مشاهدة النسخة كاملة : من الموسوعة الإسلامية - الحج
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:26 AM
الفصل الأول
في فرضيّة الحج وَشروطها
المبحث الأول : في فرضية الحج وحكمة مشروعيته.
المبحث الثاني : في شروط فرضية الحج.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:29 AM
المبحث الأول
في فرضية الحج وحكمة مشروعيته
1- تعريف الحج :
الحَجُّ في اللغة : القصد إلى مُعَظَّم.
وفي الشريعة : قصد البيت العتيق لأداء الأفعال المفروضة من الطواف بالكعبة والوقوف بعرفة محرماً بنية الحج.
2- فرضية الحج وأدلتها:
الحج فريضة محكمة، محتمة، ثبتت فرضيته بالقرآن والسنة والإجماع.
دليل الكتاب : فقد قال تعالى في سورة آل عمران : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ مَنِ اَسْتَطَاعَ ِإلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ} [آل عمران: 97].
فهذه الآية نص في إثبات الفرضية، حيث عبر القرآن بصيغة {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ} وهي صيغة إِلزام وإيجاب، وذلك دليل الفرضية.
دليل السنة : فمنها حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج" متفق عليه.
وعن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ..." رواه مسلم والنسائي.
دليل الإجماع : فقد تمَّ الإجماع منذ الصحابة إلى يومنا هذا، وأجمعوا على أن الحج فريضة محكمة على كل مستطيع في العمر مرة واحدة.
حكم العلماء على منكر هذه الفريضة وعلى من اعتقد حجاً آخر بدل الحج إلى الكعبة المشرفة والمناسك أنه مرتد عن الإسلام، كافر بالله ورسوله، والعياذ بالله تعالى.
3- التعجيل بالحج :
لكن اختلفوا في وجوب الحج هل هو على الفور أو على التراخي :
ذهب الإمام أبو حنيفة في رواية عنه ومالك وأحمد إلى أنه يجب على الفور، فمن تحقق فرض الحج عليه في عام فأخره يكون آثماً. واستدلوا بأدلة منها :
1) الحديث "من ملك زاداً وراحلته تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً" اخرجه الترمذي.
وذهب بعض الحنفية والشافعي إلى أنه يجب على التراخي فلا يأثم المستطيع بتأخيره، لكن التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الحج في المستقبل، فلو خشي العجز أو خشي هلاك ماله حرم التأخير، أما التعجيل بالحج لمن وجب عليه فهو سنة عند الشافعي، ما لم يمت، فإذا مات تبين أنه كان عاصياً من آخر سنوات الاستطاعة، ودليلهما :
1) أن الأمر بالحج في قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ} مطلق عن تعيين الوقت، فيصح أداؤه في أي وقت، فلا يثبت الالزام بالفور لأن هذا تقييد للنص، ولا يجوز تقييده إلا بدليل، ولا دليل على ذلك.
2) أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عام ثمان من الهجرة، ولم يحج إلا في السنة العاشرة، ولو كان الحج واجباً على الفور لما وقع منه صلى الله عليه وسلم هذا التأخير.
ومهما الأمر فلا شك أن التعجيل بالأداء أفضل وأحوط، فينبغي على المؤمن أن يبادر لأداء الحج وهو في صحته وشبابه ويسره، ولا يؤخره حتى يوشك أن يفوته لتقدم سنة فيؤديه بغاية المشقة ويحرم نفسه المتعة الروحية في الحج بسبب وهنه وشيخوخته، وإن الفكرة الشائعة بين الناس من تحبيذ تأخير الحج، أو التعجب ممن يعجل بأدائه لهي من نسج الشيطان وجنوده المنافقين الذي يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وذلك مما يجب محاربته والتحذير من أخطاره.
4- حكمة مشروعية الحج :
تشتمل فريضة الحج على حكم جليلة كثيرة تمتد في ثنايا حياة المؤمن الروحية، ومصالح المسلمين جميعهم في الدين والدنيا، منها :
آ- أن في الحج إظهار التذلل لله تعالى، وذلك لأن الحاج يرفض أسباب الترف والتزين، ويلبس ثياب الإحرام مظهراً فقره لربه، ويتجرد عن الدنيا وشاغلها التي تصرفه عن الخلوص لمولاه، فيتعرض بذلك لمغفرته ورحماه، ثم يقف في عَرفَة ضارعاً لربه حامداً شاكراً نعماءه وفضله مستغفراً لذنوبه وعَثَرَاتِه، وفي الطواف حول الكعبة البيت الحرام يلوذ بجناب ربه ويلجأ إليه من ذنوبه ومن هوى نفسه ووسواس الشيطان.
ب- أن أداء فريضة الحج يؤدي شكر نعمة المال، وسلامة البدن، وهما أعظم ما يتمتع به الإنسان من نعم الدنيا، ففي الحج شكر هاتين النعمتين العظيمتين، حيث يجهد الإنسان نفسه وينفق ماله في طاعة ربه والتقرب إليه سبحانه، ولا شك أن شكر النعماء واجب تقرره بداهة العقول، وتفرضه شريعة الدين.
جـ- أن الحج يربي النفس على روح الجندية بكل ما تحتاج إليه من صبر وتحمل ونظام، وخلق سام يتعاون به المرء مع الناس، ألا ترى الحاج يتكبد مشقات الأسفار حتى يتجمع الحجاج كلهم في مكة، ثم ينطلقون انطلاقاً واحداً يوم الثامن من ذي الحجة لأداء المناسك، فيتحركون جميعاً ويقيمون جميعاً، وهم في ذلك مسرورون منقادون، لا تلفتهم مشقات الزحام، ولا تزعجهم أعباء تلك التنقلات.
د- يجتمع المسلمون من أقطار الأرض في مركز اتجاه أرواحهم، ومهوى أفئدتهم، فيتعرف بعضهم على بعض، ويألف بعضهم بعضاً، هناك حيث تذوب الفوارق بين الناس، فوارق الغنى والفقر، فوارق الجنس واللون، فوارق اللسان واللغة، تتحد كلمة الإنسان في أعظم مؤتمر بشري، مؤتمر كله خير وبر وتشاور، وتناصح وتعاون على البر وتآزر.
هـ- وفي الحج ذكريات تغرس في النفس روح العبودية الكاملة، والخضوع الذي لا يتناهي لأوامر الله وشريعته، هناك العبرة تنبثق في ثنايا النفس المؤمنة، توجهها نحو بارئها بالطاعة والتبتل، فعند هذا البيت حطّ أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام رَحْلَهُ بزوجه هاجر ووليده إسماعيل.
فضيلة الحج :
قال تعالى : {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ... } [الحج: 27-28].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" أخرجه الستة إلا أبا داود.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو(1) ثم يباهي بهم الملائكة .. " أخرجه مسلم والنسائي.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكيرُ خَبثَ الحديدِ والذهب والفضة، وليس للحَجَّة المبرورة ثواب إلا الجنة". أخرجه الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه.
_________________-
(1) يتجلى
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:33 AM
المبحث الثاني
5- في شروط فرضية الحج
الشرط الأول : الإسلام :
فلو حج الكافر ثم أسلم بعد ذلك تجب عليه حجة الإسلام، لأن الحج عبادة، بل هو من أعظم العبادات والقربات، والكافر ليس من أهل العبادة.
الشرط الثاني : العقل :
لأن العقل شرط للتكليف، والمجنون ليس مكلفاً بفروض الدين، بل لا تصح منه إجماعاً لأنه ليس أهلاً للعبادة، فلو حج المجنون فحجه غير صحيح، فإذا شفي من مرضه وأفاق إلى رشده تجب عليه حجة الإسلام.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل" أخرجه الترمذي وحسنه، وأبو داود، وابن ماجه.
الشرط الثالث : البلوغ :
لأن الصبي ليس بمكلف، فلو حج صح حجه وكان تطوعاً.
الشرط الرابع : الحرية :
فالعبد المملوك لا يجب عليه الحج، لأنه مستغرق في خدمة سيده.
الشرط الخامس : الاستطاعة :
فلا يجب الحج على من لم تتوفر فيه، لأن القرآن خص الخطاب بهذه الصفة في قوله تعالى : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ مَنِ اَسْتَطَاعَ ِإلَيْهِ سَبِيلاً}.
والاستطاعة التي تشرط لوجوب الحج قسمان :
القسم الأول : الاستطاعة التي تشترط في الرجال والنساء :
القدرة على الزاد وآلة الركوب، وصحة البدن، وأمن الطريق، وإمكان السير.
آ- القدرة على الزاد وآلة الركوب والنفقة :
ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يختص اشتراط القدرة على آلة الركوب بمن كان بعيداً عن مكة ذهاباً وإياباً.
والمسافة البعيدة عند الشافعية والحنابلة فهو من كان بينه وبين مكة مرحلتان، وهي مسافة القصر عندهم. وتقدر بـ 88.5 كم.
وعند الحنفية تقدر بـ 81 كم وقيل 83.5 كم.
وذهب المالكية إلى أنه يجب عليه الحج إذا كان صحيح البنية يقدر على المشي، وهو يملك الزاد.
اختلاف العلماء في الزاد ووسائل المواصلة هل يشترط ملكية المكلف لما يحصلها به أو لا يشترط ؟ :
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن ملك ما يحصل به الزاد ووسيلة النقل شرط لتحقق وجوب الحج.
وذهب الشافعي إلى أَنه يجب الحج بإباحة الزاد والراحلة إذا كانت الإباحة ممن لا منَّةَ له على المباح له، كالوالد إذا بذل الزاد والراحلة لابنه.
- شروط الزاد وآلة الركوب وما يتفرع عليها :
وقد ذكر العلماء شروطاً في القدرة على الزاد وآلة الركوب هي تفسير وبيان لهذا الشرط، نذكرها فيما يلي :
أ- أن الزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة بنفقة وسط لا إسراف فيها ولا تقتير، فلو كان يستطيع زاداً أَدنى من الوسط الذي اعتاده لا يعتبر مستطيعاً للحج، ويتضمن اشتراط الزاد أيضاً ما يحتاج إليه من آلات للطعام والزاد مما لا يستغنى عنه.
ب- صرح الفقهاء : بأنه يشترط في الراحلة أن تكون مما يصلح لمثله إما بشراء أَو بكراء.
ومعلوم أن تقدم الحضارة أَلغى استعمال الدواب في الأسفار وأَحل مكانها الطائرات والبواخر والسيارات، فمن وجد نفقة وسيلة للسفر لا تناسبه لا يكون أيضاً مستطيعاً للحج حتى يتوفر لديه أَجر وسيلة سفر تناسب أمثاله.
جـ- إن ملك الزاد ووسيلة النقل يشترط أن يكون فاضلاً عما تمس إليه الحاجة الأصلية.
والحاجة الأصلية تشمل ثلاثة أمور هي :
1) نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه، لأن النفقة حق للآدميين، وحق العبد مقدم على حق الشرع، وقد روى عبد الله ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" أخرجه أبو داود والحاكم.
2) ما يحتاج إليه هو وأهله من مسكن، ومما لابد منه لمثله كالخادم وأثاث البيت وثيابه بقدر الأعتدال المناسب له في ذلك كله.
3) قضاء الدين الذي عليه، لأن الدين من حقوق العباد، وهو من حوائجه الأصلية فهو آكد، وسواء كان الدين لآدمي أو لحق الله تعالى كزكاة في ذمته، أو كفارات ونحوها.
فإذا ملك الزاد والحَمولة زائداً عما تقدم فقد تحقق فيه الشرط، وإلا لم يجب عليه الحج.
وهنا فروع تتعلق بهذه المسألة نذكر منها :
1) ذهب الحنفية إلى أنَّ من كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته بحيث لو باع الجزء الفاضل عن حاجته من الدار الواسعة لو في ثمنه للحج لا يجب عليه البيع.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب البيع.
وذهب الحنفية أيضاً إلى أنه لو كان مسكنه نفسياً يفوق على مثله لو أبدل داراً أدنى لوَفَّى تكاليف الحج، لا يجب عليه البيع.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب ذلك.
2) من ملك بضاعة لتجارته هل يلزمه صرف مال تجارته للحج ؟
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط بقاء رأس مال لحرفته زائداً على نفقة الحج، ورأس المال يختلف باختلاف الناس، والمراد ما يمكنه الاكتساب به قدر كفايته وكفاية عياله لا أكثر، لأنه لا نهاية له.
وذهب الشافعي إلى قولين الأصح أنه يلزمه صرف مال تجارته لنفقة الحج ولو لم يبق له رأسمال لتجارته.
3) من ملك نفقة الحج وأراد أن يتزوج فله حالان :
الحال الأولى : إن يكون في حالة اعتدال بالنسبة للشهوة فهذا يجب عليه تقديم الحج على الزواج إذا كان ملك ذلك في أشهر الحج.
الحال الثانية : أن يكون في حالة توقان نفسه والخوف من الزنا، فهذا يكون الزواج في حقه مقدماً على الحج إتفاقاً.
4) إذا ملك نقوداً لشراء دار يحتاج إليها وجب عليه الحج، وإن جعلها في غيره أثم، إذا حصلت له النقود وقت خروج الناس للحج، أما قبله فيشتري به ما شاء لأنه مَلَكَه قبل الوجوب.
5) ليس من الحوائج الأصلية ما جرت به العادة المُحْدَثَة برسم الهدية للأقارب والأصحاب، فلا يعذر بترك الحج لعجزه.
ب- صحة البدن :
1) إذا وجدت سائر شروط الحج في شخص وهو مريض زَمِن أو مصاب بعاهة دائمة أو مقعد أو شيخٍ كبير لا يثبت على آلة الركوب بنفسه فلا يجب عليه أن يؤدي هو فريضة الحج اتفاقاً، ولكن اختلفوا هل صحة البدن شرط لأصل الوجوب أو هي شرط للأداء بالنفس - أي لوجوب أداء الحج بنفسه -.
ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها شرط للوجوب، وبناء على ذلك لا يجب على فاقد صحة البدن أن يحج بنفسه ولا بإنابة غيره ولا الإيصاء بالحج عنه في المرض، لقوله تعالى : {مَنِ اَسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً }، وهذا غير مستطيع بنفسه فلا يجب عليه الحج.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن صحة البدن ليست شرطاً للوجوب، بل هي شرط للزوم الأداء بالنفس، فمَن كان هذا حاله يجب الحج عليه.
ويتفرع على ذلك :
1) أَن مَنْ كان قادراً على الحج بمساعدةِ غيره كالأعمى وجب عليه الحج بنفسه إذا تيسر له مَن يعينه تبرعاً، أو بأجرة إن كان قادراً على أجرته إذا كانت أجرة المثل، ولا يكفيه حج الغير عنه إلا بعد أن يموت. ومن لم يستطع الحج بمساعدة غيره وجب عليه أن يرسل غيره ليحج عنه. ويجب على المريض أن يوصي بالحج عنه بعد موته.
2) إذا وجدت شروط الحج مع صحة البدن فتأخر حتى أصيب بعاهة تمنعه من الحج ولا يُرجَى زوالهُا فالحجُّ واجب عليه اتفاقاً، ويجب عليه أَن يرسل شخصاً يحج عنه. أَما إذا أُصيب بعاهة يرجى زوالها فلا تجوز الإنابة، بل يجب عليه الحج بنفسه عند زوالها عنه.
3) ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه من كان غير مُعافى وملك المال وجب أن ينيب من يحج عنه.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب ذلك، وهذا هو الأحوط لبراءة الذمة.
ج- أمن الطريق وعدم الحبس أو المنع من السلطان أو الخوف منه :
وذلك وقت خروج الناس للحج، ومثله تنظيم الدور إن لم يستطع تخطيه لأن الاستطاعة لا تثبت دونه. واختلفت الرواية في أمن الطريق بين الفقهاء :
ذهب أبو حنيفة في رواية والشافعية وأحمد في رواية إلى أنه شرط الوجوب، لأن الاستطاعة لا تتحقق بدون أمن الطريق.
وذهب أبو حنيفة في رواية أخرى وهي الأصح وأحمد في رواية أخرى وهي الراجحة إلى أنه شرط للأداء لا للوجوب وهو الأصح، فعلى هذا المذهب من استوفى شروط الحج عند خوف الطريق فمات قبل أمنه يجب عليه أن يوصي بالحج. أما إذا مات بعد أمن الطريق فتجب الوصية اتفاقاً بين الجميع.
د- إمكان السير :
وهو أن تكمل فيه شرائط الحج والوقت متسع يمكنه الذهاب للحج.
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه شرط لأصل الوجوب.
وذهب الحنبلية إلى أنه شرط للأداء.
القسم الثاني : الشروط الخاصة بالنساء :
أما الشروط الخاصة بالنساء فهي شرطان لابد منهما لكي يجب الحج على المرأة، يضافان إلى شرط الاستطاعة التي ذكرناها، وهذان الشرطان هما : الزوج أو المحرم، وعدم العدة :
أ- الزوج أو المحرم الأمين :
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط أن يصحب المرأة زوجها أو ذو رحم محرم منها مؤبد التحريم - إذا كانت المسافة بينها وبين مكة ثلاثة أيام، وهي مسيرة القصر في السفر : (83 كيلومتراً أو 88.5).
استدلوا بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم" أخرجه الشيخان.
وذهب الشافعية إلى أنها إذا وجدت نسوة ثقات اثنتين فأكثر تأمن معهن على نفسها كفى ذلك بدلاً من المحرم أو الزوج بالنسبة لوجوب حجة الإسلام على المرأة، وعندهم: "الأصح أنه لا يشترط وجود محرم لإحداهن لأن الأطماع تنقطع بجماعتهن" فإن وجدت امرأة واحدة ثقة فلا يجب عليها الحج، لكن يجوز لها أن تحج معها حجة الفريضة أو النذر، بل يجوز لها أن تخرج وحدها لأداء الفرض أو النذر إذا أمنت.
وذهب المالكية : إلى أنَّ المرأة إذا لم تجد المحرم أو الزوج ولو بأجرة تسافر لحج الفرض أو النذر مع الرفقة المأمونة، بشرط أن تكون المرأة بنفسها هي مأمونة أيضاً. والرفقة المأمونة جماعة مأمومنة من النساء أو الرجال الصالحين.
أما حج النفل فلا يجوز للمرأة السفر له إلا مع الزوج أو المحرم فقط، باتفاق العلماء، ولا يجوز لها السفر بغيرهما، بل تأثم به.
وههنا مسائل تتعلق بالمحرم :
1) اختلفوا في المحرم هل هو شرط وجوب أو شرطٌ للزوم الأداء بالنفس، والراجح أنه شرط للزوم الأداء بالنفس.
2) يشترط في المحرم أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً صاحب استقامة، لكي يحصل به المقصود وهو حمايتها ورعايتها. وذهب الحنفية والحنبلية إلى أنه لو كان محرمها فاسقاً فإنه لا يكفي لتوفر الشرط في حقها، لأن المقصود لا يحصل به.
وذهب المالكية مثل ما ذهب إليه الحنيفة والحنبلية، لكن لم يشترطوا البلوغ بل التمييز والكفاية. أما عند الشافعي فلا تشترط العدالة في المحرم والزوج، بل يكفي ولو كان فاسقاً إذا كان له غَيْرَة تمنعه أن يرضى بالزنا. وتشترط الثقة في النساء.
3) ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط أن تكون قادرة على نفقتها ونفقة المحرم، لأنه يستحقها عليها، أما الزوج فعليه هو نفقتها.
وذهب المالكية والشافعية إلى أن له أخذ الأجرة إذا كانت أجرة المثل.
4) ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه إذا وجدت محرماً لم يكن للزوج منعها من الذهاب لحج الفرض، ويجوز أن يمنعها من الحج النفل.
وقال الشافعية : ليس للمرأة الحج إلا بإذن الزوج فرضاً أو غيره، لأن في ذهابها تفويت حق الزوج، وحق العبد مقدم، لأنه فرض بغير وقت إلا في العمر كله، فإن خافت العجز البدني بقول طبيبين عدلين لم يشترط إذن الزوج.
ب- عدم العدة :
ذهب الحنفية إلى أنه يشترط ألا تكون المرأة معتدة عن طلاق رجعي أو سابق أو وفاة مدة إمكان السَّيْرِ للحج، لأن الله تعالى نهى المعتدات عن الخروج من بيوتهن بقوله : {لا تُخرِجُوهُنَّ من بيوتهِنَّ ولا يخرُجْنَ إلا أنْ يأتينَ بفاحشةٍ مُبيِّنةٍ} [الطلاق: 1] والحج يمكن أداؤه في وقت آخر فلا تلزم بأدائه الآن.
وذهب الحنبلية إلى أنه لا تخرج المرأة إلى الحج في عدة الوفاة، ولها أن تخرج إليه في عدة الطلاق المبتوت، وذلك لأن لزوم البيت فيه واجب في عدة الوفاة والطلاق المبتوت لا يجب فيه ذلك وأما عدَّة الرجعية فالمرأة فيه بمنزلتها في طلب النكاح لأنها زوجة.
وذهب الشافعية : إلى أنَّ للزوج أن يمنع المطلقة الرجعية للعدة وذلك لأنه يحق للزوج عندهم منعها عن حجة الفرض.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:35 AM
الفصل الثاني
6- الحَج عن الغَيْر
مشروعية وشروط وجوب الإحجاج :
ذهب الجمهور - الحنفية والشافعية والحنابلة - إلى أنه من وجب عليه الحج فحضره الموت قبل أن يحج عليه أن يوصي بالإحجاج عنه، ومن استوفى شروط وجوب الحج بنفسه فلم يحج عن الأداء بنفسه لكبر سن أو مرض مزمن لا يرجى برؤه، أو ذهاب البصر أو عدم أمن الطريق أو عدم المحرم بالنسبة للمرأة، وكذا من توفرت فيه سائر شروط وجوب الحج في حالة العجز عن الأداء يجب عليهما الاحجاج عن أنفسهما، أو الوصية بالاحجاج إذا لم يرسلا من يحجج عنهما.
والأصل في هذا حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:
"جاءت امرأة من خَثْعَم عام حجة الوداع، قالت: يا رسول الله: إن فريضةَ اللهِ على عباده في الحجّ أدْرَكَتْ أبي شيخاً كبيراً لا يستطيعُ أنْ يستويَ على الراحلة فهل يقضي عنه أنْ أحجَّ عنه ؟ قال : "نعم". متفق عليه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً أن امرأة من جُهَيْنَةَ جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : "إنَّ أمي نذَرَتْ أنْ تحجَّ فلم تحُجَّ حتى ماتت، أفأ حجُّ عنها ؟ ".
قال صلى الله عليه وسلم: "نعم، حُجّي عنها، أرأيتِ لو كانَ على أمِّك دينٌ أكنتِ قاضية؟! أقضوا اللهَ، فاللهُ أحقُّ بالوفاء" أخرجه البخاري والنسائي.
وذهب المالكية إلى الأخذ المالكية بالأصل، وهو عدم جريان النيابة في العبادة البدنية كالصوم.
7-شروط جواز الإحجاج:
أ- شروط الحج الفرض عن الغير:
يشترط لصحة حجة النائب عن الفريضة الواجبة على المحجوج عنه ما يلي:
1) يشترط أن يأمر الأصيل بالحج عنه، فلا يجوز الحج عن الغير الحي بدون إذنه اتفاقاً. ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ الميت لا بد من وصيته، واستثنى الحنفية الوارث فإنه إذا حج أو أحج عن مورثه بغير إذنه فإنه يجزئه وتبرأ ذمة الميت إن شاء الله تعالى، إذا لم يكن أوصى بالحج عنه.
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه مَن مات وعليه حج وجب الإحجاجُ عنه من تركته، سواء أوصى به أم لا، كما تُقْضَى منها ديونه سواء أوصى بها أم لا، فلو لم يكن له تَرِكَةٍ اسْتُحِبَّ لوارثه أن يُحِجُّ عنه، فإنْ حَجَّ عنه بنفسه أو أرسل مَنْ حج عنه سقط الحج عن الميت، ولو حج عنه أجنبي جاز، وإنْ لم يأذن له الوارث، كما يقضي دينه بغير إذن الوارث.
2) ذهب الحنفية إلى أنه تكون نفقة الحج من مال الآمر كلها أو أكثرها سوى دم التمتع القرآن فهما على الحاج عندهم، إلا الوارث إذا تبرع بالحج عن مورثه تبرأ ذمة الميت إذا لم يكن قد أوصى بالإحجاج عنه.
وذهب الشافية والحنابلة إلى إجازة أنْ يُتَبرَّعَ بالحج عن الغير مطلقاً كما يجوز أن يتبرع بقضاء دينه، من أي شخص كان، وتبرأ ذمته.
وذهب المالكية إلى أن الأمر تابع للوصية أو لتبرع النائب، لا لإسقاط الفريضة عن الميت.
3) ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يشترط أن يحج عنه من وطنه إن اتسع ثلث التركة، وإن لم يتسع يحج عنه من حيث يبلغ.
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه يعتبر اتساع جميع مال الميت، لأنه دين واجب، فكان من رأس المال كدين الآدمي، لكن عند الشافعية يجب قضاء الحج عنه من الميقات، وقال الحنابلة يجب أن ينوب عنه من بلده.
4) أن يحج المأمور بنفسه : نص الحنفي والمالكية والشافعية على هذا الشرط.
فلو مرض المأمور أو حُبِسَ فَدَفع المال إلى غيره بغير إذن المحجوج عنه لا يقع الحج عن الميت، والحاج الأول والثاني ضامنان لنفقة الحج، إلا إذا قال الآمر بالحج اصنع ما شئت، فله حينئذ أن يدفع المال إلى غيره، ويقع الحج عن الآمر.
5) أن يحرم من الميقات بالحج أو العمرة عن الشخص الذي يحج عنه ويذكر اسمه حسبما أمر به من غير مخالفة، فلو أمره بالإفراد فقرن عن الآمر فهو مخالف ضامن للنفقات عند أبي حنيفة، أما إذا أمره بالإفراد فتمتع عن الآمر لم يقع حجه عنه ويضمن اتفاقاً عند أئمة الحنفية والشافعية، أما إذا أمره بالإفراد فقرن عن الآمر فيقع ذلك عن الآمر عند الشافعي، ولا يقع عن الآمر والنائبُ مخالف ضامن للنفقات عند أبي حنيفة.
6) أهلية المأمور لصحة الحج بأن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً، فلا يشترط أن يكون المأمور قد حج الإسلام عند الحنفية، بل تصح هذه الحجة البدلية وتبرأ ذمة الميت عندهم مع الكراهة التحريمية.
واستدلوا باطلاق حديث الخَثْعَمِيّة السابق، فإنه صلى الله عليه وسلم قال لها : "حجي عن أبيك" من غير استخبارها عن حجها لنفسها قبل ذلك.
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه يُشْتَرَط لإجزاء الحج عن الغير أن يكون من يحج عن الغير قد حج حجة الإسلام.
واستدلوا بما أخرج أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول : لبيك عن شُبْرمَةَ قال : "من شبرمة ؟" قال : أخ لي أو قريب لي. قال: "حَجَجْتَ عن نفسك ؟" قال : لا. قال : "حُجَّ عن نفسك ثم حج عن شبرمة".
ب- الحج النفل عن الغير:
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن حجَّ النفل لا يشترط فيه شيء منها إلا الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، وذلك لاتساع باب النفل، فإنه يُتَسامحُ في النفل ما لا يتسامح في الفرض. وهذا مذهب الحنفية وأحمد.
وذهب المالكية إلى إجازة ذلك مع الكراهة فيه وفي النيابة في الحج المنذور.
وذهب الشافعية إلى التفصيل في ذلك : وقالوا : لا تجوز الاستنابة في حج النفل عن حيّ ليس بمعضوب، ولا عن ميت لم يوص به. أما الميت الذي أوصى به والحي المعضوب إذا استأخر من يحج عنه ففيه قولان مشهوران للشافعية أصحهما الجواز، وأنه يستحق الأجرة.
الاستئجار على الحج :
ذهب الحنفية وأحمد في الأشهر إلى أنه لا يجوز الاستئجارُ على الحج فرضاً أو نفلاً، فلو عقدت الإجارة للحج عن الغير فهي عند أبي حنيفة باطلة، لكن الحجة عن الأصيل صحيحة، ويُسَمُّونَ الأجير مأموراً ونائباً. وقالوا : له نفقة المِثْل في مال الأصيل، لأنه حبس نفسه لمنفعة الأصيل، فوجبت نفقته في ماله.
وذهب الشافعية إلى جواز الاستئجار على الحج الفرض أو النفل، وبه أخذ المالكية مراعاة لخلاف الشافعية في جواز النيابة في الحج النفل.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:36 AM
الفصل الثالث
8- كيفيات الحج إجمالاً
وإجمال صفة أداء الحج أن له ثلاث كيفيات يمكن أن تؤدي بها، نعرِّف بها موجزاً فيما يلي:
أ- الإفراد : وهو أن يُحْرِمَ الحاج أي : ينوي أداء الحج فقط، فيؤدي أعمال الحج، وأهمها بعد الإحرام : طواف القدوم، السعي بين الصفي والمروة، الوقوف بعرفة، الوقوف بالمزدلفة، طواف الافاضة، رمي الجمار، المبيت بمنى، طواف الوداع.
ب- القِران : وهو أن ينوي أداء الحج والعمرة معاً، فتدخل أعمالهما في بعضها، ويؤدي الأعمال السابقة نفسها، فتكفيه عند الأئمة الثلاثة مالك والشافعية وأحمد. أما عند الحنفية فيجب عليه أن يؤدي طوافاً آخر وسعياً آخر لأجل العمرة، كما سنفصله إن شاء الله تعالى.
جـ- التمتع : وهو أن ينوي (يحرم) أولاً العمرة، فيؤدي أعمالها وهي الطواف والسعي والحلق أو التقصير، ويتحلل من الإحرام، ثم ينوي الحج يوم الثامن من ذي الحجة فيخرج إلى منى ثم يقف بعرفة إلى آخر أعمال الحج التي ذكرناها في الإفراد.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:39 AM
الباب الثاني
9-شُروط صِحَّة الحج
شروط صحة الحج أمور تتوقف عليها صحة الحج وليست داخله فيه، فلو اختلَّ شيء منها كان الحج باطلاً.
شروط صحة الحج خمسة :
الأول والثاني : الإسلام والعقل.
الشرط الثالث : الميقات الزماني.
وقت أعمال الحج ورد في قوله تعالى : {الحَجُّ أَشهُرٌ مَّعلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوَقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِ} [البقرة : 197].
فلو فعل شيئاً من أفعال الحج خارخها لا يجزيه، حتى لو صام المتمتع أو القارن ثلاثة أيام قبل أشهر الحج لا يجوز، وكذا السعي بين الصفا والمروة عقب طواف القدوم لا يقع عن سعي الحج إلا فيها.
ذهب الحنفية والمالكية والحنبلية إلى إجازة الإحرام بالحج قبلها مع الكراهة، لقوله تعالى {يسألونك عن الأَهِلَّةِ قل هي مَوَاقِيتُ للناس والحج} [البقرة: 189]. ولأن الإحرام عند الحنفية ليس من أركان الحج بل من شروطه.
وذهب الشافعية إلى أنه يصح الإحرام بالحج قبل وقته، فلو أحرم به في غير وقته انعقد عمرة على الصحيح عندهم.
ووقع الخلاف في نهار يوم النحر :
فقال الحنفية والحنابلة: هو من أشهر الحج.
وقال الشافعية: آخر أشهر الحج ليلة النحر، وليس نهار يوم النحر منها.
وقال المالكية: آخر أشهر الحج نهاية شهر ذي الحجة.
وامتداد الوقت بعد ليلة النحر إلى آخر ذي الحجة عند المالكية إنما هو بالنظر لجواز التحلل من الإحرام وكراهة العمرة فقط.
الشرط الرابع : الميقات المكاني :
هناك أماكن حددها الشارع لأداء أركان الحج لا تصح في غيرها، كالوقوف بعرفة مكانه: أرض عرفة، والطواف بالبيت مكانه: حول البيت، والسعي مكانه: المسافة بين الصفا والمروة.
الشرط الخامس : الإحرام :
الإحرام لغةَ: هو الدخول في الحرفة.
والمراد هنا الدخول في حرمة أداء الحج أو العمرة.
والإحرام: هو النية مع التلبية، فهو بالنسبة للحج كالنية للصلاة.
ذهب الحنفية إلى أنه لا بُدَّ فيه مع النية من التلبية.
وذهب الجمهور: إلى أن ركن الإحرام هو النية، والتلبية ليست بشرط في الإحرام بل هي سنة.
وذلك بأن ينوي في قلبه ما يريد من النسك : الحج، أو العمرة، أو هما معاً، ثم يقول : "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".
وعلى كل فإن لبس ثياب الإحرام ليس هو الفرض، ولو اقتصر عليها دون نية لا يكون محرماً، أما لو نوى الحج أو العمرة ولبى في ثيابه المخيطة فإنه يصير محرماً ويجب عليه نزعها في الحال.
اختلف الفقهاء في الإحرام، هل هو ركن أو شرط ؟:
فذهب الحنفية إلى أنه شرط.
وذهب الشافعية إلى أنه ركن.
وعند الحنفية لا يصير محرماً بمجرد النية، لكن بالنية عند التلبية.
وعند الشافعي وأحمد مالك في الأصح يصير محرماً بمجرد النية.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:41 AM
ونسوق هنا مسائل تتعلق بالإحرام يُحتاج إلى معرفتها وهي :
أ- المسألة الأولى : إبهام الإحرام :
كثيراً ما يحدث للحجاج أن يلبس بعضهم ثياب الإحرام ويلبي بقصد النسك، ولا يعين في إحرامه حجاً ولا عمرة لا بقلبه ولا بلسانه:
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ هذا الإحرام صحيح وعليه التعيين، ثم إن عين ما يريده قبل الطواف فالعبرة لهذا التعيين، وإن لم يعين ثم طاف بالبيت جعل إحرامه للعمرة، فيتم مناسك العمرة ثم يحرم بالحج ويصير متمتعاً، أما إذا لم يعين ولم يطف بالبيت بل وقف بعرفة قبل أن يطوف ينصرف إحرامه للحج وعليه أن يتمم مناسك الحج.
