مشاهدة النسخة كاملة : مسائل فى الجهاد
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:11 PM
مفهوم الجهاد: الفتاوى غير المسؤولة وتجديد منهج النظر
أ. معتز الخطيب
كاتب وباحث
15/04/2003
مع كل أزمة تمر بالأمة يظهر مدى إخفاق كثير من قادة الرأي السياسي والديني في التعاطي معها والاستجابة لمتطلباتها؛ لتبقى الجماهير في وادٍ والقيادات في وادٍ آخر. ومع ذلك فالساحة لا تخلو من بعض التصريحات التي غالبًا ما تكون للترضية والاستهلاك المحلي، وهو ما اعتدناه من السياسيين، لكن مع توظيف الدين في السياسة (على طريقة السياسي) ربما انتقلت عدوى "الترضية" إلى بعض القيادات الدينية الفقهية.
ما جرى في العراق، والمرحلة التي مرت من الحرب والتي شارفت على نهايتها (بمعنى سقوط النظام، ودخول القوات الغازية العراق)، تجعلنا أكثر تحررًا في مساءلة تلك الفتاوى الوفيرة عن الجهاد ضد غزو العراق، كما تجعلنا بمنأى أيضًا عن الاتهامات والشبهات بأن نكون من المثبطين لو طرحنا المساءلة من قبل. وهذه المساءلة والاستشكالات التي سنطرحها تهدف إلى إعمال الفكر، وطرح الموضوع لإعادة النظر والحوار لنتعلم من أخطائنا، ونحتاط لأنفسنا مستقبلا.
فتاوى الجهاد –والعهد قريب– صدرت من أطراف متعددة؛ كالأزهر، وهيئة كبار العلماء في العراق، والحركة السلفية العلمية في الكويت، وغيرها. كان بعضها هيئات دينية رسمية عليا، فضلا عن فتاوى شخصيات مرموقة في عدد من الدول. وكثير من هذه الفتاوى ينص على أنه –واللفظ لمجمع البحوث بمصر– "بمنطق شريعة الإسلام إذا نزل العدو في أرض المسلمين يصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة".
أما القيادات السياسية فاكتفت بالتصريحات، وطرح الآمال، وتراوحت منطوقاتها بين نقد النظام قبل الحرب، والقول بافتقاد الشرعية أثناء الحرب، وبأنها بذلت كل ما في وسعها لمنع الحرب، في الوقت الذي قدم فيه عدد من الدول تسهيلات ومساعدات جوهرية.
مقابل تلك التصريحات والبيانات كان الشارع العربي والإسلامي يغلي بالتظاهرات، مطالبًا بمنع الحرب، ووقف المساعدات والتسهيلات وغير ذلك.
الكل بذل "وسعه"؛ فالسياسي "طالب" بمنع الحرب، والفقيه "أفتى" بالجهاد، والشعب تظاهر "مطالبًا" بموقف حاسم ضد الحرب.
ربما يوحي المشهد الذي حدث بإجراءات "تبرئة للذمة" وتسجيل مواقف، وربما يكون التعاطي بطريقة "البيانات" موجهًا خصوصًا لهؤلاء الشباب "المتحمسين"، وبالتأكيد لا يخلو بعض المواقف من صدق، لكن الصدق وحده لم يكن في يوم من الأيام كافيًا في التعامل مع مصائب الأمة.
فتاوى الجهاد.. وأسئلة محيرة
مساءلة "فتاوى الجهاد" تنطلق من اختبار واقعيتها ونفعها بالأسئلة التالية:
- مَن الذي يعلن الجهاد؟
- ومع وجود الدولة القُطرية.. على من يجب الجهاد؟
- وإذا تخلفت الدولة العلمانية عن "الجهاد".. فكيف سيكون مفهوم الجهاد؟ وما وسائل تحقيقه؟
- وما مصير مفهوم "فرض العين" مع وجود "الجيش النظامي"؟ ومتى يتحقق الوجوب العيني؟
- والسؤال الذي يبدو غير جدير بالطرح هو: لماذا الجهاد أصلا؟ وما أهدافه؟
لقد كشفت الحرب على العراق –من ضمن ما كشفت– إشكالات بالغة السلبية في استعارة المفاهيم الفقهية وتكييفها واقعيًّا؛ فتمَّ استحضار مفاهيم، وانتزاع تصورات تراثية من إطارها الكلي القديم لتطبيقها على سياق تاريخي مختلف كليًّا. فإذا كان الذي يعلن الجهاد في الفقه هو إمام المسلمين؛ فإن الذي يعلنه الآن –مع وجود الدولة العلمانية– هو المفتي، وإذا كان ارتهان قرار الجهاد بالإمام لكونه يملك الأمر والسلطة؛ فإنه يتحول مع المفتي إلى مجرد "إعلان"؛ لأنه لا يملك من الأمر شيئًا (سنشير لاحقًا إلى التبعات السلبية لإعلان المفتي).
وإذا كان إعلان الجهاد فقهيًّا يكون للدفاع عن دار الإسلام الواحدة؛ فنحن الآن أمام دُور إسلام تحرك كل واحدة منها مصلحتها "القُطرية"، وتصطدم المصالح (في حالة الحرب على العراق خذ مثلاً الكويت).
وإذا كان قرار الجهاد مرتهنًا بالإمام الذي يجمع بين "الديني والسياسي"؛ فإنه مع انفصال الدين عن السياسة، وتعدد دُور الإسلام.. تشظت الفتاوى الدينية كتشظي القرارات السياسية. وفي حال المؤسسات الرسمية الدينية انقلب الفعل للسياسي وردّ الفعل من المفتي (الذي يمثل الديني)، فيصعب الفصل بين الديني والسياسي حين يريد السياسي الدمج بين الدين والسياسة. (تأمل مواقف علماء الكويت والعراق، وموقف مفتي سوريا مثلا).
وإذا كان الجهاد بمفهومه القتالي يحتاج إلى عدة وإعداد وعتاد للاشتباك مع العدو؛ فمع الدولة العلمانية أين يجد "الجهاد" نسقه الذي يتحقق فيه؟ وكيف؟ ومع دخول العدو ديار الإسلام (فلسطين قبل العراق) كيف يصبح مفهوم الجهاد الواجب وجوبًا عينيًّا على كل مسلم ومسلمة من دون أمر رئيس الدولة؟ وكيف تكون وسائل تحقيقه؟
ثم مع فصل الدين عن الدولة، بل معاداة الدين من قبل العديد من الأنظمة، وفقدان الحريات، وأبرزها وأهمها الحرية الدينية.. كيف يكون "الجهاد"؟ وهل يصلح هنا تطبيق "الجهاد مع البر والفاجر"؛ فنرد المعتدي الخارجي لنبقى تحت سلطة المستبد الداخلي؟
ثم كيف يكون مفهوم الجهاد؟ وما وسائل تحقيقه حين تنفصل إرادة السياسي عن إرادة الفقيه، ويتناقض الموقفان؛ فالمفتي يدعو للجهاد، والسياسي يقدم العون والمساعدة للغازي والمستعمر؟!
ولعلّ الإشكال الأكثر أهمية مع ما سبق هو التحولات التي طرأت على مفهوم "العدو"، ومن ثَم مفهوم "العدوان" الذي من صوره "التدخل" في القرار السياسي لدولة ما. فمعروف أن الدولة القطرية لم تتحرر حقيقة بعد الاستقلال، بل خضعت لأشكال جديدة من التبعية الاقتصادية والسياسية وغيرها حتى التربوية والتعليمية في بعض الأحيان، وهو ما سُمِّي بـ"الاستعمار الجديد"، وتتداخل فيه السيطرة الخارجية مع الاستبداد السياسي، والقوى الدولية مع النخب الحاكمة في علاقات ومصالح؛ وهو ما يجعل من الواقعي النظر إلى تداخل مفهومي الجهاد: الجهاد ضد الداخل (الحاكم) والجهاد ضد الخارج معًا.
كثير من التساؤلات والإشكالات تلف موضوع "الجهاد" في ظل تعقيدات "الدولة" وما يتعلق بها، لكن لنكن أكثر تحديدًا، ونستعرض إشكالات فتاوى الجهاد بخصوص العراق كحالة تطبيقية على ما سبق.
حول دلالة لفظ "الجهاد" المذكور بالفتاوى
انطلقت الدعوات المطالبة بالجهاد، وأنه –مع بعض الفتاوى– واجب عيني على كل مسلم ومسلمة، وهنا نقف لنتساءل:
- ما معنى الجهاد الذي نحن مطالبون به؟
المعنى هو -لا شك- الجهاد القتالي، وهو الذي في ذهن كل فقيه ومفتٍ.
- ثم نتساءل: هل هذا المعنى متاح لكل مسلم ومسلمة؟
لا نجده متاحًا للجيوش العربية التي تأتمر بقياداتها، وهي المعنية أصلا به، وليس متاحًا لكل أحد مع وجود الحدود وتعقيداتها الأمنية والسياسية، وهنا تغدو صيغة الجهاد اللادنية (نسبة لـ"بن لادن") هي الأقرب إلى التطبيق والإمكان (الهجوم على من يصادفه من الأمريكان وغيرهم).. فهل هذا هو الجهاد الذي يهدف إليه المفتون؟
- ثم نتساءل: كيف يمكن فهم "الفرض العيني"؟
هل يتحقق الوجوب العيني هنا بأنه يلزم المسلمين حكامًا ومحكومين، جيوشًا وعامة، رجالاً ونساء، ترك بلادهم والتوجه إلى أرض العراق؟
تقترن بعض الدعوات إلى الجهاد بالدعوة إلى "فتح الحدود".. حسنًا لنقل: إن الحدود فتحت لكل الناس.. فكيف سيكون الجهاد في حرب تدار بأرقى وسائل التكنولوجيا المتطورة، في حين أن هؤلاء المجاهدين يفتقد معظمهم إلى التدريب والإعداد والوسائل، فضلاً عن فقدان التنظيم وأمن الدخول وأمن العودة (حتى لا يظهر تعبير: "العائدون من العراق" على نهج "الأفغان العرب")، وأمن الانخراط في النظام العراقي، إلى غير ذلك مما يجعلهم يلقون بأنفسهم إلى التهلكة، وقد رأينا كيف استهدفت قوات التحالف العديد منهم قبل الوصول إلى الجيش العراقي؟ وكيف أن الجيش العراقي تركهم يواجهون مصيرهم وهرب!.
ثم ما معنى "الوجوب العيني" (وهو بحسب الواقع ينصرف إلى فئة محدودة من المتدينين الذين يمتلكون الحماسة والقدرة) مع وجود الجيوش النظامية، وعتاد الأسلحة المكدسة التي تصرف عليها معظم ميزانيات الدولة مقدمة على اعتبارات التنمية وغيرها؟
ألم يكن من الواجب توجيه هذه البيانات والفتاوى إلى أولياء الأمر من القادة والزعماء حتى تكون واقعية، وأيضًا حتى تكون إعذارًا وإبراء للذمة بمنطق الفقيه نفسه؟!
ثم كيف يوجّه المفتي فتواه بوجوب الجهاد وجوبًا عينيًّا على الأمة، ويتجاهل التسهيلات المقدمة للجيش الذي يدعو إلى مجاهدته وهو ينطلق من أراضيه أو من أراضٍ مجاورة؟ ثم كيف تم السكوت على تلك الاتفاقيات العسكرية الموقعة قديمًا، والتي بموجبها يتم تقديم التسهيلات العسكرية الآن؟ أين كان المفتي حينها؟
ما وظيفة الجهاد؟
الجهاد –بمفهومه الدفاعي– يكون بهدف حفظ الدين والحرية الدينية، ومواجهة أي عدوان يستهدف الشريعة، أو أي اعتداء على الدولة الإسلامية، أو أي تدخل من جانب قوة خارجية، وفي حالة العراق نجد الآتي:
أ - حصل عدوان من قوى خارجية طيلة فترة الحصار المفروض على العراق، وكانت الطائرات الأمريكية والبريطانية تقصف الأراضي العراقية باستمرار.
ب - تمت محاصرة العراق 12 سنة، راح ضحيتها الآلاف من الضحايا، خصوصًا من الأطفال، بحسب التقارير الرسمية.
جـ - تقاعست الدول الإسلامية عن رد اعتداء العراق على الكويت؛ الأمر الذي أفسح المجال للتدخل الأجنبي الذي جرّ الويلات على المنطقة، ويأتي هذا الغزو استكمالا له.
د - اعتداء النظام العراقي طيلة فترة حكمه على كل الحقوق الإنسانية، والتنكيل والقتل والتشريد، واستخدام الكيماوي ضد أبناء شعبه، وانتهاك حقوق الشريعة والقانون بكل معانيها.
أين كان المفتون أمام هذه الحقائق على مرّ هذه السنين؟
وبعد هذا تنص الفتاوى على أن الجهاد واجب حفاظًا على "السيادة" و"التحرر الوطني". وهل كانت هذه المعاني متحققة من قبلُ في العراق؟ وهل الجهاد واجب وجوبًا عينيًّا لرد غزو الأمريكان وحلفائهم والاستمرار تحت "الاستبداد" وسحق الإنسان العراقي ونكران كل حقوقه الآدمية؟ ماذا بقي من "التحرر الوطني"؟ هذا لا شك يدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم "الجهاد مع كل بر وفاجر".
كان الأجدر بأولئك المفتين أن يكونوا أكثر معرفة بالواقع، وأن يدعوا إلى "الجهاد" ضد الحاكم الطاغية عملا بشريعة الإسلام التي بيَّن فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن "أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". ولو تمت ممارسة الجهاد في الداخل لما وصلنا إلى هذه المرحلة من استفحال الخطب وتزاحم الفتن والمصائب. ولا شك في أن كل شرائط الجهاد ضد الحاكم قد استوجبها النظام العراقي الذي لم يحقق أيًّا من وظائف "الدولة" التي نجاهد للحفاظ عليها: كالهوية، والشرعية، والاستقلال، وصيانة الحقوق والدين، وغير ذلك.
إن هذه الإشكالات جميعًا وتلك المحاذير توجب علينا تجديد النظر والقول في مفهوم الجهاد وصوره ووسائله، وكذلك تجديد النظر فيمن يقرره ويدعو إليه خصوصًا بمعناه القتالي، وتطبيقات المفهوم مع وجود الجيش النظامي. وكذلك تفرض علينا إعادة النظر في من له الحق بالإفتاء في مسائل الاجتهاد؛ فالشُّعَب المعرفية تشعبت وتنوعت، وأمر الجهاد لم يَعُد قاصرًا على مجموعة من النصوص يستنبط منها الفقيه الحكم ليقدمه للناس، بل هي مسألة سياسية عسكرية دينية مركبة، ومع وجود نظام الدولة العلمانية والنظام السياسي القائم على "المصلحة" الشخصية ثم القُطرية أصبحت الأمور أكثر تعقيدًا.
والتعقيدات التي انطوى عليها المفهوم في حقل تطبيقه أظهرت أنه ليس شعارًا نهتف به، بل هو مضمون يمكن الاختلاف فيه وعليه، وهذا ما دفع ببعض المحاولات إلى البحث عن فضاءات جديدة للمفهوم تتسم بالسلمية بعيدًا عن مفهومه القتالي، وتحت مسمّى جديد يميزه عن المعنى القتالي، وهو "الجهاد المدني". صحيح أنه كانت هناك ممارسات وصور قديمة تندرج ضمن التسمية هذه، تارة باسم "الجهاد الأكبر" (جهاد النفس والهوى)، وتارة باسم "جهاد اللسان والمال".
لكن التطورات والظروف المتغيرة ارتقت بالممارسات حتى شملت ألوان العمل الإعلامي والاقتصادي والسياسي والشعبي وغيرها؛ إذ لا سبيل لجهاد قتالي حقيقي وفاعل إلا ببناء قاعدة الوحدة الداخلية والقوة المادية، وهذا كله تسبقه كل المجالات السابقة التي لا بد من توفيرها ابتداء قبل الانصراف للمعنى القتالي؛ فقد رأينا الآن كيف أن تجاهلنا لها دفع بنا إلى ما وصلنا إليه.
وتجديد النظر والقول في "الجهاد" من شأنه أن يمنع توظيف "الديني" في خدمة "السياسي" على النحو الذي رأيناه في عدد من الفتاوى (جدير بالاهتمام أن الفتوى السورية خلت من لفظة "جهاد"، وعبرت بـ"مقاومة"، ووجهت الخطاب لـ"أحرار العالم"، وباسم "شرعة حقوق الإنسان" و"الشرعية الدولية"، فضلا عن أنها جاءت في وقت شهدت فيه العلاقات المصرية السورية توترًا سبقه جدل كبير بخصوص فتوى مجمع البحوث).
ومن غريب المفارقات أنه إذا كانت فتاوى الجهاد وقعت فيما وقعت فيه من إشكالات جعلت منها بيانات "لتبرئة الذمة" أو "للتهدئة"؛ فإن ثمّة مشهدًا آخر نهج نهجًا غاية في الغرابة في التعاطي مع الحدث؛ فرأينا خطيب المسجد الحرام في مكة (4-4-2003) قال في خطبته: "إن الابتلاء كالدواء النافع يسوقه إلى المريض طبيب رحيم ناصح، وحق المريض العاقل الصبر على تجرع علقمه من دون شكوى حتى لا يتحول نفعه ضررًا"، وإنه يجب على المسلمين حين نزول البلاء "تحسين الظن بالإخوة في الدين عمومًا، وبولاة الأمر وأهل العلم والفضل خصوصًا".
إلى الله المشتكى!
والله أعلم.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:13 PM
الجهاد بين الموروث الفقهي والسياسة الدولية الراهنة
أ. علي أبو الخير
كاتب مصري، نقلاً عن صحيفة الحياة اللندنية
21/04/2003
ليس أسوأ من الحرب التي تقودها أمريكا على العراق إلا تلك الفتاوى اللاهثة وراء الحرب، المتضاربة على ميولها، التي يحرض أغلبها على الجهاد باعتباره فرض عين على كل مسلم ومسلمة؛ لأن فرض العين يطلب من جميع المسلمين -حكامًا ومحكومين، جيوشًا وعامة، رجالا ونساء- ترك بلادهم، والتوجه إلى العراق؛ حيث أرض المعركة بين الكفر والإيمان، أو بين الإسلام والشرك.
والفتاوى بهذا التفكير تدل على يأس قاتل يعيش فيه علماء الأمة، فضلا عن عامتها. يأس قاد إلى السقوط في تكرار فتاوى تبرئة الذمة أكثر مما يواجه واقع التفرقة. وهذا اليأس المميت استلزم العودة إلى مفردات فقهية تراثية تجاوزها العصر؛ لأن فرض العين يتنافى مع الجيوش النظامية: المدربة، والمحكومة بسياسات الدول وأهدافها.. فمن غير المنطقي إخراج العامة للحرب من دون إعداد مسبق، وإلا كان إلقاء للنفس في التهلكة.
وفرض العين أيضًا يستوجب البحث في قضايا أخلاقية كبيرة؛ مثل: الولاء والبراء، وأرض الحرب وأرض السلم، أو مثل حديث "أن من قتل قتيلا فله سلبه".. فرغم أنه حديث صحيح فإن الزمن تجاوزه، بعد أن أصبحت الحروب بالطائرات والدبابات والقنابل التي لا تترك على ضحايا الحروب من سلب قد ينتفع به العدو، والبحث في هذه القضايا في الحالة العراقية مرتبك.
فالعراق دولة مسلمة تواجه عدوًّا غير مسلم، ولكن هذا العدو له شركاء عرب ومسلمون غير عرب. ولهؤلاء الشركاء جميعًا ماض يؤرقهم مع النظام العراقي وحروبه المتعددة، ولهم مفتون وعلماء دين يأخذون بنصوص دينية تفيد بحتمية الجهاد ضد الظالم المستبد الذي خاض حروبًا ضد مسلمين، وأفتى له علماؤه بأنه على صواب، وحدثت فوضى الفتاوى منذ حرب العراق مع إيران.
فالمؤتمر الشعبي الإسلامي الذي كان يعقد جلساته في بغداد برئاسة الدكتور معروف الدواليبي، خرج بفتوى تقول: إن إيران هي الفئة الباغية التي يجب على كل المسلمين محاربتها حتى تفيء إلى أمر الله، وهي الفتوى التي عارضها علماء آخرون لا يقلون قيمة، مثل: محمد الغزالي، وعبد الحميد كشك، والشعراوي، بل ذهبوا إلى أن العراق هو الذي بدأ الحرب ضد الثورة الإسلامية في إيران؛ ربما خشية من أفكار الثورة، أو نيابة عن أمريكا التي توعدت إيران الخارجة عن طاعتها. وهكذا اختلط السياسي غير المسلم بالديني المسلم، واستمرت الفتاوى المتعارضة بعد غزو العراق للكويت واحتلالها، واستدعاء أمريكا لتحريرها.
فالعلماء الرسميون للدول المتضررة من الحرب أفتوا بجواز الاستعانة بالمشرك لدرء خطر المسلم، واستدلوا في فتاواهم باستعانة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أريقط عندما كان دليله في هجرته الشريفة من مكة إلى المدينة، وقابل علماء دول الضد بفتوى تحرم الاستعانة بغير المسلم ضد المسلم بأي حال، وقالوا: إن موالاة غير المسلمين على المسلمين يخرج المسلم عن الإسلام.
ويدفعنا ذلك إلى التفكير في مدى جدوى تلك الفتاوى، طالما أنها غير ملزمة لسياسة الدول، وطالما لا توجد مرجعية دينية توحد الفتاوى؛ لتخرج بفتوى واحدة تلزم الحكام قبل الشعوب، وتستلهم الواقع بقدر ما تستند إلى الموروث الفقهي، وتدرك أن معظم شعوب العالم معنا، وأن طرح قضية الجهاد يؤثر في علاقاتنا مع هؤلاء البشر.. فالحرب على العراق هي حرب "صدام بوش"، وطلب الجهاد لحماية صدام الذي اختفى وطلب من المساكين أن يتحولوا إلى قنابل أو دروع بشرية يتنافى مع أبسط قضايا العدالة، ويزيف حقائق كثيرة.
فإذا كنا بحاجة إلى طرح الخلافات؛ فعلينا التفكير بعقل واحد: سياسي وديني، وطرح كل ذلك في برنامج واحد وبأطر مشتركة: تنبذ الظلم أيًّا كان مصدره وأيًّا كانت دوافعه، مع الأخذ في الاعتبار أحقية كل دولة في الدفاع عن نفسها في مواجهة أي ظلم: عربيًّا أم أمريكيًّا، وإذا لم يسعفنا هذا الفكر المغالي في المثالية والقطرية في آن؛ فعلينا الارتقاء بمستوى الفقهاء سياسيًّا؛ لا على مستوى كل دولة فقط، ولكن على مستوى العالم الإسلامي بأسره لجبر هذا الكم من التناقض بين ما هو فكري سياسي وما هو ديني دنيوي، وحتى يمكننا جبر التفسير اللاعقلي بين الذين يذهبون بأسامة بن لادن إلى جعله ممن يستلهمون مواقف الصحابة الكرام، ويلقبونه بالشيخ أسامة، أولئك الذين لا يرون فيه سوى مارق من الدين مفارق للجماعة مخرب للديار.
وهذا ينطبق على الذين ذهبوا إلى أفغانستان لمحاربة الروس الكفرة، وهم لا يدركون أنهم لعبة في يد أمريكا.. إن علماءهم أفتوا لهم بأحقية الجهاد وهي فكرة جميلة، ولكنها غير رشيدة.
وما يحدث على الساحة العراقية الآن له مثيل مما قبل، عندما حارب إيران والكويت. المفتون يتسارعون لإعلان الجهاد، ونحن نعتقد صدق سريرتهم. ولكن هذا الصدق يرتبط بالسذاجة. فإذا كان الجهاد فرض عين.. فأين يكون فرض العين؟ داخل العراق؟ أم الامتناع عن المساهمة في الجهود العسكرية للقوات الأمريكية؟ وهل هذا الامتناع يرتبط بحرية الملاحة في الطرق البحرية: قناة السويس، ومضيق باب المندب، ومضيق هرمز، أم يرتبط بقواعد القوات المتحالفة؟ وإذا كانت فتوى القرضاوي تقول بذلك.. فكيف تلزم الحكومات؟ ثم كيف نربط فتواه بما حدث في مقولته "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم"؟ أو الأقوال التي يقولها هو وغيره عن ضرورة مقاتلة الفئة الممتنعة؟ ثم كيف يمكن الاستهانة بعلماء كويتيين لا يرون هذا الرأي والأرض الكويتية تنطلق منها القوات الأمريكية للدار التي يحرص العلماء على جعلها بؤرة مناطق الجهاد.
وعلينا أيضًا أن نوفِّق بين فتوى آية الله السيستاني في النجف الأشرف، التي أذاعها بعد بدء الحرب على العراق، والتي اعتبر فيها الغزاة كفارًا يجب مجاهدتهم، وفتوى سابقة للسيد باقر الحكيم تحتم الجهاد ضد صدام. الأمر يتطلب مرجعية دينية تأخذ في الاعتبار الموروث الفقهي وما يرتبط بالسياسة العربية والدولية بدلاً من هذه الفتاوى المتعارضة، والتي تضر أكثر مما تنفع.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:15 PM
الخطاب الديني: الموازنة بين مقاومة الاحتلال ومقاومة الاستبداد
أ. صلاح الدين الجورشي
كاتب تونسي، نقلاً عن صحيفة الحياة اللندنية
21/04/2003
مرة أخرى يسجل الخطاب الديني حضورًا قويًّا في هذه الحرب الدائرة على العراق. لقد تميزت الحرب العراقية الإيرانية بتصادم حاد بين خطابين، أحدهما مذهبي ذو شحنة ثورية انتصارية جامحة، والآخر قومي علماني في حال تراجع كان يحاول يومها تجديد دوره وطاقاته التعبوية. وقد كان لذلك التصادم تداعياته الملحوظة على الخطابين، خصوصًا فيما يتعلق بالأيديولوجية البعثية.
ثم جاءت حرب الخليج الثانية ليعاني الخطاب الإسلامي بكل ألوانه وأطيافه المذهبية والسياسية حال انشطار حاد بسبب الغزو العراقي للكويت، وإشكالية شرعية هذه الحرب، ومدى شرعية الاستنجاد بالقوى الأجنبية.
أما اليوم فقد اتسعت الدائرة لتشمل، إلى جانب الدوائر والحركات الإسلامية، المؤسسات والمذاهب المسيحية. ورغم أن دوافع هذه الحرب سياسية اقتصادية فإن الظروف التي حفت بتبريرها، واقترانها بالحرب التي تشنها أمريكا ضد ما تسميه بالإرهاب، وفقدانها، إلى آخر لحظة، الشرعية الدولية والسند الأخلاقي، كل هذه العوامل وغيرها أحدثت رجة قوية للضمير الديني العالمي، وجعلت من المستحيل تحييد الدين في صراع سيحدد ملامح العالم في المرحلة المقبلة.
التركيبة الفكرية / السياسية لجورج بوش الابن
عندما انتُخب بوش لم يهتم المراقبون كثيرًا بمكانة الدين في بناء شخصيته، أو بنظرة عدد واسع من مستشاريه للعالم والعلاقات الدولية. لكن بعد صدمة 11 أيلول / سبتمبر ظهر هذا الجانب بقوة في ردود أفعال بوش، وأثر بوضوح في خطابه السياسي الذي حرص على اعتبار المرحلة المقبلة مرحلة صراع بين الخير والشر، حتى اعتبرته الصحافة أكثر الرؤساء الأمريكيين تدينًا، واعتبرت إدارته، التي دعمت التحالف بين إسرائيل والمسيحيين المحافظين، الأكثر ارتباطًا بالكنيسة. وعندما تورط البيت الأبيض في الانتقال من مواجهة تنظيم القاعدة وحركة طالبان إلى فتح ملفات العالم الإسلامي؛ تأكد التداخل بين السياسي والديني والثقافي لدى الفريق الحاكم في واشنطن بشكل أخذ يثير قلقًا متزايدًا.
وحين أخذت القوات الأمريكية والبريطانية تواجه صعوبات ميدانية بسبب المقاومة العراقية القوية؛ لجأ بوش إلى مزيد من إضفاء الطابع الديني على هذه الحرب من خلال دعوته الأمريكيين إلى تخصيص يوم خشوع وصوم وصلاة. وعكس هذا التوظيف الأمريكي للدين أزمة قيمية لدى هذه الإدارة وتشويهًا فظيعًا للفلسفة الدينية المسيحية التي تقوم على التسامح واللاعنف والخلاص الروحي.
ردود فعل المجتمع الكنسي
وفي مقابل هذا التوظيف السطحي والعدواني للعقيدة المسيحية اتخذت كنائس عدة أمريكية بروتستانتية وكاثوليكية مواقف مناهضة للحرب، وهاجمت قراءة بوش للرسالة المقدسة، ونشطت في اتجاه إثبات تعارض ذلك مع القيم التي نشرها السيد المسيح عليه السلام. وجاء ذلك تجاوبا مع موقف تاريخي مناهض للحرب اتخذه البابا، وتجنَّدت مؤسسات الفاتيكان للدفاع عنه، واعتبر رئيس المجلس البابوي للعدالة والسلام والأسقف ريناتو رافاييلي مارتينو أن الحرب على العراق جريمة سيعاقب عليها الله، فأعاد بذلك السلام القيمي المسيحي إلى نصابه؛ بمنع تبرير الاستعمار باسم المسيح. هذا الموقف الذي لقي تجاوبًا واسعًا وتقديرًا من جهات عربية وإسلامية كثيرة، جاء بعد حال ذهول عاشها المسلمون والمسيحيون العرب عندما لم تهتز المؤسسة البابوية حين كانت كنيسة المهد في بيت لحم تقصف بأسلحة إسرائيلية في إطار محاولة قوات الاحتلال قنص فلسطينيين لجئوا إليها، مع العلم بأن هذه الكنيسة الأرثوذكسية قررت منع بوش ورامسفيلد وبلير من دخولها إلى الأبد بسبب ارتكابهم جرائم حرب في العراق.
مواقف المؤسسات الدينية الإسلامية
إذا انتقلنا إلى الدائرة الإسلامية يُلاحظ أن الخلافات الحادة التي شقت صفوف المؤسسات الدينية الرسمية وأوساط العلماء والفقهاء والحركات الإسلامية في مطلع التسعينيات قد اختفت هذه المرة. ويعود ذلك إلى تغير الإشكالية واختلاف التحدي.
فالحرب السابقة نتجت عن غزو العراق للكويت، وضمها بالقوة. ورغم أن الغالبية الساحقة لمختلف تلك الأطراف أنكرت عملية الاجتياح والضم؛ فإنها اختلفت حول إضفاء شرعية على استعمار بلد مسلم بحجة تحرير شعبه من سلطة مستبدة. وبالرجوع إلى البيانات والفتاوى التي صدرت يلاحظ أن فقهاء السنة كفقهاء الشيعة أعادوا ترتيب الأولويات مقدمين حماية الأرض على الديمقراطية التي يخوض الحلفاء الحرب باسمها.
وحول هذه المسألة التقت المراجع الشيعية في قم والنجف مع مشيخة الأزهر وفقهاء الجزيرة العربية وشيوخ منطقة آسيا الوسطى وعلماء تركيا ودمشق والمغرب العربي، وذلك رغم طعن هذه الأطراف أو غالبيتها في شرعية النظام العراقي وتحميله مسئولية المأزق الذي تردت فيه المنطقة منذ التسعينيات؛ إذ إن بعض المراجع في إيران وجنوب العراق سبق له أن كفرَّه، وأخرجه من الملة.
ولهذا السبب، وفي مثل الأجواء الجديدة، وفي ضوء المنطق الاستفزازي للإدارة الأمريكية، وحجم الكوارث الإنسانية الحاصلة في العراق، لم تجد الأصوات القليلة التي حاولت إضفاء الشرعية على الحرب الأمريكية على العراق من يتجاوب معها أو حتى يناقشها.
ما يلفت الانتباه هنا أن أصحاب الفتاوى والمواقف المشار إليها لم يقفوا عند حدود سحب الشرعية عن الاحتلال الأجنبي للأراضي العراقية، وإنما نادوا بالجهاد، وطالبوا بمقاومة القوات الأمريكية والبريطانية، بل إن عالمًا شرعيًّا عُرف بالحكمة والهدوء، وهو مفتي الديار السورية، دعا العراقيين للقيام بعمليات استشهادية؛ معتبرًا أن مقاومة المحتل بكل الوسائل فرض عين. وبما أن دعوة الجهاد لم تقتصر على مذهب دون آخر، وتواترت بشكل واسع أصبح لا مفر من أخذها في الاعتبار: من حيث أهميتها ودلالاتها الدينية والسياسية، وأيضًا من حيث تأثيرها على تطورات هذه الحرب وتداعياتها، خصوصًا إذا صدقنا الجهات الرسمية العراقية التي تحدثت عن تدفق آلاف المتطوعين وما ذكرته بعض الصحف من أن معظمهم جاءوا بدافع ديني.
إطلالة على خصوصية فتاوى الأزمة العراقية
في هذا السياق نشير إلى الجوانب الآتية:
أ- دعت بعض هذه الفتاوى أو المواقف إلى محاربة الأمريكيين والبريطانيين، وورد ذلك أحيانا بصيغ فضفاضة؛ مما يخشى أن يأخذها بعض الشباب المتحمس على عموم لفظها، ويسوغ بها الاعتداء على كل حامل لجنسية أي دولة مما يسمى بدول التحالف، وهو من شأنه أن يتسبب في انزلاقات خطيرة، ويعمق الخلط الحاصل بين الجهاد والإرهاب، ويخلق مزيدًا من المصاعب للمسلمين في أماكن عدة من العالم.
ب- عدد كبير من الفتاوى والنصوص التي صدرت وصفت هذه الحرب بأنها صليبية، وهو توصيف خاطئ؛ لأنها حرب اقتصادية سياسية، وليست دينية. إضافة إلى وقوف قطاعات واسعة من المؤسسات المسيحية والرأي العام المسيحي ضدها، وبالتالي فإن استخدام مصطلح الصليبية يعكس انحرافًا في فهم طبيعة الصراع، ويضر بالتحالف العالمي ضد الحرب، مما يخدم في النهاية الصهاينة وأقصى اليمين المسيحي في الولايات المتحدة.
جـ- أوحت تصريحات بعض القياديين في حركات إسلامية بأن وقت الاعتدال انتهى في ممارسة الحركات الإسلامية، وأن المرحلة تقتضي التصدي والاستعداد لضرب المصالح الأمريكية في كل مكان. إن مثل هذه التصريحات الحماسية لا تعكس نضجًا أو وعيًا، يستبطن اعتبار الاعتدال جريرة يجب ألا تتكرر مرة أخرى. إن الاعتدال في الساحة الإسلامية يجب أن يكون سمة متأصلة ونابعة من ثوابت وأفكار مبدئية.
د- بما أن غالبية أصحاب هذه الفتاوى والمواقف لا يهدفون من ورائها إلى توفير حصانة دينية إضافية لنظام بغداد، وأن مقصدهم هو حماية أرض العراق من غزو أجنبي أو وصاية استعمارية، وحتى تكتسب رؤيتهم مزيدًا من العمق وتشكل تحولاً نوعيًا في الفكر السياسي الإسلامي، لا بد أن يقرنوا الجهاد في الحالة العراقية، وفي كل حالة شبيهة، بتأكيد ضرورة الشرعية للتحرير الداخلي، وذلك بكسر القيود التي يعاني منها العراقيون، وإطلاق الحريات، ودعم مصالحة وطنية حقيقية ترتكز على الديمقراطية والاحتكام للشعب واحترام حقوق الإنسان.
فكما أن حماية الأرض أصل من أصول الدين فإن الحرية جوهر الإسلام والهدف الذي خُلق من أجله الإنسان، وكل محاولة للفصل بين الأرض والحرية هي خدمة للاستبداد وتمهيد لافتقادهما معًا.
هكذا يتداخل الدين والسياسة في موضوع الحرب الأمريكية ضد العراق، وهو أمر ما كان بالإمكان تجنبه، خصوصًا في منعطفات ضخمة وأحداث كبرى من هذا الحجم، إضافة لطبيعة الدين ومقاصده الحامية للحرية والاستقلال والسلم.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: هل سترشد هذه الحرب الفكر الديني، فتجعله يعيد ترتيب الأولويات، ويرى في القتال استثناء تفرضه ضرورات الدفاع عن الوطن ومقاومة الهيمنة؟ أم أن المنطلق الذي تُدار به هذه الحرب سيفتح الباب مرة أخرى أمام تحويل الجهاد إلى نمط في التفكير والحياة؟
للأسف، إن تهديد الإدارة الأمريكية لسوريا وإيران وغيرهما، وإعلان باول في هذا الظرف العسير التزام بلاده حماية أمن إسرائيل من خلال ضرب العراق وكل من يهددها في المنطقة، كل هذه مؤشرات تدل على أن محنة الفكر والدين ستستمر
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:18 PM
الجهاد والحرب.. بين المبادئ والمصالح
أ. معتز الخطيب 16/09/2002
في القديم كانت الحرب تبدأ بالقتال، لكنها الآن أصبحت تبدأ بالمفاهيم والأفكار والمصطلحات، وتسويق الصور والرؤى التي تسعى إلى تهيئة الرأي العام لتقبل أكثر الممارسات تطرفًا. وتتسنى تلك العمليات التي تقترب من صور غسيل المخ من خلال الاستثمار السياسي والأيديولوجي لأفكار ومفاهيم تحظى بالجاذبية؛ وذلك بتحويلها إلى شعارات لتلك الممارسات التي هي أبعد ما تكون عنها؛ لأن الآلة الإعلامية تفعل فعلها في إعادة تشكيل المفاهيم لحسابات خاصة.
وفي وقت الأزمات يصبح من الملحّ إعادة تثبيت وتنقية المفاهيم ذات العلاقة، ومفهومَا "الجهاد" و"الحرب" من أبرز المفاهيم التي تفرض الأحداث القريبة الماضية والحالية إعادة تثبيتها وتنقيتها في سياق المبادئ والمصالح، مع بيان إلى أي مدى تتحكم المفاهيم في السلوكيات والممارسات، فضلاً عن مقاربة أزمة الحضارة من زاوية مفهومي الجهاد والحرب. إن سؤالنا الأساسي هو: هل الحرب والجهاد شيء واحد، أم أن الجهاد مفهوم والحرب مفهوم بعيد عنه كل البعد؟
مفهوم الجـهاد.. إحاطة بالأبعاد
"الجهاد"، و"الحرب"، و"الغزو": في الأصل اللغوي تدور حول معنى "القتال مع العدو"، وقد استعمل القرآن الكريم "الحرب" بمعنى القتال في مواضع، منها: "كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ" (المائدة: 64)، وجرى الاستعمال في عرف الفقهاء على هذا "الاشتراك اللغوي" في الألفاظ الثلاثة.
لكن "للجهاد" دلالات أخرى في المفهوم الإسلامي العام، اهتم الفقيه منها بـ"القتال" فقط؛ لأنه يتصل بحقل تخصصه، ونحن نهتم به هنا؛ لأننا نضعه بمقابلة "الحرب".
ويقسم العلماء "الجهاد" إلى ثلاثة أقسام تندرج كلها تحت مسمى "مجاهدة العدو". وهذا العدو يكون ظاهرًا (القتال وهو محل اهتمام الفقيه)، ويكون الشيطان، والنفس (وهو مجال اهتمام الداعية والواعظ). وهذه الثلاثة (العدو الظاهر - الشيطان - النفس) يشملها في الإسلام وصف "عدو"، واشتملت عليها آيات كثيرة، وهي داخلة في عموميات قوله تعالى: "فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (البقرة: 195)، وقوله تعالى: "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ" (الحج: 78).
وتوضح آيات وأحاديث كثيرة أن "الجهاد" هو لتكون "كلمة الله هي العليا" (التوبة: 40)، وأنه "في سبيل الله" (البقرة: 195)، وهو محل إجماع بين علماء المسلمين.
ومن الملاحظ كثرة استعمال تعبير "الجهاد" في العصر الحديث بدءاً من "الجهاد ضد الإلحاد الروسي"، وانتهاء "بجهاد بن لادن ضد أمريكا"، مرورًا بتسمية حركات وتنظيمات مختلفة بهذا الاسم؛ ما يسمح بتفسيرات متنوعة لكلمة "الجهاد"، فضلاً عن التوظيفات السياسية للمصطلح.
وفي المقابل تتم ترجمة نفس المفهوم إلى مصطلحات مثل: "الكفاح المسلح"، و"الحرب المقدسة"، و"التبشير الديني" للنيل من مضمونه في المخيال الغربي.
المفهوم الحديث للحرب
شهد مفهوم "الحرب" تطورات وتبدلات في الأدوات والأساليب؛ وهو ما انعكس على دلالته نفسه، فبات يشتمل على معانٍ كثيرة؛ فالتطورات التقنية، والاتساع الجغرافي، ونشوء الأنظمة السياسية الدولية.. كل ذلك ساهم في إرساء تغيرات على مستوى المفاهيم، ومنها الحرب، وعلى مستوى الغايات والنوازع التي تكمن خلف سؤال: لماذا الحرب؟
ومن ناحية أخرى فإن التقنيات الحديثة التي طاولت الفضاء والسلاح أدخلت تغييرًا جذريًّا على قوانين الحرب ومسيرتها وحسابات الخسائر والمكاسب فيها، وعلى استحقاقات النصر والهزيمة في الحرب. فمع ظهور تطبيقات الثورة الصناعية في مجال الحرب اعتبارًا من منتصف القرن التاسع عشر بدأ يبرز تدريجيًّا مفهوم "الحرب الشاملة" لتوفر إمكاناتها التقنية. وقد شهد النصف الأول من القرن العشرين اندلاع حربين كونيتين1 ، وتحددت على قاعدة التسلح "موازين القوى" في العالم، ثم جاء اختراع السلاح النووي وغيرِه من أسلحة الدمار الشامل كي يشكل عاملاً حاسمًا جديدًا في تحديد موازين القوى هذه، وهو ما شكل ثورة ثانية على المستوى العسكري.
أثَّر التقدم التكنولوجي الهائل في بِنية "الثورات العسكرية" على صعيد تنظيم القوات المسلحة نفسها وطبيعة الحرب ذاتها، خاصة منذ نهاية الحرب الباردة التي حكمت العلاقات الدولية لعقود من الزمن، ولعلَّ أهم النتائج المباشرة -كما يبين "بول هيرست" في كتابه (الحرب والسلطة في القرن الحادي والعشرين)- تَمَثل في الأولوية التي اكتسبتها الإستراتيجيات الهجومية على حساب الدفاعية.
وإذا كان الفقهاء -قديمًا وحديثًا- قد اختلفوا حول "الجهاد" في الإسلام (هل هو دفاعي أم هجومي؟) بأثرٍ من النظر إلى الحقوق والحريات، فإن "الحرب" اليوم باتت تتجه للهجوم بأثر من "القوة" والمصالح والهيمنة، وإن تم أَدْلَجة ذلك بتسميات زئبقية من نحو "ضربة وقائية" (تستخدمه إسرائيل ضد الفلسطينيين)، و"هجوم استباقي" (تستخدمه أمريكا الآن في حربها المتوقعة على العراق). بل إن الولايات المتحدة (وكذلك إسرائيل) تتجه الآن بمفهوم الحرب من "الردع" ("الإرهاب" بالمصطلح القرآني) إلى "الإرهاب" (بالمفهوم السياسي المعاصر) إلى "العنف الشامل".
مجمل ما يمكن قوله: إن الحرب اليوم ليست هي الحرب بالأمس، وأصبحت لفظة "الحرب" تسرح في فضاء ذهني مفتوح (سواء للمتلفظ، أم السامع، وحتى قائد المعركة) حول الخسائر والدمار الذي ستوقعه هذه الآلات والتقنيات المتطورة والعابرة للقارات (يتم استثمار هذا من قبل النظام السياسي العربي لتبرير الخنوع السياسي). إنه في الحرب لا يمكن لأحد السيطرة على أبعاد المعركة، ووضع حدٍّ للخسائر في ظل هذا المسمى بـ"قانون دولي".
وكذلك بتنا نشهد مسميات لحروب كثيرة، بل شهدنا وقائع عدد منها، كالحرب الإعلامية، والحرب الباردة، والحرب الاقتصادية، والحرب النفسية.. واللافت أنها كلها تشكل درجات متفاوتة في نطاق فرض السلطة والهيمنة على الآخر للانصياع لمطلب ما، وإن جرت أَدْلَجة هذه المطالب -على اختلافها- تحت مسميات كثيرة (العدالة - الديمقراطية - الإرهاب - تحرير المرأة...). والهدف من تلك المسميات كلها إضفاء مضمون "رسالي" قيمي على هذه الحرب أو تلك لإضفاء الشرعية الأخلاقية (أما القانونية فيتم التلاعب بها بمنطق القوة وحسابات المصالح) لدى الرأي العام.
الجهاد والحرب في الممارسة
ممارسة الجهاد والحرب أبرز ما تظهر في عدد القتلى وحجم الأضرار، وقضية الأسرى، وتصرفات ما بعد الحرب، وتبقى القضية الأهم معايير النصر والهزيمة في مفهومي "الجهاد" و"الحرب".
ممارسة "الجهاد" تبقى محصورة في محدِّدات الأهداف والغايات التي تكمن في الإجابة على سؤال "لماذا…؟"، والتي تأخذ شكل مطالب قبل أو أثناء أو بعد القتال، وشرحنا سابقًا أن إجماع المسلمين على أن "الجهاد" هو في "سبيل الله"، ولإعلاء كلمته.. ينحصر في هدف واضح ومحدد هو "الدعوة" إلى الدين/ الإسلام، وبسط سلطانه على الناس (يمكن التعبير عنه بهيمنة الإسلام كنظام لا كعقيدة)، من هنا لم يكن الهدف "الإضرار" أو التشفي (جمهور الفقهاء متفق على أن مجاهدة العدو لأجل كونه محاربًا)، ولم يكن الهدف إعمال القتل في العدو (يجب إيقاف الجهاد في حالة إسلام العدو أو استسلامه)؛ لأن الهدف إصلاحه لا إلغاؤه، وإجباره على ممارسة التسامح لا إفناؤه.
إنه إذن قتال من أجل فكرة/ مبدأ ديني أخلاقي يحتكم في أدواته ووسائله إلى ميثاق الوحي الإلهي: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكونَ الدين كلُّه لله" (الأنفال 39). وفي الحديث: "أيها الناس لا تَمَنَّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" (رواه البخاري). ومن الفقهاء من صرَّح بأن "وجوب الجهاد [أي القتال] وجوب الوسائل لا المقاصد؛ إذ المقصود بالقتال إنما هو الهداية وما سواها من الشهادة، وأما قتل الكفار فليس بمقصود حتى لو أمكن الهداية بإقامة الدليل بغير جهاد كان أولى من الجهاد2"، ولعل هذا الأمر هو الدلالة الأساسية لقول الحق جل وعلا في سورة البقرة: ".. لا إكراه في الدين.." (البقرة: 256).
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أَمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تَغُلوا ولا تغدروا، ولا تُمَثّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيتَ عدوك من المشركين فادعُهم إلى ثلاث خصال، فأيتَهنَّ أجابوك فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم". (رواه مسلم ومالك).
وفي فتح مكة قال -صلى الله عليه وسلم-: "ألا لا يُجهَزنّ على جريح، ولا يُتبعنّ مدبر، ولا يُقتلنّ أسير، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن". (رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي).
ورأى النبي -صلى الله عليه وسلم- امرأة مقتولة بالطائف فقال: "ألم أَنهَ عن قتل النساء؟! من صاحبُ هذه المرأة المقتولة؟ قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني. فأمر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تُوارى" (رواه البيهقي).
وأوصى أبو بكر -رضي الله عنه- أمير جيشه إلى الشام بعشرٍ: "لا تقتلنّ امرأة، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هَرِمًا، ولا تقطعنّ شجرًا مثمرًا، ولا تخربنّ عامرًا، ولا تعقرنَّ شاة ولا بعيرًا، ولا تحرقنَّ نخلاً، ولا تُغرقنَّه، ولا تَغلُل، ولا تجبُن". (رواه مالك في الموطأ).
وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول عند عقد الألوية : "... فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبُنوا عند اللقاء، ولا تمثّلوا عند القدرة، ولا تُسرفوا عند الظهور [أي الغَلَبة]، ولا تقتلوا هرِمًا ولا امرأة ولا وليدًا، وتوقّوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند شن الغارات". (عيون الأخبار لابن قتيبة).
وبخصوص معاملة الأسرى في ممارسة "الجهاد" يروي أبو عزيز بن عُمير: "كنت في رهْط من الأنصار حين أقبلوا بي [أسيرًا] في بدر، فكانوا إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم خصّوني بالخبز، وأكلوا التمر؛ لوصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إياهم بنا. ما يقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحني بها فأستحي فأردها على أحدهم فيردها عليّ ما يمسها". (رواه الطبراني، واللفظ للطبري في التاريخ وابن هشام في السيرة).
وبخصوص جثث القتلى في ممارسة "الجهاد"، فلم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ترك جثة بعد القتال دون أن يأمر بمواراتها؛ فقد أمر بمواراة قتلى قريش في "غزوة بدر"، حتى قال الإمام ابن حزم: "دَفن الكافر الحربي وغيره: فرض؛ لأن ترك الإنسان لا يُدفن مُثْلَة"، وقد صحَّ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المُثْلَة (التمثيل بجثث العدو)3.
ويمكن إجمال مبادئ الجهاد في الإسلام بالآتي:
أ - وجوب الوفاء بالعهد: ففي القرآن: "وَأَوْفُوا بِالْعَهْد" [الإسراء: 34]، وفي الحديث: "لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرف به بقدر غُدرته" (رواه البخاري ومسلم).
ب - احترام الإنسانية: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم" (الإسراء: 70)، وفي الحديث: "إياكم والمُثلَة". وكذلك حكم الفقهاء بأنه لا يجوز التجويع والإظماء في الجهاد.
جـ - الحرب لا تُحلّ حرامًا؛ فقد كتب عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما-: "آمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم؛ فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم.. واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله تعالى يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله".
أين يفترق المفهومان: الجهاد والحرب؟
وإذا كانت ممارسة "الجهاد" محصورة في "المبادئ"، فإن ممارسة "الحرب" تبقى على الدوام محصورة في "المصالح"، وتتم التضحية في سبيلها بكل القيم الإنسانية والغايات النبيلة على نحو ما لمسنا في الممارسة الأمريكية للحرب، وهو ما سنعرضه لاحقًا بشيء من التفصيل. ولكن مع هذه الوحشية نجد "إعلام الحرب" يمارس دوره في تجميل الصورة، والتكتيم على الممارسات اللاأخلاقية، وتسويق أخلاقيات مفتعلة. وأبرز ما تتجلى "حرب المصالح" في العصر الحديث في الحروب الأمريكية (راعية الديمقراطية وحقوق الإنسان!). ففي كتابه "أمريكا طليعة الانحطاط" يسوق "روجيه جارودي" أدلة كثيرة على أن "أمريكا لا تتوقف عند حدّ أخلاقي أو قانوني لتكسب حربًا دون أن تفقد خسائر بشرية [أمريكية] كثيرة".
