المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من الموسوعة الإسلامية - كتاب البيوع



أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:04 PM
كتاب الربَا

الفصل الأول: تعريف الربا وحكمه
المبحث الأول: تعريف الربا من حيث اللغة ومن حيث الاصطلاح
المبحث الثاني: حكم الربا من حيث الوصف الشرعي القائم به
المبحث الثالث: حكم الربا من حيث الأثر النوعي المترتب عليه

الفصل الثاني: الأموال التي يجري فيها الربا وعلة الربا‏
المبحث الأول: الأموال التي يجري فيها الربا
المبحث الثاني: علة الربا ومذاهب الفقهاء فيه.‏

الفصل الثالث: أنواع الربا وشرائعه جريان الربا
المبحث الأول: أنواع الربا: ربا الفضل وربا النساء
المبحث الثاني: شرائط جريان الربا

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:05 PM
الفصل الأول: تعريف الربا وحكمه

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:06 PM
المبحث الأول: تعريف الربا



الربا في اللغة الفضل والزيادة، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ ‏وَرَبَتْ} [الحج: 5] وقوله سبحانه: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 92] وهو مقصور ‏على الأشهر. وهو من الباب الأول، ويثنى على (ربوان) وينسب إليه فيقال (ربوي) على أصله.‏
والربا في الاصطلاح الفقهي: ‏
عند الحنفية (فضل خال عن عوض بمعيار شرعي مشروط لأحد المتعاقدين في ‏المعاوضة). وعند الشافعية: (عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع ‏حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما) وعند الحنبلية: (الزيادة في أشياء مخصوصة) ‏والمالكية في تعريفهم للربا لا يخرجون عن هذه التعاريف.‏
ومن التعاريف يتضح أن الربا إنما هو الزيادة الخالية عن عوض مقابل، فلو كانت زيادة ‏يقابلها عوض لم تكن ربا. وكذلك فإن الربا خاص بالمعاوضات، أما الهبة فلا يجري فيها الربا.‏
والربا لا يكون إلا مشروطاً، فلو زاد أحد المتبايعين الآخر دون شرط لم يكن ربا.‏
وكذلك فإن الزيادة فيه لا تتحقق إلا إذا كان العوضان منضبطين بمعيار شرعي وهو ‏الكيل أو الوزن لا غير.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:07 PM
المبحث الثاني:
حكم الربا من حيث الوصف الشرعي القائم به




الربا محرم باتفاق الفقهاء من غير خلاف، قليلاً كان أو كثيراً، وقد ثبت تحريمه بالكتاب ‏والسنة وإجماع الأمة.‏
‏1- دليل الكتاب: ففي آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ‏‏[البقرة: 275] وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ ‏مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278-279].‏
‏2- دليل السنة: ففي أحاديث كثيرة مستفيضة منها:‏
أ- ما رواه جابر -رضي الله عنه- قال: (لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آكل الربا، ‏وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء) رواه مسلم. وروى الخمسة مثله عن ابن مسعود.‏
ب- ما رواه ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الربا ثلاثة وسبعون باباً، ‏أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وان أربى الربا عرض الرجل المسلم) رواه ابن ماجه ‏مختصراً، والحاكم بتمامه وصححه.‏
جـ- ما رواه الدارقطني، والبيهقي، وأحمد، عن عبدة الله بن حنظلة قال: قال رسول الله -‏صلى الله عليه وسلم- (درهم ربا يأكله ابن آدم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية).‏
‏3- وأما الإجماع فهو محكي عن جميع الفقهاء في كل العصور، لم يشذ منهم واحد، حتى ‏أن الماوردي قال: (إنه لم يحل في شريعة قط) لقوله تعالى: (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه) يعني ‏في الكتب السابقة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:09 PM
المبحث الثالث:
حكم الربا في البيع من حيث الأثر النوعي المترتب عليه



ذهب الحنفية إلى أن اشتراط الربا في المعاوضات مفسد لها، وقد تقدم أن العقد الفاسد ‏يثبت به الملك عند الحنفية خلافاً للعقد الباطل، إلا أنه ملك خبيث، لا يجوز الانتفاع به معه، وهو ‏عقد واجب الفسخ وعلى هذا يكون بين الربا والعقد الفاسد عموم وخصوص مطلق، فكل عقد ‏ربوي فاسد ولا عكس.‏
وذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أن الربا في المعاوضات مبطل لها، ‏ذلك أن الجمهور لا يفرقون بين الفساد والبطلان في العقود، وقد تقدم ذلك، فيكون العقد الربوي ‏عندهم كأنه لم يكن، فلا ينتج عنه ملك ما.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:09 PM
الفصل الثاني:
الأموال التي تجري فيها الربا، وعلة الربا

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:11 PM
المبحث الأول:
الأموال التي يجري فيها الربا




اتفق الفقهاء على جريان الربا في أموال معينة، واختلفوا في جريانه في أموال أخرى، ‏وذلك على الوجه الآتي:‏
أ- اتفقوا على أن الربا يجري في الأموال التالية، وهي ستة: الذهب، والفضة، والبن، ‏والشعير، والتمر، والملح. وذلك إذا استجمعت شرائط الربا. ودليلهم على ذلك:‏
‏1- ما رواه عبادة بن الصامت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله -‏صلى الله عليه وسلم-: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُن بالبُن، والشعير بالشعير، والتمر ‏بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف ‏شئتم إذا كان يداً بيد) متفق عليه.‏
‏2- ما رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تبيعوا الذهب ‏بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تُشفَّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِقَ إلا مثلاً بمثل ولا ‏تُشِفَّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز) متفق عليه.‏
‏3- ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (الذهب بالذهب وزناً ‏بوزن مثلاً بمثل، والفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا) رواه مسلم ‏والنسائي وأحمد.‏
‏4- ما رواه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله -صلى ‏الله عليه وسلم- استعمل رجلاً على خيبر، فجاء بتمر جنيب، فقال رسول الله -صلى الله عليه ‏وسلم-: أكُل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، ‏والصاعين بالثلاثة. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا تفعل بع الجَمْع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم ‏جنيباً، وقال في الميزان مثل ذلك) متفق عليه. وفي رواية لمسلم (وكذلك الميزان).‏
والتمر الجنيب هو التمر الجيد، والتمر الجَمْع هو التمر الذي اختلط فيه الجيد بغيره فكان ‏من أصناف متفاوتة في الجودة، وقيل هو التمر الرديء، والمعنيان متقاربان، لأن المختلط ملحق ‏بالرديء في السعر غالباً: ومعنى رواية مسلم (وكذلك الميزان) أي وكذلك ما بيع بالميزان، فإنه ‏في الحكم مثل ما بيع بالمكيال.‏
فإن هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها مما جاء في معناها يدل دلالة صريحة على حرمة ‏التفاضل في بيع الأموال الستة كل بجنسه، وعلى حرمة الأجل فيه، ولذلك أجمع جماهير العلماء ‏منذ الصدر الأول إلى يومنا هذا على جريان الربا فيها، وذلك إن بيعت بجنسها، كبيع الذهب ‏بالذهب والملح بالملح ... متفاضلاً في الحال، أو غير متفاضل ولكن إلى أجل، لصراحة ‏النصوص السابقة.‏
إلا ما روي عن بعض التابعين من عدم جريان ربا الفضل فيها وفي غيرها من الأموال، ‏وهو خلاف قول الجماهير فلا نعمل به.‏
ب- واختلفوا في جريان الربا فيما عدا هذه الأنواع الستة من المال وذلك على مذهبين:‏
أولاً: مذهب الظاهرية، وهو عدم جريان الربا في غير هذه الأموال الستة، لأن جريان ‏الربا فيها كان تعبدياً غير معلل، فلا يقاس عليها غيرها فيه، وهذا المذهب مروي عن عطاء ‏وقتادة.‏
ثانياً: مذهب جماهير العلماء غير الظاهرية، وفيهم أئمة المذاهب الأربعة، وهو أن الربا ‏يجري في غير هذه الأموال الستة كما يجري فيها، ذلك أن التحريم فيها معلل، فيقاس عليها ‏غيرها.‏
إلا أن هؤلاء العلماء اختلفوا في العلة التي يتعدى بها الحكم إلى غير هذه الأموال، ذلك ‏أن العلة غير منصوص عليها، ولا بد لاستخراجها من الاجتهاد وبذل الجهد.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:12 PM
المبحث الثاني:
علة الربا




اختلف الجماهير في علة الربا إلى أربعة مذاهب كالآتي:‏
‏1- مذهب الحنفية: وهو أن علة التحريم في هذه الأموال وصفان هما: القدر (وهو الكيل ‏أو الوزن)، والجنس. ذلك أن هذه الأموال الستة بعضها موزون كالذهب والفضة، وبعضها مكيل، ‏كالبن والشعير، وليس فيها غير مقدر.‏
وقد نص النبي -صلى الله عليه وسلم- على تحريم بيع الجنس بجنسه فيها متفاضلاً، فكان ‏على التحريم الجنس مع القدر. وعلى ذلك إذا باع صاعاً من حنطة بصاع منها ناجزاً جاز، ‏لانعدام أحد وصفي العلة، وهو التفاضل في القدر. فإذا باعه بصاعين حرم لقيام الوصفين وهما: ‏التفاضل في القدر مع اتحاد الجنس، ولا يؤثر في ذلك أن يكون الصاعان قيمتهما كقيمة الصاع ‏الواحد المقابل لرداءتهما وجودة الصاع، فإن الجودة في أموال الربا ساقطة الاعتبار. فيكون ‏الاعتبار للوزن والكيل دون القيمة. وذلك لصراحة الحديث الشريف المتقدم: بع الجمع بالدراهم ثم ‏ابتع بالدراهم جنيباً).‏
وكذلك الحكم في كل مكيل أو موزون، كأنواع الخضار، والمعادن، والسوائل التي تباع ‏بالكيل أو الوزن، فأنها أموال ربوية قياساً على الأموال الستة.‏
وأما الأقمشة التي تباع ذرعاً، والأدوات التي تباع عداً، فإنها مما لا يجري فيه الربا ‏عندهم لانعدام الكيل أو الوزن فيها وهما القدر الوارد في الأموال الستة فلا يزاد عليه. فلو باع ‏بطيخة ببطيختين أو بيضة ببيضتين جاز، إذا كان العرف يجري على بيعه بالعدد، ولو باع طناً ‏من البطيخ بطنين منه لم يجز إذا كان العرف جار على بيعه بالوزن، لأنه في المرة الأولى غير ‏مقدر بالمقدار المحرم، وفي الثانية مقدر به.‏
ولا يتم التحريم عند الحنفية في البيع المنجز إلا باجتماع وصفي العلة معاً، فإذا وجد أحد ‏الوصفين دون الآخر لم يحرم البيع الحال، وأما البيع لأجل، وهو (النَّساء) فإنه يحرم بوصف ‏واحد.‏
‏2- مذهب الشافعية: وهو أن علة الربا إنما هي الثمنية، أو الطعم، ذلك أن الذهب والفضة ‏ثمنان، والأنواع الأربعة الأخرى مطعومة، فكانت العلة في تحريم الربا فيها ذلك. والجنس شرط ‏التحريم في كل، فإذا باع حنطة بحنطة حرم التفاضل وكذلك كل مطعوم إذا بيع بجنسه، والطعام ‏عندهم هو كل ما قصد للغذاء كاللحم، أو التفكه بالفواكه، أو لسلامة البدن كالأدوية، فإنها كلها ‏مطعومة في حق الربا.‏
فإذا بيع بخلاف جنسه، لم يحرم ما دام البيع منجزاً، لاختلال شرط التحريم وهو اتحاد ‏الجنس بين البدلين.‏
وكذلك إذا باع فضة بفضة منجزاً، فإنه محرم إلا إذا تساويا وزناً، وكذلك الذهب بالذهب ‏للثمنية في كل واتحاد الجنس.‏
فإذا باع حديداً بحديد متفاضلاً لم يحرم، لانعدام العلة، وهي الطعم أو الثمنية.‏
‏3- مذهب المالكية: وهو أن علة الربا إنما هي الطعمية مع الاقتيات والادخار في الأنواع ‏الأربعة، والثمنية في الذهب والفضة مع الجنس.‏
والطعمية عندهم معناها كل ما يطعمه الناس للتفكه، أو التداوي، أو التغذي أو غير ذلك.‏
وأما الاقتيات عندهم، فيشمل كل مأكول يصلح البدن بالاكتفاء به، ويكون في معنى ‏المقتات به عندهم ما هو ضروري لحفظ المقتات به كالملح.‏
وأما الادخار فمعناه إمكان استبقاء المطعوم إلى الأمد المبتغى منه عادة، ولا حد لذلك ‏على ظاهر المذهب، بل هو في كل شيء يحسبه.‏
وأما الجنس فإنه أحد وصفي العلة، ولا يحرم التفاضل إلا معه، إلا أنه ينزل منزلة ‏الجنس الواحد الجنس المقارب على المعتمد. فالبن والشعير والسلت جنس واحد في الربا، لتقارب ‏منفعتها، فيحرم لذلك بيع بعضها ببعض متفاضلاً كبيع البر بالبر نفسه متفاضلاً تماماً.‏
هذا في البيع المنجز، أما البيع إلى أجل (النَّساء) فإن علة التحريم فيه إلى جانب الجنس ‏الطعم مطلقاً سواء أكان مقتاتاً به أو لا، مدخراً أو لا. بشرط أن يكون طعماً لغير التداوين فإذا كان ‏للتداوي لم يجر فيه النَّساء.‏
وعلى هذا لو باع فاكهة طازجة بفاكهة من جنسها حرم النساء، وجاز التفاضل، فحرمة ‏النساء للطعم، وإباحة التفاضل لانتفاء الادخار وهكذا ...‏
‏4- مذهب الحنبلية: وأما الحنبلية فقد ثبت عنهم ثلاث روايات في علة الربا.‏
أولاها- كمذهب الحنفية، وهي القدر مع الجنس وهي الأشهر عندهم.‏
وثانيها- كمذهب الشافعية، وهي الطعم أو الثمنية، مع الجنس.‏
وثالثها- الثمنية، أو الطعم مع القدر الشرعي إذا اتحد الجنس، وعلى هذا فلا ربا في ‏مطعوم إلا إذا كان مكيلاً أو موزوناً، خلافاً للرواية الثانية السابقة فإنها تكتفي بالطعم وحده ‏للتحريم.‏
مواضع الاتفاق بين المذاهب الأربعة في علة الربا:‏
ومن تتبع ما تقدم ندرك أن هنالك اتفاقاً بين أكثر المذاهب في بعض النقاط واختلافاً في ‏نقاط أخرى.‏
فمحل الاتفاق في علة الربا هو نقطتان:‏
‏1- اتحاد الجنس، فإنه أحد أوصاف علة الربا عند الحنفية والمالكية والحنبلية، وهو شرط ‏العلة عند الشافعية فلا ربا مع اختلاف الجنس، إلا أن المالكية -كما تقدم- يقيمون الجنس المقارب ‏مقام الجنس الواحد في التحريم.‏
‏2- الثمنية، فإنها أحد أوصاف علة الربا أيضاً عند الأئمة الثلاثة إلا الحنفية، فإذا اجتمعت ‏مع الجنس حرم التفاضل والنساء باتفاق الثلاثة، وذا انفردت عنه حل التفاضل وحرم النساء.‏
ومحل الاختلاف بينهم هو:‏
‏1- أن الحنفية حرموا الربا عند اتحاد الجنس في كل مقدر مكيلاً كان أو موزوناً. وتبعهم ‏في ذلك الحنبلية في الأشهر من روايات ثلاث عنهم دون المالكية والشافعية.‏
‏2- أن الشافعية استبدلوا القدر لدى الحنفية بالطعم، وزادوا عليه الثمنية، وتبعهم في ذلك ‏الحنبلية في رواية ثانية عنهم.‏
‏3- أن المالكية استبدلوا القدر بالطعم مع الاقتيات والادخار في ربا الفضل، واكتفوا ‏بالطعمية وحدها في ربا النسيئة. هذا إلى جانب الثمنية فإنها أحد أوصاف علة الربا عندهم ‏كالشافعية.‏
وعلى هذا إذا باع إنسان مثقال ذهب بمثقالي ذهب كان ربا في الحال والنساء عند ‏الجميع. عند الثلاثة للثمنية مع الجنس، وعند الحنفية للقدر مع الجنس.‏
فإذا باع فضة بذهب، حل التفاضل وحرم النساء بالاتفاق أيضاً، لاتفاقهم على أن النساء ‏يحرم بأحد أوصاف علة ربا الفضل، وهو هنا القدر عند الحنفية، والثمنية عند الثلاثة.‏
فإذا باع حنطة بحنطة حرم التفاضل والنساء بالاتفاق أيضاً لاتحاد القدر مع الجنس عند ‏الحنفية، وللطعم مع الجنس عند الشافعية، وللطعم والادخار والاقتيات مع الجنس عند المالكية، ‏لأن الحنطة من المطعوم المقتات به المدخر.‏
وإذا باع حديداً بنحاس، حل التفاضل والنساء عند الشافعية والمالكية لانعدام علة الربا، ‏وحل التفاضل وحرم النساء عند الحنفية والحنبلية لوجود القدر وحده وهو الوزن هنا، وهكذا ...‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:13 PM
الفصل الثالث

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:15 PM
المبحث الأول:
أنواع الربا




قسم الجمهور وفيهم الحنفية الربا إلى نوعين: ربا الفضل، وربا النساء، والفضل في اللغة ‏الزيادة، والنساء التأخير.‏

‏1- ربا الفضل:‏

وعلى هذا فربا الفضل عندهم هو (زيادة عين مال شرطت في عقد بيع على المعيار ‏الشرعي "وهو الوزن أو الكيل" عند اتحاد الجنس) أي ما يستجمع وصفي علة الربا وهما القدر ‏والجنس، فإذا باع المقدر بخلاف جنسه كالبن بالشعير متفاضلاً حالاً لم يحرم، لانعدام الجنس، ‏وهو أحد وصفي علة الربا، وإن كان يحرم بيعه كذلك نساء (مؤجلاً) لأن النساء يحرم بأحد ‏وصفي علة الربا. وهو هنا القدر، فإن كُلاً من الحنطة والشعير مكيل.‏
هذا والعبرة في القدر عند جمهور الفقهاء ما ثبت عن الشارع، أو ما كان متعارفاً عند ‏تنزل النص، وهو عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- فما كان من السلع مكيلاً في عصر النبي -‏صلى الله عليه وسلم- اعتبر مكيلاً دائماً وإن تعارف الناس بيعه وزناً أو جزافاً كالحنطة والشعير ‏‏...، وما كان في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- موزوناً اعتبر موزوناً دائماً ولو تغير العرف ‏كالملح، أما ما لم يثبت فيه عرف قديم في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- فالعبرة فيه لعرف ‏الناس وقت التعامل، كالخضار بأنواعها .... فلو جرى العرف الآن ببيع الحنطة وزناً والشعير ‏كيلاً فباع حنطة بشعير نساء لم يجن لاتحاد القدر، ذلك أن كلا النوعين مكيل شرعاً ولا عبرة ‏بتغير العرف.‏
وذهب البعض إلى أن العبرة في القدر للعرف مطلقاً، فإذا جرى بيع الحنطة الآن وزناً ‏كانت موزونة وهكذا ...‏


‏2- ربا النساء:‏

أما ربا النساء فهو : (فضل العين على الدين وفضل الحلول على الأجل) وذلك عند اتحاد ‏القدر أو اتحاد الجنس.‏
فإذا باع صاعاً من بر بصاع من بر مؤجلاً لم يصح لزيادة الصاع الأول عن الصاع ‏الثاني في الحقيقة، وإن لم يبد ذلك ظاهراً. لأن الصاع المعجل في العرف أكثر ثمناً من الصاع ‏المؤجل، فكان فيه زيادة فمنع، ولهذا لم تشترط فيه الزيادة الظاهرة بخلاف البيع المعجل، فإنه ‏يشترط للتحريم فيه الزيادة الظاهرة، لعدم وجود الأجل فيه.‏
وذهب الشافعية إلى أن الربا أنواع ثلاثة، ربا الفضل، وربا النساء، وربا اليد، فربا ‏الفضل والنساء عندهم كمثيليهما عند الجمهور، وربا اليد عندهم يكون في البيع الذي لم يشترط ‏فيه الأجل ولكن تأخر فيه فعلاً قبض أحد البدلين، وهو عند الحنفية كالبيع المنجز، لا يجري فيه ‏الربا إلا بزيادة أحد البدلين عن الآخر في العقد، فان تساويا فلا ربا لعدم اشتراط الأجل.‏
ولذلك فإننا نجد أن الجميع متفقون تقريباً في تقسيم الربا إلى نوعين هما: الفضل والنساء، ‏فالفضل ما فضل فيه أحد البدلين عن الآخر في القدر في بيع منجز، والثاني ما فضل فيه أحد ‏البدلين عن الآخر في القيمة المقابلة بالأجل في بيع مؤجل. فإذا أجله من غير شرط كان كالمنجز ‏عند الحنفية وكالنسبة عند الشافعية.‏
وقد اتفق الفقهاء على أن ربا النساء يحرم بوجود أحد وصفي علة الربا، أما الفضل فلا ‏يحرم إلا بوجود وصفي العلة معاً: وهما عند الحنفية القدر مع الجنس.‏
وعند الشافعية الجنس مع الثمنية. أو الجنس مع الطعم.‏
وعند المالكية الجنس مع الطعم والاقتيات والادخار، أو الجنس مع الثمنية.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:17 PM
المبحث الثاني:
شرائط جريان الربا



‏ لا يجري الربا في المعاوضات ولا تحرم به إلا إذا توافرت فيها شرائط هي:‏
أ- أن يكون بدلا المعاوضة التي يتحقق فيها الربا معصومين، أي مملوكين ملكاً لا يجوز ‏الاعتداء عليه وسلخه عن صاحبه بغير حق مشروع، فلو كان البدلان أو أحدهما مباحاً غير ‏معصوم، كمال الحربي.‏
فقد ذهب جمهور الحنفية إلى أنه لا يجري الربا فيه إذا كان المسلم هو الآخذ. بل تصح ‏المعاوضة مع قيامه، فإذا كان المسلم هو المعطي لم يجز.‏
وذهب الجمهور وبعض الحنفية إلى عدم اشتراط ذلك، وأن الربا يجري وتحرم ‏المعاوضة متى توافرت علة الربا فيها، سواء أكان البدلان معصومين أو لا، وسواء أكان المسلم ‏هو الآخذ للربا أو المعطي له.‏
وعلى هذا لو دخل تاجر مسلم إلى دار الحرب فعامل أهل تلك الدار من غير المسلمين ‏بمعاوضات كسب منهم فيها بعض المال عن طريق اشتراط الربا. فإنه يجوز عند جمهور الحنفية ‏ولا يحرم على التاجر المسلم ذلك. لعدم عصمة مال أهل دار الحرب من غير المسلمين.‏
ولا يجوز عند جمهور الفقهاء لأنه لا يشترط لجريان الربا عنده عصمة البدلين.‏
ومثله إذا أسر أحد المسلمين في دار الحرب فباع منهم شيئاً أو أشترى بربا فإنه يجوز ‏عند جمهور الحنفية خلافاً لجمهور الفقهاء. أما الذمي فإن ماله معصوم بالاتفاق. وكذلك ‏المستأمن، فلا يجوز التعامل بالربا معهما. ولا عبرة باختلاف الدِّين، لأن اتحاد الدين ليس شرطاً ‏من شروط جريان الربا بالاتفاق.‏
الأدلة:‏
‏1- استدل بعض الحنفية والجمهور لمذهبهم بأدلة منها:‏
أ- إن حرمة الربا كما هي ثابتة في حق المسلمين فهي ثابتة في حق الكفار، لأنهم ‏مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الأقوال. فاشتراط الربا في البيع لهم موجب لفساده، كما في ‏بيع المسلم للمسلم تماماً.‏
ب- عموم الأخبار التي جاءت بتحريم الربا، مثل قوله تعالى: {وحرم الربا} وقوله ‏سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [البقرة: 278] فإنها تعم ‏المعاملة مع المسلم وغير المسلم، ولا مخصص لها، فتبقى على عمومها.‏
‏2- واستدل جمهور الحنفية لمذهبهم بأدلة منها:‏
أ- إن مال الحربي مال غير معصوم، وهو مباح في نفسه، إلا أن المسلم ممنوع من تملكه ‏بغير رضاه، لما فيه من الغدر والخيانة، فإذا بذله الكافر باختياره ورضاه، فقد زال هذا المعنى، ‏فكان الآخذ استيلاء على مال مباح غير مملوك، وإنه مشروع مثبت للملك كالاستيلاء على ‏الحطب والحشيش في البرية قبل إحرازه من قبل أحد، فإنه جائز، فكذلك الزيادة هنا.‏
ب- بما روي عن مكحول عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا ربا بين المسلمين ‏وأهل الحرب) وهو حديث مرسل، والمرسل حجة عند الحنفية.‏
أن لا يكون بدلا المعاوضة معاً ملكاً لأحد المتبايعين. كبيع الشريك المفاوض مع شريكه ‏مثل ذلك، فإنه لا يحرم لامتلاكهما معاً البدلين. وكذلك الشريكان شركة عنان إذا تبايعا مع ‏بعضهما من مال الشركة، فإنه لا يجري فيه الربا، لاستوائهما في امتلاك البدلين، فلو باعا من ‏غير مال الشركة جرى فيه الربا.‏
جـ- عدم الخلو عن احتمال التفاضل، وذلك كمن باع المال الربوي بجنسه مجازفة -أي ‏بغير وزن أو كيل- بأن باع صبرة بُن بصبرة بُن، أو بكيل معين منه، فإنه لا يجوز لاحتمال ‏التفاضل بينهما في الكيل، أو لعدم الخلو عن احتمال التفاضل، فإن احتمال التفاضل في المعاوضة ‏مفسد لها مثل تحققه فيها.‏
وقد ورد في النهي عن ذلك حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: نهى رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم- عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر) رواه ‏مسلم والنسائي.‏
كما ورد عن ابن مسعود موقوفاً عليه قوله: (ما اجتمع الحلال والحرام في شيء إلا وقد ‏غلب الحرام والحلال). ومنه أخذ الفقهاء القاعدة الفقهية الشهيرة (إذا تعارض المانع والمقتضي ‏يقدم المانع).‏
وكذلك لو باع طناً من حنطة بطن من حنطة، فإنه لا يجوز لأن الحنطة تباع شرعاً كيلاً ‏ولا يدرى إن كان طن الحنطة الأول يساوي طن الحنطة الثاني كيلاً أو لا، فكان كبيع المجازفة، ‏وخالف في ذلك بعض الحنفية بالجواز، لأن القدر عندهم يختلف باختلاف العرف.‏
وعلى هذا لا يجوز بيع المزابنة والمحاقلة، والمزابنة هي في اللغة والاصطلاح بيع التمر ‏على رؤوس الشجر بمثل وزنه من التمر المجذوذ خرصاً وتخميناً، كأن يبيع ما على هذه الشجرة ‏من تمر بعشرين صاعاً من تمر مجذوذ، فإنه لا يجوز لعدم الجزم بتساوي المقدارين، وكذلك بيع ‏الزبيب بالعنب على وجه لا يدري فيه أيهما أكثر.‏
والمحاقلة بيع الحب في سنبله بمثل كيله خرصاً، فإنه مثل التمر، تجهل فيه المساواة في ‏القدر فلا يجوز.‏
وقد ثبت النهي عن ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد روي عن ابن عمر -‏رضي الله تعالى عنهما- قوله: (نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة أن يبيع ثمر ‏حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه ‏بكيل طعام نهى عن ذلك كله) متفق عليه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:20 PM
كتاب الرهن



الفصل الأول
تعريف الرهن
مشروعية الرهن
حكمة الرهن
حكم الرهن

الفصل الثاني: أركان عقد الرهن
المبحث الأول: في العاقد
المبحث الثاني:في الصيغة
المبحث الثالث: في المرهون
المبحث الرابع:في المرهون به
المبحث الخامس: في رهن المشاع

الفصل الثالث:في قبض الرهن وكيفية القبض
المبحث الأول: في قبض الرهن
المبحث الثاني:في كيفية قبض الرهن المنقول وغير المنقول والمشاع

الفصل الرابع:في أحكام الرهن الصحيح
المبحث الأول: في أحكام الرهن الصحيح: وفيه مسائل
المبحث الثاني:في أحكام الرهن الصحيح حال هلاك العين المرهونة

الفصل الخامس:في أحكام الرهن الفاسد
المبحث الأول: في معنى الفساد والبطلان
المبحث الثاني: في أحكام الرهن الباطل عند الحنفية
المبحث الثالث: في أحكام الرهن الفاسد عند الحنفية