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه لا بُدَّ عندهم من التعيين، فلو عمل شيئاً من أركان الحج أو العمرة قبل التعيين لا يجزئه ولا يصح فعله.
ب- المسألة الثانية : الإحرام بإحرام الغير :
بأن يقصد المحرم الاقتداء بشخص من أهل العلم والفضل في أعماله ليرافقه ويحذو حذوه فيحرم بما أحرم به فلان، وهو لا يعلم ماذا أحرم به فلان، فهذا الإحرام صحيح، وينعقد إحرامه مثل إحرام ذلك الشخص عند الجمهور.
واستدلوا على ذلك بالحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه، أنه قدم من اليمن ووافى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "بم أهللت؟" قال : "بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم" فقال : "لولا أن معي الهدي لأحللت".
زاد في رواية : "قال فاهْدِ وامكث حراماً كما أنت". أخرجه الشيخان.
د- المسألة الثالثة : فسخ الإحرام بالحج إلى العمرة :
اتفق جمهور الفقهاء على أنه متى انعقد الإحرام لزم متابعة أداء المناسك التي نواها حتى يتحلل، لا يجوز أن يلغيه أو يحوّله.
وذهب الحنابلة إلى خلاف الجمهور، وقالوا: إن من أحرم بالحج مُفْرِداً أو قارناً إذا لم يكن ساق الهدي، فأجازوا له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج ويجعله عمرة ويتحلل، ثم ينوي الحج بعد ذلك ويصير متمتعاً.
- مواقيت الإحرام :
ميقات الإحرام : هو مكان الإحرام وزمانه.
أما الميقات الزماني فقد سبق الكلام عليه.
وأما الميقات المكاني باختلاف التي يفد الحجاج والعمار منها.
أ- وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ميقات كل بلد :
ففي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : "إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحُلَيْفَةَ، ولأهلِ الشام الجُحْفَةَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المنَازِل، ولأهل اليَمن يَلَمْلَمْ، هن لهن، ولم أتى عليَهن مِنْ غيرِ أهلهنّ ممنْ أرادَ الحجَّ والعمرة، ومَن كان دون ذلك فمن حيثُ أنشأ حتى أهلُ مكةَ من مكة".
والجُحْفَةُ هذه قد اندثرت، ويُهِلُّ حجاج بلاد الشام ومناطق الشمال من بلدة (رابغ) قبل الجُحْفَة بقليل.
أما العراق ومناطق الشرق فقد أخرج مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال : سمعته - وأحسبه رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : مُهَلُّ أهل المدينة ... إلى أن قال : "ومُهَلُّ أهل العراق من ذاتِ عِرْقٍ".
هذه مواقيت أهل الآفاق، فإذا انتهى الآفاقي إلى الميقات وهو يريد الحج أو العمرة أو القِران حرم عليه مجاوزته غير محرم بالإجماع.
ب- ومن لم يمر من المكان المحدد نفسه يحرم إذا حاذى الميقات، لذلك تُعْلِمُ الطائرات والبواخر الحجاج قبل محاذاتها الميقات حتى يستعدوا ويحرموا، فإذا وصلت بمحاذاته أعلنت لهم حتى ينووا ويلبوا بالحج، أو العمرة، أو بهما معاً.
جـ- أما من كان في المناطق بين مكة والمواقيت فيهل بالحج من داره.
د- مَنْ أراد العمرة وهو في مكة عليه أن يخرج من منطقة الحرم إلى أدنى مكان من الحل، فيحرم بالعمرة.
دليل ذلك : "أنه صلى الله عليه وسلم أرسلَ عائشةَ بعد قضاءِ الحجِّ إلى التّنْعِيم فاعتمرت منه" أخرجه الشيخان.
والتنعيم أقرب أطراف الحل إلى مكة يبعد عنها حوالي (10) كيلو مترات تقريباً، واتصل بنيان مكة به حالياً.
هـ- مَن دخل منطقة المواقيت للعمل، أو الإقامة أي قاصداً إياها لأمر ما لا للنسك، ثم أراد الحج أو العمرة يُحرِمُ من موضعه الذي هو فيه.
و- الإحرام قبل الميقات :
يجوز تقديم الإحرام على الميقات المكاني إجماعاً.
ذهب الحنفية إلى أنَّ الأفضل تقديم الإحرام على الميقات المكاني إذا أمن على نفسه مخالفة أحكام الإحرام.
وذهب مالك والشافعي في رواية والإمام أحمد إلى أن الأفضل أن لا يحرم قبل ميقاته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل. ولأنه يشبه الإحرام بالحج قبل أشهره فيكون مثله في الكراهة.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:42 AM
10- الحرم وأحكامه :
المراد بالحرم عند الإطلاق المنطقة المحرمة المحيطة بمكة.
أ- الحرم: بمعنى المسجد الحرام المبني في مكة حول الكعبة المشرفة.
ب- الحرم: منطقة محرمة تحيط بمكة يحرم صيدها وقطع شجرها. وهذا المعنى هو المراد إذا اطلقت كلمة "حرم".
ج- منطقة المواقيت، وهي أبعد عن دائرة الحرم.
والحرم المكي أي المحيط بمكة له حرمة جليلة وأحكام خاصة به منذ غابر الأزمان في عهد إبراهيم عليه السلام، وقد زاده الإسلام حرمة وقرر له أحكاماً خاصة، وأهم هذه الأحكام في هذا المقام ما يلي :
أ- حظر دخول الحرم بغير نسك :
ذهب الجمهور الحنفية والمالكية والحنبلية إلى أنَّ مَن مرَّ بالمواقيت يريد دخول الحرم لحاجة له، فيجب أن يكون محرماً وعليه العمرة إن لم يكن محرماً بالحج، لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا تجاوزوا الوقت إلا بإحرام" رواه ابن أبي شيبة، ولأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة، فيستوي فيه الحاج والمعتمر وغيرهما. ومن خالف كان حكمه حكمَ من جاوز الميقات بغير إحرام.
وعند الحنفية من كان في الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته، وعلى ذلك لو سافر الحاج من مكة إلى جدة - مثلاً - لبيع أو شراء أو حجز مكان للسفر أو نحو ذلك، ثم عاد إلى مكة يقصد استمرار الإقامة فيها فلا يجب عليه الإحرام بالعمرة عند الحنفية.
وذهب الشافعية إلى أنه إذا قصد منطقة الحرم أو مكة نفسها لحاجة غير النسك فإن الدخول بالإحرام سنة له ويجوز له ألا يحرم، ووافقهم الحنابلة فيمن له حاجة متكررة، كالحطاب وناقل الميرة وغيرهما، استدلوا بما صح أنه صلى الله عليه وسلم "دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام".
ب- تحريم صيد الحرم :
يحرم الصيد في مكة والحرم المحيط بها على الحَلاَل كما يحرم على المحرم أيضاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا البلدَ حَرّمه الله، لا يُعْضَدُ شَوْكُه، ولا يُنَفَّرُّ صَيْدهُ، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلا مَنْ عَرَّفها" أخرجه الشيخان.
ج- تحريم نبت الحرم :
فلا يجوز قطع شجر الحرم والزروع التي تنبت فيه بنفسها، كالحشيش ونحوه، لا يجوز ذلك للمحرم ولا لغير المحرم، لما سبق في الحديث فقد صرح بالنهي "لا يعضد شوكه" يعني لا يقطع، وورد في مسلم: "ولا يُخْتَلَى خلاها" يعني لا يقطع ولا يقلع. والخلا هو النبات الرطب الرقيق.
أما الذي يزرعه الناس ويستنبتونه بأنفسهم كالحبوب والأشجار المثمرة فليس بحرام.
د- جواز صلاة النافلة فيه مطلقاً :
ذهب الشافعية إلى جواز صلاة النافلة فيه مطلقاً، مثل ركعتي الإحرام وركعتي الطواف فرضاً أو نفلاً وغيرهما من النوافل والتطوع، في كل الأوقات ولو في أوقات الكراهة.
وذهب الحنفية إلى عدم جواز النافلة في الحرم في الوقت المكروه، وذلك يشمل صلاة الطواف وجوباً ونفلاً ويوافقهم المالكية في الأوقات الثلاثة: شروق الشمس واستوائها واصفرارها.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:44 AM
11- سنن الإحرام :
أ- الاغتسال :
وهو سنة مؤكدة عند الأئمة الأربعة، ويقوم الوضوء مكانه في تحصيل أصل السنة عند الحنفية، لكن الاغتسال هو السنة الكاملة.
عن زيد بن ثابت : "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل" رواه الترمذي.
واتفق الفقهاء على أن الغُسْلَ سنة لكل محرم صغير أو كبير ذكر أو أنثى، ويطلب من المرأة الحائض والنفساء.
وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت عُمَيْس لمّا ولدت: "اغتسلي واسْتَثْفِري بثوب وأحرمي".
وعن ابن عباس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن النفساءَ والحائضَ تغتسلُ وتحرمُ وتَقْضِي المناسكَ كلها غير أنْ لا تطوفَ بالبيت حتى تطهُرَ".
وحكمة هذا الغسل أنه للنظافة، لأن المحرم يستعد لعبادة يجتمع لها الناس، فيسن له الغسل كما يسن لصلاة الجمعة.
ب- التطيب :
1) التطيب في البدن :
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّ التطيب استعداداً للإحرام سنة.
وذهب الحنفية إلى أنه مستحب.
والأصل فيه ما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
عن عائشة رضي الله عنها قالت : "كنت أُطَيِّبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت" متفق عليه.
وذهب المالكية إلى تحريم الطيب عند الإحرام للبدن.
2) أما تطييب ثوب الإحرام :
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى جواز تطييب ثوب الإحرام عند الحنفية والشافعية والحنابلة عند إرادة الإحرام ولا يضر بقاء الرائحة في الثوب بعد الإحرام، كما لا يضر بقاء الرائحة الطيبة في البدن اتفاقاً، قياساً للثوب على البدن، لكن نصوا على أنه لو نزع ثوب الإحرام أو سقط عنه، فلا يجوز أن يعود إلى لبسه مادامت الرائحة فيه، بل يزيل منه الرائحة ثم يلبسه.
وذهب المالكية إلى تحريم الطيب عند الإحرام تحريماً باتاً للبدن وللثوب.
ج- ركعتا الإحرام :
يُسَنُّ أن يصلي ركعتين قبل الإحرام :
اتفق الفقهاء المذاهب الأربعة أن صلاة ركعتين قبل الإحرام سنة، عن ابن عمر : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحُلَيْفَة ركعتين" رواه مسلم.
ولا يصليهما في الوقت المكروه اتفاقاً بين المذاهب الأربعة، إلا من كان في الحرم عند الشافعية.
وتجزئ المكتوبة عنهما اتفاقاً بين المذاهب الأربعة، كتحية المسجد.
د- التلبية :
وهي أن يقول الصيغة المأثورة "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".
وقد اتفق الفقهاء على سنيتها واستجاب الإكثار منها إجمالاً، واختلفوا في حكمها عند الإحرام بالحج أو العمرة.
ذهب الحنفية إلى أنها جزء من الإحرام لا يصح ولا يعتبر ناوياً للنسك إلا إذا قرنه بالتلبية، ويحل محلها عمل خاص بالحج كسَوْق الهدي أو تقليده.
وذهب المالكية إلى أنها أبيض.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنها أبيض، لأنها ذكر فلا تجب في الحج كسائر أذكار الحج.
والأفضل أن يلبي عقب صلاة الإحرام ناوياً الحج أو العمرة، أو كليهما معاً، وإن لبى بعد الركوب جاز.
عن ابن عمر " أنه صلى الله عليه وسلم أهَلَّ حين استوت به راحلته قائمة" رواه البخاري ومسلم.
لكن التلبية عقب الصلاة افضل، إذا فعل المحرم ذلك الذي فصلناه فقد تم إحرامه بشروطه وسننه.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:45 AM
12-محرمات الإحرام :
محرمات الإحرام كثيرة متعددة، تنقسم إلى الأنواع التالية :
النوع الأول : المحرمات من اللباس.
النوع الثاني : المحرمات المتعلقة ببدن المحرم.
النوع الثالث : الصيد وما يتعلق به.
النوع الرابع : الجماع ودواعيه.
النوع الخامس : الفسوق والجدال.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:47 AM
النوع الأول : المحرمات من اللباس :
يختلف تحريم الملبس في حق الرجال عن تحريم الملبس في حق النساء :
أ- إحرام الرجل في حق الملبس :
يلبس الرجل للإحرام إزاراً "مئزراً" ورداء "يلف على نصفه العلوي". وَيَحْرُم عليه ما تضمنه الحديث الصحيح : عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلاً سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا تلبسوا القُمُصَ، ولا العمائمَ، ولا السَّراويلاتِ، ولا البَرَانِسَ، ولا الخِفافَ، إلا أحدٌ لا يجدُ النَّعلين فَلْيَلْبِس الخفين وَلْيَقْطَعْهُما أسفَل من الكعبين، ولا تلبِسوا من الثياب شيئاً مسَّه الزعفرانُ ولا الوَرْس". متفق عليه.
والمقصد من تحريم هذه الثياب الامتناع عن لبس المخيط او المحيط لبساً معتاداً، فلو وضع القميص على جسمه بوضع غير معتاد كانْ يلفّ به جسمه لا يكون ممنوعاً. وكذا لو لف قماشاً على بعض جسمه غير معتاد لم يمنع. ولو ترك لبس الرداء وظل أعلاه فوق السرة عارياً لم يمنع.
وهذا بيان هام لحكم ربط الرداء والإزار :
مذهب الحنفية : يكره للمحرم أن يربط طرفي الإزار أو يشد عليه رباطاً أو يشبكه بدبوس أو زر، لكن لا يجب عليه شيء لو فعل ذلك، وكذلك الرداء عندهم.
فذهب الشافعية والحنبلية: فإنهم فرقوا بين الإزار والرداء، فأجاز الشافعية للمحرم أن أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطا ليثبت، وأن يجعل له مثل الحُجْزة ويدخل فيها التكة إحكاماً، أو يزرّه بالزر، أو بأزرار متباعدة، وأن يغرز طرف ردائه في إزاره، ولا يجوز له أن يثبِّت الإزار بشوكة، أو إبرة، أو دبوس. ولا يجوز عقد الرداء ولا خله بخلال أو مسلة (كالدبوس والإبرة) ولا ربط طرفه إلى طرفه بخيط أو نحوه، فإن فعل شيئاً مما ذكرنا حظره لزمته الفدية.
وقال الحنابلية: "له أنْ يعقد إزاره، وأنْ يشدّ وسطه بحبل ولا يعقده لكنه يدخل بعضه في بعض، ولا يجوز له عقد ردائهن ولا أن يزره عليه ولا يخله بشوكة ولا غيرها (كالإبرة والدبوس)، ولا يغرز طرفيه في إزاره.
ومذهب المالكية: فقد أوجبوا الفدية في ذلك كله سواء كان في الإزار أو الرداء.
والنهي عن العمامة يشمل كل شيء يوضع على الرأس لتغطيته، أما إذا ظلل رأسه بشيء لا يلامس الرأس كالمظلة فلا بأس به.
ومثل العمامة ستر الوجه عند الأئمة الثلاثة، خلافاً للشافعية فلم يحرموه على المحرم.
والنهي عن ثوب الزعفران يندرج تحته كل ثوب مسه طيب فلا يجوز لبسه.
وإذا كان لبس الخفين ممنوعاً، فالمنع للقفازين من باب أولى، لأن الحاجة للخف أعظم والرفاهية في القفاز ظاهرة جداً.
وقطع الخف أسفل من الكعبين: فسره الحنفية بالعظم الناتئ وسط ظاهر القدم.
وفسره بقية الفقهاء بالكعبين في جانبي القدم اللذين هما حد الغسل في الوضوء.
ونصوا على إباحة وضع الخاتم، لأنه لا يعتبر لبساً، ولعل أن يلتحق به وضع الساعة في اليد الآن، لأنه لا يعتبر لبساً أيضاً، ولأن الحاجة لذلك ماسة أكثر من الخاتم.
ب- إحرام المرأة في الملبس :
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ المرأة إحرامها بكشف وجهها فقط فيحل لها لبس المخيط والقفاز وتغطية الرأس.
وذهب مالك وأحمد وهو الأظهر المعتمد في مذهب الشافعية إلى أنه يحرم عليها ما نص عليه حديث ابن عمر السابق فقد رواه البخاري بزيادة : "ولا تَنْتَقِبُ المرأةُ، ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْن".
لكن إذا سترت وجهها بساتر لا يمسه لا يحرم، وهكذا تصنع الكثيرات فيجعلن في جبهتهن إطاراً عريضاً ينزل الحجاب فوقه فيحجب الوجه ولا يمسه.
وأجاز الحنابلة أن تستر المحرِمة وجهها بثوب تلقيه عليه من فوق رأسها على وجهها إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها بأن يلقى الثوب إلقاء في هذا الحال فقط.
ولابأس أن تلبس المرأة المحرمة الذهب والحرير وتتحلى بالحلي عند عامة العلماء، لكن يحرم عليها إظهار الزينة أمام الأجنبي في الإحرام وغيره، ولا يكون الحج مبروراً.
النوع الثاني : المحرمات المتعلقة ببدن المحرم :
وهي كل شيء يرجع إلى تطييب الجسم، أو إزالة الشَّعَثِ، أو قضاء التَّفَث، والأصل في هذا النوع قوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196].
فتحرم بالإحرام الأشياء الآتية :
أ- حلق الرأس بنفسه أو بواسطة غيره محرماً كان أو حلالاً، عملاً بنص الآية. وكذا حلقُ المحرم رأسَ محرم آخر، وذلك ما لم يفرغ الحالق والمحلوق من أداء نسكهما ويصبح الحلق حلالاً لهما، فعندئذ لا يدخلان في الحظر ويجوز لهما أن يحلقا لبعضهما باتفاق المذاهب.
ب- إزالة الشعر من أي موضع من الجسم قياساً على شعر الرأس، ولو شعرة واحدة.
ج- إزالة الظفر بالتقليم أو غيره قياساً على الشعر بجامع الترفه في الجميع.
د- الطيب:
1) يحرم استعمال الطيب في ثوبه أو بدنه ولو كان للتداوي اتفاقاً.
فعلى المحرمين أن يجتنبوا أنواع الصابون المطيب، والصابون المستورد من الخارج الذي له رائحة عطرية، كما يجب عليهم الاحتياط عند شرائهم شيئاً من الطبيب والامتناع من النوم على شيء مطيب.
2) أما شم الطيب فقط دون مس.
فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى كراهة ذلك، ولا فداء فيه عندهم.
وذهب الحنبلية إلى أنه يحرم تعمد شم الطيب كالمسك والكافور ويجب فيه الفداء، ويجوزشم الفواكه وكل نبات صحراوي كالشِّيح والقَيْصوم ...
3) وأما أكل الطيب الخالص أو شربه فلا يحل للمحرم اتفاقاً في المذاهب الأربعة.
4) أما إذا خلطه بطعام قبل الطبخ وطبخه معه فلا شيء عليه قليلاً كان أو كثيراً عند الحنفية والمالكية. وكذا عند الحنفية لو خلطه بطعام مطبوخ بعد طبخه. أما إذا خلطه بطعام غير مطبوخ فإن كان الطعام أكثر فلا شيء ولو وجدت الرائحة، غير أنه إذا وجدت معه الرائحة يكره، وإن كان الطيب أكثر وجب فيه الدم وإن لم تظهر رائحته.
أما عند المالكية فالكل محظور وفيه الفداء عندهم.
وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه خلط الطيب بمشروب كماء الورد وغيره وجب فيه الجزاء قليلاً كان الطيب أو كثيراً.
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه خلط الطيب بغيره من طعام أو شراب ولم يظهر له ريح ولا طعم فلا حرمة ولا فدية، وإلا فهو حرام وفيه الفدية.
5) أما أكل الفواكه ذات الرائحة الطيبة كالتفاح والسفرجل والنارنج والليمون وغيرها فهو جائز عند الجميع. والله أعلم.
هـ- ذهب الحنفية والمالكية إلى تحريم دهن شعر الرأس أو أي شعر في الجسم بدهن ولو كان غير مطيب كالزيت مثلاً، لما فيه من التزيين والتحسين للشعر، وذلك ينافي الشأن الذي يجب أن يكون عليه المحرم من الشعث والغبار افتقاراً وتذللاً لله تعالى.
وذهب الشافعية إلى عدم تحريم دهن شعر البدن بدهن ليس بطيب إلا في الرأس واللحية فيحرم الدهن الذي ليس بطيب في الرأس واللحية ولو كان حليقاً، فليحذر المحرم أن ينتقل إليهما شيء من السمن أو الدهن أو الزيت بواسطة يده أو بغير ذلك.
وذهب الحنابلة إلى إباحة الدهن غير المطيب للمحرم في رأسه ولحيته وسائر بدنه.
وثمة أمور يظنها الناس ممنوعة على المحرم وليست ممنوعة مثل : الاغتسال وحك الرأس أو البدن، لكي ينبغي أن يترفق حتى لا يسقط شيء من شعره فتلزمه فديته. وكذا الاكتحال إذا كان غير مطيب.
النوع الثالث : الصيد :
أ- الصيد هو المستوحش النافر من الناس في أصل خلقته، أما المستأنس في أصل الخلقة فليس بصيد. فلا يحرم على المحرم ذبح المواشي والدجاج لأنها مستأنسة.
والأصل في حرمة الصيد قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمُُ} [المائدة : 95]. يعني لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون.
وقوله تعالى : {وَحُرِّمَ عَلَيكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُم حُرُماً} [المائدة : 96].
ويحرم الصيد أيّاً كان نوع الحيوان، ولو كان غير مأكول اللحم، ويحرم مساعدة من يريد الصيد أيضاً بأي وجه من الوجوه : كالدلالة عليه، وإعارة سكين، ومناولة سوط، وكذا تنفير الصيد، وكسر بيضه، وكسر قوائمه وجناحه، وحلبه، وبيعه، وشرؤاه، يحرم ذلك على المحرم سواء كان ذلك في داخل الحرم أو خارجه، وأباح الشافعية غير مأكول اللحم وكرهه الحنبلية.
ويحرم على المحرم أكل صيد البر الذي صاده محرم آخر، أو ساعد فيه حلالاً، أو صاده لأجله حلال أيضاً.
ب- جواز قتل الدواب الفواسق:
وقد نصوا على جواز قتل خمسة من الحيوانات للحلال والحرام في الحِلِّ والحرم أخذاً بالحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"خمسٌ مِن الدوابِّ كُلُهُنَّ فاسقٌ يُقْتَلْن في الحرم: الغرابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفأرةُ، والكلبُ العَقُور". متفق عليه.
وفي رواية عند مسلم ذكر : "الحية" ولم يذكر "العقرب".
ووقع عند أبي داود بزيادة : "السبع العادي" يعني الحيوان المفترس.
وقد اتفقوا على إباحة قتل هذه المذكورات جميعاً.
النوع الرابع : الجماع ودواعيه :
والأصل في هذا النوع قوله تعالى :
{فَمَنْ فَرَضَ فيهنَّ الحجَّ فلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحجّ} [البقرة: 197].
الرَّفَث محركة الجِماع وغيره مما يكون بين الرجل وامرأته من التقبيل والمغازلة ونحوهما مما يكون في حالة الجماع، وهو أيضاً الفحش وكلام النساء في الجماع، أو ما وُوِجهْن به من الفحش.
فيندرج تحت هذا النوع المسائل التالية:
أ) تحريم الجماع على المحرم، وقد أجمع على ذلك العلماء عملاً بالآية، وأجمعوا على أن الجماع مفسد للحج.
ب) يحرم على المحرم أيضاً جميع دواعي الجماع كاللمس بشهوة والتقبيل.
ج) الكلام الفاضح في المسائل الجنسية محظور على المحرم أيضاً لأنه من دواعي الجماع، فيكون محظوراً عليه.
ومثل هذا الكلام مستقبح، مخل بالمروءة، فكيف وهو في الإحرام !!
النوع الخامس : الفسوق والجدال:
الفسوق: هو الخروج عن الطاعة، وذلك حرام في كل حال، فما أشنعه إذا صدر عن المحرم.. ؟!
والجدال : أن يجادل رفيقه حتى يغضبه، وكذلك المنازعة والسباب.
فليشتغل المحرم بالتلبية، وذكر الله تعالى، أو قراءة القرآن، أو تعليمٍ لجاهل، أو أمرٍ بمعروف، أو نهي عن منكر.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:49 AM
الفصل الثَاني
13- ركن الحَجّ
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:51 AM
المبحث الأول
الوقوف بعَرَفَةَ:
عَرَفَةُ، وعرفاتٌ: بقعة أرض منبسطة تقع شرقيّ مكة على بعد (25 كيلو متراً) تقريباً.
والمراد من عبارة : "الوقوف بعرفة" المكث بهما كيفما كان. سمي وقوفاً لكون الوقوف بها مستحباً للدعاء.
دليل فرضيته : ركنية الوقوف بعرفة ثابتة بالكتاب والاجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى :
{وللهِ على الناسِ حجُّ البيتِ مَنِ اسْتطاعَ إليه سبيلا}.
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "الحج عرفة". وهذا تفسير للأمر القرآني بالحج.
وقال تعالى : {ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة : 199].
عن عائشة رضي الله عنها قالت : "كانت قريشٌ ومَنْ دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وسائرُ العربِ يقفون بعرفاتٍ، فلما جاء الإسلام أمرَ اللهُ نبيهُ أنْ يأتيَ عرفاتٍ ثم يقفَ بها ثم يُفِيْضَ منها. فذلك قوله : "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حيثُ أفاضَ النّاس". أخرجه البخاري.
وأما السنة : فعن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي أنّ أناساً مِنْ أهلِ نجدٍ أتوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فسألوه فأمرَ منادياً يُنادي : "الحجُّ عرفةُ، مَنْ جاءَ ليلة جمْعٍ قبل طلوعِ لفجرِ فقد أدرك الحج. أيامُ مِنَىً ثلاثةٌ، فمن تعجل في يومين فلا إثْمَ عليه، ومَن تأخّر فلا إثمَ عليه". أخرجه أحمد وأصحاب السنن والحاكم وابن حبان.
وعن عُرْوَةَ بن مُضَرِّس الطائي قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمُزْدَلِفَة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسولَ الله إني جئتُ مِن جبلِ طّيءٍ أكلَلْتُ راحِلَتي، وأتعبْتُ نفسي، واللهِ ما تركتُ من جبلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حَجٍّ ؟" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شَهِدَ صلاتَنا هذه ووقَفَ معنا حتى يَدْفَعَ، وقد وقَفَ بعرفةَ قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجُّه وقضى تَفَثَه". أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي والحاكم.
وأما الإجماع : "فالأمة أجمعت على كون الوقوف ركناً في الحج".
14- شروط الوقوف بعرفة :
أ) مكان الوقوف :
عرفة كلها موقف، يصح أداء الركن في أي موضع منها إلا بطن وادي عُرَنَة.
وحدود عرفة: من الجبل المشرف على وادي عرنة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي منطقة البساتين المعروفة قديماً ببساتين بني عامر، ومسجد نمرة بعضُه ليس من عرفة فليتنبه.
وليس وادي عُرَنَة من الموقف، ولا يصح الوقوف فيه باتفاق أئمة المذاهب.
عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
"قد وَقَفْتُ ههنا بِعَرَفَة، وعَرَفَة كلَّها مَوْقِف". أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كُلُّ عَرَفَة موقفٌ وارْفَعوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَة". أخرجه ابن ماجه ومثله عن ابن عباس صححه الحاكم على شرط مسلم.
ب- وقت الوقوف :
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يبدأ وقت الوقوف بعرفة من زوال الشمس يوم عرفة - وهو تاسع ذي الحجة ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق يوم عيد النحر، حتى لو وقف بعرفة في غير هذا الوقت كان وقوفه وعدم وقوفه سواء.
وذهب مالك إلى أن وقت الوقوف هو الليل، فمن لم يقف جزءاً من الليل لم يجز وقوفه وعليه الحج من قابل، وأما الوقوف نهاراً فواجب ينجبر بالدم بتركه عمداً لغير عذر.
وذهب الحنابلة إلى أن وقت الوقوف من طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر.
وقد اتفق العلماء على أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر.
15- ركن الوقوف:
أ) ركن الوقوف الذي لا يتم إلا به هو الكينونة بعرفة وقتاً يسيراً جداً.
وقد اتفق الفقهاء على أنه كيفما حصلت كينونته بعرفة في الوقت المحدد أجزأه، قائماً أو جالساً، راكباً أو ماشياً، وسواء كان عالماً بها أو جاهلاً، نائماً أو يقظان، وقف بها أو مرّ وهو يمشي، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : "وقَد وقَفَ بعرفةَ قبلَ ذلك ليلاً أو نهاراً .. " وغيره من الأحاديث.
ب- مقدار الزمن الذي يستغرقه الوقوف:
ذهب الحنفية والحنبلية إلى أنه نوعان:
1) زمان الركن : الذي تتأدى به فريضة الوقوف بعرفة، وهو أن يوجد في عرفة خلال المدة التي بيناها، ولو زماناً قليلاً جداً.
2) زمان الواجب: ذهب الجمهور إلى أن زمان الواجب يستمر من وقف بعد الزوال إلى أن تغرب الشمس، فلا يجاوز حد عرفة إلا بعد الغروب ولو بلحظة. يعني أن يجمع بين الليل والنهار بعرفة ولو قبل المغرب بقليل إلى ما بعده بلحظة. فلو فارق عرفة قبل الغروب وجب عليه دم.
وذهب الشافعية في المعتمد عندهم أن الجمع بين الليل والنهار بعرفة سنة وليس بواجب، ولا يجب على من تركه الفداء، لكنه يستحب له الفداء استحباباً وخروجاً من الخلاف.
ج- ويتفرع على هذا مسائل منها :
1) ذهب الحنفية إلى أن من دفع من عرفة قبل الغروب أي خرج منها، فجاوز حدودها قبل الغروب فعليه دم وذهب الشافعية إلى استحباب الدم.
وذهب مالك إلى بطلان الحج.
2) من دفع قبل الغروب ثم عاد قبل الغروب أيضاً واستمر حتى غربت الشمس صح حجه، وسقط عنه الدم اتفاقاً بين جميع الأئمة.
3) من دفع قبل الغروب ثم عاد بعد الغروب لا يسقط عنه الدم بالعود، عند الحنفية والحنابلة.
4) ذهب الجمهور إلى أنَّ من تأخر فوقف ليلاً ولم يدرك جزءاً من النهار بعرفة حتى غابت الشمس فحجه تام ولا شيء عليه.
وذهب المالكية إلى وجوب الدم عليه.
5) يصح الوقوف من المحدث والجنب والحائض والنفساء، فلا يشترط فيه الطهارة اتفاقاً، لأن أحاديث إجزاء الوقوف مطلقة عن اشتراط الطهارة، فتدل على عدم اشتراطها.
ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حاضت: "افعلي ما يفعلُ غيرَ أنْ لا تطوفي بالبيتِ حتى تَطْهُري" متفق عليه.
6) ذهب الحنفية والمالكية إلى أن من أُدْخِلَ عرفة وهو مغمىً عليه ولم يُفِقْ حتى خرج منها فقد أجزَأَه، لأنه لا يشترط له نية ولا طهارة، وقد صح من النائم فينبغي أن يصح من المغمى عليه. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجزئه لأنه ركن من أركان الحج فلا يصح من المغمى عليه.
16- سنن الوقوف بعرفة :
أ- ذهب الحنفية والشافعية إلى استحباب الطهارة من الأحداث بأن يظل على وضوء مدة الوقوف، أما الغُسل من أجل الوقوف بعرفة.
ب- أن يجمع الحاج صلاة الظهر والعصر، تقديماً في وقت الظهر بأذان وإقامتين مع الإمام بعد خطبة عرفة، وذلك لاتباع السنة.
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن هذا الجمع ليس من سنن الحج ومناسكه، بل من قبيل الجمع في السفر. ومذهب الحنفية أنه من مناسك الحج المسنونة، ومن هنا اشترطوا لجواز هذا الجمع أن تؤدي الصلاتان على الهيئة التي وردت بها السنة، وذلك بتوفر شرطي الإمام والإحرام فيهما، والمراد بالإمام ولي الأمر أو نائبه.
فلو لم يصلهما مع الإمام صلى كل صلاة في وقتها ولو جماعة، ولا يجمع بينهما.
وفي رواية عند الحنفية يجوز الجمع للمنفرد، ولمن صلوا جماعة بإمام غير ولي الأمر أو نائبه، لأن الجمع ثبت لأجل امتداد الوقوف إلى المغرب دون أي فاصل، وكل الناس سواء في الحاجة لذلك، فيسوغ لهم الجمع.
وأما القصر فهو من أحكام السفر، فمن كان مكياً أو قدم مكة للمكث بها مدة الإقامة الشرعية لا يجوز له قصر الصلاة إطلاقاً.
ج- التعجيل بالوقوف بعد ذلك لأن هذا اليوم من أفضل أيام الدنيا، يتنافس فيه المتنافسون.
د- أن يقف قرب جبل الرحمة عند الصخرات الكبار السود المفروشة أسفل الجبل، فذلك وصف مكان وقوفه صلى الله وسلم. أما الصعود على جبل الرحمة فليس بسنة، إنما هو من عمل العوام، فتنبه.
وصرح الشافعية بأن النساء يقفن في حواشي الموقف، لما فيه من المحافظة عليهن من أخطار الزحام والضياع.
هـ استقبال القبلة، اقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم.
و- الإكثار من الدعاء والاستغفار والتهليل، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتلبية، بقلب حاضر خاشع غاية الخشوع لله تعالى، فإن الله يطلع على عباده في الموقف.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:57 AM
المبحث الثاني
طواف الزيارة
17- تعريف عام بالطواف:
الطواف لغة السير حول الشيء. وفي الشرع : السير حول الكعبة المعظمة أشواط.
18- والأطوفة المشروعة سبعة هي:
1- طواف القدوم : للحاج أول وصوله مكة.
