المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من الموسوعة الإسلامية - الحج



أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:26 AM
الفصل الأول
في فرضيّة الحج وَشروطها‏ ‏

المبحث الأول : في فرضية الحج وحكمة مشروعيته.‏
المبحث الثاني : في شروط فرضية الحج.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:29 AM
المبحث الأول
في فرضية الحج وحكمة مشروعيته‏




‏1-‏ تعريف الحج :‏
الحَجُّ في اللغة : القصد إلى مُعَظَّم.‏
وفي الشريعة : قصد البيت العتيق لأداء الأفعال المفروضة من الطواف بالكعبة والوقوف ‏بعرفة محرماً بنية الحج.‏

‏2-‏ فرضية الحج وأدلتها:‏
الحج فريضة محكمة، محتمة، ثبتت فرضيته بالقرآن والسنة والإجماع.‏
دليل الكتاب : فقد قال تعالى في سورة آل عمران : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ مَنِ ‏اَسْتَطَاعَ ِإلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ} [آل عمران: 97].‏
فهذه الآية نص في إثبات الفرضية، حيث عبر القرآن بصيغة {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ} وهي ‏صيغة إِلزام وإيجاب، وذلك دليل الفرضية.‏
دليل السنة : فمنها حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "بني الإسلام ‏على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام ‏رمضان، والحج" متفق عليه.‏
وعن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "أيها الناس قد ‏فرض الله عليكم الحج فحجوا" فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ..." رواه مسلم والنسائي.‏
دليل الإجماع : فقد تمَّ الإجماع منذ الصحابة إلى يومنا هذا، وأجمعوا على أن الحج ‏فريضة محكمة على كل مستطيع في العمر مرة واحدة.‏
حكم العلماء على منكر هذه الفريضة وعلى من اعتقد حجاً آخر بدل الحج إلى الكعبة ‏المشرفة والمناسك أنه مرتد عن الإسلام، كافر بالله ورسوله، والعياذ بالله تعالى.‏

‏3-‏ التعجيل بالحج :‏
لكن اختلفوا في وجوب الحج هل هو على الفور أو على التراخي :‏
ذهب الإمام أبو حنيفة في رواية عنه ومالك وأحمد إلى أنه يجب على الفور، فمن تحقق ‏فرض الحج عليه في عام فأخره يكون آثماً. واستدلوا بأدلة منها :‏
‏1) الحديث "من ملك زاداً وراحلته تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج فلا عليه أن يموت ‏يهودياً أو نصرانياً" اخرجه الترمذي.‏
وذهب بعض الحنفية والشافعي إلى أنه يجب على التراخي فلا يأثم المستطيع بتأخيره، ‏لكن التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الحج في المستقبل، فلو خشي العجز أو خشي هلاك ماله ‏حرم التأخير، أما التعجيل بالحج لمن وجب عليه فهو سنة عند الشافعي، ما لم يمت، فإذا مات ‏تبين أنه كان عاصياً من آخر سنوات الاستطاعة، ودليلهما :‏
‏1) أن الأمر بالحج في قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ} مطلق عن تعيين الوقت، ‏فيصح أداؤه في أي وقت، فلا يثبت الالزام بالفور لأن هذا تقييد للنص، ولا يجوز تقييده إلا بدليل، ‏ولا دليل على ذلك.‏
‏2) أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عام ثمان من الهجرة، ولم يحج إلا في السنة ‏العاشرة، ولو كان الحج واجباً على الفور لما وقع منه صلى الله عليه وسلم هذا التأخير.‏
ومهما الأمر فلا شك أن التعجيل بالأداء أفضل وأحوط، فينبغي على المؤمن أن يبادر ‏لأداء الحج وهو في صحته وشبابه ويسره، ولا يؤخره حتى يوشك أن يفوته لتقدم سنة فيؤديه ‏بغاية المشقة ويحرم نفسه المتعة الروحية في الحج بسبب وهنه وشيخوخته، وإن الفكرة الشائعة ‏بين الناس من تحبيذ تأخير الحج، أو التعجب ممن يعجل بأدائه لهي من نسج الشيطان وجنوده ‏المنافقين الذي يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وذلك مما يجب محاربته والتحذير من ‏أخطاره.‏

‏4-‏ حكمة مشروعية الحج :‏
تشتمل فريضة الحج على حكم جليلة كثيرة تمتد في ثنايا حياة المؤمن الروحية، ومصالح ‏المسلمين جميعهم في الدين والدنيا، منها :‏
آ- أن في الحج إظهار التذلل لله تعالى، وذلك لأن الحاج يرفض أسباب الترف والتزين، ‏ويلبس ثياب الإحرام مظهراً فقره لربه، ويتجرد عن الدنيا وشاغلها التي تصرفه عن الخلوص ‏لمولاه، فيتعرض بذلك لمغفرته ورحماه، ثم يقف في عَرفَة ضارعاً لربه حامداً شاكراً نعماءه ‏وفضله مستغفراً لذنوبه وعَثَرَاتِه، وفي الطواف حول الكعبة البيت الحرام يلوذ بجناب ربه ويلجأ ‏إليه من ذنوبه ومن هوى نفسه ووسواس الشيطان.‏
ب- أن أداء فريضة الحج يؤدي شكر نعمة المال، وسلامة البدن، وهما أعظم ما يتمتع به ‏الإنسان من نعم الدنيا، ففي الحج شكر هاتين النعمتين العظيمتين، حيث يجهد الإنسان نفسه وينفق ‏ماله في طاعة ربه والتقرب إليه سبحانه، ولا شك أن شكر النعماء واجب تقرره بداهة العقول، ‏وتفرضه شريعة الدين.‏
جـ- أن الحج يربي النفس على روح الجندية بكل ما تحتاج إليه من صبر وتحمل ونظام، ‏وخلق سام يتعاون به المرء مع الناس، ألا ترى الحاج يتكبد مشقات الأسفار حتى يتجمع الحجاج ‏كلهم في مكة، ثم ينطلقون انطلاقاً واحداً يوم الثامن من ذي الحجة لأداء المناسك، فيتحركون ‏جميعاً ويقيمون جميعاً، وهم في ذلك مسرورون منقادون، لا تلفتهم مشقات الزحام، ولا تزعجهم ‏أعباء تلك التنقلات.‏
د- يجتمع المسلمون من أقطار الأرض في مركز اتجاه أرواحهم، ومهوى أفئدتهم، ‏فيتعرف بعضهم على بعض، ويألف بعضهم بعضاً، هناك حيث تذوب الفوارق بين الناس، فوارق ‏الغنى والفقر، فوارق الجنس واللون، فوارق اللسان واللغة، تتحد كلمة الإنسان في أعظم مؤتمر ‏بشري، مؤتمر كله خير وبر وتشاور، وتناصح وتعاون على البر وتآزر.‏
هـ- وفي الحج ذكريات تغرس في النفس روح العبودية الكاملة، والخضوع الذي لا ‏يتناهي لأوامر الله وشريعته، هناك العبرة تنبثق في ثنايا النفس المؤمنة، توجهها نحو بارئها ‏بالطاعة والتبتل، فعند هذا البيت حطّ أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام رَحْلَهُ بزوجه هاجر ووليده ‏إسماعيل.‏

فضيلة الحج :‏
قال تعالى : {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ ‏عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ ‏الأَنْعَامِ... } [الحج: 27-28].‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته ‏أمه" أخرجه الستة إلا أبا داود.‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار ‏من يوم عرفة، وإنه ليدنو(1) ثم يباهي بهم الملائكة .. " أخرجه مسلم والنسائي.‏
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ‏كما ينفي الكيرُ خَبثَ الحديدِ والذهب والفضة، وليس للحَجَّة المبرورة ثواب إلا الجنة". أخرجه ‏الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه.‏
‏_________________-‏
‏(1) يتجلى

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:33 AM
المبحث الثاني ‏
‏5- في شروط فرضية الحج‏



الشرط الأول : الإسلام :‏
فلو حج الكافر ثم أسلم بعد ذلك تجب عليه حجة الإسلام، لأن الحج عبادة، بل هو من ‏أعظم العبادات والقربات، والكافر ليس من أهل العبادة.‏

الشرط الثاني : العقل :‏
لأن العقل شرط للتكليف، والمجنون ليس مكلفاً بفروض الدين، بل لا تصح منه إجماعاً ‏لأنه ليس أهلاً للعبادة، فلو حج المجنون فحجه غير صحيح، فإذا شفي من مرضه وأفاق إلى رشده ‏تجب عليه حجة الإسلام.‏
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ، وعن ‏الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل" أخرجه الترمذي وحسنه، وأبو داود، وابن ماجه.‏

الشرط الثالث : البلوغ :‏
لأن الصبي ليس بمكلف، فلو حج صح حجه وكان تطوعاً.‏

الشرط الرابع : الحرية :‏
فالعبد المملوك لا يجب عليه الحج، لأنه مستغرق في خدمة سيده.‏

الشرط الخامس : الاستطاعة :‏
فلا يجب الحج على من لم تتوفر فيه، لأن القرآن خص الخطاب بهذه الصفة في قوله ‏تعالى : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ مَنِ اَسْتَطَاعَ ِإلَيْهِ سَبِيلاً}.‏

والاستطاعة التي تشرط لوجوب الحج قسمان :‏
القسم الأول : الاستطاعة التي تشترط في الرجال والنساء :‏
القدرة على الزاد وآلة الركوب، وصحة البدن، وأمن الطريق، وإمكان السير.‏
آ- القدرة على الزاد وآلة الركوب والنفقة :‏
ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يختص اشتراط القدرة على آلة ‏الركوب بمن كان بعيداً عن مكة ذهاباً وإياباً.‏
والمسافة البعيدة عند الشافعية والحنابلة فهو من كان بينه وبين مكة مرحلتان، وهي ‏مسافة القصر عندهم. وتقدر بـ 88.5 كم.‏
وعند الحنفية تقدر بـ 81 كم وقيل 83.5 كم.‏
وذهب المالكية إلى أنه يجب عليه الحج إذا كان صحيح البنية يقدر على المشي، وهو ‏يملك الزاد.‏
اختلاف العلماء في الزاد ووسائل المواصلة هل يشترط ملكية المكلف لما يحصلها به ‏أو لا يشترط ؟ :‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن ملك ما يحصل به الزاد ووسيلة النقل شرط لتحقق وجوب ‏الحج.‏
وذهب الشافعي إلى أَنه يجب الحج بإباحة الزاد والراحلة إذا كانت الإباحة ممن لا منَّةَ له ‏على المباح له، كالوالد إذا بذل الزاد والراحلة لابنه.‏
‏- شروط الزاد وآلة الركوب وما يتفرع عليها :‏
وقد ذكر العلماء شروطاً في القدرة على الزاد وآلة الركوب هي تفسير وبيان لهذا ‏الشرط، نذكرها فيما يلي :‏
أ- أن الزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ‏ومشروب وكسوة بنفقة وسط لا إسراف فيها ولا تقتير، فلو كان يستطيع زاداً أَدنى من الوسط ‏الذي اعتاده لا يعتبر مستطيعاً للحج، ويتضمن اشتراط الزاد أيضاً ما يحتاج إليه من آلات للطعام ‏والزاد مما لا يستغنى عنه.‏
ب- صرح الفقهاء : بأنه يشترط في الراحلة أن تكون مما يصلح لمثله إما بشراء أَو ‏بكراء.‏
ومعلوم أن تقدم الحضارة أَلغى استعمال الدواب في الأسفار وأَحل مكانها الطائرات ‏والبواخر والسيارات، فمن وجد نفقة وسيلة للسفر لا تناسبه لا يكون أيضاً مستطيعاً للحج حتى ‏يتوفر لديه أَجر وسيلة سفر تناسب أمثاله.‏
جـ- إن ملك الزاد ووسيلة النقل يشترط أن يكون فاضلاً عما تمس إليه الحاجة الأصلية.‏
والحاجة الأصلية تشمل ثلاثة أمور هي :‏
‏1) نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه، لأن النفقة حق للآدميين، وحق العبد ‏مقدم على حق الشرع، وقد روى عبد الله ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ‏‏"كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" أخرجه أبو داود والحاكم.‏
‏2) ما يحتاج إليه هو وأهله من مسكن، ومما لابد منه لمثله كالخادم وأثاث البيت وثيابه ‏بقدر الأعتدال المناسب له في ذلك كله.‏
‏3) قضاء الدين الذي عليه، لأن الدين من حقوق العباد، وهو من حوائجه الأصلية فهو ‏آكد، وسواء كان الدين لآدمي أو لحق الله تعالى كزكاة في ذمته، أو كفارات ونحوها.‏
فإذا ملك الزاد والحَمولة زائداً عما تقدم فقد تحقق فيه الشرط، وإلا لم يجب عليه الحج.‏
وهنا فروع تتعلق بهذه المسألة نذكر منها :‏
‏1) ذهب الحنفية إلى أنَّ من كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته بحيث لو باع الجزء ‏الفاضل عن حاجته من الدار الواسعة لو في ثمنه للحج لا يجب عليه البيع.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب البيع.‏
وذهب الحنفية أيضاً إلى أنه لو كان مسكنه نفسياً يفوق على مثله لو أبدل داراً أدنى لوَفَّى ‏تكاليف الحج، لا يجب عليه البيع.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب ذلك.‏
‏2) من ملك بضاعة لتجارته هل يلزمه صرف مال تجارته للحج ؟
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط بقاء رأس مال لحرفته زائداً على نفقة الحج، ‏ورأس المال يختلف باختلاف الناس، والمراد ما يمكنه الاكتساب به قدر كفايته وكفاية عياله لا ‏أكثر، لأنه لا نهاية له.‏
وذهب الشافعي إلى قولين الأصح أنه يلزمه صرف مال تجارته لنفقة الحج ولو لم يبق له ‏رأسمال لتجارته.‏
‏3) من ملك نفقة الحج وأراد أن يتزوج فله حالان :‏
الحال الأولى : إن يكون في حالة اعتدال بالنسبة للشهوة فهذا يجب عليه تقديم الحج على ‏الزواج إذا كان ملك ذلك في أشهر الحج.‏
الحال الثانية : أن يكون في حالة توقان نفسه والخوف من الزنا، فهذا يكون الزواج في ‏حقه مقدماً على الحج إتفاقاً.‏
‏4) إذا ملك نقوداً لشراء دار يحتاج إليها وجب عليه الحج، وإن جعلها في غيره أثم، إذا ‏حصلت له النقود وقت خروج الناس للحج، أما قبله فيشتري به ما شاء لأنه مَلَكَه قبل الوجوب.‏
‏5) ليس من الحوائج الأصلية ما جرت به العادة المُحْدَثَة برسم الهدية للأقارب ‏والأصحاب، فلا يعذر بترك الحج لعجزه.‏
ب- صحة البدن :‏
‏1) إذا وجدت سائر شروط الحج في شخص وهو مريض زَمِن أو مصاب بعاهة دائمة أو ‏مقعد أو شيخٍ كبير لا يثبت على آلة الركوب بنفسه فلا يجب عليه أن يؤدي هو فريضة الحج ‏اتفاقاً، ولكن اختلفوا هل صحة البدن شرط لأصل الوجوب أو هي شرط للأداء بالنفس - أي ‏لوجوب أداء الحج بنفسه -.‏
ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها شرط للوجوب، وبناء على ذلك لا يجب على فاقد صحة ‏البدن أن يحج بنفسه ولا بإنابة غيره ولا الإيصاء بالحج عنه في المرض، لقوله تعالى : {مَنِ ‏اَسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً }، وهذا غير مستطيع بنفسه فلا يجب عليه الحج.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن صحة البدن ليست شرطاً للوجوب، بل هي شرط للزوم ‏الأداء بالنفس، فمَن كان هذا حاله يجب الحج عليه.‏
ويتفرع على ذلك :‏
‏1) أَن مَنْ كان قادراً على الحج بمساعدةِ غيره كالأعمى وجب عليه الحج بنفسه إذا تيسر ‏له مَن يعينه تبرعاً، أو بأجرة إن كان قادراً على أجرته إذا كانت أجرة المثل، ولا يكفيه حج الغير ‏عنه إلا بعد أن يموت. ومن لم يستطع الحج بمساعدة غيره وجب عليه أن يرسل غيره ليحج عنه. ‏ويجب على المريض أن يوصي بالحج عنه بعد موته.‏
‏2) إذا وجدت شروط الحج مع صحة البدن فتأخر حتى أصيب بعاهة تمنعه من الحج ولا ‏يُرجَى زوالهُا فالحجُّ واجب عليه اتفاقاً، ويجب عليه أَن يرسل شخصاً يحج عنه. أَما إذا أُصيب ‏بعاهة يرجى زوالها فلا تجوز الإنابة، بل يجب عليه الحج بنفسه عند زوالها عنه.‏
‏3) ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه من كان غير مُعافى وملك المال وجب أن ينيب من ‏يحج عنه.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب ذلك، وهذا هو الأحوط لبراءة الذمة.‏
ج- أمن الطريق وعدم الحبس أو المنع من السلطان أو الخوف منه :‏
وذلك وقت خروج الناس للحج، ومثله تنظيم الدور إن لم يستطع تخطيه لأن الاستطاعة ‏لا تثبت دونه. واختلفت الرواية في أمن الطريق بين الفقهاء :‏
ذهب أبو حنيفة في رواية والشافعية وأحمد في رواية إلى أنه شرط الوجوب، لأن ‏الاستطاعة لا تتحقق بدون أمن الطريق.‏
وذهب أبو حنيفة في رواية أخرى وهي الأصح وأحمد في رواية أخرى وهي الراجحة ‏إلى أنه شرط للأداء لا للوجوب وهو الأصح، فعلى هذا المذهب من استوفى شروط الحج عند ‏خوف الطريق فمات قبل أمنه يجب عليه أن يوصي بالحج. أما إذا مات بعد أمن الطريق فتجب ‏الوصية اتفاقاً بين الجميع.‏
د- إمكان السير :‏
وهو أن تكمل فيه شرائط الحج والوقت متسع يمكنه الذهاب للحج.‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه شرط لأصل الوجوب.‏
وذهب الحنبلية إلى أنه شرط للأداء.‏

القسم الثاني : الشروط الخاصة بالنساء :‏
أما الشروط الخاصة بالنساء فهي شرطان لابد منهما لكي يجب الحج على المرأة، ‏يضافان إلى شرط الاستطاعة التي ذكرناها، وهذان الشرطان هما : الزوج أو المحرم، وعدم ‏العدة :‏
أ- الزوج أو المحرم الأمين :‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط أن يصحب المرأة زوجها أو ذو رحم محرم منها ‏مؤبد التحريم - إذا كانت المسافة بينها وبين مكة ثلاثة أيام، وهي مسيرة القصر في السفر : (83 ‏كيلومتراً أو 88.5).‏
استدلوا بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا تسافر المرأة ثلاثاً ‏إلا ومعها ذو محرم" أخرجه الشيخان.‏
وذهب الشافعية إلى أنها إذا وجدت نسوة ثقات اثنتين فأكثر تأمن معهن على نفسها كفى ‏ذلك بدلاً من المحرم أو الزوج بالنسبة لوجوب حجة الإسلام على المرأة، وعندهم: "الأصح أنه لا ‏يشترط وجود محرم لإحداهن لأن الأطماع تنقطع بجماعتهن" فإن وجدت امرأة واحدة ثقة فلا ‏يجب عليها الحج، لكن يجوز لها أن تحج معها حجة الفريضة أو النذر، بل يجوز لها أن تخرج ‏وحدها لأداء الفرض أو النذر إذا أمنت.‏
وذهب المالكية : إلى أنَّ المرأة إذا لم تجد المحرم أو الزوج ولو بأجرة تسافر لحج ‏الفرض أو النذر مع الرفقة المأمونة، بشرط أن تكون المرأة بنفسها هي مأمونة أيضاً. والرفقة ‏المأمونة جماعة مأمومنة من النساء أو الرجال الصالحين.‏
أما حج النفل فلا يجوز للمرأة السفر له إلا مع الزوج أو المحرم فقط، باتفاق العلماء، ولا ‏يجوز لها السفر بغيرهما، بل تأثم به.‏
وههنا مسائل تتعلق بالمحرم :‏
‏1) اختلفوا في المحرم هل هو شرط وجوب أو شرطٌ للزوم الأداء بالنفس، والراجح أنه ‏شرط للزوم الأداء بالنفس.‏
‏2) يشترط في المحرم أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً صاحب استقامة، لكي يحصل به ‏المقصود وهو حمايتها ورعايتها. وذهب الحنفية والحنبلية إلى أنه لو كان محرمها فاسقاً فإنه لا ‏يكفي لتوفر الشرط في حقها، لأن المقصود لا يحصل به.‏
وذهب المالكية مثل ما ذهب إليه الحنيفة والحنبلية، لكن لم يشترطوا البلوغ بل التمييز ‏والكفاية. أما عند الشافعي فلا تشترط العدالة في المحرم والزوج، بل يكفي ولو كان فاسقاً إذا كان ‏له غَيْرَة تمنعه أن يرضى بالزنا. وتشترط الثقة في النساء.‏
‏3) ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط أن تكون قادرة على نفقتها ونفقة المحرم، لأنه ‏يستحقها عليها، أما الزوج فعليه هو نفقتها.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أن له أخذ الأجرة إذا كانت أجرة المثل.‏
‏4) ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه إذا وجدت محرماً لم يكن للزوج منعها من ‏الذهاب لحج الفرض، ويجوز أن يمنعها من الحج النفل.‏
وقال الشافعية : ليس للمرأة الحج إلا بإذن الزوج فرضاً أو غيره، لأن في ذهابها تفويت ‏حق الزوج، وحق العبد مقدم، لأنه فرض بغير وقت إلا في العمر كله، فإن خافت العجز البدني ‏بقول طبيبين عدلين لم يشترط إذن الزوج.‏
ب- عدم العدة :‏
ذهب الحنفية إلى أنه يشترط ألا تكون المرأة معتدة عن طلاق رجعي أو سابق أو وفاة ‏مدة إمكان السَّيْرِ للحج، لأن الله تعالى نهى المعتدات عن الخروج من بيوتهن بقوله : {لا ‏تُخرِجُوهُنَّ من بيوتهِنَّ ولا يخرُجْنَ إلا أنْ يأتينَ بفاحشةٍ مُبيِّنةٍ} [الطلاق: 1] والحج يمكن أداؤه ‏في وقت آخر فلا تلزم بأدائه الآن.‏
وذهب الحنبلية إلى أنه لا تخرج المرأة إلى الحج في عدة الوفاة، ولها أن تخرج إليه في ‏عدة الطلاق المبتوت، وذلك لأن لزوم البيت فيه واجب في عدة الوفاة والطلاق المبتوت لا يجب ‏فيه ذلك وأما عدَّة الرجعية فالمرأة فيه بمنزلتها في طلب النكاح لأنها زوجة.‏
وذهب الشافعية : إلى أنَّ للزوج أن يمنع المطلقة الرجعية للعدة وذلك لأنه يحق للزوج ‏عندهم منعها عن حجة الفرض.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:35 AM
الفصل الثاني
‏6- الحَج عن الغَيْر‏



مشروعية وشروط وجوب الإحجاج :‏
ذهب الجمهور - الحنفية والشافعية والحنابلة - إلى أنه من وجب عليه الحج فحضره ‏الموت قبل أن يحج عليه أن يوصي بالإحجاج عنه، ومن استوفى شروط وجوب الحج بنفسه فلم ‏يحج عن الأداء بنفسه لكبر سن أو مرض مزمن لا يرجى برؤه، أو ذهاب البصر أو عدم أمن ‏الطريق أو عدم المحرم بالنسبة للمرأة، وكذا من توفرت فيه سائر شروط وجوب الحج في حالة ‏العجز عن الأداء يجب عليهما الاحجاج عن أنفسهما، أو الوصية بالاحجاج إذا لم يرسلا من ‏يحجج عنهما.‏
والأصل في هذا حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:‏
‏"جاءت امرأة من خَثْعَم عام حجة الوداع، قالت: يا رسول الله: إن فريضةَ اللهِ على عباده ‏في الحجّ أدْرَكَتْ أبي شيخاً كبيراً لا يستطيعُ أنْ يستويَ على الراحلة فهل يقضي عنه أنْ أحجَّ عنه ‏؟ قال : "نعم". متفق عليه.‏
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً أن امرأة من جُهَيْنَةَ جاءت إلى النبي صلى الله ‏عليه وسلم فقالت : "إنَّ أمي نذَرَتْ أنْ تحجَّ فلم تحُجَّ حتى ماتت، أفأ حجُّ عنها ؟ ".‏
قال صلى الله عليه وسلم: "نعم، حُجّي عنها، أرأيتِ لو كانَ على أمِّك دينٌ أكنتِ قاضية؟! ‏أقضوا اللهَ، فاللهُ أحقُّ بالوفاء" أخرجه البخاري والنسائي.‏
وذهب المالكية إلى الأخذ المالكية بالأصل، وهو عدم جريان النيابة في العبادة البدنية ‏كالصوم.‏

‏7-شروط جواز الإحجاج:‏
أ- شروط الحج الفرض عن الغير:‏
يشترط لصحة حجة النائب عن الفريضة الواجبة على المحجوج عنه ما يلي:‏
‏1) يشترط أن يأمر الأصيل بالحج عنه، فلا يجوز الحج عن الغير الحي بدون إذنه اتفاقاً. ‏ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ الميت لا بد من وصيته، واستثنى الحنفية الوارث فإنه إذا حج أو ‏أحج عن مورثه بغير إذنه فإنه يجزئه وتبرأ ذمة الميت إن شاء الله تعالى، إذا لم يكن أوصى ‏بالحج عنه.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه مَن مات وعليه حج وجب الإحجاجُ عنه من تركته، ‏سواء أوصى به أم لا، كما تُقْضَى منها ديونه سواء أوصى بها أم لا، فلو لم يكن له تَرِكَةٍ اسْتُحِبَّ ‏لوارثه أن يُحِجُّ عنه، فإنْ حَجَّ عنه بنفسه أو أرسل مَنْ حج عنه سقط الحج عن الميت، ولو حج ‏عنه أجنبي جاز، وإنْ لم يأذن له الوارث، كما يقضي دينه بغير إذن الوارث.‏
‏2) ذهب الحنفية إلى أنه تكون نفقة الحج من مال الآمر كلها أو أكثرها سوى دم التمتع ‏القرآن فهما على الحاج عندهم، إلا الوارث إذا تبرع بالحج عن مورثه تبرأ ذمة الميت إذا لم يكن ‏قد أوصى بالإحجاج عنه.‏
وذهب الشافية والحنابلة إلى إجازة أنْ يُتَبرَّعَ بالحج عن الغير مطلقاً كما يجوز أن يتبرع ‏بقضاء دينه، من أي شخص كان، وتبرأ ذمته.‏
وذهب المالكية إلى أن الأمر تابع للوصية أو لتبرع النائب، لا لإسقاط الفريضة عن ‏الميت.‏
‏3) ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يشترط أن يحج عنه من وطنه إن اتسع ثلث التركة، ‏وإن لم يتسع يحج عنه من حيث يبلغ.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه يعتبر اتساع جميع مال الميت، لأنه دين واجب، فكان ‏من رأس المال كدين الآدمي، لكن عند الشافعية يجب قضاء الحج عنه من الميقات، وقال الحنابلة ‏يجب أن ينوب عنه من بلده.‏
‏4) أن يحج المأمور بنفسه : نص الحنفي والمالكية والشافعية على هذا الشرط.‏
فلو مرض المأمور أو حُبِسَ فَدَفع المال إلى غيره بغير إذن المحجوج عنه لا يقع الحج ‏عن الميت، والحاج الأول والثاني ضامنان لنفقة الحج، إلا إذا قال الآمر بالحج اصنع ما شئت، فله ‏حينئذ أن يدفع المال إلى غيره، ويقع الحج عن الآمر.‏
‏5) أن يحرم من الميقات بالحج أو العمرة عن الشخص الذي يحج عنه ويذكر اسمه ‏حسبما أمر به من غير مخالفة، فلو أمره بالإفراد فقرن عن الآمر فهو مخالف ضامن للنفقات عند ‏أبي حنيفة، أما إذا أمره بالإفراد فتمتع عن الآمر لم يقع حجه عنه ويضمن اتفاقاً عند أئمة الحنفية ‏والشافعية، أما إذا أمره بالإفراد فقرن عن الآمر فيقع ذلك عن الآمر عند الشافعي، ولا يقع عن ‏الآمر والنائبُ مخالف ضامن للنفقات عند أبي حنيفة.‏
‏6) أهلية المأمور لصحة الحج بأن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً، فلا يشترط أن يكون المأمور ‏قد حج الإسلام عند الحنفية، بل تصح هذه الحجة البدلية وتبرأ ذمة الميت عندهم مع الكراهة ‏التحريمية.‏
واستدلوا باطلاق حديث الخَثْعَمِيّة السابق، فإنه صلى الله عليه وسلم قال لها : "حجي عن ‏أبيك" من غير استخبارها عن حجها لنفسها قبل ذلك.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه يُشْتَرَط لإجزاء الحج عن الغير أن يكون من يحج عن ‏الغير قد حج حجة الإسلام.‏
واستدلوا بما أخرج أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول : لبيك عن شُبْرمَةَ قال : "من شبرمة ؟" قال : أخ لي أو قريب ‏لي. قال: "حَجَجْتَ عن نفسك ؟" قال : لا. قال : "حُجَّ عن نفسك ثم حج عن شبرمة".‏
‏ ‏
ب- الحج النفل عن الغير:‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن حجَّ النفل لا يشترط فيه شيء منها إلا الإسلام، والعقل، ‏والتمييز، والنية، وذلك لاتساع باب النفل، فإنه يُتَسامحُ في النفل ما لا يتسامح في الفرض. وهذا ‏مذهب الحنفية وأحمد.‏
وذهب المالكية إلى إجازة ذلك مع الكراهة فيه وفي النيابة في الحج المنذور.‏
وذهب الشافعية إلى التفصيل في ذلك : وقالوا : لا تجوز الاستنابة في حج النفل عن حيّ ‏ليس بمعضوب، ولا عن ميت لم يوص به. أما الميت الذي أوصى به والحي المعضوب إذا ‏استأخر من يحج عنه ففيه قولان مشهوران للشافعية أصحهما الجواز، وأنه يستحق الأجرة.‏

الاستئجار على الحج :‏
ذهب الحنفية وأحمد في الأشهر إلى أنه لا يجوز الاستئجارُ على الحج فرضاً أو نفلاً، فلو ‏عقدت الإجارة للحج عن الغير فهي عند أبي حنيفة باطلة، لكن الحجة عن الأصيل صحيحة، ‏ويُسَمُّونَ الأجير مأموراً ونائباً. وقالوا : له نفقة المِثْل في مال الأصيل، لأنه حبس نفسه لمنفعة ‏الأصيل، فوجبت نفقته في ماله.‏
وذهب الشافعية إلى جواز الاستئجار على الحج الفرض أو النفل، وبه أخذ المالكية ‏مراعاة لخلاف الشافعية في جواز النيابة في الحج النفل.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:36 AM
الفصل الثالث
‏8- كيفيات الحج إجمالاً‏



وإجمال صفة أداء الحج أن له ثلاث كيفيات يمكن أن تؤدي بها، نعرِّف بها موجزاً فيما ‏يلي:‏
أ- الإفراد : وهو أن يُحْرِمَ الحاج أي : ينوي أداء الحج فقط، فيؤدي أعمال الحج، وأهمها ‏بعد الإحرام : طواف القدوم، السعي بين الصفي والمروة، الوقوف بعرفة، الوقوف بالمزدلفة، ‏طواف الافاضة، رمي الجمار، المبيت بمنى، طواف الوداع.‏
ب- القِران : وهو أن ينوي أداء الحج والعمرة معاً، فتدخل أعمالهما في بعضها، ويؤدي ‏الأعمال السابقة نفسها، فتكفيه عند الأئمة الثلاثة مالك والشافعية وأحمد. أما عند الحنفية فيجب ‏عليه أن يؤدي طوافاً آخر وسعياً آخر لأجل العمرة، كما سنفصله إن شاء الله تعالى.‏
جـ- التمتع : وهو أن ينوي (يحرم) أولاً العمرة، فيؤدي أعمالها وهي الطواف والسعي ‏والحلق أو التقصير، ويتحلل من الإحرام، ثم ينوي الحج يوم الثامن من ذي الحجة فيخرج إلى ‏منى ثم يقف بعرفة إلى آخر أعمال الحج التي ذكرناها في الإفراد.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:39 AM
الباب الثاني
‏9-شُروط صِحَّة الحج‏ ‏



شروط صحة الحج أمور تتوقف عليها صحة الحج وليست داخله فيه، فلو اختلَّ شيء ‏منها كان الحج باطلاً.‏
شروط صحة الحج خمسة :‏
الأول والثاني : الإسلام والعقل.‏
الشرط الثالث : الميقات الزماني.‏

وقت أعمال الحج ورد في قوله تعالى : {الحَجُّ أَشهُرٌ مَّعلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَ الحَجَّ ‏فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوَقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِ} [البقرة : 197].‏
فلو فعل شيئاً من أفعال الحج خارخها لا يجزيه، حتى لو صام المتمتع أو القارن ثلاثة أيام ‏قبل أشهر الحج لا يجوز، وكذا السعي بين الصفا والمروة عقب طواف القدوم لا يقع عن سعي ‏الحج إلا فيها.‏
ذهب الحنفية والمالكية والحنبلية إلى إجازة الإحرام بالحج قبلها مع الكراهة، لقوله تعالى ‏‏{يسألونك عن الأَهِلَّةِ قل هي مَوَاقِيتُ للناس والحج} [البقرة: 189]. ولأن الإحرام عند الحنفية ‏ليس من أركان الحج بل من شروطه.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يصح الإحرام بالحج قبل وقته، فلو أحرم به في غير وقته انعقد ‏عمرة على الصحيح عندهم.‏
ووقع الخلاف في نهار يوم النحر :‏
فقال الحنفية والحنابلة: هو من أشهر الحج.‏
وقال الشافعية: آخر أشهر الحج ليلة النحر، وليس نهار يوم النحر منها.‏
وقال المالكية: آخر أشهر الحج نهاية شهر ذي الحجة.‏
وامتداد الوقت بعد ليلة النحر إلى آخر ذي الحجة عند المالكية إنما هو بالنظر لجواز ‏التحلل من الإحرام وكراهة العمرة فقط.‏

الشرط الرابع : الميقات المكاني :‏
هناك أماكن حددها الشارع لأداء أركان الحج لا تصح في غيرها، كالوقوف بعرفة ‏مكانه: أرض عرفة، والطواف بالبيت مكانه: حول البيت، والسعي مكانه: المسافة بين الصفا ‏والمروة.‏
‏ ‏
الشرط الخامس : الإحرام :‏
الإحرام لغةَ: هو الدخول في الحرفة.‏
والمراد هنا الدخول في حرمة أداء الحج أو العمرة.‏
والإحرام: هو النية مع التلبية، فهو بالنسبة للحج كالنية للصلاة.‏
ذهب الحنفية إلى أنه لا بُدَّ فيه مع النية من التلبية.‏
وذهب الجمهور: إلى أن ركن الإحرام هو النية، والتلبية ليست بشرط في الإحرام بل هي ‏سنة.‏
وذلك بأن ينوي في قلبه ما يريد من النسك : الحج، أو العمرة، أو هما معاً، ثم يقول : ‏‏"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".‏
وعلى كل فإن لبس ثياب الإحرام ليس هو الفرض، ولو اقتصر عليها دون نية لا يكون ‏محرماً، أما لو نوى الحج أو العمرة ولبى في ثيابه المخيطة فإنه يصير محرماً ويجب عليه نزعها ‏في الحال.‏
اختلف الفقهاء في الإحرام، هل هو ركن أو شرط ؟:‏
فذهب الحنفية إلى أنه شرط.‏
وذهب الشافعية إلى أنه ركن.‏
وعند الحنفية لا يصير محرماً بمجرد النية، لكن بالنية عند التلبية.‏
وعند الشافعي وأحمد مالك في الأصح يصير محرماً بمجرد النية.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:41 AM
ونسوق هنا مسائل تتعلق بالإحرام يُحتاج إلى معرفتها وهي :‏

أ- المسألة الأولى : إبهام الإحرام :‏
كثيراً ما يحدث للحجاج أن يلبس بعضهم ثياب الإحرام ويلبي بقصد النسك، ولا يعين في ‏إحرامه حجاً ولا عمرة لا بقلبه ولا بلسانه:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ هذا الإحرام صحيح وعليه التعيين، ثم إن عين ما يريده ‏قبل الطواف فالعبرة لهذا التعيين، وإن لم يعين ثم طاف بالبيت جعل إحرامه للعمرة، فيتم مناسك ‏العمرة ثم يحرم بالحج ويصير متمتعاً، أما إذا لم يعين ولم يطف بالبيت بل وقف بعرفة قبل أن ‏يطوف ينصرف إحرامه للحج وعليه أن يتمم مناسك الحج.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه لا بُدَّ عندهم من التعيين، فلو عمل شيئاً من أركان الحج ‏أو العمرة قبل التعيين لا يجزئه ولا يصح فعله.‏