الفصل السادس:في أحكام تتعلق بالرهن
المبحث الأول: في وضع الرهن على يد العدل
المبحث الثاني: في الرهن المستعار
المبحث الثالث: في الزيادة في الرهن أو الدين.‏
المبحث الرابع: في تعدد أطراف الرهن.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:21 PM
الفصل الأول
تعريف الرهن - مشروعيته وحكمة الرهن - حكمه

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:23 PM
المبحث الأول:
في تعريف الرهن





أ- تعريف الرهن من حيث اللغة:‏
للرهن في اللغة معان فمن معانيه اللغوية:‏
‏1- الحبس: وهو أشهر معانيه، ومن معنى الحبس قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ‏رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] وقوله: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21]، أي محتبس بعمله ‏ورهينة محبوسة.‏
‏2- الثبوت والدوام: ومنه ماء راهن ونعمة راهنة. "أرهنت لهم الطعام والشراب أدمته ‏لهم، وهو طعام راهن".‏
ب- تعريف الرهن من حيث اصطلاح الفقهاء:‏
‏1- تعريف الحنفية: وعرف الحنفية الرهن بأنه: "جعل الشيء محبوساً بحق يمكن ‏استيفاؤه من الرهن كالديون".‏
‏2- تعريف المالكية: وعرفه المالكية بأنه: "ما قبض توثقاً به في دين" واعترض على ‏هذا التعريف بأن الرهن لا يشترط قبضه، فيرجع تعريفهم إلى قريب من تعريف الشافعية.‏
‏3- تعريف الشافعية: عرفه الشافعية بأنه: "جعل عين متمولة وثيقة بدين يستوفى منها ‏عند تعذر وفائه".‏
‏4- تعريف الحنابلة: وعرفه الحنابلة بأنه: "المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ‏ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه" وهذا التعريف قريب من تعريف الشافعية.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:24 PM
المبحث الثاني:
في مشروعية الرهن وحكمة الرهن وحكم الرهن




‏1- مشروعية الرهن: الرهن مشروع في الإسلام لحاجة الناس، ولقد ثبتت مشروعيته ‏بالكتاب والسنة والإجماع.‏
أ- أما الكتاب فقوله تعالى: "وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة" دلت ‏هذه الآية على مشروعية الرهن.‏
واتفق الفقهاء على أن الرهن مشروع سواء أكان في سفر أم لم يكن سفر، وجد كاتب أم ‏لم يوجد، عملاً بما ورد في السنة.‏
ب- وأما السنة فأحاديث كثيرة منها:‏
‏- عن أنس رضي الله عنه قال: "ولقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه بشعير" رواه ‏البخاري.‏
وعن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل ‏ورهنه درعه". رواه البخاري.‏
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند ‏يهودي بثلاثين صاعاً من شعير".‏
ج- وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة.‏
‏2- الحكمة من تشريع الرهن: الحكمة الأولى: هي أن الإسلام دين التعاون، وكثير من ‏الناس من يرغب في مساعدة الآخرين والتنفيس عن كربتهم، إلا أنه ليس عنده من الوثوق بمن ‏يساعده ما يشجعه على دفع ماله له أو التعامل معه دون أن يحصل على وثيقة يضمن بها حقه ‏وتطمئنه على ماله، فشرع الإسلام الرهن تيسيراً للمعاملات وسداً للحاجات، وتوثيقاً لأصحاب ‏الحقوق حتى يستوفوها من الرهن حينما يعجز أصحاب الرهن عن الوفاء أو يتقاعسون عنه.‏
الحكمة الثانية: وهي: أن الدائن حينما يأخذ الرهن يصبح في مأمن من هلاك دينه، بجحده ‏من قبل الراهن المدين، أو إفلاسه، فيستوفي حقه من العين المرهونة، ولا يصير أسوة الغرماء ‏فيما إذا كثر الدائنون، لأن الرهن يجعل له الأحقية على غيره في الاستيفاء.‏
‏3- حكم الرهن:‏
اتفق الفقهاء على أن الرهن من الأمور الجائزة وأنه ليس بواجب.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:25 PM
الفصل الثاني
أركان عقد الرهن

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:26 PM
تمهيد:‏

ذهب الشافعية إلى أن أركان عقد الرهن أربعة: عاقد - وصيغة - ومرهون - ومرهون ‏به.‏
وذهب الحنفية إلى أن ركن عقد الرهن الصيغة فقط، وما تبقى من الأركان فإنما هو ‏شرائط لهذا الركن

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:27 PM
المبحث الأول:
في العاقد





الركن الأول: العاقد، وهما الراهن والمرتهن، ويشترط في كل منهما ما يلي:‏
أولاً: أن يكون مكلفاً وذلك بأن يكون بالغاً عاقلاً، فلا يصح الرهن والارتهان من صبي ‏غير بالغ ولو كان مميزاً عاقلاً، كما لا يصح ذلك من مجنون.‏
وذهب الحنفية إلى أنه لا يشترط البلوغ في عقد الرهن، بل يكتفي بأن يكون عاقلاً ‏مأذوناً، وهذا الإذن يكون من وليه.‏
ثانياً: أن يكون مختاراً: فلا يصح الرهن والارتهان من المكره، لأن عقد المكره غير ‏صحيح.‏
ثالثاً: أن يكون من أهل التبرع: فلا يصح أن يرهن الولي مال من هو ولي عليه، من ‏صبي أو مجنون أو سفيه،ولا يصح أن يرتهن لهم، لأنه ليس أهلاً للتبرع من أموالهم.‏
أما المنع من الرهن لهم فلأنه يمنع من التصرف في المرهون، فهو حبس لما لهم من ‏غير عوض.‏
وأما المنع من الارتهان، فلأن الولي في حال الاختيار، لا يبيع إلا بحال مقبوض قبل ‏التسليم فلا ارتهان.‏
وقد استثنى الفقهاء: من أهلية التبرع مسألتين: يصح فيهما للولي أن يرهن وأن يرتهن:‏
المسألة الأولى: أن يكون الرهن والارتهان للضرورة، وذلك كأن يرهن على ما يقترض ‏لحاجة المؤنة والنفقة، ليوفي من غلة منتظرة أو دين لهم يحّل أجله، أو من متاع كاسد يرجى ‏نفاقه.‏
وكأن يرتهن على ما يقرضه أو يبيعه مؤجلاً لضرورة خوف نهب أو نحوه.‏
المسألة الثانية: أن يكون في الرهن والارتهان غبطة ظاهرة، وذلك كأن يرهن ما يساوي ‏مائة على ما اشتراه بمائة نسيئة وهو يساوي مائتين مثلاً.‏
وكأن يرتهن على ثمن ما يبيعه نسيئة بمائتين، وهو يساوي أقلّ من ذلك.‏
فائدة:‏ ويشترط في حال الرهن أن يكون الرهن عند أمين موسر، وأن يشهد بذلك، وأن ‏يكون الأجل قصيراً عرفاً، فإن فقد شرط من ذلك لم يصح الرهن.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:28 PM
المبحث الثاني:
في الصيغة




الركن الثاني: الصيغة، وهي الإيجاب والقبول، كأن يقول الراهن:‏
رهنتك داري هذه بما لك عليّ من الدين، أو خذ هذا الكتاب رهناً بما لك عليّ من الدين، ‏فيقول المرتهن قبلت.‏
ولا يشترط في الصيغة أن تكون بهذه الألفاظ، بل يقوم مقامها كل لفظ يدل عليها.‏
‏- الرهن بالمعاطاة:‏
الأصح عند الشافعية أنه لا ينعقد الرهن بالمعاطاة.‏
وصورة المعاطاة كما ذكره المتولي أن يقول الراهن: أقرضني عشرة لأعطيك ثوبي هذا ‏رهناً، فيعطيه العشرة ويقبضه الثوب.‏
وذهب بعض الحنيفة إلى أن الركن الإيجاب فقط، لأن الرهن عقد تبرع كالهبة وغيرها ‏من التبرعات فلا يلزم فيه القبول. بل القبول شرط لتمام العقد.‏
وذهب البعض الآخر إلى إجازة الرهن بالتعاطي.‏
وذهب جمهور الفقهاء من أنه لابدّ في الرهن من إيجاب وقبول بلفظ يدل على الرهن ‏والارتهان.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:30 PM
المبحث الثالث:
في المرهون




الركن الثالث: المرهون، وقد اشترط الفقهاء في الشيء الذي يصح أن يكون رهناً شروطاً ‏منها:‏
أولاً: أن يكون عيناً: فلا يصح رهن المنفعة، كأن يرهن سكنى دار، لأن المنفعة تتلف ‏بمرور الزمن، فلا يحصل بها استيثاق، ولا يصح أيضاً رهن الدين لأنه غير قادر على تسليمه.‏
ثانياً: أن يكون قابلاً للبيع، وذلك بأن يكون موجوداً وقت العقد، وأن يكون مالاً متقوماً قد ‏وقع عليه التملك مقدوراً على تسليمه.‏
وعلى هذا فلا يجوز رهن المعدود عند العقد، كما إذا رهن ما يثمر نخيله العام، أو ما تلد ‏أغنامه السنة ونحو ذلك.‏
‏- ولا يصح رهن الميتة والدم والخنزير والخمر لانعدام ماليته، ومن الميتة صيد الحرم ‏والإحرام، فإنهما ليسا بمال بالنسبة إلى الصائد.‏
‏- وأجاز الحنفية رهن الخمر والخنزير وارتهانهما فيما بين أهل الذمة، لأن ذلك مال ‏بالنسبة لهم، وأما في حق المسلم راهناً أو مرتهناً فلا يصح.‏
‏- ولا يصح رهن ما لم يقع عليه التملك كالحطب والحشيش والصيد من المباحات.‏
‏- ولا يصح رهن الطير بالهواء، والأموال الغارقة في البحر لأنه غير مقدور على ‏تسليمها.‏
ولا يشترط في العين المرهونة أن تكون مملوكة للراهن، بل يصح أن يرهن عيناً مملوكة ‏للغير إذا أذن المالك له برهنها.‏
ثالثاً: أن يكون مفرغاً وهذا شرط الحنفية بخلاف الجمهور بمعنى أن لا يكون مشغولاً بما ‏ليس بمرهون مما يملكه الراهن، فإن رهنه داراً فيها متاعه لم يصح، والعبرة بالتفريغ وقت ‏القبض لا وقت العقد، لأن المانع هو الشغل.‏
فلو كان الأمر على العكس بأن كان الرهن شاغلاً ملك الراهن، بأن رهنه المتاع الذي في ‏الدار فإنه يصح.‏
رابعاً: أن يكون محوزاً : وهذا شرط عند الحنفية بخلاف الجمهور أي مجموعاً لا ‏متفرقاً، فلا يصح رهن الثمر على الشجر.‏
خامساً: أن يكون مميزاً: وهذا شرط عند الحنفية بخلاف الجمهور أي لا يكون مشاعاً ‏كنصف دار على الشيوع، أو نصف سيارة أو ما أشبه ذلك.‏
‏- ولم يشترط جمهور الفقهاء التميز، بل أجازوا رهن المشاع.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:31 PM
المبحث الرابع:
في المرهون به




الركن الرابع: المرهون به، وهو الدين الذي يكون في مقابلة الرهن، وقد اشترط فقهاء ‏الشافعية في المرهون به شروطاً هي:‏
أولاً: أن يكون ديناً مهما كان سببه، سواء أكان بيعاً أم قرضاً أم إتلافاً، فلا يصح الرهن ‏بالعين مضمونة كانت كالمغصوب، أو أمانة كالوديعة والعارية، لأن الله سبحانه ذكر الرهن في ‏المداينة فلا يثبت في غيرها، ولأنها لا تستوفى من ثمن المرهون، وذلك مخالف لغرض الرهن ‏عند البيع.‏
أما الحنفية فقد قسموا العين إلى ثلاثة أقسام:‏
الأول: عين غير مضمونة أصلاً، وهي كالوديعة والعارية ومال الشركة والمضاربة، ‏فهذه لا يجوز الرهن بها بالاتفاق.‏
الثاني: عين مضمونة بغيرها، وتلك كالمبيع في يد البائع فإنه مضمون بغيره وهو الثمن ‏لا بنفسه، فلو هلك المبيع في يد البائع سقط الثمن عن المشتري، وهذا أيضاً لا يصح الرهن به.‏
الثالث: عين مضمونة بنفسها، وهي التي يجب مثلها عند الهلاك، إن كان لها مثل، أو ‏قيمتها إن لم يكن لها مثل، وهذه كالمغصوب في يد الغاصب، والمقبوض على سوم الشراء، ‏والمهر في يد الزوج، وبدل الخلع في يد الزوجة، وبدل الصلح على دم العمد، فهذه يجوز الرهن ‏بها، فإن كانت قائمة وجب تسليمها، وإن هلكت وجبت قيمتها، والقيمة دين، فيكون الرهن بها في ‏مقابل دين فصح.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه يجوز الرهن بالعين المضمونة، لأن الرهن شرعاً: "هو توثقة دين ‏غير سلم ودين كتابة لعدم لزومه، أو توثقة عين مضمونة كعارية ومقبوض على وجه سوم بعين ‏‏..."‏
ثانياً: ذهب الشافعية والحنابلة أن يكون هذا الدين ثابتاً، فلا يصح الرهن بغير الدين ‏الثابت، كنفقة زوجة عن يوم غد، وعمّا سيقترضه، لأن الرهن وثيقة بحق، فلا تقدم عليه ‏كالشهادة.‏
وذهب الحنفية إلى جواز الرهن "بالدين الموعود" كأن يقول الراهن: رهنتك هذه الدار ‏لتقرضني ألف دينار مثلاً، فهذا رهن بدين على وشك الثبوت، وقد أجاز ذلك الحنفية نظراً ‏للحاجة.‏
ثالثاً: أن يكون الدين لازماً أو آيلاً إلى اللزوم: وذلك كدين القرض وثمن المبيع نسيئة ‏والأجرة والصداق وعوض الخلع ومال الصلح وأرش الجناية، وكثمن المبيع في زمن الخيار إذا ‏كان الخيار للمشتري، لأنه آيل إلى اللزوم، والثمن فيه ملك للبائع فيصح الرهن به، وأما إذا كان ‏الخيار للبائع وحده فإن ملك المبيع له والثمن للمشتري فلا رهن.‏
وعلى هذا فلا يصح الرهن بجعل الجعالة قبل الفراغ، لأنه لا لزوم فيها، إذ لكل من ‏الطرفين فسخها متى شاء.‏
رابعاً: أن يكون الدين معلوماً للعاقدين قدراً وصفة: فلا يصح الرهن بدين مجهول لهما أو ‏لأحدهما.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:32 PM
المبحث الخامس:
في رهن المشاع




ذهب الحنفية إلى أن المرهون يجب أن يكون مميزاً، وعلى هذا فلا يصح عندهم رهن ‏المشاع، سواء أكان قابلاً للقسمة أم غير قابل لها.‏
والمشاع هو كل مملوك ليس بمقسوم ولا معزول.‏
وذهب جمهور الفقهاء من شافعية وحنابلة ومالكية إلى جواز رهن المشاع، لأن ما جاز ‏بيعه عندهم جاز رهنه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:34 PM
الفصل الثالث
‏ في قبض الرهن وكيفية القبض

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:35 PM
المبحث الأول:
في قبض الرهن




ذهب الجمهور - الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى أن قبض الرهن شرط للزوم عقد ‏الرهن فما لم يحدث قبض لا يلزمه الرهن، بل للراهن أن يرجع عن العقد.‏
وذهب المالكية إلى أن الرهن يلزم بمجرد العقد ولا يحق للراهن الرجوع بعد العقد، بل ‏يجبر على الإقباض.

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:36 PM
المبحث الثاني:
في كيفية قبض الرهن




الرهن إما أن يكون منقولاً وإما أن يكون غير منقول وإما أن يكون مشاعاً.‏
‏1- كيفية قبض الرهن المنقول:‏
ذهب الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية إلى أن المنقول قبضه نقله أو تناوله، ولا يكتفي ‏فيه بالتخلية بينه وبينه.‏
وذهب جمهور الحنفية إلى أن التخلية في الرهن وفي البيع قبض لأن التخلية تسليم.‏
‏2- كيفية قبض الرهن غير المنقول:‏
اتفق الفقهاء على أن قبض الرهن غير المنقول إنما يكون بالتخلية، وهي عبارة عن رفع ‏الموانع من القبض، والرهن غير المنقول كالعقار ونحوه.‏
‏3- كيفية قبض المرهون المشاع:‏
إذا كان المرهون مشاعاً، فإن كان مما ينقل تم القبض بتسليم كله، ويشترط إذن الشريك ‏بالنقل والقبض، لأنه لا يحصل قبضه إلا بالنقل، فإن أبى الشريك ولم يأذن بالنقل، فإن رضي ‏المرتهن بكونه في يد الشريك جاز وناب عنه في القبض، وإن تنازعا نصب الحاكم عدلاً يكون ‏في يده لهما.‏
وأما إن كان مما لا ينقل كالعقار، فإقباضه يكون بالتخلية، ولا يشترط إذن الشريك في ‏هذه الحالة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:37 PM
الفصل الرابع ‏
في أحكام الرهن الصحيح‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:38 PM
المبحث الأول:
في أحكام الرهن الصحيح




وهو الرهن الذي استوفت شروطه وأركانه.‏
أحكام الرهن الصحيح حال بقاء الرهن في يد المرتهن وفيه مسائل:‏
‏1- حبس الرهن.‏
‏2- حفظ الرهن ومؤنته.‏
‏3- يد المرتهن.‏
‏4- الانتفاع بالرهن.‏
‏5- التصرف في الرهن.‏
‏6- تسليم الرهن وردّه عند فكاكه بوفاء الدين.‏
‏7- بيع الرهن.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:41 PM
المسألة الأولى: في حبس الرهن:‏
ذهب الشافعية إلى أن استدامة القبض ليس بشرط، وأن حبس الرهن ليس على وجه ‏الدوام، بل يجوز للراهن استرداد العين المرهونة للانتفاع بها، إن لم يمكن الانتفاع إلا ‏بالاسترداد، فإن أمكن الانتفاع بغير استرداد لم يسترد إلا إذا أذن له المرتهن. لكن لا ينتفع بما ‏ينقص العين المرهونة كما سيأتي.‏
وذهب الجمهور -الحنفية والمالكية والحنابلة- إلى أن مقتضى عقد الرهن ثبوت يد ‏الاستيفاء واستحقاق الحبس الدائم، لتحصيل مقصوده وهو الاستيثاق، وذلك لا يحصل إلا بثبوت ‏اليد عليه.‏
وعلى رأيهم هذا لا يمكّن الراهن من استرداد العين للانتفاع بها بوجه ما، وهذا هو الذي ‏يدفع الراهن إلى المبادرة إلى تسديد الدين حتى يسترد الرهن.‏

المسألة الثانية: في حفظ الرهن ومؤنته:‏
‏- حفظ الرهن: يجب على المرتهن أن يحفظ الرهن الذي تحت يده، لأن من كانت له اليد ‏كان عليه الحفظ، ولأن له مصلحة في حفظ الرهن وبقائه، كي يستوفي حقه منه عند تعذر ‏الاستيفاء من الرهن.‏
وعلى المرتهن أن يحفظ الرهن بنفسه، وهذا هو الأصل، لما أنه العاقد الملتزم بالحفظ ‏بمقتضى العقد.‏
وذهب الحنفية إلى أن الرهن كالوديعة، فكما أن الوديعة يجوز أن يحفظها بمن في عياله، ‏كذلك الرهن يجوز فيه ذلك.‏
ومعنى بمن في عياله أي: من يساكنه دون اعتبار للنفقة كالزوجة والخادم والأجير الذي ‏يتصرف في مال المرتهن.‏
وأما مؤنة الرهن:‏
ذهب الشافعية إلى أن على الراهن مؤنة الرهن، ويجبر عليها للمحافظة على حق ‏المرتهن، فعلى الراهن علف دابة وسقي أشجار، وقطع ثمر ونحو ذلك. والدليل على ذلك قوله ‏عليه الصلاة والسلام في الرهن: "له غنمه وعليه غرمه".‏
وذهب الحنفية إلى التفصيل فقالوا: ‏
‏1- إن كل ما يحتاج إليه لمصلحة الرهن وتبقيته فهو على الراهن، لأنه ملكه، فعليه كفايته ‏ومؤنته. وذلك كعلف الدابة وسقي البستان وأجرة الراعي وما أشبه ذلك.‏
‏2- إن ما كان لحفظه فهو على المرتهن، وهذا لأن الإمساك والحبس حق له، والحفظ ‏واجب عليه، فيكون بدله عليه، وذلك كأجرة الحافظ وأجرة محل الحفظ وما أشبه ذلك.‏
وبناء على هذا أنه لو شرط الراهن للمرتهن أن يعطيه أجرة حفظ الرهن لا يستحق شيئاً ‏لأن الحفظ واجب عليه.‏
‏3- إن كل ما كان لردّ الرهن إلى يد المرتهن، كحيوان ندّ، أو ردّ جزء منه إلى يده، ‏كمداواة عضو جريح أو ما أشبه ذلك فهو منقسم على المضمون والأمانة، فالمضمون على ‏المرتهن والأمانة على الراهن، وذلك يكون عندهم إذا كانت قيمة الرهن أكثر من قيمة الدين، فما ‏يقابل الدين فهو مضمون، وما يزيد فهو أمانة، وأما إذا كانت قيمة الرهن مماثلة للدين فهو ‏مضمون كله ومؤنة ردّه على المرتهن وحده.‏

المسألة الثالثة: في يد المرتهن:‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن يد المرتهن يد أمانة، فلا يضمن المرتهن العين المرهونة، ‏ولا يسقط عن الراهن شيء بمقابلة هلاك الرهن. إلا إذا تعدى المرتهن في هلاك الرهن.‏
وذهب الحنفية إلى أن يد المرتهن يد ضمان، فيضمن المرتهن عند هلاك الرهن، ولو لم ‏يكن منه تعدٍ ولا تقصير.‏
‏ ‏
فائدة: الفرق بين يد الأمانة ويد الضمان:‏
أن يد الأمانة لا يضمن صاحبها إلا بالتعدي وأما يد الضمان فإن صاحبها يضمن سواء ‏تعدى أو لم يتعدَّ.‏

المسألة الرابعة: في الانتفاع بالرهن:‏
الانتفاع بالرهن على نوعين:‏
أحدهما: انتفاع الراهن بالرهن. ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الراهن يحق له الانتفاع ‏بالرهن، بسكنى الدار، والاكتساب بالسيارة والدابة.‏
واشترطوا أن لا ينقص الانتفاع من العين المرهونة أو يتلفها، ودليلهم قول رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: "لا يَغْلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه".‏
أما الانتفاع الذي فيه ضرر على المرتهن كلبس الثوب والسفر بالرهن، أو تأجيره ممن ‏يسافر به فيمنع منه الراهن، لأن لبس الثوب يعرضه للتلف، ولأن في السفر خطراً محتملاً ولا ‏ضرورة له.‏
لكن إن أذن المرتهن فيما منع منه الراهن جاز.‏
وذهب الحنفية إلى أنه ليس للراهن الانتفاع بالرهن مطلقاً بوجه من الوجوه، لا بلبس ولا ‏ركوب ولا سكنى ولا غير ذلك، بل تعطل المنافع حتى يكون الوفاء.‏
ثانيهما: انتفاع المرتهن بالرهن:‏
اتفق الفقهاء على الأمور التالية:‏
‏1- أن عين الرهن ومنافعه ملك للراهن.‏
‏2- أن المرتهن لا يحلّ له أن ينتفع بشيء من الرهن إذا لم يأذن له المالك، إذا لم تكن ‏العين المرهونة مركوباً أو محلوباً.‏
واختلفوا في أمرين:‏
الأول: في انتفاع المرتهن بالرهن إذا أذن الراهن.‏
الثاني: فيما إذا كان المرهون مركوباً أو محلوباً.‏
الأمر الأول: انتفاع المرتهن بالرهن إذا أذن الراهن:‏
ذهب الشافعية إلى أنه إذا شرط في العقد أن يكون الانتفاع بالمرهون للمرتهن فسد ‏الشرط، وكذا فسد الرهن في الأظهر، لمخالفة الشرط مقتضى العقد.‏
وأما إذا لم يكن مشروطاً في العقد، فالظاهر جواز ذلك عندهم، لأن للمالك أن يتصرف ‏في ملكه بما لا يضيع فيه حق الآخرين.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه إن كان الانتفاع بغير عوض، وكان دين الرهن قرضاً لم يجز، ‏لأنه يكون قرضاً يجر منفعة وذلك حرام، وإن كان الرهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير ‏القرض جاز ذلك.‏
وأما إذا كان الانتفاع بعوض مثل إن استأجر المرتهن الدار من الراهن بأجرِة مثلها من ‏غير محاباة جاز في القرض وغيره، لكونه ما انتفع بالقرض بل بالإجارة، وإن حاباه في ذلك ‏فحكمه حكم الانتفاع بغير عوض، لا يجوز في القرض ويجوز في غيره.‏
وذهب الحنفية إلى ثلاثة أقوال مختلفة:‏
أحدها: أنه لا يحلّ انتفاع المرتهن بالرهن ولو أذن الراهن وعلل ذلك بأنه إذن له بالربا، ‏لأنه يستوفي دينه كاملاً، فتبقى المنفعة فضلاً، فيكون ربا. ولعلَّ هذا القول محمول على الديانة لا ‏الحكم.‏
ثانيها: أنه يجوز له الانتفاع بالرهن إذا أذن الراهن بذلك، سواء أكان الإذن في العقد أم ‏كان خارجه، لأن الرهن يقتضي الحبس إلى أن يستوفي دينه دون الانتفاع، فلا يجوز له الانتفاع ‏إلا بتسليط منه، وإن فعل كان متعدياً، ولا يبطل الرهن بالتعدي.‏
ثالثها: أنه يمنع الانتفاع المشروط في العقد، لأنه قرض جر منفعة فهو ربا، فإذا لم يكن ‏مشروطاً فلا بأس، والغالب من أحوال الناس أنهم يريدون عند الدفع الانتفاع، ولولاه لما أعطاه ‏الدراهم، وهذا بمنزلة الشرط، لأن المعروف كالمشروط وهو مما يعين المنع.‏
الأمر الثاني: إذا كان المرهون مركوباً أو محلوباً:‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز الانتفاع للمرتهن بالرهن بغير إذن الراهن ولو كان ‏مركوباً أو محلوباً.‏
وذهب الحنابلة إلى جواز الانتفاع بالرهن للمرتهن إذا كان ظهراً يركب، أو حيواناً ‏يحلب، بمقدار ما ينفق المرتهن ولو لم يأذن الراهن.‏
لقولِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ولبن الدر ‏يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة".‏