بل إن نشأة أمريكا قامت على إبادة الهنود (السكان الأصليين) الذين تقلص عددهم من 10 ملايين إلى 200 ألف نسمة، ووصف إعلان الاستقلال الأمريكي الهنود الذين دافعوا عن حقوقهم بأنهم "متوحشون بغير رحمة، وسيلتهم المعروفة هي شن الحرب وذبح الجميع"!.
وأجرى كل من جيف سيمون ونعوم تشومسكي مَسْحًا للجرائم الأمريكية لبيان كيف طورت الولايات المتحدة قدرتها على التطهير العرقي والإبادة الجماعية باستعمال تقنية حديثة، بدءًا من الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، ومن تلك الجرائم الكثيرة أن الجنرال جورج مارشال (رئيس الأركان) قد أمر مساعديه بتخطيط هجمات حارقة (تحرق الهياكل الخشبية والورقية للمدن اليابانية الكثيفة السكان).
وفي إحدى الليالي دمّرت 334 طائرة أمريكية ما مساحته 16 ميلاً مربعًا من طوكيو بإسقاط القنابل الحارقة، وقتلت 100 ألف شخص، وشردت مليون نسمة. ولاحظ الجنرال كيرتس لوماي -بارتياح!!- أن الرجال والنساء والأطفال اليابانيين قد أُحرقوا، وتم غليهم وخبزهم حتى الموت. كانت الحرارة شديدة جدًّا حتى إن الماء قد وصل في القنوات إلى درجة الغليان، وذابت الهياكل المعدنية، وتفجر الناس في ألسنة من اللهب. وتعرض أثناء الحرب ما يقرب من 64 مدينة يابانية، فضلاً عن هيروشيما وناجازاكي، إلى مثل هذا النوع من الهجوم. ويشير أحد التقديرات إلى مقتل زهاء 400 ألف شخص بهذه الطريقة. وكان هذا تمهيدًا لعمليات الإبادة التي ارتكبتها الولايات المتحدة ضد أقطار أخرى لم تهدد واشنطن.
وقد ذبحت الولايات المتحدة بين عامي 1952م و1973م (في تقدير معتدل!) زهاء عشرة ملايين صيني وكوري وفيتنامي ولاوسي وكمبودي. ويشير أحد التقديرات إلى مقتل مليوني كوري شمالي في الحرب الكورية، وكثير منهم قُتلوا في الحرائق العاصفة في بيونج يانج ومدن رئيسية أخرى، ويذكرنا هذا بالهجمات الحارقة على طوكيو.
وذكر الراهب البوذي الفيتنامي "ثيتش ثين هاو" أنه بحلول منتصف عام 1963م سببت حرب فيتنام مقتل 160 ألف شخص، وتعذيب وتشويه 700 ألف شخص، واغتصاب 31 ألف امرأة، ونزعت أحشاء 3000 شخص وهم أحياء، وأحرق 4000 حتى الموت، ودمر ألف معبد، وهوجمت 46 قرية بالمواد الكيماوية السامة.. وأدى القصف الأمريكي لهانوي وهايفونغ في فترة أعياد الميلاد وعام 1972م إلى إصابة أكثر من 30 ألف طفل بالصمم الدائم.
وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد اعترفت سنة 2000م بأن قوات الناتو أطلقت 31 ألف قذيفة تحتوي على اليورانيوم المنضب أثناء حملة حلف الأطلسي على يوغسلافيا، في حين أفاد مسؤول حلف الناتو أن عشرة آلاف قذيفة من هذا النوع استُعملت في حرب البوسنة عامي 1994 و 1995م.
وتدمير العراق في حرب الخليج الثانية لا يزال قريب العهد؛ فقد أكدت التقارير أن الطائرات الأمريكية ألقت زهاء مليون إطلاقة يورانيوم منضب جو أرض، كما استخدمت 15 ألف مقذوفة دروع؛ وهو ما أحدث خللاً واضحًا في الأمن البيئي في الكويت قبل العراق، فلوث مساحات واسعة من الأرض بمواد مشعة كاليورانيوم المنضب، واستخدام سموم فطرية ذات تركيز عال مُسَرطنة، فضلاً عن تلويث الهواء والتربة، وإهلاك الكثير من الأحياء، وظهور أمراض كثيرة، وازدياد معدلات الوَفَيَات في الأطفال دون الخامسة عدة أضعاف بالنسبة للعراق. بل إنها لم تتورع عن إبقاء الحصار المفروض على العراق لما يزيد عن عشرة أعوام، والذي لا تزال آثاره المدمرة بادية على الشعب العراقي المنهك البائس.
وممارسة "الحرب" وجرائمها لن تنتهي عند أفغانستان التي وقعت فيها مجازر، كان أبرزها مجزرة "قلعة جانجي" التي تم فيها قصف الأسرى بالطائرات والصواريخ الأمريكية؛ لأن أحد عناصر وكالة المخابرات الأمريكية قُتل في اشتباك مع أسير من طالبان.
وكشفت مجلة النيوزويك مؤخرًا (27-8-2002م) جرائم الحرب في أفغانستان، وكيف أن أكثر من 3000 أسير في طالبان استسلموا لقوات التحالف الشمالي كانوا قد حُشروا مرضى ويتضورون جوعًا في مرفق يتسع لـ800 شخص فقط، وكيف أن المئات منهم ماتوا خنقًا في حاويات معدنية مختومة أثناء نقلهم إلى المعتقلات!.
وإذا كانت النيوزويك ترددت في تحميل مسؤولية تلك الجرائم للجيش الأمريكي؛ فإن روبرت فيسك بيَّن بوضوح كيف أن الولايات المتحدة تقوم بتوظيف القتلة والمجرمين (المعروفين) للعمل لصالحها، وأن ذلك "عمل روتيني" - بحسب تعبير فيسك.
وقد أفرد تشومسكي في كتابه الأحدث: الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، ساحة للحديث عن الأوضاع المأساوية التي عاشها المدنيون الأفغان في ظلِّ الحرب الأمريكية؛ ففي البدء طلبت واشنطن من حليفها الباكستاني قطع إمدادات الوقود وتقليص عدد قوافل الشحن التي تؤمن جزءًا مهمًّا من الغذاء والمؤن للأفغان، وفي الوقت ذاته أوقف "برنامج الغذاء العالمي" التابع للأمم المتحدة نشاطاته نحو ثلاثة أسابيع متوالية بُعيد الاعتداءات.
وفي كتابه "حروب القرن الحادي والعشرين" يؤكد إيغياسيو رامونيه أن "الولايات المتحدة حرصت -بكل وعي وتصميم- على استعراض قوتها في أفغانستان عبر إبراز قوتها العسكرية في العمليات الحربية، وعبر جمع تحالف دولي كبير لدعم خططها بما في ذلك الصين وروسيا، إلى جانب عدم تولية أي اهتمام كبير للأمم المتحدة". ويأتي هذا السعي لتأكيد هيمنتها على العالم بوصفها إمبراطورية كونية، والقوة العظمى من خلال مَرْكزة رأس المال والسلطة.
إنها حرب مصالح.. في الوقت الذي يطرح فيه بوش الابن الولايات المتحدة (من خلال خطابه المتعلق بـ"الحرب على الإرهاب") على أنها راعية السلام العالمي، وستفرض الوضوح الأخلاقي بين الشر والخير (من ليس معنا فهو ضدنا!!)، و(محور الشر)، و(الحرب من أجل العدالة!!)، فضلاً عن الصيغة التقليدية التي يتم فيها اعتبار الولايات المتحدة راعية حقوق الإنسان والحريات في العالم.
المرأة بين الجهاد والحرب!
تورد كثير من الروايات أن نساء المسلمين كنَّ يخرجن في الجهاد، منها رواية أم الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ التي تقول فيها: "لقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسقي القوم، ونخدمهم، ونردّ القتلى والجرحى إلى المدينة". (رواه البخاري).
ويروي أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه "لما كان يوم أُحُد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأمّ سُليم وإنهما لمشمِّرتان، أرى خَدَم (أي خُلخَال) سُوقهن تنقُلان القِرَب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم..." (رواه البخاري).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأمّ سُليم ونسوةٍ من الأنصار معه إذا غزا، فَيَسقين الماء ويُداوين الجرحى" (رواه مسلم).
وفي المقابل ظهر في الحروب الحديثة ما سُمِّي "نساء الحرب"، ويُستخدم للدلالة على أُولاء النساء اللاتي "يتطوعن" للترفيه عن الجنود في زمن الحرب، وكان أول ظهور لهذه الظاهرة خلال الحرب العالمية الثانية؛ حيث كانت نساء من مثل بيتي غريبل وفيرا لين يرفهن عن الجنود الأمريكيين والبريطانيين. وفي أثناء "الحرب على الإرهاب" الحالية شمرت امرأتان "لا تشعران بالخجل أبدًا" (حسب تعبير النيوزويك 20-11-2001م ص5)، وهما باميلا أندرسون والعضو السابق في فريق spice girls جيري هاليويل، شمرتا عن "سواعدهما" وذهبتا بمهمة وطنية للترفيه عن الجنود في أمريكا وفي الشرق الأوسط!.
ولم تكن المرأتان "الوطنيتان" الوحيدتين في هذه المعركة؛ فقد كان هناك أخريات "يتعاطفن" مع حلفاء الولايات المتحدة؛ وذلك للتسلية والتسرية عن هموم الجنود، ورفع معنوياتهم في هذه الحرب الطويلة على "الإرهاب" الذي يهدِّد بنزع أمن العالم، وحرمانه من المتعة!.
الحرب والجهاد.. مفهومان متمايزان
لم يكن الهدف من هذا إجراء مقارنة بين الإسلام والولايات المتحدة كما قد يُتَصور؛ لأنه يحول دون تلك المقارنة موانع منهجية؛ فالتقدم التقني في الأدوات والوسائل، ونمو مفهوم السلطة وانتشاره، وتحييد الدين أو إقصاؤه، والتواضع على عرف دولي قائم على مصالح القوي أو الأقوى فقط، كل هذا من شأنه أن يلقي بثقله على المفارقات الجسيمة بين المفهوم وتطبيقاته في مرحلتين تاريخيتين متمايزتين جدًّا، فضلاً عن أن المقارنة من هذا الوجه توقع في فخ أيديولوجي (دعوي) يوجَّه إلى غير مستحقّه، في حين أنه يجب أن يُوجّه إلى الغربي، أو تحمل على الانتشاء بعظمة الإسلام في وقت لا ينفع فيه شيء من هذا!.
وإذا كان ليس ثمَّة مجال للمقارنة بين عصر حاضر وزمن انقضى؛ فإن ذلك لا ينفي إمكانية المقارنة بين المفاهيم ("الجهاد" و"الحرب": الأول ديني، والثاني سياسي/ عسكري)، ذلك أن كلا المفهومين ما يزال حيًّا، ولا يمكن اعتباره جزءًا من التاريخ فقط.
أزمة حضـارة.. لا نزاع سياسي عسكري
المفارقة بين المفهومين تعكس من جانب آخر أزمة "حضارة". فالحرب تقوم أصلاً على فكرة "مصلحة الدولة" القومية أو القطرية، ومفاهيم السيادة والحدود؛ ما يعني أن المبادئ تنحصر في دائرة "النسبية". فمصلحة الجماعة أو الأمة الخاصة هي سقف المبادئ. لكن أمريكا تسعى لأن تكون حضارة كونية تفرض أنموذجها على العالم، وتتجاوز مفاهيم "السيادة، والقانون، والدولة" لتشكل "الحرب" معها أداة لتدعيم هذه الإمبراطورية الكونية العابرة للحدود والمتجاوزة لمفاهيم السيادة والقانون.
ولذلك رأينا أن المبادئ تحوّلت إلى منطق براغماتي/ نفعي (خصوصًا الديمقراطية وحقوق الإنسان) في الممارسة الأمريكية. وفي سبيل تحقيق الإمبراطورية هذه يأتي رفع التنافس على الأرض إلى مستوى درع الصواريخ، وإلغاء المعاهدات الموقّعة سابقـًا مع الاتحاد السوفيتي واستبدال منظومات إقليمية بها.
ويأتي الموقف من محكمة الجنايات الدولية وتخوف الأمريكيين من محاكمة الجنود العسكريين في القوات الدولية؛ ما يعني أن الولايات المتحدة فوق الجميع، ولا تخضع للقوانين التي يخضع لها الآخرون، وتمشيًا مع ذلك يأتي قرار الموافقة على استثناء جنودها من المحكمة!.
وهناك كذلك موقفها من اتفاقية كيوتو لحماية البيئة، وانسحابها منها بحجة التشكيك في وجود علاقة بين التلوث وارتفاع درجة الحرارة، في حين تؤكد لجنة التغير المناخي (تضم ثلاثة آلاف عالم) وجود مخاوف خطيرة من الاحتباس الحراري الناتج عن الصناعة (وخاصة الصناعة الثقيلة). لقد باتت الحضارة الحديثة هذه مولِّدة بذاتها للأمراض، وشكلت الحرب على اختلاف أشكالها وحساباتها أحد مداخل تلك الأمراض بعد أن كان للأمراض مدخلان: نفسي وجسدي فقط.
فالحرب أحدثت نقمة، ودمارًا، وفقرًا، وفسادًا، وأمراضًا، والجهاد نشر فكرة ومبدأ ليحقق قيم العدل والخير.
لقد أحدث الاختلاف على مستوى المفهوم بين (الحرب والجهاد) تلك المفارقة بين الممارسة الدينية المحكومة بالوحي، والممارسة السياسية/ العسكرية المحكومة بالمصالح؛ وهو ما شكّل أزمة على مستوى الحضارة ككل. ومن ثَم فإن أي "جهاد" معاصر مزعوم لا تنطبق عليه الأخلاقيات التي بَيَّنَّا طرفًا منها يسمى "حربًا".
--------------------------------------------------------------------------------
1- الحربان الكونيتان: يُشار بهما إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية. وهي تسمية مخالفة، تقوم على مفردة لفظية ناجمة عن اختلاف لهجات الترجمة بين أهل المغرب العربي وأهل المشرق. ويسميها البعض بالحربين الاستعماريتين لأن العالم لم يكن حقًا يتحارب، بل كانت الأطراف المتحاربة هي الدول الاستعمارية، وعليها يقع عار ما جرى في هاتين الحربين من تشريد وسفك دماء وانتهاك حرمات وخراب ودمار.
2- أنظر: مغني المحتاج: 4 / 210، وآثار الحرب د. الزحيلي ص: 92.
3- نحن نؤكد هذه الحقيقة مع إقرارنا بأنه قد ورد عن بعض الفقهاء ما يخالف هذا الخلق مما لا يليق، ويتنافى مع الهدي النبوي.
كما نعلم أن ثمة آراء فقهية (منسوبة للشافعية وعدد من المعاصرين) تجيز (شرعًا!) "استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الجهات المعادية من أهل الحرب، وإن لم تدعُ الضرورة للقتال، ولو مع القدرة على الظفر بالعدو دون استخدام تلك الأسلحة"!!، وهذا خلط بين مفهوم الحرب ومفهوم الجهاد على الشكل الذي نشرحه، وغفلة عن أهداف "الجهاد" وغاياته.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:22 PM
تفجيرات الرياض والدار البيضاء مواجهة في غير محلها
المستشار فيصل مولوي
29/05/2003
الجمهور الأعظم من العلماء اليوم يعتبرون التفجيرات التي وقعت في الرياض والدار البيضاء وأودت بحياة عدد كبير من الأبرياء، وهددت الأمن الوطني للبلاد، غير شرعية. إن مثل هذه الأعمال بدأت في بلادنا الإسلامية منذ مدة، وقد تستمر إلى حين، وهي تتغذى بلا شك من الإرهاب الصهيوني والأمريكي الذي يمارس أشنع أنواع الاحتلال في فلسطين والعراق وأفغانستان، ويشنّ حربًا شاملة ضد الإسلام كدين وحضارة، وضد المسلمين كشعوب مستضعفة، لكن بعض القائمين بهذه الأعمال وكثيرا من الناس يبررها لهم استنادًا إلى مفاهيم خاطئة؛ ولذلك رأيت من الواجب توضيح الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الموضوع فأقول مستعينًا بالله:
أولاً: الجهاد الشرعي لا يكون إلا ضد العدو الخارجي:
وأشرح هذه المسألة في النقاط التالية:
1- منع القتال في مكة والإذن به في المدينة:
كان المسلمون في مكة المكرمة يتعرضون لأبشع أنواع الاضطهاد والإيذاء، حتى قُتل بعضهم تحت التعذيب، ومع ذلك لم يأذن الله لهم بالقتال، بل قال لهم "كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاة" (سورة النساء: 77). فلما هاجروا إلى المدينة المنورة، وأقاموا فيها أول دولة إسلامية بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن الله لهم بالقتال دفاعًا عن أنفسهم "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير" (الحج: 39). ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك كما هو معروف.
وقد ذكر النيسابوري في أسباب نزول هذه الآية: "أن نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرًا، ويقولون: يا رسول الله ألا تأذن لنا في قتال هؤلاء. فيقول لهم: كفّوا أيديكم عنهم فإني لم أومر بقتالهم" (ص: 110). وقد روى هذا المعنى النسائي، والحاكم في المستدرك، وقال هذا حديث حسن صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، كما رواه البيهقي في السنن. فالسياق التاريخي لأحكام الجهاد يفهم منه بوضوح أن الجهاد لا يكون داخل المجتمع، وإنما يشرع بعد أن يتميز المجتمع المسلم بدولة تدافع عن نفسها، وذلك لحمايتها وتمكينها من القيام بواجبها في حمل رسالة الإسلام إلى العالم. وقد ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: "إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور" (الحج: 38)، أنه لما كثر المؤمنون بمكة "وآذاهم الكفار، وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار، ويغتال ويغدر ويحتال، فنزلت هذه الآية، ونهى أفصح نهي عن الخيانة والغدر".
2- غاية القتال في الإسلام:
فرض الإسلام الجهاد لتحقيق غايتين اثنتين:
الأولى: الدفاع عن المسلمين، قال تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين" (البقرة: 190).
الثانية: الدفاع عن حرية الناس في الإيمان بالإسلام أو البقاء على ما هم عليه، هذه هي (الفتنة) التي أُمرنا أن نقاتل حتى نرفعها عن الناس؛ ليختاروا دينهم بحرية كاملة "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله..." (الأنفال: 39). ومن الواضح أن الجهاد لتحقيق هاتين الغايتين لا يكون إلا ضد عدو خارجي.
ثانيًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأسلوب المشروع لمعالجة الانحراف الداخلي:
1- تغيير المنكر باليد لا يعني استعمال السيف:
والمجتمع المسلم يتعرض دائمًا لانحرافات كثيرة على مستوى الأفراد أو المؤسسات أو المجموعات أو الحكام، وقد تكون هذه الانحرافات بسيطة أو كبيرة، وقد أمر الإسلام بمعالجتها عن طريق (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وجعل ذلك على درجات ثلاثة "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم.
ولم يقل أحد من العلماء أن تغيير المنكر باليد يجوز استعمال السيف فيه ويمكن أن يصل إلى حد القتل، إلا ابن حزم الظاهري، أما جمهور العلماء فإنهم لا يبيحون استعمال السيف في الإنكار باليد، وكثير من العلماء يحصر تغيير المنكر باليد في حدود (صاحب السلطان في سلطانه)، كالأب في بيته، والمدير في مدرسته، ومالك المؤسسة في مؤسسته، والحاكم في نطاق المجتمع كله. ولا يتصور في جميع ذلك استعمال القتل، فهو ليس تغييرًا للمنكر، وإنما هو قتل لصاحب المنكر، وهو يخضع للأحكام الشرعية المتعلقة بالقتل.
وقد ذكر الأشعري في (مقالات الإسلاميين) خلاف العلماء في هذه المسألة "فقال قائلون: تغير بقلبك، فإن أمكنك فبلسانك، فإن أمكنك فبيدك، وأما السيف فلا يجوز. وقال قائلون: يجوز تغيير ذلك باللسان والقلب، فأما اليد فلا".
وقال النووي في شرح صحيح مسلم 8/35: "وأما الخروج عليهم -أي الحكام– فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته". وطبيعي أن منع الخروج المسلح لا يعني الخنوع، بل يجب استعمال كل الوسائل الأخرى لإنكار المنكر وتغييره.
2- هل وصل المنكر اليوم إلى درجة الكفر؟
يعتبر بعض الناس أن المنكر في المجتمع المسلم وصل إلى درجة الكفر، سواء من الحكام أو من الأفراد أو من الأحزاب، وفي هذه الحالة قد لا تؤدي فريضة (النهي عن المنكر) دورها في الإصلاح، فيطرح بعض الشباب مسألة القتال أو الجهاد، منطلقين من فكرتين:
الأولى: جواز مقاتلة الكافر لمجرد كفره، وهذا غير صحيح في رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة، فهم يقولون بأن (علة القتال المحاربة) وليس الكفر.
الثانية: الظن بأن القتل والقتال هو أنجع وسيلة لإزالة هذا المنكر وهو الكفر، وقد تبين من خلال التاريخ الإسلامي كله أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن هي الوسيلة الأنجح، بل تبين من جميع مراحل التاريخ الإنساني أن (الإقناع هو وسيلة التغيير) الفردي والجماعي، وأن استعمال القوة يؤدي عادة إلى الإصرار على الرأي؛ ولذلك لم يبح الله تعالى لنا الإكراه، بل ترك لكلّ إنسان أن يؤمن بما يشاء، وأن يحاسب على ذلك في الآخرة: "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر" (الكهف: 29).
ومن المعروف أن الوصول بالخلاف إلى درجة القتال يعني انقسام الناس إلى طرفين، وأن كل وسائل الدعوة والإقناع قد استنفدت أغراضها، ولم يَعُد هناك مجال للتعايش بين هاتين الفئتين، إلا إذا تغلبت إحداهما على الأخرى. وفي ظلّ الظروف المعاصرة، وفي غياب دولة للإسلام تحميه وتدافع عنه، وفي ظلِّ تأييد القوى الأجنبية المهيمنة لكل أنواع المنكرات في بلادنا، فإن استعمال القوة في الغالب لن يؤدي إلى إزالة المنكر، بل إلى محاصرة الدعاة وإضعافهم، خاصة إذا استعملوا القوة واستباحوا القتل، والنماذج كثيرة في تاريخنا المعاصر.
على أننا نقول: إن مسألة التكفير رافقها كثير من الغلو، وأصبحت اليوم من أهم وسائل الفتنة وتمزيق وحدة الأمة، والأصل فيها أنها مسؤولية الدولة؛ إذ تكفير المسلم إعلان ردته، والردة لها أحكام شرعية يناط بالإمام تنفيذها. أما شيوع الاتهام بالتكفير والردة دون وجود سلطة تحسم الموضوع، فهذا من شأنه تمزيق وحدة المجتمع الإسلامي دون التمكن من تطبيق أحكام الردة. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكفير المسلم، وقال: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت إليه" متفق عليه.
أما استباحة الخروج على الحاكم بحجّة التكفير أو الردَّة، فقد وضع لها الرسول صلى الله عليه وسلم شرطًا صعبًا جدًّا هو (أن يكون الكفر بواحًا، وعليه برهان قاطع)، واعتبر أن مجرّد إقامة الصلاة أو الصيام تمنع الاتهام بالكفر، ولا تجيز الخروج، ولا أعتقد أن أحدًا من حكام المسلمين اليوم رغم شدّة انحراف البعض منهم ينطبق عليه هذا الشرط.
3- الحرابة والفتنة داخل المجتمع:
ولذلك فإن استعمال القتل والترويع واغتصاب الممتلكات وغيرها داخل المجتمع المسلم، يسمى عند الفقهاء (حرابة) أو (فتنة).
والحرابة هي قيام فرد أو مجموعة من المسلمين بإعلان الحرب ضد المجتمع المسلم، واستباحة الدماء والأموال والأعراض، والقيام بأنواع من الترويع والإيذاء، وهو ما يعتبر إفسادًا في الأرض، ويستحق عقوبة أقسى من عقوبات القاتل والسارق والزاني؛ لأن الجريمة هنا ليست نزوة فردية لإشباع نهم مالي، أو شهوة جنسية، أو ثأر شخصي، وإنما هي منهج يتحرك فيه صاحبه ضدّ المجتمع، أيًّا كانت دوافع هذا التحرك. قال تعالى: "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (المائدة: 33).
والفتنة هي وقوع القتال بين فئتين من المسلمين، وكثرة الهرج والمرج، وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول في أنواع الفتن، وجعل "النائم فيها خيرًا من القائم" وجعل "قتلاها كلها في النار" (رواه أحمد ورجاله ثقات كما في مجمع الزوائد 7/302)، وأمرنا باعتزال الناس عندما تسود الفتنة.
وقد اتفق جمهور الفقهاء من أهل السنَّة والجماعة على أن الحاكم إذا انحرف فيجب نصحه، ولا تجوز طاعته في معصية الله، ومن يفعل ذلك من المسلمين فهو مجاهد. وإذا قتله الحاكم فهو شهيد: "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله". ولم يبح جمهور العلماء الخروج على الحاكم المنحرف بالسيف خوفًا من الفتنة، والتزامًا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأله الصحابة: "ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا" أو "إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان" (رواهما مسلم)، "ومن حمل علينا السلاح فليس منا" (رواه مسلم).
ثالثًا: التعرض لغير المقاتلين أثناء القتال:
من المتفق عليه عند جمهور العلماء أنه لا يجوز حتى أثناء قيام الحرب الفعلية قتل النساء غير المقاتلات والأطفال والشيوخ العجزة والعسفاء (وهم الأجراء الذين يعملون في غير شئون القتال)، وفي ذلك روايات صحيحة عند البخاري ومسلم وأبي داود، وقد وردت روايات أخرى بمنع قتل الرهبان والتجار، كما أن جمهور الفقهاء الذين يعتبرون (علّة القتال المحاربة)، يقيسون كل من لم يقاتل أو من لا يستطيع القتال على ما ورد في هذه النصوص كالأعمى والمريض المزمن والمعتوه والفلاح وأمثالهم، وهؤلاء يُسمون في المصطلح المعاصر (المدنيون).
وبناء على ذلك نقول: إنه حتى حين يوجد سبب شرعي للقتال، وأثناء قيام المعارك، فإنه لا يجوز تقصُّد قتل هؤلاء المدنيين، نعم يمكن أن يقع ذلك من غير قصد، كأن يستهدف المجاهدون المسلمون المقاتلين من الأعداء فيصيبون غيرهم معهم، وهذا يحصل عادة في جميع الحروب.
رابعًا: المواجهة الشاملة للعدوان الأمريكي:
من الواضح أن إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على تقديم كل أنواع الدعم للصهاينة يجعلها شريكًا لهم في المجازر والمآسي التي تحلّ بالشعب الفلسطيني، كما أن استمرار احتلال العراق بعد إسقاط النظام السابق، وبعد أن تبين عدم وجود أسلحة الدمار الشامل، وكذلك استمرار احتلالهم لأفغانستان بعد إسقاط حكم طالبان، يعتبر عدوانًا عسكريًّا مباشرًا على بلاد المسلمين، ويفرض مواجهة هذا الاحتلال بكلّ الوسائل المشروعة. لكن لا يغيب عن أذهاننا أيضًا أن التسلط الأمريكي على أكثر بلاد الإسلام قد ازداد بشكل كبير بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وازدادت معه القواعد العسكرية، والهيمنة السياسية، والنفوذ الاقتصادي، خاصة عن طريق المساعدات الاقتصادية المسيسة، وأخيرًا محاولات الغزو الثقافي الذي يهدف إلى إبراز إسلام جديد خاضع لمنظومة الفكر الأمريكي ولمصالح الولايات المتحدة.
إن هذا الواقع يجعلنا في مواجهة شاملة مع المخططات الأمريكية، يقتضي تضافر إمكانات الأمة كلها وتعاونها فيما بينها؛ لأن الخطر ينال الجميع، مما يدفعنا إلى مطالبة الشباب المتحمس باستبعاد كل صراع جانبي لمصلحة هذه المواجهة، كما يدفعنا إلى مطالبة الأنظمة بالانفتاح على شعوبها، وتوسيع إطار الحريات، وإقرار أحكام العدالة، والمحافظة على حقوق الإنسان، وأن تتصدى إلى قيادة الأمة في هذه المواجهة بالحكمة المناسبة ومع تقدير الظروف. إنه حين يكون العنوان هو المواجهة، فإن الأمّة يمكن أن تتوحد وراء قيادتها في هذه المعركة المصيرية، وتتجاوز كثيرًا من الأمور، أما حين يكون العنوان: الخضوع والاستسلام، فإن الأمّة لا يمكن أن تقبل ذلك؛ وهو ما يؤدي إلى انفلات الأمور، وإلى تعميق القطيعة بين الشعوب وقياداتها.
في هذا السياق يجب أن يكون واضحًا للجميع، أنه حين يكون هناك احتلال أجنبي، كما هو الحال في فلسطين والعراق وأفغانستان، فإن الجهاد هو الفريضة الأهمّ، والمقاومة المسلحة أمر مشروع حتى في القوانين الدولية، ولا يمكن ولا يجوز لأية سلطة أن تمنع الناس من القيام بهذا الواجب.
أما حين يكون هناك خضوع سياسي وتبعية اقتصادية فإن الأمر محصور بيننا وبين حكامنا، وهو يحتاج إلى قدر من التعاون نحفظ به للأمّة وحدتها وأمنها الاجتماعي واستقرارها السياسي، وهذا هو أهمّ عناصر الصمود أمام الهجمة المعادية، ورفض كلِّ أنواع الخضوع والتبعية.
خامسًا: إدانة التفجيرات في الرياض والدار البيضاء:
مع الإشارة لإمكانية أن يكون القائمون بهذه التفجيرات من غير الإسلاميين، ومع التنبيه إلى أن المستفيد الأول منها هو الولايات المتحدة نفسها بما تتيح لها من ذرائع للتدخل وفرض نفوذها، وإلى أنّ المتضرر الأول منها هو بلادنا ووحدتها وأمنها واستقرارها.
ومع اعتقادنا أن هذه التفجيرات بالشكل الذي وقعت فيه، تتضمن مخالفة شرعية؛ لأنها استهدفت بالقتل نفوسًا معصومة، وهي خطأ سياسي؛ لأنها خدمت العدو، وأضرّت بمعركتنا المحقة، وشوهت صورة الإسلام، الذي جعله الله تعالى رحمة للعالمين.
إننا ندين هذه التفجيرات وكلّ عمل من هذا النوع في بلادنا العربية والإسلامية، وننصح الشباب المسلم أن يعمّق النظر فيما يقوم به من أعمال، في ضوء أحكام الشريعة ومقاصدها ومصالح المسلمين، وفي ضوء مآلات الأعمال نفسها؛ لأنه لا يكفي أن يكون قصد المسلم ونيته فعل الخير، إذا كان العمل الذي يقوم به يؤدي إلى عكس ذلك.
كما نناشد الحكومات التعامل مع هذه الأحداث بالحكمة والعدالة، وألا تتخذها سببًا للتضييق على كلّ عمل إسلامي؛ لأنها في هذه الحالة ستدفع شبابًا آخرين إلى اليأس والإحباط وإلى سلوك هذا الطريق الخاطئ، مما يزيد الأمة انقسامًا وتمزقًا، ولا يكون في مصلحة أحد.
نسأل الله تعالى أن يجنبنا الزلل، وأن يعصمنا من الانحراف، وأن يوفق هذه الأمة المباركة إلى ما يرضيه من الوحدة والعزّة والتحرر.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:26 PM
مفاهيم جهادية.. بحاجة لتصحيح
شكل الجهاد - قديما- وما زال يشكل إحدى إشكاليات علاقة المسلمين بغيرهم، فالإسلام دين يدعو إلى التوحيد، ويجعل الإقناع سبيله إلى دخول غيره فيه دون إكراه، وهذا ما نطقت به آيات دستوره الحكيم، وهو ما طبقه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدر الأول من الإسلام، وتابعهم في ذلك خلفاء المسلمين من بعدهم؛ وإن لم يخل التاريخ الإسلامي من سوء تطبيق لهذا المصطلح؛ غير أن ذلك لم يكن هو الأساس المعتمد.
ولم يكن الجهاد محصورا في دفع عدوان المعتدين، بل بدأ في نشأته من خلال القرآن الكريم متضمنا أنواعا عديدة تكاد تشمل جميع مناحي الحياة، غير أن القتال، بوصفه نوعا من الجهاد، غلب على بقية الأنواع، وأصبح الجهاد يعرف بمعنى القتال؛ مما أثار حفيظة الكثير من غير المسلمين، بل سعوا هم أنفسهم إلى تعميق هذا المفهوم الضيق، كنوع من حربهم لعقيدة الإسلام، واتهامه بالدموية وقتل النفس، مما هو مردود عليه سلفا في الكتاب والسنة المطهرة لكل من يطالعهما.
ومن خلال مناقشة مصطلح الجهاد برزت في العصر الحديث إشكاليات عدة، أهمها: طبيعة العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وما أفرزه الفكر المعوج للجهاد عند بعض المسلمين من تطبيق أساء للإسلام، وأصبح الإسلام المحارَب هو المهاجم الأول للإنسانية، الداعي للفتنة في الأرض، ولعل مما ساهم في هذا عدم التمحيص الدقيق في فهم بعض آيات القرآن، مثل آية السيف، دون النظر لسبب نزولها، أو معرفة الملابسات التي أحاطت بها، وإلباسها ثوبا عاما، كان الواجب في حقه الخصوص.
وقد استند البعض إلى غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم كدلالات على أن الجهاد في الإسلام إرهاب للآمنين، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مارس الإرهاب ضد مخالفيه، وخاصة دولتي الفرس والروم، متناسيين السبب الذي من أجله جاء الفرس والروم إلى جزيرة العرب، تاركين ديارهم، من محاولة للاحتلال، وغير ذلك من تلبيسات الحرب على الإسلام الذي ما قصد إلا الدفاع عن نفسه، ومحاولة إيجاد متنفس لشرح عقيدته، وليس للإكراه في الدخول فيه.
وكان من أبرز فقهاء المسلمين الذي وعوا فقه الجهاد على نحو يمثل مدرسة معتمدة في التأصيل لهذا المصطلح، فضيلة الشيخ الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي.
وهذه هي المحاور التي تحدث فيها الشيخ حول تصحيح مفاهيم الجهاد..
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:28 PM
الأصل في علاقة المسلمين بالآخرين السلم أم الحرب؟
هل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم ممن يخالفهم في العقيدة: السلم أو الحرب؟ بمعنى آخر: هل يجب على المسلمين أن يقاتلوا غير المسلمين، ولو كانوا مسالمين لهم، كافّين أيديهم عنهم، لا يضمرون لهم شرا، ولا يظاهرون عليهم عدوا؟
أو الواجب على المسلمين ألا يقاتلوا إلا من يقاتلهم ويعتدي على حرماتهم: على أنفسهم أو أهليهم أو أموالهم أو أرضهم، أو يقف في وجه دعوتهم ويصد دعاتها، ويعترض طريقهم، ويفتن من دخل في الإسلام باختياره بالأذى والعذاب؟
وقد يعبّر عن هذه القضية بصيغة أخرى، وهي: لماذا يقاتل المسلمون الكفار؟ أهو لمجرد كفرهم؟ أم لعدوانهم على المسلمين بصورة أو بأخرى؟
هذه قضية كبيرة، اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، وإن كان مما يؤسف له أن الذي شاع واشتهر لدى الكثيرين أن الإسلام يأمر بمقاتلة كل من يخالفه، سواء أكانوا وثنيين مشركين أم أهل كتاب (يهودا أو نصارى) أم ملاحدة جاحدين أم غيرهم من الغافلين الذين لا يفكرون في أمر الدين إيجابا ولا سلبا، وسواء أسالمه هؤلاء أم حاربوه، فلا بد أن يقاتَلوا حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
القضية تستحق من أهل العلم والتحقيق في عصرنا وقفة للتأمل والبحث العميق، ومراجعة النصوص الأصلية، وعدم الاكتفاء بالنقل عن هذا وذاك، لا سيما كتب المتأخرين، وتحتاج إلى رد المتشابهات إلى المحكمات، والظنيات إلى القطعيات، والفروع إلى الأصول، وربط النصوص –خصوصا من القرآن– بعضها ببعض، وربط الظواهر بالمقاصد، وفي ضوء المناقشة والموازنة والتحليل والتأصيل يرجح الرأي الأقرب إلى مجموع نصوص الشرع ومقاصده، والمحقق للمصلحة الحقيقية للأمة الإسلامية الكبرى.
وهنا لا بد أن نذكر أن هذا الخلاف إنما هو فيما يسمى بـ"جهاد الطلب" وليس في "جهاد الدفع".
والمقصود بجهاد الدفع: جهاد المقاومة والتحرير لأرض الإسلام من الغزاة المحتلين الذين هاجموها واحتلوا جزءا منها مهما تكن مساحته، فهذا النوع من الجهاد لا خلاف في فرضيته على المسلمين، لم ينازع في ذلك عالم في القديم أو الحديث، فالأمة -بجميع مذاهبها ومدارسها وفرقها- مجمعة على وجوب الجهاد بالسلاح وبكل ما تقدر عليه، لطرد العدو المحتل، وتحرير دار الإسلام من رجس هذا العدو، وهذا النوع من الجهاد والمقاومة: متفق على مشروعيته بين أمم الأرض جميعا.
أما المقصود بجهاد الطلب، فهو: الجهاد الذي يكون فيه الكفار في أرضهم، والمسلمون هم الذين يغزونهم ويطلبونهم في عقر دارهم، توقيا لخطرهم في المستقبل، أو تأمينا للأمة من شرهم، أو لإزاحة الحواجز أمام شعوبهم، لتبليغها دعوة الإسلام، وإسماعها كلمة الإسلام، أو لمجرد إخضاعها لسلطان الدولة الإسلامية، ولسيادة النظام الإسلامي الذي يحكم الحياة بتشريعاته العادلة وتوجيهاته الفاضلة.
حكم قتال المسالمين
هناك قضية تعد من أهم قضايا الجهاد القتالي في عصرنا، بل لعلها أهمها على الإطلاق، هذه القضية تقتضي منا العكوف على بحثها وتمحيصها، وترجيح الراجح منها، في ضوء النظر الموضوعي إلى الأدلة من محكمات القرآن، ومن صحيح السنة، مع ربط النصوص بعضها ببعض، وربط الجزئيات بالكليات، والفروع بالأصول، والنصوص بالمقاصد، وربط ذلك كله بالواقع المعيش، فالفقه الحقيقي لا يعمل في فراغ بل يعمل في واقع، يجتهد أن يجد لكل مشكلة حلا من الشرع، ولكل داء في المجتمع دواء من صيدلية الإسلام، لا من خارجه.
هذه القضية هي مدى مشروعية قتال من سالمنا ومد يده إلينا بالمصافحة والمصالحة، وألقى إلينا السلم، وكف يده عنا، فلم يقاتلنا في الدين، ولم يخرجنا من ديارنا، ولم يظاهر على إخراجنا.
هناك من الفقهاء قديما وحديثا من ذهبوا إلى أن المسلمين مطالبون شرعا بتوسيع أرض الإسلام، كلما أمكنهم ذلك، وأنه يجب عليهم أن يغزوا من يلونهم من غير المسلمين كل سنة مرة على الأقل، إيذانا بقوة الإسلام، وإعلاء لكلمته، لتبقى دائما هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ولضم الدول الكافرة تحت سلطان النظام الإسلامي، ليروا بأعينهم الإسلام بتشريعاته العادلة وتوجيهاته الفاضلة في حال تطبيقه، فخضوعهم هنا للإسلام شريعة، وليس للإسلام عقيدة، فهذه متروكة لاختيار الناس وإرادتهم ولا إكراه فيها بحال، وفيها جاء قوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة: 256).
وهناك من الفقهاء قديما وحديثا من ذهبوا إلى أن القتال في الإسلام لم يشرع في حق من يسالم المسلمين، ومن لم يقاتلهم في الدين، ولم يخرجهم من ديارهم، ولم يظاهر على إخراجهم، بل كفوا أيديهم عنهم، وألقوا إليهم السلم. فهؤلاء ما جعل الله لهم عليهم سبيلا، بل أمر المسلمين أن يبروهم ويقسطوا إليهم، فإن الله يحب المقسطين.
إنما يشرع الإسلام قتال الذين يقاتلونهم، ويعتدون على حرماتهم، أو يفتنونهم في دينهم، ويخرجونهم من ديارهم، ويصدون عن سبيل دعوتهم، ويصادرون حقهم في نشرها بالحجة والبيان، ويشهرون في وجههم السيف، وقد يقتلون دعاتهم، كما حدث بالفعل مع الرومان، ومع الفرس.
وهكذا انقسم أهل العلم والفكر في موضوع الجهاد إلى فريقين:
1ـ فريق دعاة السلم؛ إذ يعتبرونه الأصل في العلاقة مع غير المسلمين، إلا أن يقع اعتداء على المسلمين، أو على دينهم بالفتنة عنه، والصد عن سبيله، أو على المستضعفين في الأرض من المسلمين أو من حلفائهم، ونحو ذلك. وهؤلاء يسمونهم (الدفاعيين)؛ لأنهم يقولون: إن الجهاد شرع دفاعا بالمعنى الذي شرحناه، ولا يبدأ بالهجوم من غير سبب.
2ـ وفريق دعاة الحرب؛ لأنهم يعتبرون الأصل في العلاقة بالكفار هي الحرب، وعلة قتالهم هي الكفر، وليس مجرد العدوان على أهل الإسلام أو على دعوتهم؛ لأن طبيعة الإسلام هي التوسع، وإخضاع الأنظمة الكافرة لسلطان حكمه، وهكذا كانت -في رأيهم- معظم غزوات الرسول، وفتوحات أصحابه. وهؤلاء يسمونهم (الهجوميين)؛ لأنهم لا يقصرون الجهاد على الجانب الدفاعي، كما يقول الآخرون، بل هو حق تسانده قوة، ومصحف يحرسه سيف، ورسالة تدعو العالم إلى ثلاثة أشياء: إما الإسلام، وإما الجزية، وإما القتال.
أنواع مشروعة من جهاد الطلب لا خلاف عليها:
وأود أن أحرر هنا موضع الخلاف بين المعتدلين والمتشددين، أو بين الدفاعيين والهجوميين، كما يسميهم البعض في هذه القضية.
فبعض الهجوميين لم يكن أمينا مع أصحاب الرأي الآخر، فهو يقوّلهم ما لم يقولوا، ويتهمهم بما هم منه براء، فهم يقولون: إن هؤلاء (الدفاعيين) لا يقرون جهاد الطلب بحال من الأحوال، ولا في أي صورة من الصور ولا لأي سبب من الأسباب، ولا يرون الجهاد مشروعا إلا في حالة واحدة، وهي إذا ما اعتُدي على المسلمين في دارهم ووطنهم. هكذا صور رأي الدفاعيين.
وأرى أن هذا ليس من الإنصاف مع الخصوم، ولا من الدقة والأمانة في عرض آرائهم، فمن قرأ آراء هؤلاء يجدهم يقرون جهاد الطلب، وغزو العدو في داره، لعدة أسباب، منها:
1. تأمين حرية الدعوة، ومنع الفتنة في الدين، وإزالة الحواجز المادية التي تحول بين جماهير الناس وبين بلوغ دعوة الإسلام إليهم، وعلى هذا كانت فتوح الراشدين والصحابة ومن تبعهم بإحسان، لإزالة القوى الطاغية التي تتحكم في رقاب البشر وضمائرهم، وتقول ما قال فرعون لمن آمن من أبناء شعبه: "آمنتم له قبل أن آذن لكم"؟. وهذا الهدف تجسيد لقوله تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة".
2. تأمين الدولة الإسلامية، وسلامة حدودها، إذا كانت مهددة من قبل أعدائها الذين يتربصون بها ويكيدون لها، وهو ما يسمونه في عصرنا الحاضر: (الحرب الوقائية). وهذه من ضرورات الملك، ومقتضى سنة (التدافع). ومعظم الفتوحات الإسلامية كانت من هذا النوع، بعد أن اصطدمت الدولة الإسلامية -مبكرا- منذ عهد الرسول بالدولتين الكبيرتين في العالم (الفرس والروم)، وبدأ الصراع مع الروم منذ سرية مؤتة، وغزوة تبوك. وبدأ الصراع يدور مع الفرس منذ أن مزق كسرى كتاب النبي (صلى الله عليه وسلم) إليه، وتوعده بما توعد.
3. إنقاذ المستضعفين من أُسارى المسلمين، أو من أقلياتهم التي تعاني التضييق والاضطهاد والتعذيب من قبل السلطات الظالمة المستكبرة في الأرض بغير الحق، كما قال تعالى: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا" (النساء: 75).
بل إن الدولة الإسلامية إذا استغاث بها هؤلاء المستضعفون المضطهدون، ولو كانوا من غير المسلمين، وكانت تملك القدرة على إنقاذهم مما هم فيه، وجب عليها أن تستجيب لدعوتهم وتغيث لهفتهم إذا طلبوا نجدتها، فإن نصرة المظلوم وإعانة الضعيف وردع الظالم عن ظلمه واجب شرعي، بل هو واجب أخلاقي في كل دين وكل مجتمع يقوم على الفضائل ورعاية القيم العليا، سواء أكان المظلوم مسلما أم غير مسلم.
4. إخلاء جزيرة العرب من الشرك، واعتبارها وطنا حرا خالصا للإسلام وأهله، وبهذا يكون للإسلام معقله الخاص، وحماه الذي لا يشاركه فيه أحد. ولله حكمة في ذلك، وهي أن يكون الحجاز وما حوله من أرض الجزيرة هو الملاذ والمحضن لهذا الدين، الذي يلجأ إليه الإسلام كلما نزلت المحن والشدائد بأطرافه المختلفة. وهذا ما أثبت لنا التاريخ جدواه وأهميته خلال العصور والأزمات التي مر بها تاريخ الأمة.
وفي هذا نزلت آيات سورة التوبة في البراءة من المشركين وتأجيلهم أربعة أشهر، يسيحون خلالها في الأرض ثم يختارون لأنفسهم: الإسلام، أو الرحيل من هذه الأرض أو القتال، وهذه الأشهر الأربعة هي التي سميت (حرما) لتحريم قتالهم فيها، ثم قال تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتوهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد" (التوبة:7)، وشاء الله أن يختار العرب الدخول في الإسلام، قبل أن تمر الأشهر الأربعة، وتصبح الجزيرة خالصة للإسلام، ويصبح العرب عصبة الإسلام، وجنده الأولين، وحملة رسالته إلى العالم.
وهذا من فضل الله على العرب، مع ما فضلهم به، فالقرآن نزل بلغتهم، والرسول بعث منهم، والكعبة والمسجد الحرام والمسجد النبوي في أرضهم، وقد أصبحوا هم حراس الإسلام، ومبلغي دعوته إلى العالمين.
تحرير موضع الخلاف بين الفريقين
إذن ما هو موضع الخلاف بين الفريقين: المعتدلين والمتشددين، أو الدفاعيين والهجوميين أو دعاة السلام ودعاة الحرب؟
موضع الخلاف يتحدد في نقطة واحدة، وهي قتال المسالمين من غير المسلمين، الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين، ولم يخرجوهم من ديارهم، ولم يظاهروا على إخراجهم، ولم يظهر في أقوالهم ولا أعمالهم أي سوء يضمرونه للمسلمين، بل كفوا عن المسلمين أيديهم وألسنتهم، وألقوا إليهم السلم، فهل يقاتل هؤلاء أو لا يقاتلون؟
فريق المعتدلين أو دعاة السلام، أو الدفاعيين كما يسمونهم، يقولون: هؤلاء لا يقاتلون، لأنهم لم يفعلوا شيئا يستوجب قتالهم، بل صريح آيات القرآن الكثيرة يمنع من قتالهم، نقرأ من هذه الآيات:
في سورة البقرة: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (الآية: 190)
في نفس السورة: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (الآية: 256)
وفي سورة آل عمران: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون" (الآية: 64).
وفي سورة النساء: "فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا" (الآية: 90).
وفي نفس السياق: "فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولائكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا" (النساء: 91).
وفي سورة المائدة في سياق الحديث عن أهل الكتاب: "ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين" (الآية: 13).
وفي سورة الأنفال: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم. وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين" (الآيتين: 61 – 62) حتى عند إرادة الخداع يحث القرآن المسلمين على أن يستجيبوا لدعوة السلم.
وفي سورة التوبة، وهي سورة إعلان الحرب على الشرك وأهله الناقضين للعهود، الناكثين للأيمان: "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه" (الآية: 6).
وفيها: "إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين" (التوبة: 7).
وفي سورة الحجر: "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" (الآية: 94).
وفي سورة النحل: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" (الآية: 125).
وفي نفس السورة: "واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون" (الآية: 127).
وفي سورة الأحقاف: "فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم" (الآية: 35).
وفي سورة الممتحنة: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" (الآية: 8).
هذا الآيات كلها وكثير غيرها يستدل بها المعتدلون على أن الإسلام يسالم من يسالمه، ويعادي من يعاديه، ولا يقاتل إلا من قاتله أو صد عن سبيل دعوته، وفتن المؤمنين بها من أجل دينهم.
والمتشددون من ذوي الرأي المعاكس، يتخلصون من هذه الآيات بكلمة في غاية السهولة، ولكنها في غاية الخطورة، وهي قولهم: إن هذه الآيات كلها (منسوخة). نسختها آية أو جزء من آية في سورة التوبة، وهي ما أطلق عليه (آية السيف).
وهذا ما اضطرنا أن نناقش موضوع آية السيف هذه بتفصيل حتى نضع الأمور في مواضعها، ولا نأخذ الأقوال في المسائل الكبيرة قضايا مسلمة.
ويقول هؤلاء الهجوميون: إن الموجب لقتال غير المسلمين -وبعبارة أخرى: قتال الكفار- ليس عدوانهم على المسلمين ولا فتنتهم في دينهم ولا تأمين الحرية لدعوتهم، ولكنه شيء واحد، أو موجب واحد، وهو الكفر، فالكفر سبب كافٍ لوجوب القتال، فإذا وجدت علة أخرى، فهي مؤكدة لا مؤسسة.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:29 PM
من آثار الفكر الهجومي على العالم
وأود أن أذكر هنا -بصراحة- أن لرأي إخواننا من أصحاب (الجهاد الهجومي) –الذي يعلن الحرب على الشرق والغرب، والشمال والجنوب، والأبيض والأسود، والمسالم والمحارب- آثارا عملية خطيرة، تلمس ثمراتها في الواقع، فليس هو مجرد رأي نظري أو فلسفي تجريدي يقول به أصحابه، دون أن ينضح على الواقع الإسلامي والعالمي المعيش.