ب- المسألة الثانية : الإحرام بإحرام الغير :‏
بأن يقصد المحرم الاقتداء بشخص من أهل العلم والفضل في أعماله ليرافقه ويحذو حذوه ‏فيحرم بما أحرم به فلان، وهو لا يعلم ماذا أحرم به فلان، فهذا الإحرام صحيح، وينعقد إحرامه ‏مثل إحرام ذلك الشخص عند الجمهور.‏
واستدلوا على ذلك بالحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه، أنه قدم من اليمن ووافى ‏النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "بم أهللت؟" قال : ‏‏"بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم" فقال : "لولا أن معي الهدي لأحللت".‏
زاد في رواية : "قال فاهْدِ وامكث حراماً كما أنت". أخرجه الشيخان.‏

د- المسألة الثالثة : فسخ الإحرام بالحج إلى العمرة :‏
اتفق جمهور الفقهاء على أنه متى انعقد الإحرام لزم متابعة أداء المناسك التي نواها حتى ‏يتحلل، لا يجوز أن يلغيه أو يحوّله.‏
وذهب الحنابلة إلى خلاف الجمهور، وقالوا: إن من أحرم بالحج مُفْرِداً أو قارناً إذا لم يكن ‏ساق الهدي، فأجازوا له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج ويجعله عمرة ويتحلل، ثم ينوي ‏الحج بعد ذلك ويصير متمتعاً.‏

‏- مواقيت الإحرام :‏
ميقات الإحرام : هو مكان الإحرام وزمانه.‏
أما الميقات الزماني فقد سبق الكلام عليه.‏

وأما الميقات المكاني باختلاف التي يفد الحجاج والعمار منها.‏
‏ أ- وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ميقات كل بلد :‏
ففي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : "إن رسولَ الله صلى الله عليه ‏وسلم وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحُلَيْفَةَ، ولأهلِ الشام الجُحْفَةَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المنَازِل، ولأهل اليَمن ‏يَلَمْلَمْ، هن لهن، ولم أتى عليَهن مِنْ غيرِ أهلهنّ ممنْ أرادَ الحجَّ والعمرة، ومَن كان دون ذلك فمن ‏حيثُ أنشأ حتى أهلُ مكةَ من مكة".‏
والجُحْفَةُ هذه قد اندثرت، ويُهِلُّ حجاج بلاد الشام ومناطق الشمال من بلدة (رابغ) قبل ‏الجُحْفَة بقليل.‏
أما العراق ومناطق الشرق فقد أخرج مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال : سمعته - ‏وأحسبه رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : مُهَلُّ أهل المدينة ... إلى أن قال ‏‏: "ومُهَلُّ أهل العراق من ذاتِ عِرْقٍ".‏
هذه مواقيت أهل الآفاق، فإذا انتهى الآفاقي إلى الميقات وهو يريد الحج أو العمرة أو ‏القِران حرم عليه مجاوزته غير محرم بالإجماع.‏
ب- ومن لم يمر من المكان المحدد نفسه يحرم إذا حاذى الميقات، لذلك تُعْلِمُ الطائرات ‏والبواخر الحجاج قبل محاذاتها الميقات حتى يستعدوا ويحرموا، فإذا وصلت بمحاذاته أعلنت لهم ‏حتى ينووا ويلبوا بالحج، أو العمرة، أو بهما معاً.‏
جـ- أما من كان في المناطق بين مكة والمواقيت فيهل بالحج من داره.‏
د- مَنْ أراد العمرة وهو في مكة عليه أن يخرج من منطقة الحرم إلى أدنى مكان من ‏الحل، فيحرم بالعمرة.‏
دليل ذلك : "أنه صلى الله عليه وسلم أرسلَ عائشةَ بعد قضاءِ الحجِّ إلى التّنْعِيم فاعتمرت ‏منه" أخرجه الشيخان.‏
والتنعيم أقرب أطراف الحل إلى مكة يبعد عنها حوالي (10) كيلو مترات تقريباً، واتصل ‏بنيان مكة به حالياً.‏
هـ- مَن دخل منطقة المواقيت للعمل، أو الإقامة أي قاصداً إياها لأمر ما لا للنسك، ثم ‏أراد الحج أو العمرة يُحرِمُ من موضعه الذي هو فيه.‏

و- الإحرام قبل الميقات :‏
يجوز تقديم الإحرام على الميقات المكاني إجماعاً.‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ الأفضل تقديم الإحرام على الميقات المكاني إذا أمن على نفسه ‏مخالفة أحكام الإحرام.‏
وذهب مالك والشافعي في رواية والإمام أحمد إلى أن الأفضل أن لا يحرم قبل ميقاته، ‏لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل. ولأنه يشبه ‏الإحرام بالحج قبل أشهره فيكون مثله في الكراهة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:42 AM
‏10- الحرم وأحكامه :‏
المراد بالحرم عند الإطلاق المنطقة المحرمة المحيطة بمكة.‏
أ- الحرم: بمعنى المسجد الحرام المبني في مكة حول الكعبة المشرفة.‏
ب- الحرم: منطقة محرمة تحيط بمكة يحرم صيدها وقطع شجرها. وهذا المعنى هو ‏المراد إذا اطلقت كلمة "حرم".‏
ج- منطقة المواقيت، وهي أبعد عن دائرة الحرم.‏
والحرم المكي أي المحيط بمكة له حرمة جليلة وأحكام خاصة به منذ غابر الأزمان في ‏عهد إبراهيم عليه السلام، وقد زاده الإسلام حرمة وقرر له أحكاماً خاصة، وأهم هذه الأحكام في ‏هذا المقام ما يلي :‏
أ- حظر دخول الحرم بغير نسك :‏
ذهب الجمهور الحنفية والمالكية والحنبلية إلى أنَّ مَن مرَّ بالمواقيت يريد دخول الحرم ‏لحاجة له، فيجب أن يكون محرماً وعليه العمرة إن لم يكن محرماً بالحج، لما ورد عن ابن عباس ‏رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا تجاوزوا الوقت إلا بإحرام" رواه ابن ‏أبي شيبة، ولأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة، فيستوي فيه الحاج والمعتمر ‏وغيرهما. ومن خالف كان حكمه حكمَ من جاوز الميقات بغير إحرام.‏
وعند الحنفية من كان في الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته، وعلى ذلك لو ‏سافر الحاج من مكة إلى جدة - مثلاً - لبيع أو شراء أو حجز مكان للسفر أو نحو ذلك، ثم عاد إلى ‏مكة يقصد استمرار الإقامة فيها فلا يجب عليه الإحرام بالعمرة عند الحنفية.‏
وذهب الشافعية إلى أنه إذا قصد منطقة الحرم أو مكة نفسها لحاجة غير النسك فإن ‏الدخول بالإحرام سنة له ويجوز له ألا يحرم، ووافقهم الحنابلة فيمن له حاجة متكررة، كالحطاب ‏وناقل الميرة وغيرهما، استدلوا بما صح أنه صلى الله عليه وسلم "دخل يوم فتح مكة وعليه ‏عمامة سوداء بغير إحرام".‏
ب- تحريم صيد الحرم :‏
يحرم الصيد في مكة والحرم المحيط بها على الحَلاَل كما يحرم على المحرم أيضاً، لقوله ‏صلى الله عليه وسلم: "إن هذا البلدَ حَرّمه الله، لا يُعْضَدُ شَوْكُه، ولا يُنَفَّرُّ صَيْدهُ، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ ‏إلا مَنْ عَرَّفها" أخرجه الشيخان.‏
ج- تحريم نبت الحرم :‏
فلا يجوز قطع شجر الحرم والزروع التي تنبت فيه بنفسها، كالحشيش ونحوه، لا يجوز ‏ذلك للمحرم ولا لغير المحرم، لما سبق في الحديث فقد صرح بالنهي "لا يعضد شوكه" يعني لا ‏يقطع، وورد في مسلم: "ولا يُخْتَلَى خلاها" يعني لا يقطع ولا يقلع. والخلا هو النبات الرطب ‏الرقيق.‏
أما الذي يزرعه الناس ويستنبتونه بأنفسهم كالحبوب والأشجار المثمرة فليس بحرام.‏
د- جواز صلاة النافلة فيه مطلقاً :‏
ذهب الشافعية إلى جواز صلاة النافلة فيه مطلقاً، مثل ركعتي الإحرام وركعتي الطواف ‏فرضاً أو نفلاً وغيرهما من النوافل والتطوع، في كل الأوقات ولو في أوقات الكراهة.‏
وذهب الحنفية إلى عدم جواز النافلة في الحرم في الوقت المكروه، وذلك يشمل صلاة ‏الطواف وجوباً ونفلاً ويوافقهم المالكية في الأوقات الثلاثة: شروق الشمس واستوائها ‏واصفرارها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:44 AM
‏11- سنن الإحرام :‏

أ- الاغتسال :‏
وهو سنة مؤكدة عند الأئمة الأربعة، ويقوم الوضوء مكانه في تحصيل أصل السنة عند ‏الحنفية، لكن الاغتسال هو السنة الكاملة.‏
عن زيد بن ثابت : "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل" رواه ‏الترمذي.‏
واتفق الفقهاء على أن الغُسْلَ سنة لكل محرم صغير أو كبير ذكر أو أنثى، ويطلب من ‏المرأة الحائض والنفساء.‏
وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت عُمَيْس لمّا ولدت: ‏‏"اغتسلي واسْتَثْفِري بثوب وأحرمي".‏
وعن ابن عباس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن النفساءَ والحائضَ ‏تغتسلُ وتحرمُ وتَقْضِي المناسكَ كلها غير أنْ لا تطوفَ بالبيت حتى تطهُرَ".‏
وحكمة هذا الغسل أنه للنظافة، لأن المحرم يستعد لعبادة يجتمع لها الناس، فيسن له ‏الغسل كما يسن لصلاة الجمعة.‏

ب- التطيب :‏
‏1) التطيب في البدن :‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّ التطيب استعداداً للإحرام سنة.‏
وذهب الحنفية إلى أنه مستحب.‏
والأصل فيه ما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.‏
عن عائشة رضي الله عنها قالت : "كنت أُطَيِّبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه ‏قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت" متفق عليه.‏
وذهب المالكية إلى تحريم الطيب عند الإحرام للبدن.‏
‏2) أما تطييب ثوب الإحرام :‏
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى جواز تطييب ثوب الإحرام عند الحنفية والشافعية ‏والحنابلة عند إرادة الإحرام ولا يضر بقاء الرائحة في الثوب بعد الإحرام، كما لا يضر بقاء ‏الرائحة الطيبة في البدن اتفاقاً، قياساً للثوب على البدن، لكن نصوا على أنه لو نزع ثوب الإحرام ‏أو سقط عنه، فلا يجوز أن يعود إلى لبسه مادامت الرائحة فيه، بل يزيل منه الرائحة ثم يلبسه.‏
وذهب المالكية إلى تحريم الطيب عند الإحرام تحريماً باتاً للبدن وللثوب.‏

ج- ركعتا الإحرام :‏
يُسَنُّ أن يصلي ركعتين قبل الإحرام :‏
اتفق الفقهاء المذاهب الأربعة أن صلاة ركعتين قبل الإحرام سنة، عن ابن عمر : "كان ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحُلَيْفَة ركعتين" رواه مسلم.‏
ولا يصليهما في الوقت المكروه اتفاقاً بين المذاهب الأربعة، إلا من كان في الحرم عند ‏الشافعية.‏
وتجزئ المكتوبة عنهما اتفاقاً بين المذاهب الأربعة، كتحية المسجد.‏

د- التلبية :‏
وهي أن يقول الصيغة المأثورة "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد ‏والنعمة لك والملك، لا شريك لك".‏
وقد اتفق الفقهاء على سنيتها واستجاب الإكثار منها إجمالاً، واختلفوا في حكمها عند ‏الإحرام بالحج أو العمرة.‏
ذهب الحنفية إلى أنها جزء من الإحرام لا يصح ولا يعتبر ناوياً للنسك إلا إذا قرنه ‏بالتلبية، ويحل محلها عمل خاص بالحج كسَوْق الهدي أو تقليده.‏
وذهب المالكية إلى أنها أبيض.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنها أبيض، لأنها ذكر فلا تجب في الحج كسائر أذكار ‏الحج.‏
والأفضل أن يلبي عقب صلاة الإحرام ناوياً الحج أو العمرة، أو كليهما معاً، وإن لبى بعد ‏الركوب جاز.‏
عن ابن عمر " أنه صلى الله عليه وسلم أهَلَّ حين استوت به راحلته قائمة" رواه ‏البخاري ومسلم.‏
لكن التلبية عقب الصلاة افضل، إذا فعل المحرم ذلك الذي فصلناه فقد تم إحرامه ‏بشروطه وسننه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:45 AM
‏12-محرمات الإحرام :‏


محرمات الإحرام كثيرة متعددة، تنقسم إلى الأنواع التالية :‏
النوع الأول : المحرمات من اللباس.‏
النوع الثاني : المحرمات المتعلقة ببدن المحرم.‏
النوع الثالث : الصيد وما يتعلق به.‏
النوع الرابع : الجماع ودواعيه.‏
النوع الخامس : الفسوق والجدال.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:47 AM
النوع الأول : المحرمات من اللباس :‏
يختلف تحريم الملبس في حق الرجال عن تحريم الملبس في حق النساء :‏
أ- إحرام الرجل في حق الملبس :‏
يلبس الرجل للإحرام إزاراً "مئزراً" ورداء "يلف على نصفه العلوي". وَيَحْرُم عليه ما ‏تضمنه الحديث الصحيح : عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلاً سأل رسول الله - صلى ‏الله عليه وسلم - ما يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا ‏تلبسوا القُمُصَ، ولا العمائمَ، ولا السَّراويلاتِ، ولا البَرَانِسَ، ولا الخِفافَ، إلا أحدٌ لا يجدُ النَّعلين ‏فَلْيَلْبِس الخفين وَلْيَقْطَعْهُما أسفَل من الكعبين، ولا تلبِسوا من الثياب شيئاً مسَّه الزعفرانُ ولا ‏الوَرْس". متفق عليه.‏
والمقصد من تحريم هذه الثياب الامتناع عن لبس المخيط او المحيط لبساً معتاداً، فلو ‏وضع القميص على جسمه بوضع غير معتاد كانْ يلفّ به جسمه لا يكون ممنوعاً. وكذا لو لف ‏قماشاً على بعض جسمه غير معتاد لم يمنع. ولو ترك لبس الرداء وظل أعلاه فوق السرة عارياً ‏لم يمنع.‏
وهذا بيان هام لحكم ربط الرداء والإزار :‏
مذهب الحنفية : يكره للمحرم أن يربط طرفي الإزار أو يشد عليه رباطاً أو يشبكه ‏بدبوس أو زر، لكن لا يجب عليه شيء لو فعل ذلك، وكذلك الرداء عندهم.‏
فذهب الشافعية والحنبلية: فإنهم فرقوا بين الإزار والرداء، فأجاز الشافعية للمحرم أن أن ‏يعقد الإزار ويشد عليه خيطا ليثبت، وأن يجعل له مثل الحُجْزة ويدخل فيها التكة إحكاماً، أو يزرّه ‏بالزر، أو بأزرار متباعدة، وأن يغرز طرف ردائه في إزاره، ولا يجوز له أن يثبِّت الإزار ‏بشوكة، أو إبرة، أو دبوس. ولا يجوز عقد الرداء ولا خله بخلال أو مسلة (كالدبوس والإبرة) ولا ‏ربط طرفه إلى طرفه بخيط أو نحوه، فإن فعل شيئاً مما ذكرنا حظره لزمته الفدية.‏
وقال الحنابلية: "له أنْ يعقد إزاره، وأنْ يشدّ وسطه بحبل ولا يعقده لكنه يدخل بعضه في ‏بعض، ولا يجوز له عقد ردائهن ولا أن يزره عليه ولا يخله بشوكة ولا غيرها (كالإبرة ‏والدبوس)، ولا يغرز طرفيه في إزاره.‏
ومذهب المالكية: فقد أوجبوا الفدية في ذلك كله سواء كان في الإزار أو الرداء.‏
والنهي عن العمامة يشمل كل شيء يوضع على الرأس لتغطيته، أما إذا ظلل رأسه بشيء ‏لا يلامس الرأس كالمظلة فلا بأس به.‏
ومثل العمامة ستر الوجه عند الأئمة الثلاثة، خلافاً للشافعية فلم يحرموه على المحرم.‏
والنهي عن ثوب الزعفران يندرج تحته كل ثوب مسه طيب فلا يجوز لبسه.‏
وإذا كان لبس الخفين ممنوعاً، فالمنع للقفازين من باب أولى، لأن الحاجة للخف أعظم ‏والرفاهية في القفاز ظاهرة جداً.‏
وقطع الخف أسفل من الكعبين: فسره الحنفية بالعظم الناتئ وسط ظاهر القدم.‏
وفسره بقية الفقهاء بالكعبين في جانبي القدم اللذين هما حد الغسل في الوضوء.‏
ونصوا على إباحة وضع الخاتم، لأنه لا يعتبر لبساً، ولعل أن يلتحق به وضع الساعة في ‏اليد الآن، لأنه لا يعتبر لبساً أيضاً، ولأن الحاجة لذلك ماسة أكثر من الخاتم.‏
ب- إحرام المرأة في الملبس :‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ المرأة إحرامها بكشف وجهها فقط فيحل لها لبس المخيط ‏والقفاز وتغطية الرأس.‏
وذهب مالك وأحمد وهو الأظهر المعتمد في مذهب الشافعية إلى أنه يحرم عليها ما نص ‏عليه حديث ابن عمر السابق فقد رواه البخاري بزيادة : "ولا تَنْتَقِبُ المرأةُ، ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْن".‏
لكن إذا سترت وجهها بساتر لا يمسه لا يحرم، وهكذا تصنع الكثيرات فيجعلن في ‏جبهتهن إطاراً عريضاً ينزل الحجاب فوقه فيحجب الوجه ولا يمسه.‏
وأجاز الحنابلة أن تستر المحرِمة وجهها بثوب تلقيه عليه من فوق رأسها على وجهها إذا ‏احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على ‏وجهها بأن يلقى الثوب إلقاء في هذا الحال فقط.‏
ولابأس أن تلبس المرأة المحرمة الذهب والحرير وتتحلى بالحلي عند عامة العلماء، لكن ‏يحرم عليها إظهار الزينة أمام الأجنبي في الإحرام وغيره، ولا يكون الحج مبروراً.‏

النوع الثاني : المحرمات المتعلقة ببدن المحرم :‏
وهي كل شيء يرجع إلى تطييب الجسم، أو إزالة الشَّعَثِ، أو قضاء التَّفَث، والأصل في ‏هذا النوع قوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]. ‏
فتحرم بالإحرام الأشياء الآتية :‏
أ- حلق الرأس بنفسه أو بواسطة غيره محرماً كان أو حلالاً، عملاً بنص الآية. وكذا حلقُ ‏المحرم رأسَ محرم آخر، وذلك ما لم يفرغ الحالق والمحلوق من أداء نسكهما ويصبح الحلق ‏حلالاً لهما، فعندئذ لا يدخلان في الحظر ويجوز لهما أن يحلقا لبعضهما باتفاق المذاهب.‏
ب- إزالة الشعر من أي موضع من الجسم قياساً على شعر الرأس، ولو شعرة واحدة.‏
ج- إزالة الظفر بالتقليم أو غيره قياساً على الشعر بجامع الترفه في الجميع.‏
د- الطيب:‏
‏1) يحرم استعمال الطيب في ثوبه أو بدنه ولو كان للتداوي اتفاقاً.‏
فعلى المحرمين أن يجتنبوا أنواع الصابون المطيب، والصابون المستورد من الخارج ‏الذي له رائحة عطرية، كما يجب عليهم الاحتياط عند شرائهم شيئاً من الطبيب والامتناع من ‏النوم على شيء مطيب.‏
‏2) أما شم الطيب فقط دون مس.‏
فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى كراهة ذلك، ولا فداء فيه عندهم.‏
وذهب الحنبلية إلى أنه يحرم تعمد شم الطيب كالمسك والكافور ويجب فيه الفداء، ‏ويجوزشم الفواكه وكل نبات صحراوي كالشِّيح والقَيْصوم ...‏
‏3) وأما أكل الطيب الخالص أو شربه فلا يحل للمحرم اتفاقاً في المذاهب الأربعة.‏
‏4) أما إذا خلطه بطعام قبل الطبخ وطبخه معه فلا شيء عليه قليلاً كان أو كثيراً عند ‏الحنفية والمالكية. وكذا عند الحنفية لو خلطه بطعام مطبوخ بعد طبخه. أما إذا خلطه بطعام غير ‏مطبوخ فإن كان الطعام أكثر فلا شيء ولو وجدت الرائحة، غير أنه إذا وجدت معه الرائحة ‏يكره، وإن كان الطيب أكثر وجب فيه الدم وإن لم تظهر رائحته.‏
أما عند المالكية فالكل محظور وفيه الفداء عندهم.‏
وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه خلط الطيب بمشروب كماء الورد وغيره وجب فيه ‏الجزاء قليلاً كان الطيب أو كثيراً.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه خلط الطيب بغيره من طعام أو شراب ولم يظهر له ‏ريح ولا طعم فلا حرمة ولا فدية، وإلا فهو حرام وفيه الفدية.‏
‏5) أما أكل الفواكه ذات الرائحة الطيبة كالتفاح والسفرجل والنارنج والليمون وغيرها ‏فهو جائز عند الجميع. والله أعلم.‏
هـ- ذهب الحنفية والمالكية إلى تحريم دهن شعر الرأس أو أي شعر في الجسم بدهن ولو ‏كان غير مطيب كالزيت مثلاً، لما فيه من التزيين والتحسين للشعر، وذلك ينافي الشأن الذي يجب ‏أن يكون عليه المحرم من الشعث والغبار افتقاراً وتذللاً لله تعالى.‏
وذهب الشافعية إلى عدم تحريم دهن شعر البدن بدهن ليس بطيب إلا في الرأس واللحية ‏فيحرم الدهن الذي ليس بطيب في الرأس واللحية ولو كان حليقاً، فليحذر المحرم أن ينتقل إليهما ‏شيء من السمن أو الدهن أو الزيت بواسطة يده أو بغير ذلك.‏
وذهب الحنابلة إلى إباحة الدهن غير المطيب للمحرم في رأسه ولحيته وسائر بدنه.‏
وثمة أمور يظنها الناس ممنوعة على المحرم وليست ممنوعة مثل : الاغتسال وحك ‏الرأس أو البدن، لكي ينبغي أن يترفق حتى لا يسقط شيء من شعره فتلزمه فديته. وكذا الاكتحال ‏إذا كان غير مطيب.‏

النوع الثالث : الصيد :‏
أ- الصيد هو المستوحش النافر من الناس في أصل خلقته، أما المستأنس في أصل الخلقة ‏فليس بصيد. فلا يحرم على المحرم ذبح المواشي والدجاج لأنها مستأنسة.‏
والأصل في حرمة الصيد قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمُُ} ‏‏[المائدة : 95]. يعني لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون.‏
وقوله تعالى : {وَحُرِّمَ عَلَيكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُم حُرُماً} [المائدة : 96].‏
ويحرم الصيد أيّاً كان نوع الحيوان، ولو كان غير مأكول اللحم، ويحرم مساعدة من يريد ‏الصيد أيضاً بأي وجه من الوجوه : كالدلالة عليه، وإعارة سكين، ومناولة سوط، وكذا تنفير ‏الصيد، وكسر بيضه، وكسر قوائمه وجناحه، وحلبه، وبيعه، وشرؤاه، يحرم ذلك على المحرم ‏سواء كان ذلك في داخل الحرم أو خارجه، وأباح الشافعية غير مأكول اللحم وكرهه الحنبلية.‏
ويحرم على المحرم أكل صيد البر الذي صاده محرم آخر، أو ساعد فيه حلالاً، أو صاده ‏لأجله حلال أيضاً.‏
ب- جواز قتل الدواب الفواسق:‏
وقد نصوا على جواز قتل خمسة من الحيوانات للحلال والحرام في الحِلِّ والحرم أخذاً ‏بالحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :‏
‏"خمسٌ مِن الدوابِّ كُلُهُنَّ فاسقٌ يُقْتَلْن في الحرم: الغرابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفأرةُ، ‏والكلبُ العَقُور". متفق عليه.‏
وفي رواية عند مسلم ذكر : "الحية" ولم يذكر "العقرب".‏
ووقع عند أبي داود بزيادة : "السبع العادي" يعني الحيوان المفترس.‏
وقد اتفقوا على إباحة قتل هذه المذكورات جميعاً.‏

النوع الرابع : الجماع ودواعيه :‏
والأصل في هذا النوع قوله تعالى :‏
‏{فَمَنْ فَرَضَ فيهنَّ الحجَّ فلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحجّ} [البقرة: 197].‏
الرَّفَث محركة الجِماع وغيره مما يكون بين الرجل وامرأته من التقبيل والمغازلة ‏ونحوهما مما يكون في حالة الجماع، وهو أيضاً الفحش وكلام النساء في الجماع، أو ما وُوِجهْن ‏به من الفحش.‏
فيندرج تحت هذا النوع المسائل التالية:‏
أ) تحريم الجماع على المحرم، وقد أجمع على ذلك العلماء عملاً بالآية، وأجمعوا على أن ‏الجماع مفسد للحج.‏
ب) يحرم على المحرم أيضاً جميع دواعي الجماع كاللمس بشهوة والتقبيل.‏
ج) الكلام الفاضح في المسائل الجنسية محظور على المحرم أيضاً لأنه من دواعي ‏الجماع، فيكون محظوراً عليه.‏
ومثل هذا الكلام مستقبح، مخل بالمروءة، فكيف وهو في الإحرام !!‏

النوع الخامس : الفسوق والجدال:‏
الفسوق: هو الخروج عن الطاعة، وذلك حرام في كل حال، فما أشنعه إذا صدر عن ‏المحرم.. ؟!‏
والجدال : أن يجادل رفيقه حتى يغضبه، وكذلك المنازعة والسباب.‏
فليشتغل المحرم بالتلبية، وذكر الله تعالى، أو قراءة القرآن، أو تعليمٍ لجاهل، أو أمرٍ ‏بمعروف، أو نهي عن منكر.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:49 AM
الفصل الثَاني
‏13- ركن الحَجّ

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:51 AM
المبحث الأول
الوقوف بعَرَفَةَ:‏



عَرَفَةُ، وعرفاتٌ: بقعة أرض منبسطة تقع شرقيّ مكة على بعد (25 كيلو متراً) تقريباً.‏
والمراد من عبارة : "الوقوف بعرفة" المكث بهما كيفما كان. سمي وقوفاً لكون الوقوف بها ‏مستحباً للدعاء.‏
دليل فرضيته : ركنية الوقوف بعرفة ثابتة بالكتاب والاجماع.‏
أما الكتاب فقوله تعالى :‏
‏{وللهِ على الناسِ حجُّ البيتِ مَنِ اسْتطاعَ إليه سبيلا}.‏
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "الحج عرفة". وهذا تفسير للأمر القرآني بالحج.‏
وقال تعالى : {ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة : 199].‏
عن عائشة رضي الله عنها قالت : "كانت قريشٌ ومَنْ دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا ‏يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وسائرُ العربِ يقفون بعرفاتٍ، فلما جاء الإسلام أمرَ اللهُ نبيهُ أنْ يأتيَ عرفاتٍ ثم ‏يقفَ بها ثم يُفِيْضَ منها. فذلك قوله : "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حيثُ أفاضَ النّاس". أخرجه البخاري.‏
وأما السنة : فعن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي أنّ أناساً مِنْ أهلِ نجدٍ أتوا رسولَ الله صلى ‏الله عليه وسلم فسألوه فأمرَ منادياً يُنادي : "الحجُّ عرفةُ، مَنْ جاءَ ليلة جمْعٍ قبل طلوعِ لفجرِ فقد ‏أدرك الحج. أيامُ مِنَىً ثلاثةٌ، فمن تعجل في يومين فلا إثْمَ عليه، ومَن تأخّر فلا إثمَ عليه". أخرجه ‏أحمد وأصحاب السنن والحاكم وابن حبان.‏
وعن عُرْوَةَ بن مُضَرِّس الطائي قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمُزْدَلِفَة ‏حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسولَ الله إني جئتُ مِن جبلِ طّيءٍ أكلَلْتُ راحِلَتي، وأتعبْتُ ‏نفسي، واللهِ ما تركتُ من جبلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حَجٍّ ؟" فقال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "مَنْ شَهِدَ صلاتَنا هذه ووقَفَ معنا حتى يَدْفَعَ، وقد وقَفَ بعرفةَ قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم ‏حجُّه وقضى تَفَثَه". أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي والحاكم.‏
وأما الإجماع : "فالأمة أجمعت على كون الوقوف ركناً في الحج".‏

‏14-‏ شروط الوقوف بعرفة :‏
أ) مكان الوقوف :‏
عرفة كلها موقف، يصح أداء الركن في أي موضع منها إلا بطن وادي عُرَنَة.‏
وحدود عرفة: من الجبل المشرف على وادي عرنة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي ‏منطقة البساتين المعروفة قديماً ببساتين بني عامر، ومسجد نمرة بعضُه ليس من عرفة فليتنبه.‏
وليس وادي عُرَنَة من الموقف، ولا يصح الوقوف فيه باتفاق أئمة المذاهب.‏
عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :‏
‏"قد وَقَفْتُ ههنا بِعَرَفَة، وعَرَفَة كلَّها مَوْقِف". أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه.‏
وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كُلُّ عَرَفَة موقفٌ وارْفَعوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَة". ‏أخرجه ابن ماجه ومثله عن ابن عباس صححه الحاكم على شرط مسلم.‏
ب- وقت الوقوف :‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يبدأ وقت الوقوف بعرفة من زوال الشمس يوم عرفة - ‏وهو تاسع ذي الحجة ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق يوم عيد النحر، حتى لو وقف بعرفة في ‏غير هذا الوقت كان وقوفه وعدم وقوفه سواء.‏
وذهب مالك إلى أن وقت الوقوف هو الليل، فمن لم يقف جزءاً من الليل لم يجز وقوفه ‏وعليه الحج من قابل، وأما الوقوف نهاراً فواجب ينجبر بالدم بتركه عمداً لغير عذر.‏
وذهب الحنابلة إلى أن وقت الوقوف من طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ‏يوم النحر.‏
وقد اتفق العلماء على أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر.‏
‏ ‏
‏15-‏ ركن الوقوف:‏
أ) ركن الوقوف الذي لا يتم إلا به هو الكينونة بعرفة وقتاً يسيراً جداً.‏
وقد اتفق الفقهاء على أنه كيفما حصلت كينونته بعرفة في الوقت المحدد أجزأه، قائماً أو ‏جالساً، راكباً أو ماشياً، وسواء كان عالماً بها أو جاهلاً، نائماً أو يقظان، وقف بها أو مرّ وهو ‏يمشي، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : "وقَد وقَفَ بعرفةَ قبلَ ذلك ليلاً أو نهاراً .. " وغيره من ‏الأحاديث.‏
ب- مقدار الزمن الذي يستغرقه الوقوف:‏
ذهب الحنفية والحنبلية إلى أنه نوعان:‏
‏1) زمان الركن : الذي تتأدى به فريضة الوقوف بعرفة، وهو أن يوجد في عرفة خلال ‏المدة التي بيناها، ولو زماناً قليلاً جداً.‏
‏2) زمان الواجب: ذهب الجمهور إلى أن زمان الواجب يستمر من وقف بعد الزوال إلى ‏أن تغرب الشمس، فلا يجاوز حد عرفة إلا بعد الغروب ولو بلحظة. يعني أن يجمع بين الليل ‏والنهار بعرفة ولو قبل المغرب بقليل إلى ما بعده بلحظة. فلو فارق عرفة قبل الغروب وجب عليه ‏دم.‏
وذهب الشافعية في المعتمد عندهم أن الجمع بين الليل والنهار بعرفة سنة وليس بواجب، ‏ولا يجب على من تركه الفداء، لكنه يستحب له الفداء استحباباً وخروجاً من الخلاف.‏
ج- ويتفرع على هذا مسائل منها :‏
‏1) ذهب الحنفية إلى أن من دفع من عرفة قبل الغروب أي خرج منها، فجاوز حدودها ‏قبل الغروب فعليه دم وذهب الشافعية إلى استحباب الدم.‏
وذهب مالك إلى بطلان الحج.‏
‏2) من دفع قبل الغروب ثم عاد قبل الغروب أيضاً واستمر حتى غربت الشمس صح ‏حجه، وسقط عنه الدم اتفاقاً بين جميع الأئمة.‏
‏3) من دفع قبل الغروب ثم عاد بعد الغروب لا يسقط عنه الدم بالعود، عند الحنفية ‏والحنابلة.‏
‏4) ذهب الجمهور إلى أنَّ من تأخر فوقف ليلاً ولم يدرك جزءاً من النهار بعرفة حتى ‏غابت الشمس فحجه تام ولا شيء عليه. ‏
وذهب المالكية إلى وجوب الدم عليه.‏
‏5) يصح الوقوف من المحدث والجنب والحائض والنفساء، فلا يشترط فيه الطهارة ‏اتفاقاً، لأن أحاديث إجزاء الوقوف مطلقة عن اشتراط الطهارة، فتدل على عدم اشتراطها.‏
ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حاضت: ‏‏"افعلي ما يفعلُ غيرَ أنْ لا تطوفي بالبيتِ حتى تَطْهُري" متفق عليه.‏
‏6) ذهب الحنفية والمالكية إلى أن من أُدْخِلَ عرفة وهو مغمىً عليه ولم يُفِقْ حتى خرج ‏منها فقد أجزَأَه، لأنه لا يشترط له نية ولا طهارة، وقد صح من النائم فينبغي أن يصح من المغمى ‏عليه. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجزئه لأنه ركن من أركان الحج فلا يصح من المغمى ‏عليه.‏

‏16- سنن الوقوف بعرفة :‏
أ- ذهب الحنفية والشافعية إلى استحباب الطهارة من الأحداث بأن يظل على وضوء مدة ‏الوقوف، أما الغُسل من أجل الوقوف بعرفة.‏
ب- أن يجمع الحاج صلاة الظهر والعصر، تقديماً في وقت الظهر بأذان وإقامتين مع ‏الإمام بعد خطبة عرفة، وذلك لاتباع السنة.‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن هذا الجمع ليس من سنن الحج ومناسكه، بل من قبيل ‏الجمع في السفر. ومذهب الحنفية أنه من مناسك الحج المسنونة، ومن هنا اشترطوا لجواز هذا ‏الجمع أن تؤدي الصلاتان على الهيئة التي وردت بها السنة، وذلك بتوفر شرطي الإمام والإحرام ‏فيهما، والمراد بالإمام ولي الأمر أو نائبه.‏
فلو لم يصلهما مع الإمام صلى كل صلاة في وقتها ولو جماعة، ولا يجمع بينهما.‏
وفي رواية عند الحنفية يجوز الجمع للمنفرد، ولمن صلوا جماعة بإمام غير ولي الأمر ‏أو نائبه، لأن الجمع ثبت لأجل امتداد الوقوف إلى المغرب دون أي فاصل، وكل الناس سواء في ‏الحاجة لذلك، فيسوغ لهم الجمع.‏
وأما القصر فهو من أحكام السفر، فمن كان مكياً أو قدم مكة للمكث بها مدة الإقامة ‏الشرعية لا يجوز له قصر الصلاة إطلاقاً.‏
ج- التعجيل بالوقوف بعد ذلك لأن هذا اليوم من أفضل أيام الدنيا، يتنافس فيه المتنافسون.‏
د- أن يقف قرب جبل الرحمة عند الصخرات الكبار السود المفروشة أسفل الجبل، فذلك ‏وصف مكان وقوفه صلى الله وسلم. أما الصعود على جبل الرحمة فليس بسنة، إنما هو من عمل ‏العوام، فتنبه.‏
وصرح الشافعية بأن النساء يقفن في حواشي الموقف، لما فيه من المحافظة عليهن من ‏أخطار الزحام والضياع.‏
هـ استقبال القبلة، اقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم.‏
و- الإكثار من الدعاء والاستغفار والتهليل، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ‏والتلبية، بقلب حاضر خاشع غاية الخشوع لله تعالى، فإن الله يطلع على عباده في الموقف.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:57 AM
المبحث الثاني
طواف الزيارة



‏17- تعريف عام بالطواف:‏
الطواف لغة السير حول الشيء. وفي الشرع : السير حول الكعبة المعظمة أشواط.‏

‏18- والأطوفة المشروعة سبعة هي:‏
‏1- طواف القدوم : للحاج أول وصوله مكة.‏
‏2- طواف الزيارة بعد وقوف عرفة.‏
‏3- طواف الوداع في آخر مناسك الحج.‏
‏4- طواف العمرة.‏
‏5- طواف النذر الذي نذره الإنسان على نفسه فيجب الوفاء به.‏
‏6- طواف تحية المسجد الحرام، لداخل المسجد الحرام فهذا تحيته. فإن لم يطف صلى ‏ركعتين تحية المسجد.‏
‏7- طواف التطوع.‏