المسألة الخامسة: في التصرف في الرهن:‏
المراد بالتصرف كل عمل ينشئ التزاماً وينتج أثراً شرعياً، وذلك كالهبة والبيع والوقف ‏والعتق وما أشبه ذلك.‏
أولاً: تصرف الراهن بغير إذن المرتهن:‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه ليس للراهن في هذه الحال تصرف يزيل الملك كالهبة ‏والبيع والوقف، فإن تصرف الراهن بطل هذا التصرف ولم يترتب عليه أي أثر شرعي. وإنما لم ‏يجيزوا تصرفات الراهن، لأنه وثيقة بيد المرتهن، فلو أجزنا ذلك لفاتت الوثيقة.‏
وكما إنه لا يجوز أن يتصرف تصرفاً يزيل الملك لا يجوز له أن يتصرف تصرفاً ينقص ‏المرهون كإجارته مدة تحلّ الدين قبل انتهائها، لأن ذلك يقلل الرغبة في شراء المرهون، فإن كان ‏الدين يحّل مع انتهاء المدة أو بعدها جاز له التصرف في ذلك.‏
وكذلك لا يجوز له رهنه من غيره، لأنه يزاحم حق الأول، فيفوت مقصود الرهن.‏
وذهب الحنفية إلى التفصيل في هذا التصرف:‏
‏1- إذا كان التصرف بيعاً انعقد البيع موقوفاً، سواء علم المشتري بذلك أم لم يعلم.‏
ووجه الوقف هو أن الراهن لا يتصرف في خالص حقه، إذ تعلق به حق المرتهن، وهو ‏الحبس، فيتوقف على إجازته.‏
فإذا أجاز المرتهن البيع نفذ، لأن عدم النفاذ لمكان حقه، فإن رضي ببطلان حقه زال ‏المانع فنفذ البيع. وإن لم يجزه بطل البيع.‏
هذا الكلام في حق البائع، أما المشتري، وإن لم يجز المرتهن البيع فإن المشتري بالخيار ‏إن شاء صبر إلى فكاك الرهن، أو رفع الأمر إلى القاضي ليفسخ البيع لأن هذا الفسخ لقطع ‏المنازعة وهو إلى القاضي.‏
‏2- إذا كان التصرف هبة من غير المرتهن أو صدقة انعقد أيضاً موقوفاً على إذن ‏المرتهن، فإن لم يأذن بطل ذلك، وأن أذن نفذ، وفي هذه الحالة يبطل عقد الرهن، لأنه زال عن ‏ملكه لا إلى بدل بخلاف البيع.‏
‏3- إذا كان التصرف إجارة توقف على إذن المرتهن، فإن لم يأذن بطلت، لأن قيام ملك ‏الحبس له يمنع الإجارة، ولأن الإجارة بعقد الانتفاع، وهو لا يملك الانتفاع بنفسه، فكيف يملكه ‏غيره، وإن أذن جازت الإجارة، وبطل عقد الرهن، لأن الإجارة إذا جازت -وهي عقد لازم - لا ‏يبقى الرهن ضرورة، والأجرة للراهن لأنها بدل منفعة مملوكة له، وولاية قبض الأجرة له لأنه ‏هو العاقد، ولا تكون الأجرة رهناً، لأن الأجرة بدل المنفعة، والمنفعة ليست بمرهونة فلا يكون ‏بدلها مرهوناً، كل هذا إذا كانت الإجارة لغير المرتهن، أما إذا كانت له جازت الإجارة وبطل ‏الرهن إذا جدد المرتهن القبض للإجارة، لأن قبض الرهن غير قبض الإجارة، فقبض الرهن ‏مضمون، وقبض الإجارة أمانة.‏
ثانياً: تصرف المرتهن بغير إذن الراهن:‏
ذهب الجمهور إلى أنَّ تصرف المرتهن بغير إذن الراهن يعدُّ تصرفاً لاغياً، فإذا أسلم ‏العين كان في ذلك متعدياً غاصباً.‏
وذهب الحنفية إلى أن تصرفاته موقوفة على إذن الراهن، فإن أجاز صحت ويبطل ‏الرهن، وإلا بطلت، لكن في حال إجازة البيع يبقى الثمن رهناً.‏
ثالثاً: تصرف الراهن بإذن المرتهن:‏
ذهب الشافعية إلى أنه إذا تصرف الراهن بإذن المرتهن تصرفاً يزيل الملك نفذ هذا ‏التصرف، وبطل الرهن، لكن للمرتهن الرجوع عن الإذن قبل تصرف الراهن، لأن حقه باق، كما ‏للمالك أن يرجع قبل تصرف الوكيل.‏
وذهب الحنفية إذا باع أو وهب من أجنبي خرج المرهون عن الرهن فلا يعود إلا بعقد ‏مبتدأ.‏
رابعاً: تصرف المرتهن بإذن الراهن:‏
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه إذا تصرف المرتهن بإذن الراهن تصرفاً يزيل الملك صح ‏هذا التصرف ويبطل الرهن.‏

المسألة السادسة: في تسليم الرهن للراهن وردّه عند فكاكه بوفاء الدين:‏
الفرع الأول: تسديد بعض الدين:‏
ذهب الفقهاء إلى أنه لا ينفك شيء من الرهن حتى يؤدي دينه كله أو يبرئه المرتهن من ‏الدين أو يفسخ الرهن.‏
الفرع الثاني: في تسديد الدين كله:‏
ذهب الفقهاء إلى أنه إذا سدّد الراهن ما عليه من الدين انفك الرهن، ووجب تسليمه إليه.‏
وذهبت الحنفية إلى أنه يتبع في التسليم المراحل التالية:‏
أولاً: إذا طالب المرتهن بدينه يؤمر بإحضار الرهن إن كانت المطالبة في البلد الذي وقع ‏فيه الرهن، فإن كانت المطالبة بالدين في غير البلد الذي وقع فيه العقد وكان الرهن مما لا مؤنة ‏في إحضاره أمر المرتهن أيضاً بإحضار الرهن. لأن الأماكن كلها في حق التسليم كمكان واحد ‏فيما ليس له حمل ولا مؤنة.‏
ثانياً: فإذا أحضر المرتهن الرهن يؤمر الراهن بتسديد الدين، فإذا فعل سلمه المرتهن ‏الرهن.‏
وإنما أمر الراهن بذلك ليتعين حق المرتهن بتسليم الدين كما تعين حق الراهن في الرهن ‏تحقيقاً للتسوية بينهما.‏
أما إذا طالب المرتهن بالدين في غير محل العقد وكان لحمله مؤنة يستوفي دينه ولا ‏يكلف إحضار الرهن، لأن هذا نقل، والواجب عليه التسليم بمعنى التخلية، لا النقل من مكان إلى ‏مكان لأنه يتضرر به ولم يلزمه، لكن في هذه الحال للراهن أن يحلفه بالله أنه ما هلك.‏
ثالثاً: وهو وجوب تسليم المرهون عند الافتكاك - فيتعلق به معرفة وقت وجوب التسليم، ‏فوقت وجوب التسليم ما بعد قضاء الدين، يقضي الدين أولاً ثم يتسلم الرهن، لأن الرهن وثيقة، ‏وفي تقديم تسليمه إبطال للوثيقة، ولأنه لو سلم الرهن أولاً فمن الجائز أن يموت الراهن قبل قضاء ‏الدين، فيصيرَ المرتهن كواحد من الغرماء فيبطل حقه، فلزم تقديم قضاء الدين على تسليم الرهن، ‏إلا أن المرتهن إذا طلب الدين يؤمر بإحضار الرهن أولاً، ويقال له أحضر الرهن إذا كان قادراً ‏على الإحضار من غير ضرر زائد، ثم يخاطَب الراهن بقضاء الدين، لأنه لو خوطب بقضائه من ‏غير إحضار الرهن، ومن الجائز أن الرهن قد هلك وصار المرتهن مستوفياً دينه من الرهن، ‏فيؤدي إلى الاستيفاء مرتين.‏

المسألة السابعة: في بيع الرهن:‏
ذهب الشافعية إلى أن حق البيع للراهن أو وكيله، ويكون ذلك بإذن من المرتهن، لأن له ‏حقاً فيه، فإن لم يأذن المرتهن بالبيع قال له الحاكم، ائذن في بيعه أو أبرئه، وذلك دفعاً لضرر ‏الراهن، فإن أصر على الامتناع باعه الحاكم عليه، ووفى الدين من ثمنه دفعاً للضرر.‏
ولو طلب المرتهن بيعه فأبى الراهن ذلك ألزمه القاضي قضاء الدين أو بيعه، فإن أصر ‏على الامتناع باعه الحاكم دفعاً للضرر عن المرتهن. هذا إذا لم يكن له وفاء غير الرهن، فإن كان ‏له ما يفي به الدين لم يتعين بيع الرهن. وكذلك الحكم إذا طلب المرتهن بيعه وكان الدين حالاًّ، ‏وكان الراهن غائباً.‏
أما إذا باعه المرتهن بإذن الراهن فالأصح أنه إن باع بحضرته صح البيع، وإلا فلا، لأن ‏بيعه لغرض نفسه فيتهم في الغيبة بالاستعجال وترك التحفظ دون الحضور.‏
وهناك قول ثانٍ أنه يصح مع عدم حضوره كما لو أذن له في بيع غيره.‏
وهناك قول ثالث عندهم هو أنه لا يصح بيعه حضر الراهن أم لم يحضر، لأن الإذن له ‏فيه توكيل فيما يتعلق بحقه، إذ المرتهن مستحق للبيع.‏
وذهب الحنفية إلى أن للراهن والمرتهن حقاً في العين المرهونة، أما الراهن فملكه، وأما ‏المرتهن فلأنه أحق بماليته من الراهن ولذلك لا ينفرد أحدهما ببيعه دون إذن من الآخر.‏
فإذا أذن الراهن للمرتهن ببيعه باعه، واستوفى حقه منه، وكذلك إذا أذن الوكيل له في ‏البيع.‏
فإن حّل الأجل وكان الراهن غائباً أجبر الوكيل على بيعه، لأن حق المرتهن تعلق بالبيع، ‏وفي الامتناع إبطال لحق، فيجبر عليه.‏
وكيفية الإجبار أن يحبسه القاضي أياماً ليبيع، فإن امتنع بعد ذلك فالقاضي يبيعه عليه ‏دفعاً للضرر.‏
وأما إذا لم يأذن بالبيع لأحد، طولب بالوفاء، فإن امتنع أجبره القاضي على البيع بما يراه ‏مناسباً، من حبس أو تعزيز.‏
وعند أبي حنيفة لا يبيعه عليه، لأن البيع عليه بمثابة الحجر على ماله، ولا يكون إلا في ‏الغائب للضرورة، وأما الحاضر فلا يحجر عليه عنده.‏
المبحث الثاني: في أحكام الرهن الصحيح حال هلاك العين المرهونة: ‏
إن هلاك العين المرهونة لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تهلك بنفسها وإما أن تهلك ‏باستهلاك أحد لها، سواء أكان المستهلك الراهن أم المرتهن أم أجنبياً.‏
أولاً: هلاك العين المرهونة بنفسها:‏
إذا هلكت العين المرهونة بنفسها فلا يخلو الأمر من إحدى حالين: إما أن يكون هلاكها ‏بتعد وتقصير وإهمال، أو يكون من غير تعد ولا تقصير:‏
الحالة الأولى: هلاك العين بتعد أو تقصير:‏
اتفق الفقهاء على أن العين المرهونة إذا هلكت بتعد أو تقصير فإن المتعدي يضمنها، ‏سواء أكان المتعدي الراهن أم المرتهن أم الأجنبي، وسواء أقلنا إن يد المرتهن على الرهن يد ‏أمانة أم قلنا إن يده يد ضمان. فيلزم الضمان بالتعدي، فيوضع مثلها إن كانت مما له مثل، أو ‏توضع قيمتها إن كان قيمية، ويوضع ذلك رهناً مكانها.‏
الحالة الثانية: هلاك العين المرهونة بلا تعد أو تقصير:‏
اتفق الفقهاء فيما إذا هلكت العين المرهونة عند المرتهن بلا تعدٍ أو تقصير،
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا ضمان على المرتهن في ذلك، لأن يده على الرهن يد ‏أمانة، فإذا هلكت تهلك من مال الراهن، ولا يسقط شيء من الرهن بهلاكها:‏
وذهبت الحنفية إلى أنه مضمون المرتهن بدينه على خلاف في كيفية الضمان عندهم، إذ ‏ذهب جمهورهم إلى أن الضمان يكون بالأقل من قيمته أو الدين، فلو هلك وقيمته مثل الدين صار ‏مستوفياً دينه، وإن كانت أكثر من دينه فالفضل أمانة، وبقدر الدين صار مستوفياً، وإن كانت أقل ‏صار مستوفياً بقدره ورجع المرتهن بالفضل.‏
وذهب مالك إلى أن الرهن إن هلك بسبب ظاهر كموت الحيوان واحتراق الدار فضمانه ‏على الراهن، وإن هلك بسبب خفي كسرقة مثلاً فضمانه على المرتهن، ما لم تقم بينة بهلاكه ‏فيكون ضمانه على الراهن.‏
ثانياً: في حكم استهلاك العين المرهونة:‏
استهلاك العين المرهونة إما أن يكون من قبل الراهن وإما أن يكون من قبل المرتهن، ‏وإما أن يكون من أجنبي، ولكل من هذه الأقسام الثلاثة بحث يخصه.‏
القسم الأول: في استهلاك الراهن العين المرهونة:‏
إذا استهلك الراهن الرهن ترتبت على ذلك الأحكام التالية:‏
‏1- إن كان الدين حالاً يطالب بالدين، إذ لا فائدة في المطالبة بالضمان.‏
‏2- إن كان الدين مؤجلاً يضمن مثل الرهن إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان قيمياً.‏
‏3- يكون المضمون رهناً في يد المرتهن لقيامه مقام العين المرهونة.‏
‏4- المرتهن هو الذي يخاصم الراهن في التضمين، لأنه صاحب الحق في مالية الرهن ‏بالحبس ووضع اليد للاستيفاء.‏
القسم الثاني: في استهلاك المرتهن للعين المرهونة:‏
إذا استهلك المرتهن العين المرهونة ترتب على ذلك الأحكام التالية:‏
‏1- إذا كان الدين مؤجلاً ضمن مثله إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان قيمياً. لأنه أتلف مال ‏غيره، وكانت رهناً في يده حتى يحّل الأجل، لأن الضمان بدل العين فأخذ حكمه.‏
‏2- تعتبر قيمة المتلّف بالنسبة إلى المرتهن يوم القبض، لأن المعتبر في ضمان الرهن ‏يوم قبضه، لأنه به دخل في ضمانه، لأنه قبض استيفاء.‏
‏3- على هذا فإذا نقص سعره يوم الاستهلاك وجب قيمته يوم القبض، فلو كانت قيمته يوم ‏القبض ألفاً، ويوم الاستهلاك خمسماية، غرم خمسماية وتكون رهناً، وسقط من الدين خمسماية.‏
‏4- إذا كان الدين حالاً والمضمون من جنس حقه استوفى المرتهن منه وردّ الفضل على ‏الراهن إن كان به فضل، وإن كان دينه أكثر من قيمته رجع على الراهن بالفضل.‏
القسم الثالث: استهلاك الأجنبي للعين المرهونة:‏
إذا كان المستهلك للعين أجنبياً ترتب على ذلك الأحكام التالية:‏
‏1- يضمن ما أتلفه إن كان مثلياً ضمن مثله، وإن كان قيمياً ضمن قيمته.‏
‏2- يجب على هذا المستهلك قيمته يوم الاستهلاك لا يوم القبض كالمرتهن، فلو كانت ‏قيمته يوم القبض ألفاً ويوم الاستهلاك خمسماية وجب بالاتلاف خمسماية، ويسقط من الدين ‏خمسماية، كأنها هلكت بآفة سماوية.‏
‏3- تصبح قيمة العين المستهلكة رهناً بدل الرهن السابق.‏
‏4- المخاصم للأجنبي هو المرتهن عند الحنفية، والراهن عند الشافعية.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:42 PM
الفصل الخامس
في أحكام الرهن الفاسد‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:43 PM
المبحث الأول:
في معنى الفساد والبطلان




ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الفساد والبطلان بمعنى واحد ويكون الفساد والبطلان بنقص ‏شرط أو ركن أو غير ذلك كما هو مذكور في الأصول. إلا أنهم قالوا إن حكم فاسد العقود حكم ‏صحيحها في الضمان، فإذا اقتضى صحيحه الضمان كالبيع والإعارة، ففاسده أولى، وإذا لم ‏يقتض صحيحه الضمان كالإجارة والرهن ففاسده كذلك.‏
وعلى هذا فإذا رهن عيناً في عقد رهن فاسد، فإن تلفت العين المرهونة من غير تعد ولا ‏تقصير، فلا ضمان على المرتهن، لأنه في هذا الحال إذا وقع العقد صحيحاً فلا ضمان، فكذلك ‏الفاسد، لأنه واضع اليد أثبتها بإذن مالكها، ولم يلتزم بالعقد ضماناً.‏
وذهب الحنفية إلى الفرق بين البطلان والفساد، فعرفوا الباطل: بأنه غير مشروع بأصله ‏ولا بوصفه وعرّفوا الفاسد بأنه ما كان مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه.‏
وعلى هذا فعندهم رهن باطل ورهن فاسد، ويترتب على كل أحكام، فالرهن الباطل هو ‏الذي لا يكون فيه المرهون مالاً، أو لا يكون في مقابلة دين مضمون، أي افتقد شرطاً من شروطه ‏الصحة.‏
والرهن الفاسد هو الذي يكون المرهون فيه مالاً، والدين المقابل به مالاً مضموناً، إلا أنه ‏افتقد بعض صفات شروط الجواز، وذلك كأن يكون المرهون مشاعاً.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:44 PM
المبحث الثاني:
في أحكام الرهن الباطل عند الحنفية




إذا وقع الرهن باطلاً تعلق به الأحكام التالية:‏
أولاً: لا يكون العقد في الرهن منعقداً أصلاً.‏
ثانياً: لا تترتب عليه أحكام الرهن ولا آثاره، ومن أحكامه أنه:‏
أ- يجوز للراهن أن يعود برهنه، كما لو رهن مسلم عيناً بخمرِ مسلمٍ. فللراهن استرداد ‏العين المرهونة من المرتهن.‏
ب- ليس للمرتهن حبس الرهن، فإن حبسه كان مغتصباً.‏
ج- إذا هلك الرهن هلك بغير شيء ولا يكون مضموناً، فلا يقابله شيء من الدين.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:46 PM
المبحث الثالث:
في أحكام الرهن الفاسد عند الحنفية





إذا وقع الرهن فاسداً عندهم كان له من الأحكام ما للرهن الصحيح.‏
وعلى هذا يتعلق بالرهن الفاسد الأحكام التالية:‏
أولاً: أن الرهن إذا هلك يهلك مضموناً على المرتهن.‏
ثانياً: إذا أراد الراهن استرداد المرهون كان للمرتهن حبسه حتى يؤدي الراهن ما عليه ‏من الدين.‏
ثالثاً: إذا مات الراهن وعليه ديون كثيرة كان المرتهن أحق به من سائر الغرماء.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:47 PM
الفصل السادس
في أحكام تتعلق بالرهن





وهذه الأحكام هي: وضع الرهن على يد العدل - رهن المستعار - نماء الرهن وزيادته - ‏التعدد في الرهن.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:49 PM
المبحث الأول:
في وضع الرهن على يد العدل




وينقسم إلى: معنى العدل - حكم وضع الرهن عند العدل - صفة يد العدل على الرهن - ‏الأحكام التي تتعلق بوضع الرهن على يد العدل.‏
القسم الأول: معنى العدل:‏
قد لا يثق كل من الراهن والمرتهن بصاحبه فيريدان أن يضعا هذا الرهن عند إنسان يثق ‏به كل منهما، لعدالته وأمانته وحرصه على رعاية المصالح، فهذا الإنسان هو العدل، فالعدل إذاً ‏هو الشخص الثقة الأمين الذي يرضى به كل من الراهن والمرتهن ليضعا عنده الرهن، وينوب ‏عنهما في قبضه وحفظه، وقد يسلطانه على بيعه عند حلول أجل الدين.‏
القسم الثاني: حكم وضع الرهن عند العدل:‏
ذهب الجمهور من الفقهاء إلى أنه إذا شرطا كون الرهن على يدي عدل رضيا به واتفقا ‏عليه جاز، وكان وكيلاً للمرتهن نائباً عنه في القبض، فمتى قبضه صح قبضه.‏
القسم الثالث: صفة يد العدل على الرهن:‏
يد العدل لها صفتان: صفة أمانة من حيث إنه نائب عن المالك، فهو أمانة عنده، ويد ‏ضمان من حيث إنه نائب عن المرتهن، وهو وديعه في ماليتها.‏
القسم الرابع: الأحكام التي تتعلق بوضع الرهن على يد العدل:‏
هناك أحكام تتعلق بوضع الرهن على يد العدل. فمن هذه الأحكام:‏
أولاً: ليس للعدل دفع العين المرهونة إلى أحد المتراهنين بلا إذن صاحبه، لأن كل واحد ‏منهما لم يرض بيد صاحبه، بل رضيا بيد العدل، ولأنه قد تعلق بالعين المرهونة حقهما، لأن حق ‏الراهن تعلق في الحفظ بيده وأمانته، وحق المرتهن في الاستيفاء فلا يملك كل واحد منهما إبطال ‏حق الآخر.‏
ثانياً: لو دفع العدل الرهن إلى أحدهما ضمن، لأنه مودع الراهن في حق العين، ومودع ‏المرتهن في حق المالية، وكل منهما أجنبي عن الآخر، والمودع يضمن بالدفع إلى الأجنبي.‏
ثالثاً: إذا هلك الرهن في يد العدل يهلك مضموناً على المرتهن، لأن يده من حيث المالية ‏يد المرتهن وهي مضمونة، هذا عند الحنفية، وأما عند الشافعية فلا يضمن إلا بالتعدي، ويده كيد ‏المرتهن يد أمانة لا يد ضمان.‏
رابعاً: ليس للعدل أن يبيع الرهن ما لم يسلط عليه، وهذا لأن الثابت له بالوضع حق ‏الإمساك لا التصرف، ولو شرط أن يبيعه العدل جاز، ولا يشترط مراجعة الراهن في الأصح عند ‏الشافعية. وإن عزل الراهن العدل عن البيع صح عزله، ولم يملك البيع، وبهذا قال الشافعي.‏
وقال أبو حنيفة ومالك: لا ينعزل لأن وكالته صارت من حقوق الرهن، فلم يكن للراهن ‏إسقاطه كسائر حقوقه.‏
خامساً: إذا ضمن العدل قيمة الرهن بالتعدي بإتلافه أو بدفعه إلى الراهن أو المرتهن ‏وأتلفه المدفوع إليه، لا يستطيع العدل أن يجعل القيمة رهناً في يده، نص على ذلك الحنفية.‏
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن للراهن أن يفسخ الوكالة ويعزله عما فوضه إليه من ‏البيع، كما يحق له أن يعزل نفسه، بناء على أن الوكالة عقد جائز فلكل واحد من الطرفين فسخه ‏متى شاء.‏
وذهب الحنفية إلى التفريق بين أن تكون الوكالة في صلب عقد الرهن، وأن تكون الوكالة ‏بعد عقد الرهن.‏
أ- فإذا وقعت الوكالة في عقد الرهن ترتبت عليه الأحكام التالية:‏
‏1- لا ينعزل الوكيل بعزل الموكل، لأن الوكالة لما شرطت في عقد الرهن صارت وصفاً ‏من أوصافه وحقاً من حقوقه، ألا ترى أنها لزيادة الوثيقة؟ فتلزم بلزوم أصله، ولأنه تعلق به حق ‏المرتهن، وفي العزل إبطال لحقه.‏
‏2- إذا وكله بالبيع مطلقاً ملك البيع بالنقد والنسيئة، فإذا نهاه بعد ذلك عن البيع بالنسيئة، لم ‏يعمل نهيه، لأنه لازم بأصله فكذا هو لازم بوصفه.‏
‏3- لا ينعزل هذا الوكيل بالعزل الحكمي كموت الموكل وارتداده ولحقوقه بدار الحرب، ‏لأن الرهن لا يبطل بموته، لأنه لو بطل في هذه الحال لبطل لحق الورثة، وحق المرتهن مقدم ‏على حق الورثة.‏
‏4- أن الوكيل هنا إذا امتنع عن البيع أجبر عليه، فإن أبى حبس، فإن أبى باع القاضي ‏عليه، لدفع الضرر عن المرتهن.‏
‏5- إذا مات العدل بطلت الوكالة في ظاهر الرواية، فلا يقوم وارثه ولا وصيه مقامه، لأن ‏الوكالة لا يجري فيها التوارث، ولأن الموكل رضي برأيه دون رأي سواه.‏
ب- إذا وقعت الوكالة مفردة عن عقد الرهن ترتبت عليه الأحكام التالية:‏
‏1- تبطل الوكالة بموت الموكل
‏2- ينعزل الوكيل بعزل الموكل
‏3- إذا امتنع الوكيل هنا عن البيع لم يجبر عليه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:50 PM
المبحث الثاني:
في الرهن المستعار




وينقسم المبحث الثاني إلى سبعة أقسام:‏
‏1- جواز رهن المستعار ‏
‏2- إطلاق الإعارة وتقييدها
‏3- موافقه الراهن المستعير لشروط المعير ومخالفته في ذلك
‏4- هلاك العين المستعارة للرهن
‏5- استعمال المستعير العين المستعارة للرهن
‏6- فك الرهن المستعار
‏7- موت المعير أو المستعير مفلساً

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:52 PM
القسم الأول: في جواز رهن العين المستعارة للرهن:‏
اتفق الفقهاء إلى أنه إذا استعار شخص من آخر عيناً ليرهنها في دين فذلك جائز. وذلك ‏لأن الرهن توثق وهو يحصل بما لا يملكه بدليل الإشهاد والكفالة. ولأن الرهن بمثابة إيفاء الدين ‏وقضائه. والإنسان بسبيل أن يقضي دين نفسه بمال غيره بإذنه.‏

القسم الثاني: إطلاق الإعارة وتقييدها:‏
ذهب الشافعية والحنابلة في الأصح عندهم أنه يشترط في هذه الإعارة ذكر جنس الدين ‏وقدره وصفته وكذا المرهون عنده. لاختلاف الأغراض في ذلك.‏
وبناء على اشتراط التقييد أنه إذا رهن بأقل مما عينه كأن عين له ألف فرهنه بمائة أن ‏الرهن لا يبطل لرضا المعير به في ضمن رضاه بالأكثر، هذا إذا كان من جنسه، فلو قال: ارهنه ‏بمائة دينار فرهنه بمائة درهم لم يصح لاختلاف الجنس.‏
وذهب الحنفية إلى أن للمعير أن يطلق الإعارة من أجل الرهن، وفي هذه الحال يعدّ ‏الإطلاق حقاً للمستعير، ولا يعدّ ذلك جهالة تفسد الإعارة، لأن الجهالة المفسدة هي الجهالة التي ‏تفضي إلى المنازعة، وتمنع من التسليم والتسلم، ومبنى الإعارة على التسامح، فلا تجري فيها ‏المضايقة، ولا تفضى إلى المنازعة.‏
وللمعير عندهم أن يقيد عاريته برهنها من مرتهن معين، أو في بلدة معينة أو بمقدار ‏محدد من الدين وما إلى ذلك، وفي هذه الحال يتقيد المستعير بما قيده به المعير، وذلك لأن التقييد ‏مقصود مفيد.‏

القسم الثالث: في موافقة الران المستعير لشروط المعير ومخالفته في ذلك:‏
أ- ذهب الشافعية إلى أنه إذا وافق الراهن المستعير شروط المعير كان الرهن صحيحاً، ‏وأصحبت العين مرهونة بعد القبض، وترتب على ذلك أحكام الرهن، ومن هذه الأحكام أنها إذا ‏تلفت عند المرتهن تهلك أمانة في يده، فلا يضمن شيئاً، كما أن الراهن أيضاً لا يضمن شيئاً، لأنه ‏لم يسقط عنه شيء من الحق. وهاك قول بضمان المستعير، لأنه لم يتلف بالاستعمال المأذون به.‏
وذهب الحنفية - بناء على أصلهم في الضمان - إلى أنه مضمون على المرتهن بالأقل من ‏قيمته أو قيمة الدين، فإن كانت العين المرهونة قيمتها مثل الدين أو أكثر، سقط الدين عن الراهن، ‏لأن المرتهن استوفى دينه بالهلاك، ويرجع المعير على المستعير بمثل ما قضى من الدين، ولا ‏يرجع بما زاد عن الدين بقيمتها، لأن هذه الزيادة أمانة فلا تضمن.‏
وإن كانت قيمتها أقل من الدين سقط من الدين بمقدار قيمتها، ويرجع المرتهن على ‏الراهن بما بقي من الدين، لأن الزائد لم يستوف، ويضمن المستعير للمعير مقدار ما سقط عنه من ‏الدين وهو قيمتها في هذه الصورة.‏
ب- وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا خالف المستعير شروط المعير، كأن أعاره ‏ليرهنه عند واحد، فرهنه عند اثنين مثلاً، بطل الرهن. وكما لو أعاره متاعاً ليرهنه بمائة دينار ‏فرهنه بمائة درهم، لاختلاف الجنس، وكما لو أعاره متاعاً ليرهنه بدين حالّ فرهنه بدين مؤجل، ‏أما لو أعاره ليرهنه بمقدار معين فرهنه بمقدار أقل مع اتحاد الجنس فجائز.‏
ولو أعاره متاعاً ليرهنه بمائة وخمسين مثلاً فرهنه بمائتين فالصحيح أن الرهن يبطل في ‏الجميع، وذهب بعض المتأخرين إلى صحة الرهن بالمائة والخمسين وبطلانه في الزائد، ولكن ‏هذا القول ليس بمعتمد.‏
وذهب الحنفية إلى أن للمعير فسخ الرهن واسترداد متاعه، لعدم صحة الرهن، فإن هلك ‏الرهن كان للمعير تضمين الراهن والمرتهن إذ إنهما غاصبان لماله، ثم إن ضمن المعير ‏المستعير الراهن، تم عقد الرهن، لأنه قد ملكه بأداء الضمان، فتبين أنه رهن ملك نفسه.‏
وإن ضمن المرتهن رجع هذا على المستعير بما ضمن للمعير، ورجع عليه أيضاً بدينه، ‏كما هو الشأن في استحقاق الرهن في المرتهن بعد هلاكه وضمانه.‏
‏ ‏
القسم الرابع: في هلاك العين المستعارة للرهن بيد المستعير:‏
ذهب الشافعية إلى أنه إذا هلك في يد المستعير ضمنه، لأنه لم يهلك بالاستعمال، لأن ‏العارية عندهم تكون مضمونة إذا تلفت بغير الاستعمال، وإن لم يكن هناك تعدٍ.‏
وذهب الحنفية إلى أنه لا ضمان على المستعير، سواء أكان الهلاك قبل عقد الرهن أو بعد ‏الفكاك، لأن العين المرهونة إن هلكت قبل الرهن فقد هلكت في قبض العارية لا في قبض الرهن، ‏وقبض العارية قبض أمانة لا قبض ضمان.‏
وإن هلكت بعد الفكاك من يد المرتهن فقد هلكت أيضاً في قبض العارية، لأنها بالافتكاك ‏من يد المرتهن عادت عارية، فكان الهلاك في قبض العارية.‏