رفض ميثاق الأمم المتحدة
أول الآثار العملية لهذا الرأي، كما حددتها كتبهم ورسائلهم -مثل رسالة (أهمية الجهاد) للعلياني- هو الرفض والإنكار لميثاق الأمم المتحدة، لأنه يقوم على نظرية غير نظرتهم، وفلسفة غير فلسفتهم، فميثاق الأمم المتحدة مبني على فكرة إمكان التعايش السلمي بين البشر، أو تقليل الصدام بينهم إذا حدث، أو تضييق آثار الحرب إذا وقعت، وهم يرفضون هذه النظرية، ويرفضون بنودها التفصيلية التي انبثقت عنها.
تجريم الانضمام إلى هيئة الأمم المتحدة
وقد شنع صاحب كتاب (أهمية الجهاد) على من سماهم (أهل الدفاع) لأنهم بقولهم الشنيع -إن الإسلام دين يسالم من سالمه، ويحارب من حاربه– أعطوا للحكومات والدويلات القائمة في البلاد الإسلامية سندا شرعيا –إن كانت في حاجة إلى سند– في أن تختصم إلى ما يسمى بهيئة الأمم المتحدة التي تحرم الحروب إلا في صورة واحدة، هي: صورة رد الاعتداء المسلح[1]، فإن جهاد الابتداء والطلب محرم في شريعة الأمم المتحدة، وهي تدعو إلى أن يعيش الناس عموما على مختلف أديانهم من وثنية ومجوسية وبوذية ويهودية ونصرانية وهندوسية – بل حتى الملاحدة الذين لا يعترفون بوجود الله – في وئام وسلام ومحبة وتعاون. وإذا حصل بينهم نزاع على الحدود الأرضية، فيتحاكمون إلى مجلس الأمن الطاغوتي الذي ما عرف الرجوع إلى ما أنزل الله طرفة عين. لو يعقل أهل الدفاع ما يترتب على قولهم المشئوم، من إسقاط لفريضة الجهاد، ومن تحكيم للكفر، لأعلنوا براءتهم من ذلك القول الخبيث، إن كان فيهم من يحب الله ورسوله، ويعرف حدود ما أمر الله به.
ولننقل الآن ملخصا لأحد القرارات الهامة لهيئة الأمم المتحدة – التي قررت المبادئ للعلاقات الدولية – ليعرف المسلم ماذا يراد بفريضة الجهاد، في عصر ما يسمى بالتنظيم الدولي، الذي هو في الحقيقة تنظيم دولي لهدم الإسلام لا لشيء آخر.
القرار رقم: 6225، الصادر عن الدورة رقم: 25
إن الجمعية العامة... تعلن رسميا المبادئ الآتية:
1. مبدأ امتناع الدول في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي نحو آخر يتنافى مع مقاصد الأمم المتحدة.
2. مبدأ فض الدول لمنازعاتها الإقليمية بالوسائل السلمية على وجه لا يعرض السلم والأمن الدوليين ولا العدل للخطر.
3. المبدأ الخاص بواجب عدم التدخل في الشئون التي تكون من صميم الولاية القومية لدولة ما وفقا للميثاق.
4. مبدأ تساوي الشعوب في حقوقها، وحقها في تقرير مصيرها بنفسها.
5. مبدأ المساواة في السيادة بين الدول.. وتتضمن المساواة في السيادة العناصر الآتية بوجه خاص:
أـ الدول متساوية من الناحية القانونية.
ب ـ تتمتع كل دولة من الدول بالحقوق الملازمة للسيادة الكاملة.
جـ ـ على كل دولة واجب احترام شخصية الدول الأخرى.
د ـ حرمة السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدولة.
هـ ـ لكل دولة الحق في أن تختار وأن تنمي بحرية نظمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وـ وعلى كل دولة واجب تنفيذ التزاماتها الدولية تنفيذا كاملا يحدوه حسن النية والعيش في سلام مع الدول الأخرى[2].
ويقول الشيمي: "وأصدرت الجمعية العمومية في اجتماعها في 24 سبتمبر من عام 1927 قرارا بإجماع الآراء جاء فيه: أنها تسلم بما يربط الجماعة الدولية من تضامن، وتعلن عن عزمها على حماية السلم العام، وتقر فكرة أن الحرب العدوانية لا يصح استخدامها كوسيلة لحسم المنازعات بين الدول، وتعتبر هذه الحرب جريمة دولية، وتطبيقا لذلك قامت بوضع قاعدتين التزمت بهما الدول الأعضاء، هما:
1. إن كل حرب اعتداء محرمة وستظل محرمة.
2. من واجب الدول أن تلجأ إلى جميع الوسائل السلمية لحسم ما بينها من منازعات دولية مهما كانت طبيعتها"[3]. أهـ.
قال العلياني: "ومما لا شك فيه عند الدول المصدقة على هذا الميثاق: أن جهاد الابتداء والطلب (وهو طلب الكفار في عقر دارهم من غير اعتداء منهم وإرغامهم على الإسلام أو الجزية) يعتبر حربا عدوانية يعاقب عليها القانون الدولي، وتعتبر جريمة في نظره، وقد سهلت آراء أهل الدفاع المنحرفة المخالفة للإجماع: انضمام الدول القائمة في البلاد الإسلامية إلى هذه الجمعية التي تحرم ما أوجب الله، فصاروا يتابعونهم على تشريعهم ويتركون ما شرع الله. نعوذ بالله من الضلال والخذلان".[4]
معارضة إلغاء الرق
ومن آثار فقه (الهجوميين) العملية، معارضتهم لاتفاقية (إلغاء الرق من العالم) التي أقرتها الأمم المتحدة، وهي لا تجيز لأحد أن يسترق أحدا، بأي سبب كان. وبهذا يحرمون ما أحل الله تعالى في نظرهم.
ومن هنا رد الهجوميون على كل عالم يقول: إن الشريعة لم تستحدث الرق، لكنها استحدثت العتق، وإن الإسلام لو نفذت تعاليمه حقا، لألغى الرق بالتدريج، لأنه سد كل مصادره إلا سببا واحدا، هو الأسر في حرب شرعية، وفتح أبواب التحرير على مصاريعها.
لقد فتح العلياني ـ صاحب كتاب أهمية الجهاد ـ النار على الدكتور الزحيلي، واتهمه بأنه يحرف نصوص الشريعة، لكي توافق ما قررته الدول الكافرة، ويظن أنه بذلك صنع إلى الإسلام معروفا، حينما أظهره بمظهر الموافق للحضارة الغربية؛ يقول وهبة الزحيلي: "جاء الإسلام والحالة هذه عند الأمم المجاورة، فلم يتمكن من إلغاء الرقيق في العالم، حتى لا تصطدم دعوته مع مألوف النفوس، ولئلا تضطرب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، فيكثر المجادلون والمعارضون، وينتشر الفقر والعوز في المجتمع، وتتعدد حينئذ جرائم العبيد قبل تحريرهم. ولكن الإسلام الذي يقدر معنى الحرية ولذتها، ويعتبر الأصل في الإنسان هو الحرية، إلا أن من خصائص تشريعه التدرج في الأحكام، فإنه قد أقر مؤقتا واقع الأمر، ولم يمح الرق دفعة واحدة، ومضى في التدرج بالمسلمين؛ فهيأ أسبابا للقضاء على الرق، وحرم سائر مصادره ما عدا رق الأسر بسبب الحرب العادلة لدفع العدوان[5] وحفظ التوازن مع الأمم الأخرى، وما عدا الرق بسبب الوراثة، والشرع لا يبيح أن يُستَرقّ مسلم أصلا.
وهكذا قاومت الدعوة المحمدية الرق مقاومة كانت بالتدريج أفعل في تهيئة الضمير البشري للقضاء عليه، من المفاجأة بالتحريم البات.
وبما أنه لم يرد نص في الكتاب ولا في السنة على إباحة الرق، وأن الاسترقاق بالوجه الشرعي لا يتأتى منذ زمن، لعدم وجود الحرب الشرعية العادلة، فإن الإسلام لا يتعارض مع إلغاء الرق من العالم اليوم"[6] ويعلق العلياني على هذا النقل من الدكتور الزحيلي قائلاً: فهذا كذب صراح وافتراء على الإسلام فكيف يقول: لا يوجد نص في الكتاب ولا في السنة على إباحة الرق، وكتب العلماء أهل الحديث وغيرهم طافحة بأحكام الرقيق، وأحكام العتق وأحكام أموالهم، والإجماع منعقد على جواز استرقاق الكافر، بل والمسلم الذي أبوه رقيق فهو رقيق، إلا أن يعتق. وهل يظن هذا الكاتب أن المسلمين منذ عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى عام 1842م عندما وقعت اتفاقية دولية تحرم الرق كانوا يعملون غير مباح؟ نعوذ بالله من هذا التحريف المشين، والتهم الباطلة التي توجه إلى خير القرون -رضي الله عنهم." انتهى.
ويقول القرضاوي: أعتقد أن الكاتب (د. الزحيلي) يقصد بكلامه: أنه لا يوجد في الكتاب والسنة دعوة إلى الرق وأمْرٌ به، وأن الإسلام ليس هو الذي استحدث ظاهرة الرق، وإنما وجدها سائدة في العالم فتعامل معها بما يلائمها من الأحكام التشريعية والتوجيهات الأخلاقية، وإنما الذي استحدثه الإسلام هو: التوسع في تحرير الرقيق بأسباب شتى، حتى إن الإسلام جعل من مصارف الزكاة الثمانية: مصرفا لتحرير الرق، هو (في الرقاب) وحتى موضوع الرقيق يطرح في كتب الفقه تحت عنوان (كتاب العتق).
ونحن نعلم أن القرآن حينما ذكر الموقف من الأسرى في الحرب ، لم يذكر إلا أمرين فقط: المن عليهم بلا مقابل، أو الفداء بأسرى أو بمال، قال تعالى: "حتى إذا أثخنتمموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء" (محمد: 4).
قال العلياني: أما قوله (أي الزحيلي): "وإن الاسترقاق بالوجه الشرعي لا يتأتى منذ زمن لعدم وجود الحرب الشرعية العادلة". قال العلياني: فهذا كذب أيضا، فكيف حكم على جهاد المسلمين منذ زمن بأنه ليس حربا شرعية عادلة؟ ألا يعتبر هذا المؤلف حرب المسلمين لإسرائيل شرعية عادلة؟.
وقال القرضاوي: وهذه مغالطة من هذا الباحث المتشدد، فالرجل لم يتعرض لحرب إسرائيل، إنما تعرض للحروب الأخيرة حتى اتفاقية إلغاء الرقيق.
فقال الكاتب: وأمثال الزحيلي كثير، من أشهرهم شوقي أبو خليل في كتابه (الإسلام في قفص الاتهام)[7].
معارضة اتفاقية جنيف بشأن الأسرى
وكذلك يعارض هؤلاء (الهجوميون) من دعاة الحرب على العالم: (اتفاقية جنيف) الدولية بشأن (معاملة الأسرى). حيث توجب هذه الاتفاقية: إحسان معاملة الأسرى، وتوفير الظروف الإنسانية المناسبة لهم، من حيث المأكل والمشرب والملبس والمسكن والعلاج عند المرض، وتحرم تعذيبهم أو قتلهم، أو إهدار كرامتهم البشرية، إلى آخره.
فقد نصت المعاهدة الموقعة في 12 أغسطس 1949م على أنه لا يجوز قتل المقاتلين الذين يلقون بسلاحهم، ويرضخون للعدو، أو يستسلمون له، ولا يقاومون أخذهم أسرى حرب، وبأن المبالغ النقدية، والأشياء النفيسة التي يحملها الأسير لا تعد من غنائم الحرب؛ إذ تلتزم الدولة الآسرة بردها عند انتهاء حالة الأسير.
كما نصت معاهدة جنيف على تحريم الاعتداء على الأسرى، سواء في أشخاصهم، أو شرفهم أو امتهانهم، وكذلك يحرم قتلهم مهما كانت الظروف، أو أخذهم كرهائن، أو عقابهم بلا محاكمة، أو توقيع عقوبة جماعية عليهم، أو وضعهم في السجون، أو في أمكنة غير صحية، أو تعريضهم لأعمال القصاص.[8]
أنكر الشيخ العلياني هذا كله، وأوسع كل من يقر هذه الاتفاقيات الدولية ذما وتجريحا، واعتبره مبدلا للدين، مغيرا لأحكام الشرع؛ لأن الإسلام يجيز قتل الأسير أو استرقاقه، فكيف نغيّر أحكام الله؟
وقد رددنا على هذه الدعاوى والمقولات في حديثنا عن معاملة الإسلام لأسرى الحرب، وبينا أن موقف الإسلام الصحيح يتماشى مع مجمل هذه الاتفاقيات، ويرعى حرمة الأسير وكرامته الإنسانية، ومن قال بجواز قتله فليس على إطلاقه، وكذلك الاسترقاق، فهذا مجرد مباح يمكن تقييده للمصلحة الإسلامية العامة، على أن من السلف ـ بل من الصحابة والتابعين ـ من لم يجز قتل الأسير، فلا إجماع في المسألة.
المتشددون يتبنّون انتشار الإسلام بالسيف
رأينا خصوم الدعوة الإسلامية من المتعصبين من رجال التنصير (التبشير) والاستشراق من اليهود والنصارى يشيعون فرية ما فيها مرية على الإسلام، بأنه انتشر بالسيف والقوة، وأن السيف هو الذي أكره الناس على الدخول في هذا الدين.
وقد أبطلنا هذه الفرية بالبراهين الساطعة، ولله الحمد.
على أن أعجب ما رأيت وما قرأت: أن أحد بني جلدتي، أي من المسلمين بل من المنتسبين للعلم الشرعي، وممن حصل على درجة (الدكتوراه)[9] في (أهمية الجهاد) يتبنى مقولة انتشار الإسلام بالسيف! ويدافع عنها، ويتهم كل من يشكك فيها أو يرد عليها بأنهم من تلامذة الاستعمار! وهو يسميه انتشار الإسلام بالجهاد، ولا فرق بين كلمة (الجهاد) وكلمة (السيف) في هذا المقام.
وقد صب جام غضبه، ووجه جل نباله إلى صدر المستشرق الباحث والمؤرخ المنصف بشهادة الجميع: توماس أرنولد، لرده المقنع الموثق بالأدلة التاريخية على المبشرين والمستشرقين الحاقدين الذين وصموا الإسلام بأنه لم ينتشر إلا بحد السيف! وقد ترجم الكتاب إلى العربية: د. إبراهيم حسين وزميلاه، جزاهم الله خيرا.
يقول هذا الباحث في رسالته للدكتوراه المعنونة بـ(أهمية الجهاد): "وقد شكك في تأثير الجهاد في نشر الإسلام في هذه الأزمنة المتأخرة بعض الذين رباهم الاستعمار على عينه، فآثروا حياة الذل والاسترخاء على حياة العز والجهاد، فزعموا أن الدعوة السلمية المجردة عن الجهاد هي سبب انتشار الإسلام سابقا، وهي الطريق الأصلح الآن، بل بلغ بهم الأمر إلى اعتبار أن انتشار الإسلام بالجهاد فرية على الإسلام ينبغي أن تدفع!! وكان أساتذتَهم في هذا العوج الفكري المستشرقون. ومن أشهر هؤلاء المستشرق الخبيث (توماس أرنولد) الذي ألف كتابا بعنوان (الدعوة إلى الإسلام) يهدف منه إلى إماتة الروح الجهادية عند المسلمين. ومن يقرأ كتابه سالف الذكر يرى أنه حريص على تصيد الأخبار الموضوعة والواهية، لكي يبرهن على أن الإسلام لم ينتشر بالجهاد، وإنما انتشر بالدعوة السلمية المتبرئة من كل قوة، وانتشر بالموالاة بين المسلمين والكافرين وبخلط أنظمة الكفر مع أنظمة الإسلام"[10]، ونحو ذلك. وقد قام بترجمة الكتاب المذكور ثلاثة من أبناء المسلمين ذكروا في المقدمة ما يلي:
"وأما مؤلف هذا الكتاب –وهو العالم المحقق السير توماس أرنولد- فلا نستطيع أن نقدره قدره!!"[11]
قال العلياني مؤلف كتاب (أهمية الجهاد) : قلت: إن قدره - لو يعلم هؤلاء - هو الضرب بالسيف حتى يبرد، إن لم يخضع للإسلام، أو يدفع الجزية!! انتهى[12].
فيا للعار، ويا للغباء!! وأي غباء أعظم من أن يحتضن الإنسان ما يتهمه به عدوه، وما يفتريه عليه، ويحاول أن يسنده ويدلل عليه، ويتحمس له، وأن يعادي من ينصره ويرد على خصومه، ويقول بكل جهل وصفاقة: قدره عندنا أن يضرب بالسيف!!.
إن هذا الكاتب وأمثاله يؤذون الإسلام أكثر مما يؤذيه به أعداؤه المجاهرون، ويخدمون أعداء الإسلام من حيث لا يشعرون أكثر مما يخدمهم المبشرون والمنصّرون، فهم يضرون حيث يريدون أن ينفعوا، ويهدمون حيث يريدون أن يبنوا، وقديما قالوا: عدو عاقل خير من صديق أحمق!
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:31 PM
الجدل حول آية السيف: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة
من قرأ القرآن مكيَّهُ ومدنيَّهُ ـ مائة وأربع عشرة سورة ـ لاح له بغير خفاء أن القرآن من أوله إلى آخره كتاب دعوة وحوار، خطاب للعقول، وإقامة للحجج، وتفنيد للشبهات، وبيان لحقائق الدين، ورد على أباطيل الخصوم، وإيضاح لآيات الله في الأنفس والآفاق. فهو كتاب هداية وبيان، كما قال تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" (الإسراء: 9) ولهذا سماه الله نورا "وأنزلنا إليكم نورا مبينا" (النساء: 174).
كما أنه يتعامل مع المخالفين له بسماحة منقطعة النظير، يدعو على بصيرة، ويجادل بالتي هي أحسن، ويدفع بالتي هي أحسن، ويأمر بالصبر على أذى الخصوم، والصفح عنهم، وترك أمرهم إلى الله يحكم بينهم يوم القيامة. كما يدعو إلى الدخول في السلم كافة، والإعراض عمن تولى عن الدخول في الإسلام، ولا يشرع القتال إلا لرد العدوان، وقتال من يقاتل المسلمين، أو يفتنهم عن دينهم، أو يعذب المستضعفين منهم ممن لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، وإذا اضطر المسلمون إلى القتال فعليهم أن يلتزموا بآداب وأخلاق تقفهم عند حدود الله، فلا يقاتلون إلا من يقاتلهم، ولا يقتلون امرأة ولا وليدا ولا شيخا ولا راهبا في صومعته ولا فلاحا يحرث أرضه ولا تاجرا في متجره، ولا يخربون عامرا، ولا يقطعون شجرا، ولا يفسدون في الأرض.
هذه التعاليم القرآنية الواضحة التي تدل عليها عشرات الآيات، بل مئاتها، ذهب بعض المفسرين القدامى إلى أنها فقدت فاعليتها، وأن كل هذه الآيات في المصحف! موجودة حسا، معدومة معنىً، أو باقية تلاوة منسوخة حكما، وبمعنى آخر، إن هذه الآيات ـ التي قدرها بعضهم بـ114 آية، وبعضهم بـ 140 آية، وبعضهم بـ200 آية ـ قد ألغتها وقضت عليها آية واحدة، أو جزء من آية، أطلقوا عليها (آية السيف).
فإذا استشهدت بقوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة: 256) قيل لك: نسختها آية السيف.
أو بقوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" (النحل: 125) قيل لك: نسختها آية السيف.
أو بقوله عز وجل: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" (الأنفال: 61) قالوا لك: نسختها آية السيف.
أو بقوله تعالى: "فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا" (النساء: 90) قيل: نسختها آية السيف.
أو بقوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم" (الممتحنة: 8) قيل: نسختها آية السيف!! وهكذا الآيات الكثيرة الوفيرة.
كأنما أصبحت آية السيف نفسها سيفا يقطع رقاب الآيات، ويتركها جثة هامدة لا روح فيها ولا حياة، فهي متلوة لفظا ملغاة معنى. إذ حكم عليها بالإعدام!!
أي آية هي آية السيف؟
والعجب العجاب في هذا الأمر أنهم اختلفوا في تعيين هذه الآية -التي زعموها ناسخة لغيرها- أيّ آية هي من كتاب الله، وإن اتفقوا على أنها آية من سورة التوبة.
هل هي آية: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم.." (التوبة: 5).
أو هي آية: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" (التوبة: 36).
أو هي آية: "انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله" (التوبة: 41).
أو هي آية: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 29).
بحث القضية من جذورها
ولا بد لنا أن نناقش هذه القضية الكبيرة مناقشة علمية هادئة، نؤصلها تأصيلا، ونردها إلى جذورها، وفق أصول الدين، وأصول الفقه، وأصول التفسير، وأصول الحديث، ولا نلقي القول جذافا، أو نتلقى كل ما في الكتب بالقبول، ونعتبرها قضايا مسلمة لا تقبل النقاش.
ومن هنا يجب علينا أن نبحث هنا بحثا عميقا حرا في عدة قضايا أساسية:
القضية الأولى: قضية النسخ في القرآن في ذاتها من حيث المبدأ، وهل هي قضية يقينية قطعية؟ أو هي قضية ظنية محتملة للخلاف؟
القضية الثانية: إذا سلمنا بمبدأ النسخ، وقامت الأدلة على جوازه ووقوعه في كتاب الله، فمتى يلزمنا القول بالنسخ؟ وهل كل ما قيل: إنه منسوخ، يقبل أم أن لذلك شروطا لا بد أن تتوافر؟
القضية الثالثة: إذا سلمنا بمبدأ النسخ، وقبلناه بشروطه، فهل هذه الشروط تنطبق على ما سموه (آية السيف)؟
وهنا يكون لزاما علينا أن نعين آية السيف أي آية هي؟ ثم نبين مناقضتها للآيات الكثيرة الأخرى، التي زعموها منسوخة بها؟ وأنه لا يمكن الجمع بين هذه الآيات وبينها. وأنها نزلت متأخرة عنها.
هذه القضايا الثلاث الكبيرة التي يجب أن تدرس وتبحث وتناقش بجدية وموضوعية في ضوء المسلمات والقواعد العلمية المقررة والمتفق عليها، سنبحثها هنا قضية بعد أخرى.
قضية النسخ في القرآن
مما لا يشك فيه مسلم: أن هذا القرآن كلام الله تعالى لفظا ومعنى، ليس لجبريل فيه إلا النزول به من السماء إلى الأرض: "نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ" (الشعراء:193-195) وليس لمحمد منه إلا تلقيه وحفظه، ثم تبليغه للناس وتلاوته عليهم: "سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله.." (الأعلى: 6)، "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" (المائدة: 67)، "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" (النحل:44).
فهو "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" (هود: 1)، "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" (فصلت: 42).
وإن الله تعالى أنزل هذا الكتاب، ليهتدي الناس بهداه، ويعملوا بموجبه، وينزلوا على حكمه، أيا كان موقعهم أو كانت منزلتهم، حكاما أو محكومين، يقول تعالى: "وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون" (الأنعام: 155)، ويقول: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء" (الأعراف: 3)، ويقول: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" (النساء: 105)، ويقول: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق" (المائدة: 48)، ويقول: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) المائدة: 49.
فهذه النصوص كلها توجب على الأمة ـ بيقين لا ريب فيه ـ اتباع ما أنزل الله، والاحتكام إليه إذا اختلفوا، كما قال تعالى: "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله" (الشورى: 10) أي إلى ما في كتابه، فهو الذي تضمن حكمه سبحانه. وقال تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" (النساء: 59). وقد أجمعت الأمة على أن الرد إلى الله تعالى يعني: الرد إلى كتابه.
وقال تعالى في شأن قوم: "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا" (النساء: 61).
فكيف يسوغ للمسلم –بغير برهان قاطع- أن يأتي بعد هذه البينات إلى بعض آيات من كتاب الله، ليقول عنها: إنها ملغاة بطل مفعولها! بغير برهان من الله، يا للهول من هذا القول!
ولكن هذا ما حدث، فقد شاع القول بأن في القرآن آيات منسوخة، وأخرى ناسخة، وصنفت في ذلك الكتب، وتوارثه الخلف عن السلف، وأصبحت وكأنها قضية مسلمة، مع أن القضية ليس فيها نص قاطع ولا إجماع متيقّن!
فما أدلة القائلين بالنسخ إذن؟
1ـ الدليل الأول من القرآن:
أول الأدلة وأبرزها قوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير. ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير. أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل" (البقرة: 106 - 108)، فهذه الآيات الكريمات هي عمدة القائلين بالنسخ.
ومعناها عند عامة العلماء أو جمهورهم: ما قاله ابن جرير الطبري في (جامع البيان) ونقله عنه الحافظ ابن كثير: قال: "ما ننسخ من آية.." ما ننقل من حكم آية إلى غيره، فنبدله ونغيره، وذلك: أن نحول الحلال حراما، والحرام حلالا، والمباح محظورا، والمحظور مباحا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. قال ابن كثير: وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب، لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء، ولحظ بعضهم أنه: رفع الحكم بدليل شرعي متأخر[1]. انتهى.
ومن أدلتهم من القرآن أيضا قوله تعالى: "وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون" (النحل: 101).
قالوا: المراد بالتبديل هنا: النسخ.
2ـ إقرار العلماء كافة بوجود النسخ:
ومن الأدلة على شرعية النسخ أن العلماء من قديم قالوا بمبدأ النسخ، وذهبوا إلى أن في القرآن آيات منسوخة، وإن اختلفوا فيها اختلافا كثيرا، فهذا يقول بنسخ هذه الآية، وآخر أو آخرون يعارضونه. ولكن المحصلة النهائية أنهم جميعا أقروا بقاعدة النسخ.
وقد ذكر ذلك في كتب التفسير كلها، كما ألفت كتب خاصة في الناسخ والمنسوخ في القرآن: لأبي عبيد، وأبي جعفر النحاس، وابن هبة الله الضرير، وابن العربي، وابن الجوزي، وغيرهم، ممن أحصاهم الدكتور مصطفى زيد -رحمه الله- في كتابه (النسخ في القرآن) وعقد لهم ولمؤلفاتهم فصلين كاملين من الباب الثاني في كتابه من: ص289، إلى: ص395، ومن الفقرات: 394 إلى 550.
ولكن الذي يتأمل ما جاء عن السلف فيما سموه (نسخا) يجد أن كثيرا منه ليس من النسخ المعروف عند المتأخرين في شيء، والآفة هنا تأتي دائما من إطلاق المصطلحات الحديثة موضع المصطلحات القديمة، مع تغايرهما وتباينهما، فقد كان المتقدمون من العلماء يريدون بالنسخ ما قد يسميه المتأخرون تخصيصا للعام أو تقييدا للمطلق، أو تفسيرا للمجمل، أو غير ذلك، ولا يعنون به (رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر).
وهذا ما نبه عليه المحققون من أمثال الإمام ابن القيم الحنبلي، والإمام الشاطبي المالكي، وهذا في المغرب، وذاك في المشرق.
يقول الإمام ابن القيم: "ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ، رفع الحكم بجملته تارة، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق وغيرها تارة، إما بتخصيص عام أو تقييد مطلق، وحمله على المقيد وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخا، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحدث المتأخر".[2]
ويقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي: "الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد كانوا يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا. كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل متأخر نسخا، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد".[3]
3ـ وجود المنسوخ بالفعل:
ومن أدلة القائلين بالنسخ: وجود المنسوخ بالفعل، وليس أدل على جواز الأمر من وقوعه بالفعل، فإن الوقوع أقوى من مجرد الجواز، فإن الشيء قد يكون جائزا ولا يقع.
ودليل الوجود بالفعل أمران:
الأول: وجود آيات متعارضة في القرآن، ولا يمكن الجمع بينها، ولا تفسير لهذا التعارض في كتاب الله، إلا أن إحداهما ناسخة والأخرى منسوخة. ولذلك أمثلة كثيرة ذكرها العلماء، مثل آية التخيير في الصوم: "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون" (البقرة: 184) عارضتها الآية التي تليها: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (البقرة: 185)، فالآية الأولى خيرت بين الصيام ودفع الفدية: طعام مسكين، والآية الثانية ألزمت بالصيام "فليصمه".
وفي البقرة أيضا: آيتا النساء المتوفى عنهن أزواجهن، الآية الأولى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف" (البقرة: 234).
والآية الأخرى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف".
قالوا: الآية الأولى نسخت الآية الثانية، وإن كانت قبلها في المصحف.
الثاني: ما ذكرناه من أقوال عدد من مفسري القرآن بوقوع النسخ في أعداد من الآيات وفي عدد من سور القرآن مكيّه ومدنيّه.
ردود المنكرين للنسخ في القرآن
ولمنكري النسخ في القرآن وجهتهم وموقفهم من هذه الأدلة التي استند إليها المدعون للنسخ والمتوسعون فيه، ومن حقهم أن نستمع إليهم، لا سيما بعد إفراط المفرطين في دعاوى النسخ.
الرد على الاستدلال بآية: "ما ننسخ..."
أما ما استدل به القائلون بالنسخ ـ وهم جمهور علماء الأمة أو عامتهم ـ من قوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير..." البقرة: فإن الذين ينكرون النسخ لهم فيها نظر وتأويل يمكن أن يسمع.
فمنهم من قال: هذا في النسخ ما بين الشرائع بعضها وبعض، فمن المقرر المعروف أن الأديان السماوية كلها متفقة في أصولها العقدية، ولكنها مختلفة في أحكامها التشريعية، كما قال تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (المائدة: 48).
وهذا من الحكمة، لاختلافها بعضها عن بعض زمانا وظروفا وأوضاعا، ولهذا حرمت التوراة بعض ما كان حلالا لأولاد آدم من صلبه، مثل إباحة تزوج الأخ لأخته، نزولا على حكم الضرورة، وإلا لما تناسلت البشرية وما استمر النوع.
ومثل ما ذكره الله عن المسيح الذي قال لبني إسرائيل: "وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ" (آل عمران: 50).
فالمقصود بالنسخ في الآية الكريمة هنا نسخ بعض الأحكام التي جاءت بها التوراة أو الإنجيل من قبل، كما قال تعالى في وصف الرسول في التوراة والإنجيل: "يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم" (الأعراف: 156).
فقد ذكر لنا القرآن أن الله تعالى حرم على بني إسرائيل طيبات أحلت لهم بسبب ظلمهم وبغيهم، كما قال تعالى: "فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا" (النساء: 161)، فجاء الإسلام فرد هذه الطيبات المحرمة إلى أصل الحل.
وهذه الآية "ما ننسخ من آية أو ننسها" قد جاءت في سورة البقرة تمهد لما شرعه الله تعالى لمحمد وأهل ملته من (نسخ القبلة) وتغييرها من (بيت المقدس) إلى (المسجد الحرام) كما كان يتمنى النبي -صلى الله عليه وسلم، ولذا قال له: "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ" (البقرة: 144). وقد أحدث يهود المدينة ضجة حول هذا التغيير، أو هذا النسخ للحكم القديم، ورد عليهم القرآن بقوله: "سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (البقرة: 142).
فلا غرو أن تأتي هذه الآية في هذه السورة، لتمهد لهذه المعركة التي أشعلها اليهود ضد نسخ القبلة.
فهذا رأي من آراء العلماء – وأنا معهم: أن المراد بالنسخ النسخ الواقع بين الشرائع السماوية بعضها وبعض. وهذا لا ينبغي أن ينكر، فهو مقبول حكمة وعقلا، ثابت واقعا وفعلا.
ورُوي عن بعض السلف مثل الضحاك (ما ننسخ من آية): ما نُنسك[4]. كأنه يشير إلى قوله تعالى: "سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ" (الأعلى: 7-8).
وقال عطاء: أما (ما ننسخ): فما نترك من القرآن، وقال ابن أبي حاتم: يعني: ترك فلم ينزل على محمد -صلى الله عليه وسلم[5]. انتهى.
يرى الأستاذ الإمام محمد عبده - كما نقل ذلك صاحب تفسير المنار - رأيا آخر في آية النسخ. فإنه فسر كلمة (آية) في قوله: (ما ننسخ من آية) بأن المراد بها الآية الكونية، مثل الآيات التي أيد الله بها رسله قبل محمد -عليه الصلاة والسلام. وأيد ذلك بأن الآية ختمت بقوله تعالى: "ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير" وهذا التذييل يناسب الآيات الكونية، وإلا لكان الأنسب أن يقال مثلا: ألم تعلم أن الله عزيز حكيم. وكذلك قوله بعدها: "أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل" وقد سألوه آيات كونية، مثل: أرنا الله جهرة، ونحو ذلك، فهذا التعقيب أقرب إلى الآيات الكونية من الآيات التنزيلية والتشريعية.[6]
وبهذا نرى أن الدلالة في الآية ليست دلالة قاطعة على مشروعية النسخ في القرآن.
فلو كانت قاطعة ما وجدنا من العلماء القدامى من ينكر النسخ بالكلية مثل أبي مسلم الأصفهاني؟ وما وجدنا حديثا: من ينكر النسخ كذلك.
ولا أريد أن أخوض في ذلك أو أطيل، فهذا ليس موضوعنا، وإنما اضطررنا للخوض فيه من أجل توسع من توسع في القول بالنسخ بآية السيف.
إنما يكفينا هنا: أن نقول: إن الآية التي هي عمدة القائلين بالنسخ ليست قاطعة الدلالة على قولهم، مع أن قولهم بإنهاء حكم آية أو أكثر من كتاب الله من الخطورة ومن الأهمية، بحيث يحتاج إلى دليل قطعي يسنده، وإلا فإن الأصل أن آيات كتاب الله محكمة ملزمة، عامة دائمة ثابتة إلى يوم القيامة.
آية سورة النحل:
وأما الآية الأخرى من سورة النحل التي استدل بها القائلون بالنسخ، وهي قوله تعالى: "وإذا بدّلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون" (النحل:101).
قالوا: المراد بالتبديل هنا النسخ.
ولكن المنكرين يقولون: إن هذه الآية من سورة النحل مكية بالإجماع، وفي العهد المكي لم يحدث أي نسخ في القرآن الكريم.
وما قيل في تأويل آية البقرة، يسهل أن يقال هنا، بل ربما كان أكثر قبولا.
2 ـ ليس في السنة دليل على النسخ في القرآن:
ثم إن من قرأ كتب الحديث الستة المعروفة، أو التسعة –بإضافة الموطأ ومسند أحمد والدارمي- أو الأربعة عشر، بإضافة مسندي أبي يعلى والبزار ومعاجم الطبراني الثلاثة – أو السبعة عشر- بإضافة صحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم – وأكثر منها: لم يجد فيها حديثا ثابتا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول فيه: إن الآية الفلانية في سورة كذا منسوخة وقد بطل حكمها، أو يقول: إن هذه الآية من سورة كذا قد أبطلت حكم آية كذا من سورة كذا.
فقد تلقى كُتَّاب الوحي وحفاظ القرآن وعامة الصحابة القرآن من فم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما أمره ربه أن يبلغه "...بلغ ما أنزل إليك من ربك..." ولم يسمعوا من رسول الله شيئا من ذلك.
كما أن الله تعالى كلفه ببيان القرآن المنزل عليه، كما قال تعالى: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" (النحل: 44)، ولم يكن في بيانه للقرآن طوال ثلاثة وعشرين عاما ما يفيد أن آية نسخت آية أخرى، مع أهمية هذا البيان وضرورته، وحاجة المسلمين الماسة إليه، وقد قرر العلماء أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز لما فيه من إضلال الناس عن الحقيقة.
3 ـ لا إجماع على النسخ
وكما أنه لا يوجد دليل قاطع من القرآن على شرعية النسخ، ولا دليل قاطع ولا غير قاطع من الحديث النبوي، فكذلك لا يوجد إجماع من الأمة ـ التي لا تجتمع على ضلالة ـ على جواز النسخ ووقوعه في القرآن.
وقد عرفنا من المخالفين للنسخ في القرآن أبا مسلم الأصفهاني، الذي يذكر الإمام فخر الدين الرازي في (تفسيره الكبير) أقواله المعارضة للنسخ في الآيات التي اشتهر فيها القول بالنسخ، كما يذكر دليله على عدم قبول النسخ. ويبدو لمن يتأمل كلام الرازي ونقله عن أبي مسلم، وعدم رده على قوله، يبدو وكأنه يؤيده بوجه من الوجوه، وفي بعض الأحيان قال: رأى أبي مسلم -إن لم يسبقه إجماع- فهو قول صحيح حسن[7]. وإن كلام أبي مسلم في تأويل بعض الآيات المدّعى نسخها لا يخلو من تكلف واعتساف.
وقد ذكر الإمام الزركشي في البرهان أن هناك من العلماء من نفى النسخ في القرآن، أو نفى النسخ بالكلية في الشريعة، فقد تكلم عن معنى النسخ ثم قال:
اختلف العلماء فقيل: المنسوخ ما رفع تلاوةً تنزيلُه، كما رفع العمل به، (يريد: أن ما بقي لفظُه متلوًا في القرآن لا ينسخ). ورد بما نسخ من التوراة والإنجيل بالقرآن، وهما متلوان.[8]
وقيل: لا يقع النسخ في قرآن يتلى وينزل. قال: ويفرّ هؤلاء من القول بأن الله ينسخ شيئا بعد نزوله والعمل به.
قال: والصحيح جواز النسخ ووقوعه سمعا وعقلا.[9] انتهى.
ومما يؤيد نفي الإجماع أنه لا توجد آية قيل بنسخها، إلا وجدنا من يخالف فيها من المفسرين المتقدمين.
ومعنى هذا أنه لا توجد آية في كتاب الله قد اتفق جميع العلماء على أنها منسوخة.
والأصل في آيات القرآن أن الله عز وجل إنما أنزلها ليُعمل بها، ويُهتَدى بهداها، لا ليبطل حكمها بآية أخرى. وإنه جعل هذا الكتاب متشابها يصدق بعضه بعضا، ويفسر بعضه بعضا، ويتكامل بعضه مع بعض، كما قال تعالى: "أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا" (النساء: 82)
يقول الإمام أبو محمد ابن حزم في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام):
لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ إلا بيقين؛ لأن الله عز وجل يقول: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ" (النساء: 64) وقال تعالى: "اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ.." (الأعراف: 3) فكل ما أنزل الله تعالى في القرآن أو على لسان نبيه ـ ففرضٌ اتّباعه، فمن قال في شيء من ذلك: إنه منسوخ، فقد أوجب ألا يطاع ذلك الأمر وأسقط لزوم اتّباعه، وهذه معصية لله تعالى مجردة وخلاف مكشوف، إلا أن يقوم برهان على صحة قوله، وإلا فهو مفترٍ مبطل، ومن استجاز خلاف ما قلنا ـ فقوله يئول إلى إبطال الشريعة كلها؛ لأنه لا فرق بين دعواه النسخ في آية ما أو حديث ما وبين دعوى غيره النسخ في آية أخرى وحديث آخر، فعلى هذا لا يصح شيء من القرآن والسنة، وهذا خروج عن الإسلام، وكل ما ثبت بيقين فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز لنا أن نسقط طاعة أمر أمرنا به الله تعالى ورسوله، إلا بيقين نسخ لا شك فيه..). [10]
وبعد الإمام ابن حزم، نجد الإمام أبا إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي يؤكد ما قاله ابن حزم برغم تفاوت ما بينهما في الاتجاه، فابن حزم (ظاهري) والشاطبي ( مقاصدي). يقول الشاطبي في (موافقاته):
إن الأحكام إذا ثبتت على المكلف فادعاء النسخ فيها لا يكون إلا بأمر محقق؛ لأن ثبوتها على المكلف أولا محقق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق. ولذلك أجمع المحققون على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ولا الخبرَ المتواتر؛ لأنه رفع للمقطوع به بالمظنون. فاقتضى هذا أن ما كان من الأحكام المكية يدعى نسخه فلا ينبغي قبول تلك الدعوى فيه إلا مع قاطع بالنسخ، بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين، ولا دعوى الإحكام فيهما. وهكذا يقال في سائر الأحكام، مكية كانت أو مدنية...).
وبعد أن يقرر أن غالب ما ادعي فيه النسخ إذا تؤمل وجد متنازعا فيه، ومحتملا، وقريبا من التأويل بالجمع بين الدليلين على وجه من كون الثاني تفصيلا لمجمل أو تخصيصا لعموم... إلخ، وبعد أن يذكر أن ابن العربي قد أسقط من الناسخ والمنسوخ كثيرا بهذه الطريقة ـ نراه ينقل عن الطبري حكاية الإجماع عن أهل العلم على أن زكاة الفطر فرضت، ثم اختلافهم في نسخها، ليقول عقب هذا: قال النحاس: فلما ثبتت بالإجماع، وبالأحاديث الصحاح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يجز أن تزال إلا بالإجماع، أو حديث يزيلها ويبين نسخها. ولم يأت من ذلك شيء[11]. هذا فيما ثبت بالسنة فيكف بما ثبت بصريح القرآن؟
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:32 PM
التضييق في دعاوى النسخ
على أن الذي يهمنا هنا أن نقرره ونبينه ونثبته، هو التضييق الشديد في دعاوى النسخ في كتاب الله، فإن الله تعالى لم ينزل كتابه إلا ليهتدى بهداه، ويعمل بأحكامه، وكل دعوى لنسخ آية أو بعض آية منه فهي على خلاف الأصل، وما جاء على خلاف الأصل لا يقبل إلا ببرهان يقطع الشك باليقين.
ولو طبقنا ما وضعه علماء أصول الدين وعلماء أصول الفقه وعلماء أصول التفسير وعلماء أصول الحديث من ضوابط وشروط، فإننا لا نكاد نجد آية في القرآن الكريم مقطوعا بنسخها، وما لم يقطع بنسخه فيجب أن يبقى حكمه ثابتا ملزما كما أنزل الله تعالى، ولا ننسخه ونبطل حكمه بمحض الظن، فإن الظن لا يغني من الحق شيئا.
من شروط قبول النسخ
ومن شروط قبول النسخ عند من سلم به: أن يكون هناك تعارض حقيقي بين النص الناسخ، والنص المنسوخ، بحيث لا يمكن الجمع بينهما بحال من الأحوال، أما إذا أمكن الجمع ولو في حال من الأحوال، فلا يثبت النسخ؛ لأنه خلاف الأصل.
ولهذا رأينا شيخ المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان) يرفض كثيرًا من دعاوى النسخ المروية عن بعض المفسرين إذا لم يجد تنافيا كاملا بين الناسخ والمنسوخ.
انظر قوله فيما رُوي عن قتادة في الآية الكريمة من سورة الأنفال: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" (الآية:61)، فقد ذهب قتادة إلى أن هذه الآية كانت قبل نزول سورة (براءة)، فلما نزلت نسخت ذلك، بمثل قوله تعالى: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" وقوله: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" فأمرت بقتالهم على كل حال حتى يقولوا: لا إله إلا الله.
وورد عن عكرمة والحسن البصري ما يوافق قول قتادة، وإن جعلا الآية الناسخة من براءة: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر... حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون".
قال الطبري رحمه الله يرد هذه الدعوى:
"فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله -من أن هذه الآية منسوخة- فقول لا دلالة عليه من كتاب، ولا سنة، ولا فطرة عقل، وقد دللنا – في غير موضع من كتابنا هذا وغيره – على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك، فغير كائن ناسخا"[12].
كيف يعرف النسخ؟
نقل السيوطي في إتقانه عن العلامة ابن الحصار قوله: "إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت آية كذا".
قال: "وقد نحكم به عند التعارض المقطوع به، مع علم التاريخ، لنعرف المتقدم والمتأخر".
قال: "ولا يعتمد في النسخ قول عوامّ المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح، ولا معارضة بيّنة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم، وإثبات حكم تقرر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعتمد فيه: النقل والتاريخ، دون الرأي والاجتهاد".
قال: "والناس في هذا بين طرفَيّ نقيض، فمن قائل: لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول، ومن تساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد، والصواب خلاف قولهما"، انتهى.[13]
وأود أن أقول هنا: إني لا أعرف نقلا صريحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آية كذا نسخت آية كذا. ومن عرف ذلك فليدلني عليه.
وأما قول الصحابي: آية كذا نسخت آية كذا، فلا بد لقبوله من ثلاثة شروط:
الأول: أن يصح سنده عن الصحابي.
الثاني: ألا يكون قاله باجتهاد منه، ظنًا منه أن الآية معارضة للآية الأخرى، وقد لا يسلم له بذلك، فهو يكون رأيا منه يعارض برأي غيره.
الثالث: ألا تكون كلمة النسخ جارية على مفهوم المتقدمين، وهو ما يشمل: تخصيص العام، وتقيد المطلق، وتفصيل المجمل، والاستثناء والغاية وغيرها.
ويندر وربما يتعذر أن توجد لدينا آية تتحقق فيها هذه الشروط.
ومن المهم هنا أن ننتبه إلى أهمية الشرط الثالث هنا، فكثير من المتقدمين يقولون: آية كذا نسخت آية كذا، ولا يقصد بذلك ما يقصده المتأخرون بكلمة النسخ، فلم يكن هذا الاصطلاح قد استقر عندهم، كما استقر عند من بعدهم، وهو: رفع حكم شرعي بدليل متأخر، وهذا ما نص عليه المحققون من أمثال ابن القيم والشاطبي رحمهما الله. وقد سبق نقل قولهما.
بحث في تعيين آية السيف:
قلنا: إن المفسرين، ومعهم الفقهاء: اختلفوا في تحديد (آية السيف) التي زعموا أنها نسخت ما نسخت من الآيات. وقد ذكروا آيات أربعا كلها من سورة التوبة. قيل عن كل منها: إنها آية السيف.
1ـ آية (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم):
ولعل أشهر الأقوال، هو: أن آية السيف هي قوله تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم، واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد. فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم" (التوبة: 5).
وهي – كما هو واضح – تأمر بقتل المشركين حيث وجدوا، وبأسر من لم يقتل منهم، وبحصارهم وتضييق الخناق عليهم. لكن: من هم المشركون المقصودون في الآية؟ ومتى يقتلون؟
إن الآيات التي قبل هذه الآية تقول:
بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (التوبة:1-4).
وانظر: كيف احترم عهد هؤلاء المشركين، الذين عاهدهم الرسول والمسلمون، فوفّوا بعهدهم معهم، ولم ينقصوهم شيئا، مما فرضته المعاهدة ولم يظاهروا عليهم عدوا، فأمر الله تعالى أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم، فهذا من التقوى التي يحبها الله ويحب أهلها.
وبعد ما سموه آية السيف مباشرة نجد آية تقول:
" وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ" (التوبة: 6).
فهي تأمر بإجارة المستجير المشرك، وإتاحة الفرصة له حتى يسمع كلام الله، كما تأمر بأن يبلغ الموضع الذي يأمن فيه
(هنا ملحق ص: 138 من الطبري)
ثم تليها آيات أخر تعلل للأمر بقتلهم، وأنه لم يأت من فراغ ولا تعنت ولا اعتداء، فهم يصدون عن سبيل الله ولا يرقبون في مؤمن إلّا ولا ذمة، ثم كيف نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا في دين الله، وهموا بإخراج الرسول، وبدءوا المؤمنين بالقتال أول مرة!!
يقول الأستاذ الدكتور مصطفى زيد في كتابه القيم عن (النسخ في القرآن):
فالمشركون الذين تتحدث عنهم آية السيف، هم إذن فريق خاص من المشركين: كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم عهد، فنقضوه، وظاهروا عليه أعداءه. وقد برئ الله ورسوله منهم، وآذنهم بالحرب إن لم يتوبوا عن كفرهم، ويؤمنون بالله ربا واحدا، وبمحمد نبيا ورسولا.
وهؤلاء المشركون أعداء الإسلام ونبيه ليسوا هم كل المشركين، بدليل قوله جل ثناؤه قبل آية السيف: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، وبدليل الأخبار التي تظاهرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه حين بعث عليا رحمة الله عليه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم – أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم: "ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد- فعهده إلى مدته"، ثم بدليل قوله تعالى بعد آية السيف (7): "كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (التوبة:7).
وإنما هم قوم من المشركين، كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم عهد إلى أجل، فنقضوه قبل أن تنتهي مدته...، وقوم آخرون كان بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم عهد غير محدود الأجل. فهؤلاء وأولئك هم الذين أعلن الله عز وجل براءته هو ورسوله منهم، وأمهلهم أربعة أشهر من يوم الحج الأكبر (والمراد به يوم عيد النحر، وهو اليوم الذي نبذ إليهم فيه العهد على سواء)؛ ليسيحوا في الأرض خلالها حيث شاءوا، ثم ليحددوا فيها موقفهم من الدعوة إلى الإيمان بالله ربا واحدا: فإما تابوا فكان في استجابتهم لداعي الله خيرهم، وإلا فهي الحرب، وما تستتبعه من قتل وأسر وحصار وترقب[14]!
وإن الله جل ثناؤه ليبين لهم سبب حكمه هذا عليهم، في آيات تلي آية السيف..
أليسوا هم أئمة الكفر، يطعنون في دين الله، ويصدون الناس عن سبيله؟! ينقضون عهدهم مع رسول الله، ويظاهرون عليه أعداءه؟! ينافقون الرسول والمؤمنين، فيرضونهم بأفواههم، وتأبى قلوبهم أن تعتقد ما يقولون؟! ينكثون أيمانهم، فيهمون بإخراج الرسول، ويبدءون المؤمنين بالقتال في بدر؟! يتربصون بالمؤمنين، ويترقبون فرصة للانقضاض عليهم، دون رعاية لعهد ولا ذمة؟!
بلى، فليقاتلهم المؤمنون إذن؛ ليعذبهم الله بأيدي من يريدون هم أن يعذبوهم، وليخزيهم ويذلهم، ولينصر المؤمنين عليهم، فيشفى صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم!.. ثم ليتوب على من أراد له التوبة والسعادة في الدنيا والآخرة[15].
ليست الغاية إذن من قتالهم هي إكراههم على الدخول في الإسلام بقوة السلاح، وما كانت (الغاية) قط هذا الإكراه...
ولا أدل على هذا من قول الله عز وجل لنبيه، في الآية التي تلي آية السيف دون فاصل: " وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ " (التوبة:6)؛ فإن في هذه الآية أمرًا من الله عز وجل لرسوله بأن يجير من يستجير به من المشركين، ثم يدعوه إلى الإيمان بالله، ويبين له ما في هذا الإيمان من خير له، فإن هو ـ بعد هذا ـ أصر على ضلاله، واستمرأ البقاء على كفره بالله، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغه المكان الذي يأمن فيه، فعلى الرسول أن يجيبه إلى طلبه، وأن يؤمنه حتى يصل إلى ذلك المكان.
هذا إلى تلك الآية التي تنفي جنس الإكراه في الدين نفيا صريحا قاطعا، وتعلل لهذا النفي حيث تقول: (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي) (البقرة: 256)، والآية الأخرى التي تستبعد أن يستطيع الرسول صلى الله عليه وسلم إكراه الناس على الإيمان، حتى لتحكم باستحالة هذا الإكراه إذا تقول: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا. أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (يونس: 99).
