المتمردة
09-02-2006, 07:41 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جمع وترتيب
فالشيخ/ محمد حسين يعقوب
العلم والعمل
الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، والذي يفتح للناس أبواب العلم والحكمة والفهم ، ويصرف عنهم أبواب الشبهات التي هي شراك الشيطان وشباكه .
والصلاة والسلام على خير خلقه الذي بعث للناس معلمًا ، فكان العلم في القرآن الذي نزل عليه ، والسلوك والعمل الذي عمل به ، والسمت والهيئة التي كان عليها صلى الله عليه وسلم ، فكان العلم والإيمان قرينين ، وكانت الخشية هي الثمر المستطاب للعلم النافع الصحيح ، قال تعالى : " إنَّما يخشى الله من عباده العلماء " [ فاطر/28] .
ورضي الله عن الصحابة الكرام الذين ورثوا العلم من النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانوا للناس أمنًا وأمانًا ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى على أمتي ما يوعدون "
وقال صلى الله عليه وسلم ـ مبينًا صفة الفرقة الناجية المنصورة ـ : ما أنا عليه وأصحابي ".
وفي حديث البخاري ومسلم يقول صلى الله عليه وسلم : " من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ، وإنما أنا قاسم ، والله يعطي ، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " .
" والفقه " : الفهم في العلم ، " والله يعطي" يعني فهمًا في العلم الذي قسمه النبي صلى الله عليه وسلم ، " وظاهرين على الحق" يعني عارفين للعلم عاملين به ، مستقيمين عليه ، فلا بقاء للأمة إلا بالعلم ، فإذا ضاع العلم ضاعت
الأمة ، كما روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا "
ولقد صنَّف العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد كتاب " حلية طالب العلم " جمع فيه الوصايا الطيبة والمنهج الرصين لطالب العلم ليسير عليه ، وكتب كثير من شيوخ العلم الكتب الضافية في ذلك ، ومع ذلك لا يزال المسلم في حاجة إلى وصايا في طلب العلم ، فترى القوم بين مستفت على ترتيب الطلب ، وسائلٍ عن رؤوس العلم ومهامه ، وسائل عن طرق تحصيل العلم وسبل تيسيره ، وسائلٍ عن علاج عيوب الفهم وعن اجتناب النسيان .وأحب أن ألفت النظر في هذا المقام إلى أنَّ شيوخنا السابقين من المؤسسين لدعوة السنة في مصر قاموا في مطلع القرن السابق ووسطه ، فوجدوا من حولهم نار البدعة ودخن المعاصي قد أصابت الناس ، فصار الدين غريبًا بين أهله في نصه ومنطقه ، وفي عمله وتمثيله ، وفي هيئته وسمته ، فقاموا ـ كالذي يطفئ حريقًا ـ يتتبعون اللهب ثمَّ أثر الدخان حتى خمد الحريق ، فظن كثير ممن عاصرهم وسار سيرتهم أن هذا هو طريق العلم الذي ربى شيوخنا عليه طلبتهم ، والذي يريدونه من تلامذتهم ، وأنَّ من خالف ذلك فقد خالف الشيوخ المعلمين ، وهذا فهم غير صحيح ؛ فإنَّ شيوخ السنة إنما يقربون العلم لأهل عصرهم بحسب حاجتهم إليه ، ويراعون حال الناس فيعطونهم ما يحتاجون إليه ، ولا يقدمون على التوحيد شيئًا ، ولا يأخذون علوم الشرع من غير طريق الأئمة قبلهم ، حيث فهم السلف للقرآن والسنة وهجران البدعة .
واليوم وقد أثمر الله ثمارًا جليلة من وراء جهاد الشيوخ قبلنا وجب علينا الرجوع إلى المنهجية في العلم ، وأن نجعل منطلقاتنا في ذلك منهج سلف الأمة في العلم والعمل ، فالله نسأل أن يوفق المسلمين لتعلم دينهم ونشره في الناس في كافة أرجاء الأرض ، وإنَّ ذلك يبدأ ـ ولابد ـ من المسلمين خاصة في البلاد الناطقة بلغة القرآن .