2- طواف الزيارة بعد وقوف عرفة.
3- طواف الوداع في آخر مناسك الحج.
4- طواف العمرة.
5- طواف النذر الذي نذره الإنسان على نفسه فيجب الوفاء به.
6- طواف تحية المسجد الحرام، لداخل المسجد الحرام فهذا تحيته. فإن لم يطف صلى ركعتين تحية المسجد.
7- طواف التطوع.
19- طواف الزيارة أو طواف الإفاضة:
وهذا الطواف فرض في الحج، وهو ركن للحج، لذلك يسمى طواف الفرض، ويسمى طواف الركن أيضاً.
يُؤدَّى بعد أنْ يُفيض الحاج من عرفة ويبيت بالمزدلفة فيأتي منى يوم العيد فيرمي وينحر، ويحلق، ثم بعد ذلك يفيض إلى مكة فيطوف بالبيت، وذلك هو طواف الزيارة، لأنه يأتي من منى فيزور البيت ولا يقيم بمكة، بل يبيت بمنى. ويسمى أيضاً طواف الإفاضة لأنه يفعله عند إفاضته من منى إلى مكة.
ثبت طواف الزيارة بالكتاب والسنة:
دليل الكتاب:
فقوله تعالى : {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29].
فقد أجمع العلماء على أن ذلك في طواف الإفاضة، فيكون فرضاً بنص القرآن.
دليل السنة:
فقد حجت أم المؤمنين صفية مع النبي صلى الله عليه وسلم فحاضت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحابستنا هي ؟" قالوا: قد أفاضت. قال: "فلا إذَنْ" متفق عليه.
فدل الحديث على أن هذا الطواف فرض لابد منه، ولولا فرضيته لم يمنع مَنْ لم يأتِ به عن السفر.
20- شروط طواف الركن:
وهي أربعة نذكرها فيما يلي :
أ- أن يكون مسبوقاً بالإحرام وبوقوف عرفة: فلو طاف قبل الوقوف لا يسقط به الفرض.
ب- أداؤه في الوقت المحدد له شرعاً: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ وقته موسع، يبتدئ حين يطلع الفجر الثاني من يوم النحر أي العاشر من ذي الحجة، ولا يجوز قبله، فمهما طاف قبل هذا الوقت لا يكفيه عن طواف الركن.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أول لطواف الإفاضة بعد منتصف ليلة يوم النحر لمن وقف بعرفة قبله.
- والأفضل عند الحنفية وغيرهم أداؤهيوم النحر الأول بعد الرمي والحلق.
- آخر زمان طواف الفرض فليس لآخره زمان معين موقت به لأدائه فرضاً بل جميع الأيام والليالي وقته اجماعاً.
لكن ذهب أبو حنيفة إلى إيجاب أدائه في أيام النحر وهي العاشر والحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة، فلو أخره حتى أداه بعدها صح ووجب عليه دم جزاء تأخيره.
وذهب المالكية في المشهور إلى أنه لا يلزمه بالتأخير شيء إلا بخروج ذي الحجة، فإذا خرج لزمه دم. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يلزمه شيء بالتأخير أبداً، فوقته عندهم مدى العمر، متى أداه سقط عنه ولا يجب عليه شيء، ولو أخره سنين كثيرة، لكنه يظل محرماً على النساء.
ملاحظة: ولا يكفي الفداء عن أداء طواف الإفاضة إجماعاً لأنه ركن، وأركان الحج لا يجزئ عنها البدل، ولا يقوم غيرها مقامها، بل يجب الإتيان بها بعينها.
وثمة شرطان يشملان طواف الإفاضة وغيره :
ج- النية: والمراد أصل النية.
ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والمالكية إلى أن قصد مجرد الطواف يكفي، حتى لو نوى الطواف تطوعاً، أو نواه للوداع يقع عن طواف الإفاضة.
وذهب الحنابلة أنه يجب تعيين طواف الإفاضة في النية.
د- وقوع الطواف في المكان الخاص وهو حول البيت العتيق داخل المسجد الحرام، وهذا شرط متفق عليه.
والطواف بالبيت هو الطواف حوله، فيجوز الطواف في المسجد الحرام قريباً من البيت أو بعيداً عنه، مادام ضمن المسجد، ولو طاف من وراء مقام إبراهيم الخليل أجزأه، لأنه قد حصل حول البيت.
20- أركان الطواف:
وهي أركان لطواف الزيارة، ولكل طواف أيضاً.
أ- ذهب الحنفية إلى أنَّ ركن الطواف مجرد طواف الإنسان حول البيت العدد المطلوب من الأشواط سواء كان بفعله أو بفعل غيره بأن حمله الغير وطاف به، وسواء كان قادراً على الطواف بنفسه فأمر شخصاً أن يحمله في الطواف، أو حمله الآخر بغير أمره، فإن هذا كاف في أداء فرض الطواف وسقوطه عن الذمة، لأن الفرض أن يحصل الإنسان حول البيت، وقد حصل.
ب- عدد أشواط الطواف.
وعدد أشواط المطلوبة سبعة إجماعاً.
وقسم الحنفية السبع إلى ركن وواجب:
أما العدد الركن فأكثر هذه السبع، وأما الواجب فالأقل الباقي بعد أكثر الطواف.
وذهب الجمهور إلى أن الفرض سبعة أشواط، لا يجزئ أقل منها أبداً.
22- واجبات الطواف:
وهي ثمانية أمور يجب على الطائف أن يفعلها في كل طواف فرضاً كان أو واجباً أو نفلاً.
أ- التيامن: أي سير الطائف عن يمين الكعبة، وجعل يسار الطائف بجانب الكعبة.
ذهب الحنفية أنه لو افتتح الطواف عن يسار الحجر الأسود وطاف منكوساً يعتد به ويصح مع كراهة التحريم، فتجب الإعادة ما دام بمكة، وإن رجع إلى أهله يجب عليه الدم.
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن هذا شرط لصحة الطواف، وأن طواف المنكوس باطل.
ب- إتمام الأشواط إلى سبعة:
ذهب الحنفية إلى أن الإتيان أكثر السبع هو الفرض، وأما الباقي فواجب.
وذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة: إلى أنَّ ترك شيء من أي طواف حكمه حكم ترك الطواف كله حتى يكمل ما تركه لأن كل الأشواط ركن عندهم في الطواف.
وقال الحنفية: لو ترك أكثر أشواط الوداع وهي أربعة لزمه دم، ولو ترك أقل من ذك لزمه لكل شوط صدقة.
أما طواف القدوم فلا يلزمه دم بترك أكثر أشواطه أو أقلها لأنه سنة، وعليه التوبة والاستغفار، وطواف التطوع كذلك بالأولى.
ولو طاف ثمانية أشواط مع علمه بذلك يلزمه إتمام سبعة أشواط أخرى، لأنه بالزيادة صار شارعاً بطواف جديد، فيجب عليه إتمامه لأن الشروع ملزم عندهم، ويجب عليه التوبة والاستغفار إن لم يتم.
ج- الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس:
ذهب الحنفية إلى أن الطهارة من الأحداث ليست بشرط ولا فرض في الطواف عند الحنفية بل واجبة. وأما الطهارة عن النجاسة الحقيقية في الثوب والبدن فالأكثر على أنها سنة مؤكدة.
وذهب الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الطهارة من الأنجاس ومن الأحداث كلها شرط لصحة الطواف، إذا طاف فاقداً أحدها فطوافه باطل لا يعتبر به، سواء كان الطواف فرضاً أو واجباً أو سنة.
وبناء على هذا الخلاف:
ذهب الحنفية إلى أنَّ طواف المحدث والجنب والحائض والنفساء صحيح مع الإثم ويجب عليه الإعادة أو الجزاء على التفصيل الآتي في الجنايات.
وذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا عبرة بهذا الطواف وعليه العود لأدائه ويظل مُحرَّماً على النساء حتى يرجع ويؤديه بالنسبة لطواف الزيارة أو العمرة، وإن كان غير ذلك يلزمه ما يلزم تارك ذلك الطواف.
- من أحدث أثناء الطواف:
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ من أحدث في أثناء الطواف يذهب فيتوضأ ويتمم الأشواط ولا يعيدها. وذهب المالكية في المشهور والحنابلة إلى أنه يعيد الطواف من أوله ولا يبني على الأشواط السابقة.
د- ستر العورة:
ذهب الحنفية إلى أن ستر العورة واجب في الطواف.
وذهب الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه شرط في الطواف لا يصح بدونه كما قالوا في الطهارة من الأحداث تماماً.
فمن أخل بستر العورة في الطواف الإخلال المفسد للصلاة بحسب كل مذهب فسد طوافه وعليه الإعادة.
هـ- ابتداء الطواف من الحجر الأسود:
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن وجوب ابتداء الطواف من الحجر الأسود، فليزم الدم بترك البداية منه في طواف الركن.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه شرط، فلا يعتد بالشوط الذي لم يبدأ من الحجر الأسود عندهم ويحتسب بالشوط الثاني وما بعده، ويصبح الثاني أول الطواف، لأنه قد حاذى فيه الحجر بجميع بدنه، فإذا أكمل سبعة أشواط غير الأول صح طوافه وإلا لم يصح.
ولابد عندهم من محاذاة الحجر الأسود بجميع البدن، لأن ما وجب فيه محاذاة البيت وجبت محاذاته بجميع البدن، كالاستقبال في الصلاة.
و- أن يكون الحِجْرُ داخلاً في طوافه: ويسمى الحَطِيم وهو الموضع المحاط بجدار مقوس تحت الميزاب جهة شمال الكعبة.
ذهب الحنفية إلى أنه لو طاف بالبيت ولم يطف بالحطيم يجب عليه إعادة الطواف مادام في مكة، وإن رجع إلى بلده بغير إعادة فعليه دم.
وذهب الجمهور إلى أنه فرض في الطواف، مَن تركه لم يعتد بطوافه، لأنه جزء من الكعبة.
فمن ترك الطواف بالحِجْر لم يطف بجميع البيت فلا يصح طوافه أبداً، كما لو ترك الطواف ببعض بناء البيت نفسه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف من وراء الحِجْر.
ز- المشي للقادر عليه:
مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، أنه لو طاف راكباً مع قدرته على المشي لزمه دم لتركه واجب المشي، إلا إذا أعاده ماشياً.
وذهب الشافعية إلى أنه سنة، وصرحوا بأنه لو طاف راكباً مع القدرة على المشي جاز بلا كراهية.
أما إذا كان عاجزاً عن المشي وطاف محمولاً فلا فداء عليه.
ح- ركعتا الطواف بعد كل سبعة أشواط:
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنهما واجب.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنهما سنة مؤكدة.
وقال الشافعية والحنابلة: لو صلى الفريضة بعد الطواف أو نافلة أخرى أجزأته عن ركعتي الطواف إذا نواهما معها، ويندب إذا والى بين أكثر من طواف عقبه، ولو قصد كون الركعتين عن الكل كفى بلا كراهة.
وقال الحنفية: إنَّه يكره وصل الأسابيع، يعنون سبعة أشواط بسبعة أخرى قبل أن يصلي ركعتي الطواف. وإذا طاف أسبوعاً ووصله بآخر فإنْ تذكر قبل إتمام الشوط الأول قطع وصلى ركعتي الطواف، وإن تذكر بعد إتمام الشوط الأول فالأفضل أن يتمم الأسبوع الثاني ثم يصلي لكل أسبوع ركعتين.
وقال المالكية: الواجب الموالاة بين الطواف وبين ركعتيه لأنهما كالجزء منه حتى أن من أحدث بعده قبل صلاة ركعتيه أعاده عندهم. إلا إذا كان قد خرج من مكة وشق عليه الرجوع لإعادة الطواف، فإنه يصلي الركعتين ويبعث بالهدي فداء عن إعادة الطواف، وذلك إذا كان الطواف واجباً، أما إذا لم يكن واجباً فلا يجب عليه الهدي.
وذهب غير المالكية إلى أنَّ ركعتي الطواف تؤدان في كل مكان ولو في بلده البعيد، لكن في المسجد الحرام أفضل في أي مكان منه، ومستقبل المقام أفضل. وفي مكة أفضل من غيرها.
- الاحتراز عن أداء ركعتي الطواف في الأوقات المكروهة:
ذهب الحنفية إلى أنَّه يجب الاحتراز عن أدائهما في أوقات الكراهة، فلا تنعقد فيها عندهم، وهي: عند شروق الشمس حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، والزوال هو وقت الظهر، وعند اصفرارها حتى تغرب. وتنعقد مع الكراهة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تصفر، ووافقهم المالكية في الأوقات الثلاثة الأولى.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم الكراهة.
ذهب الحنفية والشافعية إلى نية الاضطباع في كل الأشواط.
وذهب الحنابلة إلى استخباية.
وذهب المالكية إلى عدم رؤيته سنة ولا مستحباً.
23- سنن الطواف:
أ- الاضطباع: ومعناه أنه عند الشروع في الطواف يجعل وسط الرداء تحت إبطه اليمنى ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، ويُبْقي كتفه اليمنى مكشوفة.
ويسن الاضطباع للرجال دون النساء في كل طواف بعده سعي، كطواف القدوم لمن أراد أن يسعى بعده وطواف العمرة وكطواف الزيارة إن أخَّر السعي إليه.
وهو سنة في كل أشواط الطواف. وهذا عند الحنفية والشافعية، وصرح الحنابلة باستحبابه. ولم يره المالكية سنة ولا مستحباً.
عن يعلى بن أمية : "أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مُضْطَبِعاً" رواه الترمذي. وقال : "حديث حسن صحيح".
والاضطباع سنة في جميع أشواط الطواف، فإذا فرغ من الطواف ترك الاضطباع، حتى أنه تكره صلاة الطواف مضطبعاً، وهذا أمر مهم ينبغي تنبيه الناس إليه، فإن العامة كثيراً ما يغترون فيواصلون الاضطباع، ويتعرضون لضرر أشعة الشمس فيما لا ثواب فيه.
ب- الرمل ثلاثة أشواط كاملة، ثم يمشي أربعة، والرمل معناه إسراع المشي مع تقارب الخطا وهز الكتفين من غير وثب، والرمل يُسَنُّ في كل طواف بعده سعي كالاضبطاع، باتفاق الأئمة الأربعة.
وكان ابتداء الرمل في عمرة القضاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "قدمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مكةَ وقد وهنتهم حمّى يَثْرِبَ، فقال المشركون : إنه يقدم عليكم قومٌ قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شراً، فأَطْلَعَ اللهُ نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوه، فأمرهم أنْيرمُلوا الأشواطَ الثلاثةَ وأنْ يمشوا ما بين الركنين، فلما رأوهم رملوا قالوا : هؤلاءِ الذينَ ذَكَرْتُم أنّ الحُمّى قدْ وَهَنَتْهُمْ، هؤلاء أجْلَدُ مِنْا ..." رواه البخاري ومسلم.
لكن الرّمَلَ ظل في الأشواط الثلاثة بتمامها، فقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجته، وكانت بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً.
ملاحظة: ثم الرمل والاضطباع سنة في حق الرجال، أما النساء فلا يُسَنُّ لهن رمل ولا اضطباع.
ج- ابتداء الطواف من جهة الركن اليماني قريباً من الحَجَر الأسود، ثم يستقبل الحَجر مهللاً رافعاً يديه، وذلك ليتحقق ابتداء الطواف من الحجر الأسود.
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ المرور بجميع البدن على الحجر الأسود ليس واجباً.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه شرط واجب.
ولكن صرح المحققون في المذهب الحنفي باستحباب هذه الكيفية خروجاً من الخلاف.
فلو استقبل الحجر مطلقاً ونوى الطواف كفى في حصول المقصود الذي هو الابتداء من الحجر عند الحنفية والمالكية. ولابد أن يمر بجميع بدنه بالحجر الأسود عند الشافعية والحنابلة.
أما استقبال الحجر عند ابتداء الطواف فهو سنة عند الحنفية.
د- استلام الحجر وتقبيله في ابتداء الطواف وفي كل شوط، وبعد ركعتي الطواف وصفة الاستلام: أن يضع كفيه على الحجر، ويضع فمه بين كفيه ويقبله.
عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه قَبَّل الحجر وقال : "إني لأعلم أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبلتك" متفق عليه.
وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طَوْفَةٍ. وكان ابن عمر يفعله" رواه أبو داود والنسائي.
والتحقيق أنه يستحب أنْ يسجدَ على الحَجَر، لما أخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد على الحجر".
أما إذا كان في الطواف زحام فالأولى أن يترك إيذاء الناس في سبيل تقبيل الحجر الأسود، ويمسه بيده ثم يقبلها، أو يمس الحجر بشيء في يده كالعصا مثلاً ثم يقبله.
وإن لم يستطع أن يستلم الحجر بيده أو يمسه بشيء فإنه يستقبله من بُعْدٍ ويشير إليه بباطن كفيه كأنه واضعهما عليه، ويهلل ويكبر.
وذلك لأن تقبيل الحجر سنة، وترك إيذاء الناس واجب، فلا يهمل الواجب لأجل السنة.
عن أبي الطُّفَيْل قال : "رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يطوفُ بالبيت ويستلمُ الرُّكْن بِمحْجن معه وَيُقبِّل المحجن" رواه مسلم.
وعن ابن عباس قال : "طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر" رواه البخاري.
هـ- استلام الركن اليماني، بوضع اليدين عليه، وهو الركن الواقع قبل ركن الحجر الأسود.
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى سنية استلام الركن اليماني. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : "ما تركْتُ استلام هذين الركنين : اليماني والحجر الأسودِ مُذْ رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُما" رواه مسلم.
واتفقت المذاهب على أنه لا يقبله، ولا يسجد عليه.
وذهب الحنفية إلى أنه لا يقبل يديه أو يمينه بعد ما استلم الركن اليماني، ولا يشير إليه عند العجز عن الاستلام باليدين.
وذهب المالكية إلى إن لم يستطع لمس الركن بيده كبر ومضى.
وذهب الشافعية إلى أنه لا يقبل الركن اليماني ولكن يقبل ما استلم به الركن اليماني بعد الاستلام ويشير إليه عند العجز عن الوصول إليه.
وذهب الحنبلية: إلى أنَّه يشير إليه عند العجز.
أما غير هذين الركنين فلا يسن استلامه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم هذين الركنين ولا يستلم غيرهما :
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : "لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلمُ مِنَ البيت إلا الركنين اليمانيين" متفق عليه.
و- أن يكون الطائف قريباً من البيت، أما النساء فيُسن لهن أن لا يقربن البيت حال طواف الرجال خشية مخالطتهم.
نص على هذه السنة الشافعية، وعللوها بأنها : "لشرف البيت، ولأنه أيسر في الاستلام والتقبيل". وجعله المالكية مستحباً قياساً لصفوف الطواف على صفوف الصلاة.
وسنية اقتراب الرجال من البيت، وابتعاد النساء حال خوف الاختلاط سنة هامة تحول دون تسبب انشغال الفكر وتشويش الطائفين. فلو فات الرمل بمراعاة القرب من البيت، فالرمل مع البعد أولى، إلا إذا كان الزحام شديداً وخاف صدم النساء لو أبعد، فالقرب حينئذ مع ترك الرمل أولى.
ز- أن يوالي أشواط طوافه، ولا يفصل بينها: ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنبلية إلى أن الموالاة بين الأشواط وأجزاء الطواف سنة.
ودليل سنيتها مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك كما هو ظاهر لمن تأمل أحاديث الطواف التي ذكرناها قبل.
وذهب المالكية إلى وجوب المولاة وأوجبوا على تاركه الدم، استدلالاً بفعله صلى الله عليه وسلم، واستدلوا أيضاً بالقياس على الصلاة لحديث : "الطواف صلاة".
لكن اتفق الجمهور على أنه لو أقيمت الصلاة المكتوبة فإنه يُسن له أن يقطع الطواف ليدرك الجماعة.
وقال المالكية إنه يجب عليه قطع الطواف، فإذا انتهى من الصلاة أتم الأشواط السابقة، ولا حاجة لإعادتها.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:58 AM
الباب الثالث
24- واجبات الحج
الواجب في الحج هو ما يطلب فعله ويحرم تركه. لكن لا يفسد الحج بتركه، بل يكون تاركه مسيئاً، ويجب عليه الفداء لجبر النقص الحادث من ترك الواجب، إلا إذا تركه لعذر معتبر شرعاً فلا فداء عليه.
والواجبات التي نتكلم عليها هنا هي الواجبات الأصلية وهي أعمال مستقلة بنفسها ليست تابعة لغيرها من فروض الحج أو واجباته.
وقد عد الحنفية واجبات الحج الأصلية هذه خمسة هي :
السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير، وطواف الصدرَ أي الوداع.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:00 AM
الفصل الأول
25- السعي بين الصَّفَا والمروَة
أ- الصفا: جمع صفاة وهي الصخرة والحجر الأملس.
المروة: حجر أبيض برَّاق، وتجمع على مرور.
والمراد بالصفا والمروة الجبلان الصغيران اللذان على مقربة من البيت العتيق. وقد أصبحا ملاصقين لبناء المسجد بعد التوسعة التي شيدت للمسجد الحرام. لكن مكانهما وكذا المَسْعى الذي بينهما ليس من المسجد : فلا يأخذ حكم المسجدِ، فليعلم.
ب- والسعي بين الصفا والمروة مأخوذ من طواف هاجَرَ أم إسماعيلَ في طلب الماء، كما في صحيح البخاري من حديث طويل عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال :
"... وجَعَلَتْ أمّ إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي طَرَف دِرْعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً ؟ فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "فذلك سَعْيُ الناس بينهما" فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت : "صَهِ" تريد نفسها، ثم تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أيضاً، فقالت : "قد أسمعتَ إنْ كان عندك غَوَّاثٌ" فإذا هي بالمَلَكِ عند موضع زمزمَ، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء..".
ج- أدلة وجوب السعي :
ذهب الحنفية إلى أن السعي واجب في الحج وليس بركن.
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه ركن من أركان الحج لا يصح بدونه، حتى لو ترك الحاج خطوة منه يؤمر بأن يعود إلى ذلك الموضع فيضع قدمه عليه ويخطو تلك الخطوة.
وعلى مذهب إيجاب السعي فقد يسعى وهو حلال عند الحنفية، إذا فعل ما يتحلل به قبل السعي. أما على أنه ركن فلا يتحلل إلا بعد السعي.
26- شرائط صحة السعي :
أ- أن يسبقه الإحرام بالحج أو العمرة، لأنه من واجباتهما، فلو سعى ثم أحرم لم يصح سعيه.
ب- أن يكون بعد الطواف، وهو شرط متفق عليه بين الأئمة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل، كما في حديث جابر وغيره، وقد قال صلى الله عليه وسلم : "أيها الناسُ خذوا عني مناسككم" أخرجه مسلم والنسائي، ولأن السعي تابع للطواف فلا يجوز أن يتقدمه.
ولما وجب السعي تابعاً للطواف نص على أن وقته الأصلي، في الحج يوم النحر بعد طواف الإفاضة، لأنه واجب فلا يكون تابعاً لطواف سنة، لكن يجوز تقديمه وأداؤه بعد طواف القدوم، تيسيراً على الحجاج، لازدحام أشغالهم يوم النحر، فإن لم يَسْعَ عقب طواف القدوم مباشرة، فإنه يطوف للنفل ثم يسعى بعده عند الحنفية.
وقال الشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون السعي بعد طواف ركن أو قدوم، ولا يخل الفصل بينهما ما لم يتخلل الوقوف بعرفة، فإن تخلل الوقوف بعرفة لم يجزه السعي إلا بعد طواف الإفاضة.
وذهب المالكية مثل ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة لكن قالوا: إذا سعى بعد طوافٍ غير هذينْ فعليه الدم.
27- أركان السعي:
أ- ذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنبلية إلى أنَّ القدر الذي لا يتحقق السعي بدونه سبعة أشواط، لإجماع الأمة على فعله كذلك، ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فلو نقص منها خطوة لم يتحلل من إحرامه حتى يستكملها.
وذهب الحنفية إلى أنه يكفي لإسقاط الواجب أربعة أشواط لأنها أكثر السعي، وللأكثر حكم الكل، فلو سعى أقل من أربعة أشواط فعليه دم عند الحنفية لأنه لم يؤد الواجب.
واتفق الفقهاء على أنه يَعُدُّ من الصفا إلى المروة شوطاً ومن المروة إلى الصفا شوطاً آخر باتفاق المذاهب الأربعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بينهما سبعاً : "ابتدأ بالصفا وكان آخر طوافه على المروة"، فدل على أنه احتسب كل مسيرة بينهما شوطاً، وإلا كان آخر طوافه عند الصفا.
ب- البداية بالصفا، حتى لو بدأ بالمروة لغا هذا الشوط، واحتسب الأشواط ابتداء من الصفا، على الرواية المشهورة في مذهب الحنفية، وهو مذهب الجمهور.
28- واجبات السعي:
أ- ذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب المشي بنفسه، إذا كان قادراً على المشي.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه سنة، بل هو الأفضل عند الشافعية.
ب- إكمال عدده سبعةَ أشواط، فإن ترك أقل هذا العدد وهو إتيان ثلاثة أشواط صح سعيه وعليه صدقة لكل شوط عند الحنفية.
29- سنن السعي:
أ- الموالاة بين الطواف والسعي، فلو فصل بينهما طويلاً بغير عذر فقد أساء، ولا شيء عليه اتفاقاً بين المذاهب الأربعة.
ب- أن يستلم الحجر الأسود قبل الذهاب للسعي إن استطاع، وإلا أشار إليه بيده.
ج- يستحب أن يسعى على طهارة من النجاسة ومن الحدث الأصغر والأكبر، فلو خالف صح سعيه عند الأئمة الأربعة.
د- أن يصعد على الصفا والمروة كلما بلغها في سعيه، بحيث يشاهد البيت العتيق. أما ما يفعله بعض الناس من الصعود حتى يلتصقوا بالجدار فمخالف لطريقة السنة.
هـ- أن يستقبل القبلة ويكبر ويهلل ويدعو ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد الصفا أو المروة.
و- السعي الشديد بين العمودين الأخضرين المنصوبين في جدار المسعى في الأشواط السبعة، ويستحب أن يكون فوق الرمَل ودون العَدْوِ. والسنة أن يمشي فيما سوى ذلك المكان.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا طاف بالبيت الطواف الأول خَبَّ ثلاثاً ومشى أربعاً، وكان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة". متفق عليه.
وهذا الحكم خاص بالرجال دون النساء ، لأن حالهن مبني على الستر. فالسنة في حقهن المشي فقط.
ز- الموالاة بين أشواط السعي:
ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنبلية إلى أن الموالاة بين أشواط السعي سنة.
وقال المالكية: الموالاة بين أشواط السعي شرط لصحة السعي، فلو فصل بينها بفاصل طويل ابتدأ السعي من جديد. على تفصيل لا نطيل به.
ح- تفرد الشافعية بسنية الاضطباع في السعي، وخالفهم الجمهور، لعدم ثبوت دليل على سنيته.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:04 AM
الفصل الثاني
الوقوف بالمزدلفة
30- المُزْدَلِفَة :
اسم بقعة من الأرض، مأخوذ من الزُّلْفة بمعنى القُرْبة، لأنها يتقرب فيها إلى الله.
وتسمى المزدلفة جمعاً : لاجتماع الناس فيها، أو لجمع صلاتي المغرب والعشاء بها.
وتسمى المَشْعَرَ الحرام : باسم الجبل الموجود فيها وهو جبل قُزَح.
وتقع المُزْدَلِفَةُ بين مَأْزِمي عرفة وهو المضيق بين الجبلين عند نهاية عرفة جهة المزدلفة وبين وادي مُحَسِّر الذي يفصل بينها وبين منى، وكلها من الحرم.
والمزدلفة كلها موقف إلا وادي مُحَسِّرٍ، فليس بموقف، لا خلاف في ذلك بين العلماء. والدليل النقلي عليه هو حديث جابر، فإن فيه قوله صلى الله عليه وسلم :
"وكُلُّ المُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ وارْتَفِعُوا عنْ بَطْنِ مُحَسِّر".
31- حكم الوقوف بالمزدلفة:
اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أن الوقوف بالمزدلفة واجب وليس بركن، واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عروة بن مضرس : "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى يدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه".
32- وقت الوقوف بالمزدلفة:
اتفقوا على أن المبيت بالمزدلفة الذي هو المكث معظم ليلة النحر فيها سنة.
واختلفوا في وقت أداء الوقوف الواجب:
فذهب الحنفية إلى أنه ما بين طلوع الفجر يوم النحر وطلوع الشمس، فمن حصل بمزدلفة في هذا الوقت فترة ما من الزمن فقد أدرك الوقوف سواء بات بها أو لا، ومن لم يحصل بها فيه فقد فاته الوقوف، قالوا: والسنة أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه بات بها.
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أن زمن الوقوف الواجب هو المكث بالمزدلفة من الليل.
ثم اختلفوا فقال المالكية: النزول بمزدلفة قدر حط الرحال - أي أحمال الجمال - في ليلة النحر واجب، والمبيت بها سنة.
وقال الشافعية والحنابلة: يجب الوجود بمزدلفة بعد نصف الليل ولو ساعة لطيفة أي فترة ما من الزمن ولو قصيرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها، وقد قال : "خذوا عني مناسككم" والمبيت هو المكث بعد نصف الليل، فيكون هو الواجب. ولأنه أبيح الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه، فدل على أن وقته بعد نصف الليل.
ويتفرع على هذا الخلاف ما يلي:
1) ذهب المالكية إلى أنه من بات بمزدلفة قبل منتصف ليلة النحر قدر (حط الرحال) أجزأه، إلا إذا عاد إليها قبل الفجر فإنه يسقط عنه الواجب عند الشافعية والحنابلة، ويسقط عند الحنفية إذا وجد فيها بعد الفجر.
2) ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه من وُجِدَ بمزدلفة بعد منتصف الليل أجزأه.
وذهب المالكية إلى أنه لا يجزيه إلا إذا استمر قدر حط الرحال.
وذهب الحنفية إلى أنه لا يجزيه إلا إذا وجد فيها بعد الفجر.
3) ذهب الحنفية إلى أنه من وُجد بمزدلفة بعد الفجر ولم يوجد بها قبل الفجر أجزأه.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يجزيه.
4) من اتبع السنة فبات بالفجر ووقف فيها بعده صح وقوفه إجماعاً.
33- سنن الوقوف بمزدلفة:
1) أن يعجل بصلاة الفجر فور دخول وقتها، ولا يسن ذلك عند الحنفية إلا هنا اتباعاً للسنة.
2) أن يستمر في المزدلفة واقفاً يدعو ويكبر ويهلل ويلبي عند المشعر الحرام - وهو جبلَ قُزَح الذي عليه المِيْقَدَةُ المضيئة بالأنوار - يستمرُّ حتى يُسْفِرَ الفجرُ جداً - أي يستضيء - اتباعاً للسنة. وقد أزيل الجبل في توسعات المناسك، وأقيم مكانه مسجد عظيم.
3) أن يدفع من المزدلفة إلى منى قبل أن تطلع الشمس.
فعن عمرو بن ميمون قال : شهدتُ عمر رضي الله عنه صلى بجمع الصبح، ثم وقف فقال: "إنّ المشركينَ كانوا لا يُفِيْضُون حتى تطلعَ الشمس، ويقولون : "أَشْرِقْ ثَبِيْر"، وإن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم، ثم أفاضَ قبل أنْ تطلعَ الشمس" أخرجه البخاري.
4) من اتبع السنة فبات بالمزدلفة قبل الفجر ووقف فيها بعده صح وقوفه إجماعاً.
سنن الوقوف بمزدلفة :
الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة :
أ- ذهب الحنفية إلى وجوب تأخير المغرب إلى المزدلفة، لِتُصَلَّى مع العشاء جمع تأخير، فمن صلى المغرب في عرفة، أو في الطريق إلى المزدلفة يجب عليه إعادتها ما لم يطلع الفجر عند أبي حنيفة.
وذهب الشافعية إلى أنَّ هذا الجمع سنة وليس بواجب، لأنه شرع لِعِلَّةِ السفر فلا يكون واجباً.
ب- وهذا الجمع من مناسك الحج واجب عند الحنفية وحدهم لذلك اشترطوا فيه، ما يلي:
1) سبق الإحرام بالحج.
2) أن تؤدى الصلاتان في المكان المعين وهو المزدلفة.
3) أن يكون الأداء في الزمان الخاص وهو ليلة عيد النحر، وفي وقت صلاة العشاء، حتى لو بلغ المزدلفة قبل العشاء يجب عليه تأخير المغرب إلى دخول وقت العشاء.
لكن لا تشترط الجماعة لهذا الجمع لأن المغرب مؤخرة عن وقتها، بخلاف الجمع بعرفة لأن العصر مقدم على وقته.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:08 AM
الفصل الثالث
34- رَمْيِ الجِمَار
أ- الرمي لغة: القذف.
والجِمار: الأحجار الصغيرة، جمع جَمْرَةٍ وهي الحصاة.
وسمي موضع الرمي جمرة أيضاً لاجتماع الحصى فيه، وليست الجمرة هي الشاخصَ "العمود" الذي تجده هناك في منتصف المرمى، بل الجمرة هي المرمى المحيط بذلك الشاخص.
ب- والجمرات التي تُرْمَى ثلاثة:
جمرة العَقَبَةِ: وهي الجمرة الكبرى، وتقع في آخر مِنَى تجاه مكة. وليست من مِنَىً وتُرمى من جهة واحدة من بطن الوادي وهو الشارع الذي تجاهها الآن بالنسبة للرمي من الأرض. أما رميها من فوق الجسر فمن جميع الجهات.
والجمرة الوسطى: أول جمرة بعد العقبة تجاه منى، وتُرْمَى من جميع الجهات.
والجمرة الصغرى: أول جمرة بعد مسجد الخيف بمنى، وتُرْمَى من جميع الجهات أيضاً.
ج- دليل وجوب الرمي:
وقد اتفقت المذاهب على وجوب رمي الجِمار واستدلوا على ذلك بالسنة والاجماع.