القسم الخامس: في استعمال المستعير العين المستعارة للرهن:‏
ذهب الحنفية إلى أنه إذا استعمل المستعير العين المعارة للرهن قبل أن يرهنها، ثم ‏رهنها، ثم قضى الدين فهلكت العين عند المرتهن قبل أن يستردها، فلا ضمان على الراهن، لأنه ‏وإن كان يضمن بالاستعمال لكنه برئ من الضمان بعد أن رهنها، فكان أميناً خالف ثم عاد إلى ‏الوفاق، فبرئ من الضمان.‏
وكذلك الحكم إذا افتك المستعير العين المستعارة ثم استعملها، فلم تتلف بالاستعمال ثم ‏تلفت بعد ذلك، لأنه بعد الفكاك بمنزلة الوديع، والوديع إذا خالف ثم رجع إلى الوفاق، فإنه يبرأ ‏عن الضمان.‏

القسم السادس: في فك المعير للرهن المستعار:‏
ذهب الحنفية إلى أنه إذا عجز الراهن عن افتكاك الرهن المستعار فأراد المعير المالك أن ‏يفتكه أجبر المرتهن على القبول، لأن المعير غير متبرع بقضاء الدين، لما في من تخليص ملكه، ‏ويرجع بجميع ما قضى على المستعير.‏
وأما الأجنبي إذا قضى الدين فلا يجبر المرتهن على القبول لأنه متبرع، إذ هو لا يسعى ‏في تخليص ملكه ولا في تفريغ ذمته، فكان للطالب أن لا يقبله.‏

القسم السابع: في موت المستعير أو المعير مفلساً:‏
وذهب الحنفية إلى أنه إذا مات المستعير مفلساً فالرهن باق على حاله، ولا يباع إلا برضا ‏المعير، لأنه ملكه، ولو أراد المعير البيع وامتنع المرتهن من بيعه، بيع من غير رضاه إذا كان فيه ‏وفاء، لأن حقه في الاستيفاء وقد حصل، وإن لم يكن فيه وفاء لم يبع إلا برضاه، لأن له في ‏الحبس منفعة، فلعل المعير يحتاج إلى الرهن فيخلصه بالإيفاء، أو تزداد قيمته بتغير السعر ‏فيستوفى حقه منه.‏
ب- وذهب الحنفية إلى أنه لو مات المعير مفلساً وعليه دين أمر الراهن بقضاء دين نفسه، ‏ويردّ الرهن ليصل كل ذي حق إلى حقه، وإن عجز لفقره فالرهن باق على حاله كما لو كان ‏المعير حياً، ولورثته أخذه إن قضوا دينه، لأنهم بمنزلة المورث، فإن طلب غرماء المعير وورثته ‏بيعه، فإن كان فيه وفاء بيع، وإلاّ فلا يباع إلا برضا المرتهن، كما مرّ في المعير.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:53 PM
المبحث الثالث:
في نماء الرهن




معنى نماء الرهن: هو ما يكون متولداً من الرهن الأصلي، كثمر الشجر، وولد الشاة ‏ولبنها وصوفها وأجرة الدار وما أشبه ذلك.‏
ذهب الشافعية إلى التفرقة بين الزيادة المتصلة كالسمن والزيادة المنفصلة كالولد واللبن ‏والثمرة وما أشبه ذلك، فذكروا أن الزيادة المتصلة تدخل في الرهن لعدم انفصالها وتمييزها عنه، ‏وأما الزيادة المنفصلة فلا تدخل في الرهن.‏
وذهب الحنفية إلى أن نماء الرهن داخل في الرهن سواء أكان متصلاً أم منفصلاً، غير ‏أن ما يكون بدلاً عن المنفعة، كالأجرة في الدار، لا تدخل في الرهن.‏
وذهب الحنابلة إلى أن نماء الرهن جميعه وغلاته تكون رهناً في يد من الرهن في يده ‏كالأصل.‏
وذهب مالك إلى التفريق في الزيادة المنفصلة فقال: ما كان من نماء الرهن المنفصل على ‏خلقته وصورته فإنه داخل في الرهن، كولد الجارية، وأما ما لم يكن على خلقته فإنه لا يدخل في ‏الرهن، كان متولداً عنه كثمر النخل، أو غير متولد ككراء الدار وخراج الغلام.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:55 PM
المبحث الرابع:
في الزيادة في الرهن أو الدين





أ- ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه إذا رهن شخص داراً في دين، ثم أراد الراهن وضع ‏دارٍ أخرى، لتكون مع الأول رهناً بهذا الدين جاز ذلك.‏
وعلى القول بزيادة الرهن تصبح الزيادة مرهونة قصداً. ويجري عليها جميع أحكام ‏الرهن.‏
ب- ذهب جمهور الفقهاء والشافعي في الجديد إلى عدم جواز الزيادة في الدين على ما ‏كان مرهوناً، وذلك كأن يرهن إنسان داراً على ألف دينار يقترضها، ثم يأتي ويريد أن يقترض ‏ألفاً أخرى على أن تكون الدار قرضاً بالألفين.‏
وذهب الشافعي في القديم إلى جواز الزيادة في الدين، كما أجازوا الزيادة في الرهن.

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:57 PM
المبحث الخامس:
في تعدد أطراف الرهن




وهو على ثلاثة أمور: تعدد الراهينن مع اتحاد الرهن - تعدد المرتهنين - تعدد العين ‏المرهونة.‏
‏ ‏
الأمر الأول: تعدد الراهنين:‏
مثال تعدد الراهنين كأن يرهن شخصان بدين عليهما رهناً واحداً كدار أو سجادة أو ‏بستان سواء أكان ثبوت الدين عليهما في صفقة واحدة، أم كان كل منهما على حدة.‏
اتفق الفقهاء على جواز ذلك، لأن هذا ليس فيه شيوع، فرهن الاثنين من الواحد يحصل ‏به القبض من غير إشاعة، فصار كرهن واحد، وصار المرتهن كالبائع، والراهنان كالمشتريين.‏
‏- أمَّا إذا وفى أحد الراهنين ما عليه من الدين فهل يصح له أن يفتك ما يقابله من الرهن؟
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إن دفع أحد الراهنين ما عليه من الدين انفك قسطه من ‏الرهن.‏
وذهب الحنفية إلى أنه يحق للمرتهن حبس الرهن وإمساكه حتى يستوفي الدين كله، فإذا ‏أدى أحدهما ما عليه من الدين لم يكن له أن يقبض شيئاً من الرهن. لأن فيه تفريق الصفقة على ‏المرتهن في الإمساك، ولأن قبض الرهن يحصل في الكل من غير شيوع.‏

الأمر الثاني: تعدد المرتهنين:‏
مثال تعدد المرتهنين أن يرهن شخص داره من رجلين بدين لكل واحد منهما عليه، ويقبل ‏الرجلان ذلك، سواء أكانا شريكين في الدين، أم لم يكونا شريكين فيه.‏
اتفق الفقهاء على جواز هذا الرهن.‏
‏- أما إذا وفى دين أحدهما فهل يحق له أن يفتك ما يقابله من الرهن؟
ذهب الشافعية إلى أنه يفتك ما يقابله من الرهن.‏
وذهب الحنفية إلى أنه يعدّ الرهن كله محبوساً بدين كل منهما، فإذا قضى الراهن دين ‏أحدهما. بقي كله رهناً في يد الآخر، لأن العين كلها رهن في يد كل منهما بلا تفريق وذلك مثل ‏حبس المبيع إذا أدى أحد المشتريين حصته من الثمن.‏
‏ ‏
الأمر الثالث: في تعدد العين المرهونة:‏
مثال تعدد العين المرهونة كأن يقول الراهن للمرتهن: - رهنتك هاتين الدارين، كل واحدة ‏منهما بألف دينار. ويسلمهما في مقابلة ألفي دينار عليه -.‏
اتفق الفقهاء على جواز هذا العقد.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 08:59 PM
كتاب الكفالة



الفصل الأول:تعريف الكفالة - مشروعيتها وأدلتها، حكمة تشريعها.‏
المبحث الأول:تعريف الكفالة.‏
المبحث الثاني:مشروعية الكفالة ودليلها.‏
المبحث الثالث:حكمة مشروعية الكفالة.‏

الفصل الثاني:أركان الكفالة.‏
المبحث الأول:الكفيل وشروطه.‏
المبحث الثاني:المكفول له.‏
المبحث الثالث:المكفول عنه.‏
المبحث الرابع:المكفول به.‏
المبحث الخامس:الصيغة.‏

الفصل الثالث:أحكام الكفالة بالنفس.‏
المبحث الأول: أ- معنى الكفالة بالنفس. ب- حكم الكفالة بالنفس. ج- صيغة الكفالة بالنفس.‏
المبحث الثالث:فيما يتعلق بالكفيل في البدن من أحكام.‏

الفصل الرابع:أحكام الكفالة بالمال.‏
المبحث الأول: أ- تعريف الكفالة بالمال. ب- حكم الكفالة بالمال. ج- صيغة الكفالة بالمال.‏
المبحث الثاني:شروط الكفالة بالمال.‏
المبحث الثالث:فيما يتحمل الكفيل في المال ومن يطالب المكفول له.‏
المبحث الرابع:مطالبة الضامن المضمون عنه بتخليصه.‏
المبحث الخامس: أ- براءة الكفيل. ب- براءة الأصيل.‏
المبحث السادس:فيما يرجع به الكفيل على الأصيل إذا أدّى عنه.‏
المبحث السابع:في المضمون عنه إذا دفع الدين إلى الكفيل فهل يملك استرجاعه؟
المبحث الثامن:في ضمان الدين الحاّل إلى أجل وضمان الدين المؤجل حالاً.‏
المبحث التاسع:في موت الكفيل أو المكفول عنه، والدين مؤجل.‏

الفصل الخامس: بعض أحكام تتعلق بالكفالة.‏
المبحث الأول:تعدد الكفلاء.‏
المبحث الثاني:في الدين يكون على رجلين وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه.‏
المبحث الثالث:كفالة اثنين بإحضار واحد، وفي كفالة لاثنين.‏
المبحث الرابع:ضمان الأعيان.‏

الفصل السادس:‏ انتهاء الكفالة.‏
المبحث الأول:انتهاء كفالة النفس.‏
المبحث الثاني:انتهاء كفالة المال.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:00 PM
الفصل الأول ‏
تعريف الكفالة - مشروعيتها وأدلتها - حكمة تشريعها‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:02 PM
المبحث الأول:
في تعريف الكفالة



الكفالة في اللغة: هي بمعنى الالتزام، تقول: تكلفت بالمال التزمت به وألزمت نفسي به. ‏أو هي بمعنى الضم، ومنه قوله تعالى: "وكفلها زكريا" أي ضمها إلى نفسه، وقوله عليه الصلاة ‏والسلام:"أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة" أي ضامّ اليتيم إلى نفسه.‏
ب-الكفالة في الشرع: عرّفها الشافعية بأنها: التزام حق ثابت في ذمة الغير أو إحضار ‏من عليه الدين أو عين مضمونة. وقد يطلق على العقد الذي يحصل به ذلك.‏
وعرفها الحنفية بأنها: ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:04 PM
المبحث الثاني:
مشروعيتها ودليلها




الكفالة مشروعة في الإسلام، ولقد استدل العلماء على مشروعيتها بالكتاب والسنة ‏والإجماع.‏
أ-أما الدليل من القرآن الكريم: فقوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام:"ولمن جاء به ‏حمل بعير وأنا به زعيم" قال ابن عباس: الزعيم الكفيل.‏
ب-وأما الدليل من السنة فأحاديث منها:‏
‏1ً-عن سلمة بن الأكوع قال:" كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتي بجنازة ‏فقالوا: صل عليها فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، فصلى عليه. ثم ‏أتي بجنازة أخرى، فقالوا: يا رسول الله صل عليها، قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم، قال: فهل ترك ‏شيئاً؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها، ثم أتي بالثالثة فقالوا: صل عليها، قال: هل ترك شيئاً؟ ‏قالوا: لا، قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: صلّ ‏عليه يا رسول الله وعليّ دينه، فصلى عليه" رواه البخاري.‏
والحكمة في ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على من عليه دين تحريض الناس ‏على قضاء الديون في حياتهم، والتوصل إلى البراءة لئلا تفوتهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.‏
‏2ً-وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" الزعيم غارم"، رواه أبو داود والترمذي قال ‏الترمذي: حديث الحسن.‏
‏3ً-وروي أنه صلى الله عليه وسلم:" تحمل عن رجل عشرة دنانير" رواه الحاكم.‏
ج-وأما الدليل من الإجماع: أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة، وإنما اختلفوا ‏في فروع.

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:05 PM
المبحث الثالث:
حكمة مشروعيتها




الحكمة من مشروعيتها حاجة الناس إليها، فإنه قد لا يطمئن البائع إلى المشتري فيحتاج ‏إلى من يكفله بالثمن، أو لا يطمئن المشتري إلى البائع، فيحتاج إلى من يكفله في المبيع. وهي عقد ‏وثيقة وغرامة، شرعت لدفع الحاجة، وهو وصول المكفول له إلى إحياء حقه، وأكثر ما يكون ‏أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها غرامة. ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:06 PM
الفصل الثاني
أركان الكفالة




ذهب الحنفية-على طريقتهم في العقد-إلى أن الكفالة ليس لها إلا ركن واحد وهو الصيغة، وهي ‏مؤلفة من الإيجاب والقبول، والإيجاب من الكفيل، والقبول من الطالب أي المكفول له.‏
ذهب الشافعية إلى أن الكفالة لها خمسة أركان: الكفيل- المكفول له- المكفول عنه- ‏المكفول به- الصيغة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:08 PM
المبحث الأول:
الكفيل وشروطه



الكفيل: هو الضامن الذي يلتزم بأداء الحق، ويشترط فيه: أن يكون أهلاً للتبرع، وذلك ‏بأن يكون بالغاً عاقلاً حراً رشيداً.‏
فلا تصح الكفالة من مجنون لأنه ليس أهلاً له، كما إنه لا تصح من صبي، لأن الكفالة ‏تصرف مالي فلا يصح من هؤلاء.‏
وقالت الحنفية إن الكفالة عقد تبرع، فلا تنعقد ممن ليس من أهل التبرع، لكن قالوا: إن ‏الأب والوصي لو استدان ديناً في نفقة اليتيم، وأمر اليتيم أن يضمن المال عنه جاز، ولو أمره أن ‏يكفل عنه النفس لم يجز، لأن ضمان الدين قد لزمه من غير شرط، فالشرط لا يزيده إلا تأكداً، فلم ‏يكن متبرعاً، فأما ضمان النفس- وهو تسليم نفس الأب أو الوصي- فلم يكن عليه، فكان متبرعاً ‏فيه فلم يجز.‏
‏- لا يصح للمريض مرضاً مخوفاً أن يكفل بأكثر من ثلث ماله، لأنه لا يملك التبرع بأكثر ‏منه.‏
‏-ولا يصح من المحجور عليه بسفه أن يكفل عند الشافعية لأنه ليس من أهل التصرف.‏
وأما إن كان محجوراً عليه بفلس فإنه يصح أن يكفل مالاً في ذمته، كما يصح له أن ‏يشتري في ذمته، فإذا ضمن يطالب بما ضمنه إذا انفك عنه الحجر وأيسر.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:09 PM
المبحث الثاني:
المكفول له




المكفول له: هو مستحق الدين
ذهب الشافعية والحنفية إلى اشتراط أن يكون المكفول له معروفاً- وهذا في الأصح ‏عندهم- وذلك لأن الناس يتفاوتون في استيفاء الدين تشديداً وتسهيلاً.‏
واشترط الحنفية أن يكون حاضراً مجلس العقد، إذا لم يقبل عنه حاضر.‏
وذهب الشافعية إلى عدم حضوره، فضلاً عن أنهم لم يشترطوا قبوله ورضاه في الأصح ‏عندهم.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:10 PM
المبحث الثالث:
المكفول عنه




المكفول عنه: هو المدين، ويعبر عنه تارة بالأصيل.‏
ذهب أبو حنيفة إلى أن المكفول عنه يشترط فيه شرطان:‏
أحدهما: أن يكون قادراً على تسليم المكفول به إما بنفسه أو بوكيله. وهذا عند أبي حنيفة، ‏وعلى هذا فلا تصح الكفالة بالدين عن ميت مفلس.‏
وجه قول أبي حنيفة أن وفاء الدين عبارة عن الفعل، والميت عاجز عن الفعل، فكانت ‏هذه كفالة بدين ساقط، فلا تصح، كما إذا كفل على إنسان بدين ولا دين عليه، وإذا مات فهو قادر ‏بنائبه، وكذا إذا مات عن كفيل، لأنه قائم مقامه في قضاء دينه. وذهب صاحباه أبو يوسف ومحمد ‏إلى أنها تصح.‏
ثانيهما: أن يكون معلوماً بأن يكفل ما على فلان، فأما إذا قال: ما على أحد من الناس، ‏فإنه لا يجوز لأن المضمون عليه مجهول، ولأن الكفالة جوازها بالعرف، والكفالة على هذا الوجه ‏غير معروفة.‏
وذهب الشافعية إلى عدم اشتراط رضا المضمون عنه في المال قطعاً، لأن قضاء دين ‏الغير بغير إذنه جائز فالتزامه أولى، وكما يصح الضمان عن الميت اتفاقاً وإن لم يخلف وفاء. ‏وأيضاً لا يشترط معرفته في الأصح، قياساً على رضاه، إذ ليس ثَمَّ معاملة.‏
وعند الشافعية قول ثانٍ: أنه يشترط معرفته، ليعرف هل هو موسر أو ممن يبادر إلى ‏قضاء دينه، أو يستحق اصطناع المعروف أو لا، وردّ على هذا القول بأن اصطناع المعروف ‏لأهله ولغير أهله معروف.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:11 PM
المبحث الرابع:
المكفول به




المكفول: هو ما وقع عليه الضمان من دين أو عين.‏
‏ اشترط الشافعية فيه شروطاً:‏
الشرط الأول: أن يكون حقاً ثابتاً حال العقد، فلا يصح ضمان ما لم يجب، سواء أجرى ‏سبب وجوبه كنفقة ما بعد اليوم للزوجة وخادمها، أم لم يجر كضمان ما سيقرضه لفلان، لأن ‏الضمان وثيقة بالحق، فلا يسبقه كالشهادة. ويكفي في ثبوت الحق اعتراف الضامن لا ثبوته على ‏المضمون عنه، فلو قال شخص: لزيد على عمرو مائة دينار، وأنا ضامنه فأنكر عمرو فلزيد ‏مطالبة القائل في الأصح.‏
فائدة:‏ واستثني من لزوم الحق على مذهب الشافعي ضمان الدرك بعد قبض الثمن- وهو أن ‏يضمن للمشتري الثمن إذا خرج المبيع مستحقاً- واشترط أن يكون بعد قبض الثمن لأنه إنما ‏يضمن ما دخل في يد البائع، ولا يدخل الثمن في ضمانه إلا بقبضه. وإنما أجازوه وإن لم يكن له ‏حق ثابت، لأن الحاجة قد تدعو إلى معاملة الغريب، ويخاف أن يخرج ما يبيعه مستحقاً ولا يظفر ‏به، فاحتيج إلى التوثق به، ويسمى ضمان الدرك أيضاً ضمان العهدة، لالتزام الضامن ما في ‏عهدة البائع ردّه، والعهدة في الحقيقة عبارة عن الصك المكتوب فيه الثمن، ولكن الفقهاء ‏يستعملونه في الثمن لأنه مكتوب في العهدة مجازاً تسمية للحال باسم المحل.‏
وذهب الحنابلة إلى جواز الكفالة فيما سيجب، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: "ولمن ‏جاء به حمل بعير وأنا به زعيم" قالوا: وقد سلموا ضمان ما يلقيه في البحر قبل وجوبه بقوله: ألق ‏متاعك في البحر وعليّ ضمانه.‏
الشرط الثاني: أن يكون الدين لازماً: أي مأمون السقوط بالفسخ أو الانفساخ، ولو كان ‏اللزوم مآلاً، وذلك كمهر قبل دخول أو موت، وثمن مبيع قبل قبض ودين سلم. وعلى هذا يصح ‏ضمان الثمن للبائع في زمن الخيار، إذا كان الخيار للمشتري وحده، لأنه حينئذ يملك البائع الثمن، ‏فيصح ضمانه بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع أولهما، فإنه لا يصح لأنه ليس مالكاً للثمن حتى ‏يضمن له.‏
الشرط الثالث: أن يكون معلوماً، جنساً وقدراً وصفة وعيناً، وهذا في المذهب الجديد ‏للشافعي، لأنه إثبات مال في الذمة لآدمي بعقد فأشبه البيع والإجارة، فلا يصح ضمان المجهول، ‏ولا غير المعين، كضمنت أحد الدينين.‏
وفي القديم لا يشترط ذلك، لأن معرفته متيسرة-.‏
وذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز ضمان المجهول لقول الله جلّ شأنه: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ ‏حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72]. أجاز الله تعالى عزّ شأنه الكفالة بحمل البعير مع أن ‏الحمل يحتمل الزيادة والنقصان والله عزّ وجلّ أعلم.‏
الشرط الرابع: أن يكون الحق قابلاً للتبرع به، أي ينقل لغير من هو له بغير عوض، فلا ‏تصح الكفالة بالقود وحدّ القذف وحق الشفعة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:12 PM
المبحث الخامس:
الصيغة




أ- اللفظ الدال على الالتزام:‏
اشتراط الشافعية في الضمان والكفالة أن يكون هناك لفظ دال على الالتزام:‏
سواء أكان صريحاً أم كناية، كقوله: ضمنت دينك على فلان، أو تحملته أو تقلدته أو ‏تكفلت به أو تكفلت ببدن فلان، أو أنا بالمال أو بإحضار فلان ضامن أو كفيل أو زعيم أو حميل. ‏ومن ألفاظ الكفالة: خلّ عن فلان والدين الذي عليه عندي، أو دين فلان إليّ وما أشبه ذلك.‏
وأما إن كان هناك لفظ ليس فيه التزام فلا تصح، فلو قال أؤدي المال أو أحضر الشخص ‏فهو وعد بالالتزام، لا يلزم الوفاء به، لأن الصيغة لا تشعر بالالتزام. إلا إن صحب ذلك قرينة ‏دالة على الالتزام.‏
واشترط الحنفية قبول كل لفظ يدل على القبول والرضا، كأن يقول صاحب الحق: ‏رضيت أو قبلت أو هويت وما أشبه ذلك.‏
هذا ويقوم مقام اللفظ ما يدل عليه من الكتابة ومن إشارة الأخرس المفهمة.‏
ب- التعليق والتنجيز في الصيغة:‏
ذهب الشافعية في الأصح عندهم إلى أنه لا يجوز تعليق الصيغة بشرط، كأن يقول في ‏التعليق على شرط سواء أكان ذلك في ضمان المال أو كفالة البدن، إن قدم فلان فقد ضمنت ما ‏على فلان أو تكفلت ببدنه، لأن ذلك عقد فلا يقبل التعليق كالبيع.‏
والقول الثاني عندهم أنه يجوز التعليق فيه، لأنه لا يشترط القبول فيه فأشبه الطلاق.‏
وهناك قول ثالث عندهم وهو أنه يمتنع تعليق الضمان بالمال دون الكفالة في البدن، لأن ‏الكفالة بالبدن مبنية على الحاجة.‏
وأما التوقيت في الكفالة فإن كانت بالمال فلا يصح لأن المقصود منها الأداء، وأما الكفالة ‏بالبدن فالأصح عند الشافعية أنه لا يجوز توقيتها كأن يقول: أنا كفيل بزيد إلى شهر وبعده أنا ‏بريء.‏
والقول الثاني عندهم أنه يجوز توقيتها، لأنه قد يكون له غرض في تسليمه في هذه المدة.‏
وذهب الحنفية إلى جواز التعليق بشرط في الكفالة سواء أكانت بالمال أو بالنفس إذا كان ‏الشرط ملائماً، -والشرط الملائم: هو أن يكون سبباً للوجوب- مثال ذلك: إن استحق المبيع فعليّ ‏الثمن، أو أن يكون ممكناً من الاستيفاء، كإن قدم زيد وهو مكفول عنه فعلي ما عليه من الدين، أو ‏أن يكون سبباً لتعذر الاستيفاء منه، كإن غاب زيد فعليّ ما عليه من الدين.‏
ودليلهم في التعليق بالشرط قوله تعالى: "ولمن جاء به حمل بعير وأنابه زعيم" فإنه علق ‏الكفالة بالشرط، وذلك الشرط سبب لوجوب الحمل، وشريعة من قبلنا عندهم شرع لنا ما لم تنسخ.‏
ولا يصح التعليق عندهم بنزول المطر أو هبوب الريح، ولا يصح هذا التعليق لأنه شرط ‏غير ملائم.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:14 PM
الفصل الثالث
أحكام الكفالة بالنفس



الكفالة إما أن تكون بمال أو ببدن ونفس، وتسمى كفالة الوجه، ولكل منهما أحكام تتعلق ‏بها. وإليك بيان ذلك. مبتدأ بكفالة البدن والنفس.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:15 PM
المبحث الأول:
معناها وحكمها وصيغتها



أ- معنى الكفالة بالبدن هي: أن يلتزم الكفيل إحضار المكفول إلى المكفول له.‏
ب- وأما حكمها: ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى صحتها، للحاجة إليها، لقوله تعالى: ‏‏{ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ لَتَأْتُنَّني بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66].‏
ولقوله عليه الصلاة والسلام: "الزعيم غارم" فلم يفصل الحديث بين الكفالة بالنفس أو ‏بالمال، فيقتضي ذلك شرعيتها.‏
‏- والحاجة داعية إليها، ضرورة إحياء حقوق العباد، وقد أمكن العمل بموجبها بأن يعلمه ‏مكانه فيخلي بينه وبينه، إذا التخلية تسليم، أو يوافقه إذا دعاه، أو يكرهه بالحضور إلى مجلس ‏الحاكم، والتزامه لذلك ورضا خصمه به دليل على قدرته فتصح، وإن لم يقدر عليه استعان ‏بأعوان القاضي، فكانت مفيدة.‏
‏- والصحابة رضي الله عنهم أجازوا الكفالة بالنفس، وضمنت أم كلثوم ابنة علي وزوجة ‏عمر بنفس عليّ حين جرى بينه وبين عمر رضي الله عنهم خصومة.‏
ج- وأما صيغة الكفالة: فالأصل فيها أن يقول تكفلت بنفسه أو بدنه، فلو قال: تكلفت ‏بجسمه وروحه صح ذلك أيضاً، ويقوم مقام ذلك الكفالة بجزء شائع منه. وكذلك كل جزء لا يبقى ‏الشخص بدونه كالكبد والقلب والرأس والدماغ، وأما ما يبقى الشخص بدونه كاليد والرجل فلا ‏يكفي. هذا هو مذهب الشافعي في ذلك، وكذلك هو مذهب الحنابلة، إلا أنهم ذكروا في الجزء الذي ‏يبقى الشخص بدونه وجهين:‏
أحدهما: تصح الكفالة، وهو قول أبي الخطاب، لأنه لا يمكنه إحضار هذه الأعضاء على ‏صفتها إلا بإحضار البدن كله فأشبه الكفالة(1) بوجهه ورأسه، ولأنه حكم يتعلق بالجملة فيثبت ‏حكمه إذا أضيف إلى البعض كالطلاق والعتاق.‏
‏________________‏
‏(1) ذكر بعض ما يتجزأ كذكر كله.‏
والثاني: لا يصح لأنه يمكن إحضاره بدون الجملة مع بقائها.‏
واشترط الحنفية إلى أن يكون الجزء عند إطلاق الجزء شائعاً كالشافعية، ولكنهم ‏اشترطوا فيما عدا ذلك من الأجزاء أن يكون مما يعبر به من أعضائه عن جميع البدن. كالرأس ‏والوجه والرقبة والعنق والجسد والبدن.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:16 PM
المبحث الثاني:
كفالة بدن من عليه مال وكفالة بدن من عليه عقوبة