‏19- طواف الزيارة أو طواف الإفاضة:‏
وهذا الطواف فرض في الحج، وهو ركن للحج، لذلك يسمى طواف الفرض، ويسمى ‏طواف الركن أيضاً.‏
يُؤدَّى بعد أنْ يُفيض الحاج من عرفة ويبيت بالمزدلفة فيأتي منى يوم العيد فيرمي وينحر، ‏ويحلق، ثم بعد ذلك يفيض إلى مكة فيطوف بالبيت، وذلك هو طواف الزيارة، لأنه يأتي من منى ‏فيزور البيت ولا يقيم بمكة، بل يبيت بمنى. ويسمى أيضاً طواف الإفاضة لأنه يفعله عند إفاضته ‏من منى إلى مكة.‏

ثبت طواف الزيارة بالكتاب والسنة:‏

دليل الكتاب:‏
فقوله تعالى : {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29].‏
فقد أجمع العلماء على أن ذلك في طواف الإفاضة، فيكون فرضاً بنص القرآن. ‏

دليل السنة:‏
فقد حجت أم المؤمنين صفية مع النبي صلى الله عليه وسلم فحاضت، فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: "أحابستنا هي ؟" قالوا: قد أفاضت. قال: "فلا إذَنْ" متفق عليه.‏
فدل الحديث على أن هذا الطواف فرض لابد منه، ولولا فرضيته لم يمنع مَنْ لم يأتِ به ‏عن السفر.‏

‏20- شروط طواف الركن:‏
وهي أربعة نذكرها فيما يلي :‏
أ- أن يكون مسبوقاً بالإحرام وبوقوف عرفة: فلو طاف قبل الوقوف لا يسقط به ‏الفرض.‏
ب- أداؤه في الوقت المحدد له شرعاً: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ وقته موسع، يبتدئ ‏حين يطلع الفجر الثاني من يوم النحر أي العاشر من ذي الحجة، ولا يجوز قبله، فمهما طاف قبل ‏هذا الوقت لا يكفيه عن طواف الركن.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أول لطواف الإفاضة بعد منتصف ليلة يوم النحر لمن ‏وقف بعرفة قبله.‏
‏- والأفضل عند الحنفية وغيرهم أداؤهيوم النحر الأول بعد الرمي والحلق.‏
‏- آخر زمان طواف الفرض فليس لآخره زمان معين موقت به لأدائه فرضاً بل جميع ‏الأيام والليالي وقته اجماعاً.‏
لكن ذهب أبو حنيفة إلى إيجاب أدائه في أيام النحر وهي العاشر والحادي عشر والثاني ‏عشر من ذي الحجة، فلو أخره حتى أداه بعدها صح ووجب عليه دم جزاء تأخيره.‏
وذهب المالكية في المشهور إلى أنه لا يلزمه بالتأخير شيء إلا بخروج ذي الحجة، فإذا ‏خرج لزمه دم. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يلزمه شيء بالتأخير أبداً، فوقته عندهم مدى ‏العمر، متى أداه سقط عنه ولا يجب عليه شيء، ولو أخره سنين كثيرة، لكنه يظل محرماً على ‏النساء.‏
ملاحظة: ولا يكفي الفداء عن أداء طواف الإفاضة إجماعاً لأنه ركن، وأركان الحج لا ‏يجزئ عنها البدل، ولا يقوم غيرها مقامها، بل يجب الإتيان بها بعينها.‏
وثمة شرطان يشملان طواف الإفاضة وغيره :‏
ج- النية: والمراد أصل النية.‏
ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والمالكية إلى أن قصد مجرد الطواف يكفي، حتى لو ‏نوى الطواف تطوعاً، أو نواه للوداع يقع عن طواف الإفاضة.‏
وذهب الحنابلة أنه يجب تعيين طواف الإفاضة في النية.‏
د- وقوع الطواف في المكان الخاص وهو حول البيت العتيق داخل المسجد الحرام، وهذا ‏شرط متفق عليه.‏
والطواف بالبيت هو الطواف حوله، فيجوز الطواف في المسجد الحرام قريباً من البيت ‏أو بعيداً عنه، مادام ضمن المسجد، ولو طاف من وراء مقام إبراهيم الخليل أجزأه، لأنه قد حصل ‏حول البيت.‏

‏20- أركان الطواف:‏
وهي أركان لطواف الزيارة، ولكل طواف أيضاً.‏
أ- ذهب الحنفية إلى أنَّ ركن الطواف مجرد طواف الإنسان حول البيت العدد المطلوب ‏من الأشواط سواء كان بفعله أو بفعل غيره بأن حمله الغير وطاف به، وسواء كان قادراً على ‏الطواف بنفسه فأمر شخصاً أن يحمله في الطواف، أو حمله الآخر بغير أمره، فإن هذا كاف في ‏أداء فرض الطواف وسقوطه عن الذمة، لأن الفرض أن يحصل الإنسان حول البيت، وقد حصل.‏
ب- عدد أشواط الطواف.‏
وعدد أشواط المطلوبة سبعة إجماعاً.‏
وقسم الحنفية السبع إلى ركن وواجب:‏
أما العدد الركن فأكثر هذه السبع، وأما الواجب فالأقل الباقي بعد أكثر الطواف.‏
وذهب الجمهور إلى أن الفرض سبعة أشواط، لا يجزئ أقل منها أبداً.‏

‏22- واجبات الطواف:‏
وهي ثمانية أمور يجب على الطائف أن يفعلها في كل طواف فرضاً كان أو واجباً أو ‏نفلاً.‏
أ- التيامن: أي سير الطائف عن يمين الكعبة، وجعل يسار الطائف بجانب الكعبة.‏
ذهب الحنفية أنه لو افتتح الطواف عن يسار الحجر الأسود وطاف منكوساً يعتد به ‏ويصح مع كراهة التحريم، فتجب الإعادة ما دام بمكة، وإن رجع إلى أهله يجب عليه الدم.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن هذا شرط لصحة الطواف، وأن طواف ‏المنكوس باطل.‏
ب- إتمام الأشواط إلى سبعة: ‏
ذهب الحنفية إلى أن الإتيان أكثر السبع هو الفرض، وأما الباقي فواجب.‏
وذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة: إلى أنَّ ترك شيء من أي طواف حكمه ‏حكم ترك الطواف كله حتى يكمل ما تركه لأن كل الأشواط ركن عندهم في الطواف.‏
وقال الحنفية: لو ترك أكثر أشواط الوداع وهي أربعة لزمه دم، ولو ترك أقل من ذك ‏لزمه لكل شوط صدقة.‏
أما طواف القدوم فلا يلزمه دم بترك أكثر أشواطه أو أقلها لأنه سنة، وعليه التوبة ‏والاستغفار، وطواف التطوع كذلك بالأولى.‏
ولو طاف ثمانية أشواط مع علمه بذلك يلزمه إتمام سبعة أشواط أخرى، لأنه بالزيادة ‏صار شارعاً بطواف جديد، فيجب عليه إتمامه لأن الشروع ملزم عندهم، ويجب عليه التوبة ‏والاستغفار إن لم يتم.‏
ج- الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس: ‏
ذهب الحنفية إلى أن الطهارة من الأحداث ليست بشرط ولا فرض في الطواف عند ‏الحنفية بل واجبة. وأما الطهارة عن النجاسة الحقيقية في الثوب والبدن فالأكثر على أنها سنة ‏مؤكدة.‏
وذهب الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الطهارة من الأنجاس ومن ‏الأحداث كلها شرط لصحة الطواف، إذا طاف فاقداً أحدها فطوافه باطل لا يعتبر به، سواء كان ‏الطواف فرضاً أو واجباً أو سنة.‏
وبناء على هذا الخلاف:‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ طواف المحدث والجنب والحائض والنفساء صحيح مع الإثم ويجب ‏عليه الإعادة أو الجزاء على التفصيل الآتي في الجنايات.‏
وذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا عبرة بهذا الطواف وعليه العود ‏لأدائه ويظل مُحرَّماً على النساء حتى يرجع ويؤديه بالنسبة لطواف الزيارة أو العمرة، وإن كان ‏غير ذلك يلزمه ما يلزم تارك ذلك الطواف.‏
‏- من أحدث أثناء الطواف:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ من أحدث في أثناء الطواف يذهب فيتوضأ ويتمم الأشواط ‏ولا يعيدها. وذهب المالكية في المشهور والحنابلة إلى أنه يعيد الطواف من أوله ولا يبني على ‏الأشواط السابقة.‏
د- ستر العورة:‏
ذهب الحنفية إلى أن ستر العورة واجب في الطواف.‏
وذهب الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه شرط في الطواف لا يصح ‏بدونه كما قالوا في الطهارة من الأحداث تماماً.‏
فمن أخل بستر العورة في الطواف الإخلال المفسد للصلاة بحسب كل مذهب فسد طوافه ‏وعليه الإعادة.‏
هـ- ابتداء الطواف من الحجر الأسود: ‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن وجوب ابتداء الطواف من الحجر الأسود، فليزم الدم بترك ‏البداية منه في طواف الركن.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه شرط، فلا يعتد بالشوط الذي لم يبدأ من الحجر الأسود ‏عندهم ويحتسب بالشوط الثاني وما بعده، ويصبح الثاني أول الطواف، لأنه قد حاذى فيه الحجر ‏بجميع بدنه، فإذا أكمل سبعة أشواط غير الأول صح طوافه وإلا لم يصح.‏
ولابد عندهم من محاذاة الحجر الأسود بجميع البدن، لأن ما وجب فيه محاذاة البيت ‏وجبت محاذاته بجميع البدن، كالاستقبال في الصلاة.‏
و- أن يكون الحِجْرُ داخلاً في طوافه: ويسمى الحَطِيم وهو الموضع المحاط بجدار ‏مقوس تحت الميزاب جهة شمال الكعبة.‏
ذهب الحنفية إلى أنه لو طاف بالبيت ولم يطف بالحطيم يجب عليه إعادة الطواف مادام ‏في مكة، وإن رجع إلى بلده بغير إعادة فعليه دم.‏
وذهب الجمهور إلى أنه فرض في الطواف، مَن تركه لم يعتد بطوافه، لأنه جزء من ‏الكعبة.‏
فمن ترك الطواف بالحِجْر لم يطف بجميع البيت فلا يصح طوافه أبداً، كما لو ترك ‏الطواف ببعض بناء البيت نفسه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف من وراء الحِجْر.‏
ز- المشي للقادر عليه: ‏
مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، أنه لو طاف راكباً مع قدرته على المشي لزمه دم ‏لتركه واجب المشي، إلا إذا أعاده ماشياً.‏
وذهب الشافعية إلى أنه سنة، وصرحوا بأنه لو طاف راكباً مع القدرة على المشي جاز ‏بلا كراهية.‏
أما إذا كان عاجزاً عن المشي وطاف محمولاً فلا فداء عليه.‏
ح- ركعتا الطواف بعد كل سبعة أشواط: ‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنهما واجب.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنهما سنة مؤكدة.‏
وقال الشافعية والحنابلة: لو صلى الفريضة بعد الطواف أو نافلة أخرى أجزأته عن ‏ركعتي الطواف إذا نواهما معها، ويندب إذا والى بين أكثر من طواف عقبه، ولو قصد كون ‏الركعتين عن الكل كفى بلا كراهة.‏
وقال الحنفية: إنَّه يكره وصل الأسابيع، يعنون سبعة أشواط بسبعة أخرى قبل أن يصلي ‏ركعتي الطواف. وإذا طاف أسبوعاً ووصله بآخر فإنْ تذكر قبل إتمام الشوط الأول قطع وصلى ‏ركعتي الطواف، وإن تذكر بعد إتمام الشوط الأول فالأفضل أن يتمم الأسبوع الثاني ثم يصلي ‏لكل أسبوع ركعتين.‏
وقال المالكية: الواجب الموالاة بين الطواف وبين ركعتيه لأنهما كالجزء منه حتى أن من ‏أحدث بعده قبل صلاة ركعتيه أعاده عندهم. إلا إذا كان قد خرج من مكة وشق عليه الرجوع ‏لإعادة الطواف، فإنه يصلي الركعتين ويبعث بالهدي فداء عن إعادة الطواف، وذلك إذا كان ‏الطواف واجباً، أما إذا لم يكن واجباً فلا يجب عليه الهدي.‏
وذهب غير المالكية إلى أنَّ ركعتي الطواف تؤدان في كل مكان ولو في بلده البعيد، لكن ‏في المسجد الحرام أفضل في أي مكان منه، ومستقبل المقام أفضل. وفي مكة أفضل من غيرها.‏
‏- الاحتراز عن أداء ركعتي الطواف في الأوقات المكروهة:‏
ذهب الحنفية إلى أنَّه يجب الاحتراز عن أدائهما في أوقات الكراهة، فلا تنعقد فيها ‏عندهم، وهي: عند شروق الشمس حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، والزوال هو وقت ‏الظهر، وعند اصفرارها حتى تغرب. وتنعقد مع الكراهة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس ‏وبعد صلاة العصر حتى تصفر، ووافقهم المالكية في الأوقات الثلاثة الأولى.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم الكراهة.‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى نية الاضطباع في كل الأشواط.‏
وذهب الحنابلة إلى استخباية.‏
وذهب المالكية إلى عدم رؤيته سنة ولا مستحباً.‏

‏23- سنن الطواف:‏
أ- الاضطباع: ومعناه أنه عند الشروع في الطواف يجعل وسط الرداء تحت إبطه اليمنى ‏ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، ويُبْقي كتفه اليمنى مكشوفة.‏
ويسن الاضطباع للرجال دون النساء في كل طواف بعده سعي، كطواف القدوم لمن أراد ‏أن يسعى بعده وطواف العمرة وكطواف الزيارة إن أخَّر السعي إليه.‏
وهو سنة في كل أشواط الطواف. وهذا عند الحنفية والشافعية، وصرح الحنابلة ‏باستحبابه. ولم يره المالكية سنة ولا مستحباً.‏
عن يعلى بن أمية : "أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مُضْطَبِعاً" رواه الترمذي. وقال ‏‏: "حديث حسن صحيح".‏
والاضطباع سنة في جميع أشواط الطواف، فإذا فرغ من الطواف ترك الاضطباع، حتى ‏أنه تكره صلاة الطواف مضطبعاً، وهذا أمر مهم ينبغي تنبيه الناس إليه، فإن العامة كثيراً ما ‏يغترون فيواصلون الاضطباع، ويتعرضون لضرر أشعة الشمس فيما لا ثواب فيه.‏
ب- الرمل ثلاثة أشواط كاملة، ثم يمشي أربعة، والرمل معناه إسراع المشي مع تقارب ‏الخطا وهز الكتفين من غير وثب، والرمل يُسَنُّ في كل طواف بعده سعي كالاضبطاع، باتفاق ‏الأئمة الأربعة.‏
وكان ابتداء الرمل في عمرة القضاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "قدمَ رسولُ ‏الله صلى الله عليه وسلم مكةَ وقد وهنتهم حمّى يَثْرِبَ، فقال المشركون : إنه يقدم عليكم قومٌ قد ‏وهنتهم الحمى، ولقوا منها شراً، فأَطْلَعَ اللهُ نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوه، فأمرهم ‏أنْيرمُلوا الأشواطَ الثلاثةَ وأنْ يمشوا ما بين الركنين، فلما رأوهم رملوا قالوا : هؤلاءِ الذينَ ذَكَرْتُم ‏أنّ الحُمّى قدْ وَهَنَتْهُمْ، هؤلاء أجْلَدُ مِنْا ..." رواه البخاري ومسلم.‏
لكن الرّمَلَ ظل في الأشواط الثلاثة بتمامها، فقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم في ‏حجته، وكانت بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً.‏
ملاحظة: ثم الرمل والاضطباع سنة في حق الرجال، أما النساء فلا يُسَنُّ لهن رمل ولا ‏اضطباع.‏
ج- ابتداء الطواف من جهة الركن اليماني قريباً من الحَجَر الأسود، ثم يستقبل الحَجر ‏مهللاً رافعاً يديه، وذلك ليتحقق ابتداء الطواف من الحجر الأسود.‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ المرور بجميع البدن على الحجر الأسود ليس واجباً.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه شرط واجب.‏
ولكن صرح المحققون في المذهب الحنفي باستحباب هذه الكيفية خروجاً من الخلاف.‏
فلو استقبل الحجر مطلقاً ونوى الطواف كفى في حصول المقصود الذي هو الابتداء من ‏الحجر عند الحنفية والمالكية. ولابد أن يمر بجميع بدنه بالحجر الأسود عند الشافعية والحنابلة.‏
أما استقبال الحجر عند ابتداء الطواف فهو سنة عند الحنفية.‏
د- استلام الحجر وتقبيله في ابتداء الطواف وفي كل شوط، وبعد ركعتي الطواف وصفة ‏الاستلام: أن يضع كفيه على الحجر، ويضع فمه بين كفيه ويقبله.‏
عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه قَبَّل الحجر وقال : "إني لأعلم أنك حجر، ولولا أني ‏رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبلتك" متفق عليه.‏
وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني ‏والحجر في كل طَوْفَةٍ. وكان ابن عمر يفعله" رواه أبو داود والنسائي.‏
والتحقيق أنه يستحب أنْ يسجدَ على الحَجَر، لما أخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس ‏‏"أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد على الحجر".‏
أما إذا كان في الطواف زحام فالأولى أن يترك إيذاء الناس في سبيل تقبيل الحجر ‏الأسود، ويمسه بيده ثم يقبلها، أو يمس الحجر بشيء في يده كالعصا مثلاً ثم يقبله.‏
وإن لم يستطع أن يستلم الحجر بيده أو يمسه بشيء فإنه يستقبله من بُعْدٍ ويشير إليه بباطن ‏كفيه كأنه واضعهما عليه، ويهلل ويكبر.‏
وذلك لأن تقبيل الحجر سنة، وترك إيذاء الناس واجب، فلا يهمل الواجب لأجل السنة.‏
عن أبي الطُّفَيْل قال : "رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يطوفُ بالبيت ويستلمُ الرُّكْن ‏بِمحْجن معه وَيُقبِّل المحجن" رواه مسلم.‏
وعن ابن عباس قال : "طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير كلما أتى الركن ‏أشار إليه بشيء كان عنده وكبر" رواه البخاري.‏
هـ- استلام الركن اليماني، بوضع اليدين عليه، وهو الركن الواقع قبل ركن الحجر ‏الأسود.‏
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى سنية استلام الركن اليماني. عن ابن عمر رضي ‏الله عنهما قال : "ما تركْتُ استلام هذين الركنين : اليماني والحجر الأسودِ مُذْ رأيت رسولَ الله ‏صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُما" رواه مسلم.‏
واتفقت المذاهب على أنه لا يقبله، ولا يسجد عليه.‏
وذهب الحنفية إلى أنه لا يقبل يديه أو يمينه بعد ما استلم الركن اليماني، ولا يشير إليه ‏عند العجز عن الاستلام باليدين.‏
وذهب المالكية إلى إن لم يستطع لمس الركن بيده كبر ومضى.‏
وذهب الشافعية إلى أنه لا يقبل الركن اليماني ولكن يقبل ما استلم به الركن اليماني بعد ‏الاستلام ويشير إليه عند العجز عن الوصول إليه.‏
وذهب الحنبلية: إلى أنَّه يشير إليه عند العجز.‏
أما غير هذين الركنين فلا يسن استلامه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم هذين ‏الركنين ولا يستلم غيرهما :‏
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : "لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلمُ ‏مِنَ البيت إلا الركنين اليمانيين" متفق عليه.‏
و- أن يكون الطائف قريباً من البيت، أما النساء فيُسن لهن أن لا يقربن البيت حال ‏طواف الرجال خشية مخالطتهم.‏
نص على هذه السنة الشافعية، وعللوها بأنها : "لشرف البيت، ولأنه أيسر في الاستلام ‏والتقبيل". وجعله المالكية مستحباً قياساً لصفوف الطواف على صفوف الصلاة.‏
وسنية اقتراب الرجال من البيت، وابتعاد النساء حال خوف الاختلاط سنة هامة تحول ‏دون تسبب انشغال الفكر وتشويش الطائفين. فلو فات الرمل بمراعاة القرب من البيت، فالرمل مع ‏البعد أولى، إلا إذا كان الزحام شديداً وخاف صدم النساء لو أبعد، فالقرب حينئذ مع ترك الرمل ‏أولى.‏
ز- أن يوالي أشواط طوافه، ولا يفصل بينها: ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنبلية ‏إلى أن الموالاة بين الأشواط وأجزاء الطواف سنة.‏
ودليل سنيتها مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك كما هو ظاهر لمن تأمل ‏أحاديث الطواف التي ذكرناها قبل.‏
وذهب المالكية إلى وجوب المولاة وأوجبوا على تاركه الدم، استدلالاً بفعله صلى الله ‏عليه وسلم، واستدلوا أيضاً بالقياس على الصلاة لحديث : "الطواف صلاة".‏
لكن اتفق الجمهور على أنه لو أقيمت الصلاة المكتوبة فإنه يُسن له أن يقطع الطواف ‏ليدرك الجماعة.‏
وقال المالكية إنه يجب عليه قطع الطواف، فإذا انتهى من الصلاة أتم الأشواط السابقة، ‏ولا حاجة لإعادتها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:58 AM
الباب الثالث
‏24- واجبات الحج



الواجب في الحج هو ما يطلب فعله ويحرم تركه. لكن لا يفسد الحج بتركه، بل يكون ‏تاركه مسيئاً، ويجب عليه الفداء لجبر النقص الحادث من ترك الواجب، إلا إذا تركه لعذر معتبر ‏شرعاً فلا فداء عليه.‏
والواجبات التي نتكلم عليها هنا هي الواجبات الأصلية وهي أعمال مستقلة بنفسها ليست ‏تابعة لغيرها من فروض الحج أو واجباته.‏
وقد عد الحنفية واجبات الحج الأصلية هذه خمسة هي :‏
السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير، ‏وطواف الصدرَ أي الوداع.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:00 AM
الفصل الأول
‏25- السعي بين الصَّفَا والمروَة



أ- الصفا: جمع صفاة وهي الصخرة والحجر الأملس.‏
المروة: حجر أبيض برَّاق، وتجمع على مرور.‏
والمراد بالصفا والمروة الجبلان الصغيران اللذان على مقربة من البيت العتيق. وقد ‏أصبحا ملاصقين لبناء المسجد بعد التوسعة التي شيدت للمسجد الحرام. لكن مكانهما وكذا ‏المَسْعى الذي بينهما ليس من المسجد : فلا يأخذ حكم المسجدِ، فليعلم.‏
ب- والسعي بين الصفا والمروة مأخوذ من طواف هاجَرَ أم إسماعيلَ في طلب الماء، ‏كما في صحيح البخاري من حديث طويل عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال :‏
‏"... وجَعَلَتْ أمّ إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِد ما في ‏السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر ‏إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى ‏أحداً؟ فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي طَرَف دِرْعها ثم سعت سعي الإنسان ‏المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً ؟ فلم تر ‏أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "فذلك سَعْيُ الناس ‏بينهما" فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت : "صَهِ" تريد نفسها، ثم تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ ‏أيضاً، فقالت : "قد أسمعتَ إنْ كان عندك غَوَّاثٌ" فإذا هي بالمَلَكِ عند موضع زمزمَ، فبحث بعقبه ‏‏- أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء..".‏
ج- أدلة وجوب السعي :‏
ذهب الحنفية إلى أن السعي واجب في الحج وليس بركن.‏
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه ركن من أركان الحج لا يصح بدونه، حتى لو ترك الحاج ‏خطوة منه يؤمر بأن يعود إلى ذلك الموضع فيضع قدمه عليه ويخطو تلك الخطوة.‏
وعلى مذهب إيجاب السعي فقد يسعى وهو حلال عند الحنفية، إذا فعل ما يتحلل به قبل ‏السعي. أما على أنه ركن فلا يتحلل إلا بعد السعي.‏


‏26- شرائط صحة السعي :‏
أ- أن يسبقه الإحرام بالحج أو العمرة، لأنه من واجباتهما، فلو سعى ثم أحرم لم يصح ‏سعيه.‏
ب- أن يكون بعد الطواف، وهو شرط متفق عليه بين الأئمة، لأن النبي صلى الله عليه ‏وسلم هكذا فعل، كما في حديث جابر وغيره، وقد قال صلى الله عليه وسلم : "أيها الناسُ خذوا ‏عني مناسككم" أخرجه مسلم والنسائي، ولأن السعي تابع للطواف فلا يجوز أن يتقدمه.‏
ولما وجب السعي تابعاً للطواف نص على أن وقته الأصلي، في الحج يوم النحر بعد ‏طواف الإفاضة، لأنه واجب فلا يكون تابعاً لطواف سنة، لكن يجوز تقديمه وأداؤه بعد طواف ‏القدوم، تيسيراً على الحجاج، لازدحام أشغالهم يوم النحر، فإن لم يَسْعَ عقب طواف القدوم ‏مباشرة، فإنه يطوف للنفل ثم يسعى بعده عند الحنفية.‏
وقال الشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون السعي بعد طواف ركن أو قدوم، ولا يخل ‏الفصل بينهما ما لم يتخلل الوقوف بعرفة، فإن تخلل الوقوف بعرفة لم يجزه السعي إلا بعد طواف ‏الإفاضة. ‏
وذهب المالكية مثل ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة لكن قالوا: إذا سعى بعد طوافٍ غير ‏هذينْ فعليه الدم.‏

‏27- أركان السعي:‏
أ- ذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنبلية إلى أنَّ القدر الذي لا يتحقق السعي بدونه ‏سبعة أشواط، لإجماع الأمة على فعله كذلك، ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فلو نقص منها ‏خطوة لم يتحلل من إحرامه حتى يستكملها.‏
وذهب الحنفية إلى أنه يكفي لإسقاط الواجب أربعة أشواط لأنها أكثر السعي، وللأكثر ‏حكم الكل، فلو سعى أقل من أربعة أشواط فعليه دم عند الحنفية لأنه لم يؤد الواجب.‏
واتفق الفقهاء على أنه يَعُدُّ من الصفا إلى المروة شوطاً ومن المروة إلى الصفا شوطاً ‏آخر باتفاق المذاهب الأربعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بينهما سبعاً : "ابتدأ بالصفا ‏وكان آخر طوافه على المروة"، فدل على أنه احتسب كل مسيرة بينهما شوطاً، وإلا كان آخر ‏طوافه عند الصفا.‏
ب- البداية بالصفا، حتى لو بدأ بالمروة لغا هذا الشوط، واحتسب الأشواط ابتداء من ‏الصفا، على الرواية المشهورة في مذهب الحنفية، وهو مذهب الجمهور.‏

‏28- واجبات السعي:‏
أ- ذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب المشي بنفسه، إذا كان قادراً على المشي.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه سنة، بل هو الأفضل عند الشافعية.‏
ب- إكمال عدده سبعةَ أشواط، فإن ترك أقل هذا العدد وهو إتيان ثلاثة أشواط صح سعيه ‏وعليه صدقة لكل شوط عند الحنفية.‏

‏29- سنن السعي:‏
أ- الموالاة بين الطواف والسعي، فلو فصل بينهما طويلاً بغير عذر فقد أساء، ولا شيء ‏عليه اتفاقاً بين المذاهب الأربعة.‏
ب- أن يستلم الحجر الأسود قبل الذهاب للسعي إن استطاع، وإلا أشار إليه بيده.‏
ج- يستحب أن يسعى على طهارة من النجاسة ومن الحدث الأصغر والأكبر، فلو خالف ‏صح سعيه عند الأئمة الأربعة.‏
د- أن يصعد على الصفا والمروة كلما بلغها في سعيه، بحيث يشاهد البيت العتيق. أما ما ‏يفعله بعض الناس من الصعود حتى يلتصقوا بالجدار فمخالف لطريقة السنة.‏
هـ- أن يستقبل القبلة ويكبر ويهلل ويدعو ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إذا ‏صعد الصفا أو المروة.‏
و- السعي الشديد بين العمودين الأخضرين المنصوبين في جدار المسعى في الأشواط ‏السبعة، ويستحب أن يكون فوق الرمَل ودون العَدْوِ. والسنة أن يمشي فيما سوى ذلك المكان.‏
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا طاف بالبيت ‏الطواف الأول خَبَّ ثلاثاً ومشى أربعاً، وكان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة". ‏متفق عليه.‏
وهذا الحكم خاص بالرجال دون النساء ، لأن حالهن مبني على الستر. فالسنة في حقهن ‏المشي فقط.‏
ز- الموالاة بين أشواط السعي:‏
ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنبلية إلى أن الموالاة بين أشواط السعي سنة.‏
وقال المالكية: الموالاة بين أشواط السعي شرط لصحة السعي، فلو فصل بينها بفاصل ‏طويل ابتدأ السعي من جديد. على تفصيل لا نطيل به.‏
ح- تفرد الشافعية بسنية الاضطباع في السعي، وخالفهم الجمهور، لعدم ثبوت دليل على ‏سنيته.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:04 AM
الفصل الثاني ‏
الوقوف بالمزدلفة




‏30- المُزْدَلِفَة :‏
اسم بقعة من الأرض، مأخوذ من الزُّلْفة بمعنى القُرْبة، لأنها يتقرب فيها إلى الله.‏
وتسمى المزدلفة جمعاً : لاجتماع الناس فيها، أو لجمع صلاتي المغرب والعشاء بها.‏
وتسمى المَشْعَرَ الحرام : باسم الجبل الموجود فيها وهو جبل قُزَح.‏
وتقع المُزْدَلِفَةُ بين مَأْزِمي عرفة وهو المضيق بين الجبلين عند نهاية عرفة جهة المزدلفة ‏وبين وادي مُحَسِّر الذي يفصل بينها وبين منى، وكلها من الحرم.‏
والمزدلفة كلها موقف إلا وادي مُحَسِّرٍ، فليس بموقف، لا خلاف في ذلك بين العلماء. ‏والدليل النقلي عليه هو حديث جابر، فإن فيه قوله صلى الله عليه وسلم :‏
‏"وكُلُّ المُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ وارْتَفِعُوا عنْ بَطْنِ مُحَسِّر".‏

‏31- حكم الوقوف بالمزدلفة:‏
اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أن الوقوف بالمزدلفة واجب وليس بركن، واستدلوا ‏على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عروة بن مضرس : "من شهد صلاتنا هذه، ووقف ‏معنا حتى يدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه".‏

‏32- وقت الوقوف بالمزدلفة:‏
اتفقوا على أن المبيت بالمزدلفة الذي هو المكث معظم ليلة النحر فيها سنة.‏
واختلفوا في وقت أداء الوقوف الواجب:‏
فذهب الحنفية إلى أنه ما بين طلوع الفجر يوم النحر وطلوع الشمس، فمن حصل ‏بمزدلفة في هذا الوقت فترة ما من الزمن فقد أدرك الوقوف سواء بات بها أو لا، ومن لم يحصل ‏بها فيه فقد فاته الوقوف، قالوا: والسنة أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة اقتداء بفعل النبي صلى الله ‏عليه وسلم فإنه بات بها.‏
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أن زمن الوقوف الواجب هو المكث بالمزدلفة من الليل.‏
ثم اختلفوا فقال المالكية: النزول بمزدلفة قدر حط الرحال - أي أحمال الجمال - في ليلة ‏النحر واجب، والمبيت بها سنة.‏
وقال الشافعية والحنابلة: يجب الوجود بمزدلفة بعد نصف الليل ولو ساعة لطيفة أي فترة ‏ما من الزمن ولو قصيرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها، وقد قال : "خذوا عني ‏مناسككم" والمبيت هو المكث بعد نصف الليل، فيكون هو الواجب. ولأنه أبيح الدفع بعد نصف ‏الليل بما ورد من الرخصة فيه، فدل على أن وقته بعد نصف الليل.‏
ويتفرع على هذا الخلاف ما يلي:‏
‏1) ذهب المالكية إلى أنه من بات بمزدلفة قبل منتصف ليلة النحر قدر (حط الرحال) ‏أجزأه، إلا إذا عاد إليها قبل الفجر فإنه يسقط عنه الواجب عند الشافعية والحنابلة، ويسقط عند ‏الحنفية إذا وجد فيها بعد الفجر.‏
‏2) ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه من وُجِدَ بمزدلفة بعد منتصف الليل أجزأه.‏
وذهب المالكية إلى أنه لا يجزيه إلا إذا استمر قدر حط الرحال.‏
وذهب الحنفية إلى أنه لا يجزيه إلا إذا وجد فيها بعد الفجر.‏
‏3) ذهب الحنفية إلى أنه من وُجد بمزدلفة بعد الفجر ولم يوجد بها قبل الفجر أجزأه.‏
وذهب الجمهور إلى أنه لا يجزيه.‏
‏4) من اتبع السنة فبات بالفجر ووقف فيها بعده صح وقوفه إجماعاً.‏

‏33- سنن الوقوف بمزدلفة:‏
‏1) أن يعجل بصلاة الفجر فور دخول وقتها، ولا يسن ذلك عند الحنفية إلا هنا اتباعاً ‏للسنة.‏
‏2) أن يستمر في المزدلفة واقفاً يدعو ويكبر ويهلل ويلبي عند المشعر الحرام - وهو جبلَ ‏قُزَح الذي عليه المِيْقَدَةُ المضيئة بالأنوار - يستمرُّ حتى يُسْفِرَ الفجرُ جداً - أي يستضيء - اتباعاً ‏للسنة. وقد أزيل الجبل في توسعات المناسك، وأقيم مكانه مسجد عظيم.‏
‏3) أن يدفع من المزدلفة إلى منى قبل أن تطلع الشمس.‏
فعن عمرو بن ميمون قال : شهدتُ عمر رضي الله عنه صلى بجمع الصبح، ثم وقف ‏فقال: "إنّ المشركينَ كانوا لا يُفِيْضُون حتى تطلعَ الشمس، ويقولون : "أَشْرِقْ ثَبِيْر"، وإن النبي ‏صلى الله عليه وسلم خالفهم، ثم أفاضَ قبل أنْ تطلعَ الشمس" أخرجه البخاري.‏
‏4) من اتبع السنة فبات بالمزدلفة قبل الفجر ووقف فيها بعده صح وقوفه إجماعاً.‏
‏ ‏
سنن الوقوف بمزدلفة :‏
الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة :‏
أ- ذهب الحنفية إلى وجوب تأخير المغرب إلى المزدلفة، لِتُصَلَّى مع العشاء جمع تأخير، ‏فمن صلى المغرب في عرفة، أو في الطريق إلى المزدلفة يجب عليه إعادتها ما لم يطلع الفجر ‏عند أبي حنيفة.‏
وذهب الشافعية إلى أنَّ هذا الجمع سنة وليس بواجب، لأنه شرع لِعِلَّةِ السفر فلا يكون ‏واجباً.‏
ب- وهذا الجمع من مناسك الحج واجب عند الحنفية وحدهم لذلك اشترطوا فيه، ما يلي:‏
‏1) سبق الإحرام بالحج.‏
‏2) أن تؤدى الصلاتان في المكان المعين وهو المزدلفة.‏
‏3) أن يكون الأداء في الزمان الخاص وهو ليلة عيد النحر، وفي وقت صلاة العشاء، ‏حتى لو بلغ المزدلفة قبل العشاء يجب عليه تأخير المغرب إلى دخول وقت العشاء.‏
لكن لا تشترط الجماعة لهذا الجمع لأن المغرب مؤخرة عن وقتها، بخلاف الجمع بعرفة ‏لأن العصر مقدم على وقته.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:08 AM
الفصل الثالث
‏34- رَمْيِ الجِمَار




أ- الرمي لغة: القذف.‏
والجِمار: الأحجار الصغيرة، جمع جَمْرَةٍ وهي الحصاة.‏
وسمي موضع الرمي جمرة أيضاً لاجتماع الحصى فيه، وليست الجمرة هي الشاخصَ ‏‏"العمود" الذي تجده هناك في منتصف المرمى، بل الجمرة هي المرمى المحيط بذلك الشاخص.‏
ب- والجمرات التي تُرْمَى ثلاثة:‏
جمرة العَقَبَةِ: وهي الجمرة الكبرى، وتقع في آخر مِنَى تجاه مكة. وليست من مِنَىً وتُرمى ‏من جهة واحدة من بطن الوادي وهو الشارع الذي تجاهها الآن بالنسبة للرمي من الأرض. أما ‏رميها من فوق الجسر فمن جميع الجهات.‏
والجمرة الوسطى: أول جمرة بعد العقبة تجاه منى، وتُرْمَى من جميع الجهات.‏
والجمرة الصغرى: أول جمرة بعد مسجد الخيف بمنى، وتُرْمَى من جميع الجهات أيضاً.‏
ج- دليل وجوب الرمي:‏
وقد اتفقت المذاهب على وجوب رمي الجِمار واستدلوا على ذلك بالسنة والاجماع.‏
فمن السنة : فعله صلى الله عليه وسلم.‏
وأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على وجوبه فيكون واجباً.‏