فمن السنة : فعله صلى الله عليه وسلم.
وأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على وجوبه فيكون واجباً.
35- ركن الرمي الذي لا يتحقق بدونه:
أن يكون هناك قذف ولو خفيفاً.
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه لو طرحها طرحاً أجزأه لأن الرمي قد وجد بهذا الطرح، إلا أنه رمي خفيف، فتثبت الإساءة به.
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا يجزئه الطرح بتاتاً، أما لو وضعها وضعاً فلا يصح اتفاقاً.
36- شروط صحة الرمي :
أ- ذهب الجمهور - المالكية والشافعية والحنابلة - إلى أن يكون المَرْمِيُّ حجراً، فلا يصح الرمي بالطين والمعادن والتراب، والسنة أن يكون مثل حصى الخذْف فوق الحمصة ودون البندقة باتفاقهم جميعاً، استدلالاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وذهب الشافعية إلى إجازة الشافعية الرمي بالحجر الصغير الذي كالحمصة.
وذهب المالكية إلى عدم إجازة ذلك، بل لا بد أن يكون عندهم أكثر من ذلك.
وذهب الحنفية إلى أن الشرط أن يكون المرمِيُّ من جنس الأرض، فيصح بالطين والتراب عندهم، ولا يصح بالمعادن، لأن المقصود فعل الرمي، وذلك يحصل بالطين كما يحصل بالحجر، بخلاف ما إذا رمى بالذهب أو الفضة، لأنه يسمى نِثاراً لا رمياً".
ب- أن يرميَ سبع حصيات على كل جمرة، واحدةً فواحدةً، فلو رمى السبع جملة فهي واحدة، ويلزمه أن يرمي بست سواها. لا خلاف في ذلك بين الأئمة.
ج- د- أنْ يقصد المَرْمى في رميه وأنْ تتحقق إصابته. فلو ضرب شخصٌ يدَه فطارت الحصاة إلى الجمرة لم يصح.
ذهب الحنفية إلى أنه إذا رمى الحصاة فوقعت قريباً من الجمرة جاز، ولو وقعت بعيداً منها يجزيه لأن الرمي لم يُعرف قُرْبَةً إلا في مكان مخصوص.
وقدر الحنفية القرب بقدر ذراع، فلو وقعت الحصاة خارج الدائرة التي يجتمع فيها الحصى صح عند الحنفية لأن هذا القدر مما لا يمكن الاحتراز عنه.
وذهب الشافعي المالكية والحنبلية: إلى أنَّ الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى، فمن أصاب مجتمعه أَجْزَأه، ومن أصاب سائله لم يُجْزِه".
هـ- الوقت : فكل رَمْيٍ وقتٌ خاص به.
37- سنن الرمي: وهي أربع:
أ- أن يكون بين الرامي وبين الجمرة خمسة أذرع فأكثر.
ب- الموالاة بين الرميات السبع، فيكره الفصل بينها، لما ورد من فعله صلى الله عليه وسلم، فإنه رماها في موقف واحد.
ج- ترتيب الجمرات في رمي أيام التشريق: بأن يبدأ بالجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخَيْفِ، ثم الوسطى ثم جمرة العقبة.
ذهب الحنفية في التحقيق أن هذا الترتيب سنة. استدلالاً بفعله صلى الله عليه وسلم وفسروه بأنه على سبيل السنة لا الوجوب.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "مَنْ قدَّمَ مِن نُسُكِه شيئاً أو أخّره فلا شيءَ عليه".
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه شرط لصحة الرمي، فلو عكس الترتيب فبدأ بالعقبة ثم الوسطى ثم الصغرى وجب عليه إعادة رمي الوسطى والعقبة عندهم، ليتحقق الترتيب.
واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها كذلك فيجب الاقتداء به:
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يرمي الجمرةَ الدُّنْيا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ يكبِّرُ على إثْرِ كل حصاة، ثم يتقدمُ حتى يُسْهِلَ، فيقومَ مستقبلَ القبلة، فيقومُ طويلاً، ويدعو ويرفعُ يديه، ثم يرمي الوُسْطى ثم يأخذُ ذاتَ الشِّمال فَيَسْتَهِلُ(1) ويقومُ مستقبلَ القبلة، فيقومُ طويلاً ويدعو ويرفعُ يديه، ويقومُ طويلاً، ثم يرمي جمرةَ ذات العقبة من بطنِ الوادي ولا يقفُ عندها، ثم ينصرفُ فيقول: هكذا رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يفعَلُهُ أخرجه البخاري.
د- أن يقف إثر كل رمي آخر مدةَ ما يقرأ ثلاثة أرباع جزء من القرآن، وأدناه قدر عشرين آية، فيقف بعد رمي الجمرة الصغرى، وبعد الوسطى لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه، وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف لأن العبادة قد انتهت. فلا يقف بعد جمرة العقبة يوم النحر ولا أيام التشريق أيضاً.
38- توقيت الرمي وعدده:
أيام الرمي أربعة: يوم النحر العاشر من ذي الحجة، وثلاثة أيام بعده. وتسمى "أيام التشريق".
أ- الرمي يوم النحر :
واجب الرمي فيه رمي جمرة العقبة وحدها، يرميها بسبع حصيات.
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن وقت الرمي يبدأ من طلوع فجر يوم النحر. وهذا الوقت أقسام:
وقت ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من يوم النحر وقت الجواز مع الإساءة، وما بعد طلوع الشمس إلى الزوال وقت مسنون، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، والليل وقت الجواز مع الإساءة يعني ولا جزاء فيه عند الحنفية فقط.
وتحديد الوقت المسنون مأخوذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رمى في ذلك الوقت.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أول وقت جواز الرمي إذا انتصفت ليلة يوم النحر لمن وقف بعرفة قبله.
وللرمي ثلاثة أوقات عند الشافعية: "وقت فضيلة إلى الزوال، ووقت اختيار إلى الغروب، ووقت جواز إلى آخر أيام التشريق". أي قبل غروب الشمس يوم الثالث عشر من ذي الحجة.
وآخر وقت الرمي:
عند الحنفية إلى فجر اليوم التالي.
وعند المالكية إلى المغرب، حتى يجب الدم إن أخره عنه على المشهور عندهم.
عند الشافعية والحنبلية يمتد إلى آخر أيام التشريق. لأنها كلها أيام رمي.
استدل أبو حنيفة:
________________
(1) يسير في السهل.
بحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم سأله رجل قال : "رميتُ بعد ما أَمْسَيْتُ؟ فقال : "لا حرج". أخرجه البخاري. وهو يدل على جواز الرمي بعد الزوال.
وحديث ابن عباس أيضاً "أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّصَ للرِّعاءِ أن يَرْمُوا ليلاً" أخرجه ابن أبي شيبة.
وهو يدل على أن وقت الرمي في الليل جائز، وفائدة الرخصة زوال الإساءة عنهم تيسيراً عليهم، ولو كان الرمي واجباً قبل المغرب لألزمهم به، لأنهم يستطيعون إنابة بعضهم على الرعي.
وعلى ذلك فالرمي قبل المغرب يوم النحر ليس فيه كراهة اتفاقاً، وهو قليل الزحام فراع ذلك، وإن وجدت فيه زحاماً فالمدة متسعة.
ب- الرمي في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق : (الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة) :
يجب فيهما رمي الجمار الثلاث على الترتيب : يرمي أولاً الجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخَيْفِ، ثم الوسطى، ثم يرمي جمرة العقبة، يرمي كل جمرة بسبع حصيات.
يبدأ وقت الرمي في هذين اليومين من أيام التشريق بعد الزوال، حتى لا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال، باتفاق الأئمة وجماهير العلماء، وهي الرواية المشهورة الظاهرة عن أبي حنيفة.
ورُوي عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يرمي بعد الزوال في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر وهما الأول والثاني من أيام التشريق فإن رمى قبل الزوال جاز. واسْتُدِلَّ له بقياس أيام التشريق على يوم النحر، لأن الكل أيام رمي.
وعن أبي حنيفة: "إن كان مِنْ قصده أن يتعجل في النفر الأول فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثالث -من أيام النحر - قبل الزوال، وإن رمى بعده فهو أفضل، وإن لم يكن ذلك من قصده لا يجوز أن يرمي إلا بعد الزوال، وذلك لدفع الحرج لأنه إذا نفر بعد الزوال لا يصل إلى مكة إلا بالليل، فَيُحْرَجُ في تحصيل موضع النزول". وقوّى بعض متأخري الحنفية هذا الروابة توفيقاً بين الروايات عن أبي حنيفة.
ونظراً لشدة الزحام في زماننا حتى تجاوز عدد الحجاج ألفي ألف (مليونين) اتجهت لجان الإفتاء للأخذ بما روي عن أبي حنيفة في الروايتين الأخيرتين، وقد وافقه بعض أهل العلم منهم عطاء بن أبي رباح الإمام التابعي الجليل.
ج- نهاية وقت الرمي:
ذهب الحنفية إلى أنه ينتهي رمي اليوم الثاني من أيام النحر بطلوع فجر اليوم الثالث، ورمي اليوم الثالث بطلوع الفجر من اليوم الرابع، فمن أخر الرمي إلى ما بعد وقته فعليه دم عند أبي حنيفة.
والوقتُ المسنونُ يمتد من زوال الشمس إلى غروبها، بدليل فعله صلى الله عليه وسلم.
والدليل على جواز الرمي بعد مغرب نهار الرمي حيث الإذن للرعاء بالرمي ليلاً.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن آخر الوقت بغروب شمس اليوم الرابع من أيام النحر، وهو آخر أيام التشريق الثلاثة. فَمَنْ تَرَكَ رميَ يوم أو يومين تداركه فيما يليه من الزمن، وإن لم يتدارك الرمي حتى غربت شمس اليوم الرابع فقد فاته الرمي وعليه الجزاء.
وذهب المالكية إلى أنه ينتهي الأداءُ إلى غروبِ كل يوم، وما بعده قضاء له، ويفوت الرمي بغروب الرابع، ويلزمه دم في ترك حصاة أو في ترك الجميع، وكذا يلزمه الدم إذا أخر شيئاً منها إلى الليل.
د- النَّفْر الأول :
إذا رمى الحاج الجمار ثاني أيام التشريق أي ثالث أيام النحر يجوز له أن يَنْفِرَ - أي يرحل - إلى مكة، إنْ أحب التعجيل في الانصراف من منى، ويسمى هذا اليومَ يومَ النَّفْرِ الأول، وبه يسقط رمي اليوم الثالث من أيام التشريق. وهو قول عامة العلماء.
ومن أدلتهم :
قوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجْلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَنْ تَأخّرَ فَلا إثْمَ عَليْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203].
لكن اختلفوا في وقت جواز النَّفْر الأول:
ذهب الحنفية إلى أن له أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع من أيام النحر، فإذا طلع الفجر لم يكن له أن ينفر، لدخول وقت الرمي حتى لو أعد نفسه، وسار من منزله، فطلع الفجر قبل مجاوزة حدود منى - وهي جمرة العقبة جهة مكة - وجب عليه رمي اليوم الرابع.
وذهب الجمهور - المالكية والشافعية والحنبلية - إلى أن له أن ينفر قبل غروب الشمس، فإن غربت قبل خروجه من حدودها وجب عليه المبيت ورمي اليوم الرابع، سواء كان ارتحل، أو كان مقيماً في منزله.
لكن الشافعية ترخصوا وأجازوا النفر لمن تمت أشغاله وسار بالفعل قبل الغروب وهو في شغل الارتحال فغربت عليه الشمس قبل انفصاله من منى فجوزوا له النفر، وكذا لو غربت الشمس بعدما رمى وهو في شغل الاتحال له النفر عندهم، لأن في تكليفه حلَّ الرَّحْلِ والمتاع مشقة عليه.
أما إذا حزم متاعه وسار للرمي، ورحل بعد الرمي مواصلاً سيره كما يفعل كثيرون فغابت عليه الشمس قبل الرمي أو قبل أن يبدأ بالرمي فهل له أن ينفر بعد هذا الرمي ؟ ظاهر شروطهم لا يجوز، وتعليلهم برفع المشقة بظاهره الجواز. ومذهب الحنفية أوسع في هذا.
هـ- الرمي ثالث أيام التشريق : (رابع أيام النحر) :
يجب هذا الرمي على من تأخر ولم ينفر من منى في "النفر الأول" وهذا الرمي آخر مناسك منى.
واتفق العلماء على أن الرمي في هذا اليوم بعد الزوال رمي في الوقت، كما رمى في اليومين قبله، اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
فمذهب أبي حنيفة : يجوز أن يقدم الرمي في هذا اليوم قبل الزوال، بعد طلوع الفجر. ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم في حق الترك فلأن يظهر في جوازه - أي الرمي - في الأوقات كلها أولى.
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه لا يصح قبل الزوال.
واتفقوا على أن آخر وقت الرمي في هذا اليوم غروب الشمس، كما اتفقوا على أن وقت الرمي لهذا اليوم وللأيام الماضية لو أخره أو شيئاً منه يخرج بغروب شمس اليوم الرابع، فلا قضاء له بعد ذلك، ويجب في تركه الفداء.
و- النفر الثاني:
إذا رمى الحاج الجمار في اليوم الثالث من أيام التشريق - وهو رابع أيام النحر انصرف من منى إلى مكة، ولا يقيم بمنى بعد رميه هذا اليوم، ويسمى يوم "النفر الثاني" وهو آخر أيام التشريق، وبه تنتهي مناسك منى.
39- النيابة في الرمي: (الرمي عن الغير):
أ- المعذور الذي لا يستطيع الرمي بنفسه كالمريض يجب أن يستنيبَ مَنْ يرمي عنه، وينبغي أن يكونَ النائب قد رمى عن نفسه، فإن لم يكن رمى عن نفسه فليرم عن نفسه الرمي كله ليومه أولاً، ثم ليرم عمن استنابه، ويجزيء هذا الرمي عن الأصيل عند الحنفية والشافعية والحنبلية. وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه رمى حصاة لنفسه وأخرى للآخر جاز ويكره.
وقال الشافعية: إن الإنابة خاصة بمريض لا يرجى شفاؤه قبل انتهاء أيام التشريق، وعند الشافعية قول إنه يرمي حصيات الجمرة عن نفسه أولاً، ثم يرميها عن نائبه إلى أن ينتهي من الرمي. وهو مخلص حسن لمن خشي خطر الزحام.
ب- ومَنْ عَجز عن الاستنابة كالصبي، والمغمى عليه، فيرمي عن الصبي وليه اتفاقاً. وعن المغمى عليه رفاقه عند الحنفية، ولا فدية عليه وإن لم يرم عند الحنفية.
وقال المالكية: فائدة الاستنابة أن يسقط الإثم عنه إن استناب وقت الأداء. وإلا فالدم عليه استناب أم لا، إلا الصغير ومَنْ أُلْحِقَ به، وإنما وجب عليه الدم دون الصغير ومن أُلحِق - كالمُغْمَى عليه - لأنه المخاطب بسائر الأركان.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:09 AM
الفصل الرابع
40- الحَلق والتقصير
أ- الحلق: إزالة الشعر بالموسى من الرأس.
والتقصير: أخذ جزء من الشعر بالمقص ونحوه.
كان العرب يطلقون شعرهم لا يحلقونه ولا يقصرونه، فأمر الله الحاج والمعتمر بحلق شعر الرأس أو تقصيره.
ب- وقد اتفق جماهير العلماء على أن الحلقَ نُسُك يُتَعَبَّد به في الحج والعمرة، واتفقوا على أنه لا يجزئ أخذ شعر غير الرأس.
ومذهب الحنفية والمالكية والحنابلة أنه واجب من واجبات الحج.
ومن أدلتهم:
1) قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ} [الفتح: 27].
وجه الاستدلال: أن الآية وإن كانت خبراً ووعداً من الله، فلابد من إيجابه عليهم ليتحقق وعده تعالى.
2) حديث ابن عباس -رضي الله عنهما ،طوفوا بالبيتِ، وبالصفا والمروة، ثم يَحِلُّوا ويَحْلِقوا أو يُقَص في المشهور عنه الراجح في المذهب إلى أن الحلق ركن في الحج، لتوقف التحلل عليه، مع عدم جبره بالدم في مذهبه فصار كالطواف.
41- القدار الواجب في الحلق والتقصير.
اختلف الأئمة في القدر الذي يجزئ حلقه أو تقصيره من شعر الرأس:
ذهب الحنفية إلى أنه يكفي في أداء الواجب حلقُ ربع الرأس أو تقصيره، مع الكراهة لتركه السنة، وهي حلق جميع الرأس أو تقصيره.
ذهب الشافعية إلى أنه: يكفي إزالة ثلاث شعرات أو تقصيرها، لقوله تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ..} فإنّ معناه شعر رؤوسكم، والشعر يصدق بالثلاث، لأنه اسم جميع.
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنَّ الواجب حلق جميع الرأس أو تقصيره، وذلك إشارة إلى طلب تحليق الرؤوس أو تقصيرها، ولفعله عليه الصلاة والسلام، فإنه استوعب رأسه بالحلق.
2) أما التقصير فأقله "أن يأخذ من رؤوس شعره مقدار الأنملة، أي طرفٍ من رأس الإصبع (نحو ربع سنتمتر) للمساحة التي ذكرناها من الرأس في كل مذهب.
3) وقد اتفق العلماء على أن الحلق أفضل من التقصير للرجال، لتقديم ذكر المحلِّقين في الآية.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهمَّ ارحمِ المحلقين" قالوا: "والمقصِّرينَ يا رسولَ الله" قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: "والمقصرين يا رسول الله". قال: "والمقصرين" متفق عليه.
4) حكم النساء في الحلق: أجمع الفقهاء أن لا حلق على النساء، إنما عليهن التقصير، ويكره لهن الحلق، لأنه بدعة في حقهن وفيه مُثْلَةٌ.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ليسَ على النساءِ حَلْقٌ إنما على النساءِ التَّقْصِير" أخرجه أبو داود بسند حسن.
5) الأصلع الذي لا شعر على رأسه:
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يجب عليه إجراء الموسى على رأسه لأن الواجب شيئان: إجراؤه، مع الإزالة، فما عجز عنه سقط، دون ما لم يعجز عنه.
وذهب الشافعية والحنابلة وقول لبعض الحنفية إلى أن استحباب ذلك لفوات ما تعلق به الواجب وهو الشعر.
42-د- توقيت الحلق والتقصير:
1) زمان الحلق:
ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن زمان الحلق يختص الحلق بأيام النحر (10، 11، 12 من ذي الحجة)، فلو أخره عنها يجب بتأخيره دم عندهم. وهذا وقت وجوب الأداء، ولا آخر له في حق التحلل، أي خروجه من إحرامه فيظل محرماً حتى يحلق أو يقصر مهما تأخر عند الحنفية.
أما عند مالك فالتحلل يكون بالرمي.
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه لا آخر لوقت الحلق، كما أنه لا آخرَ لوقت طواف الزيارة، لأن الأصل عدم التأقيت فلو أخر الحلق لا يجب عليه دم، إلا أن الشافعي وقَّت ابتداء الحلق بمنتصف ليلة النحر، قياساً على الرمي.
2) مكان الحلق:
ذهب أبو حنيفة إلى أن مكان الحلق مؤقت بالحرم، فإنْ حَلَقَ أو قصر في أيام النحر في غير الحرم حصل التحلل، وعليه دم سواء في ذلك حلق الحج أو العمرة.
وذهب الشافعي ومالك إلى أن الحلق غير مختص بالحرم، لكن الأفضل فعله في منى، فلو فعله في موضع آخر مثل وَطَنِه أو غيرِه جاز، لحج أو لعمرة، ولا شيء عليه، ولا يحل حتى يحلق.
3) ترتيب الحلق مع أعمال يوم النحر:
يفعل الحاج بمنى يوم النحر ثلاثة على هذا الترتيب : رمي، فنحر، فحلق.
وترتيب الحلق أن يفعله بعد الرمي والذبح، إنْ كان متمتعاً أو قارنا كما رتب النبي صلى الله عليه وسلم، أما المفرد فإنه يحلق بعد الرمي فقط لأنه لا ذبح عليه.
عن أنس رضي الله عنه : "أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر، ثم رجع إلى منزله بمنى، فدعا بِذِبْحٍ فَذَبَحَ، ثم دعا بالحلاق، فأخذ بشق رأسه الأيمن، فحلقه، فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه". أخرجه مسلم.
واختلف المذاهب في حكم الترتيب:
ذهب الحنفية إلى أنه يجب مراعاة الترتيب، فيجب عندهم الدم فداء عن التأخير، كما إذا حلق قبل الرمي، أو نحر القارن قبل الرمي، وكالحلق قبل الذبح.
وذهب الشافعي إلى أن الترتيب سنة، لو تركه أساء وليس عليه فداء.
وذهب المالكية إلى أنَّ الواجب في الترتيب: تقديم الرمي على الحلق وعلى طواف الإفاضة، ولا يجب غير ذلك من الترتيب، بل هو سنة.
ويتفرع على مذهب المالكية أنه يجب الدم على من أخل بالترتيب في صورتين :
1) أن يحلق قبل الرمي.
2) أن يطوف للإفاضة قبل الرمي أيضاً.
ولا يجب الدم على من أخلَّ بالترتيب في الصور الآتية.
1) إذا حلق قبل الذبح.
2) إذا ذبح قبل الرمي.
3) إذا طاف طواف الإفاضة قبل الذبح أو قبل الحلق أو قلبهما معاً.
43- حكم الحلق أي أثره وهو: التحلل الأول:
يحصل بالحلق التحلُّلُ الأول أن الأصغر، فيصير الحاج حلالاً، تُباحُ له محرماتُ الإحرام من اللبس، وإزالة التفث والصيد - في غير الحَرَم - والطيب وغير ذلك، إلا الجماع، فإنه يظل محرماً عليه حتى يطوف طواف الإفاضة. وكذا الجماع فيما دون الفرج عند الحنفية، لأن فيه قضاء الشهوة وحّرم المالكية الصيد وعقد النكاح أيضاً وكرهوا الطيب لأنه من دواعي الجماع لكن لا فدية فيه.
والأصل فيه قول عائشة رضي الله عنها : "كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حينَ يُحْرِم، ولِحِله قبل أنْ يطوف بالبيت بطيب فيه مسك" متفق عليه.
ذهب الحنفية إلى أنَّه التحلل الأول لا يحصل إلا بالحلق، فلو رمى وذبح وطاف ولم يحلق لم يتحلل عندهم.
استدلوا بأن "التحلل من العبادة هو الخروج منها، ولا يكون ذلك بركنها، بل إما بمنافيها، أو بما هو محظور فيها، وهو أقل ما يكون".
وذهب الشافعي إلى أنه يحصل التحلل الأول إذا فعل اثنين من الرمي والحلق وطواف الزيارة، أي المسبوق بالسعي من قبل، وإلا فلا يحل حتى يسعى بعد طواف الزيارة. فجعل الرمي من أسباب التحلل، وهذا على المشهور عندهم من أن الحلق نسك. والمفرد والمتمتع والقارن في أسباب التحلل هذه وترتيبها على حد سواء. لأن الذبح لا مدخل له في التحلل عند الشافعية. استدلوا بحديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال : "إذا رميتم الجمرةَ فقد حلَّ لكم كُّل شيء إلا النساءَ.." أخرجه النسائي وابن ماجه هكذا موقوفاً. وثبت عن بعض الصحابة نحو ذلك من قوله أيضاً.
وذهب مالك وأحمد إلى أن التحلل الأول برمي جمرة العقبة وحده.
التحلل الثاني :
ويسمى التحلل الأكبر، وتِحل به كل محظورات الإحرام حتى النساء، إجماعاً.
ذهب الحنفية إلى أنه يحصل هذا التحلل بطواف الإفاضة عند الحنفية، ولا يتوقف الإحلال على السعي، لأنه من الواجبات عندهم. وقد علمت أن الحنفية علقوا التحلل بالحلق فلو تقدم الطواف على الحلق لم يحل.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يحصل عندهم التحلل الأكبر بتكميل فعل الثلاثة : جمرة العقبة، والحلق والطواف. إذا كان سعى بعد طواف القدوم، أما إذا لم يسع بعد طواف القدوم فلا بُدَّ من السعي بعد طواف الإفاضة حتى يتحلل التحلل الثاني (الأكبر).
وذهب المالكية إلى أنه يحصل التحلل الأكبر عندهم بطواف الإفاضة لمن حلق ورمى جمرة العقبة قبل الإفاضة، أو فات وقتها عليه وذلك بشرط السعي أيضاً.
وحصول التحلل الأكبر باستيفاء الأربعة : رمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق وطواف الإفاضة بشرط السعي موضع إجماع أئمة المسلمين لا خلاف فيه بينهم. لكن يجب عليه فعل بقية أعمال الحج، إن كان حلالاً.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:11 AM
الفصل الخامس
44- طواف الصَّدَرِ
"الوداع"
ويسمى طواف الوداع وطواف آخر العهد:
شُرِعَ طوافُ الوداع لختام مناسك الحج، يفعله الحاج إذا عزم على السفر من مكة، ذهب الحنفية والشافعية على الأظهر والحنابلة إلى وجوب طواف الوداع.
استدلوا على وجوبه بأمره صلى الله عليه وسلم كما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أُمِرَ الناسُ أنْ يكونَ آخرُ عهدهم بالبيت، إلا أنهُ خفِّفَ عَنِ المرأةِ الحائض" متفق عليه.
وذهب المالكية إلى أنه سنة، لأنه جاز للحائض تركه دون فداء، ولو وجب لم يجز للحائض تركه.
45- شروط وجوبه:
أ- أن يكون الحاج من أهل الآفاق:
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يجب على المكي، لأن الطواف وجب توديعاً للبيت، وهذا المعنى لا يوجد في أهل مكة، لأنهم في وطنهم.
وقال الحنفية: يلحق بالمكي مَنْ كان مِنْ منطقة المواقيت، لأن حكمهم حكم أهل مكة.
وقال الحنابلة: لا يسقط إلا عمن كان منزله في الحرم فقط.
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه يطلب طواف الوداع في حق كل من قصد السفر من مكة ولو كان مكياً إذا قصد سفراً تقصر فيه الصلاة.
ب- الطهارة من الحيض والنفاس : فلا يجب على الحائض والنفساء، ولا يسن أيضاً، حتى إنهما لا يجب عليهما دم بتركه، لما في حديث ابن عباس:" إلا أنه خفف عن الحائض" وكذا حديث عائشة في قصة صفية لما حاضت، فقد سافر بها النبي صلى الله عليه وسلم دون أن تطوف للوداع.
فأما الطهارة من الجنابة فليست بشرط لوجوب طواف الوداع، فيكون واجباً على المحدث والجنب، لأنه يمكنهما إزالة الحدث والجنابة في الحال.
وإذا طَهُرَتِ الحائض أو النُّفَساء قبل أنْ تفارقَ بنيان مكة يلزمها طواف الصدر، وإن جاوزت جدران مكة ثم طهرت لم يلزمها طواف الصدر، اتفاقاً بين الحنفية والشافعية والحنبلية ولا يكون سنة في حقها عند المالكية، لأنها حين خرجت من العمران صارت مسافرة، بدليل جواز القصر، فلا يلزمها العود ولا الدم.
جـ- أن يكون قد أدى مناسك الحج مفْرِداً أو متمتعاً أو قارناً. ذهب الحنفية إلى أنه لا يجب على المعتمر، ولو كان آفاقياً، وكأنهم نظروا إلى المقصود، وهو ختم أعمال الحج، فلا يطلب من المعتمر.
وذهب الجمهور إلى أنه يطلب طواف الوداع من المعتمر.
46- وقت طواف الوداع:
وقت طواف الوداع عند الحنفية يمتد من عقب طواف الزيارة إلى أن يسافر، وكل طواف يفعله الحاج بعد طواف الزيارة يقع عن طواف الصدر.
ذهب الحنفية إلى أنَّ السفر فور الطواف فليس من شرائط جوازه عند الحنفية، حتى لو طاف للصدر، ثم تشاغل بمكة بعده، لا يجب عليه طواف آخر، لأن المراد أن يكون آخر عهده بالبيت نسكاً، لا إقامة، والطواف آخر مناسكه بالبيت. إلا أن المستحب أن يؤخر طواف الصدر إلى الوقت الذي يريد أن يسافر فيه.
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنَّ وقته بعد فراغه من جميع أموره، وعزمه على السفر، ويغتفر له أن يشتغل بعده بأسباب السفر، كشراء الزاد، وحمل الأمتعة، ونحو ذلك ولا يعيده، وإن مكث بعده، مشتغلاً بأمر آخر غير أسباب السفر كشراء متاع، أو زيارة صديق، أو عيادة مريض احتاج إلى إعادة الطواف.
ويُنصح الحاج أنْ يسرعَ بعد طوافِ الزيارة بطوافٍ آخر بناء على مذهب الحنيفة احطياطاً للسفر في وقت ضيق عليه. وقرّر الملكية والحنابلة في مذهبهم: أن طواف الوداع يتأدى بطواف الإفاضة أو طواف العمرة لمن خرج من مكة بعدهما، إن نواه بهما، ولا يكون سعيه لها (يعني العمرة) طولا حيث لم يُقِمْ عندها إقامة تقطع حكم التوديع . ويدل لهم قوله "آخر عهده بالبيت"، وقد حصل هنا.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:13 AM
الباب الرابع
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:14 AM
47-سنن الحج
السنن يطلب فعلها، ويثاب المكلف عليها، وتلزم الإساءة لو تركها عمداً، لكن لا يلزمه الفداء من دم أو صدقة بذلك.
ونذكر ههنا سنن الحج الأصلية، والمذاهب فيها :
أولاً - طواف القدوم :
أ- ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه سنة للآفقي القادم من خارج مكة لتحية البيت العتيق، لذلك يستحب البدء به دون تأخير.
وعن عائشة رضي الله عنها "أنّ أولَ شيء بَدَأَ به حين قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه توضَّأَ ثم طاف .. الحديث". متفق عليه.
وذهب المالكية إلى أنه واجب.
ب- يسقط طواف القدوم عن ثلاثة وهم :
1) المكي، ومن في حكمه، وهو الآفقي إذا أحرم من مكة.
وذهب الحنفية إلى إسقاطه عمّنْ كان منزله في المواقيت، لأن الطواف شرع للقدوم، والقدوم في حق هؤلاء غير موجود.
وذهب المالكية إلى أنه يجب على من أحرم من الحِلِّ ولو كان مكياً، أما من كان في منطقة الحرم فليس عليه طواف قدوم.
2) المعتمر والمتمتع ولو آفاقياً، لدخول طواف الفرض عليه وهو طواف العمرة، اتفاقاً في ذلك بين الجمهور الحنفية والشافعية والمالكية، فطواف القدوم عندهم خاص بمن أحرم بالحج مفرداً، أو قارناً بين الحج والعمرة. وذهب الحنابلة إلى أنه: يطوف المتمتع للقدوم قبل طواف الإفاضة، ثم يطوف طواف الإفاضة.
3) من قصد عرفة رأساً للوقوف يسقط عنه طواف القدوم. "لأن محله المسنون قبل وقوفه". وقرر المالكية أنه إذا خشي فوات الوقوف بعرفة لو اشتغل بطواف القدوم سقط عنه ولا فدية عليه، أما إذا كان الوقت متسعاً وترك طواف القدوم يجب عليه الفدية.
جـ- وقت طواف القدوم يبدأ حين دخول مكة، ويُسْتَحَبُّ أنْ يُبادرَ بأدائه قبل استئجار المنزل ونحو ذلك. وآخر وقته وقوفه بعرفة، لأنه بعد الوقوف مطالب بطواف الفرض أي طواف الزيارة.
د- كيفية طواف القدوم كطواف الزيارة، إلا أنه لا اضطباع فيه ولا رمل، ولا سعي لأجله، إلا إذا أراد تقديم سعي الحج على وقته الأصلي، الذي هو عقيب طواف الزيارة، فإنه يسن له عندئذ الاضطباع والرمل في الطواف، لما سبق أن قررنا أن الرمل والاضطباع سنة في كل طواف بعده سعي.
ثانياً: خُطَبُ الإمام:
- الخطبة الأولى: ذهب الحنفية والشافعية إلى أنها تسن هذه الخطبة في مكة يوم السابع من ذي الحجة قبل يوم التروية بيوم، عند الحنفية والشافعية، والغرض منها أن يعلمهم المناسك.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :" كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا كانَ قَبْلَ الترويِة بيومٍ خطبَ الناسَ وأخبرهم بمناسِكِهم " أخرجه البيهقي بسند جيد.
- الخطبة الثانية: وتُسَنُّ يومَ عرفة بعرفات، قبل الصلاة اتفاقاً أيضاً. وهذه الخطبة خطبتان يفصل بينهما بجلسة كما في خطبة الجمعة، يبين لهم في أولاهما ما أمامهم من المناسك، ويحرضهم على إكثار الدعاء والابتهال، ويبين ما يهمهم من الأمور الضرورية لشؤون دينهم، واستقامة أحوالهم.
- الخطبة الثالثة: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنها بمنى في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنها تكون بمنى يوم النحر.
- أما الخطبة الرابعة: ذهب الشافعية والحنبلية إلى زيارة الخطبة الرابعة التي هي بمنى ثاني أيام التشريق يعلمهم فيها جواز النفر فيه وغير ذلك، ويودعهم.
ثالثاً: المبيت بمنى ليلة يوم عرفة، وأداء خمس صلوات فيها:
يسن للحاج أن يخرج من مكة إلى منى يوم التروية، بعد طلوع الشمس، فيصلي بمنى الظهرَ والعصرَ والمغرب والعشاء والفجر، وذلك سنة باتفاق الأئمة رضي الله عنهم.
وفي حديث جابر" لما كان يوم التروية توجهوا إلى مِنى فأَهَلَّوا بالحج فركبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والغجر، ثم مكثَ قليلاً حتى طلعتِ الشمسُ وأَمَرَ بِقُبَّةٍ من شَعرٍ فضُرِبَتْ له بِنَمِرَةَ ".
ذهب الحنفية إلى أنه سنة.