آ- في كفالة بدن من عليه مال: إذا تكفل بإحضار من عليه مال، فلا يشترط العلم بمقدار ‏المال، لأنها تكفل بالبدن لا بالمال. بل يشترط أن يكون مما يصح(1) ضمانه.‏
ب- في كفالة بدن من عليه عقوبة.‏
العقوبة إما أن تكون حقاً لآدمي كقصاص وحد قذف وتعزير، وإما أن تكون حقاً لله ‏تعالى، كحد الخمر وحد الزنا وحدّ السرقة.‏
فإن كانت العقوبة حقاً لآدمي فالمذهب عند الشافعية صحتها، لأنه حق لازم فأشبه المال.‏
وفي قول عندهم أنها لا تصح، لأن العقوبة مبنية على الدفع فتقطع الذرائع المؤدية إلى ‏توسيعها.‏
والمذهب عندهم أيضاً أنها تمنع في حدود الله تعالى، لأنها يسعى في دفعها ما أمكن.‏
وذهب الحنفية إلى جواز الكفالة بالبدن، في القصاص وفي حد السرقة والقذف إذا بذلها ‏وتبرع بها المدعى عليه، فإن لم يبذلها لا يجبر عليها عند أبي حنيفة، وقال الصاحبان يجبر، قال ‏في البدائع: "ويجوز الكفالة بنفس من عليه القصاص في النفس وما دونها، وبحد القذف والسرقة ‏إذا بذلها المطلوب فأعطاه بها كفيلاً بلا خلاف بين أصحابنا وهو الصحيح، لأنها كفالة بمضمون ‏على الأصيل مقدور الاستيفاء من الكفيل فتصح، كالكفالة بتسليم نفس من عليه الدين.‏
وذهبت الحنابلة إلى عدم صحة الكفالة ببدن من عليه حدّ، سواء أكان حقاً لله تعالى كحد ‏الزنا والسرقة، أم كان لآدمي كحد القذف والقصاص.‏
واحتجوا على ذلك بأمور منها:‏
‏1- ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ‏‏"لا كفالة في حد".‏
‏2- أن الكفالة استيثاق والحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات، فلا يدخل فيها ‏الاستيثاق.‏
‏3- أنه حق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به، فلم تصح
‏ _______________________‏
‏(1) وهو الدين الثابت أو ما يؤول إلى اللزوم.‏
الكفالة بمن هو عليه كحد الزنا.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:18 PM
المبحث الثالث:
فيما يتعلق بالكفيل في البدن من أحكام




إذا صحت الكفالة بالبدن تعلق بالكفيل الأحكام التالية:‏
أولاً: إذا شرط الكفيل تسليم المكفول في وقت معين، لزمه إحضاره فيه إذا طالب الطالب ‏بإحضاره في ذلك الوقت، وفاء بما التزمه، كالدين المؤجل إذا حلّ، فإن أحضره فذاك، لأنه وفى ‏ما عليه، وإن لم يحضره حبسه الحاكم لامتناعه عن إيفاء حق مستحق، ولكن لا يحبسه أول مرة ‏لعله لم يدر لماذا دعي.‏
ثانياً: لو غاب المكفول بنفسه أمهله الحاكم مدة ذهابه وإيابه، فإن مضت ولم يحضره، ‏يحبسه لتحقق امتناعه عن إيفاء الحق.‏
ثالثاً: ذهب الشافعية إلى أنه إذا عين الكفيل مكاناً لتسليم المكفول تعين تبعاً لشرطه، وإن ‏لم يعين مكاناً فمكان الكفالة مكان التسليم كما في السلم فيهما، فإن لم يكن موضع الكفالة صالحاً ‏للتسليم حمل على أقرب مكان صالح للتسليم.‏
وذهب الحنابلة إلى أنه إذا عين في الكفالة تسليمه في مكان فأحضره في غيره لم يبرأ من ‏الكفالة، لأنه سلم ما شرط تسليمه في مكان في غيره فلم يبرأ، كما لو أحضر المسلم في غير هذا ‏الموضع الذي شرطه، ولأنه قد سلم في موضع لا يقدر على إثبات الحجة فيه لغيبة شهوده أو غير ‏ذلك، وقد يهرب منه ولا يقدر على إمساكه.‏
وإن وقعت الكفالة مطلقة فهم كالشافعية في ذلك.‏
وذهب الحنفية إلى أن المطلوب هو تسليم المكفول إلى الطالب، وهو التخلية بينه وبين ‏المكفول بنفسه في موضع يقدر على إحضاره مجلس القضاء، لأن التسليم في مثل هذا الموضع ‏محصل للمقصود من العقد، وهو إمكان استيفاء الحق بالمرافقة إلى القاضي، فإذا حصل ينتهي ‏حكمه، فيخرج عن الكفالة، ولو سلمه في صحراء أو برّية لا يخرج، لأنه لم يحصل المقصود، ‏ولو سلم في السوق أو في المصر يخرج، سواء أطلق الكفالة أو قيدها بالتسليم في مجلس ‏القاضي، أما إذا أطلق فظاهر، لأنه يتقيد بمكان يقدر على إحضاره مجلس القاضي بدلالة ‏الغرض، وكذا إذا قيد، لأن التسليم في هذه الأمكنة تسليم في مجلس القاضي بواسطة.‏
رابعاً: يبرأ الكفيل إذا سلم المكفول إلى المكفول له في المكان المعين -على الاختلاف في ‏هذا المكان- شريطة أن لا يكون هناك حائل يمنع المكفول له من الوصول إلى حقه، كأن يكون ‏هناك متغلب يمنع المكفول له عنه، فإن أحضره مع وجود الحائل لم يبرأ الكفيل، لعدم الانتفاع ‏بتسليمه.‏
وكذلك يبرأ الكفيل إذا حضر المكفول به وقال: سلمت نفسي عن جهة الكفيل، كما يبرأ ‏الضامن للمال بأداء الأصيل الدين.‏
ولو سلم المكفول به نفسه عن الكفيل فأبى أن يقبله قال الماوردي: إن أشهد المكفول أنه ‏قد سلم نفسه عن كفالة فلان برئ الكفيل منها. قال الخطيب: وقياس ما تقدم أنه يتعين الرفع إلى ‏الحاكم ثم الإشهاد. هذا ولا يكفي مجرد حضور المكفول من غير أن يقول: سلمت نفسي عن فلان ‏لأنه لم يسلمه إليه ولا أحد من جهته.‏
خامساً: يبرأ الكفيل بموت المكفول بنفسه، لأن الكفالة بمضمون على الأصيل، وقد سقط ‏الضمان عنه فيسقط عن الكفيل.‏
سادساً: إذا قال الكفيل للمكفول له: كفلت نفس فلان، فإن لم أحضره في وقت كذا فعلي ‏الألف التي عليه. ثم لم يحضره.‏
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه عليه الألف، وتبقى الكفالة كما هي، لأنه لا منافاة بين ‏الكفالتين ولاحتمال أن يكون عليه حق آخر غير الألف.‏
حتى ولو قال المكفول له: لا حق لي قبل المكفول به، فعلى الكفيل تسليمه، لاحتمال أنه ‏وصي أو وكيل.‏
وذهب الشافعية في هذه المسألة إلى بطلان الكفالة، لأنه قد اشترط شرطاً ينافي مقتضاها، ‏وذلك بناء على أنه لا يغرم عند الإطلاق.‏
سابعاً: إذا أبرأ الطالب الكفيل من الكفالة بالنفس خرج عن الكفالة، لأن حكم الكفالة ‏بالنفس حق المطالبة بتسليم النفس، وقد أسقط المطالبة عنه بالإبراء، فينتهي الحق ضرورة، ولا ‏يكون هذا الإبراء للأصيل، لأنه أسقط المطالبة عنه دون الأصيل، ولو أبرأ الأصيل برئاً جميعاً، ‏لأن الكفالة بمضمون على الأصيل، وقد سقط الضمان عنه فيسقط عن الكفيل.‏
ثامناً: في الكفالة بالنفس هل يشترط رضا المكفول؟
ذهب الشافعية في الأصح إلى أن الكفالة بالنفس لا تصح إلا برضا المكفول الذي يعتبر ‏إذنه، أو الولي حيث لا يعتبر، بناء على أن الكفيل لا يغرم المال عند العجز، فلا فائدة لها إلا ‏حضور المكفول، وهو لا يلزمه الحضور مع الكفيل إذا لم يكن راضياً بكفالته إياه.‏
وذهب الحنفية إلى أنه لا يشترط رضا المكفول، فتجوز الكفالة بأمر المكفول عنه وبغير ‏أمره، لأنه التزام المطالبة، وهو تصرف في حق نفسه، وفيه نفع للطالب ولا ضرر فيه على ‏المطلوب بثبوت الرجوع إليه، إذ هو عند أمره وقد رضي به لقوله عليه الصلاة والسلام الزعيم ‏غارم.‏
وذهب الحنابلة في ذلك إلى وجهين: أحدهما كالشافعية والثاني كالحنفية.‏
وأما رضا المكفول له: ذهب الشافعية في الأصح والحنابلة صح والحنابلة إلى أنه لا ‏يشترط، كما لا يشترط رضا المضمون له، لأنها وثيقة له لا قبض فيها فصحت من غير رضاه ‏فيها كالشهادة. ولأنها التزام حق له من غير عوض، فلم يعتبر رضاه فيها كالنذر.‏
‏- وذهب الحنفية إلى أنه لا تصح الكفالة إلا برضا المكفول له في المجلس عند أبي حنيفة ‏وفي قول للحنفية: يجوز إذا بلغه فأجاز، ولم يشترط في رواية عنه الإجازة، بل الكفالة على هذا ‏نافذة وإن كان المكفول له غائباً.‏
هذا وقد استثنى جمهور الحنفية من اشتراط رضا المكفول له مسألة واحدة، وهي أن ‏يقول المريض المليء(1) لوارثه: تكفل عني بما عليّ من الدين فيتكفل به مع غيبة الغرماء، فإنها ‏تصح، لأنها في الحقيقة وصية، ولهذا تصح وإن لم يسم المكفول لهم.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:19 PM
الفصل الرابع
‏ أحكام الكفالة بالمال‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:20 PM
المبحث الأول:
تعريف الكفالة بالمال وحكمها وصيغتها


أ- تعريف الكفالة بالمال: هو أن يضمن الإنسان عن آخر ديناً في ذمته.‏
ب- حكم الكفالة بالمال: فهي جائزة، وقد ثبت حكمها بالسنة، وقد أجمع عليها أصحاب ‏الصدر الأول وفقهاء الأمصار.‏
ج- صيغة الكفالة بالمال: فهي أن يقول تكفلت عن فلان بألف، أو تكفلت بما يدركك في ‏هذا البيع، أو أي لفظ يدل على الالتزام.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:21 PM
المبحث الثاني:
في شروط الكفالة بالمال


انظر شروط الكفالة.

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:23 PM
المبحث الثالث:
فيما يتحمل الكفيل في المال ومن يطالب المكفول له




‏1- ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وكثير من أهل العلم إلى أنه إذا ضمن شخص دين ‏آخر وجب هذا الدين في ذمة الضامن ولا يبرأ المضمون عنه بالضمان.‏
‏2- إذا قال الكفيل: تكفلت بما لك عليه، فما الذي يضمنه في ذلك؟
ذكر الحنفية أنه إذا قال ذلك فلا يخلو الأمر من حالتين:‏
إحداهما: أن يكون هناك بينة على مقدار معين كألف مثلاً، فهنا يقع عليه الضمان بهذا ‏المقدار، لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينة، فيتحقق بها ما عليه.‏
الثانية: أن لا تقام بينة على مقدار الدين، فالقول عند ذلك قول الكفيل مع يمينه في مقدار ‏ما يعترف به، لأنه منكر للزيادة.‏
وفي هذه الحال لو اعترف المكفول عنه بأكثر من ذلك لم يصدق على كفيله، لأنه إقرار ‏على الغير ولا ولاية له عليه.‏
إلا أنه يصدق في حق نفسه لولايته عليها.‏
‏3- إذا قضى الكفيل الدين هل يرجع به على المكفول؟
لاشك أنه إذا قبض المكفول له حقه من المضمون عنه برئ الضامن من الضمان، لأنه ‏وثيقة بحق، فانحلت بقبض الحق كالرهن.‏
وإذا قبض المكفول له حقه من الكفيل برئ المضمون عنه من الحق الذي عليه للمكفول ‏له، لأنه استوفى حقه من الوثيقة فبرئ من عليه الدين، كما لو قضى الدين من ثمن الرهن.‏
بقي السؤال أنه إذا قضى الكفيل الدين فهل يرجع به على المكفول؟
للجواب عن هذا نقول: إنه لا يخلو الأمر من حالتين:‏
الحالة الأولى أن يكون الضمان بإذن المكفول، والثانية أن يكون بغير إذنه.‏
آ- فإن كان الضمان والكفالة بإذن المضمون عنه ففي هذه الحالة وجهان:‏
الوجه الأول: ذهب أبو حنيفة إذا كان القضاء بإذن من المكفول، ففي هذا يرجع الكفيل ‏على المكفول، لأنه أذن له بالضمان والقضاء. واشترط أبو حنيفة في هذا أن يقول: اضمن عني ‏أو أنفذ عني، وأما لو قال: اضمن هذا الدين، أو أنفذ هذا الدين ولم يقل عني لم يرجع عليه، إلا أن ‏يكون بينهما خلطة مثل أن يودع أحدهما الآخر، أو يستقرض أحدهما من الآخر. أو يكون ذا ‏قرابة أو مصاهرة. وقال بعض الحنفية يرجع، لأنه وجد القضاء بناء على الأمر، فلا بدّ من ‏اعتبار الأمر فيه.‏
الوجه الثاني: ذهب المالكية والشافعية في الأصح والحنابلة إلى إنه إذا كان يضمن عنه ‏بأمره، ويقضي عنه بغير أمره، إلى أنه يرجع عليه، لأنه أذن في سبب الأداء.‏
ب- وأما إذا كان الضمان بغير إذن من المضمون عنه فلا يخلو الأمر أيضاً من وجهين:‏
أحدهما: ذهب أبو حنيفة والشافعية إلى أنه إذا كان القضاء بغير إذن من المضمون عنه. ‏فلا يرجع الضامن، لأنه متبرع بأدائه والمتبرع لا يرجع.‏
وذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه أنه يرجع بما أدى.‏
ووجه هذا القول أنه قضاء مبرئ من دين واجب، فكان من ضمان من هو عليه، كالحاكم ‏إذا قضاه عنه عند امتناعه.‏
الثاني: أن يكون الضمان بغير إذنه والقضاء بإذنه.‏
ذهب الشافعية في الأصح عندهم أنه إذا ضمن بغير إذن وقضى بإذن، لا يرجع على ‏المضمون عنه، لأن وجوب الأداء بسبب الضمان ولم يأذن فيه.

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:24 PM
المبحث الخامس:
براءة الكفيل وبراءة الأصيل




آ- براءة الكفيل: إذا أبرأ صاحب الحق الكفيل من الدين فهل يبرأ الأصيل؟
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن براءة الكفيل لا تقتضي براءة الأصيل، لأن ‏إبراء الكفيل إسقاط وثيقة من غير قبض، فلم يبرأ به من عليه الدين كفسخ الرهن.‏
ب- براءة الأصيل: وأما إذا أبرئ الأصيل فقد برئت ذمة الضامن، لأنه تبع، ولأنه وثيقة، ‏فإذا برئ الأصل زالت الوثيقة كالرهن، دون خلاف.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:26 PM
المبحث السادس:
فيما يرجع به الكفيل على الأصيل إذا أدى عنه




ذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا أدى الكفيل عن الأصيل ما ضمنه عنه، وكان قد ضمن بأمره، ‏رجع عليه بما أدى عنه، وأما إذا أدى خلافه بأن كان الدين المكفول به جيداً فأدى رديئاً أو ‏بالعكس يرجع بالمال المكفول به لا بما أدى، لأنه ملك الدين بالوفاء، فنزل منزلة الطالب، كما إذا ‏ملكه بالهبة أو بالإرث، بأن مات الطالب والكفيل وارثه، أو وهبه له حال حياته.‏
‏- وذهب الشافعية في الأصح عندهم إلى أنه لا يرجع إلا بما عزم لأنه الذي بذله.‏
قال الخطيب الشربيني أو صالح عن مائة بثوب قيمته خمسون فالأصح أنه لا يرجع إلا ‏بما عزم، لأنه الذي بذله، والثاني يرجع بالصحاح والمائة لحصول براءة الذمة، والنقصان جرى ‏من رب المال مسامحة للضامن".‏
‏- وذهب الحنابلة إلى أنه يرجع على المضمون عنه بأقل الأمرين مما قضى أو قدر ‏الدين.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:27 PM
المبحث السابع:
في المضمون عنه إذا دفع الدين إلى الكفيل فهل يملك استرجاعه؟




ذهب الحنفية إلى أنه من كفل عن رجل بألف عليه بأمره، فقضى المكفول عنه الألف إلى ‏الكفيل قبل أن يدفعها الكفيل إلى صاحب الحق، فليس له أن يرجع فيها، لأنه تعلق بها حق القابض ‏على احتمال قضائه الدين، فلا تجوز المطالبة ما بقي هذا الاحتمال، وذلك كمن عجل زكاته ‏ودفعها إلى الساعي، لأن الدفع كان لغرض، وهو أن يصير زكاة بعد الحول.‏
وكمن اشترى شيئاً بشرط الخيار ونقد الثمن قبل مضي مدة الخيار، ثم أراد أن يسترد قبل ‏نقض البيع، فليس له ذلك، لأن الدفع كان لغرض وهو أن يصير ثمناً عند مضي زمن الخيار، فما ‏دام هذا الاحتمال قائماً لا يستردّ، ولأنه ملكه بالقبض لأن المطلوب دفعه إليه على وجه القضاء، ‏وأخذه الكفيل على وجه الاقتضاء، وذلك بأن قال له وقت الدفع: إني لا آمن أن يأخذ الطالب حقه ‏منك فأنا أقضيك المال قبل أن تؤديه، هذا بخلاف ما إذا كان الدفع على وجه الرسالة، بأن قال ‏الأصيل للكفيل: خذ هذا المال وادفعه إلى الطالب، حيث لا يصير المؤدى ملكاً للكفيل، بل هو ‏أمانة في يده ولكن لا يكون للأصيل أن يسترده من يد الكفيل، لأنه تعلق بالمؤدى حق الطالب، ‏وهو بالاسترداد يريد إبطاله، فلا يمكن منه ما لم يقض دينه كالمسألة الأولى.‏
ولأنه بالكفالة وجب للكفيل على المطلوب حق، كما وجب على الكفيل للطالب، ولهذا لو ‏أخذ الكفيل من الأصيل رهناً به جاز، وكذا لو أبرأ الكفيل الأصيل من هذا الدين أو وهبه له قبل ‏أن يدفع إلى الطالب جاز، حتى لو أدى بعد ذلك لا يرجع عليه، فيثبت بهذا أن للكفيل ديناً على ‏الأصيل، إلا أنه ليس له أن يرجع عليه حتى يؤدي عنه، فصار نظير الدين المؤجل، فإنه ‏بالاستعجال يملك فكذا هذا، ثم بالاسترداد يكون نقضاً لما تم من جهته فلا يمكن.‏
وذهب الشافعية في ذلك إلى قولين: أحدهما: أنه يملكه، لأن الرجوع عندهم يتعلق لسببين ‏الضمان والغرم، وقد وجد أحدهما، فجاز تقديمه على الآخر، كإخراج الزكاة بعد النصاب وقبل ‏الحول، وإخراج الكفارة قبل الحنث.‏
والثاني: لا يملك ما قبض، لأنه أخذه بدلاً عما يجب في الثاني فلا يملكه، كما لو دفع شيئاً ‏عن بيع لم يعقد، فعلى هذا يجب ردّه، وإن تلف ضمنه، لأنه قبضه على وجه البدل، فيضمنه ‏كالمقبوض على سوم الشراء.‏
فائدة:‏ رتب الحنفية على قولهم بالتملك أنه إذا تاجر الكفيل بالمال وربح قبل أن يعطيه إلى ‏الطالب، طاب له الربح، لأنه ملكه بالقبض، فكان الربح بدل ملكه، ولا يتصدق به سواء قضى ‏الدين هو أو الأصيل، لأنه بالكفالة وجب له على الأصيل دين، إلا أنه تؤخر مطالبته حتى يدفع، ‏فنزل منزلة الدين المؤجل فيملكه بالقبض.‏
إلا أن في هذا الربح نوع خبث إذا قضى الأصيل الدين عند أبي حنيفة وندب ردّه على ‏المضمون عنه لو كان المقبوض مما يتعين، كالحنطة والشعير، وروي عنه أنه يتصدق به.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:28 PM
المبحث الثامن:
في ضمان الدين الحالّ إلى أجل وضمان الدين المؤجل حاّلاً



ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا كان لرجل على غيره دين حاّل فضمنه عنه ضامن ‏إلى أجل معلوم صح الضمان، وكان الدين معجلاً على المضمون عنه، ومؤجلاً على الضامن، ‏لأن الضمان رفق ومعروف فكان على حسب الشرط.‏
وكذلك الحكم إذا كان الدين مؤجلاً إلى شهر فضمنه الضامن مؤجلاً إلى شهرين.‏
ودليلهم: ما روى ابن عباس أن رجلاً لزم غريماً له بعشرة دنانير، على عهد رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندي شيء أعطيكه، فقال: والله لا أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني ‏بحميل، فجره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كم تستنظره؟ قال: ‏شهراً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنا أحمل، فجاء في الوقت الذي قال النبي صلى الله ‏عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أين أصبت هذا؟ قال: من معدن قال: لا خير ‏فيها، وقضاها عنه. رواه ابن ماجه في سننه.‏
ولأنه ضمن مالاً بعقد مؤجلاً فكان مؤجلاً كالبيع.‏
هذا وقد ذكر ابن قدامة اعتراضاً على هذا القول ثم أجاب عنه، قال رحمه الله "فإن قيل ‏فعندكم الدين الحاّل لا يتأجل، فكيف يتأجل على الضامن، أم كيف يثبت في ذمة الضامن على غير ‏الوصف الذي يتصف به في ذمة المضمون عنه؟
قلنا: الحق يتأجل في ابتداء ثبوته إذا كان بعقد، وهذا ابتداء ثبوته في حق الضامن، فإنه لم ‏يكن ثابتاً عليه حاّلاً، ويجوز أن يخالف ما في ذمة الضامن ما في ذمة المضمون عنه، بدليل ما لو ‏مات المضمون عنهوالدين مؤجل، فإنه يصير حاّلاً بالنسبة إليه.‏
هذا ومذهب الحنفية في هذه المسألة أن يكون تأجيلاً في حقهما جميعاً لأن التأجيل في ‏نفس العقد يجعل الأجل صفة للدين، والدين واحد، وهو على الأصيل فيصير مؤجلاً عليه ‏ضرورة، بخلاف ما لو كان التأجيل بعد تمام العقد، لأنه التأجيل المتأخر عن العقد يؤخر ‏المطالبة، وقد خصّ به الكفيل، فلا يتعدى إلى الأصيل.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:29 PM
المبحث التاسع:
في موت الكفيل أو المكفول عنه والدين مؤجل




ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في إحدى روايتين، إلى أنه إذا كان الدين مؤجلاً في حق ‏كل من الكفيل والمكفول عنه، ثم مات أحدهما تعجل الدين في حقه، فإن مات الأصيل قبل الأجل ‏حلّ الدين في ماله، وهو على الكفيل إلى أجله، وكذا لو مات الكفيل دون الأصيل يحلّ الدين في ‏مال الكفيل، وهو على الأصيل إلى أجله، لأن المبطل للأجل وجد في حق أحدهما دون الآخر.‏
ثم إن كان الميت هو الأصيل فللضامن أن يطالب صاحب الدين بأخذ الدين من تركته أو ‏إبرائه هو، لأن التركة قد تهلك فلا يجد مرجعاً إلا الغرم.‏
وإن كان الميت الضامن، وأخذ صاحب الدين حقه من التركة، لم يكن للوارث الرجوع ‏على المكفول عنه الآذن في الضمان قبل حلول الأجل.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:31 PM
الفصل الخامس
بعض أحكام تتعلق بالكفالة‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:32 PM
المبحث الأول:
تعدد الكفلاء



ذهب الحنفية إلى أنه يجوز أن يضمن الحق عن الرجل الواحد اثنان أو أكثر، سواء ‏أضمن كل واحد منهم جميعه أو جزءاً.‏
فإذا كان على رجل ألف دينار مثلاً، فكفل عنه رجلان كل واحد منهما بجميعه على ‏الانفراد، ثم كفل كل واحد من الرجلين عن صاحبه بما لزمه بالكفالة، لأن الكفالة عن الكفيل ‏جائزة، كما تجوز عن الأصيل، فما أدى أحدهما رجع بنصفه على صاحبه، ثم يرجعان على ‏الأصيل إن شاء، وإن شاء رجع هو بالكل على الأصيل، لأن ما عليهما مستويان، فلا ترجيح ‏للبعض على البعض، إذا الكل كفالة، فيكون المؤدى شائعاً عنهما، فيرجع بنصفه على شريكه، إذ ‏لا يؤدي إلى الدور، لأن قضيته الاستواء، وقد حصل برجوع أحدهما بنصفه، وليس لصاحبه أن ‏ينقض الاستواء بالرجوع عليه مراعاة لما اقتضاه العقد، إذ الاستواء في السبب يوجب الاستواء ‏في الحكم وهو الغرم.‏
فإن أبرأ الطالب أحدهما أخذ الآخر بالدين جميعه، لأن إبراء الكفيل لا يوجب براءة ‏الأصيل، فبقي المال كله على الأصيل والآخر كفيل عنه بكله فيأخذه به.‏
‏- وذهب الحنابلة في هذه المسألة إلى أنه لا يجوز أن يضمن أحدهما الآخر في المال، ‏لأن المال قد ثبت على كل واحد منهما بضمانه الأصلي.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:34 PM
المبحث الثاني:
في الدين يكون على رجلين وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه



ذكر الحنفية إلى أنه إذا كان لرجل دين على اثنين، بأن اشتريا منه شيئاً، بمائة وتكفل كل ‏واحد منهما عن صاحبه، فما أداه أحدهما لم يرجع به على شريكه حتى يزيد ما يؤديه على ‏النصف، فيرجع بالزيادة، لأن كل واحد منهما في النصف أصيل، وفي النصف كفيل، فما يؤديه ‏ينصرف إلى ما عليه أصالة، إذ لا معارضة بين ما عليه بطريق الأصالة وما عليه بطريق ‏الكفالة، لأن الأول دين ومطالبة، والثاني مطالبة فقط، فلا يعارض الأول. وكذا سبب الأول وهو ‏الشراء أقوى من سبب الثاني وهو الكفالة، ولهذا ينفذ الأول من المريض من جميع ماله وإن كان ‏عليه دين، والثاني لا ينفذ إلا من الثلث بشرط أن لا يكون عليه دين، وإن كان عليه دين مستغرق ‏لا ينفذ أصلاً، فكان آكد فلا يعارضه الضعيف.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:35 PM
المبحث الثالث:
كفالة اثنين بإحضار واحد، وفي كفالة واحد لاثنين



‏1- ذكر الحنابلة أنه إذا تكفل اثنان بواحد صح، فإن سلم المكفول به نفسه برئ كفيلاه، ‏لأنه أتى بما يلزم الكفيلين، وهو إحضار نفسه، فبرئت ذمتهما، كما لو قضى الدين.‏
وإن أحضره أحد الكفيلين لم يبرأ الآخر، لأن إحدى الوثيقتين انحلت من غير استيفاء، فلم ‏تنحل الأخرى، كما لو أبرأ أحدهما أو انفك أحد الرهنين من غير قضاء الحق.‏
وفارق ما إذا سلم المكفول به نفسه، لأنه أصل لهما، فإذا برئ الأصل مما تكفل به عنه ‏برئ فرعاه، وكل واحد من الكفيلين ليس بفرع للآخر، فلم يبرأ ببراءته، ولذلك لو أبرئ المكفول ‏به برئ كفيلاه، ولو أبرئ أحد الكفيلين برئ وحده دون صاحبه.‏
ب- وذكر الحنابلة أيضاً أنه لو تكفل واحد لاثنين فأبرأه أحدهما أو أحضره عند أحدهما لم ‏يبرأ من الآخر، لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين، فقد التزم إحضاره عند كل واحد ‏منهما، فإذا أحضر عند واحد برئ منه، وبقي حق الآخر، كما لو كان في عقدين، وكما لو ضمن ‏ديناً لرجلين فوفى أحدهما حقه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:37 PM
المبحث الرابع:
ضمان الأعيان