وإنما شرع القتال في الإسلام لتأمين الدعاة إليه، ولضمان الحرية التي تكفل لهم إبلاغ دعوته، ودرء الشبه عن عقيدته، بالمنطق السليم، والحجة المقنعة.
ومن أجل هذا خص أئمة الكفر بالأمر بقتالهم؛ لأنهم يحولون بالقوة بين الدعاة والشعوب التي يجب أن تدعى. ومن أجله علل الأمر بالقتال –ضمن ما علل به – بصد المشركين للناس عن سبيل الله، وقتالهم المؤمنين به. ومن أجله كذلك كان السبب في نبذ عهد فريق من المشركين إليهم أنهم نقضوه، فأعلنوا الحرب على الدعوة، وظاهروا أعداءها عليها!..
فإذا ما هيئت للدعاة وسائل الدعوة في أمن وحرية – فلا حرب ولا قتال؛ لأن دين الله حينئذ سيهدي بنوره كل ضال، ولأن بطلان الشرك بالله سيتضح يومئذ لكل مشرك، فلن يصر عليه إلا جاحد معاند مكابر في الحق، وهؤلاء قلة لا يؤبه لها، ولا بد منها في كل مجتمع؛ لتتحقق كلمة الله جل ثناؤه: " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا" (يونس:99)!.[16]انتهى.
ومما يذكر هنا: أن هناك من مفسري السلف من قال: أن آية السيف هذه منسوخة: نسختها آية أخرى في سورة محمد، وهي قوله تعالى: "فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها" (محمد: 4).
روى أبو جعفر النحاس هذا عن الحسن، وعن عطاء، وعن الضحاك، والسدي، فهم لا يجيزون قتل الأسير، لقوله تعالى: (فإما منا بعد وإما فداء).
وروى نحو ذلك ابن جرير الطبري.
وروى الطبري عن الضحاك والسدي عكس ذلك، كما روى عن قتادة ومجاهد، بل ورد عن ابن عباس أيضًا: أن آية (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) نسخت آية : (فإما منا بعد وإما فداء).
وهناك قول ثالث روي عن ابن زيد: أن الآيتين جميعا محكمتان، وهو ما اختاره الطبري، حيث رد دعوى النسخ، لإمكان الجمع بين الآيتين، ولا يصار إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع بينهما بوجه من الوجوه.
وكذلك قال النحاس في قول ابن زيد: وهو صحيح جيد بيّن، لأن إحدى الآيتين لا تنفي الأخرى.[17]
وهو ما أيده الإمام ابن عطية في تفسيره، معلقًا على قول ابن زيد: إن الآيتين محكمتان، قال: وقوله هو الصواب. والآيتان لا يشبه معنى واحدة معنى الأخرى.
ذلك بأن هذه الآية (فاقتلوا المشركين... وخذوهم واحصروهم): أفعال، إنما تتمثل مع المحارب المرسل المناضل، وليس للأسير فيها ذكر ولا حكم، وإذا أخذ الكافر (أسر) خرج عن درجات هذه الآية، وانتقل إلى حكم الآية الأخرى، وتلك الآية لا مدخل فيها لغير الأسير، فقول ابن زيد هو الصواب[18]. انتهى
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:34 PM
2 ـ آية (وقاتلوا المشركين كافة):
ومن الآيات التي قيل عنها: إنها آية السيف: قوله تعالى في سورة التوبة أيضًا: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة، واعلموا أن الله مع المتقين" (التوبة: 36).
وهي جزء من آية كريمة جاءت في سياق تعظيم الأشهر الحرم، التي لها حرمة خاصة، ينبغي أن تعظم، ويقدر قدرها، ومن ذلك: تحريم القتال فيها، فإنه من ظلم النفس الذي حرمه الله فيها. يقول تعالى: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" (التوبة:36).
فهذه الآية التي يزعمون أنها آية (قطع الرقاب) أو (آية السيف) تأتي في سياق تحريم القتال في الأشهر الحرم، أي فرض هدنة إجبارية على المسلمين إذا كتب عليهم القتال وهو كره لهم: أن يغمدوا السيوف، ويكفوا عن القتال أربعة أشهر في العام: ثلاثة سرد، أي متتابعة، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد، أي منفرد وحده، وهو: رجب. أي يفرض عليهم ثلث العام هدنة للمسلم.
ثم يقول تعالى في الآية: "وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً" (التوبة:36)، فهي من باب المعاملة بالمثل، ومن عامل خصمه بمثل ما يعامله فما ظلمه.
وقد فسر الإمام الطبري الآية فقال: يقول جل ثناؤه: وقاتلوا المشركين بالله –أيها المؤمنون– جميعا غير مختلفين، مؤتلفين غير مفترقين، كما يقاتلكم المشركون جميعا، مجتمعين غير مفترقين، ونقل عن ابن عباس وقتادة والسدي ما يسند ذلك[19].
وواضح من هذا التفسير لشيخ المفسرين: أنه اعتبر كلمة (كافة) حالا من الفاعل، أي من واو الجماعة في قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة). وهذا واضح من تفسيره، ومعناه: تجمعوا على قتال المشركين أيها المسلمون، كما يتجمع المشركون على قتالكم.
فهل تحمل هذه الآية بهذا المعنى أي دلالة من الدلالات التي يفهم منها قتال الناس كافة، من حاربنا منهم، ومن كف عنا وألقى إلينا السلم؟
وهناك احتمال آخر في الآية لم يذكره الطبري، وهو أن تكون (كافة) حالا من المفعول به[20] في الآية، وهو (المشركين) وضمير المفعول به في قوله: (يقاتلونكم) ويكون المعنى على ذلك: قاتلوا جميع المشركين كما يقاتلون جميع المسلمين. وحتى هذا ينبغي ألا يكون مثار كلام، لأنه معاملة بالمثل.
والعجيب أن نجد من العلماء من قال: إن هذه الآية – التي نسخت ما نسخت- منسوخة! ذكر ذلك ابن عطية – ونقله عنه القرطبي – عن بعض العلماء قال: كان الفرض بهذه الآية قد توجه على الأعيان، ثم نسخ ذلك، وجعل فرض كفاية.
قال ابن عطية: وهذا الذي قالوه لم يعلم قط من شرع النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ألزم الأمة جميعا النفر. وإنما معنى هذه الآية: الحض على قتالهم، والتحزب عليهم، وجمع الكلمة ثم قيدها بقوله: (كما يقاتلونكم كافة) فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا، يكون فرض اجتماعنا لهم.[21]
3ـ آية (انفروا خفافا وثقالا):
ومن الآيات التي ذهب بعض المفسرين قديما إلى أنها آية السيف: قوله تعالى في سورة التوبة: "انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله".
قالوا: هذه الآية لم تدع لأحد عذرا: أيا كان تفسير: (خفافا وثقالا) فقد وردت عدة تفسيرات لها: شبابا وشيوخا، عزابا ومتزوجين، ركبانا ومشاة، نشاطا وغير نشاط، أغنياء وفقراء.
والآية تحتمل هذه المعاني كلها، فكل منها، يحمل معنى الخفة والثقل بوجه من الوجوه.
فقد فهم بعض الصحابة من هذه الآية: أن الجهاد فرض عين في كل حال، ولا يجوز للمسلم أن يتركه، ما دام قادرًا عليه، وإن بلغ من الكبر عتيا.
روي ذلك عن أبي طلحة الأنصاري، وأبي أيوب الأنصاري، والمقداد بن الأسود[22]. كما روى عن سعيد بن المسيب.
قال البغوي: قال الزهري: خرج سعيد بن المسيب رحمه الله إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر! فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب، كثرت السواد وحفظت المتاع!
وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند صحيح عن أنس: أن أبا طلحة قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية، فقال: ألا أرى ربي يستنفرني، شابا وشيخا؟ جهزوني! فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام، فما تغير![23]
وقد ذكر الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره: أن هذه الآية: "انفروا خفافا وثقالا.." خوطب بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه، بحيث لا يتخلفون عنه، قال رحمه الله: إن الله جل ثناؤه: أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد وفي سبيله خفافا وثقالا، مع رسوله صلى الله عليه وسلم، على كل حال من أحوال الخفة والثقل[24]. فهو يرى الآية خطابا خاصا لأصحاب النبي في حياته.
والمراد بالخفة – كما يقول الإمام البقاعي: كل ما تكون سببا لسهولة الجهاد والنشاط إليه. (أي مثل الشباب والعزوبة والغنى والركوب والنشاط ونحوها) وبالثقل: كل ما يحمل على الإبطاء عنه (أي مثل الشيخوخة والزواج والفقر وعدم الركوبة والكسل ونحوها).
وقال أبو حيان: والخفة والثقل هنا: مستعار لمن يمكنه السفر بسهولة، ومن يمكنه بصعوبة. وأما من لا يمكنه كالأعمى ونحوه، فخارج عن هذا[25]. انتهى.
وهذا يطابق الآية الكريمة في نفس السورة: "ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه" (التوبة: 120).
وكأنّ الإمام الطبري لا يقر ـ بتأويله الذي ذكرناه ـ ما ذهب إليه الصحابة الكرام الذين استنبطوا من الآية وجوب الجهاد عليهم بصفة دائمة، حتى بعد رسول الله، وحتى بعد كبر السن وثقل الجسم.
والواضح أن من تدبر الآية الكريمة، وقرأ سباقها وسياقها، تبين له بجلاء: أن هذه الآية جاءت في سياق من استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد، فلا يجوز أن يتقاعسوا عن الاستجابة له، ويثاقلوا إلى الأرض، ومثله إذا استنفرهم كل ولي للأمر بعده، كما قال عليه الصلاة والسلام: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، إذا استنفرتم فانفروا".[26]
ولهذا ذكر الحافظ بن حجر في (الفتح) ردا على من استدل بآية (انفروا خفافا وثقالا) على أن الجهاد فرض عين على كل حال: أن الأمر في هذه الآية مقيد بما قبلها، لأن الله تعالى عاتب المؤمنين الذين يتأخرون، بعد الأمر بالنفير، ثم قال: (انفروا خفافا وثقالا)[27].
كأن القرآن يقول: إذا قيل لكم: انفروا في سبيل الله، فانفروا خفافا وثقالا، ولا تثاقلوا عن النفير، وإلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم، فالأمر بالنفير هنا مبني على الاستنفار قبله.
وقد رد العلامة ابن قدامة على من احتجوا بآية (انفروا خفافا وثقالا) على أن الجهاد فرض عين: بقوله تعالى: "فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا" (النساء:95)، وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، كما استدل بقوله تعالى: "وما كان المؤمنون لينفروا كافة، ولولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا" (التوبة: 122)، ولأن الرسول كان يبعث السرايا: ويقيم هو وسائر أصحابه. قال: ويحتمل أنه أراد حين استنفرهم النبي إلى غزوة تبوك، وكانت إجابته واجبة عليهم، ولهذا هجر النبي كعب بن مالك وأصحابه الذين خلفوا، حتى تاب الله عليهم[28]. انتهى.
4 ـ آية قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية:
ومن الآيات التي زعموا أنها (آية السيف): آية سورة التوبة في قتال أهل الكتاب، وهي قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 29).
قالوا: هذه الآية تأمر بقتال أهل الكتاب الذين وصفتهم الآية بما وصفتهم به، من اليهود والنصارى، ولم تشترط لقتالهم: أن يكونوا قاتلوا المسلمين، وعلى الذين آمنوا أن يقاتلوا هؤلاء حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ومن الواضح لمن تدبر آيات القرآن، وربط بعضها ببعض: أن هذه الآيات نزلت بعد غزوة تبوك، التي أراد النبي فيها مواجهة الروم، والذين قد واجههم المسلمون من قبل في معركة مؤتة، واستشهد فيها القواد الثلاثة الذين عينهم النبي صلى الله عليه وسلم على التوالي: زيد بن حارثه، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة.
فالمعركة مع دولة الروم كانت قد بدأت، ولا بد لها أن تبدأ، فهذه الإمبراطوريات الكبرى لا يمكن أن تسمح بوجود دين جديد يحمل دعوة عالمية، لتحرير البشر، من العبودية للبشر: "أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله" (آل عمران: 64).
وهم الذين بدءوا المسلمين بقتل دعاتهم والتحرش بهم، وهو المعهود والمنتظر منهم، فهذه معركة حتمية لا بد أن يخوضها المسلمون، وهي كره لهم.
الرسول الكريم أقدم على غزوة تبوك حين بلغه أن الروم يعدون العدة لغزوه في عقر داره في المدينة، فأراد أن يغزوهم قبل أن يغزوه، ولا يدع لهم المبادرة، ليكون زمامها بأيديهم. وهذا من الحكمة وحسن التدبير.
فالآية الكريمة هنا تأمر باستمرار القتال لهؤلاء الروم الذين يزعمون أنهم أهل كتاب، وأنهم على دين المسيح، وهم أبعد الناس عن حقيقة دينه.
ولكن هذه الآية لا تقرأ منفصلة عن سائر الآيات الأخرى في القرآن، فإذا وجد في أهل الكتاب من اعتزل المسلمين، فلم يقاتلوهم، ولم يظاهروا عليهم عدوا، وألقوا إليهم السلم، فليس على المسلمين أن يقاتلوهم، وقد قال الله تعالى: في شأن قوم من المشركين: "فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً" (النساء:90).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوا الحبشة ما ودعوكم"[29] والحبشة نصارى أهل كتاب، كما هو معلوم.
وقال العلامة رشيد رضا: في تفسير قوله تعالى: "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" هذه غاية للأمر بقتال أهل الكتاب ينتهي بها إذا كان الغلب لنا، أي قاتلوا من ذكر: عند وجود ما يقتضي وجوب القتال كالاعتداء عليكم، أو على بلادكم، أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم، أو تهديد أمنكم وسلامتكم، كما فعل الروم، فكان سببا لغزوة تبوك، حتى تأمنوا عدوانهم بإعطائكم الجزية في الحالين اللذين قيدت بهما، فالقيد الأول لهم، وهو: أن تكون صادرة عن يد أي قدرة وسعة، فلا يظلمون ويرهقون، والثاني لكم، وهو: الصغار المراد به كسر شوكتهم، والخضوع لسيادتكم وحكمكم، وبهذا يكون تيسير السبيل لاهتدائهم إلى الإسلام بما يرونه من عدلكم وهدايتكم وفضائلكم، التي يرونها أقرب إلى هداية أنبيائهم منهم. فإن أسلموا عم الهدى والعدل والاتحاد، وإن لم يسلموا كان الاتحاد بينكم وبينهم بالمساواة في العدل، ولم يكونوا حائلا دونها في دار الإسلام.
والقتال لما دون هذه الأسباب التي يكون بها وجوبه عينيا أولى بان ينتهي بإعطاء الجزية، ومتى أعطوا الجزية: وجب تأمينهم وحمايتهم، والدفاع عنهم، وحريتهم في دينهم بالشروط التي تعقد بها الجزية، ومعاملتهم بعد ذلك بالعدل والمساواة كالمسلمين، ويحرم ظلمهم وإرهاقهم بتكليفهم ما لا يطيقون كالمسلمين، ويسمون (أهل الذمة) لأن كل هذه الحقوق تكون لهم بمقتضى ذمة الله وذمة رسوله. وأما الذي يعقد الصلح بيننا وبينهم بعهد وميثاق، يعترف كل منا ومنهم باستقلال الآخر فيسمون (أهل العهد) والمعاهدين.[30]
وقال العلامة الشيخ محمود شلتوت في رسالته (القرآن والقتال):
(وقد جاء في سورة التوبة بعد هذه الآيات آيتان ربما أوهم ظاهرهما خلاف ما تقرر هذه الآيات في سبب القتال، نسوقهما هنا، ونبين ما يدلان عليه في ضوء الآيات المتقدمة التي تعتبر ـ لكثرتها ووضوحها ـ أصلا في مشروعية القتال وسببه يجب أن يتحاكم إليه ويخرج ما سواه عليه.
أولا: قوله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 29).
ثانيا: قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن الله مع المتقين" (التوبة: 123).
فالآية الأولى تأمر المسلمين باستمرار مقاتلة طائفة هذه صفتها (لا يؤمنون بالله، : إلخ) قد ارتكبت من قبل مع المسلمين ما كان سببا للقتال من نقض عهد وانقضاض على الدعوة، ووضع للعراقيل في سبيلها، فهي لا تجعل عدم الإيمان وما بعده سببا للقتال، ولكنها تذكر هذه الصفات التي صارت إليهم، تبيينا للواقع، وإغراء بهم مع تحقق العدوان منهم؛ غيروا دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دونه، يحللون لهم بالهوى ويحرمون، غير مؤمنين بتحليل الله ولا تحريمه، وليس عندهم ما يردعهم عن نقض عهد، ولا مصادرة حق، ولا رجوع عن عدوان وبغي.
هؤلاء هم الذين تأمر الآية باستمرار قتالهم حتى تأمن شرهم، وتثق بخضوعهم، وانخلاعهم من الفتنة التي يتقلبون فيها، وجعل القرآن على هذا الخضوع علامة، هي دفعهم الجزية، التي هي اشتراك فعلي في حمل أعباء الدولة، وتهيئة الوسائل إلى المصالح العامة للمسلمين وغير المسلمين.
وفي الآية ما يدل على سبب القتال الذي أشرنا إليه وهو قوله تعالى: (وهم صاغرون)، وقوله: (عن يد) فإنهما يقرران الحال التي يصيرون إليها عند أخذ الجزية منهم، وهي خضوعهم، وكونهم بحيث يشملهم سلطان المسلمين؛ وتنالهم أحكامهم، ولا ريب أن هذا يؤذن بسابقية تمردهم، وتحقق ما يدفع المسلمين إلى قتالهم.
هذا هو المعنى الذي يفهم من الآية، ويساعد عليه سياقها، وتتفق به مع غيرها، ولو كان القصد منها أنهم يقاتلون لكفرهم، وأن الكفر سبب لقتالهم لجعلت غاية القتال إسلامهم، ولما قبلت منهم الجزية وأقروا على دينهم.
أما الآية الثانية: (قاتلوا الذين يلونكم...) فليست واردة مورد الآيات السابقة في بيان سبب القتال وما يحمل عليه، وإنما جاءت إرشادا لخطة حربية عملية تترسم عند نشوب القتال المشروع فعلا، فهي ترشد المسلمين إلى وجوب البدء عند تعدد الأعداء بقتال الأقرب فالأقرب عملا، على إخلاء الطريق من الأعداء المناوئين، وتسهيلا لسبل الانتصار.[31]
وهذا المبدأ الذي قرره القرآن من المبادئ التي تعمل بها الدول المتحاربة في هذا العصر الحديث، فلا تخطو دولة مهاجمة خطوة إلا بعد إخلاء الطريق أمامها، والاطمئنان إلى زوال العقبات من سبيلها.
وبهذا يتبين أنه لا صلة للآيتين بسبب القتال الذي تضافرت الآيات الأخرى على بيانه[32]. انتهى.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:35 PM
بعض الآيات التي ادَّعوا نسخها بآية السيف:
لا يتسع المجال هنا لنتعرض للآيات الكثيرة والوفيرة التي زعموا أنها نسخت بآية السيف، فهذا ذكره يطول.
فإنهم لم يتركوا آية تدعو إلى الرفق واللين، أو العفو والصفح، أو الصبر والدفع بالتي هن أحسن، أو غير ذلك مما هو أساس في مكارم الأخلاق التي أعلن محمد عليه الصلاة والسلام أنه بعث ليتممها – إلا قالوا عنها: نسختها آية السيف.
فقوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن" (النحل: 125) قالوا : نسختها آية السيف.
وقوله تعالى: "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" (فصلت: 34) قالوا: نسختها آية السيف.
وقوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة: 256) قالوا: نسختها آية السيف.
وقوله تعالى: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" (الأعراف: 199) قالوا: نسختها آية السيف.
وقوله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" (الأنفال: 61) قالوا: نسختها آية السيف.
وقوله تعالى: "فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا" (النساء: 90) قالوا : نسختها آية السيف.
وقوله تعالى لرسوله: "واتبع ما يُوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين" (يونس: 109) قالوا: نسختها آية السيف.
ومثلها كل ما أمر فيه الرسول بالصبر، مثل قوله تعالى: "فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون" (الروم: 60)، وقوله تعالى: "فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم" (الأحقاف: 35)، وغيرها.
وسنختار هنا بعض هذه الآيات مما يحتاج إلى بيان في موضوع الجهاد والقتال، لنلقي عليها شعاعا، يبين الصواب من الخطأ، ويميز الحق من الباطل.
أـ آية (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم):
ومن الآيات التي ادعوا فيها أنها نسختها (آية السيف) قوله تعالى في سورة البقرة: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (البقرة: 190). والمراد: نسخت مفهومها. إذ مفهوم المخالفة في قوله "قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم": ألا نقاتل من لا يقاتلنا.
قال أبو جعفر النحاس:
قال ابن زيد[33]: هي منسوخة، نسخها: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" (التوبة: 36).
وعن ابن عباس: أنها محكمة، روى عنه ابن أبي طلحة: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" قال: لا تقتلوا النساء والصبيان ولا الشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده، فمن فعل ذلك فقد اعتدى.
قال أبو جعفر النحاس: وهذا أصح القولين، من السنة والنظر.
فأما السنة، فحدثنا بكر بن سهل قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فكره ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان[34]. وهكذا يروي أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كتب: لا تقتلوا النساء والصبيان والرهبان في دار الحرب فتعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين.
قال أبو جعفر: والدليل على هذا من اللغة: أن (فاعَل) يكون من اثنين، فإنما هو من أنك تقاتله ويقاتلك، فهذا لا يكون في النساء ولا الصبيان، ولهذا قال من قال من الفقهاء[35]: لا يؤخذ من الرهبان الجزية، لقول الله عز وجل: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر..." إلى "..حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 23). وليس الرهبان ممن يقاتل، فصار المعنى: فقاتلوا في طريق الله وأمره: الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا، فتقتلوا النساء والصبيان والرهبان، ومن أعطي الجزية، فصح أن الآية غير منسوخة[36]. انتهى.
ونحن مع الإمام أبي جعفر النحاس في أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة، إذ الأصل في آيات القرآن هو الإحكام، وجاء حكمها ساريا نافذا، ولا نسخ إلا بدليل قاطع، ولا دليل. ونزيد على ما قاله أبو جعفر: أنها نهت بمفهومها عن قتال من لم يقاتلنا، ولم ينسخ هذا المفهوم أيضا.
ب ـ آية: (لا إكراه في الدين):
ومن الآيات التي قالوا: إن آية السيف نسختها قوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة: 256).
والذي أراه: أن مثل هذه الآية لا تنسخ؛ لأنها معللة بعلة لا تقبل النسخ، فهي تبين أن الدين الحق –وهو دين الإسلام- لا يقبل الإكراه، ولا يجوز الإكراه، لعلة ظاهرة، وهو: أنه لا يحتاج إلى إكراه قط، لجلاء بنيانه، ووضوح دلائله، يقول الإمام ابن كثير في تفسير الآية: يقول تعالى: (لا إكراه في الدين): أي لا تكره أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره له، ونور بصيرته: دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا. وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عاما. انتهى[37].
ومما يحتج به لهذا القول: ما ذكره أبو جعفر النحاس في (الناسخ والمنسوخ) بإسناده إلى زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لعجوز نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدا بالحق، قالت العجوز: أنا عجوز كبيرة، وأموت إلى قريب. فقال عمر: اللهم اشهد. ثم قال (لا إكراه في الدين)[38].
ورجح النحاس أن الآية مخصوصة بأهل الكتاب، لما رواه النسائي، بإسناده إلى ابن عباس قال: كانت المرأة تجعل على نفسها –إن عاش لها ولد- أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار! فقالت الأنصار: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
قال أبو جعفر: قول ابن عباس في هذا الآية أولى الأقوال لصحة إسناده، وأن مثله لا يؤخذ بالرأي، فلما خبر أن الآية نزلت في هذا، وجب أن يكون أولى الأقوال، وأن تكون الآية مخصوصة.[39]
ونحن مع أبي جعفر النحاس، ومع ابن عباس رضي الله عنهما في أن الآية نزلت فيما ذكره من قصة الأنصار، ولكن المقرر عند جمهور العلماء: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولفظ الآية عام، يتناول السبب وغيره.
ومما يؤكد ما جاءت به هذه الآية من نفي الإكراه بصيغة مطلقة: ما جاء القرآن المكي من مثل قوله تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس:99) بهذا الاستفهام الإنكاري، وقوله تعالى على لسان نوح لقومه: "أَرَأَيْتُمْ إِن كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ" (هود:28).
ومما يؤيد ما دلت عليه الآية من النفي المطلق للإكراه في الدين: ما عللت به الآية ذلك. بقوله تعالى: (قد تبين الرشد من الغي) فلا حاجة إذن إلى الإكراه، ولا مبرر له.
جـ ـ آية (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها):
يقول الإمام ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها...).
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإما تخافن من قوم خيانة أو غدرا، فانبذ إليهم على سواء، وآذنهم بحرب، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها، وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحرب: إما بالدخول في الإسلام، أو بإعطاء الجزية، وإما بموادعة، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح، فاجنح لها، بقول: فمل إليها وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه.
ثم ذكر الطبري قول قتادة وابن زيد بأن هذه الآية نسختها آية براءة (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)... إلخ ثم رد عليه قائلا: فأما قول قتادة ومن قال مثل قوله، من أن هذه الآية منسوخة، فنقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة، ولا فطرة عقل.
قال: وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره، على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا[40]. انتهى.
د ـ من عجائب ما قالوا في النسخ:
ومن عجائب ما قالوا في النسخ في القرآن: ما قاله الإمام أبو بكر بن العربي: من أغرب آية في النسخ، قوله تعالى: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" (الأعراف: 199)، أول الآية منسوخ، وآخرها منسوخ، وأوسطها محكم[41]!! يعني قوله تعالى (خذ العفو) منسوخ، وقوله: (وأعرض عن الجاهلين) منسوخ. وطبعا الناسخ هنا: آية السيف فيما يزعمون.
وهذا مع أن هناك من المفسرين من قالوا: إن هذه الآية جمعت مكارم الأخلاق، فكيف تنسخ، والرسول عليه السلام قد قال عن نفسه "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" أو مكارم الأخلاق"[42].
فأما قوله: (خذ العفو) ففسر بأخذ العفو من المال، وقيل: نسخته الزكاة المفروضة. وفسر بأنه أخذ العفو من أخلاق الناس، يعني الأمر بالاحتمال، وترك الغلظة والفظاظة، كما قيل وجاء هذا التفسير عن عبد الله وعروة ابني الزبير بإسناد صحيح[43].
قال النحاس: وهذا أولى ما قيل في الآية، لصحة إسناده، وأنه عن صحابي يخبر بنزول الآية، وإذا جاء الشيء هذا المجيء لم يسع أحدًا مخالفته، والمعنى عليه: (خذ العفو): أي السهل من أخلاق الناس، ولا تغلظ عليهم، ولا تعنف بهم. وكذا كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم: أنه ما لقي أحدًا قط بمكروه في وجهه، ولا ضرب أحدًا بيده، وقيل لعائشة رضوان الله عليها: ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان خلقه القرآن[44].
ورجح الطبري أن هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم في علاقته بالكفار، أمره بالرفق بهم بدلالة السياق[45].
وخالفه غيره، فقال: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر بالأخلاق السهلة اللينة لجميع الناس، بل هذا للمسلمين أولى، وقد قال ابن الزبير – وهو الذي فسر الآية: والله لأستعملن الأخلاق السهلة ما بقيت، كما أمر الله عز وجل[46]. فهو يراها محكمة باقية.
وفي الآية (وأمر بالعرف) والعرف: هو المعروف، وهو: أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وقد جاء هذا في الحديث.
ومنها: (وأعرض عن الجاهلين) زعم ابن زيد: أن هذا منسوخ بالأمر بالقتال، وقال غيره: ليست بمنسوخة، وإنما أمر باحتمال من ظلم. وما بعد هذه الآية يدل على ذلك: "وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله" (الأعراف: 200).
وقد فسر ابن القيم هذه الآية الكريمة تفسيرًا حسنًا في سياق حديثه عن جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف كان تعامله مع الناس.
قال رحمه الله في الهدي النبوي:
(فأمره -عز وجل- باتقاء شر الجاهلين بالإعراض عنهم، وباتقاء شر الشيطان بالاستعاذة منه، وجمع له في هذه الآيات مكارم الأخلاق والشيم كلها، فإن ولي الأمر له مع الرعية ثلاثة أحوال: فإنه لا بد له من حق عليهم يلزمهم القيام به، وأمر يأمرهم به، ولا بد من تفريط وعدوان يقع منهم في حقه، فأمر بأن يأخذ من الحق الذي عليه ما تطوعت به أنفسهم وسمحت به، وسهل عليهم، ولم يشق، وهو العفو الذي لا يلحقهم ببذله ضرر ولا مشقة، وأمر أن يأمرهم بالعرف، وهو المعروف الذي تعرفه العقول السليمة، والفطر المستقيمة، وتقر بحسنة ونفعه، وإذا أمر به يأمر بالمعروف أيضا لا بالعنف والغلظة. وأمره أن يقابل جهل الجاهلين منهم بالإعراض عنه، دون أن يقابله بمثله، فبذلك يكتفي شرهم.)[47]
ومن الخطأ البين، أن يعتبر كل أمر جاء به القرآن بالإعراض عن المشركين: منسوخًا بآية السيف، فهذا من التوجيه الخلقي، في القرآن، وتكوين الجانب الأخلاقي في الشخصية الإسلامية.
وقد جاءت عدة آيات تأمر بذلك، وذكر ابن كثير وغيره في تفسيرها: أنها محكمة غير منسوخة.
منها ما جاء في سورة الأنعام: "اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ" (الأنعام: 106)، فهو مأمور أن يتبع وحي الله إليه، مؤتمرا بأوامره، منتهيا عن نواهيه، معرضا عن المشركين، غير مبال بهم، وفي سورة الحجر: "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" (الحجر: 94).
أمره أن يصدع بما أمره الله به، مبلغا رسالة ربه، ولا يبالي بالمشركين الذين يقفون في وجهه، ويصدون عن سبيله.
وفي سورة السجدة يقول تعالى: "وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ* قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ" (الآيات: 28 - 30).
يذكر القرآن هنا: أن المشركين يستعجلون يوم الفتح، وهو يوم القضاء والفصل بينهم وبين المسلمين. وهو: إما يوم القيامة، الذي يفصل الله فيها بين الخلائق جميعا، أو يوم العذاب الذي ينزل الله فيه بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وإن أي لم ينفع هؤلاء الإيمان لو آمنوا؛ لأنه إيمان المضطر الذي لم يعد له خيار، فلا يقبل كما قال تعالى: "فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا" (غافر:85).
فأمر الرسول أن يعرض عنهم، كما قال ابن كثير: أي أعرض عن هؤلاء المشركين، وبلغ ما أنزل إليك من ربك، وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعدك، سينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد، وقوله: (إنهم منتظرون): أي أنت منتظر، وهم منتظرون، يتربصون بكم الدوائر، وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم... إلخ[48].
وفي سورة النجم يقول تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم" (النجم: 29 - 30). والإعراض في الآية لا يخرج عن معناه في الآيات السابقة، وهو الذي مدح الله به جماعة من المؤمنين بقوله: "وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين" (القصص: 55).
ومثل الأمر بالإعراض: الأمر بالتولي عن المشركين، كما قال تعالى: "فتولّ عنهم حتى حين" (الصافات: 171)، وقوله: "فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر" (القمر: 6)، وقوله: "فتولّ عنهم فما أنت بملوم" (الذاريات: 54).
وكما أمر الرسول الكريم أن يعرض عن المشركين: أمر أيضًا أن يعرض عن المنافقين، كما في قوله تعالى في سورة النساء: "أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا" (النساء: 63).
وفي نفس السورة يقول سبحانه عن هؤلاء المنافقين: "وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً" (النساء:81).
فالإعراض عن المنافقين في الآيتين لا يتصور أن يدعى أنه نسخ بآية السيف، لأن المنافقين لا يجاهدون بالسيف، إذ هم في الظاهر مسلمون، تجري عليهم أحكام المسلمين، ولكن معنى الإعراض عنهم: ألا يبالوا بهم وبمكايدهم، ولا يجعل موقفهم عقبة في سبيل دعوته.
وروى البخاري في التفسير باب "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين"... حديث ابن عباس: أن عيينة بن حصن ـ الزعيم البدوي القبلي المعروف ـ قدم المدينة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان ممن يدنيهم عمر ويستشيرهم.. فطلب منه عيينة أن يستأذن له ليدخل على عمر، ففعل، وأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل! فغضب عمر حتى همّ به.. فقال له الحر: يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى قال لنبيه (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) وإن هذا من الجاهلين: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله.[49]
فانظر: كيف استدل الحر بالآية، وكيف قبلها عمر، ووقف عندها، ولم يقل: إن هذه الآية منسوخة، فهذا لم يقله أحد من هؤلاء، لا عمر ولا تاليها الحر بن قيس، ولا راويها ابن عباس رضي الله عنهم جميعا.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:36 PM
آية السيف نسخ آخرها أولها
ومن غرائب ما قالوه في النسخ ما ذكره العلامة ابن العربي في قوله: كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار، والتولي والإعراض والكف عنهم، فهو منسوخ بآية السيف وهي قوله تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" (التوبة: 5)، نسخت مائة وأربعا وعشرين آية، ثم صار آخرها ناسخا لأولها، وهو قوله: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتو الزكاة فخلوا سبيلهم" (التوبة: 19).[50]
وقد زاد الأستاذ الدكتور مصطفى زيد في كتابه القيم (النسخ في القرآن الكريم) على ذلك مما قال المفسرون وبعضهم، فأوصلها إلى مائة وأربعين آية، زعموا أنها نسختها آية السيف، وهي الآية التي ذكرها بان العربي عند الأكثرين، أو غيرها كما سنبين.
ورد الدكتور زيد رحمه الله على هذه الأقوال كلها ردا علميا رصينا موثقا بالأدلة.
تأويل الزركشي لآية السيف ومعنى النسخ فيها:
وذهب الإمام الزركشي في (البرهان) مذهبا مغايرا لمن قبله في تأويل معنى النسخ الذي ذكروه بآية السيف، وتفسيره تفسيرا جديدا، بحيث لا يلغي حكم النص المنسوخ بالكلية، بل هو يبقى على سبب يرتفع بارتفاعه، ويعود بعوده وهو ما ذكره في بيان النوع الثالث من أنواع النسخ:
الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب؛ كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين يرجون لقاء[51] الله ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها، ثم نسخه إيجاب ذلك. وهذا ليس بنسخ في الحقيقة وإنما هو نسء؛ كما قال تعالى (أو ننسها) فالمنسأ هو الأمر بالقتال، إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى.
قال الزركشي:
وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف: أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك بل هي من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدا. وإلى هذا أشار الشافعي في (الرسالة) إلى النهي عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة[52]، ثم ورد الإذن فيه، فلم يجعله منسوخا، بل من باب زوال الحكم لزوال علته؛ حتى لو فاجأ أهلَ ناحية جماعة مضرورون تعلق بأهلها النهي.
ومن هذا قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم…" (المائدة: 105)، كان ذلك في ابتداء الأمر[53]، فلما قوي الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمقاتلة عليه. ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ" عاد الحكم، وقال صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيت هوى متبعا، وشحا مطاعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك"[54].
وهو سبحانه وتعالى حكيم أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم حين ضعفه: ما يليق بتلك الحال، رأفة بمن تبعه ورحمة، إذ لو وجب لأورث حرجا ومشقة؛ فلما أعز الله الإسلام وأظهره ونصره، أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة من طالبة الكفار بالإسلام، أو بأداء الجزية – إن كانوا أهل كتاب- أو الإسلام أو القتل إن لم يكونوا أهل كتاب.
ويعود هذان الحكمان – أعني المسالمة عند الضعف والمسايفة (استخدام السيف) عند القوة – بعود سببهما، وليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة، بل كل منهما يجب امتثاله في وقته[55]. انتهى.
وقد نقل السيوطي في (الإتقان) معنى هذا النص، وإن لم يشر إلى أنه أخذه من الزركشي رحمه الله، كعادته فيما ينقل.
وهذا التفسير من الزركشي للنسخ بآية السيف يحسن أن يقبل إذا أخذناه في حالة الجهاد الواجب، مثل جهاد العدو إذا احتل أرضا وعجز المسلمون عن مقاومته، كما في حالة احتلال روسيا للجمهوريات الإسلامية، وضمها قسرا إلى الاتحاد السوفيتي، وإدخالها رغم أنفها وراء الستار الحديدي. فهنا نقول: الجهاد لمقاومة هذا العدو (منسأ) ومؤجل حتى تتاح الفرصة، وتواتي القوة لمقاومته، والتحرر من نيره، أما تفسير الإنساء هنا بأنه في حالة الضعف نكف أيدينا عن الناس، وفي حالة القوة نقاتل العالم كله: من قاتلنا ومن كف يده وألقى إلينا السلام، فهذا ما نرفضه؛ لأنه ينافي الآيات الأخرى في سورة البقرة وفي سورة النساء، وفي سورة الأنفال، وفي سورة الممتحنة وغيرها. بل في سورة التوبة نفسها، حتى بعض الآيات التي قيل فيها: إنها آية السيف، مثل قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) لأن الآية هنا تأمر بالرد بالمثل. وهذا من العدل المشروع الذي لا يختلف في شرعيته اثنان.
وهل من المنطق أن نقول للناس (الأمريكان وأمثالهم): نحن لا يجب علينا أن نقاتلكم الآن، لأننا ضعفاء عسكريا، ولا نملك من الأسلحة ما تملكون، ولكن حين نملك مثل ما تملكون أو قريبا منه: سنقاتلكم جميعا؟!
هل يسوغ أن نقول هذا للناس: إننا تركنا قتالكم لضعفنا، ويوم نقوى ففرض علينا أن نغزوكم في عقر داركم حتى تسلموا أو تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون؟
إننا إذا قلنا هذا، فقد أغرينا العالم كله بحربنا، والوقوف ضد أطماعنا وتوسعنا، والتضامن لصد خطرنا، وإيقاف زحفنا!!.
وسيقول الناس عنا: إن أخلاقيات المسلمين غير ثابتة، فهم يبيحون لأنفسهم في حالة القوة ما لا يبيحون لها في حالة الضعف. ولا يمكننا أن نطمئن إلى المسلمين في معاهدة أو مصالحة، لأنهم يحترمون ذلك ما داموا عاجزين، فإذا قدروا تغير الحكم، وأباح لهم دينهم ما كان محظورا عليهم في التعامل مع الآخرين.
وهذه ـ ولا شك ـ سمعة سيئة للإسلام وأهله، تضر بهم وبدعوتهم، وتجعلهم أشبه بما كنا نعيبه على الغربيين، الذين يقولون: إن الغاية تبرر الوسيلة، وإن المعاهدات إنما هي حجة على الضعيف.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] تفسير ابن كثير (1/149) طبعة الحلبي.
[2] إعلام الموقعين (1/28، 29).
[3] الموافقات (3/75).
[4] انظر : تفسير ابن كثير (1/149) طبعة الحلبي.
[5] انظر : تفسير ابن كثير (1/149) طبعة الحلبي.
[6] انظر : تفسير المنار (1/414) وما بعدها. الطبعة الرابعة لدار المنار.
[7]
[8] في الأصل: بما نسخ الله من التوراة بالقرآن والإنجيل، وأعتقد أن في العبارة تقديما وتأخيرا. وقع سهوا من ناسخ أو طابع، فإن التوراة والإنجيل هما المنسوخان، وهما متلوان، وإلا لقال: وهي متلوة.
[9] البرهان: (2/30).
[10] الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (4/84، 83).
[11] الموافقات (3/64). وقد أشار إلى أبي جعفر النحاس صاحب كتابـ(الناسخ والمنسوخ) وما أشار إليه من كتابه مذكور في ص761-764 طبعة مكتبة الفلاح. بتحقيق د. محمد عبد السلام محمد.
[12] انظر : تفسير الطبري : (14/40-42). والنسخ في القرآن (2/564، 565) .
[13] انظر السيوطي في الإتقان : (3/71، 72).
[14] انظر تفسير الطبري في الآيات 1- 5 في السورة : 14/ 95، 137.
[15] انظر تفسير الطبري في الآيات 6 – 15 في السورة : 138-162.
[16] انظر: النسخ في القرآن الكريم لمصطفى زيد (2/504، 507).
[17] انظر: تفسير الطبري (14/140) طبعة دار المعارف – والناسخ والمنسوخ للنحاس (494-496).
[18] انظر: المحرر الوجيز (6/412) طبعة قطر.
[19] تفسير الطبري (14 / 241، 242)
[20] في الكشاف في تفسير الآية: حال من الفاعل أو المفعول به (2/ 188، 189) .
[21] انظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (6/486) طبعة مؤسسة دار العلوم بدولة قطر، وانظر : تفسير القرطبي (8/136) ، طبعة دار الكتب المصرية.
[22] انظر: تفسير الطبري (14/269) طبعة دار المعارف بتحقيق محمود محمد شاكر.
[23] انظر: نظم الدرر للبقاعي (8/478) طبعة العثمانية –حيد آباد – الهند.
[24] انظر : تفسير الطبري (14/ 260 – 270)
[25] نظم الدرر للبقاعي (8/477، 478) .
[26] متفق عليه، وقد تقدم عن ابن عباس. اللؤلؤ والمرجان (859و1219).
[27] الفتح (7/400) طبعة دار ابن حيان.
[28] المغني (13/6، 7).
[29] رواه النسائي في الجهاد في حديث طويل في قصة حفر الخندق. عن أبي سكينة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وتمامه: "واتركوا الترك ما تركوكم"، وحسنه الألباني في صحيح النسائي برقم (2976) وحسنه أيضا في صحيح الجامع الصغير (3384) وفي سلسلة (الصحيحة): (772).
[30] انظر: تفسير المنار (10/ 278، 279) .
[31] قد وقف بعض من يقصد الكيد للإسلام عند ظاهر هذه الآية: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) وزعم أن الدين الإسلامي يأمر بقتال الكفار عامة، حصل اعتداء منهم أم لم يحصل، حتى يؤمنوا ويدينوا بالإسلام – قال: وقد استقر الحكم في الشريعة على هذا. والواقع أن المراد من كلمة الكفار في الآية ونظائرها، المشركون المحاربون الذي قاتلوا المسلمين واعتدوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، ووقفوا فتنة للناس في دينهم وهم الذين تحدثت عن أخلاقهم أوائل سورة التوبة.
وكذلك المراد في كلمة (الناس) الواردة بحديث (أمرت أن أقاتل الناس)، فإن الذي يتوقف انتهاء قتاله على ما ذكر في الحديث بالإجماع هم مشركو العرب خاصة. أما غيرهم فيكفي في انتهاء قتالة أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
وبهذا تتفق الآيات بعضها مع بعض، ويجمع بينها وبين الأحاديث ويسقط مثل ذلك الزعم الباطل. شلتوت.
[32] انظر: القرآن والقتال ص37- 78 طبعة دار الفتح ـ بيروت.
[33] هو محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ.
[34] الحديث متفق عليه، وقد تقدم.
[35] هكذا يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وغيرهم، بخلاف الشافعية، فهو يرى أخذها من الرهبان، انظر: الأم: 4/98، المغني : 9/341.
[36] الناسخ والمنسوخ (107، 108) .
[37] تفسير ابن كثير (1/310) طبعة الحلبي.
[38] الناسخ والمنسوخ للنحاس (259) .
[39] المصدر السابق.
[40] انظر: تفسير الطبري (14/ 40-43) بتحقيق محمود محمود شاكر.
[41] انظر: أحكام القرآن : (1/338) والبرهان للزركشي (2/41) وقبل ابن العربي قاله هبة الله الضرير في كتابه.
[42] رواه ابن سعد في الطبقات والحاكم وصححه.
[43] رواه البخاري في التفسير. (4643، 4644) . وأبو جعفر النحاس في (الناسخ والمنسوخ) ص448.
[44] رواه مسلم في صلاة المسافرين باب صلاة الليل والوتر.
[45] انظر: جامع البيان (9/155) .
[46] انظر: الناسخ والمنسوخ (449).
[47] زاد المعاد (3/162) طبعة الرسالة.
[48] تفسير ابن كثير (3/464، 465) طبعة الحلبي.
[49] رواه البخاري في التفسير 4642).
[50] انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي (2/41) ، والإتقان للسيوطي (3/69) وأحكام القرآن لابن العربي.
[51] إشارة إلى الآية 14 من سورة الجاثية.
[52] في الأصل (الرأفة) وهو تحريف ناسخ أو طابع يقينا. والدافة : القوم الذين دفوا أي دخلوا على المدينة من خارجها.
[53] هذا غير مسلم، فهذه الآية في سورة المائدة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن، فلا يعتبر ما نزل فيها (في ابتداء الأمر) .
[54] رواه أبو داود في الملاحم (4341) والترمذي في التفسير (3060) وقال: حسن غريب وابن ماجة في الفتن (4014) والحاكم وصححه (4/322) ووافقه الذهبي.
[55] البرهان في علوم القرآن للزركشي (2/ 42، 43) طبعة عيسى الحلبي، بتحقيق أبو الفضل إبراهيم.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:39 PM
تأويلات أدلة السنة.. مراجعة
أولا: حديث: "بُعثت بين يدي الساعة بالسيف"
وهو مما يستند إليه الهجوميون أو دعاة الحرب على العالم، باعتباره يعبر عن نهج الإسلام، وهو القوة المادية. وقد كنت سئلت عن هذا الحديث، وأجبت عنه إجابة مفصلة، فلا بأس أن أعرضها على القارئ هنا.
س: يستند بعض دعاة العنف من الفصائل المسلحة، التي تنسب نفسها إلى الإسلام، أو ينسبها الناس إلى الإسلام –في جملة ما يستندون إليه- إلى حديث نبوي شريف، يزعمون أنه صحيح، وهو الحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري. ومن تشبه بقوم فهو منهم".
ونحن نعلم أن علم الحديث ورجاله: بحر واسع عميق، لا يستطيع السباحة فيه أو الغوص في أعماقه إلا أهله، ولذا وقفنا أمام هذا الحديث لنسأل أهل الذكر: أهذا الحديث صحيح حقيقة أم لا؟ وإن كنا من ناحية المعنى ننكره، فإن الرسول الكريم بُعث بالحجة والإقناع والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وليس بالسيف والعنف، والله تعالى يقول: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة: 256.
نرجو من سماحتكم إلقاء ضوء كاشف على القيمة العلمية لهذا الحديث الذي تمسك به المتشددون، وشنّع به المشنعون من أعداء الإسلام: إن هذا الدين دين السيف.
ورأينا انتشار ظاهرة العنف الدموي في عدد من بلادنا الإسلامية، نتيجة لشيوع هذه الثقافة الملغومة، التي تغذَّى بها عقول الشباب الغض، فينحرفون عن الطريق، ويستبيحون الحرمات، ويسفكون دماء البرآء بغير حق، بدعوى أن الإسلام (دين السيف). وهو يعني عندهم استعمال القوة المادية والعسكرية –وليس غيرها- في التغيير والإصلاح.
سدد الله خطاكم، ونفع بكم.
ج: الحمد لله روى الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا محمد بن زيد –يعني الواسطي- أخبرنا ابن ثوبان، عن حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم".
الحديث رقم (5114) و(5115) من المسند بتحقيق شاكر.
1 - نظرة في الحديث من جهة إسناده:
ولنا في هذا الحديث نظرتان: نظرة فيه من جهة الإسناد، ونظرة فيه من جهة المتن.
وإذا نظرنا في إسناده وجدنا عددا من العلماء المعاصرين من خرجوه. فلننظر ماذا قالوا؟
أ - تخريج الشيخ أحمد شاكر:
قال الشيخ أحمد شاكر في تخريجه: إسناده صحيح. ابن ثوبان: هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، سبق الكلام عليه (3281) و(4968). حسان بن عطية المحاربي الدمشقي: ثقة؛ وثقه أحمد وابن معين وغيرهما، وترجمه البخاري في الكبير 2/1/31. أبو منيب الجُرَشي الدمشقي الأحدب: تابعي ثقة؛ وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكنى رقم (658). الجُرَشي (بضم الجيم وفتح الراء، وبالشين المعجمعة): نسبة إلى "بني جرش" بطن من حمير.
قال: والحديث ذكر البخاري بعضه في الصحيح 6: 72 معلقًا، قال: "باب ما قيل في الرماح، ويذكر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري". وخرجه الحافظ في الفتح عن المسند من هذا الوجه، ثم قال: وأخرج أبو داود منه قوله: "من تشبه بقوم فهو منهم" حسب، من هذا الوجه. وأبو منيب لا يُعرف اسمه. وفي الإسناد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: مختلف في توثيقه.
وأورد الهيثمي الحديث في (مجمع الزوائد: 6/49) وقال: رواه أحمد، وفيه: عبد الرحمن بن ثابت، وثقة ابن المديني وغيره، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات. انتهى.
ولما رجعت إلى الحديث رقم (3281)، الذي سبق للشيخ شاكر فيه توثيق ابن ثوبان، وجدته قال عنه: قال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال أيضًا: لم يكن بالقوي في الحديث.
وقال أيضًا: كان عابد أهل الشام.
وقال يعقوب بن شيبة: اختلف أصحابنا فيه، فأما ابن معين فكان يضعفه، وأما علي –يعني: ابن المديني- فكان حَسُنَ الرأي فيه، قال: ابن ثوبان رجل صدق لا بأس به، وقد حمل عنه الناس. ووثقه الغلاس ودحيم وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات. واختلفت الرواية فيه عن ابن معين، فروي عنه أيضًا أنه قال: صالح.
قال شاكر: والظاهر: إنهم تكلموا فيه من أجل القدر، ومن أنه تغير عقله في آخر عمره، ولم يذكره البخاري ولا النسائي في الضعفاء، وصحح له الترمذي حديثًا. انتهى.
هذا ما انتهى إليه العلامة الشيخ شاكر رحمه الله، فقد صحح إسناد الحديث، برغم ما في الرجل من خلاف شديد حول توثيقه أو تضعيفه. والشيخ شاكر معروف بتساهله في التصحيح، فلا يكاد يوجد راوٍ مختلف فيه إلا ووثقه واعتمده. وقول الإمام أحمد: أحاديثه مناكير يدل على أنه لم يضعفه من أجل القدر كما قال الشيخ.
وقد رأيناه نقل عن حافظين كبيرين ذكرا الحديث ولم يصححاه:
أحدهما: الحافظ نور الدين الهيثمي صاحب (مجمع الزوائد).
والثاني: الحافظ ابن حجر في (الفتح).
وكلاهما ذكر الحديث، وذكر ما في راوية ابن ثوبان من خلاف. ومما يؤخذ على كلام الشيخ شاكر: أنه قال: ذكر البخاري بعضه في الصحيح معلقًا، وكان ينبغي أن يقول: بغير صيغة الجزم، بل بصيغة التمريض والتضعيف. لأنه قال: ويذكر عن ابن عمر… إلخ.