وبعد فهذا الأخ الفاضل الشيخ / محمد حسين يعقوب ـ الذي جعل الله لكلماته القبول في الناس في مواعظه وأشرطته ـ يكتب كتابًا سماه ( منطلقات طالب العلم ) فصَّل فيه حول الإخلاص وصدق النية ثمَّ علو الهمة في الطلب والتغلب على شتى الهموم ، ثمَّ ماذا نتعلم ؟ ثمَّ أفرد فصلاً لتزكية النفوس ، وأوصى بالسلفية وفهم السلف ، وبيَّن التقليد ومعناه وحكمه ، ثمَّ مصدر العلم وطرق التلقي ، فقسَّم كتابه إلى منطلقات عشرة ، سهلة المنال ، عذبة المقال ، فنوصي أحبابنا بالتدبر في القراءة ، والكتاب ليس لينتهي إليه القارئ بل لينطلق منه لطلب العلم والسعي لجمعه .
تجري دموع العين وفي الحشا زفرات حزن تلتطم ، ويكتم المرء وجدا في جوانحه وكيف يُكتم ما ليس ينكتم ، فهل للواجد المكروب من زفراته سكون عزاء أو تأوه ألم ؟ .
فلعمر الله إنَّما نحن في رزء عظيم ، وخطب أمره جلل جسيم ، رزئنا في جبال كانوا على الأرض النجوم في ليل بهيم ، مات ابن باز والألباني وابن عثيمين ، عليهم رحمات ربنا الرحيم ، وتقلب بصرك فلا تجد من يُدعى لخَطب أو يقال : عالمٌ كريم !! فمن ساعتها فتكت بأنفسنا الهموم ، فما في هذه الدنيا مكان يُسَرُّ بأهله الجارُ المقيم ، وسرطان الجهل في الأمة يسري فما تدري أعرضٌ حادث أم داء قديم ، فلك الله يا أمة محمد عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم .
فمن لنا غيرك يا ربنا ، لا ملجأ منك إلا إليك فارحمنا .
كانوا بحور العلم فيا لحيرة العطشان في وقت الهجير !!
كانوا على ثغور فيا لذلة المظلوم وهو معدوم النصير !!
كانوا منارات فيا لحيرة الشيخ الأصم وحسرة الحدث الضرير !!
كانوا مزن الرحمة فيا لفجأة المكروه في اليوم العبوس القمطرير !!
اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا و قلة حيلتنا و هواننا على النَّاس يا أرحم الراحمين !!
إلى من تكلنا ؟! إلى عدو يتجهمنا أم إلى قريب ملكته أمرنا ؟! إن لم يكن بك سخطٌ علينا فلا نبالي ، غير أن عافيتك أوسع لنا ، نعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض ، وأشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا
والآخرة أن يحل علينا غضبك ، أو ينزل علينا سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، و لا حول ولا قوة إلا بك .
قال الله تعالى : " إنَّما يخشى الله من عباده العلماء " [ فاطر/28]
وقال تعالى : " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " [ المجادلة /11 ]
قال الله تعالى : " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " [الزمر/9]
فالعلماء هم أكثر الناس خشية لله تعالى ، فالعلم عبادة القلب إذا ابتغي به وجه الله تعالى ، فتعلمه لله قربة ، ومدراسته ذكر ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه صدقة ؛ لأنَّه معالم الحلال والحرام ، وبيان سبيل الجنة ، والمؤنس في الوحشة ، والمحدث في الخلوة ، والجليس في الوحدة ، والصاحب في الغربة ، والدليل على السراء ، والمعين على الضراء ، والزين عند الإخلاء ، والسلاح على الأعداء .
وبالعلم يبلغ العبد منازل الأخيار في الدرجات العلى ، ومجالسة الأصفياء في الدنيا ، ومرافقة الأبرار في الآخرة .
وبالعلم توصل الأرحام ، وتفصل الأحكام ، وبه يعرف الحلال والحرام .
وبالعلم يعرف الله ويوحد ، وبالعلم يطاع الله ويعبد .
فخير الدنيا والآخرة مع العلم ، وشر الدنيا والآخرة مع الجهل .
وإذا كان هذا شأن العلم ، فإنَّ القلب ليتفطر كمدًا ويقطر حسرة على عمر الدعوة الذي لم يثمر إلا أعدادًا ضئيلة تنحصر على أصابع اليدين من طلبة العلم المجتهدين ، وليس ثمَّ زمان أحرى من هذا الزمان لنعيد فتح " قضية التعلم " التي باتت من أكثر المزالق التي تزل فيها الأقدام ، فقد غابت " المنهجية " و" كثرت الدعاوى " و" انتشرت الآراء الباطلة " وتلك علامة الساعة ؛ فشرطها أنْ يزداد الجهل ، ويقل العلم .
ومما زاد الطين بلة أن كثيرا من حملة العلم إلا من رحم الله لم يصونوا العلم وندر العمل به ففقدوا سيما أهل العلم والصلاح وفقدت الأمة الرجل القدوة ، الذي يقود الأمة بعلمه وعمله ، بهديه وسمته وسلوكه ، وأقواله وأفعاله .
قال الفضيل : لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم ، وأعزوا هذا العلم وصانوه ، وأنزلوه حيث أنزله الله إذًا لخضعت لهم رقاب الجبابرة ، وانقاد لهم الناس ، وكانوا لهم تبعًا ، ولكنهم أذلوا أنفسهم ، وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ، فهانوا وذلوا ، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون فأعظم بها من مصيبة !!
عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ من أشراط الساعة أن يرفع العلم ، ويثبت الجهل ، ويشرب الخمر ، ويظهر الزنا "
ولقد كثر سواد علماء السوء ، ووسد الأمر إلى غير أهله ، فهان العلم ، وازدادت الفتن ، وتوالت المحن .
قال صلى الله عليه وسلم : " سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ ، وَيْؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ ، وَيَخُونُ فِيهَا الأَمِينُ ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ .
قِيلَ: وَمَا الرَّوَيْبِضَةُ ؟!! قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتكلَّم فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ
قال الثوري : كان يقال العالم الفاجر فتنة لكل مفتون .
شكراً
يتبع
المتمردة
__________________
جمع وترتيب
فالشيخ/ محمد حسين يعقوب
العلم والعمل
الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، والذي يفتح للناس أبواب العلم والحكمة والفهم ، ويصرف عنهم أبواب الشبهات التي هي شراك الشيطان وشباكه .
والصلاة والسلام على خير خلقه الذي بعث للناس معلمًا ، فكان العلم في القرآن الذي نزل عليه ، والسلوك والعمل الذي عمل به ، والسمت والهيئة التي كان عليها صلى الله عليه وسلم ، فكان العلم والإيمان قرينين ، وكانت الخشية هي الثمر المستطاب للعلم النافع الصحيح ، قال تعالى : " إنَّما يخشى الله من عباده العلماء " [ فاطر/28] .
ورضي الله عن الصحابة الكرام الذين ورثوا العلم من النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانوا للناس أمنًا وأمانًا ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى على أمتي ما يوعدون "
وقال صلى الله عليه وسلم ـ مبينًا صفة الفرقة الناجية المنصورة ـ : ما أنا عليه وأصحابي ".
وفي حديث البخاري ومسلم يقول صلى الله عليه وسلم : " من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ، وإنما أنا قاسم ، والله يعطي ، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " .
" والفقه " : الفهم في العلم ، " والله يعطي" يعني فهمًا في العلم الذي قسمه النبي صلى الله عليه وسلم ، " وظاهرين على الحق" يعني عارفين للعلم عاملين به ، مستقيمين عليه ، فلا بقاء للأمة إلا بالعلم ، فإذا ضاع العلم ضاعت
الأمة ، كما روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا "
ولقد صنَّف العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد كتاب " حلية طالب العلم " جمع فيه الوصايا الطيبة والمنهج الرصين لطالب العلم ليسير عليه ، وكتب كثير من شيوخ العلم الكتب الضافية في ذلك ، ومع ذلك لا يزال المسلم في حاجة إلى وصايا في طلب العلم ، فترى القوم بين مستفت على ترتيب الطلب ، وسائلٍ عن رؤوس العلم ومهامه ، وسائل عن طرق تحصيل العلم وسبل تيسيره ، وسائلٍ عن علاج عيوب الفهم وعن اجتناب النسيان .وأحب أن ألفت النظر في هذا المقام إلى أنَّ شيوخنا السابقين من المؤسسين لدعوة السنة في مصر قاموا في مطلع القرن السابق ووسطه ، فوجدوا من حولهم نار البدعة ودخن المعاصي قد أصابت الناس ، فصار الدين غريبًا بين أهله في نصه ومنطقه ، وفي عمله وتمثيله ، وفي هيئته وسمته ، فقاموا ـ كالذي يطفئ حريقًا ـ يتتبعون اللهب ثمَّ أثر الدخان حتى خمد الحريق ، فظن كثير ممن عاصرهم وسار سيرتهم أن هذا هو طريق العلم الذي ربى شيوخنا عليه طلبتهم ، والذي يريدونه من تلامذتهم ، وأنَّ من خالف ذلك فقد خالف الشيوخ المعلمين ، وهذا فهم غير صحيح ؛ فإنَّ شيوخ السنة إنما يقربون العلم لأهل عصرهم بحسب حاجتهم إليه ، ويراعون حال الناس فيعطونهم ما يحتاجون إليه ، ولا يقدمون على التوحيد شيئًا ، ولا يأخذون علوم الشرع من غير طريق الأئمة قبلهم ، حيث فهم السلف للقرآن والسنة وهجران البدعة .
واليوم وقد أثمر الله ثمارًا جليلة من وراء جهاد الشيوخ قبلنا وجب علينا الرجوع إلى المنهجية في العلم ، وأن نجعل منطلقاتنا في ذلك منهج سلف الأمة في العلم والعمل ، فالله نسأل أن يوفق المسلمين لتعلم دينهم ونشره في الناس في كافة أرجاء الأرض ، وإنَّ ذلك يبدأ ـ ولابد ـ من المسلمين خاصة في البلاد الناطقة بلغة القرآن .
وبعد فهذا الأخ الفاضل الشيخ / محمد حسين يعقوب ـ الذي جعل الله لكلماته القبول في الناس في مواعظه وأشرطته ـ يكتب كتابًا سماه ( منطلقات طالب العلم ) فصَّل فيه حول الإخلاص وصدق النية ثمَّ علو الهمة في الطلب والتغلب على شتى الهموم ، ثمَّ ماذا نتعلم ؟ ثمَّ أفرد فصلاً لتزكية النفوس ، وأوصى بالسلفية وفهم السلف ، وبيَّن التقليد ومعناه وحكمه ، ثمَّ مصدر العلم وطرق التلقي ، فقسَّم كتابه إلى منطلقات عشرة ، سهلة المنال ، عذبة المقال ، فنوصي أحبابنا بالتدبر في القراءة ، والكتاب ليس لينتهي إليه القارئ بل لينطلق منه لطلب العلم والسعي لجمعه .
تجري دموع العين وفي الحشا زفرات حزن تلتطم ، ويكتم المرء وجدا في جوانحه وكيف يُكتم ما ليس ينكتم ، فهل للواجد المكروب من زفراته سكون عزاء أو تأوه ألم ؟ .
فلعمر الله إنَّما نحن في رزء عظيم ، وخطب أمره جلل جسيم ، رزئنا في جبال كانوا على الأرض النجوم في ليل بهيم ، مات ابن باز والألباني وابن عثيمين ، عليهم رحمات ربنا الرحيم ، وتقلب بصرك فلا تجد من يُدعى لخَطب أو يقال : عالمٌ كريم !! فمن ساعتها فتكت بأنفسنا الهموم ، فما في هذه الدنيا مكان يُسَرُّ بأهله الجارُ المقيم ، وسرطان الجهل في الأمة يسري فما تدري أعرضٌ حادث أم داء قديم ، فلك الله يا أمة محمد عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم .
فمن لنا غيرك يا ربنا ، لا ملجأ منك إلا إليك فارحمنا .
كانوا بحور العلم فيا لحيرة العطشان في وقت الهجير !!
كانوا على ثغور فيا لذلة المظلوم وهو معدوم النصير !!
كانوا منارات فيا لحيرة الشيخ الأصم وحسرة الحدث الضرير !!
كانوا مزن الرحمة فيا لفجأة المكروه في اليوم العبوس القمطرير !!
اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا و قلة حيلتنا و هواننا على النَّاس يا أرحم الراحمين !!
إلى من تكلنا ؟! إلى عدو يتجهمنا أم إلى قريب ملكته أمرنا ؟! إن لم يكن بك سخطٌ علينا فلا نبالي ، غير أن عافيتك أوسع لنا ، نعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض ، وأشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا
والآخرة أن يحل علينا غضبك ، أو ينزل علينا سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، و لا حول ولا قوة إلا بك .
قال الله تعالى : " إنَّما يخشى الله من عباده العلماء " [ فاطر/28]
وقال تعالى : " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " [ المجادلة /11 ]
قال الله تعالى : " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " [الزمر/9]
فالعلماء هم أكثر الناس خشية لله تعالى ، فالعلم عبادة القلب إذا ابتغي به وجه الله تعالى ، فتعلمه لله قربة ، ومدراسته ذكر ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه صدقة ؛ لأنَّه معالم الحلال والحرام ، وبيان سبيل الجنة ، والمؤنس في الوحشة ، والمحدث في الخلوة ، والجليس في الوحدة ، والصاحب في الغربة ، والدليل على السراء ، والمعين على الضراء ، والزين عند الإخلاء ، والسلاح على الأعداء .
وبالعلم يبلغ العبد منازل الأخيار في الدرجات العلى ، ومجالسة الأصفياء في الدنيا ، ومرافقة الأبرار في الآخرة .
وبالعلم توصل الأرحام ، وتفصل الأحكام ، وبه يعرف الحلال والحرام .
وبالعلم يعرف الله ويوحد ، وبالعلم يطاع الله ويعبد .
فخير الدنيا والآخرة مع العلم ، وشر الدنيا والآخرة مع الجهل .
وإذا كان هذا شأن العلم ، فإنَّ القلب ليتفطر كمدًا ويقطر حسرة على عمر الدعوة الذي لم يثمر إلا أعدادًا ضئيلة تنحصر على أصابع اليدين من طلبة العلم المجتهدين ، وليس ثمَّ زمان أحرى من هذا الزمان لنعيد فتح " قضية التعلم " التي باتت من أكثر المزالق التي تزل فيها الأقدام ، فقد غابت " المنهجية " و" كثرت الدعاوى " و" انتشرت الآراء الباطلة " وتلك علامة الساعة ؛ فشرطها أنْ يزداد الجهل ، ويقل العلم .
ومما زاد الطين بلة أن كثيرا من حملة العلم إلا من رحم الله لم يصونوا العلم وندر العمل به ففقدوا سيما أهل العلم والصلاح وفقدت الأمة الرجل القدوة ، الذي يقود الأمة بعلمه وعمله ، بهديه وسمته وسلوكه ، وأقواله وأفعاله .
قال الفضيل : لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم ، وأعزوا هذا العلم وصانوه ، وأنزلوه حيث أنزله الله إذًا لخضعت لهم رقاب الجبابرة ، وانقاد لهم الناس ، وكانوا لهم تبعًا ، ولكنهم أذلوا أنفسهم ، وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ، فهانوا وذلوا ، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون فأعظم بها من مصيبة !!
عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ من أشراط الساعة أن يرفع العلم ، ويثبت الجهل ، ويشرب الخمر ، ويظهر الزنا "
ولقد كثر سواد علماء السوء ، ووسد الأمر إلى غير أهله ، فهان العلم ، وازدادت الفتن ، وتوالت المحن .
قال صلى الله عليه وسلم : " سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ ، وَيْؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ ، وَيَخُونُ فِيهَا الأَمِينُ ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ .
قِيلَ: وَمَا الرَّوَيْبِضَةُ ؟!! قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتكلَّم فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ
قال الثوري : كان يقال العالم الفاجر فتنة لكل مفتون .
شكراً
يتبع
المتمردة
__________________