ذهب الشافعية إلى أنه يصح ضمان ردّ كل عين ممن هي في يده مضمونة عليه، ‏كمغصوبة ومستعارة ومستامة ومبيع لم يقبض، ويبرأ الضامن بردّها للمضمون له، ويبرأ بتلفها ‏فلا يلزمه قيمتها، كما لو مات المكفول ببدنه لا يلزم الكفيل الدين.‏
ولو ضمن قيمة العين إن تلفت لم يصح، لعدم ثبوت القيمة.‏
قالوا: ومحل ضمان العين إذا أذن فيه واضع اليد، أو كان الضامن قادراً على انتزاعه ‏منه.‏
وأما إذا لم تكن العين مضمونة على يد من هي بيده كالوديعة والمال في يد الشريك ‏والوكيل والوصي، فلا يصح ضمانها، لأن الواجب فيها التخلية دون الردّ.‏
ذهب الحنفية في الأعيان غير المضمونة إلى أنه لا يصح ضمانها، كما ذهب إليه ‏الشافعية.‏
وأما الأعيان المضمونة فقد قسموها إلى قسمين: مضمون بنفسه كالمغصوب والمقبوض ‏بالبيع الفاسد والمقبوض على سوم الشراء، ومضمون بغيره كالمبيع قبل القبض والرهن، فتصح ‏الكفالة بالنوع الأول، لأنه كفالة بمضمون بنفسه، ألا ترى أنه يجب ردّ عينه حال قيامه، وردّ مثله ‏أو قيمته حال هلاكه، فيصير مضموناً على الكفيل على هذا الوجه أيضاً، ولا تصح بالنوع الثاني، ‏لأن المبيع قبل القبض مضمون بالثمن لا بنفسه، ألا ترى أنه إذا هلك في يد البائع لا يجب عليه ‏شيء، ولكن يسقط الثمن عن المشتري، وكذا الرهن غير مضمون بنفسه بل بالدين، ألا ترى أنه ‏إذا هلك لا يجب على المرتهن شيء ولكن يسقط الدين على الراهن بقدره.‏
أما ضمان تسليم المبيع لا ضمان عين المبيع وضمان تسليم الرهن لا ضمان عين الرهن ‏فجائز عندهم.‏
فائدة:‏ رتب الحنفية على هذه المسألة مسألة أخرى وهي ما إذا استأجر دابة للحمل ‏عليها، فإن كانت الكفالة في الدابة بعينها لم يصح، وإن كانت الكفالة في الحمل فقط جاز.‏
ويؤخذ من هذه المسألة أنه يصح ضمان الثمن عن المشتري، لأنه دين كسائر الديون، ‏ولا يصح الضمان عن البائع بالمبيع لما ذكرناه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:38 PM
الفصل السادس
انتهاء الكفالة‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:40 PM
المبحث الأول:
انتهاء كفالة النفس



تنتهي الكفالة بالنفس بواحد من ثلاثة أمور:‏
أحدها: تسليم النفس إلى المطالب بها.‏
فائدة: إذا حبس القاضي الكفيل ثم ثبت عنده عجزه بشهادة الشهود أو غيرها، أطلقه ‏وأنظره إلى حال القدرة على إحضاره، لأنه بمنزلة المفلس، لكن لا يحول بين الطالب والكفيل، بل ‏للطالب أن يلازمه، ولا يحول الطالب أيضاً بينه وبين أشغاله، ولا يمنعه من الكسب وغيره.‏
الثاني: الإبراء وذلك أن يبرئ صاحب الحق الكفيل من الكفالة بالنفس، لأن مقتضى ‏الكفالة ثبوت حق المطالبة بتسليم النفس، فإذا أسقط حق المطالبة بالإبراء فينتهي الحق ضرورة.‏
الثالث: موت المكفول بنفسه، فإذا مات بطلت الكفالة، لأنه بموته برئ هو بنفسه، ‏وبراءته توجب براءة الكفيل لأنه أصيل والكفيل تبع، فإذا عجز عن تسليم نفسه والحضور ‏بالموت سقط عنه، فكذا عن التبع.‏
وتنتهي أيضاً بموت الكفيل، لأنه لا يتحقق التسليم منه، وورثته لا يقومون مقامه، لأنهم ‏يخلفونه فيما له لا فيما عليه، وماله لا يصلح لإيفاء هذا الحق، وهو إحضار المكفول به، بخلاف ‏الكفيل بالمال إذا مات، لأن ماله صالح لذلك، وحكمه بعد موته ممكن فيوفى من ماله، ثم يرجع ‏الورثة على المكفول له إن كانت الكفالة بأمره، وإلا فلا شيء لهم، كما إذا أدّى هو بنفسه حال ‏حياته.‏
وإذا مات الطالب -المكفول له- فلا تسقط الكفالة، ويخلف الطالب وصيه أو وارثه، فلا ‏يبطل حقه، إذ هم قائمون مقامه في استيفائه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:41 PM
المبحث الثاني:
في انتهاء كفالة المال




إذا كانت الكفالة بالمال تنتهي بأحد أمرين:‏
أحدهما: أداء المال إلى الدائن أو ما هو في معنى الأداء، سواء أكان الأداء من الكفيل أو ‏من الأصيل، لأن حق المطالبة وسيلة إلى الأداء، فإذا وجد الأداء فقد حصل المقصود، فينتهي ‏حكم العقد. وما هو بمعنى الأداء الهبة، فإذا وهب الطالب المال من الكفيل أو من الأصيل انتهت ‏الكفالة، لأن الهبة بمعنى الأداء.‏
وكذا إذا تصدق به على الكفيل أو على الأصيل، لأن الصدقة تمليك كالهبة، فكان هو ‏وأداء المال سواء كالهبة.‏
ومثل ذلك أيضاً ما إذا مات صاحب الحق وورثه الكفيل أو الأصيل، لأن بالميراث يملك ‏ما في ذمته، فإن كان الوارث هو الكفيل فقد ملك ما في ذمته فيبرأ، ويرجع على الأصيل بالدين، ‏كما لو ملك بالأداء، وإن كان الوارث هو المكفول عنه برئ الكفيل، لأنه سقط الدين فكأنه وفاه.‏
ثانيهما: الإبراء وما هو في معناه، فإذا أبرأ الأصيل يبرأ الكفيل، لأن الدين على الأصيل ‏لا على الكفيل، إنما عليه حق المطالبة، فكان إبراء الأصيل إسقاط الدين عن ذمته، فإذا سقط الدين ‏عن ذمته يسقط حق المطالبة ضرورة، لأن المطالبة بالدين ولا دين بحال.‏
وأما إبراء الكفيل فإبراؤه عن المطالبة لا عن الدين، إذ لا دين عليه وليس من ضرورة ‏إسقاط حق المطالبة عن الكفيل سقوط أصل الدين عن الأصيل، لكن يخرج عن الكفالة، لأن حكم ‏الكفالة حق المطالبة عن الكفيل، فإذا سقط تنتهي، وقد مرّ هذا البحث في موضعه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:43 PM
كتاب السلم



الفصل الأول: تعريف السلم
المبحث الأول: تعريف السلم من حيث اللغة.-تعريف السلم من حيث الإصطلاح
المبحث الثاني: حكم السلم من حيث الوصف الشرعي القائم به ودليل ذلك

‏ الفصل الثاني: ركن السلم وشروطه وحكمه
المبحث الأول: ركن السلم
المبحث الثاني: شروط صحة السلم
المبحث الثالث: حكم السلم من حيث الأثر النوعي المترتب عليه ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:44 PM
الفصل الأول

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:45 PM
المبحث الأول:
تعريف السلم




تعريفه من حيث اللغة:‏
السلم في اللغة السلف وزناً ومعنى. ويطلق على الاستسلام كما يطلق على شجر من ‏العضاة. واحدة سَلمَة.‏
تعريفه من حيث الاصطلاح الفقهي:‏
وفي الاصطلاح الفقهي "بيع آجل بعاجل" أو "دين بعين" أو هو "بيع يتقدم فيه رأس ‏المال (الثمن) ويتأخر المثمن (المبيع) لأجَل" أو "بيع موصوف في الذمة" أو "أن يسلف عوضاً ‏حاضراً في عوض موصوف في الذمة إلى أجل".‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:47 PM
المبحث الثاني:
حكمه من حيث الوصف الشرعي القائم به ودليل ذلك




اتفق الفقهاء على مشروعية السلم واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها:‏
‏1- القرآن الكريم: فقد روي عن ابن عباس -ترجمان القرآن-رضي الله عنهما- أنه قال: ‏أشهد أن الله تعالى أحل السلف المضمون وأنزل فيه أطول آية في كتابه، وتلا قوله تعالى: {يَا ‏أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ...} [البقرة: 282] فإن السلم نوع دين ‏فيكون جائزاً لذلك.‏
‏2- السنة النبوية المطهرة: فقد جاء فيها أحاديث كثيرة منها:‏
أ- ما روي عن ابن عباس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قدم المدينة وهم ‏يسلفون في الثمار السنتين والثلاث فقال: (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن ‏معلوم إلى أجل معلوم) متفق عليه.‏
ب- ما أخرجه البخاري عن محمد بن أبي المجالد قال: (أرسلني أبو بردة وعبد الله بن ‏شداد إلى عبد الرحمن بن أبزي وعبد الله بن أبي أوفى فسألتهما عن السلف فقالا: كنا نصيب ‏المغانم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكان يأتينا أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير ‏والزبيب فقلت: أكان لهم زرع أم لم يكن لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك).‏
جـ- إجماع الفقهاء على أن السلم جائز.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:48 PM
الفصل الثاني:
ركن السلم وشروطه وحكمه

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:49 PM
المبحث الأول:
ركن السلم




ركن السلم هو الصيغة التي ينعقد بها وهي الإيجاب والقبول.‏
وقد اشترط جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والحنابلة- في هذا الركن أن يكون بلفظ ‏البيع، أو السلف، أو السلم، لا غير. واشترط الشافعي أن يكون بلفظ السلم لا غير. فإذا عقده بلفظ ‏البيع لم ينعقد، ذلك أن السلم شرع على خلاف القياس، وما كان حاله كذلك اقتصر فيه على مورد ‏النص، وقد جاء شرعه بلفظ السلم فلا يزاد عليه.‏
دليل الجمهور: الاستدلال بأن السلم بيع بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث روي ‏عنه نهيه عن بيع ما ليس عند الإنسان وترخيصه في السلم، وهو دليل على كونه نوعاً من أنواع ‏البيع، فينعقد بلفظ البيع لذلك.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:55 PM
المبحث الثاني:
شرائط صحته




يشترط لصحة السلم ما يشترط لصحة البيع عامة. وقد تقدمت، ويزاد عليها هنا شروط ‏خاصة به لا يصح بدون توافرها جميعاً. وهذه الشروط على أنواع:‏
فمنها شروط تتعلق بنفس العقد.‏
ومنها شروط تتعلق بأحد البدلين.‏
ومنها شروط تتعلق بالبدلين جميعاً.‏

‏1- الشروط المتعلقة بنفس العقد:‏
ذهب الجمهور -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى أن الشروط المتعلقة بنفس العقد تعود ‏إلى شرط واحد هو البتات، وذلك بخلو السلم عن خيار الشرط. فإذا باع سلماً واشترط لنفسه أو ‏للمشتري خيار الشرط فسد السلم، لانعدام البتات فيه بقيام خيار الشرط ذلك أن خيار الشرط ثبت ‏في البيع المطلق على خلاف القياس فلا يقاس عليه السلم، بل يبقى على أصل المنع فيه.‏
ثم إن من شروط صحة السلم التقابض في المجلس، وخيار الشرط يمنع التقابض الكامل، ‏لأنه يمنع ثبوت الملك فلا يصح لذلك.‏
فأن اشترط خيار الشرط ثم تقابضا في المجلس قبل التفرق صح العقد لتحقق شرط ‏الصحة.‏
وذهب مالك إلى جواز الخيار مدة لا تزيد على ثلاثة أيام، لأنها قليلة، ولأنه يجوز تأخير ‏قبض رأس المال إليها في السلم عنده كما سوف يأتي.‏

‏2- الشروط المتعلقة برأس مال السلم:‏
رأس مال السلم هو ما يدفعه المشتري من المال إلى البائع عند السلم، ويسمى دافعه رب ‏السلم. والشروط المتعلقة به متعددة هي:‏
أ- بيان جنة، بأنه دراهم، أو دنانير، أو فلوس نافقة، أو قمح ... فإذا لم يبين ذلك لم يصح ‏للجهالة.‏
ب- بيان نوعه، بأنه دراهم فتحية، أو دنانير نيسابورية، أو قمح سقي .... وذلك إذا لم ‏يكن في البلد عرف مستقر، فإذا كان فيه عرف مستقر لم يشترط بيان النوع ويرجع فيه إلى ‏العرف.‏
جـ- بيان صفته، بأنه جيد، أو رديء، أو وسط ...‏
د- بيان قدره إذا كان مما يباع بالقدر، كالمكيل، والموزون، والعددي المتقارب، والذرعي ‏المتقارب، فإذا كان من القيميات لم يشترط بيان القدر لعدم جدواه.‏
وبيان القدر يكون ببيان الكيل أو الوزن فيما يكال أو يوزن، وبيان العدد أو الذرع في ‏العدديات المتقاربة أو الذرعيات المتقاربة، فإذا باع المكيل وزنا أو الموزون كيلاً جاز، لأن ‏الشرط زوال الجهالة عن رأس المال، وهي تحصل بذلك.‏
وقد روي عن أحمد وغيره عدم جواز ذلك لتعيينه كذلك بالشرع.‏
ويشترط في القدر هنا أن يكون بالمقادير المعروفة المتداولة بين الناس، فلو قدره بمقدار ‏خاص، فقال: بوزن هذه الحجرة، أو بكيل هذه العلبة، لم يصح لاحتمال هلاك هذه الحجرة أو ‏العلبة، فيؤدي إلى الجهالة فلا يصح.‏
هـ- ذهب جمهور الفقهاء إلى قبض رأس المال في مجلس العقد: وذلك بتسليم رأس مال ‏السلم إليه -البائع- في مجلس العقد، فإن افترقا من غير قبض فسد السلم لانعدام أحد شرائط ‏صحته، وهو القبض ، والمجلس هنا هو مجلس الأبدان. فإذا تفرقا في الأقوال لبعض الوقت ثم ‏قبض المسلم إليه رأس مال السلم جاز، وكذلك إذا غادرا معاً مكان العقد باتجاه واحد مترافقين، ثم ‏قبض رأس المال قبل التفرق بالأبدان جاز أيضاً. فإذا تفرقا ثم قبض رأس المال بعد ذلك لم ‏يصح، لفساد السلم بالتفرق، والفاسد لا يعود إلى الصحة بعد تقرر فساده.‏
وخالف مالك في رأس المال العين، فقال: لا يشترط فيه القبض لتعينه بدونه، وهو القياس ‏إلا أن الجمهور أخذوا بالاستحسان، ذلك أن الأصل في رأس المال أن يكون ديناً، ولا يكون عيناً ‏إلا نادراً، ولا حكم للنادر، فيلحق بالدين في الحكم كما خالف مالك في الدين أيضاً، فأجاز تأخيره ‏إلى ثلاثة أيام ولو بشرط لأنها مدة قصيرة فإذا أخره عن ثلاثة أيام، إن كان بشرط لم يصح، وإلا ‏فروايتان، ومن المالكية من منع التأخير مطلقاً كالجمهور.‏
‏ ‏
حالات يتخلف فيها القبض حكماً فيفسد السلم: ‏
وهناك حالات يتخلف فيها القبض حكماً فيفسد السلم لتخلف القبض، وهي مختلفة، من ‏ذلك:‏
أ- إذا أبرأ المسلم إليه رب السلم عن رأس مال السلم بعد العقد وقبل القبض، فإنه ينظر: ‏إن وافق رب السلم على هذا الإبراء فسد السلم، لامتناع القبض بسقوط الدين من الذمة، وان لم ‏يقبل رب السلم بهذا الإبراء، لم يصح الإبراء، والسلم على حاله، إن تفرقا قبل القبض فسد، وإلا ‏صح.‏
وهذا بخلاف الإبراء عن المسلم فيه، فإنه لا يؤثر في صحة السلم لعدم اشتراط قبضه ‏لصحة السلم.‏
ب- الاستبدال برأس مال السلم قبل قبضه، كما لو قبل المسلم إليه أخذ شيء من غير ‏جنس رأس مال السلم بدلاً منه، فإنه يفسد السلم لعدم قبض رأس ماله، ذلك أن المقبوض هنا بدله ‏وليس هو، فتخلف القبض ففسد. فإذا استبدله بشيء من جنسه ولكنه أردأ منه، أو أجود منه، فإنه ‏يجوز لاتحاد الجنس.‏
جـ- أخذ كفيل برأس مال السلم أو قبول الحوالة فيه ثم التفرق قبل القبض، كما لو أحال ‏رب السلم المسلم إليه برأس مال السلم على رجل آخر. فإن كان حاضراً وقبض المسلم إليه رأس ‏مال السلم من المحال عليه في مجلس العقد جاز وإلا فلا، وكذلك الكفالة لنفس المعنى. والمجلس ‏هنا مجلس المتعاقدين لا غير، فلو غادر المحال عليه المجلس قبل الدفع، ثم عاد ودفع رأس المال ‏إلى المسلم إليه قبل تفرق المتبايعين، جاز ولو أنه دفعه بعد خروج أحد المتبايعين من المجلس لم ‏يصح.‏
د- أخذ رهن برأس مال السلم. وذلك بأن يدفع رب السلم رهناً إلى المسلم إليه في مجلس ‏السلم. فإنه ينظر، إن هلك الرهن في المجلس وكانت قيمته تعادل قيمة رأس مال السلم أو تزيد، ‏فإنه يصح السلم، ويعتبر قبض الرهن قبضاً لرأس مال السلم، لأنه قبض ضمان تحقق فيه ‏الضمان بالهلاك.‏
وإن هلك وكانت قيمته أقل من رأس مال السلم، فإنه يتم العقد بمقدار قيمة الهالك، ويفسد ‏في الباقي.‏
فإذا لم يهلك الرهن حتى افترقا عن غير قبض. فسد السلم، لفوات شرط القبض.‏
هـ- التقاص برأس مال السلم: فإذا كان لرب السلم دين سابق على المسلم إليه. وأراد ‏استيفاء دينه من رأس مال السلم، فانه لا يصح لفوات قبضه بذلك.‏
و- إذا ظهر في رأس المال بعد قبضه عيب منقص للقيمة. فإنه ينظر، إن رضي به ‏المسلم إليه فإنه يصح، وإن لم يرض به، فإن استبدله في مجلس العقد صح. وإلا فسد العقد ‏بالتفرق.‏
‏ ‏
‏3- الشروط المتعلقة بالمسلم فيه:‏
المسلم فيه هو المال الذي يتعهد البائع بتأديته إلى رب السلم بعد أجل معين، ودافعه يسمى ‏المسلم إليه. وشروطه متعددة هي:‏
أ- بيان جنسه، فينص على أنه حنطة، أو قطن، أو ...‏
ب- بيان نوعه، من أنه حنطة بعلية أو سقية، أو قطن طويل التيلة أو قصيرها ...‏
جـ- بيان صفته، بأنه جيد، أو رديء، أو وسط ...‏
د- بيان قدره، ببيان كيله، أو وزنه، أو عدده إن كان متقارباً، أو ذرعه إن كان متقارباً ‏أيضاً.‏
وهذا كله لإزالة الجهالة عنه، لأن الجهالة في الجنس والنوع والصفة والقدر مفضية ‏للمنازعة، وهي مفسدة للبيع كما تقدم.‏
ولحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى ‏أجل معلوم).‏
هذا ويشترط في بيان القدر أن يكون بما هو معلوم ومعروف لدى الناس عامة، مما يؤمن ‏فقده. فإذا بينه بما يحتمل فقده كوزنه بحجر معين، أو كيله بعلبة معينة أو ذرعه بخشبة معينة، لم ‏يصح لاحتمال فقد هذا القدر، فيعود إلى الجهالة فيفسد.‏
فإذا قدر الموزون بالكيل، والمكيل بالوزن، والمعدود بالكيل أو الوزن ... جاز، لأن ‏الغاية من بيان القدر هي إزالة الجهالة، وهي حاصلة بذلك، فيصح، بخلاف الأموال الربوية إذا ‏قوبلت بجنسها، لأن الغاية من القدر هناك هي المساواة وليس زوال الجهالة فحسب.‏
وقد روي عن أحمد وبعض الحنفية خلاف ذلك.‏
هـ- اتفق الفقهاء على أن يكون المسلم فيه مما يمكن ضبط قدره وصفته بالوصف على ‏وجه لا يبقى معه بعد الوصف إلا تفاوت يسير، فإذا كان مما لا يمكن ذلك ويبقى بعد الوصف ‏تفاوت فاحش، لا يجوز السلم فيه لقيام الجهالة الفاحشة، وهي مفضية للمنازعة فيفسد السلم بها ‏لذلك.‏
ولكنهم اختلفوا في تطبيقه توسعة وتضييقاً:‏
فذهب الحنفية إلى أن ذلك لا يتوفر إلا في المثليات، وهي المكيلات والموزونات ‏والعدديات المتقاربة والذرعيات المتقاربة إذا أمكن ضبط صفتها. كالحنطة والشعير، والملح ‏والبيض، والقماش ... أما القيميات كالسجاد والثياب والحيوانات .. فلا يصح السلم فيها لعدم ‏إمكان ضبطها نظراً لتفاوتها، مما يؤدي إلى الجهالة المفضية للمنازعة، إلا أنهم استثنوا الثياب ‏والسجاد وما إليه بعد ذلك، فأجازوا فيها السلم استحساناً لتعارف الناس على ذلك، ولإِمكان ‏ضبطها بالوصف بالجملة، فلا يبقى إلا جهالة يسيرة، وهي غير مؤثرة.‏
وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى عدم الحصر بالمثليات، فأطلقوا صحة السلم في ‏كل ما يمكن ضبطه بالجملة، فأجازوا السلم في الحيوان والثياب والرقيق واللحم ... بشرط ‏ضبطها بأوصافها كاملة لزوال الجهالة، كما اشترطوا ضبط قدرها بالوزن أو الكيل أو العدد ‏بحسب العادة. فإذا لم يمكن ضبطها بالوصف، لم يصح السلم فيها.‏
و- ذهب الحنفية إلى أن يكون جنس المسلم فيه موجوداً في الأسواق حين العقد، ومظنوناً ‏وجوده كذلك إلى حين حلول الأجل، على وجه يتمكن المسلم إليه معه من الوفاء في أي وقت، فإذا ‏لم يكن موجوداً وقت العقد، أو كان موجوداً وقته ولكنه لم يكن موجوداً وقت حلول الأجل، أو ‏وجد في كلا الوقتين ولكنه انقطع فيما بينهما، فسد السلم وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى ‏أن الشرط إمكان وجوده وقت حلول الأجل لا غير.‏
وبناء على هذا الشرط فقد اتفق الفقهاء على عدم جواز تحديد المسلم فيه بأوصاف ‏خاصة، تجعله عرضة لعدم الوجود وقت محل الأجل، كأن يسلم في حنطة قرية بعينها، لإِمكان ‏أن لا تثمر، بخلاف الولاية فإنه صحيح، أو في عنب ورطب إلى شهر شباط أو آذار، لأن العنب ‏والرطب لا يكونان في هذا الشهر عادة، وقد ورد في ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- انه ‏أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى، فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان، فقال ‏النبي -صلى الله عليه وسلم- (أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى) رواه ‏ابن ماجه وغيره.‏
ز- ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن يكون المسلم فيه مما يتعين بالتعيين في المعاوضات: ‏فيخرج من ذلك الدراهم والدنانير لأنها لا تقبل التعيين في عقود المعاوضات.‏
أما المصوغات والتبر والنقود. فقد اختلف الرواية فيها عن الحنفية، فروي عنهم إلحاقها ‏بالدراهم والدنانير فلا يصح السلم فيها، وروي إلحاقها بالعروض فيصح.‏
أما الفلوس الرائجة إذا باعها عدداً، فقد اختلف الحنفية فيها، فذهب أبو حنفية إلى جواز ‏جعلها مسلماً فيه.‏
وفي رواية عند الحنفية إلى عدم جواز ذلك.‏
وذهب المالكية والشافعية إلى جواز جعل المسلم فيه أثماناً مطلقة، لأنها مما يقبل التعيين ‏عندهم.‏
فذهب الجمهور -الحنفية والمالكية والحنبلية- إلى وجوب اشتراط الأجل في المسلم فيه، ‏فإذا جعل حالاً لم يصح.‏
وذهب الشافعية إلى صحة السلم حالاً ومؤجلاً. فإذا اشترط رب السلم الأجل، جاز، وإذا ‏اشترط الحلول جاز أيضاً، فإذا لم يشترط شيئاً، جعل حالاً إذا كان المسلم فيه موجوداً وقت العقد، ‏وإلا فسد العقد، وقيل لا ينعقد وإن كان المسلم فيه موجوداً، لأن الأصل في السلم التأجيل. فإذا ‏أطلق العقد انصرف إليه، وبما أن الأجل مجهول فسد العقد لهذه الجهالة، كما لو نص على أجل ‏مجهول. إلا أن الأول أرجح عند الشافعية فيما يظهر.‏
‏ ‏
الأدلة:‏
استدل الجمهور لمذهبهم في اشتراط الأجل في المسلم فيه بأدلة منها:‏
‏1- أن السلم ورد على الخلاف القياس، لأنه بيع المعدوم ووجه الاستحسان فيه الرفق ‏بحاجة المسلم إليه، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق بالمسلم إليه، فزالت علة الاستحسان، فعاد إلى ‏أصل القياس، وهو المنع فيه.‏
‏2- أن السلم ورد على خلاف القياس لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أسلف ‏فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم". وما ورد كذلك يوقف فيه على ما رد به ‏النص، وهو قد ورد بالأجل، فلا يتعداه إلى غيره.‏
‏3- ورد في الحديث السابق التسوية بين اشتراط الأجل واشتراط بيان القدر، وبيان القدر ‏مشروط بالاتفاق فكذلك الأجل.‏
‏4- اشتراط تعجيل المسلم فيه يؤدي إلى المنازعة غالباً، لأن السلم بيع المفاليس، وغالباً ‏ما يكون المسلم إليه عاجزاً عن تسليم المسلم فيه حالاً. وإلا لم يبعه سلماً. وهذا العجز يؤدي إلى ‏المنازعة، وكل ما أدى إلى ذلك ممنوع في العقد، فيكون ممنوعاً لذلك.‏

أدلة الشافعية:‏
‏1- يصح قياساً على السلم المؤجل، لأن المؤجل ثبت بنص الحديث، والحال مثله، بل هو ‏أبعد عن الضرر منه، فيصح من باب أولى.‏
‏2- لا حجة في قول الجمهور أن الأجل ورد اشتراطه بالحديث. ‏
ذلك أن الحديث لم يشترط الأجل ولكنه اشترط ببيان مدته ووقته أن وجد، فإذا لم يوجد لم يحتج ‏إلى بيان مدته، ولا دلالة في الحديث على ما وراء ذلك.‏
‏3- ولا حجة للجمهور أيضاً في انتفاء الفائدة من هذا البيع، تلك الفائدة التي هي علة ‏الاستحسان، ذلك أن فيه فائدة كبرى وهي جواز بيع ما ليس موجوداً في مجلس العقد عن البيع، ‏وهو غير جائز في البيع المطلق. وهذا البيع محتاج إليه لأن البيع قد لا يكون حضراً مرئياً فلا ‏يصح بيعه، وأن أخره لاحضار ربما يفوت على المشتري الصفقة، فيكون ذلك علة مناسبة ‏للاستحسان، فيجوز.‏
إلا أن قول الجمهور هو الأقوى، ذلك أن المسلم فيه عادة يكون بثمن أرخص من المبيع ‏الحال، وذلك في مقابلة الأجل، وهو فائدة كبرى هي المناط الأول للخروج بالسلم من دائرة ‏القياس من الصحة إلى دائرة الاستحسان المبيح، فإذا انتفى شرط الأجل لم يتحقق أي معنى هام ‏للسلم فلا يصح. والله تعالى أعلم.‏
‏-ط- أن يكون الأجل معلوماً:‏
اتفق الفقهاء على وجوب تعيين الأجل بمدة محددة، فإذا أطلق الأجل لم يصح لما فيه من الجهالة ‏المفضية للمنازعة، كما لو باعه وقال إلى آجل، أو آجل طويل، أو إلى آجل قصير فإنه لا يصح ‏للمنازعة.‏
فإذا حدد بمدة فيها جهالة قليلة، كما لو قال إلى الحصاد أو الجذاذ، أو إلى اشتداد الحر، أو غلى ‏هبوب الريح... ذهب أكثر الفقهاء إلى لم يصح لما فيه من الجهالة ولو كانت قليلة لأن الأوقات ‏غير منضبطة، وهي تختلف من سنة إلى سنة فيفضي ذلك إلى المنازعة فلا يصح وذهب مالك ‏إلى جواز ذلك ليسر الجهالة ولتعارف الناس ذلك، وقد اختلف الفقهاء في أدنى مدة الأجل بعد ‏اتفاقهم على أن لا حد لأكثره.‏
فذهب بعض الحنفية إلى أنه لا حد لأقله، فيصح بنصف يوم. وذهب بعضهم إلى أن أقله ثلاثة ‏أيام، اعتباراً بخيار الشرط، وروي أنه شهر، فلا يصح بأقل من، وهو الصحيح في المذهب، ذلك ‏أن الشهر عند الحنفية أدنى الآجل وأقصى العاجل، كما في الإيمان، وأن السلمَ شرع لرفع حاجة ‏المفاليس، وهي لا تندفه بما دونه غالباً .‏
ومثل هذا القول روي عن أحمد وغيره من الأئمة وهو الأشهر لدى الفقهاء وذهب مالك ‏أنه نصف شهر فما فوقه.‏
ي- أن يبين في العقد مكان تسليم المسلم فيه: فإن المسلم فيه قد يكون لحمله مؤنة وقد لا ‏يكون لحمله مؤنة، فإذا لم يكن لحمله مؤنة كسوار من ذهب، أو كأس من فضة، أو غير ذلك، لم ‏يشترط لصحة السلم فيه تعيين مكان تسليمه باتفاق جمهور الفقهاء، لعدم الحاجة إليه.‏
ذهب الشافعية إلى التفريق بين ما إذا كان مكان العقد صالحاً للتسليم كالمدينة فإنه لا ‏يشترط، أو غير صالح كالبرية فإنه يشترط.‏
فإذا عينا في العقد مكاناً لتسليم ما ليس لحمله مؤنة:‏
فقد ذهب الجمهور إلى تعين ذلك محلاً للتسليم نزولاً عند الشرط. وروي عن بعضهم ‏عدم تعين ذلك، وأن للمسلم إليه أن يسلمه للمسلم فيه في أي مكان كان، لأن هذا الشرط عبث، ‏والأول أصح للحديث (المسلمون على شروطهم) ولأن فيه دفع خطر الطريق، فلا يكون عبثاً ‏فيلزم.‏
وإذا كان المسلم فيه مما لحمله مؤنة، كالحنطة، والشعير، والتمر، والقطن، وسائر السلع ‏التي لها وزن أو حجم.‏
فقد ذهب أبو حنيفة وبعض الشافعية إلى أنه يشترط لصحة السلم فيها تعيين مكان الإيفاء، ‏وإلا فسد السلم، وهو المذهب عند الشافعية، وحجتهم في ذلك رفع المنازعة.‏
وذهب الجمهور وبعض الحنفية، إلى عدم اشتراط ذلك في العقد، ولكن يتعين مكان العقد ‏مكاناً للتسليم حكماً، فتزول المنازعة بذلك:‏
فإذا عين المتعاقدان محلاً للتسليم، فإن كان هو مكان العقد فقد صح العقد وتعين المكان ‏المشروط محلاً للتسليم، وإذا شرطا غير مكان العقد.‏
فقد ذهب الجمهور إلى صحة ذلك وتعين المكان المشروط مكاناً للتسليم.‏
وذهب بعض الفقهاء إلى فساد العقد بذلك لأن تعين مكان العقد مكاناً للتسليم من مقتضيات ‏العقد بدليل تعينه بلا شرط عند الجمهور، وما كان كذلك تكون مخالفته مفسدة للعقد.‏
والأول هو الأرجح دليلاً، لأن تعين مكان العقد مكاناً للتسليم ليس من مقتضيات العقد، ‏وإنما تعين عند انعدام الشرط بالعرف، فلما وجد الشرط الصريح قدم على العرف، وهو المعتاد ‏المعتمد في الأحكام الشرعية.‏

‏4- الشروط المتعلقة بالبدلين جميعاً:‏
الشروط المتعلقة ببدلي السلم معاً، هي شرط واحد، وهو انتفاء علة ربا النساء عن ‏البدلين، وهي أحد وصفي علة ربا الفضل ذلك أن لعلة ربا الفضل وصفان:‏
هما عند الحنفية القدر والجنس.‏
وعند المالكية الادخار أو الثمنية مع الجنس.‏
وعند الشافعية والحنبلية الطعم أو الثمنية مع الجنس(1).‏
وعلى هذا إذا اتحد رأس مال السلم والمسلم فيه عند الحنفية قدراً، فكان كل واحد منهما ‏موزوناً أو مكيلاً كالحنطة بالشعير، أو الفجل بالبصل، أو اتحدا جنساً كالحنطة بالحنطة أو الشعير ‏بالشعير ... استويا في الجودة والرداءة أم اختلفا، لم يصح السلم، لوجود أحد وصفي علة ربا ‏الفضل وهو القدر في المثال الأول، والجنس في المثال الثاني. وكذلك الحكم عند المالكية ‏والشافعية إذا تحقق في البدلين علة ربا النساء أو أحد وصفي علة ربا الفضل عندهم، لأن دخول ‏الربا في البيع مفسد له كما تقدم في البيع الفاسد.‏
‏___________________‏
‏1.‏ ‏1. انظر باب الربا.‏
‏ ‏
حدود ما يجوز التصرف فيه في المسلم فيه:‏
لما كان السلم ثابتاً على خلاف القياس فقد احتاط الفقهاء في تنظيم أحكامه احتياطاً كبيراً، ‏خشية الوقوع في الحرام، وقد عنوا لذلك ببيان حدود ما يجوز التصرف فيه في المسلم فيه، ‏فأباحوا بعض التصرفات ومنعوا البعض الآخر لأدلة خاصة. وذلك خلافاً لبعض أحكام المبيع في ‏البيع المطلق الذي جاء وفقاً للقياس. وأهم هذه الأحكام:‏

‏1- لا يجوز الاستبدال بالمسلم فيه قبل قبضه، لأن المسلم فيه هنا مبيع منقول، ومن ‏القواعد الفقهية في البيع عدم جواز الاستبدال بالمبيع المنقول قبل قبضه، لما في ذلك من غرر. ‏وللاستبدال صور متعددة منها: بيعه بغيره من غير جنسه قبل قبضه، كأن يسلم في قطن فيأخذ ‏بدله قبل قبضه دراهم أو قمحاً أو غير ذلك، ومنها المشاركة به أو غير ذلك. وأما الاستبدال به ‏بعد قبضه فجائز كالمبيع.‏
وقد خالف مالك في ذلك، فأباح الاستبدال بالمسلم فيه قبل قبضه بشروط أربعة تعرف في ‏كتب المالكية.‏
‏2- الإبراء عن المسلم فيه قبل قبضه جائز، لأن المسلم فيه دين، والديون تقبل الإبراء، إذ ‏الإبراء إسقاط، والديون تقبل الإسقاط، وذلك على خلاف المبيع في البيع المطلق، فانه لا يقبل ‏الإسقاط، لأن المبيع عين والأعيان لا تقبل الإسقاط بخلاف الديون، وهو على خلاف الإبراء عن ‏رأس مال السلم قبل قبضه أيضاً فإنه مفسد للسلم كما تقدم من أنه يمنع قبضه، وهو شرط صحة ‏السلم، أما المسلم فيه فلا يعتبر قبضه شرطاً فيصح.‏
‏3- يجوز قبول الحوالة والكفالة وأخذ الرهن بالمسلم فيه، ذلك أن المسلم فيه دين، ‏والحوالة والكفالة والرهن بالدين جائزة، فإذا أحال المسلم إليه رب السلم في المسلم فيه على رجل ‏آخر برئت ذمة المسلم إليه، وطالب رب السلم المحال عليه لا غير، إلا أن يعجز المحال عليه ‏فيرجع رب السلم على المسلم إليه عند ذلك، إذ أن الحوالة نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة ‏المحال عليه، والنقل يقتضي تفريغ ذمة المحيل، أما الكفالة فهي ضم ذمة إلى ذمة. ولذلك يكون ‏لرب السلم أن يرجع في المسلم فيه على المسلم إليه، وعن الكفيل على حد سواء. وأما الرهن فان ‏لرب السلم حبسه إلى حين وفاء المسلم فيه كاملا. وتكون يده عليه يد استيفاء، فيهلك عليه بالأقل ‏من قيمته ومن قيمة المسلم فيه، وخالف في ذلك الحنبلية، لأن السلم دين غير مستقر، فلا يصح ‏ذلك فيه.‏
‏4- تجوز الإقالة في المسلم فيه كلا أو جزءاً، أما الإقالة في كل المسلم فيه فصحيحة ‏بالاتفاق، لأن السلم بيع، والإقالة شرعت في البيع دفعاً لندم النادم من العاقدين، وهي في السلم أشد ‏حاجة إليها منها في البيع المطلق، لأنه بيع بأبخس الأثمان عادة، فتكون جائزة فيه من باب أولى، ‏وهي جائزة سواء بعد حلول الأجل أو قبل حلوله للحاجة إليها في الحالين، ولإطلاق النص المبيح ‏وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- (من أقال مسلماً بيعته أقال الله عشرته) وسواء في ذلك أكان ‏رأس مال السلم قائماً أم هالكاً، لأنه بمثابة الثمن في البيع المطلق، والإقالة هناك جائزة مع قيامه ‏أو هلاكه، فكذلك هنا ثم إذا صحت الإقالة وكان رأس المال قائماً، رده بذاته إن كان مما يتعين ‏بالتعيين، ولا رد مثله وان كان هالكاً رد مثله إن كان مثلياً، وإلا رد قيمته.‏
وأما الإقالة في بعض المسلم فيه، كثلثه، أو ربعه ... فقد ذهب الجمهور إلى صحتها في ‏ذلك البعض إذا حل الأجل، لوجود المعنى المبيح للإقالة، وهو ندم النادم.‏
هذا إذا كان الأجل قد حل، فإذا لم يكن قد حل فإنه ينظر، فان لم يشترط المتعاقدان حل ‏الباقي من المسلم فيه جازت الإقالة في الجزء، لعدم وجود المنافي لصحتها، ويبقى الباقي على ‏الصحة إلى أجله.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:56 PM
المبحث الثالث:
حكم السلم من حيث الأثر النوعي المترتب عليه


حكم السلم هو ثبوت الملك لرب السلم في المسلم فيه، وللمسلم إليه في رأس مال السلم، ‏الأول على سبيل التأجيل والثاني على سبيل التعجيل. هذا إذا استجمع السلم كل أركانه وشروط ‏صحته، وإلا فسد أو بطل ولم ينتج حكمه كله أو بعضه، مثله في ذلك مثل البيع المطلق.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:57 PM
الشركات



تعريف الشركة
مشروعية الشركة
حكمة تشريع الشركة
أقسام الشركة
شركة العنان
شركة المفاوض
شركة الأبدان
شركة الوجوه
فساد عقد الشركة
شركة المضاربة (القِراض)‏
الشركات الحديثة
شركات السيارات
شركة البهائم

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 09:59 PM
‏1- تعريف الشركة لغة واصطلاحاً:‏
الشركة لغة: بكسر الشين وسكون الراء، أو بفتح الشين وكسر الراء وسكونها هي ‏الاختلاط، سواء أكان بعقد أم بغير عقد، وسواء أكان في الأموال أم في غيرها، قال الله تعالى: ‏‏{فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12] وقال سبحانه خطاباً لإبليس: ‏‏{وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ} [الإسراء: 64] وقال سبحانه على لسان موسى عليه السلام: ‏‏{وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه: 32].‏
الشركة اصطلاحاً:‏
عرّف الحنابلة الشركة: هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف. والذي يظهر من التعريف ‏أن الشركة عندهم قسمان وهما الشركة في الاستحقاق، والشركة في التصرف.‏
وعرّف المالكية الشركة: هي إذن في التصرف لهما مع أنفسهما، أي أن يأذن كل واحد ‏من الشريكين لصاحبه في أن يتصرف في مال لهما مع بقاء حق التصرف لكل منهما.‏
وعرّف الشافعية الشركة: الشركة ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع ‏هذا بمعناها العام، وأما الشركة بمعناها الخاص فقد عرفها الشافعية بأنها: العقد الذي يحدث ‏بالاختيار بقصد التصرف وتحصيل الربح.‏
وعرّف الحنفية الشركة: هي عبارة عن عقد بين المتشاركين في الأصل والربح.‏

‏2- مشروعية الشركة:‏
قد ثبت جواز الشركة ومشروعيتها من حيث هي بالكتاب والسنة والإجماع.‏
أما القرآن الكريم: فقوله تعالى في ميراث الإخوة من الأم: {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} ‏وقوله سبحانه في قصة داود مع الخصمين: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ‏‏[ص: 24] والخلطاء الشركاء، وهذا وإن كان شرع من قبلنا، فإن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا لم ‏يأت في شريعتنا ما ينسخه. هذا عند جمهرة من العلماء.‏
وأما السنة:‏
‏1- فالحديث القدسي الذي أخرجه أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله ‏عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزّ وجل: "أنا ثالث الشريكين ما لم يخن ‏أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما" ومعنى الحديث: أنا معهما بالحفظ والإعانة، ‏فأمدهما بالمعونة في أموالهما، وأنزل البركة في تجارتهما، فإذا وقعت بينهما الخيانة رفعت ‏البركة والإعانة عنهما، وهو معنى خرجت من بينهما.‏
‏2- خبر السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ المخزومي أنه كان شريك النبي صلى الله ‏عليه وسلم قبل المبعث في التجارة، فلما جاء إليه يوم الفتح قال: مرحباً بأخي وشريكي، لا يداري ‏ولا يماري - أي لا يخالف ولا ينازع -، وهذا من الرسول عليه الصلاة والسلام تقرير للشركة.‏
‏3- إقرار الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد بعث الرسول عليه الصلاة والسلام، وهاجر ‏إلى المدينة، ووجد الناس يتعاملون بالشركة فأقرهم ولم ينههم. روي أن البراء بن عازب وزيد بن ‏أرقم كانا شريكين، فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما أنّ ما ‏كان بنقد فأجيزوه، وما كان نسيئة فردّوه"‏
الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة، وإنما اختلفوا في جواز ‏أنواع منها كما سيأتي.‏
‏ ‏
‏3- حكمة تشريع الشركة:‏
الحكمة من تشريع الشركة بوجه عام هو وجود الحاجة الماسة إليها، لذلك أجازها الإسلام ‏سداً لهذه الحاجة، وتحقيقاً للتعاون البناء بين أفراد المجتمع، إذ من الناس من يكون عنده المال، ‏ولكنه لم يوهب من الطاقة والقدرة ما يمكنه من أن يقوم وحده بإدارة أمواله وأعماله، إنه يحسن ‏المساهمة في العمل، ولكنه لا يستطيع أن ينفرد به.‏
ومن الناس من يكون على العكس من ذلك، لديهم القدرة على الأعمال، ولكنهم ذوو مال ‏قليل، أبطأت به قلة المال عن التسابق في ميدان الكسب.‏
فبالشركة يجد الفريق الأول من الناس من يعاونه، ويجد الفريق الثاني من يمده بالمال، ‏ويتحقق من التعاون بين الفريقين المصلحة لهما، وبالشركة بينهما تتعاون القدرات والأموال في ‏تنمية الموارد وتلبية الحاجات.‏
‏ ‏
‏4- أقسام الشركة:‏
الشركة قسمان: شركة أملاك وشركة عقد
آ- شركة الملك:‏
هي أن يملك اثنان أو أكثر عيناً إرثاً، أو شراء أو اتهاباً أو وصية أو نحو ذلك.‏
وهذه الشركة منها ما يكون إجبارياً، وهو ما لا يكون بفعل الشريكين كالإرث، ومنها ما ‏يكون اختيارياً. وهو ما يكون بفعل الشريكين كما في الشراء، وقبول الهدية والهبة والوصية.‏
وحكم هذه الشركة بنوعيها: هو أن، كل واحد من الشريكين أجنبي في نصيب وقسط ‏صاحبه، فلا يجوز له أن يتصرف فيه إلا بإذنه، كما في مال غيره من الأجانب، إذ لا ولاية ‏لأحدهما في نصيب الآخر.‏
ب- شركة العقد:‏
شركة العقد هذه هي المقصودة ببحث الشركة عند الفقهاء:‏
ذكر فقهاء الحنابلة لشركة العقد خمسة أنواع، وهي: شركة العنان، وشركة المفاوضة، ‏وشركة الأبدان، وشركة الوجوه، وشركة المضاربة.‏
وذكر الحنفية لشركة العقد ستة أنواع، وهي شركة الأموال، وشركة الأعمال، وشركة ‏الوجوه، وكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة إما مفاوضة أو عنان.‏
وذكر الشافعية والمالكية لشركة العقد أربعة أنواع، وهي: شركة العنان، وشركة ‏المفاوضة، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:04 PM
شركة العنان‏ ‏

تعريف شركة العنان:‏
آ- هي أن يشترك شخصان في مال لهما على أن يتجرا به والربح بينهما: وشركة العنان ‏هذه جائزة بإجماع الفقهاء: وإنما اختلفوا في بعض شروطها.‏
‏ ‏
حكم شركة العنان، وشروطها عند الحنفية:‏
آ- حكم شركة العنان:‏
شركة العنان هذه جائزة عند جميع الفقهاء، وإن كانوا قد اختلفوا في بعض شروطها.‏
‏ ‏
ب- شروط شركة العنان عند الحنفية:‏
اشترط الحنفية لصحة شركة العنان شروطاً هي كما يلي:‏
‏1- أن يكون المعقود عليه قابلاً للوكالة، لأن من حكم الشركة ثبوت الاشتراك في ‏المستفاد بالتجارة، ولا يصير المستفاد مشتركاً بينهما إلا أن يكون كل واحد وكيلاً عن صاحبه في ‏النصف، وأصيلاً في النصف الآخر، فصار كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه بمقتضى عقد ‏الشركة. فلا تصح في مباح كاحتطاب واحتشاش واصطياد، فإن الملك في كل ذلك لمن باشر ‏السبب.‏
‏2- أن يكون الربح معلوم القدر، بأن تكون حصة كل شريك من الربح نسبة معلومة منه، ‏كخمسه أو عشره، فإن كان الربح مجهولاً فسدت الشركة، لأن الربح هو المعقود عليه، وجهالة ‏المعقود عليه تستوجب فساد العقد.‏
‏3- أن يكون الربح جزءاً شائعاً في الجملة غير معين، فإن عينا ربحاً معيناً كعشرة أو ‏مائة كانت الشركة فاسدة، لأن العقد يقتضي تحقق الاشتراك في الربح، ومن الجائز أن لا يحصل ‏ربح إلا بالمقدار المعين لأحد الشريكين، فكان التعيين منافياً لمقتضى عقد الشركة.‏
وهذه الشروط الثلاثة تجري في شركات العقود جميعها.‏
‏4- أن يكون رأس مال الشركة عيناً حاضراً عند الشراء، فلا يجوز أن يكون رأس المال ‏ديناً، ولا مالاً غائباً، لأن المقصود من الشركة الربح، وذلك بواسطة التصرف، والتصرف لا ‏يمكن إلا بالعين الحاضرة، فلا يتحقق المقصود من الشركة في حال غياب المال، ولأن المدين قد ‏لا يدفع الدين، وقد لا يستطيع الشريك إحضار المال الغائب.‏
وعلى هذا: لو دفع إنسان لآخر ألف دينار، وقال له: أخرج مثلها واشتر بها وبع، فما ‏ربحت يكون بيننا مناصفة، فأخرج ألفاً واشترى بها وأقام البينة على ذلك جاز.‏
فالمهم هو حضور المال عند الشراء، ولا يشترط عند العقد، لأن الشركة تتم بالشراء، ‏فيعتبر الحضور عند ذاك.‏
ولا يشترط خلط المالين لأنَّ الشركة تشتمل على الوكالة، فما جاز التوكيل به جازت ‏الشركة فيه، والتوكيل جائز في المالين قبل الخلط، فكذا الشركة، قالوا: وإنما كان ما هلك قبل ‏الاختلاط من نصيب صاحبه خاصة، لأن الشركة لا تتم إلا بالشراء، فما هلك قبله هلك قبل تمام ‏الشركة، فلا تعتبر، حتى لو هلك بعد الشراء بأحدهما كان الهالك من المالين جميعاً، لأنه هلك بعد ‏تمام العقد.‏
‏5- أن يكون رأس المال الشركة أثماناً مطلقة - وهي التي لا تتعين بالتعيين - وهي ‏الدراهم والدنانير، ومثل الدنانير النقود المتداولة الآن، فلا تصح شركة العنان في العروض - ‏وهي الأمتعة - واحتجوا على ذلك بأمرين.‏
الأول: أن الشركة في العروض تؤدي إلى جهالة الربح عند القسمة، لأن رأس المال ‏يكون قيمة العروض لا عينها، والقيمة مجهولة لأنها تعرف بالحزر والظن، فيصير مجهولاً، ‏فيؤدي إلى المنازعة عند القسمة وهذا المعنى لا يوجد في الدراهم والدنانير، لأن رأس المال عند ‏القسمة في الدراهم والدنانير عينها، فلا يؤدي إلى جهالة الربح.‏
الثاني: أنه يؤول إلى ربح ما لا يضمن، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ‏ربح ما لم يضمن. رواه الترمذي.‏
‏ ‏
حكم الشركة بالتبر والنقرة عند الحنفية:‏
التبر: ما كان من الذهب غير مضروب.‏
النقرة: القطعة المذابة من الذهب والفضة.‏
لقد اشترط الحنفية أن يكون رأس المال أثماناً مطلقة، وبناء على ذلك هل يصح عندهم أن ‏يكون رأس المال تبراً أو نقرة؟
اختلفت الرواية في ذلك، فبعضهم عدها سلعة تتعين بالتعين فلا يصح أن تكون رأس مال ‏في الشركة. وبعضهم عدها كالأثمان المطلقة فيصح أن تكون رأس مال شركة.‏
والصحيح أنه إن جرى التعامل بها بين الناس جاز، وإلا فلا يجوز.‏

هل هناك طريقة لصحة الشركة فيما إذا كان أحدهما يملك نقداً والآخر عروضاً؟
ذكر الحنفية طريقة لصحة الشركة فيما إذا كان أحد الشريكين يملك نقداً، والآخر يملك ‏عروضاً، وتلك الطريقة هي أن يبيع صاحب العروض نصف ما يملك من العروض بنصف نقد ‏ما يملك صاحب النقد، فتصبح الشركة بينهما شركة ملك، ثم يعقدان بينهما عقد شركة العنان، ‏فيصبحان شريكين.‏
ولقائل أن يقول: كيف صحت شركة العنان مع أن قسماً من المال كان عروضاً، ‏والجواب على ذلك أنها صحت في النقد أصالة وفي العروض تبعاً، ورب شيء لا يصح بالأصالة ‏ولكنه يصح بالتبع، كبيع الشرب تبعاً للأرض.‏
‏ ‏
حكم الشركة إذا كان رأس المال فلوساً:‏
الفلوس: جمع فلس وهو قطعة مضروبة من النحاس يتعامل بها الناس، ومثلها ما يتعامل ‏الناس به الآن، من النقود المصنوعة من غير النحاس من المعادن كالنيكل.‏
ذهب أحد أصحاب أبي حنيفة إن الفلوس الرائجة يصح أن تكون رأس مال للشركة، لأن ‏الفلوس تروج رواج الأثمان فالتحقت بالنقود، فكانت من الأثمان المطلقة، ويبنى على جعلها أثماناً ‏مطلقة مسألتين:‏
إحداهما: أنها لا تتعين بالتعيين.‏
ثانيهما: أنه لا يصح بيع الفلس بفلسين بأعيانها.‏
‏ ‏
حكم الشركة إذا كان رأس المال من المكيلات أو الموزونات أو العدديات المتقاربة:‏
المكيلات: كالبر والشعير والعدس وما أشبه ذلك.‏
والموزونات: كالنحاس والحديد والرصاص وما أشبه ذلك.‏
والمعدودات المتقاربة: كالبيض والجوز وما أشبه ذلك.‏

فهذه الأشياء هل يصح أن تكون رأس مال للشركة؟
لقد اتفق فقهاء الحنفية في أمور واختلفوا في أمور:‏
اتفقوا:‏ ‏1- على أنه لا تصح الشركة قبل خلط رأس المال بعضه مع بعض، لأنها إنما ‏تتعين
‏ بالتعيين إذا كانت عيناً فكانت كالعروض.‏
‏2- على أنه لا تصح الشركة بعد الخلط إذا كانت الأموال من جنسين مختلفين ‏كبر
‏ وشعير مثلاً، لأن الحنطة إذا خلطت بالشعير خرجت من أن تكون ثمناً بدليل
‏ أن مستهلكها يضمن قيمتها لا مثلها.‏
واختلفوا: فيما إذا كانت من جنس واحد وخلط بعضها ببعض، وذهبوا إلى رأيين:‏
فذهب الرأي الأول إلى أنها لا تصح، وإنما تصير بهذا الخلط شركة ملك، ووجه قوله هو ‏أنه متمش مع الأصل الذي بنى عليه الحنفية من أن هذه الأشياء ليست أثماناً على كل حال، بل ‏تكون تارة ثمناً وتارة مبيعاً وأنها تتعين بالتعيين فكانت كالعروض.‏
وذهب الرأي الثاني إلى أن الشركة تصح بعد الخلط وتكون شركة عقد، لأن هذه الأشياء ‏ثمن من وجه حتى جاز البيع بها ديناً في الذمة، ومبيع من وجه من حيث إنها تتعين بالتعين فعمل ‏بالشبهين بالإضافة إلى الحالين، الخلط وعدمه، فلشبهما بالمبيع قلنا لا تجوز الشركة فيها قبل ‏الخلط ولشبهها بالثمن قلنا تجوز الشركة فيها بعد الخلط.‏
والرأي الأول أوجه، لأنها تتعين بالتعيين قبل الخلط وبعده.‏
وبعد فهل من ثمرة عملية تترتب على هذا الخلاف؟
ذكر فقهاء الحنفية أن فائدة الخلاف بين الرأيين تظهر فيما إذا استويا في رأس المال ‏واشترطا التفاوت في الربح.‏
فعند الرأي الأول يكون الربح بينهما على مقدار ماليهما لا على حسب ما اشترطا.‏
وعند الرأي الثاني يكون الربح بينهما على حسب ما شرطا.‏

جواز الشركة مع تساوي المالين والتفاوت في نسبة الربح:‏
إذا تساوى المالان في الشركة. وجعل لأحد الشريكين زيادة من الربح على رأس ماله ‏فهل يصح ذلك؟
نقول في الجواب على هذا السؤال: إننا أمام صور ثلاث لذلك، بعضها يصح وبعضها لا ‏يصح، وإليك بيان هذه الصور:‏
الصورة الأولى: إذا تساوى المالان وشرط الشريكان العمل عليهما جميعاً، ففي هذه ‏الصورة يجوز شرط الزيادة، ويكون الربح بينهما على ما شرطا.‏
الصورة الثانية: إذا تساوى المالان وشرط الشريكان العمل على أحدهما، وكانت الزيادة ‏للذي شرط عليه العمل.‏
ففي هذه الصورة يجوز شرط الزيادة أيضاً، ويكون الربح بينهما على ما شرطا.‏
الصورة الثالثة: إذا تساوى المالان، وشرط العمل على أحدهما، ولكن شرطت الزيادة في ‏الربح للشريك الآخر.‏
ففي هذه الصورة لا يجوز ذلك.‏
وفي قول عند الحنفية إنه لا يجوز اشتراط زيادة في الربح على رأس المال.‏
‏ ‏
جواز التساوي في الربح مع التفاوت في رأس المال:‏
أ- فإذا كان المالان متفاوتين وشرطا العمل على كل منهما جاز ذلك، ويكون الأمر على ‏ما شرطا، لأن هذه الزيادة قد يستحقها بزيادة في العمل.‏
ب- وإن شرطا العمل على من كان رأس ماله أقل، جاز أيضاً عندهم، لأنه استحق ‏الزيادة بعمله.‏
جـ- وإن شرطا العمل على من كان رأس ماله أكثر، فلا يجوز، لأن زيادة الربح في حق ‏صاحب الأقل لا يقابلها مال ولا عمل ولا ضمان.‏