ب - تخريج الألباني:
وقد فتح الشيخ شاكر باب تصحيح هذا الحديث للمعاصرين، فنجد الشيخ ناصر الدين الألباني صححه في أكثر من كتاب له.
ففي صحيح الجامع الصغير وزيادته ذكره برقم (2831) ذكر أنه صحيح، وأشار بالرجوع إلى كتابه: حجاب المرأة 104 والإرواء 1269.
وبالرجوع إلى (الإرواء) أعني (إرواء الغليل في تخرج أحاديث منار السبيل) وقد ذكر صاحب المنار الجزء الأخير من الحديث وهو الذي أخرجه أبو داود منه – وهو: "من تشبه بقوم فهو منهم". قال في تخريجه: صحيح. أخرجه أحمد (2/92,50) وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" ق 92/2) وابن أبي شيبة في "المصنف" (7/150/1) وأبو سعيد ابن الأعرابي في "المعجم" (ق 110/2) والهروي في "ذم الكلام" (ق 54/2) عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ثنا حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم".
قلت: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات غير ابن ثوبان هذا، ففيه خلاف، وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق، يخطئ، وتغير بأخرة".
وقد علق البخاري في "صحيحه" (6/72) الجملة قبل الأخيرة، والتي قبلها[1]، ولأبي داود منه (4031) الجملة الأخيرة.
ولم يتفرد به ابن ثوبان، فقال الطحاوي في "مشكل الآثار" (1/88): حدثنا أبو أمية حدثنا محمد بن وهب بن عطية ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية به.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات غير أبي أمية، واسمه محمد بن إبراهيم الطرسوسي قال الحافظ في: "التقريب":
"صدوق، صاحب حديث، يهم".
والوليد بن مسلم ثقة محتج به في الصحيحين، ولكنه كان يدلس تدليس التسوية، فإن كان محفوظًا عنه، فيخشى أن يكون سوّاه.
وقد خالفه في إسناده صدقةُ فقال: عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- به.
أخرجه الهروي (ق 54/1) من طريق عمر بن أبي سلمة، حدثنا صدقة به.
وصدقة هذا هو ابن عبد الله السمين الدمشقي وهو ضعيف.
وخالفهما عيسى بن يونس فقال: عن الأوزاعي عن سعيد بن جبلة عن طاوس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال... فذكره.
أخرجه ابن أبي شيبة (7/152/1).
قلت: وهذا مرسل، وقد ذكره الحافظ في "الفتح" (6/72) من رواية ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبلة مرسلاً، لم يذكر فيه طاووسا وقال: "إسناده حسن".
كذا قال، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن جبلة، وقد أورده ابن أبي حاتم (2/1/10) من رواية الأوزاعي عنه وقال عن أبيه: "هو شامي". ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وهو على شرط ابن عساكر في "تاريخه" ولم يورده فيه.
ثم أخرجه الهروي (54/1-2) وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (1/129) من طريق بشر بن الحسين الأصبهاني ثنا الزبير بن عدي عن أنس بن مالك مرفوعًا به.
قلت: وبشر هذا متروك متهم فلا يفرح بحديثه. انتهى.
وبهذا تبين لنا أن الحديث لم يأت من طريق واحدة صحيحة متصلة سالمة من النقد، وإنما صححه من صححه بطرقه، وكلها لا تسلم من مقال، ولم تكثر إلى درجة يقال: يقوي بعضها بعضًا. على أن التصحيح بكثرة الطرق - وإن لم يكن معروفًا عند المتقدمين من أئمة الحديث - إنما يعمل به في القضايا اليسيرة، والأمور الجزئية الصغيرة، لا في مثل هذا الأمر الذي يعبر عن عنوان الإسلام واتجاهه: هل بعث رسوله بالرحمة أم بعث بالسيف؟
جـ - تخريج الشيخ شعيب:
وأما الشيخ شعيب الأرناؤوط، فله تخريجان للحديث: قديم وحديث.
فأما القديم، ففي تخريج أحاديث (زاد المعاد) عندما حققه منذ سنين، وكان فيه مقلدًا أكثر منه محققًا ومستقلاً، فحسّن إسناده.
وأما الجديد، ففي تخريجه للمسند، حيث أصبح أكثر نضجًا واستقلالاً من ناحية، وحيث غدا يشاركه خمسة آخرون من العلماء، فهو عمل جماعي له قيمته.
في تخريج الزاد، بعد أن ذكر ابن القيم الحديث مستشهدًا به على أن الذل والصغار على من خالف أمر محمد -صلى الله عليه وسلم، قال شعيب:
أخرجه أحمد في (المسند): 2/50، 92 وسنده حسن، وجود ابن تيمية إسناده في (الاقتضاء) ص 29، وصححه الحافظ العراقي في (الإحياء) وحسنه الحافظ في (الفتح) 10/230 وأخرج الجملة الأخيرة منه أبو داود (4031) وعلق طرفا منه البخاري في (صحيحه) 6/72 وله شاهد مرسل بسند حسن، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الأوزاعي (حاشية "زاد المعاد" ج1/35) طبعة الرسالة.
ويلاحظ هنا أن الحافظ في (الفتح) لم يحسنه، بل ذكر الاختلاف في توثيق ابن ثوبان، وإنما حسن الشاهد المرسل له، كما يلاحظ أن الشيخ شعيب قلد الشيخ أحمد شاكر حين ذكر أن البخاري علق طرفا منه، ولم يشر إلى أنه بصيغة التضعيف.
وفي تخريج المسند في الجزء السابع الذي اشترك فيه مع الشيخ شعيب محمد نعيم العرقسوس وإبراهيم الزئبق، قالوا: إسناده ضعيف، على نكارة في بعض ألفاظه. ابن ثوبان: اختلفت فيه أقوال المجرحين والمعدلين، فمنهم من قوى أمره، ومنهم من ضعفه، وقد تغير بأخرة. وخلاصة القول فيه: إنه حسن الحديث إذا لم يتفرد بما ينكر، فقد أشار الإمام أحمد إلى أن له أحاديث منكرة، وهذا منها.
وذكروا ممن أخرجه: عبد بن حميد، والطبراني في مسند الشاميين، وابن الأعرابي في معجمه. والبيهقي في الشعب، أربعتهم عن ابن ثوبان وزاد فيه بعد قوله: بعثت بالسيف" قولَه: "بين يدي الساعة".
وعلق البخاري (6/98 الفتح) بعضه بصيغة التمريض.
وأخرجه الطحـاوي في (شرح مشكل الآثار ) بإسناده، وفيه ثلاث علل، بينوها بتفصيل. ثم قالوا: فهذه العلل الثلاث مجتمعة لا يمكن معها تقوية الحديث المرفوع بمتابعة الأوزاعي لابن ثوبان. والله تعالى أعلم.
انظر: الجزء السابع من مسند الإمام أحمد ص 123-125 تخريج الحديث (5114).
وأزيد هنا فأقول: إن الإمام أحمد لم يقل إن له أحاديث منكرة، بل قال: أحاديثه مناكير. وهذه العبارة أشد من الأولى.
د - ما قاله رجال الجرح والتعديل عن ابن ثوبان:
ويحسن بنا هنا – استكمالاً للبحث- أن نضع بين يدي القارئ المهتم: أقوال أئمة الجرح والتعديل في عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الذي اختلف في توثيقه، كما رأينا، وهو سبب ضعف هذا الحديث.
ونكتفي هنا بكتاب لعله أهم الكتب في هذا الباب، وهو: كتاب ( تهذيب الكمال) للمزي، وهو خاص برواة الكتب الستة، وقد تفرع عنه عدة كتب، مثل: تهذيب التهذيب لابن حجر، وتقريب التهذيب له أيضًا، وتذهيب الكمال للذهبي، وخلاصة تذهيب الكمال للخزرجي. وأمها جميعًا: تهذيب الكمال للمزي.
هـ - ما نقله المزي في تهذيب الكمال:
أما ما ذكره الحافظ المزي في تهذيب الكمال عن ابن ثوبان، فقد قال في ترجمته برقم (3775): قال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير.
وقال محمد بن علي الوراق، عن أحمد بن حنبل: لم يكن بالقوي في الحديث.
وقال أبو بكر المروذي، عن أحمد بن حنبل: كان عابد أهل الشام. وذكر من فضله، قال: لما قدم به دخل على ذاك الذي يقال له المهدي، وابنته على عنقه.
وقال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، عن يحيى بن معين: صالح.
وقال في موضع آخر: ضعيف.
وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: ليس به بأس.
وكذلك قال علي بن المديني، وأحمد بن عبد الله العجلي، وأبو زرعة الرازي.
وقال معاوية بن صالح، وعثمان بن سعيد الدرامي، وعبد الله بن شعيب الصابوني، عن يحيى بن معين: ضعيف.
زاد معاوية: فقلت: يكتب حديثه؟. قال: نعم على ضعفه، وكان رجلاً صالحًا.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: لا شيء.
وقال يعقوب بن شيبة السدوسي: اختلف أصحابنا فيه، فأما يحيى بن معين، فكان يضعفه، وأما علي بن المديني فكان حسن الرأي فيه، وقال: كان ابن ثوبان رجل صدق، لا بأس به، استعمله أبو جعفر والمهدي بعده على بيت المال، وقد حمل الناس عنه.
وقال عمرو بن علي: حديث الشاميين كله ضعيف، إلا نفرًا منهم.. الأوزاعي، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. وذكر آخرين.
وقال عثمان بن سعيد الدرامي، عن دحيم: ثقة، يرمى بالقدر، كتب إليه الأوزاعي، فلا أدري أي شيء رد عليه.
وقال أبو حاتم: ثقة.
وقال في موضع آخر: يشوبه شيء من القدر.
وقال أبو داود: كان فيه سلامة، وكان مجاب الدعوة، وليس به بأس، وكان على المظالم ببغداد.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال في موضع آخر: ليس بالقوي.
وقال في موضع آخر: ليس بثقة.
وقال صالح بن محمد البغدادي: شامي صدوق، إلا أن مذهبه مذهب القدر، وأنكروا عليه أحاديث، يرويها عن أبيه، عن مكحول مسندة، وحديث الشامي لا يضم إلى غيره، معروف خطؤه من صوابه.
وقال في موضع آخر: لم يسمع من بكر بن عبد الله شيئًا، وإنما يروي عن أبيه، وعن الشاميين.
وقال ابن خراش: في حديثه لين.
وقال أبو أحمد بن عدي: له أحاديث صالحة، يحدث عنه عثمان الطرائفي بنسخة. ويحدث عنه يزيد بن مرشل بنسخة، ويحدث عنه الفريابي بأحاديث، وغيرهم، وقد كتبت حديثه عن ابن جوصي وابن أبي عروبة من جمعيهما، ويبلغ أحاديث رجلاً صالحًا، ويكتب حديثه على ضعفه، وأبوه ثقة.
وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات".
وقال أبو بكر الخطيب: كان ممن يذكر بالزهد والعبادة والصدق في الرواية. انتهى
وبهذا يتبين لنا أن مجرحيه أكثر، وأن موثقيه -وهم قلة- لم يوثقوه بإطلاق. فدحيم الذي وثقه قال: يرمى بالقدر، كتب إليه الأوزاعي، فلا أدري أي شيء رد عليه. وأبو حاتم الذي وثقه قال عنه أيضًا: يشوبه شيء من القدر. وتغير عقله في آخر حياته.
وكما رمي بالقدر، رمي بالخروج، وقد ذكر الذهبي في (الميزان) عن الوليد بن فريد أنه روى عن الأوزاعي، أنه كتب إلى ابن ثوبان يقول له: وقد كنت ترى قبل وفاة أبيك: ترك الجمعة حرام، وقد أصبحت ترى ترك الجمعة والجماعة حلالاً.
ومعنى هذا أنه رجل لديه استعداد للغلو، ومثله يروج عنده حديث مثل "بعثت بين يدي الساعة بالسيف".
ونقل الذهبي عن العقيلي أنه قال: لا يتابع ابن ثوبان إلا من هو دونه أو مثله[2].
وذكره ابن الجوزى في جملة الضعفاء.
وقال الذهبي في (أعلام النبلاء): لم يكن بالمكثر، ولا هو بالحجة، بل صالح الحديث[3].
وقال ابن حجر في (التقريب): صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وتغير بأخرة[4]. انتهى.
ومثل هذا الراوي لا يؤخذ منه حديث يحمل مثل هذا المضمون الخطير: الإسلام دين السيف! وأن الرسول يرتزق من رمحه!
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:40 PM
نظرة أخرى في الحديث من جهة متنه ومضمونه
وإذا غضضنا الطرف عن سند الحديث وما فيه من كلام، ونظرنا في متنه ومضمونه، وجدناه منكرًا، لا يتفق مع ما قرره القرآن بخصوص ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم.
فالقرآن لم يقرر في آية واحدة من آياته أن محمدًا رسول الله بعثه الله بالسيف، بل قرر في آيات شتى أن الله بعثه بالهدى ودين الحق والرحمة والشفاء والموعظة للناس.
ثانيًا: حديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا "لا إله إلا الله"
اتخذ دعاة الحرب على العالم من هذا الحديث: سندا لتأييد دعوتهم، والحديث صحيح لا شك فيه، متفق عليه. ولكن ما معناه؟
من المعلوم أن كلمة "الناس" في هذا الحديث عام يراد بها خاص، فالمراد منهم مشركو العرب الذين عادوا الدعوة منذ فجرها، وعذبوا المسلمين في مكة ثلاثة عشر عاما، وحاربوا الرسول تسعة أعوام في المدينة، وغزوه في عقر داره مرتين، يريدون استئصاله وأصحابه، والقضاء على دعوته، وهؤلاء القوم -كما وصفتهم سورة التوبة: "لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة" "نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول، وهم بدءوكم أول مرة" فقد نفض الرسول يده منهم، ولم يعد هناك أمل في صلاحهم، كما بينا قبل ذلك في الكلام عن (آية السيف).
فهؤلاء لهم موقف لا ينطبق على غيرهم، خاصة أن الإسلام يريد أن يجعل من الحجاز حرما للإسلام، ومعقلا له، لا ينازعه فيه دين آخر.
يقول العقاد: "وكان النبي -صلوات الله عليه- يعاقب في حروبه بمثل ما عوقب به، ولا يجاوزه إلى اللدد في الخصومة، فإذا انتهت الحرب على عهد من العهود وفّى به، وأخذ على أتباعه أن يوفوا به في غير إغلال ولا إسلال، أي في غير خيانة ولا مراوغة. وثابر على الوفاء في جميع عهوده، وثابر أهل الجزيرة من المشركين واليهود على الغدر بكل عهد من تلك العهود، وعقدوا النية سرا وجهرا على إعنات المسلمين وإخراجهم من ديارهم، لا يحرمون حراما في مهادنتهم ولا في مسالمتهم، ولا يزالون يؤلبون عليهم الأعداء داخل الجزيرة وخارجها. وأصروا على ذلك مرة بعد مرة حتى أصبحت معاهدتهم عبثا لا يفيد، ولا يغني عن القتال فترة إلا ردهم إليه بعد قليل، ووضح من لدد القوم وإصرارهم عليه أنهم لا يهادنون إلا ليتوفروا على جمع العدة، وتأليب العدو من الخصوم والأحلاف، فبطلت حكمة الدعوة إلى العهد، ولم يبق للمسلمين من سبيل إلى الأمان معهم إلا أن يخرجوهم من حيث أرادوا أن يخرجوا المسلمين، ولا يبقوا أحدا غير مسلم في تلك الجزيرة التي أبت أن تكون وطنا للمشركين وأحلافهم. فانتهت حكمة التخيير بين المعاهدة والقتال، ووجب الخيار بين أمرين لا ثالث لهما، وهما: الجوار على الإسلام أو على الخضوع لحكمه، فلا جوار في الجزيرة لأحد من المشركين وأحلافهم اليهود إلا أن يدين بالإسلام أو بالطاعة.
"وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل" (البقرة: 191).
وقال النبي -عليه الصلاة والسلام- يومئذ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها، وحسابهم على الله".
وفي هذا المعنى ينص القرآن الكريم على محاربة أهل الكتاب الذين تحالفوا مع المشركين، ونقضوا العهود المتوالية بينهم وبين النبي، كما تقدم في ذكر الغزوات والسرايا:
"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: ).
والوجه الوحيد الذي ينصرف إليه هذا الحكم هو أنه حيطة لا محيد عنها لضمان أمن المسلمين مع من يجاورونهم في ديارهم، ويتآمرون على حربهم، فلا يحل للمسئول عن المسلمين أن يكل أمانهم إلى عهد ينقض في كل مرة، ولكنه يأمن عليهم في جوار قوم مسلمين، أو قوم مطيعين للدولة، يؤدون لها حقها، فهم إذن لا يملكون من الاستقلال بالعمل في طاعة تلك الدولة ما يملكه المعاهد المؤمَّن على عهوده.
وعلى الجملة شرع الإسلام حكما لكل حالة يمكن أن توجد بينه وبين جيرانه على الحذر أو على الأمان، فنص على حالة الدفاع والعدوان، ونص على الدفاع الواجب في حدوده على حسب العدوان، ونص على التعاهد والمسالمة على مدة أو إلى غير مدة، ولما بطلت جدوى المعاهدة لم تبق له خطة يأخذ بها أعداءه غير واحدة من اثنتين: الحرب أو الخضوع للإسلام إيمانا به أو طاعة لدولته، ولم يجعل الإيمان بالإسلام حتما على أعدائه المصرين على العداء، بل جعله خيارا بين أمرين، ومن سامه الإسلام غير هذين الأمرين، فقد سامه أن يرضى بحالة ثالثة لا يرضاها أحد، وهي حالة الخوف الدائم من عدو متربص به، لا تجدي معه المهادنة، ولا يؤمن على عهد من العهود.
وانقضى عهد النبي -صلوات الله عليه- والمسلمون يعلمون حدودهم في كل علاقة تعرض لهم بين أنفسهم، وبينهم وبين جيرانهم.. علاقة المودة والوئام، وعلاقة الشغب والفتنة، وعلاقة الحرب أو علاقة التعاهد أو علاقة الموادعة والمهادنة أو علاقة الأمان والاستئمان. وهذه العناية بإقامة الحدود وبيان واجباتها هي وحدها حجة قائمة للإسلام على خصومه الذين يتهمونه بأنه دين الإكراه الذي لا يعرف غير شريعة القوة أو شريعة السيف. فمن كان لا يعرف غير شريعة السيف، فما حاجته إلى بيان لكل حالة من حالات السلم والحرب بأحكامها وواجباتها وحدودها وتبعاتها؟ لا حاجة به إلى حد من هذه الحدود ما دام أعزل مغلوبا على كل حال. فإنما يبحث عن تلك الحدود من يضع السيف في موضعه، ويأبى أن يضعه في موضع المسالمة والإقناع، وكذلك كانت شريعة الإسلام منذ وجب فيه القتال، ولم يوجبه إلا البغي عليه والقسر والعنت من أعدائه والإخراج من الديار[5].
نضج القانون الدولي في الإسلام وطفولته عند الرومان والأوروبين:
وقد لا حظ الباحثون ما جاء به الإسلام من أحكام مفصلة، وقواعد وضوابط، وتوجيهات حاكمة في كل شئون الحرب، وفي علاقة المسلمين بغيرهم -قبل الحرب- من مسالمين ومحاربين، وموادعين ومهادنين، ومعاهدين ومستأمنين، وذميين، وتكوّن من هذا قانون دولي رصين يحكم القوي كما يحكم الضعيف، قبل أن يعرف العالم شيئا عن القانون الدولي.
فيقول الأستاذ العقاد:
"وبينما كانت هذه الحدود معلومة مقسومة بأقسامها وتبعاتها في شريعة الإسلام كانت العلاقة بين الأمم في القارات الثلاث فوضى، لا تثوب إلى ضابط، ولا يستقر بينها السلام، إلا حيث يمتنع وجود المحارب، فيمتنع وجود الحرب بالضرورة التي لا اختيار فيها.
كانت شريعة الرومان أن كل قوي يجاورك فهو عدو يجب أن تقضي عليه. فلم يكن للقارة الحديثة (التي سموها بقرطاجنة) من ذنب إلا أنها دولة قوية، تعيش على العدوة الأخرى من بحرهم الذي أغلقوه دون غيرهم mare clausum أو الذي سموه "بحرنا" وحرموا على غيرهم أن يشاركهم فيه mare nostrum.
وكذلك كانت شريعة فارس في الشرق مع من يجاوها.
وكذلك كانت شريعة الإسكندر وخلفائه على دولته الواسعة.
وكذلك بقيت شريعة الدول في القارة الأوروبية إلى القرن السابع عشر، أو عهدهم بالبحث في الشرائع الدولية وحقوق الحرب والسلام.
فلم يلتفتوا قط إلى البحث في الحقوق يومَ أن كان الحق كله للسيف، تتولاه دولة واحدة تُخضع من الرعايا المتفرقين، ولا تنازعها دولة أخرى في ولايتها عليهم واستبدادها بأمرهم.
لم تكن هناك شريعة في الحقوق يومَ أن كانت شريعة السيف كافية مغنية لمن يملكه إذا غلب، ولمن يخضع له إذا حقت عليه الغلبة. فلما انقسمت الدولة الكبرى في القارة الأوروبية تفرقت الدول شيعا، وتنازعت العروش والتيجان تنازع الحطام الموروث، لا تنازع الحقوق والواجبات بين الأمم والشعوب. ويومئذ -في أوائل القرن السابع عشر- بدأت بحوثهم في حدود الحرب والسلام، وتصدى فقيههم الكبير جروتيوس Grotius لاستنباط هذه الحدود من وقائع الأحوال فيما سماه بقانون الحرب DE Jury Belt، ولا يزال بينهم أساسَ المراجع إلى العصر الحديث، لم يحدث فيه جديد ذو بال إلا أنهم يرجعون عنه إلى الوراء عدة قرون، فيبيحون اليوم ما كان محظورا من اقتحام الحرب بغير علة أو بلاغ.
وإن القارئ المسلم ليبتسم حين يقرأ في مراجع تلك البحوث الفجة أنها بحوث في شريعة تسري على العالم الأوروبي الذي كان معروفا يومئذ باسم العالم المسيحي Christendom، ولا تسري على العالم المحمدي Mohammednism لأنه عالم جهالة لا يفقه هذه الحدود، ولا يلتزم بواجباتها وتبعاتها. فمن دواعي السخرية حقا أن يقال هذا عن دين يتناول المتعلم المبتدئ فيه مرجعا من مراجع أصوله التي فرغ البحث فيها منذ القرن السادس للميلاد، فيرى فيه أحكام الإعلان والتبليغ والنبذ والمعاهدة والصلح والذمة والهدنة والموادعة والسفارة والوساطة، ويرى لكل حكم من الأحكام واجباته على المسلم في حالتي إبرامه ونقضه، وواجبات الإمام والرعية فيه مفصلة، كأنها صيغ العقود التي يتحرى فيها الموثقون غاية التوكيد والتقييد، منعا للإغلال والإسلال، كما جاء في أول عهد بين الإسلام والمشركين.
فإن القارئ المسلم حين يمر بذلك السخف المضحك في بواكير القانون الدولي عند القوم، ليحس كأنه على مشهد من ألعاب أطفال، يتواصون فيما بينهم على كتمان أسرارهم عن كبارهم؛ لأن هؤلاء الكبار الخبثاء أغرار لا أمان لهم على تلك الأسرار[6]!
إن المسلمين هم أول من وضع معالم القانون الدولي، بل فصل شرائعه وأحكامه، تفصيلا لم تعرفه الدنيا إلا بعد قرون. ولم تصل إلى ما وصل إليه الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.
ويعتبر كثير من الغربيين الباحثين في العلاقات الدولية أن الإمام محمد بن الحسن الشيباني -صاحب الإمام أبي حنيفة ومدون مذهبه- هو بحق أول واضع للقانون الدولي بما كتبه ودونه في هذا الجانب، خاصة كتابه (السير الكبير) الذي شرحه الشارحون، وعلق عليه المعلقون.
الشيخ محمد الغزالي: حديث مظلوم
ولقد تعرض شيخنا الشيخ محمد الغزالي لهذا الحديث، وبين المقصود منه، فكتب تحت عنوان (حديث مظلوم) يقول:
(حديث يعطي معناه للوهلة الأولى حكما لم يقل به الفقهاء، ومن ثم فإن قبوله مطلقا أو رفضه مطلقا لا يجوز! والواجب استبانة معناه الحقيقي كما قرره الراسخون في العلم.
والحديث من رواية البخاري (ومسلم أيضا) "أمرت أن أقاتل الناس" فقد طارت أذهان إلى أن كلمة (الناس) تعني البشر كلهم!.
وهذا غلط بإجماع العلماء، فإنهم اتفقوا على أن الحديث لا يتناول أهل الكتاب من يهود ونصارى.
لماذا؟ لأن المعتدين من هؤلاء إذا ضربت الحرب بيننا وبينهم، ونسوا منطق الإيمان والحلال والحرام في تصديهم لنا، لم نقاتلهم حتى ينطقوا بالشهادتين، بل إذا كسر الله شوكتهم بقوا على أديانهم، وجردناهم من أسلحة العدوان وتولينا نحن الدفاع عنهم إذا هاجمهم أحد.
وعليهم – والحالة هذه- أن يسهموا في نفقات الحرب.
وهذه ما أبانته سورة براءة:
"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 29).
فليست الغاية من القتال إذن أن يقولوا: لا إله إلا الله، كما جاء في الحديث.
فإذا كان أهل الكتاب مستثنَيْن من الحديث المذكور، فهل يتناول الوثنيين كلهم؟ والجواب: لا! ففي حديث آخر صحيح إلحاق للمجوس بأهل الكتاب "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
الحق أن الحديث في مشركي العرب الذين ضنوا على الإسلام وأهله بحق الحياة، ولم يحترموا معاهدة مبرمة، ولا موثقا مأخوذا.
وقد منح هؤلاء أربعة أشهر يراجعون أنفسهم ويصححون موقفهم، فإن أبوا إلا القضاء على الإسلام وجب القضاء عليهم.
وقد فصلت سورة براءة هذه القضية من أوائلها:
"إلا الذين عاهدتهم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين" (التوبة: 4).
أما من نصبوا أنفسهم لحرب الله ورسوله وعباده إلى آخر رمق فلا يلومون إلا أنفسهم.
وقد يتساءل البعض: لماذا جاءت كلمة الناس عامة في الحديث "أمرت أن أقاتل الناس" والجواب أن (الـ) كما يقول علماء اللغة للعهد، تأمل قوله تعالى:
"الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" (آل عمران: 173).
فكلمة الناس الأولى: تعني بعض المنافقين، والثانية: تعني بعض الكفار، وهذا هو المعهود في أذهان المخاطبين. وتأمل قوله تعالى: "ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا" (النصر: 2).
إن الناس هنا ليسو البشر جميعا، إنهم العرب وحسب.
رأيت فريقا من الناس يخدعه الظاهر القريب في هذا الحديث، فيتوهم أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- يشن حربا شاملة على البشر. ولا يزال يحرجهم حتى ينطقوا بالشهادتين.
وهذا فهم -كما أسلفنا- لم يقل به فقيه، ولا يستقيم مع مرويات أخرى في غاية الصحة والوضوح، ولم يؤثر عن تاريخ المسلمين وهم يقاتلون "الإمبراطوريات" الاستعمارية التي أظلم بها وجه الحياة قرونا عدة.
ورأيت ناسا آخرين يسارعون إلى تكذيب الحديث دون وعي، ويتخذون منه ذريعة إلى مهاجمة شتى الأحاديث الصحيحة دون تمحيص لسند أو متن، ودون تقيد بقواعد اللغة أو مقتضيات السياق.
وقد رأيت لأولئك القاصرين أفهاما في كتاب الله لا بد من محاربتها وإهالة التراب عليها.[7]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ولكنه علقها بصيغة التضعيف لا بصيغة الجزم، مما يدل على ضعف الحديث عنده.
[2] انظر: ميزان الاعتدال: ترجمة (4828).
[3] إعلام النبلاء: 7: 314.
[4] تقريب التهذيب: ص279 ترجمة (3820) طبعة الرسالة-بيروت.
[5] حقائق الإسلام للعقاد (234- 236).
[6] حقائق الإسلام للعقاد (236-238) .
[7] انظر: علل وأدوية للشيخ محمد الغزالي ص260-262.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:42 PM
غزوات الرسول بين التأويل وحقائق التاريخ
ومما استدل به (الهجوميون) على دعواهم في وجوب قتال العالم ما زعموه من أن الرسول في أكثر غزواته كان هو البادئ بالهجوم، والطالب للعدو، والغازي له في عقر داره.
وهي دعوى مبنية على قصر النظر وضيق الأفق في تقويم أحداث السيرة، والنظر إليها من الزاوية القريبة دون النظر إلى جميع الزوايا والأبعاد، وعدم استيعاب ما ورد في أسباب الغزوات وملابساتها استيعابًا يضيء السبيل للباحث الذي ينشد الحق، وليس المتعصب لرأي ولا يريد أن يتزحزح عنه.
لا شك في أن من غزوات الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما كان هجومًا من المشركين على المسلمين، كما في أحد والخندق، وبعض ما قد يحسب أنه ابتداء من المسلمين، هو عند التأمل دفاع أو وقاية.
وسنعرض نموذجين لمن استدلوا بالغزوات على طبيعة الهجوم في الجهاد الإسلامي، ونكتفي في الرد عليهما بكلام عالمين جليلين لكل منهما مقامه في العلم، ومنزلته في الدعوة إلى الله. والحق أن هذين الردين بنقل من أحد مؤرخي العصر الأثبات، وهو أحمد زكي باشا الملقب بـ (شيخ العروبة).
الشيخ ابن محمود يرد على الشيخ اللحيدان
أما الأول فهو رد العلامة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود رئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية في دولة قطر على الشيخ صالح اللحيدان أحد علماء السعودية في كتاب ألفه عن الجهاد. يقول العلامة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود في كتابه (الجهاد المشروع في الإسلام): "وإن أغرب ما سمعته في هذا الزمان مما يتعلق بالجهاد المشروع في الإسلام، هو قول الشيخ صالح اللحيدان في كتابه (الجهاد في الإسلام بين الدفاع والطلب)، قال: (إن الرسول وأصحابه لم يدافعوا عن أنفسهم في وقعة بدر، بل كانوا مبتدئين بالقتال طالبين للعدو)، وقال: (إن حروب الرسول وأصحابه لهوازن، وحصاره للطائف، وكذلك الغزوات الأخرى، حيث كان الرسول هو البادئ بالقتال لنشر هذا الدين بين الناس، ولم تكن الغزوات منه لأنهم قاتلوه أو اعتدوا عليه، فإنهم لم يسبق لهم ذلك إلا في نادر الأحوال ..." انتهى.
وأقول (القائل ابن محمود): إن هذه الغلطة الكبيرة إنما نشأت عن نقص علم وقصور فهم، أراد بها تعزيز رأيه فيما يعتقده من أن الرسول وأصحابه يقاتلون جميع الناس حتى يسلموا؛ لأنه يعتمد في نقله على ما يعتقده في نفسه، بدون رجوع منه إلى صحيح المنقول، وبدون فقه منه في سبب غزوات الرسول، ويظهر منه أنه بطيء العهد بتعاهد القرآن، وهو الذي فيه تفصيل هذه القضية على الجلية بأحسن تبيان، فإن به تحقيق بداية المشركين بالعدوان. إذ إن هذا الأمر اليقين الذي يرتفع عن مجال الشك والإشكال؛ لثبوته بمقتضى الدليل والبرهان والسنة والقرآن، وكلما بعد الإنسان عن تدبر القرآن ضعفت حجته.
فمن قال إن الرسول هو البادئ بالقتال بدون سبب يوجبه من المشركين، فقد أعظم الفرية عليه، وقال بما لم يحط به علمه، ويخشى من تعدي غلطه إلى بعض من يسمعه من جهلة العوام، وضعفة العقول والأفهام، فيظنونه حقا، وهو بالحقيقة باطل.
وسنورد من الدلائل النقلية والبراهين الجلية ما يزيل اللبس عن هذه القضية، حتى تكون جلية للعوام، وحتى لا يختلف فيها اثنان، وليس من شأن الباحث أن يفهم من لا يريد أن يفهم.
فمن دلائل القرآن قوله سبحانه: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ..." (الحج: 39- 40).
فأثبت سبحانه في هذه الآية بداية المشركين بالاعتداء بالقتال على الذين أسلموا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنهم ساموهم سوء العذاب ليردوهم عن دينهم كما قال سبحانه: "وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا" (البقرة: 217)، وهذا القتال يشمل الضرب والتجريح.
فقد كان الصحابة يأتون إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم المضروب، ومنهم المجروح، وقد توفيت سمية أم عمار تحت التعذيب لصدها عن دينها، كما توفي زوجها ياسر. وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمر عليهما وهما يعذبان ويقول: "صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"، وقد كانوا يحمون الحجارة ويضعونها على بطن بلال وظهره ويقولون له: قل واللات والعزى، ويقول هو: أحد أحد.
ولهذا قال: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا". فأثبت ظلم المشركين في تعذيبهم للمؤمنين بفنون التعذيب والأذى، ولا ذنب لهم إلا أنهم يقولون: ربنا الله ونبينا محمد. "وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ" فقد أحرجوا الصحابة حتى أخرجوهم من بلدهم، والإخراج من البلد نظير القتل في كتاب الله، فقد خرج فوق الثمانين من الصحابة ما بين رجال ونساء إلى الحبشة، يمشون على أرجلهم حتى أتوا ساحل البحر، فرارا بدينهم من الفتنة، وبأبدانهم من التعذيب، وخرج بعضهم مهاجرًا إلى المدينة.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- خرج مهاجرًا خائفًا مختفيًا يقول (مخاطبًا مكة): "والله إنك لأحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت"، وكان أهل مكة يصادرون أموال كل من هاجر إذا لم تكن له قبيلة تحمي ماله، كما صادروا أموال صهيب الرومي، وأنزل الله فيه: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ" (البقرة: 207). ولهذا قال الصحابة: ربح البيع صهيب.
ومنها قوله سبحانه: "لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" (الحشر: 8).
فأثبت سبحانه أن المشركين أخرجوا المستضعفين من بلادهم وأموالهم، في سبيل هجرتهم ونصرتهم لرسول الله يبتغون بذلك فضلا من الله ورضوانا، ولا ذنب لهم إلا أنهم آمنوا بالله ورسوله.
ومنها قوله سبحانه: "إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ" (الممتحنة: 2). فبسط اليد بالسوء هو الضرب والتجريح والشجاج وبسط الألسنة بالسوء أي بالسب واللعن والسخرية وسائر الأذية.
ومنها: أن الله سبحانه أكد ابتداء المشركين بالاعتداء على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى أصحابه في بداية الأمر ونهايته، فقال سبحانه: "أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ" (التوبة: 13 - 15). فأثبت سبحانه بداية المشركين بالاعتداء على الرسول وأصحابه في بداية الأمر ونهايته، وأنهم نكثوا أيمانهم وعهودهم التي أبرموها مع الرسول في صلح الحديبية، وأنهم همّوا بإخراج الرسول كما حصروه مع عمه أبي طالب في الشِّعب، يطالبون أبا طالب بتسليمه إليهم ليقتلوه. وهذا معنى قول أبي طالب في قصيدته:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ++++* حتى أوسّد في التراب دفينا
وإنما اشتد الأذى بالرسول بعد موت أبي طالب، بل وهمّوا بقتله حيث اتفقوا أن يدفعوا لكل رجل سيفًا فيضربوه جميعا بسيوفهم، فيضيع دمه بينهم، فأطلع الله رسوله على ذلك، وأذن له بالهجرة، وأنزل الله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" (الأنفال: 30).
ومنها قوله سبحانه "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ" (الممتحنة: 1). أي لأجل إيمانكم بربكم.
فأثبت سبحانه شدة عداوة المشركين لله ورسوله وعباده المؤمنين وأنه يحرم على المؤمنين موالاتهم بإظهار المودة لهم، وقد كفروا بما جاءكم من الحق الذي هداكم الله إليه. ثم قال: يخرجون الرسول من بلده، لأنه خرج من مكة مكرها وخائفا مختفيا، كما خرج المؤمنون فرارا بدينهم من الفتنة، وبأبدانهم من التعذيب؛ لأجل إيمانهم بربهم.
مثله قوله سبحانه: "إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الممتحنة: 9)، فأثبت سبحانه قتال المشركين للمؤمنين على الدين لأجل إيمانهم بربهم، ليردوهم بطريق الإكراه إلى ملة الكفر التي أنقذهم الله منها.
فهذه كلها آيات محكمات لا نسخ فيها ولا تبديل ولا تخصيص، ولا يجوز لأحد تغييرها ولا النظر في رأي يخالفها.
وأما الاستدلال بفقه السيرة مما يثبت ابتداء الاعتداء من المشركين على رسول الله وأصحابه، وأنه إذا قاتل فإنما يقاتل لصد العدوان عن الدين، وكف الأذى والاعتداء عن المؤمنين، فليس هذا بالظن ولكنه اليقين.
أما مسألة الجهاد بالدفاع عن الدين وعن أذى المعتدين، فقد اعتنى العلماء المتأخرون[1] بتصحيحها وتمحيصها أشد من اعتناء الفقهاء المتقدمين حتى ارتفعت عن مجال الإشكال والغموض إلى حيز التجلي والظهور. فضعف فيها الخلاف وكاد ينعقد عليها الإجماع. وإن غزوات الرسول كلها دفاع عن الدين وكف أذى المعتدين على المؤمنين، وليس هذا بالظن ولكنه اليقين.
ونشير الآن إلى غزواته وأسبابها التي أشار الكاتب بأنها وقعت من الرسول بطريق الابتداء بدون سبق عدوان من المشركين، فمنها:
حديث العير والنفير حيث خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أصحابه يريدون عير قريش. ومن المعلوم أن قريشًا هم الأعداء الألداء والبادئون بالاعتداء على الرسول وأصحابه، وقد استباحوا تعذيب الصحابة وأخذ أموالهم، فهم أئمة الكفر، الحلال دمهم وأموالهم، أفَيُلام رسول الله وأصحابه عندما حاولوا أخذ العير ليتقووا بها على حرب عدوهم، كما كان عدوهم يفعل ذلك بهم فيأخذون أموال المهاجرين؟ إذ هذا من باب المقاضاة بالمثل، وقد قيل: الشر بالشر والبادئ أظلم. يقول تعالى: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" (النحل: 126). وقال: "وجزاء سيئة سيئة مثلها" (الشورى: 40)، وقال: "ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل" (الشورى: 41).
أما وقعة بدر فقد حدثت على غير ميعاد سبق، وكان الرسول قد كره وقوعها. وقد نزل مع أصحابه بالعدوة الدنيا مما يلي المدينة، ونزل المشركون بالعدوة القصوى مما يلي مكة، وقد أرسل أبو سفيان إليهم يطلب منهم أن يرجعوا قائلا: إن عيركم وأموالكم قد سلمت، فارجعوا إلى بلادكم، لكنهم كما أخبر الله عنهم خرجوا بطرا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، ومعلوم قرب بدر من المدينة، فهم قصدوا حرب الرسول وأصحابه بطريق التحرش بهم. وكان سبب بداية القتال: أن أبا البختري قال: "والله لأردنّ حوض مياه محمد، ولأكسرن حوضهم. وفعلا اندفع يريد أن يهدم الحوض، فتلقاه حمزة بسيفه فقطع رجله، ثم انعقد سبب القتال بين الفريقين.
فقتال الرسول لهم في بدر هو قتال لدفع شرهم وعدوانهم، فهو جهاد بالدفاع. ولم يكن قتاله لهم لإكراههم على الدين حسب ما يظنه الكاتب، ولم يكن وقع ابتداء من الرسول بدون عدوان يوجبه منهم، بل هم البادئون بالاعتداء والمعلنون بالحرب لله ورسوله والمؤمنين.
ومثله قتال الكفار المشركين للرسول وأصحابه يوم أحد حيث غزوا الرسول وأصحابه في بلادهم فقتلوا سبعين من أصحاب رسول الله، وهل كان قتال الرسول لهم إلا دفعًا لشرهم. ثم إنهم تحزبوا على حرب رسول الله وأصحابه بوم الأحزاب، ومعهم عرب الحجاز ونجد، ونقضت اليهود العهد الذي بينهم وبين رسول الله، ودخلوا مع قريش في حرب الرسول فتبعهم يهود بني قريظة لظنهم أنها الفاصلة المستأصلة للرسول وأصحابه، حتى ضرب النبي على المدينة خندقا يمنع تجاوز الخيل. وبلغ الخوف مع الرسول وأصحابه إلى نهاية الشدة، وأنزل الله فيه صدر سورة الأحزاب وفيها: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا" (الأحزاب: 9 - 10) إلى قوله: "وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا" (الأحزاب: 25، 26).
أيقال إن الرسول هو البادئ بالقتال لكفرهم، وهم لم يبقوا للصلح موضعا، مع الرسول وأصحابه، ولم يألوا جهدا في فتنتهم للمؤمنين وتعذيبهم "إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون" (الممتحنة: 2).
وأما قضية هوازن حيث صرح الكاتب عنها قائلا: "إن حروب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لهوازن وحصاره للطائف، حيث كان الرسول هو البادئ للقتال لنشر هذا الدين بين الناس، ولم تكن الغزوات منه، لأنهم قاتلوه أو اعتدوا عليه، فإنهم لم يسبق لهم ذلك إلا في نادر الأحوال".
ويقول ابن محمود: إن الشيخ رحمه الله يكتب عن قضايا كهذه وغيرها على حسب ما يضمره في نفسه، بدون رجوع منه إلى أصول القضايا والغزوات من مظانها في كتب السيرة والتاريخ، لهذا السبب كثر خلطه وخبطه، بدون بصيرة من أمره، فيجعل الباطل حقا، والحق باطلا! وقد قيل لي: إن كتابه لا يستوجب الرد لأنه معلوم البطلان عند كل واحد. فقلت للمعارض: إن كل من أوصلته خبرا لن تستطيع أن توصله عذرا، ولكن وجوب البيان وتحريم الكتمان يوجبان علينا رد هذا البطلان، خشية أن يحتج به بعض من يرى صحته، أو بعض من يعتقد اعتقاده، لأنه متى قل العلم وساء الفهم ساءت النتيجة. وقد قيل: "خلاصة القول تظهر بالسبك، ويد الحق تصدع آراء الشك".
سبكناه ونحسبه لجينا ++++* فأبدى الكير عن خبث الحديد
وقد عقدنا لوقعة هوازن فصلا مستقلا، وذكرنا فيه سبب هذه الغزوة التي أنزل الله في شأنها: "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ" (التوبة: 25، 26).
وقد ذكر ابن إسحاق وغيره أنه لما فتح الله مكة على رسوله والمؤمنين، وسمعت هوازن بذلك، فشرقوا بهذا الفتح حنقا وبغضا للرسول وأصحابه، وولاء ومحبة منهم لقريش، فعزموا أن ينتقموا من الرسول وأصحابه، فجمعهم ملكهم (مالك بن عوف النضري) فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها على بكرة أبيها، واجتمع إليه نضر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال، وكثير من شتى القبائل، ومن عرب الحجاز ونجد، ومعه يومئذ دريد بن الصمة، وهو كبير يحمل في هودج، ليأخذ من رأيه، حيث إنه مجرّب في الحروب، فزحفوا بجمعهم من عوالي نجد بأهلهم وعيالهم وأموالهم لقصد الحفيظة حتى لا يفروا عن القتال، ونزلوا بعسفان بين مكة والطائف، ليفاجأ الرسول وأصحابه بالهجوم عليهم من قريب، لظنه أن أهل مكة المغلوبين سيكونون عونا له على القتال معه.
ولما سمع رسول الله بخبرهم، خرج إليهم بمن معه من أصحابه، وبعض أهل مكة، ومنهم مسلمون، وبعضهم باقون على شركهم، فوصل إليهم رسول الله في عماية الصبح، بعد فتح مكة بعشرة أيام. وقد كانت هوازن قد كمنوا في الشعاب والمضايق، وقد تهيئوا لينفروا جميعا. ولم يرع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا والكتائب قد شدت عليهم شدة رجل واحد، فشمر الصحابة راجعين، لا يلوي منهم أحد على أحد، وانحاز رسول الله ذات اليمين، وهو يقول: "إليّ أيها الناس هلموا إليّ أنا رسول الله"، وقد بقي معه نفر من المهاجرين وأهل بيته، منهم أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث والفضل بن عباس وربيع بن الحارث، وأسامة بن زيد وأيمن بن أم أيمن، وقتل يومئذ.
ولم يتراجع القوم إلا وبعض الأسرى عند رسول الله، ولم يقتل أحدًا منهم بعد أسرهم، وتفرقت هوازن ومن معهم، وفرت ثقيف إلى بلدهم. أفيصدق أن يقال -والحالة هذه- إن الرسول هو البادئ بقتال هوازن بدون سبب يوجبه منهم؟ وهل بقي من هوازن إلا هجومهم على الرسول في مكة؟ ولا يدري عن سوء عاقبة هذا الهجوم، فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا وساءت حالهم، وقد قيل: كل محصور مأخوذ.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:43 PM
وأما حصاره للطائف، فإن ثقيفا على بكرة أبيهم كانوا مع هوازن في الحرب على رسول الله، فلما نصر الله رسوله والمؤمنين فروا إلى بلدهم، وتحصنوا فيها، فهم مستحقون للقتل والقتال لثلاثة أمور:
أحدها: مشاركتهم لهوازن على حرب رسول الله فهم محاربون لله ورسوله وعباده المؤمنين والله يقول: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به". وقال: "ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل".
والأمر الثاني: أن الرسول جاءهم قبل الهجرة وطلب منهم أن يُؤووه وينصروه حتى يبلغ رسالة ربه، وقد قيل: إنه مكث عندهم عشرة أيام، فلما أحسوا أن بعض ثقيف مال إليه وصدق دعوته أرسلوا عليه سفهاءهم، فكانوا يرمونه بالحجارة، ورؤساؤهم ينظرون إليهم ويضحكون من فعلهم، وهم يقولون: مجنون كذاب. وزيد بن حارثة يقيه ببدنه عن وقع الحجارة فيه، حتى رجع كئيبا حزينا من فعلهم.
والأمر الثالث: أنه بعدما فرغ رسول الله من أمر هوازن ذهب إلى ثقيف رجاء أن يثوب إليهم عقلهم، فيفتحوا له الباب، ويسهلوا له الجناب، حتى يبلغ رسالة ربه في بلدهم، كما فعل أهل مكة. ومن سيرته: أنه لا يعاقب أحدًا بجريمة سلفت منه مهما عظمت متى خلوا بينه وبين نشر دعوته في بلدهم، لكنهم عصوا وتمردوا، وناصبوه العداء، فرماهم بالمنجنيق ونصب عليهم الدبابة، فكانوا يحمون النبال بالحديد، ويرمون بها من في الدبابة ويرمون الصحابة من وراء الجدران، وفي السطوح، حتى قتلوا سبعة من أصحاب النبي، فانصرف عنهم وتركهم حتى هداهم الله للإسلام، وأتوا إليه طائعين.
وأما غزوه لتبوك – حيث أشار إليه الكاتب – فإن سببه: أنه بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه اجتمع جنود من بلخ وجزام وغسان، وبعض متنصّرة العرب، وقد اجتمعوا في تبوك، يريدون غزو رسول الله وأصحابه، وقد قدموا مقدماتهم إلى البلقاء وذلك عام 9 من الهجرة، فندب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه عام العسرة، أي زمن جهد ومجاعة وانقطاع ظهر، فخرج في ثلاثين ألفًا من أصحابه، فكانوا يمرون على قبائل العرب من الحضر والبدو بوادي القرى، والذين لم يدخلوا في الإسلام بعد، حتى وصلوا إلى بلدة تبوك، وبها من بها من الناس، فلم يرع أحدا منهم بقتل ولا قتال؛ لأنه إنما قصد الذين ظاهروه بالعداوة، وبرزوا لحربه وأصحابه، لكنه في سفره لم يلق كيدا، ووجدهم قد تفرقوا. فرجع إلى بلده مؤيدا منصورا. فهذه المقدمة نشير فيها إلى بعض الفقرات من المقتطفات التي ذكرها الكاتب، وكلها مفصلة بأسبابها في ضمن الكتاب.
وعلق العلامة ابن محمود على قول من يقول: إن الجهاد سببه الكفر، فيجب قتال الكفار حتى يسلموا، كما هو اعتقاد الكاتب، وقد بنى كتابه على تصحيحه واعتقاد العمل بموجبه، كما أنه اعتقاد بعض الفقهاء المتقدمين وأكثر العامة.
فقال: وقد استغل هذا القول القسيسون والمبشرون من النصارى، وجعلوه عمدة لهم في دعوتهم، واستغلوه في التنفير من الدين واحتقاب العداوة للمسلمين. فكل من قال بهذا القول أو دعا إليه، فقد شارك القسيسين في التنفير من الدين.
فلو ظفر النصارى بكتاب (الجهاد بين الدفاع والطلب) للشيخ صالح، لأحلوه محل التقديس والتكريم، ونصبوه في كنائسهم ومدارسهم، وعمموا بتعليمه جميع طلابهم وعامتهم، لكونه غاية بغيتهم. بحيث إنه يصدق مفترياتهم في إكراه الناس على الدين.
ثم قال الكاتب: إنني أعجب من كتاب الفقه الإسلامي الذين قالوا بالدفاع في الجهاد، جريا وراء التقليد للأعداء الممقوتين، وهم –والله أعلم- يدركون خطأ الرأي البعيد عن الصواب، وأدلة الأحكام.
ثم قال الكاتب: "لقد قلت هذا بعد أن رأيت عشرين بحثا كلها تبحث عن مسألة الجهاد، وقد اختلف الباحثون فيه، فالذين قالوا بالدفاع من المتأخرين، من الكتاب والمؤرخين وكتاب السيرة كلهم ليسوا بشيء كعباس العقاد، وعزام، وشيت خطاب، وعبد الحميد جودة السحّار، وأحمد أمين، ومحمد حسين هيكل، والشرقاوي، والحكيم، فكلهم ليسوا بشيء".
ثم ألحق بهم في الذم غيرهم قائلا: "والظن بغيرهم من علماء الفقه والحديث من أمثال يوسف القرضاوي في كتابه (الحلال والحرام)، ومحمد ناصر الألباني في كتابه (حجاب المرأة المسلمة) والظن بهم العودة إلى الحق واتباع سبيل المؤمنين".
ورد عليه الشيخ بأن الجهاد المشروع في الإسلام، هو: الدفاع عن الدين، ودفع أذى المعتدين على المؤمنين، وأن الإسلام يسالم من يسالمه، ولا يقاتل إلا من يقاتله أو يمنع نشر دعوته أو يلقي الفتنة بين أهله، وليس هذا بالظن لكنه اليقين الذي تدل عليه نصوص القرآن المبين وسيرة محمد -عليه أفضل الصلاة والتسليم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة الشرعية: (إن من لم يمنع المسلمين من إقامة دين لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه)، أي فلا يقاتل.[2]
رد الشيخ الغزالي على مقولة بعض المعاصرين في الجهاد
والرد الثاني: هو رد العلامة الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي على مقولات بعض الكتاب المعاصرين في تفسيره لأحداث السيرة، وللمعارك التي خاضها الرسول الكريم مع أعدائه، ولمعركة (مؤتة) على سبيل الخصوص، وتصوير الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه البادئ بالهجوم، لقوم لا يستحقون أن يحاربوا!
كما رد الشيخ الغزالي على دعاوى رجال (حزب التحرير) حول الجهاد، وهم يلقنونها لأتباعهم صارمة كحد السيف، قاطعة كالبديهيات، لا يجوز التشكيك فيها أو المناقشة لها.
وهذا عيب هذه الأحزاب أو الجماعات المغلقة، التي تصب أفكارها في (قوالب جامدة) وتربي عليها أتباعها، وتمنعهم من النظر في غيرها، فيتلقنونها على أنها (حقائق مسلمة) ويتبنونها فكرا وشعورا وتطبيقا، ويظلون هكذا، حتى ينير الله سبحانه وتعالى بصائرهم بطريقة أو أخرى، ليتحرروا من الأسر الفكري، ويمتحنوا ما عندهم، ويقارنوه بما عند غيرهم، وينظروا في الأمر نظرة علمية موضوعية، وهنا قد يغيرون رأيهم، ويرجعون عما كانوا عليه.
وهذا ما فعلته الجماعة الإسلامية المصرية، حيث راجع عدد من أقطابها فكرهم القديم حول الجهاد، وناقشوه مناقشة حرة، وعدّلوا وحورّوا، وأعلنوا تراجعهم عن جوهره، في شجاعة محمودة، قل أن نجدها إلا عند المخلصين المنصفين.
رد الشيخ الغزالي على الشيخ النبهاني وحزب التحرير في كتابه (جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج). وكان من مظاهر عجز الداخل هذه الأفكار الهائجة المائجة، التي يطلقها أناس من أبناء أمتنا –بل من المحسوبين على العمل الإسلامي، والحركة الإسلامية- يطلقون هذه الأفكار كالقذائف المدمرة، لا يبالون من أصابت من خلق الله.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:44 PM
تفنيد كلام بعض الكتاب المعاصرين
يقول الشيخ الغزالي رحمه الله يرد على هؤلاء الذين أسماهم في بعض ما كتب: (الأصدقاء الجهلة للإسلام) تحت عنوان: (أوهام سيئة):
قرأت لنفر منهم كلاما طويلا في أن الإسلام دين هجومي يضع خططه للحرب لا للسلم، وشعرت بالغيظ لتحريف الكلم عن موضعه من ناحية، ولتناول الوقائع دون أدنى وعي بملابساتها من ناحية أخرى.
خذ هذا المثال:
الأسباب التي دفعت إلى معركة مؤتة معروفة، ولعل كتّاب السيرة المحدثين، أقدر على تصوير هذه الأسباب من الكتاب القدامى، فقد أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- واحدا من رجاله بكتاب إلى أحد الأمراء الغساسنة يدعوه إلى الإسلام، وهؤلاء الأمراء كانوا موالين للروم، يدينون دينهم وينفذون سياستهم، وقد شعروا مع سادتهم بالقلق للدين الجديد وللنجاح الذي يلقاه، فماذا يصنعون؟ عمد الأمير الذي جاءه كتاب النبي إلى الكتاب فطوح به، وإلى حامله فقتله!! واستعد مع الرومان لمواجهة تبعات هذا الموقف الآثم...!
ماذا تفعله أي دولة تهان دعوتها ويقتل رجلها على هذا النحو؟ لا بد أن تقاتل! والقتال الذي فرضته الظروف صعب، فإن الرومان شدوا أزر الأمير القاتل بعشرات الألوف من جيشهم الكثيف.
وواجه الرجال الذين قاتلوا في (مؤتة) معركة قاسية، استشهد فيها القادة الثلاثة الذين التحموا مع الرومان وحلفائهم، واستطاع خالد بن الوليد أن ينسحب بالجيش، وأن يجنبه خسائر لا آخر لها.
ولست أؤرخ لهذه المعركة الآن، ولكني أعلق على ما قرأته في كتاب ظهر حديثا لأحد العلماء يذكر قصة مؤتة ويقول: إن المؤرخين يحاولون ذكر أسباب للقتال الذي وقع، ولا ضرورة لذكر هذه الأسباب! لماذا نعلل لكل حرب خاضها المسلمون؟ يكفي أن نعرف طبيعة الإسلام في التوسع (!) لنعرف سر القتال!!
الكاتب غفر الله له، نسي الرسالة الموجهة إلى العميل الروماني، ونسي مصرع صاحبها، ونسي أن الرومان – وموطنهم الأصلي أوربا- تدفقوا نحو مائة ألف إلى قلب الحجاز، ولم يجيئوا في نزهة صحراوية، وإنما جاءوا في مظاهرة عسكرية لضرب الدين الجديد، ومنع الدعوة من التسلل شمالي الجزيرة العربية، كل ذلك لم يلفت نظر المؤلف الأديب. إنما لفته إبراز الطبيعة التوسعية للإسلام!...
إن التوسع الإسلامي لا يعتمد على القتل، وحروب العدوان، إن العملة المتداولة في ميدان الدعوة الإسلامية هي الفكر الحر!!.
ومقاتلة الإسلام للرومان كانت أشرف قتال عرفته الدنيا؛ لأن الإمبراطورية العجوز استهلكت شعوبا كثيفة داخل سجونها قرونا طويلة.
وعندما نكتب سيرة نبينا بهذا الأسلوب، فماذا يبقى للمبشرين والمستشرقين؟
عندما تعرض الحق على الناس في بيئة جاهلة به، فلن يقول لك المستمعون: أهلا وسهلا! سيكون هناك مستغربون، وسيكون هناك رافضون! وربما آمن البعض على عجل، وربما قاوم بعضهم بضراوة، ولن تتحدد المواقف إلا بعد آماد طوال يصبر فيها الدعاة، يقابلون الهزء بالسكينة، والاستفزاز بالحلم.
كذلك كان الأنبياء على امتداد العصور، وكذلك كانت سيرة خاتمهم محمد بن عبد الله -عليه الصلاة والسلام- مع ما تميزت به رسالاتهم من وضوح وتجرد وإشراق.
أما اليوم فالدعوة مثقلة بما يضيرها أو يزهّد فيها.. هناك من يدعو إلى الشكل قبل الموضوع، وإلى النافلة قبل الفريضة، وإلى الحكم الفرعي قبل القاعدة الكلية، وإلى ما فيه خلاف قبل مالا خلاف فيه! ثم يدق طبول الحرب وهو صفر اليدين من سلاح يجدي، فإذا الغبار ينجلي عن هزيمة مضاعفة للحق، إنه انهزم مرتين، مرة في ميدان الدليل، ومرة في ميدان القتال!
وبهذا الفكر المعتل يكتب دعاة عن قيام الإسلام على السيف، واجتياحه للخصوم، ورغبته في الهجوم!
ويرجعون إلى الكتاب الكريم والسنة المطهرة، كي يحرفوا الكلم عن مواضعه، أو يقلبوا النصوص رأسا على عقب.
الرد على مقولة حزب التحرير
إن النبي -عليه الصلاة والسلام- أخرج من مكة هو ومن آمن به بعد ثلاث عشرة سنة حافلة بالآلام والأحزان.
ولم تهدأ عداوة قريش ضد الإسلام بعد الهجرة، بل وثبت على كل من شرح بالإسلام صدرًا من أهل مكة، فنكلت به، وكان دعاء المستضعفين والمفتونين: "ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا" (النساء: 75).
فهل يوصف قتال المسلمين لقريش بأنه حرب هجومية بعد هذه الأحداث الواضحة؟
ومعروف أن الرومان انتشروا في آسيا وأفريقيا كالجراد الذي يأتي على الأخضر واليابس. والاستعمار الروماني مقرون بالاستبداد والقسوة والكبرياء.
وقد احتضن النصرانية فشوهها، ومال بها نحو الوثنية، وطارد الكنائس الموحدة حتى أبادها، وعندما ظهر الإسلام اعترض طريقه، وضن عليه بحرية الحركة، ونازله شمالي الجزيرة ليقضي عليه!
فهل تصدِّي المسلمين للصلف الروماني وكسرهم الطوق الذي وضعوه يوصف بأنه حرب هجومية نشأت عن رغبة الإسلام في التوسع؟.. أي توسع!!؟ هل حق الدين الجديد في عرض نفسه على الناس كلهم، وإباؤه تكميم الأفواه وفتنة الضعاف، هو العيب الذي يوصف به ويلام عليه؟
ومع هذه المقررات البديهية، فإن رئيس حزب إسلامي يكتب في نشرة مطولة لأعضاء حزبه أن الإسلام يبدأ بالقتال ويرسم خطة الهجوم على مخالفيه.
يقول الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله: "إن قول الرسول عليه الصلاة والسلام وفعله يدل دلالة واضحة على أن الجهاد هو بدء الكفار بالقتال، لإعلاء كلمة الله، ولنشر الإسلام" ويقول: "إن خروج الرسول إلى بدر لأخذ قافلة قريش هو خروج للقتال، هو مبادأة بالقتال، فقريش كانت دولة، ولم تكن قد اعتدت بعد على الرسول أو على المدينة حتى يدافع عنها، بل هو الذي بدأهم بالقتال"!
إن تصور الوقائع على هذا النحو أقرب إلى الهزل منه إلى الجد، ولا أدري كيف يستقيم في عقل إنسان أن المطرودين من ديارهم، المصادرين في عقيدتهم لم يتعرض لهم أحد بعدوان؟؟
ويمضى رئيس حزب التحرير الإسلامي فيقول: إن قيام النبي بإرسال الجيش إلى مؤتة لقتال الروم، وتوجهه إلى تبوك مقتربًا من حدود الروم، لمقاتلتهم ظاهر فيه كل الظهور أنه بدء بالمقاتلة"!!
وهذا الكلام من أغرب ما يقال، وعلى ضوء هذا المنطق المدهش يمكن وصف الحروب التي يقوم بها زنوج إفريقيا الجنوبية الآن بأنها حروب هجومية، ووصف المناوشات التي يقوم بها عرب فلسطين ضد دولة إسرائيل بأنها قتال هجومي!!
إن العقل الذي يلتقط صور الأحداث بهذا الإبتار والتقطيع والحكم العجول يجب الإعراض عنه.
ومن المؤسف أن يكون لهذا التفكير وجود بين الإسلاميين.
لا يحتاج الإسلام إلا إلى جو حُرّ كي ينتشر ويدخل الناس فيه أفواجا، ما دام العرض سليما، والعائق منفيّا.
ونحن لا نكره أحدًا على دين، ولا نقبل إيمان مكره، كما أننا نحتكم إلى العدل المطلق فيما ينشب بيننا وبين غيرنا من خلاف، ولا يميل بنا عن العدل حب ولا بغض.
ولو كانت دولتا الروم والفرس تقومان على مبادئ الحرية والعدالة وضمان الحقوق الإنسانية ما قامت بيننا وبينها حروب.
الذي وقع داخل الدولتين وخارجهما: أن الاستبداد السياسي حبس الجماهير وراء سياج حديدي بالغ القسوة، وأن جنون القوة أغرى الدولتين معًا بتكسير المصابيح التي حملها الإسلام، فكان القتال لا لنشر الإسلام، ولا لإكراه أحد على اعتناقه، بل لكي تسود الأوضاع الطبيعية.
بعدئذ: "فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ".
ولا يطلب الإسلام في الميدان العالمي أكثر من حريات مستقرة، وإذا عجز المسلمون في ميدان تكافؤ الفرص، وحرية الأخذ والرد، عن نشر دينهم، فلا أقدرهم الله ولا بارك فيهم!
إنني أعود إلى قومي فأسألهم: لقد أمركم الله أن تكونوا أمة دعوة "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" (آل عمران: 104). فماذا صنعتم لتلبية هذا التكليف الإلهي؟ أين الأجهزة التي تنهض بهذا العبء النبيل؟
إن فن الدعوة يحتاج إلى ألوف من الأذكياء الأتقياء يأخذون طريقهم إلى الأفئدة والعقول بلباقة ورفق، فإذا اعترض السيف هؤلاء برز من جانبنا سيف يناوشه، ويعيده إلى غمده، ويترك الحكم للمنطق والأدب لا لغرائز السباع...
إن هذا هو اتجاه الوحي النازل علينا، وهو المفهوم من عشرات النصوص التي نتلوها.
ومن ثم فإنني أنظر باحتقار شديد إلى أشخاص عجزة في ميدان الدعوة، كسالى في سباق الخير، لا صياح لهم إلا: السيف السيف!! ولو قام السيف لكانوا أول ضحاياه!
لقد أصاب الإسلام ضرر شديد من الانحصار العقلي الذي سيطر على أولئك المتحدثين، ومن التحريف الذي فرضوه على الأحداث، فأمست قريش معتدى عليها في معركة بدر! وأمست الإمبراطورية الرومانية الاستعمارية معتدى عليها في مؤتة وتبوك!
وانتقل هذا الاضطراب الفكري إلى نصوص الكتاب والسنة، فإذا تيار من الفوضى يلغي باسم النسخ نحو 120 آية قرآنية، ويعوج بمفهوم آيات أخرى، ويخرج الإسلام للناس في صورة دميمة!.
نحن بتوفيق الله نتناول الموضوع كله بشيء من التفصيل، وأصارح بأني أتبع خُطا الراسخين في العلم، وأطيل التأمل فيما ينقل إلينا من أقوال ومذاهب.
إن كتبنا القديمة تجمع في القضية الواحدة ركاما من الآراء، فيه الصحيح وفيه الذي يحتمل الصحة، وفيه الباطل، وفيه السقيم، ويجيء ذوو النظرات السطحية فيقرءون هذا وذاك، وربما لم يعلق بأذهانهم إلا ما لا خير فيه.
وهذا الخلط المتباين أساء إلى ثقافتنا الإسلامية، وربما منح الحياة مرويات كان يجب أن توأد يوم ولدت! وقد سمعت البعض يرحب بهذه الحرية! ولكني عند التدبر والموازنة شعرت أن العملة المزيفة طردت العملة الصحيحة.
ولما كان الحكام المسلمون في أغلب العصور أفرادًا يغلب عليهم الجهل، فإن سلطاتهم الواسعة ساندت الأوهام والأخطاء، لا سيما في ميدان الدعوة.
إن المسلمين حملة رسالة عالمية بيقين! ونقل هذه الرسالة إلى الناس وظيفة شريفة.
وغياب الحكومات الإسلامية عن هذا النقل وضماناته وتبعاته أمر غير طبيعي، كما أن ربط هذا النقل بأهواء الحكام وأمجادهم الخاصة مرفوض.
وسأبدأ سردًا للآيات التي تضمنت سياسة الدعوة وجهادها، وردًّا للآراء التي وقف تنفيذها باسم النسخ.
ومن خلال السرد والرد معًا سيعرف القارئ المسلم أسلوب النفس الطويل الذي سلكه الإسلام في هداية أهل الأرض، واقتيادهم برفق إلى الصراط المستقيم... وعندئذ نعلم متى يلجأ المحرج إلى السيف وكيف يستخدمه.[3]
وقد كتب الشيخ رحمه الله فصلا رائعا في بيان الآيات التي زعم الزاعمون نسخها بآية السيف، وبيّن بالبرهان أنها محكمة غير منسوخة، وفسرها بعقله النير وبقلمه البليغ تفسيرا تنشرح له الصدور، وتطمئن به القلوب، وتقتنع به العقول، يتفق مع هداية القرآن، وهدْي النبوة، ومقاصد الإسلام. فليراجع هذا الفصل القيم كل من يريد أن يستزيد علما وهدى في فهم آيات الدعوة والجهاد، وما قيل فيها إنه منسوخ بغير بينة من الله ولا برهان.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] يقصد الشيخ رحمه الله بالعلماء المتأخرين من نسميهم (العلماء المحدثين) أي علماء العصر الحديث ابتداء من الشيخ محمد عبده، والشيخ جمال الدين القاسمي ومن بعدهما.
[2] انظر: كتاب (الجهاد المشروع في الإسلام) للشيخ عبد الله بن زيد المحمود.
[3] جهاد الدعوة للشيخ الغزالي: 16-25 طبعة دار الصحوة.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:46 PM
حكم قتال الكفار المعتدين على بلاد المسلمين
[الكاتب: سليمان بن ناصر العلوان]
فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله تعالى :
ما حكم قتال الكفار المعتدين على بلاد المسلمين ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الإسلام يرفض الخور والتخاذل وإسلام بلاد المسلمين إلى أعداء الدين وإخوان القردة والخنازير .
ويأمر بالجهاد في سبيل الله وقتال الناكثين والمعتدين ويؤكد ضرورة تطهير أراضي المسلمين من أيدي المغتصبين قال تعالى : { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ، وقال تعالى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ }.
وقد أجمع أهل العلم على فرضية قتال الكفار المعتدين على بلاد المسلمين فإن اندفع شرهم بأهل البلاد المحتلة سقط الفرض عن غيرهم وإن لم يحصل دفع العدو الكافر وطرده عن بلاد المسلمين فإنه يجب حينئذ على مَنْ يقرب من العدو من أهل البلاد الإسلامية الأخرى مناصرة إخوانهم ومنا جزة الكفار وصدّ عدوانهم ودفع بغيهم قال تعالى : { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا }.
فهذه الآية تقتضي وجوب تخليص المستضعفين من المؤمنين من أيدي الكفرة والطغاة المجرمين وتقتضي وجوب قتال الكفار .
والمقصود من هذا القتال إعلاء كلمة الله ونصر دينه ومناصرة المؤمنين ومظاهرتهم على عدو الله وعدوهم .
ومن قتل في هذا الجهاد فهو شهيد قال صلى الله عليه وسلم من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ... رواه مسلم [1915] من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة .
وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال والقائمين عليه من أفضل العباد .
فلله درُّ أرواح تضمها أجسادهم ودماء أريقت في حماية الإسلام وكسر شوكة أعدائه .
قال تعالى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ }.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:48 PM
الجهاد في زماننا فرض عين
[الكاتب: علي الخضير]
ما حكم الجهاد في هذا الوقت بالذات ، وهل يجوز للشخص أن يترك من يعول كمن لديه أخوة وزوجة وأبناء ؟
الجواب :
الجهاد في هذا الوقت فرض عين ، { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } .
وقد نقل جمع من أهل العلم أن بلاد المسلمين إذا دهمت وجب القتال ، وأيضا إذا صال صائل وجب فرضا .
وقد صال التحالف الدولي اليوم لمحاربة الإرهاب ، ويقصدون محاربة الإسلام والمسلمين والجهاد في كل مكان كما صرح طاغوتهم الأكبر أنها حرب صليبية ، وهي حرب متعددة الأنواع عسكرية واقتصادية وثقافية واجتماعية. . . وفي جميع الأمكنة وعلى جميع الأصعدة .
وكل يجب عليه بقدر ما يستطيع وليس ميدان القتال هو أفغانستان فقط ، بل نجاهدهم في كل مكان ، فان نوعية الحرب اليوم اختلفت وليس لها ميدان معين ولا ارض محددة ، فهم صالوا على الإسلام في كل مكان فنحاربهم في كل مكان .
ومن محاربتهم جهاد المقاطعة الاقتصادية ، فإنها من أقوى وأنكى المقاومة الشعبية المتيسرة للشعوب الإسلامية ، كل على قدر استطاعته إلا إن ترتب على ذلك مفسدة خاصة ، فيعذر الرجل في ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم (( لا ضرر ولا ضرار )) .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:50 PM
السؤال:
هل يشترط وجود الإمام للجهاد دفعاً وطلباً، فقد ذكر الإمام عبد الرحمن بن حسن رحمه الله، أنه لم يشترطه أحد من أهل العلم، فهل علمتم أحداً اشترطه ؟
الجواب:
الحمد لله
ليس هو من شروط الجهاد لا دفعاً ولا طلباً ، أما الدفع فهذا واضح لأن العدو إذا داهم البلاد يجب على كل من قدر على دفعه حتى النساء يجب عليهن أن يقاتلن ، كما ذكر الفقهاء ذلك ، لأن هذا واجب على الأعيان ، والإمام يكون للتنظيم ، فإذا وجد فهو خير وحسن ، وإذا لم يوجد فإنه يجب على المسلمين القتال .
الشيخ عبد الله الغنيمان
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:52 PM
مشروعية الجهاد الجماعي
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة وهداية للعالمين سيد ولد آدم، وإمام الغر الميامين، وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين وبعد:
فإنني استمعت إلى بعض الأخوة من طلاب العلم، والعلماء، وكذلك بعض من ينسب إلى العلم ويدعيه، وليس كذلك، أن الجهاد الجماعي لا يجوز إلا للإمام العام إمام المسلمين وحده وإن كل جماعة تتأسس لجهاد، أو دعوة، أو عمل من أعمال البر والخير بدافع ذاتي من أهلها ليست جماعة مشروعة. وأن جماعات الدعوة الإسلامية التي قامت في العالم شرقاً وغرباً كالجماعات السلفية، وجماعات التبليغ، وجماعات الإخوان المسلمين وغير ذلك من هذه الجماعات أنها جماعات فرقة وتفرقة. وأن قيامها غير جائز، وبالتالي عملها غير مشروع.. وادعى بعض هؤلاء الذين استمعت إلى تسجيلاتهم أن هذه الجماعات تصنف مع أهل الاعتزال (المعتزلة) والخوارج، لأنهم خرجوا بتأسيسهم هذه الجماعات خرجوا على جماعة المسلمين، وعلى حكام المسلمين..
والذين قالوا ذلك ادعوا كذلك أن هذه الجماعات ليست من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم ولا من سنته وأنهم اتخذوا غير طريقه وغير منهجه في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
ولما رأيت أن كثيراً من أبناء المسلمين وشبابهم قد خدع بهذه الفتوى الباطلة، والقول الجزاف الذي لا يستند إلى علم ولا عقل، أحببت بما أوجبه الله من البيان وعدم الكتمان أن أضع هذه الرسالة المختصرة، بياناً للحق، وكشفاً للغمة، وهداية بحول الله إلى الطريق المستقيم، والله وحده المسئول أن يجعل عملي خالصاً، وأن يجعله صواباً سديداً إنه سميع عليم.
عبدالرحمن بن عبدالخالق اليوسف
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:53 PM
الباب الأول
مفهوم الجماعة
الجماعة ما اجتمع من الناس على أمر ما، وأقله اثنان وهو الصحيح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: [من يتصدق على هذا فيصلي معه] (أخرجه أحمد والدارمي وأبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي وابن حزم من حديث أبي سعيد الخدري)، والتصدق هو أن يثيبه بانضمامه معه في الصلاة ثواب الجماعة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [صلاة الجماعة تعدل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة] (متفق عليه من حديث ابن عمر). فدل الحديث على أن الاثنين جماعة، وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه رجل واحد فقط. فدلت السنة العملية والقولية على أن الاثنين جماعة.
ولا حد لأكثر الجماعة فقد تبلغ الآلاف وآلاف الآلاف وهم جماعة واحدة.
كما قال صلى الله عليه وسلم: [يد الله على الجماعة] (أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس وحسنه وصححه الألباني)، ويقال جماعة المسلمين لكل من اجتمعوا على إمام في زمن ما، كما قال صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان في حديث الفتن الطويل: [الزم جماعة المسلمين وإمامهم] (متفق عليه من حديث حذيفة).
وليس اللزوم هنا لزوم معتقدهم، ودينهم.. وإنما اللزوم لزوم جهادهم وفقههم لأن هذا هو معنى اللزوم بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: [ألا من ولي عليه وآل فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة] (رواه مسلم). وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: [وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه، فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة] (رواه مسلم من حديث عوف بن مالك)، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: [من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية] (رواه مسلم). وهذه الأحاديث كلها تبين أن المقصود بلزوم الجماعة هو لزوم طاعة الإمام في الخروج إلى الجهاد، ودفع الزكاة إليه ونحو ذلك مما هو من مهام الإمام.
فالمقصود هنا هو بيان أن الجماعة اثنان فأكثر وأن كل جماعة اجتمعوا على أمر لزم أن يكون لهم إمام مطاع. فجماعة الصلاة يجب عليهم الائتمام بإمامهم، وكذلك الشأن في جماعة السفر، وجماعة الجهاد (الجهاد والسرية).. والجماعة العامة، وكل جماعة أجمعت على أمر ما من أمور الدين والدنيا لا تكون جماعة إلا بإمام مطاع.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:54 PM
الباب الثاني
مشروعية الجماعة وحكم الاجتماع
كل أمر لا يتم إلا بالاجتماع عليه فالجماعة له واجبة. كما هو مقرر في أصول الفقه (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فالجماعة فرض للقتال لأنه لا قتال ينكأ العدو، وينصر المسلمين إلا باجتماع وأمير وإمام.. وقيام أمة الإسلام لا يتم إلا بالإمام، ولذلك كان تنصيب الإمام فرضاً واجباً.. وكذلك الحال في كل منكر لا يمكن إزالته إلا بجماعة فالجماعة عندئذ تكون واجبة، وهكذا الحال في كل فروض الكفايات كإقامة الجمع والجماعات، وبناء المساجد، وغسل الميت وتكفينه، ودفنه، وتعليم العلم، ونشر الفضيلة والإيمان، ونحو ذلك مما أوجبه الله على عباده.. والخلاصة أنه بالنظر إلى القاعدة المعروفة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فلما كانت إقامة الدين، ورد كيد المعتدين على أمة الإسلام، وحوزة المسلمين لا تتم إلا بإمام، فإن تنصيب الإمام واجب في الدين. وهذا إجماع المسلمين، كما أجمعوا على تنصيب الصديق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لإقامة الدين، وتنظيم شئون المسلمين، والعمل لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى. ثم سار المسلمون على ذلك أعني تنصيب خليفة وإمام جيلاً بعد جيل وقد نص الله على وجوب ذلك، قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} (النساء:58) والأمانة هنا هي أمانة الحكم، وقال صلى الله عليه وسلم: [من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية] (رواه مسلم).
والخلاصة أن الإمامة العامة فرض على المسلمين، وأنه لا يجوز للمسلمين أن يبيتوا ليلة بغير إمام يقودهم بكتاب الله وسنة رسوله، وإلا كانوا آثمين ولا شك أن جماعة الصلاة فرض على الكفاية أو الأعيان كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ونقطة الالتقاء بين المذهبين أنه لا بد من جماعة تقام للصلاة وإلا فترك جماعة الصلاة نهائياً هدم لهذا الركن وتضييع للصلاة وإثم على الجميع.
ولا شك أن القتال واجب، ولما كان القتال لا يصلح إلا بقائد وإمام وجماعة تصدر عن رأي ومشورة وأمر وقرار فإن تنصيب إمام للجهاد واجب لا شك فيه، ولا يجوز أن يقاتل الناس متفرقين مختلفين بغير إمام ونظام لأن هذا مدعاة للفشل والهزيمة والضياع، وهذا أمر معلوم ببداهة العقول. وكذلك كان من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده تنصيب إمام للحج يصدر الناس عن رأيه ويرجعون إليه، فالحج عبادة لا تصح إلا بإمام كذلك الزكاة عبادة لا تصح إلا بإعطائها لإمام وتوزيعها بنظام كما قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} (التوبة:103) فأمر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الخلفاء ينصبون في كل بلد من يجمع الزكاة من أغنياء البلد ويوزعها على فقرائه، كما قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما أرسله إلى اليمن: [إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس] (متفق عليه).
والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم: [تؤخذ من أموالهم] وقوله [فإذا أطاعوا فخذ منهم] فالإمام هو الذي يأخذ الزكاة، ويوزعها، ولم يترك الرسول لهم حرية توزيع الزكاة كل كما يشتهي بل لا بد وأن تجتمع لدى أمير الناحية ثم توزع حسب مصارفها الشرعية.
والشاهد أن الزكاة كالحج والصلاة، عبادات لا تصح إلا بجماعة وإمام. وكذلك الصوم لا بد فيه من إمام يحدد بدء الشهور ونهايتها ويجب على المسلم أن يلتزم برأي الإمام وجمهور الناس وألا يشذ عنهم في فطر أو صوم، كما قال صلى الله عليه وسلم [الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون] (أخرجه الترمذي عن أبي هريرة وحسنه وصححه الألباني).
وهذا كله يدل على أن هذه العبادات العظيمة أركان الإسلام لا تصح إلا بجماعة والتزام رأي الإمام والعمل فيها بنظام، وأن الشذوذ في شيء منها خروج من الجماعة يوجب الإثم فمن شذ عن جماعة الصلاة مع قدرته عليها فلا صلاة له، ومن أخرج زكاته بعيداً عن السلطان القائم فلا زكاة له، ومن شذ عن صوم الناس فصام وحده وأفطر وحده فقد شذ وأثم. ومن حج وحده فجعل لنفسه يوماً يقف فيه بعرفة دون الناس فلا حج له.
وهكذا نعلم أن الجماعة لازمة في هذه الأركان.
ولا شك بلزوم الجماعة للجهاد، وأنه لا جهاد إلا بأمير وقائد، وإمام..
ولا شك أنه لا جماعة إلا بطاعة وإمام كما قال سبحانه وتعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} (النور:62).
والمعنى أنه لا يجوز لمسلم إذا كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر جامع كالجهاد مثلاً فإنه لا يجوز له أن يترك الرسول صلى الله عليه وسلم وموقفه في الجيش إلا بعد استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم. وأما إذا تسلل وانفلت دون إذن فإن هذا خروج من الطاعة، ومدعاة لسخط الله وعقابه، كما قال تعالى: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو عذاب أليم} (النور:63).
ومعنى {يتسللون لواذاً} أي مختفين عائذين بشجرة أو جدار أو نحو ذلك مختبئين خلفه، وها نحن نرى أن الله قد حذر من يخالف أمر الرسول، وهددهم بالفتنة أو العذاب الأليم والأمر هنا أمره العملي الجهادي (الحركي) ولا شك أن العبرة أيضاً بعموم اللفظ. والمعنى (أوامره) ولكن سبب النزول داخل حتماً في العموم بل هو أول داخل فيه لأنه الذي من أجله جاء النص.
والخلاصة أن الإسلام نظام جماعي يقوم على الجماعة في كل شيء تقريباً في الحياة العامة والأركان: الصلاة والصيام والزكاة والحج، وكذلك الجهاد، والسفر والناحية والبلد بل وفي كل شأن كما اتخذ الخلفاء لكل شيء أميراً كالسوق والصناعات ونحو ذلك.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:55 PM
الباب الثالث
واجبات الإمام
علمنا في الباب السابق أن الجماعة فرض واجب في كل عمل يراد القيام به، وإتمامه على الوجه الأكمل من أمور الدين وأمور الدنيا، وأنه لا يستقيم للمسلمين صلاة ولا زكاة ولا حج ولا صوم، ولا جهاد إلا بجماعة، ونظام وإمام مطاع، وأنه لا يجوز أن تكون في بلاد المسلمين قرية ولا بلدة، ولا ناحية، بل ولا حرفة ولا صناعة إلا ولها أمير مطاع ومرجع يرجع إليه في النزاع. وهذا الذي سار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه من بعده.
والآن نأتي إلى الواجبات التي أناطها الله بالإمام العام فما هذه الواجبات؟ والجواب أن الله سبحانه وتعالى أناط بالإمام العام مسئوليات كثيرة جداً، وواجبات عظيمة، تشمل رعاية مصالح الدين، والدنيا، فمن واجبات الإمام العام (الخليفة) إقامة شرع الله في الأرض، والحكم بما أنزل الله، ومن ذلك إقامة الصلاة، وأخذ الزكاة وتوزيعها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد أعداء الله بالسيف واللسان، والحجة والبيان، وتهيئة المناخ الصالح لتنشئة أبناء المسلمين وتعليمهم وتربيتهم، والأخذ على يد السفيه، والحكم بين الناس بالعدل، ورد الباغي والظالم، وأخذ الحق للمظلوم والمهضوم، ورعاية مصالح الناس ومعايشهم، وقسم أرزاقهم بينهم بالعدل والسوية.
ولا شك أن هذه أمانة عظيمة وتكليف هائل شاق. كما قال صلى الله عليه وسلم واصفاً الإمارة: [إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها] (أخرجه مسلم من حديث أبي ذر).
وللأسف أن كثيراً من الناس يظن الإمامة والإمارة مغنماً، حيث العلو على رؤوس الناس والتحكم في أموالهم ودمائهم وأعراضهم، والحال غير ذلك في ميزان الله سبحانه وتعالى. فالإمامة العامة في ميزان الله تكليف وخدمة للناس حيث الإمام أثقل الناس تبعة، وأعظمهم حملاً، وأشقهم مسئولية.. ومن أجل ذلك كان الصالحون من هذه الأمة يشفقون منها ويفرون منها.. فهذا الصديق أبو بكر يقول: (والله ما سألتها في ليل أو نهار) (أخرجه البخاري) أي ما سألت الله أن يؤمرني في دعائي قط ليلاً أو نهاراً.
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ الخلافة كارهاً، ويقبلها مسئولية وتبعية ويتركها زاهداً ويقول لمن أشار عليه أن يولي ابنه عبدالله (بحسب آل الخطاب رجل واحد فإن كانت خيراً فقد أصابوا منه، وإن كانت غير ذلك فحسبهم أن يتحملها رجل واحد منهم).
والخلاصة أن مسئوليات الإمام في الإسلام مسئوليات عظيمة كبيرة قال تعالى: {الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور} (الحج:41).
وهذه المسئوليات العظيمة تخالف مفهوم الناس اليوم عن الإمارة والحكم والملك فعامة الناس يرون الإمامة اليوم مغنماً وترؤساً وشرفاً. من أجل أن يتربع مكانه، ويحوز سلطانه، ولا يرى أحدهم أنه مسئول أمام الله عن شيء مما ذكرناه.
بل أساس الحكم في كثير من بلاد المسلمين اليوم أساس غير إسلامي وغير ديني يقوم على مصالح الدنيا فقط دون اعتبار لمصالح الدين.
فالحاكم الصالح اليوم من أهل الدنيا يرى أنه مسئول عن دنيا الناس فقط من تنظيم معايشهم وتقسيم أرزاقهم، وتيسير سبل حياتهم والحفاظ على صحتهم، وتعليمهم، والترفيه عنهم بالحرام والمباح.. هذا إذا كان صالحاً في نظر نفسه ونظر الناس.
وإلا فالكثير منهم مفسد للدين والدنيا، فلا الدين عنده له شأن يذكر، فلا هو مسئول عن إقامة الصلاة أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو الذب عن عقائد الإسلام، ولا هو مراع لمصالح الدنيا من البحث في تيسير سبل العيش وتنمية موارد الدولة، والعناية بحياة الناس وهناك من هم أشد فساداً من ذلك من أهل العقائد الزائفة، والبغضاء للإسلام وأهله ممن تسلموا أمور المسلمين في غفلة من المسلمين فزرعوا البلاد بالشر والفساد، وكل ما يصد عن سبيل الله، وقعدوا لأهل الإيمان بالمرصاد.. فإذا يمم الشاب وجهه شطر المسجد أخافوه وآذوه واعتقلوه في السجون والمعتقلات، بغير ذنب إلا أن يقول ربي الله، وإذا تحجبت الفتاة كان مصيرها التشهير والتعيير بل تعدى ذلك إلى الحرمان من أدنى حقوق الآدمية كالتعليم والسير في الطرقات!!
بل إن هؤلاء قد سلطوا سفلة الناس وأشرارهم ورفعوهم إلى أعلى المناصب فعاثوا في الأرض فساداً حيث دمروا اقتصادها، وهدموا أخلاق أبنائها، وبناتها وأهانوا كل كريم نافع في مجتمعه، ورفعوا كل لئيم مرتش لص.
وهكذا نصب هؤلاء الحكام أنفسهم حرباً لله ورسوله والمؤمنين، يصدون عن سبيل الله من آمن به ويبغونها عوجاً. بل أقاموا في بلاد الإسلام شعباً للمخابرات تحمل اسم (شعبة مكافحة النشاط الديني)!!
فانظر كيف تستخدم أموال المسلمين ومقدراتهم وثرواتهم للصد عن سبيل الله، ومحاربة الله في بلاد الله.
وهذا انقلبت الموازين فتحول الحاكم والإمام والخليفة من أن يكون عبداً لله يقيم الصلاة ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحرس الدين، ويحمي حياض المسلمين إلى أن أصبح عدوا لله يحارب الله ورسوله والمسلمين بمال الله، وأموال المسلمين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:56 PM
الباب الرابع
خطاب الله بفروض الكفايات خطاب للأمة كلها
علمنا في الباب السابق أن على الإمام المسلم واجبات عظيمة، وفروضاً كثيرة. ولا شك أنه يجب عليه قياماً بالأمانة أن يقوم بما كلف به هو أو من ينيبه لذلك من وزرائه وقواده، ونوابه. ولا شك أن الإمام المسلم إذا قصر في شيء من ذلك كان آثماً. ومع ذلك فإن إثم التخلف عن هذه الواجبات ليس على الإمام وحده بل على الرعية كذلك لأن فروض الكفايات يأثم الجميع بتركه. فإذا غزيت أرض المسلمين ولم ينهض الإمام المسلم للدفاع عنها وجب على المسلمين أن يهبوا للدفاع عن أنفسهم وأعراضهم ودينهم وإن لم ينهض الإمام لذلك وإذا أهمل الإمام المسلم إقامة الصلاة، ولم يعين أئمة للناس، ولم يبن المساجد، ولا اتخذ المؤذنين والأئمة فإن أهل كل ناحية وبلدة ملزمون شرعاً بفعل هذه الواجبات التي أهملها الإمام، وكذلك الحال في كل فروض الكفايات كتغسيل الميت ودفنه، وتعليم القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..، فلو أهمل الإمام العام شيئاً من ذلك فإن الناس لا يعذرون بإهمال الإمام لها. بل عليهم التعاون فيما بينهم والقيام بهذه الفروض وإلا كانوا جميعاً آثمين.
والدليل على ذلك أن خطاب الله بفعل هذه الأمور خطاب لجميع الأمة، ولم يشترط الله لصحة وقوع هذه الواجبات إذن الإمام، بل لو عطل الإمام بعض هذه الواجبات كان آثماً، ولا يجوز للناس طاعته في ذلك، أرأيت لو أن إماماً أو حاكماً منع الناس من صلاة الجمعة وأقفل المساجد فهل يعذر الناس بترك الجمعة؟ لا شك أنهم لا يعذرون، بل هم آثمون إن أطاعوه في ذلك لأنه [لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق] (أخرجه الطيالسي وأحمد والطبراني والحاكم عن عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري وأخرج البخاري ومسلم نحوه بلفظ [لا طاعة لبشر في معصية الله إنما الطاعة في المعروف])، وكذلك الحال لو أن الإمام منع الناس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الناس لا يعذرون عند الله إن تعطل هذا الفرض والواجب. بل يجب عليهم مخالفة هذا الإمام الظالم الجائر الصاد عن سبيل الله، ويلزمهم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجب عليهم عصيان الإمام في ذلك لأن طاعته عندئذ معصية لله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وكذلك لو انتهكت حرمات المسلمين، واعتدي على أعراضهم وأموالهم من أعدائهم، وسكت الإمام على ذلك فإنه بذلك يكون آثماً جائراً ظالماً ولا يجوز للناس طاعته؛ بل يجب عليهم معصيته وحرب الكفار، والدفاع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وكذلك الحال فيما لو أهمل الإمام أو الحاكم تعليم القرآن، ونشر العلم الشرعي وتنشئة أبناء المسلمين على الخير والفضيلة، فإن الناس لا يعذرون عند الله بإهمال الإمام لذلك بل يجب عليهم القيام بهذه الفرائض وإن أدى ذلك إلى معصية هذه الإمام.. لأن معصيته عندئذ هي الطاعة الواجبة لله ورسوله.
وهكذا يظهر واضحاً جلياً أن الأمة جميعها مخاطبة بأحكام الشريعة، والقيام بفروض الأعيان وكذلك فروض الكفايات وأنه لا عذر لها إن قصر الإمام في هذه الفروض، بل لو ركنوا إلى السلطان الظالم المهمل لحدود الله، وسكتوا عليه لكانوا بذلك آثمين معذبين يوم القيامة كما قال سبحانه وتعالى عن الأتباع الغافلين الطائعين لأئمتهم في معصية الله: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} (البقرة:166). وقال تعالى: {وبرزوا لله جميعاً فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} (إبراهيم:21).
والآيات في هذا المعنى كثيرة التي تبين أنه لا يغني عن الأتباع والضعفاء أنهم كانوا في أسر الملأ من الزعماء والرؤساء، الذين ضيعوا حدود الله، وصدوا الناس عن سبيله فهل بعد هذا يقول عاقل أو رجل فهم شيئاً من شريعة الله ودينه أن الناس معذورون بترك فرائض الدين إذا ضيعها الإمام؟!.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:57 PM
الباب الخامس
تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان
هناك أمر لا يفطن له كثير من طلاب العلم بل وكثير من العلماء، وهو أن الأحكام تتغير بتغير الزمان والمكان. فتنزيل الأحكام ينبغي أن يكون بحسب الأحوال فما تكون فرضاً في وقت قد لا يكون فرضاً في وقت آخر ومكان آخر..
فالهجرة مثلاً فرض في مكان وزمان لا يستطيع فيه المسلم إقامة حدود الله أما في مكان آخر فلا هجرة كما قال صلى الله عليه وسلم: [لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية] (أخرجه البخاري من حديث مجاشع بن مسعود) فالهجرة كانت واجبة من مكة قبل فتح مكة حيث كان المسلمون يستضعفون ويمنعون من إظهار شعائر الدين، ولم يعذر الله منها إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، كما قال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً} (النساء:97).
ولا شك أن أهل مكة من المسلمين كانوا قبل الفتح مستضعفين بدليل قوله تعالى: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً} (النساء:75). والقرية الظالم أهلها هنا هي مكة بإجماع المفسرين. فكانت الهجرة واجبة منها قبل الفتح إلى المدينة أو غيرها ثم بعد الفتح سقط الوجوب، وأصبح الانتقال منها مباحاً أو مكروهاً فانظر كيف تغير الحكم بتغير الزمان، لما حدث من المناسبة ولا شك أن وجوب الهجرة باق ولكنه في مكان دون مكان، وزمان دون زمان.
وهكذا الحال في أحكام كثيرة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستئذان الإمام وعدم استئذانه والسفر إلى أرض العدو ونحو ذلك..
وكثير من العلماء وطلاب العلم وللأسف يفتون بفتاوى يظنونها لكل جيل وقبيل، وزمان ومكان ولا يراعون خصوصية، واستثناءً، كالجواب على السؤال الذي هو موضوع هذه الرسالة، فبعض طلاب العلم هؤلاء يعيشون في دولة تطبق من الشريعة ما شاء الله كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة، وتعليم العلم الشرعي، ونشر الفضيلة والعناية بالموتى وإقامة المساجد ونحو ذلك مما هو مفروض على الحاكم.. فيفتون إذا سئلوا أيجوز للمسلمين أن يجتمعوا ويؤلفوا بينهم (جمعية) أو جماعة تقوم بواجب من هذه الواجبات؟
فتكون فتواهم أنه لا يجوز تأسيس وإقامة هذه الجمعيات والجماعات إلا بإذن الإمام وينسى هؤلاء ويغفلون أن هناك من الحكام والأئمة من يحرم إقامة هذه الفرائض، ويصد الناس عنها، فضلاً على أنه لا يهتم بها ولا يعبأ بشأنها.
فهل يسكت المسلمون الذين يبتلون بأمثال هؤلاء الظلمة الفسقة من الحكام.. هل يسكتون عن إقامة هذه الفرائض؟
هل يترك المسلمون أرض الإسلام تستباح من أعداء الله لأن الإمام قد فتح بابه لهؤلاء الأعداء كما فعل حاكم أفغانستان ظاهر شاه الذي فتح أبواب بلاده للشيوعيين الملاحدة.. وأرادوا بل قلبوا قلب أفغانستان البلد المسلم إلى بلد شيوعي كافر يطبق فيها حكم الكفر والإلحاد..
هل يسكت المسلمون ويستكينوا أو يهبوا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والدفع عن أعراضهم وأموالهم وذراريهم.. أم هل ينتظر المسلمون الإمام العام، أو المهدي المنتظر أو المسيح المخلص.. لا شك أنهم يجب عليهم القيام بما يستطيعون من دفع الشر عن أنفسهم، والدفاع عن دينهم وأعراضهم وأموالهم: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} (الحج:40). وقد فعل سبحانه وتعالى فانظر كيف نصر الله من هب لنصرة دينه وإعلاء شريعته والدفاع عن نفسه وعرضه.
وانظر كيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمن سأله قائلاً يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال: [امنعه]. قال: فإن أبى، قال: [قاتله]. قال: فإن قتلته؟ قال: [هو في النار]. قال: فإن قتلني، قال: [أنت في الجنة] (متفق عليه).
فانظر كيف أوصاه الرسول صلى الله عليه وسلم بما يجب عليه من الدفاع عن حاله غير منتظر إذن إمام، وسماح سلطان.
ولا شك أنه إن لم يندفع الكفار المغيرون إلا بَجَمْعٍ وجماعة وأمير فإن الجماعة هنا تكون واجبة لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما أسلفنا.
وكذلك الحال في كل فروض الكفايات التي يهملها الحكام لا يجوز السكوت عليها وتضييعها بل يجب التجمع لها وأداؤها بل إن الحاكم المسلم الحريص على الخير لا يجوز انتظار إذنه إذا كان الواجب مضيعاً مضيقاً، كدفن الميت وإقامة الجمعة والجماعة، وتشييد مسجد وأمر بالمعروف ونهي عن منكر، ودفع عدو هاجم المسلمين من ناحية ما..
فأهل هذه الناحية يجب عليهم أن يهبوا لدفع العدو عنهم حتى يمدهم الإمام ويتولى الأمر دونهم، ولا يجوز للمسلمين التولي عن الزحف وترك أرض الإسلام لأعداء الإسلام، والعجب بعد ذلك لبعض طلاب العلم الذين يفتون خاطئين ومخطئين أنه لا يجوز تجمع أبداً لإقامة واجب من هذه الواجبات، التي أسلفنا القول فيها، وهذا من قصر نظرهم، وضعف بصيرتهم وجهلهم بأحوال المسلمين حولهم، وانغلاقهم في الزوايا التي يعيشون فيها ولا يدرون عما يعايشه الناس حولهم، وعدم ممارستهم لدعوة حقيقية ترجع المسلمين إلى دينهم، وتأخذ بأيديهم إلى أسباب العز والنصر والتمكين.
ولا شك أن أعظم ما دخل من الخطأ على طلاب العلم هؤلاء أنهم لم يراعوا قاعدة تغيير الأحكام بتغيير الزمان والمكان..
وأفتوا للناس فتوى عامة ظنوها صالحة لكل زمان ومكان. والحال إنها إن صلحت لأمكنتهم التي يعيشون فيها فإنها لا تصلح لغير بلادهم.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:58 PM
الباب السابع
فضل الجمعيات والجماعات على العالم الإسلامي
لو أن الذين أفتوا بحرمة التجمع والجماعة على أداء فريضة من فروض الكفايات: أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو إقامة لجمعة وجماعة، أو أداء للزكاة على وجه أفضل أو حج بصورة جماعية، موافقة للسنة، أو مقاتلة لأعداء الله ودفع للظالمين، أو قيام في وجه سلطان كافر ظالم محارب لله ورسوله، أو استنقاذ للمستضعفين من المسلمين..
أو.. أو.. مما يطول شرحه من فروض الكفايات المعطلة. أقول لو أن الذين أفتوا بحرمة الجماعة والتجمع في كل ذلك نظروا إلى المنافع العظيمة، والآثار الجليلة التي أسدتها الجماعات والجمعيات الإسلامية إلى المسلمين في شرق الأرض وغربها.. وكانوا متجردين من الهوى والعصبية، وأزالوا عن أعينهم غشاوة الجهل بالعالم الواسع، ونظروا أبعد من أنوفهم لما أقدموا على أقدموا عليه من الفتوى الباطلة والقول الجزاف.
فإنكار فضل الجماعات الإسلامية على المسلمين أمر لا يجحده وينكره إلا من اتصف بالصفات التي ذكرناها آنفاً.. وإلا فما هذه الصحوة الإسلامية والبعث الإسلامي الجديد الذي نعيشه اليوم إلا أثر من آثار جهاد جماعات تآلفت واجتمعت على الدعوة في سبيل الله وتحمل تكاليف الجهاد بالمال والكلمة والسيف واللسان.
هل نشوة النصر التي يعيشها اليوم الشعب الأفغاني المسلم الذي انتصر على أعتى قوة باغية في العالم، وعلى مدار التاريخ إلا ثمرة لعمل جماعات للجهاد تآلفت كل منها على البذل والتضحية والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله..
هل يمكن أن يقوم عمل كالذي عمله هؤلاء المجاهدون إلا بجماعة وأمير ونظام وتخطيط وسياسة شرعية، ووعي بالواقع المحيط..
ألا يفخر كل منا اليوم بهذا الشباب المسلم الذي يعود إلينا من ديار الغرب أمريكا وأوربا وقد تسلح بالعلم المادي، وحاز من علم الشريعة والدين أضعاف ما يحمله من تخرجوا من جامعاتنا الإسلامية في قلب الوطن الإسلامي بل ويحمل من الخلق والفهم أضعاف ما يحمله من تربوا عندنا.. ألا نشعر بالفخر أن أمثال هؤلاء الشباب العائد من ديار الكفر، وقد جاوز محنة الفساد والإفساد، واستعلى على الفتن كل الفتن بأجلى مظاهرها، وأسأل الذين يفتون بغير علم هل كان هؤلاء الشباب إلا ثمرة لعمل الجماعات الدعوية المنظمة التي لها أمير وقائد، ونظام وتمويل وعمل مدروس؟.
أرأيتم لو كان هؤلاء الشباب نهباً مشاعاً وهم متروكون لكتاب يقرؤونه، أو موعظة عابرة هل يمكن أن يكون قد اهتدى هذا الجم الغفير، أو قامت هذه المراكز الإسلامية في كل مكان، وبنيت هذه المساجد في كل ناحية، وتحولت الكنائس إلى مساجد، ومنتديات للعلم والتفقه..