‏35- ركن الرمي الذي لا يتحقق بدونه:‏
أن يكون هناك قذف ولو خفيفاً.‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه لو طرحها طرحاً أجزأه لأن الرمي قد وجد بهذا الطرح، ‏إلا أنه رمي خفيف، فتثبت الإساءة به.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا يجزئه الطرح بتاتاً، أما لو وضعها وضعاً فلا يصح ‏اتفاقاً.‏

‏36- شروط صحة الرمي :‏
أ- ذهب الجمهور - المالكية والشافعية والحنابلة - إلى أن يكون المَرْمِيُّ حجراً، فلا يصح ‏الرمي بالطين والمعادن والتراب، والسنة أن يكون مثل حصى الخذْف فوق الحمصة ودون ‏البندقة باتفاقهم جميعاً، استدلالاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.‏
وذهب الشافعية إلى إجازة الشافعية الرمي بالحجر الصغير الذي كالحمصة.‏
وذهب المالكية إلى عدم إجازة ذلك، بل لا بد أن يكون عندهم أكثر من ذلك.‏
وذهب الحنفية إلى أن الشرط أن يكون المرمِيُّ من جنس الأرض، فيصح بالطين ‏والتراب عندهم، ولا يصح بالمعادن، لأن المقصود فعل الرمي، وذلك يحصل بالطين كما يحصل ‏بالحجر، بخلاف ما إذا رمى بالذهب أو الفضة، لأنه يسمى نِثاراً لا رمياً".‏
ب- أن يرميَ سبع حصيات على كل جمرة، واحدةً فواحدةً، فلو رمى السبع جملة فهي ‏واحدة، ويلزمه أن يرمي بست سواها. لا خلاف في ذلك بين الأئمة.‏
ج- د- أنْ يقصد المَرْمى في رميه وأنْ تتحقق إصابته. فلو ضرب شخصٌ يدَه فطارت ‏الحصاة إلى الجمرة لم يصح.‏
ذهب الحنفية إلى أنه إذا رمى الحصاة فوقعت قريباً من الجمرة جاز، ولو وقعت بعيداً ‏منها يجزيه لأن الرمي لم يُعرف قُرْبَةً إلا في مكان مخصوص.‏
وقدر الحنفية القرب بقدر ذراع، فلو وقعت الحصاة خارج الدائرة التي يجتمع فيها ‏الحصى صح عند الحنفية لأن هذا القدر مما لا يمكن الاحتراز عنه.‏
وذهب الشافعي المالكية والحنبلية: إلى أنَّ الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من ‏الحصى، فمن أصاب مجتمعه أَجْزَأه، ومن أصاب سائله لم يُجْزِه".‏
هـ- الوقت : فكل رَمْيٍ وقتٌ خاص به.‏

‏37- سنن الرمي: وهي أربع:‏
أ- أن يكون بين الرامي وبين الجمرة خمسة أذرع فأكثر.‏
ب- الموالاة بين الرميات السبع، فيكره الفصل بينها، لما ورد من فعله صلى الله عليه ‏وسلم، فإنه رماها في موقف واحد.‏
ج- ترتيب الجمرات في رمي أيام التشريق: بأن يبدأ بالجمرة الصغرى التي تلي مسجد ‏الخَيْفِ، ثم الوسطى ثم جمرة العقبة.‏
ذهب الحنفية في التحقيق أن هذا الترتيب سنة. استدلالاً بفعله صلى الله عليه وسلم ‏وفسروه بأنه على سبيل السنة لا الوجوب.‏
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "مَنْ قدَّمَ مِن نُسُكِه شيئاً أو أخّره فلا شيءَ عليه".‏
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه شرط لصحة الرمي، فلو عكس الترتيب فبدأ بالعقبة ثم ‏الوسطى ثم الصغرى وجب عليه إعادة رمي الوسطى والعقبة عندهم، ليتحقق الترتيب.‏
واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها كذلك فيجب الاقتداء به:‏
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يرمي الجمرةَ الدُّنْيا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ يكبِّرُ على ‏إثْرِ كل حصاة، ثم يتقدمُ حتى يُسْهِلَ، فيقومَ مستقبلَ القبلة، فيقومُ طويلاً، ويدعو ويرفعُ يديه، ثم ‏يرمي الوُسْطى ثم يأخذُ ذاتَ الشِّمال فَيَسْتَهِلُ(1) ويقومُ مستقبلَ القبلة، فيقومُ طويلاً ويدعو ويرفعُ ‏يديه، ويقومُ طويلاً، ثم يرمي جمرةَ ذات العقبة من بطنِ الوادي ولا يقفُ عندها، ثم ينصرفُ ‏فيقول: هكذا رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يفعَلُهُ أخرجه البخاري.‏
د- أن يقف إثر كل رمي آخر مدةَ ما يقرأ ثلاثة أرباع جزء من القرآن، وأدناه قدر ‏عشرين آية، فيقف بعد رمي الجمرة الصغرى، وبعد الوسطى لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء ‏فيه، وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف لأن العبادة قد انتهت. فلا يقف بعد جمرة العقبة يوم النحر ‏ولا أيام التشريق أيضاً.‏

‏38- توقيت الرمي وعدده:‏
أيام الرمي أربعة: يوم النحر العاشر من ذي الحجة، وثلاثة أيام بعده. وتسمى "أيام ‏التشريق".‏
أ- الرمي يوم النحر :‏
واجب الرمي فيه رمي جمرة العقبة وحدها، يرميها بسبع حصيات.‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن وقت الرمي يبدأ من طلوع فجر يوم النحر. وهذا الوقت ‏أقسام:‏
وقت ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من يوم النحر وقت الجواز مع الإساءة، وما ‏بعد طلوع الشمس إلى الزوال وقت مسنون، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، ‏والليل وقت الجواز مع الإساءة يعني ولا جزاء فيه عند الحنفية فقط.‏
وتحديد الوقت المسنون مأخوذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رمى في ذلك ‏الوقت.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أول وقت جواز الرمي إذا انتصفت ليلة يوم النحر لمن ‏وقف بعرفة قبله.‏
وللرمي ثلاثة أوقات عند الشافعية: "وقت فضيلة إلى الزوال، ووقت اختيار إلى ‏الغروب، ووقت جواز إلى آخر أيام التشريق". أي قبل غروب الشمس يوم الثالث عشر من ذي ‏الحجة.‏
وآخر وقت الرمي:‏
عند الحنفية إلى فجر اليوم التالي.‏
وعند المالكية إلى المغرب، حتى يجب الدم إن أخره عنه على المشهور عندهم.‏
عند الشافعية والحنبلية يمتد إلى آخر أيام التشريق. لأنها كلها أيام رمي.‏
استدل أبو حنيفة:‏
‏________________‏
‏(1) يسير في السهل.‏
بحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم سأله رجل قال : "رميتُ بعد ما أَمْسَيْتُ؟ فقال ‏‏: "لا حرج". أخرجه البخاري. وهو يدل على جواز الرمي بعد الزوال.‏
وحديث ابن عباس أيضاً "أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّصَ للرِّعاءِ أن يَرْمُوا ليلاً" ‏أخرجه ابن أبي شيبة.‏
وهو يدل على أن وقت الرمي في الليل جائز، وفائدة الرخصة زوال الإساءة عنهم تيسيراً ‏عليهم، ولو كان الرمي واجباً قبل المغرب لألزمهم به، لأنهم يستطيعون إنابة بعضهم على ‏الرعي.‏
وعلى ذلك فالرمي قبل المغرب يوم النحر ليس فيه كراهة اتفاقاً، وهو قليل الزحام فراع ‏ذلك، وإن وجدت فيه زحاماً فالمدة متسعة.‏
ب- الرمي في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق : (الحادي عشر والثاني عشر من ‏ذي الحجة) :‏
يجب فيهما رمي الجمار الثلاث على الترتيب : يرمي أولاً الجمرة الصغرى التي تلي ‏مسجد الخَيْفِ، ثم الوسطى، ثم يرمي جمرة العقبة، يرمي كل جمرة بسبع حصيات.‏
يبدأ وقت الرمي في هذين اليومين من أيام التشريق بعد الزوال، حتى لا يجوز الرمي ‏فيهما قبل الزوال، باتفاق الأئمة وجماهير العلماء، وهي الرواية المشهورة الظاهرة عن أبي ‏حنيفة.‏
ورُوي عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يرمي بعد الزوال في اليوم الثاني والثالث من أيام ‏النحر وهما الأول والثاني من أيام التشريق فإن رمى قبل الزوال جاز. واسْتُدِلَّ له بقياس أيام ‏التشريق على يوم النحر، لأن الكل أيام رمي.‏
وعن أبي حنيفة: "إن كان مِنْ قصده أن يتعجل في النفر الأول فلا بأس بأن يرمي في ‏اليوم الثالث -من أيام النحر - قبل الزوال، وإن رمى بعده فهو أفضل، وإن لم يكن ذلك من قصده ‏لا يجوز أن يرمي إلا بعد الزوال، وذلك لدفع الحرج لأنه إذا نفر بعد الزوال لا يصل إلى مكة إلا ‏بالليل، فَيُحْرَجُ في تحصيل موضع النزول". وقوّى بعض متأخري الحنفية هذا الروابة توفيقاً بين ‏الروايات عن أبي حنيفة.‏
ونظراً لشدة الزحام في زماننا حتى تجاوز عدد الحجاج ألفي ألف (مليونين) اتجهت لجان ‏الإفتاء للأخذ بما روي عن أبي حنيفة في الروايتين الأخيرتين، وقد وافقه بعض أهل العلم منهم ‏عطاء بن أبي رباح الإمام التابعي الجليل.‏
ج- نهاية وقت الرمي:‏
ذهب الحنفية إلى أنه ينتهي رمي اليوم الثاني من أيام النحر بطلوع فجر اليوم الثالث، ‏ورمي اليوم الثالث بطلوع الفجر من اليوم الرابع، فمن أخر الرمي إلى ما بعد وقته فعليه دم عند ‏أبي حنيفة.‏
والوقتُ المسنونُ يمتد من زوال الشمس إلى غروبها، بدليل فعله صلى الله عليه وسلم.‏
والدليل على جواز الرمي بعد مغرب نهار الرمي حيث الإذن للرعاء بالرمي ليلاً.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن آخر الوقت بغروب شمس اليوم الرابع من أيام النحر، ‏وهو آخر أيام التشريق الثلاثة. فَمَنْ تَرَكَ رميَ يوم أو يومين تداركه فيما يليه من الزمن، وإن لم ‏يتدارك الرمي حتى غربت شمس اليوم الرابع فقد فاته الرمي وعليه الجزاء.‏
وذهب المالكية إلى أنه ينتهي الأداءُ إلى غروبِ كل يوم، وما بعده قضاء له، ويفوت ‏الرمي بغروب الرابع، ويلزمه دم في ترك حصاة أو في ترك الجميع، وكذا يلزمه الدم إذا أخر ‏شيئاً منها إلى الليل.‏
د- النَّفْر الأول :‏
إذا رمى الحاج الجمار ثاني أيام التشريق أي ثالث أيام النحر يجوز له أن يَنْفِرَ - أي ‏يرحل - إلى مكة، إنْ أحب التعجيل في الانصراف من منى، ويسمى هذا اليومَ يومَ النَّفْرِ الأول، ‏وبه يسقط رمي اليوم الثالث من أيام التشريق. وهو قول عامة العلماء.‏
ومن أدلتهم :‏
قوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجْلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَنْ تَأخّرَ فَلا إثْمَ عَليْهِ لِمَنِ اتَّقَى} ‏‏[البقرة: 203].‏
لكن اختلفوا في وقت جواز النَّفْر الأول:‏
ذهب الحنفية إلى أن له أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع من أيام النحر، فإذا طلع ‏الفجر لم يكن له أن ينفر، لدخول وقت الرمي حتى لو أعد نفسه، وسار من منزله، فطلع الفجر ‏قبل مجاوزة حدود منى - وهي جمرة العقبة جهة مكة - وجب عليه رمي اليوم الرابع.‏
وذهب الجمهور - المالكية والشافعية والحنبلية - إلى أن له أن ينفر قبل غروب الشمس، ‏فإن غربت قبل خروجه من حدودها وجب عليه المبيت ورمي اليوم الرابع، سواء كان ارتحل، أو ‏كان مقيماً في منزله.‏
لكن الشافعية ترخصوا وأجازوا النفر لمن تمت أشغاله وسار بالفعل قبل الغروب وهو ‏في شغل الارتحال فغربت عليه الشمس قبل انفصاله من منى فجوزوا له النفر، وكذا لو غربت ‏الشمس بعدما رمى وهو في شغل الاتحال له النفر عندهم، لأن في تكليفه حلَّ الرَّحْلِ والمتاع ‏مشقة عليه.‏
أما إذا حزم متاعه وسار للرمي، ورحل بعد الرمي مواصلاً سيره كما يفعل كثيرون ‏فغابت عليه الشمس قبل الرمي أو قبل أن يبدأ بالرمي فهل له أن ينفر بعد هذا الرمي ؟ ظاهر ‏شروطهم لا يجوز، وتعليلهم برفع المشقة بظاهره الجواز. ومذهب الحنفية أوسع في هذا.‏
هـ- الرمي ثالث أيام التشريق : (رابع أيام النحر) :‏
يجب هذا الرمي على من تأخر ولم ينفر من منى في "النفر الأول" وهذا الرمي آخر ‏مناسك منى.‏
واتفق العلماء على أن الرمي في هذا اليوم بعد الزوال رمي في الوقت، كما رمى في ‏اليومين قبله، اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.‏
فمذهب أبي حنيفة : يجوز أن يقدم الرمي في هذا اليوم قبل الزوال، بعد طلوع الفجر. ‏ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم في حق الترك فلأن يظهر في جوازه - أي الرمي - في الأوقات ‏كلها أولى.‏
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه لا يصح قبل الزوال.‏
واتفقوا على أن آخر وقت الرمي في هذا اليوم غروب الشمس، كما اتفقوا على أن وقت ‏الرمي لهذا اليوم وللأيام الماضية لو أخره أو شيئاً منه يخرج بغروب شمس اليوم الرابع، فلا ‏قضاء له بعد ذلك، ويجب في تركه الفداء.‏
و- النفر الثاني:‏
إذا رمى الحاج الجمار في اليوم الثالث من أيام التشريق - وهو رابع أيام النحر انصرف ‏من منى إلى مكة، ولا يقيم بمنى بعد رميه هذا اليوم، ويسمى يوم "النفر الثاني" وهو آخر أيام ‏التشريق، وبه تنتهي مناسك منى.‏

‏39- النيابة في الرمي: (الرمي عن الغير):‏
أ- المعذور الذي لا يستطيع الرمي بنفسه كالمريض يجب أن يستنيبَ مَنْ يرمي عنه، ‏وينبغي أن يكونَ النائب قد رمى عن نفسه، فإن لم يكن رمى عن نفسه فليرم عن نفسه الرمي كله ‏ليومه أولاً، ثم ليرم عمن استنابه، ويجزيء هذا الرمي عن الأصيل عند الحنفية والشافعية ‏والحنبلية. وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه رمى حصاة لنفسه وأخرى للآخر جاز ويكره.‏
وقال الشافعية: إن الإنابة خاصة بمريض لا يرجى شفاؤه قبل انتهاء أيام التشريق، وعند ‏الشافعية قول إنه يرمي حصيات الجمرة عن نفسه أولاً، ثم يرميها عن نائبه إلى أن ينتهي من ‏الرمي. وهو مخلص حسن لمن خشي خطر الزحام.‏
ب- ومَنْ عَجز عن الاستنابة كالصبي، والمغمى عليه، فيرمي عن الصبي وليه اتفاقاً. ‏وعن المغمى عليه رفاقه عند الحنفية، ولا فدية عليه وإن لم يرم عند الحنفية.‏
وقال المالكية: فائدة الاستنابة أن يسقط الإثم عنه إن استناب وقت الأداء. وإلا فالدم عليه ‏استناب أم لا، إلا الصغير ومَنْ أُلْحِقَ به، وإنما وجب عليه الدم دون الصغير ومن أُلحِق - ‏كالمُغْمَى عليه - لأنه المخاطب بسائر الأركان.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:09 AM
الفصل الرابع



‏40- الحَلق والتقصير
‏ ‏
أ- الحلق: إزالة الشعر بالموسى من الرأس.‏
والتقصير: أخذ جزء من الشعر بالمقص ونحوه.‏
كان العرب يطلقون شعرهم لا يحلقونه ولا يقصرونه، فأمر الله الحاج والمعتمر بحلق ‏شعر الرأس أو تقصيره.‏
ب- وقد اتفق جماهير العلماء على أن الحلقَ نُسُك يُتَعَبَّد به في الحج والعمرة، واتفقوا ‏على أنه لا يجزئ أخذ شعر غير الرأس.‏
ومذهب الحنفية والمالكية والحنابلة أنه واجب من واجبات الحج.‏
ومن أدلتهم:‏
‏1) قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ‏وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ} [الفتح: 27].‏
وجه الاستدلال: أن الآية وإن كانت خبراً ووعداً من الله، فلابد من إيجابه عليهم ليتحقق ‏وعده تعالى.‏
‏2) حديث ابن عباس -رضي الله عنهما ،طوفوا بالبيتِ، وبالصفا والمروة، ثم يَحِلُّوا ‏ويَحْلِقوا أو يُقَص في المشهور عنه الراجح في المذهب إلى أن الحلق ركن في الحج، لتوقف ‏التحلل عليه، مع عدم جبره بالدم في مذهبه فصار كالطواف.‏
‏41-‏ القدار الواجب في الحلق والتقصير.‏
اختلف الأئمة في القدر الذي يجزئ حلقه أو تقصيره من شعر الرأس:‏
ذهب الحنفية إلى أنه يكفي في أداء الواجب حلقُ ربع الرأس أو تقصيره، مع الكراهة ‏لتركه السنة، وهي حلق جميع الرأس أو تقصيره.‏
ذهب الشافعية إلى أنه: يكفي إزالة ثلاث شعرات أو تقصيرها، لقوله تعالى: {مُحَلِّقِينَ ‏رُءُوسَكُمْ..} فإنّ معناه شعر رؤوسكم، والشعر يصدق بالثلاث، لأنه اسم جميع.‏
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنَّ الواجب حلق جميع الرأس أو تقصيره، وذلك إشارة إلى ‏طلب تحليق الرؤوس أو تقصيرها، ولفعله عليه الصلاة والسلام، فإنه استوعب رأسه بالحلق.‏
‏2) أما التقصير فأقله "أن يأخذ من رؤوس شعره مقدار الأنملة، أي طرفٍ من رأس ‏الإصبع (نحو ربع سنتمتر) للمساحة التي ذكرناها من الرأس في كل مذهب.‏
‏3) وقد اتفق العلماء على أن الحلق أفضل من التقصير للرجال، لتقديم ذكر المحلِّقين في ‏الآية.‏
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهمَّ ‏ارحمِ المحلقين" قالوا: "والمقصِّرينَ يا رسولَ الله" قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: ‏‏"والمقصرين يا رسول الله". قال: "والمقصرين" متفق عليه.‏
‏4) حكم النساء في الحلق: أجمع الفقهاء أن لا حلق على النساء، إنما عليهن التقصير، ‏ويكره لهن الحلق، لأنه بدعة في حقهن وفيه مُثْلَةٌ.‏
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ليسَ على ‏النساءِ حَلْقٌ إنما على النساءِ التَّقْصِير" أخرجه أبو داود بسند حسن.‏
‏5) الأصلع الذي لا شعر على رأسه:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يجب عليه إجراء الموسى على رأسه لأن الواجب شيئان: ‏إجراؤه، مع الإزالة، فما عجز عنه سقط، دون ما لم يعجز عنه.‏
وذهب الشافعية والحنابلة وقول لبعض الحنفية إلى أن استحباب ذلك لفوات ما تعلق به ‏الواجب وهو الشعر.‏
‏42-د- توقيت الحلق والتقصير:‏
‏1) زمان الحلق:‏
ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن زمان الحلق يختص الحلق بأيام النحر (10، 11، 12 من ‏ذي الحجة)، فلو أخره عنها يجب بتأخيره دم عندهم. وهذا وقت وجوب الأداء، ولا آخر له في ‏حق التحلل، أي خروجه من إحرامه فيظل محرماً حتى يحلق أو يقصر مهما تأخر عند الحنفية.‏
‏ أما عند مالك فالتحلل يكون بالرمي.‏
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه لا آخر لوقت الحلق، كما أنه لا آخرَ لوقت طواف الزيارة، ‏لأن الأصل عدم التأقيت فلو أخر الحلق لا يجب عليه دم، إلا أن الشافعي وقَّت ابتداء الحلق ‏بمنتصف ليلة النحر، قياساً على الرمي.‏
‏2) مكان الحلق:‏
ذهب أبو حنيفة إلى أن مكان الحلق مؤقت بالحرم، فإنْ حَلَقَ أو قصر في أيام النحر في ‏غير الحرم حصل التحلل، وعليه دم سواء في ذلك حلق الحج أو العمرة.‏
وذهب الشافعي ومالك إلى أن الحلق غير مختص بالحرم، لكن الأفضل فعله في منى، ‏فلو فعله في موضع آخر مثل وَطَنِه أو غيرِه جاز، لحج أو لعمرة، ولا شيء عليه، ولا يحل حتى ‏يحلق.‏
‏3) ترتيب الحلق مع أعمال يوم النحر:‏
يفعل الحاج بمنى يوم النحر ثلاثة على هذا الترتيب : رمي، فنحر، فحلق.‏
وترتيب الحلق أن يفعله بعد الرمي والذبح، إنْ كان متمتعاً أو قارنا كما رتب النبي صلى ‏الله عليه وسلم، أما المفرد فإنه يحلق بعد الرمي فقط لأنه لا ذبح عليه.‏
عن أنس رضي الله عنه : "أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم ‏النحر، ثم رجع إلى منزله بمنى، فدعا بِذِبْحٍ فَذَبَحَ، ثم دعا بالحلاق، فأخذ بشق رأسه الأيمن، ‏فحلقه، فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه". أخرجه ‏مسلم.‏
واختلف المذاهب في حكم الترتيب:‏
ذهب الحنفية إلى أنه يجب مراعاة الترتيب، فيجب عندهم الدم فداء عن التأخير، كما إذا ‏حلق قبل الرمي، أو نحر القارن قبل الرمي، وكالحلق قبل الذبح.‏
وذهب الشافعي إلى أن الترتيب سنة، لو تركه أساء وليس عليه فداء.‏
‏ وذهب المالكية إلى أنَّ الواجب في الترتيب: تقديم الرمي على الحلق وعلى طواف ‏الإفاضة، ولا يجب غير ذلك من الترتيب، بل هو سنة.‏
ويتفرع على مذهب المالكية أنه يجب الدم على من أخل بالترتيب في صورتين :‏
‏1) أن يحلق قبل الرمي.‏
‏2) أن يطوف للإفاضة قبل الرمي أيضاً.‏
ولا يجب الدم على من أخلَّ بالترتيب في الصور الآتية.‏
‏1) إذا حلق قبل الذبح.‏
‏2) إذا ذبح قبل الرمي.‏
‏3) إذا طاف طواف الإفاضة قبل الذبح أو قبل الحلق أو قلبهما معاً.‏
‏43- حكم الحلق أي أثره وهو: التحلل الأول:‏
يحصل بالحلق التحلُّلُ الأول أن الأصغر، فيصير الحاج حلالاً، تُباحُ له محرماتُ الإحرام ‏من اللبس، وإزالة التفث والصيد - في غير الحَرَم - والطيب وغير ذلك، إلا الجماع، فإنه يظل ‏محرماً عليه حتى يطوف طواف الإفاضة. وكذا الجماع فيما دون الفرج عند الحنفية، لأن فيه ‏قضاء الشهوة وحّرم المالكية الصيد وعقد النكاح أيضاً وكرهوا الطيب لأنه من دواعي الجماع ‏لكن لا فدية فيه.‏
والأصل فيه قول عائشة رضي الله عنها : "كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ‏لإحرامه حينَ يُحْرِم، ولِحِله قبل أنْ يطوف بالبيت بطيب فيه مسك" متفق عليه.‏
ذهب الحنفية إلى أنَّه التحلل الأول لا يحصل إلا بالحلق، فلو رمى وذبح وطاف ولم يحلق ‏لم يتحلل عندهم.‏
استدلوا بأن "التحلل من العبادة هو الخروج منها، ولا يكون ذلك بركنها، بل إما بمنافيها، ‏أو بما هو محظور فيها، وهو أقل ما يكون".‏
وذهب الشافعي إلى أنه يحصل التحلل الأول إذا فعل اثنين من الرمي والحلق وطواف ‏الزيارة، أي المسبوق بالسعي من قبل، وإلا فلا يحل حتى يسعى بعد طواف الزيارة. فجعل الرمي ‏من أسباب التحلل، وهذا على المشهور عندهم من أن الحلق نسك. والمفرد والمتمتع والقارن في ‏أسباب التحلل هذه وترتيبها على حد سواء. لأن الذبح لا مدخل له في التحلل عند الشافعية. استدلوا ‏بحديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال : "إذا رميتم الجمرةَ فقد حلَّ لكم كُّل شيء ‏إلا النساءَ.." أخرجه النسائي وابن ماجه هكذا موقوفاً. وثبت عن بعض الصحابة نحو ذلك من ‏قوله أيضاً.‏
وذهب مالك وأحمد إلى أن التحلل الأول برمي جمرة العقبة وحده.‏
التحلل الثاني :‏
ويسمى التحلل الأكبر، وتِحل به كل محظورات الإحرام حتى النساء، إجماعاً.‏
ذهب الحنفية إلى أنه يحصل هذا التحلل بطواف الإفاضة عند الحنفية، ولا يتوقف ‏الإحلال على السعي، لأنه من الواجبات عندهم. وقد علمت أن الحنفية علقوا التحلل بالحلق فلو ‏تقدم الطواف على الحلق لم يحل.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يحصل عندهم التحلل الأكبر بتكميل فعل الثلاثة : جمرة ‏العقبة، والحلق والطواف. إذا كان سعى بعد طواف القدوم، أما إذا لم يسع بعد طواف القدوم فلا بُدَّ ‏من السعي بعد طواف الإفاضة حتى يتحلل التحلل الثاني (الأكبر).‏
وذهب المالكية إلى أنه يحصل التحلل الأكبر عندهم بطواف الإفاضة لمن حلق ورمى ‏جمرة العقبة قبل الإفاضة، أو فات وقتها عليه وذلك بشرط السعي أيضاً.‏
وحصول التحلل الأكبر باستيفاء الأربعة : رمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق وطواف ‏الإفاضة بشرط السعي موضع إجماع أئمة المسلمين لا خلاف فيه بينهم. لكن يجب عليه فعل بقية ‏أعمال الحج، إن كان حلالاً.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:11 AM
الفصل الخامس



‏44- طواف الصَّدَرِ
‏"الوداع"‏
‏ ‏
ويسمى طواف الوداع وطواف آخر العهد:‏
شُرِعَ طوافُ الوداع لختام مناسك الحج، يفعله الحاج إذا عزم على السفر من مكة، ذهب ‏الحنفية والشافعية على الأظهر والحنابلة إلى وجوب طواف الوداع.‏
استدلوا على وجوبه بأمره صلى الله عليه وسلم كما روى ابن عباس رضي الله عنهما ‏قال: "أُمِرَ الناسُ أنْ يكونَ آخرُ عهدهم بالبيت، إلا أنهُ خفِّفَ عَنِ المرأةِ الحائض" متفق عليه.‏
وذهب المالكية إلى أنه سنة، لأنه جاز للحائض تركه دون فداء، ولو وجب لم يجز ‏للحائض تركه.‏

‏45- شروط وجوبه:‏
أ- أن يكون الحاج من أهل الآفاق:‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يجب على المكي، لأن الطواف وجب توديعاً للبيت، وهذا ‏المعنى لا يوجد في أهل مكة، لأنهم في وطنهم.‏
وقال الحنفية: يلحق بالمكي مَنْ كان مِنْ منطقة المواقيت، لأن حكمهم حكم أهل مكة.‏
وقال الحنابلة: لا يسقط إلا عمن كان منزله في الحرم فقط.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه يطلب طواف الوداع في حق كل من قصد السفر من ‏مكة ولو كان مكياً إذا قصد سفراً تقصر فيه الصلاة.‏
ب- الطهارة من الحيض والنفاس : فلا يجب على الحائض والنفساء، ولا يسن أيضاً، ‏حتى إنهما لا يجب عليهما دم بتركه، لما في حديث ابن عباس:" إلا أنه خفف عن الحائض" وكذا ‏حديث عائشة في قصة صفية لما حاضت، فقد سافر بها النبي صلى الله عليه وسلم دون أن تطوف ‏للوداع.‏
فأما الطهارة من الجنابة فليست بشرط لوجوب طواف الوداع، فيكون واجباً على المحدث ‏والجنب، لأنه يمكنهما إزالة الحدث والجنابة في الحال.‏
وإذا طَهُرَتِ الحائض أو النُّفَساء قبل أنْ تفارقَ بنيان مكة يلزمها طواف الصدر، وإن ‏جاوزت جدران مكة ثم طهرت لم يلزمها طواف الصدر، اتفاقاً بين الحنفية والشافعية والحنبلية ‏ولا يكون سنة في حقها عند المالكية، لأنها حين خرجت من العمران صارت مسافرة، بدليل ‏جواز القصر، فلا يلزمها العود ولا الدم.‏
جـ- أن يكون قد أدى مناسك الحج مفْرِداً أو متمتعاً أو قارناً. ذهب الحنفية إلى أنه لا ‏يجب على المعتمر، ولو كان آفاقياً، وكأنهم نظروا إلى المقصود، وهو ختم أعمال الحج، فلا ‏يطلب من المعتمر.‏
وذهب الجمهور إلى أنه يطلب طواف الوداع من المعتمر.‏

‏46- وقت طواف الوداع:‏
وقت طواف الوداع عند الحنفية يمتد من عقب طواف الزيارة إلى أن يسافر، وكل طواف ‏يفعله الحاج بعد طواف الزيارة يقع عن طواف الصدر.‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ السفر فور الطواف فليس من شرائط جوازه عند الحنفية، حتى لو ‏طاف للصدر، ثم تشاغل بمكة بعده، لا يجب عليه طواف آخر، لأن المراد أن يكون آخر عهده ‏بالبيت نسكاً، لا إقامة، والطواف آخر مناسكه بالبيت. إلا أن المستحب أن يؤخر طواف الصدر ‏إلى الوقت الذي يريد أن يسافر فيه.‏
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنَّ وقته بعد فراغه من جميع أموره، وعزمه على ‏السفر، ويغتفر له أن يشتغل بعده بأسباب السفر، كشراء الزاد، وحمل الأمتعة، ونحو ذلك ولا ‏يعيده، وإن مكث بعده، مشتغلاً بأمر آخر غير أسباب السفر كشراء متاع، أو زيارة صديق، أو ‏عيادة مريض احتاج إلى إعادة الطواف.‏
ويُنصح الحاج أنْ يسرعَ بعد طوافِ الزيارة بطوافٍ آخر بناء على مذهب الحنيفة ‏احطياطاً للسفر في وقت ضيق عليه. وقرّر الملكية والحنابلة في مذهبهم: أن طواف الوداع يتأدى ‏بطواف الإفاضة أو طواف العمرة لمن خرج من مكة بعدهما، إن نواه بهما، ولا يكون سعيه لها ‏‏(يعني العمرة) طولا حيث لم يُقِمْ عندها إقامة تقطع حكم التوديع . ويدل لهم قوله "آخر عهده ‏بالبيت"، وقد حصل هنا.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:13 AM
الباب الرابع

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:14 AM
‏47-سنن الحج

السنن يطلب فعلها، ويثاب المكلف عليها، وتلزم الإساءة لو تركها عمداً، لكن لا يلزمه ‏الفداء من دم أو صدقة بذلك. ‏
ونذكر ههنا سنن الحج الأصلية، والمذاهب فيها : ‏
أولاً - طواف القدوم :‏
أ- ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه سنة للآفقي القادم من خارج مكة ‏لتحية البيت العتيق، لذلك يستحب البدء به دون تأخير.‏
وعن عائشة رضي الله عنها "أنّ أولَ شيء بَدَأَ به حين قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه ‏توضَّأَ ثم طاف .. الحديث". متفق عليه.‏
وذهب المالكية إلى أنه واجب.‏
ب- يسقط طواف القدوم عن ثلاثة وهم :‏
‏1) المكي، ومن في حكمه، وهو الآفقي إذا أحرم من مكة.‏
وذهب الحنفية إلى إسقاطه عمّنْ كان منزله في المواقيت، لأن الطواف شرع للقدوم، ‏والقدوم في حق هؤلاء غير موجود.‏
وذهب المالكية إلى أنه يجب على من أحرم من الحِلِّ ولو كان مكياً، أما من كان في ‏منطقة الحرم فليس عليه طواف قدوم.‏
‏2) المعتمر والمتمتع ولو آفاقياً، لدخول طواف الفرض عليه وهو طواف العمرة، اتفاقاً ‏في ذلك بين الجمهور الحنفية والشافعية والمالكية، فطواف القدوم عندهم خاص بمن أحرم بالحج ‏مفرداً، أو قارناً بين الحج والعمرة. وذهب الحنابلة إلى أنه: يطوف المتمتع للقدوم قبل طواف ‏الإفاضة، ثم يطوف طواف الإفاضة.‏
‏3) من قصد عرفة رأساً للوقوف يسقط عنه طواف القدوم. "لأن محله المسنون قبل ‏وقوفه". وقرر المالكية أنه إذا خشي فوات الوقوف بعرفة لو اشتغل بطواف القدوم سقط عنه ولا ‏فدية عليه، أما إذا كان الوقت متسعاً وترك طواف القدوم يجب عليه الفدية.‏
جـ- وقت طواف القدوم يبدأ حين دخول مكة، ويُسْتَحَبُّ أنْ يُبادرَ بأدائه قبل استئجار ‏المنزل ونحو ذلك. وآخر وقته وقوفه بعرفة، لأنه بعد الوقوف مطالب بطواف الفرض أي طواف ‏الزيارة.‏
د- كيفية طواف القدوم كطواف الزيارة، إلا أنه لا اضطباع فيه ولا رمل، ولا سعي ‏لأجله، إلا إذا أراد تقديم سعي الحج على وقته الأصلي، الذي هو عقيب طواف الزيارة، فإنه يسن ‏له عندئذ الاضطباع والرمل في الطواف، لما سبق أن قررنا أن الرمل والاضطباع سنة في كل ‏طواف بعده سعي.‏
ثانياً: خُطَبُ الإمام: ‏
‏- الخطبة الأولى: ذهب الحنفية والشافعية إلى أنها تسن هذه الخطبة في مكة يوم السابع ‏من ذي الحجة قبل يوم التروية بيوم، عند الحنفية والشافعية، والغرض منها أن يعلمهم المناسك.‏
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :" كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا كانَ قَبْلَ ‏الترويِة بيومٍ خطبَ الناسَ وأخبرهم بمناسِكِهم " أخرجه البيهقي بسند جيد.‏
‏- الخطبة الثانية: وتُسَنُّ يومَ عرفة بعرفات، قبل الصلاة اتفاقاً أيضاً. وهذه الخطبة ‏خطبتان يفصل بينهما بجلسة كما في خطبة الجمعة، يبين لهم في أولاهما ما أمامهم من المناسك، ‏ويحرضهم على إكثار الدعاء والابتهال، ويبين ما يهمهم من الأمور الضرورية لشؤون دينهم، ‏واستقامة أحوالهم.‏
‏- الخطبة الثالثة: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنها بمنى في اليوم الحادي عشر من ذي ‏الحجة وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنها تكون بمنى يوم النحر.‏
‏- أما الخطبة الرابعة: ذهب الشافعية والحنبلية إلى زيارة الخطبة الرابعة التي هي بمنى ‏ثاني أيام التشريق يعلمهم فيها جواز النفر فيه وغير ذلك، ويودعهم.‏
ثالثاً: المبيت بمنى ليلة يوم عرفة، وأداء خمس صلوات فيها:‏
يسن للحاج أن يخرج من مكة إلى منى يوم التروية، بعد طلوع الشمس، فيصلي بمنى ‏الظهرَ والعصرَ والمغرب والعشاء والفجر، وذلك سنة باتفاق الأئمة رضي الله عنهم.‏
وفي حديث جابر" لما كان يوم التروية توجهوا إلى مِنى فأَهَلَّوا بالحج فركبَ رسولُ الله ‏صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والغجر، ثم مكثَ قليلاً حتى ‏طلعتِ الشمسُ وأَمَرَ بِقُبَّةٍ من شَعرٍ فضُرِبَتْ له بِنَمِرَةَ ".‏
ذهب الحنفية إلى أنه سنة.‏
وذهب الجمهور إلى وجوبه، وهو سنة عند الحنفية، وواجب عند الأئمة الثلاثة.‏
رابعاً: المبيت بمزدلفة ليلة النحر:‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ المبيت بالمزدلفة ليلة عيد النحر سنة عند الحنفية، وإنما الواجب ‏عندهم الوقوف بالمزدلفة بعد الفجر، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبيناه في واجبات الحج.‏
وذهب المالكية إلى ندب المبيت بمزدلفة ليلة النحر.‏
وذهب الشافعية إلى وجوب المكث الطويل.‏
وذهب الحنابلة إلى استحبابه.‏
خامساً: المبيت بمنى ليالي التشريق:‏
ذهب الحنفية إلى أنه سنة.‏
وذهب الجمهور إلى وجوبه، وهو سنة عند الحنفية، وواجب عند الأئمة الثلاثة فيلزم ‏الفداء لمن تركه كله أو معظم ليلة واحدة منه بغير عذر عند الأئمة الثلاثة استدلوا على الوجوب ‏بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ‏
‏" أفاضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن آخرِ يومه حين صلى الظهرَ، ثم رجع إلى مِنى، ‏فمكثَ لياليَ أيامِ التشريق. . الحديث " أخرجه أبو داود.‏
وأجاب الحنفية بحمل الحديث على السنية.‏
سادساً: التحصيب:‏
وهو النزول بوادي المحصَّب، أو الأَبْطَح، في النَّفْرِ من مِنى إلى مكة، عند انتهاء ‏المناسك. ويقع المُحَصِّب عند مدخل مكة، بين الجبلين، إلى المقبرة المسماة بالحُجون(1).‏
ذهب الحنفية إلى أن التحصيب سنة.‏
وذهب الجمهور إلى أنه مستحب.‏
‏ ___________________________________‏
‏(1) سمي محصباً لكثرة الحصباء، أي الحصى الصغير التي تجرفها السيول إليه، كذا سمي ‏الأبطح من البطحاء وهي الحصى الصغار. والخيف ما انحدر عن غلظ الجبَل وارتفع عن مجرى ‏السيل، سمي المحصّب بذلك وسمي مسجد منى بذلك لأنهما في سفح جبل.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:16 AM
الباب الخامس
في العمْرة