وذهب الجمهور إلى وجوبه، وهو سنة عند الحنفية، وواجب عند الأئمة الثلاثة.
رابعاً: المبيت بمزدلفة ليلة النحر:
ذهب الحنفية إلى أنَّ المبيت بالمزدلفة ليلة عيد النحر سنة عند الحنفية، وإنما الواجب عندهم الوقوف بالمزدلفة بعد الفجر، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبيناه في واجبات الحج.
وذهب المالكية إلى ندب المبيت بمزدلفة ليلة النحر.
وذهب الشافعية إلى وجوب المكث الطويل.
وذهب الحنابلة إلى استحبابه.
خامساً: المبيت بمنى ليالي التشريق:
ذهب الحنفية إلى أنه سنة.
وذهب الجمهور إلى وجوبه، وهو سنة عند الحنفية، وواجب عند الأئمة الثلاثة فيلزم الفداء لمن تركه كله أو معظم ليلة واحدة منه بغير عذر عند الأئمة الثلاثة استدلوا على الوجوب بحديث عائشة رضي الله عنها قالت:
" أفاضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن آخرِ يومه حين صلى الظهرَ، ثم رجع إلى مِنى، فمكثَ لياليَ أيامِ التشريق. . الحديث " أخرجه أبو داود.
وأجاب الحنفية بحمل الحديث على السنية.
سادساً: التحصيب:
وهو النزول بوادي المحصَّب، أو الأَبْطَح، في النَّفْرِ من مِنى إلى مكة، عند انتهاء المناسك. ويقع المُحَصِّب عند مدخل مكة، بين الجبلين، إلى المقبرة المسماة بالحُجون(1).
ذهب الحنفية إلى أن التحصيب سنة.
وذهب الجمهور إلى أنه مستحب.
___________________________________
(1) سمي محصباً لكثرة الحصباء، أي الحصى الصغير التي تجرفها السيول إليه، كذا سمي الأبطح من البطحاء وهي الحصى الصغار. والخيف ما انحدر عن غلظ الجبَل وارتفع عن مجرى السيل، سمي المحصّب بذلك وسمي مسجد منى بذلك لأنهما في سفح جبل.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:16 AM
الباب الخامس
في العمْرة
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:18 AM
48- العمرة لغة:
الزيارة، سميت بذلك لأن فيها عمارة الود، مأخوذة من الاعتمار، يقال:" اعتمر فهو معتمر أي زار ".
وفي اصطلاح الفقهاء: الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة.
وتتلخص كيفية العمرة بأن يحرم بها من الميقات ثم يأتي مكة فيطوف بالكعبة سبعاً ثم يصلي ركعتين للطواف، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط. ثم يحلق ويتحلل.
49- حكم العمرة:
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنها سنة مؤكدة في العمر مرة واحدة.
وذهب الشافعية والحنابلة- على الأظهر عندهما - إلى أنها واجبة مرة في العمر، كالحج.
استدل الحنفية والمالكية على سنية العمرة بأدلة، منها:
حديث جابر- رضي الله عنه -، قال: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرةِ أواجبةُُ هي؟ قال:"لا، وأنْ تَعْتَمِرَ فهو أفضل". أخرجه الترمذي وقال"حديث حسن"
واستدل القائلون بفرضية العمرة بما وقع في حديث عمر في سؤال جبريل عليه السلام: "وأنْ تحجَّ وتعتمرَ " أخرجه بهذه الزيادة الدارقطني.
50- فضيلة العمرة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" العمرةُ إلى العمرةِ كفارةُُ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءُُ إلا الجنة ". متفق عليه.
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عمرةُُ في رمضانَ تَقْضِي حجة " متفق عليه. ولمسلم " تقضي حجةً أو حجةً معي ".
51- فرائض العمرة:
أولاً: الإحرام:
أ- ذهب الحنفية إلى أنه شرط، وهو النية مقرونة بالتلبية.
وذهب الجمهور إلى أنه ركن وهو النية فقط.
وكيفية الإحرام بها هي كما في الحج إلا أنه يقول: "اللهم إني أريدُ العمرةَ فيسِّرْها لي وتقبلْها منى إنك أنتَ السميعُ العليم": "لبيك اللهم .. الخ ..".
ويُسن للإحرام بالعمرة ما يسن للإحرام بالحج. لأن الأدلة تشمله.
كذلك يحظر في الإحرام للعمرة ما يحظر في الإحرام للحج.
ميقات الإحرام بالعمرة:
ب- أما الميقات الزمني فهو كلُّ السَنة، وتُندب في شهر رمضان لقوله صلى الله عليه وسلم: "عمرةٌ في رمضانَ تقضي حجة".
ذهب الحنفية إلى أن العمرة تكره تحريماً يوم عرفة وأربعة أيام بعده، حتى يجب الدم على من فعلها في ذلك الوقت.
قالت عائشة رضي الله عنها: "حلّتِ العمرةُ في السَنة كلها، إلا أربعةَ أيام: يومُ عرفة، ويومُ النحر، ويومان بعد ذلك" أخرجه البيهقي. ولأن هذه الأيام أيام شغل بأداء الحج، والعمرة فيها تشغلهم عن ذلك، وربما يقع الخلل فيه فتكره.
وذهب الجمهور إلى أن جميع السنة وقت لإحرام العمرة وجميع أفعالها، دون استثناء، وهي في يوم عرفة والعيد وأيام التشريق ليس كفضلها فيغيرها، لأن الأفضل فعل الحج فيها.
ج- وأما الميقات المكاني للعمرة: فهو ميقات الحج الذي سبق أن بينا حدوده إلا أن من كان بمكة أو حرمها فميقاته للعمرة أن يخرجإلى الحل، اتفاقاً بين الفقهاء.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا رسولَ الله أتنطلقونَ بعمرةٍ وحَجَّةٍ وأنطلقُ بالحج؟؟ فأمرَ عبدَ الرحمن بنَ أبي بكرٍ أن يخرج معها إلى التَّنْعِيم، فاعتمَرَتْ بعدَ الحج في ذي الحجة" متفق عليه.
ذهب الحنفية إلى أن الإحرامُ بالعمرة من التنعيم أفضلُ أخذاً بهذا الحديث، ويُحْرِمُ أكثر الناس الآن من هذا الموضع، عند المسجد هناك المعروف بمسجد عائشة.
وذهب الشافعية إلى أنَّ أفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة الجِعِرَّانة، ثم التنعيم ثم الحديبية، لأنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم بها - أي العمرة - من الجعرانة، وأمر عائشة بالاعتمار من التنعيم كما تقدم، وبعد إحرامه بها بذي الحليفة عام الحُدَيْبِيَة همَّ بالدخول إليها من الحديبية ... .
وأما من كان في منطقة المواقيت خارج منطقة الحرم فميقاته من حيث أنشأ، أي أحرم، لكن اختلفوا:
ذهب الحنفية إلى أن ميقاته الحل كله.
وذهب المالكية إلى أنه يحرم من داره أو مسجده لا غير.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن ميقاته القرية التي يسكنها لا يجاوزها بغير إحرام.
ثانياً- الطواف:
وهو ركن في العمرة بإجماع الأمة على ذلك، لقوله عز وجل: {وَلْيَطّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتيقِ} [الحج: 29].
وشرائط طواف العمرة: كطواف الزيارة في الحج لكنه لا يتقيد بوقت.
وواجبات طواف العمرة: هي واجبات طواف الحج أيضاً لشمول الأدلة في ذلك كله الحج والعمرة جميعاً.
52- واجبات العمرة :
أولاً: السعي بين الصفا والمروة: ذهب الحنفية في المختار والحنابلة إلى أن السعي واجب وذهب المالكية والشافعية إلى أن السعي ركن.
ثانياً: الحلق أو التقصير، وذلك آخر أعمال العمرة، وبه يتحلل من إحرامه تحللاً كاملاً، ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه واجب.
وذهب الشافعية: إلى أنه ركن ومن أخر الحلق ظل محرماً، وإذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام لزمه الفداء.
وأحكام فرائض العمرة وواجباتها كأحكام فرائض الحج وواجباته، فيجب فيها هنا ما يجب في الحج، ويسن فيها ما يسن في فرائض الحج وواجباتها، ويحظر في إحرامها ما يحظر في إحرام الحج. وقد استوفينا تفصيلها، فارجع لكل أمر في موضعه.
لكن لا يطلب في العمرة طواف قدوم، ولا طواف وداع، بل يَخْتَصّان بالحج عند الحنفية، على ما سبق من بيان المذاهب فيهما.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:19 AM
الباب السادس
........
.....
....
..
.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:21 AM
53- الجنايات
قرر الفقهاء وجوب الجزاء على من ارتكب شيئاً من محظورات الإحرام، ما دام فعل محظور الإحرام قبل التحلل ولو بقليل، حسبما عرفت من نوعي التحلل. أو أخل بما يجب عليه من الأعمال في الحج أو العمرة، وأنه إن فعل ذلك عامداً فقد أثم، ويجب عليه الجزاء والتوبة، ولا يخرجه العزم على الفدية عن كونه عاصياً آثماً.
وربما ارتكب بعض الناس شيئاً من هذه المحرمات، وقال: أنا أفتدي، متوهماً أنه بالتزام الفدية يتخلص من وبال المعصية، وذلك خطأ صريح وجهل قبيح .. وليست الفدية مبيحة للإقدام على فعل المحرَّم ومَن فعل شيئاً مما يحكم بتحريمه فقد أخرج حجَّة عن أن يكون مبروراً.
ضوابط عامة في أنواع جزاءات الجنايات:
أ- فساد الحج والعمرة، وما يترتب عليه من القضاء والهدي، وذلك بالجماع قبل الوقوف بعرفة إجماعاً، وبالجماع بعد الوقوف قبل التحلل الأول عند الأئمة الثلاثة، خلافاً للحنفية، كذلك تفسد العمرة بالجماع قبل أداء ركنها.
ب- الهَدْي : وربما عُبِّرَ عنه بالدم، وكل موضع أطلق فيه الدم أو الهَدْي تجزيء الشاة، إلا من جامع قبل الوقوف بعرفة، فعليه بدَنة عند الأئمة الثلاثة وشاة عند الحنفية، وإلا من جامع بعد الوقوف قبل التحلل الأول فعليه بدنة اتفاقاً.
ج- الصدقة: حيث أُطْلِقَ وجوب "صدقة" عند الحنفية من غير بيان مقدارها، فإنه يجب نصفُ، صاع من بُرِّ "قمح" أو صاعٌ من شعير أو تمر، ويصح دفعها أين شاء، ولو في غير الحرم، وقيدها الشافعية بالحرم وأوجبوا صاعاً من البُرِّ أو غيره، وتكون الصدقة من أصناف زكاة الفطر، ويجوز إخراج القيمة عند الحنفية خلافاً للأئمة الثلاثة. والصاع يساوي /3640/ غراماً عند الحنفية و /1730/ غراماً عند غيرهم على التقريب. والمُدُّ يساوي ربع صاع.
د- الصيام: يجب الصيام مقابل الطعام، أو على التخيير في الفدية كما هو مفصل فيما يأتي، والصوم لا يتقيد بالحرم ولا بالزمان والتتابع باتفاقهم، إلا الصيام لمن عجز عن هَدْي القِران والتمتع، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. والصوم إنما يقع بدلاً عن دم الشكر لا عن دم الجبر، فاحفظ هذه الكلية في نفسك.
هـ- الضمان بالمثل: وذلك في جزاء الصيد، على ما سنذكر من التفصيل.
و- الفدية: حيث أطلق وجوبها عند المالكية والشافعية والحنبلية فالمقصود الفدية المخيرة التي نص عليها القرآن : {فَفِدْيةٌ مِن صِيامٍ أوْ صدَقةٍ أوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].
ز- لا ينقص حظ كل مسكين في الصدقة عند الحنفية عن نصف صاع بُرٍّ أو صاع من شعير أو تمر إلا ما يفضل في كفارة الصيد أو كان الواجب أقلّ من أصله.
ومذهب المالكية والشافعية لا ينقص في الفدية عن مُدَّيْن ولا يزيد لكل واحد من غالب قوت البلد، وأما في جزاء فمُدٌّ كامل لا يزيد ولا ينقص، ونحوهم مذهب الشافعية.
ومذهب الحنابلة: إطعام الفدية إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مُدُّ بُرٍّ أو نصف صاع من تمر أو شعير أو غيرهما مما يجزئ في صدقة الفطر، وكذا الحكم في الإطعام لكفارة الصيد.
ح- الجنايات على الإحرام بالحج أو بالعمرة عقوبتها واحدة، إلا من جامع في العمرة قبل أداء ركنها، فتفسد اتفاقاً:
قال الحنفية والحنابلة: عليه شاة.
وقال الشافعية والمالكية عليه بدنة. وحيثما ذكرنا ودجوب الدم دون تقييد فهو شاة.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:24 AM
54- الجنايات في اللبس وما يتعلق ببدن المحرم
يتناول هذا المبحث جناياتِ اللبس وتغطية الرأس، والحلق، وقلم الظفر، والطيب،والأدهان.
والأصل في عقوبة هذه الجنايات كلها قوله تعالى :
{وَلاَ تَحْلِقُوا رُوؤُسَكُمْ حَتَّى يَبّلُغَ الهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكمُ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].
والنص وارد في جناية الحلق، لكن اتفقوا على إلحاق سائر الجنايات الآنفة به، وأوجبوا فيها الفداء، لأنها ترفه وزينة فهي كالحلق.
أ- الآية واردة في جناية المعذور الذي حلق لمرض أو أذى، وهي صريحة في أن فديته واجبة على التخيير بين الأمور الثلاثة. وهذا موضع اتفاق بين العلماء، إذا كانت جنايته كاملة : إما أنْ يذبحَ شاة، أو يتصدق بثلاثة أصوع، على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام. وإنْ كانتْ قاصرةً يجب عليه صدقة يأتي بيان قدرها في كل موضع بحسبه، ويتخير بينها وبين أنْ يصوم يوماً عن كل نصف صاع عند الحنفية.
ب- أما العامد الذي لا عذر له:
ذهب ا لحنفية إلى أنه أن لا يتخير، بل يجب عليه الدم عيناً أو الصدقة عيناً حسب جنايته مما سيأتي تفصيله، واستدلوا على ذلك بالآية، لأن التخيير شرع فيها عند العذر من مرض أو أذى، وغير المعذور جنايته أغلظ فتتغلظ عقوبته، وذلك بنفي التخيير في حقه.
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يتخير أيضاً، كالمعذور، واستدلوا بالآية أيضاً.
ج- وأما المعذور بغير المرض والأذى، كالناسي والمُكْرَهِ والجاهل والنائم.
ذهب الحنفية إلى إلحاقه بالعامد، وقالوا إنه لا يتخير، لأن الارتفاق حصل له، وعدم الاختيار أسقط الإثم عنه.
ذهب المالكية إلى أنه يجب الفداء مُخَيَّراً كالعامد.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى التمييز بين جناية فيها إتلاف، وجنايةٍ ليس فيها إتلاف، فأوجبوا عليه الفدية في الاتلاف يستوي عمده وسهوه، ولم يوجبوا فدية في غير الاتلاف، وهو اللبس وتغطية الرأس والطيب.
المذاهب في الفدية لكل من جنايات:
55- أولاً: اللباس:
ذهب الحنفية إلى أنه مَن لبس شيئاً من الألبسة المحظورة في الإحرام نهاراً كاملاً أو ليلة، كأَنْ لبس مخيطاً، أو غطى الرجل رأسه أو وجهه وجب عليه الدم، وكذا المرأة إذا غطت وجهها غطاء يمسه. وإن كان أقل من يوم أو ليلة فعليه صدقة.
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يجب الفداء بنفس اللبس، ولو لم يستر زمناً.
وذهب المالكية إلى أنه يشترط لوجوب الفدية من لبس الثوب أو الخف أن ينتفع به من حر أو برد، فإنْ لم ينتفع به من حر أو برد، بأنْ لبسَ قميصاً رقيقاً لا يقي حراً ولا برداً يجب الفداء إن امتد لبسُه مدةً كاليوم، لأنه يحصل فيه ارتفاق.
56- ثانياً: الطيب:
فرّق الحنفية بين تطييب المحرم بدنه وبين تطييب ثوبه:
أ- أما البدن فقالوا: تجب شاة إن طيب المحرم عضواً كاملاً، مثل الرأس، واليد، والساق، أو ما يبلغ عضواً كاملاً. والبدن كله كعضو واحد إن اتحد مجلس التطيب، وإن تفرق المجلس فلكل طيب كفارة، وتجب إزالة الطيب، فلو ذبح ولم يُزِلْهُ لزمه دم آخر.
وإن طيب أقل من عضو فعليه الصدقة، لقصور الجناية.
ولم يشترط الحنفية استمرار الطيب على البدن لوجوب الجزاء، بل يجب بمجرد التطيب.
ب- وأما تطييب الثوب فيجب فيه الدم بشرطين:
1) أن يكون كثيراً، وهو ما يصلح أن يغطي مسافة تزيد على شبر في شبر.
2) أن يستمر نهاراً أو ليلة.
فإن اختل أحد الشرطين وجبت الصدقة، وإن اختل الشرطان معاً وجب التصدق بقبضة من القمح.
ومذهب المالكية والشافعية والحنابلة وجوب الفداء في الطيب، ولم يقيدوه بأن يطيب عضواً كاملاً، أو مقداراً من الثوب معيناً، بل إن أي تطيب يوجب الفداء.
57- ثالثاً: الدهن:
لو دهن بزيت غير مطيب، فحكمه حكم الطيب عند أبي حنيفة ومالك، إذا استعمله في أي موضع من جسمه لغير مرض، لأنه أصل الطيب، فهو يلين الشعر وينميه ويحسنه، ويلين الجسم، ويزيل عنه الهوام.
أما إن استعمله للتداوي، كأن وضعه على جرحه، أو شقوق رجليه فلا كفارة عليه.
وقال الشافعي وأحمد - في رواية - إن استعمله في شعر الرأس واللحية وجب الفداء، لأنه يزيل الشعث، وإن كان في غيره جاز ولا شيء فيه، سواء شعره وبشره، والمعتمد عند الحنبلية إباحة الادّهان بدهن غير مطيب في أي موضع ولا فداء فيه إطلاقاً.
58- رابعاً الحلق أو التقصير:
أ- مذهب الحنفية أن من حلق ربع رأسه، أو ربع لحيته يجب عليه الفداء، لأن الربع يقوم مقام الكل على ما سبق في بحث الحلق، فيجب فيه الفداء الذي دلت عليه الآية الكريمة إن كان معذوراً أو الدم إن لم يكن معذوراً، ويجب على الحلاق صدقة إذا كان محرماً، وكذا لو حلق لحلال.
وإن حلق خصلة من شعره أقل من الربع يجب عليه الصدقة، أما إن سقط من رأسه أو لحيته عند الوضوء أو الحك ثلاث شعرات، فعليه بكل شعرة صدقة كف من طعام. وإن تساقط أكثر من مرة في أكثر من مجلس فلكل مجلس مُوْجَبُه.
وإن حلق رقبته كلها أو إبطيه أو أحدهما يجب الدم، أما إن حلق بعض واحد منهما وإن كثر فتجب الصدقة، لأن حلق جزء عضو من هذه الأشياء ليس ارتفاقاً كاملاً، لعدم جريان العادة بحلق البعض فيها، فلا يجب إلا الصدقة.
وقرر الحنفية أن في حلق الشارب حكومة عدل، بأن ينظر إلى هذا المأخوذ كم يكون من ربع اللحية ؟ فيجب عليه بحسابه من الطعام.
مثاله: لو أخذ من الشارب قدر نصف ثُمُنِ اللحية يجب عليه من الطعام ما يساوي ربع الدم.
وذهب المالكية إلى أنه إن أخذ اثنتي عشرة شعرة فأقل ولم يقصد إزالة الأذى يجب عليه أن يتصدق بحفنة قمح، وإن أزالها بقصد إماطة الأذى تجب الفدية، ولو كانت شعرة واحدة. وتجب الفدية إذا أزال أكثر من اثنتي عشرة شعرة لأي سبب كان. وشعر البدن كله سواء.
وإن سقط من شعره في وضوء أو غسل فلا شيء عليه عندهم.
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه تجب الفدية لو حلق ثلاث شعرات، كما تجب لو حلق جميع الرأس بشرط اتحاد المجلس أي الزمان والمكان.
ولا يجب على المحرم الجزاء إذا حلق لمحرم آخر بإذنه، لأنه كالآلة، فلا يضاف إليه الحلق. لكنه يأثم لمساعدته فيه.
ولو حلق شعرة أو شعرتين ففي شعرة مُدٌّ، وفي شعرتين مُدَّان من القمح، وسواء في ذلك كله شعر الرأس وشعر البدن.
ب- أما إذا سقط شعر المحرم بنفسه من غير صنع آدمي فلا فدية باتفاق المذاهب.
59-- خامساً: تقليم الأظفار:
ذهب الحنفية إلى أنه: إذا قص أظفار يديه ورجليه جميعها في مجلس واحد تجب عليه شاة، وكذا إذا قص أظفار يد واحدة، أو رجل واحدة تجب شاة. وإن قص أقل من خمسة أظفار من يد واحدة، أو خمسة متفرقة من أظفاره تجب عليه صدقة لكل ظفر.
وذهب المالكية أنه إن قلم ظفراً واحداً عبثاً أو ترفهاً يجب عليه صدقة حفنة من طعام، فإن فعل ذلك لإماطة الأذى أو الوسخ ففيه فدية، وإنْ قلّمه لكسره فلا شيء عليه إذا تأذَّى منه، ويقتصر على ما كُسِر منه. وإن قلّم ظفرين في مجلس واحد فَفِدْية، ولو لم يقصدْ إماطةَ الأذى.
وذهب الشافعية والحنابلة يجب الفداء في تقليم ثلاثة أظفار فصاعداً في مجلس واحد، ويجب في الظفر والظفرين ما يجب في الشعرتين.
60- سادساً: قتل القُمَّلِ أو إلقاؤه:
لأن فيه إزالة الأذى، وقتله في غير الإحرام لا شك مطلوب شرعاً، لكنه كره حال الإحرام: فقال الحنفية: يجب أن يتصدق بما شاء.
وقال الشافعية: يستحب أن يتصدق ولا يجب.
وقال المالكية فقالوا: إنه يجري مجرى الشعر تماماً.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:26 AM
في
الصيد وما يتعلق به
61- الأصل في جزاء الصيد قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} [المائدة : 95].
وقد أجمع العلماء على وجوب الجزاء في قتل الصيد، واختلفوا في بعض التفاصيل.
62- أولاً: قتل الصيد
أ- نصت الآية على وجوب الجزاء في قتل الصيد عمداً، ولم تنص على قتله خطأ، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على أن الخطأ في هذا الباب كالعمد، لأن العقوبة شرعت ضماناً للمُتْلفَ، وذلك يستوي فيه العمد والخطأ والجهل والسهو والنسيان.
ب- هذا الجزاء نصب الآية على أنه {مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } وأنه يُخَيَّر فيه بين الخصال الثلاث. واختلف العلماء في تفسير هذين الأمرين:
ذهب الحنفية إلى أنه تقدر قيمة الصيد بتقويم رجلين عَدْلين، وتعتبر القيمة في موضع قتله، ثم يخير الجاني بين ثلاثة أمور:
1) أن يشتري هدياً ويذبحه في الحرم إن بلغت القيمة هدياً.
2) أن يشتري طعاماً ويتصدق به على كل مسكين نصف صاع من بُرٍّ أو صاعاً من شعير، أو تمر، كما في صدقة الفطر، ولا يجوز أن يعطي أقل مما ذكرنا، إلا إن فضل من الطعام أقل منه فيجوز أن يتصدق به، ولا يختص التصدق بمساكين الحرم.
3) أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً، وعن أقل من نصف صاع - إذا فضل - يوماً أيضاً.
وذهب الأئمة الثلاثة -المالكية والشافعية والحنبلية- إلى التفصيل فقالوا:
الصيد ضربان : مثلي : وهو ماله مثل من النَّعَم، أي مشابه في الخِلقِة من النعم، وهي الإبل والبقر والغنم، وغير مثلي وهو ما لا يشبه شيئاً من النعم.
أما المثلي: فجزاؤه على التخيير والتعديل، أي إن القاتل يخير بين ثلاثة أشياء على الوجه التالي:
1) أَنْ يذبَح المثل المشابه من النعم في الحرم، ويتصدق به على مساكين الحرم.
2) أن يقوِّم المثلَ دراهم ثم يشتري بها طعاماً، ويتصدق به على مساكين الحرم. ولا يجوز تفرقة الدراهم عليهم.
وقال مالك بل يقوِّمُ الصيدَ نفسه ويشتري به طعاماً يتصدق به على مساكين موضع الصيد، فإن لم يكن فيه مساكين فعلى مساكين أقرب المواضع إليه ويعطى كل مسكين مُدٌّ، وإن فضل بعض مُدٍّ أعطي لمسكين.
3) إنْ شاء صام عن كل مُدٍّ يوماً، ويجوز الصيام في الحرم وفي جميع البلاد. وإن انكسر مُدٌّ وجب صيام يوم.
وأما غير المثلي: فيجب فيه قيمته ويتخير فيها بين أمرين:
أنْ يشتريَ بها طعاماً يتصدق به على مساكين الحرم، وعند مالك على المساكين في موضع الصيد.
2) أنْ يصومَ عن كل مُدٍّ يوماً كما ذكرنا سابقاً.
ثم قالوا في بيان المثلي: المعتبر فيه التشابه في الصورة والخلْقَة، وكل ما ورد فيه نقل عن السلف فيتبع، لقوله تعالى : {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}. وما لا نقل فيه يحكم بمثله عدلان ذكيان بهذا الأمر عملاً بالآية.
والكلام عليه في الدواب، ثم في الطيور.
أما الدواب: ففي النعامة بدنة وفي بقر الوحش وحمار الوحش بقرة إنسية، وفي الغزال عَنْز، وفي الأرنب عَناق، وفي اليَرْبُوعِ جَفْرة.
وقال مالك: في الأرنب واليربوع والضب القيمة.
وأما الطيور: ففي أنواع الحمام شاة، والمراد بالحمام كل ما عبّ في الماء وهو أن يشربه جَرْعاً، فيدخل فيه اليمام اللواتي يألفن البيوت، والقُمْرِيُّ، والقطاة، والعرب تسمي كل مطوَّق حماماً.
وإن كان الطائر أصغر من الحمام جثة ففيه القيمة، وإن كان أكبرَ من الحمام كالبطة والأوزة فالأصح أنه يجب فيه القيمة إذ لا مثل له.
وقال مالك: تجب شاة في حمام مكة والحرم ويمامهما، وفي حمام ويمام غيرهما تجب القيمة وكذا في سائر الطيور.
واتفق الجمهور على أن في الجرادة صدقة تمْرَة.
وقال الشافعية والحنابلة: الواجب في الصغير من الصيد المثلي صغير مثله من النعم. لقوله: {فَجزاءٌ مِثْلُ ما قتل} وهذا مثل فيجزيء.
وقال مالك: يجب فيه كبير لقوله تعالى: {هَدْياً بالغَ الكعبة}، والصغير لا يكون هدياً، وإنما يجزيء في الهدي ما يجزيء في الأضحية.
63- ثانياً: إصابة الصيد:
ذهب الحنفية والشافعية والحنبلية إلى أنه إذا أصابَ المحرم الصيدَ بضرر ولم يقتلْه يجبُ عليه الجزاء بحسب تلك الإصابة:
قال الحنفية: إنْ جَرَح المحرم صيداً أو نتف شعره ضمن قيمة ما نقص منه، اعتباراً للجزء بالكل، فكما تجب القيمة بالكل تجب الجزء، وهذا الجزاء يجب إذا بريء الحيوان وظهر أثر الجناية عليه، أما إذا لم يبق لها أثر فلا يضمن لزوال الموجب.
وقال الشافعية والحنابلة: إن جرح صيداً يجب عليه قدر النقص من مثله من النعم، إن كان مثلياً، وإلا يقدر ما نقص من قيمته، وإذا أحدث به عاهة مستديمة فوجهان عندهم، أصحهما يلزمه جزاء كامل.
قال الحنفية وهو أحد قولين للشافعي أما إذا أصابه أزالت امتناعه عمن يريد أخذه وجب الجزاء كاملاً، لأنه فوّت عليه الأمن بهذا.
وفي قول عند الشافعية: يضمن النقص فقط.
وذهب المالكية إلى أنه لا يضمن ما غلب على ظنه سلامته من الصيد بإصابته بنقص ولا جزاء فيه، ولا يلزمه فرق ما بين قيمته سليماً وقيمته بعد إصابته.
هذا ويجب بسبب حلب الصيد وكسر بيضة قيمة كل من اللبن والبيض.
64-ثالثاً: جناية الحلال على صيد الحرم وشجره:
مذهب الحنفية: إن ذبح الحلال صيد الحرم وجب عليه قيمته يتصدق بها، ولا يجوز الصوم في هذه المسألة عندهم، لأن الواجب هو الضمان بقتله، والصوم لا يصلح ضماناً.
ومذهب مالك والشافعي وأحمد: يجب عليه ما يجب على المحرم إذا قتل صيداً قياساً له عليه.
- أما قطع شجر الحرم أو حشيشه الرطب مما ليس مملوكاً لأحد وليس مما يستنبته الناس:
ذهب الحنفية: إلى أنه يضمن القاطع القيمة ويتصدق بها، ولا مدخل للصوم في هذا الجزاء أيضاً، لأنه ضمان متلف.
وذهب مالك: إلى أنه يأثم ولا ضمان عليه، لأن الضمان قدر زائد على التحريم يحتاج لدليل، بل يستغفر الله.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّ الأصح وجوب الضمان فيه من النعم، وفي الشجرة الكبيرة بقرة، والصغيرة شاة، والحشيش الرطب يضمن بالقيمة إن لم يُخْلِفْ فإن أخلف فلا ضمان.
والمضمون هنا على التخيير والتعديل عند الشافعية كما في الصيد.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:27 AM
65- في الجماع ودواعيه
أ- الجماع في إحرام الحج:
اتفق العلماء على أن الجماع حالة الإحرام جناية، ويصدق ذلك على هذه الأحوال الثلاث الآتية :
1- قبل الوقوف بعرفة.
2- بعد الوقوف قبل التحلل الأول.
3- بعد الوقوف بعرفة والتحلل الأول فقط.
1) الجماع قبل الوقوف بعرفة:
مَنْ جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه بإجماع العلماء، ووجب عليه ثلاثة أمور:
الأول : الاستمرار في حجة الفاسد إلى نهايته، لقوله تعالى: {وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله} وجه الاستدلال أنه "لم يفرق بين صحيح وفاسد".
الثاني : أداء حج جديد في المستقبل قضاء للحجة الفاسدة، ولو كانت نافلة، ويستحب أن يفترقا في حجة القضاء هذه، عند الأئمة الثلاثة منذ الإحرام، وأوجب المالكية الافتراق منذ خروجها من المنزل في سفر حجة القضاء، سداً لذريعة الوقوع في هذا المحظور الذي أفسد حجمها، وعملاً بما ورد من أقوال الصحابة في ذلك. واستدل على عدم الوجوب بأن الافتراق ليس بنسك في الأداء، فكذلك في القضاء، فلا يكون واجباً بل مستحباً.
الثالث : ذبح الهدي في حجة القضاء:
قال الحنفية: يذبح شاة.
وقال الأئمة الثلاثة: لا تجزئ الشاة، بل يجب عليه بدنة أي من الجمال ذَكَراً أو أنثى.
استدل الحنفية بما ورد أن رجلاً جامع امرأته وهما محرمان، فسألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما: "اقْضِيا نُسْكَكُما وأَهْدِيا هَدْياً" رواه أبو داود في المراسيل، والبيهقي، وبما رُوِيَ من الآثار عن الصحابة أنه يجب عليه شاة.
واستدل الشافعية ومن معهم بفتوى جماعة من الصحابة، ولم يُعْرَفْ لهم مخالف.
2) الجماع بعد الوقوف قبل التحلل الأول:
ذهب الحنفية إلى أنَّ من جامع بعد الوقوف بعرفة قبل التحلل الأول فلا يفسد حجه، ويجب عليه أن يهدي بدنة عندهم.
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يفسد حجه ما دام قد واقع قبل التحلل الأول، وعليه بدنة أيضاً.
3) الجماع بعد التحلل الأول:
وقد اتفقوا المذاهب الأربعة على أن الجماع بعده لا يفسد الحج، وألحق المالكية به الجماع بعد طواف الإفاضة ولو قبل رمي جمرة العقبة، والجماعَ بعد يوم النحر ولو قبل رمي العقبة والإفاضة.
ووقع الخلاف في الجزاء الواجب:
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يجب عليه شاة. قالوا في الاستدلال : إنه لخفة الجناية لوجود التحلل في حق غير النساء.
وقال مالك وهو قول عند الشافعية والحنابلة إنه يجب عليه بدنة، وعُلِّلَ ذلك بأنه لعظم الجناية على الإحرام.
وأوجب مالك والحنابلة على من فعل هذا الجناية بعد التحلل قبل الإفاضة أنْ يخرج إلى الحل ويأتي بعمرة، لقول ابن عباس بذلك.
وذلك أنه لما أدخل النقص على طوافه للإفاضة بما أصابه من الوطء كان عليه أنْ يقضيَه بطوافٍ سالم إحرامُه من ذلك النقص، ولا يصلح أن يكون الطواف في إحرام إلا في حج أو عمرة.
ب- الجماع في إحرام العمرة:
1) ذهب الحنفية إلى أنه لو جامع قبل أن يؤدّي ركن العمرة وهو الطواف أربعة أشواط تفسد عمرته، أما لو وقع المفسد بعد ذلك لا تفسد العمرة، لأنه بأداء الركن أمن الفساد.
وذهب المالكية إلى أن المفسد إن حصل قبل تمام سعيها ولو بشوط فسدت، أما لو وقع بعد تمام السعي قبل الحلق فلا تفسد، لأنه بالسعي تتم أركانها، والحلق من شروط الكمال عندهم.