ثم تعالوا إلى عالمنا الإسلامي هل يسهم الإعلام الرسمي في أغلب دولنا الإسلامية والتوجه الحكومي إلا إلى إفساد الناشئة وتضييع الدين، وإخراج الفرد التافه في كل شيء انظروا وتلفتوا حولكم هل هذا الشباب الذي تجدونه متمسكاً بدينه عاضاً على سنة نبيه متحدياً للباطل والفجور بكل صورة إلا ثمرة لعمل الجماعات الإسلامية وللأسف أقول أن المؤسسات الحكومية الدينية في أغلب دولنا الإسلامية ما باتت تخرج لنا -في الأغلب- إلا أناساً قد مسخت عقيدتهم وفسدت طويتهم، من الذين باعوا دينهم بدنياهم، ولبسوا لكل حالة لبوسها، وساروا مع كل ركب وشهدوا له بالرشد مهما كان توجهه، وسخروا دينهم من أجل دنيا غيرهم، فكانوا من شرار الخلق والخليقة..
ولو كان أمر الله ودينه متروكاً لهؤلاء، لما بقي في ديننا عرق حي، ولا شمعة مضيئة ولكن الله اختار ويختار في كل وقت من يقوم بدينه لا يخاف في الله لومة لائم.
وهؤلاء الذين يختارهم الله سبحانه وتعالى هم ثمرة هذه الجهود المخلصة، وهذا العمل الدؤوب الذي تقوم عليه جماعات للدعوة في كل مكان من أنحاء العالم الإسلامي وهؤلاء هم بحول الله هم طلائع الجيل المثالي القرآني الذي سيحقق الله لهم موعوده، {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز..} (الحج:40).
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 08:59 PM
الباب الثامن
الدافع الحقيقي لمن أفتى بتحريم جماعات الدعوة
ولعل سائلاً يسأل لماذا وقع من وقع في هذا الخطأ الظاهر، فالأمر لا يحتاج إلى كل هذا النظر والتفكير بل هو من بداهة العقول فلا يوجد نص واحد يحرم إقامة جماعة ونظام بل الإسلام كله كما أسلفنا، يقوم على النظام بدءاً بالإمام العام ووجوب أن يصدر المؤمنون جميعاً عن رأي ومشورة وقرار من إمام مطاع؛ ومروراً بالصلاة التي تجب لها الجماعة والطاعة والنظام، والصوم الواجب الذي يجب أن يكون نظاماً جماعياً يحدد فيه البدء والنهاية للجميع. والزكاة التي لا يجوز أن يؤديها الفرد دون نظام وجماعة وإحصاء، ومتابعة. والحج الذي يجب أن يكون له إمام، يحدد أيامه، ويصدر الناس عن رأيه ومشورته. والجهاد الذي لا يقوم إلا بأمير وقائد ونظام وخطة، ولا يعرف دين ونظام في الأرض قديماً وحديثاً يوجب على أتباعه ألا يسافر ثلاثة منهم إلا وقد أمروا أحدهم، وألا يسكن ثلاثة منهم في ناحية إلا وقد اتفقوا فيما بينهم على الجماعة والنظام والطاعة.. لا أعرف ديناً في الأرض كلها ولا نظاماً في العالم أجمع يأمر أتباعه بذلك فكيف يقول بعد هذا كله ويفتي من يفتي وهو يرى أحوال المسلمين المزرية، ودينهم المضيع وقرآنهم التي هجرت أحكامه، وسنة نبيهم المهانة في كل مكان، واستضعاف رجالهم ونسائهم وولدانهم، وركوب أعدائهم عليهم من كل جانب.. وكل هذه الأمور لا يمكن إصلاح شيء منها، ولا القيام بفرض من فروضها وواجب من واجباتها إلا بتكاتف وتآزر وتشاور، وتعاون، وجماعات منظمة عاملة دائمة يسلم فيها السابق الأمانة للاحق.. ويتواصل فيها العمل والمدد حتى تنزاح الغمة ويذهب الكرب..
أقول للأسف بالرغم من وضوح الأمر إلى هذا الحد. فليس في الدين ما يمنع الجماعة بل الدين يحث عليها يأمر بها ويوجبها ويفرضها على أتباعه في كل شئونهم تقريباً، وحال المسلمين لا يصلح إلا بجماعة ونظام، وأمور المسلمين معطلة ضائعة.. وفروض الكفايات كلها تقريباً مهملة، بالرغم من وضوح الأمر وبيانه فإنه تصدر مثل هذه الفتاوى الباطلة من بعض من نحسن فيهم الظن ونربأ بهم عن الانحراف والميل ولكن الذي دفع بعضهم إلى هذه الفتاوى ما يأتي:
أ- الحرص الشديد على الدعوة:
أن بعض هؤلاء الذين أفتوا به إنما دفعهم دافع الحرص على الدعوة، وهم يرون أن كل من يجتمع على أداء فريضة من فرائض الدين يتعرضون للتعذيب والتنكيل من أعداء الله المجرمين ممن تسلموا أمور المسلمين وهم لصوص متغلبة وذئاب مفترسة..
ولذلك رأى هؤلاء المخلصون من الدعاة أن الدعوة الفردية أسلم، والبعد عن التكتل والنظام آمن للدعوة وأقل ضرراً وشراً، وأقول لهؤلاء، أخطأتم الطريق، وحرمتم ما حرمتم بدافع الخوف والجبن لا بدافع الإخلاص والعزم، فالدين لا يقيمه الجبناء. والطغاة لا يهزمهم الضعفاء. والفروض الإسلامية التي شرحناها آنفاً لا تقوم إلا بجماعة، والسكوت عن هذه الفرائض إرضاءً للظلمة جريمة ما بعدها جريمة: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} (هود:113).
ب- الظن أن أسلوب الجماعة لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:
والسبب الثاني الذي حمل بعض من أفتى بحرمة العمل والجهاد الجماعي أنهم في زعمهم لم يروا له نظيراً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا خطأ جسيم وفي الأمثلة التي سردناها وبيناها أدلة كافية لمن كان له أدنى فكر أو نظر..
وللأسف أنني سمعت في شريط مسجل سئل فيه أحد هؤلاء المفتين أيجوز أن نؤسس فيما بيننا جماعة لمساعدة المحتاجين ونجعل صندوقاً تجمع فيه، ثم نساعد منه المحتاج والمدين والعاجز عن الدين ونحو ذلك؟ فقال هذا المفتي: لا يجوز ذلك لأن التنظيم لم يكن على عهد رسول الله!!..
وادعى هذا المتصدر زوراً للفتيا أنه لم يكن للرسول صلى الله عليه وسلم صندوق! وإنما كان يوزع ما يأتيه من المال لساعته بين من حضر عنده!!..
وهذا جهل عظيم بالدين، وجهل بالسنة والسيرة والتاريخ كله، وهدم لأمة الإسلام من أساسها.. فقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم بيت مال وكان بلال هو القائم عليه، وأحياناً كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفرق المال الذي كان يأتيه وقعةً واحدة، وأحياناً كان يتجمع لديه ويرصده في بيت المال لحاجة المسلمين المستقبلية، كإجازة الوفود، وتسديد الديون، ونفقة الجيش..
نعم ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدخر من ماله الخاص. ولكن مال المسلمين كان يكون في بيت المال ويوزع للحاجة. وعلى هذا سار الخلفاء الراشدون وجميع الخلفاء من بعدهم ولا يستقيم أمر الأمة إلا بذلك، أن يكون لهم بيت مال عامر يرصد المال فيه ويوزع للحاجة وينفق في مصالح الأمة.
وأما تعاون مجموعة من الناس على فعل هذه الأمور المستحبة من مساعدة المحتاج وسداد الدين وتنفيس كربة المكروب فإن هذا من أعظم أبواب البر والإحسان..
ولولا أني سمعت من يفتي بحرمة هذا لقلت لا يفتي بحرمة مثل هذا الصندوق والاجتماع عليه عاقل. ولكنني سمعت ذلك بنفسي من شريط مسجل من رجل يزعم أنه من العلماء وأن الوفود تأتي إليه لطلب العلم، وأن الجموع تتلقى عنه..
ولولا هذا البلاء الذي حل بالأمة حتى تصدر فيها هؤلاء ما سودت هذه الصفحات ولا كتبت هذه الكلمات ولا أشغلت نفسي بهذه الأمور التي كنت أظن في يوم ما أن الاشتغال بها كمن يشتغل بإقامة الدليل على ظهور النهار والشمس طالعة.. ولكن ماذا نصنع إذا ابتليت الأمة بمجموعة من العميان قد نصبوا أنفسهم في مجال القيادة، وأوهموا الناس أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجابه باطلاً، ولا أقدم على خطر، ولا أسس أمة ولا جماعة، وأنه حرم كل تنظيم وترتيب ودعا الناس ألا يتدبروا أمراً، وألا ينظروا في عواقب فعل، بل عليهم أن يفعلوا الفعل دون نظر في عواقبه ومآله، وأن كلاً منهم يجب أن يكون أمة وحده، لا يلتزم بجماعة ولا يطيع رأياً لغيره، وأن يعيش مع أئمة الفسق والجور على ما يشاؤون ويطيعهم في الطاعة والمعصية، ولا يخرج عليهم بقول يكدر خاطرهم وينكر منكرهم ويذكرهم بمعاصيهم، وأنهم إن ألفوا جماعة لإنكار منكر، أو دفع عدو أو مساعدة محتاج، أو تنظيم زكاة، أو بناء مسجد فقد أثموا وخرجوا عن هديه وسنته!!؟.
ماذا نفعل إذا ابتلينا بمن يفتي بكل ذلك وهو معدود عند الناس من أهل العلم والتقوى والإحسان والدين؟!.
والخلاصة أن بعض هؤلاء الذين أفتوا به إنما جاءهم الخطأ من حرص كاذب على الدين وأهله، أو جهل بالسنة العملية، والسيرة النبوية الشريفة، وجهل بالحياة كل الحياة.. ولعل في هذه الرسالة المختصرة تبصرة وذكرى.
ج- عدم التفريق بين الجماعة الخاصة والجماعة العامة:
والسبب الثالث الذي من أجله وقع من وقع في خطأ الفتيا بتحريم الجماعة هو عدم تفريقهم بين التجمع على أداء فرض خاص، كالجهاد في سبيل الله، وإخراج الزكاة وتعليم العلم، وبناء المساجد والمدارس، وإطعام الجائع، وإنكار بعض المنكرات التي لا يمكن إزالتها إلا بتعاون وتضافر.. ونحو ذلك. وبين الجماعة العامة التي هي جماعة أهل الإسلام التي يتعين لها وجود الإمام العام المبايع من جمهور الناس.
ولا شك أن هناك فروقاً كثيرة بين الجماعة الخاصة وجماعة الدعوة، والسفر، وجماعات البر والإحسان ونحوها وبين جماعة المسلمين. من هذه الفوارق أن الأمير في الجماعة العامة أمير ظاهر يجب على كل مسلم بيعته وطاعته، وأما أمير الجماعة الخاصة فلا يجب على المسلمين جميعاً طاعته، ولا بيعته، بل من استحسن أمره وارتضى سيرته، وعمله ودعوته فله أن يلتزم بجماعته ومن كره ذلك، ورأى ما هو أفضل وأليق فله ذلك ولا حرج عليه.
ومن الفروق أيضاً أنه لا يجوز أن تتعدى جماعة المسلمين العامة، فإذا بويع لإمام فلا يجوز تنصيب آخر ولا مزاحمته كما قال صلى الله عليه وسلم: [إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما] (متفق عليه)، وقال: [من جاءكم وأمركم جميع على رجل يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه بالسيف كائناً من كان] (متفق عليه).
وأما في الجماعة الخاصة فيجوز تعددها، بل يستحب بتعدد الواجبات، وبما يكفل سد الثغرات والقيام بفروض الكفايات.. فأين الجماعة الخاصة من الجماعة العامة؟..
هناك فرق هائل بين هذا وهذا.. ومن خفي عليهم هذه الفروق ولم يميزوا بين جماعة وجماعة ظنوا أن كل مجموعة من الناس اجتمعت على إقامة فريضة مضيعة، وواجب شرعي مهمل؛ كبناء مدرسة أو مسجد أو تعليم جاهل، ونشر علم واتخذوا أميراً لهم، ووضعوا نظاماً أن هؤلاء خارجون على السلطان مفرقين لجماعة أهل الإسلام. وهذا من خطأ الفهم وعدم التمييز بين الجماعة الخاصة وجماعة المسلمين العامة.
د- سلبيات بعض الجماعات:
والسبب الرابع الذي من أجله أفتى بعض من أفتى بحرمة الجماعات جماعات الدعوة هو ما ظهر في بعضها من سلبيات كالتزام بعض البدع، والانحراف عن بعض السنن، وظهور التنازع والتفرق بين أتباع وأنصار كل جماعة من هؤلاء ونحو ذلك من الأمور السلبية.. ومن أجل ذلك أفتى بعضهم بأن هذه الجماعات مدعاة للفرقة والاختلاف، أو مظنة لنشر بعض البدع، وترك بعض السنن وما دام الأمر كذلك فهي حرام.
هذا القول فيه قصور عظيم وتقصير بالغ.. فإذا وجدت هذه السيئات والسلبيات فلا يجوز أن تعمينا عن الإيجابيات والحسنات، فالداعي المجتهد الذي يدعو إلى الله ويدخل في عمله بعض الأخطاء، بل بعض البدع والتجاوزات لا يجوز أن نبطل عمله، ولا نلغي جهاده وحسناته. ومن من الناس لا خطأ له، ولا هفوة عنده.. وقد عد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخير [قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي] (متفق عليه) كما جاء في حديث حذيفة. فإذا كان هذا من الخير وفيه هذا الدخن. فإنه لا يجوز أن نلغي جهاد قوم ونحرم عملهم لأنه في عملهم شيء من الدخن والدخل.
وأما التنافس بين جماعات الدعوة فأصله مشروع؛ أعني أن التسابق في الخير، والتنافس في نشر الفضيلة وحيازة السبق مشروع بل مستحب. والمنهي عنه هو التنافس بالباطل ومزاحمة وإزاحة من سبقك عن الخير، بل يجب الدعاء له، والحرص أن تعمل مثله أو أكثر كما كان الأوس والخزرج يتنافسون في فعل الخير، وكما أراد عمر أن يسبق أبا بكر في غزوة العسرة فجاء بشطر ماله، فأتى أبو بكر بماله كله فقال عمر: (والله لا أسابقك أبداً) (أخرجه الدارمي وأبو داود والترمذي وصححه الحاكم والبيهقي وأبو نعيم).
وأما الحسد والتباغض فهو حرام في الجماعات والأفراد، وهو لا يقع حيث تكون الجماعة فقط، بل يقع أيضاً بين الأفراد.. ومعلوم أن العلماء هم أكثر الناس حسداً لبعضهم وللأسف، وبغياً كما قال سبحانه وتعالى: {وما اختلف فيه إلا الذين أتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم} (البقرة:213) أي ما اختلف في الكتاب إلا أهله بسبب البغي وهو الحسد والبغضاء بين بعضهم البعض وهذه الآية إن كانت في الأمم السابقة إلا أن أمتنا قد وقع فيها مثله وأكثر منه، ولذلك وضع علماء الحديث أصلاً عظيماً وهو عدم قبول جرح الأقران بعضهم في بعض، لأن كثيراً من هذا الجرح يكون سببه الحسد. وهل مات البخاري رحمه الله إلا محسوداً مطروداً، من إمام أهل زمانه فهل نحرم العلم؟ ونلغي وجود العلماء لأنهم يتحاسدون!!؟
وهل إذا قام في القطر أو المدينة عالم فذ وجب علينا تحريم قيام عالم آخر حتى لا يتنافسا ويتنازعا؟ وكذلك الحال في الجماعات..
لا يجوز أن يكون ما يقوم بين البعض منهم من الحسد والتباغض سبباً للقول بتحريم جماعة ثانية، بل إن لتعدد جماعات الدعوة والجهاد من المزايا أضعاف ما للتعدد من المساوئ، فإن كل جماعة تقوم الأخرى وتحفزها للعمل، وإن التنافس بينهم يؤدي في الأعم الأغلب إلى زيادة الخير، وإحسان العمل وبالتالي فالقول بتحريم الجماعة لأنها سبب للفرقة قول ضعيف لا يقوم على علم.. ولو كان كل تميز يسبب فرقة سبباً في إلغاء هذا التميز لألغينا مسمى المهاجرين والأنصار، والأوس والخزرج.. ألا ترى أنه كان للمهاجرين راية وتميز، ومشيخة، ورموز، وكان للأنصار كذلك معنى ومحتوى وراية خاصة في الجهاد ورموز وقادة.. وبسبب هذا التمايز كان يحصل أحياناً تحاسد وعداوة وعصبية.. كما حدث في غزوة المصطلق.. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم نهاهم عن العصبية للمسمى والانتماء، وأبقى صلى الله عليه وسلم الانتماء كما هو، فالمهاجري بقي على اسمه والأنصاري بقي على اسمه، ونهى كل منهم أن يتعصب لجماعته ومسماه وكان كل منهم مع انتمائه ونسبته جندياً في الميدان الواحد، ومجاهداً في الجيش الواحد وللهدف الواحد. وتعدد جماعات الدعوة لا يتعدى أن يكون تعدد تلاميذ المشايخ.. فهل يحرم أن يكون لكل شيخ تلاميذ مخصوصون ينقلون عنه العلم ويتفقهون على يديه وينشرون علمه وفقهه؟.. لو كان هذا غير جائز لكان يجب أن نلغي حلقات المشايخ، وتلاميذ المذاهب وتفقه كل طالب على إمام بعينه.. وهذا لا يقوله من كان عنده مسكة من عقل.. فلماذا إذن يفتي من يفتي أنه لا يجوز تعدد الجماعات لأنها تفرق؟..
وهل فرقة جماعات الدعوة اليوم كفرقة تلاميذ المشايخ بالأمس ومعلوم لكل من علم التاريخ أنه كانت تحدث بين تلاميذ المشايخ أتباع المذاهب المختلفة من الفتن والأحقاد بل والشرور شيء عظيم جداً، وكله بسبب العصبية والبغي فهل من أجل ذلك نقول بحرمة المذاهب والتفقه عليها، وتحريم وجود المشايخ والتلاميذ والمذاهب لأن هذا يؤدي إلى الفرقة والاختلاف!!.
وكذلك الحال تماماً مع جماعات الدعوة ما هي في حقيقة أمرها إلا مناهج تربوية، ومذاهب دعوية، تختلف فيما بينها في الأولويات والأساليب، والشمول والتخصص وكثير من الاختلاف فيما بينها اختلاف مقبول.
نعم هناك انحراف أحياناً وبدعة أحياناً، وقصور أحياناً وكل هذا قد أسلفنا فيه القول أنه ليس مبرراً لتحريم جماعات الدعوة إلى الله، التي تقوم بسد الثغرات وأداء فروض الكفايات التي تلزم الأمة جميعها.
وأظن الآن أنه قد بين الصبح لذي عينين، ووضح السبيل، وأصبح القائل بتحريم جماعات الدعوة ملقياً للكلام على عواهنه، ومفتياً بغير علم، ومحرماً ما أوجبه الله وألزم به عباده من التواصي بالحق والصبر، والتعاون على البر والتقوى، والاعتصام بحبل الله ودينه والتآزر من أجل أن نكون أمة داعية إلى الله سبحانه وتعالى، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر.
والحمد لله أولاً وأخيراً،،،،
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:00 PM
رسالة
في
حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل
ضد الكفار
كتبه :
ناصر بن حمد الفهد
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:01 PM
مقدمة
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :
فقد سألني أحد الإخوة الأفاضل – وفقه الله – ممن يكتب في الشبكة وقد رمز لنفسه باسم (أخو من طاع الله ) عن حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل ، وفيما يلي نص السؤال مع الإجابة :
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
لا يخفى ما نُشر في وسائل الإعلام عن نيَّة القاعدة ضربَ أمريكا بأسلحة الدمار الشامل ، وبما أنَّ ما يسمَّى بأسلحة الدّمار الشامل ، من نوازل العصر الحديث ، ولم نجد من تكلَّم فيها من المعاصرين :
فما حكم استعمال المجاهدين لها ؟.
وإذا قيل بالجواز : فهل تجوز مطلقًا؟.
أم للضرورة ؟ كأن لا يندفع شرُّ العدوِّ إلاَّ بها ، أو يخشى أن يستعملها إن لم يسبق المجاهدون إلى ضربه بها؟. وهل هي مناقضة لمقصود الإنسان من عمارة الأرض أم لا؟.
وهل هي داخلة في قوله تعالى : (ليفسد فيها ويهلك الحرث والنّسل)؟. أم أنَّ الآية محمولة على فعله بغير حقٍّ كالآيات التي جاءت في ذمِّ القتل ونحوه ؟.
الجواب :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فهذه المسألة التي ذكرت - أيها الأخ الكريم - مسألة تستحق رسالة كاملة ؛ تجمع فيها الأدلة و أقوال أهل العلم ، وتحرر فيها الأقوال في مسائل : دار الحرب ، وطرق دفع الصائل ، وجهاد الدفع ، ومعنى إهلاك الحرث والنسل شرعا ، وغير ذلك ، ولعلي أجمع في ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى .
واعلم - أخي الكريم - أن كلمة (أسلحة الدمار الشامل) غير محررة ، فهم يقصدون بها الأسلحة النووية أو الكيماوية أو البيولوجية دون غيرها ، فلو استخدم أحد شيئا من هذه الأسلحة فقتل ألفا من الناس لشنوا عليه التهم والحروب الإعلامية وأنه استخدم أسلحة (محرمة دوليا) ، ولو استخدم قنابل شديدة الانفجار تزن الوحدة منها (7 طن) فقتل من جرائها ثلاثة الآف أو أكثر لكان استخدم الأسلحة المسموح بها دوليا ...
ومن المعلوم أن تأثير مجموعة كيلوات من التي إن تي يعتبر من الدمار الشامل إذا قرنته بتأثير حجر المنجنيق سابقا ...وقذيفة من الآر بي جي أو الهاون يعتبر من الدمار الشامل إذا قرنته برمي السهام سابقا ... ومن المعلوم أن الكفار في زمننا هذا إنما جعلوا هذه الأسلحة المسماة بأسلحة الدمار الشامل (أسلحة ردع) لتخويف غيرهم ...وما تهديد أمريكا للعراق عنا ببعيد باستخدام هذه الأسلحة لو هاجمت العراق إسرائيل ... فما الذي يبيحها لأمريكا والكفار ويحرمها على المسلمين ؟... ولو أن جماعة مسلمة صالت على النفس أو العرض و لم تندفع إلا بقتل جميع أفرادها فإنه يجوز قتلهم كما ذكره أهل العلم في أبواب دفع الصائل ... فكيف بالكافر الصائل على الدين والنفس والعرض والعقل والوطن ؟...
فإذا لم يندفع الكفار عن المسلمين إلا باستخدام مثل هذه الأسلحة جاز استخدامها حتى لو قتلتهم عن بكرة أبيهم وأهلكت حرثهم ونسلهم ...
وكل هذا له أصل في السيرة النبوية وأحاديث الجهاد وأقوال أهل العلم رحمهم الله...
وسأذكر الأدلة بالتفصيل على ذلك في الرسالة المذكورة إن شاء الله تعالى...
والله تعالى أعلم..." انتهى السؤال مع الإجابة .
وقد جمعت هذه الرسالة المختصرة في هذه المسألة ، حيث سأتكلم عن حكم استخدام هذه الأسلحة من خلال أربعة مباحث :
المبحث الأول : في مقدمات مهمة :
المبحث الثاني : في ذكر الأدلة على جواز استخدام هذه الأسلحة:
المبحث الثالث : في ذكر كلام أهل العلم في هذا الباب :
المبحث الرابع : شبهات وردود :
أسأل الله سبحانه أن ينفع بما جمعته ، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم ، وصلى الله على نبينا محمد .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:02 PM
المبحث الأول
مقدمات مهمة
وسأذكر هنا ثلاث مقدمات مختصرة هي كالمدخل لهذه الرسالة :
المقدمة الأولى :
أن التحريم لله سبحانه لا لغيره من البشر
قال تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (النحل:116) :
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى (2/591) : " نهى الله تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من : البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام ، وغير ذلك مما كان شرعا لهم ابتدعوه في جاهليتهم "اهـ .
قلت : ومن ذلك ما في شرائع الكفار اليوم مثل قولهم عن الشيء : محرم دوليا ، أو مناقض للشرعية الدولية ، أو يمنعه القانون الدولي ، أو مخالف لميثاق حقوق الإنسان ، أو لميثاق جنيف ، ونحو ذلك ، ومنه موضوع هذه الرسالة حيث يقولون عنها : الأسلحة المحرمة دوليا !.
وكل هذه المصطلحات لا وزن لها في الشرع ؛ لأن الله سبحانه هو المنفرد بالحكم وبالتشريع كما قال تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ )(يوسف: من الآية40) ، وقال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)(الشورى: من الآية21) ، وقال تعالى ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)(لأعراف: من الآية54) .
وهذا أمر ظاهر عند المسلمين لا يحتاج إلى استدلال .
فإذا تقرر هذا علمت أن قولهم (الأسلحة المحرمة دوليا) لا قيمة له ، وإنما ينظر في حكم هذه الأسلحة في الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم من المسلمين ، وأريد أن أنبه هنا إلى أمرين:
الأمر الأول : أن قولهم (أسلحة الدمار الشامل) يعنون بها الأسلحة النووية والجرثومية والكيماوية ، فعندهم أن أي استخدام لشيء من هذه الأسلحة فهو انتهاك للقانون الدولي ، فلو أن دولة قامت بضرب أخرى بأطنان القنابل (التقليدية) فقتلت منها عشرات الآلاف فإن هذا استعمال لأسلحة مجازة دولياً ، ولو أن أخرى استخدمت شيئاً يسيرا مما يسمى بأسلحة الدمار الشامل ولم تقتل إلا بضع مئات لكان هذا استعمالاً لأسلحة محرمة دولياً ، فظهر بهذا أنهم لا يريدون بهذه المصطلحات حماية البشر كما يزعمون ، بل يريدون حماية أنفسهم واحتكار مثل هذه الأسلحة بحجة (تحريمها دولياً) .
الأمر الثاني : أن الذين يتشدقون بمحاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل كأمريكا وبريطانيا هم أول من استخدم هذه الأسلحة ، فبريطانيا استخدمت السلاح الكيماوي ضد العراقيين في الحرب العالمية الأولى ، وأمريكا استخدمت السلاح النووي ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية ، كما أن ترسانتهم – مع اليهود – مليئة بهذه الأسلحة
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:03 PM
المقدمة الثانية
أن الأصل في القتل الإحسان
فقد ثبت في الصحيح عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء ؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " .
قال النووي رحمه الله (شرح مسلم 13 /107) : " وقوله صلى الله عليه وسلم : " فأحسنوا القتلة " : عام في كل قتيل من الذبائح والقتل قصاصا وفى حد ونحو ذلك ، وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد الإسلام ".
وقال ابن رجب رحمه الله (جامع العلوم والحكم) ص 152 : " والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرجاها من غير زيادة في التعذيب فإنه إيلام لا حاجة إليه ... وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق ؛ قال الله تعالى - في حق الكفار – : ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) ، وقال : (سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) ".
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا بعث سرية قال لهم : "لا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا" ، وروى أبو داود وابن ماجه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أعف الناس قتلة أهل الإيمان " ، وروى البخاري من حديث عبدالله بن يزيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : "نهى عن المثلة " ، والأحاديث في ذلك كثيرة ، وكلها تدل على أن الأصل الإحسان في قتل من يجوز قتله وعدم الإسراف في ذلك .
إلا أن هذا الأصل له استثناءات ، ومن هذه الاستثناءات موضوع المقدمة الثالثة:
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:03 PM
المقدمة الثالثة
التفريق بين المقدور عليه وغير المقدور عليه
فمن القواعد الثابتة في الشرع التفريق بين المقدور عليه وغير المقدور عليه ، ويدل عليه قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) ، وهذا مطرد في عامة أبواب الشريعة ؛ سواء في أبواب العبادات أو أبواب المعاملات ، وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ، قال النووي رحمه الله على هذا الحديث (شرح صحيح مسلم 9/102 ) : "هذا من قواعد الإسلام المهمة ، ومن جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم ، ويدخل فيها ما لا يحصى من الأحكام ؛ كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي ، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن ..."اهـ .
وقد استنبط أهل العلم من هذه النصوص ونحوها قاعدة (لا واجب مع العجز ، ولا محرم مع الضرورة ) .
والمقصود من هذه القاعدة هنا أن ما وجب في أبواب الجهاد إنما يكون حسب القدرة ، أما إذا لم يقدر عليه فإنه يسقط ، كغيره من الأبواب :
1- فالإحسان في القتل إنما يكون حال القدرة ، أما إذا لم يقدر المجاهدون على ذلك مثل اضطرارهم لقصفهم وتدميرهم أو تحريقهم أو إغراقهم ونحو ذلك فإنه يجوز .
2- وكذلك فإن اجتناب قتل النساء والصبيان إنما يكون في حال التمكن من تمييزهم ، أما إذا لم يقدروا على ذلك كحال تبييت الكفار أو الإغارة عليهم ونحو ذلك فإنه يجوز قتلهم تبعا للمقاتلين.
3- وكذلك فإن قتل المسلم محرم لا يجوز ، ولكن إذا اضطر المجاهدون إلى قتله لعدم القدرة على دفع الكفار ، أو جهادهم ، إلا بذلك جاز ، كمسألة التترس ونحوها .
وهكذا في عامة مسائل الجهاد ، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله في المباحث القادمة .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:04 PM
المبحث الثاني
الأدلة على جواز استخدام أسلحة الدمار الشامل
تمهيد
ذكرت في المبحث السابق أن الأصل هو الإحسان في القتل ، ومن ذلك قتل الكفار ، وهذا لا يكون إلا عند القدرة على ذلك ، ولكن قد يكون الكفار في حال لا يمكن معه أن يقاوموا ويدفعوا عن بلاد الإسلام ويكف شرهم عن المسلمين إلا بأن يقصفوا بما يسمى بأسلحة الدمار الشامل على نحو ما يقرره أهل الخبرة والجهاد ؛ فإذا رأى أهل الحل والعقد من المجاهدين بأن شر الكفار لا يندفع إلا بها جاز استعمالها ، و أسلحة الدمار الشامل ستقتل كل من تقع عليه من الكفار سواء كانوا من المقاتلين ، أو من النساء والصبيان ، وستقوم بتدمير وحرق الأرض ، و الأدلة على جواز ذلك في هذه الحالة كثيرة ، وهي على قسمين :
القسم الأول : أدلة خاصة لعصر معين ولعدو معين : وذلك مثل حال أمريكا في هذا الزمن ؛ فإن مسألة ضربها بهذه الأسلحة جائز بدون ذكر أدلة القسم الثاني التالية (أدلة المشروعية العامة) ؛ لأن الله سبحانه يقول (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ، ويقول تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ، ويقول تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ، والناظر في اعتداءات أمريكا على المسلمين وأراضيهم خلال العقود الماضية يخلص إلى جواز ذلك بالاستناد إلى باب (المعاملة بالمثل) فقط ؛ بدون حاجة إلى ذكر الأدلة الأخرى ، وقد جمع بعض الإخوة عدد قتلاهم من المسلمين بأسلحتهم المباشرة وغير المباشرة فوصل العدد إلى قريب من عشرة ملايين ، وأما الأراضي التي أحرقتها قنابلهم ومتفجراتهم وصواريخهم فلا يحصيها إلا الله ، وآخر ما عايناه ما حصل في أفغانستان والعراق ، وهذا غير ما سببت حروبهم على كثير من المسلمين من التشرد ، فلو ألقيت عليهم قنبلة تهلك منهم عشرة ملايين ، وتحرق من أراضيهم قدر ما أحرقوا من أراضي المسلمين كان هذا جائزا بلا حاجة إلى ذكر أي دليل آخر ، وإنما الأدلة الأخرى قد نحتاجها لو أردنا أن نهلك منهم أكثر من هذا العدد!! .
القسم الثاني : أدلة عامة لمشروعية هذا العمل مطلقاً إذا اقتضاه الجهاد في سبيل الله : وهي النصوص التي تدل على جواز استخدام مثل هذه الأسلحة إذا رأى أهل الجهاد المصلحة في استعمالها ، والأدلة على ذلك كثيرة و سأذكر منها ثلاثة:
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:05 PM
الدليل الأول :
النصوص التي تدل على جواز تبييت المشركين ولو أصيبت ذراريهم :
ومنها ما في الصحيحين عن الصعب بن جثامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم ؟ فقال : "هم منهم " .
وما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : "أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون في نعمهم فقتل المقاتلة وسبى الذرية".
ومنها : ما رواه أحمد و أبو داود من حديث سلمة بن الأكوع قال : " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا أبا بكر رضي الله عنه فغزونا ناسا من المشركين فبيتناهم نقتلهم ، وكان شعارنا تلك الليلة : أمت ، أمت ، قال سلمة : فقتلت بيدي تلك الليلة سبعة أهل أبيات من المشركين " .
وقد ثبت مع ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان .
ولكن إذا جمعت بين هذه الأحاديث ظهر لك أن المنهي عنه قصدهم بالقتل ، أما إذا كان قتلهم تبعا كحال البيات والإغارة وعند عدم التمكن من تمييزهم فلا بأس بذلك ، فلا يعطل الجهاد من أجل وجود نساء وصبيان الكفار.
وقد بوّب البيهقي رحمه الله في (السنن الكبرى 9/78 ) على حديث الصعب بقوله : (باب قتل النساء والصبيان في التبييت والغارة من غير قصد وما ورد في إباحة التبييت ) وذكر فيه هذا الحديث ثم نقل قول الشافعي رحمه الله : " ومعنى نهيه عندنا - والله أعلم - عن قتل النساء والولدان أن يقصد قصدهم بقتل وهم يعرفون مميزين ممن أمر بقتله منهم ، قال : ومعنى قوله "هم منهم " أنهم يجمعون خصلتين : أن ليس لهم حكم الإيمان الذي يمنع الدم ، ولا حكم دار الإيمان الذي يمنع الغارة على الدار " .
وقد قال الإمام أحمد كما في (المغني 9/230) : " لا بأس بالبيات , وهل غزو الروم إلا البيات , قال : ولا نعلم أحدا كره بيات العدو"اهـ.
وقد ذكر الطحاوي رحمه الله الآثار التي في النهي عن قتل النساء والصبيان ثم ذكر حديث الصعب بن جثامة في التبييت ثم قال (شرح معاني الآثار 3/222) : " فلما لما ينههم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغارة وقد كانوا يصيبون فيها الولدان والنساء الذين يحرم القصد إلى قتلهم دل ذلك أن ما أباح في هذه الآثار لمعنى غير المعنى الذي من أجله حظر ما حظر في الآثار الأول ، وأن ما حظر في الآثار الأول هو القصد إلى قتل النساء والولدان ، والذي أباح هو القصد إلى المشركين وإن كان في ذلك تلف غيرهم ممن لا يحل القصد إلى تلفه حتى تصح هذه الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتضاد ، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغارة على العدو ، وأغار على الآخرين في آثار عدد ؛ قد ذكرناها في باب الدعاء قبل القتال ، ولم يمنعه من ذلك ما يحيط به علمنا أنه قد كان يعلم أنه لا يؤمن من تلف الولدان والنساء في ذلك ، ولكنه أباح ذلك لهم ؛ لأن قصدهم كان إلى غير تلفهم ، فهذا يوافق المعنى الذي ذكرت مما في حديث الصعب ، ...، فكذلك العدو قد جعل لنا قتالهم ، وحرم علينا قتل نسائهم وولدانهم ، فحرام علينا القصد إلى ما نهينا عنه من ذلك ، وحلال لنا القصد إلى ما أبيح لنا وإن كان فيه تلف ما قد حرم علينا من غيرهم ، ولا ضمان علينا "اهـ .
وهكذا الحال في هذا الباب :
فإذا قرّر المجاهدون أن شر الكفار لا يندفع إلا بتبييتهم بأسلحة الدمار الشامل جاز استخدامها ولو أهلكتهم جميعاً .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:06 PM
الدليل الثاني :
النصوص التي تدل على جواز حرق بلاد العدو ، ومنها :
ما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : "حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع " ، وفي ذلك نزل قوله تعالى (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ) ، وقد جاء في بعض الروايات عند الشيخين أن اسم الأرض المحروقة (البويرة) وفيها يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه :
فهان على سراة بني لؤي ++++* حريق بالبويرة مستطير
ومنها : ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى أرض يقال لها أبنى – وقيل : يبنى – فقال : أئتها صباحاً ثم حرّق ، وفي سنده نظر .
و الحديث الأول من الأصول التي دلت على جواز التحريق في أرض العدو ، وقد بوّب البخاري رحمه الله على هذا الحديث بقوله (باب حرق الدور والنخيل) ، وبوّب عامة من أخرجه من أهل الحديث عليه بنحو هذا ، وقال الترمذي رحمه الله بعد روايته لهذا الحديث : " وهذا حديث حسن صحيح ، وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى هذا ؛ ولم يروا بأسا بقطع الأشجار وتخريب الحصون ، وكره بعضهم ذلك وهو قول الأوزاعي ؛ قال الأوزاعي : ونهى أبو بكر الصديق يزيد أن يقطع شجرا مثمرا أو يخرب عامرا ، وعمل بذلك المسلمون بعده ، وقال الشافعي : لا بأس بالتحريق في أرض العدو وقطع الأشجار والثمار ، وقال أحمد : وقد تكون في مواضع لا يجدون منه بدا فأما بالعبث فلا تحرق ، وقال إسحاق : التحريق سنة إذا كان أنكى فيهم " اهـ .
وقال الحافظ رحمه الله في كلامه على حديث ابن عمر (فتح الباري 6/155) :
" وقد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو ، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور ؛ واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئا من ذلك ، وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك ، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف ، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان ، وبهذا قال أكثر أهل العلم ، ونحو ذلك القتل بالتغريق ، وقال غيره : إنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستفتح فأراد إبقاءها على المسلمين ، والله أعلم " اهـ .
وقال العيني رحمه الله (عمدة القاري14/270) :
" حديث ابن عمر دال على أن للمسلمين أن يكيدوا عدوهم من المشركين بكل ما فيه تضعيف شوكتهم ، وتوهين كيدهم ، وتسهيل الوصول إلى الظفر بهم ؛ من قطع ثمارهم ، وتغوير مياههم ، والتضييق عليهم بالحصار ، وممن أجاز ذلك الكوفيون ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وابن القاسم ، وقال الكوفيون : يحرق شجرهم ، وتخرب بلادهم ، وتذبح الأنعام وتعرقب إذا لم يمكن إخراجها"اهـ .
وهذا الحديث ظاهر في الدلالة على جواز تحريق بلاد العدو إذا اقتضى القتال ذلك .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:06 PM
الدليل الثالث :
النصوص التي تدل على جواز ضرب الأعداء بالمنجنيق ونحوها مما يعم الهلاك به ؛ ومنها :
ما رواه أبو داود في المراسيل وغيره مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب على أهل الطائف المنجنيق .
وما رواه البيهقي وغيره أن عمرو بن العاص رضي الله عنه نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية.
وما رواه البيهقي أيضاً عن يزيد بن أبي حبيب رحمه الله - في فتح قيسارية - قال : فكانوا يرمونها في كل يوم بستين منجنيقا ، وذلك في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
وجرى أمر المسلمين في مغازيهم على هذا ، فروى سعيد بن منصور عن صفوان بن عمرو : أن جنادة بن أبى أمية الأزدي وعبد الله بن قيس الفزاري وغيرهما من ولاة البحر ومن بعدهم – وكانوا على عهد معاوية رضي الله عنه – كانوا يرمون العدو من الروم وغيرهم بالنار ، ويحرقونهم ، هؤلاء لهؤلاء ، وهؤلاء لهؤلاء ، قال : لم يزل أمر المسلمين على ذلك.
وروى سعيد بن منصور عن علقمة أيضاً أنهم غزو على عهد معاوية وكانوا يرمون بالمنجنيق في غزوتهم .
وقد اتفق أهل العلم على جواز رمي العدو بالمنجنيق ونحوه في الجملة .
ومن المعلوم أن حجر المنجنيق لا يميز بين النساء والذرية وغيرهم ، كما أنه يدمر ما يأتي عليه من بناء أو غيره .
فدل هذا على أن أصل تدمير بلاد الكفار وقتلهم - إذا اقتضاه الجهاد ورآه أهل الحل والعقد من المجاهدين - مشروع ؛ فإن المسلمين كانوا يضربون تلك البلاد بالمجانيق حتى تفتح ، ولم يرد عنهم أنهم كفوا خوفاً من استئصال الكفار ، أو خشية تدمير بلادهم ، والله تعالى أعلم .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:07 PM
المبحث الثالث
كلام أهل العلم في هذا الباب
تمهيد :
سأذكر في هذا المبحث جملة من أقوال أهل العلم على اختلاف مذاهبهم تدل على جواز تحريق بلاد العدو وهدم ديارهم إذا اقتضى الجهاد ذلك ، وأريد أن أنبه إلى أمور قبل ذكر هذه الأقوال:
أولاً : إن كلام أهل العلم المذكور في هذا الباب إنما هو في (جهاد الطلب ) ، ومن المعلوم أن ما ثبت جوازه في جهاد الطلب فإنه يثبت في (جهاد الدفع) من باب أولى ؛ لأن جهاد الدفع آكد وأعظم وجوباً بلا خلاف بين أهل العلم .
ثانياً : إن كلام أهل العلم على اختلاف مذاهبهم يدل دلالة صريحة على أن الانهزامية إنما جاءت مع هذا العصر ، وأن شريعة الإسلام منها بريئة ، وأن علماء الإسلام بريئون منها؛ فإنك لا تجد في عباراتهم أي محاولة لكسب مودة الكفار ، أو للتوفيق بين شريعة الإسلام وما يسمونه حقوق الإنسان بزعمهم ، أو الكلام عن (الشعوب المحبة للسلام) ، فانظر إلى أقوالهم (لا بأس بحرق حصون المشركين بالنار ) ، (أو تغريقها بالماء) ، (أو تسميم مياههم) ، (أو تخريب ديارهم وهدمها) ، وغير هذه العبارات التي يشرق بها الانهزاميون .
ثالثاً : أن كلام أهل العلم هذا كان في تجويز أسلحة الدمار الشامل التي في عصرهم والتي تقتل الكفار مع ذراريهم ، بل نص السيوطي من الشافعية على ذلك بقوله : " و (نصب عليهم المنجنيق ) رواه البيهقي ، وقيس به ما في معناه مما يعم الإهلاك به " اهـ وهذا العبارة أقرها كثير من علماء الشافعية كما سيأتي إن شاء الله ، وكذلك قال ابن حجر الهيتمي : " وقتلهم بما يعم"اهـ ، وهذا كأنه نص في مسألتنا.
رابعاً : أن كلام أهل العلم هنا أيضاً دال على جواز ما يسمى بالأسلحة الجرثومية ؛ فإن منهم من نص على جواز رمي الكفار بالحيات والعقارب ، وعلى جواز تسميم مياههم.
خامساً : أن أهل العلم اتفقوا في الجملة على ما سبق ، ولكن فد يختلفون في بعض التفاصيل ؛ ولكنهم لو اختلفوا في بعض ذلك فإنما يكون هذا عند السعة في جهاد الطلب ، أما إذا اقتضت ضرورة الجهاد ذلك فلا ينبغي أن يكون هناك خلاف .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:08 PM
أولاً : من كلام الحنفية :
1- قال السرخسي نقلا عن محمد بن الحسن (شرح السير الكبير 4/1467) :
" قال : ولا بأس للمسلمين أن يحرقوا حصون المشركين بالنار ، أو يغرقوها بالماء ، وأن ينصبوا عليها المجانيق , وأن يقطعوا عنهم الماء , وأن يجعلوا في مائهم الدم والعذرة والسم حتى يفسدوه عليهم ، لأنا أمرنا بقهرهم وكسر شوكتهم ; وجميع ما ذكرنا من تدبير الحروب مما يحصل به كسر شوكتهم , فكان راجعا إلى الامتثال , لا إلى خلاف المأمور , ثم في هذا كله نيل من العدو , وهو سبب اكتساب الثواب , قال الله تعالى : ( ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ) ، ولا يمتنع شيء من ذلك ما يكون للمسلمين فيهم من أسرى , أو مستأمنين , صغارا أو كبارا ، أو نساء أو رجالا ، وإن علمنا ذلك ؛ لأنه لا طريق للتحرز عن إصابتهم مع امتثال الأمر بقهر المشركين , وما لا يستطاع الامتناع منه فهو عفو"اهـ.
2- وقال السرخسي في (المبسوط 10/65) :
"ولا بأس بإرساله الماء إلى مدينة أهل الحرب ، وإحراقهم بالنار ، ورميهم بالمنجنيق ، وإن كان فيهم أطفال أو ناس من المسلمين أسرى أو تجار"اهـ .
3- وقال الكاساني (بدايع الصنايع 7/ 101) :
" لا بأس بإحراق حصونهم بالنار , وإغراقها بالماء , وتخريبها وهدمها عليهم , ونصب المنجنيق عليها ; لقوله تبارك وتعالى ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) ، ولأن كل ذلك من باب القتال ; لما فيه من قهر العدو وكبتهم وغيظهم , ولأن حرمة الأموال لحرمة أربابها , ولا حرمة لأنفسهم حتى يقتلون , فكيف لأموالهم ؟"اهـ .
4- وقال العبادي في (الجوهرة النيرة 2/258) :
" (فإن أبوا استعانوا عليهم بالله تعالى ) : لأنه هو الناصر لأوليائه والمدمر لأعدائه ، قوله – أي الماتن – ( ونصبوا عليهم المجانيق ) : أي ينصبونها على حصونهم ويهدمونها ، كما نصبها النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الطائف ، قوله (وحرقوهم ) : لأن ( النبي صلى الله عليه وسلم أحرق البويرة ) وهو موضع بقرب المدينة فيه نخل ، قوله ( وأرسلوا عليهم الماء وقطعوا شجرهم وأفسدوا زرعهم ) : لأن في ذلك كسر شوكتهم وتفريق جمعهم وقد صح أن ( النبي صلى الله عليه وسلم حاصر بني النضير وأمر بقطع نخيلهم وحاصر أهل الطائف وأمر بقطع كرومهم ) . قوله ( ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر ) : يعني يرميهم بالنشاب والحجارة والمنجنيق ؛ لأن في الرمي دفع الضرر العام بالذب عن جماعة المسلمين وقتل التاجر والأسير ضرر خاص "اهـ .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:09 PM
ثانياً : من كلام المالكية :
1- قال ابن العربي (أحكام القرآن 4/176) :
" اختلفت الناس في تخريب دار العدو وحرقها وقطع ثمارها على قولين :
الأول : أن ذلك جائز ; قاله في المدونة .
الثاني : إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا , وإن ييأسوا فعلوا ; قاله مالك في الواضحة , وعليه تناظر الشافعية , والصحيح الأول . وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخل بني النضير له , ولكنه قطع وحرق ليكون ذلك نكاية لهم ووهنا فيهم , حتى يخرجوا عنها , فإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعا مقصودة عقلا"اهـ .
2- قال ابن فرحون في (تبصرة الحكام 2/95) :
" مسألة : ويقاتل العدو بكل نوع ، وبالنار إن لم يكن غيرها وخيف منهم , فإن لم يخف فقولان ، مسألة : لم يختلف في رمي مراكبهم بالمنجنيق ، وكذلك حصونهم , وإن كان فيهم مسلمون "اهـ .
3- وقال المواق ( التاج والإكليل 4/544) :
" (بقطع ماء وآلة ) ابن القاسم : لا بأس أن ترمى حصونهم بالمنجنيق ، ويقطع عنهم المير والماء وإن كان فيهم مسلمون أو ذرية ، وقاله أشهب . قال في المدونة : ولا بأس بتحريق قراهم وحصونهم ، وتغريقها بالماء، وحرابتها ، وقطع الشجر المثمر ، وغيره ؛ لقوله تعالى : ( ولا يطئون موطئا ) . ( وقد قطع عليه السلام نخل بني النضير وأحرقها)"اهـ .
4- وقال الخرشي (شرح خليل 3/113 ) :
" يجوز قتال العدو إذا لم يجيبوا إلى ما دعوا إليه بجميع أنواع الحرب ؛ فيجوز قطع الماء عنهم ليموتوا بالعطش , أو يرسل عليهم ليموتوا بالغرق على المشهور ، أو يقتلوا بالآلة : كضرب بالسيف ، وطعن بالرمح ، ورمي بالمنجنيق ، وما أشبه ذلك من آلات الحرب"اهـ .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:10 PM
ثالثاً : من كلام الشافعية :
1- قال الشافعي (الأم 4/257) :
" وإذا تحصن العدو في جبل أو حصن أو خندق أو بحسك أو بما يتحصن به : فلا بأس أن يرموا بالمجانيق ، والعرادات ، والنيران ، والعقارب ، والحيات ، وكل ما يكرهونه ، وأن يبثقوا عليهم الماء ليغرقوهم ، أو يوحلوهم فيه ، وسواء كان معهم الأطفال والنساء والرهبان أو لم يكونوا ؛ لأن الدار غير ممنوعة بإسلام ولا عهد ، وكذلك لا بأس أن يحرقوا شجرهم المثمر ، وغير المثمر ، ويخربوا عامرهم ، وكل ما لا روح فيه من أموالهم"اهـ .
2- وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (فتح الباري 6/155) :
" وقد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو ، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور ، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئا من ذلك ، وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف ، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان ، وبهذا قال أكثر أهل العلم ، ونحو ذلك القتل بالتغريق ، وقال غيره : إنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستفتح فأراد ابقاءها على المسلمين ، والله أعلم " اهـ .
3- وقال ابن حجر الهيتمي (تحفة المحتاج 9/242) :
" ( ويجوز حصار الكفار في البلاد والقلاع ) وغيرها ، ( وإرسال الماء عليهم ) وقطعه عنهم ، ( ورميهم بنار ومنجنيق ) وغيرهما ، وإن كان فيهم نساء وصبيان ، ولو قدرنا عليهم بدون ذلك كما قاله البندنيجي وإن قال الزركشي الظاهر خلافه ؛ وذلك لقوله تعالى ( وخذوهم واحصروهم ) ; ولأنه ( صلى الله عليه وسلم حصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق ) رواه البيهقي وغيره ... ( وإن كان فيهم مسلم ) واحد فأكثر . ( أسير أو تاجر جاز ذلك ) أي إحصارهم وقتلهم بما يعم ، وتبييتهم في غفلة ، وإن علم قتل المسلم بذلك لكن يجب توقيه ما أمكن . ( على المذهب ) لئلا يعطلوا الجهاد علينا بحبس مسلم عندهم ، نعم يكره ذلك حيث لم يضطر إليه ، كأن لم يحصل الفتح إلا به تحرزا من إيذاء المسلم ما أمكن مثله في ذلك الذمي ولا ضمان هنا في قتله ; لأن الفرض أنه لم تعلم عينه " اهـ .