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:18 AM
‏48- العمرة لغة:
الزيارة، سميت بذلك لأن فيها عمارة الود، مأخوذة من الاعتمار، ‏يقال:" اعتمر فهو معتمر أي زار ".‏
وفي اصطلاح الفقهاء: الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة.‏
وتتلخص كيفية العمرة بأن يحرم بها من الميقات ثم يأتي مكة فيطوف بالكعبة سبعاً ثم ‏يصلي ركعتين للطواف، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط. ثم يحلق ويتحلل.‏

‏49- حكم العمرة:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنها سنة مؤكدة في العمر مرة واحدة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة- على الأظهر عندهما - إلى أنها واجبة مرة في العمر، كالحج.‏
استدل الحنفية والمالكية على سنية العمرة بأدلة، منها:‏
حديث جابر- رضي الله عنه -، قال: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرةِ ‏أواجبةُُ هي؟ قال:"لا، وأنْ تَعْتَمِرَ فهو أفضل". أخرجه الترمذي وقال"حديث حسن"‏
واستدل القائلون بفرضية العمرة بما وقع في حديث عمر في سؤال جبريل عليه السلام: ‏‏"وأنْ تحجَّ وتعتمرَ " أخرجه بهذه الزيادة الدارقطني.‏

‏50- فضيلة العمرة:‏
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" العمرةُ إلى ‏العمرةِ كفارةُُ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءُُ إلا الجنة ". متفق عليه.‏
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عمرةُُ في ‏رمضانَ تَقْضِي حجة " متفق عليه. ولمسلم " تقضي حجةً أو حجةً معي ".‏

‏51- فرائض العمرة:‏
أولاً: الإحرام:‏
أ- ذهب الحنفية إلى أنه شرط، وهو النية مقرونة بالتلبية.‏
‏ وذهب الجمهور إلى أنه ركن وهو النية فقط.‏
وكيفية الإحرام بها هي كما في الحج إلا أنه يقول: "اللهم إني أريدُ العمرةَ فيسِّرْها لي ‏وتقبلْها منى إنك أنتَ السميعُ العليم": "لبيك اللهم .. الخ ..".‏
ويُسن للإحرام بالعمرة ما يسن للإحرام بالحج. لأن الأدلة تشمله.‏
كذلك يحظر في الإحرام للعمرة ما يحظر في الإحرام للحج.‏
ميقات الإحرام بالعمرة:‏
ب- أما الميقات الزمني فهو كلُّ السَنة، وتُندب في شهر رمضان لقوله صلى الله عليه ‏وسلم: "عمرةٌ في رمضانَ تقضي حجة".‏
ذهب الحنفية إلى أن العمرة تكره تحريماً يوم عرفة وأربعة أيام بعده، حتى يجب الدم ‏على من فعلها في ذلك الوقت.‏
قالت عائشة رضي الله عنها: "حلّتِ العمرةُ في السَنة كلها، إلا أربعةَ أيام: يومُ عرفة، ‏ويومُ النحر، ويومان بعد ذلك" أخرجه البيهقي. ولأن هذه الأيام أيام شغل بأداء الحج، والعمرة ‏فيها تشغلهم عن ذلك، وربما يقع الخلل فيه فتكره.‏
وذهب الجمهور إلى أن جميع السنة وقت لإحرام العمرة وجميع أفعالها، دون استثناء، ‏وهي في يوم عرفة والعيد وأيام التشريق ليس كفضلها فيغيرها، لأن الأفضل فعل الحج فيها.‏
ج- وأما الميقات المكاني للعمرة: فهو ميقات الحج الذي سبق أن بينا حدوده إلا أن من ‏كان بمكة أو حرمها فميقاته للعمرة أن يخرجإلى الحل، اتفاقاً بين الفقهاء.‏
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا رسولَ الله أتنطلقونَ بعمرةٍ وحَجَّةٍ وأنطلقُ بالحج؟؟ ‏فأمرَ عبدَ الرحمن بنَ أبي بكرٍ أن يخرج معها إلى التَّنْعِيم، فاعتمَرَتْ بعدَ الحج في ذي الحجة" ‏متفق عليه.‏
ذهب الحنفية إلى أن الإحرامُ بالعمرة من التنعيم أفضلُ أخذاً بهذا الحديث، ويُحْرِمُ أكثر ‏الناس الآن من هذا الموضع، عند المسجد هناك المعروف بمسجد عائشة.‏
وذهب الشافعية إلى أنَّ أفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة الجِعِرَّانة، ثم التنعيم ثم ‏الحديبية، لأنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم بها - أي العمرة - من الجعرانة، وأمر عائشة ‏بالاعتمار من التنعيم كما تقدم، وبعد إحرامه بها بذي الحليفة عام الحُدَيْبِيَة همَّ بالدخول إليها من ‏الحديبية ... .‏
وأما من كان في منطقة المواقيت خارج منطقة الحرم فميقاته من حيث أنشأ، أي أحرم، ‏لكن اختلفوا:‏
ذهب الحنفية إلى أن ميقاته الحل كله.‏
وذهب المالكية إلى أنه يحرم من داره أو مسجده لا غير.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن ميقاته القرية التي يسكنها لا يجاوزها بغير إحرام.‏
ثانياً- الطواف:‏
وهو ركن في العمرة بإجماع الأمة على ذلك، لقوله عز وجل: {وَلْيَطّوَّفُوا بالبَيْتِ ‏العَتيقِ} [الحج: 29].‏
وشرائط طواف العمرة: كطواف الزيارة في الحج لكنه لا يتقيد بوقت.‏
وواجبات طواف العمرة: هي واجبات طواف الحج أيضاً لشمول الأدلة في ذلك كله الحج ‏والعمرة جميعاً.‏

‏52- واجبات العمرة :‏
أولاً: السعي بين الصفا والمروة: ذهب الحنفية في المختار والحنابلة إلى أن السعي ‏واجب وذهب المالكية والشافعية إلى أن السعي ركن.‏
ثانياً: الحلق أو التقصير، وذلك آخر أعمال العمرة، وبه يتحلل من إحرامه تحللاً كاملاً، ‏ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه واجب. ‏
وذهب الشافعية: إلى أنه ركن ومن أخر الحلق ظل محرماً، وإذا فعل شيئاً من محظورات ‏الإحرام لزمه الفداء.‏
وأحكام فرائض العمرة وواجباتها كأحكام فرائض الحج وواجباته، فيجب فيها هنا ما ‏يجب في الحج، ويسن فيها ما يسن في فرائض الحج وواجباتها، ويحظر في إحرامها ما يحظر ‏في إحرام الحج. وقد استوفينا تفصيلها، فارجع لكل أمر في موضعه.‏
لكن لا يطلب في العمرة طواف قدوم، ولا طواف وداع، بل يَخْتَصّان بالحج عند الحنفية، ‏على ما سبق من بيان المذاهب فيهما.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:19 AM
الباب السادس
........
.....
....
..
.

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:21 AM
‏53- الجنايات

‏ ‏
قرر الفقهاء وجوب الجزاء على من ارتكب شيئاً من محظورات الإحرام، ما دام فعل ‏محظور الإحرام قبل التحلل ولو بقليل، حسبما عرفت من نوعي التحلل. أو أخل بما يجب عليه ‏من الأعمال في الحج أو العمرة، وأنه إن فعل ذلك عامداً فقد أثم، ويجب عليه الجزاء والتوبة، ولا ‏يخرجه العزم على الفدية عن كونه عاصياً آثماً.‏
وربما ارتكب بعض الناس شيئاً من هذه المحرمات، وقال: أنا أفتدي، متوهماً أنه بالتزام ‏الفدية يتخلص من وبال المعصية، وذلك خطأ صريح وجهل قبيح .. وليست الفدية مبيحة للإقدام ‏على فعل المحرَّم ومَن فعل شيئاً مما يحكم بتحريمه فقد أخرج حجَّة عن أن يكون مبروراً.‏
ضوابط عامة في أنواع جزاءات الجنايات:‏
أ- فساد الحج والعمرة، وما يترتب عليه من القضاء والهدي، وذلك بالجماع قبل الوقوف ‏بعرفة إجماعاً، وبالجماع بعد الوقوف قبل التحلل الأول عند الأئمة الثلاثة، خلافاً للحنفية، كذلك ‏تفسد العمرة بالجماع قبل أداء ركنها.‏
ب- الهَدْي : وربما عُبِّرَ عنه بالدم، وكل موضع أطلق فيه الدم أو الهَدْي تجزيء الشاة، ‏إلا من جامع قبل الوقوف بعرفة، فعليه بدَنة عند الأئمة الثلاثة وشاة عند الحنفية، وإلا من جامع ‏بعد الوقوف قبل التحلل الأول فعليه بدنة اتفاقاً.‏
ج- الصدقة: حيث أُطْلِقَ وجوب "صدقة" عند الحنفية من غير بيان مقدارها، فإنه يجب ‏نصفُ، صاع من بُرِّ "قمح" أو صاعٌ من شعير أو تمر، ويصح دفعها أين شاء، ولو في غير ‏الحرم، وقيدها الشافعية بالحرم وأوجبوا صاعاً من البُرِّ أو غيره، وتكون الصدقة من أصناف ‏زكاة الفطر، ويجوز إخراج القيمة عند الحنفية خلافاً للأئمة الثلاثة. والصاع يساوي /3640/ ‏غراماً عند الحنفية و /1730/ غراماً عند غيرهم على التقريب. والمُدُّ يساوي ربع صاع.‏
د- الصيام: يجب الصيام مقابل الطعام، أو على التخيير في الفدية كما هو مفصل فيما ‏يأتي، والصوم لا يتقيد بالحرم ولا بالزمان والتتابع باتفاقهم، إلا الصيام لمن عجز عن هَدْي ‏القِران والتمتع، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. والصوم إنما يقع بدلاً ‏عن دم الشكر لا عن دم الجبر، فاحفظ هذه الكلية في نفسك.‏
هـ- الضمان بالمثل: وذلك في جزاء الصيد، على ما سنذكر من التفصيل.‏
و- الفدية: حيث أطلق وجوبها عند المالكية والشافعية والحنبلية فالمقصود الفدية المخيرة ‏التي نص عليها القرآن : {فَفِدْيةٌ مِن صِيامٍ أوْ صدَقةٍ أوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].‏
ز- لا ينقص حظ كل مسكين في الصدقة عند الحنفية عن نصف صاع بُرٍّ أو صاع من ‏شعير أو تمر إلا ما يفضل في كفارة الصيد أو كان الواجب أقلّ من أصله.‏
ومذهب المالكية والشافعية لا ينقص في الفدية عن مُدَّيْن ولا يزيد لكل واحد من غالب ‏قوت البلد، وأما في جزاء فمُدٌّ كامل لا يزيد ولا ينقص، ونحوهم مذهب الشافعية.‏
ومذهب الحنابلة: إطعام الفدية إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مُدُّ بُرٍّ أو نصف صاع من ‏تمر أو شعير أو غيرهما مما يجزئ في صدقة الفطر، وكذا الحكم في الإطعام لكفارة الصيد.‏
ح- الجنايات على الإحرام بالحج أو بالعمرة عقوبتها واحدة، إلا من جامع في العمرة ‏قبل أداء ركنها، فتفسد اتفاقاً:‏
قال الحنفية والحنابلة: عليه شاة.‏
وقال الشافعية والمالكية عليه بدنة. وحيثما ذكرنا ودجوب الدم دون تقييد فهو شاة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:24 AM
‏54- الجنايات في اللبس وما يتعلق ببدن المحرم
‏ ‏
يتناول هذا المبحث جناياتِ اللبس وتغطية الرأس، والحلق، وقلم الظفر، ‏والطيب،والأدهان.‏
والأصل في عقوبة هذه الجنايات كلها قوله تعالى :‏
‏ {وَلاَ تَحْلِقُوا رُوؤُسَكُمْ حَتَّى يَبّلُغَ الهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكمُ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِن ‏رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].‏
والنص وارد في جناية الحلق، لكن اتفقوا على إلحاق سائر الجنايات الآنفة به، وأوجبوا ‏فيها الفداء، لأنها ترفه وزينة فهي كالحلق.‏
أ- الآية واردة في جناية المعذور الذي حلق لمرض أو أذى، وهي صريحة في أن فديته ‏واجبة على التخيير بين الأمور الثلاثة. وهذا موضع اتفاق بين العلماء، إذا كانت جنايته كاملة : ‏إما أنْ يذبحَ شاة، أو يتصدق بثلاثة أصوع، على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ‏ثلاثة أيام. وإنْ كانتْ قاصرةً يجب عليه صدقة يأتي بيان قدرها في كل موضع بحسبه، ويتخير ‏بينها وبين أنْ يصوم يوماً عن كل نصف صاع عند الحنفية.‏
ب- أما العامد الذي لا عذر له:‏
ذهب ا لحنفية إلى أنه أن لا يتخير، بل يجب عليه الدم عيناً أو الصدقة عيناً حسب جنايته ‏مما سيأتي تفصيله، واستدلوا على ذلك بالآية، لأن التخيير شرع فيها عند العذر من مرض أو ‏أذى، وغير المعذور جنايته أغلظ فتتغلظ عقوبته، وذلك بنفي التخيير في حقه.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يتخير أيضاً، كالمعذور، واستدلوا بالآية ‏أيضاً.‏
ج- وأما المعذور بغير المرض والأذى، كالناسي والمُكْرَهِ والجاهل والنائم.‏
ذهب الحنفية إلى إلحاقه بالعامد، وقالوا إنه لا يتخير، لأن الارتفاق حصل له، وعدم ‏الاختيار أسقط الإثم عنه.‏
ذهب المالكية إلى أنه يجب الفداء مُخَيَّراً كالعامد.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى التمييز بين جناية فيها إتلاف، وجنايةٍ ليس فيها إتلاف، ‏فأوجبوا عليه الفدية في الاتلاف يستوي عمده وسهوه، ولم يوجبوا فدية في غير الاتلاف، وهو ‏اللبس وتغطية الرأس والطيب.‏
المذاهب في الفدية لكل من جنايات:‏

‏55- أولاً: اللباس:‏
ذهب الحنفية إلى أنه مَن لبس شيئاً من الألبسة المحظورة في الإحرام نهاراً كاملاً أو ليلة، ‏كأَنْ لبس مخيطاً، أو غطى الرجل رأسه أو وجهه وجب عليه الدم، وكذا المرأة إذا غطت وجهها ‏غطاء يمسه. وإن كان أقل من يوم أو ليلة فعليه صدقة.‏
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يجب الفداء بنفس اللبس، ولو لم يستر زمناً.‏
وذهب المالكية إلى أنه يشترط لوجوب الفدية من لبس الثوب أو الخف أن ينتفع به من ‏حر أو برد، فإنْ لم ينتفع به من حر أو برد، بأنْ لبسَ قميصاً رقيقاً لا يقي حراً ولا برداً يجب ‏الفداء إن امتد لبسُه مدةً كاليوم، لأنه يحصل فيه ارتفاق.‏

‏56- ثانياً: الطيب:‏
فرّق الحنفية بين تطييب المحرم بدنه وبين تطييب ثوبه:‏
أ- أما البدن فقالوا: تجب شاة إن طيب المحرم عضواً كاملاً، مثل الرأس، واليد، والساق، ‏أو ما يبلغ عضواً كاملاً. والبدن كله كعضو واحد إن اتحد مجلس التطيب، وإن تفرق المجلس ‏فلكل طيب كفارة، وتجب إزالة الطيب، فلو ذبح ولم يُزِلْهُ لزمه دم آخر.‏
وإن طيب أقل من عضو فعليه الصدقة، لقصور الجناية.‏
ولم يشترط الحنفية استمرار الطيب على البدن لوجوب الجزاء، بل يجب بمجرد التطيب.‏
ب- وأما تطييب الثوب فيجب فيه الدم بشرطين:‏
‏1) أن يكون كثيراً، وهو ما يصلح أن يغطي مسافة تزيد على شبر في شبر.‏
‏2) أن يستمر نهاراً أو ليلة.‏
فإن اختل أحد الشرطين وجبت الصدقة، وإن اختل الشرطان معاً وجب التصدق بقبضة ‏من القمح.‏
ومذهب المالكية والشافعية والحنابلة وجوب الفداء في الطيب، ولم يقيدوه بأن يطيب ‏عضواً كاملاً، أو مقداراً من الثوب معيناً، بل إن أي تطيب يوجب الفداء.‏

‏57- ثالثاً: الدهن:‏
لو دهن بزيت غير مطيب، فحكمه حكم الطيب عند أبي حنيفة ومالك، إذا استعمله في أي ‏موضع من جسمه لغير مرض، لأنه أصل الطيب، فهو يلين الشعر وينميه ويحسنه، ويلين الجسم، ‏ويزيل عنه الهوام.‏
أما إن استعمله للتداوي، كأن وضعه على جرحه، أو شقوق رجليه فلا كفارة عليه.‏
وقال الشافعي وأحمد - في رواية - إن استعمله في شعر الرأس واللحية وجب الفداء، لأنه ‏يزيل الشعث، وإن كان في غيره جاز ولا شيء فيه، سواء شعره وبشره، والمعتمد عند الحنبلية ‏إباحة الادّهان بدهن غير مطيب في أي موضع ولا فداء فيه إطلاقاً.‏

‏58- رابعاً الحلق أو التقصير:‏
أ- مذهب الحنفية أن من حلق ربع رأسه، أو ربع لحيته يجب عليه الفداء، لأن الربع يقوم ‏مقام الكل على ما سبق في بحث الحلق، فيجب فيه الفداء الذي دلت عليه الآية الكريمة إن كان ‏معذوراً أو الدم إن لم يكن معذوراً، ويجب على الحلاق صدقة إذا كان محرماً، وكذا لو حلق ‏لحلال.‏
وإن حلق خصلة من شعره أقل من الربع يجب عليه الصدقة، أما إن سقط من رأسه أو ‏لحيته عند الوضوء أو الحك ثلاث شعرات، فعليه بكل شعرة صدقة كف من طعام. وإن تساقط ‏أكثر من مرة في أكثر من مجلس فلكل مجلس مُوْجَبُه.‏
وإن حلق رقبته كلها أو إبطيه أو أحدهما يجب الدم، أما إن حلق بعض واحد منهما وإن ‏كثر فتجب الصدقة، لأن حلق جزء عضو من هذه الأشياء ليس ارتفاقاً كاملاً، لعدم جريان العادة ‏بحلق البعض فيها، فلا يجب إلا الصدقة.‏
وقرر الحنفية أن في حلق الشارب حكومة عدل، بأن ينظر إلى هذا المأخوذ كم يكون من ‏ربع اللحية ؟ فيجب عليه بحسابه من الطعام.‏
مثاله: لو أخذ من الشارب قدر نصف ثُمُنِ اللحية يجب عليه من الطعام ما يساوي ربع ‏الدم.‏
وذهب المالكية إلى أنه إن أخذ اثنتي عشرة شعرة فأقل ولم يقصد إزالة الأذى يجب عليه ‏أن يتصدق بحفنة قمح، وإن أزالها بقصد إماطة الأذى تجب الفدية، ولو كانت شعرة واحدة. ‏وتجب الفدية إذا أزال أكثر من اثنتي عشرة شعرة لأي سبب كان. وشعر البدن كله سواء.‏
وإن سقط من شعره في وضوء أو غسل فلا شيء عليه عندهم.‏
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه تجب الفدية لو حلق ثلاث شعرات، كما تجب لو حلق ‏جميع الرأس بشرط اتحاد المجلس أي الزمان والمكان.‏
ولا يجب على المحرم الجزاء إذا حلق لمحرم آخر بإذنه، لأنه كالآلة، فلا يضاف إليه ‏الحلق. لكنه يأثم لمساعدته فيه.‏
ولو حلق شعرة أو شعرتين ففي شعرة مُدٌّ، وفي شعرتين مُدَّان من القمح، وسواء في ذلك ‏كله شعر الرأس وشعر البدن.‏
ب- أما إذا سقط شعر المحرم بنفسه من غير صنع آدمي فلا فدية باتفاق المذاهب.‏

‏59-- خامساً: تقليم الأظفار:‏
ذهب الحنفية إلى أنه: إذا قص أظفار يديه ورجليه جميعها في مجلس واحد تجب عليه ‏شاة، وكذا إذا قص أظفار يد واحدة، أو رجل واحدة تجب شاة. وإن قص أقل من خمسة أظفار من ‏يد واحدة، أو خمسة متفرقة من أظفاره تجب عليه صدقة لكل ظفر.‏
وذهب المالكية أنه إن قلم ظفراً واحداً عبثاً أو ترفهاً يجب عليه صدقة حفنة من طعام، ‏فإن فعل ذلك لإماطة الأذى أو الوسخ ففيه فدية، وإنْ قلّمه لكسره فلا شيء عليه إذا تأذَّى منه، ‏ويقتصر على ما كُسِر منه. وإن قلّم ظفرين في مجلس واحد فَفِدْية، ولو لم يقصدْ إماطةَ الأذى.‏
وذهب الشافعية والحنابلة يجب الفداء في تقليم ثلاثة أظفار فصاعداً في مجلس واحد، ‏ويجب في الظفر والظفرين ما يجب في الشعرتين.‏

‏60- سادساً: قتل القُمَّلِ أو إلقاؤه:‏
لأن فيه إزالة الأذى، وقتله في غير الإحرام لا شك مطلوب شرعاً، لكنه كره حال ‏الإحرام: فقال الحنفية: يجب أن يتصدق بما شاء.‏
وقال الشافعية: يستحب أن يتصدق ولا يجب.‏
وقال المالكية فقالوا: إنه يجري مجرى الشعر تماماً.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:26 AM

في
الصيد وما يتعلق به



‏61- الأصل في جزاء الصيد قوله تعالى:‏
‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا ‏قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ‏لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} [المائدة : ‏‏95].‏
وقد أجمع العلماء على وجوب الجزاء في قتل الصيد، واختلفوا في بعض التفاصيل.‏
‏ ‏
‏62- أولاً: قتل الصيد
أ- نصت الآية على وجوب الجزاء في قتل الصيد عمداً، ولم تنص على قتله خطأ، وقد ‏اتفقت المذاهب الأربعة على أن الخطأ في هذا الباب كالعمد، لأن العقوبة شرعت ضماناً للمُتْلفَ، ‏وذلك يستوي فيه العمد والخطأ والجهل والسهو والنسيان.‏
ب- هذا الجزاء نصب الآية على أنه {مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } وأنه يُخَيَّر فيه بين الخصال ‏الثلاث. واختلف العلماء في تفسير هذين الأمرين:‏
ذهب الحنفية إلى أنه تقدر قيمة الصيد بتقويم رجلين عَدْلين، وتعتبر القيمة في موضع ‏قتله، ثم يخير الجاني بين ثلاثة أمور:‏
‏1) أن يشتري هدياً ويذبحه في الحرم إن بلغت القيمة هدياً.‏
‏2) أن يشتري طعاماً ويتصدق به على كل مسكين نصف صاع من بُرٍّ أو صاعاً من ‏شعير، أو تمر، كما في صدقة الفطر، ولا يجوز أن يعطي أقل مما ذكرنا، إلا إن فضل من الطعام ‏أقل منه فيجوز أن يتصدق به، ولا يختص التصدق بمساكين الحرم.‏
‏3) أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً، وعن أقل من نصف صاع - إذا فضل - يوماً ‏أيضاً.‏
وذهب الأئمة الثلاثة -المالكية والشافعية والحنبلية- إلى التفصيل فقالوا:‏
الصيد ضربان : مثلي : وهو ماله مثل من النَّعَم، أي مشابه في الخِلقِة من النعم، وهي ‏الإبل والبقر والغنم، وغير مثلي وهو ما لا يشبه شيئاً من النعم.‏
أما المثلي: فجزاؤه على التخيير والتعديل، أي إن القاتل يخير بين ثلاثة أشياء على ‏الوجه التالي:‏
‏1) أَنْ يذبَح المثل المشابه من النعم في الحرم، ويتصدق به على مساكين الحرم.‏
‏2) أن يقوِّم المثلَ دراهم ثم يشتري بها طعاماً، ويتصدق به على مساكين الحرم. ولا ‏يجوز تفرقة الدراهم عليهم.‏
وقال مالك بل يقوِّمُ الصيدَ نفسه ويشتري به طعاماً يتصدق به على مساكين موضع ‏الصيد، فإن لم يكن فيه مساكين فعلى مساكين أقرب المواضع إليه ويعطى كل مسكين مُدٌّ، وإن ‏فضل بعض مُدٍّ أعطي لمسكين.‏
‏3) إنْ شاء صام عن كل مُدٍّ يوماً، ويجوز الصيام في الحرم وفي جميع البلاد. وإن انكسر ‏مُدٌّ وجب صيام يوم.‏
وأما غير المثلي: فيجب فيه قيمته ويتخير فيها بين أمرين:‏
أنْ يشتريَ بها طعاماً يتصدق به على مساكين الحرم، وعند مالك على المساكين في ‏موضع الصيد.‏
‏2) أنْ يصومَ عن كل مُدٍّ يوماً كما ذكرنا سابقاً.‏
ثم قالوا في بيان المثلي: المعتبر فيه التشابه في الصورة والخلْقَة، وكل ما ورد فيه نقل ‏عن السلف فيتبع، لقوله تعالى : {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}. وما لا نقل فيه يحكم بمثله عدلان ‏ذكيان بهذا الأمر عملاً بالآية.‏
والكلام عليه في الدواب، ثم في الطيور.‏
أما الدواب: ففي النعامة بدنة وفي بقر الوحش وحمار الوحش بقرة إنسية، وفي الغزال ‏عَنْز، وفي الأرنب عَناق، وفي اليَرْبُوعِ جَفْرة.‏
وقال مالك: في الأرنب واليربوع والضب القيمة.‏
وأما الطيور: ففي أنواع الحمام شاة، والمراد بالحمام كل ما عبّ في الماء وهو أن يشربه ‏جَرْعاً، فيدخل فيه اليمام اللواتي يألفن البيوت، والقُمْرِيُّ، والقطاة، والعرب تسمي كل مطوَّق ‏حماماً.‏
وإن كان الطائر أصغر من الحمام جثة ففيه القيمة، وإن كان أكبرَ من الحمام كالبطة ‏والأوزة فالأصح أنه يجب فيه القيمة إذ لا مثل له.‏
وقال مالك: تجب شاة في حمام مكة والحرم ويمامهما، وفي حمام ويمام غيرهما تجب ‏القيمة وكذا في سائر الطيور.‏
واتفق الجمهور على أن في الجرادة صدقة تمْرَة.‏
وقال الشافعية والحنابلة: الواجب في الصغير من الصيد المثلي صغير مثله من النعم. ‏لقوله: {فَجزاءٌ مِثْلُ ما قتل} وهذا مثل فيجزيء.‏
وقال مالك: يجب فيه كبير لقوله تعالى: {هَدْياً بالغَ الكعبة}، والصغير لا يكون هدياً، ‏وإنما يجزيء في الهدي ما يجزيء في الأضحية.‏

‏63- ثانياً: إصابة الصيد:‏
ذهب الحنفية والشافعية والحنبلية إلى أنه إذا أصابَ المحرم الصيدَ بضرر ولم يقتلْه يجبُ ‏عليه الجزاء بحسب تلك الإصابة:‏
قال الحنفية: إنْ جَرَح المحرم صيداً أو نتف شعره ضمن قيمة ما نقص منه، اعتباراً ‏للجزء بالكل، فكما تجب القيمة بالكل تجب الجزء، وهذا الجزاء يجب إذا بريء الحيوان وظهر ‏أثر الجناية عليه، أما إذا لم يبق لها أثر فلا يضمن لزوال الموجب.‏
وقال الشافعية والحنابلة: إن جرح صيداً يجب عليه قدر النقص من مثله من النعم، إن ‏كان مثلياً، وإلا يقدر ما نقص من قيمته، وإذا أحدث به عاهة مستديمة فوجهان عندهم، أصحهما ‏يلزمه جزاء كامل.‏
قال الحنفية وهو أحد قولين للشافعي أما إذا أصابه أزالت امتناعه عمن يريد أخذه وجب ‏الجزاء كاملاً، لأنه فوّت عليه الأمن بهذا.‏
وفي قول عند الشافعية: يضمن النقص فقط.‏
وذهب المالكية إلى أنه لا يضمن ما غلب على ظنه سلامته من الصيد بإصابته بنقص ولا ‏جزاء فيه، ولا يلزمه فرق ما بين قيمته سليماً وقيمته بعد إصابته.‏
هذا ويجب بسبب حلب الصيد وكسر بيضة قيمة كل من اللبن والبيض.‏

‏64-ثالثاً: جناية الحلال على صيد الحرم وشجره:‏
مذهب الحنفية: إن ذبح الحلال صيد الحرم وجب عليه قيمته يتصدق بها، ولا يجوز ‏الصوم في هذه المسألة عندهم، لأن الواجب هو الضمان بقتله، والصوم لا يصلح ضماناً.‏
ومذهب مالك والشافعي وأحمد: يجب عليه ما يجب على المحرم إذا قتل صيداً قياساً له ‏عليه.‏
‏- أما قطع شجر الحرم أو حشيشه الرطب مما ليس مملوكاً لأحد وليس مما يستنبته ‏الناس:‏
ذهب الحنفية: إلى أنه يضمن القاطع القيمة ويتصدق بها، ولا مدخل للصوم في هذا ‏الجزاء أيضاً، لأنه ضمان متلف.‏
وذهب مالك: إلى أنه يأثم ولا ضمان عليه، لأن الضمان قدر زائد على التحريم يحتاج ‏لدليل، بل يستغفر الله.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّ الأصح وجوب الضمان فيه من النعم، وفي الشجرة ‏الكبيرة بقرة، والصغيرة شاة، والحشيش الرطب يضمن بالقيمة إن لم يُخْلِفْ فإن أخلف فلا ‏ضمان.‏
والمضمون هنا على التخيير والتعديل عند الشافعية كما في الصيد.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:27 AM
‏65- في الجماع ودواعيه‏ ‏

أ- الجماع في إحرام الحج:‏
اتفق العلماء على أن الجماع حالة الإحرام جناية، ويصدق ذلك على هذه الأحوال الثلاث ‏الآتية :‏
‏1- قبل الوقوف بعرفة.‏
‏2- بعد الوقوف قبل التحلل الأول.‏
‏3- بعد الوقوف بعرفة والتحلل الأول فقط.‏
‏1) الجماع قبل الوقوف بعرفة:‏
مَنْ جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه بإجماع العلماء، ووجب عليه ثلاثة أمور:‏
الأول : الاستمرار في حجة الفاسد إلى نهايته، لقوله تعالى: {وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله} ‏وجه الاستدلال أنه "لم يفرق بين صحيح وفاسد".‏
الثاني : أداء حج جديد في المستقبل قضاء للحجة الفاسدة، ولو كانت نافلة، ويستحب أن ‏يفترقا في حجة القضاء هذه، عند الأئمة الثلاثة منذ الإحرام، وأوجب المالكية الافتراق منذ ‏خروجها من المنزل في سفر حجة القضاء، سداً لذريعة الوقوع في هذا المحظور الذي أفسد ‏حجمها، وعملاً بما ورد من أقوال الصحابة في ذلك. واستدل على عدم الوجوب بأن الافتراق ‏ليس بنسك في الأداء، فكذلك في القضاء، فلا يكون واجباً بل مستحباً.‏
الثالث : ذبح الهدي في حجة القضاء:‏
قال الحنفية: يذبح شاة.‏
‏ وقال الأئمة الثلاثة: لا تجزئ الشاة، بل يجب عليه بدنة أي من الجمال ذَكَراً أو أنثى.‏
استدل الحنفية بما ورد أن رجلاً جامع امرأته وهما محرمان، فسألا رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم فقال لهما: "اقْضِيا نُسْكَكُما وأَهْدِيا هَدْياً" رواه أبو داود في المراسيل، والبيهقي، وبما ‏رُوِيَ من الآثار عن الصحابة أنه يجب عليه شاة.‏
واستدل الشافعية ومن معهم بفتوى جماعة من الصحابة، ولم يُعْرَفْ لهم مخالف.‏
‏2) الجماع بعد الوقوف قبل التحلل الأول:‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ من جامع بعد الوقوف بعرفة قبل التحلل الأول فلا يفسد حجه، ‏ويجب عليه أن يهدي بدنة عندهم.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يفسد حجه ما دام قد واقع قبل التحلل الأول، ‏وعليه بدنة أيضاً.‏
‏3) الجماع بعد التحلل الأول:‏
وقد اتفقوا المذاهب الأربعة على أن الجماع بعده لا يفسد الحج، وألحق المالكية به الجماع ‏بعد طواف الإفاضة ولو قبل رمي جمرة العقبة، والجماعَ بعد يوم النحر ولو قبل رمي العقبة ‏والإفاضة.‏
ووقع الخلاف في الجزاء الواجب:‏
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يجب عليه شاة. قالوا في الاستدلال : إنه لخفة ‏الجناية لوجود التحلل في حق غير النساء.‏
وقال مالك وهو قول عند الشافعية والحنابلة إنه يجب عليه بدنة، وعُلِّلَ ذلك بأنه لعظم ‏الجناية على الإحرام.‏
وأوجب مالك والحنابلة على من فعل هذا الجناية بعد التحلل قبل الإفاضة أنْ يخرج إلى ‏الحل ويأتي بعمرة، لقول ابن عباس بذلك.‏
وذلك أنه لما أدخل النقص على طوافه للإفاضة بما أصابه من الوطء كان عليه أنْ يقضيَه ‏بطوافٍ سالم إحرامُه من ذلك النقص، ولا يصلح أن يكون الطواف في إحرام إلا في حج أو ‏عمرة.‏
ب- الجماع في إحرام العمرة:‏
‏1) ذهب الحنفية إلى أنه لو جامع قبل أن يؤدّي ركن العمرة وهو الطواف أربعة أشواط ‏تفسد عمرته، أما لو وقع المفسد بعد ذلك لا تفسد العمرة، لأنه بأداء الركن أمن الفساد.‏
وذهب المالكية إلى أن المفسد إن حصل قبل تمام سعيها ولو بشوط فسدت، أما لو وقع ‏بعد تمام السعي قبل الحلق فلا تفسد، لأنه بالسعي تتم أركانها، والحلق من شروط الكمال عندهم.‏
ومذهب الشافعية والحنبلية أنه إذا حصل المفسد قبل التحلل من العمرة فسدت.‏
والتحلل بالحلق وهو ركن عند الشافعية واجب عند الحنفية.‏
‏2) يجب في إفساد العمرة ما يجب في إفساد الحج من الاستمرار فيها ثم القضاء، والفداء ‏باتفاق العلماء.‏
لكن اختلفوا في فداء إفساد العمرة:‏
فمذهب الحنفية والحنبلية وأحد القولين عند الشافعية أنه يلزمه شاة لأنها أحط رتبة من ‏الحج، فخفت جنايتها، فوجبت شاة.‏
ومذهب المالكية والشافعية أنه يلزمه بدنة قياساً على الحج.‏
‏3) أما فداء الجماع الذي لا يفسد العمرة:‏
ذهب الحنفية إلى أنه شاة.‏
وذهب المالكية إلى أنه بدنة.‏
مقدمات الجماع:‏
مقدمات الجماع على قسمين: مباشرة وبعيدة.‏
المقدمات المباشرة: كاللمس بشهوة، والتقبيل، والمباشرة بغير جماع:‏
ذهب الحنفية والشافعية والمالكية إلى أنه يجب على من فعل شيئاً منها الدم سواء أنزل ‏منياً أو لم ينزل، ولا يفسد حجه، إلا أن الحنابلة قالوا: إن أنزل وجب عليه بدنة.‏
وقال المالكية: إنْ أَنزلَ مَنِّياً فسد حجه وعليه ما على المجامع، وإنْ لم يُنْزِل لْيُهْدِ بَدَنَةً.‏
المقدمات البعيدة: كالنظر والفكر بشهوة:‏
قال الحنفية والشافعية أنه لا يجب في شيء منهما الفداء، ولو أدى إلى الانزال. وهو ‏مذهب الحنابلة في الفكر.‏
وقال المالكية: إذا فعل أي واحد منها بقصد اللذة واسْتَدامَه حتى خرج المني فسدَ الحج، ‏وإن خرج بمجرد الفكر أو النظر من غير استدامة فلا يفسد، وإنما فيه الهَدْيُ بدنة.‏
وقال الحنابلة : إنْ نظرَ فصرفَ بصره فأمنى فعليه دمٌ، وإنْ كرر النظر حتى أمنى فعليه ‏بدنة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:29 AM
في ‏
ترك الواجبات‏ ‏