ومذهب الشافعية والحنبلية أنه إذا حصل المفسد قبل التحلل من العمرة فسدت.
والتحلل بالحلق وهو ركن عند الشافعية واجب عند الحنفية.
2) يجب في إفساد العمرة ما يجب في إفساد الحج من الاستمرار فيها ثم القضاء، والفداء باتفاق العلماء.
لكن اختلفوا في فداء إفساد العمرة:
فمذهب الحنفية والحنبلية وأحد القولين عند الشافعية أنه يلزمه شاة لأنها أحط رتبة من الحج، فخفت جنايتها، فوجبت شاة.
ومذهب المالكية والشافعية أنه يلزمه بدنة قياساً على الحج.
3) أما فداء الجماع الذي لا يفسد العمرة:
ذهب الحنفية إلى أنه شاة.
وذهب المالكية إلى أنه بدنة.
مقدمات الجماع:
مقدمات الجماع على قسمين: مباشرة وبعيدة.
المقدمات المباشرة: كاللمس بشهوة، والتقبيل، والمباشرة بغير جماع:
ذهب الحنفية والشافعية والمالكية إلى أنه يجب على من فعل شيئاً منها الدم سواء أنزل منياً أو لم ينزل، ولا يفسد حجه، إلا أن الحنابلة قالوا: إن أنزل وجب عليه بدنة.
وقال المالكية: إنْ أَنزلَ مَنِّياً فسد حجه وعليه ما على المجامع، وإنْ لم يُنْزِل لْيُهْدِ بَدَنَةً.
المقدمات البعيدة: كالنظر والفكر بشهوة:
قال الحنفية والشافعية أنه لا يجب في شيء منهما الفداء، ولو أدى إلى الانزال. وهو مذهب الحنابلة في الفكر.
وقال المالكية: إذا فعل أي واحد منها بقصد اللذة واسْتَدامَه حتى خرج المني فسدَ الحج، وإن خرج بمجرد الفكر أو النظر من غير استدامة فلا يفسد، وإنما فيه الهَدْيُ بدنة.
وقال الحنابلة : إنْ نظرَ فصرفَ بصره فأمنى فعليه دمٌ، وإنْ كرر النظر حتى أمنى فعليه بدنة.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:29 AM
في
ترك الواجبات
حكم الواجب في الحج أنه يطلب فعله ويحرم تركه، لكنه لا يفسد الحج بتركه، بل يكون مسيئاً، وقرر الفقهاء أنه يجب على من ترك واجباً الفداء (ذبح شاة) لجبر النقص الحادث بهذا الترك، إلا إذا تركه لعذر معتبر شرعاً.
ومما صرح الفقهاء بثبوت العذر فيه: ترك المشي في الطواف، وفي السعي، لمرض أو كِبَر سِنٍّ، فإنه يجوز له أن يطوف أو يسعى محمولاً ولا فداء عليه.
66- أولاً: ترك الوقوف بالمزدلفة:
اتفق الفقهاء على أن من ترك الوقوف بالمزدلفة لعذر أنه لا فداء عليه.
ذهب الحنفية إلى ثبوت العذر في ترك الوقوف بالمزدلفة كالمرض وضَعَفَةِ الأهل، والضعف الجسماني كما هو الحال في الشيخ الفاني، وكذا خوف الزحام على المرأة، كل ذلك عذر يسقط الفداء عمن ترك الوقوف.
وذهب الشافعية والمالكية إلى إجازة ترك الوقوف بالمزدلفة للعذر مع سقوط الفداء.
وذهب الحنبلية إلى جواز الدفع قبل نصف الليل من المزدلفة للرعاة وسقاة الماء، أما غيرهم من النساء والضَّعَفَة فأوجبوا عليهم الدم.
ثانياً: ترك المبيت بمنى:
ذهب الحنفية إلى أنه إذا ترك الحاج المبيت بمنى ليالي التشريق بلا عذر فقد أساء ولا يجب عليه الفداء، لأن المبيت بها سنة وليس بواجب عندهم.
ذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنبلية- إلى إيجاب الجزاء، لأنه واجب عندهم.
قال المالكية: إن ترك المبيت بها جُلَّ ليلة فدَمٌ، وكذا ليلة كاملة أو أكثر، وظاهره ولو كان الترك لضرورة.
ولم يسقطوا الدم لترك المبيت بمنى إلا للرعاء وأهل السقاية.
وقال الشافعية: الواجب في ترك المبيت كله دم واحد، وفي ترك ليلة واحدة مُدّاً من الطعام، وفي ترك ليلتين مُدَّيْن، إذا بات ليلة واحدة. إلا إذا ترك المبيت لعذر فلا شيء عليه.
كأهل سقاية العباس، ورعاء الإبل، فلهم ترك المبيت لياليى منى من غير دم.
فمثلهم من يخاف على نفس أو مال، أو ضياع مريض بلا متعهد أو موت نحو قريب في غيبته ..
وعن أحمد بن حنبل رحمه الله روايتان قريباً من مذهبي الحنفية والشافعية.
ثالثاً: ترك الرمي:
ذهب الحنفية إلى أنه يجب الدم إن ترك الحاج رمي الجمار كلها في الأيام الأربعة، أو ترك رمي يوم كامل، ويلحق به ترك أكثر حصيات يوم أيضاً، لأن للأكثر حكم الكل فيلزم فيه الدم.
أما إذا ترك الأقل من حصيات يوم فعليه صدقة، ومعنى وجوب الصدقة أن يجب عليه لكل حصاة نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير.
وذهب المالكية أنه يلزمه دم في ترك حصاة أو في ترك الجميع.
وذهب الشافعية والحنبلية إلى إجراء رمي الحصى على قياس أخذ الشعر، فأوجبوا الدم في ترك الرمي كله، وفي ترك يوم أو يومين وفي ترك ثلاث حصيات أيضاً على المذهب. أما في الحصاة فيجبُ مدٌّ من الطعام، وفي الحصاتين ضعف ذلك.
رابعاً: طواف المحدث:
والبحث في فديته خاص بمذهب الحنفية، فإنهم يرون الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس والحدث الأصغر واجباً في الطواف.
أما المالكية والشافعية والحنبلية فإن الطهارة من الأحداث المذكورة كلها فرض من شروط صحة الطواف عندهم، فحكم طواف من طاف محدثاً حدثاً أصغر أو أكبر حكم عدم الطواف عندهم.
قال الحنفية: طواف المحدث صحيح، ويجب عليه الفداء لجبر النقص الحاديث بترك واجب الطهارة في الطواف كما يلي :
من طاف للركن - أي الزيارة - جنباً أو حائضاً أو نُفسَاء يجب عليه بدنة، وجب عليه إعادة الطواف، فإنْ أعاده أيام النحر سقط الجزاء عنه، وإن أعاده بعد أيام النحر، فإن كان قد طافه أيام النحر محدثاص حدثاً أصغر فلا شيء عليه، وإن كان قد طافه أيام النحر جنباً فعليه الدم شاة عند أبي حنيفة، وإن طافه محدثاً حدثاً أصغر ولم يُعِدْه وجب عليه شاة. أما إذا كان محدثاً حدثاً أكبر ولم يعده فعليه بدَنة وقد تحلل من إحرامه.
ولو طاف للقدوم أو الوداع جنباً أو حائضاً أو نُفَساء وجب عليه الدم، ولو طاف للقدوم أو الوداع محدثاً حدثاً أصغر فعليه صدقة، وكذا إن طاف تطوعاً محدثاً أصغر.
وإن طاف للعمرة جنباً أو محدياً أصغر وجب عليه شاة. فإن أعاده أو أي طواف مما سبق سقط عنه الجزاء.
ومذهب الحنفية في هذه الفروع رخصة مفيدة جداً في رفع الحرج عن الحائض والنفساء إذ اضطرت للسفر قبل الطهر ولم تكن طافت للإفاضة، فإنها تطوف وينجبر ترك الطهارة ببدنة عند الحنفية.
رخصة وثمة أوسع عند المالكية حيث قالوا : وأما إن انقطع - الدم - عنها يوماً وعلمت أنه لا يعود قبل انقضاء وقت الصلاة أو لم تعلم بعوده ولا بعدمه فيصح طوافها. لأن المذهب أن النقاء أيام التقطع طهر، فيصح طوافها في هاتين الحالتين أي بعد الغسل.
وعلى ذلك تستطيع المرأة عند المالكية إذاحاضت قبل الإفاضة أو نُفِسَتْ أن تأخذ دواء يقطع الحيض مدة يوم كامل على الصفة المذكورة، فتغتسل وتطوف طواف الإفاضة، وتسعى إن لم تكن قدّمت السعي، ثم تسافر، ولا جزاء عليها.
أما عند الحنفية فعليها الجزاء لكنهم لا يشترطون انقطاع الدم، ولا يعتبرون تقطعه طهراً.
خامساً: مجاوزة الميقات بغير إحرام:
من جاوز موضعاً يجب الإحرام منه وهو غير محرم أثم، ويجب عليه العود إليه والإحرام منه.
وللعود إلى الميقات ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يعود إليه قبل الإحرام، فيحرم منه، فهذا لا يجب عليه الفداء، عند جماهير العلماء، سواء كان دخل مكة أم لا.
الصورة الثانية: أن يحرم بعد مجاوزة الميقات ثم يعود إلى الميقات محرماً قبل أن يتلبس بالنسك.
واختلف الفقهاء في ذلك:
ذهب أبو حنيفة إلى أنه عاد ولبى من الميقات سقط عنه الدم، وإن لم يلب من الميقات لم يسقط الدم.
وذهب مالك وأحمد إلى أنه لا يسقط عنه الدم بالعود، لأن جنايته لم ترتفع بالعود فوجب الدم. وأجيب بأنه تدارك المتروك في أوانه، وذلك قبل الشروع في الأفعال فيسقط الدم.
وذهب الشافعية إلى أنه يسقط عنه الدم سواء عاد ملبياً أم غير ملب، لأن التدارك قد حصل بعوده محرماً، لأنه أظهر حق الميقات، كما إذا مرَّ به محرماً ساكتاً.
الصورة الثالثة: أن يعود إليه بعد التلبُّس بنسك من أعمال الحج، كطواف، القدوم، أو وقوف عرفة، أو من أعمال العمرة كطواف العمرة، ومثله في الحكم من لم يرجع إلى الميقات، بل أحرم بعده واستمر في أداء النسك، فهذان يجب عليهما الدم.
ولا فرق في لزوم الدم بين مجاوزة الميقات عامداً عالماً، أو جاهلاً، أو ناسياً، ولا فرق أيضاً بين ترك العود لعذر أو لغير عذر، لكن من ترك العود لعذر لا يأثم بترك الرجوع، ومن العذر خوف فوات الوقوف بعرفة لضيق الوقت، أو المرض الشاق، وهذا كله موضع اتفاقاً بين الأئمة.
تنبيه: في جنايات القارن:
قال الحنفية: كل شيء فعله القارن - بين الحج والعمرة - مما ذكرنا أن فيه على المفرد بسبب جنايته على إحرامه دماً، فعلى القارن فيه دمان، لجنايته على الحج والعمرة، فيجب عليه دم لحجته، ودم لعمرته، وكذا الصدقة.
وهذا إنما يُعْنى به الجنايات التي لا اختصاص لها بأحد النسكين، كلبس المخيط، والتطيب، والحلق، والتعرض للصيد. أما ما يختص بأحدهما - فلا يجب إلا جزاء واحد - كترك الرمي وطواف الصدر.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:30 AM
الباب السابع
في
الإحصار والفوات
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:31 AM
67-أ- أما الإحصار:
الإحصار في اللغة من الحصر وهو المنع. ومنه قوله تعالى: {لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] يقال "حصره العدو" و "أحصره المرض".
والإحصار في الشرع: المنع بمرض أو عدو من الوقوف والطواف.
قال الحنفية: مَن قدر على أحدهما فليس بمُحْصَر.
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: الإحصار هو المنع بعدو عن الوقوف بعرفة أو الطواف أو السعي.
ب- وأما الفوات فهو في اصطلاح الفقهاء : أن يذهب وقت الوقوف بعرفة، دون أن يدرك الحاج الوقَوف بها، سواء كان ذلك بعذر أم بغير عذر.
ج- ومن هذا التمهيد يظهر لك أن الإحصار يقع في الحج، ويقع في العمرة أيضاً، وأن الفوات يختص بالحج.
أما العمرة: فإنها لا تفوت، لأنها غير مؤقتة بوقت، وعلى ذلك الإجماع.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:32 AM
المبحث الأول
في
68- الإحصار
الأصل في حكم الإحصار: قوله تعال :
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196].
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم معتمرين، فحالَ كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بُدْنَهُ وحلق رأسه".
وقد قرر أهل اللغة أن "الحصر" للمنع بالعدو "والاحصار" للمنع بالمرض.
ومن ذلك ترى أن الآية وردت بمناسبة الحصر بالعدو، وأطلقت كلمة "أحصرتم" وأن الإحصار في اللغة للمنع بالمرض.
فمن ثم اختلف الفقهاء في المانع الذي يصير المحرم به مُحْصراً:
فذهب الحنفية إلى أن الإحصار يتحقق بالمرض وبالعدو وبكل مانع من الوقوف والطواف، كفقد النفقة، وعدم المحرم بالنسبة للمرأة. واستدلوا بالآية {فإن أُحْصِرْتُم فما اسْتَيْسَر من الهَدْي} ، فإن "الإحصار" هو ما يكون بالمرض، أما ما يكون بالعدو فهو "الحصر" لا الإحصار.
وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى أن الإحصار لا يكون إلا بالعدو أو الفتنة أو الحبس ظلماً لأن الآية نزلت في الحصر بالعدو فيكون هو المقصود، ولا يلحق به المرض، وقد قال تعالى في الآية: {فإذا أمِنْتُمُ} والأمن يكون من العدو، فلا يتحلل إلا في الإحصار بالعدو ونحوه. أو إذا كان اشترط في الإحرام التحلل بشيء آخر .
تحلل المُحْصَر:
ذهب الحنفية إلى أنه إذا تحقق الإحصار جاز للمحصر أن يتحلل من إحرامه، وذلك بأن ينوي التحلل ويبعث شاة تذبح عنه في الحرم، أو يبعث بثمنها لتُشْتَرى به، ثم تُذْبَح هناك، ويَضرب للذبح موعداً يتحلل بعده، لقوله تعالى: {ولا تحلِقوا رؤوسَكُمْ حتى يبلغَ الهَدْيُ محِلَّهُ}. ومحله الحرم.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يذبحها في موضع إحصاره، ولا حاجة إلى أن يبعثها إلى الحرم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر في الحديبية حيث أحصر، وهي من الحل.
ذهب الحنفية إلى أنَّ المحصر يتحلل بمجرد ذبح الهدي ولا يشترط الحلق لتحلل.
وذهب الشافعية في الأصح وهو المذهب عند الحنبلية أنه لا يتحلل إلا بالذبح والحلق. ويدل لهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه حلق يوم الحديبية وأمر أصحابه بذلك.
وقال المالكية: يتحلل بنية التحلل فقط، ولا يجب عليه ذبح الهَدْي ولا الحلق بل هما سنة، وفسّروا الآية على أنها في الهدي الذي كان مع الصحابة عام الحديبية.
قضاء نسك المحصر:
اتفق الفقهاء على أن المحصر إذا تحلل من إحرام حجٍّ واجب، أو عمرة واجبة، فعليه القضاء.
واختلفوا في قضاء الحج النفل، والعمرة النافلة إذا تحلل المحصر من إحرامهما:
فعند الحنفية يجب قضاؤهما.
وعند الشافعية لا يجب.
ثم اختلفوا أيضاً في الواجب قضاؤه:
فقال الحنفية: المحصر بالحج إن تحلل يجب عليه حجة وعمرة، والقارن عليه حجة وعمرتان، أما المعتمر فيقضي العمرة فقط.
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: يلزمه قضاء ما فاته بالإحصار فحسب، إن حَجّة فحجةٌ فقط، وإن عمرة فعمرة وهكذا.
وعليه نية القضاء باتفاق العلماء.
أما المتمتع فإن أحصر عن العمرة فعليه قضاؤها فقط، وإن أدى العمرة ثم أحصر عن الحج فحكمه حكم المفرد اتفاقاً أيضاً.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:34 AM
69- المبحث الثاني في الفوات
اتفق الأئمة على أن من فاته الوقوف بعرفة بأن طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج.
ثم إن أراد التحلل من الإحرام بأداء أعمال العمرة، فيطوف ويسعى ثم يحلق أو يقصر. لأن الإحرام بعدما انعقد صحيحاً لا طريق للخروج عنه إلا بأداء أحد النسكين كما في الإحرام المبهم، وههنا عجز عن الحج فتتعين عليه العمرة.
واتفقوا على أنه يجب عليه الحج من عام قابل، إذا كانت الفائتة فريضة.
وكذا الحجة النافلة إذا فاتت يجب قضاؤها عند الأئمة الأربعة. إلا رواية عن الإمام أحمد أنه لا يجب قضاء الحجة النافلة إذا فاتت.
استدل الأئمة على وجوب القضاء بقوله تعالى : {وَأَتِمُّوا الحجَّ والعمرةَ لله} وهو عام في الحج سواء كان فرضاً أو نفلاً.
وروي عن ابن عمرَ وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" مَنْ فاتَه عَرَفَةُ بليلٍ فقد فاتَه الحجُّ، فَلْيَتَحلَّلْ بعمرةٍ، وعليه الحجُّ مِن قابل ". أخرجه الدارقطني.
واستدل للقول بعدم وجوب القضاء بأن الأحاديث الصحيحة دالة على أن الحج فرض مرة واحدة، فلو وجب قضاء النافلة كان الحج واجباً أكثر من مرة، وهو خلاف الشرع.
واختلفوا أيضاً في وجوب الهدي عليه:
أ-أما المفرد:
فذهب الحنفية إلى أنه لا يجب عليه الهدي، وهو رواية عن أحمد.
وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى أنه يجب عليه الهدي يذبحه في حجة القضاء.
ب-وأما قضاء القارن:
ففيه تفصيل عند الحنفية، لأنه في مذهبهم يطوف طوافين، ويسعى سعيين، لذلك قرروا أنه: إن كان قد طاف لعمرته قبل الفوات فهو كالمفرد، وإن لم يطف لها فإنه يطوف أولاً لعمرته ويسعى لها، ثم يطوف طوافاً آخر لفوات الحج ويسعى له ويحلق، وقد سقط عنه دم القران. وعليه قضاء حجة لا غير، لفراغ ذمته من إحرام عمرته.
وقال الشافعية من أحرم بالحج والعمرة قارناً ففاته الوقوف فإن العمرة تفوت بفوات الحج لأنها مندرجة فيه وتابعة له، ولأنه إحرام واحد فلا يتبعض حكمه، وعليه القضاء قارناً ويلزمه ثلاثة دماء : دم للفوات، ودم للقران الفائت، ودم ثالث للقران الذي أتى به في القضاء... وتلزمه هذه الدماء سواء قضى مفرداً أو متمتعاً أو قارناً.
وقال المالكية والحنبلية: عليه دمان: هدي للقران وهدي فواته.
ج-وأما قضاء المتمتع الذي اعتمر ثم أحرم بالحج وفاته الحج فيبطل تمتعه بفوات الحج.
ذهب الحنفية إلى أن عليه قضاء الحج فقط ولا دم عليه عند الحنفية فإنه يسقط عنه دم التمتع بالفوات، لأن شرط التمتع وجود حجته في سنة عمرته في أشهر الحج، وقد فات الحج، ولا دم على الفوات.
وقال المالكية: يلزمه دم الفوات وهو يسقط دم التمتع.
وقال الشافعية والحنبلية: يلزمه دمان: دم الفوات ودم التمتع.
الخطأ العام في وقوف عرفة:
إن وقع خطأ عام في الوقوف بعرفة للخطأ في إثبات الهلال فوقفوا يوم العاشر فقد تَمَّ حج الناس، اتفاقاً بين الفقهاء.
لو وقفوا يوم الثامن من ذي الحجة ظناً أنه التاسع لا يصح وقوفهم، ويكون الحج قد فاتهم، ويجب على كل واحد ما يجب على فائت الحج حسبما عرفته وهذا مذهب الجمهور عدا الحنبلية. وقال الحنبلية : يجزئهم الوقوف.
وهذا كله إذا علموا بالخطأ بعد فوات وقت الوقوف بعرفة، أما إذا علموا بالخطأ قبل فوات وقت الوقوف فيجب عليهم الوقوف اتفاقاً، لتمكنهم منه.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:06 AM
الباب الثامن
في
الهَدْي والأضحية
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:10 AM
70- تعريف الهَدْي:
الهَدْي: بإسكان الدال وتخفيف الياء، أو بكسر الدال مع تشديد الياء لغتان مشهورتان، والواحد: هَدْيَةٌ وهَدِيَّةٌ. تقول فيه:" أهديت ".
قال العلماء: والهدي: ما يُهدي إلى الحرم من حيوان وغيره.
لكن المراد بالهَدْي هنا ما يُهْدَي إلى الحرم من الإبل والبقر والغنم والماعز، خاصة بالشروط التي سنذكرها لصحة كونه هدياً.
وأحكام الهدي تلتقي مع الأضحية في الكثير من الأمور.
71- حكم الهدي:
للهدي أربعة أقسام :
أ- القسم الأول : هدي التطوع الذي يتقرب به الحاج أو المعتمر إلى الله دون سبب يلزمه به ويستحب ذلك لكل حاج ومعتمر، اقتداء به صلى الله عليه وسلم. فقد أهدى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مائة بدنة كما هو متفق عليه.
وهذا الهدي يجوز له أن يأكل منه، بل يستحب له ذلك، كالأضحية، لقوله تعالى:
{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36].
ولحديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم" أمر ببضعة من كل بدنة، فوضعت في قِدْرٍ، ثم أكلا من لحمها وشربا من مَرَقها ".
ويستحب أن يطعم منها الفقراء أيضاً، ويستحب أن لا ينقص الصدقة عن الثلث أسوة بالأضحية.
ذهب الحنفية إلى أن أصل التصدق لا يجب حتى لو حبس الكل لنفسه جاز، لأن القربة في الإراقة، والتصدق باللحم تطوع.
ومثله عند الحنفية هدي التمتع والقران.
وذهب الشافعية إلى أنه يجب التصدق بقدر ما يقع عليه اسم الصدقة على الأصح عندهم.
وذهب الحنبلية نحومذهب الشافعية وقدروة وقدروه بأوقية.
ب- القسم الثاني: هدي واجب للشكر، وهو الهدي الواجب على المتمتع والقارن:
ذهب الحنفية إلى أنه دم واجب شكراً لله تعالى على أن وفقه لأداء النسكين في سفر واحد.
وذهب الحنفية والمالكية والحنبلية إلى جواز الأكل منه.
وذهب الشافعية إلى أنه دم جبران على الصحيح في مذهبهم، فلا يجوز له الأكل منه، بل يجب التصدق بجميعه.
ج- القسم الثالث: هدي واجب للجبران، أي لجبر الخلل الواقع في الحج أو العمرة، من جزاء جناية من الجنايات أو دم إحصار ...
ذهب الحنفية والشافعية والحنبلية إلى أنَّ هذا الهدي لا يجوز الأكل منه، ولا أن يطعم منه غنياً، بل يجب التصدق بجميعه، لأنها دماء كفارات.
وذهب مالك إلى أنه يجوز الأكل من كل الهدي الواجب، إلا جزاء الصيد، ونذر المساكين، ونسك الأذى.
د- القسم الرابع: هي النذر، وهو ما ينذره الحاج للبيت الحرام، ومثله الأضحية المنذورة، وكلاهما واجب لقوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29].
هذا الهدي والأضحية لا يجوز له الأكل منهما باتفاق الأئمة الأربعة، ولو كان الناذر فقيراً، بل المنذورة سبيلها التصدق، فلو أكل فعليه قيمة ما أكل.
أصناف الهدي وما تُجْزيءُ عنه:
لا يصح الهدي ولا الأضحية إلا من أحد الأصناف الأربعة : الشاة والماعز والبقر والإبل وهذا مجمع عليه، وتختلف هذه الأصناف فيما يجزيء أي يكفي ويصح أن تذبح عنه من الأشخاص.
فالشاة والماعز: عن واحد فقط باتفاق العلماء.
أما البَدَنَة: وهي من الإبل والبقر:
قال الحنفية والشافعية والحنبلية: تكفي عن سبعة سواء كانوا كلهم أهل بيتٍ واحد، أم متفرقين، لما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترط في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة".
وقال المالكية: تجوز عن أهل بيت واحد وإن كانوا أكثر من سبعة، ولا تجوز عن أهل بيتين وإن كانوا أقل من سبعة، لحديث: "يا أيها الناس: إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة"(1) أخرجه أصحاب السنن.
_________________
(1) الذبيحة في رجب وهي منسوخة.
هذا، ولابد للمشتركين في الهدي أو الأضحية من الاقتسام بالتساوي وزناً.
وذهب الحنفية لصحة الاشتراك أن يكون الجميع يريدون القربة لله تعالى، فلو وجد شخص يريد اللحم لتجارة مثلاً، أو لأمر آخر لا على سبيل القربة لم يجز الذبح عن أحد منهم.
وذهب الشافعية والحنبلية إلى إجازة أن يشترك معهم من يريد اللحم لا القربة، وفي ذلك توسعة على الناس، لاسيما في الأضاحي.
72- أقسام الهدي من حيث الأداء:
الهدي الواجب إما أن يجب نحره بعينه أو يجوز الاعتياض عنه، وقد عُنِيَ الشافعية ببيان
أقسامه، فقسموه أربعة أقسام:
أ- القسم الأول: الدم الواجب بترك نسك، وأفراده تسعة هي: التمتع، الفوات، القِران، ترك الرمي، ترك المبيت بمنى، ترك الإحرام من الميقات، ترك المبيت بالمزدلفة، ترك طواف الوداع، وترك المشي في الطواف أو السعي إن نذره الحاج.
هذا القسم يجب على الترتيب والتقدير عند الشافعية، ومعنى الترتيب أنه يجب أولاً شاة، فإن لم يستطع فعليه مكانها صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومعنى التقدير أن الشارع قدره بما لا يزيد ولا ينقص.
ووافق الحنفية على ذلك في دم التمتع والقران، ولم يوجبوا الهدي على الفائت، أما سائر الدماء فواجبة على التقدير فقط عند الحنفية، أي لا يجزئ مكانها الصيام، ولا القيمة.
ب- القسم الثاني : الدم الواجب في الترفه، وأفراده ثمانية هي : دم الحلق، ودم قلم الأظفار، ودم اللبس، ودم الدهن، ودم التطيب، ودم الجماع الثاني، ودم الجماع بين التحللين، ودم المباشرة.
هذا القسم: يجب على التخيير والتقدير عند الشافعية، ومعنى التخيير أنه يخير بين ثلاث خصال: شاة، أو صوم ثلاثة أيام، أو التصدق بثلاثة آصع. على ستة مساكين، سواء في ذلك المعذور وغيره، وكذا عند المالكية والحنابلة، على تفاصيل سبقت في جنايات الإحرام.
ج- القسم الثالث: دم الإحصار، ودم الوطء المفسد للحج.
وهذا القسم يجب عند الشافعية على الترتيب والتعديل، ومعنى الترتيب بالنسبة للوطء أنه يجب به أولاً بدنة من الإبل فإن لم يجدها فبقرة، فإن لم يجدها فسبع من الغنم أو الماعز وذلك بالنسبة للوطء، أما الإحصار ففيه شاة فقط.
وإن لم يجد سبعاً من الغنم يقوِّوم البدنة أو الشاة بسعرها في مكة، ويشتري بقيمتها طعاماً يتصدق به على مساكين الحرم وفقرائه.
ومعنى التعديل: أنه إن عجز عن الطعام عدله صوماً، فصام عن كل مُدٍّ يوماً.
وعند الحنفية دم الإحصار والوطء دم تقدير فقط لا تخيير فيه لا يجزئ عنه صوم ولا صدقة، ولو عجز عن الهدي. وروي في المذهب الحنفي في المحصر إن لم يجد الهدي يُقَوِّم الهديَ طعاماً فيتصدق به على كل مسكين نصف صاع، وإن لم يكن عنده طعام ولا ثمنه صام لكل نصف صاع يوماً فيتحلل به.
وكل دم ذكر في الجنايات لا تخيير فيه فهو من هذا القبيل عند الحنفية.
وعند المالكية في هَدْي الجماع التخيير بين بدنة أو بقرة أو شاة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ولا يجب عندهم دم في الإحصار.
وعند الحنابلة في الإحصار أن بدل دمه الصوم بنية التحلل عشرة أيام ولا إطعام فيه: يصوم ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وفي الوطء بدل دمه كالتمتع.
د- القسم الرابع: الدم الواجب بقتل الصيد. وهو واجب على التخيير والتعديل، وقد سبق بيان ذلك مستوفى في الجنايات.
73- شروط الهدي والأضحية:
ليس كل شيء من النَّعَم يصلح أن يكون هدياً، بل لابد أن يكون مستوفياً للشروط التي ورد بها الشرع، وهي شروط الضحية نفسها أيضاً. فمن أراد أن يتطوع بهدي أو وجب عليه الهدي بأن وجب عليه شاة أو وجب عليه بدنة يجب عليه أن يراعي في الهدي الشروط الآتية:
أولاً - أن يكون الهَدْيُ من "الثَّنِيِّ" فصاعداً، إلا الضأن فإن الجَذْعَ منه يجزيء:
وذلك موضع اتفاق الفقهاء سلفاً فخلفاً، لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تذبحوا إلا مُسِنَّةً إلا أن يَعْسُر عليكم، فتذبحوا جَذْعَة من الضأن" أخرجه مسلم.
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنَّ الثَّنِيُّ من الإبِلِ ما اسْتكمل خمس سنين ودخل في السادسة، والثَّنِيُّ من البقر والجاموس ما استكمل سنتين ودخل في الثالثة.
وذهب المالكية إلى أنَّ الثِنّي من البقر بما بلغ ثلاث سنين ودخل في الرابعة، ومن الإبل بما دخل في السادسة.
لكن الحنفية لم يطلقوا جواز الهدي والتضحية بِجَذْع الضَّأْنِ، بل قالوا: يجزيء إذا كانت عظيمةً بحيث لو خُلِطَ بالثنيان يشتبه على الناظر من بعيد".
واختلف في ثَنِي المعز وجَذْع الضأن: فالجذع من الضأن عند الحنفية والحنابلة وهو وجه عند الشافعية ما تمت له ستة أشهر.
وعند الشافعية على أصح الأوجه ما استكمل سنة أو ما أجذعت، أي أسقطت مقدَّم أسنانها بعد ستة أشهر.
وثني المعز عند الحنفية ما بلغ سنة ودخل في الثانية.
وعند الشافعية ما استكمل سنتين على أصح القولين.
وذهب المالكية إلى أن الجذع من الضأن ما بلغ سنة ودخل في الثانية ولو مجرد دخول وفسَّروا الثَّنِيّ من المَعْزِ بما بلغ سنة ودخل في الثانية دخولاً بَيِّنا، كمضيِّ شهر بعد السنة.
ثانياً- أن يكون الهدي تام الخِلْقَةِ سليما من عيب ينقص اللحم.
والأصل في ذلك حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء بَيِّنٌ عَورُها، والمريضة بَيِّنٌ مرضها، والعرجاء بَيِّنٌ ظَلعُها، والكسير التي لا تُنْقِي" رواه أبو داود والترمذي.
والمراد بالمريضة التي يكون مرضها بيناً أي أن يظهر بسببه الهُزال وفساد اللحم والبَيِّن ظَلَعُها أي الظاهر عَرجُها، والتي لا تُنْقِي أي التي لا نِقْيَ لها، وهو مخ العظم.
فهذه الأربعة لا تصح أن تكون هدياً، ولا تبرأ الذمة بالاهداء منها، كذلك لا يجزيء أيضاً مقطوعة كل الأذن أو الذنب، أما إذا قطع جزء قليل أي أقل من الثلث من الأذن أو الذنب فأقل فإنه لا يضر ذلك عند أبي حنيفة.
وأجاز الحنفية التضحية بالجرباء - مع الكراهية - إذا كان الجرب في الجلد فقط، أما إذا هزلت بأن وصل الجرب إلى اللحم فلا يجوز.
وقال الشافعية: الجرب يمنع الإحْزاءَ كثيره وقليله. ولا تصح التضحية والهدي بناقصه جزء مأكول ولو بعض الذنب، أو بعض الأذن ولو قليلاً، ولا يضر شق الأذن أو خرقها، ولا تصح التضحية والهدي بالحامل على المعتمد في مذهب الشافعي.
74- سنن الهدي:
أ- صفته المستحبة:
والأصل في ذلك أن يجود المؤمن بماله لله تعالى طيبة به نفسه، قال تعالى في الحض على العناية بالهدي: {ذَلِكَ ومَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإنها مِنْ تَقْوى القُلوبِ} [الحج: 32].
لذا قال العلماء: البدنة أفضل من البقرة لأنها أعظم، والبقرة أفضل من الشاة لأنها بسبع من الغنم، والشاة أفضل من مشاركة سبع في بدنة أو بقرة لأنه ينفرد بإراقة الدم، والضأن أفضل من الماعز لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بالضأن، والسمينة أفضل من غير السمينة حتى أن من الحنفية من قال: الشاة السمينة التي تساوي البقرة قيمة ولحماً أفضل من البقرة. وحتى أن الشافعية قالوا : التضحية بشاة سمينة أفضل من شاتين دونها.
ولا خلاف في جواز التضحية بالذَّكَر والأنثى، لكن الذكر أفضل، وخير الألوان في الهدي والأضحية البياض ثم الصفرة، لما أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله قال : "ضحّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بكبشَيْنِ أمْلَحَيْن أقْرَنَيْن، ذَبَحَهُمَا بيده، وسمّى وكبَّر، ووضعَ رِجْلَه على صِفاحِهما".
ب- سُنَّةُ سوق الهدي:
1) يستحب للحاج أن يسوق هديه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل، ثم من مكة ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلاً بل اشتراه من منى جاز باتفاق جماهير أهل العلم.