4- وقال السيوطي في (أسنى المطالب 4/191) – وأصل الكلام لزكريا الأنصاري–:
"( و ) يجوز ( إتلافهم بالماء والنار ) قال تعالى ( وخذوهم واحصروهم ) ، و(حاصر صلى الله عليه وسلم أهل الطائف) رواه الشيخان ، و (نصب عليهم المنجنيق ) رواه البيهقي ، وقيس به ما في معناه مما يعم الإهلاك به " اهـ .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:10 PM
رابعاً : من كلام الحنابلة :
1- قال ابن قدامة (المغني 9 / 230) :
" مسألة : قال – يعني الخرقي – : ( وإذا حورب العدو , لم يحرقوا بالنار ) : أما العدو إذا قدر عليه , فلا يجوز تحريقه بالنار , بغير خلاف نعلمه ، وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأمر بتحريق أهل الردة بالنار ، وفعل ذلك خالد بن الوليد بأمره , فأما اليوم فلا أعلم فيه بين الناس خلافا ... فأما رميهم قبل أخذهم بالنار , فإن أمكن أخذهم بدونها , لم يجز رميهم بها ; لأنهم في معنى المقدور عليه , وأما عند العجز عنهم بغيرها , فجائز , في قول أكثر أهل العلم ، وبه قال الثوري , والأوزاعي , والشافعي ... وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم , ليغرقهم , إن قدر عليهم بغيره , لم يجز , إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية , الذين يحرم إتلافهم قصدا , وإن لم يقدر عليهم إلا به , جاز , كما يجوز البيات المتضمن لذلك . ويجوز نصب المنجنيق عليهم . وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وعدمها "اهـ.
2- وقال البهوتي في (كشاف القناع 3 / 49) :
" ( وكذا يجوز رميهم ) أي : الكفار ( بالنار , والحيات , والعقارب في كفات المجانيق , ويجوز تدخينهم في المطامير , وفتح الماء لغرقهم , وفتح حصونهم وعامرهم ) أي : هدمها عليهم ; لأنه في معنى التبييت ( فإذا قدر عليهم لم يجز تحريقهم) لحديث ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء , فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة , وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ) ، ولقوله صلى الله عليه وسلم ( فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار ) رواه أبو داود وكان أبو بكر يأمر بتحريق أهل الردة بالنار وفعله خالد بن الوليد بأمره "اهـ.
3- وقال أيضاً (شرح منتهى الإرادات 1/623) :
"( و ) يجوز ( رميهم ) أي الكفار ( بمنجنيق ) نصا . لأنه صلى الله عليه وسلم ( نصب المنجنيق على الطائف ) رواه الترمذي مرسلا ، ونصبه عمرو بن العاص على الإسكندرية , فظاهر كلام أحمد جواز مع الحاجة وعدمها . ( و ) يجوز رميهم ( بنار , و ) يجوز ( قطع سابلة ) أي طريق ، ( و ) قطع ( ماء ) عنهم ، (و فتحه ليغرقهم , و ) يجوز ( هدم عامرهم ) ، وإن تضمن إتلاف , نحو نساء وصبيان ; لأنه في معنى التبييت"اهـ .
4- وقال الرحيباني في (مطالب أولي النهى 2/516) :
"( و ) يجوز ( رميهم بمنجنيق ) نصا ( لأنه صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على الطائف ) رواه الترمذي مرسلا . ونصبه عمرو بن العاص على الإسكندرية , وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وغيرها ( و ) يجوز رميهم بـ( نار وبنحو عقارب ) ؛ كأفاعي ( وتدخينهم بمطامر ) وهي الحفيرة في الأرض , قاله في " القاموس " ، ( و ) يجوز ( قطع سابلة ) , أي : طريقهم عنهم , ( و ) قطع ( ماء ) عنهم ( وفتحه ليغرقهم , و ) ويجوز ( هدم عامرهم ) , وإن تضمن إتلاف نحو نساء وصبيان إذا لم يقصدهم , لأنه في معنى التبييت"اهـ .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:11 PM
خامساً : من كلام الظاهرية :
قال ابن حزم في (المحلى 5/ 346 ) :
" جائز تحريق أشجار المشركين , وأطعمتهم , وزرعهم ، ودورهم , وهدمها , قال الله تعالى : (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ) ، وقال تعالى: (ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ) ، وقد أحرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير - وهي في طرف دور المدينة - وقد علم أنها تصير للمسلمين في يوم أو غده "اهـ .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:11 PM
سادساً : من كلام غيرهم من المجتهدين :
1- قال الصنعاني في (سبل السلام 4/51) :
" وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : (حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع ) متفق عليه :
يدل على جواز إفساد أموال أهل الحرب بالتحريق والقطع لمصلحة ، وفي ذلك نزلت الآية (ما قطعتم من لينة) الآية ، قال المشركون : إنك تنهي عن الفساد في الأرض فما بال قطع الأشجار وتحريقها؟ ...وقد ذهب الجماهير إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو ، وكرهه الأوزاعي وأبو ثور واحتجا بأن أبا بكر رضي الله عنه وصى جيوشه أن لا يفعلوا ذلك ، وأجيب بأنه رأى المصلحة في بقائها لأنه قد علم أنها تصير للمسلمين فأراد بقاءها لهم ، وذلك يدور على ملاحظة المصلحة"اهـ .
2- وقال الشوكاني في (نيل الأوطار 8/78) – بعد ذكره لمجموعة أحاديث منها حديث ابن عمر السابق – :
"والأحاديث المذكورة فيها دليل على جواز التحريق في بلاد العدو ، قال في الفتح – ثم نقل كلام الحافظ السابق وأقره – ثم قال : ولا يخفى أن ما وقع من أبي بكر لا يصلح لمعارضة ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لما تقرر من عدم حجية قول الصحابي "اهـ .
3- وقال أيضاً في (السيل الجرار 4/534) :
"قد أمر الله بقتل المشركين ، ولم يعين لنا الصفة التي يكون عليها ، ولا أخذ علينا أن لا نفعل إلا كذا دون كذا ، فلا مانع من قتلهم بكل سببٍ للقتل من رمي ، أو طعن ، أو تغريق ، أو هدم ، أو دفع من شاهق ، أو نحو ذلك " اهـ .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:12 PM
المبحث الرابع
شبهات وردود
تمهيد
لعل أبرز الشبهات التي ترد في هذا الباب ما يلي :
الشبهة الأولى : تحريم قتل النساء والصبيان .
الشبهة الثانية : تحريم الإفساد في الأرض .
الشبهة الثالثة : أن هذه الأسلحة ستقتل قسماً من المسلمين .
وسأقوم بالإجابة عن كل شبهة باختصار :
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:13 PM
الشبهة الأولى
تحريم قتل النساء والصبيان
قالوا : ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : " أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة ، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان " ، وثبت في صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أنه قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ، ثم قال : اغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا : ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا " ، وغيرها من النصوص وكلها تدل على تحريم قتل النساء والصبيان ، واستخدام مثل هذه الأسلحة سيقتل هؤلاء .
والجواب عن هذه الشبهة أن يقال :
إنه قد ثبت في النصوص الأخرى جواز قتل النساء والصبيان في حال التبييت والإغارة كحديث صعب بن جثامة رضي الله عنه السابق ، وقد جمع أهل العلم بين هذه النصوص بأن النهي متوجه عندما يمكن تمييز النساء والصبيان من غيرهم ، وأما في حالة عدم التمكن من تمييزهم عن غيرهم فإنه يجوز قتلهم تبعا لغيرهم ، وقد سبق أن نقلنا كلام أهل العلم في المبحثين السابقين وقد نصوا على جواز قتل النساء والصبيان عندما لا يمكن تمييزهم ، ونقلنا قول الشافعي رحمه الله (الرسالة) ص 299 : " ومعنى نهيه عندنا - والله أعلم - عن قتل النساء والولدان أن يقصد قصدهم بقتل وهم يعرفون مميزين ممن أمر بقتله منهم ، قال : ومعنى قوله " هم منهم " أنهم يجمعون خصلتين : أن ليس لهم حكم الإيمان الذي يمنع الدم ، ولا حكم دار الإيمان الذي يمنع الغارة على الدار "اهـ .
ولا يمكن تمييزهم عند ضربهم بهذه الأسلحة ، فحكم ذلك كحكم التبييت وضربهم بالمنجنيق ونحو ذلك ، وقد نص بعض أهل العلم – في المبحث السابق – على أنه يقاس على المنجنيق غيره مما يعم الإهلاك به كقول السيوطي : " وقيس به ما في معناه مما يعم الإهلاك به "اهـ .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:13 PM
الشبهة الثانية
تحريم الإفساد في الأرض
قالوا : إن استخدام مثل هذه الأسلحة سيفسد الأرض ، ويهلك الحرث والنسل ، وقد نهى الله سبحانه عن ذلك : فقال تعالى (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا)(لأعراف: من الآية56) ، وقال تعالى (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (البقرة:205) .
والجواب على هذه الشبهة من وجهين :
الوجه الأول : أن هذه الشبهة أول من ذكرها اليهود ، وأجاب عنها الله سبحانه وتعالى في القرآن ، فقد روى ابن إسحاق في السيرة عن يزيد بن رومان ، وأبو داود في المراسيل عن عبدالله بن أبي بكر ، وغيرهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بنى النضير فتحصنوا ، فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل ، وحرّق ، فنادوا - حين رأوا النخل تقطع وتحرق - : يا محمد! قد كنت تنهى عن الفساد ، فما بال قطع النخل وحرقه؟ . فأنزل الله (ما قطعتم من لينة) الآية.
الوجه الثاني : أنه إذا تعارضت مفسدتان دفعت أعظمهما بارتكاب أدناهما بالاتفاق، ومفسدة بقاء الكفار على كفرهم وعدم دخولهم في حكم الإسلام أعظم من مفسدة تخريب بلادهم وهدمها ، وهذا باتفاق الفقهاء ؛ لذلك اتفقت أقوالهم على أنه إذا لم يقدر المجاهدون عليهم إلا بما يتسبب بقتل نسائهم وصبيانهم ونحو ذلك فإنه يجوز لهم مع أن أصل هذا منهي عنه ، وهذا كله في جهاد الطلب ، وقد سبق نقل كلام أهل العلم في ذلك أثناء الكلام في المبحث الثالث .
فإذا كان مجرد بقاء الكفار على كفرهم أعظم فساداً من تخريب ديارهم ، فما ظنك بالحكم إذا كان بقاؤهم مع ذلك سيكون مهدداً لبلاد المسلمين ، ودينهم ، وأعراضهم ، ودمائهم ، وأموالهم ؟!.
و جهاد الدفع أعظم وجوباً بالإجماع ، وما جاز في جهاد الطلب جاز في جهاد الدفع من باب أولى .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (الفتاوى الكبرى : 4/520) :
" وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً ، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه ، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان ، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم"اهـ.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:14 PM
الشبهة الثالثة
أن هذه الأسلحة ستقتل قسماً من المسلمين
قالوا : إن بلاد الكفار لا تخلو من المسلمين ، إما من التجار ، أو السياح ، أو المقيمين ، أو غير ذلك ، واستخدام مثل هذه الأسلحة سيقتل هؤلاء ، ومن المجمع عليه حرمة دماء المسلمين ، وقد قال تعالى (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً)(الفتح: من الآية25) ، فقد صرف الله سبحانه النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة خشية على المسلمين المختلطين بالكفار .
والجواب من ثلاثة وجوه :
الوجه الأول : أن هذه الآية استدل بها الأوزاعي رحمه الله وغيره على الكف عن الكفار إذا كان فيهم مسلمون يخشى عليهم – في جهاد الطلب – ، وليس في هذه الآية ما يدل على التحريم كما هو ظاهر ، وقد رد على هذا الاستدلال جملة من أهل العلم :
فقال أبو يوسف رحمه الله في (الرد على سير الأوزاعي) ص 66 وما بعدها :
" تأول الأوزاعي هذه الآية في غير موضعها ، ولو كان يحرم رمي المشركين وقتالهم إذا كان معهم أطفال المسلمين لحرم ذلك أيضا منهم إذا كان معهم أطفالهم ونساؤهم ؛ فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والأطفال والصبيان ، وقد حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أهل الطائف ، وأهل خيبر ، وقريظة ، والنضير ، وأجلب المسلمون عليهم فيما بلغنا أشد ما قدروا عليه ، وبلغنا أنه نصب على أهل الطائف المنجنيق ، فلو كان يجب على المسلمين الكف عن المشركين إذا كان في ميدانهم الأطفال لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم مالم يقاتلوا ؛ لأن مدائنهم وحصونهم لا تخلو من : الأطفال ، والنساء ، والشيخ الكبير الفاني ، والصغير ، والأسير ، والتاجر ، وهذا من أمر الطائف وغيرها محفوظ مشهور من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لم يزل المسلمون والسلف الصالح من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في حصون الأعاجم قبلنا على ذلك ، لم يبلغنا عن أحد منهم أنه كف عن حصن برمي ولا غيره من القوة لمكان النساء والصبيان ، ولمكان من لا يحل قتله لمن ظهر منهم"اهـ .
وقد ذكر الشافعي رحمه الله في (الأم) 7/349 قول الأوزاعي ، ثم أتبعه برد أبي يوسف السابق، ثم قال :
" والذي تأول الأوزاعي يحتمل ما تأوله عليه ، ويحتمل أن يكون كفه عنهم بما سبق في علمه من أنه أسلم منهم طائفة طائعين ، والذي قال الأوزاعي أحب إلينا إذا لم يكن بنا ضرورة إلى قتال أهل الحصن ، ..كان تركهم إذا كان فيهم المسلمون أوسع وأقرب من السلامة من المأثم في إصابة المسلمين فيهم ، ولكن لو اضطررنا إلى أن نخافهم على أنفسنا إن كففنا عن حربهم قاتلناهم ولم نعمد قتل مسلم ، فإن أصبناه كفرنا ، وما لم تكن هذه الضرورة فترك قتالهم أقرب من السلامة وأحب إلي "اهـ .
وقال الجصاص رحمه الله (أحكام القرآن) 3/589 :
" وأما احتجاج من يحتج بقوله : ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ) الآية , في منع رمي الكفار لأجل من فيهم من المسلمين , فإن الآية لا دلالة فيها على موضع الخلاف ؛ وذلك لأن أكثر ما فيها أن الله كف المسلمين عنهم ; لأنه كان فيهم قوم مسلمون لم يأمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو دخلوا مكة بالسيف أن يصيبوهم ، وذلك إنما يدل على إباحة ترك رميهم والإقدام عليهم , فلا دلالة على حظر الإقدام عليهم مع العلم بأن فيهم مسلمين ؛ لأنه جائز أن يبيح الكف عنهم لأجل المسلمين ، وجائز أيضا إباحة الإقدام على وجه التخيير , فإذا لا دلالة فيها على حظر الإقدام . فإن قيل : في فحوى الآية ما يدل على الحظر , وهو قوله : (لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ) فلولا الحظر ما أصابتهم معرة من قتلهم بإصابتهم إياهم ، قيل له : قد اختلف أهل التأويل في معنى المعرة هاهنا ، فروي عن ابن إسحاق أنه : غرم الدية , وقال غيره : الكفارة , وقال غيرهما : الغم باتفاق قتل المسلم على يده ; لأن المؤمن يغتم لذلك وإن لم يقصده ، وقال آخرون : العيب ، وحكي عن بعضهم أنه قال : المعرة : الإثم , وهذا باطل ; لأنه تعالى قد أخبر أن ذلك لو وقع كان بغير علم منا ; لقوله تعالى: ( لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ) , ولا مأثم عليه فيما لم يعلمه, ولم يضع الله عليه دليلا , قال الله تعالى : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ) فعلمنا أنه لم يرد المأثم ، ...، وإذا ثبت ما ذكرنا من جواز الإقدام على الكفار مع العلم بكون المسلمين بين أظهرهم وجب جواز مثله إذا تترسوا بالمسلمين ; لأن القصد في الحالين رمي المشركين دونهم ، ومن أصيب منهم فلا دية فيه ولا كفارة, كما أن من أصيب برمي حصون الكفار من المسلمين الذين في الحصن لم تكن فيه دية ولا كفارة ، ولأنه قد أبيح لنا الرمي مع العلم بكون المسلمين في تلك الجهة , فصاروا في الحكم بمنزلة من أبيح قتله فلا يجب به شيء , وليست المعرة المذكورة دية ولا كفارة ; إذ لا دلالة عليه من لفظه ولا من غيره . والأظهر منه ما يصيبه من الغم والحرج باتفاق قتل المؤمن على يده على ما جرت به العادة ممن يتفق على يده ذلك ، وقول من تأوله على العيب محتمل أيضا ; لأن الإنسان قد يعاب في العادة باتفاق قتل الخطأ على يده , وإن لم يكن ذلك على وجه العقوبة" اهـ .
الوجه الثاني : إننا لو قلنا بهذا القول على إطلاقه لعطلنا الجهاد بالكلية ؛ لأنه لا تخلو أرض من أراضي الكفار من مسلمين ، وما دام الجهاد مأمورا به وقد دلت الأدلة القطعية على وجوبه ، وتواتر عمل المسلمين به ، ولا يتحقق إلا بهذا ، فإنه يجوز .
قال محمد بن الحسن الشيباني (شرح السير الكبير 4/1467) : " ولا يمتنع شيء من ذلك ما يكون للمسلمين فيهم من أسرى , أو مستأمنين , صغارا أو كبارا ، أو نساء أو رجالا ، وإن علمنا ذلك ؛ لأنه لا طريق للتحرز عن إصابتهم مع امتثال الأمر بقهر المشركين , وما لا يستطاع الامتناع منه فهو عفو"اهـ .
وقال العبادي الحنفي (الجوهرة النيرة 2/258) : " قوله ( ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر ) : يعني يرميهم بالنشاب والحجارة والمنجنيق ؛ لأن في الرمي دفع الضرر العام بالذب عن جماعة المسلمين وقتل التاجر والأسير ضرر خاص "اهـ.
وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي (تحفة المحتاج 9/242) : " ( وإن كان فيهم مسلم ) واحد فأكثر . ( أسير أو تاجر جاز ذلك ) أي إحصارهم وقتلهم بما يعم ، وتبييتهم في غفلة ، وإن علم قتل المسلم بذلك لكن يجب توقيه ما أمكن ، ( على المذهب ) لئلا يعطلوا الجهاد علينا بحبس مسلم عندهم " اهـ .
الوجه الثالث : إننا لو سلمنا بهذا ؛ فإنما يكون عند جهاد الطلب ، أما في جهاد الدفع فإنه يجوز قطعاً إذا لم يندفع الكفار إلا به ، وهذا ينبغي أن يكون محل اتفاق بين الفقهاء ، وقد سبق ذكر قول الشافعي رحمه الله : "ولكن لو اضطررنا إلى أن نخافهم على أنفسنا إن كففنا عن حربهم قاتلناهم ولم نعمد قتل مسلم " ، وهذا كمسألة التترس تماماً ، فإن أهل العلم اتفقوا على جواز قتل الكفار ولو تترسوا بمسلمين إذا اضطروا إلى ذلك :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (الفتاوى 28/546) : " وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وان أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم"اهـ.
انتهت الرسالة :
هذا : وأسأل الله سبحانه أن ينفع بما جمعته ، وأن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:15 PM
الحروب
النووية والكيماوية والبيلوجيا
في الميزان الفقهي
مركز الدراسات - أمان
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
مع تطور الأزمان، وانفتاح العالم، والحرص على البقاء، ولأجل التحدي والحفاظ على الشخصية الدولية فقد تسارعت الدول إلى التنافس في صنع الأسلحة، وخصوصاً في القرن العشرين الذي اكتشفت فيه الطاقات، وتفجرت فيه المعرفة، فظهرت لنا نوعيات من الأسلحة تسمى بأسلحة الدمار الشامل، وكثر الحديث بعد صناعتها عن الحروب النووية، والبيولوجية، والكيماوية، والحرب النفسية.
وقد توقع الكثير أن الطاقة الذرية "النووية" سوف تنفع الكثير من البشر؛ ولكن ظهر جلياً خلاف ما توقعه هؤلاء؛ حيث استخدمت فيما يدمر ويبيد البشرية. بل إن الرعب والخوف قد دب في قلوب الكثير بسبب هذه الطاقة النووية، فتسارع الكثير إلى التسلح بأسلحة الدمار الشامل وتصنيع قنابل، وصواريخ نووية، وكيماوية، وجرثومية لاسيما السلاح النووي الذي له قدرة هائلة على التدمير، كما يقول أحدهم: "إن أربع قنابل هيدروجينية وزن كل واحدة منها (100) طن تستطيع أن تقتل كل نسمة على وجه الأرض".
كما أن لهذه الطاقة النووية تأثيراً على أمن وسلامة البشرية، وهي تؤثر على عجلة النمو خلال فترة الحروب، وقد كانت القنبلة الذرية الملقاة على اليابان سبباً في استسلامها في الحرب.
وتأتي الأسلحة البيولوجية (الجرثومية) على قائمة الأسلحة في الحروب الحديثة، وهي أي الجرثومية استخدام عسكري للكائنات الحية الدقيقة؛ لإيصال الجراثيم إلى هدفها من الإنسان، والحيوان، والنبات، لأغراض عدائية؛ مما يسبب تعطل المناعة الدماغية الطبيعية في الجسم، وهي إما أمراض بكتيرية، تسببها البكتيريا، ومنها ما يسمى حالياً بالجمرة الخبيثة.
أو أمراض فيروسية، وهي المتسببة في الإيدز، والحمى الصفراء، أو أمراض الكساح، وتنتقل عن طريق الحشرات كالقراد، والقمل، وهي المسببة لمرض التيفوس الوبائي.
وهناك أنواع أخرى من الأمراض لهذه الأسلحة البيولوجية.
ثم تأتي الأسلحة الكيماوية أيضاً على قائمة الأسلحة في الحروب الحديثة، وقد استخدمت في الحرب العالمية الأولى؛ فأطلق غاز الكلور، وغاز الخردل اللذان أوديا بحياة الآلاف بل مئات الآلاف كما تذكر بعض المصادر [ ].
وهذه الأسلحة الكيماوية هي مواد سامة ومؤثرة على الأعصاب، تصل للجسم من خلال الاستنشاق، أو البلع، أو عن طريق امتصاص الجلد لها، فتؤثر على الجسم وخاصة الجهاز العصبي، وهي على أقسام:
1) التابون: وبقاؤه في الهواء يتراوح من يوم إلى يومين.
2) سارين: وهو أثقل من الأول بأربعة أضعاف، وأشد منه.
3) سومان: وهو من أشد الغازات فتكاً.
ومن هذه المواد ما يؤثر على خلايا الدم، وتمتص عن طريق التنفس، ثم تدخل إلى الدورة الدموية بسرعة، وتدخل إلى الخلايا الحمراء، وتسبب الاختناق، ومن أهمها: سيانيد الهيدروجين، وكلورايد السيانوجين.
ومن هذه المواد ما يؤثر على الجهاز التنفسي (الخانقة) فيهيج الرئتين، ويدمر الجهاز التنفسي: كحامض البروسيك، وغاز الكلور، وغيرهما.
ومن هذه المواد ما يؤثر على الجلد سواء كانت سوائل أو غازات، وتدخل إلى الجسم عن طريق التنفس، أوالجلد، أو الأغشية المخاطية، وتسبب القروح الصديدية.
ومن هذه المواد الكيماوية ما يسمى بالمواد الكيميائية المعطلة، وهي مواد تشل الفرد عن الحركة الطبيعية جسمياً، أو عقلياً، أو جسمياً وعقلياً، ثم بعد ذلك يعود الشخص طبيعياً دون علاج، والفائدة منها هي وقت الحرب فقط.
ومن هذه المواد الكيماوية ما يهيج، ويكون على شكل سحب، وتستخدم لفض الاشتباكات والشغب. وتؤثر على الأنف، أو على العين، فتسيل الدموع.
ومن هذه المواد الكيماوية مواد حارقة، تنتج ناراً هائلة تسبب إصابات بالحروق، أو حرائق للمواد القابلة للاشتعال: كالمنشآت الصناعية، أو المستودعات الكبيرة للتموين، والذخيرة، والوقود.
هذا وإن من أهم أسلحة الحروب الحديثة الحرب النفسية؛ وذلك بنشر ما يثبط العزائم، ويؤثر في نفسيات المقاتلين، أو غيرهم من مؤيديهم، والغرض من ذلك هو خلق اعتقاد معين لديهم، وتوجيه سلوكهم والسيطرة على تصرفاتهم؛ وذلك عن طرق شتى، ويأتي في مقدمتها: وسائل الإعلام المسموعة، والمرئية، والمقروءة.
ولا شك أننا لو رجعنا إلى الوراء وقلبنا صفحات التاريخ لوجدنا أن إشاعة خبر مقتل النبي في غزوة أحد كان لها الأثر الكبير في نفسيات الصحابة رضي الله عنهم حتى إن بعضهم قعد عن مواصلة القتال.
إذا تبين لنا حجم هذه الأسلحة في الحروب الحديثة النووية والبيولوجية، والكيماوية وما لها من آثار كبيرة في حياة الأمم والشعوب، ومدى حرص الدول على الإكثار من تصنيع هذه المواد سواء لاستخدامها، أو الردع بها، فإنه ينبغي معرفة حكمها الشرعي تصنيعاً، واقتناءً، واستعمالاً فإنها مالم تسبر بمقياس الشرع، وتوزن بمعيار الدين القويم لايعرف حلها من حرمتها، ولا حقها من باطلها، وبيان ذلك من ثلاثة جوانب:
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:16 PM
الجانب الأول
الإعداد الحربي باقتناء أو تصنيع هذه الأسلحة
لاشك أن الاستعداد والتأهب للحرب قبل أن تقع من أساسيات هذا الدين، كما قال الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم}.
وأمر تعالى بالإنفاق في سبيله، ولأجل الجهاد فقال: {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون}، وقال تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، فترك الإنفاق في سبيل الله، وعدم الاستعداد للحرب باتخاذ العدة اللازمة للنصر تهلكة للنفس، وتهلكة للجماعة، والدعوة إلى الجهاد في التوجيهات القرآنية والنبوية تلازمها في الأغلب دعوة إلى الإنفاق [ ].
قال الإمام الماوردي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}: ( أي بأن تتركوا النفقة في سبيل الله فتهلكوا، ثم قال: "هذا قول ابن عباس، وقيل: لا تقحموا أنفسكم في الحرب بغير نكاية في العدو"، وقال: ابن كثير: "التهلكة أن تمسك يدك عن النفقة في سبيل الله تعالى") [ ].
وقال أيضاً: (من الأمور الواجبة على الإمام تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة؛ حتى لا يظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرماً؛ أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دماً) [ ].
وإذا تبين هذا فإنه يجب أن يُعلم أن الإسلام هو دين الرحمة والرأفة، والإحسان إلى البشر، ودين فيه حسن الخلق، وكريم المعاملة، والدعوة إليه بالتي هي أحسن من الحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، وقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم}.
ولا يأمر الإسلام بتصنيع أو استخدام هذه الأسلحة المدمرة التي تزيد في التهاب جمرة الحرب، وتطحن طحن الحب، وتهلك الحرث والنسل، وتحطم حطم الهشيم، وتترك من تنوشه كالرميم بسبب وقعتها العظيمة، ووطأتها الأليمة.
وما شرع الله تعالى هذا الدين إلا ليحقن دماء البشرية، ويرفع رأس الإنسانية، ويحقق تمام وكمال العبودية لله رب البرية جل وعلا، ولكن حين يضيق بالمسلمين المجال، ويتحكم فيهم الأعداء بسبب هذه الأسلحة، فلا يجوز وقوفهم مكتوفي الأيدي، بحجة أن هذا قضاء وقدر، بل يجب عليهم أن يجدّوا في إعداد القوة التي تجعل جانبهم مهاباً، وتردع عدوهم عنهم.
والآية السابقة في سورة الأنفال، وهي قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما ستطعتم من قوة} تدل على وجوب الأخذ بجميع أسباب القوة [ ]، سواء كانت مادية أو معنوية؛ فالمادية كالإنفاق على السلاح، والتدريب في فنون الحرب، والمعنوية كالتآخي، والتصافي، والتواد، ومن أكبر أسباب القوة: الرمي، فعن عقبة بن عامر قال: (سمعت رسول الله يقول، وهو على المنبر : {وأعدوا لهم ما ستطعتم من قوة} ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي) [ ].
وقد صح عن النبي أنه قال : (وإن ترموا خير من أن تركبوا) [ ].
قلت: لاشك أن من أعظم أسباب القوة الرمي، ومن أقوى الإرهاب لأعداء الله بالرمي هو تملك كل الأسلحة التي ترمى عليهم أو أقواها، وامتلاك أسلحة التدمير الشامل من نووية، وكيماوية، وبيولوجية تعتبر من الأمور التي تعزز موقف الدول الإسلامية أمام الدول الكافرة، وتجعلها مهابة، ومحافظة على كيانها، وكلمتها، وقراراتها؛ لاسيما في هذه العصور التي تداعت على المسلمين فيها جميع الأمم التي أخبرنا عنها نبينا بقوله: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها) [ ].
لذا يجب على حكومات المسلمين الحرص على اقتناء هذه الأسلحة أو تصنيعها؛ حتى تحافظ على دينها، وبلدها، ومعتقدها، وسيادتها، بإرهابها لأعدائها، وردعهم عن الاعتداء عليها، والمساس بها؛ امتثالاً لأمر ربها.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:25 PM
الجانب الثاني
حكم استخدام هذه الأسلحة
هناك أسلحة تدمير قديمة استخدمها السابقون؛ وذلك مثل: المنجنيق، والتحريق، والتغريق، وقطع الأشجار، وإتلاف المزروعات، وتخريب المباني، وقطع المياه، وإفسادها على العدو في بلاده عن طريق مايلقى فيها من سموم، ودماء، وقاذورات، بقصد القضاء على العدو بمجرد تناولها.. وكذلك أن يرسل على العدو الحشرات، والكائنات الحية التي من شأنها أن تقتل من تصيبه، أو تلدغه، أو تلسعه كالحيات، والعقارب، وما شاكلها.
وقد تطرق لها أهل العلم من فقهاء المذاهب الإسلامية، ووضحوا ما يستخدم منها، ومتى يستخدم، إلى غير ذلك من الأحكام المنوطة بهذه الأسلحة القديمة [ ].
والأسلحة الحديثة، الوحشية، المبيدة، والمدمرة، سواء كانت نووية، أو بيلوجية، أو كيماوية، لا تقارن في نتائجها وآثارها، وما تخلفه من خراب، ودمار، وخسائر بما ذكره الفقهاء من الأسلحة القديمة التي ذكرنا؛ ولكنها تشابهها من حيث اشتراكهما في قصد التدمير لجهة معينة؛ ولأنها قد تنوش النساء، والأطفال، والشيوخ الذين لم يشتركوا في القتال، وكذا الحيوان والنبات؛ ولذلك سوف ننزلها في الحكم على ما ذكره الفقهاء، فنقول وبالله التوفيق.
• أولاً: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل من نووية، وبيلوجية وكيماوية، ضد المقاتلين على الأرض، أو المتحصنين في القلاع، أو المتخندقين بالخنادق من دون أن يكون هناك إصابة لنسائهم، أو أطفالهم، أو أي مسلم.
اختلف أهل العلم فيه على قولين:
القول الأول:
يجوز ضربهم بهذه الأسلحة سواء كانوا متحصنين أو غير متحصنين ولو قدر على ضربهم بأقل من ذلك، والتغلب عليهم.
وإليه ذهب أهل العلم من الشافعية [ ]، وبعض الحنفية [ ]، وهو مذهب المالكية [ ]، والحنابلة [ ].
القول الثاني:
لايجوز ضرب مقاتلي العدو بهذه الأسلحة إلا إذا تعذر الوصول إليهم بغيرها؛ كأن يكونوا متخندقين، أو متحصنين في قلاع قوية لا يستطاع الوصول إليهم إلا بهذه الأسلحة.
وإليه ذهب باقي أهل العلم من الحنفية [ ].
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول القائلين بضربهم مطلقاً بما يلي:
1) قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم}.
وجه الاستدلال: أن الله أمر بقتل المشركين ولم يعين الصفة التي نقتلهم عليها، ولا أمرنا حين القتل أن نعمل هذا أو هذا، فلا مانع من قتلهم بكل سبب للقتل من رمي، أو طعن، أو تغريق، أو هدم، أو دفع من شاهق، أو غير ذلك مما يسمى قتلاً [ ].
2) حصاره للعدو في الطائف وضربهم بالمنجنيق [ ].
3) أمر عمر رضي الله عنه أبا موسى الأشعري رضي الله عنه وهو محاصر أهل تُسْتَر أن ينصب المنجنيق عليهم فنصبه أبو موسى [ ].
4) نصب عمرو بن العاص المنجنيق على الإسكندرية حين حاصرها [ ].
5) قطع رسول الله الماء عن أهل حصن من حصون النطاة بخيبر حين أخبر أن لهم ذيولاً تحت الأرض يشربون منها، فقطعها عنهم حتى عطشوا، فخرجوا، وقاتلوا حتى ظفر الرسول وأصحابه بهم [ ].
وجه الدلالة من الآثار السابقة:
أنه لا بأس بذلك كله ما داموا مقاتلين، فضربهم بالمنجنيق، ومنع الماء عنهم دليل على جواز قتلهم بأي نوع من أنواع السلاح.
6) واستدلوا بأن ذلك من لوازم الجهاد، فلو قيل بمنعه لتعطلت هذه الفريضة [ ].
واستدل باقي الحنفية القائلون بالمنع إلا إذا تعذر الوصول إليهم إلا بهذه الأسلحة بأن فعل النبي بضربه أهل الطائف بالمنجنيق، وكذلك صحابته من بعده إنما هو لأجل أنهم ممتنعون [ ] فجاز ضربهم بالمنجنيق وما شابهه، وأما إذا لم يكونوا متحصنين فلا يضربون بسلاح مدمر.
• ثانياً: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل من نووية، وبيلوجية، وكيماوية، ضد العدو المتحصن والمتترس بأطفاله ونسائه:
من سماحة الإسلام ورأفته ورحمته أنه ينهى عن تدمير البشر، وليست إراقة الدماء غاية أو هدفاً مرغوباً فيه؛ ولذلك كان من تعاليمه لجيشه ألاّيقتل النساء، ولا الولدان، ويدل عليه ما يلي:
1) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله كان إذا بعث جيوشه قال: (لا تقتلوا الولدان) [ ].
2) عن رباح بن حنظلة الكاتب: (أنه خرج مع رسول الله في غزاة غزاها وخالد بن الوليد على مقدمته، حتى لحقهم رسول الله على ناقته، فأفرجوا عن امرأة ينظرون إليها مقتوله فبعث إلى خالد بن الوليد ينهاه عن قتل النساء والولدان) [ ]. وفي رواية قال: (ما كانت هذه تقاتل) ثم أتبع رسول الله خالداً: (أن لا تقتل امرأة ولا عسيفاً) [ ].
3) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله عن قتل النساء والولدان)، وقال: (هما لمن غلب) [ ].
4 عن كعب بن مالك: (أن رسول الله نهى الذين قتلوا ابن أبي الحقيق حين خرجوا إليه عن قتل الولدان والنسوان) [ ].
5 عن يزيد بن هرمز قال: (كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله: هل كان النبي يقتل من صبيان المسلمين أحداً؟ فكتب إليه ابن عباس وأنا حاضر، إن رسول الله كان لا يقتل منهم أحداً) [ ].
وإذا تبين مافي الإسلام من أمر للمسلمين بأن لا يقتلوا هؤلاء فإن العلماء اتفقوا على أنه لايجوز قتل نساء العدو، ولا أطفاله أبداً؛ لكن إذا كان العدو على معرفة بتعاليم الإسلام، وأنه لايقتل نساؤهم وأطفالهم، فقاموا بالتترس بهم لعلمهم أن المسلمين لن يضربوهم فما الحكم؟
اختلف فيه الفقهاء على قولين:
القول الأول:
ذهب أهل العلم من الحنفية [ ] والشافعية [ ] والحنابلة [ ] إلى أنه يجوز ضربهم مطلقاً ولو لم يكن هنالك ضرورة قصوى.
القول الثاني:
وذهب أهل العلم من المالكية [ ] إلى أنه لايجوز ضربهم أبداً إلا في حالة الضرورة القصوى.
وقد استدل الفريقان على جواز ضرب الترس من نساء العدو وأطفاله بهذه الأسلحة المدمرة بما يلي.
1) عن الصعب بن جثامة، قال: (سُئل رسول الله عن أهل الدار من المشركين يبيتون ليلاً فيصاب من نسائهم وصبيانهم، فقال: "هم منهم") [ ]. وفي رواية قيل يارسول الله : (أوطأت خيلنا أولاداً من المشركين؟ فقال: رسول الله : "هم من آبائهم") [ ]. وفي رواية أخرى قلنا: (يارسول الله، الدار من دور المشركين نفتحها في الغارة فنصيب الولدان تحت بطون الخيل ولا نشعر؟ فقال: "إنهم منهم") [ ].
وجه الاستدلال:
لما لم ينههم رسول الله عن الغارة، وقد كانوا يصيبون فيها الولدان والنساء الذين يحرم قصد قتلهم دل ذلك أن ما أباح في هذه الآثار لمعنى غير المعنى الذي من أجله حظر ما حظر في الآثار الأول، وأن ما حظر في الآثار الأول هو قصد قتل النساء والولدان، والذي أباح هو قصد قتل المشركين وإن كان في ذلك تلف لغيرهم مما لايحل قصد تلفه [ ].
2) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان رسول الله يغير على العدو عند صلاة الصبح فيستمع، فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار) [ ].
3) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان النبي إذا غزا قوماً لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذاناً أمسك وإن لم يسمع أذاناً أغار، فنزلنا خيبر، فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب وركبنا معه فاستقبلنا عمال خيبر قد أخرجوا مساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا النبي والجيش قالوا: محمد والخميس، فأدبروا هراباً، فقال النبي : "الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين") [ ].
4) عن جندب بن مكيث الجهني قال: (بعث رسول الله غالب بن عبدالله الليثي في سرية كنت فيهم، وأمره أن يشن الغارة على ابن الملوح بالكديد)، قال: (فراحت الماشية من إبلهم وغنمهم، فلما احتلبوا وعطنوا واطمأنوا نياماً، شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا النعم) [ ].
5) عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: (لما قربنا من المشركين أمرنا أبو بكر الصديق فشننا عليهم الغارة) [ ].
وجه الاستدلال من الآثار السابقة:
أن النبي أمر بالغارة، وأغار على أهل خيبر ولم يمنعه من ذلك ما يحيط به، وقد كان يعلم فيما يبدو أنه لا يؤمن من تلف الولدان والنساء في ذلك ولكنه أباح ذلك لهم؛ لأن قصدهم كان إلى غير تلفهم [ ].
6) أن النظر يدل على جواز قتل النساء والولدان والمتترس بهم ولكن لايُقصدون بالقتل، ويؤيده مارواه صفوان بن يعلي بن أمية عن أبيه، قال صفوان: (كان لي أجير فقاتل إنساناً فعض أحدهما صاحبه، فانتزع أصبعه فسقطت ثنيتاه، فجاء إلى رسول الله يلتمس العقل فأهدر ثنيته)، قال عطاء: (حسبت أن صفوان قال: قال رسول الله "أيدع يده في فيك فتقضمها كقضم الجمل؟) [ ] وفي رواية (كقضم البكر) [ ]، وفي رواية (أردت أن تقضم يد أخيك كما يقضم الفحل، فأبطلها) [ ].
وجه الاستدلال:
لما نزع المعضوض يده، وأتلف ثنايا غيره لم يكن عليه شيء ولو قصد إلى نزع الثنايا لحرم عليه ذلك، فكذلك العدو حرم علينا القصد إلى قتل نسائهم، وحلال لنا أن نقتل العدو فإذا أصيب النساء والولدان ولم يكونوا قصدنا بالقتل فلا شيء علينا [ ].
قلت: ففيما مضى من الأحاديث في قتل نساء، وذراري، وأطفال المشركين دون تعمد قصدهم دليل للقائلين بجواز ضرب أطفال ونساء العدو المتترس بهم كما هو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، ولو لم تكن ثمة ضرورة قصوى، وهو دليل أيضاً للمالكية ولكن بشرط أن تلجئ إلى ذلك الضرورة القصوى.
وعلى كل حال فالأمر في ذلك إلى ولي أمر المسلمين للعمل بما يراه يحقق المصلحة، ويدرأ المفسدة.
• ثالثاً : حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل من نووية، وبيلوجية، وكيماوية ضد العدو المتترس بمسلمين:
إذا قام العدو بوضع أشخاص من المسلمين الأسرى ترساً لهم في خنادقهم، أو قلاعهم، أو مواقعهم، وذلك حتى يتفادوا ضربة المسلمين، فهل للمقاتلين من المسلمين ضرب موقعهم ولو أصابوا هؤلاء المسلمين المتترس بهم؟
الجواب:
لا يخلو الأمر من تفصيل:
فإن لم يكن هنالك أي خطر على جماعة المسلمين لو لم يضربوا عدوهم مع كون المسلمين لايقدرون على الحربيين إلا برمي الترس فقد اتفق أهل العلم من الفقهاء على أنه لايجوز ضربهم [ ].
وإذا كان الخوف من الخطر مظنوناً، ولا يوجد خطر محقق فقد اختلف أهل العلم في ضربهم على قولين:
القول الأول: يجوز ضرب العدو وإن أصاب الترس من المسلمين، وإليه ذهب أهل العلم من الحنفية [ ] والشافعية [ ].
القول الثاني: لايجوز ضرب العدو إذا كان سيصيب الترس من المسلمين عند خوف، أو ظن وجود خطر من العدو، وإليه ذهب أهل العلم من المالكية [ ]، والحنابلة [ ].
قال في المغني: قال الليث: "ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من أن يقتل مسلماً بغير حق" [ ]، وقال الأوزاعي:"كيف يرمون من لايرونه أنهم يرمون أطفال المسلمين" [ ].
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول القائلون بالجواز بما يلي:
1) لأنه لايتعمد رمي المسلم، وإنما يتعمد رمي العدو [ ].
2) أن في اعتبار وجود أسير مسلم يؤدي إلى انسداد باب الجهاد [ ].
3) أن الأمور بمقاصدها، فإذا تترس الكافر بمسلم؛ فإن رماه مسلم وقصد قتل المسلم حرم، وإن قصد قتل الكافر لم يحرم [ ].
واستدل أصحاب القول الثاني القائلون بالمنع بما يلي:
1) قوله تعالى: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما}.
وجه الاستدلال: أن كفار مكة حين منعوا النبي من أداء العمرة عام الحديبية همّ النبي بقتالهم، واستشار أصحابه في ذلك؛ ولكن الله عز وجل صرف نبيه، وصرف المسلمين عن هذا القتال بسبب وجود بعض المؤمنين والمؤمنات بين أهل مكة، الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الهلاك في غمرة زحف المسلمين على مكة واجتياحها [ ].
وأجيب عنه: بأنه لا دلالة في الآية على عدم الضرب بل أكثر ما فيها أن الله تعالى كف المسلمين عنهم؛ لأنه كان فيهم قوم مسلمون لم يأمن أصحاب النبي لو دخلوا مكة بالسيف أن يصيبوهم؛ وذلك إنما يدل على إباحة ترك رميهم، والإقدام عليهم فلا دلالة على حظر الإقدام عليهم مع العلم بأن فيهم مسلمين؛ لأنه جائز أن يبيح لهم الكف عنهم لأجل المسلمين، وجائز أيضاً إباحة الإقدام على وجه التخيير، فإذاً لا دلالة فيه على منع الإقدام [ ].
2) أن التوصل إلى المباح بالمحظور لا يجوز، ولا سيما بروح المسلم [ ].
3) لأن غايتنا أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف [ ].
قلت: لا يخفى عليك مافي التحرز من ضرب الترس من المسلمين من أهمية بالغة مالم يكن هناك غلبة ظن، أو أمر راجح لا تحمد عواقبه، ومرجع ذلك وتقديره إلى إمام المسلمين بمشاورة أهل الرأي وأهل الحل والعقد منهم.
وإذا تبين لنا الخلاف في حالة عدم وجود خطر محقق، أو مجرد الظن، وأن هناك من يجيز، وهناك من يمنع؛ فإنه عند وجود خطر محقق، وضرر محدق بالمسلمين، ولايوجد سبيل إلا بضرب العدو بهذه الإسلحة، فإنه يجوز ضربهم بها، ولو أصيب في ذلك المسلمون المتترس بهم، وقد اتفق على ذلك أهل العلم من الفقهاء [ ]، والأصوليين [ ]، وغيرهم من أهل العلم، وهو مارجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في فتاويه [ ].
الأدلة:
1) أن حفظ خطة الإسلام، ورقاب المسلمين أهم في مقاصد الشرع من حفظ شخص معين، في ساعة، أو نهار، وسيعود الكفار عليه بالقتل [ ].
2) حيث يباح أكل مال الغير بالإكراه لأن المال حقير في ميزان الشرع، بالإضافة إلى الدم، فكذلك دم الشخص المعين يباح بالنسبة للدم الأعظم، وهو دماء المسلمين. ففي رمي الترس ارتكاب لأخف الضررين [ ].
3) يجوز للضرورة حيث إن حصون الكفرة لا تخلو من أسير مسلم [ ].
4) لأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد؛ لأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم فينقطع الجهاد [ ].
5) لأنه لا يتعمد بالرمي المسلم وإنما يتعمد به العدو[ ].
6) أن الذي قتل في الترس من أجل الجهاد الذي أمر الله به ورسوله وهو في الباطن مظلوم يكون شهيداً، ويبعث على نيته، ولم يكن قتله أعظم فساداً من قتل من يقتل من المؤمنين المجاهدين [ ].
7) لأنه لو ترك الترس لانهزم المسلمون، وخيف من استئصال قاعدة الإسلام، وجمهور المسلمين، وأهل القوة منهم [ ].
هذا وقد ذهب بعض أهل العلم كالإمام الشوكاني [ ]، ومن وافقه إلى استثناء التحريق بالنار من جواز الضرب بهذه الأسلحة المدمرة، فيجوز الضرب بأسلحة الدمار الشامل من نووي، وكيمائي، وبيلوجي إلا ما تسبب في حرق العدو فلا يجوز أبداً.
واستدل الشوكاني على جواز الضرب ماعدا التحريق بأن النبي منع من ذلك، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بعثنا رسول الله في بعث فقال: إن وجدتم فلاناً وفلاناً لرجلين فأحرقوهما بالنار ثم قال حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لايعذب بها إلا الله؛ فإن وجدتموهما فاقتلوهما) [ ].
وجه الدلالة: دل هذا الحديث على منع التحريق على كل حال، سواء كان المحرق مشركاً، أوغير مشرك [ ].
وأما التحريق من بعض الصحابة فهذا دليل على أنه لم يبلغهم الدليل [ ].
وأجيب [ ] عن هذا المنع: بأن هذا صريح في النهي عن تحريق العدو بعد الأخذ، أي بعد إلقاء القبض عليه. أما حال القتال فلا يدخل في ذلك.
قال ابن حجر: (ومحله أي النهي عن التحريق بالنار إذا لم يتعين التحريق طريقاً إلى الغلبة على الكفار حال الحرب قال: واختلف السلف في التحريق، فكره ذلك عمر، وابن عباس، وغيرهما مطلقاً، سواء كان ذلك بسبب الكفر، أو في حال مقاتلة، أو قصاصاً. وأجازه علي، وخالد بن الوليد وغيرهما... وقال المهلب: :ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع. ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها) [ ].
قال أي ابن حجر : (وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم وهو نسخ لأمره المتقدم... وهو محمول على من قصد إلى ذلك في شخص بعينه) [ ].
• الترجيح:
مما سبق يتضح لنا أن هنالك من ذهب إلى جواز الضرب بهذه الأسلحة مطلقاً، سواء كان هناك قدرة للتغلب بأقل منها، أو لم يكن، في حين ذهب البعض إلى أنه لاتجوز إلا عند الضرورة، وذهب آخرون إلى جواز ذلك ما عدا التحريق، غير أنه لا يوجد من منع منها مطلقاً.
والذي أراه راجحاً هو أنه إذا كان يمكن التغلب على العدو بأقل من هذا السلاح في القوة؛ فإنه يجب الأخذ به وترك هذا السلاح، لأمر النبي بالإحسان في القتل، ولأجل سماحة الإسلام، وأنه إنما شرع الجهاد لإحياء البشر بالإسلام، وليس لفنائهم.
وأما إذا لم يمكن التغلب إلا به فإنه يجوز ذلك إذا خيف على الإسلام والمسلمين من الاعتداء عليهم من قبل الأعداء بما يكثر فيهم القتل والإبادة.
وكذلك إذا تيقن أن الأعداء سوف يستخدمون هذا السلاح لا محالة.
وإنما كان الجواز في استخدام هذه الأسلحة الحديثة في هذا الحال لأجل المعاملة بالمثل؛ ولما عرف عن هذه الأسلحة من التأثير في القوى المعنوية بإحداث الذعر والبلبلة التي هي من أشد عوامل الفشل في الحرب، ولا يضرب الخصم خصمه إذا كان عنده سلاح مثله؛ وذلك خوفاً من ردة الفعل الانتقامية.
ونجد أن بعض الدول استخدمت الأسلحة الكيماوية في الحرب العالمية الأولى، وأما الحرب العالمية الثانية فلم يسجل استخدام لها، وماذاك إلا لامتلاك كثير من الدول لهذا السلاح، فلم يضرب أحد بها خوفاً من ردة الفعل.
أحمد سعد الدين
25-12-2004, 09:26 PM
الجانب الثالث
ينبغي للمسلم في هذا الزمان أن ينظر إلى أن هذه الأسلحة التي تتطور شيئاً فشيئاً؛ لأجل دمار البشرية، أو اجتياح الدول، وإبادة الأمم، ليست إلا من صنع البشر، وأن الله هو الواحد المتصرف في هذا الكون، وأنه قادر على دحض الباطل، وتدمير الكفر، وإبطال كيدهم، وأنه إذا أصاب المسلمين شيء من هذه فإنما هو بقضاء الله وقدره ومشيئته، وأنه قدر قبل أن يخلق هذا الكون، ولو لم يقدر الله أن يصاب المسلم بذلك فلن يصيبه شيء، ولو اجتمع أهل الأرض جميعاً على أن يضروه بذلك فلن يستطيعوا ضره أبداً.
روى حنبل عن إسحاق قال: سألت أبا عبدالله أحمد بن حنبل عن الإيمان بالقدر، قال: نؤمن به، ونعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا [ ].
فالواجب على المسلمين الإيمان بالله تعالى وبما قدره، واليقين بأن مايقدره ولو بدا في ظاهره ضرر كبير فإنه لا يخلو من نفع قد نعلمه، وقد لانعلمه؛ لأن الله تعالى لا يخلق شراً محضاً، كما يجب علينا التعلق بجناب الله تعالى، وتفويض الأمر إليه، والتوكل عليه، وعدم الخوف من أية قوة مهما كانت إلا من غضبه ونقمته تبارك وتعالى، فلنسارع إلى طاعته، وننتهي عن معصيته، ففي ذلك الأمن والطمأنينة إن كنا ننشد الأمن.
عن مجلة الجندي المسلم / العدد 106
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir