المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من الموسوعة الإسلامية - أحكام النكاح والأحوال الشخصية



أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:29 AM
أحكام النكاح

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:30 AM
في التعريف بالزواج وشرعيته وحكمة مشروعيته
وصفته الشرعية

‏ ‏
تعريف الزواج من حيث اللغة:‏

الزواج لفظ عربي موضوع لاقتران أحد الشيئين بالآخر وازدواجهما بعد أن كان كل ‏منهما منفرداً عن الآخر ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7] أي: يقرن كل ‏واحد بمن كانوا يعملون كعمله. فيقرن الصالح مع الصالح، والفاجر مع الفاجر، أو قرنت الأرواح ‏بأبدانها عند البعث للأجساد أي رُدَّت اليها، وقيل قرنت النفوس بأعمالها فصارت لاختصاصها ‏بها كالتزويج.‏
وقوله تعالى: {وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} [الطور: 20] أي قرناهم بهن، وقوله تعالى ‏‏{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22] أي وقرناء هم الذين كانوا يجلسون معهم ‏ويشاهدون ظلمهم ولا ينكرونه. أو وقرناءهم من الشياطين.‏
ثم شاع استعماله في اقتران الرجل بالمرأة على وجه مخصوص لتكوين أسرة حتى ‏أصبح عند أطلاقه لا يفهم منه إلا ذلك المعني بعد أن كان يستعمل في كل اقتران سواء كان بين ‏الرجل والمرأة أو بين غيرهما.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:32 AM
تعريف الزواج من حيث الاصطلاح الفقهي:‏

وفي اصطلاح الفقهاء: هو عقد وضعه الشارع ليفيد بطريق الأصالة اختصاص الرجل ‏بالتمتع بامرأة لم يمنع مانع شرعي من العقد عليها وحل استمتاع المرأة به.‏
التعريف يفيد: أن الزواج يحل استمتاع كل من الزوجين بالآخر متى تم العقد، وأن الزوج ‏يختص بالتمتع بزوجته فلا يحل لأحد أن يتميع بها ما دام العقد قائماً ولو حكماً، أما الزوجة فيحل ‏لها التمتع بزوجها دون أن تختص بذلك التمتع حيث يباح له شرعاً أن يضم إليها ثانية وثالثة ‏ورابعة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:32 AM
شرعية الزواج:‏

استخلف الله الإنسان في الأرض بقوله سبحانه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: ‏‏30] وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، وأودع في كل منهما ما يجعله يميل للآخر ليتم الازدواج ‏بينهما، ويكون من ثمراته التناسل ليبقى النوع الإنساني يعمر الأرض حتى يبلغ الكتاب أجله.‏
ولكن المولى سبحانه الذي كرم بني آدم لم يتركهم إلى ما تمليه عليهم طبيعتهم في أمر ‏الازدواج كبقية المخلوقات الأخرى من الحيوانات والطيور، بل سن لهم طريقة خاصة تتفق ‏ومنزلتهم بين سائر المخلوقات.‏
فشرع الزواج الذي يختص فيه الرجل بالأنثى لا يشاركه فيها غيره ليسلم العالم من شر ‏الإباحة التي يترتب عليها التزاحم والتنازع بل والتقاتل أحياناً، ومن طغيان الشهوات التي تجعل ‏من الإنسان حيواناً سفاحاً لا يعرف رباط العائلة، ولا يفقه معنى الرحمة، ولا يفطن لسر المودة ‏فيضيع النسل حيث لا رابط يربط الأبناء بآبائهم.‏
ولم تخل شريعة من الشرائع السماوية من الإذن به بل وتنظيمه من يوم أن أرسل الله ‏الرسل. يقول جل شأنه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا ‏تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ ‏الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 189].‏
ويقول سبحانه مخاطباً لرسوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ} أي أرسلنا قبلك الرسل ‏الكرام {وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38].‏
ولقد تزوج الأنبياء والرسل كلهم، ولم يذكر المؤرخون من عاش منهم بلا زواج سوى ‏يحيى وعيسى عليهما السلام، ولم يكن عدم تزوجهما لعدم شرعية الزواج في زمنهما، لأن الناس ‏كانوا يتزوجون في عصرهما، وقد قيل إن سبب عدم زواج عيسى انحطاط أخلاق نساء بني ‏إسرائيل فرغب عنهن للعبادة وأداء الرسالة.‏
والسبب في عدم زواج يحيى أنه لم يكن عنده المقدرة على إتيان النساء، لأن الله قال في ‏وصفه:{وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} [آل عمران: 39]والحصور في اللغة هو الذي لا يأتي النساء كأنه ‏محجم عنهن، وعلى القول بأن الحصور هو الذي يكف نفسه عن النساء ولا يقربهن مع القدرة، ‏فيمكن أن يعلل سبب امتناعه عنه بمتابعته لعيسى لأنه كان في زمنه وأول من آمن به كما قال الله ‏في شأنه: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ} [آل عمران: 39] أي عيسى على ما عليه أكثر المفسرين.‏
ولهذا لم تكن الرهبانية - وهي الإعراض عن الزواج - مشروعة في أي دين سماوي، ‏وإنما هي شيء ابتدعه النصاري في عصر اضطادهم كما أخبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى ‏‏{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ ‏اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ ‏رِعَايَتهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27].‏
أما الإسلام فقد عنى بهذا العقد عناية خاصة، وأضفى عليه قدسية تجعله فريداً بين سائر ‏العقود الأخرى لما يترتب عليه من آثاره خطيرة لا تقتصر على عاقديه ولا على الأسرة التي ‏توجد بوجوده، بل يمتد إلى المجتمع فهو أهم علاقة ينشئها الإنسان في حياته، لذلك تولاه الشارع ‏بالرعاية من حين ابتداء التفكير فيه إلى أن ينتهي بالموت والطلاق.‏
فبين الطريقة المثلى لاختيار الزوجة وكيفية إنشاء العقد ورسم طريقة المعاشرة الزوجية ‏مبيناً ما لكل من الزوجين قبل الآخر من حقوق وما عليه من واجبات.‏
ولم ينس أنه قد يطرأ على الحياة الزوجية ما يعكر صفوها من نزاع أو شقاق فرسم ‏طريق الإصلاح، وبَيَّنَ الطريقة التي ينهي بها العقد إذا ما عجز الإصلاح وباءت الحياة الزوجية ‏بالفشل وغير ذلك مما يترتب على الإنهاء من آثار تتعلق بالزوجين أو بأولادهما.‏
ومن يتتبع نصوص التشريع في القرآن والسنة يجد هذا العقد قد ظفر بعدد كبير منها.‏
فالقرآن يخبر أولاً بأنه من أكبر النعم التي أنعم الله بها علينا ثم معروض امتنانه بنعمه ‏وآلائه فيقول جل شأنه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} ‏‏[النحل: 72].‏
وفي آية أخرى يعده من آيات قدرته {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا ‏إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21].‏
ثم يحله في صراحة ويأمر به في غير آية. ‏
يقول سبحانه بعد عد المحرمات من النساء: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24].‏
ويقول سبحانه وتعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ ‏أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3].‏
ويقول {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ ‏اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} ‏‏[النور: 32-33].‏
فقد خاطب الأولياء بأن يزوجوا من لا زوج له من الرجال والنساء، لأن الأيامى جمع أيم ‏‏- وهو من لا زوج له من النساء والرجال، وإن كان أكثر استعماله في النساء.‏
والرسول صلى الله عليه وسلم يرغب فيه بشتى أنواع الترغيب فيقول: فيما روي في ‏الصحيحين "أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وآكل اللحم وأتزوج النساء فمن رغب سنتى فليس ‏مني. ويقول "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" ويقول: "تزوجوا الولود الودود ‏فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة". ويروي لنا مسلم عن عمرو بن العاص أن رسول الله قال ‏‏"الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة".‏
ويروي أبو داود عن ابن عباس عن رسول الله قال: "ألا أخبركم بخير ما يكنز المرأة ‏الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا غاب عنها حفظته وإذا أمرها أطاعته".‏
وقد بعث رسول الله والعرب يتزوجون بطرق شتى بعضُها يتفق ومنهجَ العقلاء، ‏وبعضُها لا يفعله إلا السفهاء، فألغى فاسده وأقر صحيحه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:34 AM
حكمة مشروعية الزواج أو الغاية من تشريعه:‏

للزواج كثير من الحكم منها ما يعود على الزوجين، ومنها ما يعود على المجتمع.‏
فمن الحكم :‏
‏1- حفظ النوع الإنساني.‏
‏2- تحقيق الأنس والراحة وبين الزوجين فتستقر الحياة ويسعد المجتمع.‏
‏3- تحصين النفس بقضاء الحاجة الجنسية من طريق سليم لا يترتب عليه فساد المجتمع.‏

حكم الزواج:‏
الزواج لا يأخذ حكماً واحداً في جميع الحالات، بل يختلف حكمه باختلاف أحوال الناس، ‏لأن منهم القادر على تكاليفه والعاجز عنها، وفيهم من يحسن العشرة الزوجية ومن لا يحسنها، ‏كما أن منهم من اعتدل مزاجه فلا يخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة، ومنهم من لا يستطيع ‏ضبط نفسه عنها إذا لم يتزوج، وتبعاً لهذا الاختلاف يختلف حكمه فتعدد أحكامه.‏
فتارة يكون مطلوباً محتماً فيكون فرضاً يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وأخرى يكون مطلوباً ‏طلباً غير محتم فيكون مندوباً إليه فيثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، وطوراً يكون ممنوعاً ‏منعاً باتاً فيكون حراماً يعاقب عليه عقاباً شديداً، وتارة يكون مكروهاً يعاقب فاعله عقاباً أقل من ‏عقاب الحرام.‏
والأصل في الإنسان أن يكون معتدلاً، بمعنى أن يكون قادراً على تكاليف الزواج واثقاً ‏من نفسه أنه يؤدي حقوق دون جور أو ظلم ولا يخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة إذا لم ‏يتزوج.‏
لذلك جعل الفقهاء حالة الاعتدال هي الأصل في الزواج، واختلفوا في حكمها على أقوال.‏
ذهب الحنابلة في رواية عن الإمام أحمد: أنه فرض عين.‏
وذهب بعض الفقهاء الحنفية إلى أنه فرض كفاية، فإن فعله البعض سقط الإثم عن ‏الآخرين.‏
وذهب بعض الشافعية إلى أنه مباح كالأكل والشرب.‏
وذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية ووافقهم الحنابلة في المشهور عندهم وبعض ‏الشافعية إلى أنه سنة مندوب إليه، لأن القرآن أمر به، وحض عليه رسول الله في أكثر من حديث.‏
وقد يعرض للزواج ما يجعله فرضاً أو واجباً أو حراماً أو مكروهاً.‏
فيكون فرضاً: فيما إذا كان الشخص قادراً على تكاليف الزواج واثقاً من نفسه أن يعدل ‏مع زوجته ولا يلحق بها الضرر، ويتيقن أنه لو لم يتزوج وقع في الفاحشة ولا يستطيع التحرز ‏عنها بأي وسيلة، لأن ترك الزنى مفروض عليه والمانع من وقوعه فيه هو التزوج فيكون وسيلة ‏إلى الفرض. ومن المقرر أن ما لا يتوصل إلى الفرض إلا به يكون فرضاً. ‏
فالزواج في هذه الحالة فرض لا لذاته، بل لأنه وسيلة إلى ترك الحرام، فإذا لم يتزوج ‏كان آثماً مستحقاً للعقاب وهذا في حق الرجل.‏
أما المرأة فإنه يفرض عليها الزواج إذا عجزت عن اكتساب قوتها وليس لها من ينفق عليها، ‏وكانت عرضة لمطامع أهل الفساد فيها ولا تستطيع أن تصون نفسها إلا بالزواج.‏
ويكون واجباً: فيما إذا كان قادراً واثقاً من العدل وخاف الوقوع في الفاحشة إذا لم يتزوج ‏خوفاً لا يصل إلى درجة اليقين، فإذا لم يتزوج كان آثماً مستحقاً للعقاب لكنه أقل من العقاب في ‏الحالة السابقة.‏
وقد يكون حراماً: إذا كان الشخص غير قادر على التكاليف أو كان قادراً عليها لكنه ‏يقطع بأنه يظلم زوجته إذا تزوج سواء كان ظلمها بالإيذاء أو بعدم القدرة على المخالطة الجنسية. ‏وذلك لأن الظلم حرام فما يكون طريقاً إليه يأخذ حكمه غير أن حرمته لا لذاته.‏
ويكون مكروهاً: إذا خاف الوقوع في الظلم إن تزوج إما لعجزه عن الإنفاق أو إساءة ‏العشرة لشذوذ في خلقه أو عدم قدرته على المخالطة الجنسية، فإذا خاف الوقوع في واحدة من ‏ذلك كره له التزويج كراهة تحريم أن تنزيه حسبما يخشاه من أنواع الظلم.‏
بقيت حالة أخيرة يتعارض فيها ما يجعل الزواج فرضاً وما يجعله حراماً. وهي ما إذا ‏كان يقطع بالوقوع في الفاحشة إن لم يتزوج كما يقطع بظلم الزوجة إن تزوج.‏
وهذه الحالة يقرر الفقهاء فيها أنه لا يتزوج دفعاً للظلم، لأنه العلاج المتعين لذلك لقوله ‏تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله)، وليس معنى هذا أنه يباح له ‏الزنى، بل الزنى حرام لا يباح في حال من الأحوال.‏
وعليه بعد أن يترك الزواج أن يقاوم كلا المحظورين، فيحارب شهوته بشتى الوسائل ‏ليتغلب عليها، ويقوم نفسه ليخلصها من رذيلة ظلم الغير. وما يجده سهلاً عليه يسير على ما ‏يقتضيه، فإن سهل عليه محاربة الشهوة دون الأخرى بقي على كفه عن التزويج، وان استعصى ‏عليه محاربة الشهوة ووجد من نفسه ميلاً إلى ترك الظلم تزوج.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:35 AM
الفَصل الثّاني
مقدمات العقد‎ ‎من النظر والخطبة وما يتعلق بها من أحكام‏ ‏



تعريف الخطبة:‏
النظر إلى المخطوبة.‏
وقت النظر إلى المخطوبة.‏
من تباح خطبتها.‏
الخِطبة على الخِطبة.‏
العدول عن الخِطبة وما يترتب عليها.‏

لما كان الزواج من أخطر العقود لأنه عقد الحياة، فيه من التكاليف والالتزامات ما ليس ‏في غيره وتترتب عليه آثار عديدة، كثبوت النسب وحرمة المصاهرة وغير ذلك زادت عناية ‏الشارع به فجعل له مقدمة نظمها وبيَّن أحكامها تسمى بالخطبة ليكون المتزوج على بينة من ‏الطرف الآخر، ويتحقق لهما بهذا العقد الراحة والسعادة البيتية. ‏
تعريف الخِطبة: والخِطبة هي أن يتقدم الرجل إلى امرأة معينة تحل له شرعاً أو إلى ‏أهلها ليطلب الزواج بها بعد أن توجد عنده الرغبة في زواجها، فإذا أجيب إلى طلبه تمت الخطبة ‏بينهما.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:37 AM
المبحث الأول في النظر إلى المخطوبة:‏



ولتكون الخطبة محققة غايتها أباح الشارع النظر إلى المخطوبة مع كونها أجنبية يحرم ‏النظر إليها، بل أمر به ورغب فيه مبيناً الحكمة التي تترتب عليه.‏
عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "انظر إليها ‏فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" متفق عليه.‏
أي أجدر وأدعى أن يحصل الوفاق والملاءمة بينكما.‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ألقى الله عز وجل في قلب امرئ خطبة امرأة ‏فلا بأس أن ينظر إليها". رواه ابن ماجه وأحمد.‏
وعن جابر قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا خطب أحدكم المرأة فقدر ‏أن يرى منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل". رواه أبو داود وأحمد.‏
فهذه الأحاديث وغيرها تبيح النظر، ولكنها لم تحدد ما ينظر إليه منها ومن هنا جاء ‏اختلاف الفقهاء في بيانه:‏
فذهب الجمهور منهم إلى أنه يباح له النظر إلى وجهها وكفيها معللين ذلك، عن جمالها، ‏وحالتها النفسية التي تنطبع على تقاسيمه، كما ينبئ بأن هذا القدر كاف في التعرف، لأن الوجه ‏ينبئ الكفان عن حال الجسم من خصوبة أو هزال.‏
‏ وذهب بعض الحنفية إلى زيادة القدمين.‏
وذهب الحنابلة إلى زيادة الرقبة.‏
وكما يباح للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته كذلك يباح لها الأخرى النظر إلى من خطيبها ‏لتوافق على خطبته عن رغبة ورضى.‏
وقت النظر:‏
ولا بأس بأن ينظر إليها قبل الخطبة وبعدها، لأن النظر إليها قبل الخطبة يدعوه إلى ‏إعلان خطبتها إذا ما صادفت في نفسه قبولاً، والنظر بعدها يؤكد هذه الرغبة بعد إعلانها.‏
ويحسن أن يكون مع النظر محادثة كل منهما للآخر ليكشف له مقدار تفكيرها وعذوبة ‏حديثها بشرط أن يكون مع وجود أحد محارمها كأبيها أو أخيها أو عمها أو خالها حتى لا يكون ‏ذلك ذريعة إلى مفسدة، ولا بأس من تكرار ذلك بهذا الشرط.‏
أما ما وراء ذلك من الخلوة بها والخروج معها ومصاحبتها إلى دور اللهو والمنتزهات ‏فباق على تحريمه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:38 AM
المبحث الثاني ‏
من تباح خطبتها



إذا كانت الخطبة وسيلة إلى الزواج فيجب ألا تكون المرأة المراد خطبتها محرماً عليه ‏زواجها، لأن الغاية إذا كانت حراماً كانت الوسيلة كذلك والاشتغال بها عبث لا فائدة فيه.‏
من أجل ذلك قرر الفقهاء أنه لا تجوز خطبة امرأة محرمة عليه تحريماً مؤبداً بسبب ‏النسب أو الرضاع أو المصاهرة، كأخته من النسب أو الرضاع وزوجة الأب أو الأبن وأم ‏الزوجة أو بنتها وسائر المحرمات على التأبيد.‏
وقد وضع الفقهاء قاعدة لمن تجوز خطبتها فقالوا: إن من يجوز الزواج بها في الحال ‏تجوز خطبتها.‏
فالمعتدة من طلاق رجعي لا تجوز خطبتها بالاتفاق، لأن زوجيتها لا تزال قائمة، وحق ‏الزواج في مراجعتها قائم، فله مراجعتها في أي وقت قبل انتهاء عدتها رضيت أم كرهت، فتكون ‏كالزوجة من كل الوجوه فتحرم خطبتها بأي شكل تصريحاً كانت أو تعريضاً، لما في ذلك من ‏إيذاء لزوجها أو إثارة للنزاع بينه وبين من خطبها، ولا يجوز ذلك حتى ولو أذن الزوج في تلك ‏الخطبة لأن حق الشارع في المنع قائم فلا يجوز إهداره.‏
أما المعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى:‏
فذهب الحنفية: إلى أنه لا تجوز خطبتها، لا تصريحاً ولا تعريضاً لأن الطلاق البائن إن ‏قطع رباط الزوجية إلا أن بعض آثاره باقية، وهذا كافٍ في منع خطبتها لئلا يؤدي ذلك إلى إثارة ‏النزاع بين مطلقها وبين من خطبها.‏
ومن ناحية أخرى: إن إباحة خطبتها قد يحملها على ارتكاب محظور إذا رغبت في ‏زواج من خطبها- فتقر بانقضاء عدتها في مدة زاعمة أنها حاضت فيها ثلاث حيضات، وتصدق ‏في ذلك الأقرار، لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتها وليس لأحد سلطان عليها، بخلاف المتوفى عنها ‏زوجها فان جواز التعريض في حقها لا يؤدي إلى هذا المحظور حيث تعتد بوضع الحمل إن ‏كانت حاملا أو بأربعة أشهر وعشرة أيام إن لم تكن حاملاً.‏
وذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنه لا يجوز خطبتها تصريحاً مراعاة ‏لجانب الزوج المطلق، لأنها معتدة منه، وقد يثور النزاع بينه وبين من خطبها، وجوزوا خطبتها ‏بطريق التعريض لانقطاع الزوجية بالطلاق البائن وهو كاف في جواز التعريض الذي لا يثير ‏النزاع بينه وبين مطلقها.‏
أما المعتدة عن وفاة زوجها فقد اتفقت كلمة الفقهاء فيها على أنه لا تجوز خطبتها ‏تصريحاً وتجوز خطبتها بطريق التعريض.‏
يدل لذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ ‏أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا ‏تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ ‏اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ ‏النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ‏غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 234 -235].‏
فهذا النص الكريم يبين عدة المتوفى عنها زوجها، والأحكام المتصلة بها، ورفع الجناح ‏عن التعريض بخطبتها في العدة، ونهى عن المواعدة بالنكاح "ولكن لا تواعدوهن سراً" وهو ‏الخطبة الصريحة، ثم نهى عن العقد عليها حتى تنتهي عدتها، والمراد بالنساء هن المتوفى عنهن ‏أزواجهن بدليل سياق الكلام فيقتصر الاستثناء على موضعه.‏
والسر في إباحة التعريض: أن الزوجية قد انقطعت بالوفاة، ولا أمل في عودتهما فليس ‏هنا زوج يتضرر من هذا التعريض، وقد يكون في ذلك عزاء لهذه المرأة التي فقدت عائلها، فلا ‏ينقطع أملها في الحياة الكريمة في ظل زوج كريم.‏
وأما منع التصريح فمراعاة لجانب المرأة من ناحية أخرى، وهو إحدادها على زوجها، ‏فلو أبيح التصريح لحمل المرأة على التزين وترك الإحداد. على أن الزوج لا يعدم أن يكون له ‏أقارب يلحقهم الأذى بهذا التصريح.‏
أثر تلك الخطبة المحرمة:‏
عرفنا أن الفقهاء متفقون على تحريم الخطبة في الحالات السابقة لعدم توفر شرط ‏صحتها. وهو كون المرأة ممن تحل له عندها.‏
فإذا فرض وأقدم شخص على خطبة واحدة منهن كان مرتكباً أمراً محرماً يعاقب عليه في ‏الآخرة، ولو عقد عليها في العدة كان العقد باطلا. أما إذا عقد عليها بعد انتهاء عدتها بناء على ‏الخطبة السابقة كان العقد صحيحاً وتترتب عليه آثاره على الأصح عند الجمهور.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:39 AM
المبحث الثالث ‏
الخطبة على الخطبة



قد تكون المرأة متوفراً فيها شرط صحة الخطبة. وهو كونها ممن تحل له في الحال، غير ‏أنه عرض لها وهو أن غيره سبقه إلى خطبتها، ففي خطبتها اعتداء على الخاطب الأول. ‏
وهذه الخطبة ورد النهي عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن أخو المؤمن ‏فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر". رواه مسلم ‏وأحمد.‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو ‏يترك "رواه البخاري.‏
فهذه الأحاديث تفيد تحريم الخطبة على الخطبة لظاهر النهي والتعبير بلا يحل، وإذا كان ‏النهي مسلطاً على الخطبة على خطبة الغير منعاً لما يترتب عليها من إثارة النزاع وهذا يصدق ‏من غير شك على من أجيبت خطبته وقبلت رغبته.‏
أما من رفضت خطبته فلا يشملها النهي، ومثلها في ذلك ما إذا أذن الخاطب الأول للثاني ‏كما صرحت به بعض الأحاديث، لأننا لو منعنا خطبتها لغير الأول لألحقنا بها الضرر البالغ، ‏وهذا ما لا يقصده الشارع.‏
ولأن الخطبة في هذه الحالة لا تسمى خطبة على خطبة، لأن المرأة لا تسمى حينئذ ‏مخطوبة للخاطب الأول.‏
أما إذا لم يفصل في الخطبة الأولى برأي لا بقبول ولا برفض. وهي حالة التردد ‏والسكوت فهل تدخل في ذلك ويكون منهياً عنها أو لا؟.‏
اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين:‏
أولهما: وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك وغيرهما، أن الخطبة في هذه الحالة ممنوعة، ‏لأن الأحاديث الناهية تتناولها حيث أن الأول يسمى خاطباً والمرأة مخطوبة له، وهذا السكوت من ‏جانبها وان لم يدل على الرضى بالخاطب فهو لا يدل على الرفض، لاحتمال وجود أصل الرغبة، ‏والسكوت للتحري عن الخاطب ليتحقق الاطمئنان الكامل والرغبة التامة، فإباحة الخطبة الثانية ‏في هذه الحالة قد يترتب عليها زوال تلك الرغبة ورفض خطبة الأول وهو نوع اعتداء عليه والله ‏لا يحب المعتدين.‏
وثانيهما: وهو أحد الرأيين عن الشافعية إباحة هذه الخطبة.‏
أثر هذه الخطبة في العقد المترتب عليها:‏
إذا خطب شخص مخطوبة غيره وعقد عليها فهل يكون لهذه الخطبة المنهى عنها أثر في ‏صحة العقد؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنها لا تؤثر في العقد قضاءً، على معنى أن القاضي لا يحكم بفسخه ‏وينفذه، إنما أثرها ديني فقط حيث إنه ارتكب أمراً منهياً عنه فعقابه أخروي، لأن هذه المخالفة لم ‏تكن في نفس العقد، بل في وسيلته وهي لا تؤثر فيه، لأنها ليست جزءاًمن العقد ولا مقدمة لازمة ‏فيه، فلو عقد شخص عقد الزواج دون أن يتقدم عليه خطبة كان عقده جائزاً شرعاً.‏
وذهب المالكية في الرأي المشهور عنهم إلى التفصيل بين حالتي الدخول وعدمه، فيقولون: إن ‏هذه الخطبة تؤثر في العقد قبل الدخول لا بعده. بمعنى أن القاضي إذا علم به قبل الدخول فسخه، ‏لأن هذا العاقد تعدى ما ندبه الشارع إليه، وإذا علم به بعد الدخول فلا فسخ، لأن العقد تأكد ‏بالدخول فلا يجوز فسخه لما يترتب عليه من إضرار.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:41 AM
المبحث الرابع
العدول عن الخطبة وما يترتب عليه




أثر العدول عن الخطبة:‏
إذا عدل أحد الطرفين عن الخطبة أو كلاهما فما الأثر المترتب على ذلك بالنسبة لما قدمه ‏الخاطب من مهر أو هدايا، ولما لحق أحد الطرفين من أضرار يعرف ذلك بالتفصيل الآتي:‏
أما بالنسبة لما قدمه الخاطب من مهر أو هدايا، فلا خلاف بين الفقهاء في أنه يجب رد ما ‏قدمه من مهر قليلاً كان أو كثيراً، لأن المهر وجب بالعقد، فهو حكم من أحكامه وأثر من آثاره، ‏وما دام الزواج لم يوجد فلا حق لها في أخذ المهر، بل هو حق خالص للزوج، فإن كان قائماً أخذه ‏بعينه، وإن هلك أو استهلك أخذ مثله إن مثلياً أو قيمته إن كان قيمياً. ‏
وأما ما قدمه من هدايا، فالفقهاء متفقون في الجملة على ردها وإن اختلفوا في التفصيل: ‏
‏ ذهب الشافعية إلى وجوب الرد مطلقاً باقية أو غير باقية، فإن كانت موجودة ردت ‏بعينها، وإن هلكت أو استهلكت وجب رد مثلها أو قيمتها سواء كان العدول من قبله أو من قبل ‏المخطوبة أو منهما معاً. ‏
‏ وذهب الحنفية إلى وجوب ردها إن كانت موجودة في يدها من غير زيادة متصلة بها لا ‏يمكن فصلها، فإن هلكت كعقد فقد أو ساعة تكسرت أو استهلكت كطعام أكل أو ثوب لبس وبلي، ‏أو زادت زيادة متصلة لا يمكن فصلها كقماش خيط ثوباً، أو خرجت عن ملكها بأن تصرفت فيها ‏ببيع أو هبة لا يجب ردها في جميع تلك الصور، لأنهم أعطوا الهدية حكم الهبة، والهبة يمتنع ‏الرجوع فيها بموانع منها الهلاك والاستهلاك والخروج عن الملك والزيادة المتصلة التي لا يمكن ‏فصلها. ‏
‏ والمالكية في أصل المذهب عندهم لا رجوع بشيء مما أهداه الخاطب ولو كان الرجوع ‏من جهتها، ولكن الفتوى في المذهب برأي آخر عندهم هو الأوفق كما يقولون يفصلونه على ‏الوجه الآتي:‏
إن كان هناك عرف أو شرط بالرد وعدمه يعمل به، وان لم يكن شرط ولا عرف، فإن ‏كان العدول من الخاطب فلا يجوز له الرجوع في شيء من هداياه، لأنه آلمها بعدوله عن ‏خطبتها، فلا يجمع عليها مع هذا الإيلام إيلاماً آخر. وإن كان العدول منها وجب عليها رد ما ‏أخذته بعينه إن كان قائماً أو مثله أو قيمته إن كان هالكاً، لأنه لا وجه لها في أخذه بعد أن آلمته ‏بفسخ خطبته.‏
ولأن ما قدمه لها لا يمكن اعتباره هبة مطلقة، بل هو هبة مقيدة فانه لولا الخطبة ‏الموصلة للزواج ما قدم لها شيئاً، فإذا لم يتحقق الزواج لم يتحقق الغرض الذي من أجله قدم ‏الهدايا.‏
والعدل يقضي بأن المتسبب في منع الزواج هو الذي يتحمل نتيجة عمله.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:42 AM
البَابْ الثاني
في أركان العقد وشروطه وطرق إثباته وأنواعه

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:43 AM
الفَصْل الأولْ
في أركان الزواج‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:44 AM
المبحث الأول ‏
في صيغة العقد والألفاظ التي تتحقق بها



ركن الزواج:‏
صيغة عقد الزواج.‏
انعقاد الزواج بغير الكلام.‏
عقد الزواج له ركنان: الإيجاب والقبول.‏
والإيجاب هو ما صدر من أحد العاقدين أولاً دالاً على ما يريده من إنشاء العقد. ويسمى ‏الشخص الذي صدر منه الإيجاب موجباً.‏
والقبول هو ما صدر ثانياً من الطرف الآخر دليلا على موافقته على ما أوجبه الأول. ‏ويسمى الشخص الذي صدر منه القبول قابلاً. فأول الكلامين إيجاب سواء صدر من جانب الزوج ‏أو من جانب الزوجة وسمي إيجاباً لأنه أوجد الالتزام، وسمي الثاني قبولاً، لأنه رضا بما في ‏الأول من التزام وإلزام، وما فيه من التزام بالنسبة للقابل كان نتيجة لرضاه بما تضمنه قول الأول ‏من إلزام.‏
ما يتحقق به الإيجاب والقبول:‏
الأصل في تحقق الإيجاب والقبول في عقد الزواج أن يكون بالعبارة، وقد يوجد أحدهما ‏أو كلاهما بالإشارة أو الكتابة في بعض صوره.‏
ولما كان الأصل فيه هو الألفاظ عني الفقهاء ببيان الألفاظ التي ينعقد بها من ناحية مادتها ‏وناحية صورتها.‏
أما الأولى: فقد اتفق الفقهاء على أنه ينعقد بكل لفظ مأخوذ من مادتي الزواج والنكاح، ‏لأنه أكثر النصوص الواردة فيه جاءت بهما، كما اتفقوا على عدم انعقاده بألفاظ الإباحة والإحلال ‏والإيداع والإعارة والرهن، لأنها لا تفيد التحليل والزواج من عقود التحليل، لأنه يفيد ملك المتعة ‏للزوج.‏
وكذلك لا ينعقد بلفظ الوصية، لأنها وإن أفادت التمليك إلا أنه تمليك مضاف لما بعد ‏الموت، والزواج يفيد التمليك في الحال، فلم توجد علاقة مسوغة لاستعمال لفظ الوصية في ‏الزواج.‏
وكذلك لفظ الإجارة، لأنها وان أفادت ملك المنفعة في الحال إلا أنها شرعت مؤقتة بوقت ‏معين والزواج شرع على الدوام والتأبيد، وكل تأقيت فيه يلحق به الفساد على الأصح.‏
واختلف الفقهاء فيما عدا ذلك من الألفاظ كالهبة والتمليك والبيع والصدقة والجعل:‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى منع انعقاده بهذه الألفاظ كلها وقصوره على لفظي النكاح ‏والتزويج وما اشتق منهما كأنا متزوج مثلاً. مستندين إلى أن الزواج عقد له خطره إذ به تحل ‏المرأة بعد أن كانت حراماً، وتثبت به الأنساب، ففيه ناحية تعبدية تجعلنا نتقيد بما ورد عن ‏الشارع فيه من ألفاظ، ولم يرد في مواضع تشريعه في القرآن إلا بهذين اللفظين جاء ذلك في أكثر ‏من عشرين آية منها { {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء :3] {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} ‏‏[النور :22] {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب : 37].‏
‏ ومن هنا قالوا: إن المراد بكلمة الله في الحديث "واستحللتم فروجهن بكلمة الله" الزواج ‏والنكاح، لأنهما الواردتان في القرآن فلا يصح أن يقاس غيرهما عليهما.‏
على أن الزواج مشروط فيه الشهادة فلا بد أن يكون اللفظ الذي يعقد به صريحاً حتى ‏يعرف الشهود ما شهدوا عليه، أما غيرهما من الألفاظ فإنها لا تدل عليه إلا بالنية والقرينة، وقد ‏يخفى ذلك على الشهود فلا تصح شهادتهم.‏
وذهب الحنفية إلى تصحيح استعمال هذه الألفاظ مع القرينة الدالة على أن المتكلم أراد بها ‏الزواج كذكر المهر معها وإحضار الشهود وما شابه ذلك، لأن هذه الألفاظ تفيد تمليك العين في ‏الحال ولا تقبل التوقيت، فإذا قالت المرأة للرجل: وهبت لك نفسي بمهر كذا أو ملكت نفسي أو ‏جعلت لك نفسي بمهر قدره كذا، أو قال وليها ذلك وقبل الرجل ينعقد الزواج، لأن القرينة تعين ‏المراد منها، وأنه لا يقصد بها حقيقتها، بل يقصد بها الزواج، وأي شخص يفهم منها الزواج إذا ‏ذكر المهر مع حضور الناس الحفل المعد للزواج.‏
أما دعوى أن النصوص الشرعية لم تذكر في معرض تشريعة إلا لفظي النكاح والزواج ‏فغير مسلمة، لأن القرآن ذكر لفظ الهبة أيضاً في مقام تشريعه في قوله سبحانه: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً ‏إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب:50] ودعوى الخصوصية بالنبي غير مسلمة، لأن ‏الخصوصية الثابتة له في هذا هي الزواج بدون مهر لا في خصوص لفظ الهبة، لأن الله قد قال ‏بعد ذلك: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} ‏ونفى الحرج عن رسول الله لا يكون في اختصاصه بعقد الزواج بلفظ خاص. ‏
وهو أفصح الخلق على الإطلاق، وإنما يكون في تزويجه بدون مهر وصدر الآية يقول:‏
‏{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ...} إلى أن قال: ‏
‏{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} وهذا يفيد بمجموعه، أنا أحللنا لك الزواج بمهر وبغير ‏مهر لكي لا يكون عليك حرج.‏
وقد وردت السنة بلفظ التمليك في قصة المرأة التي جاءت تعرض نفسها على النبي ‏فأعرض عنها إلى أن قال أحد أصحابه. يا رسول الله إن لم يكن بك حاجة إليها فزوجنيها فسأله ‏عن مهر يعطيه لها واعتذر بأنه لا يجد شيئاً. حتى قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "قد ‏ملكتكها بما معك من القرآن".‏
وإذا ورد النص بهذين اللفظين فيكون ما يفيد معناهما مثلهما فلا وجه لمنع الزواج بهذه ‏الألفاظ.‏
وذهب المالكية إلى التوسط بين المذهبين فأجازوا التزويج بلفظ الهبة إذا ذكر معها ‏الصداق. كأن يقول طالب الزواج: هب لي ابنتك بمهر كذا، أو يقول ولي المرأة: وهبت لك ابنتي ‏بمهر كذا، ويقول الآخر: قبلت.‏
قد يقال: إن الحديث روي برواية أخرى بلفظ زوجتكها فتكون تلك الرواية بالمعنى وهي ‏لا تثبت مدعاكم.‏
والجواب: إن الراوي الذي رواها لو لم يكن يعلم أن لفظ "التمليك" ينعقد به النكاح شرعاً ‏ما جاز له التعبير به عن التزويج. والله أعلم.‏
ويرى بعض فقهاء المالكية أنه يصح بألفاظ أخرى من كل ما يدل على البقاء مدة الحياة ‏كتصدقت ومنحت وبعت وملكت وأعطيت.‏
‏ ‏
‏- هل يشترط في صيغة الزواج أن تكون باللغة العربية؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه ليس بشرط فينعقد بهذه الألفاظ بأي لغة كانت عربية، أو ‏غير عربية سواء كان العاقدان قادرين على العربية أو عاجزين عنها، لأن المقصود هو التعبير ‏الواضح عن إرادة العاقدين. وهو يصح بأي لغة.‏
وذهب الشافعية في قول إلى أنه شرط فلا يجوز للقادر على العربية أن يعقده بغيرها. ‏لأن الزواج فيه ناحية تعبّد فأشبه الصلاة فكما أنها لا تصح بغير العربية للقادر عليها فكذلك ‏الزواج، ولأنه لم يشرع إلا بلفظين ورد بهما القرآن فترك العربية إلى غيرها ترك المشروع إلى ‏غيره فلا يصح، أما العاجز عنها فقد قام العذر في جانبه وصار كالأخرس.‏
وإذا كان أحد العاقدين يحسن العربية والآخر لا يحسنها. فمن جوز للقادر على العربية ‏التعبير بغيرها يجوز هنا لهما التعبير بغير العربية، ومن منع يقول: إن من يحسن العربية يعبر ‏بها لقدرته عليها ومن لا يحسنها يعبر بلغته لقيام العذر في جانبه فسقط عنه كالأخرس.‏
ثم يشترك في الشهود عند ذلك معرفة لغتيهما، فان كان كل منهما يجهل لغة الآخر ترجم ‏بينهما مترجم يعرف لغتهما.‏
وبعد ذلك لا يشترط في اللغة التي ينعقد بها الزواج أن تكون هي الفصحى، بل يصح بها ‏وبغيرها كالعامية فيصح أن يقول جوزني وجوزتك بدل زوجني وزوجتك.‏
‏12-‏ صيغة العقد:‏
قرر فقهاء الحنفية أن عقد الزواج يكون بلفظين ماضين أو بلفظين أحدهما ماض والآخر ‏للحال أو الاستقبال، لأن القرينة السابقة مانعة من احتمال معنى آخر غير إنشاء العقد.‏
على أن إحضار الشهود وإعداد الحفل ودعوة الناس غالباً قرينة أخرى تؤكد إرادة إنشاء ‏العقد بقوله زوجني نفسك أو أتزوجك.‏
فلو قال الرجل لولي المرأة: تزوجني ابنتك بصيغة المضارع فقال له: زوجتكها تم العقد ‏دون حاجة إلى عبارة أخرى، وكذلك لو قال بصيغة الأمر: كزوجني أختك إذا قصد بها إنشاء ‏العقد لا مجرد طلب الوعد أو تعرف رغبته ومثل ذلك لو كان الباديء المرأة أو وليها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:45 AM
المبحث الثاني ‏
انعقاد الزواج بغير الكلام



إذا كان العاقدان في مجلس واحد وكانا قادرين على الكلام فلا ينعقد الزواج بينهما إلا به، ‏فلا ينعقد بالكتابة، لأنه يشترط في صحته حضور الشهود وسماعهما كلام العاقدين عند جماهير ‏الفقهاء، وهذا لا يتيسر في الكتابة، ولأن عقد الزواج أساسه العلنية دون السرية وبالكتابة يكون ‏سراً، والرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بإعلانه فيقول: "أعلنوا هذا النكاح".‏
وإذا لم ينعقد بالكتابة فأولى ألا ينعقد في هذه الحالة بالإشارة لأنها أضعف في بيانها من ‏الكتابة.‏
وأما العاجز عن الكلام كالأخرس. فإن كان لا يحسن الكتابة ينعقد بإشارته المعروفة ‏بالاتفاق بين الفقهاء، لأنه لا سبيل له في التعبير عن إرادته إلا بها، ولا يزوجه وليه إن كان بالغاً، ‏لأن الخرس كالصمم لا يوجب الحجر عليه.‏
وإذا كان يحسن الكتابة فهل يصح عقده؟.‏
ذهب الحنفية إلى روايتين:‏
إحداهما: أنه ينعقد، لأن الأصل في العقد أن يكون بالكلام، فإذا عجز عنه طلب معرفة ‏غرضه بأي وسيلة، ويستوي في ذلك الإشارة والكتابة لأنهما يدلان على مراده.‏
وثانيهما: أنه لا ينعقد بالإشارة بل لا بد من الكتابة، لأنها أقوى بياناً من الإشارة حيث ‏يعرفها كل من يقرأ، بخلاف الإشارة فانه لا يعرفها إلا القليل، وإذا لم يتساويا اعتبر الأقوى.‏
وإذا لم يكن الطرفان في مكان واحد جاز أن يكون أحد شطري العقد بالكتابة وهو ‏الإيجاب.كأن يكتب مريد الزواج إلى الطرف الآخر كتاباً يتضمن عبارة الإيجاب. مثل زوجيني ‏نفسك أو تزوجتك، فإذا وصل الكتاب إليها قرأت الكتاب أمام شاهدين أو أخبرتهما بمضمونه. كأن ‏تقول "إن فلاناً أرسل إلي يطلب الزواج مني وأنا أشهد كما أنني قبلت زواجه، فإذا سمع الشاهدان ‏الإيجاب والقبول تم العقد، ولو سمعا قبولها فقط دون الإيجاب لا يصح العقد، لأن الشرط السماع ‏للإيجاب والقبول.‏
ومثل الكتابة في هذا إرسال الرسول الذي يبلغ إيجاب الموجب، فلو أرسل شخص رسولاً ‏لامرأة ليبلغها أنه يقول لها: تزوجتك أو زوجيني نفسك فتقول: قبلت زواجه أو زوجته نفسي تَمَّ ‏العقد إذا كان أمام شاهدين سمعا كلام الرسول بالإيجاب وقبولها في مجلس تبليغ الرسالة.‏
ولا خلاف بين الفقهاء في أن الزواج لا ينعقد بالأفعال، كأن تقول امرأة لرجل زوجتك ‏نفسي بمائة دينار مثلاً فيدفعها إليها الرجل من غير أن يتكلم، أو قام وسلم عليها مغتبطاً بما قالته ‏لم ينعقد العقد حتى ولو كان أمام شهود، لأن الإسلام رسم له طريقة يعقد بها ليست هذه منها.‏
ولأن الناس كانوا يتزوجون في عهد رسول الله وفي عهد أصحابه بل وفي جميع ‏العصور ولم يؤثر عنهم أنهم عقدوا الزواج بهذه الصورة، بخلاف العقود الأخرى فإن الكثير منها ‏كانوا يعقدونه بالأفعال "التعاطي" فليس في هذه الصورة إلا الإيجاب، والزواج لا يتحقق ‏بالإيجاب وحده.‏
وأما الإقرار بالزواج، كأن يقول الرجل هي امرأتي:‏
فذهب الحنفية إلى رأيين أحدهما: أنه لا ينعقد الزواج به، لأن الإقرار إظهار لما هو ثابت ‏وليس بإنشاء. وهذا لا يتنافى مع ما صرحوا به من أن النكاح يثبت بالتصادق، لأن الإقرار لا ‏يكون من صيغ العقد، والمراد بقولهم: إنه يثبت بالتصادق أن القاضي يثبت الزواج بالتصادق ‏ويحكم به.‏
وثانيهما: أنه ينعقد به إن كان بمحضر من الشهود ويجعل الإقرار إنشاء. كما لو قالت: ‏جعلت نفسي زوجة لك فإنه ينعقد به، وإن لم يكن بمحضر من الشهود لا ينعقد.‏
والحق انه تفصيل في المذهب فان الأول محمول على ما إذا قصدا مجرد الإخبار عن ‏حصول عقد الزوجية بينهما في الماضي ولم يكن بينهما عقد أو كان العقد بغير شهود، والثاني ‏على ما إذا قصدا بالإخبار إنشاء العقد فينعقد في الحال.‏
عقد الزواج بالهاتف:‏
ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن الزواج لا ينعقد بواسطة "الهاتف" لأنه يشترط ‏لصحته حضور شاهدين يسمعان كلام العاقدين ويفهمان المراد منه إجمالا عند جماهير الفقهاء.‏
وحضور الشهود وسماعهم ممكن في حال اجتماع العاقدين في مكان واحد وفي حالة ‏إرسال الرسول أو الكتاب لأن السماع ممكن فيها.‏
أما في التكلم في الهاتف فان الشاهدين يسمعان كلام أحد العاقدين فقط وسماعهما الإيجاب ‏وحده أو القبول وحده غير كاف في صحة العقد، وكذلك لو شهد اثنان على كلام أحدهما وآخران ‏على كلام الآخر لأن الشهادة لم توجد على العقد. وأما عند من لم يشترط الشهادة فيمكن أن يقال ‏إنه ينعقد متى تأكد كل من الطرفين من شخصية الآخر ووضوح عبارته والتأكد من ذلك عسير ‏لاشتباه الأصوات وإمكان تقليدها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:46 AM
الفَصْل الثّاني
في شروط عقد الزواج

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:48 AM
المبحث الأول ‏
‏14-‏ شروط الانعقاد:



يشترط لانعقاد الزواج شروط. منها ما يرجع إلى العاقد، ومنها ما يرجع إلى الصيغة، ‏ومنها ما يرجع إلى محل العقد.‏
أ- فأما ما يرجع إلى العاقد فشرطان:‏
أولهما: أن يكون كل من العاقدين أهلاً لمباشرة العقد بأن يكون مميزاً. سواء كان كامل ‏الأهلية كالبالغ الرشيد أو ناقصها كالصبي المميز، غير أن كامل الأهلية عقده نافذ، وناقصها عقده ‏موقوف.‏
فان كان أحد العاقدين فاقد التميز كالمجنون والصبي غير المميز فلا ينعقد الزواج، لأن ‏فاقد التميز لا إرادة له، ومتى انعدمت الإرادة انعدم العقد.‏
وثانيهما: أن يعلم كل من العاقدين ما صدر من الآخر. بأن يسمع كلامه أو يرى إشارته ‏ويعرف مراده منها. بأن يعرف أن هذه العبارة أو تلك الإشارة يقصد بها إنشاء العقد وإن لم ‏يعرف معاني الكلمات اللغوية.‏
فلو لقنت امرأة غير عربية لفظ زوجتك نفسي فقالتها للرجل الذي يطلب زواجها وهي ‏تعرف أن هذه الكلمة تقال لإنشاء عقد زواج انعقد العقد وإن لم تكن تعرف معناها اللغوي.‏
بـ- وأما ما يرجع إلى الصيغة "الإيجاب والقبول":‏
فأولاً: اتحاد مجلس الإيجاب والقبول. ومعنى الاتحاد هنا ألا يصدر من العاقدين أو ‏أحدهما ما يلغي الإيجاب بعد صدوره. كأن يرجع الموجب عن إيجابه قبل القبول، أو يعرض ‏الطرف الآخر فلا يجد ذلك القبول إيجاباً يرتبط به. فلا ينعقد العقد، لأن المكان وإن كان واحداً إلا ‏أن وجود الفاصل بين الإيجاب والقبول بالعمل الأجنبي منع الاتحاد حكماً.‏
هذا ومجلس عقد الزواج بالنسبة للتعاقد بطريق الرسالة أو الكتاب هو مجلس تبليغ ‏الرسالة أو قراءة الكتاب أمام الشهود، فلو بلغ الرسول الرسالة إلى المرأة ثم اشتغلت بشيء آخر ‏ثم قبلت فلا ينعقد العقد، وكذلك لو قبلت في مجلس آخر لعدم اتحاد المجلس فيهما.‏
ولا يلزم من اشتراط اتحاد المجلس أن يكون القبول فور الإيجاب، لأن المراد كما قلنا . ‏ألا يوجد منهما أو من أحدهما ما يلغيه، فلو صدر الإيجاب وطال الوقت والمجلس قائم ولم يوجد ‏رجوع من الموجب، ولا اشتغال بشيء آخر ممن وجه إليه الإيجاب ثم صدر القبول انعقد العقد.‏
هذا إذا كان العقد بين حاضرين، فان كان بين غير حاضرين بكتاب مكتوب أو برسالة ‏رسول فالقبول مقيد بمجلس تبليغ الرسالة أو قراءة الكتاب لأنه هو مجلس العقد في هذه الصورة ‏كما قلنا.‏
وثانياً: أن يوافق القبول الإيجاب حتى يتلاقيا على شيء واحد، ويتحقق اتفاق الإرادتين، ‏فإذا تخالفا مخالفة كلية أو جزئية لا ينعقد الزواج إلا في حالة ما إذا كانت المخالفة إلى خير ‏للموجب فإنه ينعقد، لأنه التوافق موجود وإن لم يكن صريحاً، وتفصيل ذلك:‏
أن المخالفة إما أن تكون في محل العقد أو في مقدار المهر.‏
فإذا كانت في المحل. مثل أن يقول الراغب في الزواج: زوجني ابنتك عائشة فيرد عليه ‏بقوله: زوجتك ابنتي فاطمة، وفي هذه الصورة لا ينعقد العقد.‏
وإن كانت في مقدار المهر بأن يقبل بأقل أو أكثر مما أوجبه الموجب فلا يخلو. إما أن ‏تكون المخالفة فيها خير للموجب أو ليس فيها ذلك.‏
فان كانت ضارة مثل أن يقول الراغب في الزواج: زوجني ابنتك فلانة بمائة فيقول ‏الآخر: زوجتكها بمائتين.‏
وفي هذه الحالة لا ينعقد العقد، لأن الإيجاب والقبول تخالفا في المهر، وهو وإن لم يكن ‏ركناً في العقد إلا أنه عند ذكره بمقداره مع الإيجاب يلتحق به ويصير كجزء منه فيجب أن يكون ‏القبول موافقاً لهذا المجموع.‏
وإن كانت المخالفة فيها خير للموجب مثل أن يقول الراغب في الزواج: زوجني أختك ‏فلانة بألف ليرة، فيقول الآخر: زوجتكها بخمسمائة، أو يقول ولي المرأة: زوجتك أختي بألف ‏ليرة، فيقول الآخر قبلت زواجها بألفين.‏
ففي هذه الحالة ينعقد العقد، لأن المخالفة هنا فيها موافقة ضمنية لإيجاب الموجب، ‏والإرادتان متوافقتان، فإن من يلزم نفسه بالأكثر يقبل بالأقل، ومن يقبل أن يزوج بنته أو أخته ‏بالقليل لا يمانع في زواجها بالكثير.‏
غاية الأمر أن الزيادة في المهر من قبل الزوج لا تستحقها الزوجة إلا إذا قبلتها، فلو لم ‏تقبلها صراحة في المجلس لا يجوز لها بعد ذلك أن تطالب بها، لأن التمليك لا يكون بدون قبول ‏إلا في الميراث بجعل الشارع، أما النقصان من جانب الزوجة فلا يشترط فيه قبول الزوج، لأنه ‏إسقاط وحط عنه وهو لا يحتاج إلى قبول.‏
وثالثاً: أن تكون الصيغة منجزة. بأن تكون مفيدة لمعناها في الحال غير معلقة على أمر ‏سيحدث في المستقبل.‏
أو مضافة إلى زمن مستقبل. كأن يقول الرجل للمرأة : تزوجتك فتقول قبلت فلا خلاف ‏بين الفقهاء في ذلك.‏
فإن علقه كأن يقول: تزوجتك إن قدم فلان من سفره وقَبِلَت، أو قال لها: تزوجتك في أول ‏العام القادم وتقول قبلت فلا ينعقد العقد. لأن الزواج من التمليكات وهي لا تقبل التعليق ولا ‏الإضافة، لأن الشارع وضعه ليفيد حكمه في الحال بدون تأخير فتعلقيه على أمر سيحدث في ‏المستقبل يخرجه عما وضعه الشارع له ويجعله محلاً للمقامرة واحتمال حصول آثاره أو عدم ‏حصولها، وإضافته تعطيل لعمله في فترة الزمن ما بين صدور الصيغة إلى مجيء الوقت ‏المضاف إليه.‏
فكان كل منهما منافياً لوضعه الشرعي فيبطل العقد معهما. ‏
جـ- أما ما يرجع إلى المحل وهو المرأة المعقود عليها فيشترط فيها:‏
أولاً: أن تكون أنثى محققةالأنوثة، فلو عقد على غير الأنثى كالخنثى المشكل لا ينعقد ‏العقد لعدم المحلية ويكون باطلاً، فإن زال الإشكال بأن غلبت فيه علامات النساء جاز العقد.‏
ثانياً: ألا تكون المرأة محرمة عليه تحريماً قطعياً لا شبهة فيه. لا يختلف في حرمتها ‏سواء كان التحريم مؤبداً كالأم والبنت والأخت وباقي المحرمات، أو مؤقتاً كزوجة الغير ‏والمسلمة بالنسبة لغير المسلم، والوثنية بالنسبة للمسلم وهو ما يعبر عنه بكون المرأة محلاً أصلياً ‏للزواج.‏
فإن عقد على واحدة من هؤلاء كان العقد باطلاً، لأن هذه المرأة ليست محلاً أصلاً ‏للزواج فيكون العقد خالياً من المحل والعقد لا يوجد بدون محله.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:49 AM
المبحث الثاني ‏
شروط صحة الزواج



معنى صحة الزواج أن يكون العقد صالحاً لترتب الآثار الشرعية عليه، ولكي يكون ‏الزواج صحيحاً بعد انعقاده لابد أن تتوافر فيه الشروط الآتية:‏
أولاً: ألا تكون المرأة محرمة على الرجل الذي يريد التزويج بها تحريماً ظنياً بأن كانت ‏حرمتها ثابتة بدليل ظني أو مما يخفى تحريمها للاشتباه في أمره،كتزويج المرأة على عمتها أو ‏خالتها فإنه ثابت بدليل ظني، وتزوج المعتدة من طلاق بائن، وتزوج أخت زوجته التي طلقها في ‏أثناء عدتها لخفاء كل منهما والاشتباه فيه.‏
فهذا الزواج يكون منعقداً، لأن المرأة محل للزواج في الجملة حيث يرى بعض الفقهاء ‏صحته لكنه يكون فاسداً لعدم صلاحيته في ذاته لترتب الآثار عليه، وما يترتب عليه من بعض ‏الآثار جاء نتيجة الدخول بتلك المرأة بعد العقد. فإن وقع العقد وجب التفريق بينهما إن لم يتفرقا ‏باختيارهما، ولا يجب به شيء إن وقع التفريق قبل الدخول، فان أعقبه دخول ترتب عليه بعض ‏الآثار من وجوب المهر والعدة وثبوت النسب إن أثمر هذا الزواج.‏
وبهذا يعلم أن الزواج بالمرأة المحرمة يختلف حكمه باختلاف نوع التحريم. فإن كان ‏قطعياً متفقاً عليه جعل العقد باطلاً، وكان انتفاء هذه الحرمة شرطاً لانعقاد العقد.‏
وإن كان ظنياً أو مختلفاً فيه كان للعقد وجود، غير أنه لا يصلح في ذاته لترتب الآثار ‏عليه، فان أعقبه دخول ترتب على هذا الدخول بعض آثار الزواج لوجود العقد صورة. وكان ‏انتفاء هذه الحرمة شرطاً لصحة العقد بحيث إذا تخلف هذا الشرط كان العقد فاسداً.‏
وهذه التفرقة مبنية على التفرقة بين الباطل والفاسد في الزواج كما يرى أهل التحقيق من ‏فقهاء الحنفية. وهي التي تتفق مع اختلاف صور الزواج غير الصحيح كما أشرنا إلى ذلك من ‏قبل.‏
وأما من لا يفرق بين الزواج الباطل والفاسد فقد سوى بين المحرمات كلها وجعل انتفاء ‏المحرمية شرطاً لصحة العقد سواء كانت قطعية أو ظنية مختلفاً فيها أو مما يخفى أمرها للاشتباه ‏فيها.‏
ثانياً: أن يتولى العقد ولي المرأة.‏
وهذا عند من لا يصحح الزواج بعبارة النساء وهم جمهور الفقهاء.‏
أما عند من يصحح الزواج بعبارتها وهم الحنفية فلا يشترطون هذا الشرط، لأن للمرأة ‏البالغة الرشيدة أن تزوج نفسها عندهم.‏
أما غير البالغة الرشيدة كالصغيرة والمجنونة فلا بد من الولي عندهم لا لصحة العقد
فقط بل لوجود أيضاً، لأن عبارتهما ملغاة لا اعتبار لها.‏
ثالثاً: أن يكون العقد أمام شهود، وهذا الشرط غير متفق عليه بين الفقهاء بل اختلفوا في ‏أصل اشتراطه كما اختلف القائلون به فيما تصح به الشهادة.‏
فالكلام عليه في موضعين: الأول في أصل الاشتراط، والثاني فيما يعتبر في الشهود عند ‏الشارطين.‏
أما الأول فقد اختلف الفقهاء فيه على قولين:‏
فذهب جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة، إلى أن الشهادة شرط لازم في عقد الزواج ‏لا يعتبر صحيحاً بدونها، لأنه وان وردت النصوص به مطلقة في القرآن إلا أن السنة قيدت هذا ‏الأطلاق.‏
فقد روى الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " البغايا اللاتي ‏ينكحن أنفسهن بغير بينة".‏
وروى الإمام أحمد عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح ‏إلا بولي وشاهدي عدل".‏
كما روى الدارقطني عن عائشة قالت قال رسول الله: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل".‏
فهذا الرويات يقوى بعضها بعضاً وقد اشتهرت فتصلح لتخصيص العام في القرآن ‏‏{فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء: 3] وتقييد المطلق فيه: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}.‏
وقد روى ذلك عن جميع من الصحابة منهم عمر وعلي وابن عباس وغيرهم.‏
وقد روى مالك في الموطأ عن أبي الزبير المكي أن عمر بن الخطاب أتى بنكاح لم يشهد ‏عليه إلا رجل وامرأة فقال:" هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت".‏
غير أنهم مع اتفاقهم على أن الزواج بدون شهود غير صحيح اختلفوا في وقت الشهادة: ‏فذهب المالكية إلى أنه لا يلزم أن تكون الشهادة وقت العقد وإن كان ذلك مستحباً.‏
فلو دخل قبل أن يشهد كان عاصياً ويفرق بينهما، فالإشهاد شرط تمام.‏
وذهب الأئمة الثلاثة -أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل- إلى أن الأشهاد واجب وقت العقد، ‏لأن الحديث نفى الزواج بغير شهود، والنفي مسلط هنا على الصحة، فإذا وجد العقد بدون شهود ‏كان غير صحيح.‏
وبهذا يكون العقد بحضرة الشهود صحيحاً بالاتفاق، ولكن لو أوصى الزوج الشهود ‏بالكتمان وعدم الإعلان هل يؤثر ذلك في العقد ويبطله أو لا؟.‏
ذهب المالكية إلى أنه يبطل العقد، لأنه يصير نكاح سر وهو باطل لأن المطلوب فيه ‏الإعلان كما حض عليه رسول الله بقوله: " أعلنوا النكاح واضربوا عليه الدفوف".‏
وذهب غيرهم من الحنفية والشافعية إلى أن هذا لا يؤثر في العقد ولا يجعله سراً، وكيف ‏يكون سراً وقد حضره أربعة وهم العاقدان والشاهدان.‏
وأما الموضع الثاني: فقد اشترط القائلون بوجوب الإشهاد في الشهود شروطاً اتفقوا في ‏بعضها واختلفوا في بعضها الآخر.‏
وأهم هذه الشروط. العقل والبلوغ والحرية والإسلام إذا كان الزوجان مسلمين، والتعدد، ‏وسماع كل شاهد كلام العاقدين مع فهم المقصود منه إجمالاً.‏
أما اشتراط العقل: والبلوغ والحرية فلأن الشهادة فيها معنى الولاية، لأنها تلزم المشهود ‏عليه بالمشهود به حيث ينبني عليها القضاء الملزم، ولولا الشهادة ما كان قضاء ولا إلزام، وليس ‏لغير الأحرار البالغين العقلاء ولاية حتى على أنفسهم، فكيف تثبت لهم ولاية على غيرهم؟.‏
ومن ناحية أخرى أن المقصود من حضور الشهود إظهار خطر هذا العقد بإعلانه ‏وتكريمه، وبحضور غير هؤلاء لا يتحقق شيء من ذلك، بل يكون عقده بحضور غيرهم استهانة ‏به.‏
وعلى هذا لا يصح العقد بحضور الصغار ولو كانوا مميزين والمجانين والعبيد.‏
وأما اشتراط الإسلام فيما إذا كان الزوجان مسلمين، فلما في الشهادة من معنى الولاية ‏على المشهود عليه كما قلنا ولا ولاية لغير المسلم لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ‏الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141].‏
ولأن من أغراض الشهادة على هذا العقد إعلانه وتكريمه، وشهادة غير المسلمين على ‏زواج المسلمين لا تكريم فيها، ولا يتحقق بها إشارة بين المسلمين.‏
ولأن لهذا العقد اعتباراً دينياً فلابد من أن يشهده من يدين بدين الزوجين. ‏
وهذا الشرط في زواج المسلمين لم يخالف فيه أحد من الفقهاء الشارطين للشهادة.‏
ولكنهم اختلفوا فيما إذا كان الزوج مسلماً والزوجة كتابية:‏
فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يشترط إسلام الشهود، فيصح أن يشهد عليه كتابيان سواء اتفقا ‏معها في دينها أو اختلفا معها فيه.‏
وذهب الأئمة الثلاثة -المالكية والشافعية والحنبلية- إلى أنه يشترط الإسلام، لأن الشهادة ‏على العقد الصادر من جانب الرجل المسلم والزوجة غير المسلمة، فلو جوزنا هذه الشهادة للزم ‏أن تكون شهادة غير المسلم على المسلم فيقع المحظور السابق وهو جعل لغير المسلم نوع ولاية ‏على المسلم وهو ممنوع شرعاً.‏
مع أن هذه الشهادة وإن تحقق بها إشهار الزواج بين غير المسلمين فلا يتحقق بها إشهاره ‏بين المسلمين، وليس فيها تكريم لهذا العقد الذي أحد طرفيه مسلم.‏
وأما اشتراط التعدد فلأن الأصل في الشهادة المثبته أن تكون من رجلين أو رجل ‏وامرأتين لقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ‏مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282]. فهذه الآية ‏رسمت لنا طريق الشهادة وجعلت شهادة المرأتين مساوية لشهادة الرجل وبينت العلة في ذلك.‏
ذهب الحنفية إلى أن الشهادة في النكاح لا تكون إلا من رجلين أو رجل وامرأتين.‏
لأن الأصل في الشهود أن يكونوا من الرجال ولا تقبل شهادة النساء وحدهن في غير ‏المواضع المستثناه، وهي التي لا يطلع عليها الرجال، فلا تكفي شهادة النساء منفردات في ‏الزواج، لأن من أغراض حضور الشهود إعلان الزواج وهو لا يتحقق بوجودهن، لأنه يغلب ‏عليهن - إذا كن مسلمات متأدبات بأدب الإسلام - الاستتار وعدم حضور مجالس الرجال، فإذا ‏وجد معهن رجل تحقق الإعلان بين الرجال والنساء.‏
وهناك بعض الصور يظهر فيها صحة الزواج بشاهد واحد، مثل ما إذا وكلت المرأة ‏رجلاً ليزوجها بحضورها وحضور شاهد واحد فإنه يصح، كما يصح في صورة ما إذا وكل ولي ‏الزوجة وكيلاً لمباشرة العقد بحضوره وحضور شاهد واحد أيضاً.‏
والحقيقة أنهما شاهدان، لأن في الصورة الأولى اعتبرت المرأة هي المباشرة للعقد ‏والوكيل سفير ومعبر عنها، وفي الصورة الثانية يعتبر المباشر للعقد شاهداً بالاعتبار السابق.‏
لكن يشترط في كل من الصورتين أن تكون المرأة بالغة ليمكن اعتبارها مباشرة للعقد في ‏الصورتين وليصح توكيلها في الصورة الثانية، لأن القاعدة المقررة: أن الأصيل في العقد إذا كان ‏حاضراً في المجلس يمكنه أن يباشر العقد بنفسه اعتبر هو العاقد حكماً ويعتبر الولي أو الوكيل ‏شاهداً.‏
أما إذا كانت صغيرة وزوَّجها أبوها بحضرة رجل واحد فإنه لا يصح لأنه لا يمكن ‏اعتبارها عاقدة لم يكن ثمة إلا شاهد واحد.‏
أما اشتراط سماع الشهود كلام العاقدين مع فهمهما المراد منه إجمالاً وإن لم يفهما ‏معاني المفردات، لأن إعلان العقد لا يتحقق بدون السماع والفهم، فإذا عقدا بحضور من لا يسمع ‏ولا يفهم المراد لا يصح العقد.‏
فلو كان الشاهدان أصمين أو نائمين أو سكرانين لا يعي الواحد منهما ما يسمعه ولا ‏يتذكره بعد إفاقته لا يتحقق الغرض من الشهادة بوجودها.‏
واشتراط السماع إنما يكون في العقد بالكلام، فإذا كان بالإشارة كان الشرط رؤيتها وفهم ‏المقصود منها، فلو لم ير الشهود تلك الإشارة بأن كانوا مكفوفي البصر أو رأوها ولم يفهموا ‏المراد منها لا يصح العقد.‏
وأما عدالة الشهود:‏
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى اشتراطها واستدلوا بحديث "وشاهدي عدل" ولأن ‏من أغراض الشهادة هنا إظهار شأن العقد تكريمه، ولا يحصل هذا التكريم بشهادة الفسقة لأنهم ‏ليسوا أهلاً للكرامة في أنفسهم فلا يكرم العقد بحضورهم. كما أن من أغراضها توثيق العقد ‏والتمكن من إثباته عنه إنكاره والتنازع فيه، وشهادة الفسقة لا يثبت بها الزواج أما القضاء ‏بالاتفاق.‏
غير أنهم يكتفون بالعدالة الظاهرة في الجملة، فيكفي أن يكون الشاهد مستور الحال لم ‏يظهر فسقه، لأن النكاح يكون في القرى والبادية وبين عامة الناس ممن لا يعرف حقيقة العدالة ‏فاعتبار العدالة في الواقع فيه مشقة على الناس فاكتفى بظاهر العدالة تخفيفاً عليهم.‏
فإن تبين بعد العقد أنه كان عند العقد فاسقاً لم يؤثر ذلك في العقد، لأن الشرط العدالة ‏ظاهراً وقد تحقق ذلك.‏
وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط العدالة في الشهود فيجوز شهادة غير العدول في الزواج.‏
ووجهوا رأيهم بأن الفاسق له أهلية لإنشاء عقد الزواج لنفسه ولغيره بالولاية أو الوكالة ‏بلا نزاع، فيكون أهلاً لأن يعقد الزواج بحضوره من باب فيصلح شاهداً فيه، وكونه لا تقبل ‏شهادته لا يطعن في صحة تحمله لها لجواز أن يتحملها وهو فاسق ثم يزول عنه الفسق فتقبل ‏شهادته. ومن هنا وضعوا ضابطاً لمن تقبل شهادته في الزواج فقالوا: كل من صلح أن يكون ولياً ‏في الزواج بولاية نفسه يصلح شاهداً فيه وإلا فلا.‏
لأن الغرض من الشهادة على العقد ليس قاصراً على أدائها عند التنازع، بل من ‏أغراضها إظهار العقد وإشهاره بين الناس وهذا يتحقق بشهادة غير العدل.‏
وأما الحديث الذي استدل به، فالمقصود منه مجرد الإرشاد إلى ما هو أفضل.‏
ولما كانت الشهادة في الزواج عند الحنفية ليس مقصودة لإثباته عند إنكاره والاختلاف ‏فيه بل لإشهاره وإخراجه من السرية إلى العلنية صححوه بحضور من لا تقبل شهادتهم من فروع ‏العاقدين أو أصولهما وإن كانوا يمنعون هذا الشهادة في غير هذا الموضع.‏
فيجوز أن يتزوج الرجل بشهادة ابنيه من غير الزوجة المعقود عليها أو بشهادة أبيها من ‏غيره، كما يجوز أن يتزوجها بشهادة ابنية منها على ما هو المعتمد في المذهب.‏
والسبب في ذلك: أن هذا الموضع لا تهمة فيه ولا شبهة، بخلاف غيره فإن الشبهة قائمة ‏والتهمة موجودة، لأن المقصود بها إثبات الحقوق.‏
ولذلك قالوا: إن شهادة هؤلاء وإن كان ينعقد بها النكاح إلا أنه لا يثبت بها عند الإنكار ‏فشهادتهم تنفع في حل الزوجة ديانة لا قضاء.‏
فالزواج له حالتان حالة الانعقاد ويصح فيها شهادة الأعمى والفاسق والابن والأب، ‏وحالة الإثبات عن الإنكار وهذه لا تصح شهادتهم فيها، بل يشترط في الشاهد على إثبات الزواج ‏ما يشترط في غيره من العدالة وعدم التهمة.‏
ومن هنا قالوا: إذا كانت شهادة الابن عند اختلاف الزوجين على أحد أبويه تقبل لعدم ‏التهمة وان كانت له لا تقبل لوجود التهمة.‏
رابعاً: أن تكون الصيغة من الإيجاب والقبول مؤبدة غير مؤقتة بمدة فإن صحبها توقيت ‏كان العقد فاسداً عينت المدة أو لم تعين كانت المدة قصيرة أو طويلة. فلو قال رجل لامرأة: ‏تزوجتك مدة عام مثلاً وقبلت الزوجة، أو قال لها: زوجيني نفسك مدة عشر سنوات أو فترة من ‏الزمن إقامتي في هذا البلد وقبلت كان العقد فاسداً. لأن العقد بهذه الصورة يكشف عن الغرض ‏المقصود منه وهو مجرد الاستمتاع المؤقت، والزواج لم يشرع لهذا الغرض بل شرع للاستقرار ‏والسكن وتكوين الأسرة. وهذا لا يكون مع التوقيت وهو متفق على عدم صحته.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:51 AM
المبحث الثالث
شروط النفاذ




معنى نفاذ العقد: أن تترتب عليه آثاره الشرعية، فالعقد إذا كان مستوفياً لأركانه وشروط ‏صحته لا تترتب عليه آثاره بالفعل إلا بشروط تسمى في عرف الفقهاء بشروط النفاذ. ويجمعها أن ‏يكون لكل من العاقدين الحق في إنشاء عقد الزواج، ويتحقق ذلك بكمال أهليتهما مع وجود صفة ‏شرعية تجيز لهما إنشاء هذا العقد. وكمال الأهلية بالحرية والبلوغ والعقل، والصفة هي الأصالة ‏أو الولاية أو الوكالة.‏
وعلى هذا إذا تولاه الزوجان مع كمال أهليتهما نفذ العقد وترتبت عليه آثاره عند من ‏يصحح الزواج بعبارة النساء وهم الحنفية.‏
وإذا كان أحدهما ناقص الأهلية كالصغير المميز والمعتوه انعقد صحيحاً موقوفاً على ‏إجازة من له الإجازة، لأن وجود أصل الأهلية يجعله منعقداً صحيحاً ونقصانها يجعله موقوفاً ‏على الإجازة ليمكن تلافي الضرر المحتمل من هذا العقد، أما إذا كان أحدهما فاقد الأهلية ‏كالمجنون والصغير غير المميز فان العقد يكون باطلاً كما قدمنا.‏
وإذا تولاه غيرهما ممن كملت أهليتهم فإن كان ولياً أو وكيلاً نفذ العقد.‏
وإن كان مجرداً من هذه الصفة انعقد موقوفاً على الإجازة، لأن وجود الأهلية الكاملة ‏يجعله منعقداً صحيحاً، وعدم الصفة المخولة لإنشاء العقد يجعله موقوفاً على الإجازة. ويسمى ‏ذلك الشخص في عرف الفقهاء بالفضولي. ومثل الفضولي في هذا الوكيل إذا خالف مقتضى ‏الوكالة. كأن يوكله في زواج امرأة معينة أو بمهر معين فيزوجه غيرها أو بمهر أكثر. فإن العقد ‏يكون موقوفاً على إجازة الموكل. ‏
وكذلك الولي البعيد إذا عقد الزواج مع وجود الولي القريب الكامل الأهلية، فإن عقده ‏يكون موقوفاً على إجازة القريب.‏
وإذا زوج السفيه أو من عنده غفلة نفسه صح العقد ونفذ ولو كان محجوراً عليه، لأن عقد ‏الزواج تصرف شخصي لا يرد عليه الحجر، وإنما الحجر على التصرفات المالية.‏
ولهذا لو تزوج امرأة بأكثر من مهر مثلها ثبت لها مهر المثل فقط، ولو كان السفه في ‏جانبها ورضيت الزواج بالأقل ثبت لها مهر المثل، وإن سمي لها أكثر صحت التسمية إذا لم يكن ‏سفيهاً وإلا فيقتصر على مقداره.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:52 AM
المبحث الرابع
في شروط اللزوم




معنى لزوم العقد: ألا يكون لأحد الزوجين أو لغيرهما ممن يتعدى إليه ضرر العقد حتى ‏فسخه بعد تمامه، وعلى هذا يكون المراد بشروط اللزوم هي الشروط التي إذا تحققت كلها لم يكن ‏لأحد الحق في فسخ العقد، فإن تخلفت تلك الشروط أو بعضها كان العقد غير لازم يجوز فسخه إذا ‏طلب ذلك صاحب الشأن.‏
والأصل في عقد الزواج أن يكون لازماً لأنه شرع لمقاصد لا توجد إلا مع لزومه، ولذلك ‏لا يصح فيه خيار الشرط ولا خيار الرؤية كما في البيع عند كثير من الفقهاء.‏
غير أن هذا اللزوم لا يكون إلا إذا توفر الرضا الكامل من الجانبين، فإذا وجد فيه ما ‏ينقضه عند أحدهما ثبت له خيار الفسخ ويكون العقد غير لازم.‏
وعلى هذا يشترط للزوم عقد الزواج إجمالاً: أن يكون خالياً مما يوجب الفسخ.‏
ولما كان الموجب للفسخ يختلف باختلاف متولي العقد كان لابد من تفصيل ذلك الشرط ‏المجمل إلى الشروط الآتية:‏
أولاً: أن يكون الزوج كفئاً للزوجة إذا زوجت نفسها وهي كاملة الأهلية، أي بالغة عاقلة ‏رشيدة.‏
فإن لم يكن كفئاً لم يكن العقد لازماً إذا كان لها ولي عاصب(1) ولم يرض بهذا الزواج، ‏فله حق الاعتراض وطلب الفسخ، لأن الكفاءة حق مشترك بين الزوجة وأوليائها، فإذا أسقطت ‏حقها بقي حق الأولياء. لكن هذا الحق ثابت ما لم يسكت حتى تلد أو تحبل حبلاً ظاهراً، فإن حدث ‏ذلك سقط حق الاعتراض، لأن حق الولد هنا في المحافظة عليه وتربيته أقوى من حق الأولياء ‏في الاعتراض.‏
ثانياً: ألا يقل مهرها عن مهر أمثالها من قوم أبيها إذا زوجت نفسها ولو كان الزوج كفئاً ‏لها، فلو زوجت نفسها من كفء بأقل من مهر مثلها ولها ولي عاصب لم يرض بهذا الزواج كان ‏العقد غير لازم، وللولي حق الاعتراض وطلب الفسخ، لأن الأولياء - كما يجري به العرف بين ‏الناس - يفتخرون بكثرة المهور ويتعيرون بنقصانها.‏
وهذا الحق ثابت ما لم يقبل الزوج زيادة المهر إلى مهر المثل أو تلد المرأة أو تحبل حبلاً ‏ظاهراً، فإن حصل شيء من ذلك سقط حق الاعتراض عند أبي حنيفة.‏
ولو رضي أحد الأولياء دون الآخر بزواج غير الكفء أو بأقل من مهر المثل سقط حق ‏الباقي في طلب الفسخ ولزم العقد على القول الراجح في مذهب الحنفية.‏
وإنما سقط حق الاعتراض في هذه الحالة لأنه ثبت بسبب مشترك لا يتجزأ وهو القرابة ‏فلا يقبل التجزئ وإسقاط بعض ما لا يتجزأ إسقاط الكل.‏
ثالثاً: أن يكون المزوج لفاقد الأهلية أو ناقصها كالمجنون والمعتوه والصغير والصغيرة ‏الأب أو الجد المعروفين بحسن التصرف والاختيار.‏
فلو زوج الأب أو الجد واحداً من هؤلاء كان العقد لازماً، ولو كان الزواج من غير كفء ‏أو بأقل من مهر المثل. حتى لو بلغ الصغير أو أفاق المجنون وعقل لا يكون لهما الحق في ‏الفسخ، لأن الشأن في الأب والجد المعروفين بحسن التصرف والاختيار أن يعملا على مصلحة ‏من في ولايتهما، فإذا تساهلا وزوجا بغير الكفء أو بأقل من مهر المثل لا يكون ذلك إلا لمصلحة ‏تفوق الكفاءة والمهر.‏
ومثلهما في ذلك ما إذا زوج الابن أمه التي سلب عقلها بغير كفء أو بأقل من مهر المثل ‏فإن العقد يلزم وليس لها حق طلب الفسخ إذا ما عقلت.‏
‏(1) الولي العاصب هو القريب للمرأة قرابة لا تتوسط فيها الأنثى وحدها كالأب والجد لأب وان ‏علا والابن والأخ الشقيق أو لأب والعم الشقيق أو لأب وهكذا. فان لم يكن لها ولي عاصب وقع ‏عقدها لازماً.‏
أما إذا كان الأب أو الجد معروفاً بسوء التصرف فان عقدهما يكون غير لازم ويثبت حق ‏الفسخ عند البلوغ إن كان المزوج صغيراً ويسمى خيار البلوغ أو عند الإفاقة إن كان مجنوناً أو ‏معتوهاً ويسمى خيار الأفاقة.‏
وكذلك إذا زوج واحداً من هؤلاء غير الأب والجد، كالأخ والعم وابن العم فان العقد لا ‏يكون لازماً حتى ولو كان الزوج بالكفء وبمهر المثل، لأن شفقة هؤلاء وحرصهم على مصلحة ‏من في ولايتهم لا تبلغ درجة الكمال فلا تساوي شفقة الأب والجد، فلاحتمال ألا يكون في هذا ‏الزواج مصلحة ثبت حق الفسخ لهؤلاء.‏
رابعاً: ألا يكون الزوج قد غرر في أمور تتعلق بكفاءته، كأن يدعي نسباً معيناً تم الزواج ‏على أساسه ثم ظهر كذبه كان العقد غير لازم بالنسبة إلى طرف الزوجة فلها أو لوليها حق طلب ‏الفسخ.‏
أما تغرير المرأة بالرجل فلا يمنع لزوم العقد، لأن الرجل يملك الطلاق فله أن يطلق إذا ‏ما ظهر له تغريرها ولا حاجة به إلى طلب الفسخ.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:53 AM
الفَصْلُ الثَّالِث
في طرق إثبات الزواج وتزويج الصغار‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:54 AM
المبحث الأول
طرق إثبات الزواج




يثبت الزواج شرعاً بإحدى طرق ثلاث: الإقرار والبينة والنكول عن اليمين أي الامتناع ‏عنه.‏
فإذا ادعى أحد الزوجين الزواج أو أمراً يتعلق به كالمهر والنفقة مثلاً فإن أقر الطرف ‏الآخر ثبت، لأن الإقرار حجة على المقر، ويكون الثبوت بتصادقهما عليه، فيكون تقريراً للواقع ‏وإثباتاً لزوجية سابقة لا إنشاء لعقد الزواج وقت الإقرار، وإلا لاحتاج الأمر إلى إشهاد عليه ولم ‏يقل أحد من الفقهاء ذلك.‏
وإن لم يقرَّ طولب المدعي بالبينة، فان أتى بشهود يشهدون على دعواه ثبت العقد، فإن ‏عجز المدعي عن إقامة البينة وجهت اليمين إلى الطرف الآخر المنكر، فإن حلف على أن هذه ‏الدعوى غير صحيحة، رفضت الدعوى، وليس معنى رفضها أنها لا تسمع بعد ذلك، بل يصح ‏تجديدها إذا وجد المدعي شهوداً يشهدون له.‏
وذهب الحنفية إلى أنَّه إن امتنع المنكر عن اليمين قضى بثبوت الزواج، لأن النكول عن ‏اليمين.‏
وذهب الشافعية أنه إذا امتنع المنكر عن اليمين ردت على المدعي فإن حلف قضى له، ‏وإن امتنع ردت دعواه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:56 AM
المبحث الثاني
تزويج الصغار



موقف الفقهاء منه:‏
ذهب الأئمة الأربعة إلى جواز تزويج الصغار وعدم اشتراط البلوغ في صحة الزواج، ‏لأن القرآن اعتبره صحيحاً ورتب عليه بعض آثار الزواج في قوله تعالى: {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنْ ‏الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ} [ الطلاق: 4].‏
فقد جعل عدة الصغيرة التي لم تحض ثلاثة أشهر. ومعلوم أن هذه لا تكون إلا بعد زواج ‏صحيح يعقبه طلاق، ولما ثبت من فعل رسول الله وأصحابه من بعده، ولما قد يكون فيه من ‏تحقيق مصلحة في بعض الحالات، فقد يجيء الكفء يطلب زواج الصغيرة، والولي حريص على ‏مصلحة ابنته الصغيرة فيزوجها حتى لا يفوت الكفء إذا ما انتظر بلوغها حيث لا يوجد في كل ‏وقت.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:57 AM
الفَصلُ الرَّابع
في أنواع الزواج من حيث الإطلاق والتقييد في صيغته‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:58 AM
المبحث الأول
في الزواج المعلق والمضاف




أ- المعلق: التعليق هو الربط بين جملتين بأن يجعل تحقيق مضمون إحداهما موقوفاً على ‏تحقيق مضمون الأخرى بأداة من أدوات التعليق كإن وإذا.‏
والزواج المعلق: هو ما جعل تحقق الإيجاب والقبول أو أحدهما معلقاً على تحقق شيء ‏آخر كأن يقول رجل لآخر : زوجتك ابنتي إن رضي أخي فيقول الآخر قبلت، أو يقول الرجل ‏للمرأة زوجيني نفسك فتقول زوجتك نفسي إن رضي أبي.‏
ففي كل منهما تعليق على شيء آخر فيرتبط وجوده بوجوده.‏
وحكم هذا الزواج يختلف تبعاً لوجود الشيء المعلق عليه وعدمه وقت التعليق:‏
فإذا كان المعلق عليه معدوماً وقت التعليق لا ينعقد العقد سواء كان ذلك المعدوم محقق الوجود في ‏المستقبل. مثل إذا جاء الشتاء زوجتك ابنتي، أو لم يكن محقق الوجود بأن كان يحتمل وجوده ‏وعدمه مثل إن ربحت من تجارتك زوجتك، أو إن نجحت في الامتحان تزوجتك، فإن الربح ‏والنجاح لا نقطع بوجودهما وكذلك لو كان مستحيل الوجود، كما لو قال لها : زوجيني نفسك ‏فقالت : إن شربت ماء هذا البحر كله زوجتك نفسي. لأن عقد الزواج من عقود التمليكات وهي لا ‏تقبل التعليق، ولأن الشارع وضعه ليفيد حكمه في الحال بدون تأخير، فتعليقه على أمر سيحدث ‏في المستقبل يخرجه عما وضعه الشارع له ويجعله محلاً للمقامرة واحتمال حصول آثاره أو عدم ‏حصولها، فكان تعليقه منافياً لوضعه الشرعي.‏
وإن كان الشرط المعلق عليه متحقق الوجود في الحال، كأن يقول الرجل للمرأة: إن ‏نجحت في الامتحان تزوجتك وقبلت وكانت ناجحة بالفعل فإن العقد ينعقد في هذه الحالة ويكون ‏صحيحاً، لأن التعليق هنا صوري فقط وهو تنجيز في الحقيقة لأن الشرط موجود وقت العقد.‏
ومثل ذلك لو قالت: زوجتك نفسي إن رضي أبي وكان أبوها حاضراً في المجلس وقال: ‏رضيت، لأن رضاء الأب يجعل كأنه متحقق قبل العقد وقد أخبر عنه في مجلس العقد.‏

بـ- المضاف: وهو أن يضيف الموجب الصيغة إلى زمن مستقبل. كأن يقول لها زوجيني ‏نفسك في أول العام القادم فتقول قبلت.‏
وهذا لا ينعقد أصلاً لا في وقت العقد ولا في الزمن الذي أضافه إليه، لأن الزواج ‏مشروع ليفيد ملك المتعة في الحال، والإضافة إلى المستقبل مانعة من ترتيب آثاره في الحال، ‏فتكون الإضافة منافية لمقتضى العقد فيلغو، ولأن الإضافة لا تخرج عن كونها وعداً بالزواج حين ‏يجيء الوقت المذكور والوعد بالزواج ليس زواجاً.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:59 AM
المبحث الثاني
في المؤقت ‏




التوقيت: أن يقيد الصيغة بمدة من الزمن محددة أو غير محددة. طويلة كانت أو قصيرة ‏كأن يقول الرجل للمرأة: تزوجتك مدة سنة، أو مدة إقامتي في هذا البلد أو ما شابه ذلك. وهذا ‏الزواج غير صحيح. يتنافى مع مقاصد الزواج حيث لم يقصد به إلا مجرد التمتع بها في تلك ‏الفترة

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:02 PM
المبحث الثالث
في زواج المتعة




لا خلاف بين الفقهاء في أن هذا اللون من الزواج قد رخص فيه رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم في بعض أسفاره، وبعبارة أدق في بعض غزواته لأمر طارئ يدعو إليه.‏
ففي الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم وليس معنا نساء فقلنا: ألا نختصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب ‏إلى أجل ثم قرأ عبد الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] ‏الآية.‏
وروى الترمذي عن سهل بن سعد قال:" إنما رخص النبي صلى الله عليه وسلم في ‏المتعة لعزبة كانت بالناس شديدة ثم نهى عنها بعد ذلك.‏
وروى أحمد ومسلم عن سبرة الجهني أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة ‏قال: فأقمنا بها خمسة عشر فأذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء ... ثم قال فلم ‏أخرج حتى حرمها رسول الله.‏
وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم" نهى عن نكاح المتعة وعن ‏لحوم الحمر الإنسية زمن خيبر" متفق عليه.‏
فهذه الأحاديث- منها ما اقتصر على الأخبار بالترخيص، ومنها ما اقتصر على الأخبار ‏بالتحريم، ومنها ما جمع بين الأمرين الترخيص والتحريم بعده. وكلها متفقة على أن الترخيص ‏كان في حالات الغزو وليس فيها حديث واحد يفيد أنه رخص لهم فيها حالة الإقامة.‏
وهذا الحكم كان مباحاً مشروعاً في صدر الإسلام، وإنما أباحه النبي صلى الله عليه وسلم ‏لهم للسبب الذي ذكره ابن مسعود، وإنما ذلك يكون في أسفارهم ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه ‏وسلم أباحه لهم وهم في بيوتهم، ولهذا نهاهم عنه غير مرة ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة حتى ‏حرمه عليهم في آخر أيامه صلى الله عليه وسلم وذلك في حجة الوداع، وكان تحريم تأبيد لا ‏توقيت فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة إلا شيئاً ذهب إليه بعض ‏الشيعة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:03 PM
المبحث الرابع
في الزواج المقترن بشرط