2) واتفقوا على استحباب وضع القلادة للإبل والبقر لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم "صلّى الظهرَ بذي الحُلَيفَةَ ثم دعا بناقته فأَشْعَرها في صَفْحَةِ سنامِها الأيْمَن، وسَلَتَ الدمَ، وقلَّدَها نَعْلَيْن" أخرجه مسلم.
واختلفوا في تقليد الغنم:
فذهب، الحنفية والمالكية إلى عدم سنيته، لأن تقليد الغنم غير متعارف وليس له بفائدة.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى سنية ذلك عملاً بحديث عائشة قالت: "أهْدَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مرةً إلى البيتِ غنماً فقلَّدها" متفق عليه.
3) واتفقوا على عدم سنية إشعار الغنم.
لكن وقع الخلاف في إشعار الإبل والبقر أي شق الجلد من جانب السنام الأيمن:
فذهب الحنفية إلى عدم سنية ذلك، لأن في الإشعار مُثْلة وإيلاماً للحيوان، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى سنية الإشعار للإبل والبقر عملاً بحديث ابن عباس.
وقصد الشارع من التقليد والإشعار إشهار هذه الذبائح لأنها نسك وعبادة، فيليق بها الاظهار.
لذلك اتفق الفقهاء الحنفيون والشافعيون على أنه لا يسن تقليد الجنايات والإحصار، لأن سببها الجناية فيليق بها الستر.
4) يُستحب لمن لم يذهب إلى الحج أن يرسل هَدْياً وأن يُشْعِرَه ويُقَلِّدَه. ولا يحرم عليه بإرساله شيء مما يحرم على المحرم باتفاق العلماء.
75- توقيت ذبح الهدي:
نعني بالتوقيت تحديد زمان ومكان ذبح الهدي.
أ- أما الزمان:
فقال الحنفية والمالكية والحنابلة: إنه من بعد صلاة عيد النحر إلى آخر أيام النحر (10، 11، 12 من ذي الحجة).
وقال الشافعية: إنه ممتد إلى آخر أيام التشريق (13من ذي الحجة)، وهذا الخلاف بينهم في زمن الأضحية أيضاً.
وقد اتفق الحنفية والشافعية على أن دم الجنايات لا يتقيد بالوقت، لأنها دماء كفارات، فلا تختص بزمان النحر، بل يجوز تأخيرها إلى أي وقت آخر، إلا أنها لما وجبت لجبر النقصان كان التعجيل بها أولى، ليحصل ارتفاع النقصان من غير تأخير.
واختلفوا في هدي التطوع:
ذهب الحنفية وهو وجه عند الشافعية إلى أنه يجوز ذبح دم التطوع قبل يوم النحر وذبحه أيام النحر أفضل، لأن القربة في التطوعات باعتبار أنها هدايا وذلك يتحقق بتبليغها إلى الحرم.
وذهب الشافعية في الأظهر والحنابلة إلى أنها تختص بالزمان كالأضحية.
واختلفوا أيضاً في دم المتعة والقِران:
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يختص بالزمان المذكور وهو أيام النحر الثلاثة، واستدلوا في ذلك بقول الله تعالى: {فَكُلُوا منها وأَطْعِمُوا البائِسَ الفَقِير ثمْ ليَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفوا نُذُورَهُم ولْيَطَّوَّفوا بالبيتِ العَتيق}.
وذهب الشافعية إلى أنها لا تختص بزمان بل يجوز أن يذبحها بعد الإحرام بالقران، وبعد الإحرام بالحج في التمتع، ويجوز قبل الإحرام بالحج بعد التحلل من العمرة في الأظهر.
وذهب المالكية إلى أن وقت ذبح الهدايا كلها هو أيام النحر، قالوا: ولا تذبح ليلاً.
ب- وأما المكان: فقد اتفقوا على أن دماء الهدي - عدا الإحصار - يختص جواز إراقتها بالحرم لا يجوز ذبح شيء منها خارجه، لقوله تعالى في جزاء الصيد: {هَدْياً بَالغَ الكعبةِ} ، وقوله تعالى: {ثُمَ مَحِلُّها إلى البيتِ العَتِيق}.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "نَحَرْتُ ههنا ومِنىً كلُّها مَنْحَرٌ فانْحروا في رِحالِكُمْ".
وقوله: صلى الله عليه وسلم "كلُّ فِجاجِ مكةَ طريقٌ ومَنْحَر" أخرجه الحاكم.
76- السنة في ذبح الهدي والأضحية:
أ- يستحب أن يذبح الهدي والأضحية بنفسه اقتداء به صلى الله عليه وسلم حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: "ضحى بكبشين ووضع رجله على صفاحهما وسمى وكبر" وفي رواية لمسلم قال: ويقول: "بسم الله والله أكبر" ويجوز أن يستنيب غيره لما سبق، في آخر حديث جابر عند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم "نحر ثلاثاً وستين بَدَنةً بيده ثم أعطى علياً فنحر ما غَبر منها".
فإذا استناب غيره يستحب له أن يشهد الذبح، لما روى عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا فاطمةُ قُومِي فاشْهَدِي أُضْحِيَتَك فإنّه يُغْفَرُ لك بأولِ قطرةٍ نقطرُ مِن دَمِها كلُّ ذنبٍ عَمِلْتِه" رواه البيهقي والطبراني.
ومن حكمة ذلك المبالغة في السخاء، وتهذيب النفس عن الجبن والخوف.
ب- والأفضل في الإبل النحر وهو طعن العروق في أسفل العنق حتى تُفْرَى،وأن ينحرها قياماً. والأفضل في الغنم الذبح وهو قطع العروق في أعلى العنق، وأن تكون مضطجعة ليوافق السنة المتواترة.
ويستحب أن يوجه الذبيحة إلى القبلة، لأنه قربة لابد فيها منجهة فكانت القبلة أولى.
ج- وذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنَّ التسمية عند الذبح والنحر، فلو تركها عامداً لم تحل ذبيحته، وإن تركها ناسياً حلت استدلالاً بقوله تعالى: {ولا تَأْكُلُوا مِمّا لم يُذكَرِ اسمُ اللهِ عَلَيْهِ وإنّه لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121].
وذهب الشافعية إلى أن التسمية سنة، فلو تركها عامداً أو ناسياً حلت ذبيحته عندهم، استدلالاً بقوله تعالى: {إلا ما ذَكّيْتُم} وقوله: {وطَعَامُ الذينَ أُوتوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُم}. ولم يذكر التسمية فلا تكون واجباً. بل سنة.
وصيغة التسمية المستحبة أن يقول : "باسم الله والله أكبر".
د- ويستحب أن يسأل الله القبول فيقول: "اللهم تقبل مني" أو من فلان إن ذبح عن غيره، لما أخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبَح كبْشاً وقال: "بسم الله، اللهم تَقَبَّلْ من محمدٍ ومن آل محمدِ ومن أُمّة محمد، ثم ضَحى".
وأخرج أبو داود وابن ماجه عن جابر في حديث ذبح الكبشين السابق زيادة: "فلما وجههما قال: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرْتُ وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر" ثم ذبح.
هـ- ويتصدق بِجلالها وخِطامها، ولا يجوز أن يعطي أجرة الجزار منها، ولا يجوز بيع شيء من الهدي والأضحية سواء كان واجباً أو تطوعاً.
وعن علي رضي الله عنه قال: "أمرني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ أقوم على بُدْنِهِ وأنْ أتصدقَ بِلَحْمِها وجُلودِها وأَجِلَّتها وأنْ لا أعطيَ الجزّار منها، قال: نحنُ نُعْطِيه مِنْ عندنا" متفق عليه. لأنه جعلها خالصة لوجه الله تعالى فلا يجوز أن يرجع إليه شيء من منافعها وعينها إلا ما رخص فيه، وهو الأكل والانتفاع من الجلد بالاستعمال ونحوه.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:11 AM
القسم الثاني
كيفية أداء الحج والعُمْرَة والزيارة وأدعيتها المأثورة
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:13 AM
الفصل الأول
في
77- أنواع الحج وَالعُمْرة
يؤدى هذان النسكان على أربعة أوجه ثبتت في السنة الصحيحة والإجماع :
الوجه الأول: الإفراد للحج، وهو أن يهل الحاج أي ينوي الحج فقط عند إحرامه.
الوجه الثاني: القِرانُ، وهو أن يُهِلّ في إحرامه بالحج والعمرة جميعاً.
الوجه الثالث: التَّمَتُّع، وهو أن يهل بالعمرة فقط في أشهر الحج، حتى إذا جاء مكة أدى مناسك العمرة، وتحلل بعد ذلك، ومكث بمكة حلالاً، ثم يحرم بالحج.
الوجه الرابع: إفرادُ العمرة، وهو أن يهل بالعمرة فقط.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:15 AM
78- التَّمَتُّع:
أ- اتفق الفقهاء على أن التمتع اتيان بعملين كاملين : العمرة أولاً يحرم بها من الميقات، ويتحلل بعدها، ثم يأتي بالحج كاملاً يحرم به من مكة، ويجب عليه الدم.
ب- وإنما يكون متمتعاً عند الحنفية بالشروط الآتية وهي عند غيرهم شروط وجوب دم التمتع:
1) أن يكون آفاقياً، فليس لأهل مكة ولا لأهل منطقة المواقيت تمتع عند الحنفية.
أما الشافعية فعندهم ليس التمتع لأهل مكة ومن مساكنهم دون مرحلتين - مسافة القصر - من مكة في أحد القولين. والصحيح أنهم من مساكنهم دون الحرم بمرحلتين.
وأصل هذا الشرط قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196].
وجه الاستدلال: أن الله جعل التمتع خاصاً بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، فألحق الحنفية به منطقة المواقيت لمساواتها منطقة الحرم في الشرف من حيث حظْرُ مجاوزتها بدون إحرام، وقال المالكية: هم أهل مكة وكل مكان له حكم مكة.
وقال الشافعية والحنبلية: المراد بالمسجد الحرام: الحَرَمُ والقريب من الشيء يقال إنه حاضره، وذلك ما دون مسافة القصر.
2) أن تقع عمرته في أشهر الحج قبل أداءه للحج من عامه الذي يحج فيه، فلو اعتمر قبل أشهره ثم حج من عامه ذاك لم يلزمه دم التمتع اتفاقاً.
3) أن لا يعود إلى أهله فيما بين العمرة والحج:
ذهب الحنفية إلى أنه سافر بعد العمرة من مكة إلى بلد غير بلده لا يسقط تمتعه، لأنه لم يُلِمَّ بأهله إلماماً صحيحاً.
وذهب المالكية إلى اشتراط ألا يعود إلى أفقه - أي بلده - أو مثل أَفُقه في البعد ولو كان من أهل الحجاز.
وذهب الشافعية إلى أنه يشترط ألا يعود لإحرام الحج إلى الميقات الذي أحرم منه بالعمرة، وعلى ذلك يسقط تمتع مَنْ ذكرنا، ولا يجب عليه الدم.
وذهب الحنبلية إلى أنه يشترط ألا يسافر من مكة مسافة تقصر فيها الصلاة.
79- القِرَانُ:
أ- هو أن يجمع الآفاقي بين الحج والعمرة:
ويلحق به عند الحنفية التمتع إذا ساق المتمتع الهدي، فلا يتحلل بعد العمرة كما هو الحال في المتمتع، بل يظل محرماً حتى ينحر الهدي يوم النحر عند الحنفية. لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر: "لو أني اسْتَقَبَلْتُ مِن أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لم أسُقِ الهَدْيَ وجعلْتُها عمرة" فهذا يفيد: "أن التحلل لا يتأتى إلا بما يتضمنه كلامه من إفراد العمرة، وعدم سوق الهدي، فلو كان التحلل يجوز مع سوق الهدي لاكتفى بقوله: لجعلتها عمرة".
وفرقوا بين القران والتمتع، فلم يشترطوا في القران عدم الإلمام بأهله.
وهو قول عند الشافعية.
ولكن الأظهر عند الشافعية سقوط دم القران عمن عاد إلى الميقات فقطع المسافة محرماً وكذا عند المالكية إذا عاد القارن إلى بلده أو مثله في البعد وعند الحنابلة إذا خرج من مكة مسافة القصر، يسقط الدم عند هؤلاء عن القارن، خلافاً للحنفية.
والراجح عند الحنفية أن المكي يكره له القران، وإذا فعله جاز وأساء وعليه دم جبر لإساءته، خلافاً للتمتع، فإنه لا يتحقق من المكي مطلقاً.
وسوَّى الجمهور بينهما فلم يوجبوا على المكي الدم للمتمتع ولا القران، لعدم صحتهما منه عندهم.
ب- وصفة القِران عند الحنفية أن يُهل بالعمرة والحج معاً من الميقات، وهو أن يقول: عقيب صلاة الإحرام: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني .. لبيك اللهم لبيك" الخ. فإذا دخل مكة ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاثة الأول منها، ويضطبع فيها كلها. ثم يسعى بعدها بين الصفا والمروة، وهذه أفعال العمرة، ثم يبدا بأفعال الحج فيطوف طواف القدوم سبعة أشواط ويسعى بعده كما في الإفراد.
ويقدم أفعال العمرة لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّع بالعمرةِ إلى الحَجِّ}، والقِرَانُ في معنى التمتع، ولا يحلق بين العمرة والحج ولا يتحلل، لأن ذلك جناية على إحرام الحج، وإنما يحلق في يوم النحر كما يحلق المفرد، ويتحلل بالحلق أو التقصير عند الحنفية كما يتحلل المفرد.
وخالف المالكية والشافعية والحنبلية في تكرار الطواف والسعي فقالوا: القارن يطوف طوافاً واحداً، ويسعى سعياً واحداً.
ج- هدي التمتع والقران:
وقد اتفق العلماء على أن المتمتع والقارن يلزمهما الهدي، لقوله تعالى:
{فَمَنَ تَمَتّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ}.
1) واختلف العلماء في وقت ذبح الهَدْيِ للتمتع والقران.
فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه يوم النحر بمنى.
قال الحنفية: بعد رمي الجمرة وقبل الحلق، لما سبق من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد نحر هديه على هذه الصفة. ويمتد إلى مغرب اليوم الثالث من أيام النحر.
وذهب الشافعية إلى أن وقت وجوبه الإحرام بالقران للقارن، والإحرام بالحج في التمتع، لأنه حينئذ يصير متمتعاً بالعمرة إلى الحج، والأظهر عندهم جواز ذبحه إذا تحلل من العمرة، ولا يتأقت ذبحه بوقت كسائر دماء الجبرانات، ولكن الأفضل ذبحه يوم النحر، للاتباع، وخروجاً من خلاف من أوجبه فيه.
3) إن لم يجد هَدْيا يجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، باتفاق العلماء، لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196].
واتفقوا على أنه لا يصح صيامُ الأيام الثلاثة قبل أشهر الحج للقارن والمتمتع، ولا قبل الإحرام بالحج والعمرة في حق القارن، ولا قبل إحرام العمرة في حق المتمتع.
ذهب الحنفية والحنابلة إلى إجازة تقديم صيام الأيام الثلاثة على إحرام الحج في حق المتمتع، لأنه وَقْتٌ كاملٌ جاز فيه نحر الهَدْي فجاز فيه الصيام، كَبَعْدَ إحرام الحج.
وذهب المالكية والشافعية إلى منع ذلك.
أما الأيام السبعة الباقيةُ على مَنْ عجز عن هدي القِرَان أو التمتع فلا يصح صيامها إلا بعد أيام التشريق. ثم يجوز صيامها بعد الفراغ من أفعال الحج ولو في مكة إذا مكث بها عند الحنفية والمالكية والحنبلية، لكن الأفضل المستحب أن يصومها إذا رجع إلى أهله وهو قول عند الشافعية. لكن الأظهر عند الشافعية أنه يصوم الأيام السبعة إذا رجع إلى أهله، ولا يجوز أن يصومها في الطريق، إلا إذا أراد الإقامة بمكة صامها بها.
4) ذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنَّ من لم يصم الأيام الثلاثة في الحج يقضيها.
ثم عند المالكية وهو قول عند الحنبلية : إن صام بعضها قبل يوم النحر كَمَّلها أيام التشريق. وإن أخَّرها عن أيام التشريق صامها متى شاء، وسواء وصلها بالسبعة أوْ لم يَصِلْها.
ولا يجوز صيام شيء منها يوم النحر بالاتفاق.
ولم يجز الشافعية والحنبلية في القول الآخر عندهم صيامها أيام النحر والتشريق، بل يؤخرها إلى ما بعد، ويجب عند الشافعية في الأظهر في قضاء الأيام الثلاثة: أن يفرق في قضائها بينها وبين السبعة بقدر أربعة أيام : يوم النحر وأيام التشريق، ومدة إمكان السير إلى أهله على العادة الغالبة كما في الأداء، فلو صام عَشَرَةَ أيام ولاء حصلت الثلاثة، ولا يُعْتَدُّ بالبقية، لعدم التفريق.
ويتفرع على هذا المسألة:
ذهب الحنفية إلى أن من تمتع أو قرن إذا عجز عن الهدي وتأخر عن الصيام إلى يوم النحر فتحلل فعليه دمان: دم التمتع أو القران ودم التحلل قبل ذبح الهدي.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يلزمه سوى قضاء صومها على الكيفية التي عرفتها.
80- مشروعية أنواع الحج وأيها أفضل:
اتفق الأئمة الأربعة على جواز أداء الحج بأي وجه من الأوجه التي ذكرناها.
ثم وقع خلاف في أي أنواع الحج أفضل:
فذهب المالكية والشافعية إلى أن الإفراد بالحج أفضل.
وذهب الحنابلة إلى أن التمتع أفضل.
فقد أمر أصحابه بالتمتع وتمناه لنفسه، ولا يأمر أصحابه ولا يتمنى إلا الأفضل.
وذهب الحنفية إلى أن الأفضل هو القران.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:17 AM
الفصل الثاني
كيفية أداء الحج والعمرة
عرفنا أن أداء الحج والعمرة له حالات ثلاثة : الإفراد، التمتع، القران.
81- أولاً- كيفية الإفراد: الإفراد أن يحرم بالحج وحده، دون عمرة.
وكيفيته: أن يغتسل أو يتوضأ قبل الإحرام، والغسل أفضل، ويلبس ثوبين جديدن أو غسيلين إزاراً ورداء، ويتطيب، ويصلي ركعتي الإحرام، في غير وقت الكراهة، ويقول : اللهم إني أريد الحج فيسِّره لي وتقبله مني، ثم يلبي عقب صلاته، ناوياً بتلبيته الحج، ويكثر من التلبية عقيب الصلوات، وفي الصعود والنزول والركوب ولقاء الرفقة، وبالأسحار.
فإذا لبى ناوياً فقد أحرم، فيمتنع عما نهى الله عنه من الرَّفث والفسوق والجدال، ولا يقتل صيداً ولا يشير إليه، ولا يدل عليه، ولا يلبس مخيطاً ولا خفاً، ولا يغطي رأسه ولا وجهه، ولا يمس طيباً، ولا ينتف أو يقص شعراً ولا ظفراً.
ولا بأس أن يغتسل بغير صابون، لأنه نوع طيب، وله أن يستظل بالبيت والمظلمة، وأن يشد في وسطه الهِمْيان (وهو ما يجعل فيه الدراهم ويشد على الوسط) ومثله المنطقة.
فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام بعد تأمين أمتعته، داخلاً - كما ذكر الحنفية - من باب السلام خاشعاً متواضعاً، ملاحظاً عظمة البيت وشرفه، فإذا عاين البيت كبر الله تعالى وهلل ثلاثاً ودعا بما أحب، فإنه من أرجى مواضع الإجابة.
ثم يطوف غير المكي طواف القدوم، لأنه تحية البيت، مبتدئاً بالحجر الأسود، مستقبلاً له، مكبراً مهللاً، رافعاً يديه كرفعهما للصلاة، مستلماً له بباطن كفيه، ثم مقبلاً له إن استطاع من غير أن يؤذي مسلماً، ثم يدور حول الكعبة عن يساره، ويطوف بالبيت سبعة أشواط، من وراء الحطيم (الحِجْر)، ويستلم الحجر والركن اليماني في كل شوط يمر بهما، ويختم الطواف بالاستلام كما ابتدأ به، ثم يصلي عند مقام إبراهيم أو حيث تيسر من المسجد، في وقت مباح غير مكروه.
وليس على أهل مكة طواف القدوم، وإذا لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف بها، سقط عنه طواف القدوم، ولا شيء عليه لتركه.
ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعاً، يصعد على كل منهما، ويستقبل البيت، مكبراً مهللاً، مصلياً على النبي صلى الله عليه وسلم، داعياً الله تعالى بحاجته، ويرمل بين الميلين الأخضرين، مبتدئاً بالصفا، مختتماً بالمروة.
ثم يقيم بمكة محرماً، يطوف بالبيت كلما بدا له.
ثم يخرج في سابع ذي الحجة إلى منى، فيبيت فيها، ويصلي فيها خمس صلوات (الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر).
وفي اليوم الثامن يتوجه إلى عرفات، فيصلي مع الإمام أو منفرداً في مسجد نمرة صلاة الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين جمع تقديم، مستمعاً للخطبة بأذان واحد وإقامتين. ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف.
ثم يتوجه إلى الموقف، فيقف بقرب الجبل، وعرفات كلها موقف إلا بطن عُرَنة، وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته، ويدعو، ويعلم الناس المناسك، ويستحب أن يجتهد في الدعاء. ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فقد أدرك الحج. ومن مرَّ بعرفة وهو نائم أو مغمى عليه، أو لم يعلم أنها عرفة، أجزأه ذلك عند الحنفية عن الوقوف.
فإذا غربت الشمس، أفاض الإمام والناس معه على هينتهم على طريق المأزمين، حتى يأتوا المزدلفة، فينزلوا بها. والمستحب أن ينزل بقرب جبل قُزَح وهو المشعر الحرام. ويصلي الإمام بالناس بالمغرب والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء، بأذان واحد، وإقامة واحدة عند الحنفية، ولا يجوز عند أبي حنيفة أن يصلي المغرب في الطريق إلى المزدلفة، وعليه إعادتها مالم يطلع الفجر.
فإذا طلع الفجر يوم النحر، صلى الإمام بالناس الفجر بغَلَس لأجل الوقوف، ثم وقف بمزدلفة وجوباً عند الحنفية ولو لحظة، ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقف الناس معه، فدعا وكبر وهلل ولبى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ويلتقط حصى الرمي سبعين من المزدلفة.
والمزدلفة كلها موقف إلا بطن مُحَسِّر (وهو وادٍ بين منى ومزدلفة).
ثم أفاض الإمام والناس معه قبل طلوع الشمس حتى يأتوا منى، فيرمي جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حَصَيات مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة، ولا يقف عندها، لأنه لا رمي بعدها، ويقطع التلبية مع أول حصاة(1)، إن رمى قبل الحلق، فإن حلق قبل الرمي قطع التلبية، لأنها لا تثبت مع التحلل.
ثم يذبح تطوعاً إن أحب لأنه مفرد، ثم يحلق أو يقصر بمقدار الأنملة، والحلق أفضل من التقصير، فيحل له حينئذ كل شيء إلا النساء، وإلا الصيد والطيب عند المالكية.
ثم يأتي مكة يوم العيد أو بعده بيوم أو يومين، فيطوف طواف الزيارة (وهو طواف الفرض) سبعة أشواط، ثم يسعى بين الصفا والمروة، إن لم يكن سعى عقيب طواف القدوم، ويرمل الذكر في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف، ويضطبع فيه إن سعى الآن، لأن الرمل والاضطباع مشروعان في كل طواف بعده سعي.
______________________
(1) هذا رأي الجمهور، وقال المالكية : تقطع التلبية بزوال شمس يوم عرفة.
ويكره تأخير الطواف عن الأيام الثلاثة (وهي يوم العيد ويومان بعده)، فإن أخره عنها، لزمه دم عند أبي حنيفة.
ثم يعود إلى منى، فيقيم بها لأجل الرمي ووقته ما بعد الزوال من اليوم الثاني من أيام النحر، مبتدئاً برمي الجمرة التي تلي مسجد الخَيْف بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عندها ويدعو، لأن بعده رمي، ثم يرمي الجمرة الوسطى، ويقف عندها ويدعو، ثم يرمي جمرة العقبة، ولكنه لا يقف عندها، لأنه ليس بعدها رمي.
ثم يرمي في اليوم الثالث الجمار الثلاث بعد زوال الشمس، وله أن يتعجل النفر إلى مكة بعدئذ أو يقيم لرمي الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد زوال الشمس. ويجوز عند أبي حنيفة الرمي في هذا اليوم قبل الزوال بعد طلوع الفجر. وينزل بالمُحَصَّب عند نفره إلى مكة.
وإذا أراد الحاج مغادرة مكة، طاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها طواف الوداع أو الصَّدَر، وهو واجب عند الجمهور غير المالكية إلا على أهل مكة، ثم يعود إلى أهله، لفراغه من أعمال الحج.
والمرأة والخنثى المشكل في جميع ما سبق كالرجل، غير أنها لا تكشف رأسها، وتكشف وجهها، ولا ترفع صوتها بالتلبية، ولا ترمُل في الطواف، ولا تهرول بين الميلين الأخضرين، ولا تحلق رأسها، ولكن تقصِّر، وتلبس المخيط والخفين. وإذا كانت حائضاً أو نفساء فعلت كل أفعال الحج غير الطواف بالبيت، فإنها تنتظر حتى تطهر.
وإن حاضت المرأة عند الإحرام اغتسلت وأحرمت، وإن حاضت بعد الوقوف بعرفة وطواف الزيارة، انصرفت من مكة، ولا شيء عليها لترك طواف الصدر.
82- ثانياً: كيفية التمتع:
التمتع لغة: الانتفاع.
وشرعاً عند الحنفية: الجمع بين إحرام العمرة وأفعالها، أو أكثرها، وإحرام الحج وأفعاله، في أشهر الحج، من غير إلمام صحيح بأهله.
والمتمتع نوعان عند الحنفية : متمتع يسوق الهدي، ومتمتع لا يسوق الهدي. وحكم الأول كالقارن إذا دخل مكة طاف وسعى، ولا يتحلل بعد العمرة، بل يظل محرماً، حتى يحرم بالحج يوم التروية، وينحر الهدي يوم النحر. وإذا أراد المتمتع أن يسوق الهدي، أحرم، وساق هديه.
وصفة التمتع: أن يبتدئ من الميقات، فيحرم بعمرة، ويدخل مكة، فيطوف للعمرة، ويسعى، ويحلق أو يقصر، ويتحلل من عمرته بما فعل. ويقطع التلبية إذا ابتدأ بالطواف، ويقيم بمكة حلالاً.
فإذا كان يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) أحرم بالحج من المسجد الحرام ندباً، ويشترط أن يحرم من الحرم، لأن المتمتع في معنى المكي، وميقات المكي في الحج: الحرم، كما تقدم في المواقيت. ثم يفعله الحاج المنفرد.
والأفضل أن يقدم الإحرام قبل يوم التروية، لما فيه من المسارعة وزيادة المشقة.
وعليه دم المتمتع، فإن لم يجد الدم، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع : أي فرغ من أداء نسكه، ولو قبل وصوله إلى أهله.
فإذا حلق يوم النحر، فقد حل من الإحرامين جميعاً، لأن الحلق مُحلِّل في الحج كالسلام في الصلاة، فيتحلل به عنهما.
وليس لأهل مكة عند الجمهور تمتع ولا قران، وإنما لهم الإفراد خاصة، وقال الحنفية : يكره القران للمكي.
بطلان التمتع: ويبطل تمتع المتمتع إذا عاد إلى بلده بعد فراغه من العمرة، ولم يكن ساق الهدي، لأنه ألم بأهله بين النسكين إلماماً صحيحاً. أما إذا كان قد ساق الهدي، فلا يكون إلمامه صحيحاً، ولا يبطل تمتعه عند أبي حنيفة لأنه يجب عليه العود إلى الحرم لأجل الحلق، لأنه مقيد بالحرم، والعود يمنع صحة الإلمام.
أما القارن فلا يبطل قرانه بالعود إلى بلده باتفاق الحنفية. فيكون الفرق بين القران والتمتع عند الحنفية : هو أن التمتع يشترط فيه عدم الإلمام بأهله، والقران لا يشترط فيه عدم الإلمام بأهله.
متى يكون المحرم بالعمرة قبل أشهر الحج متمتعاً؟
قال الحنفية: من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، فطاف لعمرته أقل من أربعة أشواط ثم لم يتمها حتى دخلت أشهر الحج، فتَّممها في أشهره، وأحرم بالحج، كان متمتعاً، لأن الإحرام عندهم شرط لا ركن، فيصح تقديمه على أشهر الحج، وإنما يعتبر أداء الأفعال في أشهر الحج، وقد وجد الأكثر، وللأكثر حكم الكل.
أما إن كان طاف لعمرته قبل أشهر الحج أربعة أشواط فصاعداً، ثم حج من عامه ذلك، لم يكن متمتعاً، لأنه أدى الأكثر قبل أشهر الحج، فصار كما إذا تحلل منها قبل أشهر الحج.
والحاصل أن الأكثر له حكم الكل عند الحنفية، فإذا حصل الأكثر قبل أشهر الحج، فكأنها حصلت كلها، والمتمتع: هو الذي يتم العمرة والحج في أشهر الحج.
ثالثاً: كيفية القران:
القران لغة: الجمع بين الشيئين مطلقاً.
وشرعاً : الجمع بين إحرام العمرة والحج في سفر واحد.
وصفة القران: أن يهل بالعمرة والحج معاً من الميقات، إما حقيقة بنية الأمرين معاً، وإما حكماً عند الحنفية خلافاً لغيرهم : بأن أحرم بالعمرة أولاً، ثم بالحج قبل أن يطوف لها أكثر الطواف، لأن الجمع قد تحقق، لأن الأكثر منها قائم، ويصح العكس عند الجمهور : بأن يحرم بالحج، ثم يدخل العمرة عليه، لكنه مكروه عند الحنفية.
وإدخال الحج على العمرة عند الجمهور (غير الحنفية) يكون قبل شروع المحرم في الطواف، فإن شرع فيه ولو بخطوة، فلا يجوز إدخال الحج على العمرة.
ويلحق بالقران عند الحنفية التمتع إذا ساق المتمتع الهدي، فلا يتحلل بعد العمرة، كما هو شأن المتمتع، بل يظل محرماً حتى ينحر الهدي يوم النحر.
ويقول القارن عقيب صلاة ركعتي الإحرام : "اللهم إني أريد الحج والعمرة، فيسرهما ليه، وتقبَّلهما مني" لبيك اللهم لبيك ... إلخ.
فإذا دخل القارن مكة، طاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاث الأُول منها، ويسعى بعدها بين الصفا والمروة. وهذه أفعال العمرة.
ثم يشرع عند الحنفية بأفعال الحج كالمُفرِد، ويطوف بعد السعي المذكور طواف القدوم، ويطوف طواف الإفاضة للحج، ويسعى أيضاً بين الصفا والمروة كالمفرد، لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره.
وقال الجمهور: يكفي للقارن طواف واحد وسعي واحد.
دم التمتع والقران: اتفق العلماء على أن المتمتع والقارن يلزمهما إذا أحرما بالحج الهدي، لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّع بالعمرةِ إلى الحَجِّ فما استيسر من الهدي}.
ودم القران والتمتع: دم شكر فيأكل منه صاحبه عند الحنفية، ولا يأكل منهما عند الشافعية. وإن لم يدخل القارن مكة، وتوجه إلى عرفات، فقد صار عند الحنفية رافضاً لعمرته بالوقوف، وسقط عنه دم القران، وعليه دم لرفضه عمرته، وهو دم جبر لا يجوز أكله منه، ووجب عليه قضاؤها، لأنه بشروعه فيها أوجبها على نفسه، ولم يوجد منه الأداء، فلزمه القضاء.
ويسقط عند الشافعية دم التمتع إن عاد لإحرام الحج إلى الميقات.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:21 AM
الفصل الثالث
مميزات وفضائل الحرمين
- الحرم المكي والحرم المدني -
84- مميزات وفضائل الحرم المكي:
أولاً - بناء الكعبة ومزيتها وفضيلة المسجد الحرام:
بنيت الكعبة المشرفة خمس مرات: بناء الملائكة أو آدم، أو شيث بن آدم، وبناء إبراهيم على القواعد الأولى، وبناء قريش في الجاهلية بحضور الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وبناء ابن الزبير، حين احترقت، وبناء الحجاج بن يوسف. وهذا البناء هو الموجود اليوم.
وقد تم توسيع المسجد الحرام في عهد عمر بل إن عمر أول من بناه، ثم في عهد عثمان، ثم في عهد الوليد بن عبد الملك، ثم في عهد المهدي، واستقر الأمر على ذلك، إلى أن تم توسيعه الأخير في عهد السعوديين، قال الشافعي : أحب أن تترك الكعبة على حالها، فلا تهدم، لأن هدمها يذهب حرمتها ويصير كالتلاعب بها. وقد كساها النبي صلى الله عليه وسلم ثياباً يمانية، ثم كساها أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابن الزبير ومن بعدهم.
وكان الوليد بن عبد الملك أول من ذهَّب البيت في الإسلام. ويجوز تزيين الكعبة بالذهب والحرير ما لم ينسب إلى الإسراف. ويجوز تطييب الكعبة ويحرم أخذ شيء منه للتبرك وغيره، ومن أخذه لزمه رده إليها، فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به، ثم أخذه.
والبيت الحرام : أول بيت من بيوت الله وجد على ظهر الأرض ليعبد الناس فيه ربهم، أولية شرف وزمان، لقوله سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 96-97] فأول دلائله وعلائمه الظاهرة: مقام إبراهيم، وثانيها أنه يجب تعظيمه بنسبته إلى الله، حتى إنه كان اللاجئ إليه عند العرب يصير آمناً مادام فيه، وقد أقر الله تعالى هذه المزية في قوله : {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا} [القصص: 57] {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] لذا يكره عند مالك والشافعي حمل السلاح في مكة لغير ضرورة أو حاجة، فإن كانت حاجة جاز، ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يحل أن يحمل السلاح بمكة".