حكم الواجب في الحج أنه يطلب فعله ويحرم تركه، لكنه لا يفسد الحج بتركه، بل يكون ‏مسيئاً، وقرر الفقهاء أنه يجب على من ترك واجباً الفداء (ذبح شاة) لجبر النقص الحادث بهذا ‏الترك، إلا إذا تركه لعذر معتبر شرعاً.‏
‏ ‏ ومما صرح الفقهاء بثبوت العذر فيه: ترك المشي في الطواف، وفي السعي، لمرض أو ‏كِبَر سِنٍّ، فإنه يجوز له أن يطوف أو يسعى محمولاً ولا فداء عليه.‏

‏66- أولاً: ترك الوقوف بالمزدلفة:‏
اتفق الفقهاء على أن من ترك الوقوف بالمزدلفة لعذر أنه لا فداء عليه.‏
ذهب الحنفية إلى ثبوت العذر في ترك الوقوف بالمزدلفة كالمرض وضَعَفَةِ الأهل، ‏والضعف الجسماني كما هو الحال في الشيخ الفاني، وكذا خوف الزحام على المرأة، كل ذلك ‏عذر يسقط الفداء عمن ترك الوقوف.‏
وذهب الشافعية والمالكية إلى إجازة ترك الوقوف بالمزدلفة للعذر مع سقوط الفداء.‏
وذهب الحنبلية إلى جواز الدفع قبل نصف الليل من المزدلفة للرعاة وسقاة الماء، أما ‏غيرهم من النساء والضَّعَفَة فأوجبوا عليهم الدم.‏
ثانياً: ترك المبيت بمنى:‏
ذهب الحنفية إلى أنه إذا ترك الحاج المبيت بمنى ليالي التشريق بلا عذر فقد أساء ولا ‏يجب عليه الفداء، لأن المبيت بها سنة وليس بواجب عندهم.‏
ذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنبلية- إلى إيجاب الجزاء، لأنه واجب عندهم.‏
قال المالكية: إن ترك المبيت بها جُلَّ ليلة فدَمٌ، وكذا ليلة كاملة أو أكثر، وظاهره ولو كان ‏الترك لضرورة.‏
ولم يسقطوا الدم لترك المبيت بمنى إلا للرعاء وأهل السقاية.‏
وقال الشافعية: الواجب في ترك المبيت كله دم واحد، وفي ترك ليلة واحدة مُدّاً من ‏الطعام، وفي ترك ليلتين مُدَّيْن، إذا بات ليلة واحدة. إلا إذا ترك المبيت لعذر فلا شيء عليه.‏
كأهل سقاية العباس، ورعاء الإبل، فلهم ترك المبيت لياليى منى من غير دم.‏
فمثلهم من يخاف على نفس أو مال، أو ضياع مريض بلا متعهد أو موت نحو قريب في ‏غيبته ..‏
وعن أحمد بن حنبل رحمه الله روايتان قريباً من مذهبي الحنفية والشافعية.‏
ثالثاً: ترك الرمي:‏
ذهب الحنفية إلى أنه يجب الدم إن ترك الحاج رمي الجمار كلها في الأيام الأربعة، أو ‏ترك رمي يوم كامل، ويلحق به ترك أكثر حصيات يوم أيضاً، لأن للأكثر حكم الكل فيلزم فيه ‏الدم.‏
أما إذا ترك الأقل من حصيات يوم فعليه صدقة، ومعنى وجوب الصدقة أن يجب عليه ‏لكل حصاة نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير.‏
وذهب المالكية أنه يلزمه دم في ترك حصاة أو في ترك الجميع.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى إجراء رمي الحصى على قياس أخذ الشعر، فأوجبوا الدم ‏في ترك الرمي كله، وفي ترك يوم أو يومين وفي ترك ثلاث حصيات أيضاً على المذهب. أما في ‏الحصاة فيجبُ مدٌّ من الطعام، وفي الحصاتين ضعف ذلك.‏
رابعاً: طواف المحدث:‏
والبحث في فديته خاص بمذهب الحنفية، فإنهم يرون الطهارة من الجنابة والحيض ‏والنفاس والحدث الأصغر واجباً في الطواف.‏
أما المالكية والشافعية والحنبلية فإن الطهارة من الأحداث المذكورة كلها فرض من ‏شروط صحة الطواف عندهم، فحكم طواف من طاف محدثاً حدثاً أصغر أو أكبر حكم عدم ‏الطواف عندهم.‏
قال الحنفية: طواف المحدث صحيح، ويجب عليه الفداء لجبر النقص الحاديث بترك ‏واجب الطهارة في الطواف كما يلي :‏
من طاف للركن - أي الزيارة - جنباً أو حائضاً أو نُفسَاء يجب عليه بدنة، وجب عليه ‏إعادة الطواف، فإنْ أعاده أيام النحر سقط الجزاء عنه، وإن أعاده بعد أيام النحر، فإن كان قد ‏طافه أيام النحر محدثاص حدثاً أصغر فلا شيء عليه، وإن كان قد طافه أيام النحر جنباً فعليه الدم ‏شاة عند أبي حنيفة، وإن طافه محدثاً حدثاً أصغر ولم يُعِدْه وجب عليه شاة. أما إذا كان محدثاً ‏حدثاً أكبر ولم يعده فعليه بدَنة وقد تحلل من إحرامه.‏
ولو طاف للقدوم أو الوداع جنباً أو حائضاً أو نُفَساء وجب عليه الدم، ولو طاف للقدوم أو ‏الوداع محدثاً حدثاً أصغر فعليه صدقة، وكذا إن طاف تطوعاً محدثاً أصغر.‏
وإن طاف للعمرة جنباً أو محدياً أصغر وجب عليه شاة. فإن أعاده أو أي طواف مما سبق ‏سقط عنه الجزاء.‏
ومذهب الحنفية في هذه الفروع رخصة مفيدة جداً في رفع الحرج عن الحائض والنفساء ‏إذ اضطرت للسفر قبل الطهر ولم تكن طافت للإفاضة، فإنها تطوف وينجبر ترك الطهارة ببدنة ‏عند الحنفية.‏
رخصة وثمة أوسع عند المالكية حيث قالوا : وأما إن انقطع - الدم - عنها يوماً وعلمت ‏أنه لا يعود قبل انقضاء وقت الصلاة أو لم تعلم بعوده ولا بعدمه فيصح طوافها. لأن المذهب أن ‏النقاء أيام التقطع طهر، فيصح طوافها في هاتين الحالتين أي بعد الغسل.‏
وعلى ذلك تستطيع المرأة عند المالكية إذاحاضت قبل الإفاضة أو نُفِسَتْ أن تأخذ دواء ‏يقطع الحيض مدة يوم كامل على الصفة المذكورة، فتغتسل وتطوف طواف الإفاضة، وتسعى إن ‏لم تكن قدّمت السعي، ثم تسافر، ولا جزاء عليها.‏
أما عند الحنفية فعليها الجزاء لكنهم لا يشترطون انقطاع الدم، ولا يعتبرون تقطعه طهراً.‏
خامساً: مجاوزة الميقات بغير إحرام:‏
من جاوز موضعاً يجب الإحرام منه وهو غير محرم أثم، ويجب عليه العود إليه ‏والإحرام منه.‏
وللعود إلى الميقات ثلاث صور:‏
الصورة الأولى: أن يعود إليه قبل الإحرام، فيحرم منه، فهذا لا يجب عليه الفداء، عند ‏جماهير العلماء، سواء كان دخل مكة أم لا.‏
الصورة الثانية: أن يحرم بعد مجاوزة الميقات ثم يعود إلى الميقات محرماً قبل أن يتلبس ‏بالنسك.‏
واختلف الفقهاء في ذلك:‏
ذهب أبو حنيفة إلى أنه عاد ولبى من الميقات سقط عنه الدم، وإن لم يلب من الميقات لم ‏يسقط الدم.‏
وذهب مالك وأحمد إلى أنه لا يسقط عنه الدم بالعود، لأن جنايته لم ترتفع بالعود فوجب ‏الدم. وأجيب بأنه تدارك المتروك في أوانه، وذلك قبل الشروع في الأفعال فيسقط الدم.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يسقط عنه الدم سواء عاد ملبياً أم غير ملب، لأن التدارك قد ‏حصل بعوده محرماً، لأنه أظهر حق الميقات، كما إذا مرَّ به محرماً ساكتاً.‏
الصورة الثالثة: أن يعود إليه بعد التلبُّس بنسك من أعمال الحج، كطواف، القدوم، أو ‏وقوف عرفة، أو من أعمال العمرة كطواف العمرة، ومثله في الحكم من لم يرجع إلى الميقات، ‏بل أحرم بعده واستمر في أداء النسك، فهذان يجب عليهما الدم.‏
ولا فرق في لزوم الدم بين مجاوزة الميقات عامداً عالماً، أو جاهلاً، أو ناسياً، ولا فرق ‏أيضاً بين ترك العود لعذر أو لغير عذر، لكن من ترك العود لعذر لا يأثم بترك الرجوع، ومن ‏العذر خوف فوات الوقوف بعرفة لضيق الوقت، أو المرض الشاق، وهذا كله موضع اتفاقاً بين ‏الأئمة.‏
تنبيه: في جنايات القارن:‏
قال الحنفية: كل شيء فعله القارن - بين الحج والعمرة - مما ذكرنا أن فيه على المفرد ‏بسبب جنايته على إحرامه دماً، فعلى القارن فيه دمان، لجنايته على الحج والعمرة، فيجب عليه دم ‏لحجته، ودم لعمرته، وكذا الصدقة.‏
وهذا إنما يُعْنى به الجنايات التي لا اختصاص لها بأحد النسكين، كلبس المخيط، ‏والتطيب، والحلق، والتعرض للصيد. أما ما يختص بأحدهما - فلا يجب إلا جزاء واحد - كترك ‏الرمي وطواف الصدر.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:30 AM
الباب السابع
في
الإحصار والفوات

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:31 AM
‏ ‏
‏67-أ- أما الإحصار:‏
الإحصار في اللغة من الحصر وهو المنع. ومنه قوله تعالى: {لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي ‏سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] يقال "حصره العدو" و "أحصره المرض".‏
والإحصار في الشرع: المنع بمرض أو عدو من الوقوف والطواف.‏
قال الحنفية: مَن قدر على أحدهما فليس بمُحْصَر.‏
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: الإحصار هو المنع بعدو عن الوقوف بعرفة أو ‏الطواف أو السعي.‏
ب- وأما الفوات فهو في اصطلاح الفقهاء : أن يذهب وقت الوقوف بعرفة، دون أن ‏يدرك الحاج الوقَوف بها، سواء كان ذلك بعذر أم بغير عذر.‏
ج- ومن هذا التمهيد يظهر لك أن الإحصار يقع في الحج، ويقع في العمرة أيضاً، وأن ‏الفوات يختص بالحج.‏
أما العمرة: فإنها لا تفوت، لأنها غير مؤقتة بوقت، وعلى ذلك الإجماع.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:32 AM
المبحث الأول
في
‏68- الإحصار


الأصل في حكم الإحصار: قوله تعال :‏
‏{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ ‏حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196].‏
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه ‏وسلم معتمرين، فحالَ كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بُدْنَهُ وحلق ‏رأسه".‏
وقد قرر أهل اللغة أن "الحصر" للمنع بالعدو "والاحصار" للمنع بالمرض.‏
ومن ذلك ترى أن الآية وردت بمناسبة الحصر بالعدو، وأطلقت كلمة "أحصرتم" وأن ‏الإحصار في اللغة للمنع بالمرض.‏
‏ فمن ثم اختلف الفقهاء في المانع الذي يصير المحرم به مُحْصراً:‏
فذهب الحنفية إلى أن الإحصار يتحقق بالمرض وبالعدو وبكل مانع من الوقوف ‏والطواف، كفقد النفقة‎، وعدم المحرم بالنسبة للمرأة. واستدلوا بالآية {فإن أُحْصِرْتُم فما اسْتَيْسَر ‏من الهَدْي} ، فإن "الإحصار" هو ما يكون بالمرض، أما ما يكون بالعدو فهو "الحصر" لا ‏الإحصار.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى أن الإحصار لا يكون إلا بالعدو أو الفتنة أو ‏الحبس ظلماً لأن الآية نزلت في الحصر بالعدو فيكون هو المقصود، ولا يلحق به المرض، وقد ‏قال تعالى في الآية: {فإذا أمِنْتُمُ} والأمن يكون من العدو، فلا يتحلل إلا في الإحصار بالعدو ‏ونحوه. أو إذا كان اشترط في الإحرام التحلل بشيء آخر .‏
تحلل المُحْصَر:‏
ذهب الحنفية إلى أنه إذا تحقق الإحصار جاز للمحصر أن يتحلل من إحرامه، وذلك بأن ‏ينوي التحلل ويبعث شاة تذبح عنه في الحرم، أو يبعث بثمنها لتُشْتَرى به، ثم تُذْبَح هناك، ‏ويَضرب للذبح موعداً يتحلل بعده، لقوله تعالى: {ولا تحلِقوا رؤوسَكُمْ حتى يبلغَ الهَدْيُ محِلَّهُ}. ‏ومحله الحرم.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يذبحها في موضع إحصاره، ولا حاجة إلى أن يبعثها ‏إلى الحرم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر في الحديبية حيث أحصر، وهي من الحل.‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ المحصر يتحلل بمجرد ذبح الهدي ولا يشترط الحلق لتحلل.‏
وذهب الشافعية في الأصح وهو المذهب عند الحنبلية أنه لا يتحلل إلا بالذبح والحلق. ‏ويدل لهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه حلق يوم الحديبية وأمر أصحابه بذلك.‏
وقال المالكية: يتحلل بنية التحلل فقط، ولا يجب عليه ذبح الهَدْي ولا الحلق بل هما سنة، ‏وفسّروا الآية على أنها في الهدي الذي كان مع الصحابة عام الحديبية.‏
قضاء نسك المحصر:‏
اتفق الفقهاء على أن المحصر إذا تحلل من إحرام حجٍّ واجب، أو عمرة واجبة، فعليه ‏القضاء.‏
واختلفوا في قضاء الحج النفل، والعمرة النافلة إذا تحلل المحصر من إحرامهما:‏
‏ فعند الحنفية يجب قضاؤهما.‏
وعند الشافعية لا يجب.‏
ثم اختلفوا أيضاً في الواجب قضاؤه:‏
فقال الحنفية: المحصر بالحج إن تحلل يجب عليه حجة وعمرة، والقارن عليه حجة ‏وعمرتان، أما المعتمر فيقضي العمرة فقط.‏
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: يلزمه قضاء ما فاته بالإحصار فحسب، إن حَجّة ‏فحجةٌ فقط، وإن عمرة فعمرة وهكذا.‏
وعليه نية القضاء باتفاق العلماء.‏
أما المتمتع فإن أحصر عن العمرة فعليه قضاؤها فقط، وإن أدى العمرة ثم أحصر عن ‏الحج فحكمه حكم المفرد اتفاقاً أيضاً.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:34 AM
‏69- المبحث الثاني في الفوات ‏


اتفق الأئمة على أن من فاته الوقوف بعرفة بأن طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف ‏بعرفة فقد فاته الحج.‏
ثم إن أراد التحلل من الإحرام بأداء أعمال العمرة، فيطوف ويسعى ثم يحلق أو يقصر. ‏لأن الإحرام بعدما انعقد صحيحاً لا طريق للخروج عنه إلا بأداء أحد النسكين كما في الإحرام ‏المبهم، وههنا عجز عن الحج فتتعين عليه العمرة.‏
واتفقوا على أنه يجب عليه الحج من عام قابل، إذا كانت الفائتة فريضة.‏
وكذا الحجة النافلة إذا فاتت يجب قضاؤها عند الأئمة الأربعة. إلا رواية عن الإمام أحمد ‏أنه لا يجب قضاء الحجة النافلة إذا فاتت.‏
استدل الأئمة على وجوب القضاء بقوله تعالى : {وَأَتِمُّوا الحجَّ والعمرةَ لله} وهو عام في ‏الحج سواء كان فرضاً أو نفلاً.‏
وروي عن ابن عمرَ وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" مَنْ فاتَه ‏عَرَفَةُ بليلٍ فقد فاتَه الحجُّ، فَلْيَتَحلَّلْ بعمرةٍ، وعليه الحجُّ مِن قابل ". أخرجه الدارقطني.‏
واستدل للقول بعدم وجوب القضاء بأن الأحاديث الصحيحة دالة على أن الحج فرض ‏مرة واحدة، فلو وجب قضاء النافلة كان الحج واجباً أكثر من مرة، وهو خلاف الشرع.‏
واختلفوا أيضاً في وجوب الهدي عليه:‏
أ-أما المفرد:‏
فذهب الحنفية إلى أنه لا يجب عليه الهدي، وهو رواية عن أحمد.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى أنه يجب عليه الهدي يذبحه في حجة القضاء.‏
ب-وأما قضاء القارن:‏
‏ ففيه تفصيل عند الحنفية، لأنه في مذهبهم يطوف طوافين، ويسعى سعيين، لذلك قرروا ‏أنه: إن كان قد طاف لعمرته قبل الفوات فهو كالمفرد، وإن لم يطف لها فإنه يطوف أولاً لعمرته ‏ويسعى لها، ثم يطوف طوافاً آخر لفوات الحج ويسعى له ويحلق، وقد سقط عنه دم القران. وعليه ‏قضاء حجة لا غير، لفراغ ذمته من إحرام عمرته.‏
وقال الشافعية من أحرم بالحج والعمرة قارناً ففاته الوقوف فإن العمرة تفوت بفوات الحج ‏لأنها مندرجة فيه وتابعة له، ولأنه إحرام واحد فلا يتبعض حكمه، وعليه القضاء قارناً ويلزمه ‏ثلاثة دماء : دم للفوات، ودم للقران الفائت، ودم ثالث للقران الذي أتى به في القضاء... وتلزمه ‏هذه الدماء سواء قضى مفرداً أو متمتعاً أو قارناً.‏
وقال المالكية والحنبلية: عليه دمان: هدي للقران وهدي فواته.‏
ج-وأما قضاء المتمتع الذي اعتمر ثم أحرم بالحج وفاته الحج فيبطل تمتعه بفوات الحج.‏
ذهب الحنفية إلى أن عليه قضاء الحج فقط ولا دم عليه عند الحنفية فإنه يسقط عنه دم ‏التمتع بالفوات، لأن شرط التمتع وجود حجته في سنة عمرته في أشهر الحج، وقد فات الحج، ولا ‏دم على الفوات.‏
وقال المالكية: يلزمه دم الفوات وهو يسقط دم التمتع.‏
وقال الشافعية والحنبلية: يلزمه دمان: دم الفوات ودم التمتع.‏
الخطأ العام في وقوف عرفة:‏
إن وقع خطأ عام في الوقوف بعرفة للخطأ في إثبات الهلال فوقفوا يوم العاشر فقد تَمَّ حج ‏الناس، اتفاقاً بين الفقهاء.‏
لو وقفوا يوم الثامن من ذي الحجة ظناً أنه التاسع لا يصح وقوفهم، ويكون الحج قد فاتهم، ‏ويجب على كل واحد ما يجب على فائت الحج حسبما عرفته وهذا مذهب الجمهور عدا الحنبلية. ‏وقال الحنبلية : يجزئهم الوقوف.‏
وهذا كله إذا علموا بالخطأ بعد فوات وقت الوقوف بعرفة، أما إذا علموا بالخطأ قبل ‏فوات وقت الوقوف فيجب عليهم الوقوف اتفاقاً، لتمكنهم منه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:06 AM
الباب الثامن ‏
في ‏
الهَدْي والأضحية‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:10 AM
‏70- تعريف الهَدْي:‏
الهَدْي: بإسكان الدال وتخفيف الياء، أو بكسر الدال مع تشديد الياء لغتان مشهورتان، ‏والواحد: هَدْيَةٌ وهَدِيَّةٌ. تقول فيه:" أهديت ".‏
قال العلماء: والهدي: ما يُهدي إلى الحرم من حيوان وغيره.‏
لكن المراد بالهَدْي هنا ما يُهْدَي إلى الحرم من الإبل والبقر والغنم والماعز، خاصة ‏بالشروط التي سنذكرها لصحة كونه هدياً.‏
وأحكام الهدي تلتقي مع الأضحية في الكثير من الأمور.‏

‏71- حكم الهدي:‏
للهدي أربعة أقسام :‏
أ- القسم الأول : هدي التطوع الذي يتقرب به الحاج أو المعتمر إلى الله دون سبب يلزمه ‏به ويستحب ذلك لكل حاج ومعتمر، اقتداء به صلى الله عليه وسلم. فقد أهدى النبي صلى الله عليه ‏وسلم في حجة الوداع مائة بدنة كما هو متفق عليه.‏
وهذا الهدي يجوز له أن يأكل منه، بل يستحب له ذلك، كالأضحية، لقوله تعالى:‏
‏{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ ‏جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36].‏
ولحديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم" أمر ببضعة من كل بدنة، فوضعت في قِدْرٍ، ثم ‏أكلا من لحمها وشربا من مَرَقها ".‏
ويستحب أن يطعم منها الفقراء أيضاً، ويستحب أن لا ينقص الصدقة عن الثلث أسوة ‏بالأضحية.‏
ذهب الحنفية إلى أن أصل التصدق لا يجب حتى لو حبس الكل لنفسه جاز، لأن القربة ‏في الإراقة، والتصدق باللحم تطوع.‏
ومثله عند الحنفية هدي التمتع والقران.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يجب التصدق بقدر ما يقع عليه اسم الصدقة على الأصح عندهم.‏
وذهب الحنبلية نحومذهب الشافعية وقدروة وقدروه بأوقية. ‏
ب- القسم الثاني: هدي واجب للشكر، وهو الهدي الواجب على المتمتع والقارن:‏
ذهب الحنفية إلى أنه دم واجب شكراً لله تعالى على أن وفقه لأداء النسكين في سفر واحد.‏
وذهب الحنفية والمالكية والحنبلية إلى جواز الأكل منه.‏
وذهب الشافعية إلى أنه دم جبران على الصحيح في مذهبهم، فلا يجوز له الأكل منه، بل ‏يجب التصدق بجميعه.‏
ج- القسم الثالث: هدي واجب للجبران، أي لجبر الخلل الواقع في الحج أو العمرة، من ‏جزاء جناية من الجنايات أو دم إحصار ...‏
ذهب الحنفية والشافعية والحنبلية إلى أنَّ هذا الهدي لا يجوز الأكل منه، ولا أن يطعم منه ‏غنياً، بل يجب التصدق بجميعه، لأنها دماء كفارات.‏
وذهب مالك إلى أنه يجوز الأكل من كل الهدي الواجب، إلا جزاء الصيد، ونذر ‏المساكين، ونسك الأذى.‏
د- القسم الرابع: هي النذر، وهو ما ينذره الحاج للبيت الحرام، ومثله الأضحية ‏المنذورة، وكلاهما واجب لقوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29].‏
هذا الهدي والأضحية لا يجوز له الأكل منهما باتفاق الأئمة الأربعة، ولو كان الناذر ‏فقيراً، بل المنذورة سبيلها التصدق، فلو أكل فعليه قيمة ما أكل.‏
أصناف الهدي وما تُجْزيءُ عنه:‏
لا يصح الهدي ولا الأضحية إلا من أحد الأصناف الأربعة : الشاة والماعز والبقر والإبل ‏وهذا مجمع عليه، وتختلف هذه الأصناف فيما يجزيء أي يكفي ويصح أن تذبح عنه من ‏الأشخاص.‏
فالشاة والماعز: عن واحد فقط باتفاق العلماء.‏
أما البَدَنَة: وهي من الإبل والبقر:‏
قال الحنفية والشافعية والحنبلية: تكفي عن سبعة سواء كانوا كلهم أهل بيتٍ واحد، أم ‏متفرقين، لما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم مهلين بالحج، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترط في الإبل والبقر كل سبعة ‏منا في بدنة".‏
وقال المالكية: تجوز عن أهل بيت واحد وإن كانوا أكثر من سبعة، ولا تجوز عن أهل ‏بيتين وإن كانوا أقل من سبعة، لحديث: "يا أيها الناس: إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية ‏وعتيرة"(1) أخرجه أصحاب السنن.‏
‏_________________‏
‏(1) الذبيحة في رجب وهي منسوخة.‏
هذا، ولابد للمشتركين في الهدي أو الأضحية من الاقتسام بالتساوي وزناً.‏
وذهب الحنفية لصحة الاشتراك أن يكون الجميع يريدون القربة لله تعالى، فلو وجد ‏شخص يريد اللحم لتجارة مثلاً، أو لأمر آخر لا على سبيل القربة لم يجز الذبح عن أحد منهم.‏
وذهب الشافعية والحنبلية إلى إجازة أن يشترك معهم من يريد اللحم لا القربة، وفي ذلك ‏توسعة على الناس، لاسيما في الأضاحي.‏

‏72- أقسام الهدي من حيث الأداء:‏
الهدي الواجب إما أن يجب نحره بعينه أو يجوز الاعتياض عنه، وقد عُنِيَ الشافعية ببيان
أقسامه، فقسموه أربعة أقسام:‏
أ- القسم الأول: الدم الواجب بترك نسك، وأفراده تسعة هي: التمتع، الفوات، القِران، ‏ترك الرمي، ترك المبيت بمنى، ترك الإحرام من الميقات، ترك المبيت بالمزدلفة، ترك طواف ‏الوداع، وترك المشي في الطواف أو السعي إن نذره الحاج.‏
هذا القسم يجب على الترتيب والتقدير عند الشافعية، ومعنى الترتيب أنه يجب أولاً شاة، ‏فإن لم يستطع فعليه مكانها صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومعنى التقدير أن ‏الشارع قدره بما لا يزيد ولا ينقص.‏
ووافق الحنفية على ذلك في دم التمتع والقران، ولم يوجبوا الهدي على الفائت، أما سائر ‏الدماء فواجبة على التقدير فقط عند الحنفية، أي لا يجزئ مكانها الصيام، ولا القيمة.‏
ب- القسم الثاني : الدم الواجب في الترفه، وأفراده ثمانية هي : دم الحلق، ودم قلم ‏الأظفار، ودم اللبس، ودم الدهن، ودم التطيب، ودم الجماع الثاني، ودم الجماع بين التحللين، ودم ‏المباشرة.‏
هذا القسم: يجب على التخيير والتقدير عند الشافعية، ومعنى التخيير أنه يخير بين ‏ثلاث خصال: شاة، أو صوم ثلاثة أيام، أو التصدق بثلاثة آصع. على ستة مساكين، سواء في ذلك ‏المعذور وغيره، وكذا عند المالكية والحنابلة، على تفاصيل سبقت في جنايات الإحرام.‏
ج- القسم الثالث: دم الإحصار، ودم الوطء المفسد للحج.‏
وهذا القسم يجب عند الشافعية على الترتيب والتعديل، ومعنى الترتيب بالنسبة للوطء أنه ‏يجب به أولاً بدنة من الإبل فإن لم يجدها فبقرة، فإن لم يجدها فسبع من الغنم أو الماعز وذلك ‏بالنسبة للوطء، أما الإحصار ففيه شاة فقط.‏
وإن لم يجد سبعاً من الغنم يقوِّوم البدنة أو الشاة بسعرها في مكة، ويشتري بقيمتها طعاماً ‏يتصدق به على مساكين الحرم وفقرائه.‏
ومعنى التعديل: أنه إن عجز عن الطعام عدله صوماً، فصام عن كل مُدٍّ يوماً.‏
وعند الحنفية دم الإحصار والوطء دم تقدير فقط لا تخيير فيه لا يجزئ عنه صوم ولا ‏صدقة، ولو عجز عن الهدي. وروي في المذهب الحنفي في المحصر إن لم يجد الهدي يُقَوِّم ‏الهديَ طعاماً فيتصدق به على كل مسكين نصف صاع، وإن لم يكن عنده طعام ولا ثمنه صام ‏لكل نصف صاع يوماً فيتحلل به.‏
وكل دم ذكر في الجنايات لا تخيير فيه فهو من هذا القبيل عند الحنفية.‏
وعند المالكية في هَدْي الجماع التخيير بين بدنة أو بقرة أو شاة، فإن لم يجد صام ثلاثة ‏أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ولا يجب عندهم دم في الإحصار.‏
وعند الحنابلة في الإحصار أن بدل دمه الصوم بنية التحلل عشرة أيام ولا إطعام فيه: ‏يصوم ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وفي الوطء بدل دمه كالتمتع.‏
د- القسم الرابع: الدم الواجب بقتل الصيد. وهو واجب على التخيير والتعديل، وقد سبق ‏بيان ذلك مستوفى في الجنايات.‏

‏73- شروط الهدي والأضحية:‏
ليس كل شيء من النَّعَم يصلح أن يكون هدياً، بل لابد أن يكون مستوفياً للشروط التي ‏ورد بها الشرع، وهي شروط الضحية نفسها أيضاً. فمن أراد أن يتطوع بهدي أو وجب عليه ‏الهدي بأن وجب عليه شاة أو وجب عليه بدنة يجب عليه أن يراعي في الهدي الشروط الآتية:‏
أولاً - أن يكون الهَدْيُ من "الثَّنِيِّ" فصاعداً، إلا الضأن فإن الجَذْعَ منه يجزيء: ‏
وذلك موضع اتفاق الفقهاء سلفاً فخلفاً، لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏قال: "لا تذبحوا إلا مُسِنَّةً إلا أن يَعْسُر عليكم، فتذبحوا جَذْعَة من الضأن" أخرجه مسلم.‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنَّ الثَّنِيُّ من الإبِلِ ما اسْتكمل خمس سنين ودخل في السادسة، ‏والثَّنِيُّ من البقر والجاموس ما استكمل سنتين ودخل في الثالثة.‏
وذهب المالكية إلى أنَّ الثِنّي من البقر بما بلغ ثلاث سنين ودخل في الرابعة، ومن الإبل ‏بما دخل في السادسة.‏
لكن الحنفية لم يطلقوا جواز الهدي والتضحية بِجَذْع الضَّأْنِ، بل قالوا: يجزيء إذا كانت ‏عظيمةً بحيث لو خُلِطَ بالثنيان يشتبه على الناظر من بعيد".‏
واختلف في ثَنِي المعز وجَذْع الضأن: فالجذع من الضأن عند الحنفية والحنابلة وهو وجه ‏عند الشافعية ما تمت له ستة أشهر.‏
وعند الشافعية على أصح الأوجه ما استكمل سنة أو ما أجذعت، أي أسقطت مقدَّم أسنانها ‏بعد ستة أشهر.‏
وثني المعز عند الحنفية ما بلغ سنة ودخل في الثانية.‏
وعند الشافعية ما استكمل سنتين على أصح القولين.‏
وذهب المالكية إلى أن الجذع من الضأن ما بلغ سنة ودخل في الثانية ولو مجرد دخول ‏وفسَّروا الثَّنِيّ من المَعْزِ بما بلغ سنة ودخل في الثانية دخولاً بَيِّنا، كمضيِّ شهر بعد السنة.‏
ثانياً- أن يكون الهدي تام الخِلْقَةِ سليما من عيب ينقص اللحم.‏
والأصل في ذلك حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء بَيِّنٌ عَورُها، والمريضة بَيِّنٌ مرضها، والعرجاء بَيِّنٌ ‏ظَلعُها، والكسير التي لا تُنْقِي" رواه أبو داود والترمذي.‏
والمراد بالمريضة التي يكون مرضها بيناً أي أن يظهر بسببه الهُزال وفساد اللحم والبَيِّن ‏ظَلَعُها أي الظاهر عَرجُها، والتي لا تُنْقِي أي التي لا نِقْيَ لها، وهو مخ العظم.‏
فهذه الأربعة لا تصح أن تكون هدياً، ولا تبرأ الذمة بالاهداء منها، كذلك لا يجزيء أيضاً ‏مقطوعة كل الأذن أو الذنب، أما إذا قطع جزء قليل أي أقل من الثلث من الأذن أو الذنب فأقل فإنه ‏لا يضر ذلك عند أبي حنيفة.‏
وأجاز الحنفية التضحية بالجرباء - مع الكراهية - إذا كان الجرب في الجلد فقط، أما إذا ‏هزلت بأن وصل الجرب إلى اللحم فلا يجوز.‏
وقال الشافعية: الجرب يمنع الإحْزاءَ كثيره وقليله. ولا تصح التضحية والهدي بناقصه ‏جزء مأكول ولو بعض الذنب، أو بعض الأذن ولو قليلاً، ولا يضر شق الأذن أو خرقها، ولا ‏تصح التضحية والهدي بالحامل على المعتمد في مذهب الشافعي.‏

‏74- سنن الهدي:‏
أ- صفته المستحبة:‏
والأصل في ذلك أن يجود المؤمن بماله لله تعالى طيبة به نفسه، قال تعالى في الحض ‏على العناية بالهدي: {ذَلِكَ ومَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإنها مِنْ تَقْوى القُلوبِ} [الحج: 32].‏
لذا قال العلماء: البدنة أفضل من البقرة لأنها أعظم، والبقرة أفضل من الشاة لأنها بسبع ‏من الغنم، والشاة أفضل من مشاركة سبع في بدنة أو بقرة لأنه ينفرد بإراقة الدم، والضأن أفضل ‏من الماعز لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بالضأن، والسمينة أفضل من غير السمينة ‏حتى أن من الحنفية من قال: الشاة السمينة التي تساوي البقرة قيمة ولحماً أفضل من البقرة. وحتى ‏أن الشافعية قالوا : التضحية بشاة سمينة أفضل من شاتين دونها.‏
ولا خلاف في جواز التضحية بالذَّكَر والأنثى، لكن الذكر أفضل، وخير الألوان في ‏الهدي والأضحية البياض ثم الصفرة، لما أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله قال : ‏‏"ضحّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بكبشَيْنِ أمْلَحَيْن أقْرَنَيْن، ذَبَحَهُمَا بيده، وسمّى وكبَّر، ووضعَ ‏رِجْلَه على صِفاحِهما".‏
‏‏ ‏
ب- سُنَّةُ سوق الهدي:‏
‏1) يستحب للحاج أن يسوق هديه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل، ثم ‏من مكة ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلاً بل اشتراه من منى جاز باتفاق جماهير أهل العلم.‏
‏2) واتفقوا على استحباب وضع القلادة للإبل والبقر لما روى ابن عباس أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم "صلّى الظهرَ بذي الحُلَيفَةَ ثم دعا بناقته فأَشْعَرها في صَفْحَةِ سنامِها الأيْمَن، وسَلَتَ ‏الدمَ، وقلَّدَها نَعْلَيْن" أخرجه مسلم.‏
واختلفوا في تقليد الغنم:‏
‏ فذهب، الحنفية والمالكية إلى عدم سنيته، لأن تقليد الغنم غير متعارف وليس له بفائدة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى سنية ذلك عملاً بحديث عائشة قالت: "أهْدَى رسولُ الله ‏صلى الله عليه وسلم مرةً إلى البيتِ غنماً فقلَّدها" متفق عليه.‏
‏3) واتفقوا على عدم سنية إشعار الغنم.‏
لكن وقع الخلاف في إشعار الإبل والبقر أي شق الجلد من جانب السنام الأيمن:‏
فذهب الحنفية إلى عدم سنية ذلك، لأن في الإشعار مُثْلة وإيلاماً للحيوان، وقد نهى عنه ‏النبي صلى الله عليه وسلم.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى سنية الإشعار للإبل والبقر عملاً بحديث ابن ‏عباس.‏
وقصد الشارع من التقليد والإشعار إشهار هذه الذبائح لأنها نسك وعبادة، فيليق بها ‏الاظهار.‏
لذلك اتفق الفقهاء الحنفيون والشافعيون على أنه لا يسن تقليد الجنايات والإحصار، لأن ‏سببها الجناية فيليق بها الستر.‏
‏4) يُستحب لمن لم يذهب إلى الحج أن يرسل هَدْياً وأن يُشْعِرَه ويُقَلِّدَه. ولا يحرم عليه ‏بإرساله شيء مما يحرم على المحرم باتفاق العلماء.‏

‏75- توقيت ذبح الهدي:‏
نعني بالتوقيت تحديد زمان ومكان ذبح الهدي.‏
أ- أما الزمان:‏
فقال الحنفية والمالكية والحنابلة: إنه من بعد صلاة عيد النحر إلى آخر أيام النحر (10، ‏‏11، 12 من ذي الحجة).‏
وقال الشافعية: إنه ممتد إلى آخر أيام التشريق (13من ذي الحجة)، وهذا الخلاف بينهم ‏في زمن الأضحية أيضاً.‏
وقد اتفق الحنفية والشافعية على أن دم الجنايات لا يتقيد بالوقت، لأنها دماء كفارات، فلا ‏تختص بزمان النحر، بل يجوز تأخيرها إلى أي وقت آخر، إلا أنها لما وجبت لجبر النقصان كان ‏التعجيل بها أولى، ليحصل ارتفاع النقصان من غير تأخير.‏
واختلفوا في هدي التطوع:‏
ذهب الحنفية وهو وجه عند الشافعية إلى أنه يجوز ذبح دم التطوع قبل يوم النحر وذبحه ‏أيام النحر أفضل، لأن القربة في التطوعات باعتبار أنها هدايا وذلك يتحقق بتبليغها إلى الحرم.‏
وذهب الشافعية في الأظهر والحنابلة إلى أنها تختص بالزمان كالأضحية.‏
واختلفوا أيضاً في دم المتعة والقِران:‏
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يختص بالزمان المذكور وهو أيام النحر الثلاثة، واستدلوا ‏في ذلك بقول الله تعالى: {فَكُلُوا منها وأَطْعِمُوا البائِسَ الفَقِير ثمْ ليَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفوا نُذُورَهُم ‏ولْيَطَّوَّفوا بالبيتِ العَتيق}.‏
وذهب الشافعية إلى أنها لا تختص بزمان بل يجوز أن يذبحها بعد الإحرام بالقران، وبعد ‏الإحرام بالحج في التمتع، ويجوز قبل الإحرام بالحج بعد التحلل من العمرة في الأظهر.‏
وذهب المالكية إلى أن وقت ذبح الهدايا كلها هو أيام النحر، قالوا: ولا تذبح ليلاً.‏
ب- وأما المكان: فقد اتفقوا على أن دماء الهدي - عدا الإحصار - يختص جواز إراقتها ‏بالحرم لا يجوز ذبح شيء منها خارجه، لقوله تعالى في جزاء الصيد: {هَدْياً بَالغَ الكعبةِ} ، ‏وقوله تعالى: {ثُمَ مَحِلُّها إلى البيتِ العَتِيق}.‏
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "نَحَرْتُ ههنا ومِنىً كلُّها مَنْحَرٌ فانْحروا في رِحالِكُمْ".‏
وقوله: صلى الله عليه وسلم "كلُّ فِجاجِ مكةَ طريقٌ ومَنْحَر" أخرجه الحاكم.‏

‏76- السنة في ذبح الهدي والأضحية:‏
أ- يستحب أن يذبح الهدي والأضحية بنفسه اقتداء به صلى الله عليه وسلم حديث أنس أن ‏النبي صلى الله عليه وسلم: "ضحى بكبشين ووضع رجله على صفاحهما وسمى وكبر" وفي ‏رواية لمسلم قال: ويقول: "بسم الله والله أكبر" ويجوز أن يستنيب غيره لما سبق، في آخر حديث ‏جابر عند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم "نحر ثلاثاً وستين بَدَنةً بيده ثم أعطى علياً فنحر ما غَبر ‏منها".‏
فإذا استناب غيره يستحب له أن يشهد الذبح، لما روى عمران بن حصين رضي الله عنه ‏قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا فاطمةُ قُومِي فاشْهَدِي أُضْحِيَتَك فإنّه يُغْفَرُ لك بأولِ ‏قطرةٍ نقطرُ مِن دَمِها كلُّ ذنبٍ عَمِلْتِه" رواه البيهقي والطبراني.‏
ومن حكمة ذلك المبالغة في السخاء، وتهذيب النفس عن الجبن والخوف.‏
ب- والأفضل في الإبل النحر وهو طعن العروق في أسفل العنق حتى تُفْرَى،وأن ينحرها ‏قياماً. والأفضل في الغنم الذبح وهو قطع العروق في أعلى العنق، وأن تكون مضطجعة ليوافق ‏السنة المتواترة.‏
ويستحب أن يوجه الذبيحة إلى القبلة، لأنه قربة لابد فيها منجهة فكانت القبلة أولى.‏
ج- وذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنَّ التسمية عند الذبح والنحر، فلو تركها عامداً ‏لم تحل ذبيحته، وإن تركها ناسياً حلت استدلالاً بقوله تعالى: {ولا تَأْكُلُوا مِمّا لم يُذكَرِ اسمُ اللهِ ‏عَلَيْهِ وإنّه لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121].‏
وذهب الشافعية إلى أن التسمية سنة، فلو تركها عامداً أو ناسياً حلت ذبيحته عندهم، ‏استدلالاً بقوله تعالى: {إلا ما ذَكّيْتُم} وقوله: {وطَعَامُ الذينَ أُوتوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُم}. ولم يذكر ‏التسمية فلا تكون واجباً. بل سنة.‏
وصيغة التسمية المستحبة أن يقول : "باسم الله والله أكبر".‏
د- ويستحب أن يسأل الله القبول فيقول: "اللهم تقبل مني" أو من فلان إن ذبح عن غيره، ‏لما أخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبَح كبْشاً وقال: "بسم ‏الله، اللهم تَقَبَّلْ من محمدٍ ومن آل محمدِ ومن أُمّة محمد، ثم ضَحى".‏
وأخرج أبو داود وابن ماجه عن جابر في حديث ذبح الكبشين السابق زيادة: "فلما ‏وجههما قال: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً، وما أنا ‏من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرْتُ ‏وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر" ثم ذبح.‏
هـ- ويتصدق بِجلالها وخِطامها، ولا يجوز أن يعطي أجرة الجزار منها، ولا يجوز بيع ‏شيء من الهدي والأضحية سواء كان واجباً أو تطوعاً.‏
وعن علي رضي الله عنه قال: "أمرني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ أقوم على بُدْنِهِ ‏وأنْ أتصدقَ بِلَحْمِها وجُلودِها وأَجِلَّتها وأنْ لا أعطيَ الجزّار منها، قال: نحنُ نُعْطِيه مِنْ عندنا" ‏متفق عليه. لأنه جعلها خالصة لوجه الله تعالى فلا يجوز أن يرجع إليه شيء من منافعها وعينها ‏إلا ما رخص فيه، وهو الأكل والانتفاع من الجلد بالاستعمال ونحوه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:11 AM
القسم الثاني
كيفية أداء الحج والعُمْرَة والزيارة‎ ‎وأدعيتها المأثورة

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:13 AM
الفصل الأول
في ‏
‏77- أنواع الحج وَالعُمْرة



يؤدى هذان النسكان على أربعة أوجه ثبتت في السنة الصحيحة والإجماع :‏

الوجه الأول: الإفراد للحج، وهو أن يهل الحاج أي ينوي الحج فقط عند إحرامه.‏
الوجه الثاني: القِرانُ، وهو أن يُهِلّ في إحرامه بالحج والعمرة جميعاً.‏
الوجه الثالث: التَّمَتُّع، وهو أن يهل بالعمرة فقط في أشهر الحج، حتى إذا جاء مكة أدى ‏مناسك العمرة، وتحلل بعد ذلك، ومكث بمكة حلالاً، ثم يحرم بالحج.‏
الوجه الرابع: إفرادُ العمرة، وهو أن يهل بالعمرة فقط.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:15 AM
‏78- التَّمَتُّع:‏

أ- اتفق الفقهاء على أن التمتع اتيان بعملين كاملين : العمرة أولاً يحرم بها من الميقات، ‏ويتحلل بعدها، ثم يأتي بالحج كاملاً يحرم به من مكة، ويجب عليه الدم.‏
ب- وإنما يكون متمتعاً عند الحنفية بالشروط الآتية وهي عند غيرهم شروط وجوب دم ‏التمتع:‏
‏1) أن يكون آفاقياً، فليس لأهل مكة ولا لأهل منطقة المواقيت تمتع عند الحنفية.‏
أما الشافعية فعندهم ليس التمتع لأهل مكة ومن مساكنهم دون مرحلتين - مسافة القصر - ‏من مكة في أحد القولين. والصحيح أنهم من مساكنهم دون الحرم بمرحلتين.‏
وأصل هذا الشرط قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ‏‏196].‏
وجه الاستدلال: أن الله جعل التمتع خاصاً بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، ‏فألحق الحنفية به منطقة المواقيت لمساواتها منطقة الحرم في الشرف من حيث حظْرُ مجاوزتها ‏بدون إحرام، وقال المالكية: هم أهل مكة وكل مكان له حكم مكة.‏
وقال الشافعية والحنبلية: المراد بالمسجد الحرام: الحَرَمُ والقريب من الشيء يقال إنه ‏حاضره، وذلك ما دون مسافة القصر.‏
‏2) أن تقع عمرته في أشهر الحج قبل أداءه للحج من عامه الذي يحج فيه، فلو اعتمر قبل ‏أشهره ثم حج من عامه ذاك لم يلزمه دم التمتع اتفاقاً.‏
‏3) أن لا يعود إلى أهله فيما بين العمرة والحج:‏
ذهب الحنفية إلى أنه سافر بعد العمرة من مكة إلى بلد غير بلده لا يسقط تمتعه، لأنه لم ‏يُلِمَّ بأهله إلماماً صحيحاً.‏
وذهب المالكية إلى اشتراط ألا يعود إلى أفقه - أي بلده - أو مثل أَفُقه في البعد ولو كان ‏من أهل الحجاز.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يشترط ألا يعود لإحرام الحج إلى الميقات الذي أحرم منه ‏بالعمرة، وعلى ذلك يسقط تمتع مَنْ ذكرنا، ولا يجب عليه الدم.‏
وذهب الحنبلية إلى أنه يشترط ألا يسافر من مكة مسافة تقصر فيها الصلاة.‏

‏79- القِرَانُ:‏

أ- هو أن يجمع الآفاقي بين الحج والعمرة:‏
ويلحق به عند الحنفية التمتع إذا ساق المتمتع الهدي، فلا يتحلل بعد العمرة كما هو الحال ‏في المتمتع، بل يظل محرماً حتى ينحر الهدي يوم النحر عند الحنفية. لقوله صلى الله عليه وسلم ‏في حديث جابر: "لو أني اسْتَقَبَلْتُ مِن أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لم أسُقِ الهَدْيَ وجعلْتُها عمرة" فهذا ‏يفيد: "أن التحلل لا يتأتى إلا بما يتضمنه كلامه من إفراد العمرة، وعدم سوق الهدي، فلو كان ‏التحلل يجوز مع سوق الهدي لاكتفى بقوله: لجعلتها عمرة".‏
وفرقوا بين القران والتمتع، فلم يشترطوا في القران عدم الإلمام بأهله.‏
وهو قول عند الشافعية.‏
ولكن الأظهر عند الشافعية سقوط دم القران عمن عاد إلى الميقات فقطع المسافة محرماً ‏وكذا عند المالكية إذا عاد القارن إلى بلده أو مثله في البعد وعند الحنابلة إذا خرج من مكة مسافة ‏القصر، يسقط الدم عند هؤلاء عن القارن، خلافاً للحنفية.‏
والراجح عند الحنفية أن المكي يكره له القران، وإذا فعله جاز وأساء وعليه دم جبر ‏لإساءته، خلافاً للتمتع، فإنه لا يتحقق من المكي مطلقاً.‏
وسوَّى الجمهور بينهما فلم يوجبوا على المكي الدم للمتمتع ولا القران، لعدم صحتهما منه ‏عندهم.‏
ب- وصفة القِران عند الحنفية أن يُهل بالعمرة والحج معاً من الميقات، وهو أن يقول: ‏عقيب صلاة الإحرام: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني .. لبيك اللهم لبيك" ‏الخ. فإذا دخل مكة ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاثة الأول منها، ويضطبع فيها ‏كلها. ثم يسعى بعدها بين الصفا والمروة، وهذه أفعال العمرة، ثم يبدا بأفعال الحج فيطوف طواف ‏القدوم سبعة أشواط ويسعى بعده كما في الإفراد.‏
ويقدم أفعال العمرة لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّع بالعمرةِ إلى الحَجِّ}، والقِرَانُ في معنى ‏التمتع، ولا يحلق بين العمرة والحج ولا يتحلل، لأن ذلك جناية على إحرام الحج، وإنما يحلق في ‏يوم النحر كما يحلق المفرد، ويتحلل بالحلق أو التقصير عند الحنفية كما يتحلل المفرد.‏
وخالف المالكية والشافعية والحنبلية في تكرار الطواف والسعي فقالوا: القارن يطوف ‏طوافاً واحداً، ويسعى سعياً واحداً.‏
ج- هدي التمتع والقران:‏
وقد اتفق العلماء على أن المتمتع والقارن يلزمهما الهدي، لقوله تعالى: ‏
‏{فَمَنَ تَمَتّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ}.‏
‏1) واختلف العلماء في وقت ذبح الهَدْيِ للتمتع والقران.‏
فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه يوم النحر بمنى.‏
‏ قال الحنفية: بعد رمي الجمرة وقبل الحلق، لما سبق من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ‏فقد نحر هديه على هذه الصفة. ويمتد إلى مغرب اليوم الثالث من أيام النحر.‏
وذهب الشافعية إلى أن وقت وجوبه الإحرام بالقران للقارن، والإحرام بالحج في التمتع، ‏لأنه حينئذ يصير متمتعاً بالعمرة إلى الحج، والأظهر عندهم جواز ذبحه إذا تحلل من العمرة، ولا ‏يتأقت ذبحه بوقت كسائر دماء الجبرانات، ولكن الأفضل ذبحه يوم النحر، للاتباع، وخروجاً من ‏خلاف من أوجبه فيه.‏
‏3) إن لم يجد هَدْيا يجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، باتفاق ‏العلماء، لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ ‏كَامِلَةٌ} [البقرة: 196].‏
واتفقوا على أنه لا يصح صيامُ الأيام الثلاثة قبل أشهر الحج للقارن والمتمتع، ولا قبل ‏الإحرام بالحج والعمرة في حق القارن، ولا قبل إحرام العمرة في حق المتمتع.‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى إجازة تقديم صيام الأيام الثلاثة على إحرام الحج في حق ‏المتمتع، لأنه وَقْتٌ كاملٌ جاز فيه نحر الهَدْي فجاز فيه الصيام، كَبَعْدَ إحرام الحج. ‏
وذهب المالكية والشافعية إلى منع ذلك.‏
أما الأيام السبعة الباقيةُ على مَنْ عجز عن هدي القِرَان أو التمتع فلا يصح صيامها إلا ‏بعد أيام التشريق. ثم يجوز صيامها بعد الفراغ من أفعال الحج ولو في مكة إذا مكث بها عند ‏الحنفية والمالكية والحنبلية، لكن الأفضل المستحب أن يصومها إذا رجع إلى أهله وهو قول عند ‏الشافعية. لكن الأظهر عند الشافعية أنه يصوم الأيام السبعة إذا رجع إلى أهله، ولا يجوز أن ‏يصومها في الطريق، إلا إذا أراد الإقامة بمكة صامها بها.‏
‏4) ذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنَّ من لم يصم الأيام الثلاثة في ‏الحج يقضيها.‏
ثم عند المالكية وهو قول عند الحنبلية : إن صام بعضها قبل يوم النحر كَمَّلها أيام ‏التشريق. وإن أخَّرها عن أيام التشريق صامها متى شاء، وسواء وصلها بالسبعة أوْ لم يَصِلْها.‏
ولا يجوز صيام شيء منها يوم النحر بالاتفاق.‏
ولم يجز الشافعية والحنبلية في القول الآخر عندهم صيامها أيام النحر والتشريق، بل ‏يؤخرها إلى ما بعد، ويجب عند الشافعية في الأظهر في قضاء الأيام الثلاثة: أن يفرق في قضائها ‏بينها وبين السبعة بقدر أربعة أيام : يوم النحر وأيام التشريق، ومدة إمكان السير إلى أهله على ‏العادة الغالبة كما في الأداء، فلو صام عَشَرَةَ أيام ولاء حصلت الثلاثة، ولا يُعْتَدُّ بالبقية، لعدم ‏التفريق.‏
ويتفرع على هذا المسألة:‏
ذهب الحنفية إلى أن من تمتع أو قرن إذا عجز عن الهدي وتأخر عن الصيام إلى يوم ‏النحر فتحلل فعليه دمان: دم التمتع أو القران ودم التحلل قبل ذبح الهدي. ‏
وذهب الجمهور إلى أنه لا يلزمه سوى قضاء صومها على الكيفية التي عرفتها.‏

‏80- مشروعية أنواع الحج وأيها أفضل:‏

اتفق الأئمة الأربعة على جواز أداء الحج بأي وجه من الأوجه التي ذكرناها.‏
ثم وقع خلاف في أي أنواع الحج أفضل:‏
فذهب المالكية والشافعية إلى أن الإفراد بالحج أفضل.‏
وذهب الحنابلة إلى أن التمتع أفضل.‏
فقد أمر أصحابه بالتمتع وتمناه لنفسه، ولا يأمر أصحابه ولا يتمنى إلا الأفضل.‏
وذهب الحنفية إلى أن الأفضل هو القران.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:17 AM
الفصل الثاني
كيفية أداء الحج والعمرة



عرفنا أن أداء الحج والعمرة له حالات ثلاثة : الإفراد، التمتع، القران.‏

‏81- أولاً- كيفية الإفراد: الإفراد أن يحرم بالحج وحده، دون عمرة.‏

وكيفيته: أن يغتسل أو يتوضأ قبل الإحرام، والغسل أفضل، ويلبس ثوبين جديدن أو ‏غسيلين إزاراً ورداء، ويتطيب، ويصلي ركعتي الإحرام، في غير وقت الكراهة، ويقول : اللهم ‏إني أريد الحج فيسِّره لي وتقبله مني، ثم يلبي عقب صلاته، ناوياً بتلبيته الحج، ويكثر من التلبية ‏عقيب الصلوات، وفي الصعود والنزول والركوب ولقاء الرفقة، وبالأسحار.‏
فإذا لبى ناوياً فقد أحرم، فيمتنع عما نهى الله عنه من الرَّفث والفسوق والجدال، ولا يقتل ‏صيداً ولا يشير إليه، ولا يدل عليه، ولا يلبس مخيطاً ولا خفاً، ولا يغطي رأسه ولا وجهه، ولا ‏يمس طيباً، ولا ينتف أو يقص شعراً ولا ظفراً.‏
ولا بأس أن يغتسل بغير صابون، لأنه نوع طيب، وله أن يستظل بالبيت والمظلمة، وأن ‏يشد في وسطه الهِمْيان (وهو ما يجعل فيه الدراهم ويشد على الوسط) ومثله المنطقة.‏
فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام بعد تأمين أمتعته، داخلاً - كما ذكر الحنفية - من باب ‏السلام خاشعاً متواضعاً، ملاحظاً عظمة البيت وشرفه، فإذا عاين البيت كبر الله تعالى وهلل ثلاثاً ‏ودعا بما أحب، فإنه من أرجى مواضع الإجابة.‏
ثم يطوف غير المكي طواف القدوم، لأنه تحية البيت، مبتدئاً بالحجر الأسود، مستقبلاً له، ‏مكبراً مهللاً، رافعاً يديه كرفعهما للصلاة، مستلماً له بباطن كفيه، ثم مقبلاً له إن استطاع من غير ‏أن يؤذي مسلماً، ثم يدور حول الكعبة عن يساره، ويطوف بالبيت سبعة أشواط، من وراء الحطيم ‏‏(الحِجْر)، ويستلم الحجر والركن اليماني في كل شوط يمر بهما، ويختم الطواف بالاستلام كما ‏ابتدأ به، ثم يصلي عند مقام إبراهيم أو حيث تيسر من المسجد، في وقت مباح غير مكروه.‏
وليس على أهل مكة طواف القدوم، وإذا لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف ‏بها، سقط عنه طواف القدوم، ولا شيء عليه لتركه.‏
ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعاً، يصعد على كل منهما، ويستقبل البيت، مكبراً مهللاً، ‏مصلياً على النبي صلى الله عليه وسلم، داعياً الله تعالى بحاجته، ويرمل بين الميلين الأخضرين، ‏مبتدئاً بالصفا، مختتماً بالمروة.‏
ثم يقيم بمكة محرماً، يطوف بالبيت كلما بدا له.‏
ثم يخرج في سابع ذي الحجة إلى منى، فيبيت فيها، ويصلي فيها خمس صلوات (الظهر ‏والعصر والمغرب والعشاء والفجر).‏
وفي اليوم الثامن يتوجه إلى عرفات، فيصلي مع الإمام أو منفرداً في مسجد نمرة صلاة ‏الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين جمع تقديم، مستمعاً للخطبة بأذان واحد وإقامتين. ‏ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف.‏
ثم يتوجه إلى الموقف، فيقف بقرب الجبل، وعرفات كلها موقف إلا بطن عُرَنة، وينبغي ‏للإمام أن يقف بعرفة على راحلته، ويدعو، ويعلم الناس المناسك، ويستحب أن يجتهد في الدعاء. ‏ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فقد ‏أدرك الحج. ومن مرَّ بعرفة وهو نائم أو مغمى عليه، أو لم يعلم أنها عرفة، أجزأه ذلك عند ‏الحنفية عن الوقوف.‏
فإذا غربت الشمس، أفاض الإمام والناس معه على هينتهم على طريق المأزمين، حتى ‏يأتوا المزدلفة، فينزلوا بها. والمستحب أن ينزل بقرب جبل قُزَح وهو المشعر الحرام. ويصلي ‏الإمام بالناس بالمغرب والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء، بأذان واحد، وإقامة واحدة عند ‏الحنفية، ولا يجوز عند أبي حنيفة أن يصلي المغرب في الطريق إلى المزدلفة، وعليه إعادتها ‏مالم يطلع الفجر.‏
فإذا طلع الفجر يوم النحر، صلى الإمام بالناس الفجر بغَلَس لأجل الوقوف، ثم وقف ‏بمزدلفة وجوباً عند الحنفية ولو لحظة، ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقف الناس ‏معه، فدعا وكبر وهلل ولبى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ويلتقط حصى الرمي سبعين ‏من المزدلفة.‏
والمزدلفة كلها موقف إلا بطن مُحَسِّر (وهو وادٍ بين منى ومزدلفة).‏
ثم أفاض الإمام والناس معه قبل طلوع الشمس حتى يأتوا منى، فيرمي جمرة العقبة من ‏بطن الوادي بسبع حَصَيات مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة، ولا يقف عندها، لأنه لا ‏رمي بعدها، ويقطع التلبية مع أول حصاة(1)، إن رمى قبل الحلق، فإن حلق قبل الرمي قطع ‏التلبية، لأنها لا تثبت مع التحلل.‏
ثم يذبح تطوعاً إن أحب لأنه مفرد، ثم يحلق أو يقصر بمقدار الأنملة، والحلق أفضل من ‏التقصير، فيحل له حينئذ كل شيء إلا النساء، وإلا الصيد والطيب عند المالكية.‏
ثم يأتي مكة يوم العيد أو بعده بيوم أو يومين، فيطوف طواف الزيارة (وهو طواف ‏الفرض) سبعة أشواط، ثم يسعى بين الصفا والمروة، إن لم يكن سعى عقيب طواف القدوم، ‏ويرمل الذكر في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف، ويضطبع فيه إن سعى الآن، لأن الرمل ‏والاضطباع مشروعان في كل طواف بعده سعي.‏
‏______________________‏
‏(1) هذا رأي الجمهور، وقال المالكية : تقطع التلبية بزوال شمس يوم عرفة.‏
ويكره تأخير الطواف عن الأيام الثلاثة (وهي يوم العيد ويومان بعده)، فإن أخره عنها، ‏لزمه دم عند أبي حنيفة.‏
ثم يعود إلى منى، فيقيم بها لأجل الرمي ووقته ما بعد الزوال من اليوم الثاني من أيام ‏النحر، مبتدئاً برمي الجمرة التي تلي مسجد الخَيْف بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف ‏عندها ويدعو، لأن بعده رمي، ثم يرمي الجمرة الوسطى، ويقف عندها ويدعو، ثم يرمي جمرة ‏العقبة، ولكنه لا يقف عندها، لأنه ليس بعدها رمي.‏
ثم يرمي في اليوم الثالث الجمار الثلاث بعد زوال الشمس، وله أن يتعجل النفر إلى مكة ‏بعدئذ أو يقيم لرمي الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد زوال الشمس. ويجوز عند أبي حنيفة ‏الرمي في هذا اليوم قبل الزوال بعد طلوع الفجر. وينزل بالمُحَصَّب عند نفره إلى مكة.‏
وإذا أراد الحاج مغادرة مكة، طاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها طواف الوداع أو ‏الصَّدَر، وهو واجب عند الجمهور غير المالكية إلا على أهل مكة، ثم يعود إلى أهله، لفراغه من ‏أعمال الحج.‏
والمرأة والخنثى المشكل في جميع ما سبق كالرجل، غير أنها لا تكشف رأسها، وتكشف ‏وجهها، ولا ترفع صوتها بالتلبية، ولا ترمُل في الطواف، ولا تهرول بين الميلين الأخضرين، ولا ‏تحلق رأسها، ولكن تقصِّر، وتلبس المخيط والخفين. وإذا كانت حائضاً أو نفساء فعلت كل أفعال ‏الحج غير الطواف بالبيت، فإنها تنتظر حتى تطهر.‏
وإن حاضت المرأة عند الإحرام اغتسلت وأحرمت، وإن حاضت بعد الوقوف بعرفة ‏وطواف الزيارة، انصرفت من مكة، ولا شيء عليها لترك طواف الصدر.‏

‏82- ثانياً: كيفية التمتع:‏

التمتع لغة: الانتفاع.‏
وشرعاً عند الحنفية: الجمع بين إحرام العمرة وأفعالها، أو أكثرها، وإحرام الحج وأفعاله، ‏في أشهر الحج، من غير إلمام صحيح بأهله.‏
والمتمتع نوعان عند الحنفية : متمتع يسوق الهدي، ومتمتع لا يسوق الهدي. وحكم الأول ‏كالقارن إذا دخل مكة طاف وسعى، ولا يتحلل بعد العمرة، بل يظل محرماً، حتى يحرم بالحج يوم ‏التروية، وينحر الهدي يوم النحر. وإذا أراد المتمتع أن يسوق الهدي، أحرم، وساق هديه.‏
وصفة التمتع: أن يبتدئ من الميقات، فيحرم بعمرة، ويدخل مكة، فيطوف للعمرة، ‏ويسعى، ويحلق أو يقصر، ويتحلل من عمرته بما فعل. ويقطع التلبية إذا ابتدأ بالطواف، ويقيم ‏بمكة حلالاً.‏
فإذا كان يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) أحرم بالحج من المسجد الحرام ندباً، ‏ويشترط أن يحرم من الحرم، لأن المتمتع في معنى المكي، وميقات المكي في الحج: الحرم، كما ‏تقدم في المواقيت. ثم يفعله الحاج المنفرد.‏
والأفضل أن يقدم الإحرام قبل يوم التروية، لما فيه من المسارعة وزيادة المشقة.‏
وعليه دم المتمتع، فإن لم يجد الدم، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع : أي فرغ ‏من أداء نسكه، ولو قبل وصوله إلى أهله.‏
فإذا حلق يوم النحر، فقد حل من الإحرامين جميعاً، لأن الحلق مُحلِّل في الحج كالسلام ‏في الصلاة، فيتحلل به عنهما.‏
وليس لأهل مكة عند الجمهور تمتع ولا قران، وإنما لهم الإفراد خاصة، وقال الحنفية : ‏يكره القران للمكي.‏
بطلان التمتع: ويبطل تمتع المتمتع إذا عاد إلى بلده بعد فراغه من العمرة، ولم يكن ساق ‏الهدي، لأنه ألم بأهله بين النسكين إلماماً صحيحاً. أما إذا كان قد ساق الهدي، فلا يكون إلمامه ‏صحيحاً، ولا يبطل تمتعه عند أبي حنيفة لأنه يجب عليه العود إلى الحرم لأجل الحلق، لأنه مقيد ‏بالحرم، والعود يمنع صحة الإلمام.‏
أما القارن فلا يبطل قرانه بالعود إلى بلده باتفاق الحنفية. فيكون الفرق بين القران والتمتع ‏عند الحنفية : هو أن التمتع يشترط فيه عدم الإلمام بأهله، والقران لا يشترط فيه عدم الإلمام ‏بأهله.‏
متى يكون المحرم بالعمرة قبل أشهر الحج متمتعاً؟
قال الحنفية: من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، فطاف لعمرته أقل من أربعة أشواط ثم لم ‏يتمها حتى دخلت أشهر الحج، فتَّممها في أشهره، وأحرم بالحج، كان متمتعاً، لأن الإحرام عندهم ‏شرط لا ركن، فيصح تقديمه على أشهر الحج، وإنما يعتبر أداء الأفعال في أشهر الحج، وقد وجد ‏الأكثر، وللأكثر حكم الكل.‏
أما إن كان طاف لعمرته قبل أشهر الحج أربعة أشواط فصاعداً، ثم حج من عامه ذلك، لم ‏يكن متمتعاً، لأنه أدى الأكثر قبل أشهر الحج، فصار كما إذا تحلل منها قبل أشهر الحج.‏
والحاصل أن الأكثر له حكم الكل عند الحنفية، فإذا حصل الأكثر قبل أشهر الحج، فكأنها ‏حصلت كلها، والمتمتع: هو الذي يتم العمرة والحج في أشهر الحج.‏

ثالثاً: كيفية القران:‏

القران لغة: الجمع بين الشيئين مطلقاً.‏
وشرعاً : الجمع بين إحرام العمرة والحج في سفر واحد.‏
وصفة القران: أن يهل بالعمرة والحج معاً من الميقات، إما حقيقة بنية الأمرين معاً، وإما ‏حكماً عند الحنفية خلافاً لغيرهم : بأن أحرم بالعمرة أولاً، ثم بالحج قبل أن يطوف لها أكثر ‏الطواف، لأن الجمع قد تحقق، لأن الأكثر منها قائم، ويصح العكس عند الجمهور : بأن يحرم ‏بالحج، ثم يدخل العمرة عليه، لكنه مكروه عند الحنفية.‏
وإدخال الحج على العمرة عند الجمهور (غير الحنفية) يكون قبل شروع المحرم في ‏الطواف، فإن شرع فيه ولو بخطوة، فلا يجوز إدخال الحج على العمرة.‏
ويلحق بالقران عند الحنفية التمتع إذا ساق المتمتع الهدي، فلا يتحلل بعد العمرة، كما هو ‏شأن المتمتع، بل يظل محرماً حتى ينحر الهدي يوم النحر.‏
ويقول القارن عقيب صلاة ركعتي الإحرام : "اللهم إني أريد الحج والعمرة، فيسرهما ‏ليه، وتقبَّلهما مني" لبيك اللهم لبيك ... إلخ.‏
فإذا دخل القارن مكة، طاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاث الأُول منها، ويسعى ‏بعدها بين الصفا والمروة. وهذه أفعال العمرة.‏
ثم يشرع عند الحنفية بأفعال الحج كالمُفرِد، ويطوف بعد السعي المذكور طواف القدوم، ‏ويطوف طواف الإفاضة للحج، ويسعى أيضاً بين الصفا والمروة كالمفرد، لقوله تعالى: {وأتموا ‏الحج والعمرة لله} وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره.‏
وقال الجمهور: يكفي للقارن طواف واحد وسعي واحد.‏
دم التمتع والقران: اتفق العلماء على أن المتمتع والقارن يلزمهما إذا أحرما بالحج ‏الهدي، لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّع بالعمرةِ إلى الحَجِّ فما استيسر من الهدي}.‏
ودم القران والتمتع: دم شكر فيأكل منه صاحبه عند الحنفية، ولا يأكل منهما عند ‏الشافعية. وإن لم يدخل القارن مكة، وتوجه إلى عرفات، فقد صار عند الحنفية رافضاً لعمرته ‏بالوقوف، وسقط عنه دم القران، وعليه دم لرفضه عمرته، وهو دم جبر لا يجوز أكله منه، ‏ووجب عليه قضاؤها، لأنه بشروعه فيها أوجبها على نفسه، ولم يوجد منه الأداء، فلزمه القضاء.‏
ويسقط عند الشافعية دم التمتع إن عاد لإحرام الحج إلى الميقات.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:21 AM
الفصل الثالث
مميزات وفضائل الحرمين
‏- الحرم المكي والحرم المدني -‏



‏84- مميزات وفضائل الحرم المكي:‏

أولاً - بناء الكعبة ومزيتها وفضيلة المسجد الحرام:‏
بنيت الكعبة المشرفة خمس مرات: بناء الملائكة أو آدم، أو شيث بن آدم، وبناء إبراهيم ‏على القواعد الأولى، وبناء قريش في الجاهلية بحضور الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، ‏وبناء ابن الزبير، حين احترقت، وبناء الحجاج بن يوسف. وهذا البناء هو الموجود اليوم.‏
وقد تم توسيع المسجد الحرام في عهد عمر بل إن عمر أول من بناه، ثم في عهد عثمان، ‏ثم في عهد الوليد بن عبد الملك، ثم في عهد المهدي، واستقر الأمر على ذلك، إلى أن تم توسيعه ‏الأخير في عهد السعوديين، قال الشافعي : أحب أن تترك الكعبة على حالها، فلا تهدم، لأن هدمها ‏يذهب حرمتها ويصير كالتلاعب بها. وقد كساها النبي صلى الله عليه وسلم ثياباً يمانية، ثم كساها ‏أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابن الزبير ومن بعدهم.‏
وكان الوليد بن عبد الملك أول من ذهَّب البيت في الإسلام. ويجوز تزيين الكعبة بالذهب ‏والحرير ما لم ينسب إلى الإسراف. ويجوز تطييب الكعبة ويحرم أخذ شيء منه للتبرك وغيره، ‏ومن أخذه لزمه رده إليها، فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به، ثم أخذه.‏
والبيت الحرام : أول بيت من بيوت الله وجد على ظهر الأرض ليعبد الناس فيه ربهم، ‏أولية شرف وزمان، لقوله سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ‏‏* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 96-97] فأول دلائله وعلائمه ‏الظاهرة: مقام إبراهيم، وثانيها أنه يجب تعظيمه بنسبته إلى الله، حتى إنه كان اللاجئ إليه عند ‏العرب يصير آمناً مادام فيه، وقد أقر الله تعالى هذه المزية في قوله : {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً ‏لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا} ‏‏[القصص: 57] {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] ‏لذا يكره عند مالك والشافعي حمل السلاح في مكة لغير ضرورة أو حاجة، فإن كانت حاجة جاز، ‏ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يحل أن يحمل السلاح ‏بمكة".‏
وتضاعف في الحرم لحسنات، قال تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ‏أَلِيمٍ} [الحج: 25] وثواب الصلاة فيه يعدل مائة ألف صلاة، قال صلى الله عليه وسلم : "صلاة ‏في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام ‏أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة". وفي لفظ عند أحمد من حديث ابن عمر : ‏‏"وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة" وروى الطبراني عن أبي الدرداء : ‏‏"الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في ‏بيت المقدس بخمسمائة صلاة" وهذا يدل على أفضلية هذه المساجد الثلاثة : المسجد الحرام ثم ‏المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، والمسجد الحرام أفضل المساجد على الإطلاق، ويقصد ‏بالذات للعبادة فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد ‏الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".‏
ويطلق المسجد الحرام غالباً ويراد به هذا المسجد، وقد يراد به الحرم، وقد يراد به مكة، ‏كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] وقد ازدادت ‏أهميته يجعله من أهم أماكن شعائر الحج في أيام معلومات.‏

ثانياً - المجاورة بمكة وفضيلتها:‏
إن حرم مكة كالمسجد الحرام في مضاعف ثواب الصلاة بل وسائر أنواع الطاعات.‏
قال صلى الله عليه وسلم : "رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة" رواه ‏البخاري وقال أيضاً : "من حج من مكة ماشياً، حتى يرجع إليها أيضاً : "من حج من مكة ماشياً، ‏حتى يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، وحسنات الحرم بمائة ألف ‏حسنة" رواه الحاكم.‏
وقال جماعة من العلماء منهم ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأحمد بن حنبل : ‏تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. وقال بعض المتأخرين : القائل بالمضاعفة : أراد ‏مضاعفة مقدارها أي غلظها لا كميتها في العدد، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن السيئات تتفاوت، ‏فالسيئة في حرم الله أكبر وأعظم منها في طرف من أطراف البلاد.‏
ويعاقب فيها على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها، قال تعالى : {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ‏نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وهذا مستثنى من قاعدة الهم بالسيئة وعدم فعلها، تعظيماً لحرمة الحرم.‏
أما المجاورة بمكة:‏
فذهب مالك وأبو حنيفة إلى كراهتها، خوفاً من التقصير في حرمتها، والتبرم وإعتياد ‏المكان والأنس به، وذلك يجر إلى قلة المهابة والتعظيم، ولتهييج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية ‏العود، وخوفاً من ركوب الخطايا والذنوب بها، فإن ذلك محظور، والراجح عند الحنفية في قول ‏وهو عدم كراهة المجاورة بمكة أو بالمدينة، واختار بعضهم أن المجاورة بالمدينة أفضل منها ‏بمكة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب المجاورة لمن لم يخف الوقوع في محظور بمكة ‏أو المدينة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن مكة: "إنك لأحب البقاع إلى الله عز وجل، ‏ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" رواه الترمذي.‏
قال أحمد: والمقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه، لأنها مهاجر ‏المسلمين وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شهيداً ‏وشفيعاً يوم القيامة".‏

ثالثاً - هل مكة أفضل أم المدينة ؟
انعقد الإجماع على أن أفضل بقع الأرض على الإطلاق المكان الذي ضم جسده صلى الله ‏عليه وسلم، وعلى أن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض بعده.‏
واختلفوا في أيهما أفضل مكة أم المدينة ؟ فقال مالك تبعاً لعمر وغيره من الصحابة ‏المدنيين بتفضيل المدينة، لأنها موطن الهجرة، ومستقر الصحابة، ومثوى الرسول الله صلى الله ‏عليه وسلم، ولما ورد في فضلها من الأحاديث الصحيحة، منها : "إنها طيبة - يعني المدينة - ‏وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خبث الفضة" رواه مسلم.‏
وذهب أكثر العلماء إلى تفضيل مكة، للحديث السابق عن مكة: "والله إنك لخير أرض ‏الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" رواه الترمذي.‏
وأوجه تفضيل مكة على المدينة، منها:‏
‏1- وجوب قصدها للحج والعمرة، وهما واجبان لا يقع مثلهما بالمدينة.‏
‏2- أن الله تعالى حرمها يوم خلق السموات والأرض.‏
‏3- أن الله جعلها حرماً آمناً في الجاهلية والإسلام.‏
‏4- لا يدخلها أحد إلا بحج أو عمرة وجوباً أو ندباً.‏

رابعاً- آداب دخول مكة:‏
يستحب لمن دخل مكة ما يأتي:‏
‏1- ينبغي لمن أحرم بحج أو عمرة من الميقات أو غيره أن يتوجه إلى مكة، ومنها يكون ‏خروجه إلى عرفات.‏
‏2- إذا بلغ الحرم المكي دعا، فقال : "اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرمني على النار، ‏وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك". هذا ويستحضر من ‏الخشوع والخضوع في قلبه وجسده ما أمكنه.‏
‏3- إذا بلغ مكة اغتسل بذي طوي(1) بنية غسل دخول مكة، فإن جاء من طريق آخر ‏اغتسل في غيرها. وهذا الغسل مستحب لكل أحد حتى الحائض والنفساء والصبي.‏
‏4- السنة أن يدخل مكة من ثنية كَداء(2)، وإذا خرج راجعاً إلى بلده خرج من ثنية ‏كُدا(3).‏
‏5- الأصح عند الشافعية أن يدخل مكة ماشياً لا راكباً.‏
‏6- يدخلها الإنسان ليلاً أو نهارً، فقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاراً في ‏الحج، وليلاً في عمرة له، والأفضل في الأصح عند الشافعية دخولها نهاراً.‏
‏7- ينبغي أن يتحفظ في دخوله في إيذاء الناس في الزحمة، ويتلطف بمن يزاحمه، ويلحظ ‏بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها والتي يتجه إليها.‏
‏8- ينبغي لمن يأتي من غير الحرم ألا يدخل مكة إلا محرماً بحج أو عمرة. والأصح عند ‏الشافعية أن دخولها محرماً مستحب، وواجب عند غيرهم.‏
‏9- يستحب إذا وقع بصره على البيت أن يرفع يديه، فقد جاء أنه يستجاب دعاء المسلم ‏عند رؤية الكعبة، ويقول:‏
‏" اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو ‏اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً " ويضيف إليه :" اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ‏ربنا
بالسلام ".‏
ويدعو بما أحب من مهمات الآخرة والدنيا، وأهمها سؤال المغفرة. وينبغي أن يستحضر ‏عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع، فهذه عادة الصالحين والعارفين.‏
ويقول قبالة البيت:" اللهم البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك ‏من النار ".‏
‏10- يستحب ألا يعرج أول دخوله على استئجار منزل أو تغيير ثياب وغير ذلك إلا ‏الطواف الذي هو طواف القدوم وهو سنة عند الجمهور واجب عند المالكية. ويترك بعض الرفقة ‏عند متاعهم ورواحلهم حتى يطوفوا، ثم يرجعوا إلى رواحلهم ومتاعهم واستئجار المنزل.‏
ويستحب للمرأة الجميلة أو الشريفة ألا تبرز للرجال، وتؤخر الطواف ودخول المسجد ‏إلى الليل.‏
ويستحب الدخول إلى البيت الحرام من باب بني شبية، ويقدم رجله اليمنى في الدخول، ‏ويقول: " أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله، ‏والحمد لله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك ‏‏".‏
‏_____________________‏
‏(1) في أسفل مكة.‏
‏(2) بأعلى مكة ينحدر منها إلى المقابرة.‏
‏(3) بأسفل مكة بقرب جبل قعيقعان وإلى صوب ذي طوي.‏

وإذا خرج قدم رجله اليسرى، وقال هذا، إلا أنه يقول:" وافتح لي أبواب فضلك " وهذا ‏الذكر والدعاء مستحب في كل مسجد.‏
‏11- إذا دخل المسجد ينبغي ألا يشتغل بصلاة تحية المسجد، ولا غيرها، بل يقصد الحجر ‏الأسود، ويبدأ بطواف القدوم، وهو تحية المسجد الحرام، والطواف مستحب لكل داخل محرماً ‏كان أو غير محرم، إلا لأداء الصلاة المكتوبة أو قضائها، أو فوات الجماعة فيها، أو فوات الوتر ‏أو السنة الفجر وغيرها من السنن الراتبة، فيقدم كل ذلك على الطواف ثم يطوف.‏
ولو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد.‏
‏12- يستحب لمن حج أن يدخل البيت، ويصلي فيه ركعتين، كما النبي صلى الله عليه ‏وسلم. ولا يدخل البيت بنعليه ولا خفيه، ولا يدخل حِجْر اسماعيل؛ لأنه من البيت، ولا يدخل ‏الكعبة بسلاح.‏
وثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها، ولا يأخذ من طيب البيت شيئاً، ولا يخرج من تراب ‏الحرام، ولا يدخل فيه من الحل، ولا يخرج من حجارة مكة وترابها إلى الحل.‏
‏13- يستحب لمن دخل مكة حاجاً أو معتمراً أن يختم القرآن فيها قبل رجوعه.‏
‏14- يندب عند المالكية طواف الوداع، ويجب عند الأئمة الآخرين.‏

خامساً- خصائص الحرم المكي ومحظوراته :‏
للحرم المكي أحكام خاصة، أهمها ما يأتي:‏
‏1ً- ينبغي ألا يدخله أحد إلا بإحرام، وهو مستحب عند الشافعية، واجب عند غيرهم.‏
‏2ً- يحرم صيد الحرم بالإجماع على الحلال والمحرم إلا المؤذيات المبتدئة بالأذى غالباً، ‏وهو مضمون بإتلافه.‏
‏3ً- يحرم قطع شجر الحرم ونباته الرطب الذي ينبت بنفسه ولا يستنبته الناس كالشيح ‏والشوك والعوسج، إلا ما فيه ضرورة كالاذْخر( نبات طيب الرائحة )، ويلحق به كما أبان ‏المالكية ستة: السَّنَا (المعروف بالسنامكي ) للحاجة إليه في التداوي، والهَشّ (قطع ورق الشجر ‏بالمِحْجَن ) (1)، والعَصَا، والسواك، وقطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه، وقطعه لإصلاح ‏الحوائط والبساتين. لقوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة:" إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق ‏السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد(2) شوكة، ولا يُنَفَّر صيده، ‏ولا يَلْتقط لقطته إلا من عرَّفها، ولا يُخْتَلى خلاه(3)، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخِر، فإنه ‏لقَيْنهم وبيوتهم، فقال: إلا الإذخر" رواه البخاري ومسلم. ويجب عند الجمهور ضمانه خلافاً ‏للمالكية.‏
ولا يحرم قطع ما أنبته الآدمي من الشجر كالجوز واللوز والنخل ونحوه كشجر الأراك، ‏والرمان والخس والبطيخ والحنطة، ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش لأنه قد مات، ‏وليس له أخذ ورق الشجر، ويباح أخذ الكمأة من الحرم لأنها ليست من جنس النبات، بل هي من ‏ودائع الأرض، وكذا الفقع، لأنه لا أصل له، فأشبه الثمرة. ولا شيء بقتل غراب وحدأة وفأرة ‏وحية وكلب عقور وبعوض ونمل وبرغوث وقراد وسلحفاة وماليس بصيد، على الخلاف ‏والتفصيل السابق.‏
وأما صيد وَج ( واد بالطائف ) وشجرة : فحرام لا يضمن عند الشافعية، لحديث :" ألا إن صيد ‏وج وعضاهه- يعني شجره - حرام محرم " رواه البيهقي. وهو مباح حلال عند الحنابلة؛ لأن ‏الأصل الإباحة، والحديث ضعفه أحمد، لكن لا يضمن قطعاً عند الشافعية.‏
‏4ً- يمنع إخراج تراب الحرم وأحجاره، والمعتمد عند أكثر الشافعية كراهة ذلك،. وقال ‏الحنفية : لا بأس بإخراج الأحجار وترابه.‏
‏5ً- يمنع عند الجمهور كل كافر من دخول الحرم، مقيماً كان أو ماراً. وأجازه أبو حنيفة ‏ما لم يستوطنه.‏
‏6ً- لا تحل لقطة مكة وحرمها لمتملك، وإنما تحل لمنشد يحفظها ويعرفها بخلاف سائر ‏البلاد، للحديث المتقدم:" ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها".‏
‏7ً- تغلظ الدية على القاتل الذي قتل في حرم مكة، لقوله تعالى:‏
‏{وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة: 191] لأن للحرم تأثيراً في إثبات ‏الأمن. وتغلظ وإن كان القتل خطأ، سواء أكان القاتل والمقتول معاً في الحرم، أم أحدهما دون ‏الآخر.‏
وقدر التغليظ عند أحمد : هو الزيادة في العدد أي بمقدار الدية وثلث الدية.‏
وعند الشافعي : التغليظ جاء في أسنان الإبل، لا الزيادة في العدد.‏
ولا تغلظ الدية بالقتل في حرم المدينة، في الأصح عند الشافعية.‏
ويجوز عند الجمهور خلافاً لجماعة، قتال البغاة في حرم مكة على بغيهم إذا لم يمكن ‏ردهم عن البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها ‏في الحرم أولى من إضاعتها.‏
‏_______________________‏
‏(1) العصا المعوجة، أمَّا ضبط العصا على الشجر ليقع ورقه فهو حرام.‏
‏(2) الحشيش الرطب.‏
‏(3) يقطع.‏
وتقام الحدود والقصاص في الحرم عند المالكية والشافعية، لقوله تعالى:‏
‏{وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ‏ابن خَطَل لما وجد متعلقاً بأستار الكعبة، وأمر النبي بقتل الفواسق الخمس في الحل والحرم؛ لأنها ‏مؤذيات طبعاً.‏
وروي عن أحمد وأبي حنيفة أن من وجب عليه الحد أو القصاص آمن مادام في الحرم، ‏لقوله تعالى:{ ومن دخله كان آمناً } ولقوله صلى الله عليه وسلم:" لا يحل لامرئ يؤمن بالله ‏واليوم الآخر أن يسفك بها دماً".‏
‏8ً- تحريم دفن المشرك فيه ونبشه منه.‏
‏9ً- تخصيص ذبح دماء الجزاءات في الحج والهدايا في الحرم.‏
‏10ً- لا دم على المتمتع والقارن إذا كان من أهل الحرم.‏
‏11ً- لا يكره عند الشافعية صلاة النفل التي لا سبب لها في وقت من الأوقات في الحرم، ‏سواء في مكة وسائر الحرم.‏
‏12ً- إذا نذر قصده، لزمه عند الشافعية الذهاب إليه بحج أو عمرة، بخلاف غيره من ‏المساجد، فإنه لا يجب الذهاب إليه إذا نذره، إلا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسجد ‏الأقصى، فإنهما يتعينان أيضاً، للحديث السابق:" لا تشد الرحال.. ".‏
‏13ً- إذا نذر النحر وحده بمكة، لزمه عند الشافعية النحر بها، وتفرقة اللحم على مساكين ‏الحرم، ولو نذر ذلك في بلد آخر، لم ينعقد نذره في أصح الوجهين.‏
‏14ً- يحرم عند الشافعية استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء.‏
‏15ً- مضاعفة الأجر في الصلوات وسائر الطاعات بالمسجد الحرام.‏
‏16ً- يستحب لأهل مكة أن يصلوا العيد في المسجد الحرام، والأفضل لغيرهم الصلاة في ‏المصلى، إذا كان المسجد عند الشافعية ضيّفاً، فإن كان واسعاً فالمسجد أفضل من المصلى.‏
‏17ً- لا يجوز إحرام المقيم في الحرم بالحج خارجه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:23 AM
‏85- مميزات وفضائل الحرم المدني:‏

سادساً- فضل المسجد النبوي:‏
بنى الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة هذا المسجد بمساحة 70 ‏x‏60 ذراعاً، ثم ‏وسعه عمر، وعثمان، وعبد الملك بن مروان وابنه الوليد، وتم توسيعه الأخير على يد الملك عبد ‏العزيز آل سعود، وضم إليه مساحة كبرى من جهة الغرب مصلى أثناء الحج.‏
والصلاة في هذا المسجد تربو على الصلاة في غيره بألف صلاة، لحديث أبي هريرة ‏المتقدم في الصحيحين: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد ‏الحرام" وهذا التفضيل يعم الفرض والنفل كمكة.‏
وقال العلماء: وهذا فيما يرجع إلى الثواب، فثواب صلاة فيه يزيد على ألف صلاة فيما ‏سواه، ولا يتعدى ذلك إلى الإجزاء، حتى لو كان عليه صلاتان، فصلى في مسجد المدينة صلاة لم ‏تجزئه عنهما، وهذا لا خلاف فيه.‏
وذهب بعض العلماء إلى أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده صلى الله عليه وسلم ‏الذي كان في زمانه، دون ما زيد فيه بعده، لقوله: "في مسجدي هذا" وذهب البعض الآخر إلى ‏أنه لو وُسِّع ثبت له هذه الفضيلة، كما في مسجد مكة إذا وسع، فإن تلك الفضيلة ثابتة له، قال ابن ‏عمر: "زاد عمر بن الخطاب في المسجد، قال: ولو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة(1)، كان مسجد ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم".‏
وفي حديث يبين فضل الصلاة في هذا المسجد: "من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا ‏تفوته صلاة كتبت له براءة من النار، ونجاة يوم القيامة" رواه الطبراني ولو نذر الذهاب إلى ‏المسجد النبوي أو إلى الأقصى، فالأصح عند الشافعية أنه يستحب له الذهاب ولا يجب، ويتحقق ‏النذر باعتكاف ساعة في الأصح، والأفضل صلاة ركعتين فيه.‏

سابعاً - خصائص الحرم المدني:‏
حرم المدينة: ما بين لابيتها، واللابة: الحرة: وهي أرض فيها حجارة سود، ويمتاز هذا ‏الحرم بأحكام منها ما يأتي.‏
‏1- تحريم صيد المدينة وشجرها على الحلال والمحرم كمكة عند الجمهور، خلافاً لأبي ‏حنيفة، للحديث: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها لا يقطع ‏عضاهها(2)، ولا يصاد صيدها" رواه مسلم وإذا فعل استغفر الله ولا شيء عليه، ولا يضمن ‏القيمة عند الجمهور ولأنه ليس محلاً للنسك، لكن مكة يضمن صيدها وشجرها.‏
‏2- يستحب عند الشافعية والحنابلة المجاورة بالمدينة، لما يحصل في ذلك من نيل ‏الدرجات ومزيد الكرامات، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من صبر على لأواء المدينة وشدتها، ‏كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة" رواه مسلم.‏
والراجح عند الحنفية كما بينا: أنه لا تكره المجاورة بالمدينة، وكذا بمكة لمن يثق بنفسه.‏
‏3- يستحب عند الشافعية الصيام بالمدينة والصدقة على سكانها وبرهم، فهم جيران ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصة أهل المدينة.‏
‏______________________‏
‏(1) مقبرة المدينة.‏
‏(2) شجرة عظيم له شوك.‏
‏4- يختص أهل المدينة بمزيد الشفاعة والإكرام، زائداً على غيرهم من الأمم، لحديث ‏الصحيحين المتقدم عن أبي هريرة:" من صبر على لأْواء المدينة..".‏
‏5- إذا عاين حيطان المدينة صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:" اللهم هذا حرم ‏نبيك فاجعله وقاية لي من النار، وأماناً من العذاب وسوء الحساب".‏

‏86-ثامناً- زيارة المسجد النبوي وقبر النبي صلى الله عليه وسلم:‏

يستحب زيارة المسجد النبوي، لأنه كما في الحديث الصحيح أحد المساجد الثلاثة التي ‏تشد إليها الرحال، وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ؛ لأن موضع قبره عليه ‏الصلاة والسلام أفضل بقاع الأرض. وآداب الزيارة وأحكامها ما يأتي:‏
‏1- تسن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقوله عليه السلام: "من زار قبري ‏وجبت له شفاعتي" رواه ابن خزيمة وروى البخاري: "من صلى علي عند قبري، وكل الله به ‏ملكاً يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة".‏
فزيارة قبره صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات وأنجح المساعي لقوله تعالى: ‏
‏{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا ‏رَحِيمًا} [النساء: 64]، وتتأكد الزيارة للحاج والمعتمر أكثر من غيره، لأمرين: أحدهما- أن ‏الغالب على الحجيج الورود من آفاق بعيدة، فإذا قربوا من المدنية يقبح تركهم الزيارة. والثاني- ‏لحديث ابن عمر: "من حج، ولم يزرني، فقد جفاني" رواه ابن حبان وحديث" من زارني بعد ‏موتي فكأنما زارني في حياتي" رواه الدارقطني والبيهقي.‏
‏2- يستحب للزائر أن ينوي مع زيارته صلى الله عليه وسلم التقرب إلى الله تعالى ‏بالمسافرة إلى مسجده صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه.‏
‏3- يستحب في أثناء السفر لهذه الزيارة أن يكثر من الصلاة والتسليم على النبي صلى الله ‏عليه وسلم في طريقه، خصوصاً إذا رأى أشجار المدينة وحرمها.‏
‏4- يستحب أن يغتسل قبل دخوله ويلبس أنظف ثيابه.‏
‏5- يستحضر في قلبه حينئذ شرف المدينة وأنها أفضل الدنيا بعد مكة.‏
‏6- ليقل عند باب مسجده صلى الله عليه وسلم ما قدمناه عند المسجد الحرام وكل ‏المساجد، ويقدم رجله اليمنى في الدخول، واليسرى في الخروج.‏
ثم يقصد الروضة الكريمة (1): وهي ما بين المنبر والقبر، فيصلي تحية المسجد، بجنب ‏المنبر،
‏(1) ما بين المنبر ومقام النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يصلي فيه حتى توفي، أربعة عشر ‏ذراعاً وشبر وما بين المنبر والقبر ثلاثة وخمسون ذراعاً وشبر.‏
وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه، فذلك موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏
‏7- إذا صلى التحية في الروضة أو غيرها من المسجد، شكر الله تعالى على هذه النعمة، ‏ويسأله إتمام ما قصده وقبول زيارته، ثم يأتي القبر الكريم، فيستدبر القبلة، ويستقبل جدار القبر، ‏ويبعد من رأس القبر نحو أربعة أذرع، ويقف ناظراً إلى أسفل، خاشعاً، فارغ القلب من علائق ‏الدنيا، مستحضراً في قلبه جلالة موقفه صلى الله عليه وسلم، ثم يسلم ولا يرفع صوته، فيقول: ‏
‏" السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله، السلام ‏عليك يا خير خلق الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نذير، السلام عليك يا بشير، ‏السلام عليك يا طُهْر، السلام عليك يا طاهر، السلام عليك يا نبي الرحمة، السلام عليك يا نبي ‏الأمة، السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك يا رسول رب العالمين، السلام عليك يا سيد ‏المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغر ‏المحجلين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وجميع عباد الله الصالحين.‏
جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته، وصلى الله عليك كلما ‏ذكرك ذاكر، وغفل عن ذكرك غافل، أفضل وأكمل وأطيب ما صلى على أحد من الخلق أجمعين.‏
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك عبده ورسوله وخيرته من خلقه. ‏وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.‏
اللهم وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، وآته نهاية ما ينبغي أن ‏يسأله السائلون.‏
اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، ‏كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد ‏وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد".‏
ومن أراد الاختصار، قال :" السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم".‏
ثم يتأخر نحو يمينه إلى الشرق قدر ذراع، فيسلم على أبي بكر رضي الله عنه، فيقول :" ‏السلام عليك يا أبا بكر صفي رسول الله، وثانيه في الغار، جزاك الله عن أمة نبيه صلى الله عليه ‏وسلم خيراً".‏
ثم يتأخر نحو اليمين قدر ذراع، فيسلم على عمر رضي الله عنه، فيقول :" السلام عليك ‏يا عمر، أعز الله بك الإسلام، جزاك الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خيراً".‏
ثم يرجع قدر نصف ذراع فيقول :" السلام عليكما يا ضجيعي رسول الله ورفيقيه ‏ووزيريه ومشيريه والمعاونين له على القيام في الدين، القائمين بعده بمصالح المسلمين، جزاكما ‏الله أحسن الجزاء".‏
ثم يعود إلى رأس قبر النبي صلى الله عليه وسلم، في زاوية الحجرة المسورة، ويستقبل ‏القبلة، ويحمد الله تعالى ويمجده، ويدعو لنفسه بما أهمه وما أحبه، ولوالديه، ولمن شاء من ‏أقاربه، وأشياخه إخوانه وسائر المسلمين، ويبتدئ بقوله : اللهم إنك قلت وقولك الحق :{ ولو أنهم ‏إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً} وقد ‏جئناك سامعين قولك، طائعين أمرك، مستشفين بنبيك، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ‏بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة ‏وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين ‏والحمد لله رب العالمين.‏
ثم يأتي الروضة، فيكثر فيها من الدعاء، والصلاة، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي ‏هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :" ما بين قبري ومنبري روضة ‏من رياض الجنة، ومنبري على حوضي" ويقف عند المنبر ويدعو.‏
ثم يأتي اسطوانة أبي لبابة التي ربط نفسه بها حتى تاب الله عليه، وهي بين القبر ‏والمنبر، فيصلي ركعتين ويتوب إلى الله ويدعو بما شاء. ثم يأتي الأسطوانة الحنانة التي فيها بقية ‏الجذع الذي حن إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين تركه، وخطب على المنبر، حتى نزل، ‏فاحتضنه، فسكن.‏
‏8- لا يجوز أن يطاف بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل ‏الأدب أن يبعد عنه كما يبعد منه لو حضر في حياته صلى الله عليه وسلم.‏
‏9- ينبغي له مدة إقامته بالمدينة أن يصلي الصلوات كلها بمسجد رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم، وينبغي له أن ينوي الاعتكاف فيه، كما ينويه في المسجد الحرام. وإذا أراد وداع ‏المدينة صلى ركعتين وقال: " اللهم لا تجعله آخر العهد بحرم رسولك، وسهل لي العود إلى ‏الحرمين سهلة، وارزقني العفو والعافية في الآخرة والدنيا، وردنا إليه سالمين غانمين".‏
‏10- كره مالك رحمة الله لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد وخرج الوقوف بالقبر، ‏قال: وإنما ذلك للغرباء، أو لمن قدم من أهل المدينة من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف عند قبر ‏النبي صلى الله عليه وسلم، فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:24 AM
الفصل الرابع
‏87- آداب السفر للحج وغيره، وآداب الحاج العائد

‏ ‏ وفيه مبحثان:‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:25 AM
المبحث الأول - آداب السفر للحج وغيره:‏

‏1- المشاورة: يستحب أن يشاور من يثق بدينه وخبرته وعلمه في حجه، وعلى المستشار أن ‏يبذل له النصيحة، فإن المستشار مؤتمن والدين النصيحة.‏
‏2- الاستخارة: ينبغي إذا عزم على الحج أو غيره أن يستخير الله تعالى، فيصلي ركعتين من ‏غير الفريضة، ثم يقول بعدها:‏
‏"اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، ‏وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن - ذهابي إلى الحج في هذا العام- خير في ‏ديني ودنياني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. اللهم ‏وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاصرفه عني، ‏واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به".‏
ويستحب أن يقرأ في هذه الصلاة بعد الفاتحة في الركعة الأولى "الكافرون" وفي الثانية ‏‏"الإخلاص". ثم ليمض بعد الاستخارة لما ينشرح إليه صدره.‏
‏3- التوبة ورد المظالم والديون: إذا عزم على السفر تاب من جميع المعاصي ورد المظالم ‏إلى أهلها، وقضى ما أمكنه من ديونه، ورد الودائع، وطلب المسامحة ممن كان يعامله أو يصاحبه، ‏وكتب وصيته وأشهد عليها، ووكل من يقضي عنه ديونه مالم يتمكن من وفائها، وترك لأهله ما ‏يحتاجونه من نفقة.‏
‏4- إرضاء الوالدين والزوج: يجتهد في إرضاء والديه وكل من يبره، وتسترضي المرأة ‏زوجها وأقاربها، ويستحب للزوج أن يحج مع امرأته.‏
‏5- كون النفقة حلالاً: ليحرص على أن تكون نفقته حلالاً خالصة من الشبهة.‏
فقد ذهب الجمهور إلى أنَّ من حجَّ بمالٍ فيه شبهة أو بمال مغصوب صح حجه، لكنه ليس ‏حجاً مبروراً.‏
وقال أحمد: لا يجزيه الحج بمال حرام.‏
‏6- الاستكثار من الزاد الطيب والنفقة: يستحب الاستكثار منهما ليواسي منه المحتاجين، ‏ولقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا ‏تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة: 267] والمراد بالطيب هنا: الجيد، وبالخبيث: الرديء.‏
‏7- ترك المماحكة في الشراء: يستحب ذلك بسبب الحج وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى.‏
‏8- عدم المشاركة في الزاد والراحلة والنفقة: يستحب ذلك إيثاراً للسلامة من المنازعات.‏
‏9- تحصيل مركوب قوي مريح: يستحب ذلك، والركوب في الحج أفضل من المشي وقد ثبت ‏في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج راكباً، وكانت راحلته زاملته. ‏والزاملة: البعير الذي يُحمل عليه الطعام والمتاع.‏
‏10- تعلم كيفية الحج: لابد إذا أراد الحج أن يتعلم كيفيته، وهذا فرض عين، إذ لا تصح ‏العبادة ممن لا يعرفها ويستحب أن يستصحب معه كتاباً واضحاً في مناسك الحج، وأن يديم مطالعته، ‏ويكررها في جميع طريقه لتصير محققة عنده.‏
‏11- اصطحاب الرفيق: ينبغي أن يطلب له رفيقاً موافقاً، راغباً في الخير، كارهاً للشر، إن ‏نسي ذكره، وإن ذكر أعانه. ويحرص على رضا رفيقه في جميع طريقه، ويتحمل كل واحد صاحبه، ‏ويرى لصاحبه عليه فضلاً وحرمة، ولا يرى ذلك لنفسه، ويصبر على ما وقع منه أحياناً من جفاء ‏ونحوه. وقد كره الرسول صلى الله عليه وسلم الوحدة في السفر، وقال: "الراكب شيطان، والراكبان ‏شيطانان والثلاثة ركب" رواه أبو داود والترمذي وإذا ترافق ثلاثة أو أكثر أمروا على أنفسهم ‏أفضلهم وأجودهم رأياً، لحديث "إذا كانوا ثلاثة فليؤمروا أحدهم" رواه أبو داود.‏
‏12- التفرغ للعبادة والإخلاص: يستحب أن يتفرغ للعبادة، خالياً عن التجارة، لأنها تشغل ‏القلب، فإن اتجر مع ذلك صح حجه، لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} ‏‏[البقرة: 198]، ويريد بعمله وجه الله تعالى، لقوله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ‏الدِّينَ} [البينة: 5]. وقوله عليه السلام: "إنما الأعمال بالنيات".‏
‏13- كون السفر يوم الخميس والتبكير: يستحب أن يكون سفره يوم الخميس، إذ قلما خرج ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إلا يوم الخميس، فإن فاته فيوم الاثنين، إذ فيه هاجر الرسول ‏من مكة. ويستحب أن يبكر لحديث صخر الغامدي: "اللهم بارك لأمتي في بكورها" رواه أبو داود ‏والترمذي.‏
‏14- صلاة سنة السفر: يستحب إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي ركعتين، يقرأ في ‏الأولى بعد الفاتحة "الكافرون" وفي الثانية: "الإخلاص"، ثم يدعو بحضور قلب وإخلاص بما تيسر ‏من أمور الدنيا والآخرة، ويسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق في سفره وغيره من أموره، فإذا نهض ‏من جلوسه، قال ما رواه أنس:‏
‏"اللهم إليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم اكفني ما أهمني وما لم أهتم به، اللهم زودني ‏التقوى، واغفر لي ذنبي".‏
‏15- الوداع: يستحب أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه وأن يودعوه ويستسمحهم، ويقول كل ‏واحد منهم لصاحبه: "أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ‏ويسر لك الخير حيث كنت".‏
‏16- الدعاء عند الخروج من البيت: السنة إذا أراد الخروج من بيته أن يقول ما صح عن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلِمَ ‏أو أُظلَمَ، أو أَجْهَلَ أو يُجهَلَ عليَّ" وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرج الرجل من ‏بيته، فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال: هديت وكفيت ووقيت".‏
ويستحب له أن يتصدق بشيء عند خروجه وكذا بين يدي كل حاجة يريدها.‏
‏17- الدعاء عند الركوب: يستحب إذا أراد الركوب أن يقول: "بسم الله" وإذا استوى على ‏دابته قال: "الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون".‏
ثم يقول: "الحمد لله" ثلاث مرات "الله أكبر" ثلاث مرات.‏
ثم يقول: "سبحانك، اللهم إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" للحديث ‏الصحيح في ذلك.‏
ويستحب أن يضم إليه: "اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما تحب ‏وترضى، اللهم هوَّن علينا سفرنا وأطوعنا بُعْده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل ‏والمال. اللهم إنا نعوذ بك من وَعْثاء السفر وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد".‏
‏18- السفر بالليل والرفق بالدابة: يستحب إكثار السفر في الليل، لحديث أنس: "عليكم الدُّلْجة، ‏فإن الأرض تطوى بالليل" رواه أبو داود.‏
‏19- التقشف والرفق في السفر : أن يتجنب الشبع المفرط والزينة والترفه والتبسط في ألوان ‏الأطعمة، فإن الحاج أشعث أغبر، عن ابن عمر قال: "قام رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ‏من الحاج ؟ قال: الشَعِث التفِل" رواه الترمذي وابن ماجه.‏
وينبغي أن يستعمل الرفق وحسن الخلق مع الناس، ويتجنب المخاصمة والمخاشنة ومزاحمة ‏الناس في الطريق وموارد الماء إذا أمكنه ذلك.‏
ويصون لسانه من الشتم والغيبة وجميع الألفاظ القبيحة، للحديث: "من حج فلم يرفث، ولم ‏يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".‏
‏20- عدم اصطحاب الكلب أو الجرس: يكره أن يستصحب كلباً أو جرساً، لقوله صلى الله ‏عليه وسلم: "إن العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة"رواه أبو داود وقوله: "لا تصحب ‏الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس" رواه مسلم "الجرس مزمار الشيطان" رواه أبو داود.‏
‏21- التكبير والتسبيح: السنة التكبير عند العلو، والتسبيح عند الهبوط في واد ونحوه، بدون ‏رفع الصوت.‏
‏22- الدعاء عند رؤية بلد: يستحب إذا أشرف على قرية أو منزل يقول: "اللهم إني أسألك ‏خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها".‏
‏23- الدعاء عند نزول منزل: السنة إذا نزل منزلاً أن يقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من ‏شر ما خلق" لحديث خولة بنت حكيم فيما رواه مسلم: "من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله ‏التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرتحل من منزله ذلك".‏
ويستحب أن يُسَبِّحَ في حال حطه الرحل، لقول أنس: "كنا إذا نزلنا سبحنا حتى نحط ‏الرحال".‏
ويكره النزول في قارعة الطريق، لحديث أبي هريرة: "لا تعرسوا على الطريق فإنها مأوى ‏الهوام بالليل".‏
‏24- الدعاء عند دخول الليل: السنة إذا جن عليه الليل أن يقول ما رواه أبو داود عن ابن عمر ‏قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر، فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ ‏بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأَسْود، والحية ‏والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد".‏
‏25- الدعاء عند الخوف: إذا خاف قوماً أو إنساناً أو غيره، قال ما رواه أبو موسى الأشعري: ‏‏"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوماً، قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من ‏شرورهم" رواه أبو داود والنسائي.‏
ويستحب أن يكثر من دعاء الكرب هنا وفي كل موطن وهو: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا ‏إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض، ورب العرش الكريم" رواه ‏البخاري ومسلم.‏
وكان صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" رواه ‏الترمذي.‏
‏26- الدعاء في السفر: يستحب الإكثار من الدعاء في جميع سفره لنفسه ولوالديه وأحبائه ‏وولاة المسلمين وسائر المسلمين بمهمات أمور الآخرة والدنيا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث ‏دعوات مستجابات، لاشك فيهن: دعوة المظلوم ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده" رواه أبو ‏داود والترمذي.‏
‏27- التزام الطهارة والصلاة: يستحب له المداومة على الطهارة والنوم على الطهارة، ‏والمحافظة على الصلاة في أوقاتها المشروعة، وله عند الشافعية أن يقصر ويجمع، وله ترك الجمع ‏والقصر، وله عند الشافعية فعل أحدهما وترك الآخر، لكن الأفضل أن يقصر وألا يجمع خروجاً من ‏الخلاف، لأن أبا حنيفة رحمه الله يوجب القصر ويمنع الجمع، إلا في عرفات والمزدلفة.‏
وتسن السنن الراتبة مع الفرائض في السفر، كما تسن في الحضر.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:26 AM
المبحث الثاني -
آداب رجوع الحاج من سفره:‏

للحاج وكل مسافر عند عودته إلى بلده آداب أهمها ما يأتي:‏
‏1- السنة أن يقول ما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى ‏
الله عليه وسلمكان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، وكبر على كل شرف من الأرض ثلاث ‏تكبيرات، ثم يقول : "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ‏آيبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب ‏وحده" رواه البخاري.‏
‏2- السنة إذا قرب من وطنه أن يبعث قدامه من يخبر أهله، كيلا يقدم عليهم بغتة.‏
‏3- يحسن أن يقول إذا أشرف على بلده : "اللهم إني أسألك خيرها، وخير أهلها، وخير ما ‏فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها" واستحب بعضهم أن يقول : "اللهم اجعل لنا بها قراراً أو ‏رزقاً حسناً، اللهم ارزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا" رواه ‏ابن السني في الأذكار.‏
‏4- إذا قدم، فلا يطرق أهله في الليل، بل يدخل البلدة غدوة، وإلا ففي آخر النهار، روى مسلم ‏عن أنس "أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غدوة أو عشية".‏
‏5- إذا وصل منزله، فالسنة أن يبتدئ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، وإذا دخل منزله صلى ‏أيضاً ركعتين، ودعا وشكر الله تعالى.‏
‏6- يستحب لمن يسلم على الحاج أن يقول: "قبل الله حجك، وغفر ذنبك، وأخلف نفقتك" لقوله ‏صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج".‏
تنبيه هام: هذا وإن قيام العوام بذبح الشاة بين رجلي الحاج يؤدي إلى تحريم أكلها، إذا إن ‏الذبح بنية تعظيم فلان يحرم أكلها ولو ذكر اسم الله عليها، أما مظاهر الاستقبال الزائدة فهو رياء ‏ينافي الإخلاص في العبادة.‏
‏7- يستحب أن يقول إذا دخل بيته ما كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ‏عباس: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من سفره، فدخل على أهله، قال: توباً توباً، لربنا ‏أوباً، لا يغادر حوباً" توباً: أي نسألك توبة كاملة، ولا يغادر حوباً أي لا يترك إثماً.‏
‏8- ينبغي أن يكون رجوعه خيراً مما كان، فهذا من علامات قبول الحج، وأن يكون خيره ‏مستمراً في ازدياد.‏