المقترن بشرط: وهو ما صدرت فيه الصيغة مطلقة عن التعليق على الشرط أو الإضافة ‏إلى المستقبل أو التقييد بوقت لكنها مقترنة بشرط. كأن يقول ولي المرأة للرجل: زوجتك ابنتي ‏على ألا تنقلها من هذا البلد أو ألا تتزوج عليها أو تطلق امرأتك الأخرى فيقول: قبلت زواجها.‏
أو يقول الرجل للمرأة: زوجيني نفسك فتقول: قبلت بشرط أن تسكنني في بيت خاص أو ‏بشرط أن تعجل لي المهر كله. وما شاكل ذلك من الشروط التي يرى أحد العاقدين أن فيها ‏مصلحة له.‏
وقد اتفق الفقهاء على أن الشروط المقترنة بالعقد تتنوع إلى نوعين: شروط صحيحة ‏وأخرى غير صحيحة. واختلفوا بعد ذلك في حد الشرط الصحيح الذي يجب الوفاء به ما هو؟ ‏وفي ثبوت الخيار لشارطه في فسخ العقد إذا لم يوف به من التزمه، وفي تأثير الشرط غير ‏الصحيح في العقد بالفساد مع الاتفاق على إلغائه.‏
مذهب الحنفية: الشرط الصحيح: هو الذي يقتضيه العقد ( بأن يكون موجبه حكماً من ‏أحكام العقد )، أو يؤكد مقتضى العقد أو ورد به الشرع أو جرى به عرف.‏
كاشتراط الزوجة على زوجها أن ينفق عليها أو يعطيها مهراً أو يحسن معاشرتها، ‏وكاشتراطه أن تدخل في طاعته فهذه كلها يقتضيها العقد وثابتة ولو لم يشرطها أحدهما.‏
وكاشتراط ولي المرأة أن يكون والد الزوج كفيلاً بالمهر والنفقة، فإن المهر والنفقة من ‏مقتضيات العقد واشتراط الكفالة بهما يؤكد حصولهما.‏
وكاشتراط الزوج أن يكون له حق الطلاق إذا تعثرت الحياة الزوجية أو اشتراطها أن ‏يكون أمرها بيدها لتطلق نفسها متى شاءت، فإن هذا الشرط مما ورد به الشرع وأجازه وإن لم ‏يكن من مقتضى العقد ولا مؤكداً لمقتضاه.‏
والشرط غير الصحيح: ما ليس واحداً من تلك الأنواع وإن كان فيه مصلحة لأحد ‏العاقدين، كاشتراط المرأة ألا يتزوج عليها أو لا يخرجها من البلد الذي تزوجها فيه، وكاشتراط ‏الزوج ألا يدفع لها مهراً أو أن تقوم بالإنفاق على البيت، أو ألا يتوارثا إذا مات أحدهما وكانا ‏مسلمين، أو أن يتوارثا والزوجة غير مسلمة، وحكم هذا الشرط أنه يلغو وحده ولا أثر له في العقد ‏بل يبقى العقد معه صحيحاً، لأن القاعدة المقررة عندهم أن الزواج لا يبطل بالشروط الفاسدة.‏
مذهب الحنابلة: الشرط الصحيح: هو ما كان فيه منفعة لأحد العاقدين ما لم يكن مخلاً ‏بالمقصود الأصلي من العقد، أو ورد من الشارع نهى عنه بخصوصه. سواء كان موافقاً لما ‏يقتضيه العقد أو لا.‏
كاشتراط المرأة ألا يتزوج عليها أو ألا يخرجها من بلدها، واشتراطه ألا ينفق عليها أو ‏أن تكون مثقفة أو بكراً وما شاكل ذلك من الصفات التي يرغب في المرأة من أجلها.‏
وحكم هذا الشرط أنه يجب الوفاء به، فان لم يوف به من التزمه ثبت الخيار لشارطه، ‏لأنه ما رضي بالعقد إلا على أساس الوفاء بالشرط، فإذا لم يتحقق فات رضاه بالعقد ولا زواج مع ‏عدم الرضا ابتداء أو بقاء.‏
والشرط غير الصحيح: هو الذي ورد النهي عنه بخصوصه أو كان مناقضاً لمقتضى ‏العقد أو مخلاً بالمقصود الأصلي منه كاشتراط المرأة أن يطلق ضرتها، فإنه ورد النهي عنه في ‏الحديث" لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها"، واشتراط أن يتوارثا مع اختلاف الدين. ‏لحديث" لا يتوارث أهل ملتين".‏
وكاشراط ألا ينجبا أولاداً، أو اشتراطها ألا يتمتع بها فإن هذا الشرط مخل بالمقصود ‏الأصلي من العقد.‏
وحكم هذا الشرط ألا يتقيد العقد به فلا يلزم الوفاء به ويلغي في كل حال، ولا يتأثر به ‏العقد إلا إذا كان الشرط يجعله في معنى الزواج المؤقت كاشتراط الطلاق في وقت معين أو كانت ‏طبيعة العقد لا تقبله كاشتراط الخيار.‏
اشتراط الخيار في الزواج:‏
الزواج لا يثبت فيه خيار الشرط بالاتفاق لم يخالف في ذلك من الفقهاء.‏
لأن هذا العقد وضع لإفادة حل التمتع في الحال، وخيار الشرط ينافيه، ولأن الحاجة غير ‏داعية إليه فإنه لا يقع في الغالب إلا بعد ترو وفكر ومعرفة كل واحد من الزوجين صاحبه، ولأن ‏ثبوت الخيار يقضي فسخه بعد العقد وفي هذا ضرر كبير بالمرأة وبخاصة إذا كان بعد الدخول.‏
وبعد اتفاقهم على فساد هذا الشرط اختلفوا في أثره في العقد:‏
ذهب الحنفية إلى أن الشروط الفاسدة لا تؤثر في عقد الزواج ويقولون بإلغاء الشرط ‏وصحة العقد.‏
وذهب الحنابلة إلى أن العقد يفسد مع هذا الشرط لأن الزواج لا يقبل الإقالة فلا يقبل ‏الفسخ فيكون هذا الشرط منافياً لطبيعته.‏
ولا يثبت في الزواج خيار الرؤية فيما لو تزوجا ولم يكن أحدهما رأى الآخر لأن الأصل ‏في عقد الزواج أن يكون لازماً، وثبوت خيار الرؤية يجعله غير لازم.‏
على أننا لسنا في حاجة إلى إثباته ما دام الشارع قد أباح النظر عند الرؤية بل أمر به ‏ورغب فيه.‏
ولا يثبت في الزواج خيار العيب حتى ولو اشترط كل منهما أو أحدهما سلامة الآخر من ‏العيوب.‏
ذهب الحنفية إلى صحة العقد وإلغاء الشرط لكنهم جعلوا للزوجة الحق في رفع الأمر إلى ‏القاضي ليفسخ العقد إذا وجدت بزوجها بعض العيوب التي لا يتحقق معها أغراض الزواج ‏كالجب والعنة ولم يجعلوا هذا الحق للزوج إذا وجد بها عيباً يمنع تحقق أغراض الزواج، لأنه ‏يستطيع أن يتخلص منها بالطلاق.‏
وذهب الحنابلة إلى إثبات لكل من الزوجين الخيار إذا وجد عيباً بالآخر يمنع المخالطة ‏الجنسية سواء كان العيب في محلها أو لا كالأمراض المنفرة كالجذام والبرص والجنون وغيرها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:04 PM
البَاب الثالث
في المحرمات من النساء‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:05 PM
الفَصل الأول
في المحرمات على التأبيد وأسباب تحريمهن‏




المحرم على التأبيد واحد من أسباب ثلاثة:‏
‏1- النسب: ويراد به هنا القرابة القريبة ويعبر عن صاحبها بذي الرحم المحرم أي ‏صاحب قرابة يحرم الزواج به.‏
‏2- المصاهرة: وهي العلاقة التي تترتب على عقد الزواج وما ألحق به.‏
‏3- الرضاع.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:06 PM
المبحث الأول
المحرمات في النسب




يحرم بهذا السبب أصنافاً أربعة:‏
الأول: أصول الرجل من النساء، ويبدأ هذا الصنف من الأم ويستمر صاعداً في الجدات ‏سواء كن من جهة الأم أمْ من جهة الأب مهما علت درجتين.‏
الثاني: فروعه. أي ما تفرع عنه كبناته وبنات وبناته وبنات أبنائه مهما نزلت درجتهن.‏
الثالث: فروع أبويه من النساء كأخواته وبناتهن وبنات إخوته مهما نزلت درجتهن ‏يستوي في ذلك الأخوة والأخوات من جهتين أو من جهة واحدة.‏
الرابع: فروع الأجداد والجدات المنفصلات بدرجة واحدة. أي الفروع المباشرة فقط وهن ‏العمات والخالات سواء كن عمات وخالات للشخص نفسه أم كن عمات وخالات لأبيه أو أمه أم ‏لأحد أجداده وجداته أما الدرجة الثانية من هذا الصنف وما بعدها فهن حلال له، كبنات الأعمام ‏والعمات وبنات الأخوال والخالات.‏
والدليل على تحريم هذه الأصناف قوله تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ‏وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ} [النساء: 23].‏
فهذه الآية دلت على تحريم تلك الأصناف كلها. وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله، وهم ‏العرب العارفون بدلالة الألفاظ العربية على معانيها وأساليبها المختلفة لذلك لم يؤثر أن أحداً منهم ‏سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيان شيء غامض في هذا الجزء من الآية.‏
وإذا استعرضنا هذه الآية وجدناها عبرت عن الصنف الأول بكلمة {أُمَّهَاتُكُمْ} والأم في ‏لغة العرب كما تطلق على من ولدت الشخص مباشرة تطلق على الجدة أيضاً باعتبارها أصلاً له، ‏لأن الأم عندهم هي الأصل. فمعنى هذه الجملة حرمت عليكم أصولكم من النساء.‏
وقد انعقد الإجماع بعد رسول الله على أن هذا هو المراد منها فحرمت الأمهات والجدات ‏ولم يعد في هذا المجال للاجتهاد. على أن التحريم يقوم على قرب القرابة. وقد صرحت الآية ‏بتحريم العمات والخالات وهن في القرابة أبعد من الجدات، فيدل هذا الجزء من الآية على تحريم ‏الجدات بدلالة النص لأنهن أولى بالتحريم من العمات والخالات للمعنى الذي من أجله كان ‏التحريم.‏
ودل على تحريم الصنف الثاني قوله: {وَبَنَاتُكُمْ} والبنات في لغة العرب هن فروع ‏الرجل من النساء، والمعنى وفروعكم، ولهذا انعقد الإجماع على أن المراد بالبنات الفروع ‏فيتناول بنات الأبناء وبنات البنات مهما نزلن، على أن الآية صرحت بتحريم بنات الأخ وبنات ‏الأخت وهن أبعد من بنات الابن وبنات البنت، فتدل الآية على تحريمهن بطريق دلالة النص.‏
وحرم الصنف الثالث بمجموع قوله: {وَأَخَوَاتُكُمْ} وقوله: {وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ} ‏وهو واضح.‏
وأما الصنف الرابع فدل على تحريمه قوله {وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ} وكل من ينفصل عن ‏الجد بدرجة يطلق عليه عمة أو خالة مهما علا الجد.‏
وقد اقتصرت الآية عليهن ولم تتعرض لبناتهن فبقين على الحل لدخولهن تحت قوله ‏تعالى: {{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24].‏
على أنه قد ورد التصريح بحلهن في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ‏اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ ‏خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} [الأحزاب: 50].‏
والأصل أن ما أحل لرسول الله يكون حلالاً لأمته إلا ما قام الدليل على اختصاصه به ولم ‏يوجد هنا دليل يدل على هذا الاختصاص.‏
‏- تنبيه:‏
اختلف الفقهاء في المخلوقة من ماء الزنا هل تحرم على أبيها أو لا؟
فذهب الشافعي إلى أنها لا تحرم عليه، فيجوز له زواجها لأنها أجنبية منه ولا تنسب إليه ‏شرعاً، ولا يجري التوارث بينهما، ولا تلزمه نفقتها فلا تحرم عليه كسائر الأجانب.‏
وذهب جماهير الفقهاء ومنهم الحنفية والحنابلة والمالكية في الأصح عندهم إلى أنها ‏تحرم عليه، فلا يجوز له التزوج بها. لأنها أنثى مخلوقة من مائة حقيقة فتكون جزءاً منه كبنته من ‏النكاح فيشملها النص بعمومه، ولذلك تسمى بنته لغةً وعرفاً، والأحكام تتبع الأسماء، وتخلف ‏بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتاً لأنها لا ترثه إذا اختلف دينها عن دين أبيها بالاتفاق، وإذا قام ‏الدليل على خروج بعض الأحكام يبقى ما عداه، فلا خلل في إضافتها إليه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:08 PM
المبحث الثاني
في المحرمات بالمصاهرة



يحرم بهذا السبب أصناف أربعة:‏
الأول: أصول الزوجة من النساء كأمها وجداتها من جهة الأم أو الأب في أي درجة ‏سواء دخل بالزوجة أولا.‏
الثاني: فروع الزوجة التي دخل بها من النساء كبناتها وبنات أبنائها وبنات بناتها مهما ‏نزلت مرتبتهن فإن لم يدخل بها لا تحرم فروعها.‏
الثالث: زوجات أصوله، كزوجة أبيه وزوجات أجداده من جهة الأب أو الأم مهما علت ‏مرتبتهن وُجِد دخول بهن أولا.‏
الرابع: زوجات فروعه كزوجة ابنه وزوجات أبناء ابنه وأبناء بنته وجد دخول بهذه ‏الزوجات أولا إذا كانت الفروع تفرعت عن صلبه.‏
أما البنوة بالتبني فلا أثر لها في التحريم. لأن الإسلام أبطل التبني الذي كان في الجاهلية ‏ألغى أحكامه. وتحريم هذه الأصناف ثابت بالقرآن.‏
أما الأولى فبقوله تعالى: {وأمهات نسائكم} فإنه معطوف على قوله سبحانه {حرمت ‏عليكم أمهاتكم} فيكون معناه: وحرمت عليكم أمهات نسائكم، وكلمة الأمهات هنا تتناول الأم ‏المباشرة والجدات كما سبق بيانه، والآية لم تقيد التحريم بالدخول فيبقى على إطلاقه، وعليه تحرم ‏أم الزوجة وجداتها بمجرد العقد عليها.‏
أما الثاني فبقوله جل شأنه: {وَرَبَائِبُكُمْ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ‏فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فإنه معطوف كذلك على أول الآية وهو صريح في ‏تحريم بنات الزوجة، لأن الربائب جمع ربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره، وسميت بذلك ‏لأن الرجل يقوم بتربيتها ورعاية شؤونها عادة، ومن هنا وصفت بكونها في الحجور تبعاً للغالب. ‏فالوصف لا مفهوم له فلا يدل على حلها إذا لم تكن في الحجور. والآية نفسها أشارت إلى عدم ‏اعتباره قيداً في التحريم لأنها تقول بعد ذلك: "فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم" ‏فاقتصرت في بيان الحكم المقابل للأول على حالة تخلف الدخول، ولم تتعرض لكون الربائب في ‏غير الحجور، ولو كان شرطاً لما اكتفى بنفي الدخول بل لقال ولم يكن في حجوركم، والآية ‏بعبارتها تحرم بنات الزوجة، أما بنات أولادها فثبت تحريمهن بالإجماع. والسر في التفرقة بين ‏النوعين حيث جعل تحريم الأم وما فوقها بمجرد العقد، وتحريم البنت وما تحتها بالدخول بأصلها. ‏حتى قرر الفقهاء قاعدة تقول: "العقد على البنات يحرم الأمهات والدخول بالأمهات يحرم ‏البنات".‏
إن الأم بطبيعتها السليمة تؤثر بنتها بالزواج على نفسها، فما دام الزوج لم يدخل بها ‏تطيب نفسها أن تتخلى عنه لابنتها، لأنها ترى في سعادة ابنتها سعادة لها، بل إنها تستعذب الشقاء ‏من أجل أن تسعد بناتها، وأما بعد الدخول فيبعد ذلك لأنها بعد أن استوفت حظوظ الزواج لا ‏تطيب نفسها بالتخلي عن زوجها لابنتها على أنه بعد الدخول بها تصبح بنتها كبنت الزوج ‏ضرورة المخالطة بينهما.‏
بخلاف البنت فإنه ليس من طبعها أن تؤثر أمها على نفسها، فإذا عقد عليها ثم طلقها ‏وتزوج أمها حقدت على أمها التي سعدت بهذا الزوج الذي كان سبباً في شقائها.‏
على أن من طبع البنت عدم الرضا بزواج أمها بغير أبيها.‏
وأما الثالث: فثبت تحريمه بقوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ ‏سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا} [النساء: 22]، فهذه الآية تحرم زوجات الآباء ‏بعبارتها الصريحة وزوجات الأجداد باعتبار أن اسم الأب يطلق لغة على الأصل المذكر سواء ‏كان مباشراً أو غير مباشر فيكون معناها {ولا تنكحوا ما نكح أصولكم من النساء} وقد انعقد ‏الإجماع على تحريم زوجات الأجداد.‏
وأما الرابع: فتحريمه ثابت بقوله جل شأنه في سياق عداد المحرمات: {وحلائل أبنائكم ‏الذين من أصلابكم} والحلائل جمع حليلة وهي الزوجة ويثبت ذلك بمجرد العقد حتى ولو لم يعقبه ‏دخول. ولفظ الأبناء شامل لكل من تفرع عنه من الذكور فتحرم زوجات الفروع مطلقاً.‏
ولا يقال:إن التقييد بكونهم من الأصلاب يقصر التحريم على زوجات أبنائه فقط دون ‏زوجات أبناء أبنائه وأبناء بناته. لأن لفظ الأبناء في لغة العرب يشمل هؤلاء، إذ يراد به كل من ‏يتصل به بصلة الولاد، والتقييد لإخراج حلائل الأبناء بالتبني، وقد كانت عادة التبني فاشية في ‏العرب عند نزول القرآن فأبطل الله هذه العادة وبين أنها لا تثبت نسباً ولا غيره بقوله تعالى: {وَمَا ‏جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ ‏لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 4-‏‏5].‏
هل يشترط في الدخول الموجب لحرمة المصاهرة أن يكون حلالاً؟
اتفق الفقهاء على أنه لا يشترط أن يكون حلالاً من كل وجه، بل يكفي أن يكون فيه ‏شبهة الحل. لذلك اتفقوا على أن الدخول بشبهة يحرم المصاهرة. كما إذا عقد على امرأة عقد ‏زواج فاسد كالزواج بغير شهود، أو عقد على امرأة لم يرها فزفت إليه امرأة وقيل له : هذه ‏زوجتك ثم تبين أنها ليست هي أو قصد امرأته فكانت غيرها وإنما ثبت بذلك حرمة المصاهرة ‏لأنه وطء يلحق به النسب فأثبت التحريم كالوطء المباح ولا يصير الرجل به محرماً لمن حرمت ‏عليه من أصول المرأة وفروعها فلا يباح له به النظر إليهن ولا الاختلاط بهن، لأن الوطء ليس ‏بمباح بإطلاق.‏
حتى إنه لا يباح له النظر إلى المرأة التي كانت سبباً ولا مخالطتها فلا يباح له النظر إلى ‏غيرها بطريق الأولى. وكذلك من جانب المرأة لا يباح لها النظر إلى أصول الرجل وفروعه ولا ‏مخالطتهم.‏
ولأن المحرمية نعمة لا تنال إلا بطريق مباح من كل وجه لأنها إباحة.‏
وبهذا يفترق عن الوطء الحلال فإنه يفيد الأمرين. حرمة المصاهرة وثبوت المحرمية.‏
‏- أما الوطء الحرام من كل وجه وهو الزنى فهو موضع اختلاف الفقهاء.‏
فذهب الحنفية والحنابلة في الصحيح إلى أنَّ زنى بامرأة حرم عليه أصولها وفروعها ‏وحرم عليها أصوله وفروعه.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا يثبت حرمة المصاهرة، فيجوز له أن يتزوج بأي ‏امرأة من أصول المزني بها وفروعها. كما أن لها التزوج بأي فرد من أصوله وفروعه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:11 PM
المبحث الثالث
في المحرمات بالرضاع




يحرم بالرضاع أصنافاً ثمانية:‏

الأول: أصول الشخص من الرضاع : وهن أمه وأم أمه وأم أبيه من الرضاع مهما علت ‏درجتهن، فإذا رضع طفل من امرأة حرم عليه الزواج بمن أرضعت لأنها صارت أماً له، وكذلك ‏بأم أمه وإن علت وأم أبيه رضاعاً وهو زوج المرضعة مهما علت درجتها لأنهن صرن جدات له ‏كما حرم عليه ذلك من النسب.‏

الثاني: فروعه من الرضاع: وهن بنته وبنت بنته وبنت ابنه من الرضاع وإن نزلن. فإذا ‏رضعت طفلة من امرأة صارت ابنة لزوج المرضعة الذي كان سبباً في إدرار لبنها فيحرم على ‏ذلك الرجل التزوج بهذه البنت وفروعها، ولو كان الرضيع طفلاً ابناً له فيحرم عليه التزوج ببناته ‏وبنات أولاده مهما نزلن كما يحرم ذلك من النسب.‏

الثالث: فروع أبويه أي أخواته وبناتهن وبنات أخوته من الرضاع، مهما نزلت درجتهن ‏يستوي في ذلك من رضع معه أو قبله أو بعده لأنه برضاعه صار أخاً للجميع.‏

الرابع: فروع جديه من الرضاع في الدرجة الأولى فقط وهن عماته وخالاته من ‏الرضاع، لأنه برضاعه صارت أخوات المرضعة خالات له وأخوات زوجها عمات له، فيحرم ‏عليه التزوج واحدة منهن كما يحرم ذلك من النسب، وأما بناتهن فهن حلال له كما في بنات ‏الخالات والعمات من النسب.‏

الخامس: أصول زوجته من الرضاع وهن: أمها وجداتها من جهة الأب والأم، فيحرم ‏عليه التزوج بواحدة منهن بمجرد العقد عليها سواء دخل بها أو لم يدخل، كما يحرم ذلك من ‏النسب.‏

السادس: فروع زوجته: وهن بناتها وبنات أولادها من الرضاع وإن نزلت درجتهن. فإذا ‏تزوج رجل امرأة كانت متزوجة قبله بآخر وأرضعت طفلة فإن هذه الطفلة بنتها من الرضاع ‏وتصير بالنسبة له بنت زوجته فتحرم عليه إذا دخل بأمها كما يحرم عليه التزوج بإحدى فروعها ‏من الإناث مثل ما يحرم عليه بناتها من النسب.‏

السابع: زوجات أصله من الرضاع أي زوجات أبيه وجده وإن علا سواء دخل بها الأب ‏أو الجد أو لا، فلو رضع طفل من امرأة متزوجة صار زوجها أباً له من الرضاع وأبو الزوج جداً ‏له كذلك فإن كان للزوج زوجة أخرى غير من أرضعته حرم على الرضيع التزوج بها لأنها ‏زوجة أبيه من الرضاع، كما يحرم عليه التزوج بامرأة أبيه من النسب.‏

الثامن: زوجات فروعه أي زوجة ابنه وابن بنته من الرضاع وإن نزل سواء دخل الفرع ‏بزوجته أو لا.‏
والدليل على تحريم هذه الأصناف بالرضاع قوله تعالى في آية المحرمات: {وَأُمَّهَاتُكُمْ ‏اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ}. واقتصار القرآن على الأم إشارة إلى تحريم كل من ‏اتصل بعمود النسب من الأصول والفروع، واقتصاره على الأخوات إشارة إلى تحريم جوانب ‏النسب وحواشيه.‏
لأنه لما سمى المرضعة أماً وبناتها أخوات دل ذلك على أن الرضاع يصل الرضيع بمن ‏أرضعته صلة الفرع بأصله، وأنه يتكون بالرضاع جزئية يصير بها الرضيع جزءاً ممن أرضعته ‏كأولادها الذين ولدتهم وهم أجزاء منها ومن زوجها وأكد ذلك بأخوة أولادها له فيكون ذلك ‏الرضيع ابناً لهما بمنزلة الابن من النسب، فيأخذ حكمه في كل ما يتعلق بالتحريم بالنسبة ‏للأصناف المحرمة بالنسب من البنات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.‏

وقد فصل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أجمله القرآن ووضح ما أشار إليه في جملة ‏أحاديث منها الحديث المتفق عليه المروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أريد على ‏ابنة حمزة فقال: "إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من ‏الرحم"، وفي رواية من النسب.‏
وفي رواية عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:‏
‏"يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ‏درة بنت أبي سلمة: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة ‏أرضعتني وأباها ثويبة".‏
ومنها الحديث المروي عن عائشة رضي الله عنها: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن ‏عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله ‏أخبرته بالذي صنعت فأمرني أن آذن له".‏
‏- ذهب الفقهاء إلى أنه يحرم بالرضاع كل ما يحرم بالمصاهرة كما يحرم كل ما يحرم ‏بالنسب.‏
وهذا وقد قرر بعض الفقهاء: أن قاعدة يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ليست ‏على إطلاقها، بل هناك بعض صور مستثناة حيث يثبت فيها التحريم بالنسب ولا يثبت فيها ‏التحريم بالرضاع لوجود العلاقة المحرمة في النسب وعدم وجودها في الرضاع، منها:‏
أولا: أم الأخ أو الأخت من الرضاع لا تحرم. كما إذا رضع طفلان من امرأة فصارا ‏أخوين بالرضاع. ثم رضع أحدهما من مرضعة أخرى فهذه المرضعة تكون بالنسبة للذي لم ‏يرضع منها أم أخيه من الرضاع فتحل له، وكذا لو كان لأخيه من الرضاع أم من النسب فإنها ‏تحل له أيضاً لعدم وجود المحرم لأنها أجنبية في الحالتين.‏
ولو كان الطفلان أخوين من النسب ورضع أحدهما من أجنبية وصارت أماً له من ‏الرضاع جاز لأخيه أن يتزوجها لأنها أم أخيه رضاعة، بينما لا يجوز له أن يتزوج أم أخيه نسباً ‏لأنها إمَّا أمه إن كانا شقيقين أو امرأة أبيه إن لم يكن شقيقاً، وكلتاهما محرمة عليه الأولى بالنسب ‏والثانية بالمصاهرة. ومثل أم الأخ في ذلك أم الأخت.‏
ثانياً: أخت ابنه أو بنته من الرضاع. كما إذا رضع طفل من امرأة صار ابناً لزوجها من ‏الرضاع، فإذا كان لهذا الطفل أخت من النسب لم ترضع من تلك المرأة فإنه يحل لذلك الزوج أن ‏يتزوج هذه البنت وهي أخت ابنه من الرضاع لعدم المحرم بينهما، ومثله إذا كان للرجل ابن من ‏النسب رضع من امرأة أجنبية ولها بنت نسبية أو رضاعية فلذلك الرجل أن يتزوج بهذه البنت ‏وهي أخت ابنه من الرضاع لانعدام العلاقة المحرمة بينهما. بينما لا يجوز له أن يتزوج أخت ابنه ‏من النسب لأنها إمَّا بنته أو بنت امرأته التي دخل بها وكلتاهما محرمة عليه، الأولى بالنسب ‏والثانية بالمصاهرة، وأخت البنت كأخت الابن في كل ذلك.‏
‏- ومن وقائع الرضاع التي تحدث كثيراً أن يرضع الطفل من جدته لأمه فتصير أمه أختاً ‏له من الرضاع، فلا تحرم على زوجها لأنها صارت برضاع طفلها من أمها أختاً له من الرضاع ‏فقط وأخت الابن من الرضاع لا يحرم التزوج بها ابتداءً فلا يؤثر الرضاع الطارئ على تلك ‏الزوجية بقاء من باب أولى.‏
ثالثاً- أم ولد ولده رضاعاً. كما إذا أرضعت أجنبية ابن الابن أو ابن البنت فإنها تصير أم ‏هذا الابن رضاعاً فيحل لجد الولد أن يتزوجها مع أنه لا يجوز له أن يتزوج أم ابن ابنه أو أم بنته ‏نسباً، لأن الأولى زوجة ابنه والثانية بنته، والأولى محرمة بالمصاهرة والثانية بالنسب. وكذلك لو ‏أرضعت زوجة الابن طفلاً أجنبياً فإنه يكون ابن ابن رضاعاً فإذا كانت له أم نسيبة أو رضاعية ‏أخرى لا تحرم على الجد الذي هو أبو زوج تلك المرضعة.‏
رابعاً: أم العمة أو العم أو الخال أو الخالة من الرضاع لعدم العلاقة المحرمة بينما تحرم ‏إذا كانت من النسب لأنها إمَّا جدة لأب أو لأم أو امرأة الجد.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:14 PM
المبحث الرابع:
‏22. الرضاع المحرم




معنى الرضاع:‏
الرضاع في اللغة: مص اللبن من الثدي سواء كان ثدي آدمية أو غيرها وسواء كان ‏الماص صغيراً أم كبيراً.‏
وفي اصطلاح الفقهاء : مص الطفل الرضيع اللبن من ثدي المرأة في مدة معينة.‏
وقد ألحق جمهور الفقهاء بالمص إدخال اللبن إلى جوف الطفل بأي وسيلة. كإعطائه له ‏بواسطة إناء أو أنبوبة من طريق الفم أو فتحة طبيعية. لأنه بذلك يصل إلى جوفه ويتحقق به ‏التغذية، والتحريم منوط بإنبات اللحم وإنشاز العظم بهذا اللبن لا بصورة مص الطفل الثدي، ‏واقتصارهم في التعريف على مص الثدي لأنه الغالب فيه كما جرت به العادة. لذلك قرروا أن ‏إدخال اللبن جسم الطفل من طريق غير طبيعي كالحقنة أو بواسطة جرح أو حقنة من الشرج لا ‏يتعلق به التحريم، لأنه لا يصل إلى المعدة التي تقوم بعملية تحويل الغذاء وتوزيعه على الجسم.‏
فإذا تحقق الرضاع صارت المرضعة أماً للرضيع وبناتها أخوات له، لأن الطفل يتغذى ‏باللبن في مدة الرضاعة بل هو غذاؤه الأساسي فيكون اللبن من مكونات جسمه وهو جزء من ‏المرأة خرج من صافي دمها فيصبح الطفل كجزء منها فيكون ابناً لها وتصير بناتها أخوات له ‏وأمها جدته وأخواتها خالاته. كذلك يصير زوجها أباه وأخواته عماته عند جماهير الفقهاء.‏

‏23-‏ شروط الرضاع المحرم:‏
يشترط في الرضاع المحرم شروطاً بعضها متفق عليه بين الفقهاء وبعضها الآخر ‏مختلف فيه. - فيشترط في المرضعة أن تكون آدمية بالاتفاق فلا يحرم الرضاع من غير آدمية ‏لأنه لا يحقق العلاقة المحرمة، فلو اجتمع طفلان على ثدي غير آدمية أو شربا لبنها لا يتحقق به ‏أمومة، فلا يثبت ما يتفرع عنها من الأخوة وغيرها ثم ذهب الحنفية إلى عدم اشتراط فيها أكثر ‏من ذلك فيستوى عندهم التي درَّ لبنها بسبب الولادة من زواج أو غيره.‏
فإذا ولدت امرأة من الزنى وأرضعت طفلاً ثبت به التحريم بالنسبة للمرأة والرجل الذي ‏زنى بها فتصير أماً للرضيع والرجل أباه رضاعاً. لأن شرط اللبن المحرم في جانب الرجل ‏عندهم أن يكون نازلاً بسبب الحمل والولادة منه.‏
وذهب المالكية إلى موافقة الحنفية في القول المعتمد في مذهبهم، لأن الشرط عندهم أن ‏يكون اللبن نازلاً بعد أن يخالط الرجل المرأة مخالطة تامة سواء ثبت نسب الولد منه أو لا.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الرضاع من اللبن النازل بسبب الزنى يحرم في جانب ‏المرضعة فقط ولا حكم له بالنسبة إلى رجل لأن شرط التحريم في جانبه أن يكون الولد الذي نزل ‏بسببه اللبن ثابت النسب منه وفي الزنا لا نسب فلا تحريم، وعلى ذلك يشترط للتحريم بالرضاع ‏بالنسبة للرجل أن المرضعة ولدت منه بنكاح صحيح أو بمخالطة بشبهة.‏
‏- ويشترط في لبن الرضاع: أن يتحقق من وصوله إلى معدة الرضيع باتفاق الفقهاء. ‏فإن لم يتحقق ذلك بأن التقم الطفل ثدي المرأة ولم يعلم أرضع أم لا، لا يثبت التحريم، لأن الحل ‏هو الأصل ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بيقين، ولا يقين مع الشك والأحكام لا تثبت مع الشك.‏
‏- وهل يشترط فيه أن يكون خالصاً غير مخلوط بغيره؟
فقهاء أهل السنة وبخاصة الحنفية لا يشترطون ذلك بل لهم في خلط لبن المرأة بغيره ‏التفصيل الآتي:‏
أ- إذا خلط بسائل آخر كالماء والدواء ولبن الحيوان فالحكم للغالب، فإن غلب اللبن ثبت ‏التحريم، وإن غلب السائل فلا تحريم، لأن القليل يستهلك في الكثير، وإن تساويا ثبت احتياطاً. ‏وتعتبر الغلبة بالأجزاء إذا خلط لبن المرأة بلبن الحيوان أو بالماء، وبتغير اللون والطعم إذا خلط ‏بالدواء ونحوه.‏
ب-إذا خلط بلبن امرأة أخرى فالراجح في المذهب الحنفي أنه يثبت به التحريم من ‏ المرأتين جميعاً دون نظر إلى كثرة أحدهما وقلة الآخر أو تساويهما لأن اللبنين من جنس ‏واحد. وعند اتحاد الجنس لا يتلاشى أحدهما في الآخر لاتحاد المقصود منهما وهو إنبات اللحم ‏وإنشاز العظم.‏
ج- إذا خلط لبن المرأة بغير سائل كالطعام فإنه لا يتعلق به تحريم مطلقاً عند أبي حنيفة ‏سواء طبخ على النار أو لا، لأن خلط اللبن بالطعام استهلاك له فيه فإن الطعام أقوى في التغذية ‏من اللبن فيكون هو الغذاء. ‏
‏- وهل يشترط في الرضاع مقدار معين ؟‏
آراء الفقهاء في ذلك:‏
الرأي الأول: إن قليل الرضاع وكثيره محرم وإليه ذهب الحنفية والمالكية وأحمد في ‏رواية. وحجتهم في ذلك قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ} وقول ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم "يحرم بالرضاعة ما يحرم بالنسب" فقد ورد الرضاع فيهما ‏مطلقاً والأصل في المطلق أن يحمل على إطلاقه حتى يثبت ما يقيده ولم يثبت عندهم هذا التقييد.‏
ويؤيد ذلك أن رسول الله في بعض الوقائع أصدر حكمه في الرضاع دون أن يستفسر عن ‏عدد الرضعات، ولو كان للرضاع المحرم عدد معين لسأل الرسول عنه قبل أن يأمر الزوج ‏بمتاركة زوجته.‏
فقد روى البخاري وغيره أن رجلاً تزوج امرأة فجاءت أمة سوداء فذكرت أنها ‏أرضعتها، فجاء إلى الرسول يخبره بذلك فأعرض عنه أول الأمر، ولما كرر السؤال قال له ‏الرسول : "كيف وقد قيل دعها عنك". أمره بالمفارقة ولم يستفسر منه عن عدد الرضعات، ‏وتركه الاستفسار دليل على أنه ليس فيه عدد مقدر بل يكفي فيه أصل الإرضاع.‏
وإن الحكمة في التحريم بالرضاع هي أن الرضيع يتغذى بلبن المرضعة فيصير بعضه ‏جزءاً منها. وهذه الجزئية لا يعلم بيقين أي مقدار يحققها، ومثله لا يعلم إلا من صاحب الشرع ولم ‏يرد دليل به فضلاً عن أنه يقيد مطلق القرآن كما سنبينه قريباً فيبقى المطلق على إطلاقه.‏
الرأي الثاني: إن التحريم لا يثبت إلا بخمس رضعات مشبعات في أوقات متفرقة، فإن ‏كان أقل من ذلك فلا تحريم. وإلى هذا ذهب الشافعية والحنابلة في الرأي الراجح من مذهبهم. ‏وإن لم يتوفر في الرضعة الشبع لا تحسب، وحد الرضعة المشبعة عندهم. أن يأخذ الصبي الثدي ‏ويمتص منه ثم يتركه باختياره من غير عارض كتنفس أو شيء يلهيه عن الرضاع، فإذا فعل ذلك ‏ثم عاد إلى الرضاع فإنه لا يخرجها عن كونها رضعة واحدة.‏
واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم وأبو داود والنسائى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله ‏عنها أنها قالت: "كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس ‏معلومات. فتوفى رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن وفي رواية قالت: أنزل في القرآن عشر ‏رضعات معلومات فنسخ من ذلك خمس رضعات إلى خمس رضعات معلومات فتوفي رسول الله ‏والأمر على ذلك.‏
ثم قالوا: إن علة التحريم بالرضاع هي أنه ينبت لحم الصغير وينشز عظمه.‏
يشير لذلك قول رسول الله "لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم" ولا ‏يكون ذلك إلا بالرضاع يوم كامل على الأقل وهو لا يقل عن خمس رضعات.‏

‏24- مدة الرضاع:‏
إن مدة الرضاع سنتان من وقت ولادة الطفل، فأي رضاع يحصل فيها يثبت به التحريم، ‏ولو فطم الطفل قبل تمامها ثم عاد إلى الرضاع قبل أن تنتهى، أما ما يقع بعدها فلا يتعلق به ‏التحريم.‏
والدليل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: {والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ ‏كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [ البقرة:233 ] فهذه الآية تبين في صراحة أن مدة الرضاع ‏التامة حولان كاملان ولا زيادة بعد التمام. وقوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان:14] وهذا ‏صريح في أن الفصال وهو الفطام في مدة العامين لا بعدهما.‏
ومن السنة ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"لا رضاع إلا ما فتق ‏الأمعاء وكان قبل الحولين"، وقوله: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين"، وقوله: "إنما الرضاعة ‏من المجاعة" فهذه الأحاديث تفيد في مجموعها أن الرضاع المحرم هو الذي يدفع الجوع ويكتفي ‏به صاحبه ويكون غذاء له وهذا لا يكون إلا للطفل أثناء الحولين.‏
ومما يصل بالتحريم بالرضاع مسألة اشتهرت في كتب الفقهاء بمسألة لبن الفحل. وهي ‏أن المرأة التي أرضعت طفلاً بلبنها الذي نزل بسب ولادتها من رجل. فهل تمتد الحرمة إلى ذلك ‏الرجل فيصبح أباً للرضيع كما صارت المرضعة أماً له؟
ذهب الأئمة الأربعة -الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنه يثبت بالرضاع ‏التحريم بالنسبة للرجل الذي تسبب في نزول اللبن، فلو أن الزوجة أرضعت طفلة أجنبية باللبن ‏الذي تسبب زوجها في نزوله حرمت هذه البنت على زوجها وعلى آبائه وأبنائه، لأنها بنته من ‏الرضاع فتصير كالبنت النسبية.‏
وكذلك لو أرضعت طفلاً فإنه يحرم عليه التزوج ببنات هذا الرجل مطلقاً سواء كن من ‏هذه الزوجة أو من غيرها. لأن لبن المرأة مشترك بينها وبين من كان سبباً فيه وهو الرجل ولولاه ‏لما كان لبن فينسب الطفل إليهما معاً. والدليل على ذلك من السنة ما رواه الجماعة عن عائشة ‏رضي الله عنها: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل ‏الحجاب، قالت فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله أخبرته بالذي صنعت فأمرني أن آذن له.‏
‏- والأخوان من الرضاع قد يكونان شقيقين وقد يكونان لأم وقد يكونان لأب.‏
فإذا أرضعت امرأة طفلين بلبن سببه الولادة من رجل واحد كان الرضيعان شقيقين. وإذا ‏أرضعت أحدهما بعد ولادتها من زوج ثم أرضعت الآخر بعد ولادتها من زوج آخر كان ‏الرضيعان أخوين لأم، وإذا كان لرجل زوجتان فأرضعت إحداهما طفلاً وأرضعت الثانية طفلاً ‏آخر كان الطفلان أخوين لأب، ثم إن أخوة الشخصين بسبب الرضاعة من امرأة تثبت برضاعهما ‏منها في أي وقت سواء رضعا معاً في وقت واحد أو في وقتين مختلفين، وكذلك لو رضع طفل ‏من أم طفل آخر صار أخاً له من الرضاع ولو لم يرضع ابن المرأة منها أصلاً.‏

‏25- ما يثبت به الرضاع:‏
إذا كان الرضاع معروفاً بين الناس فالتحريم به ثابت لا يحتاج إلى دليل يثبته.‏
أما إذا لم يكن معروفاً فإنه يحتاج إلى الدليل. والمثبت له أحد أمرين: الإقرار أو البينة.‏
فالإقرار يكون باعتراف الطرفين ( الرجل والمرأة ) أو أحدهما على التفصيل الآتي:‏
إذا أقر شخص بأن هذه المرأة أخته من الرضاع فإن صدقته في إقراره ثبتت الحرمة ‏بينهما بهذا التصادق مطلقاً سواء كان هذا الإقرار قبل الزواج أو بعده، فإن كان قبله لا يحل لهما ‏الإقدام على الزواج، وإن كان بعده وجب عليهما أن يتفرقا وإلا فرق القاضي بينهما. ومثل ذلك ما ‏إذا كانت المرأة هي التي بدأت بالإقرار وصدقها الرجل، وإذا افترقا قبل الدخول فلا شيء للمرأة ‏من المهر، وإذا كان بعد الدخول وجب لها الأقل من المهر المسمى ومهر المثل ككل نكاح فاسد ‏أعقبه دخول، ولا تجب لها نفقة في عدتها ولا سكنى.‏
وإذا أقر الرجل وكذبته المرأة ثبت التحريم أيضاً فلا يحل له أن يقدم على زواجها إن كان ‏إقراره قبل الزواج فإن كان بعده وجب أن يفارقها، فإن لم يفعل فرق القاضي بينهما. وإذا افترقا ‏قبل الدخول وجب لها نصف المهر، وإن كان بعده وجب لها كل المهر المسمى وللمرأة النفقة ‏والسكنى في العدة، لأن إقراره حجة قاصرة عليه فلا يتعدى إلى حقوق المرأة بالإبطال، وإذا ‏رجع عن إقراره فقال: كنت واهماً أو ناسياً قبل منه هذا الرجوع في الحالتين بشرط ألا يكون أكد ‏إقراره الأول بما يفيد اليقين كقوله أعلم أنها أختي. أو أشهد عليه. فيجوز له بعد الرجوع أن يعقد ‏عليها، وإن كان بعد العقد بقي العقد قائماً كما كان، لأن الرضاع مما يخفى أمره فربما يكون ‏إقراره أولا بالرضاع بناء على خبر ظنه صادقاً، ثم تبين له كذبه. وهذا يدعو إلى التجاوز عن ‏تناقضه في الإقرار أولاً والرجوع عنه ثانياً،فإن كان أكد الأول أو أشهد عليه فلا يقبل منه ‏الرجوع ويبقى التحريم قائماً.‏
وإذا كان الإقرار من جانبها وكذبها الرجل وكان ذلك قبل الزواج فإن ثبتت على إقرارها ‏ولم ترجع عنه فلا يجوز لها أن تتزوجه، وإن رجعت عن إقرارها جاز لها التزوج منه.‏
أما إذا كان إقرارها بعد الزواج وكذبها فلا يلتفت إلى ذلك الإقرار وإن أصرت عليه، ‏لأنها متهمة فيذلك الإقرار لاحتمال أنها فعلت ذلك لتتخلص منه بهذه الدعوى. بخلاف إقراره فإنه ‏لا تهمه فيه، لأنه يملك التخلص منها بالطلاق وليس في حاجة إلى دعوى الرضاع.‏
ومن هنا قرر الفقهاء أن الزوجة تصدق في إقرارها بعد الزواج إذا كان أمرها بيدها ‏وتستطيع أن تتخلص بالطلاق.‏
أما البينة فقد اتفق الفقهاء على أن الرضاع يثبت بالبينة ولكنهم اختلفوا في مقدارها. ‏فمن الفقهاء من يرى أنه يكفي في إثباته شهادة النساء، وهؤلاء منهم من يكتفي بامرأة واحدة إذا ‏كانت مشهورة بالصدق والعدالة. ومنهم من يشترط العدد فلا يثبت عنده إلا بشهادة امرأتين على ‏الأقل.‏
ذهب الحنفية إلى أنه لا يثبت إلا ببينة كاملة شهادة رجلين عدلين أو رجل واحد وامرأتين ‏كسائر الحقوق، لأنه يترتب عليه حقوق مالية وغيرها، ولأن دعوى الرضاع يترتب عليها إبطال ‏حق العبد، وهو ما ثبت له بعقد الزواج وكل منهما يشترط فيه تمام البينة.‏
ويؤيد ذلك ما روى أن عمر بن الخطاب أتى بامرأة شهدت على رجل أنها أرضعتهما ‏فقال: لا حتى يشهد رجلان أو رجل وامرأتان. وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه ‏أحد فدل ذلك على أنه الحكم المقرر عندهم.‏
وقول المخالفين إنه لا يطلع عليه الرجال غير مسلم لأن المحارم من الرجال يطلعون ‏عليه ولا حرج فيه.‏
ثم إن الرضاع يحتاج في إثباته إلى البينة عند إنكار أحد الزوجين له، أما إذا لم يكن هناك ‏إنكار فيكفي لوجوب التفريق تصادق الزوجين على الرضاع أو إقرار الزوج به وثبوته على ‏إقراره وإن كذبته الزوجة، فإذا صحت هذه الشهادة وجب على الزوجين الافتراق، فإن لم يفترقا ‏فرق القاضي بينهما.‏
وبعد الافتراق أو التفريق يجب ما يجب في كل عقد فاسد. لا شيء لها قبل الدخول، أما ‏بعده فيجب لها مهر المثل إن لم يكن سمى لها مهراً أو الأقل منه ومن المسمى إذا كان سمى مهراً ‏معيناً، لأن المسمى إن كان هو الأقل فقد رضيت به الزوجة فلا يزاد على ما رضيت به، وإن كان ‏مهر المثل هو الأقل فهو الواجب الأصلي في كل زواج فاسد ولا يعدل عنه إلا إذا وجد مقتض ‏للعدول عنه، وإذا لم تصح البينة بأن نقص العدد أو كان الشهود غير عدول فإنه لا اعتبار لها في ‏القضاء فلا يملك القاضي التفريق بينهما.‏
أما من ناحية الديانة فالورع يقضي على الزوجين أن يفترقا لاحتمال صدق هذه الشهادة ‏في الواقع.‏
فقد روي أحمد والبخاري عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت ‏أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما قال: فذكرت ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عني، قال: ‏فتنحيت فذكرت ذلك له فقال: "كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما فنهاه عنها". وفي رواية قال ‏له: "كيف وقد قيل دعها عنك" فإن هذا الحديث يدل على أن شهادة المرأة لا توجب التفرقة وإلا ‏لفرق الرسول بينهما من أول الأمر ولم يعرض عنه إذ الإعراض قد يترتب عليه أن يترك السائل ‏المسألة ويكون إقراراً من الرسول على المحرم. كما يفيد كراهة الإبقاء على هذا الزواج بعد هذا ‏الإخبار فأمره بتركها جاء على سبيل الندب تورعاً واحتياطاً وهذا ما يفيده قوله عليه الصلاة ‏والسلام:كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما؟
ولقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك وعلموا به، فقد روي أن رجلاً تزوج امرأة ‏فجاءت امرأة تزعم أنها أرضعتهما فسأل الرجل علياً كرم الله وجهه فقال له: هي امرأتك ليس ‏أحد يحرمها عليك فإن تنزهت فهو أفضل، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:15 PM
الفَصْل الثّاني
‏ في المحرمات تحريما مؤقتا




وقد عدَّ منها الفقهاء أصنافاً. أهمها:‏
‏1- من تعلق بها حق للغير.‏
‏2- الجمع بين محرمين.‏
‏3- المطلقة ثلاثاً قبل أن تتزوج غير مطلقها.‏
‏4- من لا تدين بدين سماوي.‏
‏5- المرأة التي لاعنها.‏ ‏6- الزيادة على أربع زوجات.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:17 PM
المبحث الأول
في من تعلق بها حق للغير بالزوجية أو بالاعتداد بعدها



يحرم على المسلم التزوُّج بزوجة غيره لأن الله عدها من المحرمات في قوله تعالى: ‏‏{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} إلى أن قال: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ‏‏[النساء:24] ولفظ المحصنات وإن أطلق في القرآن على العفيفات غير المتزوجات كما في قوله ‏تعالى {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ ‏مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ ‏غَيْرَ مُسَافِحِينَ}. [المائدة:5] وقوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ‏فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور :4 ].‏
‏ إلا أن المراد منه هنا المتزوجات بإجماع العلماء وإلا لتناقضت مع آية المائدة حيث ‏عدها ممن أحل لنا.‏
ولفظ المحصنات عام يشمل كل متزوجة مسلمة كانت أو غير مسلمة، لم يستثن من ذلك ‏إلا الزوجة التي سبيت وحدها دون زوجها لأن القرآن استثني من المحصنات ما ملكت في قوله ‏تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24].‏
وأما تحريم المعتدة من غيره سواء كانت العدة من طلاق رجعي أو بائن أو عن وفاة ‏فبالآيات التي أوجبت على المرأة الاعتداد وهي قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ ‏قُرُوءٍ} [البقرة: 228] وقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ ‏أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] وقوله جل شأنه: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ‏‏[الطلاق: 4].‏
فإذا كان الشارع أوجب على المعتدة الانتظار من غير زواج تكون في هذه المدة محرمة ‏على الرجال الأجانب على أن النهي عن تزويج المعتدة عن وفاة جاء صريحاً في قوله تعالى: ‏‏{وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] بعد أن نفى الجناح عن ‏التعريض بالخطبة. وهذه وإن كانت في شأن المعتدة عن وفاة إلا أنه لا فرق بين معتدة ومعتدة ‏فتكون كل معتدة محرمة على غير من اعتدت منه.‏
لكن يجوز لمن اعتدت منه أن يتزوجها في العدة بدون عقد ومهر إذا كان الطلاق رجعياً، ‏وبعقد ومهر جديدين إذا كان الطلاق بائناً بينونة صغرى، وأما في البينونة الكبرى فلا تحل ‏لمطلقها إلا بعد أن تتزوج بآخر ويدخل بها ثم يطلقها وتنقضي عدتها.‏
وهذا التحريم متفق عليه، فإذا عقد الرجل زواجه على زوجة الغير أو معتدته كان العقد ‏فاسداً لا يترتب عليه شيء من آثار الزواج إن لم يدخل بها، فإن دخل بها قبل انتهاء عدتها كان ‏لها المهر بما استحمل منها وهو مهر المثل إن لم يكن سمى لها مهراً أو الأقل منهما إذا وجدت ‏تسمية وعليها العدة، ويلحق بالمعتدة من زواج صحيح المعتدة من دخول بعقد فاسد أو مخالطة ‏بشبهة لأن الولد من كل منهما محترم لثبوت نسبه من أبيه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:18 PM
المبحث الثاني ‏
في الجمع بين محرمين



المحرمان كل امرأتين تربطهما علاقة محرمية كالأختين والبنت وأمها أو جدتها، والمرأة ‏وعمتها أو خالتها أو بنت أخيها أو أختها فإننا لو فرضنا إحداهما ذكراً لا يحل له أن يتزوج ‏الأخرى لأنه يؤدي إلى أن يتزوج الأخ أخته.‏
والأصل في تحريم هذا قوله تعالى في سياق المحرمات {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} ‏‏[النساء: 23] وليس المراد الجمع بين الأختين فقط بل هو إشارة إلى كل جمع فيه علاقة كعلاقة ‏الأختين، لأن القرآن لم يأت لبيان تفاصيل أحكام الجزئيات، ولهذا جاءت السنة مبينة هذا الإجمال ‏فيما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا تنكح المرأة على عمتها ولا ‏على خالتها ولا المرأة على ابنة أخيها ولا ابنة أختها إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم "وزاد في ‏بعض الروايات: "لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى".‏
فالحديث بين بعض الصور وصرح بعلة هذا التحريم وهي قطع الرحم التي بين الأقارب ‏لما يقع بين الضرائر عادة من الغيرة المؤدية إلى التباغض والتنازع، وقطع الرحم حرام، فما ‏أفضى إليه يكون حراماً، وعلى ضوء الآية والحديث قرر الفقهاء قاعدة لتحريم الجمع تقول ‏‏"يحرم الجمع بين كل امرأتين لو فرضنا إحداهما رجلاً لا يحل له أن يتزوج الأخرى" لما في هذا ‏الجمع من قطع الوصلة بينهما.‏
ولما كان الرضاع يأخذ حكم النسب بالحديث "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" ‏عمموا في القاعدة فجعلوها شاملة للجمع بين المرأتين اللتين ربطتهما رابطة النسب أو الرضاع، ‏فكما يحرم الجمع بين الأختين نسباً يحرم الجمع بين الأختين رضاعاً، وكما يحرم الجمع بين ‏المرأة وعمتها أو خالتها من النسب يحرم الجمع بينها وبين عمتها أو خالتها من الرضاع.‏
ثم إن القاعدة السابقة يشترط فيها عند الفقهاء أن تكون من الجانبين على معنى أننا لو ‏فرضنا كلاً من المرأتين رجلاً لا تحل له الأخرى كالأختين والمرأة وبنتها والمرأة وعمتها أو ‏خالتها وما شابه ذلك فإن التحريم ثابت من الجانبين.‏
أما إذا كان من جانب واحد فقط كما في زوجة الرجل وابنته من غيرها فإننا لو فرضنا ‏البنت رجلاً لا يحل له أن يتزوج الأخرى لأنها زوجة أبيه، ولو فرضنا الزوجة رجلاً حل له ‏التزوج بالبنت لأنها أجنبية عنه حيث إن فرضها رجلاً يخرجها عن كونها زوجة الأب فانعدمت ‏العلاقة بينهما. وعلى ذلك يحل للرجل أن يجمع بين امرأة أخرى كانت زوجة لأبي الأول من قبل. ‏ومثلهما المرأة وزوجة ابنها لأننا لو فرضنا المرأة رجلاً لا يحل له التزوج بالأخرى لأنها حليلة ‏ابنه، ولو فرضنا زوجة الابن رجلاً حل له التزوج بالأخرى لعدم المحرمية بينهما لأن فرضها ‏رجلاً يخرجها عن كونها زوجة للابن.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:21 PM
المبحث الثالث
في المطلقة ثلاثاً



المطلقة ثلاثاً تحرم مؤقتاً على مطلقها فتحرم عليه حتى تتزوج آخر ويطلقها بعد الدخول ‏بها وتنقضي عدتها. فإذا زال المانع بأن تزوجت غيره ثم طلقها لسبب من الأسباب أو مات عنها ‏وانقضت عدتها حلت لزوجها الأول فجاز له أن يعقد عليها من جديد.‏
والدليل على هذا التحريم قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا ‏غَيْرَهُ} [البقرة: 230] فإن المراد بها الطلقة الثالثة بدليل قوله قبلها {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ ‏بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] ولابد في حلها له من دخول الزوج الثاني بها ‏دخولاً حقيقياً كما صرحت به السنة في قول رسول الله للمرأة التي تزوجت زوجاً آخر وأرادت ‏الرجوع إلى زوجها الأول قبل أن يدخل بها الثاني دخولاً حقيقياً: لا حتى تذوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوقَ ‏عُسَيْلَتَكِ".‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:22 PM
المبحث الرابع
في المرأة التي لاعنها زوجها حتى يكذب نفسه




إذا قذف الرجل زوجته بالزنى أو نفى ولدها عن نفسه ولم يثبت ذلك بالبينة التي تثبت ‏الزنى وهي أربعة شهود عدول، فعلى القاضي أن يجري بينهما اللعان، وهو أن يقسم الرجل أربع ‏مرات بالله إنه صادق في دعواه ويقول في الخامسة: إن عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين. وتقسم ‏هي أربع مرات بالله إنه كاذب في دعواه وتقول في الخامسة: إن عليها غضب الله إن كان من ‏الصادقين. فإذا فعلا ذلك تَمَّ اللعان بينهما ويفرق بينهما.‏
ذهب الحنفية إلى أنه تحرم عليه ولا تحل له إلا إذا عاد وكذب نفسه، فإذا كذب نفسه أقيم ‏عليه حد القذف، وحلَّت بعد ذلك فيجوز له أن يعقد عليها عقداً جديداً، وسبب هذا التحريم أنه بعد ‏حصول ذلك اللعان تنعدم الثقة بينهما، والزواج ينبني أولاً على وجود الثقة بين الزوجين، فإذا ما ‏كذب نفسه تعود الثقة فيحل العقد عليها إذا رغبت في ذلك، لأنه إذا أكذب نفسه فقد بطل حكم ‏اللعان، فكما يلحق به الولد كذلك ترد المرأة عليه، لأن السبب الموجب للتحريم إنما هو الجهل ‏بتعيين صدق أحدهما مع القطع بأن أحدهما كاذب فإذا انكشف ارتفع التحريم.‏
وذهب الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنبلية أن اللعان فسخ يوجب تحريماً مؤبداً لا ‏يرتفع بحال وإن أكذب نفسه للحديث الذي رواه أبو داود عن سهل بن سعد "مضت السنة في ‏المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً" وما رواه الدارقطني عن ابن عباس أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم قال "المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبداً".‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:24 PM
المبحث الخامس
في تحريم من لا تدين بدين سماوي




والمراد بها من لا تؤمن بكتاب سماوي أنزل على رسول من الرسل في حينه، ولتوضيح ‏هذا تقول: إن المخالفين للمسلمين في الدين أصنافٌ ثلاثة:‏
الأول: من ليس لهم كتاب سماوي ولا شبهة كتاب. وهؤلاء هم الذين يعبدون غير الله من ‏الأصنام والأوثان والشمس والقمر والنجوم والنار والحيوان وغير ذلك. ومنهم الملاحدة الذين لا ‏يدينون بدين مطلقاً ويحاربون الأديان كلها. ويلحق بهم بعض الشيعة الذين ينكرون المعلوم من ‏الدين بالضرورة فيعتقدون أن جبريل غلط في الوحي فأوحى إلى محمد مع أن الله أمره بالإيحاء ‏إلى علي، أو يدعون ألوهية علي، وكذلك المرتدون وهم الخارجون عن الإسلام وإن انتقلوا إلى ‏دين سماوي آخر لأنهم لا يقرون على ما انتقلوا إليه فلا دين لهم، كما يلحق بهم كل من اعتقد ‏مذهباً يخرج صاحبه من الإيمان إلى الكفر كالبابية أو البهائية، والقاديانية أو الأحمدية.‏
الصنف الثاني: من لهم شبهة كتاب، وهؤلاء هم المجوس الذي يعبدون النار فقد قيل إن ‏الله أنزل على نبيهم وهو زرادشت كتاباً فحرقوه وقتلوا نبيهم فرفع الله هذا الكتاب من بينهم.‏
الصنف الثالث: من لهم كتاب سماوي يؤمنون به كاليهود الذين يؤمنون بالتوراة ‏والنصارى الذي يؤمنون بالتوراة والإنجيل.‏
فالصنف الأول: يحرم على المسلم أن يتزوج بواحدة منه تحريماً مؤقتاً حتى تؤمن بالله.‏
كما لا يجوز للمسلمة أن تتزوج برجل من هؤلاء إلى أن يؤمن لقوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا ‏الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى ‏يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ ‏وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 221].‏
كما لا يجوز الزواج بهن ابتداء لا يجوز بقاءً، فيما إذا أسلم واحد منهم وكان متزوجاً بمن ‏تشاركه في عقيدته ولم تدخل في الإسلام فإنه يفرق بينهما وينتهي ذلك الزواج، لقوله تعالى:{وَلا ‏تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10].‏
والمراد بالكوافر المشركات. ولفظ المشرك وإن كان يتبادر منه عبدة الأوثان وكل من ‏عبد غير الله في لغة القرآن إلا أنه في عرف الشرعيين - بعد وجود طوائف عديدة - يشمل هؤلاء ‏جميعاً.‏
ويدخل في عبدة الأوثان الزنادقة والباطنية والإباحية وكل من اعتقد مذهباً يكفر به معتقده ‏لأن اسم المشرك يتناولهم جميعاً.‏
والحكمة في تحريم زواج المسلم بمن لا دين لها أن الزواج مشروع للأغراض الكريمة، ‏وزواج المشركة لا يحقق تلك الأغراض لبعد ما بين الزوجين.‏
فهذا يؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وتلك لا تؤمن بشيء ‏من ذلك، وكل منهما يتمسك بما يعتقده ويدافع عنه فيكونان على طرفي نقيض وحياتهما إما ‏منازعة ومخاصمة فلا يتحقق السكن، وإما مسالمة قد تستهوي فيها المرأة الرجل بما فيها من ‏جمال ولين طباع وأحكام التدبير لجذب زوجها إليها، فتزل قدمه فيتهاون في دينه أو يضيعه، ‏وهذا ما يشير إليه قوله تعالى في الآية السابقة تعليلاً للنهي عن ذلك الزواج {أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ‏النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ}.‏
وأما الصنف الثاني: فقد ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى تحريم تزوج المسلمين من ‏نسائهم، لأن حقيقة المجوس أنهم يعبدون النار فيدخلون في عداد المشركين الذي لا يدينون بدين ‏سماوي. وقد عدهم القرآن فرقة مغايرة لأهل الكتاب في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ ‏هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ‏‏[الحج: 17]. كما بين لنا رسول الله أنهم ليسوا بأهل كتاب ولا يحل التزوج منهم في قوله "سنوا ‏بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم" وهذا يدل على أنه لا كتاب لهم وهو ‏يأمر المسلمين أن يعاملوهم معاملة أهل الكتاب من حقن دمائهم وإقرارهم بالجزية دون التزوج ‏بنسائهم وأكل ذبائحهم.‏
وأما الصنف الثالث: فيحل التزوج بنسائه عند جماهير الفقهاء لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ ‏لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} إلى قوله {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ‏مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ ‏فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5]. والمراد بأهل الكتاب في هذه الآية ‏أهل التوراة والإنجيل.‏
‏- وهل يشترط في حل الكتابية أن يكون أبواها كتابيين أو يكفي أن يكون أحدهما كتابياً ‏والآخر وثنياً أو مجوسياً؟
ذهب الحنابلة والشافعية في الأظهر عندهم إلى أنه يشترط في حلها أن يكون أبواها ‏كتابيين فلو كان أحدهما كتابياً والآخر غير كتابي لا تحل حتى ولو كانت بالغة واختارت دين أهل ‏الكتاب، لأنها ليست خالصة من أهل الكتاب لأنها مولودة بين من يحل ومن لا يحل. ‏
وذهب الحنفية إلى الاكتفاء بكون أحدهما كتابياً لأنها تكون تابعة لأفضلهما ديناً فتعطى ‏حكم أهل الكتاب كما لو كان أحد الأبوين مسلماً، فإن الولد يتبع خير الأبوين ديناً.‏
وقد كان عمر رضي الله عنه ينهى عن التزوج بالكتابيات خشية الفتنة وإلحاق الضرر ‏بالمسلمات. ورد عن إبراهيم عن حذيفة أنه تزوج يهودية بالمدائن. فكتب إليه عمر: أن خل ‏سبيلها، فكتب إليه: أحرام هي يا أمير المؤمنين؟ فكتب إليه عمر: أعزم عليك أن لا تضع كتابي ‏هذا حتى تخلي سبيلها، فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن ‏وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين.‏
ويُروى أن عمر قال للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب: طلقوهن فطلقوهن إلا حذيفة ‏فقال له عمر: طلقها. قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي خمرة طلقها، قال: قد علمت أنها خمرة ‏ولكنها لي حلال فلما كان بعد طلقها، فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر ؟ قال: كرهت أن يرى ‏الناس أني ركبت أمراً لا ينبغي لي.‏
فليت الذي يتسابقون في التزوج بالأجنبيات من أهل الكتاب يتدبرون تلك المعاني التي من ‏أجلها منع الفاروق بعض الصحابة من الإبقاء على زواجهن. وحكم أكثر الفقهاء عليه بالكراهة، ‏ليتهم يفكرون بعقولهم ولا يسيرون وراء هذا السراب الخادع، ولا يغرنهم إسلام هؤلاء بعد ‏الزواج أو قبله فإنه إسلام ظاهري لغرض، ولا أدل على ذلك من أن أغلب هؤلاء حتى بعد ‏إسلامهن الصوري يطبعن بيوتهن بطابع غير إسلامي مما لا يخفى على أحد.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:25 PM
المبحث السادس
في جمع الرجل بين أكثر من أربع زوجات في عصمته




ويتحقق هذا بزواج الخامسة فمن جمع بين أربع زوجات يحرم عليه أن يتزوج بخامسة ‏تحريماً مؤقتاً حتى ينتهي زواجه من إحداهن إما بالموت أو الطلاق.‏
فإذا فعل ذلك كان العقد فاسداً يجب عليه أن يفارقها فإن لم يفعل فرق القاضي بينهما فإن ‏كان قبل الدخول لا تستحق شيئاً وإن كان بعده وجب لها مهر المثل إن لم يكن سمى لها مهراً أو ‏الأقل من المسمى ومهر المثل إن وجدت التسمية. ‏
يستوي في ذلك كون الأربع زوجات حقيقة كلهن أو بعضهن زوجات والبعض معتدات ‏أو كلهن معتدات، فلو كان متزوجاً بأربع وطلقهن طلاقاً رجعياً حرم عليه التزوج بخامسة قبل ‏انتهاء عدتهن أو انتهاء عدة إحداهن إذا سبقت الأخريات باتفاق الفقهاء.‏
أما إذا كان الطلاق بائناً:‏
فذهب الحنفية إلى منع التزوج أيضاً حتى تنتهي العدة.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى حل التزوج في العدة.‏
والدليل على هذا التحريم قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا ‏طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ‏‏[النساء:3]، هذه الآية جاءت لبيان العدد المباح من الزوجات وقد جعلت غايته أربعاً. ولو كانت ‏الزيادة مباحة لما اقتصرت على هذا العدد.‏
ثم جاءت السنة الشارحة مؤكدة لذلك فكان العربي إذا أسلم مع زوجاته وكان يجمع أكثر ‏من أربع أمره رسول الله أن يمسك أربعاً منهن ويفارق الباقي فقد روى أحمد والترمذي وابن ‏ماجه عن ابن عمر: أن غيلان الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي ‏صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً ويفارق سائرهن.‏
وروى أحمد وأبو داود عن قيس بن الحارث قال: أسلمت وتحتي ثمان نسوة فأتيت النبي ‏صلى الله عليه وسلم فقلت له ذلك فقال: اختر منهن أربعاً.‏
هذا هو العدد الذي جاء الإسلام بإباحته من الزوجات كما نطقت به الآية وأكدته السنة ولم ‏يؤثر عن أحد من الصحابة ومن جاء بعدهم ممن يعتد بإسلامه أنه زاد على هذا العدد لا في ‏خاصة نفسه ولا في فتواه لغيره.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:27 PM
المبحث السابع
الجمع المشروع




شرع الله تعداد الزوجات. وبعبارة أدق أقره بعد أن حدده وقصره على أربع وجعله ‏مرتبطاً بالعدل والمساواة بين الزوجات يباح عند الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور، فإذا انتفى ‏الوثوق وخيف توقع الظلم فالتعدد حرام {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}.‏
وهناك قيد آخر هو القدرة على الانفاق على أكثر من زوجة، لأن القدرة شرط في إباحة ‏أصل الزواج. لقوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} ‏‏[النور: 33] ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ‏فليتزوج" فإذا توفر الأمران الوثوق من العدل، والقدرة على الإنفاق ومتطلبات المعيشة الثنائية أو ‏الثلاثية جاز التعدد، وإن انعدما أو انعدم أحدهما حرم التعدد وأثم فاعله، لكن هذا التحريم ديني لا ‏يقع تحت سلطان القضاء، لأن العدل أمر نفسي لا يعلم إلا من جهته، والقدرة على الإنفاق أمر ‏نسبي ليس له ميزان واحد يحدد به فهما متروكان إلى الشخص يقدرهما ولأنهما يتعلقان ‏بالمستقبل، فالعاجز قد يصير قادراً والظالم قد يتبدل حاله فيعدل، فإذا عقد العقد دون توفر ‏الشرطين أو أحدهما يكون العقد في ذاته صحيحاً، بل يكون فاعله آثماً إن وقع منه جور أو عجز ‏عن الإنفاق يحاسبه الله عليه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:28 PM
الباب الرابع
الولاية والكفاءة والوكالة في الزواج

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:29 PM
الفصل الأول
‏28. الولاية في عقد الزواج




‏29-‏ شروط الولي.‏
‏30-‏ الولاية القاصرة.‏
‏31-‏ في من تثبت له الولاية المتعدية.‏
‏32-‏ أنواع الولاية المتعدية وعلى من تثبت كل منهما:‏

التعريف بالولاية :‏
الولاية في اللغة مصدر ولي، يقال: ولي الشيء أو عليه يليه ولاية إذا ملك أمره وكان له ‏حق القيام به، فهي إذاً سلطة يملكها المرء على شيء من الأشياء. ومنها أخذت كلمة الوالي لأنه ‏صاحب سلطة ونفوذ على قطر معين.‏
وفي اصطلاح الفقهاء عبارة عن سلطة تجعل لمن تثبتت له القدرة على إنشاء التصرفات ‏والعقود وتنفيذها. فإن كانت متعلقة بشئونه كتزويجه نفسه أو التصرف في ماله فهي الولاية ‏القاصرة.‏
وإن كانت متعلقة بشئون غيره كأن يزوج ابنته أو حفيدته أو يتصرف في ماله وأولاده ‏فهي الولاية المتعدية، والولاية المتعديةنوعان:‏
ولاية على النفس: وهي التي تجعل لصاحبها القدرة على التصرف في الأمور المتعلقة ‏بشخص المولى عليه كالتربية والتعليم والتزويج.‏
وولاية على المال: وهي التي تجعل لصاحبها القدرة على إنشاء العقود الخاصة بالأموال ‏وتنفيذها.‏
وهما يختلفان بعد هذا من ناحية من تثبت له ومدة ثبوتها وليس بينهما تلازم، فقد توجد ‏ولاية على النفس فقط، وأخرى على المال فقط، وثالثة عليهما.‏
وكلامنا هنا ينحصر في الولاية على النفس، وبعبارة أدق في الولاية في عقد الزواج، ‏وهي السلطة التي يستطيع بها الشخص إنشاء عقد زواج نافذ لنفسه أو لغيره، فهي بدورها قاصرة ‏ومتعدية ولكل منهما سبب يثبت به.‏
أما القاصرة فليس لها إلا سبب واحد وهو الرشد. فمتى كان الشخص بالغاً عاقلاً رشيداً ‏ثبت له سلطة تزويج نفسه.‏
أما المتعدية فلها أكثر من سبب.‏
فقد يكون سببها الملك وهذه ولاية السيد على عبيده وإمائه.‏
وقد يكون سببها القرابة النسبية كولاية الأب على أولاده الصغار أو الكبار فاقدي العقل.‏
وقد يكون سببها الإمامة: وهي ولاية الحاكم رئيس الدولة ومن ينيبه من القضاة فهذه ‏الولاية تجعل لهم سلطة تزويج من لا ولي لهم بصفتهم حكاماً، لا بصفتهم الشخصية. لأن القاعدة ‏الشرعية المقررة تقول "الولاية الخاصة مقدمة على الولاية العامة عند تعلقهما بشيء واحد".‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:31 PM
المبحث الأول
‏29-‏ في شروط الولي




يشترط في الولي باتفاق الفقهاء شرطان:‏
الأول: أن يكون كامل الأهلية. بأن يكون حراً بالغاً عاقلاً. ففاقد الأهلية كالصغير غير ‏المميز والمجنون لا ولاية له على نفسه، لأن عبارته ملغاة في نظر الشارع فأولى ألا تثبت له ‏ولاية على غيره.‏
وناقص الأهلية كالصبي المميز وذي الغفلة لا يملك تزويج نفسه وحده بل يتوقف نفاذ ‏عقده على إجازة وليه، وحينئذ لا تكون له ولاية على غيره.‏
الثاني: أن يكون متحداً في الدين مع المولى عليه، لأنهما باتحاد الدين تتفق وجهات ‏نظرهما في تقدير المصلحة، ولأن عقد الزواج عقد ديني فيجب اتحاد الدين، ولأن الولاية في ‏الزواج تتبع الإرث ولا إرث بين المختلفين ديناً.‏
وقد استثنوا من هذا الشرط صاحب الولاية العامة كالقاضي، لأن ولايته مستعدة من ‏ولاية الحاكم رئيس الدولة وولايته عامة على المسلمين وغيرهم. وهو ولي من لا ولي له.‏
هل يشترط في الولي العدالة بحيث لا يملك الفاسق أن يزوج غيره؟
ذهب الشافعي وأحمد في أحد قوليهما أنها شرط لحديث "لا نكاح إلا بولي مرشد" ‏وفسروا المرشد بالرشيد والفاسق ليس برشيد.‏
وذهب أبو حنفية ومالك إلى أنها ليست شرطاً، ويوافقهما الشافعي وأحمد في القول ‏الآخر. وعلى هذا يجوز للفاسق أن يتولى عقد الزواج لمن في ولايته، لأن الفاسق له ولاية كاملة ‏على نفسه بحيث يزوج نفسه فلا مانع من أن يتولى أمر غيره، لأن عماد هذه الولاية هو الشفقة ‏ورعاية المصلحة، وفسقه لا يمنع من شفقته بأولاده ولا يحول دون رعاية المصلحة لقريبه، ‏فيستوي في ذلك مع العدل فتثبت له ولاية التزويج.‏
ولاحتمال تهاونه في تقدير المصلحة قالوا: إنه إن كان فاسقاً متهتكاً لا يبالي بقبح ما ‏يصنع يشترط لتنفيذ عقد زواجه لابنته أن تتوافر فيه المصلحة بأن يكون الزواج من الكفء ‏وبمهر المثل، فإن لم يكن كذلك لا ينفذ، ويكون حكمه في ذلك حكم الأب المعروف بسوء الرأي ‏والاختيار وهو عدل فإنه لا تسلب ولايته على ابنته الصغيرة بسوء رأيه ولكن عقده لها مشروط ‏بالمصلحة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:32 PM
المبحث الثاني
‏30-‏ في الولاية القاصرة في الزواج ولمن تثبت




قدمنا أن الولاية تتنوع إلى نوعين قاصرة ومتعدية.‏
أما الولاية القاصرة وهي التي يملك فيها الشخص تزويج نفسه فتثبت بالاتفاق للرجل ‏البالغ العاقل. فيملك أن يزوج نفسه بأي امرأة سواء كانت مكافئة له أو أقل منه بمهر المثل أو ‏بأكثر منه دون أن يكون لأحد الاعتراض عليه في ذلك.‏
وأما المرأة البالغة العاقلة بكراً كانت أو ثيباً فقد اختلف الفقهاء في ثبوت هذه الولاية ‏لها. ومن ثم اختلفوا في صحة الزواج بعبارتها.‏
فذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وابن حنبل في المشهور عنه إلى أنه لا يجوز لها أن ‏تباشر عقد الزواج لنفسها ولا لغيرها، بل إذا وكلت رجلاً غير وليها بتزويجها لا يصح هذا ‏الزواج، لأنها لا تملك تزويج نفسها فلا تستطيع تمليك غيرها ما لا تملكه.‏
وذهب الحنفية إلى جواز ذلك بصرف النظر عن اختلافهم في استقلالها بذلك أو لا، ‏فيجوز لها أن تزوج نفسها وأن تكون وكيلة لغيرها إيجاباً وقبولاً وإن كانوا يقولون: يستحب لها ‏أن تستأذن وليها فإن لم تفعل كان عملها مكروهاً.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:33 PM
المبحث الثالث
في من تثبت له الولاية المتعدية




اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أن هذه الولاية تثبت للعصبة بالنفس من الأقارب. ‏وهم كل قريب رجل يتصل بالمولى عليه اتصالاً لا ينفرد بالتوسط بينهما فيه أنثى. ويشمل ذلك ‏أصوله من الأب والجد أبي الأب وإن علا، وفروعه وهم الأبناء وأبناؤهم وإن نزلوا، وفروع ‏أبويه من الذكور وهم الاخوة سواء كانوا أشقاء أو لأب وأبناؤهم وإن نزلوا، وفروع الأجداد وهم ‏الأعمام وأبناؤهم كذلك.‏
غير أن الشافعية لم يجعلوا للأبناء وأبنائهم ولاية إلا إذا وجدت صفة أخرى غير البنوة.‏
كما اتفقوا على أنها تثبت للحاكم أو نائبه إذا لم يوجد ولي من الأقارب، أو حصل عضل ‏منه بالامتناع عن التزويج عند الحاجة.‏
واختلفوا في ثبوتها للوصي. فمنعها الحنفية والشافعية، وأثبتها المالكية مطلقاً ‏والحنابلة في رواية. كما اختلفوا في ثبوتها لغير العصبة من الأقارب، فأثبتها أبو حنيفة : ‏للأقرباء الورثة من أصحاب الفروض وذوي الأرحام، ولا تنتقل إلى الحاكم مع وجود واحد من ‏هؤلاء.‏
ذهب الحنفية إلى أن الولاية في الزواج تثبت أولاً للعصبات النسبية بالترتيب الآتي:‏
فروع الشخص من الذكور كالابن وابن الابن وإن نزل، ثم أصوله. كالأب والجد لأب ‏وإن علا، ثم فروع أبويه من الذكور كالاخوة الأشقاء والاخوة لأب وأبنائهم، ثم فروع الأجداد ‏كذلك كالأعمام لأبوين أو لأب وأبناء الأعمام.‏
فإذا كان للقاصر عاصب واحد من هؤلاء تثبتت الولاية له، وإن كان له أكثر من عاصب ‏فإن اختلفت جهتهم قدم من كان من فروعه على من كان من أصوله، ثم من كان من أصوله على ‏من كان من فروع الأبوين، ثم من كان من فروع الأبوين على من كان من فروع الأجداد.‏
فالابن مثلاً يقدم على الأب، والجد على الأخ، والأخ على العم وهكذا.‏
وإن اتحدت الجهة فإن اختلفت الدرجة قدم الأقرب درجة، فالابن يقدم على ابن الابن، ‏والأب على الجد، والأخ ولو كان لأب على ابن الأخ الشقيق وهكذا.‏
فإن اجتمع أخوان أحدهما شقيق والآخر لأب قدم الشقيق، وكذلك إذا اجتمع عمان أو ابنا ‏أخوين، وإن اتحدت الجهة والدرجة وقوة القرابة كأخوين شقيقين أو لأب أو عمين شقيقين أو لأب ‏تثبت الولاية لكل منهما كاملة لأنها ثبتت بسبب لا يتجزأ وهو القرابة، فتثبت لكل واحد من ‏الأولياء المتساويين على الكمال كأنه ليس معه غيره.‏
فإذا زوج أحدهما القاصر صح ذلك، وإن زوجه كل منهما بدون علم الآخر صح السابق ‏منهما إن علم، فإن لم يعلم السابق وكان المزوج ذكراً صح العقدان لعدم المانع، وإن كان أنثى ‏أبطل العقدان لعدم المرجح لأحدهما على الآخر وهي لا يصح زواجها لأكثر من واحد في وقت ‏واحد.‏
فإذا لم يوجد ولي عاصب هل تنتقل الولاية إلى الأقارب الوارثين من أصحاب الفروض ‏وذوي الأرحام ثم من بعدهم إلى القاضي. أو تنتقل بعد العصبات إلى القاضي؟
ذهب أبو حنيفة أنها تنتقل إلى هؤلاء الأقارب قبل القاضي ولا تنتقل إليه إلا إذا لم يوجد ‏واحد منهم.‏
‏ ‏
فتثبت أولاً للأم ثم أم الأب ثم أم الأم ثم البنت ثم بنت الابن ثم بنت بنت البنت ثم الجد لأم ‏ثم الأخت الشقيقة ثم الأخت لأب ثم الإخوة والأخوات لأم، ثم أولاد هؤلاء على الترتيب السابق، ‏ثم للعمات مطلقاً والأعمام لأم ثم الأخوال والخالات ثم بنات الأعمام ثم أولادهم.‏
فإن لم يوجد أحد من هؤلاء انتقلت الولاية إلى القاضي.‏
غيبة الولي القريب وعضله:‏
إذا عرفنا الأولياء فكل واحد منهم إذا كان مستوفياً لشروط الولاية يحجب من بعده، فإذا ‏تولى الولي البعيد العقد مع وجود القريب توقف العقد على إجازة من له الولاية كتزويج الأخ ‏لأخته وأبوه حاضر، لكن قد يغيب الولي القريب أو يمتنع عن التزويج فهل تنتقل الولاية لمن ‏بعده؟
إذا غاب الولي القريب وجاء الخاطب الكفء وهو لا ينتظر حضور الغائب أو معرفة ‏رأيه، فإن الولاية تنتقل إلى من يليه خوفاً من فوات المصلحة، ولأن الولاية ثابتة للبعيد بأصل ‏قرابته إلا أنها مؤخرة لكون القريب أوفر شفقة، فإذا تعذر قيام الولي بعقد العقد كان الحق للبعيد ‏في هذه الحالة.‏
وعلى ذلك ليس للغائب إذا حضر أن يعترض على هذا العقد، لأنه اعتبر في حال غيبته ‏كالمعدوم وهذا عند أبي حنيفة.‏
وإذا امتنع الولي صاحب الحق عن التزويج، فإذا كان امتناعه لسبب ظاهر كعدم كفاءة ‏الزوج أو لأن المهر أقل من مهر المثل، أو لوجود خاطب آخر يفوق الأول في مزاياه لا يعد ‏عاضلاً في هذه الحالة ولا تنتقل الولاية لغيره، فليس لمن بعده من الأولياء تولي العقد، كما لا ‏يملك القاضي توليه لعدم الظلم في هذه الحالة.‏
أما إذا امتنع من غير سبب يبيح له ذلك كان في هذه الحالة عاضلاً أي ظالماً، وحينئذ لا ‏تنتقل الولاية لمن بعده من الأولياء لعدم سقوط ولاية الممتنع بل تنتقل إلى القاضي فيتولى العقد ‏نيابة عنه، لأن ما فعله ظلم يؤدي إلى تنازع الأولياء، وهو مكلف برفع الظلم.‏
ويعد الولي عاضلاً إذا امتنع عن التزويج عند حاجة المولى عليها إليه، كما إذا طلبت ‏الحرة البالغة العاقلة الإنكاح من كفء موجود راغب فيها بمهر المثل، فإنه يجب عليه التزويج ‏لأن امتناعه ظلم وهو منهي عنه، فإذا لم يفعل تولى القاضي نيابة عنه.‏
وكذلك تنتقل إلى القاضي فيما إذا وجد أولياء في درجة واحدة وتنازعوا وخيف أن يؤدي ‏تنازعهم إلى فوات الخاطب الكفء.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:34 PM
المبحث الرابع
في أنواع الولاية المتعدية وعلى من تثبت كل منهما