وتضاعف في الحرم لحسنات، قال تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] وثواب الصلاة فيه يعدل مائة ألف صلاة، قال صلى الله عليه وسلم : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة". وفي لفظ عند أحمد من حديث ابن عمر : "وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة" وروى الطبراني عن أبي الدرداء : "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة" وهذا يدل على أفضلية هذه المساجد الثلاثة : المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، والمسجد الحرام أفضل المساجد على الإطلاق، ويقصد بالذات للعبادة فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".
ويطلق المسجد الحرام غالباً ويراد به هذا المسجد، وقد يراد به الحرم، وقد يراد به مكة، كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] وقد ازدادت أهميته يجعله من أهم أماكن شعائر الحج في أيام معلومات.
ثانياً - المجاورة بمكة وفضيلتها:
إن حرم مكة كالمسجد الحرام في مضاعف ثواب الصلاة بل وسائر أنواع الطاعات.
قال صلى الله عليه وسلم : "رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة" رواه البخاري وقال أيضاً : "من حج من مكة ماشياً، حتى يرجع إليها أيضاً : "من حج من مكة ماشياً، حتى يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، وحسنات الحرم بمائة ألف حسنة" رواه الحاكم.
وقال جماعة من العلماء منهم ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأحمد بن حنبل : تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. وقال بعض المتأخرين : القائل بالمضاعفة : أراد مضاعفة مقدارها أي غلظها لا كميتها في العدد، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن السيئات تتفاوت، فالسيئة في حرم الله أكبر وأعظم منها في طرف من أطراف البلاد.
ويعاقب فيها على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها، قال تعالى : {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وهذا مستثنى من قاعدة الهم بالسيئة وعدم فعلها، تعظيماً لحرمة الحرم.
أما المجاورة بمكة:
فذهب مالك وأبو حنيفة إلى كراهتها، خوفاً من التقصير في حرمتها، والتبرم وإعتياد المكان والأنس به، وذلك يجر إلى قلة المهابة والتعظيم، ولتهييج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية العود، وخوفاً من ركوب الخطايا والذنوب بها، فإن ذلك محظور، والراجح عند الحنفية في قول وهو عدم كراهة المجاورة بمكة أو بالمدينة، واختار بعضهم أن المجاورة بالمدينة أفضل منها بمكة.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب المجاورة لمن لم يخف الوقوع في محظور بمكة أو المدينة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن مكة: "إنك لأحب البقاع إلى الله عز وجل، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" رواه الترمذي.
قال أحمد: والمقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه، لأنها مهاجر المسلمين وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة".
ثالثاً - هل مكة أفضل أم المدينة ؟
انعقد الإجماع على أن أفضل بقع الأرض على الإطلاق المكان الذي ضم جسده صلى الله عليه وسلم، وعلى أن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض بعده.
واختلفوا في أيهما أفضل مكة أم المدينة ؟ فقال مالك تبعاً لعمر وغيره من الصحابة المدنيين بتفضيل المدينة، لأنها موطن الهجرة، ومستقر الصحابة، ومثوى الرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما ورد في فضلها من الأحاديث الصحيحة، منها : "إنها طيبة - يعني المدينة - وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خبث الفضة" رواه مسلم.
وذهب أكثر العلماء إلى تفضيل مكة، للحديث السابق عن مكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" رواه الترمذي.
وأوجه تفضيل مكة على المدينة، منها:
1- وجوب قصدها للحج والعمرة، وهما واجبان لا يقع مثلهما بالمدينة.
2- أن الله تعالى حرمها يوم خلق السموات والأرض.
3- أن الله جعلها حرماً آمناً في الجاهلية والإسلام.
4- لا يدخلها أحد إلا بحج أو عمرة وجوباً أو ندباً.
رابعاً- آداب دخول مكة:
يستحب لمن دخل مكة ما يأتي:
1- ينبغي لمن أحرم بحج أو عمرة من الميقات أو غيره أن يتوجه إلى مكة، ومنها يكون خروجه إلى عرفات.
2- إذا بلغ الحرم المكي دعا، فقال : "اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرمني على النار، وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك". هذا ويستحضر من الخشوع والخضوع في قلبه وجسده ما أمكنه.
3- إذا بلغ مكة اغتسل بذي طوي(1) بنية غسل دخول مكة، فإن جاء من طريق آخر اغتسل في غيرها. وهذا الغسل مستحب لكل أحد حتى الحائض والنفساء والصبي.
4- السنة أن يدخل مكة من ثنية كَداء(2)، وإذا خرج راجعاً إلى بلده خرج من ثنية كُدا(3).
5- الأصح عند الشافعية أن يدخل مكة ماشياً لا راكباً.
6- يدخلها الإنسان ليلاً أو نهارً، فقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاراً في الحج، وليلاً في عمرة له، والأفضل في الأصح عند الشافعية دخولها نهاراً.
7- ينبغي أن يتحفظ في دخوله في إيذاء الناس في الزحمة، ويتلطف بمن يزاحمه، ويلحظ بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها والتي يتجه إليها.
8- ينبغي لمن يأتي من غير الحرم ألا يدخل مكة إلا محرماً بحج أو عمرة. والأصح عند الشافعية أن دخولها محرماً مستحب، وواجب عند غيرهم.
9- يستحب إذا وقع بصره على البيت أن يرفع يديه، فقد جاء أنه يستجاب دعاء المسلم عند رؤية الكعبة، ويقول:
" اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً " ويضيف إليه :" اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا
بالسلام ".
ويدعو بما أحب من مهمات الآخرة والدنيا، وأهمها سؤال المغفرة. وينبغي أن يستحضر عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع، فهذه عادة الصالحين والعارفين.
ويقول قبالة البيت:" اللهم البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار ".
10- يستحب ألا يعرج أول دخوله على استئجار منزل أو تغيير ثياب وغير ذلك إلا الطواف الذي هو طواف القدوم وهو سنة عند الجمهور واجب عند المالكية. ويترك بعض الرفقة عند متاعهم ورواحلهم حتى يطوفوا، ثم يرجعوا إلى رواحلهم ومتاعهم واستئجار المنزل.
ويستحب للمرأة الجميلة أو الشريفة ألا تبرز للرجال، وتؤخر الطواف ودخول المسجد إلى الليل.
ويستحب الدخول إلى البيت الحرام من باب بني شبية، ويقدم رجله اليمنى في الدخول، ويقول: " أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله، والحمد لله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك ".
_____________________
(1) في أسفل مكة.
(2) بأعلى مكة ينحدر منها إلى المقابرة.
(3) بأسفل مكة بقرب جبل قعيقعان وإلى صوب ذي طوي.
وإذا خرج قدم رجله اليسرى، وقال هذا، إلا أنه يقول:" وافتح لي أبواب فضلك " وهذا الذكر والدعاء مستحب في كل مسجد.
11- إذا دخل المسجد ينبغي ألا يشتغل بصلاة تحية المسجد، ولا غيرها، بل يقصد الحجر الأسود، ويبدأ بطواف القدوم، وهو تحية المسجد الحرام، والطواف مستحب لكل داخل محرماً كان أو غير محرم، إلا لأداء الصلاة المكتوبة أو قضائها، أو فوات الجماعة فيها، أو فوات الوتر أو السنة الفجر وغيرها من السنن الراتبة، فيقدم كل ذلك على الطواف ثم يطوف.
ولو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد.
12- يستحب لمن حج أن يدخل البيت، ويصلي فيه ركعتين، كما النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يدخل البيت بنعليه ولا خفيه، ولا يدخل حِجْر اسماعيل؛ لأنه من البيت، ولا يدخل الكعبة بسلاح.
وثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها، ولا يأخذ من طيب البيت شيئاً، ولا يخرج من تراب الحرام، ولا يدخل فيه من الحل، ولا يخرج من حجارة مكة وترابها إلى الحل.
13- يستحب لمن دخل مكة حاجاً أو معتمراً أن يختم القرآن فيها قبل رجوعه.
14- يندب عند المالكية طواف الوداع، ويجب عند الأئمة الآخرين.
خامساً- خصائص الحرم المكي ومحظوراته :
للحرم المكي أحكام خاصة، أهمها ما يأتي:
1ً- ينبغي ألا يدخله أحد إلا بإحرام، وهو مستحب عند الشافعية، واجب عند غيرهم.
2ً- يحرم صيد الحرم بالإجماع على الحلال والمحرم إلا المؤذيات المبتدئة بالأذى غالباً، وهو مضمون بإتلافه.
3ً- يحرم قطع شجر الحرم ونباته الرطب الذي ينبت بنفسه ولا يستنبته الناس كالشيح والشوك والعوسج، إلا ما فيه ضرورة كالاذْخر( نبات طيب الرائحة )، ويلحق به كما أبان المالكية ستة: السَّنَا (المعروف بالسنامكي ) للحاجة إليه في التداوي، والهَشّ (قطع ورق الشجر بالمِحْجَن ) (1)، والعَصَا، والسواك، وقطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه، وقطعه لإصلاح الحوائط والبساتين. لقوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة:" إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد(2) شوكة، ولا يُنَفَّر صيده، ولا يَلْتقط لقطته إلا من عرَّفها، ولا يُخْتَلى خلاه(3)، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخِر، فإنه لقَيْنهم وبيوتهم، فقال: إلا الإذخر" رواه البخاري ومسلم. ويجب عند الجمهور ضمانه خلافاً للمالكية.
ولا يحرم قطع ما أنبته الآدمي من الشجر كالجوز واللوز والنخل ونحوه كشجر الأراك، والرمان والخس والبطيخ والحنطة، ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش لأنه قد مات، وليس له أخذ ورق الشجر، ويباح أخذ الكمأة من الحرم لأنها ليست من جنس النبات، بل هي من ودائع الأرض، وكذا الفقع، لأنه لا أصل له، فأشبه الثمرة. ولا شيء بقتل غراب وحدأة وفأرة وحية وكلب عقور وبعوض ونمل وبرغوث وقراد وسلحفاة وماليس بصيد، على الخلاف والتفصيل السابق.
وأما صيد وَج ( واد بالطائف ) وشجرة : فحرام لا يضمن عند الشافعية، لحديث :" ألا إن صيد وج وعضاهه- يعني شجره - حرام محرم " رواه البيهقي. وهو مباح حلال عند الحنابلة؛ لأن الأصل الإباحة، والحديث ضعفه أحمد، لكن لا يضمن قطعاً عند الشافعية.
4ً- يمنع إخراج تراب الحرم وأحجاره، والمعتمد عند أكثر الشافعية كراهة ذلك،. وقال الحنفية : لا بأس بإخراج الأحجار وترابه.
5ً- يمنع عند الجمهور كل كافر من دخول الحرم، مقيماً كان أو ماراً. وأجازه أبو حنيفة ما لم يستوطنه.
6ً- لا تحل لقطة مكة وحرمها لمتملك، وإنما تحل لمنشد يحفظها ويعرفها بخلاف سائر البلاد، للحديث المتقدم:" ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها".
7ً- تغلظ الدية على القاتل الذي قتل في حرم مكة، لقوله تعالى:
{وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة: 191] لأن للحرم تأثيراً في إثبات الأمن. وتغلظ وإن كان القتل خطأ، سواء أكان القاتل والمقتول معاً في الحرم، أم أحدهما دون الآخر.
وقدر التغليظ عند أحمد : هو الزيادة في العدد أي بمقدار الدية وثلث الدية.
وعند الشافعي : التغليظ جاء في أسنان الإبل، لا الزيادة في العدد.
ولا تغلظ الدية بالقتل في حرم المدينة، في الأصح عند الشافعية.
ويجوز عند الجمهور خلافاً لجماعة، قتال البغاة في حرم مكة على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها.
_______________________
(1) العصا المعوجة، أمَّا ضبط العصا على الشجر ليقع ورقه فهو حرام.
(2) الحشيش الرطب.
(3) يقطع.
وتقام الحدود والقصاص في الحرم عند المالكية والشافعية، لقوله تعالى:
{وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ابن خَطَل لما وجد متعلقاً بأستار الكعبة، وأمر النبي بقتل الفواسق الخمس في الحل والحرم؛ لأنها مؤذيات طبعاً.
وروي عن أحمد وأبي حنيفة أن من وجب عليه الحد أو القصاص آمن مادام في الحرم، لقوله تعالى:{ ومن دخله كان آمناً } ولقوله صلى الله عليه وسلم:" لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً".
8ً- تحريم دفن المشرك فيه ونبشه منه.
9ً- تخصيص ذبح دماء الجزاءات في الحج والهدايا في الحرم.
10ً- لا دم على المتمتع والقارن إذا كان من أهل الحرم.
11ً- لا يكره عند الشافعية صلاة النفل التي لا سبب لها في وقت من الأوقات في الحرم، سواء في مكة وسائر الحرم.
12ً- إذا نذر قصده، لزمه عند الشافعية الذهاب إليه بحج أو عمرة، بخلاف غيره من المساجد، فإنه لا يجب الذهاب إليه إذا نذره، إلا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى، فإنهما يتعينان أيضاً، للحديث السابق:" لا تشد الرحال.. ".
13ً- إذا نذر النحر وحده بمكة، لزمه عند الشافعية النحر بها، وتفرقة اللحم على مساكين الحرم، ولو نذر ذلك في بلد آخر، لم ينعقد نذره في أصح الوجهين.
14ً- يحرم عند الشافعية استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء.
15ً- مضاعفة الأجر في الصلوات وسائر الطاعات بالمسجد الحرام.
16ً- يستحب لأهل مكة أن يصلوا العيد في المسجد الحرام، والأفضل لغيرهم الصلاة في المصلى، إذا كان المسجد عند الشافعية ضيّفاً، فإن كان واسعاً فالمسجد أفضل من المصلى.
17ً- لا يجوز إحرام المقيم في الحرم بالحج خارجه.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:23 AM
85- مميزات وفضائل الحرم المدني:
سادساً- فضل المسجد النبوي:
بنى الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة هذا المسجد بمساحة 70 x60 ذراعاً، ثم وسعه عمر، وعثمان، وعبد الملك بن مروان وابنه الوليد، وتم توسيعه الأخير على يد الملك عبد العزيز آل سعود، وضم إليه مساحة كبرى من جهة الغرب مصلى أثناء الحج.
والصلاة في هذا المسجد تربو على الصلاة في غيره بألف صلاة، لحديث أبي هريرة المتقدم في الصحيحين: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" وهذا التفضيل يعم الفرض والنفل كمكة.
وقال العلماء: وهذا فيما يرجع إلى الثواب، فثواب صلاة فيه يزيد على ألف صلاة فيما سواه، ولا يتعدى ذلك إلى الإجزاء، حتى لو كان عليه صلاتان، فصلى في مسجد المدينة صلاة لم تجزئه عنهما، وهذا لا خلاف فيه.
وذهب بعض العلماء إلى أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده صلى الله عليه وسلم الذي كان في زمانه، دون ما زيد فيه بعده، لقوله: "في مسجدي هذا" وذهب البعض الآخر إلى أنه لو وُسِّع ثبت له هذه الفضيلة، كما في مسجد مكة إذا وسع، فإن تلك الفضيلة ثابتة له، قال ابن عمر: "زاد عمر بن الخطاب في المسجد، قال: ولو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة(1)، كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وفي حديث يبين فضل الصلاة في هذا المسجد: "من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتبت له براءة من النار، ونجاة يوم القيامة" رواه الطبراني ولو نذر الذهاب إلى المسجد النبوي أو إلى الأقصى، فالأصح عند الشافعية أنه يستحب له الذهاب ولا يجب، ويتحقق النذر باعتكاف ساعة في الأصح، والأفضل صلاة ركعتين فيه.
سابعاً - خصائص الحرم المدني:
حرم المدينة: ما بين لابيتها، واللابة: الحرة: وهي أرض فيها حجارة سود، ويمتاز هذا الحرم بأحكام منها ما يأتي.
1- تحريم صيد المدينة وشجرها على الحلال والمحرم كمكة عند الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة، للحديث: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها(2)، ولا يصاد صيدها" رواه مسلم وإذا فعل استغفر الله ولا شيء عليه، ولا يضمن القيمة عند الجمهور ولأنه ليس محلاً للنسك، لكن مكة يضمن صيدها وشجرها.
2- يستحب عند الشافعية والحنابلة المجاورة بالمدينة، لما يحصل في ذلك من نيل الدرجات ومزيد الكرامات، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من صبر على لأواء المدينة وشدتها، كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة" رواه مسلم.
والراجح عند الحنفية كما بينا: أنه لا تكره المجاورة بالمدينة، وكذا بمكة لمن يثق بنفسه.
3- يستحب عند الشافعية الصيام بالمدينة والصدقة على سكانها وبرهم، فهم جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصة أهل المدينة.
______________________
(1) مقبرة المدينة.
(2) شجرة عظيم له شوك.
4- يختص أهل المدينة بمزيد الشفاعة والإكرام، زائداً على غيرهم من الأمم، لحديث الصحيحين المتقدم عن أبي هريرة:" من صبر على لأْواء المدينة..".
5- إذا عاين حيطان المدينة صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:" اللهم هذا حرم نبيك فاجعله وقاية لي من النار، وأماناً من العذاب وسوء الحساب".
86-ثامناً- زيارة المسجد النبوي وقبر النبي صلى الله عليه وسلم:
يستحب زيارة المسجد النبوي، لأنه كما في الحديث الصحيح أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ؛ لأن موضع قبره عليه الصلاة والسلام أفضل بقاع الأرض. وآداب الزيارة وأحكامها ما يأتي:
1- تسن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقوله عليه السلام: "من زار قبري وجبت له شفاعتي" رواه ابن خزيمة وروى البخاري: "من صلى علي عند قبري، وكل الله به ملكاً يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة".
فزيارة قبره صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات وأنجح المساعي لقوله تعالى:
{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، وتتأكد الزيارة للحاج والمعتمر أكثر من غيره، لأمرين: أحدهما- أن الغالب على الحجيج الورود من آفاق بعيدة، فإذا قربوا من المدنية يقبح تركهم الزيارة. والثاني- لحديث ابن عمر: "من حج، ولم يزرني، فقد جفاني" رواه ابن حبان وحديث" من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي" رواه الدارقطني والبيهقي.
2- يستحب للزائر أن ينوي مع زيارته صلى الله عليه وسلم التقرب إلى الله تعالى بالمسافرة إلى مسجده صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه.
3- يستحب في أثناء السفر لهذه الزيارة أن يكثر من الصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه، خصوصاً إذا رأى أشجار المدينة وحرمها.
4- يستحب أن يغتسل قبل دخوله ويلبس أنظف ثيابه.
5- يستحضر في قلبه حينئذ شرف المدينة وأنها أفضل الدنيا بعد مكة.
6- ليقل عند باب مسجده صلى الله عليه وسلم ما قدمناه عند المسجد الحرام وكل المساجد، ويقدم رجله اليمنى في الدخول، واليسرى في الخروج.
ثم يقصد الروضة الكريمة (1): وهي ما بين المنبر والقبر، فيصلي تحية المسجد، بجنب المنبر،
(1) ما بين المنبر ومقام النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يصلي فيه حتى توفي، أربعة عشر ذراعاً وشبر وما بين المنبر والقبر ثلاثة وخمسون ذراعاً وشبر.
وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه، فذلك موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
7- إذا صلى التحية في الروضة أو غيرها من المسجد، شكر الله تعالى على هذه النعمة، ويسأله إتمام ما قصده وقبول زيارته، ثم يأتي القبر الكريم، فيستدبر القبلة، ويستقبل جدار القبر، ويبعد من رأس القبر نحو أربعة أذرع، ويقف ناظراً إلى أسفل، خاشعاً، فارغ القلب من علائق الدنيا، مستحضراً في قلبه جلالة موقفه صلى الله عليه وسلم، ثم يسلم ولا يرفع صوته، فيقول:
" السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله، السلام عليك يا خير خلق الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نذير، السلام عليك يا بشير، السلام عليك يا طُهْر، السلام عليك يا طاهر، السلام عليك يا نبي الرحمة، السلام عليك يا نبي الأمة، السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك يا رسول رب العالمين، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وجميع عباد الله الصالحين.
جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته، وصلى الله عليك كلما ذكرك ذاكر، وغفل عن ذكرك غافل، أفضل وأكمل وأطيب ما صلى على أحد من الخلق أجمعين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك عبده ورسوله وخيرته من خلقه. وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.
اللهم وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، وآته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون.
اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد".
ومن أراد الاختصار، قال :" السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم".
ثم يتأخر نحو يمينه إلى الشرق قدر ذراع، فيسلم على أبي بكر رضي الله عنه، فيقول :" السلام عليك يا أبا بكر صفي رسول الله، وثانيه في الغار، جزاك الله عن أمة نبيه صلى الله عليه وسلم خيراً".
ثم يتأخر نحو اليمين قدر ذراع، فيسلم على عمر رضي الله عنه، فيقول :" السلام عليك يا عمر، أعز الله بك الإسلام، جزاك الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خيراً".
ثم يرجع قدر نصف ذراع فيقول :" السلام عليكما يا ضجيعي رسول الله ورفيقيه ووزيريه ومشيريه والمعاونين له على القيام في الدين، القائمين بعده بمصالح المسلمين، جزاكما الله أحسن الجزاء".
ثم يعود إلى رأس قبر النبي صلى الله عليه وسلم، في زاوية الحجرة المسورة، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويمجده، ويدعو لنفسه بما أهمه وما أحبه، ولوالديه، ولمن شاء من أقاربه، وأشياخه إخوانه وسائر المسلمين، ويبتدئ بقوله : اللهم إنك قلت وقولك الحق :{ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً} وقد جئناك سامعين قولك، طائعين أمرك، مستشفين بنبيك، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
ثم يأتي الروضة، فيكثر فيها من الدعاء، والصلاة، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :" ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي" ويقف عند المنبر ويدعو.
ثم يأتي اسطوانة أبي لبابة التي ربط نفسه بها حتى تاب الله عليه، وهي بين القبر والمنبر، فيصلي ركعتين ويتوب إلى الله ويدعو بما شاء. ثم يأتي الأسطوانة الحنانة التي فيها بقية الجذع الذي حن إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين تركه، وخطب على المنبر، حتى نزل، فاحتضنه، فسكن.
8- لا يجوز أن يطاف بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد عنه كما يبعد منه لو حضر في حياته صلى الله عليه وسلم.
9- ينبغي له مدة إقامته بالمدينة أن يصلي الصلوات كلها بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي له أن ينوي الاعتكاف فيه، كما ينويه في المسجد الحرام. وإذا أراد وداع المدينة صلى ركعتين وقال: " اللهم لا تجعله آخر العهد بحرم رسولك، وسهل لي العود إلى الحرمين سهلة، وارزقني العفو والعافية في الآخرة والدنيا، وردنا إليه سالمين غانمين".
10- كره مالك رحمة الله لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد وخرج الوقوف بالقبر، قال: وإنما ذلك للغرباء، أو لمن قدم من أهل المدينة من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:24 AM
الفصل الرابع
87- آداب السفر للحج وغيره، وآداب الحاج العائد
وفيه مبحثان:
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:25 AM
المبحث الأول - آداب السفر للحج وغيره:
1- المشاورة: يستحب أن يشاور من يثق بدينه وخبرته وعلمه في حجه، وعلى المستشار أن يبذل له النصيحة، فإن المستشار مؤتمن والدين النصيحة.
2- الاستخارة: ينبغي إذا عزم على الحج أو غيره أن يستخير الله تعالى، فيصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم يقول بعدها:
"اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن - ذهابي إلى الحج في هذا العام- خير في ديني ودنياني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به".
ويستحب أن يقرأ في هذه الصلاة بعد الفاتحة في الركعة الأولى "الكافرون" وفي الثانية "الإخلاص". ثم ليمض بعد الاستخارة لما ينشرح إليه صدره.
3- التوبة ورد المظالم والديون: إذا عزم على السفر تاب من جميع المعاصي ورد المظالم إلى أهلها، وقضى ما أمكنه من ديونه، ورد الودائع، وطلب المسامحة ممن كان يعامله أو يصاحبه، وكتب وصيته وأشهد عليها، ووكل من يقضي عنه ديونه مالم يتمكن من وفائها، وترك لأهله ما يحتاجونه من نفقة.
4- إرضاء الوالدين والزوج: يجتهد في إرضاء والديه وكل من يبره، وتسترضي المرأة زوجها وأقاربها، ويستحب للزوج أن يحج مع امرأته.
5- كون النفقة حلالاً: ليحرص على أن تكون نفقته حلالاً خالصة من الشبهة.
فقد ذهب الجمهور إلى أنَّ من حجَّ بمالٍ فيه شبهة أو بمال مغصوب صح حجه، لكنه ليس حجاً مبروراً.
وقال أحمد: لا يجزيه الحج بمال حرام.
6- الاستكثار من الزاد الطيب والنفقة: يستحب الاستكثار منهما ليواسي منه المحتاجين، ولقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة: 267] والمراد بالطيب هنا: الجيد، وبالخبيث: الرديء.
7- ترك المماحكة في الشراء: يستحب ذلك بسبب الحج وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى.
8- عدم المشاركة في الزاد والراحلة والنفقة: يستحب ذلك إيثاراً للسلامة من المنازعات.
9- تحصيل مركوب قوي مريح: يستحب ذلك، والركوب في الحج أفضل من المشي وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج راكباً، وكانت راحلته زاملته. والزاملة: البعير الذي يُحمل عليه الطعام والمتاع.
10- تعلم كيفية الحج: لابد إذا أراد الحج أن يتعلم كيفيته، وهذا فرض عين، إذ لا تصح العبادة ممن لا يعرفها ويستحب أن يستصحب معه كتاباً واضحاً في مناسك الحج، وأن يديم مطالعته، ويكررها في جميع طريقه لتصير محققة عنده.
11- اصطحاب الرفيق: ينبغي أن يطلب له رفيقاً موافقاً، راغباً في الخير، كارهاً للشر، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه. ويحرص على رضا رفيقه في جميع طريقه، ويتحمل كل واحد صاحبه، ويرى لصاحبه عليه فضلاً وحرمة، ولا يرى ذلك لنفسه، ويصبر على ما وقع منه أحياناً من جفاء ونحوه. وقد كره الرسول صلى الله عليه وسلم الوحدة في السفر، وقال: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان والثلاثة ركب" رواه أبو داود والترمذي وإذا ترافق ثلاثة أو أكثر أمروا على أنفسهم أفضلهم وأجودهم رأياً، لحديث "إذا كانوا ثلاثة فليؤمروا أحدهم" رواه أبو داود.
12- التفرغ للعبادة والإخلاص: يستحب أن يتفرغ للعبادة، خالياً عن التجارة، لأنها تشغل القلب، فإن اتجر مع ذلك صح حجه، لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198]، ويريد بعمله وجه الله تعالى، لقوله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]. وقوله عليه السلام: "إنما الأعمال بالنيات".
13- كون السفر يوم الخميس والتبكير: يستحب أن يكون سفره يوم الخميس، إذ قلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إلا يوم الخميس، فإن فاته فيوم الاثنين، إذ فيه هاجر الرسول من مكة. ويستحب أن يبكر لحديث صخر الغامدي: "اللهم بارك لأمتي في بكورها" رواه أبو داود والترمذي.
14- صلاة سنة السفر: يستحب إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي ركعتين، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة "الكافرون" وفي الثانية: "الإخلاص"، ثم يدعو بحضور قلب وإخلاص بما تيسر من أمور الدنيا والآخرة، ويسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق في سفره وغيره من أموره، فإذا نهض من جلوسه، قال ما رواه أنس:
"اللهم إليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم اكفني ما أهمني وما لم أهتم به، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي".
15- الوداع: يستحب أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه وأن يودعوه ويستسمحهم، ويقول كل واحد منهم لصاحبه: "أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيث كنت".
16- الدعاء عند الخروج من البيت: السنة إذا أراد الخروج من بيته أن يقول ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أَجْهَلَ أو يُجهَلَ عليَّ" وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرج الرجل من بيته، فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال: هديت وكفيت ووقيت".
ويستحب له أن يتصدق بشيء عند خروجه وكذا بين يدي كل حاجة يريدها.
17- الدعاء عند الركوب: يستحب إذا أراد الركوب أن يقول: "بسم الله" وإذا استوى على دابته قال: "الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون".
ثم يقول: "الحمد لله" ثلاث مرات "الله أكبر" ثلاث مرات.
ثم يقول: "سبحانك، اللهم إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" للحديث الصحيح في ذلك.
ويستحب أن يضم إليه: "اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما تحب وترضى، اللهم هوَّن علينا سفرنا وأطوعنا بُعْده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال. اللهم إنا نعوذ بك من وَعْثاء السفر وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد".
18- السفر بالليل والرفق بالدابة: يستحب إكثار السفر في الليل، لحديث أنس: "عليكم الدُّلْجة، فإن الأرض تطوى بالليل" رواه أبو داود.
19- التقشف والرفق في السفر : أن يتجنب الشبع المفرط والزينة والترفه والتبسط في ألوان الأطعمة، فإن الحاج أشعث أغبر، عن ابن عمر قال: "قام رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من الحاج ؟ قال: الشَعِث التفِل" رواه الترمذي وابن ماجه.
وينبغي أن يستعمل الرفق وحسن الخلق مع الناس، ويتجنب المخاصمة والمخاشنة ومزاحمة الناس في الطريق وموارد الماء إذا أمكنه ذلك.
ويصون لسانه من الشتم والغيبة وجميع الألفاظ القبيحة، للحديث: "من حج فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
20- عدم اصطحاب الكلب أو الجرس: يكره أن يستصحب كلباً أو جرساً، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة"رواه أبو داود وقوله: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس" رواه مسلم "الجرس مزمار الشيطان" رواه أبو داود.
21- التكبير والتسبيح: السنة التكبير عند العلو، والتسبيح عند الهبوط في واد ونحوه، بدون رفع الصوت.
22- الدعاء عند رؤية بلد: يستحب إذا أشرف على قرية أو منزل يقول: "اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها".
23- الدعاء عند نزول منزل: السنة إذا نزل منزلاً أن يقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" لحديث خولة بنت حكيم فيما رواه مسلم: "من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرتحل من منزله ذلك".
ويستحب أن يُسَبِّحَ في حال حطه الرحل، لقول أنس: "كنا إذا نزلنا سبحنا حتى نحط الرحال".
ويكره النزول في قارعة الطريق، لحديث أبي هريرة: "لا تعرسوا على الطريق فإنها مأوى الهوام بالليل".
24- الدعاء عند دخول الليل: السنة إذا جن عليه الليل أن يقول ما رواه أبو داود عن ابن عمر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر، فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأَسْود، والحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد".
25- الدعاء عند الخوف: إذا خاف قوماً أو إنساناً أو غيره، قال ما رواه أبو موسى الأشعري: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوماً، قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم" رواه أبو داود والنسائي.
ويستحب أن يكثر من دعاء الكرب هنا وفي كل موطن وهو: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض، ورب العرش الكريم" رواه البخاري ومسلم.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" رواه الترمذي.
26- الدعاء في السفر: يستحب الإكثار من الدعاء في جميع سفره لنفسه ولوالديه وأحبائه وولاة المسلمين وسائر المسلمين بمهمات أمور الآخرة والدنيا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث دعوات مستجابات، لاشك فيهن: دعوة المظلوم ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده" رواه أبو داود والترمذي.
27- التزام الطهارة والصلاة: يستحب له المداومة على الطهارة والنوم على الطهارة، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها المشروعة، وله عند الشافعية أن يقصر ويجمع، وله ترك الجمع والقصر، وله عند الشافعية فعل أحدهما وترك الآخر، لكن الأفضل أن يقصر وألا يجمع خروجاً من الخلاف، لأن أبا حنيفة رحمه الله يوجب القصر ويمنع الجمع، إلا في عرفات والمزدلفة.
وتسن السنن الراتبة مع الفرائض في السفر، كما تسن في الحضر.
أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:26 AM
المبحث الثاني -
آداب رجوع الحاج من سفره:
للحاج وكل مسافر عند عودته إلى بلده آداب أهمها ما يأتي:
1- السنة أن يقول ما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى
الله عليه وسلمكان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، وكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول : "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" رواه البخاري.
2- السنة إذا قرب من وطنه أن يبعث قدامه من يخبر أهله، كيلا يقدم عليهم بغتة.
3- يحسن أن يقول إذا أشرف على بلده : "اللهم إني أسألك خيرها، وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها" واستحب بعضهم أن يقول : "اللهم اجعل لنا بها قراراً أو رزقاً حسناً، اللهم ارزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا" رواه ابن السني في الأذكار.
4- إذا قدم، فلا يطرق أهله في الليل، بل يدخل البلدة غدوة، وإلا ففي آخر النهار، روى مسلم عن أنس "أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غدوة أو عشية".
5- إذا وصل منزله، فالسنة أن يبتدئ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، وإذا دخل منزله صلى أيضاً ركعتين، ودعا وشكر الله تعالى.
6- يستحب لمن يسلم على الحاج أن يقول: "قبل الله حجك، وغفر ذنبك، وأخلف نفقتك" لقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج".
تنبيه هام: هذا وإن قيام العوام بذبح الشاة بين رجلي الحاج يؤدي إلى تحريم أكلها، إذا إن الذبح بنية تعظيم فلان يحرم أكلها ولو ذكر اسم الله عليها، أما مظاهر الاستقبال الزائدة فهو رياء ينافي الإخلاص في العبادة.
7- يستحب أن يقول إذا دخل بيته ما كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من سفره، فدخل على أهله، قال: توباً توباً، لربنا أوباً، لا يغادر حوباً" توباً: أي نسألك توبة كاملة، ولا يغادر حوباً أي لا يترك إثماً.
8- ينبغي أن يكون رجوعه خيراً مما كان، فهذا من علامات قبول الحج، وأن يكون خيره مستمراً في ازدياد.
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir