداء ‏بالمحدث أو الجنب إن علم ذلك، وتصح صلاة المقتدين، ولهم ثواب الجماعة باتفاق المذاهب ‏الأربعة إلا في الجمعة عند الشافعية والحنابلة إذا كان المصلون بالإمام أربعين مع المحدث أو ‏المتنجس، إن علموا بحدث الإمام أو بوجود نجاسة عليه، بعد الفراغ من الصلاة.‏
الشرط السادس إحسان القراءة والأركان: أي أن يحسن الإمام قراءة ما لا تصح الصلاة ‏إلا به، وأن يقوم بالأركان، فلا يصح اقتداء قارئ بأمي عند الجمهور، وتجب الإعادة على القارئ ‏المؤتم به، كما لا تصح الصلاة خلف أخرس ولو بأخرس مثله، ولا خلف عاجز عن ركوع أو ‏سجود أو قعود أو استقبال القبلة، أو اجتناب النجاسة، إلا بمثله، فتصح الصلاة خلف المماثل،إلا ‏ثلاثة عند الحنفية : الخنثى المشكل والمستحاضة والمتحيرة لاحتمال الحيض.‏
وقال المالكية: يشترط في الإمام القدرة على الأركان، فإن عجز عن ركن منها، قولي ‏كالفاتحة أو فعلي كالركوع أو السجود أو القيام، لم يصح الاقتداء به، إلا إذا تساوى الإمام ‏والمأموم في العجز، فيصح اقتداء أمي بمثله إن لم يوجد قارئ ويصح اقتداء أخرس بمثله، ‏وعاجز عن القيام صلى جالساً بمثله، إلا لمومئ أي الذي فرضه الإيماء من قيام أو جلوس أو ‏اضطجاع، فلا يصح له الاقتداء بمثله.‏
الشرط السابع: كون الإمام غير مأموم:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى عدم جواز الاقتداء بمن كان مقتدياً بعد سلام إمامه.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى صحة الاقتداء بمن كان مقتدياً بعد سلام إمامه.‏

الشرط الثامن: السلامة من الأعذار، كالرعاف الدائم، وانفلات الريح، وسلس البول، ‏ونحوها. ‏
وذهب المالكية والشافعية إلى عدم اشتراط هذا الشرط، وصححوا صلاة المقتدي ‏الصحيح بالإمام المعذور.‏
الشرط التاسع: أن يكون الإمام صحيح اللسان، بحيث ينطق بالحروف على وجهها، فلا ‏تصح إمامة الألثغ وهو من يبدل الراء غيناً، أو السين ثاء، أو الذال زاياً، لعدم المساواة، إلا إذا ‏كان المقتدي مثله في الحال.‏
ويعد كالألثغ عند الحنفية: التمتام: وهو الذي يكرر التاء في كلامه، والفأفاء وهو الذي ‏يكرر الفاء، لا تصح إمامتهما عندهم إلا لمن يماثلهما.‏
واستثنى الحنابلة: من يبدل ضاد المغضوب والضالين بظاء، فتصح إمامته بمن لا يبدلها ‏ظاء، لأنه لا يصير أمياً بهذا الإبدال.‏
وقال الجمهور غير الحنفية: تصح إمامة التمتام والفأفاء ولو لغير المماثل مع الكراهة.‏
الصلاة وراء المخالف في المذهب:‏
الشرط العاشر الحنابلة أن يكون الإمام عدلاً، فلا تصح إمامة الفاسق ولو بمثله، فلو ‏صلى شخص خلف الفاسق، ثم علم بفسقه، وجبت عليه إعادة الصلاة، إلا في صلاة الجمعة ‏والعيدين، فإنهما تصحان خلف الفاسق إن لم تتيسر الصلاة خلف عدل.‏
واشترط المالكية: أن يكون الإمام سليماً من الفسق المتعلق بالصلاة، كأن يتهاون في ‏شرائطها أو فرائضها، كمن يصلي بلا وضوء أو يترك قراءة الفاتحة. أما إن كان الفسق لا يتعلق ‏بالصلاة كالزاني، أو شارب الخمر، فتصح إمامته مع الكراهة على الراجح.‏
الشرط الحادي عشر اشترط المالكية والحنفية والحنابلة: ألا يكون الإمام معيداً صلاته ‏لتحصيل فضيلة الجماعة، فلا يصح اقتداء مفترض بمعيد، لأن صلاة المعيد نفل ولا يصح فرض ‏وراء نفل. وأن يكون الإمام عالماً بكيفية الصلاة على الوجه الذي تصح به، وعالماً بكيفية ‏شرائطها، كالوضوء والغسل على الوجه الصحيح، وإن لم يميز الأركان من غيرها.‏
أحق الناس بالإمامة:‏
ذهب الحنفية إلى أن: الإمام الراتب أحق بالإمامة من غيره، فإن لم يوجد فالأحق ‏بالإمامة: الأعلم بأحكام الصلاة فقط صحة وفساداً بشرط اجتنابه للفواحش الظاهرة، وحفظه من ‏القرآن قدر فرض: أي ما تجوز به الصلاة.‏
ثم الأحسن تلاوة وتجويداً للقراءة.‏
ثم الأورع أي الأكثر اتقاء للشبهات، والتقوى: اتقاء المحرمات.‏
ثم الأسن: أي أكبرهم سناً، لأنه أكثر خشوعاً ولأن في تقديمه تكثير الجماعة.‏
ثم الأحسن خلُقاً (إلفة بالناس)، ثم الأحسن وجهاً (أي أكثرهم تهجداً)، ثم الأشرف نسباً، ‏ثم الأنظف ثوباً.‏
فإن كان بينهم سلطان، فالسلطان مقدَّم، ثم الأمير، ثم القاضي، ثم صاحب المنزل، ولو ‏مستأجراً.‏
وذهب المالكية إلى أنه: يندب تقديم سلطان أو نائبه ولو بمسجد له إمام راتب، ثم الإمام ‏الراتب في المسجد، ثم رب المنزل فيه، ويقدم المستأجر على المالك؛ لأنه مالك لمنافعه. وإن كان ‏صاحب المنزل امرأة أنابت من يصلح للإمامة؛ لأن إمامتها لا تصح، والأولى لها استخلاف ‏الأفضل.‏
ثم الأفقه( الأعلم بأحكام الصلاة)، ثم الأعلم بالسنة أو الحديث حفظاً ورواية، ثم الأقرأ: ‏أي الأدرى بطرق القرآن أو بالقراءة والأمكن من غيره في مخارج الحروف، ثم الأعبد: أي ‏الأكثر عبادة من صوم وصلاة وغيرها، ثم الأقدم إسلاماً، ثم الأرقى نسباً كالقرشي، ومعلوم ‏النسب يقدم على مجهوله، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن لباساً، أي الأجمل وهو لابس الجديد المباح ‏غير الحرير، واللباس الحسن شرعاً: هو البياض خاصة، جديداً أو لا. فإن تساووا قدم الأورع ‏والزاهد والحر على غيرهم، ويقدم الأعدل على مجهول الحال، والأب على الابن، والعم على ابن ‏أخيه، فإن تساووا في كل شيء، أقرع بينهم، إلا إذا رضوا بتقديم أحدهم.‏
‏ وذهب الشافعية إلى أن: أحق الناس بالإمامة: الوالي في محل ولايته.‏
ثم الإمام الراتب، ثم الساكن بحق إن كان أهلاً لها.‏
ثم يقدم الأفقه، فالأقرأ، فالأورع، ثم الأسبق إسلاماً، فالأفضل نسباً، فالأحسن سيرة، ‏فالأنظف ثوباً، ثم نظيف البدن، ثم طيّب الصَّنْعة، ثم الأحسن صوتاً، فالأحسن صورة، أي وجهاً، ‏فالمتزوج.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه الأولى: الأولى بالإمامة الأجود قراءة الأفقه وقدم النبي صلى الله ‏عليه وسلم أبا بكر لأنه كان حافظاً للقرآن وكان مع ذلك من أفقه الصحابة رضي الله عنهم. ‏ومذهب أحمد تقديم القارىء على الفقيه.‏
ثم الأجود قراءة الفقيه، ثم الأجود قراءة فقط، وإن لم يكن فقيهاً، إذا كان يعلم أحكام ‏الصلاة وما يحتاجه فيها، ثم الأفقه والأعلم بأحكام الصلاة، ويقدم قارىء لا يعلم فقه صلاته على ‏فقيه أمي لا يحسن الفاتحة؛ لأنها ركن في الصلاة، بخلاف معرفة أحكامها، فإن استووا في عدم ‏القراءة قدم الأعلم بأحكام الصلاة.‏
فإن استووا في القراءة والفقه، قدم أكبرهم سناً ثم الأتقى والأورع.‏
ثم الأتقى والأورع، فإن استووا فيما تقدم أقرع بينهم.‏
ويقدم السلطان مطلقاً على غيره، كما يقدم في المسجد الإمام الراتب، وفي البيت صاحبه ‏إن كان صالحاً للإمامة:‏
تكره إمامة:‏
‏- الفاسق العالم، ولو لمثله عند المالكية والشافعية والحنابلة، لعدم اهتمامه بالدين. ‏واستثنى الحنابلة صلاة الجمعة والعيد، فتصح إمامته للضرورة، وأجاز الحنفية إمامته لمثله.‏
‏-المبتدع الذي لا يكفر ببدعته: كالفاسق، بل أولى.‏
‏- أن يؤم قوماً هم له كارهون: والكراهة تحريمية عند الحنفية، لحديث:"لا يقبل الله صلاة من ‏تقدم قوماً، وهم له كارهون" رواه أبو داود وابن ماجه.‏
‏- الأعمى: تكره إمامته تنزيهاً عند الحنفية والمالكية والحنابلة، لأنه لا يتوقى النجاسة، ‏واستثنى الحنفية حالة كونه أعلم القوم، فهو أولى.‏
وأجاز الشافعية إمامته بدون كراهة، فهو كالبصير، إذ الأعمى أخشع، والبصير يتجنب ‏النجاسة، ففي كل مزية ليست في الآخر، وتصح إمامته عند الكل. والأعشى وهو سيء البصر ‏ليلاً ونهاراً كالأعمى، والأصم كالأعمى عند الحنابلة، الأولى صحة إمامته.‏
‏- انتظار الداخل: قال الجمهور غير الشافعية: يكره للإمام انتظار الداخل لأن انتظاره تشريك في ‏العبادة، فلا يشرع كالرياء، ودفعاً للمشقة عن المصلين؛ لأنه يبعد أن يكون فيهم من لا يشق عليه، ‏والذين مع الإمام أعظم حرمة من الداخل، فلا يشق على من معه لنفع الداخل.‏
‏- يكره تطويل الصلاة على القوم تطويلاً زائداً على قدر السنة في قراءة وأذكار، ‏والكراهة تحريمية عند الحنفية، سواء رضي القوم أم لا.‏
واستثنى الشافعية والحنابلة: حالة الرضا بالتطويل من جماعة محصورين فإنه تستحب ‏الإطالة، لزوال علة الكراهة، وهي التنفير.‏
‏- تكره إمامة من لا يفصح ببعض الحروف كالضاد والقاف، وتصح إمامته، سواء أكان أعجمياً أم ‏عربياً. وتكره عند الجمهور غير الحنفية كما بينا: إمامة التمتام (وهو من يكرر التاء) والفأفاء ‏‏(وهو من يكرر الفاء)، وتصح الصلاة خلفهما؛ لأنها يأتيان بالحروف على الكمال، ويزيدان ‏زيادة، وهما مغلوبان عليها، فعفي عنها، ويكره تقديمهما لهذا الزيادة.‏
‏- تكره إمامة اللحان (كثير اللحن) الذي لا يحيل المعنى كجر دال"الحمد" ونصب ‏باء"الرب" ونحوه من الفاتحة، وتصح صلاته بمن لا يلحن؛ لأنه أتى بفرضالقراءة.‏
‏- تكره الصلاة عند غير الحنابلة خلف ولد الزنا إن وجد غيره يؤم الناس، إذ ليس له أب يربيه ‏ويؤدبه ويعلمه، فيغلب عليه الجهل، ولنفرة الناس عنه. وقيد الحنفية كراهة إمامته بحالة كونه ‏جاهلاً، إذ لو كان عالماً تقياً لا تكره إمامته، لأن الكراهة للنقائص لا لذاته، كما قيد المالكية ‏كراهة إمامته فيما إذا جعل إماماً راتباً، وأجاز الشافعية إمامته لمثله.‏
‏- يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين بقدر ذراع فأكثر، سواء أراد تعليمهم الصلاة ‏أو لم يرد. ويكره أيضاً عند الحنفية والمالكية والشافعية ارتفاع المقتدين عن مكان الإمام بقدر ‏ذراع أيضاً، تتقيد الكراهة عندهم بما إذا لم يكن في الحالتين مع الإمام في موقفه واحد على الأقل ‏من المقتدين، فإن وجد معه واحد فأكثر لم يكره، واستثنى المالكية من ذلك صلاة الجمعة فإنها ‏على سطح المسجد باطلة، كما استثنوا مع الشافعية العلو لأجل ضرورة أو حاجة أو قصد تعليم ‏للمأمومين كيفية الصلاة، فيجوز وبطلت صلاة الإمام والمأموم إن قصد بعلوه الكبر، لمنافاته ‏الصلاة.‏
وتختص الكراهة عند الحنابلة بمن هو أسفل من الإمام، لا بمن يساويه أ و هو أعلى منه، ‏لأن المعنى وجد بمن هو أسفل دون غيرهم.‏
ولا بأس عند الحنابلة والمالكية بالعلو اليسير مثل درجة المنبر أي حوالي الشبر أو ‏الذراع، كما استثنى المالكية العلو لضرورة كتعليم الناس الصلاة، لحديث سهيل أن النبي صلى ‏عليه الله وسلم صلَّى على الدرجة السفلى من المنبر متفق عليه.‏
ما تفسد به صلاة الإمام والمأمومين:‏
اتفق العلماء: على أنه إذا طرأ الحدث في الصلاة على الإمام، فتفسد صلاته، وتظل ‏صلاة المأمومين صحيحة.‏
أما لو صلى الإمام بالناس وهو جنب أو محدث، وعلم بذلك المأمومون بعد الصلاة، فهل ‏تفسد صلاتهم أم لا ؟ وذهب الحنفية إلى أن: صلاتهم فاسدة مطلقاً.‏
وذهب المالكية إلى أنه: تبطل صلاتهم في حال العمد دون النسيان.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن: صلاتهم صحيحة، إلا في الجمعة إذا كان المصلون ‏مع الإمام أربعين فقط، فتفسد حينئذ.‏
ومن فرق بين السهو والعمد، وهم المالكية، أخذ بظاهر الأثر الآتي: عن أبي بكرة: "أن ‏النبي صلى الله عليه وسلم استفتح، فكبَّر ثم أومأ إليهم: أن مكانكم، ثم دخل، ثم خرج ورأسه ‏يقطر، فصلى بهم، فلما قضى الصلاة، قال: إنما أنا بشر مثلكم، وإني كنت جُنُباً" فظاهر هذا أنهم ‏بنوا على صلاتهم.‏
تحمل الإمام عن المأموم:‏
يتحمل الإمام سهو المأموم، واتفق الفقهاء على أنه لا يحمل الإمام من فرائض الصلاة ‏شيئاً عن المأموم ما عدا القراءة، فإنهم اختلفوا في ذلك.‏
ذهب المالكية والحنابلة إلى : أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسر فيه، ولا يقرأ معه فيما ‏جهر به. وكذلك يقرأ عند الحنابلة في الجهرية إذا لم يسمع، ولا يقرأ إذا سمع.‏
وذهب الحنفية إلى أنه: لا يقرأ معه أصلاً لا في الجهرية ولا في السرية.‏
وذهب الشافعية إلى: أنه يقرأ فيما أسر أم الكتاب (الفاتحة) وغيرها، وفيما جهر أم ‏الكتاب فقط.‏
ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنفية إلى أنه يؤمن كالمأموم سواء.‏
وذهب المالكية إلى أنه لا يؤمن الإمام، ولكن يؤمن المأموم فقط.‏
تكبيرة الإحرام بالنسبة إلى الإمام:‏
قال الجمهور: لا يكبر الإمام إلا بعد تمام الإقامة واستواء الصفوف.‏
وذهب الحنفية إلى أن: موضع التكبير هو قبل أن يتم الإقامة، واستحسنوا تكبيرة عند ‏قول المؤذن: قد قامت الصلاة.‏
نية مفارق الإمام وقطع القدوة:‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: إن أحرم الشخص مأموماً، ثم نوى مفارقة الإمام وإتمام ‏صلاته منفرداً، جاز عند الشافعية سواء أكان لعذر، أم لغير عذر مع الكراهة، لمفارقته للجماعة ‏المطلوبة وجوباً أو ندباً مؤكداً. وجاز لعذر فقط عند الحنابلة. واستثنى الشافعية الجمعة فلا تصح ‏نية المفارقة في الركعة الأولى منها، والصلاة التي يريد إعادتها جماعة، فلا تصح نية المفارقة ‏في شيء منها، وكذا الصلاة المجموعة تقديماً.‏
ومن العذر: تطويل الإمام، أو تركه سنة مقصودة، كتشهد أول وقنوت، فله فراقه ليأتي ‏بتلك السنة، أو المرض، أو خشية غلبة النعاس أو شيء يفسد صلاته، أو خوف فوات ماله أو ‏تلفه، أو فوت رفقته، أو من يخرج من الصف ثم لا يجد من يقف معه.‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى عدم جواز مفارقة الإمام.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:25 PM
صلاة الجمعة



فرضية الجمعة:‏
صلاة الجمعة فرض عين، يكفر جاحدها لثبوتها بالدليل القطعي، وهي فرض مستقل ‏ليست بدلاً عن الظهر، لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب الجمعة عليه كالمسافر والمرأة، ‏وهي آكد من الظهر، بل هي أفضل الصلوات، ويومها أفضل الأيام، وخير يوم طلعت فيه ‏الشمس.‏
قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق ‏آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة".‏
وأدلة فرضيتها القرآن: وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ ‏الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] أي امضوا إلى ذكر الله.‏
وتاركها يستحق العقاب، لقوله صلى الله عليه وسلم لقوم يتخلفون عن الجمعة : "لقد همت ‏أن آمرُ رجلاً يُصلّي بالناس، ثم أحّرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم" رواه أحمد ‏ومسلم.‏
وأجمع المسلمون على وجوب الجمعة.‏

متى ساعة الإجابة يوم الجمعة؟: وفيها ساعة يستجاب الدعاء فيها، عن أبي هريرة أن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال : فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم ‏يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأشار - أي النبي صلى الله عليه وسلم - بيده يقللها"، ‏وفي تحديد وقت هذه الساعة أقوال أصحها - كما ثبت عن أبي بردة في صحيح مسلم - : أنها فيما ‏بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن يقضي الصلاة.‏
حكم البيع وقت النداء لصلاة الجمعة: يجب السعي لأداء الجمعة كما بينا عند الجمهور ‏عند الأذان الثاني الذي يكون بين يدي الخطيب على المنبر.‏
وقال الحنفية في الأصح: يجب السعي بعد الأذان الأول، وإن لم يكن في زمن الرسول صلى الله ‏عليه وسلم، بل في زمن عثمان رضي الله عنه.‏
من تجب عليه الجمعة؟: تجب الجمعة على كل مكلف (بالغ عاقل) حر، ذكر، مقيم غير ‏مسافر، بلا مرض ونحوه من الأعذار، سمع النداء، فلا تجب على صبي ومجنون ونحوه، وعبد، ‏وامرأة، ومسافر، ومريض. وخائف وأعمى وإن وجد قائداً عند الحنفية، ويجب عليه إن وجد من ‏يقوده عند المالكية والشافعية، ولو لم يجد قائداً عند الحنابلة، ومن لم يسمع النداء، على تفصيل ‏آتٍ، ولا على معذور بمشقة مطر ووَحَل وثلج. لكن إن حضر هؤلاء وصلوا مع الناس، أجزأهم ‏ذلك عن فرض الوقت، لأنهم تحملوا المشقة، فصاروا كالمسافر إذا صام، ولأن كل من صحت ‏ظهره ممن لا تلزمه الجمعة صحت جمعته بالإجماع، لأنها إذا أجزأت عمن لا عذر له، فصاحب ‏العذر أولى، وإنما سقطت عنه رفقاً به، فترك الجمعة للمعذور رخصة، فلو أدى الجمعة سقط عنه ‏الظهر، وتقع الجمعة فرضاً، وترك الترخص يعيد الأمر إلى العزيمة، أي أنه إن تكلف حضورها ‏وجبت عليه، وانعقدت به، ويصح أن يكون إماماً فيها.‏
الشروع بالسفر يوم الجمعة: ذهب الحنفية إلى أنه: لا بأس بالسفر يوم الجمعة إذا خرج ‏عن عمران المصر قبل دخول وقت الظهر، والصحيح أنه يكره السفر بعد الزوال وقبل أن يصلي ‏الجمعة، ولا يكره قبل الزوال.‏
وذهب المالكية إلى أنه: يجوز السفر يوم الجمعة قبل الزوال، ولكنه يكره لمن لا يدركها ‏في طريقه ويحرم ويمنع بعد الزوال وقبل الصلاة اتفاقاً.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: يحرم على من تجب عليه الجمعة السفر قبل الزوال ‏وبعده، إلا أن تمكنه الجمعة في طريقه أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة أو كان السفر واجباً كالسفر ‏لحج ضاق وقته وخاف فوته.‏
كذلك كره الشافعية السفر ليلة الجمعة.‏
تجب الجمعة على من اتصف سلامة الأعذار: فلا بد لمن تجب عليه الجمعة من الصحة، ‏والأمن، والحرية، والبصر، والقدرة على المشي، وعدم الحبس، وعدم المطر الشديد والوحل ‏والثلج ونحوها، كما بينا في بحث أعذار مسقطات الجماعة والجمعة.‏
فلا تجب الجمعة على مريض لعجزه عن ذلك، وممرِّض إن بقي المريض ضائعاً، وشيخ ‏فانٍ، وخائف على نفسه أو ماله أو لخوف غريم أو ظالم أو فتنة، وعبد، لأنه مشغول بخدمة ‏مولاه، وأعمى عند أبي حنيفة، ويجب عليه عند الحنابلة والصاحبين إذا وجد أي الأعمى قائداً، ‏ولا تجب على مفلوج الرِّجل ومقطوعها وزَمِن، ومحبوس، ومعذور بمشقة مطر ووحل وثلج. ‏ولا تجب على قروي عند الحنفية.‏
الجمعة كيفيتها ومقدارها:‏
الجمعة: ركعتان وخطبتان قبلها ولها ركنان: الصلاة والخطبة، والصلاة ركعتان بقراءة ‏جهرية إجماعاً.‏
والخطبة: فرض وهي خطبتان قبل الصلاة، وشرط في صحة الجمعة، وأقل ما يسمى خطبة عند ‏العرب، تشتمل على حمد لله تعالى وصلاة على رسوله، ووعظ في أمور الدين والدنيا، وقرآن. ‏ويسن قبلها أربع ركعات اتفاقاً، وبعدها عند الجمهور غير المالكية أربع أيضاً.‏
شروط صحة الجمعة:‏
الشرط الأول: وقت الظهر:‏
فتصح فيه فقط، ولا تصح بعده، ولا تقضى جمعة، فلو ضاق الوقت، أحرموا بالظهر، ‏ولا تصح عند الجمهور غير الحنابلة قبله أي قبل وقت الزوال.‏
وآخر وقت الجمعة: آخر وقت الظهر بغير خلاف، ولأنها بدل منها، أو واقعة موقعها، ‏فوجب الإلحاق بها، لما بينهما من المشابهة.‏
إدراك الصلاة جمعة:‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ: من أدرك الإمام يوم الجمعة في أي جزء من صلاته، صلى معه ما ‏أدرك، وأكمل الجمعة، وأدرك الجمعة، حتى وإن أدركه في التشهد أو في سجود السهو.‏
وذهب الجمهور إلى أنه: إذا أدرك الركعة الثانية مع الإمام، فقد أدرك الجمعة، وأتمها ‏جمعة، وإن لم يدرك معه الركعة الثانية، أتمها ظهراً.‏
الشرط الثاني: البلد ‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ كون البلد في مصر جامع، أو في مصلى المصر عند الحنفية وهو ‏ما لا يسع أكبر مساجدها أهلها المكلفين بالجمعة. وهذا شرط وجوب وصحة، فلا يصح أداء ‏الجمعة إلا في المصر وتوابعه، ولا تجب على أهل القرى التي ليست من توابع المصر، ولا ‏يصح أداء الجمعة فيها.‏
وذهب المالكية إلى كونها في موضع الاستيطان، وهو إما بلد أو قرية، مبنية بأحجار ‏ونحوها، أو بأخصاص من قصب أو أعواد شجر، لا خيم من شعر أو قماش، لأن الغالب على ‏أهلها الارتحال، فأشبهوا المسافرين. وهذا شرط صحة ووجوب عند المالكية، لأن الصحيح ‏عندهم أن الشروط الأربعة وهي الإمام والجماعة والمسجد وموضع الاستيطان هي شروط ‏وجوب وصحة معاً، ولابد أن تستغني القرية بأهلها عادة، بالأمن على أنفسهم، والاكتفاء في ‏معاشهم عن غيرهم. ولا يحدون بحد كمائة أو أقل أو أكثر.‏
وذهب المالكية إلى أنه: أن تقام الجمعة في بلد أو قرية، وإن لم تكن في مسجد.‏
ولا تلزم الجمعة أهل الخيام وإن استقروا في الصحراء أبداً، لأنهم على هيئة المسافرين أو ‏المستوفزين للسفر، وليس لهم أبنية المستوطنين، ولأن قبائل العرب الذين كانوا مقيمين حول ‏المدينة ما كانوا يصلونها، وما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم.‏
وذهب الحنابلة إلى كون إلى كون المكلفين: أن يكون المكلفون بالجمعة وهو أربعون ‏فأكثر مستوطنين أي مقيمين بقرية مجتمعة البناء، بما جرت العادة بالبناء به، من حجر أو لبن أو ‏طين أو قصب أو شجر، ولا جمعة على أهل الخيام وبيوت الشعر، ولا تصح منهم، لأن ذلك لا ‏ينصب للاستيطان غالباً.‏
الشرط الثالث: الجماعة ‏
وذهب أبو حنيفة إلى أن: أقلَّ الجماعة ثلاثة رجال سوى الإمام، ولو كانوا مسافرين أو ‏مرضى، لأن أقل الجمع الصحيح إنما هو الثلاث، والجماعة شرط مستقل في الجمعة. ولابد من ‏مذكر وهو الخطيب ويشترط بقاء المصلين الثلاثة مع الإمام حتى انتهاء الصلاة، فإن تركوا وجاء ‏غيرهم صحت الصلاة وإلا فلا.‏
وذهب المالكية إلى أنه: يشترط حضور اثني عشر رجلاً للصلاة والخطبة.‏
ولا بد- أن يكون العدد من أهل البلد، فلا تصح من المقيمين به لنحو تجارة، إذا لم ‏يحضرها العدد المذكور من المستوطنين بالبلد.‏
ولا بدَّ أيضاً أن يكونوا باقين مع الإمام من أول الخطبة حتى السلام من صلاتها، فلو ‏فسدت صلاة واحد منهم، ولو بعد سلام الإمام، بطلت الجمعة، أي أن بقاء الجماعة إلى كمال ‏الصلاة شرط.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: تقام الجمعة بحضور أربعين فأكثر بالإمام من أهل ‏القرية المكلفين الأحرار الذكور المستوطنين، بحيث لا يظعن منه أحدهم شتاءً ولا صيفاً إلا ‏لحاجة، ولو كانوا مرضى أو خرساً أو صماً، لا مسافرين، لكن يجوز كون الإمام مسافراً إن زاد ‏العدد عن الأربعين، ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين
الشرط الرابع: وهذا الشرط عند الحنفية ولم يشترطه الجمهور وهو أن يكون السلطان ‏ولو متغلباً أو نائبه، أو من يأذن له بإقامة الجمعة كوزارة الأوقاف الآن هو إمام الجمعة وخطيبها، ‏لأنها تقام بجمع عظيم، وقد تقع منازعة في شؤون الجمعة، فلابد منه تتميماً لأمره، ومنعاً من تقدم ‏أحد.‏
والشرط الخامس: وهو عند الحنفية ولم يشترطه الجمهور: وهو الإذن العام: وهو أن ‏تفتح أبواب الجامع ويؤذن للناس بالدخول إذناً عاماً، بأن لا يمنع أحد ممن تصح الجمعة عن ‏دخول الموضع الذي تصلى فيه، لأن كل تجمع يتطلب الإذن بالحضور، ولأنه لا يحصل معنى ‏الاجتماع إلا بالإذن، ولأنها من شعائر الإسلام، وخصائص الدين فلزم إقامتها على سبيل ‏الاشتهار والعموم.‏
الشرط السادس: وهو عند المالكية: وهو أن تصلى بإمام مقيم، فلا تصح أفراداً، وأن ‏يكون مقيماً غير مسافر، ولو لم يكن متوطناً، وأن يكون هو الخطيب إلا لعذر يبيح الاستخلاف ‏كرعاف ونقض وضوء. ولا يشترط أن يكون الإمام والياً.‏
وأن تكون الصلاة بجامع يجمع فيه على الدوام، فلا تصح في البيوت ولا في رحبة دار، ‏ولا في خان، ولا في ساحة من الأرض.‏
الشرط السابع: عدم تعدد الجمع لغير حاجة:‏
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة لصحة الجمعة ألا يسبقها ولا يقارنها جمعة في البلد ‏أو القرية، إلا لكبر وعسر اجتماع الناس في مكان، وتعسر الاجتماع: إما لكثرة الناس، أو لقتال ‏بينهم، أو لبعد أطراف البلد، بأن يكون من بطرفها لا يبلغهم صوت المؤذن بالشروط السابقة في ‏وجوب الجمعة.‏
فإن سبقت إحدى الجمع غيرها فهي الصحيحة، وما بعدها باطل.‏
وقال الشافعية والاحتياط لمن صلى ببلد تعددت فيه الجمعة لحاجة، ولم يعلم سبق جمعته: ‏أن يعيدها ظهراً، خروجاً من خلاف من منع التعدد، ولو لحاجة. وينوي آخر ظهر بعد صلاة ‏الجمعة أو ينوي الظهر احتياطاً، خروجاً عن عهدة فرض الوقت بأداء الظهر.‏
ذهب الحنفية إلى أنه: يؤدى أكثر من جمعة في مصر واحد بمواضع كثيرة دفعاً للحرج، ‏لأن في إلزام اتحاد الموضع حرجاً بيناً، لتطويل المسافة على أكثر الحاضرين، ولم يوجد دليل ‏على عدم جواز التعدد، والضرورة أو الحاجة تقضي بعدم اشتراطه، لا سيما في المدن الكبرى.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:26 PM
الشرط الثامن الخطبة قبل الصلاة:‏
ذهب الفقهاء إلى الاتفاق على أن الخطبة شرط في الجمعة، لا تصح بدونها ولأن النبي ‏صلى الله عليه وسلم لم يصل الجمعة بدون الخطبة وتكون خطبتين قبل الصلاة.‏
شروط الخطبة عند الفقهاء:‏
ذهب الحنفية إلى أنه: يخطب الإمام بعد الزوال قبل الصلاة خطبتين خفيفتين بقدر سورة ‏من طوال المفصل، يفصل بينهما بقَعْدة قدر قراءة ثلاث آيات، ويخفض جهره بالثانية عن ‏الأولى، ويخطب قائماً، مستقبل الناس، على طهارة من الحدثين، وستر عورة، ولو كان ‏الحاضرون صُمَّاً أو نياماً.‏
ولو خطب قاعداً أو على غير طهارة، جاز، لحصول المقصود، إلا أنه يكره لمخالفته ‏الموروث، وللفصل بينها وبين الصلاة لتجديد طهارته، فالطهارة والقيام سنة عندهم، والسبب في ‏ذلك أنها لا تقوم مقام الركعتين، لأنها تنافي الصلاة، لما فيها من استدبار القبلة والكلام، فلا ‏يشترط لها شرائط الصلاة.‏
ولو اقتصر الخطيب على ذكر الله تعالى كتحميدة أو كتهليلة أو تسبيحة، فقال: الحمد لله، ‏أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله، جاز عند أبي حنيفة مع الكراهة.‏
شروط الخطبة عند الحنفية:‏
وشروط الخطبة عند الحنفية ستة: أن تكون قبل الصلاة، وبقصد الخطبة، وفي الوقت، ‏وأن يسمعها واحد ممن تنعقد بهم الجمعة على الأقل في الصحيح، فيكفي حضور عبد أو مريض ‏أو مسافر ولو جنباً، ولا تصح بحضور صبي أو امرأة فقط، ولا يشترط سماع جماعة.‏
وأجازوا الخطبة، بغير العربية ولو لقادر عليها، سواء أكان القوم عرباً أم غيرهم.‏
ويبدأ قبل الخطبة الثانية بالتعوذ سراً، ثم يحمد الله تعالى والثناء عليه، ويأتي بالشهادتين، ‏والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والعظة والتذكير، ويندب ذكر الخلفاء الراشدين ‏والعمين (حمزة والعباس)، ولا يندب الدعاء للسلطان، وجوزه بعضهم، ويكره تحريماً وصفه بما ‏ليس فيه.‏
شروط الخطبة عند المالكية: تسعة شروط لخطبتي الجمعة وهي:‏
‏- يجب أن يكون الخطيب قائماً.‏
‏- أن تكون الخطبتان بعد الزوال، فإن تقدمتا عليه، لم يجز.‏
‏- أن يكونا مما تسميه العرب خطبة، ولو سجعتين نحو: اتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما ‏عنه نهى وزجر، فإن سبح أو هلل أو كبر، لم يجزه. وندب ثناء على الله، وصلاة على نبيه، وأمر ‏بتقوى، ودعاء بمغفرة وقراءة شيء من القرآن. ثم يجلس ويقول بعد قيامه بعد الثناء والصلاة ‏على النبي صلى الله عليه وسلم: أما بعد، فاتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما نهى وزجر، يغفر الله ‏لنا ولكم، لكان آتياً بالخطبة على الوجه الأكمل باتفاق العلماء.‏
‏- كونهما داخل المسجد كالصلاة، فلو خطبهما خارجه، لم يصحا.‏
‏- أن يكونا قبل الصلاة، فلا تصح الصلاة قبلهما، فإن أخرهما عنهما، أعيدت الصلاة إن ‏قرب الزمن عرفاً، ولم يخرج من المسجد، فإن طال الزمن أعيدتا، لأنهما مع الصلاة كركعتين ‏من الظهر.‏
‏- أن يحضرهما الجماعة: الإثنا عشر، فإن لم يحضروا من أولها، لم يجزيا، لأنهما ‏كركعتين.‏
‏- أن يجهر بهما، وأن يكونا بالعربية، ولو للأعاجم، واتصال أجزائهما ببعض وأن تتصل ‏الصلاة بهما وليس من شرط الخطبتين الطهارة، لكن كره فيهما ترك الطهر من الحدثين الأصغر ‏والأكبر، ووجب انتظاره لعذر قرب زواله بالعرف كحدث حصل بعد الخطبة، أو رعاف يسير ‏والماء قريب.‏
ولا يصلي غير من يخطب إلا لعذر، فيشترط اتحاد الإمام والخطيب إلا لعذر طرأ عليه ‏كجنون ورعاف مع بعد الماء.‏
الخطبة عند الشافعية:‏
للخطبة خمسة أركان: الأول: حمد الله تعالى، والثاني الصلاة على رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم، والثالث الوصية بالتقوى، وتجب هذه الثلاثة في كل من الخطبتين، والرابع قراءة آية ‏مفهمة في إحدى الخطبتين، والخامس الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بأمر أخروي.‏
والأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط، وإنما هو سنة.‏
‏-شروط الخطبة عند الشافعية:‏
‏-كونهما قبل الصلاة، عدم الانصراف عنهما بصارف، القيام لمن قدر عليه اتباعاً للسنة، ‏وكونهما بالعربية، وفي الوقت بعد الزوال، والجلوس بينهما بالطمأنينة كالجلوس بين السجدتين ‏بقدر سورة الإخلاص استحباباً، أما القاعد فيفصل بسكتة، وإسماع العدد الذي تنعقد به الجمعة: ‏بأن يرفع الخطيب صوته بأركانهما حتى يسمعها تسعة وثلاثون غيره كاملون.‏
الموالاة بين كلمات كل من الخطبتين، وبينهما وبين الصلاة اتباعاً للسنة، فلا يجوز ‏الفصل الطويل بين الخطبة والصلاة.‏
وطهارة الحدثين وطهارة النجس في الثوب والبدن والمكان، وستر العورة، اتباعاً للسنة، ‏لأن الخطبة قائمة مقام الركعتين، فتكون بمنزلة الصلاة، حتى يشترط لها دخول الوقت، فيشترط ‏لها سائر شروط الصلاة من ستر العورة وطهارة الثوب والبدن والمكان.‏
وأن تقع الخطبتان في مكان تصح فيه الجمعة، وأن يكون الخطيب ذكراً، وأن تصح ‏إمامته بالقوم، وأن يعتقد العالم الركن ركناً والسنة سنة، وغير العالم ألا يعتقد الفرض سنة.‏
شروط الخطبة عند الحنابلة:‏
يشترط للجمعة أن يتقدمها خطبتان، للأدلة السابقة، وهما بدل ركعتين لما تقدم عن عمر ‏وعائشة، ولا يقال: إنهما بدل ركعتين من الظهر، لأن الجمعة ليست بدلاً عن الظهر، بل الظهر ‏بدل عنها إذا فاتت.‏
ويشترط لصحة كل من الخطبتين ما يأتي: حمد الله بلفظ: الحمد لله، فلا يجزئ غيره.‏
والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة، لأن كل عبادة افتقرت إلى ‏ذكر الله تعالى، افتقرت إلى ذكر رسوله، كالأذان. ولا يجب السلام عليه مع الصلاة عليه صلى ‏الله عليه وسلم.‏
وقراءة آية كاملة، ولأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين، والخطبة فرض، فوجبت فيها ‏القراءة كالصلاة، ولا تتعين آية، وإنما اشترطوا عدم الصارف، فلو حمد الله للعطاس لم يكف ‏للخطبة.‏
ورفع الصوت بحيث يسمع العدد المعتبر وهو أربعون، إن لم يعرض مانع من السماع، ‏كنوم أو غفلة أو صمم بعضهم، فإن لم يسمعوا الخطبة لخفض صوت الخطيب أو بعده عنهم، لم ‏تصح الخطبة لعدم حصول المقصود بها. فإن كان عدم السماع لنوم أو غفلة أو مطر ونحوه ‏كصمم وطرش أو كان أعاجم والخطيب سميع عربي، صحت الخطبة والصلاة.‏
وأن تكون بالعربية، فلا تصح الخطبة بغير العربية مع القدرة عليها، كقراءة القرآن، ‏فإنها لا تجزئ بغير العربية، وتصح الخطبة لا القراءة بغير العربية مع العجز عنها.‏
وإسماع العدد المعتبر للجمعة: وهو أربعون فأكثر، لسماع القدر الواجب، لأنه ذكر ‏اشترط للصلاة، فاشترط العدد كتكبيرة الإحرام.‏
وإن تكون الخطبة في الوقت، وأن يكون الخطيب ممن تجب عليه الجمعة، فلا تجزئ ‏خطبة عبد أو مسافر.‏
ولا تشترط للخطبتين الطهارة عن الحدثين: الأصغر والأكبر، ولا ستر العورة وإزالة ‏النجاسة، وإنما السنة أن يخطب متطهراً مزيلاً النجاسة ساتراً العورة.‏
ولا يتشرط أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة، لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة، ‏وإنما السنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولاهما ‏بنفسه، وكذلك خلفاؤه من بعده. وإن خطب رجل، وصلى آخر لعذر جاز.‏
كما لا يشترط أن يتولى الخطبتين رجل واحد، لأن كلاً منهما منفصلة عن الأخرى، بل ‏يستحب ذلك، خروجاً من الخلاف في كل ما ذكر.‏
ويسن أن يستقبل الخطيب الناس بوجهه: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ‏ولأنه أبلغ في سماع الناس، وأعدل بينهم. ولو خالف هذا واستدبر الناس واستقبل القبلة، صحت ‏الخطبة لحصول المقصود بدونه.‏
سنن الخطبة:‏
الطهارة وستر العورة سنة عند الجمهور، شرط لصحة الخطبة عند الشافعية كما بينا.‏
كونها على منبر، بالاتفاق، اتباعاً للسنة، ويسن أن يكون المنبر على يمين المحراب (أي ‏مصلى الإمام) إذ هكذا وضع منبره صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن يكون بين المنبر والقبلة قدر ‏ذراع أو ذراعين.‏
فإن لم يتيسر المنبر فعلى موضع مرتفع، لأنه أبلغ في الإعلام، فإن تعذر استند إلى نحو ‏خشبة كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم قبل إيجاد المنبر، وكان النبي قد خطب إلى جذع، فلما ‏اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فالتزمه أو مسحه.‏
وكان منبره صلى الله عليه وسلم ثلاث درجات غير درجة المستراح. ويستحب أن يقف ‏على الدرجة التي تليها، كما كان يفعل النبي عليه السلام.‏
‏-الجلوس على المنبر قبل الشروع في الخطبة.‏
‏-استقبال القوم بوجهه دون التفات يميناً وشمالاً، سنة بالاتفاق.‏
‏-ولا يسلم على القوم عند الحنفية، لأنه يلجئهم إلى ما نهوا عنه من الكلام.‏
‏-ويسلم على الناس إذا صعد المنبر، اتباعاً للسنة، عند الشافعية والحنابلة، وحال ‏خروجه للخطبة عند المالكية، ويجب رد السلام.‏
‏- أن يؤذن مؤذن واحد، لا جماعة، بين يدي الخطيب، إذا جلس على المنبر وهذا هو ‏الأذان الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏
‏- البداءة بحمد الله والثناء عليه، والشهادتان، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ‏والعظة والتذكير، وقراءة آية من القرآن، وخطبتان، والجلوس بين الخطبتين. وإعادة الحمد ‏والثناء، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء الخطبة الثانية، والدعاء فيها للمؤمنين ‏والمؤمنات بالمغفرة لهم وإجراء النعم ودفع النقم، والنصر على الأعداء، والمعافاة من الأمراض ‏والأدواء، والاستغفار.‏
ويندب عند المالكية ختم الخطبة الأولى بشيء من القرآن، وختم الثانية بقول: يغفر الله لنا ‏ولكم. كما يندب الترضي على الصحابة، والدعاء لولي الأمر بالنصر على الأعداء وإعزاز ‏الإسلام به.‏
وقال الشافعية: يسن أن يختم الخطبة الثانية بقوله : أستغفر الله لي ولكم.‏
‏- إسماع القوم الخطبة، ورفع الصوت بها : سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية، لأنه ‏أبلغ في الإعلام.‏
‏- اعتماد الخطيب بيساره أثناء قيامه على نحو عصا أو سيف أو قوس : سنة عند ‏الجمهور، مندوب عند المالكية.‏
‏- تقصير الخطبتين، وكون الثانية أقصر من الأولى: سنة عند الجمهور، مندوب عند ‏المالكية، لما روى مسلم عن عمار مرفوعاً: "إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة فقهه، ‏فأطيلوا الصلاة، وقصروا الخطبة".‏
‏-ويسن أيضاً كون الخطبة بليغة مفهومة بلا تمطيط كالأذان، وأن يتعظ الخطيب بما يعظ ‏به الناس، ليحصل الانتفاع بوعظه.‏
‏-الإنصات أثناء الخطبة: سنة عند الشافعية للحاضرين، ويكره لهم الكلام فيها.‏
‏- ويجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة عند المالكية والحنابلة، وبمجرد ‏صعود الإمام المنبر عند أبي حنفية، ويحرم الكلام عند المالكية والحنابلة من غير الخطيب، ولا ‏يسلم ولا يرد السلام ولا يشمت العاطس عند المالكية، ويكره تحريماً عند الحنفية الكلام من ‏قريب أو بعيد، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكل ما حرم في الصلاة حرم في الخطبة، فيحرم ‏أكل وشرب وكلام ولو تسبيحاً أو أمراً بمعروف، بل يجب عليه أن يستمع ويسكت. وإشارة ‏الأخرس المفهومة ككلام لقيامها مقامه في البيع وغيره.‏
‏- ويباح الكلام قبل البدء في الخطبة وبعد الفراغ منها اتفاقاً، وفي أثناء الجلوس بين ‏الخطبتين عند الحنابلة والشافعية، ويحرم في أثناء الجلوس المذكور عند المالكية.‏
ويندب عند المالكية حمد الله تعالى سراً لعاطس حال الخطبة، ويجوز عندهم مع خلاف ‏الأولى ذكر الله تعالى كتسبيح وتهليل سراً إذا قل، حال الخطبة، ومنع الكثير جهراً، لأنه يؤدي ‏إلى ترك واجب، وهو الاستماع.‏
ولا يحرم الكلام على الخطيب، ولا على من سأله الخطيب، كأن يأمر إنساناً لغا أو خالف ‏السنة أو ينهاه، فيقول: أنصت، أو لا تتكلم، أو لا تتخط أعناق الناس ونحو ذلك، وجاز للمأمور ‏إجابته إظهاراً لعذره. ولأن تحريم الكلام علته الاشتغال عن الإنصات الواجب وسماع الخطبة، ‏ولا يحصل ههنا. وكذلك من كلم الإمام لحاجة، أو سأله عن مسألة.‏

مكروهات الخطبة:‏
مكروهات الخطبة: عند الحنفية والمالكية: هي ترك سنة من السنن المتقدمة، ومن أهمها ‏تطويل الخطبة وترك الطهارة، فكلاهما مكروه، ومنها عند الحنفية: أن يسلم الخطيب على القوم ‏إذا استوى على المنبر.‏
ويكره باتفاق العلماء تخطي الرقاب أثناء الخطبة لغير الإمام ولغير فرجة، لأنه يؤذي ‏الجالسين، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه والكراهة تحريمية عند الحنفية والشافعية، ‏ويجوز إن كان هناك فُرْجة لتقصير القوم بإخلاء فرجة، مع كونه خلاف الأولى عند المالكية،
وليس ترك السنن المتقدمة عند الشافعية والحنابلة مكروهاً على إطلاقه، بل منه ما هو ‏مكروه، ومنه ما هو خلاف الأولى.‏
ويكره العبث حال الخطبة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من مس الحصى فقد لغا"، ‏ويكره الشرب ما لم يشتد عطشه.‏
سنن الجمعة:‏
يسن لصلاة الجمعة:‏
‏- الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب لمن يأتي الجمعة: سنة عند الجمهور، مستحب ‏عند المالكية.‏
ووقت الغسل من فجر الجمعة إلى النزول، وتقريبه من ذهابه للصلاة أفضل، لأنه أبلغ ‏في المقصود من انتفاء الرائحة الكريهة.‏
‏- والتطيب ولبس أحسن الثياب أو التجمل والمندوب لبس الأبيض يوم الجمعة، فالثياب ‏البيض أفضل الثياب.‏
‏- التبكير للجمعة ماشياً بسكينة ووقار والاقتراب من الإمام، والاشتغال في طريقه بقراءة ‏أو ذكر.‏
‏- تنظيف الجسد وتحسين الهيئة قبل الصلاة: بتقليم الأظفار وقص الشارب ونتف الإبط ‏وحلق العانة ونحو ذلك كإزالة الرائحة الكريهة بالسواك للفم وغيره من مواطن الرائحة في ‏الجسم. ويسن للإمام أن يزيد في حسن الهيئة والعمة والارتداء، اتباعاً للسنة، ولأنه منظور إليه.‏
قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها.‏
‏- الإكثار من الدعاء يومها وليلتها.‏
‏- الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومها وليلتها.‏
‏- يقرأ الإمام جهراً بعد الفاتحة في الركعة الأولى "الجمعة" وفي الثانية "المنافقون" ‏اتباعاً.‏
‏- قراءة: آلم. السجدة، و هل أتى على الإنسان: سنة في صلاة الصبح يوم الجمعة. ‏
‏- صلاة أربع ركعات قبل الجمعة، وأربع بعدها، كالظهر مستحب عند الجمهور.‏
وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان.‏
‏- قراءة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين بعد الجمعة.‏
‏- يستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول عن موضعه.‏
السجود على الظهر ونحوه في الزحمة:‏
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه: متى قدر المزحوم على السجود على ظهر ‏إنسان أو قدمه، لزمه ذلك وأجزأه.‏
ولا يحتاج هنا إلى إذنه، لأن الأمر فيه يسير.‏
وذهب المالكية إلى بطلان الصلاة.‏
‏- مفسدات الجمعة:‏
تفسد الجمعة بما تفسد به سائر الصلوات الأخرى، ويضاف إليها مفسدات أخرى خاصة ‏بها هي ما يلي:‏
‏- خروج وقت الظهر في خلال الصلاة عند الجمهور، وقال المالكية: لا تفسد، لأن ‏الجمعة كغيرها فرض مؤقت بوقت، وهو وقت الظهر، وخروج الوقت لا يفسد الصلاة.‏
وكذا تفسد عند أبي حنيفة بخروج الوقت بعدما قعد قدر التشهد.‏
‏- فوت الجماعة الجمعة قبل أن يقيد الإمام الركعة بالسجدة، بأن نفر الناس عنه عند أبي ‏حنيفة. أما فوت الجماعة أي انفضاضها بعد تقييد الركعة بالسجدة، فلا تفسد.‏
فإن فسدت الجمعة بسبب خروج الوقت أو بفوت الجماعة، تصلى ظهراً.‏
وإن فسدت بما تفسد به عامة الصلوات من الحدث العمد والكلام وغير ذلك، تصلى جمعة ‏عند وجود شرائطها.‏
صلاة الظهر بسبب خروج وقت الظهر:‏
إذا انتهى وقت الظهر أو ضاق عن الجمعة بأن لم يبق منه ما يسع الخطبة والركعتين، ‏سقطت الجمعة، فلا تقضى جمعة باتفاق العلماء، وإنما تصلى ظهراً، لأن القضاء على حسب ‏الأداء، والأداء فات بشرائط مخصوصة، يتعذر تحصليها على فرد، فتسقط، بخلاف سائر ‏المكتوبات إذا فاتت عن أوقاتها.‏

‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:29 PM
سجود السهو‏




سجود السهو: حكمه، أسبابه، محله وصفته.‏
السهو في الشيء: تركه من غير علم، والسهو عن الشيء: تركه مع العلم به.‏
والفرق بين الناسي والساهي: أن الناسي إذا ذكرته تذكر، بخلاف الساهي.‏
مشروعية سجود السهو وحكمه:‏
سجود السهو مشروع لحديث أبي سعيد الخدري فهو كما قال: قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثاً، أم أربعاً، فليطْرح الشك، وليَبْن ‏على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، فإن كان صلى خمساً شفَعْن له صلاته، وإن كان ‏صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان" رواه مسلم.‏
وشرع سجود السهو جبراً لنقص الصلاة، تفادياً عن إعادتها، بسبب ترك أمر غير ‏أساسي فيها أو زيادة شيء فيها.‏
ولا يشرع سجود السهو في حالة العمد لقوله صلى الله عليه وسلم: ‏
‏"إذا سها أحدكم فليسجد .. " فعلق السجود على السهو، ولأنه يشرع جبراناً للنقص أو الزيادة، ‏والعامد لا يعذر، فلا ينجبر خلل صلاته بسجوده، بخلاف الساهي.‏
ذهب الحنفية إلى أن سجود السهو واجب، يأثم المصلي بتركه، ولا تبطل صلاته، لأنه ‏ضمان فائت، وهو لا يكون إلا واجباً، وهو يرفع الواجب من قراءة التشهد والسلام، ولا يرفع ‏القعدة لأنها ركن.‏
وإنما يجب على الإمام والمنفرد، أما المأموم (المقتدي) إذا سها في صلاته، فلا يجب ‏عليه سجود السهو، فإن حصل السهو من إمامه، وجب عليه أن يتابعه، وإن كان مدركاً أو مسبوقاً ‏في حالة الاقتداء، وإن لم يسجد الإمام سقط عن المأموم، لأن متابعته لازمة، لكن المسبوق يتابع ‏في السجود دون السلام.‏
ووجوب سجود السهو إذا كان الوقت (أو الحالة) صالحاً للصلاة، فلو طلعت الشمس بعد ‏السلام في صلاة الفجر، أو احمرت الشمس في صلاة العصر، سقط عنه السهو، لأن السهو جبر ‏للنقص المتمكن كالقضاء، ولا يقضى الناقص.‏
وإذا فعل فعلاً يمنعه من البناء على صلاته: بأن تكلم أو قهقه، أو أحدث متعمداً أو خرج عن ‏المسجد أو صرف وجهه عن القبلة وهو ذاكر له، سقط عنه السهو ضرورة، لأنه فات محله وهو ‏تحريمة الصلاة.‏
والأولى ترك سجود السهو في الجمعة والعيدين إذا حضر فيهما جمع كبير، لئلا يشتبه ‏الأمر على المصلين. وإذا سها في سجود السهو فلا سجود عليه.‏
وذهب المالكية إلى أن: سجود السهو سنة مؤكدة للإمام والمنفرد. أما المأموم حال القدوة ‏فلا سجود عليه بزيادة أو نقص لسنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين، لأن الإمام يتحمله عنه. فلو سها ‏فيما يقضيه بعد سلام الإمام، سجد لنفسه.‏
وأما المسبوق الذي أدرك ركعة مع إمامه، فيسجد مع إمامه السجود القَبلي المترتب على ‏الإمام، قبل قضاء ما عليه، إن سجد الإمام، وإن لم يسجد الإمام، وتركه، سجد المأموم لنفسه، قبل ‏قضاء ما عليه، وأخًّر السجود البَعدي الذي ترتب على إمامه، ويسجده بعد سلامه، فإن قدمه ‏بطلت صلاته.‏
وذهب الشافعية إلى أن: سجود السهو سنة للإمام والمنفرد، أما المأموم فلا يسجد لسهو ‏نفسه خلف إمامه المتطهر، ويتحمل الإمام عنه سهوه في حال قدوته، كما يتحمل عنه القنوت ‏وغيره، أما المحدث فلا يتحمل عنه، ولا يلحقه سهوه، إذ لا قدوة في الحقيقة.‏
ويجب سجود السهو في حالة واحدة: وهي حالة متابعة المقتدي لإمامه ولو كان مسبوقا، ‏فإن سجد للسهو وجب أن يسجد تبعاً لإمامه؛ لأن المتابعة لازمة، فإن لم يسجد بطلت صلاته، ‏ووجب عليه إعادتها إن لم يكن قد نوى المفارقة، إلا إن علم المأموم خطأ إمامه في السجود ‏للسهو، فلا يتابعه. ولو اقتدى مسبوق بمن سها بعد اقتدائه أو قبله، فإنه يسجد معه، ويستحب أن ‏يسجد أيضاً في آخر صلاته، لأنه محل السهو الذي لحقه.‏
وإذا ترك الإمام سجود السهو، لم يجب على المأموم أن يسجد، بل يندب.‏
وذهب الحنابلة إلى أن سجود السهو: إما أن يكون واجباً أو مندوباً أو مباحاً.‏
حالات الوجوب: لكل ما يبطل عمده في الصلاة بالزيادة أو النقص كترك ركن فعلي، لأن ‏النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في حديث أبي سعيد وابن مسعود، وقال:"صلوا كما رأيتموني ‏أصلي".‏
‏-للشك في الصلاة في بعض صوره كالشك في ترك ركن أو في عدد الركعات.‏
‏-ترك كل واجب سهواً كترك التسبيح في الركوع أو السجود.‏
‏-لمن لحن لحناً يغير المعنى، سهواً أو جهلاً.‏
حالات الندب: إن أتى بقول مشروع في غير موضعه غير سلام سهواً أو عمداً كالقراءة ‏في السجود أو القعود، وكالتشهد في القيام، وكقراءة سورة في الركعتين الأخريين.‏
حالات الإباحة: سجود السهو لترك سنة من الصلاة.‏
ويجب عل المأموم متابعة إمامه في السجود ولو كان مباحاً، فإن لم يتابعه بطلت صلاته. ‏وعلى المسبوق أيضاً متابعة إمامه في السجود، وإن كان سبب السجود قبل أن يدركه، وإن سجد ‏المسبوق إحدى سجدتي السهو مع إمامه، يأتي بالسجدة الثانية من سجدتي السهو إذا سلم إمامه، ‏ليوالي بين السجدتين.‏
ثانياً:أسباب سجود السهو
ذهب الحنفية إلى أن: سجود السهو يكون بترك شيء عمداً أو سهواً، أو زيادة شيء ‏سهواً، أو تغيير محله سهواً وذلك في الأحوال التالية:‏
‏1ً-لا يسجد للسهو في العمد إلا في ثلاث: ترك القعود الأول أو تأخيره سجدة من الركعة ‏الأولى إلى آخر الصلاة، أو تفكره عمداً حتى شغله عن مقدار ركن.‏
‏2ً-يسجد للسهو بترك واجب من واجبات الصلاة سهواً إما بتقديم أو تأخير أو زيادة أو ‏نقص، وهي أحد عشر واجباً، منها ستة واجبات أصلية، وهي ما يلي:‏
‏-ترك التشهد في القعدة الأخيرة.‏
‏-ترك قراءة الفاتحة أو أكثرها في الركعتين الأوليين من الفرض.‏
‏-ترك سورة أو ثلاث آيات قصار أو آية طويلة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من ‏الفريضة.‏
‏-مخالفة نظام الجهر والإسرار: فإن جهر في الصلاة السرية نهاراً وهي الظهر والعصر، ‏وخفت في الصلاة الجهرية ليلاً وهي الفجر والمغرب والعشاء، سجد للسهو.‏
‏-ترك القعدة الأولى للتشهد الأول في صلاة ثلاثية أو رباعية.‏
‏-عدم مراعاة الترتيب في مكرر في ركعة واحدة، وهو السجدة الثانية في كل ركعة، فلو ‏سجد سجدة واحدة سهواً، ثم قام إلى الركعة التالية، فأداها بسجدتيها، ثم تذكر السجدة المتروكة في ‏آخر صلاته، فسجدها، فيجب عليه السهو بترك الترتيب؛ لأنه ترك الواجب الأصلي ساهياً، ‏فوجب سجود السهو.‏
وكذلك ترك سجدة التلاوة عن موضعها، يوجب سجود السهو. وكل تأخير أو تغيير في ‏محل فرض، كالقعود محل القيام وعكسه يوجب سجود السهو.‏
‏-ترك الطمأنينة الواجبة في الركوع والسجود، فمن تركها ساهياً وجب عليه سجود ‏السهو.‏
‏-تغيير محل القراءة في الفرض؛ بأن قرأ الفاتحة بعد السورة، أو قرأ السورة في ‏الركعتين الأخريين من الرابعية، أو في الثانية والثالثة فقط، وجب عليه سجود السهو.‏
‏-ترك قنوت الوتر؛ ويتحقق تركه بالركوع قبل الإتيان به، فمن تركه سجد للسهو.‏
‏- وترك تكبير القنوت في الوتر أيضاً.‏
‏- ترك تكبيرات العيدين أو بعضهما، أو تكبيرة ركوع الركعة الثانية من صلاة العيد، ‏فإنها واجبة، بخلاف التكبيرة الأولى.‏
‏- زيادة فعل في الصلاة ليس من جنسها وليس منها : كأن ركع ركوعين، فإنه يسجد ‏للسهو.‏
من عاد إلى ما سها عنه: من القعدة الأولى، ثم تذكر، وهو إلى حال القعود أقرب، عاد، ‏فجلس وتشهد، وإن كان إلى حال القيام أقرب لم يعد، ويسجد للسهو. ومن سها عن القعدة الأخيرة، ‏فقام إلى الخامسة، رجع إلى القعدة ما لم يسجد وألغى الخامسة، ويسجد للسهو. فإن قيد الخامسة ‏بسجدة بطل فرضه، وتحولت صلاته نفلاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكان عليه أن يضم ركعة ‏سادسة ندباً. وإن قعد في الرابعة قدر التشهد، ثم قام ولم يسلّم يظنها القعدة الأولى، عاد إلى القعود ‏ما لم يسجد في الخامسة، ويسلم، وإن قيد الخامسة بسجدة ضم إليها ركعة أخرى استحباباً، وقد ‏تمت صلاته لوجود الجلوس الأخير في محله، والركعتان الزائدتان: له نافلة.‏
الشك في الصلاة:‏
إذا سها في صلاته، فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً ؟ فإن كان ذلك أول ما سها (أي أن ‏السهو لم يصر عادة له، لا أنه لم يسه في عمره قط)، استقبل الصلاة، وبطلت، أي استأنفها ‏وأعادها، والسلام قاعداً أولى. ولو بنى على الأقل ما أداه كاملاً. وإن حدث الشك المذكور بعد ‏السلام، فلا إعادة عليه، كما لا إعادة عليه إن شك بعد قعوده قدر التشهد قبل السلام.‏
فإن كان الشك يعرض له كثيراً، بنى على غالب ظنه، إذا كان له ظن يرجح أحد ‏الطرفين، لأن في استئناف الصلاة مع كثرة عروضه حرجاً.‏
وإن لم يكن له ظن أو رأي، أخذ بالأقل أي بنى على اليقين، لأنه المتيقن، ويقعد في كل ‏موضع ظنه موضع قعوده، لئلا يصير تاركاً فرض القعود أو واجبه مع تيسر الوصول إليه، فإذا ‏وقع الشك في صلاة رباعية أن الركعة هي الأولى أو الثانية عمل بالتحري، فإن لم يقع تحريه ‏على شيء بنى على الأقل، فيجعلها أولى، ثم يقعد لجواز أنها الركعة الثانية، والقعدة فيها واجبة، ‏ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى ويقعد.‏
وذهب المالكية إلى أن أسباب سجود السهو: ثلاثة: نقص فقط، وزيادة فقط، ونقص ‏وزيادة.‏
أما النقص: فهو ترك سنة مؤكدة داخلة في الصلاة سهواً أو عمداً، كالسورة إذا تركها ‏عن محلها سهواً، أو سنتين خفيفتين فأكثر كتكبيرتين من تكبيرات الصلاة سوى تكبيرة الإحرام، ‏أو ترك تسميعتين أو تكبيرة وتسميعة. ومن أمثلة ترك سنة أيضاً: ترك جهر بفاتحة فقط ولو مرة، ‏أو بسورة فقط في الركعتين بفرض كالصبح، لا نفل كالوتر والعيدين، مع اقتصار على حركة ‏اللسان الذي هو أدنى السر، وترك تشهد ولو مرة لأنه سنة خفيفة. ويسجد للنقصان قبل السلام.‏
فإن نقص ركناً عمداً بطلت صلاته، وإن نقصه سهواً أجبره ما لم يفت محله، فإن فات ‏ألغى الركعة وقضاها.‏
وأما الزيادة: فهي زيادة فعل غير كثير ليس من جنس الصلاة، أو من جنسها. ‏
مثال الأول: أكل خفيف أو كلام خفيف سهواً.‏
ومثال الثاني: زيادة ركن فعلي من أركان الصلاة كالركوع والسجود، أو زيادة بعض من الصلاة ‏كركعة أو ركعتين، أو أن يسلم من اثنتين. ويسجد للزيادة بعد السلام.‏
أما زيادة القول سهواً: فإن كان من جنس الصلاة فمغتفر، وإن كان من غيرها سجد له.‏
وأما الزيادة والنقص معاً: فهو نقص سنة ولو غير مؤكدة، وزيادة ما تقدم في السبب ‏الثاني، كأن ترك الجهر بالسورة وزاد ركعة في الصلاة سهواً، فقد اجتمع له نقص وزيادة. ‏ويسجد للزيادة والنقصان قبل السلام،ترجيحاً لجانب النقص على الزيادة.‏
ومن قام إلى ركعة زائدة في الفريضة، رجع متى ذكر، وسجد بعد السلام، وكذلك يسجد ‏إن لم يذكر حتى سلم. أما المأموم: فإن اتبع الإمام عالماً عامداً بالزيادة، بطلت صلاته. وإن اتبعه ‏ساهياً أو شاكاً، صحت صلاته. ومن لم يتبعه وجلس، صحت صلاته.‏
ومن قام إلى ثالثة في النافلة: فإن تذكر قبل الركوع، رجع وسجد بعد السلام. وإن تذكر ‏بعد الرفع من الركوع، أضاف إليها ركعة وسلم من أربع، وسجد بعد السلام لزيادة الركعتين.‏
ومن ترك الجلسة الوسطى: فإن ذكر قبل أن يفارق الأرض بيديه أمر بالرجوع إلى ‏الجلوس، فإن رجع فلا سجود عليه، لخفته، وإن لم يرجع سجد. وإن ذكر بعد مفارقته الأرض ‏بيديه، لم يرجع. وإن ذكر بعد أن استقل قائماً، لم يرجع وسجد للسهو، فإن رجع فقد أساء، ولا ‏تبطل صلاته.‏
ومن شك في صلاته، هل صلى ركعة أو اثنتين، فإنه يبني على الأقل، ويأتي بما شك ‏فيه، ويسجد بعد السلام.‏
مذهب الشافعية: يسجد للسهو عند ترك مأمور به في الصلاة، أو فعل منهي عنه فيها. ‏والسنة إن تركها المصلي لا يعود إليها بعد التلبس بالفرض، فمن ترك التشهد الأول مثلاً، فتذكره ‏بعد قيامه مستوياً، لم يعد له، فإن عاد إليه عالماً بتحريمه عامداً، بطلت صلاته، وإن عاد إليه ‏ناسياً لم تبطل، وكذا إن عاد إليه جاهلاً ويسجد للسهو عنها.‏
والذي يقتضي سجود السهو أمران: زيادة ونقصان، وتنحصر أسباب السهو في ستة ‏أمور.‏
‏1-تيقن ترك بعض من الأبعاض: وهي التشهد الأول، وقعوده، والقنوت في الصبح وفي ‏آخر الوتر في النصف الثاني من رمضان، والقيام للقنوت، والصلاة على النبي صلى الله عليه ‏وسلم في التشهد الأول، والصلاة على الآل في التشهد الأخير.‏
‏2- تيقن فعل منهي عنه سهواً مما يبطل عمده فقط: كأن يعيد الفاتحة في الجلوس، وأن ‏يسلم في غير موضع السلام ناسياً، وكذلك نقل السنة القولية كأن يقرأ السورة في غير موضع ‏القراءة، فيسجد للسهو، لأنه قول في غير موضعه، فصار كالسلام. ويستثنى من ذلك قراءة ‏السورة قبل الفاتحة، فلا يسجد لها.‏
‏3 - فعل شيء سهواً، يبطل عمده فقط: كتطويل الركن القصير، بأن يطيل الاعتدال أو ‏الجلوس بين السجدتين. ومثله الكلام القليل سهواً، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من ‏اثنتين وكلم ذا اليدين، وأتم صلاته، وسجد سجدتين متفق عليه.‏
وأما ما يبطل عمده وسهوه ككلام كثير وأكل، فيبطل الصلاة ولا يسجد له.‏
وأما ما لا يبطل عمده ولا سهوه كالتفات بالعنق ومشي خطوتين، فلا يسجد لسهوه ولا ‏لعمده.‏
‏4 - الشك في الزيادة: فلو شك أصلى ثلاثاً أم أربعاً، أتى بركعة وسجد.‏
ودليل السجود للشك في صلاته: حديث عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم يقول: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أواحدةً صلى أم اثِنْتين، فليجعلها ‏واحدة، وإذا لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثاً، فليجعلها اثنتين، وإذا لم يدر ثلاثاً صلى أم أربعاً فليجعلها ‏ثلاثاً، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس، قبل أن يسلم سجدتين" رواه الترمذي وأحمد وابن ‏ماجه.‏
‏5 - الشك في ترك بعض معين من أبعاض الصلاة: كأن شك في ترك القنوت لغير ‏النازلة، أو ترك بعض مبهم (غير معين) كأن لم يدر هل ترك القنوت أو الصلاة على النبي في ‏القنوت.‏
‏6 - الاقتداء بمن يترك بعض الأبعاض: ولو في اعتقاد المأموم، كالاقتداء بمن ترك ‏القنوت في الصبح، أو بمن يقنت قبل الركوع، أو بمن يترك الصلاة على النبي في التشهد الأول، ‏فيسجد بعد سلام الإمام وقبل سلام نفسه.‏
‏ ‏
ذهب الحنابلة إلى أن: أسباب السهو ثلاثة: زيادة، ونقص، وشك في بعض صوره.‏
الأول: أما الزيادة في الصلاة: فمثل أن يزيد المصلي سهواً فعلاً من جنس الصلاة، قياماً ‏أو قعوداً ولو قدر جلسة الاستراحة في غير موضع الاستراحة، أو ركوعاً، أو سجوداً، أو أن يقرأ ‏الفاتحة مع التشهد أو يقرأ التشهد مع الفاتحة، فيسجد للسهو وجوباً في الزيادة الفعلية وندباً في ‏الزيادة القولية.‏
ومتى ذكر من زاد في صلاته، عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير، لإلغاء الزيادة، وعدم ‏الاعتداد بها. وإن زاد ركعة كثالثة في صبح أو رابعة في مغرب أو خامسة في ظهر أو عصر أو ‏عشاء، قطع تلك الركعة، بأن يجلس في الحال متى ذكر بغير تكبير، وبنى على فعله قبل تلك ‏الزيادة، ولا يتشهد، إن كان تشهد، ثم سجد للسهو، وسلم، ولا تحتسب الركعة الزائدة من صلاة ‏مسبوق.‏
وإن كان الذي زاد إماماً أو منفرداً، فنبهه ثقتان فأكثر - ويلزمهم تنبيه الإمام على ما يجب ‏السجود لسهوه، لارتباط صلاتهم بصلاته، بحيث تبطل ببطلانها - لزمه الرجوع، سواء نبهوه ‏لزيادة أو نقص، ولو ظن خطأهما.‏
والمرأة كالرجل في تنبيه الإمام.‏
الثاني النقص في الصلاة: فمثل ترك الركوع أو السجود أو قراءة الفاتحة ونحو ذلك ‏سهواً، ويجب عليه تداركه والإتيان به إذا تذكره، ويجب أن يسجد للسهو في آخر صلاته.‏
وإن نسي التشهد الأول، لزمه الرجوع والإتيان به جالساً، ما لم ينتصب قائماً، وهذا متفق ‏عليه.‏
وإن استتم قائماً، ولم يقرأ، فعدم رجوعه أولى، لحديث المغيرة السابق، ويتابعه المأموم، ‏ويسقط عنه التشهد. وإن قرأ ثم ذكر التشهد، لم يجز له الرجوع، لحديث المغيرة، ولأنه شرع في ‏ركن مقصود، كما لو شرع في الركوع، وتبطل صلاة الإمام إذا رجع بعد شروعه فيها، إلا أن ‏يكون جاهلاً أو ناسياً. وعليه سجود السهو لذلك، لحديث المغيرة، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"إذا سها أحدكم فليسجد سجدتين".‏
وكذلك حكم التسبيح في الركوع والسجود، ودعاء "رب اغفر لي" بين السجدتين، وكل ‏واجب تركه سهواً، ثم ذكره، فيرجع إلى تسبيح الركوع قبل الاعتدال لا بعده.‏
الثالث: الشك في الصلاة الذي يقتضي سجود السهو في بعض صوره: فهو مثل أن يشك ‏في ترك ركن من الأركان، أو في عدد الركعات، فيبني على المتيقن، ويأتي بما شك في فعله، ‏ويتم صلاته، ويسجد للسهو وجوباً.‏
ولا يسجد للسهو حالة الشك في ترك واجب كتسبيح الركوع أو السجود، وإنما يسجد ‏لترك الواجب سهواً.‏
كما لا يسجد للسهو إذا أتم الركعات، وشك وهو في التشهد في زيادة الركعة الأخيرة، لأن ‏الأصل عدم الزيادة. أما إن شك في زيادة الركعة الأخيرة قبل التشهد، فإنه يجب عليه سجود ‏السهو. ومثل ذلك الشك في زيادة سجدة، على هذا التفصيل.‏
محل سجود السهو وصفته:‏
سجود السهو عند الحنفية بعد السلام، وقد يكون قبل السلام وقد يكون بعده، ويتخير ‏المصلي بين الأمرين لدى الحنابلة.‏
ذهب الحنفية إلى أن سجود السهو بعد السلام فقالوا: محل سجود السهو المسنون بعد ‏السلام مطلقاً، سواء أكان السهو بسبب زيادة أم نقصان في الصلاة، ولو سجد قبل السلام أجزأه ‏ولا يعيده.‏
وصفته: أن يسجد سجدتين بعد أن يسلم عن يمينه التسليمة الأولى فقط، ثم يتشهد بعدها ‏وجوباً، ويأتي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء في قعدة السهو لأن الدعاء ‏موضعه آخر الصلاة.‏
وذهب المالكية إلى أن سجود السهو قد يكون قبل السلام وقد يكون بعده فقالوا: محل ‏السجود المسنون قبل السلام إن كان سببه النقصان، أو النقصان والزيادة معاً. وبعد السلام إن كان ‏سببه الزيادة فقط، وينوي وجوباً للسجود البعدي، ويكبر في خفضه ورفعه، ويسجد سجدتين ‏جالساً بينهما، ويتشهد استناناً، ولا يدعو ولا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسلم ‏وجوباً، فتكون واجباته خمسة: وهي النية، والسجدة الأولى، والثانية، والجلوس بينهما، والسلام، ‏لكن السلام واجب غير شرط، وأما التكبير والتشهد بعده فسنة.‏
وإن أخر السجود القبلي عمداً كره ولا تبطل الصلاة، وإن قدم السجود البعدي على السلام ‏أجزأه، وأثم أي يحرم تقديمه عمداً، وتصح الصلاة، فإن لم يتعمد التأخير أو التقديم لم يكره ولم ‏يحرم.‏
وذهب الشافعية إلى أنَّ: محل سجود السهو بين التشهد والسلام، فإن سلم عمداً فات، وإن ‏سلم سهواً وطال الفصل فات أيضاً، وإن لم يطل الفصل، فلا يفوت، ويسجد، وإذا سجد صار ‏عائداً إلى الصلاة في الأصح. ولو سها إمام الجمعة وسجدوا فبان فوت وقتها، أتموا ظهراً ‏وسجدوا.‏
وصفته: سجدتان كسجود الصلاة في واجباته ومندوباته كوضع الجبهة والطمأنينة ‏والتحامل والتنكيس (رفع الأسافل) والافتراش في الجلوس بينهما، والتورك بعدهما.‏
ويحتاج لنية بقلبه، لا بلسانه، فإن نوى بلسانه بطلت صلاته.‏
ودليلهم على صفته: اقتصاره صلى الله عليه وسلم على السجدتين في قصة ذي اليدين، ‏وغيرها من الأحاديث.‏
وذهب الحنابلة إلى أنَّ: لا خلاف في جواز السجود قبل السلام وبعده، وإنما الخلاف ‏عندهم في الأفضل والأولى، والأفضل أن يكون قبل السلام، لأنه إتمام للصلاة، فكان فيها كسجود ‏صلبها، إلا في حالتين:‏
إحداهما - أن يسجد لنقص ركعة فأكثر، وكان قد سلم قبل إتمام صلاته.‏
الثانية - أن يشك الإمام في شيء من صلاته، ثم يبني على غالب ظنه، فإنه يسجد للسهو ‏بعد السلام ندباً نصاً.‏
وصفته: أن يكبر للسجود والرفع منه، سواء أكان قبل السلام أم بعده، ثم يسجد سجدتين ‏كسجود الصلاة، فإن كان السجود بعدياً يأتي بالتشهد كتشهد الصلاة قبل السلام ثم يسلم، وإن كان ‏قبلياً لم يتشهد، ويسلم عقبه.‏
ويقول في سجود السهو ما يقول في سجود صلب الصلاة، لأنه سجود مشروع في ‏الصلاة، فأشبه سجود صلب الصلاة.‏
ومن ترك السجود الواجب للسهو عمداً، بطلت صلاته بترك ما محله قبل السلام، لأنه ‏ترك الواجب عمداً كغيره من الواجبات، ولا تبطل بترك ما محله بعد السلام، لأنه جبر للعبادة ‏خارج منفرد عنهما، فلم تبطل بتركه، كجبرانات الحج.‏
وإذا نسي سجود السهو حتى طال الفصل، لم تبطل الصلاة، لأنه جابر للعبادة بعدها، فلم ‏تبطل بتركه كجبرانات الحج.‏
وإن طال الفصل لم يسجد، وإلا سجد.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:31 PM
سجدة التلاوة



‏1-حكم سجدة التلاوة
ذهب الحنفية إلى أن سجدة التلاوة واجبة على السامع والمستمع والتالي.‏
وذهب الشافعية إلى أنها سنة على السامع والتالي والمستمع وذهب المالكية والحنابلة إلى أنها ‏سنه على المستمع التالي.‏
والمستمع: هو الذي يقصد السماع.‏
والسامع: هو الذي لا يقصد السماع
‏- وجوب سجدة التلاوة على التراخي عند الحنفية.‏
تجب سجدة التلاوة خارج الصلاة على التراخي، في وقت غير معين، إذا كان التالي أو ‏السامع أهلاً للوجوب،سواء قصد سماع القرآنأو لم يقصد، بشرط كون المسموع منه آدمياً عاقلاً ‏يقظاناً، ولو جُنُباً أو حائضاً أو نفساء، أو كافراً أو صبياً مميزاً أو سكران، فلو سمعها من طير ‏كالببغاء أو صدى كآلات التسجيل لا تجب عليه، ولو سمعها من نائم أو مغمى عليه، أو مجنون أو ‏غير مميز، فالأصح من الروايتين لا تجب عليه، لعدم صحة التلاوة بفقد التمييز.‏
أما في الصلاة فتجب وجوباً مضيقاً، لأنها وجبت بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة، ‏فالتحقت بأفعال الصلاة، وصارت جزءاً منها. فإن أنهى قراءته بآية السجدة: فإما أن يسجد مستقلاً ‏ثم يعود للقراءة، وإما أن يضمنها في ركوعه أو سجوده، إن نواها في ركوعه، وسواء نواها أو لم ‏ينوها في سجوده.‏
وإذا لم ينه قراءته بآية السجدة، وتابع فقرأ بعدها ثلاث آيات فأكثر، وجب أن يسجد لها ‏سجوداً مستقلاً، غير سجود الصلاة، ويستحب أن يعود للقراءة، فيقرأ ثلاث آيات فأكثر، ثم يركع، ‏ويتم صلاته.‏
متابعة الإمام في السجدة وسماعها من غير المصلي: ذهب الحنفية إلى أنه: إذا تلا ‏الإمام آية السجدة، سجدها معه المأموم، لالتزامه متابعته. وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا ‏المأموم، لا في الصلاة ولا خارجها، لأن المقتدي محجوز عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه.‏
وإن سمع المصلي وهو في الصلاة آية سجدة من رجل في غير الصلاة لم يسجد لها في ‏الصلاة، وسجدها بعد الصلاة، فإن سجدها في الصلاة لم تجزه، ولم تفسُد صلاته، لأن مجرد ‏السجدة لا ينافي إحرام الصلاة.‏
وذهب الجمهور: يلزم متابعة الإمام في السجدة، فإن سجد الإمام فتخلف المقتدي، أو سجد ‏المأموم دون إمامه، بطلت صلاته ولا يسجد المصلي لقراءة غيره بحال، ولا يسجد مأموم لقراءة ‏نفسه، فإن فعل بطلت صلاته، لأنه زاد فيها سجوداً.‏
شروط سجود التلاوة:‏
ذهب الحنفية إلى أنه يشترط لوجوب سجدة التلاوة: أهلية وجوب الصلاة من الإسلام ‏والعقل والبلوغ، والطهارة من الحيض والنفاس، فلا تجب على الكافر والصبي والمجنون ‏والحائض والنفساء.‏
وذهب المالكية إلى أن سجدة التلاوة لا تسن للمستمع إلا إن صلح القارئ للإمامة، بأن ‏يكون ذكراً بالغاً عاقلاً، وإلا فلا سجود عليه، بل على القارئ وحده.‏
وتسن عند الشافعية ولو كان القارئ صبياً مميزاً، والمستمع رجلاً، أو محدثاً، أو كافراً، ‏ولا تسن لقراءة جنب وسكران، لأنها غير مشروعة لهما.‏
ويشترط لصحة سجدة التلاوة ما يشترط لصحة الصلاة: من طهارة الحدث (وهي ‏الوضوء والغسل) وطهارة النجس (وهي طهارة البدن والثوب ومكان السجود والقيام والقعود)، ‏وستر العورة، واستقبال القبلة والنية. وهذه شروط متفق عليها، واختلفوا فيما عداها.‏
ذهب الحنفية إلى أنه: لا يشترط لها التحريمة ونية تعين الوقت، كما لا يشترط لها السلام ‏كالصلاة، وتجب آية السجدة على خطيب الجمعة والعيدين، وعلى السامعين، لكن يكره للإمام ‏الإتيان بها فوق المنبر، فينزل ويسجد ويسجد الناس معه.‏
وذهب المالكية إلى أنه: لا إحرام فيها ولا تسليم. ويشترط في المستمع شروط ثلاثة، كما ‏قدمنا:‏
وذهب الشافعية إلى أنه: يشترط مع النية تكبيرة الإحرام على الصحيح، كما أخرجه أبو ‏داود، لكن بإسناد ضعيف، وقياساً على الصلاة، ويشترط السلام بعد القعود كالصلاة، ولا يشترط ‏التشهد.‏

مبطلات سجود التلاوة:‏
يبطل سجدة التلاوة كل ما يبطل الصلاة: من الحدث والعمل الكثير، والكلام والضحك، ‏وعليه إعادتها.‏
أسباب سجدة التلاوة وصفتها:‏
تتردد أسباب سجود التلاوة بين التلاوة لآية سجدة، والسماع لها، والاستماع، كما هو ‏موضح في المذاهب.‏
ذهب الحنفية إلى أن: أسباب سجود التلاوة ثلاثة أمور:‏
الأول- التلاوة: فتجب على التالي، ولو لم يسمع نفسه كأن كان أصم.‏
الثاني- سماع آية سجدة أو الاستماع إليها، والاستماع يكون بقصد بخلاف السماع.‏
الثالث- الاقتداء، فلو تلاها الإمام، وجبت على المقتدي، وإن لم يسمعها.‏
وصفة السجود عند الحنفية: أن يكبر للوضع، دون رفع يديه كسجدة الصلاة، ويسجد بين كفيه، ‏واضعاً جبهته على الأرض للسجود، ثم يكبر للرفع، وكل من هاتين التكبيرتين سنة، ويرفع ‏رأسه. ولا يقرأ التشهد، ولا يسلم، لعدم وجود التحريمة.‏
ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً.‏
وذهب المالكية إلى أن: سبب سجدة التلاوة أمران فقط: التلاوة والاستماع بشرط أن ‏يقصده، كما ذكر في شروطها.‏
وصفتها: هي سجدة واحدة، بلا تكبير إحرام ولا سلام، بل يكبر للسجود، ثم للرفع منه ‏استحباباً في كل منهما. ويكبر القائم من قيام ولا يجلس، والجالس من جلوس، وينزل لها الراكب، ‏إلا إذا كان مسافراً، فيسجدها صوب سفره بالإيماء؛ لأنها نافلة. ويسبح فيها كالصلاة: سبحان ‏ربي الأعلى ثلاثاً. فيكون مذهب المالكية قريباً في بيان الصفة من الحنفية. ويزيد في سجوده: ‏‏"اللهم اكتب لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما قبلتها ‏من عبدك داود".‏
وذهب الشافعية إلى أنَّ: سبب سجود التلاوة: التلاوة والسماع والاستماع، كما قال ‏الحنفية.‏
ولها ركنان: النية لغير المأموم، أما المأموم فتكفيه نية الإمام. وسجدة واحدة، كسجدة ‏الصلاة. والمصلي ينوي بالقلب.‏
وغير المصلي: يزاد له ثلاثة أركان: تكبيرة الإحرام، والجلوس بعد السجدة، والسلام. ‏ويسن له التلفظ بالنية.‏
وصفتها: أن يكبر للهوي، وللرفع، ولا يسن له رفع يديه في الصلاة، ويسن الرفع خارج ‏الصلاة، ولا يجلس للاستراحة في الصلاة. ويقول في سجوده:"سبحان ربي الأعلى ثلاثاً"، ‏ويضيف قائلاً:"سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله ‏أحسن الخالقين" ويقول أيضاً: "اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع ‏عني بها وزراً، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود"‏
ويندب أن يقول: "سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً" ولو قال ما يقوله في سجوده ‏فقط، جاز وكفى.‏
ويقوم مقام سجود التلاوة ما يقوم مقام تحية المسجد، فمن لم يرد فعلها قال أربع ‏مرات:"سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر".‏
وذهب الحنابلة إلى أن سبب: التلاوة والاستماع. وبشرط ألا يطول الفصل عرفاً بينها ‏وبين سببها. فإن كان القارىء أو السامع محدثاً، ولا يقدر على استعمال الماء تيمم. ولا يسجد ‏المقتدي إلا لمتابعة إمامه. ويكره للإمام سجوده لقراءة سجدة في صلاة سرية، لئلا يخلط على ‏المأمومين، فإن فعل خير المأموم بين المتابعة وتركها؛ لأنه ليس بتال ولا مستمع، والأولى ‏السجود متابعة للإمام.‏
وأركانها ثلاثة: السجود والرفع منه، والتسليمة الأولى، أما الثانية فليست بواجبة، أما ‏التكبير للهوي والرفع من السجود والذكر في السجود فهو واجب، كما في سجود صلب الصلاة. ‏والجلوس للتسليم مندوب. والأفضل سجوده عن قيام.‏
وصفتها: أن يكبر إذا سجد وإذا رفع، ويرفع يديه مع تكبيرة السجود إن سجد في غير ‏الصلاة؛ لأنها تكبيرة افتتاح، كما قال الشافعية. أما الصلاة فقياس المذهب ألا يرفع يديه، لأن في ‏حديث ابن عمر"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يفعله في السجود" متفق عليه. يعني رفع ‏يديه، ويسلم إذا رفع.‏
ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة: "سبحان ربي الأعلى ثلاثاً". ويقول أيضاً: ‏‏"سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين". ‏ويقول أيضاً: "اللهم اكتب لي بها عندك أجراً واجعلها لي عندك ذخراً وضع عني بها وزراً ‏وتقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود"‏
نيابة الركوع عن سجدة التلاوة
‏-وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يندب عن السجدة الركوع.‏
‏-وذهب الحنفية إلى نيابة ذلك في الصلاة.‏
‏6- المواضع التي تطلب فيها السجدة:‏
ذهب الحنفية إلى أن عدد السجدات أربع عشرة سجدة: في سورة الأعراف الآية(206)، ‏والرعد(15)، والنحل(49)، والإسراء(107)، ومريم(58)، وفي أول الحج(18)، وفي ‏الفرقان(60)، وفي النمل(25)، وفي ألم السجدة(15)، وفي فصلت(38)، وفي ص(24) ‏والنجم(62)، وإذا السماء انشقت(21) واقرأ باسم ربك الذي خلق(19).‏
وذهب المالكية إلى أن عدد السجدات إحدى عشرة، وهم مثل الحنفية إلا في الثلاث الأخيرة: ‏النجم(62)، الانشقاق(21)، العلق(19).‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن: السجدات أربع عشرة، منها سجدتان في سورة الحج، ‏في أولها وآخرها(77)، أما سجدة ص فهي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم في ‏الصلاة على الأصح وتبطلها.‏
‏ ‏
‏7- تتكرر السجدة بتكرر التلاوة؟
ذهب الحنفية إلى أن: من كرر تلاوة آية سجدة واحدة في مجلس واحد، أجزأته سجدة ‏واحدة، وفعلها بعد الأولى أولى، وقيل: التأخير أحوط، أي أنه يشترط اتحاد الآية والمجلس.‏
أما إن كرر آية السجدة في عدة أماكن، أي اختلف المجلس، فيجب تكرار السجود.‏
فإن قرأ عدة آيات فيها سجدات مختلفة، فيجب لكل آية سجدة سواء اتحد المجلس أم ‏اختلف.‏
ويتبدل المجلس بالانتقال منه بثلاث خطوات في الصحراء والطريق، وبالانتقال من غصن شجرة ‏إلى غصن، وبسباحة في نهر أو حوض كبير في الأصح. ولا يتبدل بزوايا البيت الصغير، ‏والمسجد ولو كان كبيراً، ولا بسير سفينة أو سيارة، ولا بركعة وبركعتين، وشربة وأكل لقمتين، ‏ومشي خطوتين، ولا باتكاء وقعود وقيام وركوب ونزول في محل تلاوته، ولا بسير دابته مصلياً.‏
ويتكرر الوجوب على السامع بتبديل مجلسه، وإن اتحد مجلس القارىء، فلو كررها راكباً ‏يصلي، وغلامه يمشي، تتكرر على الغلام،لا الراكب، ولا تتكرر على السامع في عكسه وهو ‏تبدل مجلس القارىء دون السامع على المفتى به، ومن تلا آية سجدة، فلم يسجد لها، حتى دخل ‏في الصلاة، فتلاها، وسجد لها، أجزأته السجدة عن التلاوتين.‏
وإن تلاها في غير الصلاة، فسجد لها، ثم دخل في الصلاة، فتلاها، سجد لها، ولم تُجزه ‏السجدة الأولى. ‏
وإذا تلا آية سجدة في الصلاة ثم أعادها بعد سلامه، سجد سجدة أخرى. ولا تقضى السجدة التي ‏تتلى في الصلاة خارجها؛ لأن لها مزية، فلا تتأدى بناقص، وعليه التوبة.‏
وذهب المالكية إلى أنه: إذا كرر المعلم أو المتعلم آية السجدة، فيسن السجود لكل منهما ‏عند قراءتها أول مرة فقط دفعاً للمشقة. ويسجد إن تجاوز آية السجدة تجاوزاً يسيراً كآية أو آيتين، ‏فإن كان التجاوز كثيراً أعاد آية السجدة وسجد، ولو كانفي صلاة فرض، ولكن لا يسجد في ‏الفرض إذا لم ينحن للركوع.‏
وذهب الشافعية إلى أنه: لو كرر آية في مجلسين، أو في مجلس، سجد لكل من المرتين ‏عقبها، والركعة كمجلس واحد، والركعتان كمجلسين. فإن لم يسجد وطال الفصل عرفاً ولو بعذر، ‏لم يسجد أداء؛ لأنه من توابع القراءة.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه: إذا كرر تلاوة الآية أو استماعها، يسن له تكرار السجود بمقدار ‏ذلك، لتعدد السبب.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:33 PM
سجدة الشكر




ذهب أبو حنفية إلى أنها: مكروهة لعدم إحصاء نعم الله تعالى.‏
والمفتى به أنها مستحبة، لكنها تكره بعد الصلاة ؛ لأن الجهلة يعتقدونها سنة أو واجبة، ‏وكل مباح يؤدي إلى هذا الاعتقاد فهو مكروه. وعلى هذا ما يفعل عقب الصلاة من السجدة مكروه ‏إجماعاً؛ لأن العوام يعتقدون أنها واجبة أو سنة، وكل جائز أدى إلى اعتقاد ذلك كره. وإذا نواها ‏ضمن ركوع الصلاة أو سجودها، أجزأته.‏
ويكره أن يسجد شكراً بعد الصلاة في الوقت الذي يكره فيه النفل، ولا يكره في غيره.‏
وذهب المالكية إلى أنه: يكره سجود الشكر عند سماع بشارة، والسجود عند زلزلة، وإنما ‏المستحب عند حدوث نعمة أو اندفاع نقمة: صلاة ركعتين، لأن عمل أهل المدينة على ذلك.‏
وذهب الشافعية إلى أن: سجدة الشكر لا تدخل في الصلاة. وتسن لهجوم نعمة، كحدوث ‏ولد أو جاه أو اندفاع نقمة كنجاة من حريق أو غريق، أو رؤية مبتلى في بدنه أو غيره،أو رؤية ‏عاص يجهر بمعصيته، ويظهرها للعاصي، لا للمبتلى.‏
وهي كسجدة التلاوة، والأصح جوازهما على الراحلة للمسافر بالإيماء لمشقة النزول، ‏فإن سجد الراكب لتلاوة صلاة، جاز الإيماء على الراحلة قطعاً تبعاً للنافلة كسجود السهو.‏
وذهب الحنابلة إلى أنّه: يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم، واندفاع النقم.‏
ويشترط لسجود الشكر ما يشترط لسجود التلاوة. ولا يسجد للشكر وهو في الصلاة، لأن ‏سبب السجدة ليس منها، فإن فعل بطلت صلاته، إلا أن يكون ناسياً أو جاهلاً بتحريم ذلك.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:34 PM
قضاء الفوائت





‏ 1- معنى القضاء وحكمه الشرعي:‏
والقضاء: فعل الواجب بعد وقته. ‏
أن يبادر إلى أداء الصلاة في وقتها، ويأثم بتأخيرها عن وقتها بغير عذر، وتأخير الصلاة ‏من غير عذر معصية كبيرة لا تزول بالقضاء وحده، بل بالتوبة أو الحج بعد القضاء.‏
وأمَّا تأخير الصلاة عن وقتها لعذر مشروع فلا إثم عليه، ومن العذر: خوف العدو، ‏وخوف القابلة موت الولد، أو خوف أمه إذا خرج رأسه، لأنه عليه السلام أخر الصلاة يوم ‏الخندق، قال ابن مسعود: "إن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات ‏يوم الخندق".‏
فمن وجبت عليه الصلاة، وفاتته بفوات الوقت المخصص لها، لزمه قضاؤها وهو آثم ‏بتركها عمداً، والقضاء عليه واجب، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من نسي صلاة، فليصلها إذا ‏ذكرها"، فيجب القضاء بترك الصلاة عمداً أو لنوم أو نسيان أو لسهو، ولو شكاً.‏
‏2- أعذار سقوط الصلاة وتأخيرها:‏
اتفق العلماء على أن الصلاة تسقط عن المرأة أيام الحيض والنفاس، فلا يجب عليها ‏قضاء ما فاتها من الصلوات أثناء الحيض أو النفاس، كما لا قضاء على الكافر الأصلي والمجنون ‏اتفاقاً.‏
فذهب الحنفية إلى أن: الصلاة تسقط عن المجنون والمغمى عليه إذا استمر الجنون أو ‏الإغماء أكثر من خمس صلوات، أما إن استمر أقل من ذلك، خمس صلوات فأقل، وجب عليهما ‏القضاء لصلاة ذلك الوقت إذا بقي من الوقت ما يسع أكثر من التحريمة. فلو لم يبق من الوقت ما ‏يسع قدر التحريمة، لم تجب عليهما صلاة ذلك الوقت. وأما المرتد: فلا يقضي ما فاته زمن الردة ‏ولا ما قبلها إلا الحج، لأنه بالردة يصير كالكافر الأصلي. ويعذر حربي أسلم بدار الحرب ‏بالجهل، فلا يقضي ما عليه إذا مكث مدة، لأن العلم بالخطاب شرط التكليف.‏
وذهب المالكية إلى أنه: لا تجب القضاء في حال الجنون والإغماء والكفر والحيض ‏والنفاس وفقد الطهورين.‏
وذهب الشافعية إلى أنه: لا تجب الصلاة على الحائض والنفساء والكافر وأما المرتد إذا ‏أسلم: فيلزمه قضاء الصلاة.‏
ومن زال عقله بجنون أو إغماء أو مرض أو بسبب مباح: فلا تجب عليه الصلاة ولا ‏قضاء عليه. ‏
أما من زال عقله بسبب محرم كمن شرب المسكر، أو تناول دواء من غير حاجة، فزال عقله، ‏فيجب عليه القضاء إذا أفاق، لأنه زال عقله بمحرم، فلم يسقط عنه الفرض...‏
وذهب الحنابلة إلى أنه: لا تجب الصلاة على صبي والمجنون ولا كافر ولا حائض أو ‏نفساء. أما الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره.‏
وأما المرتد: ففي وجوب القضاء عليه روايتان عن أحمد:‏
إحداهما كالحنفية: لا يلزمه: لأن عمله قد حبط بكفره ولو حج لزمه استئناف حجه. ‏فصار كالكافر الأصلي في جميع أحكامه.‏
والثانية كالشافعية: يلزمه قضاء ما ترك من العبادات في حال ردته، وإسلامه قبل ردته، ‏ولا يجب عليه إعادة الحج، لأن العمل إنما يحبط بالإشراك مع الموت.‏
وأمَّا المغمى عليه: يقضي جميع الصلوات التي كانت عليه في حال إغمائه، فحكمه حكم ‏النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها كالصلاة والصيام. ومن شرب ‏دواء فزال عقله به نظر: فإن كان زوالاً لا يدوم كثيراً فهو كالإغماء، وإن كان يتطاول فهو ‏كالمجنون.‏
وأما السكر ومن شرب محرماً يزيل عقله وقتاً دون وقت: فلا يؤثر في إسقاط التكليف، ‏وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله، بلا خلاف، ولأنه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح، ‏فبالسكر المحرم أولى.‏

‏3-كيفية قضاء الفائتة:‏
ذهب الحنفية إلى أن الصلاة: تقضى على الصفة السابقة التي فاتت عليها حضراً أو ‏سفراً، فمن فاتته صلاة مقصورة في السفر، قضاها ركعتين ولو في الحضر. ومن فاتته صلاة ‏تامة في الحضر قضاها أربعاً ولو في السفر.‏
أما صفة القراءة في القضاء سراً أو جهراً، فيراعى نوع الصلاة: فإن كانت سرية ‏كالظهر، يسر في القراءة، وإن كانت جهرية يجهر فيها إن كان إماماً، ويخير بين الجهر ‏والإسرار إن كان منفرداً.‏
ويجب القضاء فوراً، ويجوز تأخيره لعذر السعي على العيال وفي الحوائج، كما أن أداء ‏سجدة التلاوة خارج الصلاة والنذر المطلق وقضاء رمضان موسع يجوز تأخيره للعذر السابق.‏
وذهب المالكية إلى أن الصلاة: يقضيها بنحو ما فاتته سفراً أو حضراً، جهراً أو سراً، ‏فوراً، ويحرم عليه تأخير القضاء، ولو كان وقت نهي كطلوع شمس وغروبها وخطبة جمعة، إلا ‏وقت الضرورة كوقت الأكل والشرب والنوم الذي لابد منه، وقضاء حاجة الإنسان، وتحصيل ما ‏يحتاج له في معاشه.‏
وعلى هذا تقضى الحضرية كاملة ولو قضاها في السفر، وتقضى النهارية سراً ولو ‏قضاها ليلاً، وتقضى الليلية جهراً ولو قضاها نهاراً، لأن القضاء يحكي ما كان أداء.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: ينظر لمكان القضاء ووقت القضاء، فيقضي المسافر ‏الصلاة الرباعية ركعتين، سواء فاتته في السفر أم في الحضر، فإن كان في الحضر فيقضي ‏الرباعية أربعاً، وإن فاتته في السفر، لأن الأصل الإتمام، فيرجع إليه في الحضر، ولأن سبب ‏القصر هو السفر وليس متوفراً في الحضر.‏
ويسر ويجهر في الصلاة بحسب الوقت، فإن صلى في النهار من طلوع الشمس إلى ‏غروبها أسَّر، وإن صلى في الليل من مغيب الشمس إلى طلوعها جهر. ‏
ولكن قالت الحنابلة: إن كان القضاء ليلاً يجهر الإمام لشبه القضاء للأداء، فإن كان منفرداً أسر ‏مطلقاً، قال الإمام أحمد: إنما الجهر للجماعة.‏
وذهب الحنابلة إلى: أنه يستحب قضاء الفوائت في جماعة، كما فعل النبي صلى الله عليه ‏وسلم يوم الخندق، حينما فاتته صلوات أربع، فقضاهن في جماعة. ولا يكره قضاء السنن الرواتب ‏قبل الفرائض، ويستحب أن يقضي ركعتي الفجر قبل الفريضة. ‏
‏4-القضاء على الفور:‏
ويجب أن يكون القضاء فوراً باتفاق الفقهاء، سواء فاتت الصلاة بعذر أم بغير عذر.‏
وذهب الشافعية إلى أنه: يبادر بالفائت ندباً إن فاته بعذر كنوم ونسيان، ووجوباً إن فاته ‏بغير عذر، على الأصح فيهما، تعجيلاً لبراءة ذمته
‏5- الترتيب في قضاء الفوائت ‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ الترتيب: بين الفروض الخمسة والوتر وبين الفائتة والوقتية مستحق ‏لازم إلا أن يخاف فوات صلاة الوقت، فيقدم صلاة الوقت ثم يقضي الفائتة.‏
ومن فاتته صلوات رتبها في القضاء، كما وجبت عليه في الأصل، لأن النبي صلى الله ‏عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق، فقضاهن مُرتّبةًً، ثم قال: "صلوا كما رأيتموني ‏أصلي" إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات غير الوتر، فيسقط الترتيب بينها.‏
وذهب المالكية إلى أنه: يجب الترتيب مع التذكر والقدرة بأن لا يكره على عدمه. ‏والترتيب شرط في صلاتين حاضرتين مشتركتي الوقت وهما الظهران والعشاءان فمن تذكر ‏الظهر وهو في أثناء العصر، فالعصر باطلة، وكذا العشاء مع المغرب، لأن ترتيب الحاضرة ‏واجب شرطاً. ويقطع الحاضرة إن لم يتم ركعة، ويندب أن يضم إليها ركعة أخرى إن أتم ركعة ‏ويجعلها نفلاً.‏
ويجب الترتيب مع الشرطين السابقين (التذكر والقدرة) بين الفوائت اليسيرة والصلاة ‏الحاضرة، فتقدم الفائتة على الحاضرة، كمن عليه المغرب والعشاء والصبح، يجب تقديمها على ‏الصبح الحاضرة، وإن خرج وقت الحاضرة، بتقديمه يسر الفوائت الواجب تقديمه عليها. وهذا ‏واجب لا شرط، فلو خالفه لا تبطل المُقدَّمة على محلها، ولكنه يأثم، ولا إعادة عليه لخروج وقتها ‏بمجرد فعلها، فإن قدمها ناسياً أو مكرهاً صحت ولا إثم عليه. ويندب إعادة الحاضرة لو قدمها ‏على يسير الفائتة ولو عمداً، بوقت ضروري (وهو في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين ‏لطلوع الفجر).‏
ويسير الفوائت: خمس فأقل، فيصليها قبل الحاضرة ولو ضاق وقتها.‏
وذهب الحنابلة: في الصحيح إلى أن الترتيب بين الفوائت في نفسها كثيرة أو قليلة، أو ‏بينها وبين الحاضرة واجب إن اتسع الوقت لقضاء الفائتة، فإن لم يتسع سقط الترتيب. ولا يسقط ‏الترتيب من أجل إدراك الجماعة للصلاة الحاضرة، لأنه آكد من الجماعة، بدليل اشتراطه لصحة ‏الصلاة، بخلاف الجماعة، كما لا يسقط الترتيب بجهل وجوبه، لأنه ترتيب واجب في الصلاة، ‏ولا عذر بالجهل بالأحكام الشرعية.‏
وإذا كثرت عليه الفوائت يتشاغل بالقضاء ما لم يلحقه مشقة في بدنه أو ماله.‏
ومن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها، أعاد صلاة يوم وليلة، عند أكثر أهل العلم، لأن ‏التعيين شرط في صحة الصلاة المكتوبة، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بإعادة الصلوات الخمس.‏
وذهب الشافعية إلى أنه: يسن ترتيب الفائتة، وتقديمها على الحاضرة التي لا يخاف فوت ‏وقتها، عملاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وخروجاً من خلاف من أوجبه، فترتيب ‏الفائتة وتقديمها على الحاضرة مشروط بشرطين:‏
الأول - ألا يخشى فوات الحاضرة، بعدم إدراك ركعة منها في الوقت.‏
الثاني - أن يكون متذكراً للفوائت قبل الشروع في الحاضرة. فإن لم يتذكرها حتى شرع ‏في الحاضرة، وجب إتمامها، ضاق الوقت أو اتسع، ولو شرع في فائتة معتقداً سعة الوقت، فبان ‏ضيقه عن إدراكها أداء، وجب قطعها لئلا تصير فائتة، والأفضل أن يقلبها نفلاً بعد أداء ركعتين. ‏ولو خاف فوت جماعة حاضرة، فالأفضل الترتيب، للخلاف في وجوبه.‏
وترتيب الحاضرتين المجموعتين تقديماً واجب، وأما تأخيراً فهو سنة.‏
‏6- القضاء إن جهل عدد الفوائت:‏
وذهب الحنفية إلى أنَّ: من عليه فوائت كثيرة لا يدري عددها، يجب عليه أن يقضي حتى ‏يغلب على ظنه براءة ذمته. وعليه أن يعين الزمن، فينوي أول ظهر عليه أدرك وقته ولم يصله، ‏أو ينوي آخر ظهر عليه أدرك وقته ولم يصله، وذلك تسهيلاً عليه.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه: يجب عليه أن يقضي حتى يتيقن براءة ذمته ‏من الفروض، ولا يلزم تعيين الزمن، بل يكفي تعيين المنوي كالظهر أو العصر مثلاً.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:36 PM
مبطلات الصلاة



مبطلات الصلاة عند الفقهاء:‏
‏1- الكلام: أي النطق بحرفين ولو لم يفهما أو حرف مفهم أجنبي عن الصلاة، عمداً أو ‏سهواً.‏
ذهب الحنفية إلى أنه: تفسد الصلاة بالكلام عمداً أو سهواً، أو جاهلاً، أو مخطئاً، أو ‏مكرهاً، وذلك بالنطق بحرفين أو حرف مفهم، مثل "عِ" و "قِ"، وكما لو سلم على إنسان، أو رد ‏السلام بلسانه، لا بيده، ويكره ذلك على المعتمد، أو شمَّت عاطساً، أو نادى إنساناً بقوله "يا" ولو ‏ساهياً، لكن لو سلم ساهياً للخروج من الصلاة قبل إتمامها على ظن إكمالها، فلا تفسد الصلاة، ‏ولو صافح بنية السلام، تفسد، لأنه عمل كثير. ولو استعطف كلباً أو هرة أو ساق حماراً بما ليس ‏من حروف الهجاء لا تفسد صلاته، لأنه صوت لا هجاء له.‏
ومن ارتفع بكاؤه لمصيبة بلغته، فسدت صلاته، لأنه تعرض لإظهارها.‏
وتفسد بالتنحنح بحرفين بلا عذر، فإن وجد عذر، كأن نشأ من طبعه فلا تفسد، كما لا ‏تفسد إن كان لغرض صحيح كتحسين الصوت، أو ليهتدي إمامه إلى الصواب، أو للإعلام أنه في ‏الصلاة، فلا فساد على الصحيح، وهكذا فإن التنحنح عن عذر لا يفسد الصلاة. وتفسد بالدعاء بما ‏يشبه كلام الناس: وهو ما ليس في القرآن ولا في السنة، ولا يستحيل طلبه من العباد، وبالأنين ‏‏(هو قوله: أه)، والتأوه (هو قوله: آه) والتأفيف (أف أو تف)، والبكاء بصوت يحصل به حروف، ‏لوجع أو مصيبة في الحالات الأربعة الأخيرة، إلا لمرض لا يملك نفسه عن أنين وتأوه، لأنه ‏حينئذ كعطاس وسعال وجشاء وتثاؤب، وإن ظهرت حروف للضرورة.‏
والنفخ بصوت مسموع يفسد الصلاة سواء أراد به التأفيف أو لم يرد.‏
ولا تفسد بالدعاء لذكر جنة أو نار عند قراءة الإمام، فجعل يبكي ويقول: بلى أو نعم، ‏لدلالته على الخشوع.‏
وتفسد بكل ما قصد به الجواب، كأن قيل: هل مع الله إله ؟ فقال:لا إله إلا الله" أو قيل: ما ‏مالك؟ فقال: الخيل والبغال والحمير. أو سئل: من أين جئت؟ فقال: وبئر معطلة وقصر مشيد.‏
ولا تفسد الصلاة بالنظر إلى مكتوب وفهمه، غير أنه مكروه، أما القراءة من المصحف ‏فتفسد الصلاة عند أبي حنيفة، لأن حمل المصحف والنظر فيه وتقليب الأوراق عمل كثير، ولأنه ‏يشبه التلقين مع الغير.‏
وذهب المالكية إلى أنه: يشترط لصحة الصلاة ترك الكلام إلا ما هو من جنسها، أو ‏مصلح لها. وتبطل بتعمد كلام أجنبي ولو كلمة، نحو "نعم" أو "لا" لمن سأله عن شيء، لغير ‏إصلاح الصلاة، فإن كان الكلام لإصلاح الصلاة وبقدر الحاجة لا تبطل الصلاة إلا إن كان ‏كثيراً، كأن يسلم الإمام بعد ركعتين في صلاة رباعية، أو يقوم لركعة خامسة، ولم يفهم بالتسبيح، ‏فقال له المأموم: أنت سلمت من ركعتين أو قمت لخامسة، لم يضر.‏
وتبطل أيضاً بتعمد تصويت خال عن الحروف، كصوت الغراب، وبتعمد نفخ بفم، لا ‏بأنف، وبتعمد سلام في حال العلم أو الظن أو الشط بعدم إكمال الصلاة.‏
وذهب الشافعية إلى أنه: تبطل الصلاة بالنطق بكلام البشر بحرفين مفهمين ولو لمصلحة ‏الصلاة كقوله: لا تقم أو اقعد، أو بحرف مفهم، أو بمدَّة بعد حرف في الأصح، لأن الممدود في ‏الحقيقة حرفان. والأصح أن التنحنح والبكاء والأنين، والنفخ إن ظهر به حرفان مبطل للصلاة. ‏ويعذر في يسير الكلام إن سبق لسانه إليه، أو نسي الصلاة عملاً بقصة ذي اليدين السابقة، أو ‏جهل تحريم الكلام في الصلاة إن قرب عهده بالإسلام، وتبطل بكثير الكلام، ويعذر في اليسير ‏عرفاً من التنحنح ونحوه كالسعال والعطاس وإن ظهر به حرفان ولو من كل نفخة ونحوها، لغلبة ‏كل ما ذكر عليه فلا تقصير منه، أو لتعذر القراءة الواجبة وغيرها من الأركان القولية في حال ‏التنحنح للضرورة، والجهر بالقراءة لا يصلح عذراً ليسير التنحنح. ولو أكره المصلي على الكلام ‏اليسير في صلاته بطلت صلاته في الأظهر، لأنه أمر نادر كالإكراه على الحدث.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه: تبطل الصلاة بكلام الآدميين (وهو ما انتظم حرفين فصاعداً)، ‏لغير مصلحة الصلاة، كقوله : يا غلام اسقني، ونحوه. ولا تبطل إن تكلم من سلَّم قبل إتمام صلاته ‏سهواً بكلام يسير عرفاً لمصلحة الصلاة، عملاً بقصة ذي اليدين، سواء أكان إماماً أم مأموماً. ولا ‏تبطل إن تكلم مغلوباً على الكلام، بأن خرجت الحروف منه بغير اختياره، كأن سلم سهواً أو نام ‏فتكلم لرفع القلم عنه، أو سبق على لسانه حال قراءته كلمة لا من القرآن، لأنه لا يمكنه التحرز ‏عنه، أو غلبه سعال أو عطاس أو تثاؤب، فبان منه حرفان.‏
وتبطل الصلاة بالنفخ إن بان منه حرفان، وبالنحيب (هو رفع الصوت بالبكاء) إذا بان ‏منه حرفان، لا من خشية الله، وبالتنحنح من غير حاجة، فبان منه حرفان فإن تنحنح لحاجة لم ‏تبطل.‏
والقراءة أثناء الصلاة في المصحف، ويكره ذلك لمن يحفظ، لأنه يشغل عن الخشوع في ‏الصلاة والنظر إلى موضع السجود لغير حاجة، كما يكره في الفرض على الإطلاق، لأن العادة ‏أنه لا يحتاج إلى ذلك فيها، وتباح في غير هذين الموضعين للحاجة إلى سماع القرآن والقيام به.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:39 PM
حكم الفتح على الإمام وغيره

ذهب الحنفية إلى أنه: إذا توقف الإمام في القراءة أو تردد فيها، قبل أن ينتقل إلى آية ‏أخرى، جاز للمأموم أن يفتح عليه أي يرده إلى الصواب، وينوي الفتح على إمامه دون القراءة ‏على الصحيح، لأنه مرخص فيه، أما القراءة خلف الإمام فهي مكروهة تحريماً. فلو كان الإمام ‏انتقل إلى آية أخرى، تفسد صلاة الفاتح، وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله، لوجود التلقين والتلقن ‏من غير ضرورة.‏
وينبغي للمقتدي ألا يعجل الإمام بالفتح، ويكره له المبادرة بالفتح، كما يكره للإمام أن ‏يلجئ المأموم إليه، بل يركع حين الحرج إذا جاء أوان التردد في القراءة، أو ينتقل إلى آية أخرى.‏
وتبطل الصلاة إن فتح المأموم على غير إمامه إلا إذا قصد التلاوة لا الإرشاد، ويكون ‏ذلك مكروهاً تحريماً.‏
كما تبطل الصلاة بإرشاد غير المصلي له، أو بامتثال أمر الغير، كأن يطلب منه غيره ‏سد فرجة، فامتثل وسدها، وإنما ينبغي أن يصبر زمناً ثم يفعل من تلقاء نفسه.‏
وذهب المالكية إلى أنه تبطل: تبطل الصلاة بالفتح على غير الإمام سواء من المصلي أو ‏من غيره، بأن سمعه يقرأ، فتوقف في القراءة، فأرشده للصواب، لأنه من باب المكالمة، أما الفتح ‏على الإمام إذا وقف وتردد في القراءة، ولو في غير الفاتحة فجائز لا يبطل الصلاة، بل هو ‏واجب، فإن وقف ولم يتردد كره الفتح عليه.‏
وذهب الشافعية إلى أنه: الفتح على الإمام: هو تلقين الآية عند التوقف فيها. ويفتح عليه ‏إذا سكت، ولا يفتح عليه مادام يردد التلاوة وسؤال الرحمة والاستعاذة من عذاب، لقراءة آيتهما. ‏والفتح في حالة السكوت لا يقطع في الأصح موالاة قراءة المأموم، أما في حالة التردد فيقطع ‏موالاة قراءته، ويلزمه استئناف القراءة.‏
ولابد لمن يفتح على إمامه أن يقصد القراءة وحدها أو يقصدها من الفتح. فإن قصد الفتح ‏وحده، أو لم يقصد شيئاً أصلاً، بطلت صلاته على المعتمد. أما الفتح على غير إمامه فيقطع ‏موالاة القراءة.‏
وذهب الحنابلة إلى أنَّ: للمصلي أن يفتح على إمامه إذا أرْتِج عليه (منع من القراءة) أو ‏غلط في قراءته، فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً. ويجب الفتح على إمامه إذا أرتج عليه أو غلط في ‏الفاتحة، لتوقف صحة صلاته على ذلك، كما يجب تنبيهه عند نسيان سجدة ونحوها من الأركان.‏
وإن عجز المصلي عن إتمام الفاتحة بالإرتاج عليه، فكالعاجز عن القيام في أثناء الصلاة، ‏يأتي بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه، ولا يعيدها.‏
ويكره للمصلي الفتح على من هو في صلاة أخرى، أو على من ليس في صلاة، لأن ذلك ‏يشغله عن صلاته، ولا تبطل صلاته.‏
‏2- الأكل والشرب: هذا مبطل للصلاة على تفصيل في جزئيات يسيرة بين الفقهاء.‏
ذهب الحنفية إلى أنه: تبطل الصلاة بالأكل والشرب عامداً أم ناسياً، سواء أكان المأكول ‏قليلاً أم كثيراً، لأنه ليس من أعمال الصلاة، إلا إذا كان بين أسنانه مأكول دون الحِمِّصة، فابتلعه، ‏فلا تبطل صلاته لمشقة الاحتراز عنه دائماً، كما هو الحال في الصوم.‏
أما المضغ الكثير بان كان ثلاثاً متواليات فمفسد، وكذا لو ابتلع ذوب سكر أو حلوى في ‏فمه.‏
وذهب المالكية إلى أنه: تبطل الصلاة بتعمد أكل ولو لقمة بمضغها، وتعمد شرب ولو ‏قلّ، ولا تبطل بأكل يسير مثل الحبة بين أسنانه، كما لا تبطل بأكل أو شرب سهواً على الراجح، ‏ويسجد له بعد السلام. فإن اجتمع الأكل والشرب، أو وجد أحدهما مع السلام سهواً، فتبطل ‏الصلاة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: تبطل الصلاة بتعمد تناول قليل الأكل، لشدة منافاته ‏للصلاة، لأن ذلك يشعر بالإعراض عنها، ولا تبطل بتناول قليل الأكل ناسياً أو جاهلاً تحريمه، ‏وتبطل بكثير الأكل ولو مع النسيان والجهل في الأصح، ولو مفرقاً، بخلاف الصوم، فإنه لا يبطل ‏بذلك.‏
كما تبطل بكثير المضغ، وإن لم يصل إلى الجوف شيء من الممضوغ.‏
وتبطل في الأصح ببلع ذوب سُكَّرة بفمه، لمنافاته للصلاة.‏
ولا يضر ما وصل مع الريق إلى الجوف من طعام بين أسنانه، إذا عجر عن تمييزه ‏ومجه.‏
‏3- العمل الكثير المتوالي:‏
قال الحنفية: تبطل الصلاة بكل عمل كثير ليس من أعمالها ولا لإصلاحها، كزيادة ‏ركوع أو سجود، وكمشي لغير تجديد الوضوء لمن سبقه الحدث. ولا تفسد برفع اليدين في ‏تكبيرات الزوائد ولكنه يكره. والعمل الكثير: هو الذي لا يشك الناظر لفاعله أنه ليس في الصلاة. ‏فإن اشتبه فهو قليل على الأصح.‏
وقال المالكية: تبطل الصلاة بالفعل الكثير عمداً أو سهواً كحك جسد، وعبث بلحية، ‏ووضع رداء على كتف، ودفع مارّ وإشارة بيد. ولا تبطل بالفعل القليل أو اليسير جداً كالإشارة ‏وحك البشرة، أما المتوسط بين الكثير والقليل، كالانصراف من الصلاة، فيبطل عمده دون سهوه.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: تبطل الصلاة بكثير العمل عمداً أو سهواً، لا بقليله، ‏وتعرف الكثرة بالعرف والعادة، فالخُطوتان والضربتان قليل، والثلاث المتواليات عند الشافعية ‏كثير. ومعنى التوالي: ألا تعد إحداهما منقطعة عن الأخرى.‏
وتبطل بالوثبة الفاحشة وهي النطة لمنافاتها الصلاة، لا الحركات الخفيفة المتوالية، ‏كتحريك أصابعه في سُبْحة أو عِقْد، أو حكّ أو نحو ذلك، كتحريك لسانه أو أجفانه أو شفتيه مرات ‏متوالية، فلا تبطل بذلك.‏
ولا يضر العمل اليسير عادة من غيرجنس الصلاة، لفتح النبي صلى الله عليه وسلم الباب ‏لعائشة، وحمله أُمامة ووضعها، كما لا يضر العمل المتفرق وإن كثر، ولا الحاصل بعذر كمرض ‏يستدعي حركة لا يستطيع الصبر عنها زمناً يسع الصلاة.‏
ويكره العمل الكثير غير المتوالي بلا حاجة. ‏
ولا يقدر عند الحنابلة العمل الكثير بثلاث ولا بعدد.‏
وأضاف الشافعية: أن العمل الكثير في العرف يضبط بثلاثة أفعال فأكثر، ولو بأعضاء ‏متعددة، كأن حرك رأسه ويده. ويحسب ذهاب اليد وعودها مرة واحدة، ما لم يسكن بينهما، وكذا ‏رفع الرجل، سواء عادت لموضعها الذي كانت فيه أو لا. أما ذهابها وعودها فمرتان. وقد عرفنا ‏أن الوثبة الفاحشة كالعمل الكثير، وكذا تحريك كل البدن، أو معظمه ولو من غير نقل قدميه.‏
ولو تردد في فعل، هل هو قليل أو كثير، فالمعتمد أنه لا يؤثر.‏
‏4- المشي في الصلاة: لا تبطل الصلاة إن مشى مستقبل القبلة بنحو متقطع يفصل بين ‏تقديم كل رجل والأخرى بقدر أداء ركن، فيقف، ثم يمشي وهكذا وإن كثر ما لم يختلف المكان، ‏بأن خرج من المسجد، أو تجاوز الصفوف إن كانت الصلاة في الصحراء.‏
‏5- استدبار القبلة: بتحويل الصدر عنها بغير عذر، عند الحنفية والشافعية، فإن كان ‏بعذر، كاستدبار القبلة للذهاب إلى الوضوء، فلا تبطل لأنه مغتفر. ‏
ومن العذر عند الشافعية: انحراف الجاهل والناسي إن عاد عن قرب.‏
ولا تبطل الصلاة عند المالكية ما لم تتحول قدما المصلي عن مواجهة القبلة.‏
وعند الحنابلة: ما لم يتحول المصلي بجملته عن القبلة.‏
‏6- كشف العورة: ذهب الحنفية إلى أن كشف العورة عمداً أو انكشافها بنحو ريحٍ ‏ومضي مقدار أداء ركن أو مقدار ثلاث تسبيحات تبطل الصلاة إذا انكشف ربع عضو من أعضاء ‏العورة وإن سترها حالاً لم تبطل.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لو سترها حالاً لم تبطل.‏
وذهب المالكية إلى أنه تبطل بمجرد انكشاف العورة المغلظة مطلقاً، ولا غيرها.‏
‏7- ظهور الحدث الأصغر أو الأكبر ولو من فاقد الطهورين عمداً أو سهواً، ولو من دائم ‏الحدث غير حدثه الدائم. لكن لو شك في الحدث استمر.‏
ومن الحدث: نوم غير الممكن مقعدته من الأرض. والمفسد للصلاة عند الحنفية : هو ‏الحدث العمد بعد الجلوس الأخير قدر التشهد، أو قبل ذلك، فإن سبقه الحدث قبل السلام بعد ‏الجلوس الأخير صحت الصلاة عندهم. كما أنه يبني على صلاته إن سبقه الحدث من غير قصد ‏في أثناء الصلاة: وهو ما يخرج من بدنه من بول أو غائط أو ريح أو رعاف أو دم سائل من ‏جرح أو دمل به بغير صنعه.‏
‏8- حدوث النجاسة التي لا يعفى عنها في البدن والثوب والمكان: فمن تنجس جسده أو ‏ثوبه، أو سجد على شيء نجس بنجاسة لا يعفى عنها، أو سالت نجاسة داخل فمه أو أنفه أو أذنه، ‏بطلت صلاته. ولا تبطل الصلاة بالنجاسة التي يعفى عنها، ولا بما إذا وقع على ثوبه نجاسة ‏يابسة فنفض ثوبه حالاً.‏
‏9- القهقهة: أي الضحك بصوت، تفسد الصلاة إن ظهر بها حرفان فأكثر، أو حرف ‏مفهم. فالبطلان فيها من جهة الكلام المشتملة عليه.‏
وفرق الحنفية: بين الضحك والقهقه، فالضحك: هو ما يكون مسموعاً للمصلي فقط دون ‏جيرانه، وحكمه أنه يفسد الصلاة فقط، ولا يبطل الوضوء. ‏
وأما القهقهة: فهي ما يكون مسموعاً للمصلي ولجيرانه.‏
وحكمه: أنه يفسد الصلاة ويبطل الوضوء. أما التبسم من غير صوت فلا يفسد شيئاً.‏
وذهب الحنفية إلى أنه تبطل الصلاة بالقهقهة كما تبطل بالحدث العمد إذا حصلت قبل ‏القعود الأخير قدر التشهد، فإن كانت بعده فلا تبطل الصلاة التي تمت بها، وإن نقض الوضوء.‏
‏10- الردة (وهي قطع الإسلام بقول أو فعل) والموت والجنون والإغماء.‏
وتبطل الصلاة في الردة والموت والجنون والإغماء.‏
‏11- تغيير النية: تبطل الصلاة بفسخ النية أو تردده فيها، أو عزمه على إبطالها أو نية ‏الخروج من الصلاة، أو إبطالها وإلغاء ما فعله من الصلاة، أو شكه هل نوى أم لا، فعمل مع ‏الشك عملاً. وهذا متفق عليه. ‏
وذهب الحنفية إلى أنه تبطل الصلاة بالانتقال من صلاة إلى مغايرتها، كأن ينوي الانتقال من ‏صلاته التي هو فيها إلى صلاة أخرى: فمن صلى ركعة من الظهر، ثم افتتح بتكبير العصر أو ‏التطوع، فقد نقض الظهر، لأنه صح شروعه في غيره، فيخرج عنه. ولو كان يصلي منفرداً في ‏فرض، فكبر ناوياً الشروع في الاقتداء بإمام، أو نوى إمامة النساء، فسدت الصلاة الأولى، ‏وصار شارعاً في الصلاة الثانية.‏
‏12- اللحن في القراءة، أو زلة القارئ: ذهب الحنفية المتقدمون إلى أنه.‏
تبطل الصلاة بكل ما غيَّر المعنى تغيراً يكون اعتقاده كفراً، وبكل ما لم يكن مثله في ‏القرآن، والمعنى بعيد متغير تغيراً فاحشاً، كهذا الغبار مكان {هذا الغُراب}، وبكل ما لم يكن له ‏مثل في القرآن، ولا معنى له، كالسرائل مكان {السرائِرْ}، وتبطل أيضاً في قول آخر بما له مثل ‏في القرآن، والمعنى بعيد، ولم يكن متغيراً تغيراً فاحشاً. ولا تبطل في قول ثانٍ، لعموم البلوى.‏
فإن لم يكن له مثل في القرآن، ولم يتغير به المعنى، كقيامين مكان {قوامين} فعكس ‏الخلاف السابق: لا تبطل في القْول الأول، وتبطل في القول الثاني.‏
وذهب الحنفية المتأخرون إلى أنه لو كان: إن الخطأ في الإعراب لا يفسد الصلاة مطلقاً، ‏ولو كان اعتقاده كفراً، لأن أكثر الناس لا يميزون بين وجوه الإعراب.‏
وإن كان الخطأ بإبدال حرف مكان حرف: فإن أمكن الفصل بينهما بلا كلفة، كالصاد مع ‏الطاء، بأن قرأ الطالحات مكان {الصالحات} فتفسد الصلاة اتفاقاً. وإن لم يمكن الفصل إلا بمشقة، ‏فالأكثر على عدم الفساد، لعموم البلوى، كالصاد مع السين، كالسراط بدل الصراط.‏
ولا تفسد الصلاة بتخفيف مشدد وعكسه (تشديد مخفف)، كما لو قرأ "أفعيينا" بالتشديد، ‏واهدنا الصراط بإظهار اللام، كما لا تفسد بزيادة حرف فاكثر نحو "الصراط الذين"، أو بوصل ‏حرف بكلمة نحو "إيا كنعبد"، أو بوقف وابتداء، وإن غيَّر المعنى.‏
لكن تفسد الصلاة بعدم تشديد {رَبِّ الْعَالَمِينَ} و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}.‏
وذهب الحنابلة إلى أنَّه لو: إن أحال اللحان المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة الصلاة ‏ولا الائتمام به إلا أن يتعمده، فتبطل صلاتهما. أما إن أحال المعنى في الفاتحة فتبطل الصلاة ‏مطلقاً.‏
‏13- ترك ركن بلا قضاء، وترك شرط بلا عذر: ‏
الأول: مثل ترك سجدة من ركعة، وسلم قبل الإتيان بها. والثاني: كترك ستر العورة بلا عذر، فإن ‏وجد عذر كعدم وجود ساتر أو مطهر للنجاسة، وعدم قدرة على استقبال القبلة، فلا فساد.‏
‏14- أن يسبق المقتدي إمامه عمداً بركن لم يشاركه فيه : كأن يركع ويرفع قبل أن ‏يركع الإمام. فإن كان سهواً، رجع لإمامه ولا تبطل صلاته، لكن الحنفية قالوا: تبطل الصلاة ولو ‏سبق سهواً إن لم يعد ذلك مع الإمام، أو بعده ويسلم معه، فإن أعاده معه أو بعده وسلم معه، فلا ‏تبطل.‏
وقال الشافعية: لا تبطل صلاة المأموم إلا بتقدمه عن الإمام بركنين فعليين بغير عذر، ‏كسهو مثلاً، وكذا لو تخلف عنه عمداً من غير عذر، كبطء قراءة.‏
‏15- محاذاة المرأة الرجل في الصلاة من غير فرجة تسع مكان مصلٍ، أو من غير ‏حائل، سواء أكانت المرأة مَحْرماً كأخت أو بنت، أم غير محرم كزوجة.‏
وتتحقق المحاذاة عند الحنفية بالشروط الآتية:‏
أولاً - أن تكون المحاذاة بالساق والكعب.‏
ثانياً - أن تكون الصلاة مشتركة بينهما في التحريمة، والأداء، ونية الإمام إمامتها، أو ‏باقتدائها مع الرجل بإمام آخر، أو باقتدائها برجل، ولم يشر إليها لتتأخر عنه. فإن لم ينو الإمام ‏إمامتها، لا تكون معه في الصلاة، وإن لم تتأخر بإشارته فسدت صلاتها هي، لا صلاته.‏
ثالثاً - أن يكون مكانهما متحداً ولا حائل بينهما.‏
رابعاً - أن تكون المرأة مشتهاة.‏
ومقدار المحاذاة المفسدة: أداء ركن عند محمد، ويقدر بمقدار ثلاث تسبيحات عند أبي ‏يوسف.‏
‏16- إذا وجد المتيمم ماء قدر على استعماله وهو في الصلاة: ذهب الحنفية والحنابلة ‏إلى أن الصلاة تبطل بمجرد رؤية الماء، ولكن الحنفية قالوا: تبطل إذا رأى الماء قبل القعود ‏الأخير قدر التشهد، وإلا فلا تبطل، لأن الصلاة تكون قد تمت عندهم.‏
ولا تبطل الصلاة برؤية الماء عند المالكية والشافعية، إلا إذا كان عند المالكية ناسياً ‏للماء الموجود معه، ثم تذكره، فتبطل الصلاة حينئذ إذا اتسع الوقت لإدراك ركعة من الصلاة بعد ‏استعماله.‏
‏17- القدرة على الساتر لعورته: إذا وجد العريان ثوباً ساتراً لعورته أثناء الصلاة ‏واحتاج إلى عمل كثير لإحضاره، بطلت صلاته. إلا أن المالكية قالوا: لا تبطل إن كان بعيداً عنه ‏أكثر من نحو صفين من صفوف الصلاة غير صفه، وإنما يكمل الصلاة، ويعيدها في الوقت فقط.‏
‏18- أن يسلم عمداً قبل تمام الصلاة: فإن سلم سهواً، لم تبطل صلاته إذا لم يعمل عملاً ‏كثيراً، ولم يتكلم كلاماً كثيراً على الخلاف السابق في بحث "السلام".‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:39 PM
متى يجب قطع الصلاة؟

يجب قطع الصلاة لضرورة، وقد يباح لعذر.‏
أما ما يجب قطع الصلاة له لضرورة فهو ما يأتي:‏
‏- تقطع الصلاة ولو فرضاً باستغاثة شخص ملهوف، ولو لم يستغث بالمصلي بعينه، كما ‏لو شاهد إنساناً وقع في الماء، أو هجم عليه حيوان، أو اعتدى عليه ظالم، وهو قادر على إغاثته.‏
‏- وتقطع الصلاة أيضاً إذا غلب على ظن المصلي خوف تردي أعمى، أو صغير أو ‏غيرهما في بئر ونحوه. كما تقطع الصلاة خوف اندلاع النار واحتراق المتاع ومهاجمة الذئب ‏الغنم، لما في ذلك من إحياء النفس أو المال، وإمكان تدارك الصلاة بعد قطعها، لأن أداء حق الله ‏تعالى مبني على المسامحة.‏
متى يجوز قطع الصلاة؟
يجوز قطع الصلاة ولو كانت فرضاً عند:‏
‏- سرقة المتاع، ولو كان المسروق لغيره، إذا كان المسروق يساوي درهماً فأكثر.‏
‏- خوف المرأة على ولدها، أو خوف فوران القدر، أو احتراق الطعام على النار. ولو ‏خافت القابلة (الداية) موت الولد أو تلف عضو منه، أو تلف أمه بتركها، وجب عليها تأخير ‏الصلاة عن وقتها، وقطعها لو كانت فيها.‏
‏- مخافة المسافر من اللصوص أو قطاع الطرق.‏
‏- قتل الحيوان المؤذي إذا احتاج قتله إلى عمل كثير.‏
‏- رد الدابة إذا شردت.‏
‏- مدافعة الأخبثين (البول والغائط) وإن فاتته الجماعة.‏
‏- نداء أحد الأبوين في صلاة النافلة، وهو لا يعلم أنه في الصلاة، أما في الفريضة فلا ‏يجيبه إلا للضرر، وهذا متفق عليه.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:41 PM
صلاة العيدين



مشروعية صلاة العيد:‏
جاءت مشروعيتها في الكتاب والسنة.‏
أما الكتاب: فقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] المشهور في التفسير : أن ‏المراد بذلك صلاة العيد أي صلاة الأضحى والذبح.‏
وأما السنة: قال ابن عباس: "شهدت صلاة الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏وأبي بكر وعمر فكلهم يصليها قبل الخطبة" وعنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد ‏بغير أذان ولا إقامة".‏
وأجمع المسلمون على مشروعية صلاة العيدين.‏
حكم صلاة العيدين:‏
ذهب الحنفية إلى أن صلاة العيدين واجبة.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أنها سنة مؤكدة.‏
ذهب الحنابلة إلى أنها فرض كفاية. كصلاة الجنازة أي إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين.‏
خروج النساء إلى صلاة العيد:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يرخص للشابات من النساء الخروج إلى الجمعة ‏والعيدين وشيء من الصلاة.‏
وأما العجائز فلا خوف في أنه يرخص لهن الخروج لصلاة العيدين.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: لا بأس بحضور النساء مصلى العيد غير ذوات ‏الهيئات فلا تحضر المطيبات، ولا لابسات ثياب الزينة أو الشهرة، لما روت أم عطية، قالت: ‏‏"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج العَواتِق والحُيَّض، وذوات الخدور في العيد، فأما ‏الحيَّض فكن يعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين".‏
وإذا أراد النساء الحضور تنظفن بالماء، ولا يتطيبن، ولا يلبسن الشهرة من الثياب أي ‏الثياب الفاخرة، ويعتزلن الرجال فلا يختلطن بهم، ويعتزل الحيَّض المُصلَّى للحديث السابق، ‏ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تَفِلات" أي غير ‏معطرات، ولأن المرأة إذا تطيبت ولبست الشهرة من الثياب، دعا ذلك إلى الفساد.‏
وقت صلاة العيد:‏
اتفق الفقهاء على أن وقت صلاة العيد: هو ما بعد طلوع الشمس قدر رمح أو رمحين، أي ‏بعد حوالي نصف ساعة من الطلوع، إلى قبيل الزوال أي قبل دخول وقت الظهر، وهو وقت ‏صلاة الضحى، للنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، فتحرم عند الشروق، وتكره بعدها عند ‏الجمهور، فإذا صلوا قبل ارتفاع الشمس قدر رمح لا تكون عند الحنفية صلاة عيد، بل نفلاً ‏محرماً.‏
قضاء صلاة العيد: ‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ: من فاتته صلاة العيد مع الإمام، لم يقضها، لفوات وقتها، ‏والنوافل لا تقضى، ولأنها لم تعرف قربة إلا بشرائط لا تتم بالمنفرد، فلو أمكنه الذهاب لإمام آخر ‏فعل، لأنها تؤدى بمواضع اتفاقاً. ولا تجوز للمنفرد وإنما تصلى جماعة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن: من فاتته صلاة العيد مع الإمام، سنَّ له قضاؤها على ‏صفتها، لفعل أنس، ولأنه قضاء صلاة، فكان على صفتها كسائر الصلوات. وله قضاؤها متى ‏شاء في العيد وما بعده متى اتفق، والأفضل قضاؤها في بقية اليوم.‏
وتجوز صلاة العيد للمنفرد والعبد والمسافر والمرأة، كما بينا.‏
موضع أداء صلاة العيد:‏
ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن: موضعها في غير مكة: المصلى (الصحراء ‏خارج البلد، على أن يكون قريباً من البلد عرفاً عند الحنابلة) لا المسجد، إلا من ضرورة أو عذر.‏
أما في مكة: فالأفضل فعلها في المسجد الحرام، لشرف المكان، ومشاهدة الكعبة، وذلك ‏من أكبر شعائر الدين.‏
وذهب الشافعية إلى أن: فعل صلاة العيد في المسجد أفضل، لأنه أشرف وأنظف من ‏غيره، إلا إذا كان مسجد البلد ضيقاً، فالسنة أن تصلى في المصلى.‏
فإن كان في الناس ضعفاء، استخلف الإمام في مسجد البلد من يصلي بهم.‏
كيفية صلاة العيد:‏
صلاة العيد ركعتان بالاتفاق
كيفية صلاة العيد عند الحنفية:‏
ينادى "الصلاة جامعة"، ثم ينوي المصلي إماماً أو مقتدياً صلاة العيد بقلبه ولسانه قائلاً: ‏‏"أصلي صلاة العيد لله تعالى" إماماً للإمام، ومقتدياً للمؤتمين، ثم يكبر تكبيرة الإحرام ثم يضع ‏يديه تحت سرته، ثم يقرأ الإمام والمؤتم الثناء: "سبحانك اللهم وبحمدك .. الخ"، ثم يكبر الإمام ‏والقوم ثلاثاً تسمى تكبيرات الزوائد، لزيادتها على تكبيرة الإحرام والركوع، رافعاً يديه في كل ‏منها، ثم يرسلها، ويسكت بعد كل تكبيرة مقدار ثلاث تسبيحات، ولا يسن ذِكْر معين، ولا بأس بأن ‏يقول: "سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، ثم توضع اليدان تحت السرة.‏
ثم يتعوذ الإمام ويسمي سراً، ثم يقرأ جهراً الفاتحة، وسورة بعدها، وندب أن تكون سورة ‏‏"الأعلى" تماماً، ثم يركع الإمام والقوم.‏
فإذا قام للركعة الثانية: ابتدأ بالبسملة، ثم بالفاتحة، ثم بالسورة ليوالي بين القراءتين، وهو ‏الأفضل عندهم، وندب أن تكون سورة {الغاشية}.‏
ثم يكبر الإمام والقوم تكبيرات الزوائد ثلاثاً مع رفع اليدين كما في الركعة الأولى، ثم ‏تتمم الركعة الثانية إلى السلام.‏
فإن قدم التكبيرات في الثانية على القراءة جاز، وكذا إذا كبر زيادة على الثلاث إلى ست ‏عشرة تكبيرة، فإذا زاد لا يلزم المؤتم المتابعة.‏
وإن نسي الإمام التكبيرات وركع، فإنه يعود ويكبر، ولا يعيد القراءة، ويعيد الركوع.‏
كيفية صلاة العيد عند المالكية:‏
المالكية كالحنفية في أداء صلاة العيد ركعتين جهراً بلا أذان ولا إقامة، واستحباب قراءة ‏‏{سَبِّح} ونحوها، وسورة {والشَّمْس} ونحوها، إلا أن التكبير في الركعة الأولى ست بعد تكبيرة ‏الإحرام، وفي الثانية خمس غير تكبيرة القيام، قبل القراءة ندباً، فإن أخر التكبير عن القراءة ‏صح، وخالف المندوب. ولا يتبع المؤتم الإمام في التأخير عن القراءة ولا في الزيادة عن هذا ‏القدر.‏
ويندب موالاة التكبير إلا الإمام فيندب له الانتظار بعد كل تكبيرة، حتى يكبر المقتدون ‏به، ويرفع يديه في تكبيرة الإحرام فقط، ولا يرفع يديه مع التكبيرات في المشهور، ويكره الرفع. ‏ويسكت المكبر. ويكره أن يقول شيئاً من تسبيح أو تحميد أو تهليل أو غيرها.‏
والتكبيرات سنة مؤكدة، فلو نسي الإمام شيئاً منها، وتذكره في أثناء قراءته أو بعدها، ‏كبَّر، ما لم يركع، وأعاد القراءة، وسجد بعد السلام سجود السهو، لزيادة القراءة الأولى.‏
وإن تذكره بعد أن ركع، استمر في صلاته وجوباً، ولا يرجع له، إذ لا يرجع من فرض ‏لنفل، وإلا بطلت الصلاة، ويسجد الإمام للسهو ولو لترك تكبيرة واحدة، إذ كل تكبيرة منها سنة ‏مؤكدة. وأما المؤتم فالإمام يحمله عنه.‏
وإذا لم يسمع المقتدي تكبير الإمام تحرّى تكبيره وكبر.‏
كيفية صلاة العيد عند الشافعية:‏
‏ الشافعية كالحنفية في دعاء الافتتاح والتعوذ والجهر بالقراءة، إلا أن التكبير عندهم سبع ‏في الأولى، خمس في الثانية، قبل القراءة مع رفع اليدين في الجميع، يقف بين كل اثنتين كآية ‏معتدلة، يهلل ويكبر ويمجِّد (أي يعظم الله)، واضعاً يمناه على يسراه بينهما، تحت صدره، ‏ويحسن في ذلك: "سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" ثم يتعوذ ويقرأ. والتكبير ليس ‏فرضاً ولا بعضاً من أبعاض الصلاة، وإنما هو سنة أو هيئة كالتعوذ ودعاء الافتتاح، فلا يسجد ‏للسهو لتركهن عمداً ولا سهواً، وإن كان الترك لكلهن أو بعضهن مكروهاً.‏
والسنة أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى: "ق"، وفي الثانية: "اقتربت"، بكمالها ‏جهراً، بدليل ما رواه أبو واقد الليثي: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفطر ‏والأضحى بـ: ق والقرآن المجيد، واقتربت الساعة"، والجهر بالقراءة لنقل الخلف عن السلف.‏
ولو قرأ في الأولى: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، وفي الثانية: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، ‏كان سنة أيضاً، لثبوته أيضاً في صحيح مسلم. وله أن يقرأ أيضاً في الأولى "الكافرون" وفي ‏الثانية "الإخلاص".‏
كيفية صلاة العيد عن الحنابلة:‏
الحنابلة كالجمهور غير المالكية في دعاء الافتتاح والتعوذ قبل القراءة، وكالمالكية في ‏عدد التكبير: في الأولى ستاً زوائد، وفي الثانية خمساً، وعدوا السبع مع تكبيرة الإحرام، خلافاً ‏للشافعية.‏
ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ويقول بين كل تكبيرتين زائدتين: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله ‏كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً كثيراً". وإن ‏أحب قال غير ذلك من الذكر، إذ ليس فيه ذِكْر مؤقت أي محدود. ولا يأتي بعد التكبيرة الأخيرة ‏في الركعتين بذكر أصلاً.‏
والتكبير والذكر بين التكبيرات سنة، وليس بواجب، ولا تبطل الصلاة بتركه عمداً ولا ‏سهواً. فإن نسي التكبير وشرع في القراءة، لم يعد إليه، لأنه سنة فات محلها، كما لو نسي ‏الاستفتاح أو التعوذ، حتى شرع في القراءة، أو نسي قراءة سورة حتى ركع.‏
خطبة العيد:‏
تسن عند الجمهور وتندب عند المالكية خطبتان للعيد كخطبتي الجمعة في الأركان ‏والشروط والسنن والمكروهات، بعد صلاة العيد خلافاً للجمعة، بلا خلاف بين المسلمين يذكِّر ‏الإمام في خطبة عيد الفطر بأحكام زكاة الفطر، وفي عيد الأضحى بأحكام الأضحية وتكبيرات ‏التشريق ووقوف الناس بعرفة وغيرها، تشبهاً بالحجاج، وما يحتاجون إليه في يومهم ويحسن ‏تعليمهم ذلك في خطبة الجمعة السابقة على العيد. وإذا صعد على المنبر لا يجلس عند الحنفية، ‏ويجلس عند الحنابلة والمالكية والشافعية ليستريح.‏
تكبيرات الخطبة:‏
ذهب جمهور العلماء إلى أن الخطيب يكبر تسع تكبيرات متوالية في الخطبة الأولى في ‏الثانية يكبر سبع تكبيرات متوالية.‏
وذهب المالكية إلى أن التكبير في خطبة العيد غير محدَّد، فيكبر في أولها وأثنائها.‏
ويستحب عند الحنفية أن يكبر الإمام قبل نزوله من المنبر، أربع عشرة تكبيرة.‏
حكم التكبير في العيدين:‏
اتفق الفقهاء على مشروعية التكبير في العيدين في الغدو إلى الصلاة، وفي إدبار ‏الصلوات أيام الحج. أما التكبير في الغدو إلى صلاة العيد: فذهب أبو حنفية إلى الندب في: التكبير ‏سراً في عيد الفطر في الخروج إلى المصلى، ويقطعه إذا انتهى إلى المصلى في رواية، وفي ‏رواية: إلى الصلاة. ‏
وقال الصاحبان أبو يوسف ومحمد: يكبر جهراً، واتفقوا على التكبير جهراً في عيد الأضحى في ‏الطريق.‏
وذهب الجمهور إلى أنه: يكبر في المنازل والمساجد والأسواق والطرق أي عند الغدو ‏إلى الصلاة جهراً، إلى أن تبدأ الصلاة.‏
وعند الحنابلة: إلى فراغ الخطبة، وهو في الفطر آكد من تكبير ليلة الأضحى ولما فيه من إظهار ‏شعائر الإسلام، وتذكير الغير.‏
ويندب التكبير المطلق( وهو ما لا يكون عقب صلاة) عند الشافعية والحنابلة: من ‏غروب شمس ليلتي العيد لاما قبلهما. ولا يسن التكبير المقيد(وهو المفعول عقب الصلاة) ليلة ‏الفطر عند الحنابلة وفي الأصح عند الشافعية، لعدم وروده.‏
صيغة التكبير:‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن صيغة التكبير في العيدين هكذا: " الله أكبر، الله أكبر، لا ‏إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أن الصيغة هكذا: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر"، وهذا ‏هو الأحسن عند المالكية، فإن زاد"لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد" فهو حسن، ‏ويستحب أن يزيد عند الشافعية بعد التكبيرة الثالثة:"الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان ‏الله بكرة وأصيلاً" كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا. ويسن أن يقول أيضاً بعد ‏هذا:"لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، ‏صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر". ويختمها بقوله:"اللهم ‏صل على محمد وعلى آل محمد، وعلى أصحاب محمد، وعلى أزواج محمد، وسلم تسليماً ‏كثيراً".‏
التكبيرات في إدبار الصلوات:‏
ذهب الحنفية إلى وجوب تكبير: الرجال والنساء تكبير التشريق في الأصح مرة، وإن ‏زاد عليها يكون فضلاً، عقب كل فرض عيني بلا فصل يمنع البناء على الصلاة (كالخروج من ‏المسجد أو الكلام أو الحديث عامداً) ويؤدى بجماعة أو منفرد، ولو قضاء، ويكون التكبير للرجال ‏جهراً، وتخافت المرأة بالتكبير، ولا يكبر عقب الوتر وصلاة العيد.‏
ومدته: من فجر يوم عرفة إلى عصر يوم العيد عند أبي حنيفة، وإلى صلاة العصر من ‏آخر أيام التشريق عند الصاحبين، وبقولهما يفتى، فهي ثلاث وعشرون صلاة.‏
والتكبير واجب عقيب الصلوات المفروضات على كل من صلى المكتوبة، ولو منفرداً أو ‏مسافراً أو مقتدياً؛ لأنه تبع لها، على المفتى به من قول الصاحبين. والمسبوق يكبر وجوباً ‏كاللاحق، بعد قضاء ما فاته من الصلاة مع الإمام، ولو ترك الإمام التكبير يكبر المقتدي.‏
وذهب المالكية إلى الندب: للجماعة والفرد التكبير إثر كل صلاة من الصلوات ‏المكتوبات من خمس عشرة فريضة وقتية، من ظهر يوم النحر إلى صبح اليوم الرابع.‏
ولا يكبر بعد نافلة، ولا مقضية من الفرائض، وإن نسي التكبير كبَّر إذا تذكر إن قرب ‏الزمن، لا إن خرج من المسجد أو طال عرفاً. وكبّر مؤتم ندباً ترك إمامه التكبير، وندب تنبيه ‏الناسي ولو بالكلام.‏
وذهب الشافعية: يكبر الحاج عقب الصلوات من ظهر النحر، لأنها أول صلاته بمنى ‏ووقت انتهاء التلبية ويختم بصبح آخر التشريق لأنها آخر صلاة يصليها بمنى، كما قال المالكية، ‏وغير الحاج كالحاج في الأظهر، لأن الناس تبع للحجيج وقيل: من صبح عرفة إلى عصر آخر ‏التشريق، والعمل على هذا، ولا يكبر الحاج ليلة الأضحى، بل يلبي، لأن التلبية شعاره، والمعتمر ‏يلبي إلى أن يشرع في الطواف.‏
والأظهر أنه يُكبَّر في هذه الأيام للفائتة والراتبة والمنذورة والنافلة المطلقة أو المقيدة، ‏وذات السبب كتحية المسجد، لأنه شعار الوقت.‏
وذهب الحنابلة إلى سنية: التكبير مطلقاً في العيدين، ويسن إظهاره في المساجد والمنازل ‏والطرق، حضراً وسفراً، في كل موضع يجوز فيه ذكر الله، ويسن الجهر به لغير أنثى، من كل ‏من كان من أهل الصلاة من مميز وبالغ، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من أهل القرى والأمصار، ‏عقب كل فريضة ولو مقضية، تصلى في جماعة في المشهور، في ثلاث وعشرين فريضة من ‏فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق. والمسافر كالمقيم، والحاج المحرم كغير الحاج في ‏مدة التكبير، لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية، ويبدأ بالتكبير ثم يلبي، لأن التكبير من جنس الصلاة.‏
ولا يكبر من صلى وحده. ويكبر مأموم نسي إمامه التكبير ليحوز الفضيلة، كقول: آمين.‏
ويأتي بالتكبير الإمام مستقبلاً الناس، ويكبر غير الإمام مستقبلاً القبلة، لأنه ذكر مختص ‏بالصلاة، أشبه الأذان والإقامة. ويجزئ التكبير مرة واحدة، وإن زاد على مرة فلا بأس، وإن ‏كرره ثلاثاً فحسن. والأولى أن يُكبَّر عقب صلاة العيد، لأنها صلاة مفروضة في جماعة، فأشبهت ‏صلاة الفجر، ولأن هذه الصلاة أخص بالعيد، فكانت أحق بتكبيره.‏
ويستحب التكبير أيضاً في أيام العشر من ذي الحجة وهي الأيام المعلومات.‏
مندوبات العيد:‏
‏- يندب في مقدمات عيد الأضحى الاجتهاد في عمل الخير، أيام عشر ذي الحجة، من ‏ذِكْر الله تعالى والصيام والصدقة وسائر أعمال البر، لأنها أفضل الأيام.‏
‏- ويندب الامتناع عن تقليم الأظفار وحلق الرأس في عشر ذي الحجة، لما ورد في ‏صحيح مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل العشر، وأراد بعضكم أن يضحي، ‏فلا يأخذن شعراً، ولا يقلمن ظفراً".‏
‏- إحياء ليلتي العيد بطاعة الله تعالى أي بالعبادة من ذكر وصلاة وتلاوة قرآن، وتكبير ‏وتسبيح واستغفار، ويحصل ذلك بالثلث الأخير من الليل، والأولى إحياء الليل كله. ويقوم مقام ‏ذلك: صلاة العشاء والصبح في جماعة.‏
والدعاء في ليلتي العيد مستجاب، فيستحب كما يستحب في ليلة الجمعة وليلتي أول رجب ‏ونصف شعبان.‏
‏- الغسل والتطيب والاستياك ولبس الرجال أحسن الثياب، قياساً على الجمعة، وإظهاراً ‏لنعمة الله وشكره، ويدخل وقت الغسل عند الشافعية بنصف الليل، وعند المالكية : بالسدس الأخير ‏من الليل، ويندب كونه بعد صلاة الصبح، وعند الحنفية والحنابلة بعد الصبح قبل الذهاب إلى ‏المصلى، وهو غسل عند الحنفية للصلاة، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر ويوم ‏النحر، وكان علي وعمر رضي الله عنهما يغتسلان يوم العيد.‏
وكان عليه السلام يتطيب يوم العيد، ولو من طيب أهله. وكان للنبي صلى الله عليه وسلم ‏بردة حمراء يلبسها يوم العيد. وتخرج النساء كما بينا ببذلة بلا طيب خشية الافتتان بها.‏
ويتنظف ويتزين بإزالة الظفر والريح الكريهة كالجمعة، والإمام بذلك آكد، لأنه منظور ‏إليه من بين سائر الناس.‏
‏- تبكير المأموم ماشياً إن لم يكن عذر إلى الصلاة بعد صلاة الصبح ولو قبل الشمس ‏بسكينة ووقار.‏
وأما الإمام فيسن له التأخر إلى وقت الصلاة.‏
ولا بأس بالركوب في العودة. وقال الحنفية: لا بأس بالركوب في الجمعة والعيدين، ‏والمشي أفضل في حق من يقدر عليه.‏
‏- ويندب للإمام الإسراع في الخروج إلى صلاة الأضحى والتأخر قليلاً في الخروج إلى ‏صلاة الفطر.‏
‏- أن يأكل في عيد الفطر قبل الصلاة، وأن يكون المأكول تمرات وتراً، ويؤخر الأكل في ‏الأضحى حتى يرجع من الصلاة، والأكل في الفطر آكد من الإمساك في الأضحى.‏
‏- أن يؤدي صدقة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة، ولا بأس بأدائها قبل العيد بأيام، ‏تمكيناً للفقير من الانتفاع بها في العيد.‏
‏- التوسعة على الأهل، وكثرة الصدقة النافلة حسب الطاقة زيادة عن عادته، ليغنيهم عن ‏السؤال.‏
‏- إظهار البشاشة والفرح في وجه من يلقاه من المؤمنين، وزيارة الأحياء من الأرحام ‏والأصحاب، إظهاراً للفرح والسرور، وتوثيقاً لرابطة الأخوة والمحبة. ‏
التنفل قبل العيد وبعده:‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى: كراهية التنفل قبل صلاة العيد مطلقاً في المصلى والبيت وبعدها في ‏المصلى فقط، ويجوز في البيت.‏
وذهب المالكية إلى كراهية: التنفل قبل صلاة العيد وبعدها في المصلى لحديث ابن عباس ‏وابن عمر لا في المسجد، ففي المسجد لا يكره قبلها ولا بعدها، أما عدم كراهته قبلها فلأن السنة ‏الخروج بعد الشمس، والتحية حينئذ مطلوبة اتفاقاً، وأما عدم كراهته بعد صلاتها، فلندور حضور ‏أهل البدع لصلاة الجماعة في المسجد.‏
وذهب الحنابلة إلى كراهيته.‏
وذهب الشافعية إلى عدم كراهة: النفل قبل صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:43 PM
صلاة المسافر



مشروعية القصر.‏
القصر جائز بالكتاب والسنة.‏
أما بالكتاب: فقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ ‏الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] والقصر جائز سواء في حالة الخوف أم ‏الأمن، لكن تعليق القصر على الخوف في الآية، كان لتقرير الحالة الواقعة. لأن غالب أسفار ‏النبي صلى الله عليه وسلم لم تخل منه.‏
وأما السنة: فقد تواترت الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر في أسفاره ‏حاجاً ومعتمراً وغازياً محارباً، وقال ابن عمر: "صحبت النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لا يزيد ‏في السفر على ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك" متفق عليه.‏
والقصر: هو اختصار الصلاة الرباعية إلى ركعتين.‏
والذي يقصر إجماعاً: هو الصلاة الرباعية من ظهر وعصر وعشاء، دون الفجر ‏والمغرب.‏
ذهب الحنفية إلى أن القصر واجب: القصر واجب - عزيمة، وفرض المسافر في كل ‏صلاة رباعية ركعتان، لا تجوز له الزيادة عليهما عمداً، ويجب سجود السهو إن كان سهواً، فإن ‏أتم الرباعية وصلى أربعاً، وقد قعد في الركعة الثانية مقدار التشهد، أجزأته الركعتان عن فرضه، ‏وكانت الركعتان الأخريان له نافلة، ويكون مسيئاً، وإن لم يقعد في الثانية مقدار التشهد، بطلت ‏صلاته، لاختلاط النافلة بها قبل إكمالها.‏
وذهب المالكية إلى أن: القصر سنة مؤكدة، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لم ‏يصح عنه في أسفاره أنه أتم الصلاة قط".‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن: القصر رخصة على سبيل التخيير، فللمسافر أن يتم ‏أو يقصر، والقصر أفضل من الإتمام، لأنه صلى الله وعليه وسلم داوم عليه، وكذا الخلفاء ‏الراشدون من بعده.‏
الحكمة من القصر:‏
هو دفع المشقة والحرج الذي قد يتعرض له المسافر غالباً، والتيسير عليه في حقوق الله ‏تعالى، والترغيب في أداء الفرائض، وعدم التنفير من القيام بالواجب، فلا يبقى لمقصر أو مهمل ‏حجة أو ذريعة في ترك فرض الصلاة.‏
وسبب مشروعية القصر: هو السفر الطويل، المباح عند الجمهور غير الحنفية. والكلام ‏عن السفر الذي تتغير به الأحكام الشرعية يتطلب بحث أمور أربعة وهي: المسافة التي يجوز ‏فيها القصر، نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة: المباح أم أي سفر، الموضع الذي يبدأ منه ‏المسافر بالقصر (أول السفر)، مقدار الزمان الذي يقصر فيه إذا أقام المسافر في موضع.‏
المسافة التي يجوز فيها القصر:‏
اختلف الفقهاء في تقدير مسافة التي يقصر فيها، فذهب الحنفية إلى أن: أقل ما تقصر فيه ‏الصلاة مسيرة ثلاثة أيام ولياليها من أقصر أيام السنة في البلاد المعتدلة(1)، بسير الإبل ومشي ‏الأقدام، ولا يشترط سفر كل يوم إلى الليل، بل أن يسافر في كل يوم منها من الصباح إلى الزوال ‏‏(الظهر)، فالمعتبر هو السير الوسط مع الاستراحات العادية، فلو أسرع وقطع تلك المسافة في ‏أقل من ذلك كما في وسائل المواصلات الحديثة، جاز له القصر. فإذا قصد الإنسان موضعاً بينه ‏وبين مقصده مسيرة ثلاثة أيام، جاز له القصر، فإن لم يقصد موضعاً، وطاف الدنيا من غير قصد ‏إلى قطع مسيرة ثلاثة أيام لا يترخص بالقصر.‏
والتقدير بثلاث مراحل قريب من التقدير بثلاثة أيام، لأن المعتاد من السير في كل يوم ‏مرحلة واحدة، خصوصاً في أقصر أيام السنة. ولا يصح القصر في أقل من هذه المسافة، كما لا ‏يصح التقدير عندهم بالفراسخ(2) على المعتمد الصحيح.‏
والمعتبر في البحر والجبل: ما يناسبه أو ما يليق بحاله لقطع المسافة، ففي البحر تعتبر ‏تلك المسافة بحسب اعتدال الريح، لا ساكنة ولا عالية، وفي الجبل يعتبر السير فيه بثلاثة أيام ‏ولياليها بحسب طبيعته، وإن كانت تلك المسافة في السهل تقطع بما دونها.‏
وذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن: السفر الطويل المبيح للقصر ‏بالزمن : يومان معتدلان أو مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الأقدام، أي سير الإبل المثقلة بالأحمال ‏على المعتاد من سير وحط وترحال وأكل وشرب وصلاة كالمسافة بين جدة ومكة أو الطائف ‏ومكة أو من عسفان إلى مكة. ويقدر بالمسافة ذهاباً: بأربعة برد أو ستة عشر فرسخاً، أو ثمانية ‏وأربعين ميلاً هاشمياً، والميل: ستة آلاف ذراع(3)، كما ذكر الشافعية والحنابلة، وقال المالكية ‏على الصحيح: الميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع، وتقدر بحوالي (89كم) وعلى وجه الدقة: ‏‏88.704 كم ثمان وثمانين كيلو وسبعمائة وأربعة أمتار، ويقصر حتى لو قطع تلك المسافة بساعة ‏واحدة، كالسفر بالطائرة والسيارة ونحوها، لأنه صدق عليه أنه سافر أربعة برد.‏
والمسافة في البحر كالمسافة في البر.‏
‏_________________________‏
‏(1) أي البلاد التي يمكن قطع المرحلة المذكورة في معظم اليوم من أقصر أيامها، فلا يرد أن ‏أقصر أيام السنة في بلاد البلغار قد يكون ساعة أو أكثر أو أقل.‏
‏(2) الفرسخ : ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع.‏
‏(3) الذراع : أربعة وعشرون أصبعاً كما ذكر الشافعية والحنابلة، أو 32 أصبعاً، والذراع : ‏‏46.2سم، والأصبح : ست شعيرات معتدلات، وتساوي 1.925 سم.‏
واستثنى المالكية خلافاً لغيرهم (الجمهور) من هذه المسافة أهل مكة ومنى ومزدلفة ‏والمُحَصَّب إذا خرجوا في الحج للوقوف بعرفة، فإنه عملاً بالسنة يسن لهم القصر في الذهاب ‏والإياب إذا بقي عليهم شيء من أعمال الحج التي تؤدى في غير وطنهم، وإلا بأن وصلوا وطنهم ‏أتموا الصلاة.‏
نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة:‏
ذهب الحنفية إلى أنه: يجوز القصر في كل سفر، سواء أكان قربة أم مباحاً أم معصية، ‏فيجوز القصر لقاطع الطريق ونحوه ممن كان عاصياً بسفره. العاصي والمطيع في سفرهما سواء ‏في الرخصة.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه: لا تباح الرخص المختصة بالسفر من ‏القصر والجمع والفطر والمسح ثلاثاً والصلاة على الراحلة تطوعاً في سفر المعصية، كقطع ‏الطريق، والتجارة في الخمر والمحرمات، وهذا هو العاصي بسفره أي الذي أنشأ سفراً لأجل ‏المعصية أو يقصد محلاً لفعل محرم، فلا يقصر الصلاة، ويحرم عليه القصر.‏
وذكر المالكية أنه يكره القصر للاهٍ بالسفر.‏
أما العاصي في السفر: وهو الذي قصد سفراً لغرض مشروع، لكنه ارتكب في أثناء ‏السفر معصية كزنا أو سرقة أو غصب، أو قذف أو غيبة، فيجوز له الترخص من قصر وغيره، ‏لأنه لم يقصد السفر لذلك أي للمعصية، وإنما لغرض مشروع، فهو كالمقيم العاصي.‏
الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالقصر:‏
لا تكفي نية السفر لقصر الصلاة قبل مباشرة السفر وتجاوز حدود البلد، بل لابد من ‏مباشرة السفر حتى يحق له القصر والفطر، وقد اتفق الفقهاء على أن أول السفر الذي يجوز به ‏القصر ونحوه: هو أن يخرج المسافر من بيوت البلد التي خرج منها ويجعلها وراء ظهره، أو ‏يجاوز العمران من الجانب الذي خرج منه، وإن لم يجاوزها من جانب آخر، لأن الإقامة تتعلق ‏بدخولها، فيتعلق السفر بالخروج عنها.‏
ولا يُتم صلاته حتى يدخل أول بيوت البلد الذي يقصده للإقامة فيه.‏
ولا يزال المسافر على حكم السفر حتى ينوي الإقامة مدة معينة.‏
مقدار الزمان الذي يقصر فيه إذا أقام المسافر في موضع:‏
ذهب الحنفية إلى أنه: يصير المسافر مقيماً، ويمتنع عليه القصر إذا نوى الإقامة في بلد ‏خمسة عشر يوماً، فصاعداً، فإن نوى تلك المدة، لزمه الإتمام، وإن نوى أقل من ذلك قصر.‏
وإن كان ينتظر قضاء حاجة معينة، له القصر ولو طال الترقب سنين، فمن دخل بلداً، ولم ‏ينو أن يقيم فيه خمسة عشر يوماً، وإنما يترقب السفر، ويقول : أخرج غداً أو بعد غد مثلاً، حتى ‏بقي على ذلك سنين، صلى ركعتين أي قصر، لأن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر، وكان ‏يقصر، وروي عن جماعة من الصحابة مثل ذلك.‏
وإذا دخل العسكر أرض الحرب، فنووا الإقامة بها خمسة عشر يوماً، أو حاصروا فيها ‏مدينة أو حصناً، قصروا، ولم يتموا الصلاة، لعدم صحة النية، لأن الداخل قلق غير مستقر، فهو ‏متردد بين أن يَهزِم العدوّ فيَقر، أو يُهزَم من عدوه فيفر.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه: إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع، أتم ‏صلاته، لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض، والمقيم والعازم على الإقامة غير ‏ضارب في الأرض، بينت أن ما دون الأربع لا يقطع السفر.‏
وقدر المالكية المدة المذكورة بعشرين صلاة في مدة الإقامة، فإذا نقصت عن ذلك قصر.‏
ولم يحسب المالكية والشافعية يومي الدخول والخروج لأن في الأول حط الأمتعة، وفي ‏الثاني الرحيل، وهما من أشغال السفر.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه: إذا نوى أربعة أيام أو أكثر من عشرين صلاة، أتم، لحديث جابر ‏وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة رابعة ذي الحجة، فأقام بها الرابع ‏والخامس والسادس، وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في ‏هذه الأيام.‏
ويحسب من المدة عند الحنابلة يوم الدخول والخروج.‏
فإن كان ينتظر قضاء حاجة يتوقعها كل وقت أو يرجو نجاحها أو جهاد عدو أو على أهبة ‏السفر يوماً فيوماً، جاز له القصر عند المالكية والحنابلة، مهما طالت المدة، ما لم ينو الإقامة، ‏كما قرر الحنفية.‏
وقال الشافعية: له القصر ثمانية عشر يوماً غير يومي الدخول والخروج، لأنه صلى الله ‏عليه وسلم أقامها بمكة عام الفتح لحرب هوازن، يقصر الصلاة. ‏
شروط القصر:‏
‏- الشرط الأول: أن يكون السفر طويلاً مقدراً بمسيرة مرحلتين أو يومين أو ستة عشر ‏فرسخاً عند الجمهور، أو ثلاث مراحل أو ثلاثة أيام بلياليها عند الحنفية.‏
‏-الشرط الثاني: أن يكون السفر مباحاً غير محرم أو محظور كالسفر للسرقة أو لقطع ‏الطريق، نحو ذلك، في رأي الجمهور غير الحنفية. فإن قصر المرء في سفر المعصية لا تنعقد ‏صلاته عند الشافعية والحنابلة، لأنه فعل ما يعتقد تحريمه كمن صلى وهو يعتقد أنه محدث، ‏ويصح القصر مع الإثم عند المالكية.‏
ولا يقصر عند الحنابلة لسفر مكروه، ويقصر عند المالكية والشافعية.‏
ويرى الحنفية: أنه يجوز القصر في السفر المحرم والمكروه والمباح ويقصر لسفر ‏التجارة والتنزه والتفرج، ولزيارة المساجد والآثار، والقبور، وهو الصحيح عند الحنابلة في ‏زيارة القبور.‏
‏-الشرط الثالث: مجاوزة العمران من موضع إقامته.‏
ذهب الحنفية إلى أنه: أن يجاوز بيوت البلد التي يقيم فيها من الجهة التي خرج منها، وإن ‏لم يجاوزها من جانب آخر. وأن يجاوز كل البيوت ولو كانت متفرقة متى كان أصلها من البلد، ‏وأن يجاوز ما حول البلد من مساكن، والقرى المتصلة بالبلد. ويشترط أن يجاوز الساحة (الفناء) ‏المتصلة بموضع إقامته: وهو المكان المعد لصالح السكان كركض الدواب ودفن الموتى وإلقاء ‏التراب.‏
ولا يشترط أن تغيب البيوت عن بصره، ولا مجاوزة البيوت الخربة، ولا مجاوزة ‏البساتين، لأنها لا تعتبر من العمران، وإن اتصلت بالبناء أو سكنها أهل البلدة.‏
وذهب المالكية إلى أن: الساكن في مدينة أو بلد أو قرية ولو لا جمعة فيها، لا يقصر إلا ‏إذا جاوز بنيانها والفضاء الذي حولها والبساتين المتصلة بها ولو حكماً : بأن يرتفق أو ينتفع ‏سكانها بها بنار أو خبز أو طبخ، والمسكونة بأهلها ولو في بعض العام. ولا يشترط مجاوزة ‏المزارع والبساتين المنفصلة، أو غير المسكونة في وقت من العام.‏
وذهب الشافعية إلى أنّه: إن كان للبلد أو القرية سور، فأول السفر مجاوزة السور، وإن ‏كان وراءه عمارة.‏
وإن لم يكن للبلد أو القرية سور: فأول السفر مجاوزة آخر العمران، وإن تخلله نهر أو ‏بستان أو خراب، حتى لا يبقى بيت متصل أو منفصل عن محل الإقامة، ولا يشترط مجاوزة ‏الخراب المهجور الخارج عن العمران، لأنه ليس محل إقامة، كما لا يشترط مجاوزة البساتين ‏والمزارع، وإن اتصلت بما سافر منه. ولابد من مجاوزة المقابر المتصلة بالقرية التي لا سور ‏لها.‏
ولو كان للبلد محال، كل محلة منفردة عن الأخرى، كبغداد في الماضي، فمتى خرج من ‏محلته، أبيح له القصر إذا فارق أهله. وإن كان بعضها متصلاً ببعض كاتصال أحياء المدن ‏المعاصرة، لم يقصر حتى يفارق جميعها.‏
ولو كانت قريتان متدانيتين (متقاربتين)، واتصل بناء إحداهما بالأخرى، فهما كالواحدة، ‏وإن لم يتصل بناؤهما، فلكل قرية حكم نفسها.‏
والملاح الذي يسير بسفينته وليس له بيت سوى سفينته، فيها أهله وتنوره وحاجته، لا ‏يباح له الترخص.‏
الشرط الرابع الاستقلال بالرأي: فمن كان تابعاً غيره ممن هو مالك أمره كالزوجة مع ‏زوجها، والجندي مع أميره، والخادم مع سيده والطالب مع أستاذه، ولا يعرف كل واحد منهم ‏مقصده، لا يقصر، لأن شرط قصد موضع معين لم يتحقق. وهذا الشرط عند الشافعية مقيد بما ‏قبل قطع مسافة القصر، فإن قطعوا مسافة القصر، قصروا، وإن لم يقصر المتبوعون لتيقن طول ‏سفرهم.‏
‏ شروط جمع التقديم ‏
الشرط الأول: - نية الجمع: أي أن ينوي جمع التقديم، في أول الصلاة الأولى، وتجوز في ‏أثنائها في الأظهر، ولو مع السلام منها.‏
الشرط الثاني:- الترتيب أي البُداءة بالأولى صاحبة الوقت : وهو أن يقدم الأولى، ثم ‏يصلي الثانية، لأن الوقت للأولى، وإنما يفعل الثانية تبعاً للأولى، فلابد من تقديم المتبوع، فلو ‏صلاهما مبتدئاً بالأولى، فبان فسادها بفوات شرط أو ركن، فسدت الثانية أيضاً، لانتفاء شرطها ‏من البداءة بالأولى، ولكن تنعقد الثانية نافلة على الصحيح.‏
الشرط الثالث:- الموالاة أي التتابع بألا يفصل بينهما فاصل طويل، لأن الجمع يجعلهما ‏كصلاة واحدة، فوجب الولاء كركعات الصلاة أي فلا يفرق بينهما، كما لا يجوز أن يفرق بين ‏الركعات في صلاة واحدة، فإن فصل بينهما بفصل طويل ولو بعذر كسهو وإغماء، بطل الجمع، ‏ووجب تأخير الصلاة الثانية إلى وقتها ، لفوات شرط الجمع، وإن فصل بينهما بفصل يسير، لم ‏يضر، كالفصل بينهما بالأذان والإقامة والطهارة، لما في الصحيحين عن أسامة: "أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم لما جمع بنمرة، أقام للصلاة بينهما".‏
ويعرف طول الفصل بالعرف، لأنه لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة.‏
وللمتيمم الجمع بين الصلاتين على الصحيح، كالمتوضئ، فلا يضر تخلل طلب خفيف ‏للماء، لأن ذلك من مصلحة الصلاة، فأشبه الإقامة، بل أولى، لأنه شرط دونها.‏
الشرط الرابع:- دوام السفر إلى الإحرام بالصلاة الثانية، حتى ولو انقطع سفره بعد ذلك ‏أثناءها. أما إذا انقطع سفره قبل الشروع في الثانية، فلا يصح الجمع، لزوال السبب.‏
الشرط الخامس:- بقاء وقت الصلاة الأولى يقيناً إلى عقد الصلاة الثانية.‏
الشرط السادس:- ظن صحة الصلاة الأولى : فلو جمع العصر مع الجمعة في مكان ‏تعددت فيه لغير حاجة، وشك في السبق والمعية، لا يصح جمع العصر معها جمع تقديم.‏
شروط جمع التأخير:‏
الشرط الأول:- نية التأخير قبل خروج وقت الصلاة الأولى، ولو بقدر ركعة : أي بزمن ‏لو ابتدئت فيه، كانت أداء. وإلا فيعصي، وتكون قضاء. ودليل اشتراط النية : أنه قد يؤخر للجمع، ‏وقد يؤخر لغيره، فلابد من نية يتميز بها التأخير المشروع عن غيره.‏
الشرط الثاني:- دوام السفر إلى تمام الصلاة الثانية، فإن لم يدم إلى ذلك بأن أقام ولو في ‏أثنائها، صارت الأولى (وهي الظهر أو المغرب) قضاء، لأنها تابعة للثانية في الأداء للعذر، وقد ‏زال قبل تمامها.‏
أما الترتيب: فليس بواجب، لأن وقت الثانية وقت الأولى، فجاز البداية بما شاء منهما. ‏وأما التتابع: فلا يجب أيضاً، لأن الأولى مع الثانية كصلاة فائتة مع صلاة حاضرة، فجاز التفريق ‏بينهما. وإنما الترتيب والتتابع سنة، وليس بشرط.‏
سنة الصلاة في السفر: فإذا جمع الظهر والعصر قدم سنة الظهر التي قبلها، وله ‏تأخيرها، سواء أجمع تقديماً أم تأخيراً، وله توسيطها إن جمع تأخيراً، سواء قدم الظهر أم العصر. ‏وإذا جمع المغرب والعشاء، أخر سنتهما، وله توسيط سنة المغرب إن جمع تأخيراً، وقدم ‏المغرب، وتوسيط سنة العشاء إن جمع تأخيراً وقدم العشاء. وما سوى ذلك ممنوع.‏
حالات الجمع عند الحنابلة: يجوز جمع التقديم والتأخير في ثمان حالات:‏
إحداها:- السفر الطويل المبيح للقصر. ‏
الثانية:- المرض: الذي يؤدي إلى مشقة وضعف بترك الجمع.‏
الثالثة:- الإرضاع: يجوز الجمع لمرضع، لمشقة تطهير النجاسة لكل صلاة، فهي ‏كالمريض.‏
الرابعة:- العجز عن الطهارة بالماء أو التيمم لكل صلاة : يجوز الجمع لعاجز عنهما، ‏دفعاً للمشقة، لأنه كالمسافر والمريض.‏
الخامسة:- العجز عن معرفة الوقت: يجوز الجمع لعاجز عن ذلك كالأعمى.‏
السادسة:- الاستحاضة ونحوها: يجوز الجمع لمستحاضة ونحوها كصاحب سلس بول أو ‏مذي أو رعاف دائم ونحوه ومن به سلس البول ونحوه في معناه.‏
السابعة والثامنة: العذر أو الشغل: يجوز الجمع لمن له شغل، أو عذر يبيح ترك الجمعة ‏والجماعة، كخوف على نفسه أو حرمته أو ماله، أو تضرر في معيشة يحتاجها بترك الجمع ‏ونحوه. وهذا منفذ يلجأ إليه العمال وأصحاب المزارع للسقي في وقت النوبة (أو الدور).‏
والجمع للمطر: جائز بين المغرب والعشاء.‏
‏-ولا يجوز الجمع بين الظهر والعصر، فلم يرد إلا في المغرب والعشاء. والجمع للمطر ‏يكون في وقت الأولى، لفعل السلف، ولأن تأخير الأولى إلى وقت الثانية يفضي إلى لزوم المشقة ‏والخروج في الظلمة، أو طول الانتظار في المسجد إلى دخول وقت العشاء. وإن اختار الناس ‏تأخير الجمع جاز. والمطر المبيح للجمع: هو ما يبل الثياب، وتلحق المشقة بالخروج فيه.‏
والثلج والبرد كالمطر في ذلك. أما الطل والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب فلا يبيح.‏
وأما الوحل بمجرده فهو عذر، لأن المشقة تلحق بذلك في النعال والثياب، كما تلحق ‏بالمطر، لأن الوحل يلوث الثياب والنعال، ويعرض الإنسان للزلق فيتأذى به بنفسه وثيابه، وذلك ‏أعظم من البلل.‏
وأما الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة : فيبيح الجمع، لأن ذلك عذر في الجمعة ‏والجماعة، روى نافع عن ابن عمر، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في ‏الليلة المطيرة أو الليلة الباردة ذات الريح: صلوا في رحالكم" رواه ابن ماجه.‏
وهذه الأعذار كلها تبيح الجمع تقديماً وتأخيراً، حتى لمن يصلي في بيته، أو يصلي في ‏مسجد ولو كان طريقه مسقوفاً، ولمقيم في المسجد ونحوه كمن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة، ‏ولو لم ينله إلا مشقة يسيرة.‏
وفعل الأرفق من جمع التقديم أو التأخير لمن يباح له أفضل بكل حال، فإن استويا ‏فالتأخير أفضل لأنه أحوط، وفيه خروج من الخلاف، وعمل بالأحاديث كلها.‏
لكن الجمع في أثناء الحج يكون تقديماً بين الظهر والعصر في عرفة، وتأخيراً في ‏المزدلفة بين المغرب والعشاء، لفعله صلى الله عليه وسلم، لاشتغاله وقت العصر بعرفة بالدعاء، ‏ووقت المغرب ليلة مزدلفة بالسير إليها.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:45 PM
صلاة الخسوف والكسوف‏




معنى الكسوف والخسوف:‏
والكسوف: هو ذهاب ضوء الشمس أو بعضه في النهار لحيلولة ظلمة القمر بين الشمس ‏والأرض.‏
والخسوف: هو ذهاب ضوء القمر أو بعضه ليلاً لحيلولة ظل الأرض بين الشمس ‏والقمر. ‏
حكم صلاة الكسوف والخسوف:‏
صلاة الكسوف والخسوف سنة ثابتة مؤكدة باتفاق الفقهاء.‏
وهي مشروعة حضراً وسفراً للرجال والنساء، أي في حق كل من هو مخاطب ‏بالمكتوبات الخمس: لأنه صلى الله عليه وسلم فعلها لكسوف الشمس، ولخسوف القمر، وللصبيان ‏والعجائز حضورها كالجمعة والعيدين.‏
وتشرع بلا أذان ولا إقامة، ويندب أن ينادى لها: "الصلاة جامعة"، لأن النبي صلى الله ‏عليه وسلم (بعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة) متفق عليه.‏
وتصلى جماعة أو فرادى، سراً أو جهراً، بخطبة أو بلا خطبة، لكن فعلها في مسجد ‏الجمعة والجماعة أفضل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد.‏
كيفية صلاة الكسوف:‏
ذهب الحنفية إلى أن صلاة الكسوف ركعتان كهيئة الصلوات الأخرى من صلاة العيد والجمعة ‏والنافلة، بلا خطبة ولا أذان ولا إقامة، ولا تكرار ركوع في كل ركعة، بل ركوع واحد، ‏وسجدتان.‏
وذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن: صلاة الكسوف ركعتان، في ‏كل ركعة قياماً، وقراءتان وركوعان، وسجودان. والسنة أو الأكمل أن يقرأ في القيام الأول بعد ‏الفاتحة سورة البقرة أو نحوها في الطول، وفي القيام الثاني بعد الفاتحة دون ذلك أي بقدر مائتي ‏آية مثل آل عمران، وفي القيام الثالث بعد الفاتحة دون ذلك، أي بقدر مائة وخمسين آية، مثل ‏النساء، وفي القيام الرابع بعد الفاتحة دون ذلك بقدر مائة تقريباً مثل المائدة.‏
فيقرأ أولاً المقدار الأول، ثم يركع، ثم يرفع، ويقرأ المقدار الثاني، ثم يركع ثم يرفع، ثم ‏يسجد كما يسجد في غيرها، ويطيل الركوع، والسجود في الصحيح عند الشافعية، ويكرر ذلك في ‏الركعة الثانية.‏
ويسبح في الركوع الأول قدر مائة من البقرة، وفي الثاني ثمانين، والثالث سبعين، ‏والرابع خمسين تقريباً.‏
وذكر الحنابلة أنه يجوز فعل صلاة الكسوف على كل صفة وردت عن الشارع، إن شاء ‏أتى في كل ركعة بركوعين وهو الأفضل، لأنه أكثر في الرواية، وإن شاء صلاها بثلاثة ‏ركوعات في كل ركعة. لما روى مسلم عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم "صلى ست ‏ركعات بأربع سجدات" أو أربعة ركوعات في كل ركعة، لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله ‏عليه وسلم "صلى في كسوف: قرأ، ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ‏والأخرى مثلها" رواه مسلم وأبو داود والنسائي.‏
أو خمسة ركوعات في كل ركعة، لما روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: "انكسفت ‏الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأنه صلى بهم، فقرأ سورة من الطوال، ثم ركع ‏خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام إلى الثانية، فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات، ‏وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها" رواه أبو داود، ولا ‏يزيد على خمسة ركوعات في كل ركعة، لأنه لم يرد به نص.‏
وإن شاء فعل صلاة الكسوف كنافلة بركوع واحد، لأن ما زاد عليه سنة.‏
ومهما قرأ به جاز، سواء أكانت القراءة طويلة أم قصيرة، وقد روي عن عائشة : "أن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات وأربع ‏سجدات، وقرأ في الأولى بالعنكبوت والروم، وفي الثانية بيس" رواه الدارقطني.‏
الجهر والإسرار بالقراءة في صلاة الكسوف:‏
ذهب أبو حنيفة إلى أنه: يخفي الإمام القراءة في صلاة الكسوف والأصل في صلاة ‏النهار الإخفاء.‏
وأما صلاة الخسوف فتصلى فرادى سراً.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أن: يسر الإمام في صلاة الكسوف، ولأنها صلاة نهارية، ‏ويجهر في صلاة خسوف القمر، لأنها صلاة ليل أو ملحقة بها، وقد جهر النبي صلى الله عليه ‏وسلم في صلاة الخسوف بقراءته.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه: يجهر في صلاتي الكسوف والخسوف.‏
وقت صلاة الكسوف والخسوف:‏
ذهب الحنفية إلى أن: وقت صلاة الكسوف هو الوقت الذي يستحب فيه أداء سائر ‏الصلوات دون الأوقات المكروهة، لأن أداء النوافل أو الوجبات في هذه الأوقات مكروهة، ‏كسجدة التلاوة وغيرها.‏
وذهب المالكية إلى أنه: لا يصلى لكسوف الشمس إلا في الوقت الذي تجوز فيه النافلة، ‏فوقتها كالعيد والاستسقاء من حلّ النافلة إلى الزوال، فإذا كسفت بعد الزوال لم تُصلَّ.‏
وأما صلاة الخسوف: فيندب تكرارها حتى ينجلي القمر، أو يغيب في الأفق، أو يطلع ‏الفجر، فإن حصل واحد من هذه الثلاثة فلا صلاة.‏
وذهب الشافعية إلى أنه: تصلى صلاة الكسوفين في جميع الأوقات، لأنها ذات سبب، ‏وتفوت صلاة كسوف الشمس: بالانجلاء لجميع المنكسف، وبغروب الشمس كاسفة.‏
وتفوت صلاة خسوف القمر: بالانجلاء لحصول المقصود، وبطلوع الشمس وهو- أي ‏القمر- منخسف لعدم الانتفاع حينئذ بضوئه. ولا تفوت في الجديد بطلوع الفجر لبقاء ظلمة الليل ‏والانتفاع به، كما لا تفوت بغروب القمر خاسفاً، لبقاء محل سلطنته وهو الليل، فغروبه كغيبوبته ‏تحت السحاب خاسفاً.‏
وذهب الحنابلة إلى أن وقتها: من حين الكسوف إلى حين التجلي، وإن تجلى الكسوف ‏وهو فيها أتمها خفيفة على صفتها، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود:"فصلوا ‏وادعوا حتى ينكشف ما بكم"متفق عليه، ولأن المقصود التجلي وقد حصل. ولا يقطع الصلاة، ‏لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ولكن شرع تخفيفها حينئذ لزوال السبب.‏
وإن شك في التجلي لنحو غيم أتمها من غير تخفيف، لأن الأصل عدمه، فيعمل بالأصل ‏في حال بقاء الكسوف، ويعمل بالأصل في وجود الكسوف إذا شك فيه، فلا يصلي، لأن الأصل ‏عدمه.‏
وتفوت صلاة الكسوفين بالتجلي قبل الصلاة، أو بغيبوبة الشمس كاسفة، أو بطلوع ‏الشمس والقمر خاسف، أو بطلوع الفجر والقمر خاسف، لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما.‏
خطبة صلاة الكسوف:‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه: لا خطبة لصلاة الكسوف، لأن النبي صلى الله عليه ‏وسلم" أمر بالصلاة دون الخطبة" وإنما خطب بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به، ‏وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة.‏
وذهب المالكية إلى أنه: لا يشترط لهذه الصلاة خطبة، وإنما يندب وعظ بعدها مشتمل ‏على الثناء على الله، والصلاة والسلام على نبيه، لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك.‏
وذهب الشافعية إلى أن: السنة أن يخطب الإمام لصلاة الكسوفين خطبتين بعد الصلاة، ‏كخطبة العيد والجمعة بأركانهما، اتباعاً للسنة.‏
ذكر الله تعالى والدعاء: ‏
اتفق الفقهاء على أنه يستحب ذكر الله تعالى والدعاء والاستغفار والصدقة والتقرب إلى الله تعالى ‏بما استطاع من القرب، لقوله صلى الله عليه وسلم:" فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا ‏وصلوا" متفق عليه ولأنه تخويف من الله تعالى، فينبغي أن يبادر إلى طاعة الله تعالى ليكشفه عن ‏عباده.‏
والدعاء يكون بعد الصلاة، يدعو الإمام جالساً مستقبلاً القبلة إن شاء، أو قائماً مستقبلاً ‏الناس.‏
الجماعة في صلاة الكسوف:‏
اتفق الفقهاء على أن صلاة الكسوف تسن جماعةً في المسجد، وينادى لها "الصلاة ‏جامعة"، اتباعاً للسنة كما في الصحيحين، قالت عائشة: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ‏المسجد، فقام وكبر، وصف الناس وراءه" متفق عليه. ويصلي بالناس الإمام الذي يصلِّي بهم ‏الجمعة.‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز: صلاتها فرادى، لأنها نافلة، ليس من شرطها ‏الاستيطان، فلم تشترط لها الجماعة كالنوافل.‏
وقال الحنفية: إن لم يحضر إمام الجمعة صلاها الناس فرادى ركعتين أو أربعاً، في منازلهم.‏
صلاة خسوف القمر
ذهب الحنفية والمالكية إلى: أنها تصلى فرادى (أفذاذاً) كسائر النوافل، لأن الصلاة بجماعة في ‏خسوف القمر لم تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن خسوفه كان أكثر من كسوف ‏الشمس، ولأن الأصل أن غير المكتوبة لا تؤدى بجماعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة ‏الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة" إلا إذا ثبت بالدليل كما في العيدين وقيام رمضان وكسوف ‏الشمس، ولأن الاجتماع بالليل متعذر، أو سبب الوقوع في الفتنة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن صلاة الخسوف تصلى جماعة كالكسوف، لما روي ‏عن ابن عباس أنه صلى بالناس في خسوف القمر، قال: صليت كما رأيت رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم، ولحديث محمود بن لبيد : "فإذا رأيتموها كذلك فافزعوا إلى المساجد".‏
صلاة خسوف القمر: ‏
ذهب الحنفية إلى أنه: تصلى صلاة الخسوف ركعتين أو أربعاً فرادى، كالنافلة، في ‏المنازل.‏
وذهب المالكية إلى أنه: يندب لخسوف القمر ركعتان جهراً كالنوافل بقيام وركوع فقط ‏على العادة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنّ: صلاة الخسوف كالكسوف، تُصلى جماعةً، بركوعين ‏وقيامين وقراءتين وسجدتين في كل ركعة، لكنها تؤدى جهراً لا سراً عند الشافعية، كما هو ‏المقرر فيهما عند الحنابلة، لقول عائشة: "إن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف ‏بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات" متفق عليه.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:47 PM
الصلاة عند الفزع




قال المالكية: لا يؤمر المرء بالصلاة عند الزلازل والمخاوف والآيات التي هي عبرة، ‏لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل لغير الكسوفين، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات، ‏وكذلك خلفاؤه من بعده، لم يصلوا.‏
وقال الجمهور: يصلى للزلزلة فرادى لا جماعة، لفعل ابن عباس.‏
ولا يصلى عند الحنابلة لغيرها من سائر الآيات، كالصواعق والريح الشديدة والظلمة بالنهار، ‏والضياء بالليل، لعدم نقل ذلك عنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مع أنه وجد في زمانهم انشقاق ‏القمر، وهبوب الرياح والصواعق.‏
وذهب الحنفية والشافعية إلى: أنه يندب أن يصلي الناس فرادى ركعتين مثل كيفية ‏الصلوات، لا على هيئة الخسوف لنحو الزلازل، كالصواعق والظلمة الهائلة نهاراً، والريح ‏الشديدة مطلقاً ليلاً أو نهاراً، والفزع بانتشار الكواكب والضوء الهائل ليلاً، والثلج والأمطار ‏الدائمة، وعموم الأمراض، والخوف الغالب من العدو ونحو ذلك من الأفزاع والأهوال، لأنها ‏آيات مخوفة للعباد، ليتركوا المعاصي ويرجعوا إلى طاعة الله تعالى التي بها فوزهم وصلاحهم.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:49 PM
صلاة الاستسقاء



تعريف الاستسقاء:‏
الاستسقاء: لغة: طلب السقيا، وشرعاً: طلب السقي من الله تعالى بمطر عند حاجة العباد ‏إليه على صفة مخصوصة أي بصلاة وخطبة واستغفار وحمد وثناء.‏
سبب الاستسقاء: قلة الأمطار، وشح المياه، والشعور بالحاجة لسقي الزرع وشرب ‏الحيوان، ويحدث الجفاف عادة ابتلاء من الله تعالى، بسبب غفلة الناس عن ربهم، وتفشي ‏المعاصي بينهم، فيحتاج الأمر للتوبة والاستغفار والتضرع إلى الله تعالى، فإذا فعل العباد ذلك، ‏تفضل عليهم خالقهم وأنعم عليهم بإنزال المطر، كما قص علينا القرآن الكريم من دعاء الأنبياء ‏نوح وموسى وهود عليهم السلام لإغاثة أقوامهم، قال تعالى عن نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ ‏كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ ‏أَنْهَارًا} [نوح: 10 - 13].‏
مشروعية صلاة الاستسقاء:‏
ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإذا صلى الناس فرادى أو وُحدانا، جاز ‏من غير كراهة، لأنها نفل مطلق، وإنما الاستسقاء: دعاء واستغفار، لأنه السبب لإرسال الأمطار، ‏بلا جماعة مسنونة، وبلا خطبة، وبلا قلب رداء، وبلا حضور ذمي، لقوله تعالى: {فَقُلْتُ ‏اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} ورسول الله صلى الله عليه وسلم ‏استسقى، ولم يرو عنه الصلاة.‏
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن: صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة حضراً وسفراً، عند الحاجة، ‏ثابتة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه، رضي الله عنهم. وتكرر في أيام ثانياً وثالثاً ‏وأكثر، إن تأخر السقي، حتى يسقيهم الله تعالى، فإن الله يحب الملحين في الدعاء.‏
ودليل سنيتها أحاديث متعددة منها حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ‏في الاستسقاء ركعتين، كصلاة العيد. رواه أبو داود الترمذي.‏
وإن تأهب الناس لصلاة الاستسقاء، فسقوا وأمطروا قبلها، صلوها عند المالكية لطلب ‏سعة، واجتمعوا عند الشافعية للشكر والدعاء، ويصلون صلاة الاستسقاء المعروفة شكراً أيضاً، ‏على الصحيح، كما يجتمعون للدعاء ونحوه، ويخطب بهم الإمام أيضاً، ولو سقوا في أثنائها ‏أتموها، جزماً.‏
وعند الحنابلة : لا يخرج الناس حينئذ للصلاة، وشكروا الله على نعمته، وسألوه المزيد ‏من فضله. أما إن خرجوا فأمطروا قبل أن يصلوا، صلوا شكراً لله تعالى، وحمدوه ودعوه.‏
صفة صلاة الاستسقاء ووقتها والمكلف بها والقراءة فيها:‏
اتفق الجمهور غير أبي حنيفة على أن صلاة الاستسقاء ركعتان بجماعة في المصلى ‏بالصحراء خارج البلد، بلا أذان ولا إقامة، وإنما ينادى لها "الصلاة جامعة" لأنه صلى الله عليه ‏وسلم لم يقمها إلا في الصحراء، وهي أوسع من غيرها في المصلى، ويجهر فيهما بالقراءة، ‏كصلاة العيد، بتكبيراته عند الشافعية والحنابلة بعد الافتتاح قبل التعوذ، سبعاً في الركعة الأولى، ‏وخمساً في الثانية برفع يديه ووقوفه بين كل تكبيرتين كآية معتدلة، قال ابن عباس : "سنة ‏الاستسقاء سنة العيدين" فتسن في الصحراء، مع تكبير العيد، بلا أذان ولا إقامة، لأنها صلاة ‏شرع لها الاجتماع والخطبة.‏
ويجعل عند المالكية الاستغفار بدل التكبير، فليس في الاستسقاء تكبير، بل فيه الاستغفار ‏بدل التكبير.‏
ويقرأ في الصلاة ما شاء جهراً، كما في صلاة العيدين، والأفضل أن يقرأ فيهما عند ‏المالكية بسبح، والشمس وضحاها، وعند الحنابلة والصاحبين مثلما يقرأ في صلاة العيد بسبح ‏اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وإن شاء قرأ في الركعة الأولى بـ{إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً} ‏لمناسبتها الحال، وفي الركعة الثانية سورة أخرى من غير تعيين.‏
وعند الشافعية: يقرأ في الأولى جهراً بسورة "ق" وفي الثانية: و"اقتربت" في الأصح، ‏أو بسبح والغاشية، قياساً لا نصاً.‏
والمستحب الخروج إلى الصحراء، إلا في مكة والمدينة وبيت المقدس ففي المسجد ‏الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فيخرج الناس ثلاثة أيام مشاة في ثياب خَلِقة غَسِيلة، ‏متذللين متواضعين، خاشعين لله تعالى، ناكسين رؤوسهم، مقدمين الصدقة كل يوم قبل خروجهم، ‏ويحددون التوبة، ويستسقون بالضَّعَفة والشيوخ والعجائز والأطفال.‏
ولا يشترط إذن الإمام لصلاة الاستسقاء عند أبي حنيفة، لأن المقصود هو الدعاء فلا ‏يشترط له إذن الإمام، ويشترط ذلك عند الشافعية، وعن الإمام أحمد روايتان.‏
وقت صلاة الاستسقاء: فليس لها وقت معين، ولا تختص بوقت العيد،إلا أنها لا تفعل في ‏وقت النهي عن الصلاة، بغير خلاف، لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي. ‏ويسن فعلها أول النهار، وقت صلاة العيد، لحديث عائشة : "أنه صلى الله عليه وسلم خرج حين ‏بدا حاجب الشمس" رواه أبو داود، ولأنها تشبه صلاة العيد في الموضع والصفة، فكذلك في ‏الوقت، لأن وقتها لا يفوت بزوال الشمس، لأنها ليس لها يوم معين، فلا يكون لها وقت معين.‏
ولا تتقيد بزوال الشمس ظهراً، فيجوز فعلها بعده، كسائر النوافل. وإن استسقى الناس ‏عقب صلواتهم أو في خطبة الجمعة، أصابوا السنة فيجوز الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة ‏لحديث عمر رضي الله عنه أنه خرج يستسقي، فصعد المنبر فقال: "استغفروا ربكم إنه كان ‏غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم ‏أنهاراً، استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، ثم نزل، فقيل : يا أمير المؤمنين، لو استسقيت؟ فقال: لقد ‏طلبت بمجاديح(1) السماء التي يستنزل بها القطر" رواه البيهقي.‏
والمكلف بها: الرجال القادرون على المشي، ولا يؤمر بها النساء والصبيان غير ‏المميزين على المشهور عند المالكية، وقال الشافعية والحنفية: يندب خروج الأطفال والشيوخ ‏والعجائز، ومن لا هيئة لها من النساء، والخنثى القبيح المنظر، لأن دعاءهم أقرب إلى الإجابة، إذ ‏الكبير أرق قلباً، والصغير لا ذنب عليه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "وهل ترزقون وتنصرون ‏إلا بضعفائكم" رواه البخاري. ويكره خروج الشابات والنساء ذوات الهيئة، خوف الفتنة.‏
إخراج الدواب: ولا يستحب عند المالكية والحنابلة إخراج البهائم والمجانين، لأن النبي ‏صلى الله عليه وسلم لم يفعله.‏
ويستحب إخراجها مع أولادها عند الحنفية والشافعية، ويباح ذلك عند الحنابلة، لأن ‏الرزق مشترك بين الكل، وليحصل التحنّن، ويظهر الضجيج بالحاجات، روى البزار مرفوعاً ‏بسند ضعيف: "لولا أطفال رُضَّع، وعباد رُكَّع، وبهائم رُتَّع، لصب عليكم العذاب صباً"‏
‏_____________________‏
‏(1) والمجاديح : جمع مجدح، وهو كل نجم كانت العرب تقول : يمطر به، فأخبر عمر رضي الله ‏عنه : أن الاستغفار : هو المجاديح الحقيقية التي يستنزل بها القطر، لا الأنواء، وإنما قصد ‏التشبيه. وقيل : مجاديحها : مفاتيحها.‏
‏ ‏
هل يخرج أهل الذمة ؟
ذهب الحنفية إلى أنه: لا يحضر أهل الذمة الاستسقاء، لأن الخروج للدعاء، وقد قال ‏تعالى: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ} [الرعد: 14]، ولأنه لاستنزال الرحمة، وإنما تنزل ‏عليهم اللعنة.‏
وذهب الجمهور إلى أنه: لا يمنع أهل الذمة من الخروج مع المسلمين، وأمروا أن يكونوا ‏منفردين لا يختلطون بنا في مصلانا، ولا عند الخروج، ويكره اختلاطهم بنا، كما يكره خروجهم ‏عند الشافعي، ولا يؤمن على دعائهم، لأن دعاء الكافر غير مقبول. وكونهم لا يمنعون الحضور، ‏لأنهم يسترزقون ويطلبون أرزاقهم من ربهم، وفضل الله واسع، وقد يجيبهم الله تعالى استدراجاً، ‏وطعمة في الدنيا، قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] والله ضمن ‏أرزاقهم في الدنيا كما ضمن أرزاق المؤمنين.‏
وانفرادهم عن المسلمين، لأنه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب، فيعم من حضرهم، فإن قوم ‏عاد استسقوا، فأرسل الله عليهم ريحاً صرصراً فأهلكتهم.‏
خطبة الاستسقاء:‏
ذهب أبو حنيفة إلى أنه: لا خطبة للاستسقاء، لأنها تبع للجماعة، ولا جماعة لها عنده، ‏وإنما دعاء واستغفار يستقبل فيهما الإمام القبلة.‏
وذهب الجمهور إلى أنه: يخطب الإمام للاستسقاء بعد الصلاة خطبتين كصلاة العيد عند ‏المالكية والشافعية، لقول ابن عباس: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء كما ‏صنع في العيدين، وخطبة واحدة عند الحنابلة، لأنه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم خطب بأكثر ‏منها.‏
وتجوز عند الشافعية الخطبة قبل الصلاة، لحديث عبد الله بن زيد: "رأيت النبي صلى ‏الله عليه وسلم يوم خرج يستسقي، فحوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءة، ‏ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة" متفق عليه.‏
وتختلف عن خطبة العيد في رأي المالكية والشافعية أن الإمام يستغفر الله تعالى بدل ‏التكبير، فيقول: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه" ويكثر فيها بالاتفاق ‏الاستغفار، لأنه سبب لنزول الغيث.‏
ولا حد للاستغفار عند المالكية في أول الخطبة الأولى والثانية.‏
ويستغفر الخطيب في الخطبة الأولى عند الشافعية تسعاً،وفي الثانية سبعاً، ويستحب أن ‏يكثرمن الاستغفار، لقوله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ‏‏}. ويفتتح الإمام عند الحنابلة الخطبة بالتكبير تسعاً نسقاً كخطبة العيد، ويكثر فيها عندهم الصلاة ‏على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها معونة على الإجابة، قال عمر: "الدعاء موقوف بين السماء ‏والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك"، ويقرأ كثيراً: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ ‏غَفَّارًا} وسائر الآيات التي فيها الأمر به، فإن الله تعالى وعدهم بإرسال الغيث إذا استغفروه.‏
الدعاء في الخطبة: ‏
ويدعو الإمام في الخطبة الأولى: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً مَريعاً، غَدَقاً، مجلَّلاً، سَحَّاً، ‏طَبَقاً دائماً"(1)، رواه ابن ماجه.‏
‏"اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين (أي الآيسين بتأخير المطر)، اللهم إن بالعباد ‏والبلاد والخلق من اللأواء (شدة الجوع)، والجَهد (قلة الخير وسوء الحال)، والضنك (أي ‏الضيق)، ما لا نشكو إلا إليك.‏
اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات ‏الأرض. اللهم ارفع عنا الجهد والعُرْي والجوع، واكشف عنا من البلاء، ما لا يكشفه غيرك.‏
اللهم إنا نستغفرك، إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً". أي درّاً أي مطراً ‏كثيراً. وكل ذلك ثابت بحديث واحد عن عبد الله بن عمر.‏
ويبالغ في الدعاء سراً وجهراً لقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: ‏‏55] ويؤمن القوم على دعائه، فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما ‏أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد. وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ‏‏"الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت ‏الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً ‏إلى حين".‏
أما الناس فيسرون بالدعاء إن أسر الإمام، ويجهرون به إن جهر.‏
ويستحب للخطيب استقبال القبلة في أثناء الدعاء، وهو أن الإمام يستقبل القبلة بالدعاء في ‏الخطبة.‏
وقال المالكية: يستقبل القبلة بوجهه قائماً بعد الفراغ من الخطبتين، ويبالغ في الدعاء ‏برفع الكرب والقحط وإنزال الغيث والرحمة وعدم المؤاخذة بالذنوب، ولا يدعو لأحد من الناس.‏
وقال الشافعية: يستقبل الإمام القبلة بعد صدر (نحو ثلث) الخطبة الثانية، ثم يدعو سراً ‏وجهراً، ثم يستقبل الناس بوجهه ويحثهم على الطاعة، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ‏ويقرأ آية أو آيتين، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويختم بقوله : أستغفر الله لي ولكم.‏
وقال الحنابلة: يستقبل القبلة في أثناء الخطبة.‏
‏_______________________‏
‏(1) معناه اللهم اسقنا مطراً، منقذاً من الشدة بإروائه، طيباً لا ينغصه شيء، محمر العاقبة، ذا ريع ‏أي نماء، كثير الماء والخير، يجلل الأرض أي يعمها، شديد الوقع على الأرض، مطبقاً على ‏الأرض أي مستوعباً لها، دائماً إلى انتهاء الحاجة.‏

رفع الأيدي في الدعاء:‏
ويستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء، لحديث أنس: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع ‏يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه، حتى يُرى بياض إبطيه" متفق ‏عليه.‏
قلب الرداء أو تحويله: قال الصاحبان أبو يوسف ومحمد: يقلب الإمام رداءه عند الدعاء، ‏لما روي أنه صلى الله عليه وسلم: "لما استسقى حوَّل ظهره إلى الناس، واستقبل القبلة، وحوَّل ‏رداءه" رواه البخاري ومسلم.‏
يحول الإمام رداءه عند استقبال القبلة، على الخلاف السابق في وقت الاستقبال، ويحول ‏الناس الذكور مثله أي مثل الإمام، وهو جلوس.‏
وصفة التحويل: أن يجعل يمينه يساره وعكسه أي يجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر ‏على الأيمن، بلا تنكيس للرداء عند المالكية والحنابلة، أي فلا يجعل الحاشية السفلى التي على ‏رجليه على أكتافه.‏
وعند الشافعية، فيجعل أعلاه أسفله وعكسه، لحديث: "أنه صلى الله عليه وسلم استسقى، ‏وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فثقُلت عليه، فقلَبها الأيمن على ‏الأيسر، والأيسر على الأيمن".‏
ودليل التحويل للناس: حديث عبد الله بن زيد: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏حين استسقى لنا، أطال الدعاء، وأكثر المسألة، ثم تحول إلى القبلة، وحول رداءه، فقلبه ظهراً ‏لبطن، وتحول الناس معه" رواه أحمد.‏
قال الحنابلة: ويظل الرداء محولاً حتى يُنزع مع الثياب بعد الوصول إلى المنزل، لعدم ‏نقل إعادته.‏
ما يستحب في الاستسقاء أو وظائف الاستسقاء :‏
‏- يأمر الإمام الناس بالتوبة من المعاصي، والتقرب إلى الله تعالى بوجوه البر والخير من ‏صدقة وغيرها والخروج من المظالم وأداء الحقوق، لأن ذلك أرجى للإجابة، قال تعالى: ‏
‏{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [هود: 52]، ولأن ‏المعاصي والمظالم سبب القحط ومنع القطر، والتقوى سبب البركات، لقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ‏الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96] ويأمر الإمام ‏أيضاً بصيام ثلاثة أيام قبل صلاة الاستسقاء، ويخرج الناس في آخر صيامها، أو في اليوم الرابع ‏إلى الصحراء صياماً، لأنه وسيلة إلى نزول الغيث، وقد روي: "ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم ‏حتى يفطر، والإمام العادل والمظلوم".‏
قال الشافعية: ويلزم الناس امتثال أمر الإمام. ‏
وقال الحنابلة: ولا يلزم الصيام والصدقة بأمره.‏
ويأمرهم الإمام أيضاً بالصدقة، لأنها متضمنة للرحمة المفضية إلى رحمتهم بنزول ‏الغيث. كما يأمرهم بترك التشاحن من الشحناء وهي العداوة، لأنها تحمل على المعصية والبهت، ‏وتمنع نزول الخير بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان ‏وفلان، فرفعت" رواه مسلم ويعين الإمام يوماً يخرج الناس فيه.‏
‏- أن يخرج الإمام والناس مشاة إلى الاستسقاء في الصحراء ثلاثة أيام متتابعة، إلا في ‏مكة والمدينة وبيت المقدس، فيجتمعون في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.‏
‏- التنظف للاستسقاء بغسل وسواك وإزالة رائحة وتقليم أظفار ونحوه، لئلا يؤذي الناس، ‏وهو يوم يجتمعون له كالجمعة.‏
ولا يستحب التطيب، لأنه يوم استكانة وخضوع، ولأن الطيب للزينة وليس هذا وقت ‏زينة.‏
‏- يخرج المرء إلى المصلى متواضعاً متذللاً، متخشعاً (خاضعاً) متضرعاً (مستكيناً) ‏متبذلاً (في ثياب بذلة).‏
‏- التوسل بأهل الدين والصلاح والشيوخ والعلماء المتقين والعجائز والأطفال والدواب، ‏تحصيلاً للتحنن، وإظهار الضجيج بالحاجات، ويسن لكل من حضر أن يستشفع سراً بخالص ‏عمله.‏
‏- الخروج إلى المصلى في الصحراء : لحديث عائشة : "شكا الناس إلى رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى" رواه أبو داود، ولأن الجمع ‏يكثر، فكان المصلى أرفق بهم.‏
‏- الدعاء بالمأثور في الخطبة وعند نزول الغيث، لما روى البيهقي "أن الدعاء يستجاب ‏في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف، ونزول الغيث، وإقامة الصلاة ورؤية الكعبة" ولما روى ‏البخاري عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر، قال: صيباً نافعاً" أي ‏مطراً شديداً. ومجموع الدعاء عند نزول المطر من أحاديث متفرقة: "اللهم صيّباً هنيئاً، وسيباً - ‏أي عطاء - نافعاً، مطرنا بفضل الله ورحمته" ويقول عند التضرر بكثرة المطر: "اللهم حوالينا ‏ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية ومنابت الشجر" متفق عليه "الله سقيا ‏رحمة ولا سقيا عذاب، ولا محق ولا بلاء، ولا هَدْم ولا غَرَق".‏
‏- يستحب لأهل الخصب أن يدعوا لأهل الجدب، لأنه من التعاون على البر والتقوى.‏
‏- وقال الشافعية: يستحب لكل أحد أن يبرز (يظهر) لأول مطر السنة، وأول كل مطر ‏ويكشف من جسده غير عورته ليصيبه شيء من المطر تبركاً. روى مسلم "أنه صلى الله عليه ‏وسلم حسر عن ثوبه حتى أصاب المطر، وقال: إنه حديث عهد بربه" رواه أبو داود أي بخلقه ‏وتنزيله وتكوينه، ويستحب أيضاً أن يغتسل أو يتوضأ بماء السيل.‏
‏- قال المالكية: جاز التنفل في المصلى أو المسجد قبل صلاة الاستسقاء وبعدها، لأن ‏المقصود من الاستسقاء الإقلاع عن الخطايا، والاستكثار من فعل الخير.‏
بخلاف العيد، فإنه يكره عند الجمهور غير الشافعية التنفل قبل صلاته وبعدها بالمصلى، ‏لا في المسجد عند المالكية، وفي المسجد أيضاً عند الحنفية والحنابلة، لكن لا بعدها عند ‏الحنفية.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:50 PM
صلاة الخوف‏




مشروعية صلاة الخوف:‏
صلاة الخوف ثابتة بكتاب الله يقول الله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ ‏طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ ‏يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ ‏وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً..} [النساء: 102].‏
وأما السنة: فقد ثبت وصح أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف في أربعة ‏مواضع: في غزوة ذات الرقاع التي حدثت بعد الخندق على الصواب، وبطن نخل (اسم موضع ‏في نجد بأرض غطفان) وعُسْفان (يبعد عن مكة نحو مرحلتين)، وذي قَرَد (ماء على بريد من ‏المدينة، وتعرف بغزوة الغابة، في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية) وصلاها النبي صلى الله ‏عليه وسلم أربعاً وعشرين مرة. وقد وردت بها الأحاديث الآتية في صفة صلاتها، مع خبر ‏‏"صلوا كما رأيتموني أصلي".‏
وأجمع الصحابة على فعلها، وصلاها علي وأبو موسى الأشعري وحذيفة.‏
شروط صلاة الخوف:‏
‏- أن يكون القتال مباحاً: أي مأذوناً فيه، سواء أكان واجباً كقتال الكفار الحربيين، والبغاة، ‏والمحاربين (قطاع الطرق) القاصدين سفك الدماء وهتك الحرمات، لقوله تعالى:‏
‏{إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، أم جائزاً كقتال من أراد أخذ مال المسلمين.‏
فلا تصح صلاة الخوف من البغاة والعاصي بسفره، لأنها رحمة وتخفيف ورخصة، فلا ‏يجوز أن تتعلق أو تباح بالمعاصي، أي أن صلاة الخوف لا تجوز في القتال المحظور أو حرام ‏كقتال أهل العدل وقتال أصحاب الأموال لأخذ أموالهم.‏
‏- حضور العدو أو السبع، أو خوف الغرق أو الحَرَق: فمن خاف العدو أو الخطر، سواء ‏أكان الخوف على النفس أم المال، جاز له صلاة الخوف عند الجمهور والمشهور من مذهب ‏المالكية في السفر والحضر وفي البحر والبر، في القتال أو غيره. فلو رأوا سواداً ظنوه عدواً، ‏فصلوها، فإن تبين الأمر كما ظنوا صحت صلاتهم، وإن ظهر خلافه، لم تجز، فإذا كانت الصلاة ‏من غير خوف فسدت، قال الشافعية والحنابلة: من أمن وهو في الصلاة أتمها صلاة آمن، ومن ‏كان آمناً فاشتد خوفه أتمها صلاة خائف. وقال المالكية: من أمن صلى صلاة أمان. وتكون في ‏صلاة الحضر تامة، وصلاة السفر الرباعية مقصورة، لأن الخوف لا يؤثر في عدد الركعات، ‏ففي السفر الذي يبيح القصر (89 كم) يصلي الإمام بكل طائفة ركعة، وفي الحضر يصلي الإمام ‏بكل طائفة ركعتين.‏
كيفية صلاة الخوف
اتفق الفقهاء على ناحيتين مهمتين: أولاهما - أنه يجوز لأفراد الجيش أن يصلوا بإمامين، ‏كل طائفة بإمام. وثانيتهما - أنه في اشتداد الخوف وتعذر الجماعة، يجوز للجنود أن يصلوا ‏فرادى ركباناً وراجلين، في مواقعهم وخنادقهم، يومئون إيماء بالركوع والسجود إلى أي جهة ‏شاءوا، إلى القبلة وإلى غيرها، يبتدئون تكبيرة الإحرام إلى القبلة إن قدروا، أو إلى غيرها، لأن ‏هذه صلاة للضرورة، تسقط بها الأركان والتوجه إلى القبلة.‏
وأما صلاة الخوف جماعة لكل الجنود، بإمام واحد: فتجوز صلاتها على أي صفة ‏صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت الأخبار بأنها على ستة عشر نوعاً، في ‏صحيح مسلم بعضها، ومعظمها في سنن أبي داود، وفي صحيح ابن حبان منها تسعة، ففي كل ‏مرة كان صلى الله عليه وسلم يفعل ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة.‏
والمشهور من ذلك سبع صفات، اختار الجمهور منها أقواها وأصحها لديهم، وأجازها ‏كلها الحنابلة واختار الإمام أحمد منها حديث سهل، وهي ما يأتي:‏
صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في عسفان (روى هذه الصفة أبو داود): وقد اعتمدها ‏الشافعية والحنابلة إذا كان العدو في جهة القبلة: وهي أن يصف الإمام الناس خلفه صفين فأكثر، ‏ويصلي بهم جميعاً ركعة إلى أن يسجد، فإذا سجد سجد معه الصف الذي يليه، وحرس الصف ‏الآخر حتى يقوم الإمام إلى الركعة الثانية، فإذا قام سجد الصف المتخلف، ولحقوه.‏
وفي الركعة الثانية سجد معه الصف الذي حرس أولاً في الركعة الأولى، وحرس الصف ‏الآخر. فإذا جلس الإمام للتشهد سجد من حرس، وتشهد بالصفين وسلم بهم جميعاً. فهي صلاة ‏مقصورة لكونها في السفر. وقد اشترط الحنابلة لهذه الصفة: ألا يخاف المسلمون كميناً يأتي من ‏خلف المسلمين، وألا يخفى بعض الكفار عن المسلمين، وأن يكون في المصلين كثرة يمكن ‏تفريقهم طائفتين، كل طائفة ثلاثة فأكثر، لأن الله تعالى ذكر الطائفة بلفظ الجمع {فإذا سجدوا ...} ‏وأقل الجمع ثلاثة. فإن خاف المسلمون كميناً (يكمن في الحرب)، أو خفي بعضهم عن المسلمين، ‏أو كان المسلمون أقل من ستة أشخاص، صلوا على غير هذا الوجه.‏
صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع (روى هذه الصفة البخاري ‏ومسلم): وهي التي اختارها الشافعية والحنابلة إذا كان العدو في غير جهة القبلة، كما اختارها ‏المالكية مطلقاً في مشهور المذهب، سواء أكان العدو في جهة القبلة أم لا. وهي أن يقسم الإمام ‏العسكر طائفتين: طائفة معه، وأخرى تحرس العدو، فيصلي بأذان وإقامة بالطائفة الأولى التي ‏معه في الصلاة الثنائية ركعة، وفي الثلاثية والرباعية ركعتين، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون، ثم ‏يذهبون ويحرسون.‏
وتأتي الطائفة الثانية، فيقتدون، ويصلي بهم الإمام الركعة الثانية في الثنائية، والركعتين ‏الأخريين في الرباعية، والثالثة في المغرب، ويسلم الإمام، ويتمون صلاتهم بفاتحة وسورة، ولكن ‏بعد سلامه عند المالكية، وينتظر الإمام في التشهد عند الشافعية والحنابلة ثم يسلم بهم، كما هو ‏نص الحديث، ويقرأ الإمام بعد قيامه للركعة الثانية الفاتحة وسورة بعدها في زمن انتظاره الفرقة ‏الثانية، ويكرر التشهد أو يطيل الدعاء فيه. ولا يسلم قبلهم عند الشافعية والحنابلة لقوله تعالى: ‏‏{وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} فيدل على أن صلاتهم كلها معه، وتحصل ‏المعادلة بين الفرقتين، فإن الأولى أدركت مع الإمام فضيلة الإحرام، والثانية فضيلة السلام.‏
صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كما رواها ابن عمر (روى هذا الصفة البخاري ‏ومسلم)، وهي التي اختارها الحنفية: أن يجعل الإمام الناس طائفتين: طائفة في وجه العدو، ‏وطائفة خلفه، فيصلي بهذه الطائفة ركعة وسجدتين وتتمم صلاتها عند الجمهور بقراءة سورة ‏الفاتحة وتسلم وتذهب للحراسة. وقال الحنفية: ثم تمضي إلى وجه العدو للحراسة بدون إتمام ‏الصلاة.‏
وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الإمام ركعة وسجدتين، ويتشهد ويسلم وحده لتمام ‏صلاته، ولم يسلموا عند الحنفية لأنهم مسبوقون، وإنما يذهبون مشاة للحراسة في وجه العدو. ‏وتتمم هذه الطائفة صلاتها عند الجمهور بقراءة سورة مع الفاتحة ثم تعود لمواقعها. وقال ‏الحنفية: ثم تجيء الطائفة الأولى إلى مكانها الأول، أو تصلي في مكانها تقليلاً للمشي، فتتمم ‏صلاتها وحدها بغير قراءة عند الحنفية، لأنهم في حكم اللاحقين، وتشهدوا وسلموا، وعادوا ‏لحراسة العدو.‏
ثم تأتي الطائفة الثانية، فتتمم صلاتها بقراءة سورة مع الفاتحة، لأنهم لم يدخلوا مع الإمام ‏في أول الصلاة، فاعتبروا في حكم السابقين.‏
كيفية أداء الصلوات الخمس حال الإقامة:‏
فإن كان الإمام مقيماً صلى بالطائفة الأولى ركعتين من الرباعية، وبالطائفة الثانية ‏ركعتين تسوية بينهما. ويصلي - في المذاهب الأربعة - بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب، ‏وبالثانية ركعة، لأنه إذا لم يكن بدّ من التفضيل فالأولى أحق به، وما فات الثانية ينجبر بإدراكها ‏السلام مع الإمام. ويصلي الصبح بكل طائفة ركعة.‏
صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بطن نخل (مكان من نجد بأرض غطفان) (روى ‏هذه الصفة البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، واعتمدها الشافعية بعد صلاة ذات الرقاع إذا ‏كان العدو في غير جهة القبلة: وهي أن يصلي الإمام مرتين صلاة كاملة، بكل طائفة مرة، ويسلم ‏بكل طائفة. وصفتها حسنة قليلة الكلفة لا تحتاج إلى مفارقة الإمام ولا إلى تعريف كيفية الصلاة، ‏وليس فيها أكثر من أن الإمام في الصلاة الثانية متنفل يؤم مفترضين، وهو جائز اتفاقاً، وعند ‏الحنابلة والحنفية جائز في صلاة الخوف فقط، ممنوع في غيرها.‏
صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في ذات الرقاع كما رواها جابر (روى هذه الصفة ‏البخاري ومسلم وأحمد): وهي أن يصلي الإمام الصلاة الرباعية تامة أربعاً بالنسبة إليه، وتصلي ‏معه كل طائفة صلاة مقصورة ركعتين، بلا قضاء للركعتين، فكان للإمام أربع تامة، وللقوم ‏ركعتان مقصورة.‏
صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بذي قَرَد (ماء على بريد: 22176 م من المدينة) ‏‏(روى هذه الصفة أبو داود والنسائي)، ومنعها أكثر الفقهاء، وأجازها الإمام أحمد والمحدثون ‏لصحة الأحاديث فيها: وهي أن يصف الإمام الناس صفين: صفاً خلفه، وصفاً موازياً للعدو، ‏ويصلي الرباعية الجائز قصرها بكل طائفة ركعة فقط، بلا قضاء ركعة أخرى.‏
صلاته صلى الله عليه وسلم بأصحابه عام غزوة نجد، رواها أبو داود والنسائي: وهي ‏أن تقوم مع الإمام طائفة، وتبقى طائفة أخرى تجاه العدو، وظهرها إلى القبلة، ثم يحرم وتحرم ‏معه الطائفتان، وتصلي معه إحدى الطائفتين ركعة، ثم يذهبون فيقومون في وجه العدو، ثم تأتي ‏الطائفة الأخرى، فتصلي لنفسها ركعة، والإمام قائم، ثم يصلي بهم الركعة التي بقيت معه. ثم تأتي ‏الطائفة القائمة في وجه العدو، فيصلون لأنفسهم ركعة، والإمام قاعد، ثم يسلم الإمام ويسلمون ‏جميعاً، أي أن ابتداء الصلاة وانتهاءها تم باشتراك الطائفتين مع الإمام.‏
حمل السلاح في أثناء الصلاة: ‏
يسن للمصلي عند الشافعية والحنابلة في صلاة شدة الخوف حمل السلاح في أثناء الصلاة ‏احتياطاً، ليدفع به العدو عن نفسه، لقوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} وقوله: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ‏إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} فدل على الجناح (الإثم) عند عدم ‏ذلك، لكن لا يحمل في الصلاة سلاحاً نجساً، ولا ما يتأذى به الناس من الرمح في وسط الناس.‏
سهو الإمام في صلاة الخوف:‏
قال المالكية والشافعية والحنابلة: إذا فرق الإمام العسكر فرقتين كما حدث في صلاة ذات الرقاع ‏أو صلاة عسفان، فسهو الإمام في الركعة الأولى يلحق الجميع، فيسجد المفارقون للسهو عند تمام ‏صلاتهم، لأن نفس صلاة الإمام نقص في صلاتهم، إلا أن المالكية قالوا: تسجد الفرقة الأولى ‏السجود القبلي قبل السلام، والبعدي بعده، وتسجد الفرقة الثانية السجود القبلي مع الإمام، وتسجد ‏السجود البعدي بعد قضاء ما عليها.‏
أما بعد المفارقة في الركعة الثانية: فلا يلحق سهو الإمام الأولين: لمفارقتهم الإمام قبل ‏السهو.‏
وتسجد الفرقة الثانية مع الإمام آخر صلاته، ويلحقهم سهوه في حال انتظارهم.‏
أما سهو كل فرقة في الركعة الأولى للفرقة الأولى، وفي الركعة الثانية للفرقة الثانية، ‏فيتحمله الإمام، لاقتداء الفرقة الأولى بالإمام حقيقة في الركعة الأولى واقتداء الفرقة الثانية حكماً ‏في الركعة الثانية.‏
بطلان صلاة الخوف
ذهب الحنفية إلى أنه: تفسد صلاة الخوف بمشي لغير اصطفاف، وسبق حدث، وركوب ‏مطلقاً أي لاصطفاف أو غيره، لأن الركوب عمل كثير، وهو مما لا يحتاج إليه، بخلاف المشي، ‏فإنه أمر لابد منه، حتى يصطفوا بإزاء العدو.‏
كما تفسد بقتال كثير، لا بقليل كرَمْية سهم، فلا يقاتل المصلون حال الصلاة لعدم ‏الضرورة إليه، فإذا فعلوا ذلك، وكان كثيراً، بطلت صلاتهم لمنافاته للصلاة من غير ضرورة ‏إليه، بخلاف المشي، فإنه ضروري لأجل الاصطفاف.‏
قال الشافعية: لا يجوز الصياح ولا غيره من الكلام بلا خلاف، فإن صاح فبان منه ‏حرفان، بطلت صلاته بلا خلاف، لأنه ليس محتاجاً إليه، بخلاف المشي وغيره.‏
ولا تضر الأفعال اليسيرة بلا خلاف، لأنها لا تضر في غير الخوف ففيه أولى.‏
وأما الأفعال الكثيرة: فإن لم تتعلق بالقتال، بطلت الصلاة بلا خلاف. وإن تعلقت به ‏كالطعنات والضربات المتوالية، فإن لم يحتج إليها أبطلت بلا خلاف أيضاً، لأنها عبث.‏
وإن احتاج إليها فالأصح عند الأكثرين: أن الصلاة لا تبطل، قياساً على المشي، ولأن ‏مدار القتال على الضرب، ولا يحصل المقصود غالباً بضربة وضربتين، ولا يمكن التفريق بين ‏الضربات.‏
الصلاة عند التحام القتال واشتداد الخوف:‏
اتفق الفقهاء على أنه ليس للصلاة كيفية معينة عند اشتداد الخوف من العدو، ويصلي ‏العسكر إيماء. وعبارات الفقهاء في ذلك ما يأتي:‏
ذهب الحنفية إلى أنه إذا: إن اشتد خوف العسكر بحيث لا يدعهم العدو يصلون وعجزوا ‏عن النزول، صلوا ركباناً فرادى، لأنه لا يصح الاقتداء لاختلاف المكان بين الإمام والمأمومين، ‏ويومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاءوا، إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة، لقوله ‏تعالى: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً}، وسقط التوجه للقبلة للضرورة، كما سقطت أركان الصلاة.‏
والسابح في البحر: إن أمكنه أن يرسل أعضاءه ساعة صلى بالإيماء، وإلا لا تصح ‏صلاته، كصلاة الماشي والسائف، وهو يضرب بالسيف، فلا يصلي أحد حال المسايفة.‏
وذهب المالكية إلى أنه: تجوز الصلاة عند اشتداد الخوف، وفي حال المسايفة أو مناشبة ‏الحرب، في آخر الوقت المختار، إيماء بالركوع والسجود إن لم يمكنا، ويخفض للسجود أكثر من ‏الركوع، فرادى (وُحداناً)، بقدر الطاقة، مشاة وركباناً، وقوفاً أو ركضاً، مستقبلي القبلة وغير ‏مستقبليها.‏
فيحل للمصلي صلاة الالتحام للضرورة مشي وهرولة وجري وركض، وضرب وطعن ‏للعدو، وكلام من تحذير وإغراء، وأمر ونهي، وعدم توجه للقبلة، ومسك سلاح ملطخ بالدم. فإن ‏أمنوا في صلاة الالتحام أتموا صلاة أمن بركوع وسجود.‏
وذهب الشافعية إلى أنه: إذا التحم القتال أو اشتد الخوف يصلي كل واحد كيف أمكن ‏راكباً وماشياً، وأومأ للركوع والسجود، إن عجز عنهما، والسجود أخفض. ويعذر في ترك القبلة، ‏وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح ولا يعذر في الصياح بل تبطل به الصلاة، ويُلقي السلاح ‏إذا دُمي دماً لا يعفى عنه، حذراً من بطلان الصلاة، فإن احتاج إلى إمساكه بأن لم يكن له منه بد، ‏أمسكه للحاجة. ولا قضاء للصلاة حينئذ في الأظهر.‏
وله أن يصلي هذه الصلاة (أي شدة الخوف) حضراً وسفراً، في كل قتال وهزيمة مباحين ‏وهرب من حريق وسيل وسبع وغريم عند الإعسار، وخوف حبسه.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه: إذا كان الخوف شديداً، وهم في حال المسايفة، صلوا رجالاً ‏وركباناً، إلى القبلة وإلى غيرها، يومئون إيماء بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ويكون ‏سجودهم أخفض من ركوعهم كالمريض، يبتدئون تكبيرة الإحرام إلى القبلة إن قدروا أو إلى ‏غيرها. ويتقدمون ويتأخرون، ويضربون ويطعنون، ويكرون ويفرون، ولا يؤخرون الصلاة عن ‏وقتها.‏
ويصح أن يصلوا في حال شدة الخوف جماعة، بل تجب، رجالاً وركباناً، بشرط إمكان ‏المتابعة، فإن لم تمكن لم تجب الجماعة ولا تنعقد.‏
ولا يضر تأخر الإمام عن المأموم في شدة الخوف، للحاجة إليه.‏
ولا يضر تلويث سلاحه بدم ولو كان كثيراً، وتبطل الصلاة بالصياح والكلام لعدم الحاجة ‏إليه.‏
وتجوز هذه الصلاة لمن هرب من عدوه هرباً مباحاً كخوف قتل أو أسر محرَّم بأن يكون ‏الكفار أكثر من مثلي المسلمين، أو هرب من سيل أو سبع ونحوه، كنار أو غريم ظالم، أو خاف ‏على نفسه أو أهله أو ماله من شيء مما سبق.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:52 PM
الجنائز




التعريف:‏
الجنائز جمع جنازة بالفتح: الميت، وبالكسر: السرير الذي يوضع عليه الميت. ‏
أولاً: أحكام المحتضر:‏
تعريف المحتضر وتوجيهه وتلقينه:‏
المحتضر هو من حضر الموت وملائكته، والمراد من قرب موته، علامة الاحتضار -كما أوردها ‏ابن عابدين- أن تسترخي قدماه فلا تنتصبان، ويعوج أنفه، وينخسف صدغاه، ويمتد جلد خصيتيه ‏لانشمار الخصيتين بالموت،وتمتد جلدة وجهه فلا يرى فيها تعطف.‏
ما ينبغي فعله بعد الموت، وما لا ينبغي فعله:‏
ما ينبغي فعله بعد الموت:‏
اتفق الفقهاء على أنه إذا مات الميت شُدَّ لِحياه، وغمضت عيناه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ‏على أبي سلمة، وقد شق بصره فأغمضه وقال: "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر" [أخرجه ‏مسلم].‏
الإعلام بالموت:‏
يستحب أن يعلم جيران الميت وأصدقاؤه حتى يؤدوا حقه بالصلاة عليه والدعاء له، روى سعيد بن ‏منصور عن النخعي: لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه.‏
وكره بعض الحنفية النداء في الأسواق قال في النهاية: إن كان عالماً، أو زاهداً، أو ممن يتبرك به، ‏فقد استحسن بعض المتأخرين النداء في الأسواق لجنازته وهو الأصح، ولكن لا يكون على هيئة ‏التفخيم، وينبغي أن يكون بنحو، مات الفقير إلى الله تعالى فلان ابن فلان.‏
وقال المالكية: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:‏
الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة.‏
والثانية: الدعوة للمفاخرة بالكثرة فهذا مكروه.‏
والثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا محرم.‏
قضاء الدين:‏
يستحب أن يسارع إلى قضاء دينه أو إبرائه منه، وبه قال أحمد لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ‏مرفوعاً "نفس المؤمن معلقة بِدَينه حتى يقضى عنه" [أخرجه الإمام أحمد].‏
وقال الحنابلة: إن تعذر الوفاء استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل عنه، والكفالة بدين الميت قال ‏بصحتها أكثر الأئمة.‏
تجهيز الميت:‏
اتفق الفقهاء على أنه إن تيقن الموت يبادر إلى التجهيز ولا يؤخر لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا ‏ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله" [أخرجه داود].‏
مالا ينبغي فعله بعد الموت:‏
قراءة القرآن عند الميت:‏
تكره عند الحنفية قراءة القرآن عند الميت حتى يغسل.‏
وعند المالكية يكره قراءة شيء من القرآن مطلقاً.‏
وذهب الشافعية إلى أنه لا يقرأ عند الميت قبل الدفن لئلا تشغلهم القراءة عن تعجيل تجهيزه، أما بعد ‏الدفن فيندب عندهم.‏
النوح والصياح على الميت:‏
يكره النوح، والصياح، وشق الجيوب، في منزل الميت، وفي الجنائز، أو في محل آخر للنهي عنه، ‏ولا بأس بالبكاء بدمع قال الحنفية: والصبر أفضل.‏
فقد روى الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من ‏الصالقة والحالقة والشّاقة(1) [متفق عليه].‏
‏___________________‏
‏(1) والصالقة: هي التي ترفع صوتها بالبكاء. والحالقة هي التي تحلق رأسها عند المصيبة والشاقة ‏هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.‏
‏ ‏
شق بطن الميتة لإخراج الجنين:‏
ذهب الحنفية وبعض الشافعية، إلى أنه إن ماتت امرأة والولد يضطرب في بطنها يشق بطنها ويخرج ‏الولد، ومذهب الشافعية وهو المتجه عند الحنابلة، أنه يشق للولد إن كان ترجى حياته. فإن كان لا ‏ترجى حياته فالأصح أنه لا يشق.‏
وقال المالكية: لا يشق بطن المرأة عن جنين ولو رجي حياته على المعتمد، ولكن لا تدفن حتى ‏يتحقق موته ولو تغيرت.‏
واتفقوا على أنه إن أمكن إخراجه بحيلة غير الشق وجب.‏
غسل الميت:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن تغسيل الميت فرض كفاية بحيث إذا قام به البعض سقط عن الباقين.‏
تكفين الميت:‏
اتفق الفقهاء على أن تكفين الميت بما يستره فرض على الكفاية.‏
حمل الجنازة:‏
حكم الحمل وكيفيته:‏
أجمع الفقهاء على أن حمل الجنازة فرض على الكفاية، ويجوز الاستئجار على حمل الجنازة.‏
تشييع الجنازة:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن تشييع الرجال للجنازة سنة، لحديث البراء بن عازب: أمرنا رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز. والأمر هنا للندب لا للوجوب وهذا بإجماع الفقهاء.‏
وقال المالكية: اتباع الجنازة من الواجبات على الكفاية.‏
لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة. ‏
وروي عن الصحابة كلا الأمرين وقد قال علي: إن فضل الماشي خلفها على الذي يمشي أمامها ‏كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ. ‏
وقال الثوري: كل ذلك في الفضل سواء.‏
وأما النساء فلا ينبغي لهن عند الحنفية أن يخرجن في الجنازة، فيكره خروجهن تحريماً.‏
وأما عند الشافعية فقال النووي: مذهب أصحابنا أنه مكروه، وليس بحرام.‏
وأما المالكية: جاز خروج متجالَّةٍ (كبيرة السن) لجنازة مطلقاً، وكذا شابة لا تخشى فتنتها، ولجنازة ‏من عظمت مصيبته عليها، كأب، وأم، وزوج، وابن، وبنت، وأخ، وأخت، أما من تخشى فتنتها ‏فيحرم خروجها مطلقاً.‏
وقال الحنابلة: كره أن تتبع الجنازة امرأة.‏
ما ينبغي أن يفعل مع الجنازة وما لا ينبغي:‏
اتباع الجنازة بمبخرة أو نار:‏
اتفق الفقهاء على أن الجنازة لا تتبع بنار في مجمرة (مبخرة) ولا شمع، ولا تتبع الجنازة بصوت ولا ‏نار، ويكره تجمير القبر.‏
الجلوس قبل وضع الجنازة:‏
يكره لمتبع الجنازة أن يجلس قبل وضعها للنهي عن ذلك. فعن أبي هريرة مرفوعاً: "من تبع جنازة ‏فلا يقعدن حتى توضع"[متفق عليه].‏
القيام للجنازة:‏
مذهب الحنفية وأحمد لا يقوم للجنازة (إذا مرت به) إلا أن يريد أن يشهدها، وكذا إذا كان القوم في ‏المصلى، وجيء بجنازة.‏
وقال الحنابلة: كره قيام لها (أي للجنازة) لو جاءت أو مرت به وهو جالس، كان آخر الأمرين من ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك القيام للجنازة، والأخذ بآخر الأمرين أولى.‏
وقال الشافعية: المشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحباً.‏
وقال بعض الشافعية إن القيام مستحب وهذا هو المختار والمعتمد فيكون الأمر به للندب، والقعود ‏لبيان الجواز.‏
الصمت في اتباع الجنازة:‏
ينبغي لمن تبع الجنازة أن يطيل الصمت، ويكره رفع الصوت بالذكر وقراءة القرآن وغيرهما.‏
قال الحنفية: ولا ينبغي أن يرجع من يتبع جنازة حتى يصلي عليها، لأن الاتباع كان للصلاة عليها، ‏فلا يرجع قبل حصول المقصود.‏
وبه قال المالكية وزادوا أن الانصراف قبل الصلاة يكره ولو أذن أهلها، وبعد الصلاة لا يكره إذا ‏طولوا ولم يأذنوا.‏
وقال الشافعية أيضاً: يكون رفع الصوت بالذكر بدعة، قالوا: يكره اللغط في الجنازة.‏
الصلاة على الجنازة:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الصلاة على الجنازة فرض على الكفاية.‏
شروط صلاة الجنازة:‏
يشترط لصحة صلاة الجنازة ما يشترط لبقية الصلوات من الطهارة الحقيقية بدناً وثوباً ومكاناً، ‏والحكمية، وستر العورة واستقبال القبلة، والنية، سوى الوقت.‏
وشرط الحنفية أيضاً ما يلي:‏
أولها: إسلام الميت لقوله تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة:84].‏
والثاني: طهارته من نجاسة حكمية وحقيقية في البدن، فلا تصح على من لم يغسل، ولا على من عليه ‏نجاسة، وهذا الشرط عند الإمكان.‏
والثالث: تقديم الميت أمام القوم فلا تصح على ميت موضوع خلفهم.‏
والرابع: حضوره أو حضور أكثر بدنه أو نصفه مع رأسه.‏
والخامس: وضعه على الأرض أو على الأيدي قريباً منها.‏
والسادس: ستر عورته.‏
والسابع: محاذاة الإمام جزءاً من أجزاء الميت إذا كان الميت واحداً، وأما إذا كثر الموتى فيجعلهم ‏صفاً ويقوم عند أفضلهم.‏
وأما سننها فتفصيلها كما يلي:‏
الأولى: قيام الإمام بحذاء صدر الميت ذكراً كان الميت أو أنثى سنة عند الحنفية.‏
وقال المالكية ليس لصلاة الجنازة سنن بل لها مستحبات، منها وقوف الإمام والمنفرد حذاء وسط ‏الرجل، ومنكبي المرأة والخنثى.‏
وقال الشافعية: إنهما يقومان عند رأس الرجل، وعند عجز المرأة أو الخنثى.‏
وقال الحنابلة: عند صدر الرجل، ووسط الأنثى، وسن ذلك من خنثى.‏
الثانية: الثناء بعد التكبيرة الأولى سنة عند الحنفية وهو اختيار الحنابلة وهو: سبحانك اللهم وبحمدك، ‏وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك.‏
وقال المالكية: لا ثناء في التكبيرة الأولى، ولكن ابتداء الدعاء بحمد الله والصلاة على النبي صلى الله ‏عليه وسلم مندوب، أي بعد التكبيرة الثانية وقال الحنابلة أيضاً: لا يستفتح.‏
وجاء قراءة الفاتحة بقصد الثناء كذا نص عليه الحنفية، وقال علي القاري: يستحب قراءتها بنية ‏الدعاء خروجاً من الخلاف.‏
الثالثة: ومن السنن عند الحنفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التكبيرة الثانية بقوله: ‏اللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى آخره.‏
وقال المالكية: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مندوبة عقب كل تكبيرة قبل الشروع في ‏الدعاء.‏
الرابعة: من السنن عند الحنفية دعاء المصلي للميت ولنفسه (وإذا دعا لنفسه قدم نفسه على الميت ‏لأن من سنة الدعاء أن يبدأ فيه بنفسه) ولجماعة المسلمين، وذلك بعد التكبيرة الثالثة، ولا يتعين ‏للدعاء شيء سوى كونه بأمور الآخرة، ولكن إن دعا بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو ‏أحسن وأبلغ لرجاء قبوله.‏
فمن المأثور ما حفظ عوف بن مالك من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة "اللهم اغفر له ‏وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من ‏الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً ‏خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار" [أخرجه مسلم].‏
فإن كان الميت صغيراً فعن أبي حنيفة ينبغي أن يقول: اللهم اجعله لنا فرطا، واجعله لنا أجراً وذخراً، ‏اللهم اجعله لنا شافعاً ومشفعاً.‏
وقال الحنابلة: إن كان صغيراً أو استمر مجنوناً قال: اللهم اجعله ذخراً لوالديه-الخ وظاهره الاقتصار ‏عليه.‏
وصرح الشافعية بأن هذا الدعاء يكون بدل الدعاء المذكور للبالغين، وهو ظاهر كلام المالكية أيضاً، ‏فكأن أقوال الأربعة اتفقت في الدعاء للصغير بهذه الصيغة.‏
الدعاء للميت:‏
الدعاء عند المالكية والحنابلة ركن، ولكن عند المالكية يدعو عقب كل تكبيرة حتى الرابعة، وفي ‏قول آخر عندهم لا يجب بعد الرابعة كما تقدم، وأقل الدعاء أن يقول: اللهم اغفر ونحو ذلك.‏
وأحسنه أن يدعو بدعاء أبي هريرة وهو أن يقول: بعد حمد الله تعالى والصلاة على النبي صلى الله ‏عليه وسلم: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ‏وأن محمداً عبدك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً ‏فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.‏
ويقول في المرأة: اللهم إنها أمتك وبنت عبدك وبنت أمتك، ويستمر في الدعاء المتقدم بصيغة التأنيث، ‏ويقول في الطفل الذكر: اللهم إنه عبدك وابن عبدك أنت خلقته، وأنت أمتَّه وأنت تحييه، اللهم اجعله ‏لوالديه سلفاً وذخراً، وفرضا وأجرا، وثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، ولا تفتنا وإياهما بعد، ‏اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم.‏
ويزيد في الكبير: وأبدله دار خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، وعافه من فتنة القبر وعذاب جهنم.‏
وليس لصلاة الجنازة عند المالكية سنن بل لها مستحبات، وهي: الإسرار بها، ورفع اليدين عند ‏التكبيرة الأولى فقط، حتى يكونا حذو أذنيه، وابتداء الدعاء بحمد الله، والصلاة على النبي صلى الله ‏عليه وسلم، ووقوف الإمام عند وسط الرجل، وعند منكبي المرأة، وأما المأموم فيقف خلف الإمام كما ‏يقف في غيرها من الصلاة، وجهر الإمام بالسلام والتكبير بحيث يسمع من خلفه، وأما غيره فيسر ‏فيها.‏
وقال الشافعية: سنتها التعوذ قبل الفاتحة والتأمين، والإسرار بالقراءة والدعاء وسائر الأقوال فيها ‏ولو فعلت ليلاً، عدا التكبير والسلام فيجهر بها، وفعل الصلاة في الجماعة، وأن يكونوا ثلاثة صفوف ‏فأكثر إذا أمكن، وأقل الصف اثنان ولو بالإمام، ولا تكره مساواة المأموم للإمام في الوقوف حينئذ.‏
وقال الحنابلة: سننها فعلها في جماعة، وأن لا ينقص عدد كل صف عن ثلاثة إن كثر المصلون، وإن ‏كانوا ستة جعلهم الإمام صفين، وإن كانوا أربعة جعل كل اثنين صفاً، ولا تصح صلاة من صلى ‏خلف الصف وحده كغيرها من الصلاة، وأن يقف الإمام والمنفرد عند صدر الرجل ووسط الأنثى، ‏وأن يسر بالقراءة والدعاء فيها وقد ذكروا التعوذ والتسمية قبل قراءة الفاتحة، ولم يطلع على تصريح ‏لهم بسنيتها.‏

أحمد سعد الدين
09-12-2004, 11:53 PM
صفة صلاة الجنازة:‏
مذهب الحنفية أن الإمام يقوم في الصلاة على الجنازة بحذاء الصدر من الرجل والمرأة، وهذا أحسن ‏مواقف الإمام من الميت للصلاة عليه، وإن وقف في غيره جاز.‏
وعند المالكية يندب أن يقف الإمام وسط الذكر وحذو منكبي غيره.‏
ومذهب الشافعية أن الإمام يقوم ندباً عند رأس الرجل، وعجيزة المرأة.‏
وقال الحنابلة: يقوم عند صدر رجل، وقيل عند رأسه، ووسط امرأة، وبين الصدر والوسط من ‏الخنثى، لحديث أنس وفيه أنه صلى على امرأة فقام وسط السرير.‏
ما يفعل المسبوق في صلاة الجنازة:‏
إذا جاء رجل وقد كبر الإمام التكبيرة الأولى ولم يكن حاضراً انتظره حتى إذا كبر الثانية كبر معه، ‏فإذا فرغ الإمام كبر المسبوق التكبيرة التي فاتته قبل أن ترفع الجنازة، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد ‏رحمهما الله.‏
وقال المالكية: إذا جاء والإمام مشتغل بالدعاء فإنه يجب عليه أن لا يكبر حتى إذا كبر الإمام كبر ‏معه، فإن لم ينتظر وكبر صحت صلاته ولكن لا تحتسب تكبيرته هذه، سواء انتظر أو لم ينتظر، وإذا ‏سلم الإمام قضى المأموم ما فاته من التكبير سواء رفعت الجنازة فوراً أو بقيت، إلا أنه إذا بقيت ‏الجنازة دعا عقب كل تكبيرة يقضيها، وإن رفعت فوراً وإلى التكبير ولا يدعو لئلا يكون مصلياً على ‏غائب والصلاة على الغائب غير مشروعة عندهم.‏
وقال الشافعية: إذا جاء المأموم وقد فرغ الإمام من التكبيرة الأولى أو غيرها، واشتغل بما بعدها من ‏قراءة أو غيرها، فإنه يدخل معه ولا ينتظر الإمام حتى يكبر التكبيرة التالية، إلا أنه يسير في صلاته ‏على نظم الصلاة لو كان منفرداً، فبعد أن يكبر التكبيرة الأولى يقرأ من الفاتحة ما يمكنه قراءته قبل ‏تكبير الإمام ويسقط عنه الباقي، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الثانية وهكذا، فإذا فرغ ‏الإمام أتم المأموم صلاته على النظم المذكورة، ويأتي بالأذكار في مواضعها، سواء بقيت الجنازة أو ‏رفعت، وإذا لم يمكنه قراءة شيء من الفاتحة إن كبر إمامه عقب تكبير المسبوق للإحرام معه وتحمل ‏الإمام عنه كل الفاتحة.‏
وقال الحنابلة: من سبق ببعض الصلاة كبر ودخل مع الإمام حيث أدركه ولو بين تكبيرتين ندباً ‏كالصلاة، أو كان إدراكه له بعد تكبيرة الرابعة قبل السلام، فيكبر للإحرام معه ويقضي ثلاث ‏تكبيرات استحباباً، ويقضي مسبوق ما فاته قبل دخوله مع الإمام على صفته، لأن القضاء يحكي ‏الأداء كسائر الصلوات، ويكون قضاؤه بعد سلام الإمام كالمسبوق في الصلاة.‏
ترك بعض التكبيرات:‏
ولو سلم الإمام بعد الثالثة ناسياً كبر الرابعة ويسلم.‏
وقال الحنابلة: إن ترك غير مسبوق تكبيرة عمداً بطلت، وإن ترك سهواً فإن كان مأموماً كبرها ما لم ‏يطل الفصل (أي بعد السلام)، وإن كان إماماً نبهه المأمومون فيكبرها ما لم يطل الفصل، وصحت ‏صلاة الجميع، فإن طال أو وجد مناف استأنف، وصحت صلاة المأمومين إن نووا المفارقة.‏
وقال الشافعية: تبطل صلاة الجميع إن كان النقص قصداً من الإمام، وإن كان سهواً تداركه الإمام ‏والمأموم كالصلاة، ولا سجود للسهو هنا.‏
وقال المالكية: إن كان النقص من الإمام عمداً بطلت صلاة الجميع، وإن سهواً سبح المأمومون، فإن ‏رجع عن قرب وكمل التكبير كملوا معه وصحت صلاة الجميع، وإن لم يرجع أو لم ينتبه إلا بعد زمن ‏طويل كملوا هم، وصحت صلاتهم وبطلت صلاته.‏
الصلاة على جنائز مجتمعة:‏
اتفق الفقهاء على أنه إذا اجتمعت جنائز يجوز أن يصلي عليهم مجتمعين أو فرادى ثم اختلفوا:‏
فقال الحنفية: فالإمام إن شاء صلى على كل واحدة على حدة، وإن شاء صلى على الكل دفعة واحدة ‏بالنية على الجميع.‏
والمذهب عند الشافعية: أن الإفراد أفضل من أن يصلي عليهم دفعة واحدة لأنه أكثر عملاً وأرجى ‏للقبول.‏
وقال الحنابلة: إذا اجتمعت جنائز فجمعهم في الصلاة عليهم أفضل من الصلاة على كل واحد منهم ‏منفرداً، وذلك لأجل المحافظة على الإسراع والتخفيف.‏
وقال مالك: أرى ذلك واسعاً إن جعل بعضهم خلف بعض، أو جعلوا صفاً واحداً، ويقوم الإمام وسط ‏ذلك ويصلي عليهم. وإن كانوا غلماناً ذكوراً أو نساء جعل الغلمان مما يلي الإمام والنساء من خلفهم ‏مما يلي القبلة، وإن كن نساء صنع بهن كما يصنع بالرجال كل ذلك واسع بعضهم خلف بعض صفاً ‏واحداً.‏
وإذا كبر الإمام على جنازة فجيء بأخرى مضى على صلاته على الأولى، فإذا فرغ استأنف على ‏الثانية، وإن كان لما وضعوا الثانية كبر الأخرى ينويها فهي للأولى أيضاً، ولا يكون للثانية، وإن كبر ‏الثانية ينوي الثانية وحدها فهي للثانية وقد خرج من الأولى، فإذا فرغ أعاد الصلاة على الأولى وهذا ‏ما ذهب إليه الحنفية.‏
وقال الحنابلة: لو كبر فجيء بأخرى كبر ثانية ونواهما، فإن جيء بثالثة ونوى الجنائز الثلاث، فإن ‏جيء برابعة كبر رابعة ونوى الكل، فيصير مكبراً على الأولى أربعاً وعلى الثانية ثلاثاً، وعلى الثالثة ‏اثنتين، وعلى الرابعة واحدة، فيأتي بثلاث تكبيرات أخر، فيتم التكبيرات سبعاً، يقرأ في خامسة ‏ويصلي (على النبي صلى الله عليه وسلم) بسادسة، ويدعو بسابعة، فيصير مكبراً على الأولى سبعاً، ‏وعلى الثانية ستاً، وعلى الثالثة خمساً، وعلى الرابعة أربعاً.‏
الحدث في صلاة الجنازة:‏
ذهب الحنفية إلى أنه إن كان الإمام على غير الطهارة تعاد الصلاة، وإن كان الإمام على طهارة ‏والقوم على غير طهارة صحت صلاة الإمام ولا تعاد الصلاة عليه.‏
وقال الشافعية: لو صلى الإمام غير متوضىء ومن خلفه متوضئون أجزأت صلاتهم، وإن كانوا كلهم ‏غير متوضئين أعادوا، وإن كان فيهم ثلاثة فصاعدا متوضئون أجزأت.‏
وقال مالك: إذا أحدث إمام الجنازة يأخذ بيد رجل فيقدمه فيكبر ما بقي على هذا الذي قدمه، ثم إن شاء ‏رجع بعد أن يتوضأ فصلى ما أدرك وقضى ما فاته، وإن شاء ترك ذلك.‏
الصلاة على القبر:‏
لو دفن الميت قبل الصلاة أو قبل الغسل فإنه يصلى عليه وهو في قبره ما لم يعلم أنه تمزق، وهذا ‏مذهب الحنفية.‏
وقال مالك: لا يصلى على القبر إن دفن قبل أن يصلى عليه، أخرج وصلي عليه ما لم يفت، فإن فات ‏صلي عليه في قبره.‏
وعند الشافعية يجوز الصلاة على المقبور لكل من فاتته الصلاة عليه قبل دفنه.‏
وعند أحمد يجوز لمن فاتته الصلاة على الميت أن يصلي على قبره إلى شهر من دفنه وزيادة يسيرة ‏كيومين ويحرم بعدها.‏
وحكي عن الأوزاعي تجويزه الصلاة على القبر ولم يحك عنه التحديد.‏
الصلاة على الجنازة في المسجد:‏
مذهب الحنفية أنه تجوز الصلاة عل الجنازة في الجبانة والأمكنة والدور وهي فيها سواء، ويكره في ‏الشارع وأراضي الناس، وكذا تكره أي تكره كراهة تنزيه في المسجد الذي تقام فيه الجماعة سواء ‏كان الميت والقوم في المسجد، أو كان الميت خارج المسجد والقوم في المسجد، أو الميت في المسجد، ‏والإمام والقوم خارج المسجد، وهو المختار. ‏
وقال مالك: أكره أن توضع الجنازة في المسجد، فإن وضعت قرب المسجد للصلاة عليها فلا بأس أن ‏يصلي من في المسجد عليها بصلاة الإمام الذي يصلي عليها إذا ضاق خارج المسجد بأهله.‏
وقال الشافعية: تندب الصلاة على الميت في المسجد إذا أمن تلويثه، إما إذا خيف تلويث المسجد فلا ‏يجوز إدخاله، وحجة جواز الصلاة على الجنازة في المسجد، لأنه صلى الله عليه وسلم صلى فيه على ‏سهل وسهيل ابني بيضاء كما رواه مسلم. ‏
قال الشافعية: فالصلاة عليه لذلك، لأن المسجد أشرف.‏
وقال الحنابلة: تباح الصلاة على الجنازة في المسجد مع أمن تلويث، فإن لم يؤمن لم يجز.‏
الصلاة على الجنازة في المقبرة:‏
فيها للفقهاء قولان:‏
أحدهما: لا بأس بها، وهو مذهب الحنفية كما تقدم ورواية عن أحمد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ‏صلى على قبر، وهو في المقبرة.‏
والقول الثاني: يكره ذلك،لأنه ليس بموضع للصلاة غير صلاة الجنازة فكرهت فيه صلاة الجنازة ‏كالحمام.‏
من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه:‏
يرى الحنفية أنه يصلى على كل مسلم مات بعد الولادة صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، حراً ‏كان أو عبداً، إلا البغاة وقطاع الطريق ومن بمثل حالهم.‏
وكره مالك لأهل الفضل الصلاة على أهل البدع.‏
وقال الحنابلة: حرم أن يعود أو يغسل مسلم صاحب بدعة مكفرة، أو يكفنه، أو يصلى عليه، أو يتبع ‏جنازته.‏
ويرى الحنفية أن من قتل نفسه ولو عمداً يغسل ويصلى عليه، به يفتى وإن كان أعظم وزراً من قاتل ‏غيره.يصلى عليه.‏
وقال مالك: يصلى على الذين كابروا (أي البغاة) ولا يصلي عليهم الإمام وقال: يصلى على قاتل ‏نفسه ويصنع به ما يصنع بموتى المسلمين وإثمه على نفسه.‏
وقال الحنابلة: لا يسن للإمام الأعظم وإمام كل قرية وهو واليها في القضاء، الصلاة على غالّ وقاتل ‏نفسه عمداً، وإن صلى عليهما فلا بأس به.‏
ويرى الحنفية أن من قتل أحد أبويه لا يصلى عليه إهانة.‏
وقال مالك: كل من قتله الإمام على قصاص، أو في حد من الحدود، فإن الإمام لا يصلي عليه والناس ‏يصلون عليه وكذا المرجوم.‏
ولا يصلى على من لم يستهل بعد الولادة كما تقدم.‏
وإذا اختلط موتانا بكفار صلي عليهم مطلقاً في أوجه الأقوال.‏
أما الشافعية فلم يستثنوا من الصلاة على الميت إلا الكافر والمرتد.‏
من له ولاية الصلاة على الميت:‏
ذهب الحنفية إلى أن أولى الناس بالصلاة على الميت السلطان إن حضر ثم نائبه وهو أمير المصر، ‏ثم القاضي، فإن لم يحضر فصاحب الشرط ثم خليفة الوالي، ثم خليفة القاضي، ثم إمام الحي.‏
وفي الصلاة على الميت أبوه، ثم ابنه، ثم ابن ابنه وإن سفل، ثم الجد وإن علا، ثم الأخ الشقيق، ثم ‏الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، وهكذا الأقرب فالأقرب كترتيبهم في النكاح.‏
وقال المالكية: الأحق بالصلاة عليه وصي الميت إن كان أوصى إليه رجاء بركته وإلا فلا، ثم الخليفة ‏وهو الإمام الأعظم، وأما نائبه فلا حق له في التقدم إلا إذا كان نائبه في الحكم والخطبة، ثم أقرب ‏العصبة فيقدم الابن، ثم ابنه ثم الأب، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم الجد، ثم العم، ثم ابن العم وهكذا.‏
وقال الشافعية: الأولى بالصلاة عليه أبو الميت وإن علا، ثم ابنه وإن سفل، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ ‏لأب، ثم الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم بقية العصبة على ترتيب الميراث، فإن لم يكن فالإمام ‏الأعظم، أو نائبه عند انتظام بيت المال، ثم ذوو الأرحام الأقرب فالأقرب.‏
وقال الحنابلة: الأولى بالصلاة عليه إماماً وصية العدل، ثم السلطان، ثم نائبه، ثم أبو الميت وإن علا، ‏ثم ابنه وإن نزل، ثم الأقرب فالأقرب على ترتيب الميراث، ثم ذوو الأرحام، ثم الزوج، ونائب الولي ‏بمنزلته بخلاف نائب الوصي فلا يكون بمنزلته.‏
ما يفسد صلاة الجنازة وما يكره فيها:‏
تفسد صلاة الجنازة عند الحنفية بما تفسد به سائر الصلوات من الحدث العمد والكلام، والعمل الكثير ‏وغيرها من مبطلات الصلاة،إلا المحاذاة فإنها غير مفسدة في هذه الصلاة، لأن فساد الصلاة ‏بالمحاذاة عرف بالنص، والنص ورد في الصلاة المطلقة فلا يلحق بها غيرها، ولهذا لم يلحق بها ‏سجدة التلاوة حتى لم تكن المحاذاة فيها مفسدة، وكذا القهقهة في هذه الصلاة لا تنقص الطهارة، لأن ‏القهقهة مبطلة بالنص الوارد في صلاة مطلقة، فلا يجعل واردا في غيرها.‏
وتكره الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وعند انتصاف النهار، لحديث عقبة بن ‏عامر: ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا.‏
والمراد بقبر الموتى الصلاة على الجنازة دون الدفن.‏
وإنما تكره الصلاة على الجنازة كراهة تحريم عند الحنفية إذا حضرت في هذه الأوقات في ظاهر ‏الرواية، ولكن في "تحفة الفقهاء": الأفضل أن يصلي على جنازة حضرت في تلك الأوقات ولا ‏يؤخرها، بل قال الزيلعي: إن التأخير مكروه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ‏‏"ثلاث لا تؤخرها، الصلاة إذا آنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدتَ لها كفئا". [أخرجه ‏الترمذي].‏
أما إذا حضرت قبل الوقت المكروه فأخرها حتى صلى في الوقت المكروه فإنها لا تصح وتجب ‏إعادتها.‏
ولا يكره أن يصلي على الجنازة بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة العصر، وكذا بعد طلوع الفجر، وبعد ‏الغروب قبل صلاة المغرب، ولكن يبدأ بعد الغروب بصلاة المغرب أولا، ثم بالجنازة ثم بالسنة.‏
وقال ابن المبارك: معنى هذا الحديث " أو أن نقبر فيها موتانا" يعني الصلاة على الجنازة، وكرهها ‏ابن المبارك عند طلوع الشمس وعند غروبها، وإذا انتصف النهار حتى تزول الشمس (كما قال أبو ‏حنيفة) وهو قول أحمد وإسحاق وهو قول مالك والأوزاعي وهو قول ابن عمر.‏
وقال الشافعية: إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره.‏
والنهي عند الشافعي محمول على الصلوات التي لا سبب لها.‏
التعزية، والرثاء، وزيارة القبور ونحو ذلك:‏
إذا فرغوا من دفن الميت يستحب الجلوس (المكث) عند قبره بقدر ما ينحر جزور ويقسم لحمه، فقد ‏روى مسلم عن عمرو بن العاص أنه قال: إذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا، ثم أقيموا حول قبري ‏قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي [أخرجه مسلم ‏‏]. يتلون القرآن ويدعون للميت.‏
التلقين: ‏
والتلقين بعد الدفن لا يؤمر به وينهى عنه. وظاهر الرواية عند الحنفية يقتضي النهي عنه، وبه.‏
قالت المالكية فقد ذهبوا إلى أن التلقين بعد الدفن وحاله مكروه، وإنما يندب حال الاحتضار فقط.‏
واستحبه الشافعية فقالوا: والتلقين هنا أن يقول الملقن مخاطباً للميت: يا فلان بن فلانة، إن كان ‏يعرف اسم أمه وإلا نسبه إلى حواء عليها السلام، ثم يقول بعد ذلك أذكر العهد الذي خرجت عليه من ‏الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الجنة حق ،والنار حق، وأن البعث حق، ‏وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام دينا، ‏وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً.‏
وقال الحنابلة: استحب الأكثر تلقينه، فيقوم عند رأسه بعد تسوية التراب فيقول.‏
صنع الطعام لأهل الميت:‏
ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أنه يستحب لجيران الميت والأباعيد من قرابته تهيئة طعام ‏لأهل الميت يشبعهم يومهم وليلتهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ‏ما يشغلهم" [أخرجه أبو داود والترمذي]. ‏
ويلح عليهم في الأكل، لأن الحزن يمنعهم فيضعفهم، وبه قالت المالكية.‏
وصول ثواب الأعمال للغير:‏
من صام أو صلى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات والأحياء جاز، ويصل ثوابها إليهم عند ‏أهل السنة والجماعة، واستثنى مالك والشافعي العبادات البدنية المحضة، كالصلاة والتلاوة، فلا ‏يصل ثوابها إلى الميت عندهما، ومقتضى تحرير المتأخرين من الشافعية انتفاع الميت بالقراءة لا ‏حصول ثوابها له.‏
وقال بعض المالكية: إن القراءة تصل للميت وأنها عند القبر أحسن مزية.‏
‏ ‏