اتفق الفقهاء على أن هذه الولاية تتنوع إلى نوعين:‏
ولاية جبرية: وهي التي تُخَوِّلُ لصاحبها الاستقلال بإنشاء عقد الزواج دون أن يكون ‏للمولى عليه دخل فيه، ولذا سماها بعض الفقهاء ولاية استبدادية لاستبداد الولي فيها إنشاء العقد ‏دون مشاركة من المولى عليه.‏
وولاية لا جبر فيها: وهي التي تخول للولي تزويج المولى عليه بناء على اختياره ‏ورغبته فلا يستقل بالعقد، ولكن الفقهاء اختلفوا في تسميتها، فالحنفية في الراجح من مذهبهم ‏يسمونها ولاية ندب واستحباب. على معنى أنه يستحب للولي مباشرة العقد نيابة عن المولى عليه ‏بعد أن يتم الاختيار من جهته، كما يستحب للمولى عليه أن يكل مباشرة العقد للولي، حيث يصح ‏له أن يباشره بنفسه.‏
ويسميها المالكية ولاية اختيار حيث لا جبر فيها على المولى عليه.‏
ويسميها الشافعي ولاية شركة لاشتراك كل من الولي والمولى عليه في اختيار الزوج، ‏فلا يتم العقد إلا بتلك المشاركة، ولا فرق بينهما إلا أن الشافعية يمنعون تولي المولى عليه العقد ‏لأنه امرأة.‏
ولكل من الولايتين أحكام تخالف أحكام الأخرى: وإليك البيان:‏
أما الولاية التي لا جبر فيها "ولاية الندب والاستحباب" فتثبت لكل الأولياء عموماً لا ‏فرق بين ولي وولي حسب الترتيب في كل مذهب كما قدمنا.‏
وتثبت هذه الولاية على المرأة البالغة العاقلة وإن كانت رشيدة، هذا القدر متفق عليه بين ‏الأئمة في الجملة، لكنهم اختلفوا وراء ذلك في أنها هل تثبت على تلك المرأة مطلقاً بكراً كانت أو ‏ثيباً، أو أنها مقيدة بقيد بحيث لو لم يوجد كانت الولاية إجبارية ؟.‏
فالحنفية لا يشترطون فيها شيئاً، ويوافقهم الحنابلة في إحدى الروايتين عندهم والشافعية ‏يشترطون فيها الثيابة فإن كانت بكراً فالولاية عليها إجبارية. وهي رواية عند الحنابلة.‏
ويوافقهم المالكية في القول المشهور عندهم فإنه يقرر أن البكر البالغة تثبت عليها ولاية ‏الإجبار ولو بلغت ستين سنة أو أكثر.‏
بم يكون الرضا؟
يتحقق الرضا من الثيب بالقول وبالفعل كمطالبتها بالمهر والنفقة، وتمكينها من نفسها ‏لحديث "الثيب يُعرب عنها لسانها" والفعل يدل على ما يدل عليه القول. وقول رسول الله لبريرة ‏‏"إن وطئك زوجك فلا خيار لك".‏
أما البكر فرضاها يتحقق بهذين الطريقين، وبأمر ثالث وهو السكوت لحديث "وأذنها ‏صُماتها"، ولأنها تستحي من النطق بالإذن من النكاح لما فيه إظهار رغبتها في الرجال فتنسب ‏إلى الوقاحة، فلم يجعل سكونها إذناً وُشرِط استنطاقها - وأنها لا تنطق عادة - لفاتت عليها مصالح ‏الزواج مع حاجتها إلى ذلك وهذا لا يجوز، والسكوت وإن كان محتملاً للرضا وعدمه إلا أنه ‏يترجح جانب الرضا، لأنها لو لم تكن راضية لردت، لأنها إن كانت تستحي من الإذن فلا تستحي ‏من الرد فلما سكتت ولم ترد دل على أنها راضية.‏
ويقوم مقام السكوت كل فعل يدل على الرضا. كالتبسم أو الضحك من غير استهزاء، ‏وقالوا: ومنه البكاء بدون صوت فإنه بكاء الفرح.‏
المراد بالبكر والثيب:‏
ليس المراد بالبكر والثيب هنا حقيقتهما اللغوية، لأن حقيقة البكارة بقاء العُذرة، وحقيقة ‏الثيابة زوالها، والحكم هنا ليس مبيناً على ذلك بالإجماع، لأن أحكام الولاية لا تقف عند هذا ‏المعنى، بل هناك صور ممن ذهبت عُذرتها تعامل معاملة البكر في الزواج وما يتعلق به من ‏الولاية.‏
فالثيب هنا: من ذهبت عذرتها بمقاربة جنسية يتعلق بها ثبوت النسب وهي ما كانت ‏بزواج صحيح أو فاسد أو بشبهة توجب لها المهر بالاتفاق بين الفقهاء.‏
أما من ذهبت بكارتها بعارض كوثبة أو ضربة أو جراحة أو دفعة حيض شديدة فتعامل ‏معاملة البكر بالاتفاق مع كونها ثيب بالغة. لبقائها على حيائها حيث لم تمارس أحداً من الرجال، ‏كما أنها لم تباشر الإذن بعقد الزواج، أو يقال: إنها بكر حقيقة. لأن مصيبها بعد زوال عذرتها أول ‏مصيب لها. ومنه الباكورة وهي أول الثمار.‏
لكن الفقهاء اختلفوا فيمن زالت بكارتها بالزنى:‏
ذهب الشافعي في الأصح وأحمد في المشهور إلى أنها ثيب تعامل معاملة الثيب في ‏الزواج لا فرق في ذلك بين المطاوعة والمكرهة.‏
قالوا: إن هذه ثيب حقيقة لغة وشرعاً بما حصل منها فإن مصيبها عائد إليها، ومنه المثابة ‏الموضع الذي يرجع إليه، فدخلت في الثيب في الحديث. وقد فرق بينها وبين البكر.‏
ولأنها تشبه الموطوءة بشبهة، وقد اتفق الجميع على أنها ثيب فتكون هذه مثلها.‏
ولأن البكر يكتفى بسكوتها لحيائها وهذه قد ذهب حياؤها بمخالطتها الرجال بهذا الطريق ‏المحرم على أن الحياء أمر خفي لا يمكن الوقوف عليه وإنما يعرف بمظنته وهي البكارة وقد ‏زالت بالزنى.‏
وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية إلى أنها تعامل معاملة البكر إذا لم تشتهر ‏بالزنى على الأصح، لأن علة الاكتفاء بصمات البكر الحياء كما جاء بالحديث، والحياء من ‏الشيء لا يزول إلا بمباشرته، وهذه لم تباشره بالإذن في النكاح فبقي حياؤها منه بحاله.‏
ولهذا لم تدخل البكر التي زالت عذرتها بالوثبة ونحوها في الثيب في هذا الحديث وإن ‏كانت ثيباً حقيقة، وأن الشارع ندب إلى الستر على الزنى، ومعاملتها معاملة الثيب في هذا ‏الموضع تشهير بها يتنافى في الستر المطلوب.‏
أما ولاية الإجبار فقد اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أنها تثبت على الصغير والبكر ‏الصغيرة والمجانين والمعاتية ذكوراً وإناثاً إذا وجدت مصلحة في تزويجهم.‏
واختلفوا في ثبوتها على الثيب الصغيرة والبكر البالغة العاقلة.‏
ذهب المالكية إلى ثبوت ولاية الجبر عليهما لأن علة الجبر عندهم إما الصغر أو البكارة.‏
وذهب الشافعية إلى ثبوتها على البكر الكبيرة فقط، لأن علة الجبر هي البكارة لجهلها ‏بأمر الزواج لعدم ممارسته بالتجربة فتكون عاجزة عن اختيار الزوج الملائم، وعلى هذا لو زوج ‏الأب الصغيرة ثم دخل بها الزوج ثم طلقت لا يجوز للأب تزويجها حتى تبلغ فتستشار إذ لا حاجة ‏إلى زواجها ثانية حيث لم تنجح التجربة الأولى فلا داعي لتكرارها، وهي لا تزوج إلا بأمرها كما ‏صرح الحديث "الثيب تستأمر" ولا أمر لها ما دامت صغيرة فينتظر حتى تبلغ ليكون لها أمر.‏
وذهب الحنفية والحنابلة في أرجح الرأيين عندهم إلى ثبوت الولاية الجبرية على الثيب ‏الصغيرة دون البكر البالغة، لأن علة الجبر هي الصغر، ولذلك تثبت على الصغير وهو لا ‏يوصف بالبكارة ولا بالثيابة، لأن الصغر، يصحبه العجز عادة عن اختيار الزوج ويلحق به ما في ‏معناه من عته أو جنون.‏
والثيب الصغيرة كانت الولاية ثابتة عليها قطعاً قبل الثيوبة فكان الولي يملك جبرها على ‏الزواج إذا وجد مصلحتها في ذلك لتستوفي حظها منه بعد البلوغ لعجزها عن ذلك بنفسها وقدرة ‏الولي عليه، والثيابة التي عرضت لها لا تصلح مانعاً من تزويجها بل تجعلها أحوج إلى التزويج ‏من البكر لأنها مارست الرجال وصحبتهم، فإذا ثبتت الولاية على البكر فأولى أن تبقى على الثيب ‏الصغيرة.‏
من تثبت له ولاية الإجبار؟
للفقهاء في ذلك آراء، يثبتونها للأب والجد فقط لأن ثبوتها للأب ثبت بتزويج أبي بكر ‏الصديق ابنته عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي صغيرة.‏
والجدُّ مثل الأب في كثير من الأحكام حيث يتصرف في مالها كالأب فيأخذ حكمه في ‏ثبوت الولاية، ويقتصر على هذين لوفور شفقتهما التي لا تتوفر في غيرهما من العصبات.‏
وأضافوا الحاكم للأب والجد في ثبوت الولاية الجبرية على المجانين والمعاتية.‏
وذهب المالكية والحنابلة في المشهور عندهم إلى إثباتها للأب ووصيه، لأن الوصي ‏قائم مقام الأب واختياره يدل على ذلك، فإن الأب لا يختار وصياً لتزويج ابنته إلا إذا كان موفور ‏الشفقة حريصاً على مصلحة ابنته.‏
غير أن المالكية يقيدون ولاية الإجبار للوصي بحالتي ما إذا عين الأب الزوج أو فوض ‏له الأمر بأن يزوجها من يشاء، فإذا ملك الوصي الإجبار لا يزوجها إلا بمهر المثل وبالزوج ‏الكفء بخلاف الأب فإنه يملك الإجبار مطلقاً.‏
وذهب الحنفية إلى إثباتها للعصبات، واستدلوا بإجماع الصحابة، وبما روي عن علي ‏كرم الله وجهه "النكاح إلى العصبات" فقد روى مرة موقوفاً عليه وأخرى مرفوعاً لرسول الله، ‏ولوجود الشفقة عند سائر العصبات غير أنهم لما كانوا مختلفين في قوة القرابة والشفقة اختلف ‏الحكم في تزويجهم حيث يكون تارة لازماً، وأخرى غير لازم:‏
ففي تزويج الأب والجد والابن بالكفء والمهر المناسب يكون العقد لازماً لا تخيير فيه، ‏وفي تزويج غيرهم جعل للمولى عليه الخيار عند البلوغ إذا كان صغيراً أو الإفاقة إن كان مجنوناً ‏ليتدارك الخطأ الذي يكون في تزويجهم.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:35 PM
الفَصل الثّاني ‏
في الكفاءة في الزواج

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:37 PM
المبحث الأول في تعريفها والأمور التي تعتبر فيها




الكفاءة في اللغة: المساواة والمماثلة مطلقاً . يقال : فلان كفء لفلان أي مساوٍ له ‏ومماثله.‏
وفي اصطلاح الفقهاء أي المطلوبة في الزواج: يراد بها مساواة خاصة. وهي المساواة ‏أو المقاربة بين الزوجين في أمور مخصوصة بحيث لو اختلف كانت الحياة الزوجية غير مستقرة ‏لما يلحق الزوجة وأولياءها من التعير والأذى، ولقد اختلف فقهاء المسلمين في جعلها شرطاً في ‏الزواج، كما أن الشارطين لها اختلفوا فيما تعتبر فيه الكفاءة، والسبب في ذلك أن القرآن لم ‏يعرض لهذا الأمر، بل جاء فيه {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، والسنة جاءت ‏موافقة له في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى".‏
فالقرآن والسنة متفقان على أنه لا فضل لأحد على غيره إلا بالدين والخلق، غير أن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في شأن الزواج : "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه ‏فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"، وعلى هذا الأصل أمر رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند وكان حجاماً، كما أمر قوماً من الأنصار أن يزوجوا ‏بلالاً الحبشي عند امتناعهم عن تزويجه، وزوج أبو حذيفة بنت أخيه الوليد عتبة من سالم الذي ‏تبناه وهو مولى امرأة من الأنصار كما رواه البخاري وأبو داود وغيرهما، ومن ذلك ترى أن ‏الأساس في الكفاءة الزوجية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الدين والخلق، وعلى ‏هذا القدر اقتصر بعض فقهاء الصحابة والتابعين.‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الكفاءة حق للزوجة وأوليائها.‏
وذهب أحمد في رواية إلى جعلها حقاً للشارع فلا تسقط بإسقاط المرأة ووليها.‏
وفي الرواية الأخرى يوافق الجمهور ويجعلها حقاً للزوجة والأولياء من العصبات لأنهم ‏يتعيرون عند الزواج بدونها.‏
وإذا أضفنا إلى ذلك أن الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كانوا ‏يتفاخرون إلا بالسبق في الإسلام ومنزلة الرجل فيه، ولم يكن المال عندهم إلا وسيلة للحياة. فلم ‏يكن بينهم تعير بفقر ولا فخر بغنى، ومثل ذلك يقال في الحرف، وما كان الواحد منهم يأنف من ‏أن يتزوج ابنته لفقير أو صاحب حرفة بسيطة، ما دام دينه سليماً وخلقه مرضياً.‏
وإن الزواج كما عرفناه عقد الحياة، يربط بين الأسر ويجعل الزوج كفرد من أفراد أسرة ‏زوجته، والناس في كل عصر تختلف عاداتهم فيما يتعيرون منه.‏
وإن اشتراط الكفاءة فيه لم يكن إلا وسيلة لدعمه واستقراره ليؤتى ثمرته المرجوة منه.‏
ولا مانع شرعاً من اعتبار أمور أخرى في الكفاءة ما دامت لا تخرج عن نطاق الشريعة ‏وأن هذه الأمور تختلف من عصر لآخر ومن بيئة لأخرى، ومن هنا جاء اختلاف الأئمة في ‏الأمور التي تعتبر فيها الكفاءة:‏
ذهب مالك إلى أن الكفاءة تعتبر في الدين أي التدين. بأن يكون الزوج ذا دين، أي غير ‏فاسق مع السلامة من العيوب الجسمية التي لا يمكن الحياة معها إلا بضرر، وجعلوا الأول حقاً ‏للزوجة والأولياء، والثاني حقاً لها خاصة.‏
وذهب الشافعي إلى اعتبارها في أمور خمسة: الدين والنسب والحرفة والحرية، والخلو ‏من العيوب المثبتة للخيار. كالجنون والجذام والبرص، وقد زاد بعض أصحابه أمراً سادساً وهو ‏المال، والأصح عدم اعتباره، لأن المال غاد ورائح ولا يفتخر به أهل المروءات.‏
وذهب أحمد إلى روايات مختلفة فيها: ففي بعضها تعتبر في التدين فقط. وفي أخرى ‏تعتبر في التدين والنسب، وفي ثالثة في الدين والنسب والحرفة.‏
وذهب الحنفية إلى اعتبارها في أمور ستة. وهي النسب والإسلام والحرية والحرفة، ‏والمال والديانة على خلاف بينهم في بعضها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:39 PM
المبحث الثاني
‏34-‏ في أي الجانبين تشترط فيه الكفاءة ؟ وصاحب الحق فيها




تشترط الكفاءة في جانب الرجل فقط لأمور.‏
أولاً: أن المرأة هي التي تعير بزواج غير الكفء، كما أن أهلها يعيرون بذلك، أما الرجل ‏فلا يلحقه هو ولا أسرته معرة بزواج امرأة لا تساويه في المنزلة، ولو فرض وتعير بها استطاع ‏أن يتخلص منها بالطلاق.‏
ثانياً: أن الرجل له القوامة على المرأة، فسلطة التوجيه له لا لها، فلابد من مساواته لها ‏على الأقل حتى تتقبل منه التوجيه، لأنه لو كان أقل منها منزلة فقد تستهين به وتأنف من تنفيذ ما ‏يطلبه منها.‏
ثالثاً: أن الرجل إذا كان صاحب منزلة بين الناس رفع امرأته مهما كانت درجتها، عكس ‏المرأة فإنها مهما علت درجتها فلن ترفع ما في زوجها من خسة ووضاعة.‏

‏35-‏ وقت اعتبار الكفاءة:‏

تعتبر الكفاءة وقت إنشاء العقد فهي شرط في ابتدائه ولا تشترط لبقائه. وعلى ذلك لو ‏تزوج رجل امرأة وكان كفئاً لها ثم زالت كفائته. بأن كان غنياً وافتقر، أو كان صالحاً ثم انحرف ‏وأصبح فاسقاً، أو كان صاحب حرفة شريفة فاحترف غيرها أقل منها فالزواج باقٍ لا يفسخ لزوال ‏الكفاءة.‏
لأننا لو شرطناها في البقاء لتهدمت الأسر ولما استقر عقد من عقود الزواج، لتقلب ‏الأحوال كما هي سنة الحياة، ولأن المرأة في هذه الحالة لا يلحقها عار ببقائها مع من زالت ‏كفائته، بل قد تكون محمودة مشكورة على صبرها ورضاها بقضاء الله، وفي عرف الناس يعد ‏بقاؤها ورضاها وفاء، ونفورها وعدم رضاها غير ذلك.‏
ذهب الفقهاء إلى أن الكفاءة هي حق للزوجة وأوليائها ثابت لكل منهما على حدة لا يسقط ‏إلا بإسقاطه، فلو أسقطه أحدهما بقي حق الآخر، لكنه ثابت للولي في جميع الصور من غير ‏استثناء، وللزوجة إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا كانت فاقدة الأهلية وزوجها بغير الكفء ولي ‏من أصولها أو فروعها غير معروف بسوء الاختيار فإن العقد صحيح لازم عند أبي حنيفة.‏
ويتفرع على ذلك الفروع الآتية:‏
‏1- إذا زوجت البالغة العاقلة نفسها بدون إذن وليها من غير كفء، فإن هذا العقد موقوف ‏على إجازة الولي على إحدى الروايتين عند أبي حنيفة، وفاسد على الرواية المفتى بها.‏
‏2- إذا زوج الولي البالغة العاقلة بغير كفء بدون رضاها توقف ذلك على إجازتها، لأن ‏حقها في الكفاءة ثابت لا يسقط إلا بإسقاطها.‏
‏3- إذا زوجت نفسها ممن لا تعرف حاله، ولم تشترط الكفاءة عند العقد، ثم ظهر أنه غير ‏كفء سقط حقها بتقصيرها في البحث عنه وعدم الاشتراط وبقي حق الولي فيتوقف على إجازته.‏
‏4- إذا زوجها الولي من رجل لا تعرف كفاءته برضاها ولم تشترط هي ولا وليها الكفاءة ‏ثم ظهر أنه غير كفء لزم العقد وسقط حقهم بتقصيرهم في البحث وعدم الاشتراط في العقد.‏
وعلى هذا لو شرطت هي أو وليها الكفاءة في الصورة السابقة ثم تبين أنه غير كفء كان ‏الحق ثابتاً للشارط دون غيره.‏
‏5- إذا غرر الزوج عند العقد في الكفاءة بأن ادعى ما يثبت كفاءته ثم تبين أنه غير كفء ‏كان الحق لها ولأوليائها سواء كانت هي التي باشرت العقد أو باشره وليها برضاها.‏
‏6- إذا غرر الزوج في النسب بأن نسب نفسه إلى عائلة أعلى من عائلته ثم ظهر كذبه، ‏فإن لم يكن مكافئاً لها يثبت الحق لها ولوليها، فإن رضيت به كان لوليها حق الاعتراض ‏وبالعكس، فإن رضيا سقط حقهما ولزم العقد، وإن كان كفئاً لها سقط حق الأولياء لأن حقهم في ‏الكفاءة فقط ولم يوجد تغرير فيها وبقي حقها في الفسخ لأنها قبلت زواجه على أساس نسب معين ‏ولم يوجد فلا تجبر على إبقاء هذا العقد، لأن المرأة قد ترضى بالزواج ممن هو أفضل منها ولا ‏ترضى به ممن يماثلها، ومن هنا يدخل الخلل في رضاها الذي هو أساس صحة العقد.‏
وإذا كان التغرير من جانبها بأن انتسبت إلى غير أسرتها فتزوجها على ذلك ثم ظهر أنها ‏من أسرة أخرى أقل مما انتسبت إليهما فلا خيار له، لأنه لا يلحقه عار بزواج امرأة أقل منه، ‏وعلى فرض حصوله يمكنه التخلص منها بالطلاق.‏
ثم إن حق الكفاءة يثبت للولي العاصب القريب دون غيره من ذوي الأرحام والأم ‏والقاضي، فإن كان لها ولي واحد ثبت الحق له، وإن تعددوا كان الحق للأقرب.‏
وعلى ذلك إذا رضي القريب بغير الكفء لم يكن للبعيد حق الاعتراض، وإن لم يرض ‏القريب فلا يؤثر رضا من بعده.‏
وإن تعددوا وكانوا متساوين كالإخوة الأشقاء أو الأعمام الأشقاء مثلاً فإن الحق يثبت لكل ‏منهم، فإن اتفقوا على الرضا بالعقد نفذ وإن رضي البعض بهذا العقد قبله أو عند إنشائه ولم ‏يرض الآخرون.‏
ذهب أبو حنيفة إلى أن رضا البعض مسقط لحق الباقين، لأن الولاية حق لا يتجزأ، لأن ‏سببها القرابة وهي لا تتجزأ فيثبت الحق لكل منهم كاملاً، وعلى هذا يكون رضا البعض بمثابة ‏رضا الجميع كما في ولاية الأمان فإنها تثبت لكل واحد من المسلمين ولو كان امرأة، فإذا أعطى ‏واحد منهم الأمان لشخص من الأعداء استجار به نفذ على الجميع، وكذلك العفو عن القصاص إذا ‏عفا أحد الأولياء للمقتول على القصاص سقط حق الباقين في المطالبة به.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:41 PM
الفَصل الثَالِث
في الوكالة في الزواج





‏37-‏ أنواع الوكالة في الزواج: ‏

الوكالة في اللغة تطلق على أحد معنيين الحفظ أو الاعتماد والتفويض في الأمر.‏
وفي اصطلاح الفقهاء: إقامه الشخص غيره مقام نفسه في تصرف يملكه شرعاً مما يقبل ‏الإنابة.‏
فإذا كان الشخص لا يملك التصرف بنفسه إما لعدم أهليته للتصرف أو عدم ولايته عليه ‏لا يصح له أن ينيب غيره فيه، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.‏
وعقد الزواج في ذاته من التصرفات التي تقبل الإنابة، فإذا كان الشخص يملك عقده ‏بنفسه في موضع جاز له أن يوكل غيره ليقوم بدله في إنشائه.‏
وهذا قدر متفق عليه بين الفقهاء، ولكنهم اختلفوا فيمن يملكه: أهو كامل الأهلية من ‏الرجال والنساء أم يقتصر ذلك على الرجال فقط؟
ذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنبلية- إلى أنه لا يملك التوكيل في الزواج إلا ‏الرجل سواء بالنسبة لنفسه أو لمن في ولايته.‏
وذهب الحنفية إلى أنه يصح التوكيل فيه للرجل والمرأة على السواء ما دام كل منهما ‏توفرت فيه أهلية إنشائه.‏
فيجوز للرجل أن يوكل غيره رجلاً كان أو امرأة في تزويج نفسه أو من في ولايته، ‏وكذلك يجوز للمرأة أن توكل غيرها رجلاً كان أو امرأة في تزويجها أو في تزويج من في ‏ولايتها.‏
لأن الأصل المقرر في الوكالة : أن كل شخص ملك تصرفاً بنفسه جاز له أن يوكل فيه ‏غيره، فلا يشترط في الوكيل إلا أن يكون أهلاً للتصرف سواء كان ذكراً أو أنثى، كما لا يشترط ‏في الموكل إلا أن يكون مالكاً لهذا التصرف.‏
ولا يشترط في التوكيل أن يكون مكتوباً بل يجوز مشافهة أو كتابة، ولا تتوقف صحته في ‏الزواج على الإشهاد عليه، بل يجوز بدون شهود، لأنه ليس جزءاً من عقد الزواج المشترط فيه ‏الإشهاد وإن كان الإشهاد عليه مستحسناً حتى لا يكون عرضة للإنكار أو يحصل نزاع في صفة ‏العاقد.‏
والتوكيل بالزواج قد يكون مقيداً كأن يقول الرجل لآخر: وكلتك في تزويجي بفلانة ‏لامرأة بعينها أو يوكله في تزويجه من أسرة معينة أو بمهر معين، أو تقول المرأة لرجل: وكلتك ‏في تزويجي من فلان أو بمهر معين أو ما شاكل ذلك.‏
وقد يكون مطلقاً كأن يقول: وكلتك في أن تزوجني دون أن يعين له امرأة أو مهراً، أو ‏تقول لرجل: وكلتك في أن تزوجني دون أن تزيد على ذلك شيئاً.‏
ومن هنا تنوعت الوكالة إلى نوعين مقيدة ومطلقة.‏
‏37-‏ أنواع الوكالة في الزواج:‏
أما الوكالة المقيدة: فإما أن تكون من جانب الرجل أو من جانب المرأة. فإن كانت من ‏جانب الرجل ولم يخالف الوكيل مقتضى الوكالة فزوجه بالمرأة التي عينها وبالمهر الذي حدده ‏نفذ العقد ولزم الموكل، لأنه ملك الوكيل تصرفاً معيناً فأتى به حسبما رسمه له.‏
وإن خالف فزوجه بامرأة غير التي عينها أو من أسرة أخرى غير التي عينها أو بمهر ‏أكثر مما حدده توقف العقد على إجازة الموكل، إن أجازه نفذ وإن لم يجزه بطل، لأنه بمخالفته ‏خرج عن مقتضى الوكالة فيكون فضولياً، وعقد الفضولي عند الحنفية موقوف على إجازة ‏صاحب الشأن.‏
وفي حالة تزويجه بأكثر من المهر يتوقف ولو تعهد الوكيل بدفع الزيادة، لأن الموكل قد ‏لا يرضى بهذا التعهد لما فيه من المنَّة، والإنسان الحر لا يرضى بمنة غيره عليه وبخاصة في ‏مهر زوجته.‏
أما إذا زوجه بأقل من المهر الذي عينه فإنه لا يتوقف العقد على إجازته لأن المخالفة هنا ‏صورية حيث فيها خير للموكل، لأن من يرضى التزوج بالكثير يرضى به بالقليل.‏
وإن كانت الوكالة من جانب المرأة بأن وكلت غيرها في تزويجها بشخص معين أو بمهر ‏معين فزوجها بمن عينته وبما حددته من المهر، فإن كان الزوج كفئاً والمهر مهر المثل نفذ العقد ‏ولزم سواء كان لها ولي عاصب أو لا.‏
وإن كان الزوج غير كفء أو المهر أقل من مهر المثل، فإن لم يكن لها ولي عاصب نفذ ‏الزواج ولزم دون توقف على شيء، لأن الكفاءة والمهر المماثل حقها وحدها وقد أسقطتهما. ‏والوكيل لم يخالف ما رسمته له .‏
وإن كان لها ولي عاصب لا يصح العقد في حالة عدم كفاءة الزوج، لأنها لا تملك تزويج ‏نفسها بغير الكفء على الرأي المفتى في مذهب الحنفية، وإذا كانت لا تملكه لا يملكه الوكيل، ‏وفي حالة نقصان المهر يلزم العقد في جانبها ولا يلزم وليها فله طلب تكميل المهر فإن لم يفعل ‏الزوج كان له الحق في طلب فسخه.‏
وإن خالف مقتضى الوكالة بأن زوجها من غير من عينته أو بأقل من المهر الذي حددته ‏توقف العقد على إجازتها حتى ولو كان الزوج كفئاً، لأنه خرج عن مقتضى الوكالة. إذا المرأة ‏أحياناً ترغب في الزواج بمن هو أعلى منها ولا ترضى بزواج من يساويها.‏
فإن ردته بطل، وإن أجازته لزم في حقها وحق الولي إن كان الزوج كفئاً والمهر مهر ‏المثل، وإن كان الزوج غير كفء بطل رغم إجازتها، لأنها لا تملك ذلك كما قلنا، وإن كان كفئاً ‏والمهر أقل من مهر المثل لزم في جانبها دون جانب الولي. فله حق الاعتراض.‏
وأما الوكالة المطلقة: وهي التي لم تقيد بزوج ولا بمهر معين.‏
فإن كان الموكل الرجل: ذهب الحنفية إلى أن العقد لا يلزمه إلا إذا كانت المرأة سليمة ‏من العيوب مكافئة له وبمهر المثل أو يزيد قليلاً مما يتساهل فيه الناس، فإن كان بغير ذلك توقف ‏على إجازتها.‏
وإن كان التوكيل من جانب المرأة فقد يكون الموكل وليها، وقد تكون هي نفسها إذا كانت ‏بالغة عاقلة. ففي صورة توكيل الولي يملك الوكيل ما يملكه الولي من التزويج، لأن الوكيل يستمد ‏سلطانه من الموكل فإن ملك التزويج بغير الكفء وبأقل من مهر المثل نفذ تزويج الوكيل بهذا.‏
وإن كان الولي لا يملك إلا التزويج بالكفء وبمهر المثل تقيد الوكيل بذلك وقد سبق ‏مفصلاً في بحث الولاية، وفي صورة توكيلها فإن كان لها ولي عاصب تقيد تزويج الوكيل ‏بالكفء بالاتفاق، فإن زوجها بغير الكفء كان الزواج غير صحيح لأنها لو فعلت ذلك بنفسها ‏كان زواجها غير صحيح على الرأي المفتى به.‏
وإن لم يكن لها ولي عاصب وزوجها بغير الكفء كان الزواج على إجازتها بالاتفاق.‏
هل للوكيل بالزواج أن يوكل غيره به؟
جواز ذلك وعدمه يتوقف على صيغة التوكيل. فإذا أطلق له الموكل في توكيله بأن قال ‏له: وكلتك في زواجي ولك أن توكل من تشاء، أو قال: فوضت أمر زواجي إلى رأيك. ففي هذه ‏الحالة يملك الوكيل توكيل غيره، ويكون الوكيل الثاني وكيلاً عن الموكل الأصلي، فإذا عزل ‏الموكل الوكيل الأول قبل الزواج فإن الوكيل الثاني لا ينعزل بعزله، لأن وكالته مستمدة من ‏الموكل فيبقى على وكالته ما لم يعزله عنها، أما إذا لم يطلق في وكالته فليس له أن يوكل غيره، ‏لأن ولاية الوكيل مستمدة من الموكل فالولاية له وحده دون غيره. حيث رضي الموكل رأيه هو ‏دون سواه، فإن فعل وتولى وكيل الوكيل العقد كان موقوفاً على إجازة الموكل الأصلي لأن متوليه ‏في هذه الحالة فضولي.‏
‏- حكم الوكالة:‏
الوكيل في عقد الزواج سفير ومعبر عن الموكل ولذلك لا بد من أن يضيف العقد إلى ‏موكله فلا يرجع إليه شيء من حقوق العقد ولا يضمن شيئاً من ذلك إلا إذا تكفل به، وحينئذ تكون ‏الحقوق راجعة إليه باعتباره كفيلاً، لا باعتباره وكيلاً.‏
وليس للوكيل على الزوجة أن يقبض مهرها إلا إذا كان مأذوناً بذلك صراحة أو دلالة، ‏فلو سلم الزوج المهر إليه ولم يكن مأذوناً في قبضه ولم ترض الزوجة بهذا القبض لا تبرأ ذمة ‏الزوج منه ولها المطالبة به.‏
أما إذا كان مأذوناً بذلك فإن ذمة الزوج تبرأ منه وليس لها حق المطالبة به بعد ذلك.‏
ومن الإذن بالقبض دلالة، أن يقبض الأب أو الجد مهر البكر الرشيدة وتسكت عن ‏المطالبة به عند العقد فإن هذا السكوت يعتبر إذناً بالقبض فتبرأ ذمة الزوج به، لأن العادة جرت ‏بأن يقبض الآباء مهور بناتهم الأبكار والجد مثل الأب في ذلك.‏
أما إذا كانت ثيباً أو كان الوكيل غير الأب والجد فإن السكوت لا يعتبر رضا بل لابد من ‏الأذن الصريح ولا تبرأ ذمة الزوج بتسليم المهر للوكيل.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:42 PM
الباب الخامس
في أحكام عقد الزواج‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:43 PM
الفصل الأول
أنواع الزواج غير اللازم

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:44 PM
المبحث الأول
الزواج الباطل




وهو الذي اختل فيه أمر أساسي أو فقد شرطاً من شروط الانعقاد. كزواج فاقد الأهلية إذا ‏باشر العقد بنفسه، وتزوج الرجل بمن هي محرمة عليه تحريماً لا يشتبه الأمر فيه على الناس ‏وهو يعلم ذلك التحريم كالعقد على إحدى محارمه أو زوجة الغير، وتزوج غير المسلم بالمسلمة ‏لعدم محلية المرأة فيها.‏
حكمه: الزواج الباطل لا يترتب عليه أي أثر من آثار الزواج، لأن وجوده كعدمه، فلا ‏يحل به الدخول، ولا يجب به مهر ولا نفقة ولا طاعة، ولا يرد عليه طلاق، ولا يثبت به نسب، ‏ولا عدة فيه بعد المفارقة، ولا يثبت به توارث ولا حرمة المصاهرة إلا عند من يثبتها بالزنى.‏
وإذا دخل الرجل بالمرأة بناء على هذا العقد كانت المخالطة بينهما حراماً، ويجب عليهما ‏الافتراق، فإن لم يفترقا فرق القاضي بينهما، وعلى كل من يعلم بذلك الدخول أن يرفع الأمر إلى ‏القاضي، وعلى القاضي أن يفرق بينهما لأن هذا الدخول زنى وهو معصية كبيرة يجب رفعها.‏
والفقهاء لم يختلفوا في أنه زنى ولكن اختلافهم في وجوب الحد به:‏
فذهب مالك والشافعي وابن حنبل إلى أنه موجب لحد الزنى متى كان الفاعل عاقلاً عالماً ‏بالتحريم.‏
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يوجب الحد، لأن صورة العقد شبهة تكفي لأن يدرأ بها الحد ‏عنه، ومع ذلك لم يعفه من العقوبة بل قال: إنه يعزر أشد أنواع التعزير لقبح فعله.‏
وإذا سقط عنه الحد وجب عليه مهر المثل بالغاً ما بلغ، لأن الدخول بالمرأة في الإسلام لا ‏يخلو من حد أو مهر وهو مراد الفقهاء بقولهم: الدخول لا يخلو من عَقر أو عُقر، ولا تجب العدة ‏بعد التفريق، لأنه لا عدة في الزنى حيث إنها تجب محافظة على الأنساب من الاختلاط، ولا يثبت ‏بهذا العقد نسب يحافظ عليه.‏
هذا وقد اتفق الفقهاء فيما إذا دخل بمن تزوجها وهو جاهل بأنها محرمة عليه على أنه لا ‏يحد ولا يلزمه مهرها بهذا الدخول لأنه لابد من أحد أمرين الحد أو المهر وحيث لا حد وجب ‏مهر المثل.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:45 PM
المبحث الثاني
‏ الزواج الفاسد




وهو الذي تخلف فيه شرط من شروط الصحة بعد استيفائه لأركانه وشروط انعقاده. ‏كالزواج بغير شهود عند من يشترط الشهادة، والزواج المؤقت، وزواج أخت مطلقته طلاقاً بائناً ‏في عدتها لأنه مختلف في حرمته، وكتزوجه بامرأة محرمة عليه بسبب الرضاع وهو لا يعلم ‏بحرمتها بناء على إخبار الناس بأنه لا يوجد بينهما صلة محرمة ثم ظهر بعد الدخول أنها محرمة ‏عليه.‏
حكمه: أنه لا يحل به الدخول بالمرأة ولا يترتب عليه في ذاته شيء من آثار الزوجية. ‏فإن حصل بعده دخول حقيقي بالمرأة كان معصية يجب رفعها بالتفريق بينهما جبراً إن لم يفترقا ‏باختيارهما، ويترتب على ذلك الدخول الآثار الآتية:‏
‏1- لا يقام على الرجل والمرأة حد الزنى بالاتفاق لوجود الشبهة الدارئة للحد عنهما.‏
‏2- يجب على الرجل مهر المثل بالغاً ما بلغ إن لم يكن سمى للمرأة مهراً عند العقد أو ‏بعده، فإن كان سمى لها مهراً وجب عليه الأقل من المسمى ومهر المثل.‏
‏3- تثبت بهذا الدخول حرمة المصاهرة.‏
‏4- تجب به العدة على المرأة من وقت افتراقهما أو وقت تفريق القاضي، وهذه العدة عدة ‏طلاق تحتسب بالأقراء أو الأشهر إذا لم تكن حاملاً حتى في حالة وفاة الرجل، لأن عدة الوفاة ‏المقدرة بأربعة أشهر وعشرة أيام لا تكون إلا بعد زواج صحيح، ولا تجب لها نفقة في هذه العدة.‏
‏5- يثبت نسب الولد إن وجد محافظة عليه من الضياع.‏
أما غير ذلك من الأحكام فلا توارث فيه إذا مات أحدهما ولو قبل التفريق بينهما، ولا ‏تجب به على الرجل نفقة ولا سكنى، كما لا تجب عليها الطاعة للزوج، ولا يقع به طلاق على ‏المرأة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:46 PM
المبحث الثالث
في الزواج الموقوف




هو ما فقد فيه شرط النفاد بأن باشره من ليست له ولاية شرعية على إنشائه بأن كان ‏ناقص الأهلية أو كاملها ولم تكن له صفة تجيز له إنشاء العقد من أصالة أو ولاية أو وكالة.كتزوج ‏الصغير المميز بدون إذن وليه فإنه صحيح موقوف على إجازة من له الولاية عليه إلا إذا استمر ‏العقد بدون إجازة أو رد إلى حين بلوغه، فإن الإجازة تنتقل إليه إن أجازة نفذ وإن لم يجزه بطل، ‏وكعقد الفضولي وهو من يعقد لغيره بدون ولاية أو وكالة.‏
حكمه: الزواج الموقوف -رغم صحته- لا يترتب عليه أي أثر مع آثار الزواج إلا بعد ‏إجازته أو الدخول الحقيقي بعده.‏
فإذا أجيز ترتيب عليه جميع الآثار التي رتبها الشارع عليه، وإذا دخل بالمرأة قبل ‏الإجازة ترتب عليه الآثار التي ترتب على العقد الفاسد دون غيرها، فلا يحل به دخول، ولا تجب ‏به طاعة ولا مهر ولا نفقة ولا حرمة المصاهرة إلا على رأي من يثبتها بالزنى، ولا يقع فيه ‏طلاق ولا توارث إذا مات أحدهما قبل الإجازة.‏
وبهذا يعلم أن حكم الزواج الموقوف قبل إجازته كحكم الزواج الفاسد في أن كلاً منهما لا ‏يترتب عليه أي أثر قبل الدخول، وأما بعده فيترتب عليهما بعض الآثار.‏
ولا فرق بينهما إلا أن الفاسد لا يقر بحال من الأحوال ولا يلحقه تصحيح، أما الموقوف ‏فتلحقه الإجازة ولو بعد الدخول فيصير نافذاً تترتب عليه كل آثار الزوجية من وقت ابتداء العقد، ‏لأن الإجازة اللاحقة تنسحب على العقد من وقت إنشائه فينقلب نافذاً من وقت إنشائه، وإن لم يجزه ‏من له الولاية كان ذلك إبطالاً له من مبدئه.‏
وهذا وليلاحظ أنه إذا دخل الرجل بالمرأة في العقد الموقوف بعد رده وبعد علمه بالرد ‏يكون فعله زنى لا شبهة فيه فيترتب عليه ما يترتب على العقد الباطل.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:48 PM
المبحث الرابع
الزواج النافذ غير اللازم




هو العقد الذي استوفى أركانه وشروطه كلها مع بقاء حق الاعتراض لغير العاقد عليه ‏وطلبه فسخه كتزويج البالغة العاقلة نفسها بغير كفء أو بأقل من مهر مثلها، فإن للولي العاصب ‏حق الاعتراض على هذا الزواج بطلب فسخه.‏
وحكم هذا الزواج أنه يتريب عليه الآثار من حل الدخول، ووجوب النفقة والكسوة ‏والسكنى للزوجة ما لم تمتنع عن الدخول في طاعته بغير حق. وتثبت به حرمة المصاهرة فيحرم ‏على الزوجة أصول الزوج وفروعه كما يحرم على الزوج أصول الزوجة وفروعها ويثبت به ‏حق التوارث إذا مات أحدهما قبل القضاء بفسخه ولو كان قبل الدخول، كما يثبت به نسب الأولاد ‏للزوج.‏
ويجب به المهر ديناً في ذمة الزوج بمجرد العقد لكنه عرضة للتنصيف أو السقوط، فإذا ‏فسخ قبل الدخول والخلوة الصحيحة لا يجب شيء من المهر سواء كان الفسخ من قبل الزوج أو ‏الزوجة، لأن الفسخ هنا يكون نقضاً للعقد من أساسه، وحيث انتقض العقد لم يبق موجب للمهر، ‏لأن الموجب له إما العقد أو الدخول أو الخلوة الصحيحة.‏
وإذا كان الفسخ بعد الدخول أو الخلوة الصحيحة فإنه يجب كل المهر وعليها العدة ولها ‏النفقة وغيرها، وإذا طلقها قبل الفسخ والدخول كان لها نصف المهر المسمى.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:49 PM
الفَصْل الثّاني
في الزواج اللازم وما يوجبه من حقوق غير مالية




تمهيد: الزواج اللازم هو المستوفي لأركانه وشروطه كلها بحيث لا يبقى لأحد حق ‏الاعتراض عليه وطلب فسخه وحكمه يترتب عليه الآثار التي رتبها الشارع عليه بلا استثناء فهو ‏كالنافذ في ذلك بل هو أقوى أنواع الزواج لأنه ليس لأحد حق الاعتراض عليه كما لا يملك أحد ‏العاقدين فسخه

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:51 PM
المبحث الأول ‏
في الحقوق المشتركة بين الزوجين




حقوق الزوج.‏
حقوق الزوجة غير المالية.‏


أولاً: حق الاستمتاع وهو أن يحل لكل واحد منهما أن يتمتع بالآخر في الحدود التي ‏رسمها الشارع، فعلى كل منهما أن يجيب رغبة الآخر ولا يمتنع منه إلا إذا وجد مانع شرعي ‏يمنع من ذلك كحيض لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي ‏الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ} [البقرة:222]، ‏ويلحق به النفاس وكذلك المرض الشديد.‏
وقد اتفق الفقهاء على أنه يجب على الزوج أن يعف زوجته من الناحية الجنسية حتى لا ‏تقع في الحرام متى كان قادراً على ذلك، وأن هذا الواجب من جهة الديانة أي فيما بينه وبين الله ‏تعالى، فيحرم عليه أن يشتغل عنها بعمل أو عبادة كلً وقته لأنه يعرضها بذلك للفتنة.‏
فقد روى أن زوجة عبد الله بن عمرو بن العاص شكته إلى رسول الله بأنه يصوم النهار ‏ويقوم الليل فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم فلما حضر قال له: "يا عبد الله ألم أخبر أنك ‏تصوم النهار وتقوم الليل"؟ فقال: بلى يا رسول الله فقال له: "لا تفعل ذلك صم وأفطر وقم ونم ‏فإن لجسدك عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً".‏

ثانياً: حسن المعاشرة. فكل من الزوجين مطالب بإحسان العشرة على معنى أن يسعى كل ‏منهما إلى ما يرضى الآخر من حسن المخاطبة واحترام الرأي والتسامح والتعاون على الخير ‏ودفع الأذى والبعد عما يجلب الشقاق والنزاع لقوله تعالى :‏
‏{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] وقوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ ‏عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]، فإذا فعلا ذلك تحقق بينهما السكن وتوفرت المودة، وكان الزواج ‏رحمة لهما كما أخبر المولى سبحانه في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ‏لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].‏

ثالثاً: حرمة المصاهرة. فيحرم على الزوج التزوج بأصول زوجته وفروعها كما يحرم ‏عليها التزويج بأصوله وفروعه.‏
وحرمة المصاهرة وإن كانت في ظاهرها حق الشارع، لأنها حكم من أحكامه إلا أن ‏ثمرتها تعود على الزوجين على السواء، لأن ثبوتها يدفع الأذى عنهما فيما لو أبيح لكل منهما أن ‏يتزوج بأقرب الناس إلى الآخر بعد فصم عرى الزوجية بينهما.‏
رابعاً: ثبوت التوارث بينهما بأن يرث كل منهما الآخر بعد وفاته ولو كانت قبل الدخول ‏ما لم يوجد مانع يمنع منه، وذلك لأن عقد الزواج لما أحل المتعة والعشرة بينهما فقد أوجد صلة ‏تربط بينهما كصلة القرابة فتبع ذلك ثبوت التوارث لهذه الصلة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:52 PM
المبحث الثاني
في حقوق الزوج



يثبت للزوج أولاً: حق الطاعة على زوجته في كل ما هو من آثار الزواج إلا ما كان فيه ‏معصية الله فمتى أوفى الزوج زوجته حقوقها الواجبة عليه بأن دفع إليها مهرها أو مقدار ما اتفقا ‏على تعجيله منه وأعد لها المسكن اللائق بها وكان أميناً عليها وجب عليها الدخول في طاعته ‏فتقيم معه حيث يعيش وتمكنه من نفسها، فإذا امتنعت بعد ذلك عن الدخول في طاعته كانت ناشزة ‏وسقط حقها في النفقة كما سيأتي بيانه:‏
ووجوب الطاعة في الحقيقة من تتمة التعاون بين الزوجين، ذلك لأن الأسرة هي اللبنة ‏الأولى في بناء المجتمع فإن كانت سليمة كان المجتمع سليماً، ولا تستقيم حياة أي جماعة إلا إذا ‏كان لها رئيس يدير شئونها ويحافظ على كيانها، ولا توجد هذه الرياسة إلا إذا كان الرئيس ‏مطاعاً، وهذه الرياسة لم توضع بيد الرجل مجاناً، بل دفع ثمنها لأنه مكلف بالسعي على أرزاق ‏الأسرة والجهاد من أجلها مع ما في تكوينه وطبيعته من الاستعداد لها، يقول سبحانه: {الرِّجَالُ ‏قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34].‏
فهذا الجزء من الآية يثبت للزوج على زوجته حق الطاعة لأنه جعله فيما عليها ولا ‏قوامة بدون طاعة من الطرف الآخر، وقد ورد عن رسول الله أحاديث كثيرة تحض المرأة على ‏طاعة زوجها.‏
هذا وقوامة الرجل على المرأة فيما يتعلق بالحياة الزوجية فليس له الحق في التدخل في ‏شئونها المالية، لأن الولاية لها في ذلك مادامت كاملة الأهلية، فإن كانت أهليتها قاصرة فالولاية ‏لوليها المالي كأبيها أو جدها أو من يقوم مقامهما.‏
ويتبع حق الطاعة حق آخر وهو حق القرار في البيت لا تبرحه إلا بإذنه وليس قرارها ‏في البيت حق غبناً لها أو سجناً لها كما فهمه قصار النظر، وإنما هو إعانة لها على أداء وظيفتها ‏التي خلقت لها وهي التفرغ لتربية الأولاد في مبدأ حياتهم ليحيوا حياة سليمة، ومن قبل ذلك ‏محافظة عليها من الفتنة والفساد، وليس معنى هذا أن تظل حبيسة البيت لا تخرج منه أبداً كما ‏فهمه بعض الناس خطأ، لأنه ليس حقاً من حقوق الله حتى يكون لازماً، بل هو حق للزوج إن شاء ‏تمسك به وإن شاء تنازل عنه وأذن لها بالخروج ما لم يترتب على خروجها مفسدة فيتحتم المنع ‏محافظة على حرمات الله.‏
على أن حق المنع ثابت له بشرط أن يكون أوفاها حقوقها، وألا يكون لخروجها مسوغ ‏شرعي كأداء فريضة الحج بشرط أن يكون سفرها مع ذوي رحم محرم منها، وزيارة أبويها ‏ومحارمها من أخوتها وأعمامها وغيرهم.‏
فإن وجد المسوغ الشرعي لخروجها ولم يأذن لها، كان لها الخروج بدون إذنه فتزور ‏والديها كل أسبوع مرة، ومحارمها كل سنة، وقيل كل شهر كما يقرره فقهاء الحنفية.‏
وعلى الزوجة بعد طاعة زوجها وقرارها في بيته، أن تكون أمينة على سره حافظة لماله ‏وشرفه فتبتعد عن مواطن الشبهات، فلا تدخل بيتها من لا يرضى زوجها عنه، ولا تطيع فيه أحداً ‏لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تأذن في بيت زوجها وهو ‏كاره،‎‏ ولا تطيع فيه أحداً ولا تعتزل فراشه ولا تضربه".‏
ثانياً: ولاية التأديب:‏
إذا كانت الزوجة مطيعة لزوجها محافظة على حقوقه فلا سبيل له عليها، أما إذا خرجت ‏عن الطاعة وخالفته فيما يجب عليها، كان له عليها ولاية التأديب لقوله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ ‏قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي ‏الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا} [النساء: 34]. فهذه الآية قسمت ‏النساء إلى نوعين: النوع الأول: صالحات، وهؤلاء لسن في حاجة إلى تأديب لأنهن يقمن بما ‏عليهن من حقوق الله وحقوق الزوج. ‏
والنوع الثاني: الذي عبرت عنه الآية {وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} وهن اللاتي شرع ‏التأديب لهن، لأن تركهن على انحرافهن يسبب للبيت شقاء لا يستقيم معه الحياة الزوجية، وجعل ‏التأديب للزوج دون غيره من الولي أو القاضي محافظة على كيان الأسرة بحفظ أسرارها من أن ‏تذاع فيطلع الناس منها على ما لا يحسن الاطلاع عليه، ولأنه أعلم من غيره بما يقومها ويردها ‏إلى صوابها، ولأن ضرر انحرافها يعود أولاً عليه وعلى بيته.‏
ثم إن الآية بينت طريق التأديب فجعلت له وسائل ثلاث: الموعظة الحسنة والهجر في ‏المضاجع، والضرب، وجاءت بها مرتبة فإذا أراد التأديب بدأ بما بدأ الله به فيعظها فإن كفت ‏الموعظة وقف عند ذلك، وإن لم تفد الموعظة هجرها في المضجع بأن يوليها ظهره أو ينام في ‏فراش آخر داخل البيت، فإن لم يفد الهجر فله أن يضربها ضرباً غير مبرح ولا مشين.‏
وفي هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع. "ألا ‏واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان(1) عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين ‏بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا ‏تبغوا عليهن سبيلا".‏
‏___________________‏
‏(1) عوان جمع عانية وهي الأسيرة. ومعناها أن النساء عند الرجال بمنزلة الأسرى فعليهم ‏الإحسان إليهن.‏
ولقد سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حق المرأة على الزوج؟ قال: "تطعمها إذا ‏طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت".‏
فإذا أساء الرجل استعمال حقه، وتجاوز القدر اللازم للإصلاح كان متعدياً، وللزوجة ‏حينئذ أن ترفع أمرها إلى القاضي ليرده عن عدوانه، فإن ثبت لديه عدوان الزوج عزره بما يراه ‏كافياً لزجره عن معاودته لما فعل، وليس له حق إيقاع الطلاق جبراً إذا طلبته الزوجة كما يرى ‏الحنفية ويرى المالكية أن المرأة لو طلبت الطلاق للضرر في هذه الحالة كان للقاضي سلطة إيقاع ‏الطلاق إذا امتنع الزوج عن التطليق وتكون طلقة بائنة.‏
وإذا عرفنا أن شريعة الله عامة لا تخص طائفة دون غيرها وليست قاصرة على زمن ‏معين ولا بيئة خاصة، وعرفنا مع ذلك أن النساء تختلف طبائعهن، ففيهن من تردهن الكلمة عن ‏غيها، ومنهن من لا يؤثر فيها الكلام ولا يردها إلا الهجر والحرمان، ومنهن من لا يفيد معها كلام ‏ولا هجر لشراسة في خلقها وعناد لا يرده إلا الضرب، إذا عرفنا ذلك أدركنا سر تنوع وسائل ‏التهذيب في كتاب الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والذي خلق المرأة ‏وهو الخبير بأسرارها العليم بما يهذبها إذا ما التوى بها الأمر عن الجادة المستقيمة.‏
وبعد ذلك يكون من قصر النظر وسوء الفهم توجيه النقد على غير هدى كما قيل: إن ‏الضرب وسيلة صحراوية لا تتفق مع عصر المدنية والتقدم، فكيف تبيح شريعة لزوج أن يضرب ‏زوجة تدرجت في مدارج الثقافة حتى بلغت قمتها ؟.‏
ونحن نقول لهذا المفتري: ليس كل النساء كما وصفت، وليس الضرب هو الوسيلة ‏الوحيدة المشروعة، بل إنها إحدى وسائل ثلاث، وكانت في المرتبة الثالثة لا يلجأ إليها إلا عند ‏فشل الأولى والثانية.‏
إن القرآن يعالج انحراف المرأة من القمة، فيعالج من طريق العقل أولاً، ثم ينتقل إلى ‏طريق العاطفة، ولم يبق بعد ذلك إلا طريق الجسد بالضرب، لأن من لا يستجيب بعقله ولا يتأثر ‏بعاطفته ينزل إلى مرتبة الحيوان الأعجم، فبم تقوم اعوجاجه أيها الناقد الحاقد ؟.‏
ثم إن القرآن لم يقف بالعلاج عند هذه الوسائل الفردية التي وكلها إلى الزوج، بل جعل ‏للزوج إذا لم يصل إلى نتيجة وأفلت الزمام من يده أن يرفع الأمر إلى القاضي ليعالج المشكلة ‏بوسيلة أخرى على مستوى الجماعة، لأن الحياة الزوجية ليست ملكاً للزوجين خاصة، بل لها ‏جانب اجتماعي من جهة أنهما عضوان في المجتمع الذي يسعد بسعادة أفراده ويشقى بشقائهم، ‏فيبعث القاضي حكماً من أهل الزوج وحكماً من أهل الزوجة، ليتعرفا أسباب النزاع ويقوما ‏بالإصلاح كما يقول سبحانه: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ‏إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:35].‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:54 PM
المبحث الثالث
‏42-‏ في حقوق الزوجة غير المالية



أولاً: يثبت للزوجة على زوجها عدم الإضرار بها بأن يعدل في معاملتها فيعاملها بما ‏يجب أن تعامله به فيحافظ على حقوقها من غير إفراط ولا تفريط، وإنما وجب عليه العدل وعدم ‏الإضرار باعتبار ما له من السلطان والرياسة، فحيث وضعه الشارع في موضع القوامة، وأوجب ‏له على زوجته الطاعة والقرار في البيت ومنحه سلطة التأديب، وهذه أمور لا تستقيم مع إطلاق ‏يده في التصرف بل يجب تقييدها بالعدل من جانبه، حتى تسير الحياة الزوجية في طريق مستقيم ‏لتحقق الغاية المقصودة منها.‏
ومن هنا جاءت عدة آيات وأحاديث تنبه الزوج إلى أن يعدل ولا يظلم وينفع ولا يضر ‏ويرحم ولا يقسو، فيقول جل شأنه: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} ويقول: {فَأَمْسِكُوهُنَّ ‏بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ‏‏[البقرة: 231]، ويقول: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً}.‏
ويقول صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"، وفي حديث آخر ‏يقول: "ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت"، وفي خطبة الوداع يقول: "ألا ‏واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك" يريد أن يقول، ‏إنكم لا تملكون منهن غير الاستمتاع، وهكذا يرسم الإسلام طريقه معاملة الأزواج لزوجاتهم، فمن ‏سار في طريقه نجا، ومن حاد عنه وآذى زوجته بالقول أو بالفعل كان لها الحق أن ترفع الأمر ‏إلى القاضي وهو بماله من الولاية العامة يستطيع زجر الزوج بالقول وتعزيره بما يراه رادعاً له ‏من عداونه، كما يذهب إليه الحنفية. أو تطلب التفريق للضرر وللقاضي أن يأمره بتطليقها، فإن لم ‏يفعل طلقها نيابة عنه وإن لم يرض بذلك الزوج كما يذهب إليه الإمام مالك.‏
ثانياً: إذا كان له أكثر من زوجة وجب عليه التسوية بينهن في المعاملة، سواء كان ذلك ‏في البيات أو في النفقة بأنواعها، لأن الله شرط حل التعدد بالعدل في قوله جل شأنه: "فإن خفتم ألا ‏تعدلوا فواحدة".‏
ويستوي في ذلك البكر والثيب والشابةوالعجوز والصحيحة والمريضة والأولى والأخيرة ‏والمسلمة والكتابية، لأن رباط الزوجية واحد في الجميع، فلا يحل له أن يميز واحدة عن غرها ‏في أي شيء من الأمور الظاهرة، فيبيت عند كل واحدة قدر ما يبيت عند الأخرى وتقدير النوبة ‏مفوض إليه.‏
والمعتبر في المناوبة بين الزوجات الليل لا النهار، إلا إذا كان الزوج يعمل ليلاً فتكون ‏المناوبة بالنهار، وإذا عين الزوج مقدار النوبة بدأ بمن شاء، وعليه أن يوفي كل زوجة نوبتها ‏دون أن يزيد لواحدة على حساب الأخرى إلا إذا أذنت صاحبة الحق في ذلك،أو وجدت ضرورة ‏تدعوه إلى ذلك كأن مرضت إحداهن وليس لها من يقوم بتمريضها غيره.‏
وإذا تنازلت إحدى الزوجات عن نوبتها أخرى صح ذلك، لأن رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم أقر ذلك عندما تنازلت سودة بنت زمعة عن نوبتها لعائشة رضي الله عنهما، وللمتنازلة أن ‏ترجع عن تنازلها متى شاءت لأنها أسقطت حقاً لم يجب بعد فلا يسقط.‏
يلزم الزوج هذا القسم حتى ولو كان مريضاً، لأن في وجوده عند زوجته إيناساً لها إلا إذا ‏أَذِنَّ له في القرار في بيت إحداهن.‏
هذا ولا يسقط القسم عنه إلا في حالة السفر، فله أن يأخذ من يشاء منهن للسفر معه، ‏وليس لغيرها عوض عن أيام السفر لتطالب به بعد العودة منه، ولا يجب عليه إجراء القرعة ‏بينهن وإن كان من الأفضل أن يختار من يختارها للسفر بالقرعة بينهن تطييباً لخاطرهن، حتى لا ‏تشعر الباقيات بمرارة التفضيل لمن اختارها، وهذا عند الحنفية. لأنه لا يجب عليه أن يصحب ‏أحداً من نسائه معه في سفره.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يجب عليه أن يقرع بينهن، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه وأيتهن خرجت قرعتها خرج بها، فإذا أقرع بينهن لا ‏يقضي للباقيات، وإن سافر من غير قرعة فعليه أن يقضي للباقيات بقدر غيبته مع من سافر بها.‏
وأجيب على ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك تطييباً لقلوب نسائه، ‏ولأن الزوج لا يجب عليه أن يصحب واحدة منهن، وليست كل زوجة تصلح رفيقة في السفر.‏
وكما يجب عليه التسوية في البيات، يجب عليه التسوية في النفقة حسب حالة من العسر ‏واليسر على أحد الآراء من مذهب الحنفية، فيعطي الفقيرة والغنية سواء لقوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو ‏سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا} ‏‏[الطلاق: 7].‏
ويعتبر في النفقة حال الزوجين معاً. أخذاً بالراجح من مذهب الحنفية.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:55 PM
الفصل الثالث
في الحق الثالث للزوجة وهو المهر



اشترط ذكر المهر في العقد.‏
هل المهر عوض عن شيء؟
مقدار المهر.‏
أنواع المهر:‏
متى يجب مهر المثل؟
الزيادة في المهر والحط منه.‏
تعجيل المهر وتأجيله.‏
مؤكدات المهر:‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:57 PM
المبحث الأول ‏
في التعريف به وسبب إيجابه ومم يكون؟




المهر: حق مالي أوجبه الشارع للمرأة على الرجل في عقد زواج صحيح، أو دخول ‏بشبهة أو بعد عقد فاسد. وهذا التعريف يفيد أن المهر واجب، وأنه يجب على الرجل لا على ‏المرأة، وأن وجوبه ثابت بأحد أمرين:‏
الأول: مجرد العقد ويكون في الزواج الصحيح لقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ ‏تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24]، فهو يفيد أن طلب الزواج لا يكون إلا بالمال، وليس له معنى إلا ‏وجوب المهر بمجرد العقد الصحيح، وإن كان هذا الوجوب لا يستقر إلا إذا تأكد بأمر من ‏مؤكدات المهر، لأنه قبل تأكده عرضة لأن يسقط بعضه إلا إن طلقها قبل الدخول، أو يسقط كله ‏لا إلى بدل إذا جاءت الفرقة من قبلها قبل الدخول، أو يسقط كله إلى بدل إذا فسدت التسمية فإنه ‏يجب عليه المتعة.‏
الثاني: الدخول الحقيقي في الزواج الفاسد أو في المخالطة بشبهة، وفي هذا لا تبرأ ذمته ‏منه إلا بالأداء أو الإبراء منه من جانب المرأة.‏

‏ ‏44. وبعد وجوبه، هل يشترط ذكره في العقد؟
عقد الزواج لا يتوقف وجوده ولا صحته شرعاً على ذكر المهر فيه بالاتفاق، لأنه ليس ‏ركناً من أركانه ولا ذكره شرطاً لصحته بل يثبت المهر ديناً في ذمه الزوج بمجرد العقد الصحيح ‏النافذ فهو حكم من أحكامه وأثر من آثاره، والدليل على صحته مع عدم تسمية المهر قوله تعالى: ‏‏{لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ‏الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236] فهذه ‏الآية تدل على نفي الجناح عن المطلقين قبل الدخول وقبل فرض المهر، والطلاق لا يكون إلا بعد ‏قيام الزوجية الصحيحة، ولو كانت تسمية المهر شرطاً لصحة الزواج لما صح العقد وبالتالي لم ‏يكن طلاق مباح.‏
وما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن المرأة التي تزوجت ولم ‏يسم لها زوجها مهراً ثم مات عنها قبل الدخول، فقال: بعد تردد طويل استمر شهراً من الزمان: لم ‏أجد ذلك في كتاب ولا فيما سمعته من رسول الله ولكن أجتهد رأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن ‏كان خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، أرى لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط" ‏أي لا نقص ولا زيادة، فقام رجل يقال له معقل بن سفان وقال: إنني أشهد أن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق الأشجعية مثل قضائك هذا، ثم قام أناس من أشجع وقالوا: ‏إنا نشهد بمثل شهادته. ففرح ابن مسعود بذلك، وهذا يدل صراحة على أن العقد صحيح وإن لم ‏يذكر المهر فيه، وأن الواجب عند عدم التسمية هو مهر المثل.‏
‏ ‏
‏45-هل المهر عوض عن شيء؟‏
وإذا وجب المهر على الزوج بمجرد العقد فهل كان وجوبه عوضاً عن شيء ملكه في ‏مقابلته أو كان عطاء لازماً وهدية قررها الشارع؟
اختلف نظر الفقهاء في ذلك. فمنهم من يذهب إلى أنه عوض عن ملك المتعة ومن هنا ‏حكموا بفساد العقد إذا تزوجها على ألا مهر لها وقبلت ذلك قياساً له على البيع إذا نفى فيه الثمن.‏
وقالوا: إن القرآن سماه أجراً في مقابلة الاستمتاع في قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ ‏مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} وفي الآية التي بعدها يقول: {وآتوهن أجورهن بالمعروف}.‏
وذهب آخرون إلى أنه وجب على أنه هدية لازمة وعطية مقررة من الشارع، لأن القرآن ‏سماه نحلة في قوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}، والنحلة تطلق على ما ينحله الإنسان ‏ويعطيه هبة عن طيب نفس بدون مقابلة عوض، وقيل نحلة تدينا والنحلة الديانة والملة.‏
ما يصلح أن يكون مهراً:‏
لا خلاف بين الفقهاء في الأشياء بالنسبة لصلاحيتها لأن تجعل مهراً تتنوع إلى نوعين:‏
نوع يتعين أن يكون المهر منه، وهو كل ما له قيمة شرعية سواء كان عينا من الذهب ‏والفضة أو منفعة مباحة تقوم بالمال أو ديناً في الذمة.‏
ونوع لا يصلح أن يكون مهراً وهو كل ما ليس بمال أو كان مالاً غير متقوم شرعاً ‏كالخمر والخنزير في حق المسلم أو منفعة غير مباحة أو مباحة ولكنها لا تقوم بمال، وإن اختلفوا ‏في تطبيق هذين الأصلين على بعض الجزئيات لاختلاف وجهات النظر فيها، لأن المهر إما ‏عوض كما يرى بعض الفقهاء أو هبة من الزوج لازمة وكل منهما لا يكون إلا من النوع الأول.‏
فلو سمى لها مقداراً معيناً من المال ذهباً أو فضة مضروبة أو غير مضروبة أو غير ‏مصنوع أو ورقاً نقدياً أو قدراً معيناً من المكيلات أو الموزونات أو المنسوجات أو داراً معينة أو ‏سكنى دار أو منفعة أرض أو خدمة يؤديها لا يكون فيها مهانة له، أو ديناً في ذمة الزوجة أو في ‏ذمة شخص آخر وما شاكل ذلك صحت التسمية، وإن سمى لها غير ذلك مما ليس بمال متقوم أو ‏منفعة غير مباحة أو لا تقوم بمال لا تصح التسمية.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 12:58 PM
المبحث الثاني
‏46-‏ مقدار المهر




للفقهاء في مقدار المهر آراء: فمن الفقهاء من يذهب إلى عدم تحديده بمقدار لا في مبدئه ‏ولا في نهايته وإنما هو موكول إلى تراضى الطرفين، ومنهم من يذهب إلى أن أقله محدد بمقدار ‏لا يجوز بأقل منه وإن لم يكن محدد النهاية. ‏
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا حدَّ له، بل يصح عندهم بكل ما يصدق عليه المال ‏شرعاً ما دامت له قيمة يقوم بها وتراضى عليه الزوجان مستدلين بقوله تعالى: {أن تبتعوا ‏بأموالكم} فهذه الآية شرطت أن يكون الزواج بالمال ولم تحدد مقداراً معيناً. فعلمنا من ذلك أن ‏كل ما يسمى مالاً في العرف والشرع يصح تسميته مهراً، ثم جاءت الأحاديث مؤيدة لذلك. ‏
ففي بعضها "التمس ولو خاتماً من حديد" وروى أحمد وأبو داود عن جابر أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقاً ملء يديه طعاماً كانت له حلالاً" وما ‏رواه الدارقطني بإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنكحوا الأيامى وأدوا ‏العلائق" قيل ما العلائق يا رسول الله؟ قال: ما تراضى عليه الأهلون" ولأن المهر ثبت حقاً ‏للزوجة بدليل أنها تملك التصرف فيه استيفاء وإسقاطاً فكان التقدير فيه إلى المتعاقدين.‏
وذهب الحنفية والمالكية إلى أن له حداً أدنى لا يصح بأقلَّ منه مستدلين بأحاديث وآثار ‏عن الصحابة تفيد التحديد. فتكون الآية مقيدة لا مطلقة، ويحملون بعض الأحاديث السابقة على ‏الخصوصية كحديث الخاتم، وبعضها الآخر على ما قبل شرعية التحديد. يريدون بذلك أن الزواج ‏شرع أولاً من غير تحديد مقدار للمهر ثم جاء التحديد بعد هذا.‏
ثم قالوا: إن المهر وجب إظهاراً لشرف العقد وإبانة لخطر محله وهو المرأة الحرة فيجب ‏أن يكون له قدر لا ينزل عنه حتى لا ينزل بشرف العقد.‏
وهذا القدر ربع دينار عند المالكية لأن هذا القدر له خطر حيث تقطع يد السارق بسرقته.‏
وعند الحنفية أنه عشرة دراهم لأن يد السارق لا تقطع في أقل منه. ولما روى عن عمر ‏وعلي وعبد الله بن عمر أنهم كانوا يقولون "لا يكون مهر أقل من عشرة دراهم" وهذا التحديد لا ‏يعرف بالرأي والاجتهاد فلا بد أن يكونوا سمعوا فيه حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏بل قالوا إن الدارقطني روى عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا مهر أقل ‏من عشرة دراهم"، وأما كون المهر حقاً للمرأة خالصاً فهذا مسلم أنه حقها في حالة البقاء بعد تمام ‏العقد، وأما في الابتداء ففيه حق الشارع لإبانة خطر العقد وصيانة المرأة عن الابتذال، وحق ‏للأولياء حيث ثبت لهم الاعتراض إذا زوجت البالغة العاقلة نفسها بأقل من مهر المثل.‏
‏- أما أكثر المهر فقد اتفق الفقهاء على أنه لا حد له فللمتعاقدين أن يزيدا فيه حسب ‏تراضيهما لعدم ورود دليل يدل على ذلك، والتحديد إنما يكون بالنص.

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:01 PM
المبحث الثالث
‏47-في أنواع المهر والحالات التي يجب فيها كل نوع




المهر الواجب في الزواج نوعان:‏
الأول: المهر المسمى وهو الذي اتفق عليه عند العقد أو قدر بعده بتراضي الطرفين كما ‏إذا عقدا العقد بدون تسمية للمهر ثم اتفقا بعده على قدر معين فإنه يكون المهر الواجب متى كانت ‏تسميته صحيحة.‏
الثاني: مهر المثل، والمعتبر فيه مهر امرأة تماثلها وقت العقد من أسرة أبيها أو من ‏غيرها، وتكون المماثلة فيما يعتد به من صفات الزوجة التي يرغب فيها من أجلها كالدين والأدب ‏والعقل والتعليم والجمال والسن والبكارة والثيوبة، وكونها ولوداً أو عقيماً والبلد الذي تعيش فيه، ‏فإذا لم يوجد من قوم أبيها من يماثلها من هذه الأوصاف فيعتبر من يماثلها من أسرة تماثل أسرة ‏أبيها من أهل بلدها.‏
ومما ينبغي ملاحظته في تقدير مهر المثل عند الحنفية أن يلاحظ أن يكون زوج هذه ‏الزوجة كأزواج أمثالها حسباً ونسباً وفضلاً لأن الرجل الفاضل يتسامح معه في مقدار المهر.‏

الاختلاف في مهر المثل
إذا اتفق الطرفان على مقدار مهر المثل وجب هذا القدر، وإن اختلفا بأن ادعى الزوج أن ‏مهر مثلها كذا وادعى أهل الزوجة أنه أكثر من ذلك. فمن أقام بينة على دعواه أخذ بقوله، وإن لم ‏يوجد لهما بينة فالقول قول الزوج مع يمينه لأنه منكر للزيادة.‏
وإن أقام كل منهما البينة على دعواه أخذ ببينة الزوجة لأنها تدعي الزيادة والزوج ‏ينكرها، والبينات شرعت لإثبات الدعاوى لا لدفعها "البينة على المدعي واليمين على من أنكر".‏

‏48-الحالات التي يجب فيها مهر المثل
يجب مهر المثل في الحالات الآتية:‏
الأول: إذا لم يسم في العقد بأن صدرت الصيغة مجردة من ذكره أو نفيه، كأن يقول لها : ‏زوجيني نفسك، فتقول قبلت أو زوجتك نفسي دون أن تذكر مهراً.‏
وفي هذه الحالة تسمى المرأة بالمفوضة، لأنها بسكوتها تكون قد فوضت أمر تقدير المهر ‏إلى زوجها، لذلك كان لها الحق في مطالبته بعد العقد بتقدير مهر لها، فإن فعل وتراضيا وجب ما ‏تراضيا عليه، وإن لم يجبها إلى طلبها كان لها أن ترفع الأمر للقاضي ليأمره بالفرض فإن لم ‏يمتثل قضى لها بمهر المثل، وإن سكتت عن المطالبة بالفرض حتى دخل بها أو مات عنها فلها ‏مهر المثل، لأنه وجب بالعقد وتأكد بالدخول أو الموت. وهذا عند الحنفية ومن وافقهم.‏
الثانية: إذا اتفقا على نفي المهر بأن صدرت الصيغة مقرونة بالنفي أو كان هناك اتفاق ‏سابق على الزواج بغير مهر وعقداً بناء على هذا الاتفاق ثم دخل بها.‏
وإنما وجب مهر المثل في هذه الحالة لأن المهر جعله الشارع حكماً من أحكام العقد فلا ‏يملك العاقد نفيه، واشتراط نفيه لا يخرج عن كونه شرطاً فاسداً لمنافاته لمقتضى العقد، والشروط ‏الفاسدة لا يفسد بها عقد الزواج بل يصح العقد ويلغى الشرط.‏
ولأن المهر فيه حق للشارع لأنه أوجبه إبانة لخطر العقد وإظهاراً لشرفه فلا يستطيع أحد ‏العاقدين إسقاطه. نعم إنه يجب أولاً بإيجاب الله، وللزوجة بعد تقرره أن تسقطه لأنه في حالة بقاء ‏الزواج خالص حقها. فلها أن ترده إلى الزوج إن كانت قبضته أو تبرئه منه إن لم تكن قبضته.‏
الثالثة: إذا سميا مهراً تسمية غير صحيحة بأن سميا ما لا يصلح أن يكون مهراً شرعاً. ‏مثل تسمية ما ليس بمال كالطير في الهواء والسمك في الماء أو الأشياء التالفة التي لا ينتفع بها ‏مثلاً، أو تسمية مال غير متقوم كالخمر والخنزير في زواج المسلم سواء كانت الزوجة مسلمة أو ‏كتابية، أو تسمية مال متقوم لكنه مجهول جهالة فاحشة. كمجهول الجنس والنوع كأن يجعل ‏مهرها حيواناً أو بيتاً أو حلياً أو قنطاراً أو أردباً مع عدم بيان نوعه. ففي هذه الصور تفسد التسمية ‏ويجب مهر المثل لأنه الواجب الأصلي كما يقول أبو حنيفة، ولا يعدل عنه إلا إذا تراضيا على ‏شيء معلوم يصح أن يكون مهراً شرعاً ولم يوجد.‏
ويلحق بهذه الصورة وهي التي فسدت فيها التسمية زواج الشغار وهو أن يزوج الرجل ‏موليته كبنته أو أخته من رجل على أن يزوجه الآخر بنته أو أخته من غير صداق لكل منهما، بل ‏على أن يكون زواج كل منهما صداقاً للأخرى، وهذا عند الحنفية الذين يصححون هذا العقد، وأما ‏عند الجمهور وهم الشافعية والمالكية والحنابلة فهو فاسد. ومنشأ الخلاف بينهما أنه زواج جاهلي ‏جاء الإسلام فنهى عنه بما رواه المحدثون عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "نهى عن الشغار" قال نافع: والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته وليس ‏بينهما صداق.‏
وبما رواه مسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا شغار في الإسلام" ‏فذهب الجمهور إلى أنه زواج منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، ولأنه عقد زواجين في عقد ‏واحد وهو منهي عنه أيضاً.‏
وذهب الحنفية إلى أنه ليس منهياً عنه لذاته بل لما اشتمل عليه من ظلم المرأة والإجحاف ‏بحقها كما كان عليه أهل الجاهلية من تحكمهم في شئون النساء وإلحاق الضرر بهن.‏
ففي هذا الزواج كل من المرأتين وقع عليها الظلم بحرمانها من مهرها بينما انتفع كل من ‏الوليين بحصوله على زوجة بدون مهر، وهذا المعنى لا يفسد العقد لأنه متعلق بالمهر وفساد ‏المهر لا يرجع على العقد بالفساد بل يفسد وحده ويصح العقد، لأنه يصح مع عدم ذكر المهر ‏وكأنه سمى شيئاً لا يصلح مهراً فيجب مهر المثل فآل الأمر إلى أنه زواج بمهر المثل.‏
الرابعة: إذا حصل الاختلاف في المهر المسمى ولم تثبت التسمية بالبينة فيجب مهر ‏المثل فيما إذا ادعت الزوجة أكثر منه أو ادعى الزوج أقل منه، أما إذا كان الادعاء من طرف ‏الزوجة وادعت أقل من مهر المثل فإنه يحكم بما تدعيه وكذلك إذا كان الادعاء من طرف الزوج ‏وادعى أكثر منه فأنه يحكم بما يدعيه.‏
الخامسة: إذا تزوج الرجل في مرض موته بأكثر من مهر المثل فإنه يجب لها مهر المثل ‏ويجري على الزيادة حكم الوصية للوارث على اختلاف المذاهب فيها.‏

متى يجب المهر المسمى؟
إذا صحت التسمية للمهر سواء كانت في العقد أو بعده وجب المهر المسمى لتراضيهما ‏عليه، وصحة التسمية تتوقف على توافر الشروط الآتية:‏
‏1- أن يكون المسمى مالاً متقوماً في نظر الشارع أو ما هو في حكم المال من المنافع ‏التي تقوم بالمال.‏
‏2- أن يكون معلوماً بأن يكون خالياً من الجهالة الفاحشة.‏
‏3- أن يكون عقد الزواج صحيحاً فإن كان فاسداً لا يلتفت إلى المسمى. بل يجب مهر ‏المثل، فإذا توفر في المسمى ذلك وجب بشرط ألا يكون أقل من المهر المقدر شرعاً فإن كان أقل ‏منه وجب المسمى وما يكمل العشرة دراهم عند الحنفية. والمعتبر القيمة عند العقد لا وقت ‏التسليم. فلو سمى لها ما قيمته عشرة دراهم عند العقد ثم نقصت قيمته عند التسليم لا يؤثر ذلك ‏النقصان في صحة التسمية، وإن كان العكس وجب المسمى وما يكمل العشرة، لأن زيادة القيمة ‏بعد العقد لا ترفع النقصان، ولا يضر بعد ذلك إن كان المسمى من الذهب أو الفضة مضروباً أو ‏غير مضروب أو من غيرهما من الأموال المثلية القيمية عقاراً أو منقولاً فيصبح تسمية والقروش ‏والدنانير والليرات وخاتم من الذهب أو من الماس أو عقار عليه بناء أو لا أو حيوان أو غير ذلك ‏بشرط ألا يكون فيه جهالة فاحشة فإن وجدت فسدت التسمية.‏
والجهالة الفاحشة تكون بجهالة الجنس والنوع مثل أن يسمى لها حيواناً أو بيتاً أو قنطاراً ‏أو إردباً أو ثوباً، فإن كان معلوم الجنس والنوع صحت التسمية ولا تضر جهالة الوصف لأنها ‏يسيرة لا تؤدي إلى النزاع كما إذا سمى لها فرساً أو ثوباً من الحرير وهذا عند الحنفية والمالكية ‏والحنابلة.‏
وخالف الشافعية فقالوا: إن جهالة الوصف تفسد التسمية، فلو سمى لها قنطاراً من القطن ‏وبين نوعه ولم يبين درجته أو ثوباً من الحرير مثلاً فإن التسمية تكون فاسدة ويجب مهر المثل ‏قياساً على المعاوضات المالية.‏
ويرد الجمهور على ذلك: بأن الجهالة اليسيرة تغتفر في عقد الزواج لأنه يتساهل فيه ‏حيث إن المال غير مقصود فيه بخلاف المعاوضات المالية لأنها مبنية على المساومة فجهالة ‏الوصف فيها مفضية إلى النزاع، ولأنه لو فسدت التسمية بجهالة الوصف وجب مهر المثل، ‏والجهالة فيه أشد مما فيه أشد مما في مجهول الوصف.‏
وإذا صحت تسمية مجهول الوصف عندهم وجب الوسط من الصفات لا الأعلى ولا ‏الأدنى ويخير الزوج بين دفع الوسط أو القيمة، لأن الوسط يعرف بالقيمة، ولأن مجهول الوصف ‏لا يثبت في الذمة، بل الذي يثبت فيها هو القيمة، وحينئذ يكون الواجب هو الوسط باعتباره ‏مذكوراً في العقد أو القيمة باعتبار ثبوتها في الذمة.‏

ما يجب في العقد الفاسد من المهر:‏
هذا هو المهر الواجب في العقد الصحيح، تارة يجب المسمى إذا صحت التسمية، وتارة ‏يجب مهر المثل إذا لم توجد تسمية أو وجدت وكانت فاسدة، وتارة يجب أقل المهر شرعاً وهو ‏عشرة دراهم عند الحنفية إذا سمى لها مالاً متقوماً أو منفعة تقوم بالمال لكنه أقل من العشرة.‏
وأما في العقد الفاسد فلا يجب فيه شيء قبل الدخول لأنه لا اعتبار له في نظر الشارع ‏وإنما يجب المهر فيه بالدخول الحقيقي بها، لأن الدخول بالمرأة في نظر الإسلام لا يخلو من ‏وجوب الحد أو المهر وحيث لا حد لوجود الشبهة المسقطة له فيجب المهر.‏
والمهر الواجب هنا هو مهر المثل إذا لم يسم لها مهراً أو سماه وكانت التسمية فاسدة، فإذا ‏كانت التسمية صحيحة وجب الأقل من المسمى ومهر المثل، فإذا كان مهر مثلها مائة والمسمى ‏ثمانون وجب المسمى، وإن كان العكس وجب مهر المثل.‏
وإنما وجب الأقل منهما لأن الواجب الأصلي هو مهر المثل وقد رضيت بالمسمى في ‏حالة زيادة مهر مثلها عما سماه، وكأنها أسقطت حقها في الزيادة فتعامل بذلك، وهذا هو الراجح ‏في المذهب الحنفي.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:02 PM
المبحث الرابع
في الزيادة في المهر والحط منه




معنى الزيادة في المهر: أن يضاف إليه شيء بعد تمام العقد والاتفاق على مهر معين ‏سواء أكان ذلك الشيء من جنس المهر المسمى أم غير جنسه.‏
ومعنى الحط: إنقاص جزء من المهر أو إسقاطه كله بعد الاتفاق عليه، وظاهر أن الزيادة ‏تكون من جانب الزوج، والحط من جانب الزوجة، وكل منهما جائز لكن بشروط، فإذا زاد الزوج ‏شيئاً على المهر التحقت الزيادة بأصل المهر وصارت كجزء منه فتلزمه ويطالب بها ما يطالب ‏بالأصل ويتأكد وجوبها بما يتأكد به وجوب المهر غير أنها لا تتنصف لو طلقها قبل الدخول عند ‏الحنفية.‏
وتثبت لها تلك الأحكام إذا توفرت الشروط الآتية:‏
‏1- أن يكون الزوج من أهل التبرع بأن يكون بالغاً عاقلاً رشيداً لأن هذه الزيادة نوع من ‏التبرع فلا تصح إلا إذا كان فاعلها من أهل التبرع.‏
‏2- أن تكون الزيادة معلومة كأن يزيد مقداراً من المال محدداً أو عيناً مالية معينة، فإن ‏كانت مجهولة. كأن يقول لها: زدتك شيئاً على مهرك أو قدراً من المال لم يحدده لا تلتحق به لأن ‏المجهول لا يصح أن يكون محلاً للعقد والتعامل.‏
‏3- أن تكون الزوجية قائمة عند الزيادة ولو حكماً كما في عدة الطلاق الرجعي، أما لو ‏كانت الزيادة بعد الطلاق البائن فلا تعتبر، لأن الزيادة تلتحق بأصل المهر المسمى وتستند إلى ‏العقد فيجب أن يكون باقياً حتى يمكن التحاقها بالمهر واستنادها إلى العقد.‏
‏4- أن تقبلها الزوجة إذا كانت أهلاً للقبول، أو وليها إذا لم تكن أهلاً في المجلس، لأنها ‏هبة والملك لا يثبت فيها إلا بالقبول، فلو ردت من جانبها ارتدت حيث لا يدخل في ملك الإنسان ‏شيء جبراً عنه إلا في الميراث.‏
وكما يجوز للزوج الرشيد الزيادة في المهر يجوز لولي القاصر إذا كان أباً أو جداً غير ‏معروف بسوء الاختيار أن يزيد في مهر القاصر، لأن له أن يزوجه بأكثر من مهر المثل ابتداء ‏عند أبي حنيفة، فله أن يزيد بعد التسمية، لأن مثل هذا الولي لا يفعل ذلك إلا لمصلحة تفوق ‏الزيادة في المهر، ولأن عرف الناس جار بأن الهدايا تقدم من قبل الزوج وأوليائه، فتكون هذه ‏الزيادة كالهدية فتجوز وتصبح لازمة وتلتحق بأصل المهر.‏
وكما تجوز الزيادة من جانب الزوج، يجوز الحط من قبل الزوجة وحدها إذا كانت أهلاً ‏للتبرع بأن كانت بالغة عاقلة رشيدة، ولا يجوز ذلك من وليها إذا كانت قاصرة حتى ولو كان ‏الولي أباها أو جدها، لأن الحط يكون بمثابة الهدية، ولم تجر العادة بأن أهل الزوجة يقدمون ‏الهدايا للزوج بل لو فعلوا ذلك تعيروا به.‏
وأبو حنيفة وإن كان يصحح تزويج الولي لها بأقل من مهر المثل ابتداء لما يراه من ‏المصلحة لكنه لا يجوز له الحط منه بعد تقرره، لأن المهر يتعلق به عند إنشاء العقد حقوق ثلاثة:‏
حق الشارع، ولهذا لا يصح بأقل من عشرة دراهم.‏
وحق الوالي العاصب ولذا كان له حق الاعتراض على تزويج البالغة العاقلة الرشيدة ‏نفسها بأقل من مهر مثلها.‏
وحق للزوجة لأنها الممتلكة.‏
وبعد تقرره يصير حقاً خالصاً للزوجة، فحقها ثابت في الابتداء والبقاء وحق غيرها ثابت ‏في الابتداء فقط.‏
ومن هذا يتبين أنه لا يملك الحط من المهر بعد تقرره إلا الزوجة صاحبة الحق فيه في ‏البقاء، لأنه إن وجد المسوغ للنقص في الابتداء فلم يوجد بعده بل وجد المانع منه.‏
والحط منه يصح بشروط:‏
‏1- أن تكون من أهل التبرع وهي الرشيدة كما قلنا.‏
‏2- أن يقبله الزوج في المجلس إذا كان المهر مالاً من الأعيان كبيت معين أو حيوان ‏معين، لأن حطها يكون هبة، والهبة لا بد فيها من القبول، فإذا لم يقبل الزوج صراحة لا يسقط ‏حقها فيه، بل يبقى هذا القدر أمانة عنده تأخذه متى شاءت، فإذا هلك ذلك الجزء عند الزوج لا ‏يكون مضموناً عليه، لأن الإبراء منها لا يفيد التمليك في الأعيان، فيحمل على نفي الضمان ‏بخلاف باقي المهر فإنه مضمون عليه حق تقبضه.‏
وأما إذا كان المهر ديناً في الذمة كمبلغ من المال أو الأشياء التي تثبت في الذمة فلا ‏يشترط لحطه عنه قبوله، بل يشترط عدم رده، لأن الحط هنا إبراء للذمة من بعض ما ثبت فيها ‏وهو إسقاط لا يحتاج إلى القبول بل يرتد بالرد.‏
وإنما شرط الرد هنا لأن الإبراء منّة، ومن الناس من لا يحتمل المنة من الغير خصوصاً ‏في مهر الزوجة، وإذا تم الحط بالهبة أو بالإبراء أصبح المهر هو الباقي لا يحق لها المطالبة إلا ‏به لكن مع ملاحظة أن يكون حطها بمحض اختيارها لا يشوبه أي نوع من الإكراه ويجب ‏التحري عند إثباته.‏
ومما تجب ملاحظته هنا أيضاً أن الزيادة في المهر والحط منه إذا كان في مرض الموت ‏اعتبر وصية تطبق عليها أحكام الوصية، فمذهب الحنفية يعتبرها موقوفة كلها على إجازة الورثة ‏لأنها وصية للوارث.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:04 PM
المبحث الخامس
في تعجيل المهر وتأجيله



لما كان المهر حكماً من أحكام العقد الصحيح فإنه يجب بتمام العقد ديناً في ذمة الزوج ‏عند الحنفية ومن وافقهم يجب أداؤه للزوجة عند طلبها، ولها أن تمتنع عن الدخول في طاعته إذا ‏لم يؤده لها بعد الطلب، وإذا كان أداؤه متوقفاً على طلب الزوجة فلا يلزم أن يكون حالاً وقت ‏العقد بل يجوز تأجيله كله أو بعضه إذا اتفق الزوجان على ذلك.‏
وعلى هذا إذا اتفق الزوجان على شيء من ذلك عمل به وإن كان هناك عرف يخالفه لأن ‏الاتفاق من قبيل الصريح والعرف من قبيل الدلالة، وإذا تعارض الصريح والدلالة يقدم الصريح، ‏على أن من شروط العمل بالعرف ألا يكون تصريح بخلافه.‏
وإذا لم يوجد اتفاق بينهما على شيء من التعجيل والتأجيل حكم عرف البلدة التي جرى ‏فيها العقد لأن سكوتهما عن التصريح دليل على قبولهما تحكيم العرف القائم وقت العقد، وإن لم ‏يكن عرف وجب تقديم المهر كله، لأن الأصل أنه يجب بتمام العقد ولا يؤجل إلا بشرط صريح ‏أو عرف قائم، فإذا كان المهر عاجلاً كله أو بعضه فإن قبضته الزوجة وجب عليها الانتقال إلى ‏بيت الزوج والدخول في طاعته بمجرد طلبه، فإن امتنعت عن ذلك كانت ناشزة وأجبرت على ‏تسليم نفسها إلا إذا كان هناك ما يحول دون ذلك كالمرض ونحوه.‏
وإن لم يوف لها ذلك المعجل كان لها الامتناع سواء كان الزوج موسراً أو معسراً ولا يعد ‏هذا نشوزاً منها لأن امتناعها بحق شرعي. فإن سمحت له في هذه الحالة بالدخول أو الخلوة ‏الصحيحة بها فهل يعد ذلك إسقاط لحقها في الطلب العاجل ومنع نفسها منه في أي وقت أو لا؟.‏
ذهب أبو حنفية إلى أنَّ هذا لا يسقط حقها فلها أن تمتنع منه لأن رضاها بالدخول أو ‏الخلوة قبل قبض معجل المهر إسقاط لحقها في منع نفسها في الماضي لا في المستقبل لأن منافع ‏الزواج مستمرة ولا تستوفي دفعة واحدة لاحتمال أن تكون فعلت ذلك لحمل الزوج على دفع ‏المهر فلما لم يفعل رجع حقها في المنع إليها.‏
ونظير ذلك ما إذا رضيت بمعاشرة زوجها فترة من الزمن بدون اتفاق عليها فإن ذلك لا ‏يكون إسقاط لحقها في طلب الاتفاق عليها في المستقبل، وهذا هو الرأي الراجح في مذهب ‏الحنفية.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا حق لها في المنع لأنها لما رضيت بالدخول أو الخلوة ‏قبل أن تقبض معجل صداقها فقد سلمت جميع المعقود عليه، ولهذا يتأكد جميع المهر بالمخالطة ‏مرة واحدة، فكانت مسقطة لحقها في طلبه قبل الدخول فيسقط حقها في الامتناع، فلو امتنعت لم ‏تجب لها نفقة لأنها تعتبر ناشزة.‏
وإذا عجز الزوج عن دفع معجل الصداق، فهل يقتصر أثره على منع الزوجة نفسها من ‏الزوج وعدم طاعته، أو يتعدى ذلك إلى ثبوت الحق لها في طلب فسخ الزواج؟.‏
في ذلك رأيان:‏
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنَّه لا يتعدى إلى طلب الفسخ بأي حال.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة في رأي عندهم إلى أنَّ لها الحق في ذلك غير أن منهم ‏من جعل لها هذا الحق مطلقاً سواء دخل بها أو لم يدخل، ومنهم من قيد هذا الحق بما قبل الدخول، ‏أما بعده فلا يجوز لها هذا الطلب ولو فعلت لم تجب إلى ذلك.‏
وإذا اتفقا على تأجيل المهر كله إلى أجل محدد صح ذلك التأجيل، ويجب على الزوج ‏أداؤه عند حلول الأجل المعين، فإذا طلقها قبل حلول الأجل فليس لها حق المطالبة حتى يحل ‏الأجل، وإن مات قبل حلول الأجل فلها حق مطالبة الورثة بعد الموت دون انتظار الأجل، لأن ‏التأجيل حق لا يورث.‏
وإذا لم يعينا أجلاً أو ذكرا أجلاً مجهولاً جهالة فاحشة بطل التأجيل، ولو أجلا نصفه من ‏غير تعيين الأجل.‏
فبعض الفقهاء يرى أن التأجيل باطل فيجب تعجيله.‏
ومن الفقهاء من يرى أن التأجيل صحيح، ويعتبر مؤجلاً إلى الطلاق أو وفاة أحد ‏الزوجين، لأن أحدهما آت لا محالة فيؤجل إلى أقربهما ما دام الزوجان قد ارتضيا التأجيل.‏
حالة تأجيل المهر إلى أجل معين: هل يؤثر ذلك في طاعة الزوجة لزوجها أو لا؟.‏
والمسألة فيها تفصيل بين ما إذا شرط الزوج الدخول قبل حلول الأجل ورضيت الزوجة، ‏وبين ما لم يشرط ذلك، فإن شرطه فقد اتفق أئمة الحنفية على أنه لا حق لها في الامتناع لأنها ‏برضاها بالشرط أسقطت حقها فيه.‏
أما إذا لم يشترط ذلك فأبو حنيفة يذهب إلى أنه لا حق لها في الامتناع لأنها لما رضيت ‏بتأجيل المهر فقد رضيت بتسليم نفسها قبل قبضه وهو إسقاط لحقها في تعجيله، ولم يوجد من ‏الزوج ما يدل على إسقاط حقه في الاستمتاع بزوجته الثابت له بمجرد العقد الصحيح، وبهذا يقول ‏الإمام أحمد بن حنبل.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:05 PM
المبحث السادس ‏
في مؤكدات المهر




المهر الذي وجب بالعقد الصحيح فإن وجوبه غير مستقر، لأنه عرضة لأن يسقط كله أو ‏نصفه حتى يوجد ما يؤكده، فإذا وجد ذلك المؤكد استقر وجوبه ولا تبرأ ذمته إلا بالأداء أو ‏الإبراء.‏
والمؤكدات للمهر أمور اتفق الفقهاء على بعضها واختلفوا في البعض الآخر.‏
فاتفقوا على أنه يتأكد بأحد أمرين:‏
أولاهما: الدخول الحقيقي بالزوجة، لأن الزوج بدخوله بزوجته يستوفي حقه منها فيتقرر ‏حقها كاملاً في المهر سواء كان مسمى وقت العقد أو قدر بعده بالتراضي بينهما أو بقضاء ‏القاضي أو لم يكن مسمى ووجب مهر المثل بقيت الزوجية أو حصلت الفرقة بينهما، وإذا تقرر ‏حقها في المهر كاملاً فلا تبرأ ذمته إلا بأدائه لها أو إبرائها له منه.‏
غير أنه يشترط في ذلك الدخول الموجب لكل المهر أن يكون واقعاً من بالغ، وأن تكون ‏المرأة صالحة للمخالطة الجنسية، فإن كانا صغيرين لا يتقرر بدخولهما كل المهر عند الحنفية ‏والمالكية ولا يشترط في الدخول أن يكون حلالاً، بل إن حصوله مع وجود المانع الشرعي ‏كالحيض أو النفاس أو كون أحدهما صائماً مثلاً يتأكد به المهر.‏
ثانيهما: موت أحد الزوجين باتفاق المذاهب الأربعة، وإن قصره المالكية على المهر ‏المسمى حيث لا يوجبون لها شيئاً عند عدم التسمية.‏
وموت أحد الزوجين يوجب المهر كله قبل الدخول أو الخلوة بالزوجة حتى ولو كانا ‏صغيرين أو أحدهما. وإنما وجب المهر كله بالموت لأنه وجب بالعقد وكان عرضة للسقوط ‏بالفسخ من أحد الجانبين وبالموت تعذر الفسخ لانتهاء العقد به حيث إن الزواج للعمر وقد انتهى ‏العمر بالموت فينتهي الزواج به، والشيء تتقرر أحكامه الممكنة بانتهائه، والمهر حكم من أحكامه ‏التي يمكن تقريرها بالموت.‏
ولأن المهر لما وجب بنفس العقد صار ديناً في ذمة الزوج، والديون لا تسقط بالموت فلا ‏يسقط به المهر، وإذا تقرر المهر فإن كانت الزوجة أخذت جزءاً منه قبل موت الزوج تقرر لها ‏الباقي في تركته، وإذا لم تكن أخذت منه شيئاً أخذته كله من تركة الزوج.‏
وإذا كانت الزوجة هي التي ماتت أخذ ورثتها المهر كله أو باقيه من الزوج بعد خصم ‏نصيبه منه لأنه يرثها فيما تركته ومنه المهر الذي لم تقبضه.‏
والفقهاء متفقون بعد ذلك على أن موت أحد الزوجين مؤكد لكل المهر إذا كان الموت ‏طبيعياً أو بقتل أجنبي، أو كان بفعل الزوج بأن قتل نفسه أو قتل زوجته، واختلفوا فيما إذا قتلت ‏نفسها أو قتلت زوجها عمداً.‏
وذهب الشافعية إلى أنها قتلت زوجها عمداً أنها لا تستحق صداقها لأنها أنهت الزواج ‏بمعصية فوتت بها على الزوج حقه، وإنهاء الزواج بهذه الصورة من قبلها يسقط المهر متى كان ‏قبل الدخول، كما إذا ارتدت بعد العقد وقبل الدخول.‏
وذهب المالكية إلى موافقة الشافعية بالجملة، حيث إنهم منعوا تكميل المهر لئلا يكون ذلك ‏ذريعة لقتل النساء أزواجهن فتعامل بنقيض مقصودها.‏
وذهب جمهور الحنفية ومعهم الحنابلة إلى أن المهر لا يسقط بهذا القتل بل يتأكد المهر ‏كله به، لأن القتل وإن كان جناية منها فله عقوبة مقررة وهي القصاص. فلو قلنا بسقوط مهرها ‏لأوجبنا عليها عقوبة زائدة لم تقرر شرعاً وهو غير جائز، ولأن المهر في تلك الحالة للورثة لا ‏لها فلا يحتمل السقوط بفعلها كما إذا قتلها زوجها.‏
‏- وقد اختلفوا في تأكده بالخلوة بعد العقد الصحيح:‏
وذهب الشافعية إلى أنها في المشهور عندهم، إلى أنها لا تقوم مقام الدخول في تأكيد ‏المهر، فإذا طلقها بعد الخلوة وجب لها نصف المهر المسمى، فإن لم يكن سمى لها مهراً وجبت ‏لها المتعة.‏
غير أن المالكية قالوا: لو أقامت معه في بيته سنة، وكان بالغاً وهي تطيق المخالطة ولم ‏يفعل شيئاً يجب كل المهر لو انفسخ العقد بعد ذلك.‏
وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الخلوة بالزوجة يتأكد بها المهر كله، وتسمى عندهم ‏بالدخول الحكمي.‏
غير أن الحنفية يشترطون في الخلوة أن تكون صحيحة، وأما الحنابلة فلا يشترطون ذلك ‏بدليل أنهم قالوا: لو لمسها أو قبلها بشهوة ولو بحضرة الناس تأكد لها كل المهر ولا يسقط، ومثل ‏ذلك لو نظر إلى ما لا يحل لغيره بالنظر إليه بشهوة، بل زادوا على ذلك وجعلوا الخلوة في ‏الزواج الفاسد موجبة للمهر في إحدى الروايتين.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:07 PM
المبحث السابع ‏
في الخلوة الصحيحة وأحكامها



وحد الخلوة الصحيحة عند الحنيفة أن يجتمع الزوجان بعد العقد الصحيح في مكان يأمنان ‏فيه من دخول أحد عليهما بدون إذنهما أو يطلع عليهما، وليس هناك مانع يمنعهما من المخالطة ‏الجنسية، فإذا لم يكن المكان آمناً لا تكون صحيحة، وإن كان آمناً ووجد المانع لا تكون صحيحة ‏أيضاً.‏
والموانع - كما عّدها الفقهاء ثلاثة أنواع: حقيقي، وشرعي، وطبعي.‏
فالحقيقي: ويسميه بعض الفقهاء بالحسي كالمرض الذي يحول بينهما وبين التمتع الكامل، ‏والعيب الخلقي بالمرأة كالقرن والرتق والصغر بأن يكون أحدهما صغيراً لا يمكن الاختلاط من ‏مثله.‏
والشرعي: كأن يكون أحدهما صائماً في رمضان، أو محرماً بحجة فريضة أو نفل أو ‏بعمرة، أو تكون المرأة حائضاً أو نفساء فكل ذلك مانع شرعاً، لأن المخالطة الجنسية محرمة فيها ‏شرعاً، وفي الحيض والنفاس مانع طبعاً لأنه أذى والطبع ينفر عن استعمال الأذى.‏
والمانع الطبعي: كأن يكون معهما ثالث عاقل ولو كان صغيراً يستطيع التعبير عما وقع ‏بينهما(1) لأن الإنسان يكره أن يقرب امرأته بحضرة ثالث ويستحي فينقبض عنه، وهذا تقسيم ‏اعتباري، ولهذا سمى بعض الفقهاء هذا المانع بالحسي لأن الشخص الثالث محسوس.‏
فإذا صحت الخلوة تأكد بها المهر، فلو طلقها بعد ذلك أو انفسخ العقد بسبب من أسباب ‏الفسخ ولو من جانبها وجب لها المهر كله متى كان العقد صحيحاً.‏
‏___________________‏
‏(1) أما إذا كان معهما صغير لا يميز أو مجنون أو مغمى عليه فلا يمنع الخلوة.‏
ولا تعتبر هذه الخلوة بعد الزواج الفاسد، لأن المخالطة الجنسية فيه حرام، فكان المانع ‏الشرعي قائماً، ولأن الخلوة تؤكد المهر بعد وجوبه بالعقد، والعقد الفاسد لا يوجب المهر فلا ‏يتصور تأكيد شيء لم يوجد.‏
وإذا كانت الخلوة الصحيحة يتأكد بها المهر بالدخول الحقيقي فهي لا تأخذ حكمة في كل ‏شيء، بل تتفق معه في بعض الأحكام وتخالفه في بعضها الآخر وإليك البيان لمواضع التوافق ‏والتخالف:‏
الأحكام التي يشتركان فيها:‏
‏1- تأكيد المهر للزوجة.‏
‏2- وجوب العدة على الزوجة إذا وقعت الفرقة بعد الخلوة الصحيحة.‏
كما تجب به بعد الدخول، لكن يلاحظ أنهما وإن اتفقا في وجوب العدة إلا أن وجوبها ‏بالدخول وجوب ظاهراً وباطناً، أي قضاء وديانة لأنها حق الشارع وحق الولد الذي قد يأتي ثمرة ‏لهذا الدخول. فيحرم عليها التزوج قبل انقضائها، أما في حالة الخلوة فوجوبها إنما هو في الظاهر ‏فقط، أي في نظر القضاء. فلو رفع الأمر إلى القاضي وجب عليه الحكم بوجوبها على المختلي ‏بها، لكن المرأة إذا كانت متيقنة بعدم مخالطة زوجها لها أثناء الخلوة فإنه يحل لها ديانة. أي بينها ‏وبين الله أن تتزوج من غير أن تعتد بعد ذلك الطلاق، لأنه طلاق قبل الدخول حقيقة فلا يوجب ‏العدة، كما ذهب إليه بعض فقهاء الحنفية، وإذا وجبت العدة على الزوجة بالفرقة بعد الخلوة ‏الصحيحة ترتبت عليها أحكام العدة وهي:‏
‏1- وجوب النفقة بأنواعها التي تثبت لكل معتدة.‏
‏2- حرمة التزوج بامرأة أخرى تكون محرماً للمعتدة ما دامت في عدتها، لأنه يكون ‏جامعاً بين محرمين.‏
‏3- يحرم عليه التزوج بخامسة ما دامت العدة قائمة إذا كان له ثلاث زوجات غير تلك ‏المطلقة، لأنه يكون جامعاً لأكثر من أربع زوجات.‏
بقي حكم أخير تشترك فيه الخلوة والدخول بالزوجة وهو ثبوت نسب الولد من الزوج إذا ‏توافرت شروط ثبوت النسب، كما يثبت نسبه منه بعد الدخول.‏
وهذا في الواقع ليس حكماً للخلوة ولا للدخول، بل هو حكم لعقد الزواج الصحيح وإن لم ‏يعقبه دخول ولا خلوة كما يذهب إليه الحنفية احتياطاً منهم وحرصاً على عدم ضياع الولد.‏
الأحكام التي يختلفان فيها:‏
تختلف الخلوة عن الدخول في الأحكام الآتية:‏
‏1- حرمة بنات الزوجة تكون بالدخول الحقيقي بها، أما مجرد الخلوة الصحيحة فلا ‏يترتب عليها حرمة البنات، فلو تزوج رجل امرأة ودخل بها ثم طلقها فإنه حرم عليه التزوج ‏بإحدى بناتها بعد ذلك، أما لو طلقها بعد الخلوة بها فيحل له التزويج بإحدى بناتها، لأن القرآن ‏علق تحريم الربائب على الدخول. {وَرَبَائِبُكُمْ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ‏فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}.‏
‏2- إحلال المطلقة ثلاثاً لمطلقها، فلو طلق الرجل زوجته ثلاثاً فإنها لا تحل له بعد ذلك ‏حتى تتزوج زوجاً آخر، فإذا تزوجها الثاني ودخل بها دخولاً حقيقياً ثم طلقها وانقضت عدتها ‏حلت للأول، أما لو طلقها بعد الخلوة الصحيحة فلا تحل له لحديث "لا حتى تذوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوقَ ‏عُسَيْلَتَكِ"، وهو كناية عن الدخول الحقيقي فبقي ما دونه على التحريم.‏
‏3- الطلاق الواقع بعد أحدهما فإنه بعد الدخول الحقيقي يكون رجعياً وبائناً، أما بعد ‏الخلوة الصحيحة فإنه لا يكون إلا بائناً على أي صورة وقع من الزوج، ويترتب على ذلك أن ‏المطلق بعد الدخول يستطيع مراجعة زوجته بدون عقد جديد إذا كان طلاقه السابق رجعياً، أما ‏المطلق بعد الخلوة فلا يستطيع إرجاعها إلا بعقد جديد.‏
‏4- إن المدخول بها تزوج تزويج الثيبات من أنه لا بد في تحقق رضاها من أذنها ‏الصريح، أما المختلى بها فقط فتتزوج زواج الأبكار لأنها لا زالت بكراً فيكتفي في رضاها ‏بمجرد السكوت.‏
‏5- الميراث، إذا طلق الرجل امرأته بعد الخلوة الصحيحة ومات أحدهما في أثناء العدة ‏فلا يرث أحدهما الآخر، لأن الطلاق بعدها يكون بائناً على أي شكل وقع، ولا إرث في عدة ‏البائن. يستوي في ذلك أن يكون طلاقه فراراً من الميراث وهو الطلاق في مرض الموت من غير ‏رضاها أو لم يكن كذلك.‏
أما إذا طلقها بعد الدخول ومات أحدهما في العدة، فإنه يرث أحدهما الآخر إذا كان ‏الطلاق رجعياً، بل إنه يثبت للزوجة في عدة الطلاق البائن إذا كان الطلاق في مرض موته، لأنه ‏يعتبر فاراً من ميراثها فيعامل بنقيض مقصوده.‏
فالفرق بينهما فيما إذا كان الطلاق بائناً قصد به الفرار من الميراث، والميراث لا يثبت ‏إلا بيقين بوجود سببه لأنه حق مالي لا يثبت احتياطاً.‏
‏6- الإحصان، فإن الدخول يجعل كلاً من الزوج والزوجة محصنين بحيث تطبق عليهما ‏عقوبة الرجم في الزنى، أما الخلوة الصحيحة فلا تجعلها محصنين فتطبق عليهما عقوبة الجلد عند ‏الزنى إن لم يكن سبق لهما زواج ودخول.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:08 PM
المبحث الثامن
فيما يتأثر به المهر بعد وجوبه




عرفنا ما يتأكد به المهر فيتقرر بأكمله بالدخول والخلوة الصحيحة، وموت أحد الزوجين، ‏فإذا حصلت الفرقة بعدها وجب المهر كاملاً سواء كان المسمى أو مهر المثل.‏
أما إذا حصلت الفرقة قبلها فلا يجب المهر كله، بل تارة يتنصف، وأخرى يسقط إلى ‏بدل، وثالثة لا إلى بدل فتلك حالات ثلاث وإليك تفصيلها:‏
الحالة الأولى: حالة التنصيف وهي التي يجب فيها نصف المهر.‏
يجب نصف المهر إن كان مسمى تسمية صحيحة وكانت الفرقة من قبل الزوج سواء ‏كانت طلاقاً أو فسخاً. كالفرقة بلفظ الطلاق أو التفريق بعيب فيه أو بسبب ارتداد الزوج عن ‏الإسلام، أو إبائه عنه إذا كان غير مسلم وأسلمت زوجته أو ارتكابه ما يوجب حرمة المصاهرة.‏
ولا يستثنى من ذلك إلا صورة ما إذا كانت الفرقة بسبب خيار البلوغ، أو الإفاقة فيما لو ‏زوج الصغير أو المجنون غير الأب والجد المعروفين بحسن الاختيار من الأولياء فإنه يثبت له ‏الخيار في فسخ العقد عند البلوغ أو الإفاقة. فإذا اختار فسخ العقد لا يلزم بشيء من المهر، لأننا لو ‏أوجبنا عليه نصف المهر كغيره لم يكن لهذا الخيار فائدة، لأنه حينئذ يستوي الفسخ والطلاق الذي ‏يملكه كغيره فتنحصر فائدته في إعفائه من المهر عند اختياره الفسخ، وأيضاً إن فسخ العقد ‏بالخيار رفع له من غير سبب موجب ولم يقل بذلك أحد.‏
والدليل على إيجاب نصف المهر في هذه الفرقة قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ ‏تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة : 237]. فهذه الآية توجب نصف ‏المهر في الطلاق قبل الدخول إذا كان مفروضاً أي مقدراً فيقتصر التنصيف على المهر المسمى، ‏ويلحق بالطلاق كل فرقة جاءت من جانب الزوج، أما مهر المثل الذي يجب عند عدم التسمية ‏الصحيحة فلم يرد نص بتنصيفه، فيبقى وجوبه كاملاً في الصور التي يجب فيها كمال المهر، ‏ويجب بدل نصفه المتعة، هذا قدر متفق عليه بين الفقهاء.‏
ولكن الفقهاء اختلفوا في المراد بالمهر المسمى الذي ينص أهو المسمى عند العقد فقط فلا ‏يتناول المسمى بعده بتراضي الزوجين أو بقضاء القاضي عند اختلافهما فيه ولا الزيادة في المهر ‏على المسمى بالعقد أو يتناول كل ذلك؟.‏
فذهب الحنفية في الراجح عندهم إلى أن المراد به المسمى وقت العقد فقط فلا ينصف ما ‏سمى بعده ولا ما زيد عليه من جانب الزوج، فلو تزوجها بدون تسمية للمهر وقت العقد ثم سمى ‏المهر بعد ذلك بالتراضي أو بالقضاء ثم طلقها قبل الدخول والخلوة فلا يجب لها إلا المتعة، ولو ‏زاد على المسمى شيئاً وطلقها كذلك وجب لها نصف المسمى وتسقط الزيادة.‏
وذهب الجمهور إلى أن التنصيف يكون للكل في حالة الزيادة وفي حالة التسمية بعد ‏العقد، وسبب الخلاف يرجع إلى اختلافهم في المراد بالمفروض الذي ينصف في الآية {فنصف ‏ما فرضتم} فيقول الجمهور: إنه المفروض سواء كان وقت العقد أو بعده، لأن الفرض معناه ‏التقدير وهو شامل لكل هذا.‏
ويقول الحنفية: إنه المفروض وقت العقد أو المتفق عليه قبله لأن في عرف الناس كذلك: ‏وكلام الشارع يفسره العرف فيعمل بالمتعارف وإن كان مخالفاً للوضع اللغوي.‏
الحالة الثانية: التي يسقط فيها المهر إلى بدل. وهي التي يجب فيها المتعة. ‏
المتعة: هي المال الذي يعطيه الرجل للمرأة بعد الفرقة بينهما بطلاق أو فسخ سواء كان ‏هذا المال نقداً أو ثياباً أو غير ذلك. وهي نوعان. واجبة ومستحبة. فتجب للزوجة في كل فرقة قبل ‏الدخول أو الخلوة الصحيحة من جهة الزوج إذا لم يكن لها مهر مسمى تسمية صحيحة وهي ‏المفوضة، والدليل على وجوبها في هذه الحالة قوله تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا ‏لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا ‏بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236]، ولأنها وجبت عوضاً عن نصف المهر وهو ‏واجب فتأخذ حكمه لأن بدل الواجب واجب.‏
وذهب الحنفية إلى وجوبها في كل فرقة من جانبه قبل الدخول سواء اعتبرت طلاقاً أو ‏فسخاً، لأن الحكمة في إيجابها التخفيف عن المرأة لما أصابها من الألم والوحشة بقطع وصلة ‏النكاح من جانب الرجل دون أن يكون لها دخل في ذلك وتعويضها عما فاتها من نصف المهر لو ‏كان لها مهر مقدر، ويستوي في ذلك أن تكون الفرقة طلاقاً أو فسخاً.‏

مقدار المتعة ‏
والمتعة الواجبة كسوة كاملة للمرأة مما تلبسه للخروج من المنزل عادة أو قيمة ذلك من ‏نقود وغيرها، والمعتبر فيها عرف كل بلدة فيما تكتسي به المرأة خارج بيتها، وهو يختلف ‏باختلاف أحوال الناس. فإن تراضيا عليها فذاك، وإلا فرضها القاضي. ‏
وتحديد الفقهاء لها بالثياب من درع وخمار وملحفة(1) كان باعتبار عرف زمانهم بدليل ‏أنهم نصوا على أن المعتبر في المتعة عرف كل بلد فيما تكتسي به المرأة عند الخروج. كما نصوا ‏على أن الزوج لو دفع لها قيمة المتعة أجبرت على القبول.‏
‏_________________‏
‏(1) الدرع ما تلبسه المرأة فوق القميص، والخمار ما تغطى به الرأس والملحفة ما تلبس فوق ‏ثيابها وبعض الفقهاء يعدها قميص وأزار وملحفة. ‏
ويريد بالأزار ما يلبس فوق القميص وتحت الملحفة.‏
‏ ‏
وهي على الإجمال لها حد أدنى وحد أعلى:‏
فحدها الأدنى عند الحنفية ألا تقل عن خمسة دراهم لأنها نصف أقل المهر الواجب ‏شرعاً. وهي وجبت عوضاً عن نصف المهر المسمى، ولا تزيد عن نصف مهر المثل، لأن مهر ‏المثل هو الواجب لها لو فارقها بعد الدخول في هذه الحالة.‏
ومعنى ذلك أنها لو قدرت لا تقل عن ذلك ولا تزيد عن هذا لكن الزوج لو تطوع بأكثر ‏من هذا وأعطاها باختياره فلا بأس في ذلك، وعند تقديرها: يراعي حال الزوج من اليسار ‏والإعسار لقوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} فهو صريح في أن ‏تقدير المتعة يكون بحال الزوج من اليسر والعسر، ولأنه هو المكلف بدفعها فلو كلفناه وهو فقير ‏وهي غنية بمثل ما تكسى به لكلفناه بما ليس في وسعه. {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}.‏
أما المتعة المستحبة: فهي لكل مطلقة بعد الدخول سواء سمي لها مهراً أو لا، وللمطلقة ‏قبل الدخول إذا كان لها مهر مسمى على الصحيح في المذهب الحنفي متى كانت الفرقة من جانب ‏الرجل إلا إذا ارتد أو أبى الدخول في الإسلام فإن المتعة لا تستحب في حقه لأن الاستحباب ‏فضيلة لا تطلب إلا من المسلم لقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} ‏‏[البقرة: 241].‏
ولأن إعطاء المتعة في تلك الحالات يكون من التسريح بإحسان المأمور به.‏
الحالة الثالثة التي يسقط فيها المهر كله إلى بدل:‏
يسقط المهر كله بعد ثبوته بالعقد الصحيح إذا طرأ عليه سبب من الأسباب الآتية: ‏
‏1- إذا وهبت الزوجة لزوجها كل المهر قبل الدخول أو بعده فإنه يسقط عنه متى كانت ‏من أهل التبرع وقبل الزوج الهبة في المجلس، سواء كانت الهبة قبل قبض المهر أو بعده وكذلك ‏إذا أبرأته منه وهي رشيدة وكان ديناً في ذمة الزوج سواء كان قبل الدخول أو بعده.‏
‏2- إذا حصلت الفرقة بينهما بسبب من جانبها قبل الدخول أو الخلوة الصحيحة. سواء ‏كان هذا السبب أمراً مشروعاً، كما إذا كان لها خيار البلوغ أو الإفاقة فيما إذا زوجها وليها غير ‏الأب والجد وهي صغيرة أو مجنونة ثم بلغت أو أفاقت واختارت فسخ الزواج أو كان أمراً غير ‏مشروع كارتدادها عن الإسلام أو إبائها عنه إذا أسلم زوجها ولم تكن كتابية أو ارتكبت ما يوجب ‏حرمة المصاهرة فإن عقد الزواج في تلك الصور يفسخ ولا مهر لها، لأن إقدامها على ما يوجب ‏الفسخ قبل أن يتأكد المهر دليل على تنازلها عنه، بخاصة إذا كان ما فعلته معصية، ومثل ذلك إذا ‏كان الفسخ من قبل وليها، كما إذا زوجت نفسها بدون كفء أو بأقل من مهر المثل واعترض ‏وليها العاصب على العقد وطلب فسخه وأجيب إلى طلبه، لأن فسخ العقد وإن كان من وليها ‏مباشرة إلا أنها هي التي تسببت فيه بتزويجها بمن يعترض عليه وليها، فكأنها هي التي فسخته.‏
‏3- إذا فسخ الزواج بسبب مشروع من جهة الزوج قبل الدخول أو الخلوة كاختياره الفسخ ‏عند البلوغ أو الإفاقة، لأن هذا الفسخ نقض للعقد من أساسه، وإذا نقض العقد لم يبق سبب موجب ‏للمهر.‏
‏4- إذا خالعت الزوجة زوجها على المهر كله قبل الدخول أو بعده فإنه يسقط كله.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:10 PM
المبحث التاسع
في ولاية قبض المهر والتصرف فيه




قدمنا أن المهر حكم من أحكام العقد وأنه يثبت حقاً للزوجة بمجرد العقد الصحيح سواء ‏كان مسمى في العقد أو لا، ولا تتوقف ملكيتها له على القبض حتى جاز لها التصرف فيه قبل ‏قبضه.‏
وإذا تم العقد فلمن تثبت ولاية قبض المهر. أتثبت للعاقد ولياً كان أو وكيلاً أم للزوجة؟.‏
الأمر لا يخلو من أن تكون الزوجة كاملة الأهلية أولاً، فإن كانت كاملة الأهلية ثبت الحق ‏لها سواء تولت هي العقد بنفسها أو تولاه غيرها وليس لأحد سواها ولاية قبضه إلا بإذنها ‏الصريح أو الضمني.‏
فإذا قبضه غيرها بدون إذنها لا تبرأ ذمة الزوج منه وكان لها حق مطالبته به وهو يرجع ‏على من أقبضه، وإن كان القبض بإذنها برئت ذمته، ولا يعتبر سكوتها عند القبض رضا منها ‏بذلك إلا فيما إذا كانت بكراً وكان القابض أباها أو جدها لأبيها لجريان العادة بقبض الآباء ‏والأجداد مهور الأبكار من بناتهم لاستحيائهن من المطالبة بالمهر، فاعتبر السكوت إذناً بالقبض ‏دلالة بشرط ألا يوجد منها ما يدل صراحة على عدم رغبتها في قبض الولي له كأن تنهى الزوج ‏عن دفعه إليه لسبب من الأسباب.‏
فإن وجد لا يعتبر قبضه صحيحاً فلا تبرأ ذمة الزوج منه، أما غير الأب والجد من ‏الأولياء فليس لهم ولاية القبض إلا بالإذن الصريح، وكذلك الوكيل عنها في عقد الزواج لأنه ‏مجرد سفير ومعبر عنها.‏
ويلاحظ هنا أن المأذون له في قبض المهر المسمى وإن كان أباً أو جداً ليس له قبض ‏غيره، وإن كان مساوياً له في القيمة لأنه يكون استبدالاً وهو لا يملك ذلك بالنسبة لكاملة الأهلية، ‏وقد سبق بيان حق الزوجة في الامتناع عن الزوج والدخول في طاعته حتى يوفيها مهرها ‏المعجل.‏
وإن كانت الزوجة فاقدة الأهلية لصغرها أو جنونها أو كانت محجوراً عليها لسفه أو غفلة ‏فصاحب الحق في قبض مهرها من له الولاية على أموالها وهو عند الحنفية واحد من ستة: الأب ‏ثم وصيه فإن لم يكونا فالجد ثم وصيه فإن لم يكن أحد من هؤلاء فالقاضي ثم وصيه بهذا الترتيب.‏
وعلى هذا فقد تجتمع الولايتان "ولاية المال" لشخص واحد كالأب والجد، وقد تفترقان ‏فيكون للزواج ولي وللمال ولي آخر كالعم ووصي الأب، فإنَّ أولهما ولي في الزواج والثاني ولي ‏في المال. فإذا قبض واحد من أولياء المال المهر صح قبضه وبرئت ذمة الزوج منه لا تملك بعد ‏زوال سبب الولاية مطالبة الزوج بالمهر مرة أخرى، بل تطالب وليها الذي قبضه.‏
وإذا قبضه واحد غير هؤلاء لا يعتبر قبضه وكان لها حق مطالبة الزوج به بعد البلوغ أو ‏رفع الحجر، لأن ذمته لم تبرأ بالدفع إلى غير الولي المالي، ويرجع على من أقبضه إياه.‏
وعلى هذا إذا كان للصغيرة اليتيمة أو المجنونة أخ ووصي على مالها كان لأخيها ولاية ‏تزويجها ولوصيها قبض مهرها لأن الأول ولي على النفس والثاني ولي على المال فيعمل كل ‏منهما في دائرة اختصاصه لا يتعداها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:11 PM
المبحث العاشر
في ضمان المهر




إذا كان المهر حقاً للزوجة فإن قبضته انتهت المسألة، وإن لم تقبضه صار ديناً في ذمة ‏الزوج إذا كان من الأموال التي تثبت في الذمة كالنقود أو في ضمانه إن كان معيناً بذاته.‏
وكان لها أن تستوثق من استيفائه بأخذ رهن به أو كفيل يضمنه لها، فإن أخذت رهناً ‏جرى عليه أحكام الرهن لكن العادة جرت بأن الناس يطلبون كفيلاً به.‏
فإذا كفل شخص لها هذا المهر صحت الكفالة إذا كان الكفيل من أهل الكفالة يستوى في ‏ذلك أن يكون قريباً لأحد الزوجين أو أجنبياً عنهما وسواء أكان أحد الزوجين أو كلاهما فاقد ‏الأهلية أو كاملة. ‏
هلاك المهر واستهلاكه:‏
المهر إما أن يكون من الأموال التي تتعين بالتعيين أو من التي لا تتعين بالتعيين كالنقود ‏وما في حكمها مما يثبت في الذمة.‏
فإن كان من النوع الثاني ورد عليه الضمان بالكفالة ولا يتصور فيه هلاك أو استهلاك ‏قبل قبضه، لأنه لو جعل مهرها مائة دينار مشاراً إليها لزمه مائة دينار يدفعها إلى الزوجة سواء ‏أكانت هي المشار إليها أم غيرها، لعدم تعلق حقها بمائة بعينها.‏
وإن كان من النوع الأول، كأن جعل مهرها حيواناً بذاته أو داراً محددة أو سيارة مشاراً ‏إليها.‏
فإن حقها يتعلق بما عينه سواء كان من الأموال المثلية أو القيمية. وهذا هو الذي يرد ‏عليه الهلاك والاستهلاك.‏
فإن هلك المهر من هذا النوع في يدها بعد قبضها له بآفة سماوية أو بفعلها فهلاكه عليها ‏ولا ترجع على الزوج بشيء، لانتهاء عهدة الزوج بقبضها له.‏
وإن استهلكه غيرها سواء كان الزوج أو غيره لزمه ضمانه فترجع على المستهلك بمثله ‏إن كان مثلياً وبقيمته إن كان قيمياً.‏
أما إذا هلك قبل قبضها له فإنه يكون مضموناً على الزوج سواء كان بفعله أو بآفة ‏سماوية، لأن الزوج ملتزم به قبل قبضها فيضمنه.‏
أما إذا كان استهلاكه بفعل الزوجة فلا ترجع على الزوج بشيء لأنها استوفت حقها ‏بإهلاكها له، وإن هلك بفعل أجنبي فالزوجة بالخيار إن شاءت رجعت على ذلك الأجنبي وإن ‏شاءت رجعت على الزوج وهو يرجع على الأجنبي.‏
وإذا حصل الطلاق قبل الدخول فإن كان الهلاك قبل القبض وجب على الزوج نصف ‏قيمة المهر يوم الهلاك، وإن هلك بعد القبض وجب عليها رد نصف قيمته يوم القبض للزوج.‏
استحقاق المهر للغير:‏
وهذا لا يكون إلا في المهر المعين، فإذا استحق المهر كله بأن ظهر أنه ملك لغير الزوج ‏كان على الزوج ضمان مثله إن كان مثلياً وقيمته إن كان قيمياً، يستوي في ذلك ظهور استحقاقه ‏قبل القبض وبعده.‏
فإن استحق بعضه وكان من الأموال المثلية أخذت الزوجة الباقي ورجعت على الزوج ‏بمثل الجزء المستحق، وإن كان قيمياً كدار أو فرس تخيرت بين أخذ الباقي وتشارك الأجنبي فيه ‏والرجوع على الزوج بقيمة الجزء المستحق وبين أن تأخذ القيمة كلها من الزوج وتترك له العين ‏ليشترك فيها مع المستحق لجزئها، وإنما تخيرت هنا لأنها ملكت العين كلها بالعقد دون أن يكون ‏لها شريك فيها، فإذا عرضت الشركة في تلك العين وهي عيب قد لا ترضى به ثبت لها التخيير.‏
هذا إذا استحقت الزوجة المهر كله، أما إذا استحقت نصفه فقط كأن طلقها قبل الدخول ثم ‏ظهر مستحق لنصف العين التي جعلت مهراً لم يكن لها غير النصف الآخر، لأنها في هذه الحالة ‏ستكون شريكة على كل حال، إما للزوج لو لم يظهر مستحق لنصف العين أو للآخر بعد ‏استحقاقه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:13 PM
المبحث الحادي عشر ‏
في الاختلاف في المهر وقضاياه




مع وضوح حق المرأة وما يجب لها في كل حالة من الحالات إما تمام المهر المسمى أو ‏نصفه، أو مهر المثل أو المتعة، لكن ذلك عند اتفاق الزوجين على ما وقع بينهما، وقد يختلفان، ‏وقد يختلف أحدهما مع ورثة الآخر بعد موته. وقد يختلف ورثتهما بعد موتهما.‏
والاختلاف بينهما قد يكون في أصل تسمية المهر، بأن يدعي أحدهما تسمية المهر وينكر ‏الآخر، وقد يكون في مقدار المسمى بعد اتفاقهما على التسمية، وقد يكون في قبض المعجل بعد ‏اتفاقهما على التسمية ومقدار المسمى، وإليك تفصيل أحكام تلك الصور:‏
الصورة الأولى: إذا اختلف الزوجان في أصل التسمية بأن ادعى أحدهما تسمية المهر مع ‏تعيين مقداره وأنكر الآخر.‏
والحكم في ذلك: أن على مدعي التسمية إثباتها بالبينة، فإن أقامها حكم بالمهر الذي ‏ادعاه، وإن عجز عن إقامة البينة وطلب اليمين من المنكر وجهت اليمين إليه، فإن امتنع عن ‏اليمين حكم عليه بما ادعاه الآخر، لأن ذلك بمثابة اعتراف منه بدعوى المدعي، وإن حلف بطلت ‏التسمية وقضى بمهر المثل لأنه الواجب في كل زواج خال من التسمية الصحيحة عند الحنفية.‏
لكن يلاحظ أنه يشترط في مهر المثل الذي يقضى به هنا ألا يقل عما سماه الزوج إن كان ‏هو المدعى، لأنه التزم هذا القدر المسمى بادعائه فلا ينقص عنه، وألا يزيد على ما ادعته المرأة ‏إن كانت هي المدعية، لأنها رضيت بما سمته في دعواها.‏
فإذا كان الزوج هو المدعي وادعى أكثر من مهر المثل حكم بما ادعاه لا بمهر المثل، ‏وإذا كانت الزوجة هي المدعية وادعت أقل منه حكم بما ادعته.‏
وهذا الحكم فيما إذا وقع الاختلاف بينهما حال قيام الزوجية أو بعد زوالها وتأكد المهر ‏كله بأحد الأمور المؤكدة له.‏
أما إذا حصل الطلاق قبل أن يتأكد المهر فتستحق الزوجة نصف المسمى إن ثبتت ‏التسمية، والمتعة إن لم تثبت لا تزيد على نصف ما عينته الزوجة إن كانت هي التي ادعت ‏التسمية، ولا تنقص عن نصف ما عينه الزوج إن كانت دعوى التسمية من جانبه.‏
والحكم لا يختلف عن هذا فيما إذا حصل الاختلاف بين أحد الزوجين وورثة الآخر ‏باتفاق أئمة الحنفية، لأن ورثة أحدهما تقوم مقامه، ولأن المهر لا يسقط بالموت.‏
وكذلك إذا وقع الاختلاف بين ورثة الزوجين بعد موتهما عند الحنفية.‏
الصورة الثانية: إذا اختلفا في مقدار المهر بعد اتفاقهما على أصل التسمية، كما إذا ادعت ‏الزوجة أن المسمى مائتا دينار، وقال الزوج: إنه مائة وخمسون.‏
وفي هذه الصورة يرى الحنفية: أن الزوجة تدعي الزيادة والزوج ينكرها فإن أقامت على ‏دعواها حكم بمقتضاها، وإن عجزت يكون القول قول الزوج مع يمينه، فإن نكل عن اليمين حكم ‏بما ادعته الزوجة، وإن حلف حكم بما ادعاه إلا أن يكون ما ادعاه شيئاً قليلاً لا يمكن أن يكون ‏مهراً لمثلها فإنه يحكم بمهر المثل في هذه الحالة بشرط ألا يزيد على ما تدعيه لأن الظاهر يؤيدها ‏فيما تدعيه.‏
والحكم لا يختلف عن هذا فيما إذا وقع الاختلاف بين أحد الزوجين وورثة الآخر، أو ‏اختلاف ورثة الزوجين بعد موتهما.‏
الحالة الثالثة: إذا اتفق الزوجان على أصل التسمية والمقدار المسمى واختلفا في قبض ‏المعجل بأن ادعى الزوج أنه أوفاها المعجل كله وأنكرت الزوجة أنها قبضته كله أو أنها قبضت ‏بعضه ولم تقبض باقيه.‏
والحكم في هذا الاختلاف يختلف باختلاف الوقت الذي حصل فيه:‏
فإن كان قبل أن تزف إليه كانت الزوجة متمسكة بالأصل والزوج يدعي خلافه، لأن ‏المهر ثبت في ذمة الزوج ديناً بمجرد العقد والأصل بقاؤه حتى يقوم الدليل على خلافه، فإن أقام ‏الزوج بينة على دعواه حكم بمقتضاها، وإن عجز كان القول للزوجة مع يمينها، فإن نكلت عن ‏اليمين حكم للزوج لأن نكولها دليل على صدق دعواه.‏
وإن كان الخلاف وقع بعد أن زفت إليه فالحكم يختلف تبعاً لوجود عرف مطرد بلزوم ‏تعجيل جزء من المهر قبل الزفاف أو عدم وجوده.‏
فإن لم يوجد عرف فالحكم لا يختلف عما إذا كان قبل الزفاف من أن على الزوج البينة ‏والقول قول الزوجة مع يمينها، فإن أقام بينة حكم بها وإن لم تكن له بينة حكم لها إذا حلفت اليمين.‏
وإن كان هناك عرف مطرد بالتعجيل وادعى الزوج أنه أوفاها معجل الصداق وهي تنكر ‏قبض شيء منه كان القول قول الزوج، لأن العرف يشهد له ويقوم مقام البينة على صدق دعواه ‏ولا يلتفت إلى دعواها عدم القبض لأن الظاهر يكذبها.‏
وإن كان الخلاف بينهما في قبض بعض المعجل بأن اعترفت الزوجة بأنها قبضت بعضه ‏دون باقيه والزوج ينكر ذلك مدعياً أنه أوفاها كل المعجل كان القول قولها مع اليمين حتى ولو ‏جرى عرف الناس بقبض كل معجل الصداق، لأن بعض الناس يتساهلون عادة بعد قبض جزء ‏من معجل الصداق في طلب الباقي فيتم الزفاف قبل قبضه، ولأن اعترافها بقبض البعض مع ‏إمكانها إنكار قبضه أمارة واضحة على صدقها. فيؤخذ بقولها مع اليمين، إلا إذا أقام الزوج البينة ‏على صدق دعواه فيحكم له، وهذه الأحكام كما تجري في اختلاف الزوجين تجري في اختلاف ‏أحدهما مع ورثة الآخر، وفي اختلاف ورثتيهما.‏
الاختلاف في وصف المقبوض أهو هدية أم من المهر؟
إذا كان الزوج قد بعث إلى زوجته شيئاً من النقود، أو الحلي، أو الثياب وغيرها قبل ‏الزفاف أو بعده، ولم يذكر عند إرساله أنه هدية أو من المهر ثم اختلفا بعد ذلك، فقالت: هو هدية ‏حتى لا يرجع عليها بشيء منه لأن الزوجية مانعة من الرجوع فيها، وقال: هو من المهر حتى ‏يحتسب له من المهر، فكل منهما مدعي ومنكر ما ادعاه الآخر، فأيهما أقام البينة على دعواه ‏قضى بما يدعيه لثبوته بالبينة وعدم وجود معارض من الطرف الآخر.‏
وإن أقام كل منهما بينة على دعواه قبلت بيِّنَتُها لأنها تدعى خلاف الظاهر. والبينات ‏شرعت لإثبات ما خالف الظاهر، وما يدعيه الزوج هنا يتفق مع الظاهر، لأن الشخص يسعى ‏أولاً إلى أداء الواجب في ذمته وهو المهر ثم بعد ذلك يهدى.‏
وإذا عجزا عن إقامة البينة حكم العرف في الشيء المدفوع ويكون الحكم لمن يشهد له ‏العرف، فيكون القول قول الزوج مع يمينه فيما لم يجر العرف بإهدائه، فإذا حلف أحدهما اليمين ‏حكم له بدعواه، وإن امتنع عن اليمين حكم للآخر لأن النكول عن اليمين إقرار بدعوى الخصم.‏
وإن لم يوجد عرف أصلاً، أو اشتبه العرف وتعذر تحكيمه لاحتماله الأمرين فالقول قول ‏الزوج مع يمينه، لأنه المعطي وهو أدرى ببيان الوجه الذي كان عليه الإعطاء ما لم يكن الذي ‏أعطاه يستنكر في العادة كونه من المهر كالمأكولات مثلاً، فيكون القول قولها مع اليمين، لأن ‏الظاهر يشهد لها فيعتبر دليلاً عند عدم البينة.‏
وإذا ثبت أن المدفوع من المهر وكان من جنس المهر وقعت المقاصة، وإن كان من غير ‏جنسه وكان قائماً بيد الزوجة كانت بالخيار بين أن تحتسبه من المهر أو ترده إلى الزوج لترجع ‏بكل المهر إن لم تكن قبضته، أو بباقيه إن كانت قبضت بعضه.‏
وإن كان قد هلك أو استهلك في يدها، فإن كان مثلياً فلها أن ترد مثله وتأخذ مهرها، وإن ‏كان قيمياً احتسب من المهر بقيمته واستوفت الباقي من المهر.‏
وإذا ثبت أنه هدية لم يحتسب من المهر ولا يجوز استرداده، لأن الزوجية من موانع ‏الرجوع في الهبة، وإذا كانت الزوجة قد قدمت لزوجها هدية بنفسها أو قدمها أبوها من مالها ‏بإذنها، فإن كانت قدمته قبل تقديم الزوج ما تنازعا فيه لا ترجع عليه بشيء لأنها قدمته هدية، ‏وهي هبة خالصة لم تقصد بها المعاوضة والزوجية مانعة من الرجوع في الهبة وإن كانت قائمة ‏في يده.‏
وإن كانت قد قدمته له بعد أن قدم هداياه، فإن صرحت عند الإهداء أنه عوض عما قدمه ‏ظانة أنه هدية أو كان عرف الناس يقضي بأنه عوض رجعت عليه بما أهدته لأنه تبين أنه لم يهب ‏لها شيئاً حتى تعوضه عنه، حيث رجع عليها واعتبر ما قدمه من المهر.‏
أما إذا قدم أبو الزوجة هدية من ماله للزوج فإنه يرجع عليه بها إن كانت قائمة أو بقيمتها ‏إن كانت هالكة إذا كان دفعها على أنها عوض عن هدية الزوج، فإن لم يقصد بها التعويض أخذت ‏حكم الهبة من أنه يرجع عليه بها إن كانت قائمة فإن هلكت أو استهلكت لا رجوع لوجود المانع ‏من الرجوع في الهبة، وهو الهلاك أو الاستهلاك.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:14 PM
المبحث الثاني عشر
في الجهاز ومتاع البيت والنزاع فيهما




الجهاز: ما يعد به بيت الزوجية من أثاث وأدوات منزلية عند زفاف الزوجة إلى زوجها. ‏إذا كان بيت الزوجية يضم الزوجين لأول مرة بعد أن دفع الزوج لزوجته مهرها أو المعجل منه، ‏بحيث لا تستجيب لطلبه إلا بعد قبضه وإعداد المسكن المناسب، فعلى من يكون جهاز البيت الذي ‏يجمعهما؟.‏
اختلف الفقهاء في ذلك:‏
ذهبت الحنفية إلى أن المهر الذي تأخذه الزوجة ملك خالص لها وأن على الزوج أن ‏يهيئ للزوجة المسكن الملائم لها قبل أن يطلبها للدخول في طاعته فلم يوجبوا على الزوجة جهازاً ‏ولا غيره، بل جعلوا إعداد البيت فرشه وتأسيسه بكل ما يحتاج إليه على الزوج حتى يكون مسكناً ‏لائقاً بحياة الزوجين.‏
وما المهر إلا عطاء لازم يدفعه تقديراً لهذا العقد وإبانة لخطره لتطمئن المرأة إلى هذه ‏الحياة الجديدة.‏
الاختلاف بين الزوجين في متاع البيت:‏
يراد بمتاع البيت هنا كل ما يوجد في بيت الزوجية مما ينتفع به في المعيشة سواء كان ‏من الجهاز، أو أدوات منزلية جدت بعد الزفاف.‏
قد يختلف الزوجان في أثاث البيت الذي يسكنان فيه أثناء الحياة الزوجية أو بعد حصول ‏الفرقة بينهما فيدعي كل منهما ملكيته وفيه ما يصلح للرجال فقط كثيابه وأدوات الرسم والزوج ‏رسام أو أدوات الهندسة أو الطب والزوج مهندس أو طبيب، وما يصلح للنساء فقط، كالحلي ‏والملابس التي تلبسها المرأة وأدوات الزينة، وما يصلح لهما كالمفروشات والأسرة والكراسي ‏والأواني.‏
ففي هذه الحالة يعتبر كل منهما مدعياً وعلى المدعي إقامة البينة على دعواه، فإن أقام ‏أحدهما البينة حكم له بها لعدم المعارض.‏
وإن أقام كل منهما البينة رجحت بينة من يدعي خلاف الظاهر، والظاهر هنا أن ما ‏يصلح للرجال فقط يكون للزوج، وما يصلح للنساء فقط يكون للزوجة.‏
وعلى ذلك ترجح بينة المرأة فيما يصلح للرجال فقط لأنها تثبت خلاف الظاهر، وترجح ‏بينة الرجل فيما يصلح للنساء فقط، فيحكم بمقتضى البينتين، ويكون القول فيه لمن يشهد له ‏الظاهر مع يمينه، والظاهر هنا يشهد للزوج لأنه صاحب البيت فيكون ما فيه ملك له.‏
فإن حلف حكم له، وإن امتنع عن اليمين حكم للزوجة، لأن امتناعه عن اليمين يعتبر ‏إقراراً منه بدعواها أو تنازلاً منه لها.‏
وإذا عجزاً عن البينة يكون القول قول الزوج بيمينه فيما يصلح للرجال فقط، فإن حلف ‏حكم له به ويكون القول قول الزوجة بيمينها فيما يصلح للنساء فقط، فإن حلفت حكم لها به، وإن ‏نكل أحدهما أو كلاهما عن اليمين يكون إقراراً منه بدعوى الآخر فيحكم له.‏
وأما ما يصلح لهما ففي مذهب الحنفية رأيان:‏
أولاهما: أن القول للزوجة في مقدار ما يجهز به مثلها في العادة، لأن عرف الناس جرى ‏على أن الزوجة لا تزف إلى زوجها إلا بجهاز فيحكم لها منه بجهاز مثلها، وما زاد على ذلك ‏يحكم به للزوج، لأن البيت بيته ويده هي المتصرفة فيه.‏
وثانيهما: أن القول للزوج بيمينه، لأنه صاحب البيت ويده صاحبة التصرف فيه، لكن ‏هذا الرأي يترتب عليه إهدار العرف الجاري بين الناس من قديم الزمان.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:15 PM
الفَصل الرَابع
في الحق الرابع للزوجة وهو النفقة

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:16 PM
المبحث الأول ‏
في التعريف بها ووجوبها وشروط استحقاقها




سبب استحقاق الزوجة للنفقة وشروط الاستحقاق.‏
أحوال النفقة وجوبها وسقوطها.‏
تقدير نفقة الزوجة وما يجب مراعاته فيه.‏

أنواع النفقة:‏
امتناع الزوج عن أداء النفقة، وما يتخذ معه من إجراءات.‏
نفقة زوجة الغائب.‏
متى تعتبر النفقة ديناً على الزوج؟
تعجيل النفقة.‏
الإبراء من دين النفقة.‏
الكفالة بالنفقة.‏
المقاصة بدين النفقة.‏
‏ ‏
يراد بالنفقة: ما تحتاج إليه الزوجة في معيشتها من طعام وكسوة ومسكن وخدمة وكل ما ‏يلزم لها حسبما تعارفه الناس.‏
وقد ثبت وجوبها بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.‏
أما الكتاب: فقوله تعالى في شأن المطلقات: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} ‏‏[الطلاق: 6] أوجبت الآية على الأزواج إسكان المطلقات من حيث سكنوا حسب قدرتهم ‏وطاقتهم، وإذا وجب إسكان المطلقة فإسكان الزوجة أولى بالوجوب، حيث إن زوجيتها قائمة ‏حقيقة وحكماً، والمطلقة لم يبق لها منها إلا أحكامها أو بعضها فقط. ‏
على أن الآية أوجبت الإنفاق عموماً للمطلقة الحامل {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا ‏عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.‏
وقوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا ‏يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7] ففي الآية أمر بالإنفاق وهو مطلق يفيد الوجوب، حيث ‏لا صارف له عنه.‏
وأما السنة فقد وردت عدة أحاديث تفيد هذا الوجوب.‏
منها ما رواه أبو داود عن معاوية القشيري قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏فقلت ما تقول في نسائنا ؟ قال " أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تكتسون، ولا تضربوهن ‏ولا تقبحوهن".‏
ومنها ما رواه مسلم وغيره من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: ‏‏"ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".‏
وما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن هنداً زوجة أبي سفيان قالت يا ‏رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا ‏يعلم فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".‏
فلو لم تكن النفقة للزوجة واجبة على زوجها لما أمرها بأن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها ‏بدون علمه، لأنه لا يجوز أخذ شيء من أموال الناس بدون وجه حق.‏
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة في كل العصور على وجوب نفقة الزوجة على زوجها ‏لم يخالف في ذلك أحد.‏
وأما المعقول: فإن عقد الزواج يوجب على الزوجة تخصيص نفسها لمنفعة زوجها ‏وتفرغها للحياة الزوجية، فهي تقوم على البيت ورعايته والأولاد وتربيتهم. فهي محبوسة على ‏الزوج وهذا يمنعها من التصرف والاكتساب فوجبت نفقتها عليه، ومن قواعد الشريعة، أن من ‏حبس نفسه لحق مقصود لغيره ولمنفعته تكون نفقته واجبة على ذلك الغير.‏
ولهذا المعنى وجب على الدولة نفقات موظفيها الذين حبسوا أنفسهم لمنفعتها بقدر كفايتهم ‏وكفاية من يعولونهم.‏
‏61-‏ سبب استحقاق الزوجة للنفقة وشروط الاستحقاق:‏
سبب وجوب النفقة للزوجة : هو الزوجية الصحيحة غير أن الوجوب لا يثبت بمجرد ‏العقد كما في وجوب المهر. بل بما يترتب عليه من احتباس الزوجة وقصرها نفسها على زوجها ‏بحيث يتمكن من الانتفاع بثمرات الزواج بأن تسلم نفسها له حقيقة أو حكماً بدخولها في طاعته ‏بالفعل أو باستعدادها لهذا الدخول ما لم يوجد مانع شرعي يمنعها من ذلك.‏
فلو عقد عليها وطلبها للدخول فلبت الطلب وجب لها النفقة، وإن امتنعت منه لعذر كعدم ‏إيفائها معجل صداقها أو عدم إعداد المسكن اللائق بالزوجية وجب لها النفقة كذلك، وإن امتنعت ‏بدون عذر فليس لها نفقة.‏
ويشترط لوجوب النفقة ثلاثة شروط:‏
أولها: أن يكون عقد الزواج صحيحاً شرعاً.‏
وثانيها: أن تكون الزوجة صالحة للمعاشرة الزوجية ليؤدي احتباسها إلى ثمرات الزواج ‏المقصودة منه شرعاً.‏
وثالثها: ألا يفوت حق الزوج في احتباس الزوجة بغير عذر شرعي أو بسبب ليس من ‏جهته، فإذا توفرت هذه الشروط وجبت النفقة لا فرق بين الزوجة المسلمة وغير المسلمة، وإن لم ‏تتوفر كلها أو بعضها لم يجب لها شيء.‏
ومن هنا وجبت لها النفقة في حالات وسقطت في حالات أخرى.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:18 PM
المبحث الثاني ‏
‏62-‏ في أحوال النفقة وجوبها وسقوطها




تجب النفقة في حالات وتسقط في أخرى وإليك التفصيل:‏
الحالات التي تجب فيها النفقة:‏
‏1- إذا كانت الزوجة صالحة للحياة الزوجية وانتقلت إلى بيت الزوج أو لم تنتقل بالفعل ‏ولكنها لا تمانع فيه لأنه يكفي منها الاستعداد لتسليم نفسها.‏
‏2- إذا فات على الزوج حقه بسبب منه كما لو كان صغيراً(1) لا يصلح للمعاشرة ‏الجنسية مع صلاحيتها لذلك، أو كان مريضاً أو معيباً بعيب يمنعه من ذلك كالجب والعنة، أو كان ‏محبوساً في جريمة أو دين عليه، وما شاكل ذلك.‏
‏________________‏
‏(1) المذهب المالكي لا يوجب النفقة إذا كان الزوج صغيراً فيشترط لوجوبها أن يكون الزوج ‏بالغاً.‏
‏ ‏
‏3- إذا فات عليه حقه بسبب مشروع من جهتها، كما لو امتنعت عن تسليمها نفسها لعدم ‏إيفائها معجل صداقها أو عدم إعداده المسكن الشرعي لها، أو تركت له بيته بعد دخولها في ‏طاعته لأنه غير أمين على نفسها أو مالها.‏
الحالات التي لا تجب فيها النفقة أو تسقط فيها بعد وجوبها:‏
‏1- إذا كان العقد باطلاً أو فاسداً حتى ولو سلمت المرأة نفسها للرجل الذي عقد عليها، ‏لأن هذا العقد واجب الفسخ فيكون التسليم بعده غير مشروع فيجب عليهما أن يفترقا من تلقاء ‏أنفسهما، وإلا فرق القاضي بينهما.‏
ومثل ذلك إذا دخل بامرأة بشبهة من غير عقد عليها، لأن هذا الدخول غير مشروع فلا ‏يحق للزوج احتباس المرأة فضلاً عن أنه لم يسبقه عقد صحيح.‏
ولهذا قرر فقهاء الحنفية: أن من عقد على امرأة ودخل بها ثم تبين فساد هذا العقد بأن ‏ثبت أنها أخته من الرضاع مثلاً، كان له حق استرداد النفقة، إذا كانت بفرض القاضي لأنه تبين ‏أن الاحتباس لم يكن مشروعاً حتى تستحق النفقة في نظيرة.‏
أما إذا كان سلمها النفقة بدون فرض القاضي فإنه لا يرجع عليها بشيء لاحتمال أنه ‏متبرع بها فيرجح هذا الاحتمال لشبه النفقة بالصلة.‏
بخلاف صورة الفرض لأنه بالقضاء يكون ملزماً بدفع النفقة بناء على كونها مستحقة ‏لها، فإذا ظهر عدم استحقاقها رجع بما أدى لانتقاء احتمال التبرع حيث لا يجتمع تبرع وإلزام.‏
‏2-إذا كانت الزوجة صغيرة لا يمكن الاستمتاع بها ولا تصلح لخدمة الزوج ولا مؤانسته ‏لأن احتباسها وعدمه سواء باتفاق الحنفية.‏
وكذلك إذا كانت لا تصلح للمعاشرة الجنسية وإن صلحت للخدمة أو الائتناس بها عند أبي ‏حنيفة لأن احتباسها ناقص، حيث لا يمكن استيفاء المقصود الأصلي من الزواج منها. ولو نقلها ‏إلى بيته للائتناس بها وجبت عليه نفقتها، لأنه رضي بهذا الاحتباس الناقص لما نقلها إلى بيته، ‏ولو لم ينقلها ما وجبت لها نفقة.‏
‏3- إذا كانت الزوجة مريضة مرضاً يمنعها من الانتقال إلى بيت الزوج فلا نفقة لها ‏باتفاق الحنفية، حيث لا يمكن احتباسها وهو المقابل للنفقة.‏
أما إذا كان المرض لا يمنعها من الانتقال إلى بيت الزوج فالمفتى به في المذهب الحنفي ‏أنه يجب لها النفقة بعد انتقالها بالفعل إلى بيت الزوجة أو عدم ممانعتها في الانتقال وإن لم تنتقل ‏إليه، لأن المرض طارئ يمكن زواله، وعقد الزواج عقد للدوام فلا يسقط الحق الدائم بعارض من ‏العوارض لا دخل للزوجة فيه.‏
هذا إذا كان المرض سابقاً على الزفاف، فإن جاءها المرض بعده فلا تسقط نفقتها به ‏سواء بقيت في بيت الزوجية أو انتقلت إلى بيت أهلها ما دامت لا تمانع في الرجوع إليه. لكنها إذا ‏امتنعت من العودة وهي تستطيع ذلك على أي وجه سقطت نفقتها لتحقق النشوز منها في هذه ‏الحالة.‏
‏- نفقات العلاج:‏
وإذا وجبت النفقة للزوجة المريضة غير الناشزة فهل يجب على الزوج نفقات علاجها ‏أولاً؟ ذهب فقهاء الحنفية إلى أنها لا تجب عليه لأنها ليست من النفقة بل تجب في مالها إن كانت ‏غنية وفي مال من تلزمه نفقتها إن كانت فقيرة إذا لم تكن متزوجة.‏
ذهب الشافعية والحنابلة والمالكية في المشهور إلى أنهم لا يوجبون على الزوج نفقات ‏العلاج، وذهب بعض علماء المالكية إلى أنه يفترض عليه أن يعالجها بقيمة النفقة التي تفترض ‏لها وهي سليمة من المرض.‏
‏4- إذا تركت الزوجة بيت الزوجية وخرجت من الطاعة أو أبت أن تنتقل إليه بدون مبرر ‏شرعي، لأنها تعتبر ناشزة، وبالنشوز تسقط النفقة، لأنه لا يتصور احتباس معه.‏
ومثل ذلك في الحكم ما إذا منعت زوجها من دخول بيتها الذي يقيم معها فيه دون سابق ‏إنذار له بطلب نقلها إلى بيت له وترك هذا البيت لتنتفع به في غير السكن.‏
وهذا السقوط مغياً بمدة النشوز فإن عادت إلى الطاعة عاد حقها في النفقة ولا حق لها في ‏المطالبة بنفقتها عن فترة نشوزها.‏
بل قرر فقهاء الحنفية أن نفقتها السابقة على النشوز التي لم تستوفها قبله تسقط بهذا ‏النشوز ولو كانت مفروضة بأمر القاضي، ولا يستثنى من ذلك إلا مقدار ما استدانته فيها بإذن ‏الزوج أو القاضي فإنه لا يسقط بنشوزها.‏
‏5- إذا أخذها إنسان كرهاً وحال بينها وبين زوجها فترة من الزمان سقطت نفقتها لفوات ‏الاحتباس على الزوج بأمر لا دخل له فيه.‏
‏6- إذا حبست الزوجة ولو ظلماً بسبب ليس من جهة الزوج سقط حقها في النفقة لفوات ‏حق الزوج بسبب ليس من جهته.‏
‏7- إذا سافرت الزوجة وحدها أو مع غير محرم منها قبل الزفاف وبعده أي سفر كان ولو ‏للحج فلا نفقة لها، لأنها فوتت حق الاحتباس على الزوج، ولأنها عاصية بهذا السفر الذي لم ‏يصحبها محرم فيه.‏
أما إذا سافرت بعد الزفاف للحج مع محرم منها كأبيها أو أخيها فلا نفقة لها عند أبي ‏حنيفة لتفويتها حق الزوج.‏
وذهب الحنابلة إلى أنها لا تسقط نفقتها، لأن أداء الفريضة ضرورة دينية يغتفر معها ‏فوات الاحتباس.‏
وإذا سافر معها الزوج فلها النفقة بالاتفاق لتحقق حق الاحتباس في هذه الحالة، والنفقة ‏الواجبة هنا نفقة الإقامة لا السفر إلا إذا كان الزوج هو الذي أراد السفر ابتداء ودعاها للسفر معه ‏فإنه يجب لها نفقة السفر.‏
‏8- الزوجة المحترفة: إذا كانت الزوجة تحترف عملاً يضطرها إلى أن تكون خارج بيت ‏الزوجية طول النهار أو أكثره أو الليل كله أو أكثره ثم ترجع إليه بعد فراغها منه، كالموظفة أو ‏المحامية أو الطبيبة فهل تسقط نفقتها بذلك؟.‏
إذا كان ذلك برضا الزوج فلا تسقط نفقتها، لأنه برضاه قد أسقط حقه في الاحتباس ‏الكامل واكتفى منه بالناقص.‏
أما إذا كان بدون رضاه وموافقته بأن شرط عليها ترك عملها عند عقد الزواج ولم توف ‏بهذا الشرط سقطت نفقتها، لأنها فوتت بذلك حقه في الاحتباس الكامل الذي تستحق النفقة في ‏نظيره.‏
وكذلك لو رضي به أول الأمر ثم طلب منها الامتناع عن العمل لما يترتب عليه من ‏اضطراب الحياة الزوجية ولم تجبه إلى طلبه سقطت نفقتها ما دام الزوج عنده القدرة على ‏متطلبات الحياة، لأن رفضها طلبه يعتبر نشوزاً منها، والناشزة لا تستحق النفقة، أما إذا كان ‏عملها في بيتها كالخياطة أو القراءة والتأليف مثلاً بحيث لا يعطلها عن القيام بواجبات الزوجية ‏فلا يسقط حقها في النفقة.‏
‏9- إذا ارتدت الزوجة بأن خرجت عن الإسلام سقطت نفقتها، لأن ردتها ترتب عليها ‏فرقة جاءت من قبلها فأبطلت نفقتها.‏
فإذا تابت وأسلمت وهي في العدة فإن نفقتها لا تعود. بخلاف الناشزة، لأن بردتها بطلت ‏نفقتها بالفرقة. ومتى بطلت لا تعود، أما النشوز فهو أمر عارض لا يبطل النفقة وإنما تسقط مؤقتاً ‏فإن عادت عادت النفقة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:19 PM
المبحث الثالث
‏63-‏ في تقدير نفقة الزوجة وما يجب مراعاته فيه




يجب على القاضي عند التقدير مراعاة الأمور الآتية:‏
‏1- أن يراعي حالة الزوج المالية يساراً وإعساراً بقطع النظر عن كون الزوجة غنية أو ‏فقيرة. فإن كان الزوج موسراً فرض لها نفقة اليسار ولو كانت الزوجة فقيرة، وإن كان معسراً ‏فرض لها نفقة بقدر ما يستطيعه ولو كانت الزوجة موسرة، وإن كان متوسط الحال فرض لها ‏نفقة وسطاً بين نفقة الموسرين والمعسرين.‏
وهو الذي صرحت به النصوص الشرعية من قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ‏وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7].‏
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأزواج "أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما ‏تكتسون" ولأن الزوجة الموسرة لما تزوجت المعسر أقدمت على ذلك وهي راضية بما يقدر عليه ‏من النفقة.‏
‏2- أن يراعي حالة الزوج من جهة قدرته على الدفع فيتبع ما هو أيسر عليه.‏
فان كان من أصحاب الدخل اليومي كعمال اليومية قدرها عليه يومياً، وإن كان ممن ‏يأخذون أجرهم كل أسبوع قدرها عليه كل أسبوع، وإن كان من أصحاب المرتبات الشهرية ‏كالموظفين فرضها عليه كل شهر، وإن كان من الزراع قدرها عليه حسب مواسم الحصاد.‏
‏3- أن يراعي حالة الأسعار ارتفاعاً وانخفاضاً، لأن ما يفرض لها ما هو إلا ثمن لما ‏يلزمها من حاجيات، فإذا لم يراع الأسعار وقت الفرض لحق الضرر بأحد الزوجين.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:22 PM
المبحث الرابع
‏64-‏ تفصيل أنواع النفقة




النوع الأول "الطعام":‏
يجب للزوجة منه ما يكفيها وبما أنها تعيش مع زوجها في بيت واحد وهو يتولى الإنفاق ‏عليها ويحضر لها ما تحتاجه، فإن قدم لها الطعام الكافي فلا داعي لتقديره وليس لها أن تطلب ‏ذلك، فإن امتنع عن إطعامها أو قصر فيه فلها الحق في أن تطلب منه تقديراً معيناً لتقوم بنفسها ‏بشراء ما تحتاجه، ويجب عليه إجابة طلبها، فإن امتنع رفعت أمرها إلي القاضي ليقدر لها كفايتها ‏حسب حال الزوج المالية، وله أن يفرض لها أصنافاً من الطعام يكلف الزوج بإحضارها أو يقدر ‏لها مقداراً من النقود لتشتري هي به ما تحتاج إليه. وهو أيسر وأضبط ولذلك تسير المحاكم عليه.‏

النوع الثاني "الكسوة":‏
يجب على الزوج كسوة زوجته بعد العقد الصحيح وتوفر شروط وجوب النفقة بتسليم ‏الزوجة نفسها أو استعدادها لذلك.‏
فإذا أحضر لها ما تحتاج إليه من ثياب حسب حالته المالية والاجتماعية.‏
وإن امتنع أو قدم لها ما لا يليق بها في الحدود السابقة كان لها أن ترفع الأمر للقاضي ‏وعليه أن يفرض لها مبلغاً من المال كل ستة أشهر أو كل شهر مع ما يفرضه من الطعام، كما ‏يجب عليه أن يعيد التقدير من جديد إذا تبين خطؤه في التقدير الأول متى طلبه من وقع عليه الغبن ‏منهما.‏

النوع الثالث "السكن":‏
إذا كانت النفقة لا تجب للزوجة إلا بدخولها في طاعة زوجها أو استعدادها لذلك فمن ‏لوازم ذلك أن يعد لها مسكناً شرعياً للإقامة فيه.‏
فإن أعده وكان ملائماً أقامت الزوجة فيه، وإن امتنع أو أعد لها مسكناً غير لائق كان لها ‏أن ترفع الأمر للقاضي ليأمره بإعداد المسكن اللائق أو يفرض لها مبلغاً من المال كل شهر ‏مراعياً فيه ارتفاع الأسعار وانخفاضها.‏
والمسكن الشرعي هو ما يكون مشتملاً على كل ما يلزم للسكن من أثاث وفراش وآنية ‏ومرافق وغيرها مما تحتاجه الأسرة، ويراعي في ذلك حالة الزوج المالية من يسار وإعسار ‏ووضعه الاجتماعي.‏
والقول الأول هو الموافق لقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} ‏‏[الطلاق: 6]، وأن تتوفر فيه بعد ذلك حياة الاستقرار والراحة، بأن يكون في مكان آهلٍ بالسكان ‏وسط جيران صالحين مأمومنين، فلا يسكنها في مكان موحش لا جيران لها فيه، أو لها جيران لا ‏تأمنهم على نفسها أو مالها.‏
فإن فعل ذلك كان لها الحق في طلب النقلة إلى مسكن آخر، وعلى الزوج إجابتها إلى ‏طلبها وإلا أمره القاضي بذلك إذا رفعت أمرها إليه وتأكد من صحة دعواها.‏
وإذا كان المسكن مستوفياً للشروط السابقة لكنه يجاور مسكن زوجته الأخرى فلا يكون ‏مسكناً شرعياً، لأن اجتماعها مع ضرتها في شقة واحدة إيذاء لها. وقربها منها إذا كانا في شقتين ‏من دار واحدة مظنة إيذائها، وكلا الأمرين غير جائز شرعياً.‏
أما إذا كان يجاور مسكناً آخر لأقاربه كأمه أو أخته فإنه يكون مسكناً شرعياً إلا إذا ثبت ‏أنهم يؤذونها بالقول أو بالفعل.‏

النوع الرابع "نفقة الخادم":‏
إذا كان الطعام والكسوة والمسكن أموراً واجبة لكل زوجة فإن الخادم يختلف عنها لأنه ‏ليس كل زوجة تخدم، فيجب على الزوج في بعض الحالات ولا يجب في بعضها الآخر.‏
فإذا كان الزوج معسراً فلا يجب عليه إحضار خادم لزوجته ولا يكلف بنفقته، لأنه يجب ‏عليه نفقة الضرورة والخادم ليس ضرورياً.‏
وكذلك إذا كانت الزوجة من قوم يخدمون أنفسهم فلا يجب عليه نفقة خادم. لكنه إذا تبرع ‏به وهو يقدر كان حسناً.‏
أما إذا كان الزوج موسراً والزوجة ممن لا يخدمن أنفسهن فعليه إحضار خادم ويلزم ‏بنفقته، لأن نفقة الخادم حينئذ من مكملات نفقات الزوجية، فإن امتنع عن ذلك فرض القاضي لها ‏أجراً لخادمها.‏
وذهب الشافعية: إلى أنَّه يجب عليه أن يأتيها بخادم اذا كانت ممن لا يخدم نفسها ولو كان ‏معسراً وإلا فلا يجب عليه إلا إذا كانت مريضة أو هرمة وإن لم تكن ممن يخدم عادة.‏
وذهب الحنابلة: يجب إذا كانت ممن لا يخدم نفسها ويلزمه نفقة الخادم بحسب ما يليق ‏بالخدم.‏
وذهب المالكية: إذا كانت المرأة لا تخدم نفسها أو كان الزوج ذا جاه وقدر بحيث لا يصح ‏لامرأته أن تخدم نفسها فإنه يفرض عليه خادم لها أو أكثر إذا كان يستطيع ذلك فإن لم يستطع ‏وجب عليها خدمة المنزل، وعليه أن يساعدها بنفسه في أوقات فراغه من عمله.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:23 PM
المبحث الخامس
‏65-‏ امتناع الزوج عن أداء النفقة وما يتخذ معه من إجراءات




إذا امتنع الزوج من أداء ما فرضه على نفسه أو فرضه القاضي عليه، فإن كان موسراً ‏وله مال ظاهر باع القاضي من ماله ما يكفي للنفقة جبراً عنه وسلم للزوجة ثمنه لتنفق منه على ‏نفسها، وإن لم يكن له مال ظاهر مع ثبوت يساره كان للقاضي أن ينذره ويؤنبه على مماطلته.‏
فإن طلبت الزوجة حبسه أجابها وقضى بحبسه عقوبة له على مطله، ولا يمنعه الحبس ‏من أن يبيع ما ظهر من ماله ليوفي الزوجة حقها، لأنه ليس عوضاً عنها بل هو وسيلة لحمله على ‏الإنفاق.‏
وفي حالة إعسار الزوج هل للزوجة الحق في طلب التفريق بينها وبين زوجها لعجزه ‏عن الإنفاق؟.‏
مسألة اختلف الفقهاء فيها:‏
ذهب الحنفية إلى أنه ليس لها هذا الحق ولو طلبته لا يجيبها القاضي إلى ما طلبته لأن ‏العجز عن النفقة أمر عارض يمكن زواله. وهو وإن فيه ضرر على الزوجة، إلا أنه يمكن تداركه ‏بالإذن لها بالاستدانة عليه.‏
أما التفريق ففيه ضرر يلحق الزوج ولا يمكن تداركه أو علاجه. فهنا تعارض ضرران، ‏والقاعدة المقررة أنه يرتكب أخفهما.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن للقاضي يفرق بينهما لهذا العجز(1) والإعسار ‏كماله أن يفرق بينهما لامتناعه عن الإنفاق مع قدرته عليه.‏
‏_______________________‏
‏(1) المراد بالعجز عن النفقة هنا العجز عن أقل الكفاية التي تقوم به الحياة من طعام وكسوة ‏ومسكن لا العجز عن النفقة المفروضة. وأن يكون العجز عن النفقة الحالة والمستقبلة أما العجز ‏عن النفقة المتجمدة فلا فسخ به بالاتفاق، وبعض المذاهب يشترط في جواز الفسخ ألا تكون عالمة ‏بعجزه حين العقد، وبعضها لا يشترط ذلك لاحتمال أنها رضيت به على أمل أن يتكسب وتتيسر ‏حاله.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:25 PM
المبحث السادس
نفقة زوجة الغائب




المراد بالغائب هنا من يتعذر إحضاره إلى مجلس القضاء لمخاصمته في النفقة التي ‏تطالب بها زوجته سواء كان ذلك بسبب سفره أو باختفائه في البلد الذي تقيم فيه زوجته.‏
إذا غاب الزوج بهذه الصورة وطلبت زوجته من القاضي أن يفرض لها نفقة عليه.‏
فالحكم عند الحنفية يتلخص في أنه: إذا ترك مالاً ظاهراً من جنس ما تقدر به النفقة ‏كالنقود والحبوب وكان تحت يد الزوجة كان لها أن تأخذ منه مقدار نفقتها بالمعروف من غير ‏حاجة إلى قضاء القاضي، لأن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة امرأة أبي سفيان ‏ماض إلى يوم القيامة.‏
وإن لم يكن تحت يدها بل كان عند غيرها وديعة أو ديناً في ذمته وطلبت الزوجة فرض ‏النفقة فيه أجابها القاضي وأمر من عنده المال إبقاءها مقدار النفقة إذا كان من عنده المال معترفاً ‏به وبالزوجية أو كان القاضي يعلم بهما بلا خلاف.‏
فإن لم يكن معترفاً بهما أو بأحدهما ولا علم للقاضي بهما فإن أثبتت المرأة زوجيتها ‏بالبينة مع ملكيته لذلك المال أجابها القاضي إلى فرض النفقة فيه، لكنه قبل الحكم يستوثق من ‏صدق المرأة في دعواها فيحلفها اليمين بأن زوجها لم يعجل لها النفقة وأنها ليست ناشزة ولا ‏مطلقة انتهت من عدتها ثم يأخذ منها كفيلاً بالنفقة، حتى إذا تبين كذبها وعاد زوجها رجع عليه أو ‏عليها بما أخذته.‏
فإذا امتنعت عن اليمين وتقديم الكفيل لا يحكم لها بالنفقة.‏
أما إذا كان ماله الظاهر ليس من جنس النفقة كالعقارات والحيوانات فإن القاضي يفرض ‏لها النفقة ولا يبيع شيئاً من ماله ولكنه يأمرها باستيفائها من أجرة ما يؤجر من ذلك المال.‏
وإن لم يكن له مال أصلاً فرض لها النفقة وأذن لها بالاستدانة على الزوج بعد أن يحلفها ‏اليمين السابقة ويأخذ منها كفيلاً بالنفقة المفروضة.‏
فإن لم تجد من يدينها أمر القاضي قريبها الذي تجب عليه نفقتها لو لم تكن متزوجة ‏بإدانتها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:27 PM
المبحث السابع ‏
دين النفقة وأحكامه




متى تعتبر النفقة ديناً على الزوج؟
اتفق الفقهاء على أن نفقة الزوجة تجب على الزوج من وقت وجود سببها وهو العقد ‏الصحيح مع تمكين الزوجة زوجها من نفسها، فإذا أداها سقط طلبها عنه.‏
وإذا لم يؤدها فترة من الزمن أنفقت الزوجة على نفسها من مالها أو من مال غيرها.‏
فهل تكون نفقتها في تلك المدة ديناً يثبت في ذمة الزوج في جميع الأحوال يحق لها أن ‏ترجع به عليه أو لا تكون ديناً كذلك فلا ترجع عليه بشيء؟
اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين بناء على اختلافهم في هذه النفقة:‏
ذهب الأئمة الثلاثة -مالك والشافعي وابن حنبل- إلى أن النفقة هنا حق قوي ثبت للزوجة ‏عوضاً عن احتباسها لمصلحة الزوج، وإذا كانت عوضاً فإنها تثبت ديناً قوياً في ذمة الزوج ‏بمجرد إيفائها البدل وهو تمكينها الزوج من نفسها فلا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء كسائر الديون ‏الأخرى، ولا أثر لمضي المدة في سقوطها كما لا تسقط عن مدة ماضية بنشوز الزوجة أو طلاقها ‏أو موت أحدهما.‏
وعلى هذا لو امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته مدة أو عجز عنه لأي سبب كان لها ‏الحق في مطالبتها بها طالت تلك المدة أو قصرت.‏
وذهب الحنفية إلى أن نفقة الزوجة لها شبهان:‏
شبه بالعوض وشبه بالصلة فليست عوضاً خالصاً.‏
أما شبهها بالعوض فمن جهة أنها جزاء احتباس الزوجة لحق زوجها وقيامها بشؤون ‏بيته.‏
وأما شبهها بالصلة فمن جهة أن المنافع التي تترتب على الاحتباس لا تعود على الزوج ‏وحده بل تعود عليهما معاً فيكون واجباً عليها.‏
ومراعاة للشبهين قالوا: إنها تأخذ حكماً وسطاً بينهما أي أنها لا تصير ديناً في حالة، ‏وتصير ديناً ضعيفاً في حالة ثانية، وديناً قوياً في حالة ثالثة.‏
فإذا لم يتراضيا عليها ولم يحكم بها قاض لا تكون ديناً في ذمة الزوج بمضي المدة، فلو ‏أنها أنفقت على نفسها من مالها أو من مال غيرها بالاستدانة بدون تراض منهما أو حكم قاض بها ‏فلا يحق لها المطالبة بتلك النفقة لأنها لا تصير ديناً في ذمة الزوج إلا إذا كانت المدة التي مضت ‏أقل من شهر فإن للزوجة أن تطالب بنفقتها، لأن هذه المدة القصيرة يصعب الاحتراز عنها حيث ‏لابد من مضي مدة لكي تتمكن الزوجة من التراضي مع زوجها على النفقة أو مقاضاته فيها، ‏فتركها المطالبة مدة كبيرة دليل على أنها متبرعة بها.‏
أما طلبها في حدود شهر فهو دليل على أنها لا تريد تركها فاغتفرت هذه المدة القليلة لأن ‏الحكم بسقوطها في تلك الفترة إجحاف بالزوجة.‏
وإذا تراضى الزوجان على النفقة أو حكم بها القاضي ولم يوجد إذن من الزوج أو ‏القاضي لها بالاستدانة ومضت مدة طويلة على ذلك فإن النفقة تصير ديناً في ذمة الزوج لها أن ‏تطالب به مهما طالت المدة، لكنه دين ضعيف يسقط بالأداء أو الإبراء كالدين القوي كما يسقط ‏بغيرها كموت أحد الزوجين ونشوز الزوجة، وطلاقها على رأي فإذا نشزت أو مات أحدهما ‏سقطت النفقة المتجمدة.‏
أما إذا وجد مع التراضي أو القضاء إذن صريح من الزوج أو القاضي لها بالاستدانة ‏واستدانت بالفعل ومضى على ذلك مدة فإنها تصير ديناً قوياً في ذمة الزوج لا يسقط إلا بالأداء أو ‏الإبراء، فيحق لها المطالبة بما تجمد منها في أي وقت، ولا يسقط حقها بمضي المدة، وإنما ‏صارت ديناً قوياً في هذه الحالة لأن استدانتها بإذن الزوج تكون نيابة عنه، فيكون الدين في ذمته ‏ابتداء لمن استدانت منه الزوجة، وكذلك إذا كانت الاستدانة بأمر القاضي، لأن أمره كأمر الزوج، ‏إذ القاضي أقيم لرفع المظالم، فإذا تعينت الاستدانة طريقاً لرفع الظلم عن الزوجة ولم يأمر الزوج ‏بها أمر القاضي بالنيابة عنه فيكون أمره كأمر الزوج فيستقر الدين في ذمته ابتداء.‏
تعجيل النفقة:‏
إذا عجل الزوج لزوجته النفقة عن مدة مستقبلة كشهر أو أكثر ثم حصل في تلك المدة ما ‏يقتضي سقوط النفقة كنشوز الزوجة أو موت أحد الزوجين فليس للزوج ولا لورثته استرداد باقي ‏النفقة المعجلة عند أبي حنيفة سواء كان باقياً أو مستهلكاً، لأن النفقة وإن كانت واجبة جزاء ‏احتباس الزوجة وقد فات بهذا العارض إلا أن فيها شبهاً بالصلة، والصلات تملك بالقبض فتكون ‏كالهبة، والزوجية مانع من موانع الرجوع في الهبة.‏
وذهب الشافعية وابن حنبل إلى أنه يجب على الزوجة أو ورثتها رد نفقة المدة الباقية ‏سواء كانت باقية أو مستهلكة، لأن الزوجة تستحق النفقة جزاء احتباسها وقد فات بالموت أو ‏النشوز فلا تستحق عوضه.‏
الإبراء من دين النفقة:‏
إذا كان الإبراء لا يكون إلا عن دين ثابت في ذمة المدين. فنفقة الزوجة لا يجوز الإبراء ‏عنها إلا إذا صارت ديناً في ذمة الزوج، وقد علمت أن مذهب الحنفية لا يعتبرها ديناً إلا بعد ‏تقديرها بالقضاء أو التراضي، وأن المذاهب الثلاثة يعتبرونها ديناً بمجرد الامتناع عن الإنفاق ‏بعد ثبوت وجوبها.‏
وعلى ذلك إذا تجمد للزوجة على زوجها نفقة من مدة ماضية فلا يصح إبراء الزوجة ‏عنها عند الحنفية إلا إذا كانت مقدرة بقضاء أو بتراضي الزوجين. فإذا لم تكن كذلك لا يصح ‏الإبراء عنها لأنها لم تثبت ديناً.‏
والمذاهب الأخرى يصححون الإبراء عنها لأنها ثبتت ديناً في ذمة الزوج.‏
أما النفقة المستقبلة فلا يصح الإبراء عنها بالاتفاق لأنها لم تجب بعد والإبراء إسقاط لدين ‏وجب الوفاء به.‏
واستثنى من ذلك النفقة المستقبلة عن مدة واحدة من المدد التي قررت فيها النفقة شهر أو ‏أسبوع أو يوم بشرط أن تكون تلك المدة بدأت بالفعل، لأنه إذا بدأ الشهر مثلاُ فقد وجبت النفقة فيه ‏فيصح الإبراء، لأنه يجب تنجيز النفقة في أول المدة، ولا يصح الإبراء عما بعدها، فلو أبرأته عن ‏نفقة شهرين أو أكثر من المستقبلة وقد بدأ الشهر الأول صح الإبراء عن الشهر الأول وبطل ‏الإبراء عما بعده.‏
كما استثنوا الإبراء عنها إذا كانت نفقة عدة في الخلع فيما إذا خالعها على أن تبرئه من ‏نفقة العدة، لأن الإبراء هنا في مقابلة عوض. هو تخليص الزوجة من عقدة الزواج فيعتبر الإبراء ‏استيفاء للنفقة قبل وجوبها، فلا يكون الإبراء إسقاطاً محضاً، بخلاف إبرائه لا في نظير عوض ‏فإنه إسقاط للشيء قبل وجوبه فلا يصح.‏
الكفالة بالنفقة:‏
يحدث في بعض حالات الزواج أن تطلب الزوجة أو وكيلها من الزوج أن يعطيها كفيلاً ‏بنفقتها وبخاصة عندما يكون الزوج لا مال له حيث يعيش مع أهله من مالهم.‏
كما يحدث بعد الزواج أن الزوج يريد السفر فتطلب الزوجة كفيلاً ليضمن لها نفقتها مدة ‏غيبة زوجها. فهل تجاب الزوجة إلى ذلك وتكون الكفالة صحيحة أو لا؟
ذهب جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة-‏ الذين يعتبرون النفقة ديناً ‏صحيحاً بمجرد وجود سببها دون توقف على القضاء أو التراضي إلى صحة الكفالة، فإذا كفلها ‏إنسان جاز لها مطالبته بها إذا امتنع الزوج عن أدائها لا يفرقون في ذلك بين ما إذا طلبها عند ‏العقد أو بعده كان الزوج مقيماً أو يريد السفر، وإن كان الشافعية يقولون: إن الكفالة حق بالنفقة ‏الماضية أما المستقبلة فلا كفالة بها إلا على إحضار الزوج ليدفعها.‏
وذهب الحنفية إلى إجازة الكفالة بالنفقة مطلقاً قبل فرضها وبعده لما فيه من تسهيل أمر ‏حصول الزوجة على نفقتها وهو المفتى به في المذهب. ‏
المقاصة بدين النفقة:‏
يحدث في بعض الأحوال أن يكون للزوج دين على زوجته كثمن شيء باعه لها في ‏الوقت الذي يكون للزوجة نفقة متجمدة، فإذا أراد أحدهما إسقاط ما عليه في نظير ماله عند الآخر ‏بطريق المقاصة فهل يجاب إلى ذلك؟
من المتفق عليه بين الفقهاء أن الدينين المتساويين تقع المقاصة بينهما بطلب أحد الطرفين ‏ولو لم يرض الطرف الآخر، وإذا لم يتساويا فإنه لا يجاب طلب صاحب الدين الضعيف إلا إذا ‏رضي الطرف الآخر.‏
وإذا كان دين النفقة قد اختلف فيه الفقهاء:‏
فذهب الأئمة الثلاثة -المالكية والشافعية والحنفية- إلى أن دين النفقة دين صحيح فتقع ‏المقاصة بين الدينين جبراً عند طلب أحدهما لا فرق بين أن يكون الطالب الزوج أو الزوجة ‏لتساوي الدينين في القوة ولا يكون للآخر حق الامتناع، غير أن الحنابلة شرطوا لإيجاب طلب ‏المقاصة فيما إذا كان الطلب من الزوج عن النفقة المستقبلة أن تكون الزوجة موسرة، فإن كانت ‏معسرة لا يجاب إلى طلبه إلا إذا رضيت الزوجة بذلك، لأن قضاء الدين لا يكون إلا فيما يفضل ‏عن القوت حيث إن إحياء النفس مقدم على وفاء الدين.‏
وذهب الحنفية إلى أنه يجاب طلب المقاصة من الجانبين إذا كانت النفقة ديناً قوياً بأن ‏كانت بعد القضاء أو التراضي واستدانتها الزوجة بإذن سابق ولا يجوز للآخر الامتناع، أما إذا ‏كانت غير ذلك فأنه يجاب طلب الزوج، وإن لم ترض الزوجة لأن دينه أقوى من دينها، أما طلب ‏الزوجة فلا يجاب إلا إذا رضي الزوج بذلك.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:28 PM
القسم الثاني
في فرق الزواج


‏ ‏
الباب الأول: في الطلاق وأقسامه.‏
الباب الثاني: في التفريق بين الزوجين بواسطة القضاء.‏
الباب الثالث: في اللعان والإيلاء والظهار.‏
الباب الرابع: في العدة وأنواعها وأحكامها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:43 PM
البَاب الأول
في الطلاق

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:44 PM
الفَصل الأول ‏
التعريف وحكمة تشريعه ولمن يكون حق الطلاق وصفته الشرعية




الحكمة في مشروعية الطلاق.‏
لمن يكون حق الطلاق؟
حكم الطلاق بمعنى صفته الشرعية.‏
ركن الطلاق.‏
ألفاظ الطلاق:‏
من يقع منه الطلاق، ومن يقع عليها.‏
الطلاق الذي يملكه الزوج.‏
الطريقة التي يوقع بها الطلاق.‏
أنواع الطلاق:‏
الطلاق الثلاث بلفظ واحد.‏
تقسيم الطلاق إلى: منجز ومضاف ومعلق.‏
تقسيم الطلاق إلى: الرجعي والبائن‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:45 PM
تعريف الطلاق:‏
مادة الطلاق والإطلاق في اللغة: تدل على الإرسال ورفْع القيد والمفارقة. يقال : أطلق ‏الأسير إذا أرسله ورفع قيده، وطلق بلده إذا فارقها، وطلق زوجته أي فارقها وحل رباط الزوجية، ‏وإن كان العرف يخص الطلاق برفع القيد المعنوي، والإطلاق برفع القيد الحسي.‏
فالطلاق في الاصطلاح: هو حل رابطة الزوجية الصحيحة من جانب الزوج بلفظ ‏مخصوص أو ما يقوم مقامه في الحال أو المآل.‏
فاللفظ المخصوص هو ما كان صريحاً في الطلاق أو كناية عنه مما يحتاج إلى نية، ‏والذي يقوم مقامه الكتابة والإشارة، والذي يحلها في الحال هو الطلاق البائن، والذي يحلها في ‏المآل هو الطلاق الرجعي، والطلاق مشروع بالقرآن والسنة والإجماع.‏

الحكمة في شرعية الطلاق:‏
إن الإسلام شرع الزواج وجعله عقد الحياة حتى جعل التوقيت فيه مبطلاً له، وأحاطه ‏بكل الضمانات ليستقر فيؤتي ثمراته الطيبة، وهو لا يكون كذلك إلا إذا تحقق التوافق بين الطرفين ‏وسكن كل منهما إلى صاحبه وارتبط قلباهما برباط المودة، وشاعت بينهما الثقة وعرف كل منهما ‏ما للآخر عليه من حقوق.‏
وقد يطرأ على تلك الحياة الشقاق المنبعث من تنافر القلوب بعد توافقها من انحراف ‏جديد، أو انكشاف ما قد يخفى عند الاقتران مما يبدل الثقة، أو إصابة أحدهما بمرض لا تستطاع ‏معه المعاشرة مما يجعل الحياة جحيماً لا يطاق أو عذاباً لا يحتمل.‏
نظر الشارع إلى ذلك لأنه دين واقعي يشرع للناس حسبما يقع في حياتهم ولا يغمض ‏عينه عن مشاكل الحياة فيوجد لها الحلول ففتح المجال لإنهاء الزوجية عندما تتعرض للخطر ‏الذي يتعذر معه الاستمرار فيها، فكانت شرعية الطلاق ليحسم ذلك الداء بعد عجز طرق ‏الإصلاح العديدة التي أرشد إليها من تأديب وإصلاح داخلي وإصلاح على مستوى الجماعة، ومع ‏ذلك جعله أبغض الحلال إلى الله.‏

لمن يكون حق الطلاق؟
والطلاق في الأصل حق للزوج، لأن النصوص من القرآن والسنة أسندته إلى الرجل. ‏‏{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ ‏النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ ‏الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} [الأحزاب: 49] {وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ ‏قِنطَارًا} [النساء: 20].‏
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الله بن عمر طلق زوجتك" وقوله "مرة ‏فليراجعها. ثم يطلقها، فهذه النصوص صريحة كل الصراحة في أن الطلاق حق للزوج، وليس ‏ذلك غبناً للمرأة بل هو حفاظ عليها وتقديس للرابطة الزوجية، لأن الشارع الذي أوجب على ‏الزواج المهر وجعله مسؤولاً عن الأسرة يسعى من أجلها ويقوم بواجباتها، والرجل بطبيعته ‏أضبط لمشاعره من المرأة فيكون أحرص على بقاء الزوجية لما تحمله من نفقات وتجنباً للتبعات ‏المالية التي تلحقه بسبب الطلاق من مؤخر الصداق ونفقة العدة، ومن مهر جديد ونفقات أخرى ‏إذا ما رغب في التزوج مرة أخرى.‏
ولو جعل الطلاق بيد المرأة لاضطربت الحياة الزوجية ولما استقر لها قرار لسرعة ‏تأثرها واندفاعها وراء العاطفة، وليس هناك ما يحملها على التروي والأناة حيث لا تغرم شيئاً.‏
على أن الشارع لم يهمل جانبها، بل جعل لها الحق في أن تفتدي نفسها برد ما دفعه ‏الزوج لها من مهر {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229].‏
كما جعل لها أن ترفع أمرها إلى القاضي ليطلقها من زوجها إذا ما انحرف وألحق بها ما ‏يوجب التفريق من أذى أو عدم إنفاق، وأوجب على القاضي أن يجيبها إلى طلبها إذا ما ثبت لديه ‏ما تدعيه.‏
وأكثر من هذا جعل لها الحق في أن تشترط لنفسها عند العقد أن تكون العصمة بيدها كما ‏يرى بعض الفقهاء.‏

حكم الطلاق: بمعنى صفته الشرعية:‏
وإذا كان الأصل فيه هو الحظر وأنه لا يجوز الإقدام عليه إلا لسبب والأسباب تختلف في ‏قوتها وضعفها، ومن هنا اختلفت صفة الطلاق الشرعية باختلاف البواعث عليه.‏
فقد يكون مباحاً يستوي فيه جانب الفعل والترك إذا كان الباعث عليه ضعيفاً كمجرد ‏النفور الطبيعي بين الزوجين.‏
وقد يكون مستحباً إذا كان الدافع له سوء أخلاق الزوجة وإيقاعها الأذى بزوجها أو أقاربه ‏أو جيرانه بالقول أو بالفعل أو كانت تاركة لحقوق الله من صلاة وصيام، فإنها بسلوكها هذا تكون ‏قدوة سيئة لأولادها ويخشى عليهم من أن يشبوا على منهجها فيستحب طلاقها.‏
وقد يكون واجباً إذا كان الباعث عليه أمراً يقوض الحياة الزوجية كتهاونها في عرضها ‏وشرفها وبسلوكها المسالك المريبة، أو استحكام الشقاق بين الزوجين وعجز الحكمان عن ‏الإصلاح بينهما.‏
أو كان بالزوج عيب يحول بين الحياة الزوجية وبين أدائها وظيفتها ككونه عنيناً أو ‏مجبوباً أو ما شاكل ذلك.‏
وقد يكون مكروهاً تحريماً إذا لم يكن له سبب يبرره.‏
وقد يكون حراماً إذا وقع على غير الوجه المشروع بأن طلقها في الحالة التي نهى ‏الشارع عن الطلاق فيها، كالطلاق في الحيض قاصداً الإضرار بها وتطويل عدتها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:47 PM
الفَصل الثّاني
في ركن الطلاق، ومن يقع منه، ومن يقع عليها، وطريقة إيقاعه

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:48 PM
المبحث الأول
ركن الطلاق وبم يتحقق؟



المراد بالركن هو اللفظ الذي يفيد معنى الطلاق أو ما يقوم مقامه من الكتابة والإشارة. ‏فيكون الطلاق بواحد من ثلاثة: العبارة والإشارة والكتابة.‏
أما العبارة: فهي اللفظ الذي يدل على حل رابطة الزوجية بحيث يفهم منه التطليق لغة أو ‏عرفاً بأي لغة كانت سواء كان اللفظ صريحاً أو كناية وسواء كان منجزاً أو معلقاً أو مضافاً ‏بشرط أن يكون المتكلم بها فاهماً لمعناها.‏
أما الإشارة: فلا يقع بها الطلاق إلا من الأخرس العاجز عن الكتابة على الرأي الراجح ‏عند الحنفية، فإن كان قادراً على الكتابة فلا يقع طلاقه بالإشارة، لأن الكتابة أقوى في الدلالة من ‏الإشارة.‏
أما الكتابة: فإما أن تكون مستبينة أي واضحة باقية كالكتابة على الورق أو على الحائط ‏مثلاً أو غير مستبينة كالكتابة على الهواء أو في الماء.‏
والمستبينة إما أن تكون مرسومة أي معنونة موجهة للزوجة كما توجه الرسائل أولاً، فإن ‏كانت غير مستبينة فلا يقع بها طلاق، وإن كانت مستبينة مرسومة وقع بها الطلاق من وقت ‏الكتابة إلا إذا قيد الوقوع بزمن الوصول أو غيره. فإنه يقع من الوقت الذي حدده سواء نوى بها ‏الطلاق عند الكتابة أو لا.‏
أما المستبينة الغير المرسومة كأن يكتب على ورقة: فلانة طالق ولا يرسلها إليها أو ‏يكتب على جدار، طلقت زوجتي فإنه لا يقع بها الطلاق إلا إذا نواه، فإن لم ينوه بأن قال: أردت ‏تجربة القلم أو الخط فلا يقع لظهور هذا الاحتمال في تلك الحالة.‏
وإذا كان الحنفية يوسعون في الألفاظ التي يقع بها الطلاق ولا يقصرونها على الألفاظ ‏الصريحة فإن اللفظ الذي يقع به الطلاق عندهم نوعان:‏
صريح وكناية.‏
فالصريح:‏
هو اللفظ الذي يفهم منه معنى الطلاق عند التلفظ به دون حاجة إلى شيء آخر. فيدخل فيه ‏الألفاظ التي وضعت شرعاً للطلاق. نحو أنت طالق وطلقتك ومطلقة، والألفاظ التي تستعمل عرفاً ‏في الطلاق مثل: أنت محرمة وحرمتك وأنت علي حرام وأنت خالصة.‏
وحكمه: أن الطلاق يقع به قضاء وديانة دون توقف على نية أو قرينة، لأن صراحته لا ‏تحوجه في الدلالة إلى شيء آخر وراء اللفظ، متى قصد التلفظ به عالماً بمدلوله وأضافه إلى ‏زوجته.‏
فإذا قال لزوجته: أنت طالق ثم ادعى أنه لم يرد به الطلاق بل أراد به شيئاً آخر لا يحتمله ‏اللفظ لا يلتفت إلى دعواه ووقع الطلاق قضاء وديانة، فإن ادعى أنه أراد به الطلاق من وثاق ولم ‏توجد قرينة تدل على ذلك صُدِّق ديانة لا قضاء، فلو وجدت تلك القرينة، كما لو أكره على الطلاق ‏فنطق بكلمة الطلاق ثم ادعى أنه أراد الطلاق من وثاق فإنه يصدق في ذلك قضاء وديانة، لأن ‏الإكراه قرينة صارفة عن إرادة الطلاق، ومثل ذلك ما إذا كانت زوجته موثقة بقيد وسألته أن ‏يطلقها من وثاقها فيطلقها منه قائلاً لها: أنت طالق فإنه يصدق إذا أقسم أنه أراد ذلك.‏
والكناية:‏
هي كل لفظ لم يوضع لمعنى الطلاق ولم يتعارف الناس قصر استعماله على الطلاق ‏مثل: إلحقي بأهلك أو اذهبي إليهم، فإنه يحتمل الحقي بهم لأني طلقتك أو ابعدي عني الآن، ومثل ‏أنت بائن أو أمرك بيدك، وأنت واحدة واستبرئي رحمك وغير ذلك من الألفاظ التي لا يفهم منها ‏الطلاق إلا بالقرينة أو بالنية.‏
وحكمها: أن الطلاق لا يقع بها إلا بالنية أو دلالة الحال على أنه أراد بها الطلاق، فإن دل ‏الحال على إرادة الطلاق كما إذا قال ذلك حالة الغضب أو بعد سؤال زوجته الطلاق وقع، وإن لم ‏يدل الحال رجع إلى نية الزوج، فإن نوى بها الطلاق وقع، وإن لم ينو لا يقع بها شيء.‏
فمذهب الحنفية: أن تلك الألفاظ لا يقع بها الطلاق ديانة إذا لم ينو بها الطلاق، أما في ‏القضاء فيحكم دلالة الحال، فإن دلت على إرادة الطلاق وقع ولا يصدق في دعواه أنه لم يرد بها ‏الطلاق، فإن لم تدل الحال على إرادة الطلاق اعتبرت النية، فإن قال : نويت بها الطلاق وقع، ‏وإن ادعى أنه لم ينو بها الطلاق في دعواه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:49 PM
المبحث الثاني ‏
‏78-‏ من يقع منه الطلاق، ومن يقع عليها



من يقع منه الطلاق: الطلاق حق للزوج فهو الذي يملك إيقاعه، لأن عقدة الزواج ملكه ‏ولا يملكه غيره إلا بتفويض منه كرسوله أو وكيله أو المرأة التي فوض لها الطلاق أو بالنيابة ‏عنه عند امتناعه كالقاضي، فأن الأولين يطلقون باسم الزوج، والأخير يطلق عن الزوج دفعاً ‏لظلمه بامتناعه عن الطلاق.‏
ولما كان الطلاق خطيراً لا يملكه الزوج إلا إذا توفرت فيه الشروط الآتية: ‏
أن يكون بالغاً، فلو كان صغيراً لا يقع طلاقه وإن كان مميزاً باتفاق الحنفية، لأن الطلاق من ‏التصرفات التي يغلب عليها الضرر وهو لا يملك منها إلا ما كان نافعاً.‏
أن يكون عاقلاً: فلا يقع طلاق المجنون وهو من ذهب عقله، والمعتوه وهو ضعيف العقل الذي ‏اختلط كلامه وفسد تدبيره، ومن اختل عقله لكبر أو مرض أو مصيبة.‏
ويلحق بهم المدهوش وهو الذي اعترته حالة انفعال لا يدري فيها ما يقول ويفعل، ‏والغضبان الذي بلغ به الغضب درجة تختل فيها أقواله وأفعاله وتضطرب، أما إذا كان بحيث ‏يدري ما يقول ويفعل فإن طلاقه يقع.‏
كل ذلك لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق في إغلاق" والإغلاق هو أن ‏يسد على الشخص باب الإدراك والقصد بحيث لا يدري ما يقول وما يفعل.‏
ومقتضى هذا لا يكون للسكران طلاق لأنه لا يعي ما يقول، وإلى هذا ذهب جماعة من ‏الفقهاء من غير تفرقة بين ما إذا كان سبب السكر مباحاً أو محرماً لعدم إدراكه.‏
وذهب آخرون إلى التفرقة بين ما كان سببه مباحاً فلا يقع وبين ما إذا كان محرماً فيقع ‏طلاقه عقوبة له وزجراً عن تناول المحرم، لكن العقوبة هنا غير مستساغة لأن الشارع قرر له ‏عقوبة أخرى، على أنه إذا كان السكران يستحق العقوبة فما ذنب الزوجة وأولادها الذي يلحقهم ‏ضرر الطلاق.‏
‏3- ألا يكون مكرهاً عند جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة- لحديث "رفع عن ‏أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".‏
ولأن المكره وإن تكلم باللفظ المفيد للطلاق إلا أنه لم يقصد الطلاق وإنما قصد دفع الأذى ‏عن نفسه فيكون اختياره للطلاق فاسداً فلا يعتبر.‏
والحنفية لم يشترطوا عدم الإكراه، لأن الإكراه عندهم يفسد الرضا دون الإختيار، ‏فالمكره حين تكلم بكلمة الطلاق كان له اختيار. فقد وازن بين الأمرين التلفظ بالطلاق ووقوع ما ‏هدد به فاختار أهونهما، فهو مختار في التكلم لكنه غير راض بالأثر الذي يترتب عليه فيقع طلاقه ‏كالهازل الذي قصد اللفظ ولم يقصد ترتب الأثر عليه، وطلاق الهازل واقع بالحدث "ثلاث جدهن ‏جد وهزلهن جد؛ النكاح والطلاق والرجعة" وفي رواية العتاق بدل الرجعة.‏
كما لا يشترط أن يكون جاداً فيقع طلاق الهازل.‏
أما المخطيء وهو الذي يريد أن ينطق بكلام غير الطلاق فيجري على لسانه الطلاق ‏بغير قصد كأن يقصد أن يقول لزوجته: أنت لطيفة أو مهذبة فيجري على لسانه: أنت طالق.‏
والحنفية يقولون: إنه لا يقع طلاقه ديانة أي بينه وبين الله فيحل له البقاء مع زوجته، ‏ولكنه يقع قضاء بمعنى أنه لو اختلف الزوجان فقالت له: طلقت، وقال لا لم أقصد طلاقاً. حكم ‏القاضي بوقوع الطلاق لأنه يحكم بناء على الظاهر، ولو قبل القاضي دعوى الخطأ لانفتح باب ‏التحايل.‏
والفرق عندهم بين المخطئ والهازل: أن الهازل قصد النطق بكلمة الطلاق، ولكنه لم ‏يقصد ترتب الأثر عليها، ومثل هذا يلهو في موضع الجد فاستحق العقاب بإلزامه أثر ما قصد ‏منه، أما المخطئ فلم يقصد النطق بالكلمة أصلاً وبالتالي لم يقصد ترتب أثرها عليها فلم يكن منه ‏ما يستحق عليه العقاب فافترقا، ومن هنا قالوا: إن من لقن كلمة الطلاق فنطق بها وهو لا يعرف ‏معناها لا يقع طلاقه لأنه وإن قصد النطق بها إلا أنه لا يعي مدلولها ولا ما تستعمل فيه فكانت ‏لغواً.‏
‏- من يقع عليها الطلاق:‏
إذا كان الطلاق يرفع قيد النكاح ويحل رابطة الزوجية فلا بد أن تكون المرأة المطلقة في ‏زوجية قائمة حقيقة أو حكماً ولو قبل الدخول، فالمعقود عليها عقداً صحيحاً محل للطلاق قبل ‏الدخول وبعده كذلك المعتدة من طلاق رجعي أو بائن بينونة صغرى ما دامت في العدة، لأن ‏الزواج باق حكماً أثناء العدة، أما الرجعية فظاهر لأن ملك الاستمتاع قائم، وأما البائنة فلأن بعض ‏أحكام قائمة كوجوب النفقة وبقائها في منزل الزوجية وعدم حل زواجها من آخر، وكذلك المعتدة ‏من كل فرقة اعتبرت طلاقاً، أما المعتدة من طلاق بائن بينونة كبرى فليست محلاً للطلاق لانتهاء ‏الملك والحل، وكذلك المطلقة قبل الدخول لأنه لا عدة عليها، والمعتدة من فرقة اعتبرت فسخاً ‏بحكم الشرع، كالفرقة بخيار البلوغ أو الإفاقة أو لعدم كفاءة الزوج أو نقصان المهر، لأن الفسخ ‏نقض للعقد، وإذا انتقض العقد لم يكن له وجود حتى يلحقه طلاق.‏
ولا يستثنى من ذلك عند الحنفية إلا المعتدة من فسخ زواجها بسبب ردة أحد الطرفين أو ‏إباء الزوجة المشركة عن الإسلام بعد إسلام زوجها، فإنه يقع عليها الطلاق في العدة على ما هو ‏الراجح من المذهب وكذلك لا يقع الطلاق على المعقود عليها فاسداً أو باطلاً، هذا هو مذهب ‏الحنفية ومن وافقهم.

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:51 PM
المبحث الثالث ‏
في الطلاق الذي يملكه الزوج




حدد الإسلام للطلاق عدداً ينتهي عنده، وهو ثلاث تطليقات في قوله تعالى: {الطَّلاقُ ‏مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ...[البقرة: 229] إلى أن قال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ ‏لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}، بعد أن كان في الجاهلية لا يقف عند حد، وكان ظلماً صارخاً ‏للمرأة فحماها بهذا التحديد وجعله ثلاثاً للزوج أن يراجع زوجته في الأوليين منهما محافظة على ‏رباط الزوجية من أن ينقطع مرة واحدة، ودفعاً للحرج الذي قد يلحق بالأزواج الذين يتسرعون ‏في إيقاع الطلاق، ولو جعله مرة واحدة لوقع كثير من الأزواج في الحرج فيما إذا صدر الطلاق ‏لأمر عارض ثم زال أو لنفرة طارئة ثم تبدلت الأحوال وزالت النفرة.‏
الطريقة التي يوقع بها الطلاق:‏
والشارع الذي ملك الرجل الطلاق وحدده بثلاث مرات لم يتركه ليوقعه كيف شاء ومتى ‏شاء، بل رسم له طريقة إيقاعه وأرشده إلى اتباعها ونهاه عن مخالفتها.‏
ففي الآية السابقة بين له:‏
أول خطوة يخطوها في إيقاعه، وهي أن يكون مفرقاً "الطلاق مرتان" أي مرة بعد مرة.‏
يدل لذلك أنه لما طلق رجل امرأته ثلاثاً دفعة واحدة غضب رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم وخطب الناس فقال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم".‏
والخطوة الثانية جاءت في الحديث الذي رواه الجماعة إلا الترمذي أن عبد الله بن عمر ‏طلق امرأة له وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فتغيظ رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم ثم قال: "ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها قبل أن ‏يمسها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء". فهذا الحديث يدل على أن الطلاق في الحيض ‏غير مشروع لغضب رسول الله، ويرشد إلى أن الطلاق المشروع هو ما يكون في طهر لم يمسها ‏فيه.‏
والحكمة في أنه لابد من مراعاة وقت الطلاق بألا يكون في الحيض أو في الطهر الذي ‏مسها فيه أن حالة الحيض منفرة، فالطلاق فيها لا يدل على وجود الحاجة الداعية إلى الطلاق ‏فوق أن الطلاق في هذه الحالة يلحق الضرر بالمرأة حيث يطول عليها العدة، لأن الحيضة التي ‏وقع فيها الطلاق لا تحتسب منها، وإن مخالطة المرأة تفتر الرغبة فيها فطلاقها بعد ذلك لا يدل ‏على تحقق الحاجة إلى الطلاق مع أنه يوقع المرأة في الحيرة في أمر عدتها حيث لا تدري أحملت ‏من تلك المواقعة فتعتد بوضع الحمل أم لم تحمل فتعتد بالأقراء، هذا مع ما يلحق الرجل من الندم ‏إذا ما تبين له أن امرأته حامل، أما طلاقها في طهر لم يمسها فيه فيدل على وجود الحاجة إلى ‏الطلاق حيث أقدم عليه في هذا الوقت الذي تتوق فيه نفس الرجل إلى المرأة.‏
وهذا إنما يكون في المرأة المدخول بها، أما غير المدخول بها فالرغبة فيها موجودة في ‏أي وقت والحيض لا يقلل رغبته فيها حيث لم يلتق بها بعد.‏
ومن هنا قسم العلماء الطلاق إلى نوعين طلاق السنة وطلاق البدعة:‏
وجعلوا طلاق السنة هو الذي يجيء على الطريقة التي رسمه الشارع، وطلاق البدعة هو ‏الطلاق الذي جاء على خلافها بأن يطلق أكثر من واحدة أو على دفعات في طهر واحد، أو يطلقها ‏في أثناء الحيض أو النفاس أو في طهر واقعها فيه.‏
وهذا الطلاق المخالف للسنة حرام، ومن يفعله يكون آثماً بلا خلاف في ذلك، ولكنهم ‏اختلفوا في وقوعه:‏
فذهب الأئمة الأربعة -الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي- إلى وقوعه، لأن النهي عنه ‏ليس لذاته، وإنما لمعنى يصاحبه وهو تطويل العدة على المرأة، أو ندم الرجل عليه، أو كونه ليس ‏لحاجة، ومثل هذا لا يمنع من ترتب الأثر عليه، كالبيع وقت النداء يوم الجمعة فإنه منهى عنه ‏ومع ذلك لو تم البيع ترتب عليه أثره.‏
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر بمراجعة زوجته، والرجعة لا تكون ‏إلا بعد وقوع الطلاق، وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث أن عبد الله قال: "فحسبت عليَّ ‏طلقة".‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:52 PM
المبحث الرابع ‏
الطلاق الثلاث بلفظ واحد



ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى وقوعه ثلاثاً: سواء كانت المرأة مدخولاً بها أو لا إذا ‏كان مقروناً بلفظ الثلاثة أو مدلولاً عليه بالإشارة، كأنت طالق وأشار إليها بأصابع ثلاثة مرفوعة، ‏وكذلك إذا كرر اللفظ أنت طالق أنت طالق وكانت المرأة مدخولاً بها، لأن الأولى وقعت عليها ‏وهي زوجة ووقع الباقي عليها في عدتها.‏
وأما إذا كانت غير مدخول بها فيقع عليها واحدة فقط، لأنها تبين منه بها لا إلى عدة ‏فجاءت الثانية والثالثة والمرأة أجنبية فلا يقع بهما شيء.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:53 PM
الفَصْلُ الثَّالِث
في تقسيمات الطلاق‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:54 PM
المبحث الأول
تقسيمه إلى منجز ومعلق ومضاف




ينقسم الطلاق باعتبار تقييد الصيغة وإطلاقها إلى منجز ومضاف ومعلق.‏
فالمنجز: هو الذي صدرت صيغته مطلقة غير معلقة على حصول أمر آخر ولا مضافة ‏إلى زمن مستقبل مثل أن يقول لها: أنت طالق أو طلقتك.‏
حكم المنجز: وقوع الطلاق به بمجرد صدوره، لأن الشارع وضعه ليفيد أثره عقب ‏صدوره ممن هو أهل لإيقاع الطلاق على امرأة هي محل لوقوعه بأن تكون زوجة حقيقة أو ‏حكماً.‏
والمضاف: هو الذي صدرت صيغته مقيدة بوقت مستقبل قصد المطلق وقوع الطلاق ‏فيه. بأن ربط حصوله بذلك الزمن بغير أداة من أدوات الشرط، كأن يقول الزوج لزوجته أنت ‏طالق أول العام القادم أو أنت طالق غداً.‏
حكم المضاف: وقوع الطلاق به عند مجيء ذلك الوقت المضاف إليه لا قبله إذا كان ‏الرجل أهلاً للطلاق عند صدور الصيغة منه، والمرأة محلاً لوقوع الطلاق عليها عند حلول ذلك ‏الوقت، فلو قال أنت طالق في أول العام القادم ثم طلقها منجزاً فإذا جاء الزمن المضاف إليه وهي ‏في العدة وقع عليها الطلاق المضاف فإذا كانت عدتها قد انتهت لا يقع عليه شيء.‏
وكذلك إذا أضاف الطلاق وهو أهل للطلاق ثم جاء الوقت المضاف إليه وهو مجنون وقع ‏الطلاق لأن العبرة بأهليته عند التلفظ بالطلاق.‏
والمعلق: هو ما ربط فيه حصول الطلاق بأمر سيحصل في المستقبل بأن رتب وقوعه ‏على حصول ذلك الأمر بأداة من أدوات الشرط أو ما في معناها، كإن وإذا وكلما ومتى ونحوها. ‏كأن يقول لامرأته: إن سافرت في هذا اليوم فأنت طالق، أو متى حضر فلان لزيارتنا فأنت طالق، ‏وكلما خرجت بدون إذني فأنت طالق.‏
والتعليق نوعان: تعليق لفظاً ومعنى، وتعليق معنى فقط:‏
فالأول: وهو ما ربط فيه وقوع الطلاق بحصول أمر في المستقبل بأداة من أدوات الشرط ‏سواء كان الأمر المعلق عليه اختيارياً يمكن فعله أو الامتناع عنه أو غير اختياري.‏
والاختياري قد يكون من أفعال الزوجة نحو: إن خرجت بدون إذني أو كلمت فلاناً فأنت ‏طالق، وقد يكون من أفعال الزوج نحو: إن لم أسافر اليوم فأنت طالق، وقد يكون من فعل ‏غيرهما. نحو إن لم يسافر أخوك اليوم فأنت طالق.‏
وغير الاختياري نحو: إن أمطرت السماء فأنت طالق، أو إن ولدت أنثى فأنت طالق، فإن ‏كان المعلق عليه من فعل أحد الزوجين سمي تعليقاً ويسمى يميناً أيضاً لأنه يفيد ما يفيده اليمين ‏من الحمل أو الامتناع عنه، وإن كان المعلق عليه من فعل غيرهما أو كان أمراً غير اختياري فهو ‏تعليق بالاتفاق، ولكنهم اختلفوا في تسميته يميناً. فمن الفقهاء من يسميه يميناً لوجود الصورة وهي ‏الشرط والجزاء، ومنهم من لا يسميه يميناً لأنه لا يفيد ما يفيده اليمين وهو الأشبه بالفقه.‏
والثاني: وهو التعليق في المعنى فقط وهو ما يفهم منه التعليق بدون ذكر أداة من أدواته ‏نحو قول الزوج: عليّ الطلاق أو يلزمني الطلاق لا أفعل كذا، فإنه في معنى. إن فعلت كذا ‏فزوجتي طالق، وكقوله: علي الطلاق لأسافرن اليوم فإنه في معنى إن لم أسافر اليوم فامرأتي ‏طالق، فإذا لم يتحقق السفر في هذا اليوم وقع الطلاق، وهذا الذي يسمى بالحلف بالطلاق أو ‏اليمين بالطلاق.‏
حكم التعليق: والتعليق بنوعيه يقع به الطلاق إن وقع المعلق عليه عند الحنفية بعد أن ‏تتحقق شروط صحته بأن يكون المعلق عليه معد وما ممكن الحصول، فإن كان معدوماً مستحيل ‏الوجود كان لغواً، كما إذا قال لها: إن جاء أبوك يجر أكفانه فأنت طالق، أو إن شربت ماء هذا ‏البحر كله فأنت طالق.‏
وكذلك لو علقه على مشيئة الله تعالى، كأن يقول لها: أنت طالق إن شاء الله، لأن المعلق ‏عليه أمر لا طريق إلى التحقق من وجوده فكان لذلك كالتعليق على المستحيل.‏
وأن يحصل المعلق عليه والمرأة محل للطلاق كأن تكون زوجة حقيقة أو حكماً وقد وافق ‏الحنفية في ذلك جمهور الفقهاء.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:56 PM
المبحث الثاني
تقسيمه إلى الرجعي والبائن




ينقسم الطلاق باعتبار إمكان الرجعة بعده من غير عقد جديد وعدم إمكانها إلى رجعي ‏وبائن:‏
فالرجعي: هو الذي يملك الزوج بعد إيقاعه إعادة مطلقته في عدتها إلى الزوجية من غير ‏حاجة إلى عقد جديد رضيت بذلك الزوجة أو لا.‏
والبائن: هو الذي لا يملك بعده الزوج إعادة الزوجية بالرجعة. وهو نوعان :‏
‏1- بائن بينونة صغرى. وهو الذي يستطيع إعادة المطلقة بعده بعقد جديد سواء كان ذلك ‏في العدة أو بعدها.‏
‏2- بائن بينونة كبرى. وهو الذي لا يستطيع إعادتها إلا بعد تزوجها بزوج آخر ويدخل ‏بها وينتهي زواجه بطلاق أو بموت.‏
ما يقع به كل من الرجعي والبائن:‏
مذهب الحنفية بكل لفظ صريح بعد الدخول الحقيقي إذا كان مجرداً عن وصفه بما يفيد ‏البينونة كوصف الشدة أو القوة أو الطويلة أو البينونة أو تملكين بها نفسك ولم يكن على مال أو ‏مكملاً للثلاث.‏
وكذلك كل لفظ من ألفاظ التي لا تفيد فصل الزوجية، كاعتدي واستبرئي رحمك وأنت ‏واحدة إذا نوى بها الطلاق.‏
ويقع البائن بما سوى ذلك في الحالات الآتية:‏
‏1- إذا كان قبل الدخول بأي لفظ ولو بعد الخلوة الصحيحة وإن وجبت عليها العدة لأنها ‏وجبت للاحتياط للمراجعة.‏
‏2- إذا كان بلفظ صريح موصوف بما يفيد البينونة كأنت طالق طلقة قوية أو شديدة أو ‏بائنة أو تملكين بها نفسك أو أشد الطلاق أو مثل الجبل.‏
‏3- إذا كان في مقابلة عوض عن المرأة، لأنها لم تدفع العوض إلا لتخلص لها نفسها.‏
‏4- إذا كان مكملاً للثلاث سواء كان مفرقاً أو مجموعاً بتكراره في مجلس واحد أو مقترناً ‏بالعدد لفظاً إو إشارة.‏
‏5- إذا كان بلفظ من ألفاظ الكناية التي تفيد الشدة أو القوة، كانت: بائن أو خلية أو برية أو ‏بتة أو إلحقي بأهلك إذا نوى بها الطلاق.‏
وبهذا لا يكون مناط الرجعية أو البينونة كون اللفظ صريحاً أو كناية، لأن من الصريح ‏ما يكون رجعياً وما يكون بائناً، وكذلك الكناية.‏
أحكام الطلاق الرجعي والبائن:‏
إذا كان عقد الزواج يترتب عليه جملة من الآثار. منها ملك الزوج الاستمتاع بزوجته، ‏وثبوت التوارث بين الزوجين، وأن الزوج يملك تطليق زوجته ثلاث تطليقات فتبقى الزوجة ‏حلالاً لزوجها مالم يستنفذ الطلقات الثلاث يجوز له أن يعقد عليها بعد طلاقها الأول والثاني.‏
فما أثر الطلاق في تلك الآثار؟ ‏
لا شك أن تلك الآثار تتأثر بالطلاق غير أن الأثر يختلف باختلاف نوع الطلاق.‏
فالطلاق الرجعي لا يوثر في الرابطة الزوجية ما دامت العدة موجودة، فملك الاستمتاع ‏باق للزوج فله معاشرتها معاشرة الأزواج ويكون ذلك رجعة له عند الحنفية، وإذا مات أحدهما ‏ورثه الآخر ولا يحل مؤخر الصداق، لأن الزواج لم ينته بعد، فإذا انتهت العدة انتهى ملك ‏الاستمتاع وحل مؤخر الصداق وانتهى سبب التوارث، لكن حل هذه المرأة باق يجوز لمطلقها أن ‏يعقد عليها في أي وقت ما لم تتزوج غيره. غير أن الرجل يصبح بعدها لا يملك تطليقها إلا مرتين ‏فقط بعد أن كان يملك ثلاثاً، وعلى ذلك لا يكون للطلاق الرجعي أثر إلا نقصان عدد الطلقات التي ‏يملكها الزوج، وتحديد أمد الزوجية بمدة العدة بعد أن كانت دائمة غير محدودة، فإذا ما انتهت ‏العدة بانت منه المرأة وانتهى ملكه ولا يجوز له قربانها إلا بعد عقد جديد، وهذا معنى قول الفقهاء ‏‏: إن الطلاق الرجعي لا يزيل الملك ولا الحل ما دامت العدة قائمة.‏
أما الطلاق البائن بينونة صغرى فيظهر أثره في الأمور الآتية:‏
‏1- أنه يزيل ملك الاستمتاع. فلا يحل له منها شيء إلا إذا أعادها بعقد جديد، ومن هنا لا ‏يزيل حل المرأة حيث لم يوجد سبب يحرمها عليه، فيجوز له العقد عليها في أي وقت في العدة أو ‏بعدها، وهذا معنى قول الفقهاء : إن الطلاق البائن بينونة صغرى يزيل الملك لا الحل.‏
‏2- يحل به مؤخر الصداق المؤجل.‏
‏3- يمنع التوارث إذا مات أحدهما في أثناء العدة لانتهاء سبب الإرث وهو الزوجية إلا إذا ‏كان الطلاق في مرض موت الزوج بقصد الفرار من ميراثها فإنها ترثه إذا مات قبل انقضائها.‏
‏4- ينقص به عدد الطلقات.‏
أما البائن بينونة كبرى فإنه يقطع الزوجية ولا يبقى لها أثر بعده إلا العدة وأحكامها، ‏فيحل مؤخر الصداق ويمنع التوارث إلا إذا كان الطلاق بقصد الفرار من الميراث، وتحرم على ‏المطلق تحريماً مؤقتاً فلا يحل له أن يعقد عليها إلا بعد أن تتزوج زوجاً آخر ويدخل بها ثم تنتهي ‏هذه الزوجية بالموت أو الطلاق، وهذا معنى قولهم: إن البائن بينونة كبرى يزيل الأمرين الملك ‏والحل معاً بمجرد وقوعه لكنه زوال مؤقت.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:57 PM
المبحث الثالث
الرجعة




تعريف الرجعة: هي استدامة الزوجية القائمة بالقول أو بالفعل أثناء العدة. وإنما كانت ‏الرجعة استدامة للزوجية، لأن الطلاق الرجعي لا يؤثر في عقد الزواج إلا بتحديده بمدة العدة، ‏فإذا راجع الزوج زوجته فقد ألغى عمل الطلاق في هذا التحديد واستدام الزواج بعد أن كان على ‏وشك الانتهاء.‏
من له حق الرجعة من الزوجين:‏
الرجعة حق أثبته الشارع للزوج وحده في فترة العدة إن شاء استعمله رضيت الزوجة أو ‏لم ترض وإن شاء تركه، لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا} ‏‏[البقرة: 228] بعد أمر النساء بالتربص مدة العدة، فقد جعل أزواج المطلقات أحق برجعتهن في ‏مدة العدة إذا رأوا في الرجعة مصلحة، فإذا لم يجد الزوج فيها مصلحة تركها بلا مراجعة حتى ‏تنتهي عدتها فتبين منه.‏
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر في قصة طلاق ابنه عبد الله لزوجته وهي ‏حائض: "مره فليراجعها"، وإذا ثبت هذا الحق للزوج لا يملك إسقاطه بالقول أو التنازل عنه. كأن ‏يقول بعد طلاقها: أسقطت حقي في الرجعة أو لا رجعة لي عليك، فإن فعل ذلك لا يسقط حقه وله ‏مراجعتها بعد ذلك، لأن الشارع جعل الرجعة حكماً من أحكام الطلاق الرجعي وأثراً من آثاره ‏بترتيبها عليه في قوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: ‏‏229] فلو أسقطه المطلق كان مغيراً لما شرعه الله، ولا يملك أحد ذلك التغيير.‏
ما تتحقق به الرجعة:‏
تتحقق الرجعة بأحد أمرين، بالقول وما يقوم مقامه من الكتابة أو الإشارة، وبالفعل. أما ‏الرجعة بالقول فتكون بالألفاظ الصريحة، وهي التي لا تحتمل غير الرجعة، نحو راجعت زوجتي ‏أو أمسكتها أو رددتها إلى عصمتي، أو يقول مخاطباً لها راجعتك أو أمسكتك أو رددتك.‏
وهذه الألفاظ لا تحتاج إلى النية لصراحتها، وتتحقق الرجعة بهذه الألفاظ باتفاق الفقهاء:‏
ذهب الحنفية: إلى أنها تكون بلفظ من ألفاظ الكناية وهي التي تحتمل الرجعة وغيرها. ‏كقوله لها: أنت امرأتي، أو أنت عندي كما كنت إذا نوى بها الرجعة أو دل الحال على إرادتها، ‏لأن اللفظ الأول يحتمل أنها بمنزلة امرأته في الإكرام والمعزة، والثاني يحتمل الرجعة وأنها كما ‏كانت قبل الطلاق في رعايته لها وعنايته بها.‏
ويقوم مقام اللفظ في تحقيق الرجعة الكتابة على الصورة التي بيناها في الطلاق وكذلك ‏الإشارة من العاجز عن النطق كالأخرس.‏
وأما الرجعة بالفعل فتكون بكل فعل يوجب حرمة المصاهرة من المخالطة الجنسية ‏ومقدماتها من اللمس والتقبيل بشهوة عند الحنفية لأن ذلك يدل على رغبته في بقاء الزوجية.‏
وزاد الحنفية الفعل من جانبها، فقالوا: إذا قبلته أو لمسته بشهوة وهو يعلم ولم يمنعها كان ‏ذلك رجعة من غير خلاف بين أئمة المذهب.‏
أما إذ فعلت ذلك بدون علمه كأن فعلته وهو نائم أو خلسة فأبو حنيفة يعتبر ذلك رجعة، ‏لأن فعل ذلك يوجب حرمة المصاهرة لا فرق بين الرجل والمرأة فتكون رجعة حيث لا فارق.‏
شروط صحة الرجعة:‏
لا تصح الرجعة إلا إذا توفر فيها الشروط الآتية:‏
‏1- أن تكون بعد طلاق رجعي في أثناء العدة، فإن كان الطلاق بائناً لا تصح، لأن البائن ‏يزيل الملك فتملك نفسها. فلا يملك المطلق إعادتها إلا بعقد رضائي منهما، وإن كان رجعياً ‏وانتهت العدة فلا تصح أيضاً لأن العدة إذا انتهت زالت رجعية الطلاق وأصبح بائناً فيقفل باب ‏الرجعة.‏
‏2- أن تكون الرجعة منجزة غير معلقة ولا مضافة إلى زمن مستقبل لأنها استدمة النكاح ‏فتكون شبيهة به، وكما لا يصح التعليق والإضافة في إنشائه لا يصح في استدامته، فلو قال لها: ‏إن لم أتزوج في هذا الشهر فقد راجعتك، أو إن حضر أبوك فقد راجعتك لا تصح الرجعة، وكذلك ‏لو قال لها: راجعتك في أول الشهر القادم.‏
‏3- يشترط الحنفية في الرجعة بالقول أن يكون المراجع أهلا لمباشرة عقد الزواج، فلا ‏تصح من المجنون أو النائم أو المغمى عليه، وكذا السكران على التفضيل السابق عندهم، وتصح ‏مع الإكراه أو الهزل، أما الرجعة بالفعل فلا يشترط فيها ذلك، فلو طلقها ثم جن أو أصابه عته أو ‏سكر ثم فعل بها فعلا يوجب حرمة المصاهرة كان ذلك رجعة.‏
ولا يشترط في صحة الرجعة الإشهاد عليها عند جمهور الفقهاء منهم الحنفية، فتصح ‏وإن لم يشهد عليها أحداً، لكنه يستحب الإشهاد لئلا تكون عرضة للإنكار من جانب الزوجة بعد ‏انقضاء عدتها ولا يستطيع إثباتها، ودفعاً للتهمة عنه فيما إذا علم الناس بطلاقها ثم راجعها بدون ‏إشهاد فإنه يكون عرضة للاتهام بأنه يعاشرها بغير زواج.‏
كما لا يشترط إعلام الزوجة بها وإن كان يندب إعلامها حتى لا تقع في محظور بأن ‏تتزوج غيره بعد انتهاء عدتها أو يقع بينهما النزاع فيها بعدها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 01:59 PM
المبحث الرابع
‏ زواج التحليل



قدمنا أن الطلاق البائن بينونة كبرى تحرم به المرأة على مطلقها تحريماً مؤقتاً حتى ‏تتزوج زوجاً آخر ويدخل بها دخولاً حقيقياً لأن القرآن جعل زواجها بغيره غاية التحريم {فإن ‏طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} وجاءت السنة وبينت المراد من النكاح، وهو ‏أنه ليس مجرد العقد، بل العقد الذي يتبعه دخول حقيقي فيما رواه البخاري وغيره عن عائشة ‏رضي الله عنها قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت ‏عند رفاعة القرظي فأبت طلاقي فتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة ‏الثوب، فتبسم رسول الله وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق ‏عسيلتك"، ولأن ربط حلها بزواجها غيره قصد به الزجر عن الطلاق والتأني فيه، ولا يتحقق ‏الزجر بمجرد العقد لأن النفس تقبله ولا تأنف منه، فكان لابد من الدخول الحقيقي.‏
وإذا كان الشارع شرط في الحل النكاح فلا يكون إلا النكاح الصحيح، فإذا كان العقد ‏فاسداً لا تحل به ولو كان بعده دخول، وكذلك إذا كان صحيحاً ولم يكن معه دخول حتى ولو كان ‏معه خلوة صحيحة.‏
والأصل في الزواج الصحيح أن يكون قائماً على الرغبة من الجانبين للعيش الدائم ‏وتكوين الأسرة فلو قيد بوقت معين كان فاسداً.‏
ولكن الناس فهموا هذا الأمر على غير حقيقته. فظنوا أن زواج الزوج الثاني ليس ‏مقصوداً لذاته، وإنما قصد به تحليل المرأة لزوجها الأول فكان ما يحدث كثيراً أن يقع هذا الزواج ‏بقصد التحليل إما بمجرد النية والقصد عند العقد من غير أن يصدر منهما كلام يدل على ذلك ‏القصد، وإما مع اشتراط أثناء العقد أو قبله. كأن يقول لها: تزوجتك على أن أحلك لمطلقك مما ‏جعل الفقهاء يبحثون في هذا العقد من جهة صحته وأنه يحقق التحليل أو لا، وإليك إجمال آراء ‏الفقهاء فيه:‏
ذهب المالكية والحنابلة إلى أن زواج التحليل فاسد لا فرق بين ما اشترط فيه التحليل في ‏العقد أو قبله أو بعده وبين ما نوى فيه فقط بدون اشتراط، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم أنه قال: ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: "هو المحلل لعن الله ‏المحلل والمحلل له"، فهذا يدل على أن عقد التحليل غير صحيح على أي وجه وقع لعدم التفصيل.‏
وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله. فقد روى عن عمر أنه كان يقول: "لا أوتي بمحلل ولا ‏بمحللة إلا رجمتهما بالحجارة" والرجم بالحجارة لا يكون إلا على الزنا.‏
وروى نافع عن ابن عمر أن رجلاً قال له: امرأة تزوجتها أحلها لزوجها لم يأمرني ولم ‏تعلم قال: إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها كنا نعد هذا سفاحاً على عهد ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏
ولأن زواج التحليل زواج مؤقت، وهو غير صحيح لأنه لا يحقق الأغراض التي من ‏أجلها شرع الزواج.‏
وذهب الحنفية والشافعية إلى تفصيل في المسألة بين ما إذا كان التحليل مجرد نية لم ‏يوجد ما يدل عليها أثناء العقد وبين ما إذا كان مشروطاً فيه.‏
فإن كان منوياً فقط صح العقد وأفاد الحل إذا تم على الوجه المرسوم شرعاً لعدم وجود ما ‏يؤثر في العقد بالفساد.‏
أما إذا شرط فيه فذهب الشافعية إلى فساد العقد لوجود الشرط الفاسد الذي يقتضي فساد ‏العقد.‏
وذهب أبو حنيفة إلى أن هذا الزواج صحيح، لأن هذا شرط فاسد، والزواج لا يفسد ‏بالشروط الفاسدة، فيلغو الشرط وحده ويبقى العقد صحيحاً، ولكنه يكون مكروهاً لحديث "لعن الله ‏المحلل والمحلل له".‏
وإذا كان العقد صحيحاً فللزوج الثاني البقاء مع زوجته لا يستطيع أحد جبره على ‏مفارقتها، فإذا فارقها باختياره أو مات عنها وانتهت عدتها حلت للأول بهذا الزواج.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:01 PM
المبحث الخامس
طلاق المريض مرض الموت




الطلاق حق للزوج يوقعه في أي وقت إذا وجد ما يقتضيه صحيحاً كان أو مريضاً ما ‏دامت أهليته للتصرف موجودة، فإنه لا حجر عليه في ذلك.‏
فإن طلقها طلاقاً رجعياً ومات وهي في العدة ورثته بلا خلاف لقيام الزوجية حكماً وهي ‏سبب للإرث يستوي في ذلك الطلاق في الصحة أو المرض.‏
وإذا طلقها طلاقاً بائناً بينونة صغرى أو كبرى انقطعت الزوجية فلا ميراث لها مات في ‏العدة أو بعدها إذا كان الطلاق في حالة الصحة أو المرض العادي الذي لا يسلم إلى الموت.‏
أما إذا كان الطلاق في مرض الموت فأكثر الفقهاء على أنها ترثه لأنه يعتبر فاراً من ‏ميراثها في هذه الحالة فيعامل بنقيض مقصوده، وليس في ذلك كتاب ولا سنة، وإنما كان من ‏مواضع اجتهادات الصحابة رضوان الله عليهم.‏
تعريف مرض الموت: إن المرض الذي يغلب فيه الهلاك عادة ويتصل به الموت سواء ‏أكان بسببه أم كان بسبب آخر.‏
واختلف الفقهاء في أماراته: فمن قائل: هو الذي يعجز صاحبه عن العمل، ومن قائل: هو ‏الذي يلزم صاحبه الفراش، أو الذي لا يستطيع صاحبة المشي إلا بمعين غير ذلك، والمرجع في ‏بيان ذلك الآن إلى رأي الأطباء بعد تقدم الطلب ووضوح التمييز بين الأمراض وأيها يقبل الشفاء ‏وأيهما لا يقبلها.‏
وقد ألحق فقهاء الحنفية بالمريض مرض الموت في أحكامه كل من كان صحيحاً في حالة ‏يغلب فيها الهلاك عادة كالمحكوم عليه بالإعدام ولا أمل في براءته وحجز لتنفيذ الحكم عليه إذا ‏طلق زوجته بائناً وتوفي قبل تنفيذ الحكم عليه أو بعده قبل انتهاء عدة زوجته، ومن كان في ‏معركة حربية ووقف في الصف الأول للقتال أو في موضع الخطر، أو كان في سفينة اجتاحها ‏الأمواج من كل جانب، أو كان في بلد عمه الوباء القاتل إذا توفى في هذه الحالة.‏
يقول الحنفية: إن المريض مرض الموت ومن في حكمه إذا طلق زوجته طلاقاً بائناً ‏ومات قبل أن تنتهي عدتها ورثته، لأنه يعتبر فاراً من ميراثها فيعامل بنقيض مقصوده كالقاتل ‏لمورثه الذي حرمه الشارع من ميراثه، أما إذا توفيت هي في العدة فلا ميراث له منها لأنه فوت ‏على نفسه الميراث بهذا الطلاق لكنهم اشترطوا لاعتباره فاراً فراراً موجباً للإرث شروطاً إذا ‏تحققت ثبت لها الإرث، وإذا تخلفت كلها أو بعضها لم يكن فاراً فلا ميراث لها.‏
‏1- أن يكون الطلاق البائن بعد الدخول، فلو كان قبله فلا عدة عليها، وكذلك إذا طلقها بعد ‏الخلوة الصحيحة فإنه وإن وجبت به العدة لكن وجوبها للاحتياط محافظة على الأنساب، ‏والميراث حق مالي لا يثبت احتياطاً.‏
‏2- أن تكون الزوجة أهلاً للميراث من زوجها وقت طلاقها وتظل على ذلك إلى وفاته، ‏فلو لو تكن أهلاً للميراث وقت الطلاق، كأن كانت كتابية ثم أسلمت في عدتها قبل موته فلا إرث ‏حيث لا فرار، أو كانت أهلاً للميراث عند الطلاق ثم زالت تلك الأهلية. كأن كانت مسلمة عند ‏الطلاق ثم ارتدت عن الإسلام فلا ميراث أيضاً وإن رجعت إليه قبل وفاته، لأنها بردتها أسقطت ‏حقها في الميراث فلا يعود بإسلامها بعد ذلك، لأن الساقط لا يعود.‏
‏3- ألا تكون الزوجة راضية بهذا الطلاق، فلو تحقق رضاها بأن كانت هي التي سألته ‏الطلاق أو افتدت نفسها منه بالمال لا ترث، لأن رضاءها بالفرقة ينفي مظنة فراره من ميراثها.‏
ولو أكرهت على طلب الطلاق فأبانها أو طلبت منه طلاقاً رجعياً فأبانها كان فاراً ولها ‏الميراث ومثل ذلك لو قالت له: طلقني فأبانها لأنها طلبت مطلق الطلاق الذي ينصرف إلى ‏الرجعي فهي لم ترض بالبائن.‏
‏4- ألا يكون الزوج مكرهاً على هذا الطلاق، لأنه مع الإكراه لا يتحقق رضاه به فلا ‏يكون فاراً.‏
‏5- أن يموت في مرضه الذي أوقع الطلاق فيه وهي في العدة، فإذا انقضت عدتها قبل ‏وفاته فلا ميراث لها لانعام سببه.‏
وكما يتحقق الفرار من الميراث من الزوج يتحقق أيضاً من المرأة، وحينئذ تعامل ‏بنقيض مقصودها ويرثها الزوج إذا مات قبل انتهاء عدتها، كما إذا فسخ الزواج بسبب من جهتها ‏وهي مريضة مرض الموت أو في حكم المريضة، بأن فعلت مع أحد أصوله أو فروعه ما يوجب ‏حرمة المصاهرة أو كان الزوج فوض إليها الطلاق فأبانت نفسها في مرض موتها. لكنها لا ترثه ‏إذا مات في عدتها لأنها فوتت على نفسها حق الميراث بقطع وصلة النكاح.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:03 PM
الفَصل الرَّابع ‏
الإنابة في الطلاق



وهذه الإنابة نوعان: ‏
توكيل: وهو أن يقيم الزوج غيره مقام نفسه في تطليق امرأته وهو لا يكون إلا لأجنبي ‏سواء صدر بلفظ الوكالة أو غيرها كطلق امرأتي، لأن المرأة لا تكون وكيلة في تطليق نفسها ‏حيث إن الوكيل يعمل للغير، أما المرأة التي تطلق نفسها فهي عاملة لنفسها، فتوكيلها يكون ‏تفويضاً لها أي تمليكها الطلاق.‏
وتفويض: وهو تمليك الغير الطلاق، وهو يكون للزوجة بأي لفظ يفيده ولو كان بلفظ ‏الوكالة، ويكون للأجنبي إذا علق إنابته على مشيئة ذلك الغير كقوله له: طلق امرأتي إن شئت.‏
ومن هنا عرف فقهاء الحنفية تفويض الطلاق: بأنه تمليك الزوج زوجته حق تطليق نفسها ‏أو تمليك غيرها هذا الحق بلفظ يفيده كما إذا علقه على مشيئته.‏
والفرق بين التفويض والتوكيل يظهر في أمور: ‏
‏1- أن الزوج المفوض لا يملك الرجوع بعد التفويض، لأن تفويض الطلاق في معنى ‏إنشاء طلاق معلق على إرادة المفوض إليه واختياره، والمعلق من الطلاق كالمنجز لا يجوز ‏الرجوع عنه، فلو قال الزوج بعد التفويض: قد رجعت أو عزلتك لا يكون مانعاً للمفوض إليه من ‏إيقاع الطلاق، أما الموكل فيملك الرجوع وعزل الوكيل بالقول قبل أن يوقع الطلاق، وكذلك ‏بالفعل بأن يخالط امرأته مخالطة جنسية، فإذا قال أو فعل ذلك بطل التوكيل.‏
‏2- أن التفويض لا يبطل بجنون الزوج بخلاف التوكيل فإنه يبطل به حيث أن الوكيل ‏يعمل لموكله ويتصرف فيما يملكه، فإذا بطلت أهلية الموكل بطلت تصرفاته، فلم يبق للوكيل ‏سلطان يتصرف به.‏
‏3- أن التفويض يتقيد بالمجلس إذا كان مطلقاً عن التقييد بوقت معين أو بعمومه في جميع ‏الأوقات فإذا انتهى المجلس دون إيقاع الطلاق من المفوض إليه بطل التفويض، بخلاف التوكيل ‏فإنه لا يتقيد بالمجلس، فله أن يطلق في المجلس وبعده إلى أن يعزله الموكل إلا إذا قيده به.‏
‏4- إن التفويض يتم بعبارة المفوض ولا يحتاج إلى قبول من المفوض إليه، أما التوكيل ‏فلا بد لتمامه من القبول من الوكيل.‏
ومن هنا قالوا: إن المفوض يعمل بمشيئة نفسه وعلى حسب اختياره لأنه يملك ما فوض ‏فيه وله الخيار في الفعل وعدمه، والوكيل يعمل بمشيئة الموكل وعلى حسب ما يراه موكله فهو ‏مكلف أن يفعل ما وكل به وليس له اختيار أن يفعل وأن لا يفعل بعد قبوله الوكالة، وهو لا يكون ‏ممتثلاً إلا إذا فعل ما وكل به.‏
والملكية التي يفيدها التفويض ليست ملكية خالصة تنقل الحق من مالك إلى آخر، لأنها لا ‏تسلب الزوج حقه في التطليق، بل لا تزال ملكيته قائمة بعد التفويض لأن ملك الطلاق حكم من ‏أحكام الزواج وهو قائم فيبقى حقه في الطلاق قائماً، فله بعد أن يفوض الطلاق إلى غيره أن يطلق ‏زوجته فهو ليس تمليكاً محضاً كسائر التمليكات الأخرى بل لا يزال فيه شبه بالتوكيل، ولو قلنا ‏إنه وسط بين التمليك والتوكيل أو أنه خليط منهما لما بعدنا عن الحقيقة.‏
صيغة التفويض:‏
أكثر ما يكون التفويض للمرأة، وهو تمليك لها سواء كان بلفظ الوكالة أو بغيره.‏
وصيغة التفويض إما أن تصدر مطلقة عن التقييد أو مقيدة بوقت معين، كطلقي نفسك في ‏مدة شهر من الآن، أو مقترنة بما يفيد التعميم. كطلقي نفسك متى شئت، فإن كان مقيداً بوقت تقيد ‏به، فإذا مضى الوقت بطل التفويض فلا تملك تطليق نفسها بعد ذلك الوقت حتى ولو فوض إليها ‏وكانت غائبة ولم تعلم بالتفويض إلا بعد انتهاء مدته، وإن كان مقيداً بما يفيد الدوام ثبت على ‏الدوام. فلها أن تطلق نفسها في أي وقت ما دامت الزوجية قائمة ما لم ترده، وإن كان مطلقاً عن ‏التقييد بشيء منهما تقيد حقها بالمجلس إذا كانت حاضرة، وبمجلس علمها به إذا كانت غائبة، فإذا ‏انتهى المجلس انتهت معه ملكية المفوض إليه حق الطلاق، وكذلك بردها إياه وإعراضها عنه، ‏لأن التفويض تمليك، والتمليك يقتضي جواباً في المجلس كما في عقد الزواج، ولأن المأثور عن ‏الصحابة أنهم جعلوا الخيار للمخيرة مدة مجلسها ينتهي بانتهائه.‏
وقت التفويض: ‏
التفويض قد يكون بعد تمام عقد الزواج، وهذا صحيح إذا وقع ترتبت عليه آثاره بلا ‏خلاف، وقد يكون قبل العقد أو مقارناً له.‏
فإذا كان قبل العقد، كأن يقول الرجل للمرأة: إن تزوجتك فأمرك بيدك تطلقين نفسك متى ‏شئت ثم تزوجها، كان لها حق تطليق نفسها متى شاءت عند الحنفية، لأنهم يجوزون تعليق ‏الطلاق على الزواج، وهذا التفويض تعليق للطلاق على الزواج ومشيئتها الطلاق حيث لا فرق ‏بين قول الرجل إن تزوجتك فأنت طالق وقوله: إن تزوجتك فأنت طالق إن شئت.‏
وإذا كان مقارناً للعقد صح إذا صدر إيجاب عقد الزواج من المرأة مشروطاً بتفويض ‏الطلاق إليها وقبل الزوج ذلك، كأن تقول المرأة للرجل: تزوجتك على أن أطلق نفسي متى شئت ‏فيجيبها بقوله قبلت، فيصبح العقد ويكون لها حق تطليق نفسها متى شاءت، أما إذا بدأ الرجل ‏بالإيجاب مشروطاً بتفويض الطلاق إلى المرأة. كأن يقول لها: تزوجتك على أن تطلقي نفسك ‏متى شئت، وتقول له قبلت. فإنه يصح العقد ويبطل التفويض، لأنه فوض إليها الطلاق قبل أن يتم ‏العقد فيكون قد ملكها طلاقاً لم يملكه بعد، بخلاف الصورة الأولى فإن قبول الرجل كان للزواج ‏أولاً ثم للشرط المتضمن للتفويض ثانياً، فكان التفويض واقعاً بعد تمام العقد وبتمام العقد يملك ‏الطلاق فيقع تمليكه لها صحيحاً.‏
ألفاظ التفويض:‏
عدَّ الحنفية للتفويض إذا كان للزوجة ألفاظاً ثلاثة : طلقي نفسك وأمرك بيدك واختاري، ‏وهذه الألفاظ منها الصريح وهو اللفظ الأول، والكناية وهي الثاني والثالث. والصريح لا يحتاج ‏إلى نية لا من الزوج ولا من الزوجة عند إيقاعها الطلاق، وأما الكناية فلا يثبت بها التفويض إلا ‏مع النية أو ما يقوم مقامها من القرائن أو دلالة الحال، وكذلك لا يقع بها الطلاق من المفوض إليه ‏إلا بالنية أو ما يقوم مقامها، لأن الطلاق الذي يصدر من الزوجة بمقتضى التفويض يقع به ما ‏يوقعه الزوج، لأنه ملكها ما يملكه باللفظ الذي أصدر منه لها.‏
ولهذا قرروا أنه يقع بالصريح طلقة واحدة رجعية إلا إذا كان قبل الدخول وكان التفويض ‏في مقابلة مال فإنه يقع بائناً وإن كان مكملاً للثلاث وقعت به بينونة كبرى.‏
ويقع بالكناية طلاقاً بائناً لأنه لا يتم لها اختيارها لنفسها أو يكون أمرها بيدها إلا ‏بالبينونة، وإذا نوى به الثلاث وقع إذا كان بلفظ أمرك بيدك، أما في اختياري فلا تصح نية الثلاث ‏غير أنه يشترط في إيقاع الطلاق بلفظ اختاري أن يذكر الزوج أو المرأة أحد لفظين إما النفس أو ‏الاختيارة بأن يقول لها الزوج: اختاري نفسك أو يقول لها: اختاري فتقول: اخترت اختيارة، لأن ‏ذكر اختيارة يقوم مقام ذكر النفس، وكذلك لو قالت اخترت أبي أو أمي أو أهلي فإنه يقوم مقام ‏النفس فيقع به البائن، أما إذا قال لها اختاري فقالت اخترت لا يقع به شيء.‏
ما يملكه المفوض إليه بالتفويض:‏
وليس لها أن تطلق نفسها بالتفويض إلا مرة واحدة إلا إذا صدر التفويض بصيغة تدل ‏على التكرار، كأن يقول لها: طلقي نفسك كلما شئت، أو قال لآخر طلق زوجتي كلما شئت.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:04 PM
الفَصل الخامِس
الطلاق بعوض "الخلع":




شروط الخلع.‏
بدل الخلع وشروطه.‏
أحكام الخلع.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:06 PM
المبحث الأول
في التعريف بالخلع وتكييفه الفقهي




الخَلع بفتح الخاء يستعمل في الأمور الحسية كخلع ثوبه خلعاً أزاله عن بدنه، وفي الأمور ‏المعنوية كخلع الرجل امرأته خلعاً إذا أزال زوجيتها، وخلعت المرأة زوجها مخالعة إذا افتدت ‏منه.‏
والخلع بالضم يستعمل في الأمرين أيضاً لكن الخلاف في أنه حقيقة في إزالة الزوجية أو ‏مجاز باعتبار أن المرأة لباس للرجل وبالعكس "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن"، هذا وقد قال ‏الفقهاء: إن العرف خص استعمال الخلع بالفتح في إزالة غير الزوجية، والخلع بالضم في إزالة ‏الزوجية، وعرفه فقهاء الحنفية بأنه: إزالة ملك النكاح بلفظ الخلع أو ما في معناه نظير عوض ‏تلتزم به الزوجة.‏
وهذا التعريف يفيد أن الخلع عندهم لا يتحقق إلا إذا توفرت فيه الأمور الآتية:‏
‏1- أن يكون ملك المتعة قائماً حتى يمكن إزالته. بقيام الزوجية حقيقة أو حكماً، فإذا لم ‏تكن قائمة لا يتحقق كما لا يكون في النكاح الفاسد خلع لأنه لا يفيد ملك المتعة.‏
‏2- أن يكون بلفظ الخلع أو ما في معناه كالإبراء والافتداء، كأن يقول لها: خالعتك على ‏كذا أو بارأتك على كذا أي فارقتك على كذا، أو افتدي نفسك بكذا، وتقول المرأة: قبلت، ولو قال ‏لها: طلقتك على مائة مثلاً لم يكن خلعاً بل طلاقاً على مال، والخلع والطلاق على مال يختلفان في ‏بعض الأحكام فكان لابد من التمييز بينهما في الصيغة التي يقع بها كل منهما.‏
‏3- أن يكون في نظير عوض من جهة الزوجة سواء كان مالاً أو غير مال كما سيأتي ‏تفصيله فإن ذكر العوض فالأمر ظاهر، وإن لم يذكر بأن قال لها: خالعتك أو بارأتك فقط يرجع ‏إلى نيته فإن نوى به الخلع وقع وانصرف البدل إلى مهرها وتوقف على قبولها، وإن نوى به ‏الطلاق كان طلاقاً بائناً بدون توقف على قبول الزوجة، وإن لم ينو به شيئاً ولم توجد قرينة تدل ‏على إرادة أحدهما لا يقع به شيء.‏
‏4- رضا الزوجة به إذا صدر من الزوج، ورضا الزوج إذا صدر من الزوجة، لأنه ليس ‏إسقاطاً محضاً كما في الطلاق المجرد بل فيه معنى المعارضة وبخاصة من جهة المرأة، فلو ‏صدر من الزوج ولم تقبل الزوجة لا يقع به شيء، وكذلك لو قالت المرأة خالعني على مائة مثلاً ‏ولم يقبل الزوج.‏
أبو حنيفة يرى أن الخلع يعتبر يميناً من جانب الزوج لأن الزوج الذي يقول لزوجته ‏خلعتك على مائة دينار يكون هذا القول منه تعليقاً للطلاق على قبولها دفع المائة، وكأنه قال لها : ‏إن دفعت مائة دينار خلعتك، والتعليق يسمى يميناً في اصطلاح الفقهاء، ولهذا يأخذ الخلع أحكام ‏اليمين بالنسبة للزوج، ويكون معوضة من جهة المرأة، لأنها بقبولها التزمت بما أوجبه الزوج في ‏نظير افتداء نفسها وخلاصها من قيود الزوجية، وكأنها قالت رضيت أن اشتري عصمتي منك ‏بهذا البدل غير أنها ليست معاوضة خالصة بل لها شبه بالتبرعات لأن المعاوضات الخالصة ‏يكون كل من البدلين مالاً أو شيئاً يقوم بالمال، وما يخلص للمرأة في نظير المال ليس إلا خلاص ‏نفسها وهو ليس بمال ولا في حكم المال، ولهذا يأخذ الخلع أحكام المعاوضات بالنسبة للزوجة.‏
وقد انبنى على اعتبار الخلع يميناً من جانب الزوج الأحكام الآتية:‏
‏1- إذا صدر إيجاب الخلع من جانب الزوج بأن قال لها: خالعتك على مائتي دينار فليس ‏له أن يرجع عن هذا الإيجاب قبل قبول الزوجة، لأن قوله في معنى تعليق الطلاق، والطلاق ‏المعلق كالمنجز لا يصح الرجوع عنه.‏
‏2- إنه لو قام من المجلس الذي أوجب الخلع فيه قبل قبول الزوجة لا يبطل إيجابه فلو ‏قبلت في مجلسها بعد قيامه تم به الخلع لأنها مقيدة بمجلسها هي، ولأن قيامه يعتبر رجوعاً عن ‏الإيجاب دلالة، وإذا لم يملك الرجوع صراحة لا يملكه دلالة من باب أولى.‏
‏3- يجوز للزوج أن يعلق الخلع على أمر سيحدث في المستقبل أو يضيفه إلى زمن ‏مستقبل. كأن يقول لها: إن تزوجت عليك فقد خالعتك على كذا، أو خالعتك على كذا غداً فقبلت ‏عند تحقق الشرط أو مجيء الغد تم الخلع، أما إذا قبلت قبل تحقق الشرط أو مجيء الوقت ‏المضاف إليه يكون قبولها لغواً، لأن التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت إيجاب عند وجود ‏الشرط والوقت.‏
‏4- لا يجوز له أن يشترط الخيار لنفسه في الخلع، كأن يقول لها: خالعتك على كذا على ‏أنى بالخيار ثلاثة أيام، لأن الخلع يمين من جانبه والخيار لا يكون في الأيمان لأنه لا يملك ‏الرجوع فيها، أو أنه إسقاط من جانبه والإسقاطات لا تقبل الخيار.‏
وانبنى على اعتباره معاوضة من جانب الزوجة الأحكام الآتية:‏
‏1- أن الزوجة لو ابتدأت بالإيجاب في الخلع جاز لها أن ترجع عنه قبل قبول الزوج، لأن ‏الإيجاب في المعاوضات يصح فيه الرجوع قبل قبول الطرف الآخر.‏
‏2- إذا ابتدأت هي بالمخالعة تقيدت بالنظر إلى كل منهما، فلو قام أحدهما من المجلس قبل ‏تمام الخلع بطل، فإذا قامت قبل قبول الزوج بطل إيجابها، لأن المجلس قد انتهى بقيامها حيث ‏تبطل المعاوضات بتفرق المتعاقدين، وكذلك يبطل إيجابها بقيامه قبل قبوله بهذا المعنى، وإذا ابتدأ ‏بالإيجاب كان عليها القبول في المجلس إن كانت حاضرة، وفي مجلس علمها بالخلع إن كانت ‏غائبة، فلو قامت منه ثم قبلت لا يتم الخلع لأن هذا شأن المعاوضات.‏
‏3- لا يجوز لها أن تعلق الخلع على شرط أو تضيفه إلى زمن مستقبل، لأن المعاوضات ‏لا تقبل واحداً منها.‏
‏4- يجوز لها أن تشترط لنفسها الخيار سواء كانت هي الموجبة، كأن قالت: اختلعت منك ‏بكذا ولي الخيار ثلاثة أيام، أو كانت قابلة: كأن قال لها: خالعتك على كذا. فقالت قبلت ولي الخيار ‏ثلاثة أيام. وفي كلتا الحالتين لها أن ترفض الخلع في تلك المدة أو تقبله فيها فإن رفضته بطل ‏الخلع ولا يلزمها البدل، وإن قبلته فيها أو مضت المدة بدون قبول أو رفض تم الخلع ولزمها البدل ‏عند الإمام. وكذلك لو شرط لها الخيار وقبلته. هذا ما يترتب على كون الخلع من جانبها معاوضة، ‏أو كونها تشبه التبرعات فيترتب عليها أنه لا بد أن تكون من أهل التبرعات بأن تكون بالغة عاقلة ‏غير محجور عليها.‏
هل يجوز الرجوع عندهم؟
إذا صدر الإيجاب منه لا يصح له الرجوع عنه في كل من الخلع والمبارأة قبل قبول ‏الزوجة، ولا يبطل بقيامه من المجلس قبل قبولها ولكنه يبطل بقيامها منه، أو إعراضها عنه، وإذا ‏بطل لا يترتب عليه أثر إلا إذا ذكر لفظ الطلاق معه فإنه يقع به الطلاق دون أن يلزمها البدل لأنه ‏أصبح طلاقاً مجرداً بإعراضها عنه.‏
أما إذا صدر الإيجاب منها فلها الرجوع عنه قبل قبول الزوج لما فيه من معنى ‏المعاوضة منها، وإذا تم الخلع كان لازماً بالنسبة للزوج ليس له أن يرجع عنه ابتداء، وغير لازم ‏بالنسبة لها فلها أن ترجع في البدل ما دامت في العدة، بشرط أن يعلم برجوعها قبل انقضاء ‏عدتها، فإذا رجعت كان لزوجها أن يرجع تطليقها بشرط ألا يكون تزوج بأختها أو برابعة، فإذا ‏رجع عادت زوجتيه لها كما كانت، وإن لم يرجع بقي الطلاق، ولكن هل يبقى بائناً أو يصير ‏رجعياً؟ رأيان عند الحنفية:‏
أولهما: يبقى بائناً لأنه حين وقع وقع بائناً فلا يتغير ببطلان العوض.‏
وثانيهما: أنه يتحول إلى طلاق رجعي لأن الأصل في الطلاق أن يكون رجعياً ما لم ‏يوجد ما يجعله بائناً كالعوض مثلاً. وهنا وقع بائناً لوجود العوض أولاً، فإذا بطل العوض عاد ‏الطلاق إلى أصله وهو الرجعي.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:07 PM
المبحث الثالث
في شروط الخلع



يشترط في الزوج أن يكون أهلاً لإيقاع الطلاق. بأن يكون بالغاً عاقلاً. فكل من لا يصح ‏طلاقه لا يصح منه الخلع، لأن من جاز تطليقه بلا عوض جاز تطليقه بعوض بطريق الأولى، فلا ‏يصح الخلع من الصبي والمجنون والمعتوه. ومن اختل عقله بسبب المرض أو كبر السن، ‏ويشترط في المختلعة أن تكون محلاً للطلاق وأهلاً للتبرع إذا كانت هي الملتزمة ببدل الخلع بأن ‏تكون بالغة عاقلة رشيدة غير محجور عليها، لأن الخلع بالنسبة إليها معاوضة فيها شبه ‏بالتبرعات، وأن تكون راضية غير مكرهة عليه عالمة بمعنى الخلع فإن كانت غير عربية ولقنها ‏زوجها بالعربية كلمات: اختلعت منك بالمهر ونفقة العدة فقالت هذه الكلمات وهي لا تعرف ‏معناها وقبل الزوج طلقت طلاقاً بائناً ولا شيء له من البدل.‏
خلع من لم تتوافر فيها الشروط لعدم الأهلية أو نقصانها أو الحجر عليها للسفه أو ‏الإكراه، لكل واحدة من هؤلاء أحكام خاصة، وإليك بيانها:‏
خلع عديمة الأهلية كالصغيرة غير المميزة والمجنونة.‏
إذا تولت الخلع بنفسها فالخلع باطل لا يترتب عليه أي أثر، لأنه علق خلعها على قبولها. ‏وهو غير معتبر فلم يتحقق الشرط الذي علق عليه الطلاق، أما إذا تولى أبوها الاتفاق مع الزوج ‏على خلعها أو طلاقها في نظير مال التزم به فيقع الطلاق بائناً في الحالتين، لأن الزوج علقه على ‏قبول الأب وقبوله معتبر هنا، ويلزمه المال للزوج، ولا يسقط بهذا الخلع شيء من حقوق الزوجة ‏التي تسقط بالخلع عند أبي حنيفة.‏
أما إذا قبل الأب الخلع أو الطلاق على مال ولكنه لم يلتزم دفع البدل من مال نفسه بل ‏أضافه في قبوله إلى مال ابنته وقع الطلاق في الخلع بائناً وفي الطلاق على مال رجعياً، لأنه علق ‏على قبوله وقبوله معتبر على أصح الروايتين عند الحنفية ولا يلزم المال لا الأب لأنه لم يلتزم به ‏ولا الصغيرة لأن الأب أضافه إلى مال لا يملك التبرع منه.‏
خلع ناقصة الأهلية كالصغيرة المميزة:‏
إذا تولت الخلع بنفسها وهي تفهم معنى الخلع وآثاره وقبلت ذلك وقع عليها طلاق بائن، ‏لأنه علقه على قبولها وما دامت مميزة فقبولها معتبر في حق وقوع الطلاق وإنما وقع بائناً لأنه ‏كناية والكنايات يقع بها البائن.‏
ولذلك قالوا: إذا طلقها على مال وقبلت وقع به رجعياً إن كانت مدخولاً بها ولم يكن ‏مكملاً للثلاث لكونه صريحاً، ولا يلزمها البدل في الحالين لأنها ليست من أهل التبرع. ومثلها في ‏ذلك السفيهة المحجور عليها يصح خلعها ويقع عليها الطلاق ولا يلزمها المال. وإذا تولى الخلع ‏أبو الصغيرة المميزة أو القيم على المحجور عليها فحكمه على التفصيل السابق في عديمة ‏الأهلية.‏
خلع المكرهة:‏
إذا أكرهت الزوجة على الخلع لا يلزمها المال، لأن الالتزام بالمال مع الإكراه غير ‏صحيح بالإتفاق، أما الطلاق فيقع عليها لأنه علق على مجرد قبولها وقد وجد منها القبول ويقع به ‏طلاق بائن عند الحنفية.‏
خلع الأجنبي:‏
إذا باشر الخلع أجنبي ليس وكيلاً عن الزوجة ولا ولاية له عليها فإن أضاف البدل إلى ‏نفسه بحيث يفهم منه التزامه به، كأن يقول للزوج: أخلع زوجتك على مائة دينار من مالي مع ‏الخلع ووقع به الطلاق وكان البدل على ذلك الملتزم، وإن لم يضفه إلى نفسه فإن أضافه إلى غيره ‏بأن قال: أخلعها على كذا يلتزم به فلان فإنه يتوقف على إجازة من أضافه إليه. فإن أجازه صح ‏الخلع ووقع الطلاق ولزمه المال ولا دخل للزوجة في هاتين الحالتين فلا يشترط رضاها، لأنه ‏يشترط عندما تكون هي الملتزمة بالبدل، والطلاق من الحقوق التي يستقل بها الزوج، وإن لم ‏يضف البدل إلى أحد توقف الخلع على قبول الزوجة لأنها الأصل في الخلع، فإن قبلت صح ‏ولزمها البدل، وإذا لم تقبل لم يلزمها المال، أما الطلاق ففيه رأيان في المذهب الحنفي.‏
خلع المريضة مرض الموت:‏
إذا خلع الزوج زوجته وهي مريضة مرض الموت كان خلعه صحيحاً يقع به الطلاق ‏البائن ويثبت به البدل، وكذلك لو طلقها على مال وقبلت، غير أن هذا البدل لما كان شبيهاً بالتبرع ‏وهو في هذه الحالة يأخذ حكم الوصية لتعلق حق الورثة والدائنين بالتركة من أول المرض الذي ‏كان سبباً للموت فلا ينفذ إلا في حدود ثلث التركة، لأنها لا تملك التبرع بأكثر من الثلث، فإن ‏ماتت الزوجة في مرضها أثناء عدتها، فالحنفية يوجبون للزوج الأقل من أمور ثلاثة: بدل الخلع، ‏وثلث التركة، ونصيبه من الميراث، لو افترض بقاء الزوجية وورثها بالفعل، وإنما وجب له أقل ‏هذه الأمور الثلاثة احتياطاً ومحافظة على حقوق ورثتها لاحتمال أن يكون الزوجان قد اتفقا على ‏الخلع في هذا المرض ليحصل الزوج على أكثر من نصيبه في الميراث لو بقيت زوجيته إلى ‏وقت وفاتها، وفي هذه الحالة لا يجوز لها أن تحابيه بطريق التبرع لأنه وصية وهي لا تجوز ‏للوارث عند الجمهور ولا تنفذ عند الحنفية إلا بإجازة باقي الورثة. أو يحصل على أكثر مما يمكن ‏لها أن تعطيه له بطريق الوصية لو كان غير وارث بأن انقطعت الزوجية قبل وفاتها لتوقف نفاذ ‏الوصية بما زاد على الثلث على إجازة باقي الورثة. فلو وجب كل البدل لأمكن أن يأخذ أكثر مما ‏يستحقه بطريق الميراث لو كان وارثاً ومن ثلث التركة بطريق الوصية لو لم يكن وارثاً، فمعاملة ‏لهما بنقيض مقصودهما وجب له أقل هذه الأمور الثلاثة، وإن ماتت في مرضها بعد انقضاء ‏عدتها يجب له الأقل من بدل الخلع ومن ثلث تركتها لأن احتمال الإرث منتف في هذه الحالة ‏لانقطاع كل آثار الزوجية التي هي سبب الميراث، ولم يبق إلا احتمال محاباته بأكثر مما يستحق ‏بطريق الوصية وهو الثلث، وإن ماتت بعد أن شفيت من مرضها الذي حصل فيه الخلع استحق ‏الزوج الخالع بدل الخلع كله لظهور أن الخلع تم في حالة الصحة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:09 PM
المبحث الرابع
بدل الخلع وشروطه




تحت هذا العنوان نتكلم عن أمور ثلاثة:‏
أولها: ما يصح أن يكون بدلاً للخلع وما يشترط فيه.‏
ثانيهما: هل يشترط أن يكون مذكوراً في المخالعة؟.‏
ثالثها: حكم أخذ الزوج لذلك البدل في الأحوال المختلفة.‏
ما يصح أن يكون بدلاً للخلع وشروطه:‏
كل ما صح أن يكون مهراً صح أن يكون بدلاً في الخلع ولا تقدير فيه باتفاق الحنفية، ‏فيصح أن يكون من النقدين أو العقار أو المنقول، كما يصح أن يكون ديناً في ذمة الزوج، أو ‏منفعة تقوم بالمال، كما يصح أن يكون الخلع على إرضاع ولدها منه مدة معينة، أو على حضانته ‏المدة المقررة لها دون أن تأخذ منه نفقة عليها، أو على أن تقوم بالإنفاق عليه مدة معينة وعليها ‏الوفاء بذلك، فإن امتنعت عن القيام بما التزمته أو عجزت عن الوفاء به، أو خرجت عن أهلية ‏الحضانة، أو مات الطفل قبل انتهاء مدة الرضاعة أو الحضانة المتفق عليها كان لمن خالعها ‏الرجوع عليها بما يقابل المدة الباقية، لكنها لا تدفعه إليه أقساطاً، كما كان يستحق عليها لو وفت ‏به المدة كلها.‏
كما أن له الرجوع على ورثتها لو ماتت قبل الوفاء بما التزمته إلا إذا شرطت عليه ألا ‏يرجع عليها بشيء إذا مات الولد أثناء مدة الرضاعة أو الحضانة، وإذا كانت الزوجة التي خالعت ‏على نفقة ولدها معسرة لا تستطيع الإنفاق جاز لها أن تطالب الزوج بالإنفاق من ماله، ويجبر ‏على إجابة طلبها، وكان ذلك ديناً عليها إذا أيسرت، لأن النفقة حق الولد، وهي في الأصل واجبة ‏على الأب، ولكنها انتقلت إلى الأم لما جعلتها بدلاً في خلعها، فإذا عجزت قام الأب مقامها إحياء ‏للولد من الهلاك وليس في ذلك ضرر به لأنه سيرجع عليها بالنفقة عند ميسرتها.‏
الشروط في بدل الخلع:‏
يشترط في بدل الخلع إذا كان مالاً: أن يكون متقوماً، فإذا كان غير متقوم لم يلزم الزوجة ‏شيء ويقع الطلاق البائن عند الحنفية.‏
وصح عند الحنفية وانصرف البدل إلى مهرها إذا لم يمكن تقديره، فإن أمكن وجب ‏المذكور في العقد، وهذا نظير ما لم يذكر بدلاً واللفظ ينبيء عن إيجاب البدل، ووجهه أن الخلع ‏طلاق، وفي الطلاق معنى الإسقاط، لأنه يؤدي إلى إسقاط حق الزواج في المتعة والإسقاطات ‏يدخلها المسامحة، كما يشترط في بدل الخلع ألا يكون فيه عدوان على حق الشارع أو على حق ‏الغير، فإن كان فيه ذلك وجب البدل في حدود ما لا يتضمن العدوان.‏
فلو خالعها على ألا نفقة لها ولا سكنى صح البدل في النفقة دون السكنى، لأنها حق ‏الشارع عند الحنفية، لما لم يوجبوا لها السكنى فذكرها عندهم وعدم ذكرها سواء، ولو خالعها ‏على أن تبقى حضانتها للصغير إلى وقت بلوغه لم يصح البدل إلا آخر مدة الحضانة المقررة ‏شرعاً وبطل في الباقي، لأن الصغير بعد فترة الحضانة محتاج إلى التربية والتعليم والتخلق ‏بأخلاق الرجل وبقاؤه في حضانة أمه إلى وقت البلوغ عدوان ضار به يجب رفعه شرعاً.‏
ولهذا قرر فقهاء الحنفية أن الخلع إذا وقع على حضانة الصغيرة إلى البلوغ صح البدل ‏في المدة كلها، وعللوا ذلك بأن بقاءها في حضانة أمها بعد سن الحضانة المقررة شرعاً لا يضر ‏بها لأنها محتاجة إلى أن تعرف آداب النساء وتتعلم شئونهن وتتخلق بأخلاقهن، والنساء أقدر على ‏ذلك من الرجال.‏
أخذ الزوج البدل ومتى يحل والمقدار الذي يحل أخذه؟
عرفنا أن الخلع مشروع عندما يقع النزاع بين الزوجين المؤدي إلى الشقاق بينهما الذي ‏يخافا معه ألا يقيما حدود الله كما هو صريح القرآن.‏
لكن هذا الشقاق قد يكون المتسبب فيه الزوج وحده، وقد يكون سببه من قبل الزوجة، وقد ‏يكون منهما معاً، وحل أخذ البدل يختلف باختلاف هذه الأحوال، فإن كان من قبل الزوج فلا يحل ‏له أخذ شيء من الزوجة في نظير فراقها لقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ ‏وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ ‏أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21].‏
فهذا النص الكريم ينهي الزوج عن أخذ شيء مما أعطاه للزوجة عند إرادة الاستبدال، ‏وهذا طبعاً لا يكون إلا عندما تكون الكراهة منه وحده، وأكد النهى بما جاء في آخره {أتأخذونه ‏بهتاناً وإثماً مبيناً}، وقوله تعالى: {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ ‏بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: 19]، فإنه نهى الأزواج عن عضل الزوجات بإلحاق الأذى بهن ليكون ‏وسيلة إلى أخذ بعض المهر، لكنه استثنى حالة الإتيان بفاحشة مبينة - التي فسرت بالزنا أو ‏بالنشوز - فأباح فيها الأخذ، وهذا يقتضي أن الأخذ عند عدم السبب منها حرام.‏
وهنا يقرر جمهور الفقهاء، أن هذا هو حكم الديانة بينه وبين الله المعبر عنه بالحل ‏والحرمة، أما في القضاء فيجوز له الأخذ بناء على حكم القاضي به. لأن الزوج أسقط حقه في ‏نظير عوض رضيت به الزوجة وهو من أهل الإسقاط وهي من أهل المعاوضة، أما إذا كان ‏السبب من قبلها وحدها أو اشتركا فيه فيحل له أخذ البدل، لقوله تعالى: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا ‏مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ ‏عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} ‏‏[البقرة: 229].‏
فهذه الآية نفت الجناح عن الزوج في أخذ الفداء، وعن الزوجة في الإعطاء في حالة ‏خوفهما ألا يقيما حدود الله، وهذا الخوف يكون عندما تكون الكراهة من المرأة وحدها، أو منهما ‏معاً.‏
وإذا حل له البدل في هذه الحالة: فهل يتقيد بمقدار المهر أو تجوز الزيادة؟ ‏
في المذهب الحنفي روايتان:‏
أولاهما: أن أخذ الزيادة جائز لا شيء فيه لإطلاق الآية السابقة {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ‏افْتَدَتْ به} فإنها رفعت الجناح عنهما في الأخذ والعطاء من الفداء من غير فصل بين ما إذا كان ‏المعطى مساوياً للمهر أو زائداً عليه، ولأن الخلع معاوضة، والبدل فيها يرجع إلى تراضى ‏الطرفين، وحينما أعطت الزيادة أعطتها من مالها بطيب من نفسها. وقد قال تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ ‏لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4].‏
وثانيتهما: أن أخذ الزيادة مكروه للآية السابقة، فإن قوله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ‏افْتَدَتْ به} رفع الجناح عنهما فيما افتدت به من المهر، لأن آخر الآية مردود إلى أولها، وأول ‏الآية ينهى الأزواج عن أن يأخذوا من الزوجات شيئاً مما أتوهن من المهور، واستثنى من الأخذ ‏في حالة خوفهما ترك إقامة حدود الله، فكان المراد من قوله فيما افتدت به أي مما آتاها، ويؤيد ‏ذلك ما جاء في حديث قصة امرأة ثابت بن قيس بن شماس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏لها: "أتردين عليه حديقته" فقالت: نعم وزيادة، قال: "أما الزيادة فلا"، نهى عن الزيادة مع كون ‏النشوز من قبلها، وقد عرضت الزيادة بطيب من نفسها.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:10 PM
المبحث الخامس ‏
أحكام الخلع



يترتب على الخلع آثار بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه:‏
فاتفق الفقهاء على ما يلي:‏
‏1- أنه يقع به طلاق بائن.‏
‏2- أنه لا يتوقف على قضاء القاضي ككل طلاق يقع من الزوج.‏
‏3- أنه لا يبطل بالشروط الفاسدة، كأن تشترط أن تكون لها حضانة الطفل ولو تزوجت ‏بغير ذي رحم محرم منه، أو أن تسقط حضانتها له، فالشرط يبطل وحده ويصح الخلع.‏
‏4- يجب به ما اتفقا عليه من البدل قليلاً كان أو كثيراً، ولا يسقط به شيء من الديون أو ‏الحقوق التي لأحد الزوجين على الآخر مما لا يرتبط بعقد الزواج كثمن مبيع أو وديعة وغيرها.‏
واختلف الفقهاء في الحقوق التي ترتبط بالزواج ولم تذكر في الخلع ضمن الاتفاق:‏
فأبو حنيفة يسقط به كل حق ثابت بالفعل لكل من الزوجين على الآخر. كالمهر والنفقة ‏المتجمدة للزوجة سواء أكان الخلع بهذا اللفظ أو كان بلفظ المبارأة. لأن المقصود بالخلع قطع ‏الخصومة والمنازعة بين الزوجين، وهذا لا يتحقق إلا بإسقاط كل حق يتعلق بالزواج، فليس ‏للزوجة أن تطالب بمهرها الذي لم تقبضه، ولا بالنفقة المتجمدة لها، وليس للزوج أن يطالبها ‏بالمهر الذي قبضته إلا إذا كان الخلع واقعاً عليه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:11 PM
البَاب الثاني
‏ التفريق بين الزوجين بواسطة القضاء

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:12 PM
الفَصل الأول
في التفريق لعدم الإنفاق‏




إذا لم تحصل الزوجة على نفقتها الواجبة بسبب من قبل الزوج كعسره أو امتناعه عن ‏الإنفاق، فإن كان له مال ظاهر أو عند شخص آخر، وأثبتت الزوجة ذلك بأي وسيلة لم يكن لها ‏طلب التفريق بهذا السبب لإمكان حصولها على حقها.‏
أما إذا لم تتمكن من الحصول عليه لعسره أو لغيبته التي لا يعلم معها مكان ماله، أو ‏لامتناعه عن الإنفاق مع قدرته، فهل يكون لها حق طلب التفريق في هذه الحالة؟
اختلف الفقهاء في ثبوت هذا الحق لها، ‏
ذهب الحنفية إلى عدم ثبوته، بل لها أن تطلب من القاضي الإذن لها بالاستدانة عليه إن ‏كان معسراً أو غائباً، وجبره على الإنفاق إن كان ممتنعاً عن الإنفاق وتهديده بالحبس أو بالتعزيز ‏إن لم يفعل.‏
وذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أنَّ للزوجة حق طلب التفريق، وعلى ‏القاضي إجابتها لطلبها متى ثبتت صحة دعواها، على اختلاف بينهم في التفصيلات.

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:14 PM
الفَصل الثّاني
في التفريق للعيب




اتفق الفقهاء على أنَّه ليس كل عيب يصلح سبباً لطلب التفريق بل العيوب التي تخل ‏بالمقصود الأصلي من الزواج، أو يترتب عليها ضرر لا يحتمله الطرف الآخر اختلفُوا في أمور:‏
الأول: من يثبت له هذا الخيار. أهو كل من الزوجين أم الزوجة وحدها؟
فذهب الحنفية إلى أنه يثبت للزوجة فقط، لأن الزوج يستطيع دفع الضرر عن نفسه ‏بالطلاق الذي ملكه الله إياه، ولا داعي لرفع الأمر للقضاء لما فيه من التشهير بالمرأة أما الزوجة ‏فلا تملك الطلاق فيتعين إعطاؤها حق طلب التفريق لتدفع به الضرر عن نفسها.‏
وذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أن هذا الحق يثبت لكل من الزوجين ‏فيجوز للزوج طلب التفريق إذا وجد بزوجته عيباً يمنع الاتصال الجنسي كالرتق والقرن والعفل ‏والإفضاء(1) أو وجدها مجنونة أو بها جذام أو برص، لأنه يتضرر بذلك ولا يستطيع معاشرتها ‏مع وجود تلك العيوب كما يثبت لها هذا الحق إذا وجدت بزوجها عيباً.‏
الثاني: في عدد العيوب الموجبة للتفريق:‏
فذهب الحنفية في رواية إلى أنها العيوب التي تمنع التناسل وهي ثلاثة: أن يكون الرجل ‏عنيناً أومجبوباً او خصياً(2). لأن الغاية من الزواج حفظ النسل، فإذا لم يكن الزوج صالحاً ‏للتناسل استحال تحقيق المقصود من العقد أما غير هذه العيوب فهي لا تمنع تحقق هذا المقصود ‏ويكفي تحققه في الجملة.‏
وزاد في رواية أخرى ثلاثة عيوب أخرى وهي : الجنون والجذام والبرص.‏
والأئمة الثلاثة وافقوا الحنفية وزادوا غيرها.‏
فعدها المالكية ثلاثة عشر بعضها خاص بالرجل وبعضها خاص بالمرأة، وبعضها ‏مشترك بينهما.‏
وزاد الحنابلة عيوباً أخرى.‏
الثالث: في نوع التفريق الواقع بالعيب. هل هو فسخ أو طلاق؟
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه طلاق بائن، لأن فعل القاضي يضاف إلى الزوج فكأنه ‏طلقها بنفسه، وإنما جعل بائناً لأن المقصود منه دفع الضرر عن المرأة ولا يحصل ذلك إلا ‏بالطلاق البائن.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه فسخ، لأن الفرقة جاءت من قبل الزوجة.‏
أما إذا كان العيب في الزوج فظاهر، وأما إذا كان فيها والزوج هو الذي طلب التفريق ‏فقد كانت السبب في طلبه، والفرقة إذا جاءت من قبل الزوجة تعتبر فسخاً لا طلاقاً ويظهر أثر ‏هذا الخلاف في نقصان عدد الطلاق به إذا جعل طلاقاً، وعدم نقصانه به إن كان فسخاً، وفي ‏وجوب نصف المهر لها إذا كان قبل الدخول وعدم وجوبه.‏
الرابع: ذهب المالكية والشافعية إلى أن هذا الحق يثبت لصاحبه على الفور بمجرد العلم ‏به
‏(1) الرتق: انسداد موضع الاتصال الجنسي سواء كان الانسداد بعظم أو بغدة لحم، والقرن: شيء ‏يبرز في هذا الموضع كقرن الشاة يمنع من الاستعمال، والعفل: لحم يبرز من موضع الاتصال ‏يشبه الأدرة للرجل، والإفضاء: اختلاط المسلكين بالمرأة.‏
‏(2) العنين: من له آلة صغيرة أو كبيرة لا يستطاع المخالطة بها، والمجبوب: مقطوع الذكر ‏والخصيتين، والخصي: مقطوع الأنثيين فقط، وقيد الشافعية كونه عيباً بما إذا كان لا ينتصب.‏
فيسقط بسكوته عنه فترة من الزمن يستطيع فيها رفع الأمر إلى القاضي.‏
وذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه ثابت على التراخي فلا يسقط بمجرد السكوت بل لابد من ‏الرضى به صراحة أو دلالة.‏
حتى لو رفعت الدعوى ثم تركتها مدة لا يسقط حقها ويكون لها رفعها من جديد إلا إذا ‏خيرها القاضي بعد ثبوت حقها في التفريق وسكتت فإنه يسقط حقها لأن عليها الاختيار في مجلس ‏التخيير.‏
الخامس: هل يشترط فيمن يطلب التفريق بالعيب أن يكون خالياً من العيوب أو لا يشترط ‏ذلك؟
من الفقهاء من جعله شرطاً كالحنفية، ومنهم من لم يجعله شرطاً كالمالكية والشافعية.‏
ما يتبع في طلب التفريق والتأجيل:‏
إذا طلبت الزوجة التفريق بسبب العنة أو الخصاء فادعت أنه لم يصل إليها لهذا العيب ‏فإن اعترف الزوج بما تدعيه وصدقها في دعواها أجله القاضي سنة سواء كانت المرأة عند ‏الزواج بكراً أو ثيباً، فإن انتهت السنة وأصرت الزوجة على طلبها لأنه لم يصل إليها وصدقها ‏الزوج في عدم الوصول أمره أن يطلقها فإن لم يفعل طلقها عليه، وإن أنكر دعواها فإن كانت ‏الزوجة حين العقد عليها ثيباً فالقول قوله مع يمينه لأنه ينكر استحقاقها الفرقة وهي تدعيها ‏والظاهر يشهد له، لأن الأصل في الإنسان السلامة من العيوب، فإن حلف رفضت دعواها، وإن ‏نكل عن اليمين اعتبر مصدقاً لها في دعواها أجله سنة كما إذا اعترف من أول الأمر.‏
وإن كانت بكراً حين العقد عين القاضي امرأتين من الموثوق بهن للكشف عليها، فإن ثبت ‏أنها ثيب فالقول قوله مع يمينه حتى لو ادعت أنه أزال بكارتها بغير المخالطة لما قلنا إن الظاهر ‏يشهد له فيحلف أنه أزال بكارتها بالمخالطة.‏
وإن تبين أنها لا تزال بكراً أجله سنة، فإن مضت السنة وعادت تدعي عدم الوصول يعاد ‏الكشف عليها فإن وجدت بكراً أمره بالطلاق فإن طلقها انتهت المسألة، وإن امتنع عن الطلاق ‏طلقها القاضي عليه.‏
وإن وجدت ثيباً فالقول قوله مع اليمين فإن حلف رفضت دعواها، وإن نكل عن اليمين ‏كان مصدقاً لها وخيرها القاضي بين البقاء معه أو التفريق فإن اختارت التفريق في المجلس طلب ‏منه أن يطلقها فإن لم يفعل طلقها عليه.‏
ولو قامت بدون اختيار اعتبرت متنازلة عن دعواها حتى ولو أقامها أعوان القاضي من ‏المجلس لأنه يمكنها الاختيار بكلمة بسيطة.‏
وإنما وجب التأجيل بهذين العيبين دون غيرهما، لأن عدم وصول الزوج إلى زوجته مع ‏أحدهما يحتمل أن يكون لعيب مستحكم من أصل الخلقة فيكون سبباً للتفريق، ويحتمل أن يكون ‏لأمر عارض يزول بمرور الزمن فلا يكون سبباً موجباً للتفريق، ولا يستطيع الأطباء القطع ‏بأحدهما فيؤجل سنة للوقوف على حقيقته، لأن الأمر العارض قد يزول في فصل من فصول ‏السنة، وإذا حكم القاضي بالتفريق بينهما بعيب من العيوب كان طلاقاً بائناً ووجب عليها العدة ‏احتياطاً ويجب لها كل المهر في العنة والخصاء بإتفاق أئمة المذهب لأنه تفريق بعد خلوة ‏صحيحة، أما إذا فرق بينهما بسبب الجب فيجب لها كمال المهر أيضاً عند الإمام ويجب لها ‏نصف المهر في قول عند الحنفية، لأن الخلوة جعلت كالدخول في العنة والخصاء لاحتماله ‏معهما، أما المجبوب فلا يتصور منه دخول فلا تكون خلوته موجبة تمام المهر.‏
والطلاق الواقع هنا طلاق بائن لأنه طلاق قبل الدخول حقيقة، ولأنه لا يرتفع الضرر ‏عنها إلا به.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:15 PM
الفَصْلُ الثَّالِث
في التفريق للضرر‏




يراد بالضرر هنا ما يلحقه الزوج بزوجته من أنواع الأذى التي لا تستقيم معها العشرة ‏الزوجية كضربه إياها ضرباً مبرحاً وشتمها شتماً مقذعاً، وإكراهها على فعل ما حرم الله، ‏وهجرها لغير التأديب مع إقامته في بلد واحد معها أو أخذ مالها وما شاكل ذلك.‏
فإذا حدث ذلك فهل للزوجة أن تطلب أو لا؟
اختلف الفقهاء في ذلك بناء عل اختلافهم في المراد بآية بعث الحكمين وصحة بعض ‏الآثار عن فقهاء الصحابة.‏
فذهب الحنفية والشافعي في أحد قوليه وأحمد في إحدى الروايتين عنه إلى أنه ليس لها ‏طلب التفريق، لأن الحياة الزوجية لا تخلو من ذلك عادة، فعليها أن تطلب من القاضي زجره ‏ليمتنع عن ذلك أو تعزيره بما يراه رادعاً له إن لم يمتنع، فإن اشتد النزاع وخيف وقوع الشقاق ‏بينهما بعث القاضي حكمين ليقوما بالإصلاح بينهما عملاً بقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ‏فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا ‏خَبِيرًا} [النساء:35].‏
قالوا: إن هذه الآية قصرت عمل الحكمين على محاولة الإصلاح بين الزوجين ولم تجعل ‏لهما حق التفريق، فيبقى هذا على الأصل للزوج وحده إلا إذا وكلهما بذلك حيث لا كتاب ولا سنة ‏ولا أثر يدل على ثبوت هذا الحق لغيره.‏
وذهب المالكية والشافعي في قوله الآخر وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن لها الحق في ‏طلب التفريق، وليس في الآية ما يمنع ذلك، بل من يمعن النظر فيها يجدها جعلت لهما هذا الحق، ‏لأن الله سماهما حكمين وجعل حق بعثهما لغير الزوجين فليسا مجرد وكيلين إذ لو أراد ذلك لقال: ‏‏" فابعثوا وكيلاً عنه ووكيلاً عنها، ولما قصرهما على أهله وأهلها، لأن الموكل له أن يوكل عنه ‏من يشاء، وإذا كانا حكمين فهما بمعنى الحاكمين فيثبت لهما حق الحكم ولا حكم هنا إلا بالتفريق ‏إذا تعذر الإصلاح، وقد ثبت أن عثمان أرسل حكمين وقال لهما: إن رأيتما أن تفرقا ففرقا.‏
وكذلك روي عن علي أنه بعث حكمين بين زوجين وقال لهما: عليكما إن رأيتما أن ‏تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا.‏
وروي عن ابن عباس أنه قال في الحكمين: فإن اجتمع أمرهما على أن يفرقا أو يجمعا ‏فأمرهما جائز.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:16 PM
الفَصْل الرَّابع
في التفريق لغيبة الزوج




إذا غاب الزوج عن زوجته مدة تتضرر بها وتخشى على نفسها الفتنة فطلبت من القاضي ‏التفريق بينها وبين زوجها فهل تجاب إلى طلبها؟
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يحق لها هذا الطلب ولا تجاب لطلبها لعدم وجود ما ‏يصلح سبباً للتفريق في نظرهم.‏
وذهب المالكية والحنابلة إلى جواز التفريق بالغيبة إذا طالت حتى ولو ترك لها زوجها ‏مالاً تنفق منه، ولكنهم اختلفوا في حدِّالغيبة الطويلة.‏
فحددها الحنابلة بستة أشهر استناداً إلى ما روي عن عمر في قصة المرأة التي تضررت ‏من غياب زوجها في الغزو وسمعها عمر في إحدى الليالي تشكو منشدة بيتين من الشعر(1) ‏وسأل ابنته حفصة عن المدة التي تصبر فيها المرأة عن زوجها فوقت للناس في مغازيهم ستة ‏أشهر.‏
وحددها المالكية في الراجح عندهم بسنة وقيل بثلاث سنين.‏
كما اختلفوا في تلك الغيبة هل هي التي تكون بغير عذر كما يرى الحنابلة أو مطلقاً بعذر
‏(1)‏ تطاول هذا الليل واسوَدَّ جانبه وطال عليَّ ألا خليلُ ألاعبــه
والله لولا خشية الله وحـــده لحرَّك من هذا السرير جوانبه
وبغير عذر كما يرى المالكية، لأن المرأة تتضرر بها في الحالتين، والمقصود بالتفريق رفع ‏الضرر عنها، واتفقوا على أن الغيبة إذا كانت بعيدة لا يمكن وصول الرسائل إليه أو يمكن بعد ‏زمن طويل موجبة للتفريق في الحال بدون إعذار ولا إمهال.‏
وإن كانت قريبة فلا يصح التفريق إلا بعد الإعذار إليه بأن يقدم أو ينقل امرأته إليه أو ‏يطلق فإن فعل وإلا فرق بينهما بعد أن يتريث مدة باجتهاده رجاء عودته.‏
ذهب مالك إلى أن هذا التفريق طلاق بائن.‏
وذهب الحنبلي إلى أنه فسخ لأنها لم تصدر من الزوج، ولا ينفويض منه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:18 PM
الفَصْل الخامِسْ
في التفريق لحبس الزوج‏



ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يفرق بين الزوج وزوجته بسبب حبسه مهما طال.‏
وذهب المالكية والحنابلة الذين يرون التفريق لغيبة الزوج إلى عدم التصريح بالتفريق ‏لحبس الزوج.‏
ولم يصرح بذلك إلا بعضُ من الحنابلة في فتاويه، ولكن المذهب المالكي صرح بأن ‏لزوجة الأسير الحق في طلب التفريق لأن مناط التفريق عندهم هوُ بعدُ الزوج عن زوجته سواء ‏كان باختياره أو قهراً عنه كما في الأسير، لأن الضرر يلحق الزوجة من هذا البعد، وهذا المعنى ‏متحقق في زوجة المحبوس.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:19 PM
البَاب الثالث
اللعان والإيلاء والظهار

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:20 PM
الفَصْل الأولْ

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:21 PM
المبحث الأول
‏- التعريف به وكيفيته وشروطه والامتناع عنه




اللعان في اللغة: هو مصدر لاعن من اللعن وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى.‏
وفي الاصطلاح: اسم لما يجري بين الزوجين من الشهادات بالألفاظ المعروفة مقرونة ‏باللعن من جانب الزوج وبالغضب من جانب الزوجة.‏
وقد شرع الله الحد لمن يقذف امرأة محصنة بالزنى ولم يثبت دعواه بشهادة أربعة شهود ‏زجراً له ولأمثاله عن انتهاك أعراض العفيفات. فيجلد ثمانون جلدة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ ‏الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ ‏هُمْ الْفَاسِقُونَ} [النور : 4].‏
وكان هذا هو الواجب في قذف كل محصنة ولو كانت زوجة، ولكن الله خفف عن ‏الأزواج ورفع الحرج عنهم بشرعية اللعان في حق من قذف زوجته بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ ‏يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ ‏الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ ‏أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ} ‏‏[النور: 6-9].‏
فلما نزلت هذه الآيات أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم اللعان بين زوجين اتهم الزوج ‏زوجته بالزنى مع شخص معين بعد أن وعظهما وبين أن لهما عذاب الدنيا أهون من عذاب ‏الآخرة لأن أحدهما كذب بيقين، فصار ذلك هو الحكم المقرر فيما إذا أتهم الزوج زوجته بالزنى ‏أو نفى نسب ولدها إليه ولم تكن له بينة على دعواه ولم تصدقه الزوجة وطلبت إقامة حد القذف ‏عليه.‏
‏- كيفية اللعان:‏
طريقة اللعان بعد حدوث سببه كما جاء في الآيات السابقة أن يأمر القاضي الزوج ‏بملاعنتها بأن يقول: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة هذه ويشير إليها إن كانت ‏حاضرة، وإن لم تكن حاضرة بالمجلس سماها ونسبها بما تتميز به، ويكرر ذلك أربع مرات وفي ‏الخامسة يقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنى أو نفى الولد حسب ‏موضوع الدعوى.‏
فإذا انتهى أمر الزوجة بملاعنته فتقول: أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من ‏الزنى أو نفي الولد حسبما جاء في دعواه، وتكرر ذلك أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: غضب ‏الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به، ويكون ذلك بمحضر جماعة من الرجال أقلهم ‏أربعة لأنه بينة على الزنى.‏
وإنما وجب الابتداء بالرجل لأنه المدعي فبينته بينة إثبات وبينتها بينة إنكار لأنها منكرة، ‏وإنما كانت أربع شهادات لأن الزنى لا يثبت إلا إذا شهد عليه أربعة من الرجال أو أقرَّ به صاحبه ‏أربع مرات، فكانت هذه الشهادات منه قائمة مقام شهادة الشهود الأربعة.‏
فإذا فعل ذلك سقط عنه حد القذف، وإذا عارضته بشهاداتها سقط عنها حد الزنى.‏
‏- حكم الامتناع عن الملاعنة بعد وجود سببها:‏
إذا امتنع الرجل عن الملاعنة بعد اتهامه زوجته بالزنى أو بنفي ولدها حبسه القاضي ‏حتى يلاعن أو يكذب نفسه فيقام عليه حد القذف بمجرد امتناعه.‏
وسبب هذا الاختلاف هو اختلافهم في الموجب الأصلي لقذف الزوج زوجته:‏
فذهب الحنفية إلى أن موجبه اللعان لأن قوله تعالى: {فشهادة أحدهم} معناه فالواجب ‏شهادة أحدهم، وهذا يفيد أن الواجب في قذف الزوجات اللعان فلا يجب غيره إذا لم يوجد، ثم قالوا ‏إن آيات اللعان نسخت آية القذف في حق الأزواج أو خصصتها بغير الأزواج.‏
وذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أن الموجب الأصلي لقذف الزوجات ‏هو حد القذف واللعان مسقط له، لأن آية القذف عامة في حكمها لكل قاذف زوجاً كان أو غير ‏زوج وجاءت آيات اللعان مخففة عن الأزواج فجعلت لهم طريقاً لرفع الحد عنهم باللعان، فإذا ‏امتنع عن اللعان ثبت الموجب الأصلي وهو الحد، ويدل لهذا أن الرسول قال لهلال بن أمية -لما ‏قذف زوجته بالزنى مع شريك بن شحماء-: "البينة أو حد في ظهرك"، وعندما نزلت آية اللعان ‏وجاء يلاعن قال له الرسول: "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة"، ولو لم تكن الحد بهذا القذف ‏واجباً لما كان لهذا القول معنى.‏
ولأن الزوج لو أكذب نفسه أقيم عليه الحد بالاتفاق.‏
وذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه إذا امتنعت الزوجة عن اللعان بعد أن لاعنها الزوج ‏حبست حتى تلاعن أو تصدق الزوج فيما ادعاه، فإن صدقته لا تحد حد الزنى حتى تقر به ‏صريحاً أربع مرات، لأن تصديقها ليس إقراراً بالزنى قصداً، ولأنها لو أقرت بالزنى ثم رجعت ‏عن إقرارها لم تحد.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أنها إذا امتنعت عن اللعان يقام عليها حد الزنى وهو ‏الرجم، لأن الواجب الأصلي هو الحد واللعان يدرأ عنها الحد لقوله تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ ‏أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} فقد جعلت الشهادات وهي اللعان من جانبها دافعا عنها العذاب ‏وهذا العذاب هو الحد المصرح به في قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ}.‏
‏ ‏
شروط اللعان:‏
لا يجب اللعان إلا بعد قذف الزوج ومطالبة الزوجة بموجب القذف أمام القاضي وتوفرت ‏الشروط الآتية:‏
‏1- ذهب الحنفية إلى أن تكون الزوجية الصحيحة قائمة بينهما حقيقة أو حكماً عند القذف ‏سواء أضاف الزوج الزنى إلى زمن الزوجية أو قبلها، لأن العبرة عندهم بالوقت الذي وقع فيه ‏القذف سواء كان القذف قبل الدخول أو بعده.‏
وذهب الجمهور إلى أن الشرط أن يضيف القذف إلى زمن الزوجية فلو أضافه إلى ما ‏قبل الزواج لا يلاعن ويقام عليه حد القذف، لأن العبرة عندهم بالوقت الذي يضيف إليه الزنى فلا ‏بد أن يكون حال قيام الزوجية.‏
فلو كان الزواج فاسداً لا يلاعن لأن الزوجة فيه تعتبر كالأجنبية ويقام عليه حد القذف إذا ‏كانت المقذوفة عفيفة.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يلاعن في الزواج الفاسد إذا كان القذف بنفي الولد لأن ‏الرجل مضطر إلى نفي نسب هذا الولد ولا طريق له إلا باللعان.‏
‏2- أن يكون كل من الزوجين أهلاً للشهادة على المسلم بأن يكون كل منهما مسلماً بالغاً ‏عاقلاً حراً قادراً على النطق غير محدود في قذف، فإذا تخلف قيد من ذلك لا يقام بينهما اللعان. ‏وهذا عند الحنفية، لأن اللعان عندهم شهادات مؤكدات بالأيمان. حيث سميت الآية الأزواج شهداء ‏وسمت ملاعنتهم شهادات. وجعلها كشهادة الزنى في العدد.‏
وذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنها أيمان بلفظ الشهادة فيشترط فيه ‏أن يكون كل منهما أهلاً لليمين والزوج أهلا للطلاق فصححوا اللعان من كل زوجين سواء كانا ‏مسلمين أو كافرين، عدلين أو فاسقين محدودين في قذف أو لا ما دامت الزوجة محصنة يحد ‏قاذفها، ودليلهم على ذلك أنه يذكر فيه اسم الله ويجب تكراره والمعروف في الشهادة أنها لا تكرر ‏لكن القسم قد يكرر كما في القسامة، ولأنه يكون من الجانبين والشهادة تكون من جانب واحد، ‏وتسميته شهادة باعتبار قول كل منهما أشهد، ولأن الرسول قال بعد أن ولدت امرأة هلال بن ‏أمية: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن".‏
‏3- ألا يقيم الزوج بينة على ما ادعاه بالاتفاق، فلو أقام بينة وجب عليها الحد ولا لعان، ‏لأن اللعان حجة ضعيفة فلا تقاوم بالبينة.‏
‏4- أن تكون الزوجة عفيفة عن الزنى.‏
‏5- أن تنكر الزوجة ما رماها به زوجها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:23 PM
المبحث الثاني
في الآثار المترتبة على اللعان




إذا توفرت شروط اللعان ووقع أمام القاضي ترتب عليه الآثار الآتية:‏
‏1- سقوط الحد عنهما.‏
‏2- يحرم بمجرد اللعان استمتاع كل من الزوجين بالآخر حتى قبل تفريق القاضي بينهما.‏
‏3- تقع الفرقة بين الزوجين بالإتفاق.‏
ولكن اختلف الفقهاء في وقوعها، هل تقع بمجرد اللعان ولا تتوقف على تفريق القاضي ‏أو لا تقع إلا بتفريقه؟
فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تقع إلا بتفريق القاضي، فلو تلاعنا وتأخر تفريق القاضي ‏كانت الزوجية باقية بينهما في بعض الأحكام، فلو مات أحدهما ورثه الآخر، ولو طلقها وقع عليها ‏الطلاق، ولو أكذب نفسه حلت له من غير تجديد عقد الزواج، واستدلوا بما روي عن ابن عباس ‏في قصة المتلاعنين: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وهذا يفيد أن التفريق حصل ‏بفعل رسول الله لا قبله.‏
وذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه إلى أن الفرقة تقع بمجرد الملاعنة، وحكم ‏القاضي منفذ لها، لأن سبب الفرقة هو اللعان وقد وجد ولولاه ما وقعت، وقول ابن عباس السابق ‏ليس نصاً في إنشاء الفرقة بل يحتمل ذلك ويحتمل أنه إعلام لهما بها أو تنفيذها حساً بينهما، ومع ‏الاحتمال لا يدل على توقف الفرقة على حكم القاضي.‏
وذهب أبو حنيفة إلى أنها إذا وقعت الفرقة بينهما اعتبرت طلاقاً بائناً تحتسب من عدد ‏الطلقات لأن سبب الفرقة جاء من جانب الرجل لأنه المتسبب فيها، فلا يحل له أن يتزوجها قبل ‏أن يكذب نفسه أو تصدقه في دعواه أو يكون من أحدهما ما يخرجه عن أهلية الشهادة، كأن يقذف ‏أحدهما غيره فيحد به أو يرتد عن الإسلام، لأن تكذيبه لنفسه يعتبر رجوعاً عن الشهادة، والشهادة ‏لا حكم لها بعد الرجوع عنها وحينئذ يحد حد القذف، ويثبت نسب الولد فيه إن كان القذف لنفيه، ‏وبتصديقها له يرتفع سبب اللعان أيضاً، لكنها لا تحد حد الزنى إلا إذا أقرت أربع مرات. ‏
وذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنبلية- إلى أن الفرقة باللعان تكون فسخاً لا طلاقاً ‏لأنها فرقة مؤبدة كحرمة الرضاع فلا يمكنها إعادة الزواج بينهما حتى ولو أكذب نفسه أو صدقته ‏الزوجة لحديث "المتلاعنان لا يجتمعان أبداً".‏
ولأن سبب التفريق وهو اللعان قد وجد، وتكذيبه نفسه أو تصديقها له لا ينفي وجوده ‏فيبقى حكمه، ولأنه لو كان صادقاً في اتهامه لها فلا ينبغي له أن يرجع إلى معاشرة زوج بغي، ‏وإن كان كاذباً فقد أساء إليها إساءة بالغة فلا يمكن من معاشرتها بعد ذلك.‏
‏3- إذا كان اللعان بنفي الولد ينتفي نسبه منه ويلحق بأمه فيكون أجنبياً في بعض الأحكام ‏كالتورات والنفقة، فلا توارث بينهما إذا مات أحدهما، كما لا يرث الولد قرابة أبيه وإنما ترثه أمه ‏وأقرباؤها، ولا تجب لأحدهما نفقة على الآخر، لأن كلاً منهما لا يثبت إلا بسبب متيقن.‏
وتبقى أحكام البنوة في الأحكام الأخرى التي يراعى فيها الاحتياط لاحتمال أنه ابنه حقيقة ‏فلا يحل لأحدهما إعطاء زكاته للآخر، ولا تقبل شهادة أحدهما للآخر.‏
ولا يقتل الأب به قصاصاً إذا قتله، كما لو قتل ابنه الثابت النسب.‏
وتثبت بينهما حرمة المصاهرة فلا يجوز أن يزوجه من أولاده، كما لا يجوز له أن ‏يتزوج امرأته التي عقد عليها وبالعكس.‏
ولا يعتبر الولد بهذا النفي مجهول النسب، فلو ادعاه غير الملاعن لا يصح ولا يثبت نسبه ‏منه لاحتمال أن يكذب الملاعن نفسه فيعود نسب الولد له.‏
ولهذا قيل لو ادعاه أجنبي بعد موت الملاعن صحت الدعوى وثبت نسبه من المدعي إذا ‏توافرت شروط ثبوت النسب، وهذا عند الحنفية.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:24 PM
الفَصْل الثّاني
‏ الإيلاء

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:25 PM
المبحث الأول
‏ ‏- التعريف وركنه وألفاظه وشروطه




الإيلاء لغة عبارة عن اليمين مطلقاً. يقال: آلى يولي إيلاء إذا حلف سواء كان على ترك ‏قربان زوجته أو غيره.‏
وفي الشريعة عبارة عن حلف الزوج على ترك قربان امرأته أربعة أشهر سواء كان ‏حلفاً بالله أو بتعليق القربان على فعل يشق على النفس إتيانه.‏
قال الله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ‏رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226-227].‏
‏- ركن الايلاء:‏
يوجد الايلاء بالعبارة الدالة على منع الزوج نفسه من قربان زوجته أربعة أشهر فأكثر ‏منعاً مؤكداً باليمين بالله أو بصفة من صفاته أو بالتزام ما يشق عليه إثباته. كأن يقول: والله لا ‏أقربك أربعة أشهر، أو وقدرة الله لا أقربك عاماً، أو لا أقربك أبداً، وكذلك لو أطلق عن التقييد ‏بزمن: كوالله لا أقربك، لأن الإطلاق ينصرف إلى التأبيد، ومثل ذلك لو قال: إن قاربتك في هذا ‏العام فعلي صوم شهرين متتابعين أو حج أو صلاة ألف ركعة مثلاً، ففي كل هذه الصور يكون ‏مولياً يلزمه حكم الإيلاء. ‏
وعلى ذلك لا يكون مولياً من حلف على تركها أقل من أربعة أشهر، أو قال لها : لا ‏أقربك أربعة أشهر دون أن يلتزم بأمر يشق عليه، لأن الشرط لتحققه كون المنع مدة لا تقع عن ‏أربعة أشهر مع تأكيده باليمين أو بالتزام أمر يشق عليه، فإذا خلا من أحدهما لا يكون إيلاء، هذا ‏عند الحنفية.‏
وذهب مالك والشافعي والحنبلي إلى خلاف الحنفية في المدة فشرطوا أن تكون أكثر من ‏أربعة أشهر أو مطلقة عن التقييد.‏
لأن الآية وضعت لعدم قربان المرأة حداً لا ينبغي للزوج أن يتعداه وهو الأربعة الأشهر ‏وهو لا يطالب فيها بشيء فلا بد أن يزيد عليها ليطالب فيها بالفيء أو الطلاق.‏
كما خالفهم الحنابلة في المؤكد فشرطوا أن يكون بإسم الله أو بصفة من صفاته، فمن حلف ‏بالطلاق أو التزم ما يشق عليه لا يكون مولياً، لأنه لا يمين إلا ما عده الشارع يميناً، ولأن الحلف ‏عند إطلاقه ينصرف إلى القسم الذي تعورف في عصر نزول الوحي أنه يمين تلزم الكفارة ‏بالحنث فيه " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام ‏عشرة مساكين... الآية.‏
‏- ألفاظه:‏
تتنوع ألفاظ الإيلاء إلى نوعين صريح وكناية.‏
فالصريح: هو ما دل على المقصود من غير احتمال شيء آخر، نحو والله لا أقربك. أو ‏لا أجامعك، أو لا أغتسل لك من جنابة وما شاكل ذلك، وهذا يكون إيلاء ولا يصدق في أنه قصد ‏به شيئاً آخر.‏
والكناية: ما احتمل معنى آخر، نحو لا أغشاك، ولا أمسّك، ولا أدخل عليك، ولا أجمع ‏رأسي ورأسك، وهذا لا يكون إيلاء إلا بالنية، فلو ادعى أنه أراد به غير المخالطة صدق قضاءً.‏
وكما يكون باللفظ المنجز يكون بالمعلق على حدوث أمر آخر، وبالمضاف إلى زمن ‏مستقبل، وتبدأ مدة الإبلاء في المنجز عقب التلفظ به وفي المعلق من وقت تحقق الشرط، وفي ‏المضاف لزمن بدخول أول لحظة منه عند الحنفية والشافعية والمالكية.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه لا يكون إلا منجزاً.‏
‏- شروط الإيلاء:‏
‏1- يشترط في المولي "الزوج" أن يكون بالغاً عاقلاً قادراً على المخالطة الجنسية، ‏وبعبارة أخرى أن يكون أهلاً للطلاق عند أبي حنيفة.‏
‏2- يشترط في المولي منها: أن تكون زوجة حقيقة أو حكماً بأن تكون في عدة الطلاق ‏الرجعي عند الحنفية، لأن كلاً منهما يحل مخالطتها حتى صحت الرجعة بالفعل باتفاقهم.‏
وتبتدئ المدة من وقت الحلف وتحتسب مدة العدة منها. فإن انتهت العدة قبل مدة الإيلاء ‏سقط لفوات محله، وإن امتدت العدة إلى نهاية مدة الإيلاء كان صحيحاً وطبق الحكم عليه، وامتداد ‏العدة يتصور فيما إذا كانت عدتها بالقروء وامتد بها الطهر فطالت مدة الحيضات الثلاث حتى ‏نهاية الأشهر الأربعة.‏
وقد يراجعها أثناء العدة فيعتمد الإيلاء إلى ما بعد الرجعة فيما إذا اعتدت بالأشهر، أما ‏المعتدة من طلاق بائن فلا يصح الإيلاء منها باتفاقهم، لأنه لا يحل له قربانها حتى يحلف على ‏امتناعه منه، ولأنها ليست من نسائه حتى تدخل تحت قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ‏تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} ... [البقرة: 226] الآية.‏
ولم يشترط الحنفية في المرأة المولى منها أكثر من هذا، فيصح الإيلاء من الزوجة دخل ‏بها أو لم يدخل بها صغيرة كانت أو كبيرة يمكن مخالطتها أو لا كأن كانت قرناء أو رتقاء أو في ‏مكان بعيد لا يمكنه الوصول إليها في مدة الإيلاء، قالوا: والفيء في هذه الأحوال التي يتعذر فيها ‏المقاربة يكون بالقول وهو قول مالك.

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:27 PM
المبحث الثاني ‏
حكم الإيلاء‏ ‏




إذا حلف الرجل على عدم قربان زوجته على الوجه السابق فإما أن يفيء إليها بأن يفعل ‏المحلوف عليه في مدة الإيلاء أو لا يفعل.‏
فإن فعل قبل مضي الأشهر الأربعة بطل الإيلاء ولزمه كفارة اليمين إن كان الحلف باسم ‏الله أو بصفة من صفاته، أو الوفاء بما التزم من صلاة أو صوم أو حج أو تصدق.‏
هذا إذا كان يقدر على مقاربتها، فإن كان عاجزاً عنها من وقت الإيلاء لعذر كمرضه أو ‏مرضها أو صغرها أو بعده عنها وامتد عجزه إلى آخر مدة الإيلاء يكون فيئه بالقول، كأن يقول: ‏فئت إلى زوجتي أو رجعت عما قلت، وبهذا القول ينحل يمينه بالنسبة للطلاق فلا يقع بمضي ‏المدة بدون مخالطة، كما أنه لا تلزمه كفارة اليمين ولا الأمر الملتزم به بالتعليق لأن المحلوف ‏عليه لم يقع منه فلا حنث، وإنما اعتبر الفيء بالقول لأن وقوع الطلاق لرفع الظلم عنها، وعند ‏العجز يكفي رفع الظلم بالقول حيث لا يستطيع سواه.‏
وإن لم يفعل ولم يقل ذلك القول حتى انتهت المدة كان باراً في يمينه فلا كفارة عليه ‏ولكنها تطلق منه طلقة بائنة بمضي المدة عند الحنفية، ولا يحتاج الطلاق لإيقاع منه أو لحكم ‏القاضي به، وبعد وقوع الطلاق ينتهي الإيلاء إذا كان عين هذه المدة عند الحلف.‏
وإنما وقع بائناً عندهم لأن وقوعه هنا لتخليص المرأة من الظلم، والرجعي لا يفيد ذلك ‏حيث يملك مراجعتها ثم يعيد الإيلاء وتتكرر المسألة فلا يخلصها إلا البينونة.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى موافقة الحنفية في أن الفيء في المدة ينهي الإيلاء ‏ويلزمه الكفارة لهذا الحنث، ولكنهم خالفوهم في وقوع الطلاق بمضي المدة.‏
فذهبوا إلى أن الزوج إذا لم يفيء إلى زوجته بعد انقضاء الشهور الأربعة فعليه الطلاق، ‏فإن طلق انتهى الأمر، وإن أبى الطلاق طلق عليه القاضي جبراً إذا طلبت الزوجة ذلك والطلاق ‏الواقع هنا رجعي سواء كان من الزوج أو القاضي، لأن الأصل في الطلاق أن يكون رجعياً حتى ‏يكون من الشارع ما يدل على أنه بائن.‏
فهم يخالفون الحنفية في أمرين. في أن الطلاق لا يقع بمضي المدة بل لا بد من إيقاعه من ‏أحدهما، وفي أن الطلاق لا يكون بائناً.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:28 PM
الفَصْلُ الثَّالِث
‏ الظهار




الظهار لغةً مصدر ظاهر مأخوذ من الظهر. وهو قول الرجل لامرأته : أنت عليّ ‏كظهر أمي.‏
وفي اصطلاح الفقهاء: تشبيه الرجل زوجته بامرأة محرمة عليه على التأبيد أو بجزء ‏منها لا يحل له النظر إليه كالظهر والبطن والفخذ. كأن يقول لها : أنت عليّ كظهر أمي، أو كبطن ‏أختي أو عمتي أو خالتي. يستوي في ذلك أن تكون المشبهة بها محرمة عليه بسبب النسب أو ‏الرضاع أو المصاهرة كأن يقول لها: أنت علي كظهر امرأة أبي أو زوجة ابني وغيرها.‏
‏- ألفاظه: تتنوع ألفاظ الظهار إلى نوعين صريح وكناية.‏
فالصريح: ما لا يحتمل إلا الظهار، نحو أنت علي كظهر أمي أو كبطن عمتي وما شاكل ‏ذلك، ويقع به الظهار سواء نوى به الظهار أو الطلاق أو الإيلاء أو ادعى أنه لم ينو به شيئاً.‏
والكناية: ما يحتمل الظهار وغيره كقوله: أنت علي كأمي، فإنه يحتمل المماثلة في ‏التحريم أو الماثلة في الكرامة، فإذا نوى أيهما صدق فيما ادعاه منهما، فإن قال: نويت الظهار ‏كان ظهاراً، وإن قال: أردت الطلاق فهو طلاق بائن لأنه تشبيه في الحرمة.‏
وإن لم ينو به شيئاً فليس بشيء عند الحنفية لاحتمال إرادة الكرامة.‏
شروطه: يشترط لصحة الظهار ليترتب عليه حكمه عند الحنفية.‏
أولاً: يشترط في الرجل، أن يكون زوجاً بالغاً عاقلاً مسلماً، أي من أهل الكفارة فلا يصح ‏ظهار من الصبي والمجنون والذمي.‏
ثانياً: يشترط في المرأة المظاهر منها: أن تكون زوجة في زواج صحيح نافذ قائم حقيقة ‏أو حكماً. فيصح الظهار من المعتدة من طلاق رجعي، ولا يصح من المعتدة من طلاق بائن ولا ‏من كان زواجها فاسداً أو صحيحاً موقوفاً، لأن كلاً منهما حرام عليه بالفعل فلا يكون للظهار ‏منهما معنى.‏
ثالثاً: يشترط في المرأة المشبه بها: أن تكون محرمة عليه تحريماً مؤبداً بالإتفاق، فلو ‏كانت محرمة عليه مؤقتاً، كأخت زوجته أو عمتها، أو كانت محرمة عليه مؤبداً عند بعض الفقهاء ‏دون الآخرين كأم المرأة التي زنى بها أو بنته من الزنى لم يكن التشبيه ظهاراً على الراجح عند ‏الحنفية.‏
والمذاهب الأخرى تخالف في ذلك:‏
فالحنابلة، لا تشترط التأبيد فلو شبهها بمحرمة عليه مؤقتاً كان ظهاراً.‏
والشافعية يقيدوه بألا يكون تحريمها طارئاً على المشبه كأم زوجته وزوجة ابنه فإن كان ‏لم يكن ظهاراً.‏
حكم الظهار: كان العرب في جاهليتهم يظاهرون من نسائهم ويقصدون بذلك تحريم ‏المرأة تحريماً مؤبداً، وما كانت المرأة تخلص من زوجها لتباح لغيره، بل كانت تصير بهذا ‏الظهار كالمعلقة لا هي بذات زوج تستمتع بالحياة الزوجية ولا هي مطلقة تبحث لها عن زوج ‏آخر.‏
فكان الظهار لوناً من ألوان الإيذاء الذي يلحقه الرجل بالمرأة، فلما جاء الاسلام لم ‏يعرض له أول الأمر حتى ظاهر أوس بن الصامت بعد أن كبرت سنه وضاق خلقه - من زوجته ‏خولة بنت مالك بن ثعلبة بسبب مراجعتها له في بعض ما أمرها به، ولما هدأت نفسه راودها عن ‏نفسها فأبت عليه ذلك حتى يقضي الله ورسوله فيما وقع بينهما، وذهبت إلى رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم وأخبرته بما حدث من زوجها بعد أن كبرت سنه ووجود أولاد بينهما لا يستقر لهم ‏قرار مع أحدهما، وكان رسول الله يقول لها: اتقي الله فإنه زوجك وابن عمك وقد كبر فأحسني ‏إليه، فأخذت تجادله وتشكو إلى الله حالها وما صارت إليه فنزل عليه الوحي بآيات من أول سورة ‏المجادلة وهي قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ ‏يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ ‏أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ ‏يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ‏وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ‏فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ‏‏[المجادلة: 1-4].‏
فلما نزلت هذه الآيات قال لها الرسول: مُرِيْهِ فليعتق رقبة. فقالت لا يجد ذلك يا رسول ‏الله، ثم قال مريه أن يصوم شهرين متتابعين، فقلت هو شيخ كبير لا يطيق الصوم، فقال: مريه ‏ليطعم ستين مسكيناً، فقلت ما عنده شيء يا رسول الله، فقال: إنا سنعينه بعرق، فقلت وأنا أعينه ‏بعرق أيضاً، فقال: اذهبي فأطعمي ستين مسكيناً وارجعي إلى ابن عمك" رواه أبو داود والعرق: ‏ستون صاعاً من التمر. ‏
وبهذا أبطل الإسلام ظهار الجاهلية وألغى أثره من التحريم المؤبد، فلم يجعله طلاقاً ‏واعتبره منكراً من القول لأنه عبث بالحياة الزوجية وظلم للمرأة، وزور لأنه كذب. لهذا عاقبه ‏على ذلك بحرمانه من الاستمتاع بها حتى يكفر عما ارتكبه من خطأ بعتق رقبة، فإن لم يجد ‏فبصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فبإطعام ستين مسكيناً.‏
وقد اختلف الفقهاء في سبب وجوب الكفارة التي عبر عنها القرآن بقوله: {ثم يعودون ‏لما قالوا}.‏
ذهب الحنفية إلى أنه العزم على مقاربتها ورجوعه عن الظهار. وتكون اللام بمعنى من ‏أوفي وذلك لأن مقتضى الظهار تحريم قربان المرأة، فإذا عزم على قربانها يكون منه رجوعاً ‏عما صدر منه من ظهار، فإذا رفع هذا التحريم وجب عليه التكفير.‏
ذهب المالكية إلى ما ذهب إليه الحنفية في قول، وفي قول آخر بأنه العزم على الوطء مع ‏إرادة إمساك العصمة.‏
وذهب الشافعية إلى أنه إمساكها بعد ظهاره زمن إمكانه فرقة، لأن العود للقول مخالفته. ‏يقال قال فلان قولاً ثم عاد فيه أي خالفه ونقضه وهو قريب من قولهم عاد في هبته ومقصود ‏الظهار وصف المرأة بالتحريم وإمساكه يخالفه وهذا المذهب الجديد وفي القديم تأويلان العزم ‏على الوطء، أو الوطء.‏
وعلى هذا يكون موجب الظهار تحريم قربان المرأة ولا يحل له قربانها إلا بعد التكفير ‏بواحد من الأمور الثلاثة مرتبة، فإذا واقعها قبل التكفير كان عاصياً يجب عليه الاستغفار وعدم ‏قربانها مرة أخرى قبل أن يكفر لما روى أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر وأخبر ‏الرسول بما فعل فقال له: ما حملك على ما صنعت قال: رأيت بياض ساقها في القمر، فقال له ‏الرسول " استغفر الله ولا تعد حتى تكفر " منتقى الأخبار.‏
واتفق الفقهاء على أنه يحرم منها المقاربة.‏
واختلف الفقهاء فبما دونه من المس والنظر بشهوة والتقبيل: فذهب الحنفية والمالكية إلى ‏تحريم ذلك.‏
وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم تحريم ذلك.‏
تتمة: لو كرر الظهار قبل التفكير وجب عليه كفارة واحدة سواء صدر منه الظهار ‏المكرر في مجلس واحد أو في مجالس متعددة، نوى به التأكيد أو الاستئناف أو لم ينوبه شيئاً ‏منهما، لأن ما بعد الأول قول لم يحدث تحريماً للزوجة فلم يجب به كفارة ظهار كاليمين بالله ‏تعالى، وإن ظاهر ثم كفر ثم ظاهر مرة ثانية وجبت عليه كفارة للظهار الثاني لأنه ظاهر بعد ما ‏حلت له. ‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:29 PM
الباب الرابع ‏
‏ العدة




أنواع العدة:‏
تحول العدة من نوع إلى نوع آخر.‏
ابتداء العدة وانتهاؤها.‏
فيما يجب على المعتدة:‏
ما يجب لها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:31 PM
الفصَل الأول
‏ ‏- التعريف بالعدة وأسبابها وحكمة مشروعيتها




‏- تعريف العدة:‏
العِدَّةُ: في اللغة: الإحصاء يقال: عددت الشيء عدة. أي أحصيته إحصاء، والجمع عدد، ‏ويطلق العدة ويراد بها المعدود، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي ‏كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36].‏
والعِدة في الشرع: أجل حدده الشارع للمرأة التي حصلت الفرقة بينها وبين زوجها بسبب ‏من الأسباب تمتنع عن التزوج فيه بغير زوجها الأول.‏
ومعنى ذلك: أن المرأة التي فارقها زوجها يجب عليها أن تنتظر بدون زواج حتى ‏تنقضي المدة المحددة شرعاً، فإن كانت المفارقة بالموت وجب عليها الانتظار مطلقاً دخل بها أو ‏لم يدخل، وإن كانت المفارقة بالطلاق أو الفسخ وجب عليها الانتظار إذا كان ذلك بعد الدخول ‏بها، فإذا انقضت المدة حل لها التزوج.‏
أما الرجل فلا يجب عليه الانتظار بعد مفارقة زوجته، فله التزوج بغيرها متى شاء، ‏وبأي امرأة شاء إلا إذا كانت المرأة التي يريد التزوج بها محرمة عليه لمانع مؤقت بسبب زواجه ‏السابق بمن طلقها، كمن طلق زوجته فلا يحل له التزوج بمن لا يحل له الجمع بينها وبين زوجته ‏الأولى حتى تنقضي عدتها كأختها أو بنت أخيها أو بنت أختها أو عمتها أو خالتها لئلا يكون ‏جامعاً بين محرمين.‏
وكمن كان متزوجاً بأربع نسوة فطلق إحداهن فلا يحل له التزوج بأي امرأة حتى تنقضي ‏عدة من طلقها لئلا يكون جامعاً بين أكثر من أربع.‏
وهذا الانتظار وإن وجد فيه معنى العدة إلا أنه لا يسمى عدة اصطلاحاً. ‏
وهذا في الطلاق الرجعي باتفاق الفقهاء لبقاء الزواج الأول حكماً.‏
وأما إذا كان الطلاق بائناً فالحكم كذلك عند الحنفية.‏
‏ ‏
‏- سبب وجوبها:‏
تجب العدة بواحد من الأمور الآتية:‏
‏1- وفاة الزوج بعد زواج صحيح يستوي في ذلك ما إذا كانت الوفاة قبل الدخول أو بعده ‏لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ‏‏[البقرة: 234].‏
فإنه أوجب عليها أن تنتظر هذه المدة من غير تفرقة بين المدخول بها وغير المدخول ‏بها.‏
‏2- حدوث مفارقة بعد زواج صحيح بطلاق أو فسخ بعد الدخول الحقيقي أو بعد الخلوة ‏الصحيحة أو الفاسدة عند الحنفية.‏
فإذا حصلت المفارقة قبل الدخول وما ألحق به من الخلوة فلا تجب عليها العدة لقوله ‏تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ ‏عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49].‏
فإنه صريح في عدم وجوب العدة على المطلقة قبل المسيس الشامل للدخول والخلوة، ‏والفسخ يأخذ حكم الطلاق.‏
‏3- حدوث مفارقة ولو بالموت في نكاح فاسد أو بعد وطء بشبهة بعد الدخول الحقيقي فقط ‏عند الحنفية، لأن المقصود من وجوب العدة بعد المفارقة فيهما معرفة براءة الرحم وخلوه من ‏الحمل، وهذا لا يكون إلا بعد الدخول الحقيقي، ولذلك لو كانت المفارقة بالموت تجب العدة ‏بالحيض أو الأشهر لا عدة الوفاة.‏
‏- حكمه تشريع العدة:‏
‏1- التعرف على براءة الرحم لئلا تختلط الأنساب، لأنها لا تكون غالباً إلا في فرقة بعد ‏الدخول وهذا أمر تُوحي به الفطرة، لذلك كانت العدة معروفة عند العرب قبل الإسلام، فلما جاء ‏الإسلام أقرها بعد أن خلصها مما كان بها من أضرار تلحق المرأة.‏
‏2- التنويه بعظم شأن الزواج وإعلام الناسب أنه أمر له خطره يغاير سائر العقود لأنه ‏عقد الحياة، فكما أنه لا ينعقد صحيحاً إلا بحضور شهود عند جماهير الفقهاء كذلك لا ينتهي ‏بمجرد وجود الفرقة، بل لا بد فيه من انتظار المرأة المدخول بها قبل الفراق مدة كافية ليتروى ‏فيها كل من الزوجين، أما الزوج فقد يوقع الطلاق في ثورة غضب أو تسرع من غير روية مما ‏قد يوقعه في ندم على ما فعل، فجعل الشارع أمامه فسحة من الوقت يراجع فيها نفسه ليختار أوفق ‏الأمرين له، تدارك ما وقع بإرجاع الحياة الزوجية، أو المضي بالطلاق إلى مصيره المحتوم.‏
فإذا ما رجح عنده الندم أمكنه أن يرجعها إلى الزوجية بدون عقد ولا مهر أثناء فترة ‏التربص إن كان الطلاق رجعياً، أو بعقد ومهر جديدين أثناء العدة لا يزاحمه غيره في ذلك إن ‏كان الطلاق بائن.‏
أما الزوجة المكلفة بالإنتظار فهي أحوج ما يكون إليه للتروي والتبصر في إنشاء زوجية ‏أخرى لأن عصمتها بيد زوجها، فإذا تسرعت عقب الطلاق وأنشأت زوجية وظهر خطؤها ‏عجزت عن مفارقة زوجها بخلاف الرجل فإنه يستطيع التخلص من الزواج غير الملائم بما ملكه ‏الشارع من حق الطلاق.‏
‏3- تمكين الزوجة المتوفى عنها زوجها من إظهار التأثر لفقد زوجها بالمنع من التزين، ‏وهذا ضرب من الوفاء له، إذ ليس من المروءة والاعتراف بالجميل تسرع المرأة بالزواج عقب ‏وفاة زوجها ولو قبل دخوله بها، كما أن تعجلها بالزواج يسيء إلى أهل الزوج الذين ارتبطت بهم ‏برباط المصاهرة، إذ كيف تنعم بحياة زوجية جديدة في الوقت الذي لا يزال أهل زوجها في حزن ‏عليه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:32 PM
الفَصْل الثّاني
أنواع العدة




تتنوع العدة إلى ثلاثة أنواع: ‏
‏1- عدة بالقروء.‏
‏2- عدة بالأشهر.‏
‏3- عدة بوضع الحمل.‏
وهذا التنوع باعتبار سبب الفرقة، وما تكون عليه المرأة عند حصول الفرقة، وصحة ‏الزواج وفساده.‏
‏- النوع الأول: العدة بالقروء:‏
وتكون العدة بالقروء لمن فارقها زوجها بعد الدخول أو الخلوة بسبب من أسباب الفرقة ‏غير الوفاة إذا كانت المرأة من ذوات الحيض ولم تكن حاملاً.‏
وهذا إذا كانت الفرقة بعد زواج صحيح، أما إذا كان فاسداً فإنها تعتمد بالقروء بعد ‏الدخول الحقيقي وإن كانت بعد الوفاة.‏
والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ‏‏228]، فقد أوجبت الآية على المطلقة التربص ثلاثة قروء، والقروء جمع قرء، وهو يحتمل في ‏الآية الحيض أو الطهر، لأنه لغة مشترك بينهما -كما قالوا- ومن هنا اختلف فقهاء الصحابة ومن ‏بعدهم في المراد منها:‏
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المراد بها الحيض.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى أن المراد بها الطهر.‏
‏ ‏
‏- النوع الثاني: العدة بالأشهر:‏
وتكون لمن فارقها زوجها بعد الدخول بسبب من أسباب الفرقة غير الوفاة وكانت لا ‏تحيض لصغرها وإن بلغت بالسن ولم تر الحيض ولم تكن حاملاً أو لبلوغها سن اليأس.‏
كما تكون لمن توفي عنها زوجها بعد العقد الصحيح ولو قبل الدخول إذا لم تكن حاملاً ‏صغيرة كانت أو كبيرة تحيض أو لا تحيض.‏
غير أن هذه العدة صنفان: ‏
الصنف الأول: ثلاثة أشهر وهي بدل عن الحيض، والثاني أربعة أشهر وعشرة أيام وهي ‏أصل وليست بدلاً عن غيرها.‏
والدليل على الأول قوله تعالى: {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ ‏فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]. فهذه الآية جعلت العدة ثلاثة أشهر لنوعين ‏من النساء. من بلغت سن اليأس، ومن لم تحض لصغرها.‏
وإنما جعلت ثلاثة أشهر لأنها قائمة مقام ثلاث حيضات حيث جعلت بدلا عنها بدليل أنها ‏لو حاضت انتقلت عدتها إلى الحيض وألغي اعتبار الأشهر، ولأن الغالب في المرأة أنها تحيض ‏كل شهر مرة فاعتبرت مدة الثلاث حيضات.‏
هذا هو مذهب الحنفية في المفارقة بعد الدخول أو الخلوة في النكاح الصحيح، وبعد ‏الدخول أو الوفاة في النكاح الفاسد والوطء بشبهة.‏
الصنف الثاني: وهو الاعتداد بالأشهر التي هي أصل: يكون لمن توفي عنها زوجها بعد ‏عقد صحيح ولو قبل الدخول إذا لم تكن حاملاً يستوي في ذلك ذوات الحيض وغيرها، وهذه تعتد ‏أربعة أشهر وعشرة أيام، وهذه متفق عليها بين الفقهاء ولم يخالف فيها أحد صغيرة كانت أو ‏كبيرة بالغاً كان زوجها أولا. لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ ‏بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] والحكمة في هذا التقدير: أن هذه المدة هي التي ‏يتبين فيها كون المرأة حاملاً أو غير حامل، لأن الجنين يمر بعدة أطوار. أربعون يوماً نطفة، ‏وأربعون علقة، وأربعون مضغة، ثم تنفخ فيه الروح، ولأن هذه المدة -كما قالوا- هي أقصى ما ‏تتحمله الزوجة عادة في البعد عن زوجها.‏
والأشهر هنا كاملة بالأهلة إذا ابتدأت العدة من أول شهر، وتنتهي في نهاية اليوم العاشر ‏بعد الأربعة، وإذا ابتدأت في أثناء الشهر يجري فيها الخلاف السابق.‏
فعند أبي حنفية تكون مائة وثلاثين يوماً.‏
أو في قول عند الحنفية يكمل الشهر الأول من الخامس وما بينهما بالأهلة.‏
‏ ‏
النوع الثالث: العدة بوضع الحمل:‏
ذهب الحنفية إلى أن المرأة الحامل إذا انتهى زواجها بطلاق أو فسخ وفاة زوجها تعتد ‏بوضع الحمل دون تقيد بزمن سواء كان الحمل من زواج صحيح أو فاسد أو مقاربة بشبهة لقوله ‏تعالى: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، وهي عامة في المطلقات ‏والمتوفى عنهن أزواجهن وإن كان سياقها في المطلقات، لأنها نزلت بعد آية البقرة وهي قوله ‏تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} فتكون ‏ناسخة لعمومها أو مخصصة لها.‏
ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الله بن أحمد في رواية المسند عن أبي ابن كعب قال: "قلت يا ‏رسول الله. وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" هي المطلقة ثلاثاً أم المتوفى عنها؟ قال: ‏‏"هي المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها".‏
وروي عن ابن مسعود أنه قال: "نسخت سورة النساء القصرى كل عدة" "وأولات ‏الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" أجل كل حامل مطلقة أو متوفى عنها زوجها أن تضع حملها.‏
وكذلك روى عن أبي سعيد الخدري أنه قال: نزلت سورة النساء القصرى بعد التي في ‏البقرة بسبع سنين، وروى البخاري عن المسور بن مخرمة أن سُبيعة الأسليمة نُفِست بعد وفاة ‏زوجها بليال فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت"، وفي ‏لفظ أنها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة.‏
وعلى هذا لو وضعت حملها بعد وفاة زوجها بفترة وجيزة انتهت عدتها وحلت للأزواج، ‏وليس عليها عدة وفاة بالأشهر، ومن هنا قال عمر رضي الله عنه: "لو وضعت وزوجها على ‏سريره لانقضت عدتها وحل لها أن تتزوج".‏
ولكنهم شرطوا في الحمل الذي تنتهي العدة بولادته أو بإسقاطه أن يكون مستبين الخلقة ‏كلها أو بعضها سواء ولد حياً أو ميتاً، فإذا لم يكن مستبين الخلقة بأن كان علقة أو مضغة غير ‏مخلقة فلا تنتهي العدة بوضعه لأنه إذا لم يستبن خلقه لا يعلم كونه ولداً بل يحتمل أن يكون وأن لا ‏يكون فيقع الشك، والعدة لا تنتهي إلا مع اليقين.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:34 PM
الفصل الثالث
‏ ‏تحول العدة من نوع إلى نوع آخر




‏1- إذا وجبت العدة بالأشهر لغير وفاة بأن كانت صغيرة أو بلغت سن اليأس ثم جاءها ‏الحيض قبل انقضاء الأشهر الثلاثة وجب عليها أن تستأنف عدة جديدة بثلاث حيضات عند ‏الحنفية، لأن الاعتداد بالأشهر وجب عليها أولاً لأنها ليست من ذوات الحيض، فكانت الأشهر ‏بدلاً عن الحيضات، وحيث وجد الأصل قبل أن يتم المقصود بالبدل سقط اعتبار البدل، وكانت ‏داخلة تحت قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} الذي هو الأصل في العدة.‏
أما إذا جاءها الحيض بعد تمام الأشهر الثلاثة فلا يجب عليها الاعتداد بالحيض، لأن ‏العدة تمت وحصل المقصود بالبدل قبل وجود الأصل، فلا يبطل حكمه كمن تيمم لعدم وجدان ‏الماء وصلى ثم وجد الماء بعد انتهاء الوقت المحدد للصلاة فلا يجب عليه الوضوء وإعادة تلك ‏الصلاة.‏
لكن يلاحظ هنا أن هذه المرأة أصبحت من ذوات الحيض، فلو وجبت عليها عدة بعد ذلك ‏بأي سبب اعتدت بالحيض لا بالأشهر.‏
‏2- من كانت من ذوات الحيض فابتدأت عدتها به وحاضت مرة أو مرتين ثم بلغت سن ‏اليأس تحولت عدتها إلى الأشهر عند الحنفية، فتستأنف عدة جديدة بثلاثة أشهر كاملة، لأن العدة ‏إما بالقروء وهي ثلاثة، وإما بالأشهر وهي ثلاثة، ولكل منهما صنف، وحيث إنها لم تكمل العدة ‏بالحيض وصارت آيسة فتعتد عدة الآيسة.‏
‏3- من طلقها زوجها طلاقاً رجعياً ثم مات وهي في العدة تحولت عدتها من عدة طلاق ‏سواء كانت بالحيض أو بالأشهر إلى عدة الوفاة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام تبدؤها من وقت ‏الوفاة. يستوي في ذلك أن يكون زوجها طلقها في صحته أو مرضه الأخير، لأن المطلقة رجعياً ‏زوجيتها باقية من كل وجه ما دامت العدة، ولذلك ترثه، وعلى الزوجة غير الحامل التي توفى ‏زوجها الاعتداد بهذه العدة لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ‏أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} وهذه لا خلاف فيها بين الفقهاء.‏
فإن تبين أنه قصد بالطلاق الفرار من ميراثها بأن طلقها الثالثة في مرض موته بغير ‏رضاها ثم مات وهي في العدة فإنها ترثه باتفاق الحنفية ولكن الخلاف بينهم في تحول عدتها.‏
فذهب أبو حنيفة إلى أن عدتها تتحول إلى أبعد الأجلين وهما عدة الوفاة وعدة الطلاق ‏فأيتهما أطول فهي عدتها، فإن كانت عدة الطلاق بالأشهر اعتدت بأربعة أشهر وعشرة أيام من ‏وقت الوفاة، وإن كانت بالحيض وحاضت ثلاث حيضات قبل أن تمضي أربعة أشهر وعشرة أيام ‏من وقت الوفاة فعدتها تمام هذه المدة، وإن مضت المدة قبل أن تتم ثلاث حيضات لا تنتهي عدتها ‏إلا بإكمال الحيضات الثلاث.‏
وإنما وجب عليها أطول العدتين لأنها باعتبار أنها مطلقة بائناً ليست بزوجة وقت الوفاة ‏فلا تجب عليها عدة الوفاة، بل تجب عليها عدة الطلاق، وباعتبار أنها ورثت من مطلقها ‏والميراث لا يكون إلا للزوجة اعتبر الزواج قائماً حكماً وقت الوفاة فتجب عليها عدة الوفاة، ‏فمراعاة للاعتبارين وجب عليها عدة الطلاق والوفاة، وتتداخل العدتان لأن أقلهما داخل في ‏أطولهما.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:35 PM
الفَصل الرَّابع
‏ مبدأ العدة وانتهائها





أما مبدأ العدة فيختلف باختلاف عقد الزواج السابق عليها، فإن كانت الفرقة بعد نكاح ‏صحيح بموت الزوج ولو قبل الدخول أو بطلاق أو فسخ بعد الدخول فابتداء العدة بمجرد وقوع ‏الفرقة وإن لم تعلم بها المرأة، فإذا وجد سبب الفرقة ولم تعلم به المرأة إلا بعد مدة احتسبت العدة ‏من وقت حصول سببها لا من وقت علم المرأة بها، بل قد تنتهي العدة دون أن تعلم، وذلك لأن ‏العدة مدة حددها الشارع بعد حصول سببها فتوجد دون توقف على العلم بها.‏
فلو ادعت المرأة على زوجها بأنه طلقها في وقت سابق عينته، فإما أن يصدقها الزوج ‏في دعواها أو ينكر، فإن أنكرها وأقامت الزوجة البينة على دعواها وحكم لها القاضي بصحة ‏دعواها احتسبت العدة من الوقت الذي أثبتته البينة لا من وقت الحكم، وإن لم تقم بينه رفضت ‏دعواها.‏
وإن صدقها في دعواها وأقر بما ادعته أو أقر هو به ابتداء بدون دعوى منها فإن العدة ‏تحتسب من الوقت الذي أسند الطلاق إليه لا من وقت الإقرار إذا لم يكن في إقراره أو تصديقه لها ‏تهمة.‏
فإن كان في أحدهما تهمة احتسبت العدة من وقت الإقرار نفياً للتهمة.‏
ومن أمثلة ما فيه تهمة: أن يكون الزوج مريضاً مرض الموت، لأنه في هذه الحالة ‏يحتمل أن يكون قد اتفق معها على ذلك لتصير أجنبية بانتهاء عدتها قبل وفاته ليصل إلى غرض ‏لا يمكنه الوصول إليه مع قيام الزوجية كإقراره لها بدين حال مرضه مثلاً.‏
ومنها أن يكون تصديقه لها في دعواها وهو صحيح ليستطيع التزوج بمحرم لها لا يمكنه ‏الجمع بينهما في العدة.‏
أما إذا كانت الفرقة بعد الزواج الفاسد فإن العدة تبدأ من وقت متاركته لها بإظهار عزمه ‏على ترك قربانها أو وقت تفريق القاضي بينهما أو وقت موته مباشرة.‏
وعدة الوطء بشبهة تبدأ من آخر مقاربة لها عند زوال الشبهة بعلمه أنها غير زوجته ‏وأنها لا تحل له، لأن سبب العدة هنا هو الوقاع بشبهة أنها زوجته حيث لا عقد هنا.‏
‏- انتهاء العدة:‏
تنتهي العدة إذا كانت بالأشهر بغروب شمس آخر يومٍ منها.‏
وإذا كانت بالقروء فعند من يفسرها بالحيض تنتهي بانقطاع دم الحيضة الثالثة إن انقطع ‏لأكثر مدة الحيض وهو عشرة أيام، فإن انقطع قبل عشرة أيام فلا تنتهي العدة إلا إذا طهرت من ‏الحيض إما بالاغتسال أو التيمم سواء صلت أو صارت الصلاة ديناً في ذمتها.‏
وإذا ادعت أنها حاضت ثلاث حيضات لا تصدق إلا إذا كانت المدة تحتمل ذلك، وأقلها ‏عند أبي حنيفة ستون يوماً، وفي رواية عند الحنفية تسعة وثلاثون يوماً كما قدمناه.‏
وأما من يفسر القروء بالأطهار يعتبرون الطهر الذي وقع فيه الطلاق أحدها فإنها تنتهي ‏عندهم برؤية الدم من الحيضة الثالثة بعد الفرقة، وأقل مدة تصدق فيها المرأة التي ادعت انتهاء ‏عدتها ستة وعشرون يوماً ولحظتان مع ملاحظة أن اللحظة الأولى من العدة والثانية ليست منها، ‏وهي رؤية الدم من الحيضة الثالثة، بل هي أمارة على الخروج من العدة.‏
وإن كانت العدة بوضع الحمل فتنتهي إذا كان الحمل واحداً ونزل أكثره عند الحنفية سواء ‏نزل حياً أو ميتاً، وإن كان الحمل أكثر من واحد فلا تنتهي العدة إلا بنزول آخر التوائم، لأن ‏الحمل اسم لجميع ما في البطن بإتفاق الحنفية.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:37 PM
الفَصل الخامِس
‏ فيما يجب على المعتدة ويجب لها




يجب على المعتدة أمران:‏
أولهما: البقاء في البيت الذي كانت تسكنه وقت الفرقة لا فرق بين معتدة الطلاق ومعتدة ‏الوفاة عند الحنفية، فلو كانت وقت الفرقة غير موجودة فيه وجب عليها أن تعود إليه فوراً، لقوله ‏تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا ‏تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1].‏
فهذا نهي عن إخراجهن من بيوتهن وهو يقتضي تحريم خروجهن فيكون أمراً بضده وهو ‏البقاء فيها وهو يفيد الوجوب.‏
فإذا كان الطلاق رجعياً فلا مانع من بقائها مع الزوج في مسكن واحد، لأن هذا الطلاق لا ‏يحرمها على زوجها، ووجودها كذلك ربما كان سبيلاً إلى مراجعتها.‏
وإن كان بائناً بقيت في هذا المسكن مع مطلقها لكن في حجرة غير حجرته بشرط أن ‏يكون ذا دين يأمن على نفسه من الوقوع في محرم معها، فإن لم يتوفر هذا الشرط أو لم يكن في ‏المسكن غير حجرة واحدة تركه لها وسكن في مكان قريب منه.‏
والحكمة في إلزامها بالاعتداد في بيت مطلقها هي تمكن الزوج من مراقبتها وصيانتها ‏في عدتها حتى تنتهي، وربما كان ذلك طريقاً إلى عودة الحياة الزوجية بينهما مرة أخرى فالقرب ‏يحمل الرجل على إعادة التفكير فيما حدث، وقد ينتهي تفكيره إلى مراجعتها إن كان الطلاق ‏رجعياً، أو العقد عليها في العدة إن كان بائناً.‏
وأما المتوفى عنها زوجها فإن وجودها في هذا المسكن الذي عاشت مع زوجها فيه ‏يذكرها به وحياتها معه فيحملها ذلك على الوفاء له وتنفيذ ما أمرت به من التربص وترك الزينة.‏
ولا يجوز للمعتدة أن تخرج من منزل العدة إلا لعذر يبيح لها الخروج كخوفها على نفسها ‏ومالها أو إخراجها منه لعدم قدرتها على دفع أجرته أو عرضته للانهدام وما شاكل ذلك، فإن ‏خرجت منه لغير عذر كانت ناشزة فتسقط نفقتها إن كان لها نفقة أثناء العدة.‏
وللمعتدة من وفاة أن تخرج لكسب نفقتها وقضاء حوائجها لأنه لا نفقة لها في عدتها ‏وليس لها زوج يقوم بشئونها.‏
وثانيهما: الإحداد وهو ترك الزينة بأنواعها طوال مدة العدة، ولكنه غير واجب على كل ‏معتدة.‏
فالمعتدة من طلاق رجعي لا إحداد عليها بالاتفاق، لأن زوجيتها قائمة بل يستحب لها ‏التزين لأنه قد يكون طريقاً إلى تجديد رغبة زوجها فيها فيراجعها.‏
أما المعتدة من وفاة فيجب عليها الإحداد باتفاق الفقهاء ومنهم الحنفية فيجب عليها ترك ‏التزين بملبس جرى العرف الناس بأنه من ملابس الزينة، ولا تقييد فيه بلون خاص لأن العرف ‏يختلف فيه من زمن لآخر ومن بلد لغيره، وترك الحلي بكافة أشكاله، والطيب والادهان والكحل ‏والحناء، ولا تكتحل إلا لضرورة، فإن كان يكفي في دفعها الاكتحال ليلاً اقتصرت عليه وإلا ‏وقفت عند ما يدفعها، ولا فرق في ذلك بين الزوجة الكبيرة والصغيرة والحامل وغير حامل، أما ‏ضرورات الحياة من الاستحمام والتنظيف وتسريح الشعر فليست ممنوعة منها.‏
وإنما وجب عليها ذلك لما ورد من الأحاديث: منها ما رواه أبو داود بسنده أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ‏ليال إلا على زوج أربعة وعشرا"، ولأن في ترك الزينة قطعاً لأطماع الراغبين فيها حيث لا ‏زوج يحميها ويمنع عنها هؤلاء، ولأن الزواج نعمة عظيمة وقد فاتت بوفاة زوج وفيّ حافظ عليها ‏إلى آخر لحظة في حياته، وفوات النعم ووفاء الزوج يقتضيها ترك التزين إظهاراً للأسف على ما ‏فات ومقابلة الوفاء بالوفاء، وفوق ذلك فهو أدب جميل تقره الفطرة السليمة ويحمده الناس.‏
والإحداد: لا يخلو من حق للشارع فيه حيث أمر به ليحفظ المعتدة من طمع الطامعين، ‏ولذلك قرر الفقهاء أنه لا يستطيع أحد إسقاطه، فلو أوصاها زوجها قبل وفاته بعدم الحداد لم يكن ‏لها تركه.‏
أما المعتدة من طلاق بائن:‏
فذهب الحنفية إلى أن عليها الإحداد، لأن من مقاصده إظهار الحزن والأسى على فوات ‏نعمة الزواج الذي كان يصونها ويكفيها مؤونة الحياة فأشبهت معتدة الوفاة.‏
وذهب جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنه لا إحداد عليها، لأنه وجب ‏في حالة الوفاة أسفاً لفراق زوج وفيّ بعهده لآخر لحظة من حياته، فأقل ما تكافئه به هو إظهار ‏الحزن والأسف على فراقه، أما المطلق فقد أساء إليها وحرمها من نعمة الزواج فكيف نلزمها ‏بالحزن عليه؟
أما ما يجب لها فهو النفقة: على اختلاف بين الفقهاء في بعض صورها:‏
اتفق الفقهاء على أن المعتدة بعد فرقة من زواج فاسد أو دخول بشبهة لا تستحق نفقة ‏سواء كانت حاملاً أو غير حامل، لأنها لا تستحق نفقة قبل هذه التفرقة لعدم مشروعية ما بين ‏الرجل والمرأة ولا يقران عليه فأولى أن لا يجب لها بعد الافتراق، لأن حال العدة معتبر بحال ‏الزواج قبلها.‏
كما اتفقوا على أن المعتدة من طلاق رجعي تجب لها النفقة بأنواعها الثلاثة "الطعام ‏والكسوة والسكنى" سواء كانت حاملاً أو غير حامل، لأن زوجيتها قائمة حيث أن الطلاق ‏الرجعي لا يزيل ملك الاستمتاع ولا حل الزوجية بشرط عدم نشوزها قبل العدة وأثنائها.‏
واختلف الفقهاء بعد ذلك في المعتدة من وفاة أو طلاق بائن أو فسخ على آراء وتفصيلات ‏نقتصر منها على مذهب الحنفية:‏
أما المعتدة من وفاة فلا تجب لها نفقة بأنواعها الثلاثة عند الحنفية سواء كانت حاملاً أو ‏غير حامل، لأن مال الزوج المتوفى انتقل إلى ورثته فلا مال له حتى تجب فيه نفقة، ولا سبيل ‏إلى إيجابها على الورثة، لأن العدة أثر من آثار عقد الزواج وهم لم يكونوا طرفاً فيه، وآثار عقد ‏الزواج لا ترجع إلى غير صاحبه، كما أن هذه النفقة لم تصر ديناً بعد حتى تؤخذ من التركة.‏
أما المعتدة من طلاق بائن فتجب لها النفقة بأنواعها الثلاثة عند الحنفية سواء كانت ‏حاملاً أو غير حامل لقوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} وهو عام يشمل الزوجات ‏والمطلقات رجعياً كان الطلاق أو بائناً، وقوله في شأن المعتدات: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ‏يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}، وقوله جل شأنه: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وِجْدكم ‏ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن}، فكل هذه الآيات تدل على إبقاء المعتدة على ما كانت عليه قبل ‏الطلاق.‏
ولأن النفقة وجبت للزوجة قبل الطلاق لكونها محبوسة لحق الزوج، وهذا الاحتباس باق ‏بعد الطلاق فتجب لها النفقة كما كانت قبله لوجود سبب الوجوب.‏
وأما قوله سبحانه: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} فقد نص على نفقة المعتدة ‏الحامل، لأن عدتها تكون غالباً أطول من غيرها فتجب لغيرها من باب أولى.‏
وأما حديث فاطمة بنت قيس النافي للنفقة والسكنى فقد رده عمر بقوله: "لا نترك كتاب ‏ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت".‏
وأما المعتدة بسبب الفسخ لعقد الزواج: فالحنفية يوجبون لها النفقة بكل أنواعها إذا كان ‏الفسخ بسبب من قبل الزوج سواء كان السبب مباحاً كخيار البلوغ أو الإفاقة، أو بسبب محظور ‏كفعله مع إحدى أصول الزوجة أو فروعها ما يوجب حرمة المصاهرة، أو إبائه عن الإسلام أو ‏ردته، وسواء حصلت الفرقة بغير قضاء أو بقضائه.‏
وكذلك إذا كان الفسخ بسبب من قبل الزوجة ليس محظوراً، كخيار البلوغ أو الإفاقة أو ‏الفسخ بسبب نقصان مهرها عن مهر مثلها إذا زوجت نفسها بدون إذن وليها.‏
قالوا: لأن الفسخ يأخذ حكم الطلاق البائن في أكثر أحكامه وبخاصة ما يتعلق منها بالعدة.‏
أما إذا كان الفسخ بسبب محظور من جهتها كارتدادها عن الإسلام أو امتناعها عنه بعد ‏إسلام زوجها ولم تكن كتابية، أو فعلها مع أحد أصول زوجها أو فروعه باختيارها ما يوجب ‏حرمة المصاهرة فلا يجب لها غير السكنى فقط، أما الطعام والكسوة فلا حق لها فيهما.‏
أما سقوط هذين فلأن النفقة فيها معنى الصلة، فإذا فعلت معصية توجب الفرقة فلا ‏تستحق تلك الصلة، بل تستحق العقوبة زجراً له، وإنما اقتصر الإسقاط على نفقة الطعام والكسوة ‏لأنهما خالص حقها، أما السكنى فللشارع حق فيها مع حقها، وحق الشارع لا يسقط بمعصية من ‏جهتها، ولذلك قالوا لو أبرأت المرأة مطلقها عند الخلع من نفقة العدة سقط بهذا الإبراء الطعام ‏والكسوة فقط، ولو خالعته على أن لا نفقة لها ولا سكنى سقطت النفقة دون السكنى، لأن نفقة ‏الطعام والكسوة حق خالص لها تملك إسقاطهما، أما السكنى فلا تملك إسقاطها لوجود حق للشارع ‏فيها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:42 PM
القسم الثالث
‏ ‏
في حقوق الأولاد والأقارب
وهي النسب وما يترتب عليه من أحكام ‏
‏ ‏
‏ ‏
الباب الأول ‏: في النسب.‏
الباب الثاني ‏: في الرضاع.‏
الباب الثالث ‏: في الحضانة.‏
الباب الرابع ‏: في الولاية.‏
الباب الخامس ‏: في نفقة الأولاد والأقارب.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:43 PM
البَاب الأول
في النسب‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:44 PM
الفَصل الأول
‏ بيان أقل مدة الحمل وأقصاها، وإثبات الولادة




‏- أقل مدة الحمل: اتفق الفقهاء على أن أقل مدة الحمل التي يتكون فيها الجنين ويولد ‏بعدها حياً هي ستة أشهر استنبطوا ذلك من مجموع آيتين في كتاب الله هما قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ‏الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} ‏‏[الأحقاف: 15].‏
وقوله جل شأنه: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي ‏عَامَيْنِ} [لقمان: 14].‏
فقد قدرت الآية الأولى للحمل والفصال ثلاثين شهراً، وقدرت الثانية للفصال أي الفطام ‏عامين، وبإسقاط الثانية من الأولى يبقى للحمل ستة أشهر وهو تقدير العليم الخبير.‏
ومما يؤيد ذلك الاستنتاج ما روي أن رجلاً تزوج امرأة فجاءت بولد لستة أشهر من ‏تاريخ الزواج، فرفع أمرها إلى عثمان رضي الله عنه فهم بإقامة الحد عليها، فقال له ابن عباس ‏رضي الله عنهما: "إنها لو خاصمتكم بكتاب الله لخصمتكم" أي غلبتكم، قال تعالى: {وَحَمْلُهُ ‏وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} وقال: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}، فإذا ذهب للفصال عامان لم يبق للحمل إلا ‏ستة أشهر، فمنع عثمان الحد عنها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد ذلك، وإذا ‏اعتبرت هذه المدة في درء الحد لأن الحدود تدرأ بالشبهات اعتبرت أيضاً في إثبات النسب، لأنه ‏مما يحتاط في إثباته محافظة على النسل وصيانة للعرض.‏
‏- أما أقصى مدة الحمل: فقد اختلف الفقهاء في تحديدها اختلافاً كبيراً، نشأ هذا الاختلاف ‏عن عدم ورود نص يحددها في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما اعتمد ‏تحديدهم لها على ما جرت به العادة في ولادة النساء كما يرى البعض، أو على أثر يروى عن أم ‏المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما يرى فريق آخر، أو على إخبار بعض النسوة في وقائع نادرة ‏كما يرى غير هؤلاء وهؤلاء.‏
ولو صح الأثر المروي عن عائشة عند كل الفقهاء لقالوا بمقتضاه، لأنه في التقديرات ‏التي لا تعلم إلا بإخبار من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليك بعض هذه الأقوال بترتيبها ‏التصاعدي.‏
وذهب الحنفية إلى أن أقصاها سنتان إستناداً إلى ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها ‏قالت: "لا تزيد المرأة في الحمل على سنتين قدر ما يتحول ظل عمود المغزل" تريد أن الجنين لا ‏يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين ولو لفترة يسيرة عبرت عنها بتحول ظل عمود المغزل.‏
ذهب الشافعية والمالكية في القول المشهور عندهم إلى أن أقصاها أربع سنوات، وفي ‏القول الآخر إنها خمس سنوات، وهناك من يزيد على ذلك.‏
‏- إثبات الولادة بعد إنكارها:‏
إذا ادعت المرأة أنها ولدت هذا المولود فإما أن يصدقها الرجل في دعواها أو ينكرها، ‏فإن صدقها ثبت النسب إذا توفرت شروط ثبوته، وإن لم يصدقها بأن أنكر دعواها كان على ‏المرأة إثبات دعواها، فبم تثبت هذه الدعوى؟
هذا الإنكار إما أن يكون لأصل الولادة، وإما أن يكون لنوع المولود بعد الاعتراف بأصل ‏الولادة، فإن كان الإنكار لأصل الولادة بأن يكون جوابه على دعواها : زوجتي أو مطلقتي لم تلد ‏شيئاً وهذا الذي تدعي ولادته لقيط، وفي هذا الإنكار تختلف طرق الإثبات باختلاف حالات المرأة ‏عند ادعائها، لأنها قد تكون زوجة أو مطلقة رجعياً أو بائناً أو معتدة من وفاة، وحال ظهور الحمل ‏أو اعتراف الزوج به أولاً.‏
فقد ثبت الدعوى بقول المرأة نفسها، وقد تثبت بشهادة امرأة مقبولة الشهادة سواء كانت ‏هي القابلة أو غيرها، وقد تحتاج إلى بينة كاملة رجلين أو رجل وامرأتين من العدول وهذه عند ‏أبي حنيفة.‏
تفصيل مذهب أبي حنيفة: إذا كان الحبل ظاهراً أو كان الزوج معترفاً بوجوده أو ورثته ‏بعد وفاته فلا تحتاج إلى إثبات بل يكفي قول المرأة نفسها، لأن الحمل المفضى إلى الولادة ثابت ‏بظهور أمارته أو الإعتراف به فيثبت ما يفضى إليه وهو الولادة بمجرد إخبار المرأة بها.‏
وإن لم يكن الحمل ظاهراً ولم يكن معترفاً به فلا يكفي قول المرأة، بل لا بد من بينة ‏للإثبات، ويكفي شهادة امرأة من أهل العدالة إذا كانت المرأة المدعية زوجة أو كانت معتدة من ‏طلاق رجعي والدعوى بعد مضي سنتين أو أكثر من وقت الطلاق إذا لم تكن أقرت بانقضاء ‏العدة، أما إذا كانت معتدة من طلاق بائن أو معتدة وفاة فلا بد من شهادة كاملة.‏
أما المعتدة من طلاق رجعي إذا ادعت الولادة قبل مضي سنتين ففيها رأيان:‏
رأي يجعلها كالزوجة.‏
والآخر يجعلها كالمعتدة من طلاق بائن وهو أرجح لأن ادعاءها الوضع قبل مضي ‏سنتين اعتراف منها بانقضاء عدتها فتكون كالمبتوتة، وإنما احتيج هنا إلى شهادة كاملة، لأن ‏الشهادة وإن كانت لإثبات الولادة إلا أنها سيترتب عليها ثبوت النسب من الزوج المطلق أو ‏المتوفى، وثبوت النسب يحتاج إلى حجة كاملة لأن المرأة بعد الولادة تكون مقرة بانقضاء عدتها، ‏وبانقضائها تصير أجنبية، ودعوى النسب من الأجنبية تحتاج إلى بينة كاملة.‏
وذهب المالكية والشافعية في إثبات الولادة إلى تعدد الشهود من النساء.‏
فالشافعية لابد من أربع منهن.‏
ويكتفي المالكية بشهادة امرأتين.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:46 PM
الفَصل الثّاني
طرق إثبات النسب أو الأمور التي يثبت بها




يثبت النسب بأحد أمور ثلاثة: الفراش، والإقرار، والبينة

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:47 PM
المبحث الأول
‏ ‏- الفراش




‏- تعريف الفراش: الفراش في الأصل ما يبسط للجلوس أو النوم عليه، ويكنى به عن المرأة التي ‏يستمتع بها الرجل يقول جل شأنه: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * ‏عُرُبًا أَتْرَابًا * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 34 - 38].‏
فكنى بالفراش عن النساء وهن الحور العين.‏
والمراد بالفراش هنا: الزوجية القائمة بين الرجل والمرأة عند ابتداء حملها بالولد، أو ‏كون المرأة معدة للولادة من شخص معين، وهو لا يكون إلا بالزواج الصحيح وما ألحق به، فإذا ‏ولدت الزوجة بعد زواجها، ثبت نسبة من ذلك الزوج دون حاجة إلى إقرار منه بذلك أو بينة ‏تقيمها الزوجة على ذلك لما رواه الجماعة إلا أبا داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" يريد أن الولد لصاحب الفراش كما جاء في لفظ ‏البخاري وهو الزوج، وللعاهر وهو الزاني الرجم عقوبة على جريمته إن كانت تستوجب الرجم، ‏أو الخيبة والخسران ولا نسب له لو نازع فيه.‏
والسبب في ثبوت النسب بالفراش دون توقف على إقرار أو بينة هو أن عقد الزواج ‏الصحيح يبيح الاتصال الجنسي بين الزوجين، ويجعل الزوجة مختصة بزوجها يستمتع بها وحده ‏وليس لغيره أن يشاركه ذلك الاستمتاع، بل ولا الاختلاء بها خلوة محرمة، فإذا جاءت بولد فهو ‏من زوجها، واحتمال أنه من غيره احتمال مرفوض، لأن الأصل حمل أحوال الناس على ‏الصلاح حتى يثبت العكس.‏
‏- شروط ثبوت النسب بالفراش:‏
وإذا كانت الشريعة جعلت الفراش طريقاً لإثبات النسب بمفرده، لكن ذلك يتوقف على ‏توفر شروط بعضها متفق عليه بين الفقهاء، وبعضها مختلف فيه، وهذه الشروط:‏
‏1- إمكان حمل الزوجة من زوجها بأن يكون الزوج ممن يتأتى منه الحمل، بأن يكون ‏بالغاً أو مراهقاً على الأقل، فلو كان صغيراً دون ذلك لا تعتبر الزوجة فراشاً، لأنه لا يتصور أن ‏تحمل منه زوجته، ومن ثم لا يثبت نسب ولد وضعته زوجته مهما كانت المدة بين العقد والوضع، ‏وهذا متفق عليه بين الفقهاء.‏
‏2- إمكان التلاقي بين الزوجين عادة بعد العقد، وهو شرط عند الأئمة الثلاثة (مالك ‏والشافعي وأحمد) لأن العقد جعل المرأة فراشاً باعتبار أنه يبيح هذا الاتصال الذي هو سبب ‏حقيقي للحمل، فلو انتفى إمكان التلاقي عادة وجاءت بولد بعد مضي ستة أشهر من حين العقد ‏عليها لا يثبت نسبه منه.‏
وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط ذلك فقالوا: إن مجرد العقد يجعل المرأة فراشاً لأنه مظنة ‏الاتصال، فإذا وجد كفى، لأن الاتصال لا يطلع عليه بخلاف العقد.‏
‏3- أن تلد الزوجة لستة أشهر على الأقل من تاريخ العقد عليها عند المذاهب الأربعة ‏ولكن مع إمكان التلاقي، لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر كما قدمنا، ومن وقت المخالطة في الزواج ‏الفاسد لأن المرأة لا تصير فراشاً إلا بها فلو أتت به لأقل من ذلك لا يثبت نسبه إلا إذا ادعاه ولم ‏يصرح بأنه من الزنا، فيثبت نسبه ويحمل ذلك على أن المرأة حملت به منه قبل العقد الصحيح ‏عليها بناء على عقد آخر صحيح أو فاسد أو مخالطة لها بشبهة حفاظاً على الولد من الضياع ‏وستراً على الأعراض، ويكون ثبوت النسب هنا بالإقرار لا بالفراش.‏
‏4- أن تلده لأقل من أقصى مدة الحمل - على الاختلاف السابق فيها - من وقت الفرقة ‏بالطلاق البائن أو الموت، فإذا جاءت به لسنتين فأكثر من حين الفرقة لا يثبت نسبه بالفراش ‏السابق عند الحنفية، لأنه تبين أنها حملت به بعد انتهاء الفراش يقيناً.‏
وإذا كان الطلاق رجعياً ثبت نسبه منه في أي وقت تجئ به ولو مضى سنتان فأكثر من ‏وقت الطلاق ما لم تقر بانقضاء عدتها بعد طلاقها منه، ويجعل ذلك على أنه راجعها بعد الطلاق ‏في عدتها التي قد يطول وقتها إذا امتد طهرها ويكون ثبوته بالفراش الذي استدامته الرجعة.‏
تلك هي شروط ثبوت النسب بالفراش، فإذا تخلف منها شرط لا يثبت النسب منه إلا إذا ‏ادعاه عند الحنفية، ويكون ثبوته في هذه الحالة بالدِّعوة لا بالفراش، ولا يملك نفيه إلا بعد إجراء ‏اللعان الشرعي إذا توفرت شروطه، وهي تتلخص فيما يلي:‏
‏1- أن ينفي الولد عند الولادة أو في مدة التهنئة بالمولود عند أبي حنيفة، أو في مدة ‏النفاس في رأي آخر في المذهب الحنفي إذا كان حاضراً وقت الولادة، أو وقت حضوره أو وقت ‏التهنئة إن كان غائباً عند أبي حنيفة، ومن مقدار مدة النفاس في رأي آخر في المذهب الحنفي.‏
‏2- ألا يكون الزوج أقر بالولد صراحة أو دلالة كقبوله التهنئة أو سكوته عندها ولم يرد.‏
‏3- أن يكون كل من الزوجين أهلاً للعان عند ابتداء الحمل بالولد.‏
‏4- أن يكون الولد حياً عند الحكم بقطع النسب بعد إجراء اللعان والقضاء بنفيه عنه، فلو ‏مات قبل القضاء بنفي نسبه لا ينتفى نسبه، لأن النسب يتقرر بالموت.‏
وإذا انتفى نسبه باللعان لا يجوز عند الحنفية أن يلحق بغيره لو ادعاه لاحتمال أن يكذب ‏الزوج نفسه ويعترف بنسبه على ما بيناه من قبل.‏
‏- ثبوت النسب في الزواج الفاسد:‏
الزواج الفاسد لا تصير به المرأة فراشاً بالعقد بل بالدخول الحقيقي على المفتى به في ‏المذهب الحنفي، فإذا ولدت المتزوجة زواجاً فاسداً لأقل من ستة أشهر من حين الدخول الحقيقي ‏لا يثبت نسبه من الزوج إلا إذا ادعاه ولم يصرح إنه من الزنا، وإن جاءت به لستة أشهر فأكثر ‏ثبت نسبه بدون دعوة منه.‏
وإذا أتت به بعد المتاركة لأقل من سنتين من تاريخ الفرقة عند الحنفية، وإذا ولدته لأكثر ‏من ذلك لا يثبت نسبه.‏
ويلاحظ هنا: أن الولد إذا ثبت نسبه بالزواج الفاسد لا ينتفى بنفيه، لأن النسب الثابت ‏بالفراش لا ينتفي إلا باللعان، ولا لعان إلا في الزواج الصحيح، وبناء عليه يكون الفراش الثابت ‏بالزواج الفاسد أقوى من الفراش الثابت بالزواج الصحيح. هكذا يقولون:‏
ثبوت النسب بالمخالطة بشبهه: هذه المخالطة لا تصير بها المرأة فراشاً، بل يثبت بها ‏شبهة الفراش فإذا ولدت بعد أن خالطها بشبهة لا يثبت نسبه بتلك الشبهة إلا إذا انضم إليها ‏الدِّعوة، وحينئذ يكون ثبوت النسب بالإقرار لا بالفراش.‏
‏- أما ثبوت النسب بعد الفرقة بين الزوجين فهو على التفصيل الآتي:‏
‏1- المطلقة قبل الدخول: إذا ولدت ولداً لستة أشهر من وقت العقد ولأقل من ستة أشهر ‏من وقت الطلاق ثبت نسبه من زوجها لإمكان الحمل منه وقت الفراش عند الحنفية الذي يثبت ‏عندهم بمجرد العقد كما قدمنا، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت العقد لا يثبت نسبه، ‏لأنه يدل على أنها حملت قبل أن تكون فراشاً لهذا الزواج، وإن جاءت به لستة أشهر من وقت ‏الطلاق لا يثبت نسبه منه، لاحتمال أنها حملت بعد الطلاق من غيره، واحتمال أنها حملت قبل ‏الطلاق لا يكفي لإثبات النسب هنا، لأن زوجيتها انقطعت بهذا الطلاق البائن حيث لا عدة عليها.‏
وقد عللوا ذلك: بأن القاعدة عندهم. أن كل امرأة لا تجب عليها العدة لا يثبت نسب ولدها ‏من زوجها إلا إذا علم يقيناً أنه منه بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من حين الطلاق، وكل امرأة ‏تجب عليها العدة يثبت نسب ولدها من زوجها إلا إذا علم يقيناً أنه ليس منه بأن تجيء به لأكثر ‏مدة الحمل.‏
‏2- المطلقة بعد الدخول: ولها حالتان. إما أن تقر بانقضاء عدتها قبل الولادة أولاً. فإذا ‏أقرت بانقضاء عدتها في مدة يحتمل انقضاء العدة فيها، ثم جاءت بولد لستة أشهر فأكثر من وقت ‏الإقرار فلا يثبت نسبه من مطلقها سواء كان الطلاق رجعياً أم بائناً، لاحتمال أن يكون الحمل من ‏غيره بعد العدة، وإن ولدته لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار بانقضاء عدتها ثبت نسبه وتكون ‏كاذبة في إقرارها لأنها وقت الإقرار كانت حاملاً بيقين.‏
وإذا لم تقر بانقضاء عدتها وجاءت بولد لأقل من سنتين من وقت الطلاق ثبت نسبه من ‏مطلقها سواء كان الطلاق رجعياً أم بائناً.‏
وإن جاءت به لسنتين فأكثر من وقت الطلاق ثبت نسبه إذا كان الطلاق رجعياً، ويحمل ‏على أن زوجها خالطها أثناء العدة وتكون رجعة.‏
وإن كان الطلاق بائناً لا يثبت نسبه، لأن الحمل كان بعد زوال الفراش إلا إذا ادعاه، فإنه ‏يثبت نسبه بالدَّعوة لا بالفراش، ويحمل هذا الادعاء على أنه خالطها بشبهة أثناء العدة.‏
‏3- المتوفى عنها زوجها: إما أن تدعي الحمل أولاً.‏
فإن ادعت الحمل وجاءت بولد لأقل من سنتين من تاريخ الوفاة ثبت نسبه من زوجها ‏لقيام الفراش حتى حملها، وإن جاءت به لسنتين فأكثر لا يثبت نسبه للتيقن بأن علوقها به كان بعد ‏الموت.‏
وإن لم تدع الحمل وأقرت بانقضاء عدتها بمضي أربعة أشهر وعشرة أيام ثم جاءت بولد ‏لأقل من ستة أشهر من وقت انقضاء عدتها الذي زعمته ثبت نسبه لإمكان علوقها به قبل وفاته ‏وظهور كذبها في دعوى انقضاء عدتها.‏
وإن جاء به لستة أشهر فأكثر من وقت انقضاء عدتها لا يثبت نسبه لاحتمال أن يكون ‏حملها من غير زوجها بعد انقضاء عدتها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:49 PM
المبحث الثاني
‏ ‏- الإقرار





كما يثبت النسب بالفراش، وهو قاصر على إثبات نسب الأولاد، لأنه يكون بين رجل ‏وامرأة بينهما علاقة حصل بينهما اتصال جنسي مشروع ولو بوجه، وولادة من المرأة في ظل ‏هذه العلاقة أو آثارها بعد انقطاعها في العدة، وهو في الواقع منشئ للنسب، ولا يحتاج إلى إقرار.‏
كما يثبت بذلك يثبت بالإقرار، ويسميه الفقهاء بثبوت النسب بالدِّعوة.‏
ومعنى الإقرار بالنسب: إخبار الشخص بوجود القرابة بينه وبين شخص آخر.‏
وهذه القرابة تتنوع إلى نوعين: ‏
‏1- قرابة مباشرة: وهي الصلة القائمة بين الأصول والفروع لدرجة واحدة كالبنوة ‏والأبوة والأمومة.‏
‏2- قرابة غير مباشرة: وهي قرابة الحواشي الذي يجمعهم أصل مشترك دون أن يكون ‏أحدهما فرعاً لآخر كالأخوة والعمومة، ومثلها قرابة الأصول والفروع بعد الدرجة الأولى ‏كالأجداد والحفدة.‏
ومن هنا تنوع الإقرار بالنسب إلى نوعين:‏
الأول: إقرار الشخص بالنسب على نفسه وهو الإقرار بأصل النسب وهذا يكون بالولد ‏الصلبي إبناً أو بنتاً والوالدين المباشرين له. كأن يقول : هذا ابني أو أبي، أو هذه ابنتي أو أمي.‏
وفي هذا النوع إذا توفرت شروط صحة الإقرار يثبت النسب وأصبح المقر بنسبه ابناً أو ‏بنتاً أو أباً أو أماً، ولا يجوز له الرجوع عن هذا الإقرار. وإنما كان هذا إقراراً بالنسب على نفس ‏المقر لأن النسب فيه علاقة بينه وبين المقر له فقط وليس فيه تحميل النسب على غيرهما، وإذا ‏ثبتت هذه القرابة ترتبت جميع الآثار عليها وتتعدى هذه الآثار إلى جميع الأقارب والأرحام دون ‏استثناء.‏
ويشترط لثبوت النسب به في حالة الإقرار بالبنونة الشروط الآتية:‏
‏1- أن يكون المقر له بالبنونة مجهول النسب حتى يمكن إثبات بنوته للمقر، فلو كان له ‏نسب معروف لم يصح الإقرار، لأن الشخص لا يكون له أبوان، ونسبه الثابت قبل الإقرار لا يقبل ‏الفسخ كما لا يقبل التحويل.‏
ويلاحظ أن ولد المتلاعنين وإن حكم بنفي نسبه من الزوج الملاعن إلا أنه يعتبر في حكم ‏ثابت النسب فلا يثبت نسبه بإقرار غير الملاعن لجواز أن يكذب الملاعن نفسه فيثبت نسبه منه، ‏ولأن في قبول هذا الاقرار تسجيلاً للفاحشة على المرأة.‏
‏2- أن يكون المقَر له بالبنوة مما يولد لمثل المقِر بأن تكون سنهما تحتمل ذلك، فلو كانا ‏في سنين متساويين أو متقاربين بحيث لا يولد أحدهما للآخر لم يصح الإقرار، لأن الواقع يكذبه ‏في هذا الإقرار.‏
‏3- أن يصدق المقَر له المقِر في هذا الإقرار إذا كان من أهل المصادقة، وهو المميز عند ‏الحنفية، لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر فلا يتعدى إلى غيره إلا ببينة أو تصديق من الغير، ‏وهذا الإقرار يتضمن دعوى البنوة على المقَر له، ويترتب على هذا النسب حقوق لكل من المقِر ‏والمقَر له على الآخر.‏
فإن كان المقَر له غير مميز ثبت النسب دون حاجة إلى تصديق، لأن غير المميز ليست ‏له عبارة معتبرة، ولأن هذا الإقرار - من ناحية أخرى - فيه منفعة أدبية لهذا الصغير بإثبات نسبه ‏بعد أن كان مجهولاً، ومنفعة مادية غالباً لحاجته إلى من يقوم بشئونه والإنفاق عليه، ولو كان ‏مميزاً لبادر إلى التصديق ما لم يمنعه مانع منه.‏
وإذا كان ثبوت النسب بالإقرار يتوقف على تصديق المقر له، فلو صدقه ثبت النسب، ولو ‏كذبه لا يثبت النسب بعد هذا التكذيب، لكنه لا يبطل الإقرار بل يظل قائماً ما دام المقَر له حياً ‏لجواز أن يرجع عن تكذيبه ويصدقه فيثبت النسب، لأن الإقرار بالنسب لا يبطل بالرد من المقر ‏له بخلاف الإقرار بالحقوق المالية فإنه يبطل بالرد.‏
وفي حالة التكذيب لو أقام المقِر البينة على دعواه ثبت النسب بالبينة لا بالإقرار.‏
‏4- ألا يصر المقر بأن هذا ابنه من الزنا، فإن صرح بذلك لا يثبت به النسب، لأن الزنا ‏جريمة لا تصلح أن تكون سبباً للنسب الذي هو نعمة من نعم الله التي امتن بها على عباده يقول ‏جل شأنه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل:72].‏
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الولد للفراش وللعاهر الحجر".‏
ولأن المقر بالنسب لا يلزم ببيان السبب في تلك البنوة إذا لم يصرح به، لأن الأصل حمل ‏حال الناس على الصلاح حتى يثبت عكس ذلك، ولأنه لو صرح بالسبب من زواج صحيح أو ‏فاسد كان النسب ثابتاً بالفراش بعد إثباته لا بالإقرار المجرد.‏
وكما يقبل الإقرار من الرجل بالبنوة بالشروط السابقة كذلك يقبل من المرأة الإقرار ‏بالبنوة بشروط ثلاثة: ألا يكون للولد أم معروفة.‏
وأن يولد مثله لمثلها.‏
وأن يصدقها الولد في هذا الإقرار إن كان مميزاً عند الحنفية.‏
ويقتصر النسب عليها إذا لم تكن زوجة ولا معتدة، فإن كانت زوجة أو معتدة من زواج ‏صحيح أو فاسد وادعت أن الولد ليس من هذا الزوج يثبت نسبه منها بإقرارها، لأن هذا الإقرار ‏إلزام لنفسها لا لغيرها وهي أهل للالتزام بالنسب كالرجل.‏
فإن لم تدع أنه من غير زوجها لا يثبت النسب من زوجها إلا إذا صدقها الزوج في ذلك ‏الإقرار، لأن إقرارها في هذه الحالة يتضمن تحميل النسب على غيرها وهو الزوج، فإن صدقها ‏أو أقامت البينة على أنه ولد على فراشه بشهادة القابلة أو امرأة أخرى من أهل العدالة ثبت النسب ‏منهما معاً.‏
وبهذا يظهر الفرق بين إقرار المرأة ببنوة ولد من الزنا وإقرار الرجل بذلك. ‏
فيصح إقرار المرأة إذا أثبتت ولادته له دون الرجل عند الحنفية بلا خلاف.‏
الإقرار بالأبوة أو الأمومة:‏
وكما يصح إقرار الرجل والمرأة ببنوة الولد يصح إقرار الولد بأبوة شخص معين، أو ‏بأمومة امرأة معينة، وتثبت الأبوة والأمومة إذا توفرت شروط ثلاثة.‏
‏1- أن يكون المقِر مجهول الأب أو الأم.‏
‏2- وأن يولد مثله لمثل المقَر له منهما.‏
‏3- وأن يصدقه المقَر له مطلقاً، لأنه لا يكون إلا كبيراً أو كبيرة.‏
ويزيد إقراره بالأبوة ألا يصرح بأنه أبوه من الزنا، أما إذا صرح في إقراره بالأمومة ‏بأنها أتت به من سفاح، وتوفرت الشروط الثلاثة السابقة، وأثبتت ولادته من الزنى ثبت نسبه ‏منها.‏
ومما ينبغي ملاحظته هنا: أن المقر بالنسب إذا أنكر أنه أقر فأقام المستفيد من هذا الإقرار ‏بينة على إقراره ثبت ذلك الإقرار بتلك البينة وثبت النسب بذلك الإقرار.‏
الثاني: وهو إقرار الشخص بالنسب على الغير، ويكون بالإقرار بالنوع الثاني من ‏القرابة، ويسمى الأقرار بفرع النسب. كالإقرار بالأخوة والأعمام والأجداد وأولاد الأولاد.‏
فإذا قال: هذا أخي كان إقراراً بالنسب على أبيه، لأن معناه هذا ابن أبي، وإذا قال : هذا ‏عمي كان إقراراً بالنسب على جده، لأن معناه هذا ابن جدي وهكذا بقية القرابات.‏
وهذا الإقرار يتضمن أمرين:‏
‏1- تحميل النسب على الغير.‏
‏2- استحقاق المقَر له في مال المقَر عليه بعد وفاته.‏
والإقرار حجة قاصرة لا تتعدى المقر إلى غيره فلا يكون له أثر فيما يتعلق بالغير فيرد ‏إقراره بالنسب فلا يثبت به نسب المقر له على ذلك، لأنه لا يملك أحد أن يلحق نسب شخص بآخر ‏بمجرد دعواه حتى ولو صدقه المقَر له في ذلك الإقرار، لأنه متهم في هذا التصديق حيث يجر ‏إليه نفعاً لا يوجد بدون الإقرار.‏
ولا يثبت النسب إلا بأحد أمرين:‏
أولهما: أن يصدقه المقَر عليه بالنسب، ويكون هذا التصديق من النوع الأول من الإقرار، ‏وهو الإقرار على النفس، ولا يكون لإقرار المقر هنا أثر في ثبوت النسب بل يعتبر تصديق المقر ‏عليه إقراراً مبتدأ بالنسب، لأنه لو أقر به ابتداء ثبت إذا توفرت شروطه.‏
ثانيهما: إذا أقام المقر بينة على دعواه أو صدقه ورثة المقَر عليه بعد وفاته، لأن تصديقهم ‏يعتبر بينة فيثبت النسب بالبينة لا بالإقرار، وهو النوع الثالث من مثبتات النسب.‏
وإذا لم يكن للإقرار على الغير أثر في ثبوت النسب جاز له الرجوع عنه بعد صدوره ‏منه.‏
وإذ ثبت على إقراره قُبل في حق نفسه فيعامل بمقتضى ذلك الإقرار في الحقوق المالية ‏إذا توافرت بقية شروط صحة الإقرار من كون المقر له مجهول النسب، وكونه مما يتصور أن ‏يولد مثله لمثل المقر عليه، وأن يصدق المقر له المقر في هذا الإقرار، فلو كان المقر له عاجزاً ‏عن الكسب ولا مال له لزم المقر نفقته إن كان سراً.‏
فإذا مات من يرثه المقِر بالقرابة النسبية وورث منه شاركه المقَر له في نصيبه عند ‏الحنفية والمالكية الحنابلة على اختلاف بينهم في مقدار المشاركة.‏
وذهب الشافعية إلى أنه إن ثبت نسبه ورث في مرتبته، وإن لم يثبت لا يرث لا بنسب ولا ‏بغيره لأن إقرار المقر بالنسب باطل وهو أساس الإرث، فإذا لم يثبت لا يثبت ما يترتب عليه ثم ‏قالوا: إن هذا في الظاهر أي في القضاء، وهل يلزمه ديانة قولان أصحهما لا يلزمه.‏
وإذا مات المقر بهذا النسب ولم يوجد له وارث بأي سبب من الأسباب استحق المقر له ‏تركته كلها بطريق الميراث عند الحنفية، لأنه لما بطل إقراره بهذا النسب بقي إقراره بالمال ‏صحيحاً، لأنه لا يعدوه إلى غيره إذا لم يكن له وارث معروف، ولذلك جعلوه آخر مراتب الورثة ‏فيستحق كل التركة إذا لم يكن له وارث أصلاً، وباقيها بعد فرض أحد الزوجين لأنهم لا يقولون ‏بالرد على الزوجين.‏
‏- الفرق بين الإقرار بالبنوة والتبني:‏
إن الإقرار بالبنوة هو اعتراف بنسب حقيقي لشخص مجهول النسب، فهو يعترف ببنوة ‏ولد مخلوق من مائه فيكون ابناً له ثابت النسب منه وليس له نسب آخر يتساوى مع ابنه الثابت ‏نسبه بالفراش لا فرق بينهما إلا في طريق الإثبات تثبت له كافة الحقوق الثابتة للأبناء من النفقة ‏والإرث وحرمة المصاهرة، واحتمال أنه كاذب في الواقع لا يلتفت إليه، لأنه لا يوجد ما يثبت ‏كذبه، فالظاهر يصدقه، والله يتولى سرائره.‏
أما التبني فهو استلحاق شخص ولداً معروف النسب لغيره أو مجهول النسب كاللقيط ‏ويصرح أنه يتخذه ولداً له مع كونه ليس ولداً له في الحقيقة.‏
وهذا النوع هو الذي كان في الجاهلية، وقد كانوا يجعلونه كالابن الحقيقي يأخذ أحكامه ‏من النفقة والميراث وتحريم زوجته على متبنيه.‏
فلما جاء الإسلام أبطله وبين أنه مجرد دعوى لا أساس لها يقول الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ ‏أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ ‏هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا ‏أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 4، 5].‏
ومع أن هذا التبني كذب وافتراء على الله والناس كما صرح القرآن بذلك يؤدي إلى مفاسد ‏كثيرة.‏
منها: أنه يأتي بشخص أجنبي يعيش مع أجنبيات عنه لا تربطه بهم رابطة مشروعة، ‏فيطلع منهن على ما حرم الله الاطلاع عليه ويحرم عليه الزواج منهن مع أنهن محللات له.‏
ومنها: أنه يحمل الأقارب واجبات تترتب على ذلك فتجب نفقة ذلك المتبنى عليهم إن ‏كان محتاجاً إليها، ويشاركهم الميراث فيحرمهم من بعض ما يستحقونه منه.‏
وقد يستعمل وسيلة للحرمان منه، بأن يعمد الرجل صاحب المال فيتبنى ابناً ليرث ماله ‏ويحرم منه أصحاب الحق في الميراث بشرع الله من أخوة وأخوات فيغرس بذلك بذور الشقاق ‏والحقد بين الأسر، ويفككها ويقطع حبل المودة بين أفرادها.‏
ولو لم يكن في التبني من هذه المفاسد إلا إحداها لكان خليقاً بالإلغاء والإهدار.‏
وإذا كان الشارع قد حرم التبني لما فيه من المفاسد وأغلق بابه فلم يغلق باب الإحسان بل ‏فتحه على مصراعيه، وجعل للشخص إذا وجد طفلاً بائساً محروماً ممن يقوم بشأنه ويتولاه ‏برعايته أن يأخذه ليربيه وينفق عليه ليمسح بيده الرحيمة عن هذا المخلوق آثار البؤس والفاقة، ‏كما لم يمنعه من أن يهبه بعض ماله أو يوصي له ببعضه إذا لم يبلغ الغاية من التربية دون أن ‏يلحقه بالنسب إليه، ودون أن يجوز بفعله على حقوق أبنائه أو أقاربه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:50 PM
المبحث الثالث
في البينة‏




كما يثبت النسب بالإقرار بشروطه السابقة يثبت النسب بالبينة، بل هي أقوى من الإقرار، ‏لأنها حجة متعدية إلى الغير، والإقرار حجة قاصرة تقتصر على المقر.‏
ولذلك لو تعارض إقرار وبينة في دعوى النسب رجح جانب صاحب البينة.‏
فلو كان هناك ولد ليس له نسب معروف فأخذه رجل وادعى نسبه، وتوفرت شروط ‏الإقرار السابقة ثبت نسبه بذلك الإقرار، فلو جاء رجل آخر وادعى نسبه وأقام بينة صحيحة على ‏أنه ابنه كان أحق به من المقر، لأن النسب وإن ثبت في الظاهر بالإقرار إلا أنه غير مؤكد ‏فاحتمل البطلان بالبينة لأنها أقوى منه.‏
والبينة التي يثبت بها النسب هنا هي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.‏
فإذا ادعى رجل: أن فلاناً ابنه أو أبوه أو أخوه أو عمه أو جده أو ابن ابنه وأنكر المدعى ‏عليه هذه الدعوى فأقام المدعي البينة على دعواه قبلت هذه الدعوى وثبت النسب وترتبت كل ‏الحقوق والأحكام التي تبنى على هذا النسب بعد توافر الشروط المصححة لتلك الدعوى وقد ‏قدمناها في الإقرار.‏
ومما يلاحظ هنا: أن دعوى النسب تقبل مجردة في بعض الحالات، ولا تقبل في بعضها ‏إلا إذا كانت ضمن حق آخر على التفصيل الآتي.‏
فإذا كانت بأصل النسب وهو الأبوة والبنوة. فإن كانت حال حياة الأب أو الابن سمعت ‏الدعوى مجردة بالنسب، ويجري الإثبات على النسب قصداً، وأولى أن يقبل ضمن حق آخر ‏كالنفقة والميراث.‏
وإن كانت الدعوى بعد وفاة الأب أو الابن فلا تسمع الدعوى بالنسب استقلالاً، لأنها ‏دعوى على ميت وهو غائب، والغائب لا يصح القضاء عليه قصداً ويصح تبعاً.‏
أما إذا كانت ضمن حق آخر كدعوى الميراث مثلاً، فإنها تقبل لأن النسب هنا ليس ‏مقصوداً لذاته بل هو وسيلة لإثبات الحق المتنازع فيه، والخصم هنا ليس هو الميت بل الورثة أو ‏من بيده التركة.‏
وإذا كانت الدعوى بما يتفرع على أصل النسب كالأخوة والعمومة مثلاً فلا تسمع ‏الدعوى بالنسب على سبيل الاستقلال حياً كان المدعى عليه بالنسب أو ميتاً، لأنه هذه الدعوى ‏فيها تحميل النسب على الغير، ولا يثبت النسب إلا إذا ثبت من الغير أولاً وهو الأب أو الجد فلا ‏يكون النسب هنا مقصوداً بالذات للمدعي، بل المقصود ما يترتب عليه من الحقوق كالنفقة ‏والإرث.‏
فإذا ادعى النسب مجرداً عن حق آخر كانت دعوى بحق غير مقصود له فلا تقبل، وإن ‏كانت ضمن دعوى حق آخر لا يثبت إلا إذا ثبت النسب، كالنفقة أو الميراث كان دعوى مقبولة ‏سواء كان المدعى عليه حياً أو ميتاً لأن المقصود الأصلي هو الحق المترتب على ثبوت النسب، ‏والخصم هنا من بيده التركة، فيقضي له بالحق الذي يدعيه ويثبت النسب ضمناً وتبعاً.‏
كما يلاحظ أيضاً: أن هذه الطرق الثلاثة ليست كلها في مرتبة واحدة، بل إن الفراش هو ‏السبب الحقيقي للنسب لأنه المنشيء له، أما الإقرار والبينة فهما سببان ظاهريان يدل كل منهما ‏على وجود السبب الحقيقي وهو الفراش، لأن الولد الشرعي لا يكون إلا ثمرة فراش.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:51 PM
الفصل الثالث
‏ اللقيط وأحكامه






اللقيط: مولود حيّ نبذه أهله لسبب من الأسباب، كخوف العيلة أو الفرار من تهمة الزنا ‏أو ما شاكل ذلك.‏
حكم التقاطه: والتقاط اللقيط مندوب إليه شرعاً يثاب فاعله إذا وجد في مكان لا يغلب ‏على الظن هلاكه لو ترك، فإن غلب على الظن هلاكه لو تركه كان التقاطه فرضاً عليه بحيث ‏يأثم إذا لم يأخذة، لأنه مخلوق ضعيف لم يقترف إثماً يستحق عليه الإهمال، وإنما الإثم على من ‏طرحه أو تسبب في وجوده من طريق غير مشروع.‏
الأحق به: وملتقطه أحق الناس بإمساكه وحفظه، لأنه الذي تسبب في إحيائه، وليس ‏للحاكم ولا لغيره أن يأخذه منه جبراً عنه إلا إذا تبين أنه غير صالح للقيام برعايته.‏
وإذا التقطه أكثر من واحد وتنازعوه فالأحق به أرجحهم بالإسلام أو القدرة على حفظه ‏وتربيته، فإن تساووا وضعه القاضي عند أصلحهم رعاية لشئونه في نظره.‏
والإسلام الذي حرم التبني عُني بهذا اللقيط: فأوجب التقاطه وحرم إهماله وتضييعه، ‏واعتبره مسلماً حراً إذا وجد في دار الإسلام أو التقطه مسلم من أي مكان.‏
فإن التقطه ذميّ في مكان خاص بهم كان على دين من التقطه عملاً بهذه القرائن التي ‏ترجح ولادته لغير المسلمين.‏
ومع اعتباره مسلماً إذا وجد في دار الإسلام لو ادعى ذمي أنه ابنه وأقام بينة على ذلك ‏ثبت نسبه منه وكان على دينه إعمالاً للبينة، لأن الأصل أن من يولد في دار الإسلام يكون مسلماً ‏تبعاً للدار إلا إذا قام الدليل على خلافه.‏
أما إذا لم يقم البينة وتوفرت شروط الإقرار بالنسب ثبت نسبه من ذلك الذمي وكان مسلماً ‏تبعاً للدار، لأن الإقرار حجة قاصرة كما قلنا فيعمل به في ثبوت النسب وتبقى التبعية للدار لا ‏يعارضها شيء.‏
أهليته للملك: واللقيط أهل للملك لأنه حر، فإذا وجد معه مال فهو ملك له، لأنه صاحب ‏اليد عليه، وكان على الملتقط المحافظة على هذا المال، ولا ينفق منه عليه شيئاً إلا بأذن القاضي ‏صاحب الولاية عليه، لأن الملتقط لا يملك من أمره إلا الحفظ والرعاية، وما ينفقه عليه من ماله ‏بغير الأذن يكون متبرعاً به إلا إذا أشهد حين الإنفاق أنه سيرجع به عليه.‏
وإذا لم يوجد مع اللقيط مال ولم يوجد من ينفق عليه تبرعاً فنفقته في بيت مال المسلمين.‏
وإذا لم يكن للملتقط على اللقيط ولاية التصرف في المال الذي وجده معه إلا بإذن ‏القاضي فإن له عليه ولاية المحافظة عليه وعلى هذا المال، ويقبض عنه ما يوهب له أو يتصدق ‏به أهل الخير عليه، ويشتري له ما يلزمه من طعام وكسوة.‏
كما أن له ولاية تربيته وتعليمه بأن يدخل مدرسة ليتعلم فيها إن كان يقدر على ذلك وكان ‏عند اللقيط رغبة في التعليم واستعداد له، فإن لم يمكن ذلك كان عليه أن يعلمه حرفة أو صناعة ‏تكون سبيلاً لتكسبه في المستقبل لئلا يكون عالة على المجتمع.‏
نسب اللقيط: إذا ادعى شخص بنوة اللقيط ثبت نسبه منه دون حاجة إلى بينة إذا توفرت ‏شروط الإقرار السابقة، يستوي في ذلك ملتقطه وغيره، ويصبح بعد ذلك ابناً حقيقياً له.‏
وإذا ادعى بنوته أكثر من واحد وكان منهما الملتقط رجح الملتقط إلا إذا أقام غيره بينة ‏على دعواه لأن البينة أقوى من الإقرار.‏
وإذا ادعاه اثنان ليس منهما الملتقط رجح أسبقهما دعوى إلا إذا أقام المتأخر البينة، وإذا ‏لم يسبق أحدهما الآخر رجح من أقام بينة.‏
فإن لم تكن لهما بينة أو أقام كل منهما بينة رجح من ذكر علامة مميزة فيه لأنه بذلك ‏يكون قد سبقت يده إليه، فإن تساويا ولا مرجح لأحدهما فمحافظة على النسب من الضياع ينسب ‏إلى كل منهما وإن كان الواقع أنه ليس ابناً لهما معاً، ولكن معاملة لهما بإقرارهما، فيثبت له على ‏كل منهما الحقوق الواجبة على الآباء للأبناء من النفقة وغيرها، وله حق الإرث من كل منهما ‏ميراث ابن كامل، ولو مات اللقيط ورث منه أب واحد يقسم بينهما بالسوية.‏
وإذا ادعت المرأة بنوة اللقيط : فإن كان لها زوج وصدقها أو شهدت القابلة بولادتها أو ‏أقامت بينة على ذلك صحت دعواها وثبت نسبة منهما.‏
وإن لم يكن لها زوج فلا يثبت نسبه منها إلا إذا أقامت بينة كاملة من رجلين أو رجل ‏وامرأتين من أهل الشهادة عند الحنفية.‏
والفرق بينها وبين الرجل حيث تقبل دعواه بدون بينة ولا تقبل دعواها إلا ببينة. أن في ‏ثبوت النسب للرجل المدعي دفعاً للعار عن اللقيط بانتسابه إلى أب معروف، ولا يوجد ذلك في ‏دعوى المرأة، لأنه ينسب إليها من أتت به من طريق مشروع وغير مشروع.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:53 PM
البَابْ الثاني‏ ‏


في الرضاع:‏
أجرة الرضاع:‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:54 PM
الفَصل الأول
‏ ‏- في وجوب الرضاع للرضيع، وعلى من يجب؟






يقول الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ‏وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ‏وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ ‏عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا ‏اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233].‏
ويقول جل شأنه في شأن المطلقات: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ ‏بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6].‏
في هاتين الآيتين وضع المولى سبحانه الأسس التي تقوم عليها أحكام الرضاع، ومنهما ‏استنبط الفقهاء أكثر أحكامه، وفيهما توزيع لمسئولية الرضاع بين الأب والأم، فكل منهما يقوم بما ‏يستطيعه دون مضارة لأحدهما، فالأم بلبنها الذي أجراه الله في ثديها غذاء لطفلها وهو أنسب ‏غذاء له في هذه الفترة بعد أن تغذى بدمها فترة الحمل، والأب بالإنفاق عليها ليدر لبنها.‏
ثم رفع الجناح عن إرضاع الأجنبيات إذا ما تعذر إرضاع الأم، وقد كان هذا عرفاً شائعاً ‏عند العرب قبل الإسلام يسيرون عليه راضية به نفوسهم، فلم يعرض له بالإلغاء كما ألغي غيره ‏من الأعراف بل أقره وفوضه لإرادة الآباء مع التصريح برفع الجناح عنهم في ذلك.‏
وتفتتح الآية الأولى بجملة خبرية تحمل معنى الأمر {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ ‏كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فنظراً لخبريتها تفيد أن الرضاع حق للأم لها أن تستوفيه ولها ‏أن تتنازل عنه، ونظراً لمعنى الأمر فيها تفيد أنه واجب عليها لا تستطيع تركه إلا إذا منعها من ‏ذلك مانع كمرض ونحوه، ومن هنا جاء اختلاف الفقهاء في وجوب الرضاع على الأم.‏
وإن نظرة عامة في مذاهب الفقهاء نجدها متفقة على أنه واجب على الأم في بعض ‏الحالات، وغير واجب عليها في حالات أخرى مع اتفاق الجميع على أنه حق للأم لا يزاحمها ‏غيرها في استيفائه إذا أرادت ما لم يكن في ذلك ضرر يلحق الرضيع أو الأب، لأن الأم أقرب ‏الناس إلى وليدها ينبض قلبها بالحنان والشفقة عليه فوق أن لبنها أفضل غذاء له مما عداه لأنه ‏يلائم جسمه الذي تغذى به دماً وهو جنين في بطنها.‏
تلخيص آراء الفقهاء:‏
اتفق الفقهاء على أن الرضاع واجب على الأم ديانة في جميع الحالات سواء كانت ‏زوجيتها قائمة أو انتهت، بمعنى أنها مسؤولة أمام الله عن ذلك بحيث تأثم لو امتنعت عنه وهي ‏قادرة عليه.‏
واختلفوا بعد ذلك في وجوبه عليها قضاء، أي أن القاضي يجبرها عليه إذا امتنعت عنه ‏بدون عذر.‏
فذهب مالك في المشهور عنه أنه واجب عليها قضاء إذا كانت زوجة أو معتدة من طلاق ‏رجعي كما هو واجب ديانة لظاهر الأمر وهو يفيد الوجوب قضاء وديانة إلا إذا كانت ذات ترفه ‏لم يجر عرف قومها بإرضاع نسائهم أولادهن لأن هذا كان في الجاهلية ولم يغيره الإسلام، ‏ولأنها تتضرر حينئذ بإلزامها بالإرضاع إلا إذا تعينت للإرضاع بأن كان الطفل لا يقبل إلا ثديها ‏فإنها تجبر عليه محافظة على الصغير من الهلاك وهو ضرر أكبر من تضررها بالإرضاع تجبر ‏حتى ولو كانت مطلقة بائناً.‏
وذهب الشافعية إلى أنه يجب عليها أن ترضعه أول لبنها المسمى باللباء، لأن الولد يقوى ‏وتشتد بنيته به، ولا يجب عليها أن ترضعه ما بعده يستوي في ذلك أن تكون زوجة أو أجنبية إلا ‏إذا تعينت بأن لم يوجد من يرضعه غيرها أو لم يقبل الطفل غير ثديها فيتعين عليها الإرضاع.‏
وذهب الحنفية إلى أنه يجب عليها ديانة لاقضاء، فإن امتنعت عنه بدون عذر فلا تجبر ‏قضاء عليه إلا في حالات ثلاث:‏
‏1- إذا لم يكن للطفل ولا لأبيه مال يستأجر به مرضعاً ولم توجد متبرعة بإرضاعه.‏
‏2- إذا لم توجد من ترضعه غيرها بأجر أو بغير أجر وإن كان للأب أو الابن مال.‏
‏3- إذا وجدت المرضعة ولكن الطفل لا يقبل غير ثدي أمه.‏
ففي هذه الحالات يتعين عليها الإرضاع وتجبر عليه قضاء حتى لا يتعرض الطفل ‏للهلاك.‏
وفي غير تلك الحالات إذا قامت الأم بإرضاعه فيها، وإن امتنعت عنه بدون عذر ظاهر ‏لا تجبر عليه لأن الرضاع حق للأم كما هو للولد، ولا يجبر أحد على استيفاء حقه إلا إذا وجد ما ‏يقتضي الإجبار عليه وهو المحافظة على حياة الطفل.‏
ومن جهة أخرى إن الأم أكثر الناس شفقة وحناناً على ولدها، وهي لا تمتنع عن إرضاعه ‏إلا لعدم قدرتها عليه، فإجبارها حينئذ يلحق الضرر بها، لأنها ستفعل ما لا قدرة عليه أو تتضرر ‏به، وقد نفى الله عنها الضرر بسبب ولدها {لا تضار والدة بولدها}.‏
وفي هذه الحالة يجب على الأب أن يستأجر له مرضعاً تقوم بإرضاعه حفظاً له من ‏الهلاك.‏
فإن لم يقم الأب باستئجار المرضعة كان للأم أن تطالبه بالقيام بذلك أو بدفع أجرة ‏الرضاع إليها لتقوم هي باستئجار المرضعة محافظة على ا لولد.‏
‏- هل تسقط حضانة الأم بالامتناع عن الإرضاع؟
وامتناع الأم عن الإرضاع لا يسقط حضانتها لأنهما حقان منفصلان لا يلزم من سقوط ‏أحدهما سقوط الآخر، وعلى الأب في هذه الحالة أن يتفق مع المرضعة على القيام بعملها على ‏وجه لا يضيع حق الأم في الحضانة ، كأن تقوم بإرضاعه عند أمه أو بنقل الولد إليها في أوقات ‏الرضاعة ثم يرد إلى أمه، فإن لم يتفق معها على شيء من ذلك كان عليها أن تذهب إلى حيث ‏يوجد الطفل عند حاضنته سواء كانت هي الأم أو غيرها لتستطيع الحاضنة القيام بما تقتضيه ‏الحضانة.‏
وإذا كان للأب الحق في استئجار المرضعة عند امتناع الأم فليس معنى ذلك أنه يتحكم ‏في أمر الإرضاع ويمنع الأم منه إذا رغبت فيه بعد الامتناع عنه، لأن الأم حقها ثابت في ‏الرضاع وهي أحق به من الأجنبية، ولا يملك الأب منعها منه ما لم يلحقه ضرر منه بأن كانت ‏الأم تطلب أجراً عليه - حينما تستحق تستحق الأجر - بينما توجد متبرعة به، أو تطلب أكثر مما ‏تطلبه المرضعة، لأن القرآن كما نفى الإضرار بالأم نفاه أيضاً عن الأب {ولا مولود له بولده}، ‏وليس في منعها إضرار بها لأنها التي أساءت استعمال حقها بطلب الأجر أو الزيادة، وفي هذه ‏الحالة يقال للأم: إما أن ترضعيه مجاناً أو بمثل الأجر الذي قبلته المرضعة أو تسليمه لها لترضعه ‏وهي بالخيار.‏
لكن يستثنى من ذلك ما إذا كانت الأم مريضة بمرض يخشى على الطفل منه أو ثبت ‏بالتحليل الطبي أن لبن الأم لا يصلح للطفل لسبب من الأسباب. ففي مثل هاتين الحالتين يكون ‏للأب منع الأم من إرضاعه وإعطاؤه للمرضعة محافظة عليه ومنعاً للضرر عنه.‏
وإذا سقط حق الأم في الرضاع كان على المرضعة أن توفي بما التزمت به.‏
فإن كانت متبرعة وأرضعته فترة ثم رغبت في إنهاء تبرعها أجيبت إلى ذلك لأنها ‏محسنة، وما على المحسنين من سبيل، إلا إذا كان الطفل لا يقبل ثدي غيرها فإنه يلزمها إرضاعه ‏إلى أن يستغني عن الرضاع حتى لا يلحقه ضرر، ويجب لها أجر مثلها في المدة الباقية لأنها ‏أنهت تبرعها.‏
وكذلك إذا كانت ترضع بأجر وانتهت المدة المتفق عليها ولم يستغن الطفل عن الرضاع ‏أجبرت على مد الإجارة لمدة أخرى تكفي لاستغناء الطفل عن الرضاعة إذا لم يقبل الطفل ثدي ‏غيرها دفعاً للضرر عن الرضيع، وهي لا يلحقها من ذلك ضرر حيث يجب لها أجر المثل عن ‏المدة الثانية.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:56 PM
الفَصل الثّاني
‏108-‏ أجرة الرضاع





والكلام في هذا الفصل يتناول الأمور الآتية:‏
‏1- من التي تستحق أجرة على الرضاع؟.‏
‏2- متى يستحق الأجر؟.‏
‏3- المدة التي تستحق فيها أجرة الرضاع.‏
‏4- مقدار الأجرة.‏
‏5- وعلى من تجب ؟.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 02:57 PM
‏1- من التي تستحق أجرة على الرضاع؟

فذهب الحنفية: أن التي تقوم بالإرضاع إما أن تكون الأم أو غيرها، والأم إما أن تكون ‏زوجة لوالد الرضيع أو معتدة منه بطلاق بائن أو رجعي، أو انتهت عدتها.‏
فإن كانت زوجة أو معتدة من طلاق رجعي فلا تستحق أجرة على الإرضاع مطلقاً سواء ‏كان واجباً عليها أو لا، لأن أجرة الرضاع ليست عوضاً خالصاً بل هي أشبه بالنفقة، لأن ‏المقصود منها تغذية الأم ليدر لبنها الذي هو غذاء للصغير، ولأن الإرضاع واجب عليها ديانة ‏عندهم، والواجب الديني لا يستحق عليه أجر، ولأن نفقتها في هذه الحالة واجبة على الأب ‏باعتباره زوجاً أو مطلقاً فلا يجمع لها بين نفقتين في وقت واحد، لأنه غير معهود في الشرع.‏
وإن كانت معتدة من طلاق بائن ففي إحدى الروايتين في المذهب تجب لها النفقة، لأن ‏الزوجية قد انتهت بالطلاق البائن فأشبهت الأجنبية.‏
وفي الرواية الأخرى لا تجب لها النفقة على الإرضاع، لأن زوجيتها وإن انقطعت ‏بالطلاق البائن إلا أنها تجب لها النفقة على مطلقها على والد الرضيع مادامت في العدة، فلو ‏أوجبنا لها أجرة على الرضاع لكانت جامعة بين نفقتين في وقت واحد.‏
وفقهاء المذهب وإن اختلفوا في الترجيع لتلك الروايتين إلا أن الفتوى على الثانية وهي ‏التي تمنع وجوب النفقة.‏
أما إذا انتهت عدتها فتستحق الأجرة قولاً واحداً سواء كانت متعينة للإرضاع أو لا، لأنها ‏أصبحت أجنبية من كل وجه وارتفعت نفقة عدتها لقوله تعالى في شأن المطلقات: {وَإِنْ كُنَّ ‏أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: ‏‏6].‏
وإذا كان المانع من وجوب أجرة الرضاع للمعتدة هو استحقاقها نفقة للعدة على والد ‏الرضيع فيكون عدم استحقاق الأجرة على الرضاع للمطلقة مرتبطاً بوجوب النفقة لها لا بكونها ‏معتدة.‏
وعلى هذا إذا قامت بالإرضاع لا تستحق أجراً عليه مدة سنة، وبعد انقضائها تستحق ‏الأجرة إلى أن تنتهي مدة الرضاع، لأنها صارت في حكم التي انقضت عدتها.‏
وكذلك لو كانت أسقطت نفقة عدتها في مقابل طلاقها منه يكون حكمها كحكم من انقضت ‏عدتها في استحقاق الأجرة لانقطاع نفقتها من الأب، وكذلك التي تزوجت بدون عقد موثق فإنها لا ‏تستحق نفقة على زوجها إذا لم يعترف بالزوجية.‏


‏2- متى تستحق المرضع الأجر على الرضاع؟

إذا كانت المرضع هي الأم فإنها تستحق الأجر بمجرد الإرضاع، ولا يتوقف استحقاقها ‏على سبق اتفاق بينها وبين الأب ولا على قضاء القاضي به، ويكون الأجر المستحق هو أجر ‏مثلها إلى أن يتفقا على قدر معين، وتكون ديناً على الأب لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء منه، فلو ‏ماتت الأم قبل قبضه كان لورثتها حق المطالبة به باعتباره جزءاً من تركتها، ولو مات الأب قبل ‏قبض الأم له أخذ من تركته كسائر الديون، وكذلك لا تسقط بموت الرضيع.‏
وإنما استحقت الأم الأجر دون توقف على اتفاق سابق لأن القرآن رتب الأجر على ‏الإرضاع في قوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} فقد أمرت الآية بإعطاء الأجر ‏بمجرد الإرضاع دون تقيده بقيد آخر.‏
ولأن إقبال الأم على إرضاع وليدها قبل الاتفاق على الأجر لا يدل على أنها متبرعة به، ‏لأن عطفها وحنانها على وليدها هو الذي دفعها إلى الإرضاع، ولا يعقل أن تراه يتلوى أمامها من ‏الجوع وتتركه بدون إرضاع حتى يتم الاتفاق مع أبيه.‏
أما غير الأم فإنها لا تستحق الأجر بمجرد الإرضاع، بل لا تستحقه إلا من وقت الاتفاق، ‏لأنها مستأجرة للإرضاع فلا تستحق الأجرة إلا من يوم العقد.‏


‏3- مقدار المدة التي تستحق فيها أجرة الرضاع:‏

لا تستحق الأم أجراً على الرضاع لأكثر من سنتين باتفاق الحنفية حتى ولو زاد إرضاع ‏الطفل عن هذه المدة لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ ‏الرَّضَاعَةَ} فقد جعلت الآية تمام الرضاع كمال الحولين وليس بعد التمام زيادة.‏
فلو زاد عن الحولين لا تجب أجرة على الزيادة وإن جاز ذلك الرضاع.‏
ولو اتفق الأب والأم على إنقاص المدة عن الحولين جاز إذا كان في ذلك مصلحة ‏الرضيع لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}.‏


‏4- مقدار أجرة الرضاع:‏

مقدار الأجرة التي تستحقها الأم في الحالات التي تستحق فيها الأجر هو ما اتفقت مع ‏الأب عليه إذا اتفقا على شيء قبل الإرضاع، وإن لم يكن بينهما اتفاق على قدر معين فإنها ‏تستحق أجر المثل وهو الأجرة التي تقبل امرأة أخرى أن ترضع به، فإذا تنازعا قدره القاضي ‏بذلك، فإن طلبت أكثر من ذلك لا تجاب إلى طلبها.‏


‏5- على من تجب أجرة الرضاع؟

إذا كان للرضيع مال وجبت الأجرة في ماله، لأن رضاع الصغير هو غذاؤه، وغذاؤه من ‏نفقته، والأصل في النفقة أنها تكون من مال الشخص، فإن لم يكن له مال فتكون على أبيه إن كان ‏موسراً.‏
فإن كان معسراً وقادراً على الكسب أجبرت الأم على إرضاعه ويكون الأجر ديناً على ‏الأب يدفعه لها إذا أيسر، وإن كان معسراً عاجزاً عن الكسب أو متوفى وجبت أجرة الرضاع ‏على من تجب عليه نفقة الصغير من الأقارب لقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ‏بِالْمَعْرُوفِ...} إلى أن قال: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث نفقات ‏الأقارب.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:29 PM
البَاب الثالث
في الحضانة

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:31 PM
الفَصل الأول
في التعريف بها وأصحاب الحق فيها‏




تعريف الحضانة:‏
الحضانة لغة: ضم الشيء إلى الحضن. وهو الجنب (ما بين الإبط إلى الكشح) أو الصدر ‏أو العضدان وما بينهما، تقول: حضنت الشيء واحتضنته إذا ضممته إلى جنبك، وحضنت الأم ‏طفلها إذا ضمته إلى صدرها.‏
والحضانة شرعاً: هي القيام على تربية الطفل الذي لا يستقل بأمره برعاية شئونه من ‏تدبير طعامه وملبسه ونومه وتنظيفه ووقايته عما يهلكه أو يضره.‏
والحضانة: أمر يتوقف وجوده على شخصين حاضن ومحضون، والمحضون هو الطفل ‏الصغير، والحاضن إما امرأة أو رجل، والصغير محتاج إلى الحضانة فهي في جانبه حق لأنه ‏المنتفع بها، ولأنه ليس أهلاً للوجوب، وأما الجانب الآخر وهو الحاضن فهو مكلف بعمل وهو ‏أهل للوجوب عليه.‏
‏- فهل الحضانة حق أو واجب؟
إذا نظرنا إلى شخص معين كالأم مثلاً نقول: إنها أحق الناس بحضانة طفلها ما لم يمنع ‏من ذلك مانع، فإذا تمسكت به أجيبت إليه، وإذا تنازلت عنه عند وجود من يصلح له صح ذلك ‏التنازل، وهذا يعني أنه حق لها، وإذا لم يوجد من يصلح له أجبرت عليه، وإذا استعاضت عنه ‏بشيء لا يصح، وهذا يعني أنه واجب عليها.‏
وعلى هذا نستطيع أن تقول : إنه حق لكل من الحاضنة والمحضون وإن كان في جانب ‏المحضون أقوى، لأنه يجب توفره له في كل حال سواء وجدت حاضنة واحدة أو تعددت ‏الحاضنات، فإن لم يكن له إلا حاضنة واحدة تعين عليها فيكون واجباً لا مجرد حق.‏
وإن تعددت الحاضنات كانت حقاً لمن كانت في المرتبة الأولى لا يقبل منها إسقاطه إلا ‏إذا وجد من يقوم به ممن تأهل للحضانة.‏
ويتفرع على كونها حقاً للصغير الأحكام الآتية:‏
‏1- إذا تعينت الحاضنة أماً كانت أو غير أم أجبرت عليها إذا امتنعت عنها حتى لا يفوت ‏على الصغير حقه.‏
‏2- إذا خالعت الأم زوجها على أن تترك حضانتها لولدها وتتركه لأبيه صح الخلع وبطل ‏الشرط، لأنه يبطل حق الصغير في الحضانة، وهي وإن ملكت إبطال حقها فيها فلا تملك إبطال ‏حق الصغير.‏
‏3- إذا صالحت زوجها على إسقاط حقها في الحضانة في مقابلة دين عليها له كان صلحاً ‏باطلاً، لأنه يترتب عليه إسقاط حق الصغير، ولذلك لو صالحته على إسقاط حقها في أجرة ‏الحضان في مقابلة الدين صح ذلك الصلح لأن الأجرة حق خالص لها.‏
ويتفرع على كونها حقاً للحاضنة ما يلي :‏
‏1- ليس للأب ولا لغيره أن ينزع الصغير من صاحبة الحق في حضانته ليعطيه لحاضنة ‏أخرى تليها في هذا الحق إلا بمسوغ شرعي، لأن نزعه منها في هذه الحالة تفويت لحقها في ‏الحضانة.‏
‏2- إذا كانت المرضعة غير الحاضنة وجب عليها إرضاعه على وجه لا يفوت حق ‏الحاضنة بأن ترضعه عندها أو ينقل إليها الطفل وقت الرضاعة ثم يرد إلى حاضنته.‏
‏3- لا تجبر الحاضنة على القيام بالحضانة إذا امتنعت عنها عند وجود حاضنة أخرى ‏تقبلها، لأنها أسقطت حقها دون أن تفوت على الصغير حقه.‏
‏- متى يثبت له حق الحضانة على الصغير:‏
إذا كان الطفل يخرج إلى الحياة عاجزاً عن كل شيء فيحتاج إلى من يقوم بأموره كلها، ‏فإذا بلغ حد التمييز واستطاع أن يقوم ببعض شؤونه ظهرت حاجته إلى نوع آخر من الخدمة ‏كالتعليم والتهذيب والصيانة عن الفساد، فهو في طوريه محتاج إلى خدمة، ولما كان النساء أقدر ‏على النوع الأول لما لهن من الخبرة في هذه الأمور والصبر عليها جعله الشارع إليهن وقدمهن ‏على الرجال في حق الحضانة، ولما كان الرجال أقدر على النوع الثاني وكله الشارع إليهم، ‏فتوزعت المسؤولية بين النساء والرجال.‏
ولما كانت الأم بطبيعتها أحنى على وليدها من غيرها فشفقتها لا تعد لها شفقة، وعطفها ‏لا يقاربه عطف جعلت في المرتبة الأولى من الحاضنات.‏
وبهذا مضى قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده دون أن يخالف ‏أحد في ذلك.‏
روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ان امرأة قالت: يا رسول ‏الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء وإن أباه طلقني وأراد أن ‏ينزعه مني فقال: "أنت أحق به ما لم تنكحي".‏
وروى أن عمر بن الخطاب طلق زوجته أم عاصم ثم أتى عليها وفي حجرها عاصم ‏فأراد أن يأخذه منها فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبي بكر، فقال: مسحها وحجرها ‏وريحها خير له منك حتى يشب الصبي فيختار لنفسه"، وفي رواية أخرى: "ريقها خير له من ‏شهد وعسل عندك يا عمر" وكان ذلك بمحضر من كثير من الصحابة.‏
وفي رواية ثالثة أن النزاع كان بين عمر وجدة الغلام بعد أن تزوجت أمه، وأنه رآه في ‏الطريق فأخذه، فلما ترافعا إلى أبي بكر قال: "ريحها ومسها وريقها خير له من الشهد عندك يا ‏عمر".‏
ويثبت هذا الحق للأم سواء كانت زوجة لأبي الصغير أو معتدة أو غير معتدة مادامت ‏أهلاً للحضانة ولم يمنع من حضانتها مانع كتزويجها بأجنبي أو بقريب غير محرم.‏
فإن ماتت أو منع من حضانتها مانع انتقلت الحضانة إلى محارم الصغير من النساء ‏الأقرب فالأقرب فتنتقل إلى الجدة لأم وإن علت درجتها، ثم إلى أم الأب وإن علت، وإنما تأخرت ‏مرتبتها عن الجدة لأم لأن قرابتها من جهة الأب وهو مؤخر عن الأم.‏
فإن لم توجد واحدة من الجدات انتقلت الحضانة إلى الأخوات على أن تقدم الأخت الشقيقة ‏وتليها الأخت لأم، فإن لم تكن تكون للأخت لأب على الرواية الراجحة في المذهب، وفي الرواية ‏الأخرى أن الأخت لأب مؤخرة عن الخالة.‏
فإن لم توجد واحدة من الأخوات المؤهلات للحضانة انتقل الحق إلى بنت الأخت الشقيقة ‏ثم بنت الأخت لأم، فإن لم يوجد منهن من تصلح للحضانة انتقل الحق إلى الخالات فتقدم الشقيقة ‏ثم تليها الخالة لأم ثم الخالة لأب، فإن لم يوجد من الخالات من يصلح انتقل الحق إلى بنت الأخت ‏لأب، ويجيء بعدها بنات الأخوة على الترتيب تقدم بنت الأخ الشقيق ثم بنت الأخ لأم ثم بنت الأخ ‏لأب، فإن لم يوجد من تصلح انتقل الحق إلى العمات على الترتيب السابق.‏
فإن لم يوجد من العمات من تصلح انتقل الحق إلى خالات الأم على الترتيب السابق، ثم ‏يليهن خالات الأب تقدم خالة الأب الشقيقة ثم خالته من الأم ثم خالته من الأب، ثم عمات الأم على ‏الترتيب السابق، ثم عمات الأب كذلك على الترتيب السابق.‏
ومما يلاحظ هنا في هذا الترتيب: أن قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب في جميع ‏الأصناف عند اتحاد الدرجة، لأن الأم مقدمة في الحضانة على الأب فتكون قرابتها كذلك، ولأن ‏قرابة الأم أعطف على الصغير من قرابة الأب.‏
وأن الجدة مقدمة على الأخت مطلقاً، لأن الجدة أعطف على الصغير من الأخت، ولأن ‏اتصالها بالصغير من طريق الولادة فهو كالجزء منها.‏
وأن القرابة الشقيقة مقدمة على غيرها لقوتها بتعدد جهتها وتوفر الشفقة.‏
وأن بنت الأخت مقدمة على العمة لأنها فرع الأبوين أو أحدهما، والعمة فرع الجدين أو ‏أحدهما.‏
وإذا لم يوجد من النساء المحارم من تصلح للحضانة، أو وجدت ولم تكن أهلاً لها انتقلت ‏الحضانة إلى الرجال من العصبات مطلقاً إن كان الطفل ذكراً، وإلى العصبة المحارم إن كان أنثى ‏ويرتبون كترتيبهم في الميراث فيقدم الأب ثم الجد لأب وإن علا، ثم الأخ الشقيق ثم الأخ لأب، ثم ‏ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق ثم العم لأب، ثم عم الأب الشقيق، ثم عم الأب ‏لأب. فهؤلاء تثبت لهم الحضانة بهذا الترتيب على الصغير مطلقاً ذكراً كان أو أنثى، لأن كل ‏هؤلاء من المحارم.‏
ويأتي بعد هؤلاء ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب بالنسبة للذكر، وليست لهما حضانة ‏على الأنثى لأنهما من غير المحارم، والحضانة تمتد إلى سن المراهقة وفيها يخشى الوقوع في ‏الفتنة.‏
فإذا لم يكن للصغيرة إلا ابن عمها يختار لها القاضي حسب رأيه ما يراه صالحاً لها ‏فيضعها عند امرأة ثقة مأمونة إن لم يكن ابن عمها صالحاً مأموناً. وإن وجده صالحاً مأموناً ‏ضمها إليه.‏
فإن لم يوجد للصغير عاصب مطلقاً من الرجال ولا عاصب محرم للصغيرة أو وجد ‏ولكنه ليس أهلاً للحضانة انتقلت الحضانة إلى المحارم من غير العصبة، وهم ذووا الأرحام ‏الأقرب فالأقرب فتثبت للجد أبي الأم، ثم الأخ لأم، ثم ابن الأخ لأم، ثم العم لأم، ثم الخال الشقيق، ‏ثم الخال لأب، ثم الخال لأم.‏
فإن لم يوجد واحد من هؤلاء انتقلت الحضانة إلى الأقرباء من غير المحارم كأولاد الخال ‏وأولاد الخالة على أن لا يكون للرجال حضانة الإناث، ولا للإناث حضانة للذكور، لأن القرابة ‏غير المحرمية يحل معها الزواج فيخشى أن يترتب على الضم مفسدة.‏
فإن لم يكن أحد من هؤلاء كان الرأي للقاضي يضمه إلى رجل أو امرأة ممن يثق في ‏صلاحهم وقدرتهم على هذا العمل.‏
ويلاحظ هنا أنه إذا تعدد المستحقون للحضانة من الرجال والنساء وكانوا في درجة واحدة ‏وقوة واحدة كأخوة أشقاء أو أعمام أشقاء أو خالات شقيقات أو أخوات شقيقات قدم أصلحهم لتربية ‏الطفل وأقدرهم على رعايته، فإن تساووا في الصلاح فأورعهم، فإن تساووا فيه فأسنهم لأنه يكون ‏أكثر تجربة من غيره. هذا هو مذهب الحنفية في من له حق الحضانة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:33 PM
الفَصل الثّاني
‏- شروط أهلية الحضانة



لما كان الغرض من الحضانة تحقيق المصلحة للطفل ودفع كل ما يُلحق به الضرر شُرط ‏في الحاضنة من النساء والحاضن من الرجال توافر صفات معينة بها تتحقق الأهلية للحضانة، ‏فإن اختلت واحدة منها في شخص سقط حقه فيها وانتقل إلى من يليه.‏
‏- شروط أهلية النساء للحضانة:‏
‏1- أن تكون بالغة، لأن غير البالغة ولو كانت مميزة لا تستطيع أن تقوم بشئونها كلها ‏فكيف يوكل إليها القيام بشئون غيرها.‏
‏2- أن تكون عاقلة لأن غير العاقلة لا تحسن القيام على شئون الصغير لعدم معرفتها ما ‏ينفعه بل يخشى عليه الضرر منها فلا تكون أهلاً للحضانة.‏
‏3- أن تكون قادرة على القيام بما تتطلبه الحضانة من أعمال، فلو كانت عاجزة عن ذلك ‏لكبر سن أو مرض أو عاهة تحول بينها وبين أداء وظيفتها كالعمى لم تكن أهلاً للحضانة، وكذلك ‏لو كانت قادرة على أعمال الحضانة ولكنها مريضة مرضاً يخشى على حياة الطفل منه لا تكون ‏أهلاً لها.‏
ولو كانت محترفة لحرفة تحول بينها وبين رعاية الصغير لا يكون لها حق في الحضانة، ‏أما إذا كان عملها لا يمنعها من رعايته بأن تتمكن من التوفيق بين عملها وما تتطلبه الحضانة لا ‏يسقط حقها فيها.‏
‏4- أن تكون أمينة على أخلاق الصغير، فإن كانت فاسقة كاحترافها الرقص أو النشل أو ‏ارتكاب الفاحشة فإنه يسقط حقها في الحضانة بأحد أمرين. عدم قيامها بشئون الطفل وإهماله، ‏والخوف على أخلاق الصغير أن تتأثر بها، فإن لم يوجد شيء منهما لا يسقط حقها فيها.‏
‏5- ألا تكون متزوجة بغير ذي رحم محرم من الصغير، بأن تكون غير متزوجة أو ‏متزوجة بقريب محرم منه كعمه أو جده مثلاً.‏
فإن كانت متزوجة من أجنبي، أو من قريب غير محرم كابن عمه، أو من محرم غير ‏قريب كأخيه من الرضاع سقط حقها في الحضانة، لأن الغالب في هؤلاء ألا يعطفوا على الصغير ‏كعطف قريبه المحرم، ويزيد الأجنبي أنه يبغضه ويقسو عليه، لأن الزوج غالباً لا يحب ابن ‏زوجته فينشأ الطفل في جو يسوده البغض والكراهية فيتعقد نفسياً.‏
ولأن وقت الزوجة لزوجها وله الحق في منعها من القيام بشئون ذلك الطفل الذي لا صلة ‏له به، بخلاف ما إذا كان الزوج محرماً للصغير، لأن القرابة المحرمية داعية إلى العطف والشفقة ‏على الصغير فلا خوف عليه.‏
‏6- ألا تقيم بالصغير عند من يبغضه ولو كان قريباً له، لأن الحضانة مشروعة لمصلحة ‏الصغير، وسكناها عند من يبغضه يعرضه للأذى وإلحاق الضرر به، فلو فعلت ذلك ولم تخرج ‏إلى بيت آخر سقط حقها.‏
‏7- ألا تكون مرتدة عن الإسلام، فإذا كانت الأم مسلمة وارتدت عن الإسلام سقط حقها ‏في الحضانة لأن المرتدة عند الحنفية تحبس حتى تعود إلى الإسلام أو تموت، ومثلُ هذه لا ‏تستطيع القيام بأعمال الحضانة.‏
هذا ولا يشترط إسلام الحاضنة سواء كانت أماً أو غير أم، فالكتابة تستحق الحضانة لأن ‏أساس الحضانة الشفقة على الصغير وهي متوفرة عند كل حاضنة ولا تأثير للدين في ذلك، ويبقى ‏معها إلى أن تنتهي مدة الحضانة إلا إذا خيف عليه أن يتأثر بدينها أو أن يتعود تناول ما حرمه ‏الإسلام من لحم الخنزير وشرب الخمر فإنه يؤخذ منها ويسلم لمن تستحق الحضانة بعدها.‏
‏- شروط أهلية الحضانة للرجال:‏
يشترط في الحاضن من الرجال: أن يكون بالغاً عاقلاً قادراً على القيام بمصالح الصغير ‏أميناً على تربيته كما يشترط في النساء.‏
ويزاد على ذلك: أن يتحد مع المحضون في الدين، لأن الحضانة نوع من الولاية على ‏النفس، ولا ولاية مع اختلاف الدين، ولأن حق الرجال في الحضانة مبني على الميراث، ولا ‏توارث مع اختلاف الدين، فلو كان للصغير قريبان في درجة واحدة واختلفوا في الدين تكون ‏الحضانة لمن يوافقه في الدين.‏
هذا ومن كان له الحق في الحضانة رجلاً كان أو امرأة وسقط حقه لسبب من الأسباب ثم ‏زال ذلك السبب يعود إليه الحق مرة ثانية.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:34 PM
الفصل الثالث
في أجرة الحضانة واستحقاقها، ومن تجب عليه‏



لما كانت الحضانة تتمثل في خدمة الطفل والقيام بشؤونه فهي عمل مشروع يمكن ‏الاعتياض عنه بالمال ويسمى ذلك العوض في عرف الفقهاء بأجرة الحضانة. غير أن ذلك ‏العوض ليس أجرة خالصة بل فيه شبه بالنفقة وكيفما كان فلمن يكون؟
الحنفية يقولون: الحاضنة إما أن تكون أماً للطفل أو غير أم، فإن كانت غير الأم استحق ‏الأجرة على الحضانة ما لم تتبرع بها، وإن كانت الأم فإنها لا تستحق أجراً على الحضانة إذا ‏كانت زوجة لأبي الصغير أو معتدة له من طلاق رجعي بلا خلاف في المذهب، وكذلك إذا كانت ‏معتدة له من طلاق بائن في إحدى الروايتين، لأنها في تلك الحالات تستحق النفقة على أبي ‏الصغير للزوجية أو للعدة فلا تستحق عليه نفقة أخرى في نظير حضانة ولده لأن الأولى كافية ‏كما قدمنا في أجرة الرضاع فإذا لم يكن لها نفقة على الأب لانتهاء عدتها أو لمنعها من المطالبة ‏بنفقة أثناء العدة لمضي سنة من وقت الفرقة بينهما أو لكونها أبرأت زوجها من نفقة العدة في ‏نظير طلاقها استحقت أجرة على الحضانة.‏
‏- متى تستحق الحاضنة الأجر؟
لما كانت الحاضنة تشبة الرضاع إلى حد كبير فما قدمناه في استحقاق أجرة الرضاع من ‏تفصيل بين الأم وغيرها يجري هنا.‏
وخلاصته: أن الأم تستحق الأجرة على الحضانة في الحالات التي تجب لها فيها من وقت ‏قيامها بأعمال الحضانة ولا يتوقف الاستحقاق على سبق اتفاق بينها وبين أبي الطفل أو قضاء ‏بذلك.‏
أما غيرها فلا تستحق الأجر إلا من تأريخ الاتفاق عليها أو قضاء القاضي بها، فلو قامت ‏بها قبل الاتفاق أو القضاء لا يحق لها المطالبة بالأجر على تلك المدة، لأنهما كسائر الأجور على ‏الأعمال لا تجب إلا بالاتفاق أو القضاء فإقدامها على العمل قبلهما دليل على تبرعها، بخلاف الأم ‏التي تحملها الشفقة الكاملة على خدمة وليدها دون الانتظار إلى اتفاق أو قضاء.‏
ولأن الطفل غالباً يكون معها في فترة الرضاعة وأثناء العدة وقد كانت تقوم بحضانته فلا ‏يعقل أنها تتركه بعد انقضاء الفترة التي كانت تستحق فيها نفقة بدون خدمة حتى يتم اتفاقهما على ‏الأجر وقد يتنازع فيه فيقتضي رفع الأمر للقضاء.‏
وإذا وجبت الأجرة للحاضنة سواء كانت أماً أو غيرها فإنها تكون ديناً لا يسقط إلا بالأداء ‏أو الإبراء ولا يتأثر بمضي المدة، ولا بموت الصغير، ولا بموت من وجبت عليه، ولا بموت ‏الحاضنة نفسها حتى كان لورثتها حق المطالبة بها بعد وفاتها لأنها جزء من تركتها.‏
‏- على من تجب أجرة الحضانة؟
تجب أجرة الحضانة على من تجب عليه نفقة الصغير، لأنها بعض نفقته كأجرة الرضاع.‏
فإن كان للصغير مال وجبت في ماله، وإن لم يكن له مال وجبت على أبيه، فإن كان الأب ‏موسراً أمر بأدائها إلى الحاضنة، وإن كان معسراً فلا يخلو إما أن يكون قادراً على الكسب أو لا.‏
فإن كان قادراً على الكسب وجبت عليه وكانت ديناً في ذمته، وأمر بالأداء عنه من تجب ‏عليه نفقة الصغير عند عدم وجود الأب ويرجع بها على الأب إذا أيسر.‏
وإن كان الأب المعسر عاجزاً عن الكسب اعتبر غير موجود وفرض الأجرة على من ‏تجب عليه نفقة الصغير عند عدم الأب ويؤديها في الحال إلى الحاضنة.‏
‏- أجرة المسكن والخادم:‏
إذا لم يكن للحاضنة مسكن خاص بها أو مسكن تسكن فيه مع زوجها القريب للطفل قرابة ‏محرمية في مكان الحضانة وجب إعداد مسكن لها أو إعطاؤها أجرة مسكن مناسب تقوم فيه ‏بالحضانة، لأنها مضطرة إلى ذلك لئلا يسقط حقها في الحضانة، كما يجب إعداد كل ما يحتاج ‏إليه الطفل من فرش وغطاء حتى يكون المسكن كاملاً.‏
وإذا احتاجت إلى استئجار خادم يقوم بمساعدتها في خدمة الصغير وجب إحضار الخادم ‏لها أو إعطاؤها أجرته إذا كان للصغير مال أو كان من تجب عليه نفقته موسراً تخدم أولاده.‏
بهذا يتبين أن أجرة الرضاعة غير أجرة الحضانة وغير نفقة الطفل.‏
‏- الحضانة بين المتبرعة بها وطالبة الأجر عليها:‏
إذا أبت صاحبة الحق في الحضانة أن تقوم بها إلا بأجر ووجدت متبرعة بها فلمن تكون ‏الحضانة منهما؟ الحكم يختلف باختلاف الحالات: لأن المتبرعة إما أن تكون من أهل الحضانة أو ‏لا، فإن لم تكن من أهل الحضانة بأن كانت أجنبية أو قريبة قرابة غير محرمية فصاحبة الحق في ‏الحضانة أحق بها مطلقاً أماً كانت أو غير أم، كان للطفل مال أو لا، كان الأب موسراً أو معسراً، ‏لأن تسليمه للمتبرعة لا مصلحة فيه للصغير، لأن رعايتها لا تكون كرعاية صاحبة الحق نظراً ‏لتوفر الشفقة عليه منها، ودفع الأجر وإن كان فيه ضياع جزء من المال إلا أنه لا يوازي ما ‏يتحقق له من المصلحة المقصودة.‏
وإن كانت المتبرعة من أهل الحضانة ولم يكن للصغير مال وكان أبوه أو من تجب عليه ‏نفقته بعد أبيه موسراً قدمت صاحبة الحق في الحضانة على المتبرعة، لأن إعطاءه لصاحبة الحق ‏فيه مراعاة لحق الصغير لأنها أكثر حناناً وشفقة عليه من المتبرعة، ولا ضرر على الأب في دفع ‏الأجر ليساره ومصلحة الصغير مقدمة على كل حال.‏
وإذا كان الأب معسراً قدمت المتبرعة دفعاً للضرر عن الأب بإلزامه بالأجر ومداينته به ‏وهو معسر، وكذلك لو كان للصغير مال، لأن الأجرة واجبة في ماله في هذه الحالة، وفي إعطائه ‏لطالبة الأجر ضياع لجزء من ماله مع إمكان الاستغناء عنه بدفعه للمتبرعة وهي من محارمة ‏والشفقة متوفرة عندها، ونقصان شفقتها عن الأخرى لا يوازي ضياع جزء من ماله.‏
وبهذا يتبين الفرق بين التبرع بالحضانة والتبرع بالرضاع: حيث تقدم المتبرعة ‏بالرضاع على الأم وغيرها ممن تطلب الأجر مطلقاً سواء كانت المتبرعة محرماً للطفل أو لا، ‏وسواء كانت الأجرة من مال الصغير أو من غيره كان ذلك الغير موسراً أو معسراً، لأن الغرض ‏من الرضاعة هو تغذية الطفل وهو متحقق بلبن أي امرأة فلا معنى لأخذ الأجر مع وجود ‏المتبرعة، لأنه لا ضرر في إرضاعها.‏
أما الحضانة فإنه لا يقدم فيها المتبرعة إلا في صورتين:‏
الأولى إذا كانت أجرة الحضانة من مال الصغير.‏
والثانية إذا كانت الأجرة واجبة على الأب وكان معسراً، ومع ذلك يشترط في المتبرعة ‏أن تكون قريبة قرابة محرمية أي عندها أهلية الحضانة.‏
والسبب في ذلك أن المقصود من الحضانة هو تربية الصغير ورعايته والعناية به، وهذه ‏أمور تحتاج إلى الشفقة والعطف والحنان وكل ذلك لا يتوف إلا عند الأم أو ما يقاربها من ‏المحارم وقلما توجد عند غير المحرم، وكلما توافرت هذه عند الحاضنة تحقق الغرض المقصود ‏من الحضانة على أكمل وجه فيبقى ذلك الحق لصاحبته ولا يعدل عنه إلا لعذر قوي كإعسار الأب ‏أو من تجب عليه الأجرة بعده أو لمصلحة قوية كالمحافظة على مال الصغير. وفي الحضانة لا ‏موضع لغير المحرم لأنها ليست أهلاً لها أصلاً فلا يفيد تبرعها شيئاً.‏
وإذا لم توجد متبرعة بالحضانة وامتنعت عنها صاحبة الحق فيها إلا بأجر ولم يكن ‏للصغير مال وكان الأب معسراً أجبرت الحاضنة عليها سواء كانت أماً أو غيرها وتكون أجرتها ‏ديناً في ذمة الأب يؤمر بأدائه عند اليسار وهو دين صحيح لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:36 PM
الفَصْل الرَّابع
‏- مكان الحضانة، وانتقال الحضانة منه





إذا كانت الحاضنة هي الأم وكانت زوجيتها قائمة بينها وبين أبي الصغير فمكان ‏الحضانة هو بيت الزوجية الذي يقيمان فيه، ولا يجوز للأم الخروج منه أو السفر بدون إذن ‏زوجها سواء كان الولد معها أو لا، لأن قرارها في بيت الزوجية واجب عليها ما دام أوفاها ‏حقوقها.‏
وإن كانت معتدة من طلاق رجعي أو بائن لا يكون لها الخروج من البيت الذي تعتد فيه ‏طوال مدة العدة حتى ولو أذن لها المطلق بالخروج أو السفر، لأن قرارها في مسكن العدة حق ‏للشرع وهو واجب عليها، ولا يجوز لهما إبطال حق الشرع، يقول جل شأنه: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ ‏بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1].‏
وإذا انقضت عدتها فلا يبقى معنى لإلزامها بالبقاء بالمحضون في بيت الزوجية فلها أن ‏تنتقل بولدها إلى مكان آخر من نفس البلد الذي بدأت الحضانة فيه.‏
‏- وهل يجوز لها الانتقال به إلى بلد آخر؟
الحكم يختلف تبعاً لقرب البلد الذي تريد الانتقال إليه وبعده عن البلد الأول.‏
فإن كان ذلك البلد قريباً جاز لها الانتقال عليه بشرط أن يكون من نوع البلد الأول أو ‏أفضل منه، فيجوز لها الانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية، ومن قرية إلى مدينة، ‏ولا يجوز لها الانتقال من مدينة إلى قرية، لأن الحياة في القرية لطفل ولد في المدينة يلحق به ‏الضرر، لأن في أخلاق أهل القرى بعض الجفاء فيخشى على الطفل التخلق بأخلاقهم، كما أن ‏وسائل العيش فيها تختلف عما في المدينة إلا إذا كان انتقالها إلى قريتها الأصلية التي عقد عليها ‏أبوه فيها، لأنها تكون في وسط أهلها فيحاط الطفل بالعطف والحنان منهم.‏
وإن كان ذلك البلد الذي تريد الانتقال إليه بعيداً فلا يجوز الانتقال إليه ولو كان من المدن ‏إلا بإذنه لما في ذلك من الإضرار بالأب لبعد ابنه عنه والإضرار بالولد لفقده رعاية أبيه ورقابته ‏إلا إذا كان بلدها الأصلي وأبوه قد عقد زواجه عليها فيه لما قلناه.‏
ومع ذلك فوجودها وسط أهلها بولده يورث الإطمئنان عليه حيث يعيش وسط أناس لا ‏يكنون له إلا العطف والشفقة، فجواز الانتقال إلى البلد البعيد مقيد بقيدين:‏
‏1- أن يكون وطنها الأصلي.‏
‏2- أن يكون عقد عليها فيه، فإذا انتفيا أو انتفى أحدهما لا يجوز، لأن المعنى الذي جعل ‏مرخصاً للانتقال إليه لا يوجد في واحد منهما.‏
حد القرب والبعد عند الفقهاء: ‏
يقرر الفقهاء أن البلد يعتبر قريباً إذا استطاع الأب أو الولي السفر إليه ليرى الولد ويعود ‏إلى محل إقامته قبل دخول الليل، فإن كان لا يستطيع ذلك عُد البلد بعيداً.‏
وإذا لاحظنا أن ضبطهم هذا تأثر بأمرين كانا في زمنهم -أولهما- وسائل الانتقال وقد ‏كانت بدائية لأنها إما السير على الأقدام أو ركوب الدواب -وثانيهما- أن الليل كان مظنة الخوف ‏للظلام الذي يلفه وخطر السفر فيه لعدم الأمان لكثرة اللصوص وقطاع الطريق فيكون المعول ‏عليه في مثل هذا هو العرف وقد تغير، ففي زمننا هذا تنوعت المواصلات، وأصبح الليل كالنهار ‏بعد أن أنيرت الطرق فالمسافر فيه لا يشعر بوحشة ولا يخشى ضرراً فيترك ذلك إلى مقدرة ‏الرجل على تحمل نفقات السفر لرؤية ولده.‏
أما إذا كانت الحاضنة غيرها كالجدة أو الأخت أو الخالة أو العمة فليس لها الحق في ‏الانتقال إلى بلد غير بلد أبيه إلا بإذنه، فإذا فعلت ذلك كان للأب أو وليه إذا لم يكن الأب موجوداً ‏أن يمنعها من ذلك سواء كان البلد قريباً أو بعيداً وطناً أصلياً لها أولا، لأن المعنى الذي من أجله ‏أبيح للأم الانتقال بالولد وهو العقد عليها فيه ليس موجوداً هنا حيث لا عقد.‏
هكذا أطلق الفقهاء الحكم بدون تفرقة بين البلد القريب والبعيد غير أن بعض الفقهاء ‏المتأخرين أجاز لغير الأم الانتقال بالمحضون إلى البلد القريب وسوى بينها وبين الأم في ذلك ‏لأن علة تجويز انتقال الأم إلى البلد القريب بدون إذن هي أنها بمثابة الانتقال إلى أحد جوانب ‏البلدة الواحدة.‏
وإذا عرفنا أن مصلحة الطفل في فترة الحضانة لا تتم إلا بالجمع بين حضانة أمه أو ‏قريباته المحارم وبين إشراف أبيه عليه، وأن القرآن منع مضارة الأب والأم بسبب ولدهما {لا ‏تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233] إذا عرفنا ذلك أدركنا السر في تشريع ‏تلك الأحكام التي تحتم وجود الولد وحاضنته مع أبيه في بلد واحد أو في بلدين قريبين إلا إذا ‏وجدت ضرورة أو أذن الأب في ذلك حتى لا يحرم الولد شفقة أمه ولا رعاية أبيه.‏
ولهذا لا يجوز للأب أن يخرج الصغير من البلد الذي تقيم فيه أمه ما دام في حضانتها إلا ‏بإذنها سواء كان البلد قريباً أو بعيداً، لأن في هذا الإخراج تفويت حق الأم في حضانتها وحق ‏الولد في عيشه في عطف أمه وحنانها.‏
فإذا سقط حقها في الحضانة بسبب زواجها من أجنبي أو بغيره ولم تكن التي انتقل إليها ‏حق الحضانة تعيش في هذا البلد فله نقله إلى بلد الحاضنة، فإذا عاد حقها في الحضانة رده إليها.‏
وإذا جاز له إخراج الولد من البلد الذي تعيش فيه أمه بعد سقوط حقها في الحضانة فهل ‏يثبت له ذلك مطلقاً سواء كان البلد قريباً أو بعيداً؟
المذكور عند الحنفية رأيان للمشايخ:‏
رأي بالإطلاق.‏
ورأي يقيد بالبلد القريب بحيث تستطيع الأم أن تراه كل يوم.‏
وإذا كان لكل من الأب والأم حق في الولد ورؤيته في فترة الحضانة وقد نفى الشارع ‏المضارة عنهما بسببه فقد يكون في الأخذ بأحد الرأيين بإطلاق ضرر بأحدهما، فلو أخذنا بالأول ‏ربما استغل الأب ذلك في حرمان الأم من رؤية ولدها، ولو أخذنا بالثاني وهو التقييد بالبلد القريب ‏ربما لحق الأب منه الضرر، فقد يكون عمله يقتضيه السفر إلى البعيد، فمنعاً للإضرار بأحدهما ‏يفوض الأمر إلى القاضي لينظر في خروج الأب والداعي إليه، فإن رأى أنه مضطر للخروج إلى ‏البلد البعيد من أجل وظيفة أو تجارة أذن له فيه دفعاً للضرر عنه، وإن رأى أنه لا مصلحة له في ‏ذلك قيده بالقريب لعدم مضارة الأم.‏
أثر انتقال الحاضنة إلى بلد منعت من الانتقال إليه:‏
إذا خالفت الحاضنة وانتقلت إلى بلد آخر لا يجوز لها الانتقال إليه فهل يسقط حقها في ‏الحضانة ؟.‏
إذا كانت الحاضنة أمّا وهي زوجة أو معتدة كان للأب أن يطلب إليها الرجوع باعتبارها ‏زوجة أو معتدة وليس له أن يأخذ الولد منها، لأنه يكون إبطالاً لحقها في الحضانة مع أنه يستطيع ‏إرجاعها إلى مقر الحضانة.‏
أما إذا كانت غير ذلك وطلب منها إرجاع الولد إلى البلد الأول ولم تمتثل فلم يرد عن ‏فقهاء الحنفية نص صريح بإبطال حق الحضانة أو بقائه وكل ما ورد عنهم أنها ممنوعة من ‏الانتقال، وأن لوليه منعها من الانتقال، أو يطلب إليها العودة إلى بلد الحضانة، ومن هنا كانت ‏موضع اجتهاد القضاة في مصر، فمنهم من تمسك بالنصوص الفقهية وقال : إن حقها لا يسقط ‏بهذا الانتقال لأنه لم يعد من شروط أهلية الحضانة عدم انتقال الحاضنة فيبقى حقها فيها ومن ثم ‏تستحق الأجرة عليها.‏
ومنهم من يرى أن حقها يسقط، لأن عدم النص على كونه شرطاً لا يقتضي إهدار معناه، ‏لأنها إذا كانت ممنوعة من الإنتقال إلى بلد بعيد إلا إذا كان وطنها الأصلي الذي عقد عليها فيه، ‏وكان للأب منعها منه فيكون الأثر العملي للانتقال الممنوع هو سقوط حقها في الحضانة، لأنه لا ‏يجوز أن يكون أثر مخالفتها مجرد أن تكون آثمة فقط، لأن أحكام الحضانة أحكام عملية يراد ‏ترتب آثارها عليها في الدنيا لمصلحة الصغير، ولا يجوز أن يكون أثره إجبار الأم على العودة ‏بالقوة إلى بلد الأب، لأن الأب لا يملك إجبارها إلا في حالتي الزوجية أو العدة وفي غيرهما لا ‏سلطان له عليها، وإذا كانت لا تجبر على الحضانة إلا في حالة تعينها لها فلا تجبر على بلد معين ‏للحضانة من باب أولى، فلم يبق لهذه المخالفة من أثر إلا نزع الولد منها، ولا يمكن نزع الولد ‏منها ولها حق حضانته.‏
لكن سقوط حقها في الحضانة شيء واستحقاقها الأجر على قيامها بالحضانة شيء آخر، ‏فإذا انتقلت إلى بلد آخر وقامت بحضانة الصغير استحقت الأجرة على فترة قيامها لأنها قامت ‏بعمل تستحق الأجر عليه.‏
هذا هو مذهب الحنفية في انتقال الحاضنة إلى بلد آخر.‏
‏- حق رؤية الولد لمن ليس في يده:‏
وإذا كان الولد عند حاضنته أما كانت أو غيرها فليس لها أن تمنع أباه من رؤيته غير أنها ‏لا تجبر على إرساله إليه في مكان إقامته، بل عليها أن تخرجه إلى مكان أن يراه فيه.‏
وكذلك لو كان عند أبيه لضمه إليه بعد انتهاء حضانته أو لسقوط حقها في الحضانة لسبب ‏من الأسباب يجب عليه أن يمكنها من رؤية على الوجه السابق، لأن لكل منهما حقاً في الولد فلا ‏يملك أحدهما إبطال حق الآخر، ولم يحدد الفقهاء مدة لهذه الرؤية، ويمكن أن يقال إنها بالنسبة ‏للأب والأم كل أسبوع مرة قياساً على ما قرروه من أن الزوجة لها الحق في الخروج لرؤية ‏أبويها كل أسبوع مرة لعلاقة الأصلية والفرعية، أما غير الأم من أقارب الصغير المحارم فلها ‏رؤيته كل شهر مرة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:37 PM
الفَصل الخامِس
في مدة الحضانة ومصير الصغير بعدها





‏- مدة الحضانة: وقد اختلف الفقهاء في تقدير هذه السن فقدرها بعضهم بإحدى عشرة سنة، ‏وقدرها آخرون بتسع سنين، وعليه الفتوى.‏
فالذي عليه الفتوى في المذهب الحنفي هو أن حضانة الصغير تنتهي ببلوغه سبع سنين، ‏وحضانة الصغيرة تنتهي ببلوغها تسع سنين، والعبرة في ذلك بالسنين القمرية، لأنها المعهودة في ‏التقديرات الشرعية يعمل بها ما لم يوجد نص قانوني على خلاف ذلك.‏
وإنما زيدت سن الحضانة للفتاة عن سن حضانة الغلام، لأن الفتاة بعد بلوغها سن ‏الاستغناء عن خدمة حاضنتها لا تزال بحاجة إلى البقاء تحت إشرافها لتقوم على تعليمها خدمة ‏البيت وتعويدها ما يليق بالمرأة من عادات وأخلاق، فإذا بلغت من الاشتهاء كانت في حاجة إلى ‏من يقوم بصيانتها والمحافظة عليها والرجال أقدر على ذلك من النساء.‏
‏ ‏
‏- الصغير والصغيرة بعد انتهاء الحضانة:‏
إذا انتهت مدة حضانة النساء سلم الولد ذكراً كان أو أنثى إلى الأب إن كان موجوداً وعنده ‏أهليه لضم الولد إليه، فإن لم يكن موجوداً أو كان موجوداً غير أهل لذلك الضم انتقل الحق إلى ‏غيره من العصبات الأقرب فالأقرب بتربيتهم السابق في استحقاق الحضانة مع ملاحظة أن ‏الأنثى لا تسلم إلى عاصب غير محرم كابن عمها مثلاً، لأنها تكون في سن تشتهى وهي لا تحرم ‏عليه فيكون في وجودها معه خطر عليها، أما الغلام فلا خطر في ضمه إلى العاصب غير ‏المحرم.‏
وهذا الضم لا خيار فيه لا للأب ولا للعاصب ولا للولد لأن الشارع هو الذي حكم بذلك ‏لما فيه من المصلحة، وليس لأحد الخيار فيما قضى به الشارع.‏
ويبقى الغلام عند من ضم إليه حتى يبلغ مأموناً على نفسه، فإذا بلغ غير مأمون على ‏نفسه بقي عند من ضم إليه حتى يصير مأموناً. أما البنت فإنها تبقى في يد من ضمت إليه حتى ‏تتزوج، فإذا لم تتزوج بقيت عند أبيها أو عاصبها المحرم إن كانت بكراً يخشى عليها الفتنة ولو ‏كانت أمينة على نفسها، وكذلك إذا كانت ثيباً غير مأمونة على نفسها، فإذا أمنت الثيب على ‏نفسها، وتقدمت السن بالبكر وصارت ذا دراية وحكمه وعرف عنها العفة صارت أحق بنفسها، ‏وليس لأحد جبرها على المقام معه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:38 PM
الباب الرابع
الولاية

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:40 PM
الفَصل الأول
في الولاية على النفس




‏ - تعريف ولاية النفس:‏
‏- ويراد بها هنا: سلطة الولي التي تتعلق بنفس المولى عليه من صيانته وحفظه وتأديبه ‏وتعليمه العلم أو الحرف وتزويجه.‏
ولما كان الطفل بعد انتهاء فترة الحضانة عاجزاً عن القيام بتلك الأمور بنفسه حيث لا ‏يدرك وجه المصلحة فيها كان في أشد الحاجة إلى من يقوم بها، ويسمى ذلك الشخص بالولي.‏
ولما كان مدار ثبوتها عجز المولى عليه من إدراك وجه المصلحة فيما يحتاج إليه ثبتت ‏على كل عاجز سواء كان صغيراً أو كبيراً مجنوناً أو معتوهاً.‏
فتثبت على الصغير حتى يبلغ عاقلاً مأموناً على نفسه، وعلى الصغيرة والكبيرة حتى ‏تتزوج أو تتقدم بها السن وتصبح مأمونة على نفسها بكراً كانت أو ثيباً، كما تثبت على المجانين ‏والمعاتيه حتى تزول علتهم.‏
‏- من تثبت له هذه الولاية؟
تثبت الولاية على النفس لأقارب المولى عليه من العصبات الذكور، وهم أصوله من ‏الأب والجد أبي الأب وإن علا، وفروعه من الأبناء وأبناء الأبناء، وفروع الأبوين من الأخوة ‏الأشقاء والأخوة لأب وأبنائهم، وفروع الأجداد وهم الأعمام وأبناؤهم، غير أن الولاية على الأنثى ‏لا تكون إلا للعاصب المحرم فلا تثبت لابن العم، فإن لم يوجد من العصبات غيره أبقاها القاضي ‏عند حاضنتها أو اختار لها شخصاً أميناً وضعها عنده.‏
وتثبت الولاية لهؤلاء على حسب ترتيبهم في الميراث. فالفروع ثم الأصول ثم الأخوة ‏وأبناؤهم، ثم الأعمام وأبناؤهم بالنسبة لغير الصغار، أما الصغار فتثبت الولاية عليهم أولاً ‏للأصول لعدم وجود أبناء يصلحون للولاية، فإن لم يوجد إلا واحد كانت الولاية له، وإن تعددوا ‏قدم الأقرب، وإن تساووا في الدرجة قدم الأقوى قرابة كالأخ الشقيق على الأخ لأب، والعم ‏الشقيق على العم لأب، فإن تساووا في الدرجة وقوة القرابة تثبت لهم جميعاً، ويختار القاضي ‏أصلحهم للولاية. هذا في مذهب الحنفية.‏
‏- متى تنتهي هذه الولاية؟
تنتهي هذه الولاية بالنسبة للفتى بالبلوغ بالعلامات الطبيعية، فإن لم تكن فبالسن وهو ‏خمس عشرة سنة عند جماهير الفقهاء، وهو ما يجري عليه العمل في القضاء، لأنه الراجح في ‏مذهب الحنفية، فإذا بلغ بأحدهما وكان مأموناً على نفسه انتهت هذه الولاية، وكان له الخيار في ‏الإقامة مع وليه أو الانفراد عنه في السكنى كما يقول الفقهاء.‏
أما الفتاة فلا تنتهي الولاية عليها بالبلوغ بل تستمر إلى أن تتزوج أو تتقدم بها السن حتى ‏تصير مأمونة على نفسها فلها أن تنفرد بالسكنى أو تسكن مع أمها.‏
‏- شروط الولي على النفس:‏
يشترط في من تثبت له الولاية على النفس الشروط الآتية :‏
‏1- أن يكون بالغاً عاقلاً، لأن غير البالغ العاقل لا ولاية له على نفسه بل هو محتاج لمن ‏يلي عليه.‏
‏2- أن يكون قادراً على القيام بما تتطلبه الولاية من أعمال، فلو كان عاجزاً لا يكون أهلاً ‏لها.‏
‏3- أن يكون أميناً على المولى عليه في نفسه ودينه، فلو لم يكن أميناً بأن كان فاسقاً ‏مستهتراً لا يبالي بما يفعل لا يكون أهلاً للولاية، لأنها شرعت لمصلحة الصغير وليس من ‏مصلحته أن يوضع عند هذا الفاسق لأنه يخشى عليه أن يتخلق بأخلاقه، وكذلك لو كان مهملاً كأن ‏يترك الصغير مريضاً بلا علاج أو يحرمه من التعليم وعنده استعداد له، فإذا كان كذلك انتقلت ‏الولاية إلى من يليه من الأولياء محافظة على مصلحة الصغير.‏
‏4- أن يكون متحداً مع المولى عليه في الدين، لأن اختلاف الدين يؤثر في رابطة القرابة ‏الموجودة بينهما فيتعرض الصغير لخطر التأثر بدين وليه، فلو كانت الولاية للأخوة وكان ‏للصغير أخوان أحدهما موافق له في الدين والآخر يخالفه فيه كانت الولاية للموافق في الدين.‏
وهذا الشرط في غير القاضي، لأنه نائب عن الحاكم صاحب الولاية على جميع الرعايا ‏مسلمين وغير مسلمين، وكما تشترط هذه الشروط في ثبوت الولاية ابتداء يشترط بقاؤها طوال ‏مدة الولاية، فإذا تغير شرط منها سلبت الولاية منه لأنه أصبح غير أهل لها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:42 PM
الفَصل الثّاني
في الولاية على المال‏




‏- تعريف ولاية المال:‏
يراد بالولاية على المال: السلطة التي يملك بها الولي التصرفات والعقود التي تتعلق بمال ‏المولى عليه من البيع والشراء والإجارة والرهن والإعارة وغيرها.‏
وهذه الولاية تثبت على العاجزين عن تدبير شئونهم المالية من الصغار والمجانين ‏والمعاتيه باتفاق الفقهاء، كما تثبت على السفهاء وذي الغفلة عند جماهير الفقهاء خلافاً لأبي ‏حنيفة.‏
أما الصغير: فيمر بمرحلتين حتى يبلغ. المرحلة الأولى: مرحلة عدم التمييز وتنتهي عادة ‏ببلوغ سن السابعة وفي هذه المرحلة تكون الولاية عليه تامة، فجميع التصرفات لوليه، لأن ‏الصغير فيها لا إدراك له ولا تمييز ومن ثم لا تكون له عبارة معتبرة، فأي تصرف يصدر منه ‏يكون باطلاً.‏
فإذا بلغ سن السابعة من عمره بدأت المرحلة الثانية وهي مرحلة التمييز وفيها يدرك ‏الفرق بين النافع والضار بصورة إجمالية، كما يعرف معاني العقود إجمالاً، فيدرك أن معنى بقت ‏إخراج للشيء من حيازته، ومعنى اشتريت إدخال للمشتري في حيازته، فيتحقق له بهذا أهلية ‏للتصرف لكنها ناقصة يحتاج معها إلى رأي وليه، ومن هنا قرر فقهاء الحنفية إن تصرفاته في ‏هذه المرحلة ثلاثة أنواع :‏
‏1- تصرفات نافعة نفعاً محضاً. كقبول الهبة أو الهدية، وهذه تصح منه وتنفذ ولا تتوقف ‏على إذن وليه.‏
‏2- تصرفات ضارة ضرراً محضاً كهبة ماله وإهدائه وإبراء المدين له من الدين وإقرار ‏بالدين، وهذه باطلة لا تنفذ حتى ولو أجازها وليه، لأن الولي لا يملكها ابتداء فلا يملك تمليكها ‏لغيره بالإجازة.‏
‏3- تصرفات مترددة بين النفع والضرر كالبيع والشراء والإجازة وعقود المعاوضات ‏كلها، وهذه تصح باعتبار ما عنده من إدراك وتمييز وأهلية ناقصة، ولكنها تتوقف على رأي ‏الولي. إن أجازها - في حدود ما يملكه من الولاية - ونفذت لظهور أن نفعها أكثر من ضررها، ‏وإن ردها بطلت لظهور أن ضررها أكبر وتستمر هذه المرحلة إلى البلوغ، وهو يكون بالعلامات ‏الطبيعية إن وجدت وبالسن إن لم توجد، وهو مقدر عند جمهور الفقهاء بخمس عشرة سنة، وعليه ‏العمل في القضاء، وخالف أبو حنيفة فجعله ثماني عشرة سنة للفتى، وسبع عشرة سنة للفتاة، ‏وجعله مالك ثماني عشرة سنة لها استناداً لقول ابن عباس في تفسيره لقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا ‏مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] فقد فسر أشد اليتيم بثماني عشرة ‏سنة فكان حد البلوغ بالسن، ولكن أبا حنيفة أنقص الفتاة سنة لأنها أسرع إلى البلوغ عادة من ‏الفتى.‏
أما الجمهور فقد استندوا إلى ما رواه الجماعة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ‏‏"عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزني، ‏وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني".‏
فإجازة الرسول وإذنه بالقتال وهو ابن خمس عشرة سنة دليل على أن أدنى سن البلوغ ‏مبلغ الرجال هو ذلك.‏
وإذا بلغ عاقلاً كملت أهليته ولكن لا يسلم إليه المال إلا إذا ثبت رشده، وهو الإحسان في ‏التصرف في المال بحيث لا ينفقه إلا على مقتضى العقل والشرع، وما دام لم يسلم إليه ماله تبقى ‏الولاية المقيدة لتصرفاته فلا يتصرف إلا بالإذن.‏
ولم يحدد الفقهاء للرشد سناً معينة، لأنه أمر يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، بل ‏وكلوا ذلك إلى التجربة والاختيار وهو قول الجمهور، أيضاً وزادوا أنه يثبت بشهادة رجلين ‏عدلين في الذكور والإناث وبشهادة النساء وحدهن أو مع الرجال في الإناث فقط.‏
وسند هذا الرأي قوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ‏وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ ‏آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 5-6] فإذا ثبت الرشد بالفعل سلم إليه ماله.‏
وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك يستمر إلى خمس وعشرين، فإذا بلغها سلم إليه ماله وإن لم ‏يرشد بالفعل، لأن الغرض من منع المال عنه تهذيبه وتأديبه بصورة حسية، فإذا بلغ هذه السن ولم ‏تفد التجارب معه لم يكن هناك أمل في ذلك، وحينئذ يدور الأمر بين منع ماله عنه وفيه إهدار ‏لكرامته وهو عاقل وبين دفع المال إليه والمحافظة على كرامته كإنسان، وإذا دار الأمر بين ‏الإنسانية والمال رجحت كفة الإنسانية ومنع الحجر عليه، ولأنه يكون في هذه السن إمكان أن ‏يكون جداً.‏
ولأنه مخاطب بالتكاليف الشرعية مأمور بالوفاء بالعقود في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ‏آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] وفي الحجر عليه معارضة لهذه الآية.‏
أما المجنون: وهو عديم العقل فيأخذ حكم الصغير قبل سن التمييز إذا كان جنونه مطبقاً ‏أو متقطعاً في حال الجنون، أما في حال الإقامة فهو كالعاقل.‏
أما المعتوه: وهو قليل الفهم فاسد التدبير مختلط الكلام فيأخذ حكم الصغير بعد سن ‏التمييز.‏
وأما ذو الغفلة: وهو الذي لا يهتدي إلى التصرفات النافعة ويغبن في البياعات لضعف ‏إدراكه فيأخذ حكم السفيه، وهو البالغ العاقل غير الرشيد يحجر عليه ويمنع عنه ماله.‏
من تثبت له الولاية المالية:‏
ذهب الحنفية إلى أنَّ الولاية المالية تثبت على الصغير على الصغير عند الحنفية للأب ثم ‏لوصيه ثم لوصي وصيه، ثم للجد الصحيح وهو أبو الأب وإن علا، ثم لوصيه ثم لوصي وصيه، ‏ثم للقاضي ثم لوصي القاضي.‏
فهي تثبت للأب أولاً، فإن لم يوجد وكان قد أختار وصياً ليدير شئون أولاده المالية ثبتت ‏لهذا الوصي وإن كان الجد موجوداً، وكذلك إذا اختار وصي الأب وصياً ليقوم بدله، فإن لم يوجد ‏هذا الوصي أو كان وتوفي كانت الولاية للجد، ثم من بعده لوصيه ولوصي وصيه إن وجد، فإن لم ‏يوجد واحد من هؤلاء كانت الولاية للقاضي الذي يعين في الغالب وصياً يتولى ذلك الإشراف.‏
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الولاية عندهم للأب ثم لوصيه ثم للقاضي ثم وصيه فلم ‏يجعلوها للجد أصالة وإن كان يصح أن يكون وصياً من قبل الأب أو القاضي قالوا: لأنه لا يدلي ‏إلى الصغير بنفسه وإنما يدلى إليه بالأب فلا تكون له الولاية على مال الصغير كالأخ.‏
ذهب الشافعية إلى جعل الولاية أولاً للأب ثم للجد ثم لوصي من تأخر موته منهما ثم ‏للقاضي ثم لمن يقيمه وصياً، لأن الجد عندهم ينزل منزلة الأب عند عدمه لوفر الشفقة عنده مثل ‏الأب ولذلك تثبت له الولاية في التزويج فتثبت ولايته في المال أيضاً.‏
وتقديم الأب على غيره أمر طبيعي لأنه أشفق الناس على أولاده وأحرصهم على ‏مصالحهم، وكان وصي الأب مقدماً على الجد لأن اختيار الأب وصياً مع وجود الجد دليل على ‏أنه أولى من الجد، لأنها تعتمد على الأمانة والتجربة والخبرة أكثر من اعتمادها على الشفقة التي ‏يتميز بها الجد عن الوصي، وإرادة الأب في شئون ولده محترمة في حياته فكذلك تحترم بعد ‏وفاته.‏
هذا وليس لأحد من العصبات غير الأب والجد حق في الولاية على المال إلا إذا جاءت ‏بطريق الوصايا من الأب والجد أو الإختيار من القاضي وكذلك لا حق للنساء إلا من هذا ‏الطريق.‏
أما الولاية على المجنون والمعتوه: فإذا كان الجنون أو العتة مصاحباً للبلوغ فإن الولاية ‏تكون للأولياء السابقين لأنها كانت ثابتة بسبب الصغر ولم يوجد ما يقتضي رفعها فتستمر إلى ‏الإفاقة قولاً واحداً في المذهب الحنفي.‏
أما إذا بلغ الصغير عاقلاً سليماً ثم طرأ عليه الجنون أو العته بعد رفع الولاية عنه ‏فالراجح في المذهب الحنفي عود الولاية إلى الولي السابق لوجود العجز المقتضى للولاية وهو ‏قول أبي حنيفة.‏
‏ ‏
شروط الولي على المال:‏
شرط الفقهاء لأهلية الولاية على المال الشروط الآتية:‏
‏1- أن يكون كامل الأهلية بالبلوغ والعقل والحرية، لأن ناقصها لا ولاية له على ماله، ‏فلا تكون له ولاية على غيره.‏
‏2- ألا يكون سفيهاً يخشى على مال القاصر من تصرفاته، فإن كان محجوراً عليه بالفعل ‏فالأمر ظاهر، لأن الممنوع من التصرف في ماله يمنع من التصرف في مال غيره من باب ‏أولى، وإن كان غير محجور عليه بالفعل لكن يستحق الحجر فلا ولاية له أيضاً لعدم ائتمانه على ‏المال.‏
‏3- أن يكون متحداً مع القاصر في الدين، فإن كان الأب غير مسلم وأولاده مسلمون. كأن ‏تكون أمهم قد أسلمت وهم صغار وبقي الأب على دينه فيكون الأولاد مسلمين تبعاً لأمهم، لأنهم ‏يتبعون خير الأبوين ديناً فلا تثبت الولاية للأب عليهم في هذه الحالة، وكذلك لو كان الأب أسلم ‏وتوفي وترك أولاده المسلمين فلا يكون لجدهم المخالف له في الدين ولاية عليهم.‏
وهذا الشرط في غير القاضي، لأن ولاية القاضي ولاية عامة مستمدة من رئيس الدولة ‏الذي هو ولي من لا ولي له من رعاياه مسلمين وغير مسلمين.‏
‏- سلطة الولي في التصرفات:‏
الأصل في تصرفات الولي أنها غير مطلقة بل مقيدة بما فيه مصلحة المولى عليه، وعلى ‏ذلك لا يملك التصرفات الضارة ضرراً محضاً، كهبة جزء من مال المولى عليه أو التصدق به، ‏فإذا صدرت منه كانت باطلة، ويملك التصرفات النافعة نفعاً محضاً. كقبول الهبة والصدقة ‏والوصية، ومثلها التصرفات الدائرة بين النفع والضرر كالبيع والشراء والإجارة والشركة بشرط ‏ألا يكون فيها ضرر، فإن كان فيها ضرر كانت باطلة، هذا إجمال لحكم التصرفات، أما تفصيلها ‏فإنها تختلف بإختلاف الشخص الذي يتولاها، وإليك البيان.‏
تصرفات الأب: يفصل الحنفية في الآباء فيصنفونهم أصنافاً أربعة.‏
الصنف الأول: أب معروف بالتبذير والإسراف وعدم الأمانة على المال، وهذا لا يستحق ‏الولاية على أموال أولاده، فلو أعطيت له الولاية ثم ظهر كذلك سلبت ولايته وأخذ منه المال وسلم ‏إلى من يستحقها إن كان موجوداً، وإلا سلم إلى وصي يختاره القاضي ليحقق للصغار ما ينفعهم ‏ويحافظ على مصلحتهم.‏
الصنف الثاني: أب معروف بفساد الرأي وسوء التدبير لكنه أمين على المال غير مبذر ‏فيه، وهذا يستحق الولاية نظراً لأمانته وعدم تبذيره، ولأنه أقرب الناس إلى أولاده وموفور ‏الشفقة عليهم، ولكنه يراقب في تصرفاته فيمنع من كل ما يضر بمصلحة الصغير، فيشترط ‏لصحة تصرفاته الدائرة بين النفع والضرر أن تكون فيها منفعة ظاهرة، فإن تحققت نفذت وإن لم ‏تتحقق ألغى التصرف.‏
ولقد وضع بعض الفقهاء معياراً للمنفعة الظاهرة في بيع العقار أن يكون بضعف قيمته، ‏وفي شرائه أن يكون بنصف القيمة، وفي بيع المنقول أن يكون بزيادة تساوي نصف قيمته وفي ‏شرائه أن يكون بنقص يساوي ثلث قيمته فيبيع ما قيمته ستة بتسعة، ويشتري ما قيمته تسعة بستة.‏
وقيل غير ذلك لكن الفتوى على الأول.‏
الصنف الثالث: أب معروف بحسن الرأي والتدبير والتصرف. وهذا والذي قبله تثبت ‏لهما الولاية الكاملة ومطلق التصرف في أموال من في ولايتهما صغاراً كانوا أو غير صغار.‏
فيملك الواحد منهما كافة التصرفات التي يملكها في ماله، ولا يستثنى منها إلا ما فيه ‏ضرر محض كالتبرع والصدقة وما في معناهما، لأن التبرع إخراج المال الصغير بدون عوض ‏فيكون ضرراً محضاً.‏
وعلى هذا يكون له بيع أموال المولى عليهم عقاراً كانت أو منقولاً ويشتري لهم مادام ذلك ‏البيع والشراء بمثل القيمة أو بغبن يسير مما يتغابن فيه الناس عادة، ولا يملك أحد نقص تصرفه ‏حتى الصغير إذا بلغ لا يملك ذلك، لأنه صدر عن ولاية تامة.‏
أما إذا كان البيع والشراء بغبن فاحش فإنه لا يكون صحيحاً، لأنه في معنى التبرع وهو ‏ممنوع منه فيبطل البيع وينفذ الشراء على الأب لإمكان تنفيذه بدون ضرر بالمولى عليه.‏
ويجوز له أن يشتري مال الصغير لنفسه أو يبيع ماله له مادام خالياً من الغبن الفاحش، ‏ويتم العقد بعبارته وحدها. كبعت هذا إلى ابني أو اشتريت هذا من ابني، وهي من الصور ‏المستثناة من القاعدة العامة عندهم التي تمنع تولي الشخص الواحد طرفي العقد في العقود المالية ‏بعبارة واحدة، وخالف في ذلك بعض الحنفية تمسكاً بالقاعدة كما يجوز أن يؤجر ماله ويتأجر له ‏بدون غبن فاحش، ولا يجوز له أن يؤجر أموال الصغير لمدة طويلة لأنها غالباً تكون بأجرة ‏ناقصة ففيها ضرر بأموال الصغير.‏
وله أن يودع أموال القاصر ولو كان الإبداع بأجر، لأنه من طرق المحافظة على أموال ‏القاصر.‏
كما أن له أن يعير أموال الصغير إذا كان العرف يجري بذلك، لأنه كما يعير آلاته ‏يستعير له من غيره فهو من قبيل تبادل الخدمات.‏
تصرفات الجد في ولايته:‏
اختلف أئمة المذهب الحنفي في تحديد نطاق تصرفات الجد على رأيين:‏
فيرى أبو حنيفة أنه لا يملك كل ما يملكه الأب من تصرفات، بل تقتصر ولايته على ما ‏يملكه وصي الأب -وسيأتي بيانها- لأنه يلي الوصي في المرتبة فلا يكون له اختصاص أكثر من ‏ذلك الوصي، ولو كان مساوياً للأب لتلاه في المرتبة وتقدم على وصي الأب في الولاية المالية. ‏
وفي رواية في المذهب أنه يملك ما يملكه الأب لا فرق بينهما، لأن ولايته أصلية أثبتها له ‏الشارع ولم يستمدها من أحد حيث ثبتت له باعتباره أبا عند فقد الأب، ولأنه موفور الشفقة كالأب ‏فيملك ما يملكه، وتأخره في المرتبة عن وصي الأب لاحترام إرادة الأب لا لأنه أضعف في ‏ولايته من وصي الأب.‏
ومع وجاهة رأي الثاني فقد اختار الفقهاء الرأي الأول للفتوى.‏
وعلى القول بتساوي الجد مع وصي الأب في نطاق الولاية فرقوا بينهما في أمرين.‏
أولهما: أن الجد يملك التعاقد لنفسه بالبيع والشراء من مال القاصر من غير غبن فاحش، ‏أما الوصي فلا يملك ذلك إلا إذا كان في البيع والشراء مصلحة ظاهرة، كأن يشتري عقار ‏الصغير بضعف قيمته وأن يبيع عقاره للصغير بنصف قيمته عند أبي حنيفة.‏
وثانيهما: أن وصي الأب يملك بيع أعيان التركة عقاراً أو منقولاً في سداد الديون وإن ‏كان بعض الورثة كباراً لقيامه مقام الأب في تركته، فيتولى تسديد ديونه بمقتضى الإيصاء، ‏وكذلك له تنفيذ الوصية.‏
أما الجد فلا يملك ذلك إلا إذا كان بعض الورثة كباراً، لأن ولايته بحكم الشرع على ‏الصغار فقط فيقتصر تصرفه على بيع ما يخص الصغار فقط.‏
‏- الوصاية: وصي الأب:‏
إذا اختار الأب شخصاً ليكون خليفة عنه في الولاية على أولاده القصر بعد وفاته تكون له ‏الولاية بعد وفاته إذا توفرت فيه شروط الوصاية، ومرتبته في الولاية مقدمة على ولاية الجد كما ‏قدمنا.‏
وقد أجاز الفقهاء للجد أن يوصي قبل وفاته ويكون وصي الجد، ويتولى الأموال بعد وفاة ‏الجد كذلك.‏
شروط الوصي:‏
شرط الفقهاء في أهلية الوصي مطلقاً مختاراً من الأب أو معيناً من القاضي. أن يكون ‏كامل الأهلية عدلاً أميناً قادراً على إدارة شئون من له الوصاية عليه، وأن يكون متحداً في الدين ‏مع من جعلت له الوصاية عليه.‏
وهذه الشروط معتبرة بعد وفاة الموصى في الوصي المختار، لأنه الوقت الذي تنفذ فيه ‏الوصاية، فلا اعتبار لتخلفها قبل ذلك، لأنها شروط لنفاذ الوصاية لا لإنشائها، فإن لم يكن أهلاً في ‏هذا الوقت عدل عنه وعين القاضي غيره إن لم يوجد من يستحق الولاية كما في إيصاء الأب ‏والجد غير موجود.‏
ويستوي في الوصي بعد توفر الشروط الرجل والمرأة والقريب الوارث وغير الوارث ‏والأجنبي.‏
‏- تخصيص الوصي المختار: ‏
لا خلاف في أن الوصي يتصرف في كافة الأموال بما يخوله له حق الإيصاء إذا كانت ‏الوصية مطلقة غير مقيدة بشيء مخصوص بأن قال الموصي : جعلتك وصياً، أو أنت وصيي.‏
أما إذا كانت مقيدة بنوع من التصرفات كأن يقول : جعلتك وصياً في الأموال المنقولة أو ‏في التجارة أو بمكان كأن يقول: جعلتك وصياً في الأموال الموجودة في بلد كذا أو ما شابه ذلك ‏من التقييدات فهل يجوز لهذا الوصي التصرف في غير ما قيد به أو لا ؟
ذهب أبو حنيفة أن الوصاية لا تقبل التخصيص، فإذا قال: جعلتك وصياً في أمور التجارة ‏أو في قبض مالي على الناس صار وصياً على كل الأموال، لأن الموصي رضيه متصرفاً في ‏بعض الأمور ولم يرض بتصرف غيره في شيء أصلاً، فيكون أولى من غيره بالتصرف في ‏الباقي، على أن الوصي قائم مقام الموصي فيتصرف تصرفه لأن الوصاية خلافة تثبت كاملة لا ‏تتجزأ.‏
‏- تعيين المشرف:‏
هذا وكما يجوز للأب شرعاً أن يوصي لأكثر من واحد يجوز له أن يقيم مشرفاً يشرف ‏على أعمال الوصي فلا يتصرف الوصي إلا بعلمه ورأيه، أما إمساك المال وحفظه فيستقل به ‏الوصي، ولا يكون المشرف وصياً على المفتى به في المذهب الحنفي، فلا يمكنه التصرف في ‏مال القاصر حتى ولو كان التصرف مستعجلاً أو لا ضرر فيه، ولا يتقيد الموصى في اختيار ‏المشرف كما لم يتقيد في اختيار الوصي فيصح أن يكون المشرف الأم أو غيرها.‏
‏- تصرفات الوصي المختار:‏
أما وصي الأب فيعتبر قائماً مقام الأب فيملك جميع التصرفات التي يملكها الأب في ‏المذهب إلا في مسائل مستثناة لا يكون فيها مثل الأب. وهي ما يأتي:‏
‏1- بيع العقار المملوك القاصر، فللأب أن يبيعه بمثل القيمة أو بغبن يسير، أما وصيه فلا ‏يملك بيعه إلا بمسوغ شرعي أو يكون في بيعه نفع ظاهر له، والمسوغات هي ما يلي:‏
أ- أن تكون التركة عليها ديون لا يمكن إيفاؤها إلا ببيع العقار، وكذلك إذا كان على ‏القاصر دين كهذا.‏
ب- وجود وصية مرسلة أي بمقدار من المال كألف مثلاً ولا يوجد في التركة نقود أو ‏عروض تباع لتنفيذها فإن العقار يباع حينئذ لتنفيذها لأنه لا ميراث إلا بعد تنفيذ الوصية، أما إذا ‏كانت مقيدة بالربع أو الخمس مثلاً فلا يباع العقار ويكون الموصى له شريكاً للورثة فيه بمقدار ‏الوصية.‏
جـ- أن يكون القاصر في حاجة إلى النفقة ولا يمكن تدبيرها إلا ببيع العقار فيجوز ‏للوصي أن يبيع منه بقدر النفقة، ويتكرر البيع بتجدد الحاجة إليها.‏
د- أن يكون العقار مبنياً وبناؤه آيل إلى السقوط، ولا توجد نقود عند الوصي لترميمه ‏وتلافي سقوطه.‏
هـ- إذا كان العقار يخشى عليه النقصان أو الضياع كالأراضي التي تكون بجوار البحار ‏أو الأنهار وتتعرض لتآكلها عاماً بعد عام.‏
و- أن تكون ضريبة العقار وما ينفق عليه لصيانته أو لزراعته تزيد عن غلاته وما شاكل ‏ذلك.‏
فإن لم يوجد مسوغ من المسوغات لبيعه فلا يباع إلا بنفع ظاهر، كأن يرغب شخص في ‏شرائه بضعف قيمته فيجوز، لأن الوصي في هذه الحالة لا يستطيع أن يشتري للقاصر بالثمن ‏عقاراً آخر.‏
فإن باعه بدون مسوغ كان البيع باطلاً حتى لو بلغ الصبي وأجاز ذلك البيع لا تصح هذه ‏الإجازة لأن الباطل لا تلحقه إجازة.‏
والفرق بين الأب والوصي في ذلك أن الشفقة متوفرة عند الأب فيكفي في تصرفه ألا ‏يكون فيه ضرر، أما الوصي فلا تتوفر له تلك الشفقة فكان الاعتبار الأول في ولايته هو الحفظ ‏والصيانة والعقار محفوظ مصون بنفسه فلا يجوز له بيعه إلا عند الخطر عليه أو النفع الظاهر.‏
‏2- بيع الوصي مال نفسه للقاصر وشراء ماله لنفسه، فبينما يصح للأب أن يبيع ماله ‏للصغير وأن يشتري مال الصغير لنفسه متى كان البيع أو الشراء بمثل القيمة أو بغبن يسير. لا ‏يصح هذا من الوصي إلا إذا كان فيهما نفع ظاهر للقاصر، ويتحقق هذا النفع الظاهر كما صوره ‏بعض الفقهاء بأن يبيع عقاره للقاصر بنصف القيمة، ويشتري عقاره بضعف القيمة، وفي غير ‏العقار يكون البيع بنقصان ثلث القيمة، والشراء بزيادة نصف القيمة، كأن يبيع له ما قيمته خمسة ‏عشرة بعشرة، ويشتري منه ما قيمته عشرة بخمسة عشر، وجواز البيع والشراء على هذا الوجه ‏هو قول أبي حنيفة وعليه الفتوى.‏
وكذلك لا يجوز للوصي أن يبيع مال القاصر لمن لا تقبل شهادته له من الأصول ‏والفروع والأزواج ولا أن يشتري منهم له إلا ما فيه مصلحة واضحة.‏
وإنما فرق بين تصرف الأب وتصرف الوصي لأن وفور شفقة الأب وحرصه على ‏مصلحة أولاده لا يحتاج معها إلى ضمان آخر، بخلاب الوصي الذي قد يؤثر مصلحة نفسه على ‏مصلحة القاصر فاحتاج تصرفه إلى دليل ينفي ذلك عنه وهو بيعه وشراؤه بما يحقق له النفع ‏الظاهر.‏
‏3- رهن الوصي شيئاً من أموال نفسه عند اليتيم نظير دين عليه له وارتهانه شيئاً من ‏أموال اليتيم عند نفسه نظير دين له على اليتيم لا يصح ذلك من الوصي بينما يصح ذلك من الأب.‏
وفيما عدا هذه الأمور فإنه يتصرف كل التصرفات التي يملكها الأب.‏
أما وصي القاضي فهو كوصي الأب إلا في بعض مسائل خاصة أهمها:‏
‏1- ليس لوصي القاضي عقد المعارضة في مال القاصر مع نفسه ولا مع من لا تقبل ‏شهادتهم له، لأنه نائب عن القاضي، والقاضي لا يملك ذلك فكذلك نائبه، أما وصي الأب فله ذلك ‏بشرط أن يكون فيه نفع ظاهر كما بيناه.‏
‏2- الوصي المختار له أن يقيم وصياً بعد وفاته على مال القاصر الذي له عليه وصاية، ‏وليس ذلك لوصي القاضي إلا إذا جعل له القاضي ذلك في قرار تعيينه، والسبب في ذلك أن ‏القاضي الذي يستمد منه الوصي المعين من قبله ولايته موجود دائماً بخلاف الوصي المختار ‏للأب فإن من اختاره غير موجود فلا يمكن الرجوع إليه.‏
‏3- وصي القاضي قابل للعزل وإن كان عدلاً كفؤاً إذا كانت مصلحة القاصر تقتضي ‏ذلك، لأنه وكيل القاضي وكل موكل يملك عزل وكيله، أما الوصي المختار فلا يجوز للقاضي ‏عزله إذا كان عدلاً كافياً، لأنه لم يعينه فلا يملك عزله دون سبب مبرر لذلك العزل.‏
استحقاق الوصي الأجر على الوصاية:‏
لفقهاء الحنفية في ذلك آراء ثلاثة:‏
أولها: أنه يستحق الأجر مطلقاً غنياً كان أو فقيراً.‏
وثانيها: أنه يستحق الأجر مطلقاً غنياً كان أو فقيراً.‏
وثالثها: التفصيل بين ما إذا كان غنياً فلا يستحق الأجر وبين ما إذا كان فقيراً فيستحقه
ومنشأ هذا الاختلاف هو الاختلاف في فهم قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ ‏كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6]. فإنها جاءت في سياق الآيات المبينة أحكام من يتولى ‏أموال اليتامى.‏
فصاحب الرأي الأول يقول: إن الآية طالبت الغني بالاستعفاف، وسوغت للفقير الأكل ‏بالمعروف، وليس الأكل بالمعروف أجراً، ولأن الوصاية الأصل فيها التبرع ممن يقوم بها.‏
وصاحب الرأي الثاني يقول: إن الآية تفيد استحباب التبرع إذا كان غير محتاج، ولا تفيد ‏إلزامه بذلك فله أن يطلب الأجر إذا شاء إذ لا يمكن إلزام شخص أن يؤدي عملاً بغير مقابل.‏
ولأنه يضيع جزءً من وقته في العمل للقاصر لو أضاعه في شئون نفسه لزادت ثروته ‏فيكون مستحقاً للأجر، ويترك ذلك لرأيه إن شاء طالب به، وان شاء تنازل عنه.‏
وصاحب الرأي الثالث يقول: إن الآية فرقت بين الغني والفقير فطالبت الغني ‏بالاستعفاف، وسوغت للفقير أن يأكل بالمعروف، ولأن الأصل في الوصاية أن تكون تبرعاً ‏ابتغاء ثواب الآخرة والغني لا يتضرر من ذلك، أما الفقير فيلحقه الضرر فيستحق الأجر دفعاً لهذا ‏الضرر عنه استثناء من الأصل، ولهذا قال بعض الفقهاء : إن هذا هو مقتضى الاستحسان وهو ‏مقدم على القياس الذي يمنع مطلقاً.‏
‏- انتهاء الولاية والوصاية:‏
تنتهي الولاية شرعاً - كما قدمنا - ببلوغ القاصر عاقلاً رشيداً، والرشد ليس له سن معينة ‏عند جماهير الفقهاء بل يثبت الرشد بالتجربة، فإن ثبت بالفعل انتهت الولاية وسلم المال إلى ‏صاحبه وإن لم يثبت يبقى المال تحت يد الولي.‏
أما إذا بلغ مجنوناً أو معتوهاً فإن الولاية تستمر عليه ولو لم تقرر المحكمة استمرارها.‏
انتهاء الوصاية:‏
تنتهي الوصاية:‏
أولاً: ببلوغ القاصر سن الرشد كما في الولاية.‏
ثانياً: بعودة الولاية للولي أباً أو جداً فيما إذا كانت المحكمة سلبت الولاية لسبب من ‏الأسباب وعينت وصياً بدله، ثم زال سبب سلب الولاية وأمرت المحكمة بإعادتها.‏
ثالثاً: بعزل الوصي لسبب من الأسباب الموجب لذلك أو قبول استقالته.‏
رابعاً: بفقد الوصي أهليته أو ثبوت غيبته بحيث لا يمكن القاصر الانتفاع من وصايته، أو ‏موته أو موت القاصر.

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:44 PM
الباب الخامس
في نفقة الأولاد والأقارب

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:45 PM
تمهيد‏ ‏




‏- دليل وجوب النفقة:‏
نفقة الأقارب نوع من التكافل الاجتماعي الذي أرسى الإسلام قواعده وشيد أركانه، ‏وأصل وجوب هذه النفقة مقرر في كتاب الله إجمالاً في أكثر من آية، وجاءت السنة مفصلة ‏وشارحة في أحاديث عديدة، وطبق ذلك في المجتمع الإسلامي في عصوره المختلفة.‏
يقول جل شأنه: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ....} إلى أن قال: ‏‏{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233].‏
وفي آية أخرى يقول عز من قائل: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ ‏إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36].‏
وفي آية ثالثة يقول سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ‏‏[الإسراء: 23].‏
وفي رابعة يقول جل ثناؤه: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء: 26].‏
وفي خامسة يقول جل وعلا: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا ‏تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] نزلت في الأبوين الكافرين والمصاحبة ‏بالمعروف كما فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن العشرة بأن يطعمهما إذا جاعا، ‏ويكسوهما إذا عريا.‏
أما السنة: فالأحاديث كثيرة نكتفي ببعضها منها:‏
ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دخلت هند بنت عتبة ‏امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل ‏شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل عليّ في ‏ذلك من جناح؟، فقال: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك".‏
وما رواه النسائي عن طارق المحاربي قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم قائم على المنبر يخطب الناس ويقول: "يد المعطي العليا وأبدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك ‏وأخاك ثم أدناك أدناك".‏
وما رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن بَهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حَيْدة ‏القشيري قال: قلت يا رسول الله من أبَرّ؟ قال أمك، قلت: ثم من؟، قال : أمك، قلت ثم من؟، قال ‏أمك، قلت ثم من؟، قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب".‏
وما رواه النسائي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت".‏
فهذه النصوص توجب النفقة للأقارب في جملتها، ولما كانت دلالتها متنوعة منها القطعي ‏والظني، وكما أن الأحاديث كلها من أخبار الآحاد وثبوتها ظني، وكما أن منها ما صح عند بعض ‏الأئمة بينما لم يصح عند الآخرين لذلك اختلف الأئمة فيمن تجب له هذه النفقة على آراء:‏
‏1- فذهب مالك أن نفقة الأقارب تنحصر في قرابة الولاد المباشرة، فتجب للأب والأم ‏على الولد ذكراً كان أم أنثى، وتجب على الأب لأولاده، ولا تجب على الأم نفقة لأولادها، ولا ‏تجب لغير هؤلاء نفقة على أحد من أقاربهم.‏
ودليله على وجوب النفقة للوالدين الآيات التي أوجبت ذلك صراحة من قوله تعالى: ‏‏{وبالوالدين إحساناً}، وقوله : {وصاحبهما في الدنيا معروفاً}، وقول رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "أنت ومالك لأبيك".‏
أما وجوبها للأولاد فبقوله تعالى: {وعلى المولود له زرقهن وكسوتهن بالمعروف} ‏وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وبنيك بالمعروف" قالوا: فهذه النصوص ‏صريحة في ذلك فيقتصر على مورد النص، أما غير هؤلاء فلا يصلون إلى مرتبتهم فلا يقاسون ‏عليهم.‏
‏2- وذهب الشافعي أن النفقة تجب للأصول على الفروع وبالعكس، فالقرابة الموجبة هي ‏قرابة الولاد مطلقاً مباشرة وغير مباشرة.‏
ودليله على ذلك الأدلة السابقة بتوسع في معنى الوالدين ليشمل الأجداد، والأولاد يشمل ‏أولاد الأولاد لأن الأجداد آباء، وأولاد الأولاد أولاد.‏
ولا تجب لغير هؤلاء، أما قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} فلا يدل على وجوب ‏النفقة على القريب الوارث لأنه معطوف على قوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له ‏بولده} لا على قوله: {وعلى المولود له رزقهن} ولكننا نقول: إن هذا مجرد احتمال لأن الظاهر ‏أنه معطوف على الأول، لأن الأحاديث صرحت بوجوب النفقة للأقارب غير الأصول والفروع ‏كقول الرسول: "وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك بعد قوله أمك وأباك.‏
‏4- وذهب الحنفية إلى أن القرابة الموجبة للنفقة هي القرابة المحرمة للزواج فتجب على ‏الشخص لكل قريب تربطهما قرابة محرمية، وهي تشمل الأصول والفروع والمحارم من ‏الحواشي كالإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات والأخوال والخالات، أما القريب غير ‏المحرم فلا تجب له نفقة كأولاد العم والعمة وأولاد الخال والخالة.‏
وسندهم في ذلك الأدلة السابقة في أول الفصل التي توجب النفقة للأصول والفروع ‏والأقارب الوارثين، ولكنهم قيدوا الوارثين بالمحارم بما روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله ‏عنه كان يقرأ آية البقرة {وعلى الوارث مثل ذلك} بزيادة: {ذي الرحم المحرم} وهي وإن لم ‏تثبت قرآنيتها لعدم تواترها إلا أنها تعتبر تفسيراً وبياناً مسموعاً من رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم.‏
ولأن القرابة المحرمية قرابة قوية تستحق العناية والمحافظة عليها من القطيعة بإيجاب ‏النفقة لها دون غيرها، ولهذا كانت سبباً في تحريم الزواج عند وجودها لما في الزواج من بسط ‏سلطان الزوج على زوجته مما قد يؤدي إلى قطع الرحم، فاقتصر إيجاب النفقة على من اتصف ‏بها دون من هو أدنى منه قرابة.‏
‏5- وذهب الحنابلة إلى أن وجوب نفقة القريب على قريبه يدور مع الإرث وجوداً وعدماً، ‏فإذا كان القريب وارثاً وجبت له النفقة لا فرق بين أصل وفرع ولا بين محرم وغيره.‏
وسندهم في ذلك قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} فإنها أوجبت على الوارث مثل ما ‏أوجبته الآية في أولها على الأب من النفقة، وذلك لأن القرابة التي تجعل القريب أحق بتركة ‏قريبه وهو غنم تقتضي أن يقابله غرم وهو وجوب النفقة على الوارث، ولذلك شرطوا اتحاد الدين ‏بين من تجب له النفقة ومن تجب عليه حتى ولو كانوا من الأصول والفروع، في الرواية الراجحة ‏في المذهب.‏
وفي رواية أخرى يشترط في غير الأصول والفروع، وهذه الرواية - في نظري - هي ‏التي تتفق مع صريح النصوص لأنها مطلقة لم تفرق بين المتفقين في الدين والمخالفين فقوله ‏تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} مطلق في كل مولود له، وقوله: ‏‏{وصاحبهما في الدنيا معروفاً} نزل بخصوص الوالدين الكافرين، وكذلك أدلة وجوب النفقة ‏للأولاد مطلقة، وأما قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} فظاهرها أنها في الأقرباء الآخرين.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:47 PM
الفَصل الأول
‏- نفقة الفروع على الأصول




المراد بالفروع هم الأولاد وأولاد الأولاد وإن نزلوا ذكوراً كانوا أو أناثاً.‏
إذا كان للولد مال وجبت نفقته في ماله ولو كان صغيراً، وإذا لم يكن له مال وكان قادراً ‏على الكسب ولم يمنعه مانع منه وجب عليه السعي ليحصل على نفقته، ولا تجب له نفقة على ‏غيره أباً كان أو غير أب، أما إذا لم يكن له مال وكان عاجزاً عن الكسب لسبب من الأسباب ‏كالصغر، أو لكونه أنثى ولو كبيرة قادرة على الكسب ولكنها لا تكسب بالفعل، أو لكونه مريضاً ‏مرضاً يمنعه من العمل كالعمى والشلل، أو لكونه مجنوناً أو معتوهاً، أو لعدم تيسر الكسب لبطالة ‏عامة.‏
ففي هذه الحالات تجب له النفقة على غيره، فوجوب النفقة له مشروط بحاجته التي ‏تتحقق بألا يكون له مال بحيث تحل له الصدقة، أو بعجزه عن التكسب عند الحنفية فلو كان له ‏مال لا يكفي حاجاته الضرورية أو كان كسبه لا يكفيه وجب على الأب أن يكمل له ما يكفي ‏حاجته وكذلك إذا كان له مال غائب لا تصل يده إليه، كما إذا ورث مالاً ولم يتسلمه بعد فعلى ‏الأب أو من يليه من أصوله أن ينفق عليه من مال نفسه حتى يتسلم ماله، وله أن يرجع بما أنفق ‏عليه، إذا كان الإنفاق بإذن القاضي أو كان بغير إذنه لكنه أشهد عند الإنفاق أنه ينفق ليأخذه من ‏مال عند تسلمه، وفي غير هاتين الحالتين لا يرجع عليه بشيء قضاء، لأنه يكون متبرعاً له ‏الرجوع ديانة إذا كان نوى ذلك، يستوي في ذلك الصغير والكبير العاجز والذكر والأنثى.‏
وإذا امتنع الولد القادر على الكسب عنه فهل يملك الأب إجباره عليه؟
إذا كان أنثى فليس لأبيها جبرها على العمل لأن الشأن فيها ألا تعمل، وتكون نفقتها على ‏أبيها حتى تتزوج فتكون نفقتها على زوجها، فإن انتهت زوجيتها لأي سبب عادت نفقتها إلى من ‏كانت عليه قبل زواجها.‏
أما الذكر فيعتبر غير محتاج بقدرته على الكسب لأنه بهذه القدرة يعتبر غنياً لإمكانه ‏الاستغناء بها فلأبيه أو غيره إجباره على العمل، ولا يستثنى من ذلك إلا طالب العلم فإنه لا يجبر ‏على التكسب حتى لا يشغله عن طلب العلم، وتجب له النفقة ما دام جاداً في طلبه ناجحاً فيه، أما ‏إذا كان غير ذلك فلا تجب له نفقة على غيره.‏
والمراد بالنفقة الواجبة هي كل ما يحتاج إليه الشخص من طعام وكسوة وسكنى وأجرة ‏خادم إذا كان محتاجاً إليه لصغره أو لعجزه، أما نفقة زوجة الابن المستحق للنفقة فلا تجب على ‏أبيه ولا على غيره من الأصول باتفاق الحنفية وإنما يقضي لها بالنفقة على زوجها، ويأذن لها ‏القاضي بالاستدانة عليه إذا طلبت ذلك، ويؤمر من تجب نفقتها عليه بالانفاق ويرجع بها على ‏الزوج إذا أيسر.‏
وهنا يذكر فقهاء الحنفية مسألة ما إذا كان الشخص يملك منزلاً للسكنى وليس له سواه ‏فهل تجب له النفقة على غيره أو لا تجب، ويذكرون في ذلك روايتين في المذهب.‏
الأولى: لا تجب له النفقة لأنه لا يعتبر محتاجاً إليها من الغير حيث يستطيع بيعه ويسكن ‏بالأجر أو يبيع جزءً منه إن كان فسيحاً ينفق من ثمنه ويسكن باقيه.‏
والثانية: أنه تجب النفقة على قريبه ولا يجبر على بيعه أو بيع جزء منه، وعللوا ذلك. ‏بأن بيع المنزل لا يحصل إلا نادراً، ولا يمكن لكل أحد أن يسكن بالأجر أو المنزل المشترك لأنه ‏تحل له الصدقة ولا يؤمر ببيع المنزل، ولكن الرواية الأولى هي الصحيح من المذهب وهذا أوجه ‏لأن النفقة للقريب لا تجب إلا عند الحاجة، والحاجة مندفعة بملكه هذا لأنه لا يعتبر معها محتاجاً، ‏أما ما قيل: بأن بيع المنزل لا يحصل إلا نادراً، فلو سلم ذلك في زمنهم فغير مسلم في زماننا، ‏ولعل التطور في المنازل ينفي ذلك، وحل الصدقة له - إن جاز - لا يسوغ وجوب النفقة له على ‏الغير، لأن حل الصدقة لشخص لا يتنافى مع ملكية الشخص لما لا يصير به غنياً، أما وجوب ‏النفقة فيقوم على حاجة من وجبت له التي ينافيها ملك المنزل.‏
ولا يشترط في نفقة الفرع اتحاد الدين بينه وبين الأصل الذي وجبت عليه، لأن ‏النصوص الموجبة لها مطلقة في ذلك، ولأن وجوب النفقة هنا بسبب الجزئية وهي ثابتة مع ‏اختلاف الدين.‏
هذا ما يعتبر في جانب الفرع لتجب له النفقة.‏
أما الأصل التي تجب عليه فيشترط فيه أن يكون قادراً على الإنفاق إما بيساره أو بقدرته ‏على الكسب وإن لم يكن له مال.‏
ثم إن نفقة الأولاد تجب على أبيهم لا يشاركه أحد فيها عند الحنفية في جميع الحالات لأن ‏الإنفاق عليهم كالإنفاق على نفسه لأنهم جزء منه.‏
فإذا كان الأب موسراً أو قادراً على الكسب وطرق الكسب ميسرة له وجبت عليه النفقة ‏بلا خلاف، فإن امتنع عن الإنفاق أو عن العمل أجبر على ذلك بما يراه القاضي زاجراً له ولو لم ‏يجد وسيلة زاجرة غير الحبس حكم بحبسه كما بيناه من قبل.‏
فإذا لم يكن له مال وكان قادراً على الكسب وطرق الكسب غير ميسرة فبعض الحنفية ‏يعتبرونه في حكم الميت، وينتقل وجوب النفقة إلى من يليه في ذلك من الأصول الأخرى، فلو ‏أيسر الأب بعد ذلك لا يرجع من أنفق بما أنفقه على الأب، لأنه لم يكن الإنفاق واجباً عليه في تلك ‏الفترة.‏
والقول الآخر للحنفية - وهو الراجح عندهم - أنه بعدم تيسر طرق الكسب لا ينتقل ‏الوجوب إلى غير الأب، بل يبقى الوجوب عليه ولكنه لا يكلف بالأداء، بل تكلف الأم بالإنفاق إن ‏كان عندها مال ويكون ما تنفقه ديناً على الأب ترجع به عليه إذا أيسر، فإن لم يكن لها مال كلف ‏جده إن كان موجوداً بذلك ليرجع على الأب كذلك، فإن لم يكن له جد موسر تولى الإنفاق من ‏تجب عليه النفقة بعده وهكذا.‏
ووجهتهم في ذلك أن الأب بقدرته على الكسب يعتبر غنياً بهذه القدرة، وعدم تيسر ‏الكسب لعارض لا يجعله في حكم المعدوم.‏
أما إذا كان غير قادر على الكسب لمرض مزمن أو شيخوخة ونحوهما اعتبر في حكم ‏الميت وانتقل الوجوب إلى من يليه من الأصول ذكراً كان الأصل أو أنثى، وكذلك إذا كان الأب ‏غير موجود بالاتفاق.‏
وإذا انتقل وجوب نفقة الفرع إلى غير الأب من الأصول تتنوع الحالات فقد يكون له ‏أصل واحد، وقد يكون له أكثر من أصل.‏
فإن لم يكن إلا أصل واحد سواء كان من جهة الأب أو الأم وجبت عليه النفقة وحده متى ‏توفر شرط القدرة السابق، لأنه تعين للوجوب عليه.‏
وإن كان له أكثر من أصل وكانوا موسرين فالحكم يختلف تبعاً لكونهم كلهم وارثين أو ‏غير وارثين أو كان بعضهم وارثاً دون البعض الآخر. فهذه ثلاث حالات.‏
الأولى: إذا كانوا كلهم وارثين لذلك الذي وجبت له النفقة عليهم، وفيها تجب النفقة عليهم ‏جميعاً بنسبة انصبائهم في الميراث دون نظر إلى تفاوت درجاتهم في القرابة.‏
فإن كان له أم وجد لأب في الدرجة الأولى أو الثانية فالنفقة عليهما أثلاثاً على الأم ‏ثلثها،وعلى الجد الثلثان، لأن الميراث يقسم بينهما كذلك.‏
وإن كان له جدة لأم وجد لأب على الجدة السدس والباقي على الجد، وكذلك لو كان مكان ‏الجدة جدتان في درجة واحدة لأن نصيب الجدة من الميراث هو السدس واحدة أو أكثر يقسم ‏بينهما بالتساوي.‏
الثانية: إذا كانوا كلهم غير وارثين وكانوا جميعاً من ذوي الأرحام فإن اتحدوا في ‏الدرجة بأن كانوا جميعاً في الدرجة الثالثة كما لو كان له أب أبي الأم، وأم أبي الأم وجبت النفقة ‏عليهما بالتساوي.‏
وإن اختلف درجتهم كانت النفقة على أقربهم، فلو كان أبو أم وأبو أم أب كانت النفقة على ‏أبي الأم لقرب درجته.‏
الثالثة: إذا كان بعضهم وارثاً والبعض غير وارث فإن تساوت درجة قرابتهم من الولد ‏كانت النفقة على الوارث منهم، لأنهم تساووا في القرب فيرجع بالإرث.‏
فلو كان له أبو أم وأبو أب كانت النفقة على الوارث وهو أبو الأب، لأن أبا الأم من ذوي ‏الأرحام ولا ميراث له مع وجود العاصب وهو أبو الأب ولو كان له أبو أم وأم فالنفقة على أم الأم ‏لأنها الوارثة.‏
وإن اختلف درجة قرابتهم كانت النفقة على أقربهم وإن لم يكن وارثاً، فلو كان للولد أبو ‏أم وأبو أبي أب وجبت النفقة على أبي الأم لقرب درجته وإن لم يكن وارثاً ولا نفقة على أبي الأب ‏وإن كان وارثاً لبعد درجته في القرابة.‏
وقد عللوا ذلك بأن السبب في وجوب النفقة للفرع على أصله هو أن الفرع جزء لأصله، ‏وكلما قربت درجة القرابة قويت الجزئية فيرجح الأقرب لرجحان سبب وجوب النفقة عليه.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:48 PM
الفَصل الثّاني
‏- نفقة الأصول على الفروع




يراد بالأصول هنا الأب والأم والأجداد والجدات من جهتي الأب والأم مهما علوا.‏
تجب نفقة الأصل على الفرع إذا كان الأصل فقيراً لا مال له ولو كان قادراً على الكسب، ‏لأن الله أمر بالإحسان إلى الوالدين، وهما يشملان كل الأصول في غير آية، كما أمر بمصاحبتها ‏في الدنيا بالمعروف وإن كان كافرين، وليس من الإحسان ولا المصاحبة بالمعروف أن يكلفا ‏بالسعي على العيش بعد أن تقدمت بهما السن وولدهما ينعم بالمال، بل هو إيذاء لهما، ولا يتفق مع ‏قوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا ‏قَوْلا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} ‏‏[الإسراء: 23-24].‏
ويشترط في الفرع الذي تجب عليه النفقة أن يكون قادراً على الكسب ولو لم يكن موسراً، ‏فمتى كان الفرع عنده قدرة على الكسب والأصل فقير لا مال له وجبت النفقة على الفرع لأصله، ‏وطولب بالسعي ليوفي بتلك النفقة، فإن امتنع عن العمل أجبر على ذلك، يستوي في ذلك اتفاقهما ‏في الدين واختلافهما فيه، لأن نفقة الأصل وجبت على فرعه بحق الولادة التي تتحقق بها الجزئية ‏بين الولد وأبيه.‏
وتجب على الفرع إذا كان واحداً، وعند التعدد تجب على الأقرب، فإن تعددوا وكانت ‏درجتهم واحدة وجبت عليهم بالتساوي لا فرق بين الذكر والأنثى، ولا بين الموافق في الدين ‏والمخالف فيه، ولا بين واسع اليسار وقليله.‏
فلو كان للأصل بنت وولد وجبت عليهما مناصفة على الرأي الراجح، لأن النفقة وجبت ‏بسبب الجزئية وهما فيه سواء، ولو كان له ابنان أحدهما مسلم والآخر غير مسلم وجبت عليهما ‏مناصفة وإن كان أحدهما وارث والآخر غير وارث.‏
وكذلك لو كان له ابن ابن وبنت وجبت عليهما بالتساوي.‏
وان اختلف درجاتهم كانت النفقة على الأقرب دون الأبعد وإن كان الميراث للأبعد، فمن ‏له بنت بنت وابن وابن ابن كانت النفقة على بنت بنته وحدها، وكذلك لو كان له ابن غير مسلم ‏وابن ابن مسلم وجبت النفقة على الأول لقرب درجته.‏
ومن هذا ترى أن مسلك الحنفية هنا سليم لا اضطراب في تطبيقه، لأنهم اعتبروا درجة ‏القرابة وحدها دون اعتبار للإرث وعدمه، وهو الذي يتفق مع الأصل الذي يقوم عليه وجوب ‏النفقة وهو الجزئية بينما اضطربوا هناك في نفقة الفروع على الأصول فاعتبروا مرة الإرث ‏ومرة القرب فاضطرب التطبيق.‏
والمراد بالنفقة هنا الكفاية من الطعام والكسوة والسكنى، ولو احتاج الأصل إلى خادم ‏لزم، وكذلك لو كان محتاجاً لزوجته، ولا يستطيع الاستغناء عنها لكبر سنه أو لعجزه بسبب ‏المرض لزم ابنه نفقة الزوجة، لأنها من تمام النفقة سواء كانت الزوجة أماً للابن أو غير أمه.‏
أما إذا لم يكن الأب محتاجاً إليها ففي المذهب روايتان أرجحهما أنه لا تجب عليه نفقتها.‏
طريقة الإنفاق: إذا كان الولد الذي وجبت عليه النفقة موسراً له مال فائض عن حوائجه ‏وجبت عليه النفقة لأبوية بالطريقة التي يختارها الأبوان، فإن طلبا أخذ نفقة ليعيشا وحدهما أجيبا ‏إلى طلبهما، وكذلك إذا لم يكن له مال ولكنه يتكسب وكسبه يزيد عن حاجته بما يفي بحاجة والديه ‏فإن امتنع أجبر على ذلك حتى لو كان الأب قادراً على الكسب وطرقه ميسرة له لما.‏
فإن كان ما يفضل عن حاجته لا يكفي إلا أحدهما فالأم أحق به من الأب إن لم تكن ‏متزوجة بغير أبيه في قول عند الحنفية.‏
فالحنفية: يقررون أنه لا تفرض للأصل نفقة خاصة وإنما يجب عليه في هذه الحالة إذا ‏كان له أولاد أن يضم أصله أباً أو أماً إليه ليعيش معه ومع أولاده، والمقاسمة في الطعام لا يترتب ‏عليها ضرر كبير، فإن طعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة.‏
فقد روى عن عمر رضي الله عنه أنه قال : "لو أصاب الناس السنة - أي الشدة ‏والمجاعة -لأدخلت على أهل كل بيت مثلهم فإن الناس لم يهلكوا على أنصاف بطونهم".‏
فإن لم يكن له أولاد وكان يعيش وحده فإنه يجب عليه ضم أبيه إليه إن كان عاجزاً عن ‏الكسب لأي سبب، لأنه ليس من المروءة أن يترك أباه العاجز يموت جوعاً أو يسأل الناس وهو ‏يعيش في كفاية وكذلك أمه ولو كانت قادرة على الكسب، لأن الأنوثة في ذاتها عجز حكمي.‏
أما إذا كان أبوه قادراً على الكسب فلا يجب عليه ضمه ولا يجبر على ذلك قضاء، لأن ‏ضمه إليه على الدوام يؤدي إلى عجزه عن الكسب حيث يضعف بمرور الأيام لعدم تكامل غذائه، ‏وربما أدى ذلك إلى هلاكهما معاً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "أبدأ بنفسك ثم بمن ‏تعول".‏
والأصل إن كان قادراً على العمل يجب عليه السعي ليأكل من كسب يده، استثني منه ‏حالة ما إذا كان للولد فضل كسب فإنه يصرفه إلى أبيه ليوفر له الراحة ويريحه من الكد وعناء ‏العمل في أخريات حياته لأنه مقتضى الإحسان المأمور به.‏
أما حالة عجز الأب عن العمل ولا فضل لولده من كسبه فهي حالة ضرورة وهي تقدر ‏بقدرها وعلى الولد فيها أن يضاعف جهده في العمل ليزيد كسبه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:50 PM
الفصل الثالث
‏- نفقة الحواشي وهم الأقارب غير الأصول والفروع




قدمنا أن القرابة الموجبة للنفقة عند الحنفية هي القرابة المحرمية دون نظر للاتحاد في ‏الدين بين الأصول والفروع، أما غيرهم فلا بد من ذلك لتتحقق فيهم أهلية الإرث.‏
وعلى هذا يكون المراد بالحواشي هنا الأقارب من غير الأصول والفروع قرابة نسبية ‏محرمية أي يحرم فيها على القريب أن يتزوج قريبة لو افترضنا أحدهما ذكراً والآخر أنثى ‏كالأخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات والأخوال والخالات، فهؤلاء تجب لهم النفقة إن ‏كانوا أهلاً للإرث وإن لم يكونوا وارثين بالفعل لقوله جل شأنه: {وعلى الوارث مثل ذلك}.‏
فالموجب للنفقة القرابة النسبية المحرمية مع أهلية القريب للإرث في الجملة.‏
فإذا كانت قرابة غير نسبية كالأخوة من الرضاع، أو كانت نسبية ولكنهما غير محرمية ‏كأولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات، أو كانت نسبية محرمية ولكن صاحبها ليس ‏أهلاً للميراث، كالأخوة المخالفين في الدين فإن هذه الأصناف لا تجب لها النفقة لعدم توافر ‏الصفات الموجبة لها.‏
ويشترط لوجوب نفقة هؤلاء الأقارب من ذوي الأرحام المحارم.‏
‏1- أن يكون من تجب له النفقة ومن تجب عليه النفقة متحدين في الدين لأن سبب وجوب ‏النفقة لهؤلاء هو القرابة المحرمية مع استحقاق الإرث في الجملة، ولا توارث بين المختلفين في ‏الدين.‏
‏2- أن يكون من تجب له النفقة فقيراً عاجزاً عن الكسب لسبب من الأسباب كالصغر ‏والأنوثة والمرض المزمن وغيرها، فلو كان قادراً على الكسب وإن لم يكن له مال لا تجب له ‏نفقة على غيره، لأن القدرة على الكسب غنى.‏
‏3- أن يكون من تجب عليه النفقة موسراً، لأن النفقة على ذي الرحم المحرم صلة وهي ‏لا تجب إلا على الأغنياء.‏
ويتحقق اليسار الموجب للنفقة بملك نصاب الزكاة زائداً عن حوائجه الأصلية لأنه يعتبر ‏غنياً بهذا والنفقة صلة لا تجب إلا على الأغنياء، وهذا رأي عند الحنفية.‏
وهنالك رأي ثاني في التفريق بين صاحب الغلة (المورد الثابت) وبين صاحب الحرفة، ‏فقدّر يسار الأول بما يفضل عن نفقة نفسه وعياله لمدة شهر لينفق منه على قريبه، فإن لم يفضل ‏منه هذا القدر لا تجب عليه نفقة، وقدّر يسار الثاني بما يفضل عن نفقته ونفقة عياله من كسبه ‏اليومي، لأن النفقة وجبت لدفع الهلاك عن القريب فيجب على من قدر على ذلك، والذي يزيد عن ‏حوائجه وحوائج عياله يعتبر قادراً على دفع الهلاك عن قريبه.‏
ويختار الثاني فهو أوفق لأنه إذا كان له كسب دائم وهو غير محتاج إلى جميعه فما زاد ‏على كفايته يجب صرفه إلى أقاربه كفضل ماله إذا كان له مال وهو الأوفق لزمننا، لأن ملك ‏نصاب الزكاة لا يعتبر غنى يوجب الإنفاق على الغير لأن النفقة متجددة، فماذا يغني النصاب ‏الذي قد يستهلك في شهور ويصبح صاحبه فقيراً بعد أن كان غنياً بخلاف الفائض اليومي.‏
هذا ويشترط لوجوب أدائها قضاء القاضي بها أو التراضي عليها، ولهذا لو ظفر الفقير ‏من هؤلاء بما هو من جنس النفقة من مال قريبه ليس له أن يأخذه قبل القضاء أو التراضي ‏بخلاف نفقة الأصول والفروع كما قدمنا عند عرض أصول النفقات.‏
فإذا توافرت هذه الشروط وجبت النفقة، وحينئذ إن لم يكن للفقير المحتاج إلا قريب واحد ‏قادر عليها وجبت عليه وحده، وإن كان له أكثر من قريب قادر على الإنفاق، فإما أن يكونوا كلهم ‏من ذوي الأرحام أو لا بأن يكون بعضهم محرماً والآخر غير محرم.‏
فإن كان فيهم غير محرم فالنفقة على القريب المحرم ما دام أهلاً للإرث في الجملة وإن ‏كان الآخر هو الوارث بالفعل، كما لو كان للمحتاج خال وابن عم فالنفقة على الخال وحده لكونه ‏من ذوي الأرحام، ولا تجب على ابن العم وإن كان هو الوارث بالفعل لأنه غير محرم.‏
وإن كانوا كلهم من ذوي الأرحام ولهم أهلية الإرث. فإن كانوا كلهم وارثين بالفعل وجبت ‏عليهم النفقة على حسب أنصبائهم في الميراث، وإن كان بعضهم وارثاً بالفعل والآخر محجوباً ‏عنه وجبت على الوارث بالفعل واحداً كان أو أكثر حسب أنصبائهم.‏
فمن كان له أخ شقيق وأخوان لأم كانت النفقة عليهم بنسبة أنصبائهم على الأخ الشقيق ‏الثلثان، وعلى الأخوين لأم الثلث مناصفة.‏
ولو كان له أخت شقيقة وعم وأخت لأم فعلى الشقيقة النصف وعلى الأخت لأم السدس ‏وعلى العم الثلث، لأن نصيب الشقيقة في الميراث النصف فرضاً، والأخت لأم السدس فرضاً، ‏والعم الباقي بالتعصيب وهو الثلث ولو كان له أخت شقيقة وأخت لأب وأخت لأم وزعت النفقة ‏عليهم حسب أنصبائهم في الميراث، فعلى الشقيقة ثلاثة أخماسها وعلى كل من الآخرين خمسها. ‏وذلك لأن نصيب الشقيقة بالفرض نصف التركة 6/3، والأخت لأب سدسها تكلمة للثلثين 6/1، ‏ونصيب الأخت لأم السدس فرضاً 6/1 فالمسألة من 6 فيبقى منها سهم يرد عليهم بقدر أنصبائهم ‏التي هي 3، 1، 1 ...‏
وإذا كان له أخ شقيق وأخ لأب وأخ لأم كانت النفقة على الشقيق والأخ لأم. سدسها على ‏الأخ لأم، لأن نصيبه في الميراث السدس، وخمسة أسداسها على الشقيق، لأنه عاصب يأخذ ‏الباقي، ولا شيء على الأخ لأب لأنه لا يرث لحجبه بالأخ الشقيق.‏
وإذا كان له خال وعم كانت النفقة على العم وحده لأنه الوارث، ولا شيء على الخال لأنه ‏من ذوي الأرحام وهم لا يرثون مع وجود العاصب.‏
هذا إذا كان كل المحارم موسرين، فإن كان بعضهم معسراً لا تجب عليه نفقة لعدم توفر ‏شرط وجوبها وتجب على الباقين بنسبة أنصبائهم في الميراث، وتحت ذلك صورتان.‏
الأولى: أن يكون ذلك المعسر يحوز كل التركة عند اجتماعه مع الآخرين.‏
والثانية: أن يكون صاحب نصيب فيها فقط.‏
ففي الصور الأولى نفترضه معدوماً، ونعتبر الموسرين هم الورثة ونقسم التركة عليهم، ‏وبعد معرفة نصيب كل منهم نقسم نفقة المحتاج عليهم بقدر أنصبائهم، فإذا كان للقريب المحتاج ‏عم معسر، وعمة وخالة موسرتان، فالعم هنا الوارث يأخذ كل التركة لأنه عاصب، والعمة ‏والخالة من ذوي الأرحام لا ميراث لهما مع العاصب، فنفترض العم غير موجود، فتكون العمة ‏والخالة وارثتين، فتقسم التركة عليهما أثلاثاً للعمة الثلثان لأنها من أقارب الأب، وللخالة الثلث ‏لأنها من أقارب الأم، فتقسم النفقة عليهما أثلاثاً على العمة الثلثان، وعلى الخالة الثلث، وكذلك لو ‏كان مكان الخالة خال كان عليه ثلث النفقة، لأن نصيبه في الميراث هنا الثلث.‏
وفي الصورة الثانية: نقسم التركة على الكل بما فيهم المعسر ليعرف نصيب كل واحد، ‏وبعد معرفة نصيب كل واحد من الموسرين نقسم النفقة حسب أنصبائهم.‏
فلو كان له أخت شقيقة معسرة وعم وأخت لأم فالتركة إذا قسمت عليهم كان للأخت ‏الشقيقة النصف، وللأخت لأم السدس، وللعم الباقي بالتعصيب وهو الثلث والمسألة من 6 للشقيقة ‏منها 3، وللأخ لأم 1، وللعم 2 يلغى نصيب الأخت ونقسم النفقة على العم والأخت لأم أثلاثاً على ‏العم الثلثان، وعلى الأخت لأم الثلث.‏
ولو كان له أخ شقيق معسر وعم وأخت لأم فالعم هنا غير وارث بالفعل فينحصر ‏الميراث في الأخ الشقيق والأخت لأم، وبما أن الشقيق معسر تكون النفقة كلها على الأخت لأم ‏وحدها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 05:52 PM
الفَصلُ الرَّابع
‏- في ترتيب وجوب النفقة إذا اجتمع للمحتاجين أكثر من نوع من أقاربه




الحالات السابقة كانت النفقة فيها واجبة على نوع واحد من الأقارب. أصول فقط، أو ‏فروع فقط أو حواشي فقط واحداً أو أكثر من كل نوع، وقد يجتمع للمحتاجين أقارب من نوعين أو ‏أكثر وهي حالات أربع فقد يجتمع له أصول وفروع، أو أصول وحواشي، أو فروع وحواشي، أو ‏أصول وفروع وحواشي.‏
وإليك بيان من تجب عليه النفقة في تلك الحالات.‏
الحالة الأولى اجتماع الأصول والفروع:‏
إذا اجتمع للمحتاج للنفقة أصول وفروع وتوفر فيهم شرط وجوب النفقة عليهم وجبت ‏النفقة على أقربهم دون اعتبار الإرث عند اختلاف الدرجة :‏
فمن كان له أب وابن ابن فالنفقة على الأب، ولو كان مكان الأب أم وجبت النفقة عليها، ‏ولو كان أب وأم وابن ابن كانت النفقة على الأب وحده لأن الأب لا يشاركه أحد في نفقة أولاده ‏كما سبق.‏
ومن كان له أبو أب أو أبو أم وابن ابن فالنفقة على الجد في الصورتين، وإن كان أحدهما ‏وارثاً والآخر غير وارث، وابن ابن الابن وارث في الحالتين.‏
ولا يقال: كيف تجب النفقة على أبي الأم وهو غير وارث، لأن النفقة هنا تقوم على ‏الجزئية والقرب وهو أقرب من ابن ابن الابن كما تقدم في نفقة الفروع على الأصول في الحالة ‏الثالثة.‏
وإن تساووا في الدرجة وجبت النفقة عليهم بنسبة الميراث إلا إذا وجد دليل شرعي ‏يرجح وجوبها على أحدهم، فلو كان للمحتاج جد لأب وابن ابن وجبت النفقة عليهما بنسبة ‏ميراثهما على الجد السدس، وعلى ابن الابن خمسة أسداسها لاتحاد درجتهما في القرابة.‏
ولو كان مكان ابن الابن بنت وجبت النفقة عليها وعلى الجد مناصفة لأن نصيب البنت ‏في الميراث النصف، ونصيب الجد السدس فرضاً والباقي تعصيباً.‏
ولو كان له أب وابن وجبت النفقة على الابن وحده لوجود الدليل وهو أن للأب شبهة حق ‏وملك في مال ولده لحديث "أنت وما لك لأبيك" فيترجح وجوب النفقة عليه بهذا الدليل.‏
ولهذا قرر الفقهاء: أنه لا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد كما لا يشارك الأب في نفقة ‏أولاده أحد إذا كان قادراً عليها ولو بالعمل والسعي، وكذلك لو كان مكان الأب أم فلا نفقة عليها.‏
وإذا كان له أبو أب وبنت بنت وجبت النفقة على الجد وحده لأنهما وإن تساويا في ‏الدرجة إلا إن أحدهما وهو الجد وارث، والأخرى وهي بنت البنت غير وارثة فيترجح وجوب ‏النفقة على الجد بالميراث.‏
ومن هذا العرض ترى أنه عن اجتماع الأصول والفروع تجب النفقة أولاً على الابن ‏المباشر إن وجد لوجود شبهة ملك للأب في ماله، ومثله البنت، فإن لم يكن ابن ووجد أب وجبت ‏النفقة عليه وحده لأنه لا يشاركه أحد في نفقة أولاده، فإن لم يكن لا هذا ولا ذاك اعتبر قرب ‏الدرجة بصرف النظر عن كونه وارثاً أو غير وارث، فإن تساووا في الدرجة فالترجيح بالإرث ‏بالفعل، فإن كانوا وارثين كلهم وجبت عليهم بنسبة أنصبائهم.‏
الحالة الثانية وهي اجتماع الأصول والحواشي:‏
إذا وجد للمحتاج للنفقة أقارب من الأصول والحواشي توافرت فيهم شروط وجوب ‏النفقة، عليهم، فإما أن يكونوا وارثين أو يكون بعضهم وارثاً والآخر غير وارث.‏
فإن كانوا كلهم وارثين قسمت النفقة عليهم جميعاً حسب أنصبائهم في الميراث لا فرق ‏بين أن يكون الموجود من كل نوع واحداً أو أكثر، فمن كان له أم وأخ شقيق أو لأب فنفقته عليهما ‏أثلاثاً على الأم الثلث، وعلى الأخ الثلثان لأنه عاصب يأخذ الباقي بعد نصيب الأم وهو الثلث.‏
وإن كان مكان الأخ أخوان أو أكثر كلهم أشقاء أو لأب كان على الأم السدس لأن ميراثها ‏مع الجمع من الأخوة السدس، وعلى الأخوة الباقي بالتساوي.‏
ولو كان له جدة لأم وجدة لأب وأخ لأم وأخ لأب كانت النفقة عليهم حسب أنصبائهم فعلى ‏الجدتين السدس مناصفة، وعلى الأخ لأم السدس، وعلى الأخ لأب الباقي وهو الثلثان.‏
وإن كان أحد النوعين وارثاً والآخر غير وارث: فإن اعتبار الإرث يلغى وتكون النفقة ‏على الأصول وحدهم ولو كانوا غير وارثين والحواشي أقرب منهم.‏
فمن له جد لأم وأخ شقيق أو عم كانت النفقة على الجد لأم، لأن أحد النوعين وارث وهو ‏الأخ الشقيق أو العم، والآخر غير وارث وهو الجد لأم.‏
وهذا - كما ترى - أمر غريب لأن الأصل لو كان وارثاً شاركه من كان من الحواشي في ‏النفقة، وإذا كان غير وارث انفرد بالنفقة، وأغرب من هذا إذا كان الأصل غير وارث وهو أبعد ‏ممن كان من الحواشي كما في جدة غير صحيحة كأم أبي الأم، وأخ شقيق فإن النفقة تجب على ‏الجدة وهي أبعد من الأخ وغير وارثه، ولو قارنا هذه المسألة بمسألة ما إذا كان مع الأخ أو العم ‏أم فإنهما يشتركان في النفقة لازدادت الغرابة.‏
ولو كان له أبو أب وعم شقيق كانت النفقة على الجد لأن أحد الصنفين وارث والآخر ‏غير وارث.‏
وكذلك لو كان مكان العم أخ شقيق عند أبى حنيفة، لأن الجد يحجب الإخوة وهو الراجح ‏في المذهب الحنفي.‏
هذا إذا كان الموجود من كل نوع واحداً. فإن وجد في كل نوع أكثر من واحد فإننا ننظر ‏لك نوع على حدة ونرجع من ترجحه القواعد الخاصة به، ثم نطبق قاعدة اجتماع النوعين ‏ونفرض النفقة على من تجب عليه.‏
فإذا اجتمع للمحتاج للنفقة أم وجد لأم وأخ شقيق وعم، فإذا نظرنا للأصول نجد الأم أقرب ‏وهي وارثة، والجد لأم أبعد وغير وارث فيستبعد، وإذا نظرنا إلى الحواشي وجدنا الأخ هو ‏الوارث ويحجب العم فيستبعد العم كذلك وما بقي من النوعين وارث فتجب النفقة عليهما بنسبة ‏الميراث فعلى الأم الثلث، وعلى الأخ الثلثان.‏
وإذا كان له أم وجد لأب وأخ شقيق فعلى رأي أبي حنيفة الذي يحجب الإخوة بالجد ‏فتكون النفقة على الأصول وحدهم وكان مقتضى قاعدة اجتماع الأصول والحواشي وأحد النوعين ‏وارث والآخر غير وارث أن تكون النفقة على الجد والأم أثلاثاً، غير أنه وجد هنا مانع من ‏مشاركة الأم للجد في النفقة، وهو أن الجد عند حجبه للإخوة يعتبر أباً حكماً فآلت المسألة إلى ‏اجتماع الأم والأب وعند اجتماعهما تكون النفقة على الأب وحده فتكون النفقة هنا على الجد وحده ‏وهو الراجح في المذهب الحنفي، ولو اجتمع جد لأب وجد لأم وأخ شقيق فإن النفقة على الجد ‏وحده أيضاً عند أبي حنيفة لأن الجد لأب ترجح على الجد لأم حسب قواعد اجتماع الأصول فقط ‏وهو أن النفقة على الوارث فلا يعتبر الجد لأم موجوداً فيبقى الجد لأب من الأصول، والأخ من ‏الحواشي، وأحد النوعين وارث والآخر غير وارث فتكون النفقة على الأصول حسب قاعدة ‏اجتماع الأصول مع الحواشي.‏
‏ ‏
‏ ‏
الحالة الثالثة وهي اجتماع الفروع والحواشي:‏
إذا اجتمع للمحتاج للنفقة فروع وحواشي توافرت فيهم شروط وجوب النفقة تكون على ‏الفروع فقط لأن العبرة هنا يكون المنفق جزءاً من المنفق عليه، فتسقط الحواشي بوجود الفروع ‏ويصرف النظر عن القرب والميراث في مجموع النوعين.‏
فلو كان للمحتاج بنت وأخت فالنفقة على البنت وإن كانت الأخت ترث مع البنت.‏
ولو كان له بنت بنت مع الأخت أو الأخ فالنفقة على بنت البنت وإن لم تكون وارثة حتى ‏ولو كانت مخالفة في الدين لمن وجبت له النفقة، لأنه لا اعتبار للإرث في نفقة الفروع للأصول ‏فإذا تعددت الفروع تطبق القاعدة السابقة فيقدم الأقرب فالأقرب، وإن تساووا في الدرجة كانت ‏النفقة على الكل بالتساوي لا فرق بين وارث وغير وارث ولا بين ذكر وأنثى.‏
فإن كان الفرع في هذه الصورة معسراً ولا يقدر على الكسب وجبت النفقة على الحواشي ‏باعتبار أنصبتهم في الميراث.‏
فإن كان الفرع في هذه الحالة يحوز كل التركة يفترض معدوماً ليمكن اعتبار الحواشي ‏وارثين وتقسم النفقة عليهم حسب أنصبائهم في الميراث.‏
فلو كان للفقير ابن معسر عاجز عن الكسب وأخ شقيق وأخوان لأم موسرون نعتبر الابن ‏معدوماً لأنه يحوز كل الميراث فيكون الميراث للإخوة الثلاثة بعد افتراض الابن غير موجود ‏فتجب النفقة عليهم حسب أنصبائهم في الميراث، فيكون على الأخوين لأم الثلث مناصفة لأن ‏نصيبهم في الميراث ذلك، وعلى الأخ الشقيق الباقي لأنه يحوز بقية التركة بالتعصيب.‏
وإن كان الفرع المعسر لا يحوز كل التركة فلا يفرض معدوماً بل تقسم التركة على ‏الفروع والحواشي ويسقط نصيب المعسر، وتقسم النفقة على الحواشي الوارثين حسب أنصبائهم.‏
فلو كان له بنت معسرة وأخ شقيق وأخ لأم فلا تفرض البنت معدومة لأنها لا تحوز كل ‏التركة بل ننظر إلى ميراث الأخوين معها فنجد أن البنت تستحق نصف التركة، وللأخ الشقيق ‏الباقي ولا شيء للأخ لأم لأنه محجوب بالبنت، فيكون الوارث من الحواشي هو الأخ الشقيق ‏فتجب النفقة عليه وحده لعسر البنت.‏
الحالة الرابع وهي اجتماع الأصول والفروع والحواشي:‏
إذا اجتمعت الأنواع الثلاثة وتوافرت فيهم شروط إيجاب النفقة فلا اعتبار للحواشي لأنهم ‏يسقطون بالفروع كما في الحالة السابقة، وتكون النفقة على الأصول والفروع وتطبق قاعدة ‏اجتماعهم كما شرحناه في الحالة الأولى من حالات الاجتماع.‏
وهي أن النفقة تجب على أقربهم دون اعتبار الإرث عند اختلاف درجاتهم، وإن تساووا ‏في الدرجة وجبت النفقة عليهم بنسبة الميراث إلا إذا وجد دليل يرجح وجوبها على أحدهم كما إذا ‏كان للمحتاج أب وابن فإن النفقة تكون على الابن وحده، أو كان أحدهما وارثاً والآخر غير وارث ‏فإن النفقة تكون على الوارث وحده.‏
هذا إذا كان الأصول والفروع قادرين على النفقة، أما إذا كانوا غير قادرين عليها فالنفقة ‏تجب على الحواشي في هذه الحالة ونطبق قاعدة الإعسار السابقة.‏
فلو كان للمحتاج أم وبنت معسرتان وجدة لأب وعم وأخ لأم موسرون فالنفقة هنا على ‏العم وحده، لأن الميراث هنا للأم والبنت والعم، أما الجدة فهي محجوبة بالأم، والأخ لأم محجوب ‏بالبنت لأن الأم والبنت معسرتان لا تحوزان كل الميراث فلا يفترض عدمهما، وتقسم التركة على ‏الأم والبنت والعم، للأم السدس وللبنت النصف وللعم الباقي.‏
ولو كان مكان البنت ابن معسر وعاجز عن الكسب فيفرض الابن معدوماً لأنه يأخذ بقية ‏التركة بعد نصيب الأم، ولأنه لو فرض موجوداً لحجب الحواشي والفرض أن الأم معسرة فلا ‏يوجد من تفرض عليه النفقة، أما الأم فلا تفرض معدومة لأنها لا تحوز كل التركة.‏
وإذا فرض الابن معدوماً لا يحجب الأخ لأم، ولما لم تفرض الأم معدومة فتحجب الجدة ‏بها وتصبح المسألة من اجتماع الأصول والحواشي وكلهم ورثة فتكون النفقة عليهم حسب ‏الميراث وتعفى الأم لعسرها، وعند تقسيم التركة بين الأم والعم والأخ لأم يكون للأم الثلث، ‏وللأخ لأم السدس، وللعم الباقي وهو النصف، والمسألة من 6 نسقط منها 2 نصيب الأم، ويبقى ‏للعم 3 وللأخ لأم 1، فتقسم النفقة عليهما على الأخ لأم ربعها، وعلى العم بباقيها.‏
تلك هي القواعد التي تفرض على أساس النفقة للأقارب في المذهب الحنفي.‏