كيف توزع الخسارة؟ :‏
توزع الخسارة بين الشركاء على حسب رأس المال، دون نظر إلى مقدار عملهم فيها، أو ‏شرطهم، إذا كان هناك شرط مخالف لذلك، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ‏قال: "الربح على ما شرطا والوضيعة على قدر المالين".‏

بيان ما يترتب على شركة العنان من آثار:‏
إذا وقعت شركة العنان مستوفية شروطها ترتب عليها الأمور التالية:‏
‏1- تطلق يد الشركاء في مال الشركة بموجب الوكالة، ويجب عليهم العمل على حسب ‏اتفاقهم.‏
‏2- إذا اشترى أحدهم للشركة شيئاً نفذ عليهم جميعاً لقيام الوكالة، إلا أن البائع لا يطالب ‏غير المشتري من الشركاء، لخلو العقد عن الكفالة، ويقبل من الشريك هذا الشراء، سواء أكان ‏نقداً أو نسيئة، بثمن المثل أو بغبن يسير، ما دام ذلك من عادات التجار.‏
وكذلك كل ما كان من عادات التجار فإنه يباح لهم، كالتوكيل بالبيع والرهن والمضاربة.‏
‏3- يوزع الربح بين الشركاء على حسب شرطهم في العقد، دون نظر إلى مقدار رأس ‏مالهم.‏
‏4- توزع الخسارة بين الشركاء بحسب رأس المال كما سبق ذكره.‏
‏5- إذا هلك مال الشركة كله بطلت الشركة لفقدان محلها، كالبيع إذا هلك فيه المبيع.‏
أما إذا هلك مال أحد الشريكين فقط، فإن كان ذلك بعد خلط مال الشريكين أو بعد الشراء ‏بهما فإنها لا تبطل، ويعتبر القسم الهالك مضموناً على الشركة. وإن كان هلاكه قبل الشراء أو ‏قبل الخلط، كان الهالك مضموناً على صاحبه خاصة، ثم إن كان المال الثاني لم يشتر به للشركة ‏بطلت الشركة، وإن كان قد اشترى به قبل هلاك الأول، كان المشترى شركة، ويرجع صاحب ‏المال على شريكه، بمقدار حصته في الشركة.‏
وإن كان قد اشترى به بعد هلاك المال الأول، فإن كان العاقدان صرحا في عقد الشركة ‏بالوكالة، كان المشترى شركة بينهما على ما شرطا في أصل المال، وإن لم يكونا قد صرحا ‏بالوكالة في عقد الشركة كان المشترى لصاحب المال الباقي خاصة.‏

شروط شركة العنان عند الشافعية:‏
لقد اشترط الشافعية لصحة شركة العنان شروطاً هي:‏
‏1- أن يكون هناك صيغة: وهي لفظ يدل على الإذن بالتصرف، من كلّ منهما للآخر، فلا ‏يكفي الاقتصار على قولهم اشتركنا على الأصح، لاحتمال كون ذلك إخباراً عن حصول الشركة ‏في المال، ولا يلزم من حصولها جواز التصرف بدليل المال الموروث، فإنه تقع فيه الشركة، ولا ‏يقع فيه جواز التصرف، وعلى ذلك لا يصح لكل واحد من الشريكين أن يتصرف إلا في نصيبه.‏
والقول الثاني عند الشافعية أن يكفى ذلك لفهم المقصود منه عرفاً.‏
‏2- أن يكون كل من العاقدين أهلاً للتوكيل: لأن كل واحد منهما يتصرف في ماله بالملك، ‏وفي مال الآخر بالإذن، فكل منهما موكِّل وموكِّل.‏
‏3- أن يكون المال مثلياً: كالدراهم والدنانير والبر والشعير والحديد وما أشبه ذلك. فلا ‏تصح بمتقوِّم كالثياب وما أشبهها. ووجه الصحة فيما عدا النقدين من المثليات أنه إذا اختلط بجنسه ‏ارتفع التمييز بينهما فأشبه النقدين.‏
ووجه عدم الصحة في المتقوّمات أنها أعيان متميزة فلا يمكن الخلط، وحينئذ فقد يتلف ‏مال أحدهما أو ينقص فلا يمكن قسمة الآخر بينهما.‏
وهل التبر من المثلي أو المتقوم؟ الصحيح أنه من المثلي فيجوز أن يكون رأس مال ‏للشركة.‏
وهناك قول عند الشافعية أنها لا تصح الشركة إلا بالنقد المضروب الخالص من الدراهم ‏والدنانير.‏
‏4- خلط المالين بحيث لا يتميزان: ولابدّ من كون الخلط قبل العقد، فإن وقع بعد العقد ولو ‏في المجلس لم يكف. وتكون الشركة فاسدة.‏
وعلى هذا لا يكفي الخلط مع اختلاف الجنس كدراهم بدنانير، أو الصفة كدنانير صحيحة ‏ومكسرة، وحنطة جديدة وحنطة قديمة أو بيضاء وسوداء، لإمكان التمييز بين المالين. وإن كان ‏يعسر التمييز في بعضها.‏
واشتراط الخلط مشروط إذا أخرجا مالين وعقدا عليهما، فإن ملكا مالاً مشتركاً مما تصح ‏فيه الشركة أو مما لا تصح فيه الشركة كالعروض، إن ملكا ذلك بإرث أو شراء أو غيرهما وإذن ‏كل منهما للآخر بالتجارة فيه تمت الشركة، لأن المقصود من الخلط حاصل وهو عدم التمييز.‏
ومن هنا يذكر الشافعية حيلة لصحة جريان الشركة في العروض، وهي أن يبيع كل واحد ‏منهما بعض عرضه ببعض عرض الآخر ويأذن له في التصرف.‏
‏5- أن يكون الربح والخسران على قدر المالين: سواء تساويا في العمل أم تفاوتا، لأن ‏الربح ثمرة المالين، فكان الربح على قدرهما، كما لو كان بينهما شجرة فأثمرت أو شاة فأنتجت.‏
والعبرة في المال بالقيمة لا بالأجزاء، فلو خلطا قفيزاً من حنطة متقوماً بمائة، بقفيز من ‏حنطة متقوم بخمسين، فقسمة الربح بينهما تكون ثلثين للأول، وثلثاً للثاني. وكذلك الخسران.‏
فإن شرطا خلاف ذلك بأن اشترطا التساوي في الربح أو الخسران مع تفاوت المال، أو ‏شرطا التفاوت في الربح أو الخسران مع التساوي في قيمة المال فسد العقد، ويرجع كل منهما ‏على الآخر بأجرة عمله في ماله، كشركة المضاربة إذا فسدت، وتنفذ التصرفات منهما لوجود ‏الإذن، ويكون الربح على قدر المالين.‏

شروط شركة العنان عند الحنابلة:‏
اشترط الحنابلة لصحة شركة العنان ما يلي:‏
‏1- أن يكون كل من العاقدين أهلاً للتوكيل، لأن شركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة، ‏لأن كل واحد منهما بدفع المال إلى صاحبه أمّنه، وبإذنه له في التصرف وكّله.‏
‏2- أن يأذن كل واحد لصاحبه في التصرف، فإن أذن له مطلقاً في جميع التجارات ‏تصرف فيها، وإن عين له جنساً أو نوعاً أو بلداً تصرف فيه دون غيره، لأنه متصرف بالإذن، ‏فيتعين في حقه كالوكيل.‏
‏3- أن يكون رأس المال الدراهم والدنانير، لأنها قيم الأشياء وأثمان البياعات، وعلى هذا ‏الشرط لا يصح أن يكون رأس مال الشركة واحداً مما يلي:‏
أ- عروض التجارة: فلا تجوز الشركة فيها في ظاهر المذهب، وعللوا ذلك بأن الشركة ‏في العروض إما أن تقع على أعيانها أو قيمتها أو أثمانها.‏
لا يجوز وقوعها على أعيانها لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو ‏بمثله، وهذه لا مثل لها فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر، فيستوعب بذلك ‏جميع الربح أو جميع رأس المال، وقد تنقص قيمته فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه ‏الذي ليس بربح.‏
ولا يجوز وقوعها على قيمتها، لأن القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلى التنازع، وقد ‏يقوَّم الشيء بأكثر من قيمته، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه، فيشاركه الآخر في العين ‏المملوكة له.‏
ولا يجوز وقوعها على أثمانها، لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها، ولأنه إن أراد ‏ثمنها الذي اشتراها به فقد خرج الثمن عن ملكه وصار ملكاً للبائع وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به ‏فإنها تصير شركة معلقة على شرط - وهو بيع الأعيان - ولا يجوز ذلك.‏
هذا وهناك رواية عن أحمد بجواز جعل العروض رأس مال للشركة، وتجعل قيمتها وقت ‏العقد رأس مال.‏
ب- لا تصح الشركة بالنقرة، لأن قيمتها تزيد وتنقص، فحكمها حكم العروض.‏
جـ- لا تصح الشركة بالفلوس، وحكمها في الخلاف كحكم العروض، فإذا قلنا بجوازها ‏فلا فرق أن تكون نافقة أو غير نافقة، فإن كانت نافقة كان رأس المال مثلها، وإن كانت كاسدة ‏كانت قيمتها كالعروض.‏
د- لا تصح الشركة بالمغشوش من الدراهم والدنانير، لأن قيمتها تزيد وتنقص، اللهم إلا ‏إذا كان الغش قليلاً جداً لمصلحة فلا يضر.‏
‏4- أن يكون رأس المال معلوماً: فلا يجوز أن يكون رأس مال الشركة مجهولاً أو جزافاً، ‏لأنه لابدّ من الرجوع به عند الرجوع عند المفاصلة، ولا يمكن الرجوع مع الجهل والجزاف.‏
‏5- أن يكون رأس المال حاضراً: فلا يجوز بمال غائب ولا دين، لأنه لا يمكن التصرف ‏فيه بالحال، وهو مقصود الشركة.‏

هذا ومن خلال ما تقدم من الشروط نستفيد الأمور التالية:‏
‏1- لا يشترط لصحتها اتفاق المالين في الجنس، ومن أجل ذلك لا يشترط خلط المالين، ‏خلافاً ما ذهب إليه الشافعية، لأنهما من جنس الأثمان، فتصح الشركة فيهما كالجنس الواحد.‏
‏2- لا يشترط تساوي المالين في القدر، بل يجوز تفاوتهما.‏
‏3- يجوز أن يجعلا الربح على قدر المالين، ويجوز أن يتساويا في الربح مع تفاضلهما ‏في المال، ويجوز أن يتفاضلا في الربح مع تساويهما في المال. وإلى هذا ذهب الحنفية كما مر، ‏خلافاً للشافعي ومالك.‏
‏ ‏
شروط شركة العنان عند المالكية:‏
اشترط المالكية لصحة شركة العنان ما يلي:‏
‏1- أن يكون كل من الشريكين أهلاً للتوكيل والتوكّل، وذلك بأن يكون حراً بالغاً رشيداً.‏
‏2- أن يكون هناك ما يدل على الشركة عرفاً من قول أو فعل، كأن يقول كل منهما ‏اشتركنا أو يقوله أحدهما ويسكت الآخر، أو يقول شاركني ويرضى الآخر.‏
‏3- إذا كان رأس مال أحدهما ذهباً أو وَرِقاً اشترط في رأس مال الآخر أن يكون كذلك، ‏فلا تصح الشركة على ذهب من أحدهما وورق من الآخر، ويشترط أيضاً بالإضافة إلى ذلك ‏اتفاقهما في الصرف وفي الوزن، وفي الجودة أو الرداءة، وإنما شرط ذلك لتركيب هذه الشركة ‏من البيع والوكالة.‏
‏4- أن يأذن كل واحد للآخر بالتصرف، وأن تطلق يد كل واحد منهما فيه، وذلك بأن ‏تكون أيديهما عليه بأن يجعلاه في حانوت لهما، أو في يد وكيلهما.‏
‏5- أن يكون ربح كل منهما على مقدار رأس ماله، فلا يجوز اختلافهما في الربح مع ‏تساويهما في رأس المال.‏

هذا ويستفاد من هذه الشروط الأمور التالية:‏
أولاً: تصح الشركة بعين من أحدهما وبعرض من الآخر.‏
ثانياً: تصح الشركة بعرضين، من كل واحد منهما عرض. مطلقاً سواء اتفقا في الجنس ‏أو اختلفا، وتعتبر الشركة بقيمة العرض يوم أحضر للاشتراك.‏
ثالثاً: لا يصح أن يكون رأس مال كل منهما طعاماً، ولو اتفقا نوعاً وصفة وقدراً، لأنه ‏يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه، وذلك لأن كل واحد منهما باع نصف طعامه بنصف طعام ‏الآخر، ولم يحصل قبض لبقاء يد كل واحد منهما على ما باع، فإذا باع لأجنبي كان كل واحد ‏منهما بائعاً لما اشتراه قبل قبضه من بائعه.‏
رابعاً: لا يشترط خلط المالين، بل يكفي اشتراط التصرف في المال، كما أسلفنا.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:06 PM
شركة المفاوضة‏ ‏

تعريف المفاوضة:‏
المفاوضة في اللغة: المساواة:‏
وسميت الشركة مفاوضة لاعتبار المساواة في رأس المال والربح وغير ذلك.‏
وقيل: هي مشتقة من التفويض، لأن كل واحد منهما يفوض أمر الشركة في مالٍ صاحبه ‏على الإطلاق تصرفاً كاملاً.‏
المفاوضة في اصطلاح الفقهاء: أن يتعاقد اثنان فأكثر على أن يشتركا في مالٍ على عمل ‏بشروط مخصوصة.‏
‏ ‏
حكم المفاوضة وأدلة الجمهور على بطلانها:‏
آ- حكمها:‏
ذهب الحنفية إلى صحة شركة المفاوضة عندما تستجمع شرائطها.‏
وذهب الجمهور إلى عدم صحتها بمفهومها عند الحنفية.‏
ب- أدلة الجمهور:‏
استدل الجمهور لبطلانها بما يلي:‏
‏1- أنها تتضمن الكفالة إلى جانب الوكالة، وكل واحد منهما عند انفراده لا يجوز، ‏فبالأولى أن لا يجوز عند اجتماعهما، بيان ذلك أن شركة المفاوضة تضمنت الوكالة والكفالة، ‏والوكالة بمجهول الجنس لا تجوز، ألا ترى أنه لو قال: وكلتك بالشراء أو بشراء الثوب لا تصح ‏الوكالة؟ والكفالة بمجهول لا تصح أيضاً.‏
‏2- أنها عقد لم يرد الشرع بمثله فلم يصح، ولأن فيه غرراً، فلم يصح كبيع الغرر، وبيان ‏غرره أنه يلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به، وقد أدخلا ‏فيه الأكساب النادرة.‏
ومن هنا قال الشافعي رضي الله عنه: "إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فلا باطل ‏أعرفه في الدنيا" أشار إلى كثرة الغرر والجهالات فيها.‏
‏ ‏
أدلة الحنفية على صحتها:‏
استدل الحنفية على صحة شركة المفاوضة بما يلي:‏
‏1- الحديث: فقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "فاوضوا فإنه أعظم بركة" ‏وقال: "إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة".‏
‏2- أن المفاوضة عقد يتضمن أمرين مشروعين هما الوكالة والكفالة فتصح لذلك، وما ‏فيها من الجهالة مغتفر، لأنها تثبت تبعاً، والتصرف قد يصح تبعاً ولا يصح مقصوداً كما في ‏شركة المضاربة، فإنها تتضمن الوكالة بشراء مجهول الجنس، وكذلك شركة العنان فإنها تشتمل ‏على الوكالة العامة، وإن كان لا يصح هذا التوكيل حالة الانفراد.‏
‏3- تعامل المسلمين بها من غير نكير، فكان ذلك دليلاً على جوازها.‏
‏ ‏
شروط صحة شركة المفاوضة عند الحنفية:‏
لصحة شركة المفاوضة شروط، منها الشروط الثلاثة الأولى التي مرت في شركة العنان ‏وهي:‏
‏1- أهلية الوكلة في كل من العاقدين
‏2- أن يكون الربح معلوم القدر
‏3- أن يكون الربح جزءاً شائعاً
وهذه الشروط عامة في كل شركة.‏
ويضاف إلى هذه الشروط الشروط التالية، وهي الشروط الخاصة بشركة المفاوضة ‏وهي:‏
‏1- أهلية الكفالة في العاقدين. وذلك بأن يكونا حرين بالغين عاقلين راشدين غير محجور ‏عليهما.‏
‏2- أن يكون رأس المال من النقدين: وهما المضروب من الذهب والفضة خاصة، وأما ‏حصولها بالفلوس والتبر والنقرة ففيها ما مرّ في شركة العنان.‏
‏3- أن يتساوى الشريكان في مالهما الذي تصح به الشركة، فإذا كان المالان متفاضلين لم ‏تصح مفاوضة، لأن المفاوضة تنبئ عن المساواة، فلا بدّ من اعتبار المساواة فيها ما أمكن، ‏والمساواة في القدر باتفاق، وفي القيمة على المشهور، فلو كانا متساويين في القدر، ولكنهما ‏مختلفان في القيمة، كأن كان أحدهما دنانير صحاصاً، والآخر مكسرة، واختلفت القيمة لم يصح ‏على المشهور.‏
‏4- أن يتساوى الشريكان في الربح: فلو شرط أحدهما لنفسه زيادة من الربح لم تصح ‏مفاوضة، وقد تصح عناناً.‏
‏5- أن تكون المفاوضة في جميع التجارات، فلا يختص أحد الشريكين بتجارة دون ‏شريكه، لأن في الاختصاص إبطالاً لمعنى المفاوضة وهي المساواة.‏
‏6- أن يتساوى الشريكان في حق التصرف في أموالهما عامة: فلا تصح مفاوضة بين ‏عبد وحرّ، ولو كان العبد مكاتباً أو مأذوناً، لأن المكاتب قد يعجز عن أداء بدل الكتابة، فيعود عبداً ‏فاقداً للذمة والمأذون محدود التصرف بالإذن لا يتعداه، أما الحرّ فمطلق التصرف.‏
ولا تصح كذلك بين مسلم وغير مسلم، لأنهما مختلفان في حق التصرف، إذ إن غير ‏المسلم يصح منه شراء الخمر، دون المسلم، وأجازها أبو يوسف مع الكراهة، لاستوائهما في ‏أهلية الوكالة والكفالة.‏
‏7- أن لا يكون لأحد المتفاوضين مال مما تصح فيه الشركة ولا يدخل في الشركة، فإن ‏كان لم تكن مفاوضة، لأن ذلك يمنع المساواة. وإن تفاضلا في الأموال التي لا تصح فيها الشركة ‏كالعروض والعقار والدين جازت المفاوضة، وكذا المال الغائب لأن مالاً تنعقد عليه الشركة كان ‏وجوده وعدمه سواء، وكان التفاضل فيه كالتفاضل في الزوجات والأولاد.‏
‏8- أن تكون الشركة بلفظ المفاوضة: لأن للمفاوضة شرائط لا يجمعها إلا لفظ المفاوضة ‏ويقوم مقام لفظ المفاوضة ذكر جميع أحكامها وشروطها.‏
هذا ولا بدّ من البيان هنا أنه إذا فقد شرط من شروط المفاوضة انعقدت شركة عنان.‏

ما يترتب على شركة المفاوضة من الآثار:‏
إذا تمت المفاوضة مستوفية شرائطها جميعها نتج عنها حكمها، ويتلخص في الأمور ‏التالية:‏
‏1- تطلق يد الشركاء جميعاً في مال الشركة على حد سواء، ويكن كل ما اشتراه أحد ‏الشركاء مشتركاً بين الجميع، إلا طعام أهله وكسوتهم، وكذلك كل ما كان من حوائجه الخاصة، ‏كاستئجار دار للسكن وشرائها لذلك، وما أشبه ذلك.‏
‏2- كل ما ينشأ عن تصرفات أحدهم فيما يخص الشركة من دين أو ضمان غصب، أو ‏كفالة بمال أو غير ذلك، فإنه يلزم الآخرين بموجب عقد الشركة.‏
‏3- كل ما تحصل من ربح في الشركة يكون بين الشركاء بالتساوي، وكذلك الخسارة.‏
‏4- إذا حصل أحد الشركاء على مال من خارج الشركة مما تصح به الشركة، بطريق ‏هبة أو إرث أو غير ذلك فقد فسدت شركة المفاوضة وانقلبت عناناً لاختلال أحد شروطها كما ‏مرّ، لأن شرط التساوي في الأموال شرط صحة في الابتداء والبقاء على حد سواء.‏
‏5- إذا هلك مال الشركة جميعه بطلت الشركة.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:08 PM
شركة الأبدان


‏ ‏
تعريف شركة الأبدان:‏
هي أن يعقد اثنان أو أكثر على أن يشتركا في تقبل أعمال معينة والقيام بها، على أن ‏يكون ما يدخل عليهما من ربح بسببها مشتركاً بينهما.‏
وتسمى هذه شركة الأعمال والتقبل والصنائع.‏

حكم شركة الأبدان:‏
ذهبت الحنفية والمالكية والحنابلة إلى جوازها، إلا أن المالكية يشترطون في صحة هذه ‏الشركة اتحاد الصنعة في الشركاء، فلا تجوز بين مختلفي الصنائع، إلا أن تكون إحداهما تسلتزم ‏الأخرى، بأن يتوقف عمل أحدهما على عمل الآخر كغزال ونساج، فيجوز.‏
ويشترطون لها أيضاً اتفاق المكان الذي يعملان فيه، فإن كان الشريكان في موضعين لم ‏يجز.‏
ويرى الحنابلة جواز هذه الشركة حتى في المباحات كالاحتطاب والاحتشاش ونحوهما.‏
ويرى الحنفية جوازها فيما تصح فيه الوكالة، فلا تصح في المباحات لأنها لا تصح ‏الوكالة فيها فإنها تملك بالاستيلاء.‏
وذهب الشافعية إلى أنها باطلة، لأن الشركة عندهم تختص بالأموال لا بالأعمال، لأن ‏العمل لا ينضبط فكان فيه غرر، إذ لا يدري أحدهما أن صاحبه يكسب أم لا، ولأن كل واحد ‏متميز عن الآخر ببدنه ومنافعه فيختص بفوائده، كما لو اشتركا في الاحتطاب والاحتشاش ‏والاصطياد وسائر المباحات. وكما لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميزة، ويكون الدر والنسل ‏بينهما.‏

أدلة جواز شركة الأبدان:‏
استدل من يقول بجواز شركة الأبدان بالجملة بأدلة:‏
‏1- ما روي عن ابن مسعود أنه قال: "اشتركت أنا وعمار وسعد يوم بدر، فأصاب سعد ‏أسيرين ولم أصب أنا وعمار شيئاً، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم علينا". رواه أبو داود ‏والنسائي وابن ماجه.‏
‏2- الإجماع: وهو أن الناس كانوا يتعاملون بها في سائر الأعصار من غير نكير عليهم ‏من أحد وقال عليه الصلاة والسلام: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".‏
‏3- القياس: فلقد قاسوا هذه الشركة على المضاربة وقالوا: إن العمل أحد جهتي المضاربة ‏فصحت الشركة عليه كالمال.‏
‏4- المعقول: وهو أن شركة الأموال شرعت لتنمية المال، وشركة الأعمال شرعت ‏لتحصيل أصل المال. والحاجة إلى تحصيل أصل المال فوق الحاجة إلى تنميته، فلما شرعت ‏لتحصيل الوصف كانت مشروعيتها لتحصيل الأصل أولى.‏

شروط صحة شركة الأبدان:‏
شركة الأبدان "الأعمال" عند الحنفية إما أن تكون شركة مفاوضة وإما أن تكون شركة ‏عنان، ولكلّ من هذين النوعين شروط تخصه:‏
أ- شروط شركة المفاوضة في الأبدان.‏
إذا كانت شركة الأبدان شركة مفاوضة اشترط لصحتها كل ما يشترط في شركة ‏المفاوضة، ما عدا ما يخص الأموال، لأنه ليس فيها أموال، فيشترط فيها أهلية الكفالة والوكالة، ‏وأن يتساويا في حق التصرف، وأن يتساويا في الربح والخسارة وأن تكون بلفظ المفاوضة أو ما ‏يقوم مقامه.‏
ب- شروط شركة العنان في الأبدان:‏
إذا كانت شركة الأبدان شركة عنان فإنه يشترط فيها ما يشترط في شركة العنان سوى ما ‏يتصل بالأموال أيضاً، فيشترط فيها الوكالة ليس غير، وعلى هذا فكل مفاوضة في شركة الأبدان ‏فسدت لفقد بعض شروطها تنقلب عناناً. ويشترط بالإضافة لما ذكر سواء أكانت مفاوضة أم عناناً ‏أن يكون العمل الذي يقوم به الشركاء من الأعمال التي تصح الإجارة عليها، وذلك كتقبل الخياطة ‏والصباغة، وتعليم الكتابة والفقه وما أشبه ذلك، دون الغناء والموسيقى والشهادة لدى القاضي، ‏فإنها لا تصح الإجارة عليها.‏
‏ ‏
ما يترتب على شركة الأبدان من آثار:‏
إذا وقعت شركة الأبدان صحيحة ترتب عليها الأحكام التالية:‏
‏1- أن كل ما يحصل عليه أحد الشركاء من ربح نتيجة عمله بعد عقد الشركة فهو بين ‏الشركاء إن كانت شركة مفاوضة وكذلك الخسارة، وإن كانت شركة عنان فالربح بينهما على ‏حسب الاتفاق من مساواة أو تفاضل، والخسارة بالتساوي.‏
‏2- لكل من الشركاء أن يتقبل الأعمال، وكل ما يتقبله أحد الشركاء من عمل يكلف به ‏الشركاء جميعاً، ويطالبون به جميعاً، لأنه يتقبله عن نفسه بالأصالة وعن شريكه بالوكالة فيجب ‏عليهما.‏
‏3- يجوز لأي من الشركاء مطالبة صاحب السلعة بالأجر، ولو لم يكن هو المتقبل منه.‏
‏4- إذا دفع المستأجر الأجرة إلى أي من الشركاء جاز وبرئت ذمته، ولو لم يكن هو ‏الصانع له.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:10 PM
شركة الوجوه‏ ‏

تعريف شركة الوجوه:‏
هي أن يشترك وجيهان عند الناس أو أكثر من غير أن يكون لهما رأس مال على أن ‏يشتريا مالاً بالنسيئة "بمؤجل" ويبيعاه، ثم يوفون ثمنها لأصحابها، وما فضل عن ذلك من ربح ‏يكون مشاعاً بينهما.‏
وسميت بشركة الوجوه أخذاً من الوجاهة، لأنه لا يشتري بالنسيئة إلا من له وجاهة عند ‏الناس، وقيل لأنهما يشتريان من الوجه الذي لا يعرف، ويقال لها أيضاً شركة المفاليس، لانعدام ‏رأس المال فيها. وتعرف هذه الشركة أيضاً بالشركة على الذمم من غير صنعة ولا مال.‏

حكم شركة الوجوه:‏
اختلف الفقهاء في صحة هذه الشركة.‏
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنها شركة جائزة، ودليلهم في ذلك بعض ما ورد من الأدلة ‏في شركة الأبدان.‏
وذهب الشافعي ومالك إلى بطلان هذه الشركة، لأن الشركة إنما تتعلق على المال أو ‏العمل، وكلاهما معدومان في هذه المسألة، مع ما في ذلك من الغرر لأن كل واحد منهما عاوض ‏صاحبه بكسب غير محدود بصناعة ولا عمل مخصوص.‏

شروك صحة شركة الوجوه عند من يقول بها:‏
شركة الوجوه على نوعين كشركة الأبدان: مفاوضة وعنان فيشترط فيهما ما يشترط في ‏شركة الأبدان بنوعيها.‏
‏ ‏
ما يترتب على شركة الوجوه من آثار:‏
إذا كانت شركة الوجوه مفاوضة ترتب عليها ما يترتب على شركة المفاوضة في الأبدان ‏وإن كانت شركة عنان صح تفاوت الشريكين في حصتهما من الشيء المشتري، وأما استحقاق ‏الربح فيكون بينهما على قدر الحصة في الملك، ولا يجوز أن يزيد أحدهما على ربح حصته شيئاً. ‏لأن استحقاق الربح في شركة الوجوه بالضمان والضمان بقدر الملك في المشترى.‏

فساد عقد الشركة‏ ‏
فساد عقد الشركة عند الشافعية وما يترتب عليه:‏
بما أن الشافعية لا يصح عندهم من الشركات الأربع إلا شركة العنان بشروطها المذكورة ‏‏- فشركة العنان نفسها عندهم إما أن تكون صحيحة - وهي الشركة التي استوفت جميع شروطها ‏‏- وإما أن تكون فاسدة - وهي ما اختل فيها شرط من شروط الصحة -.‏
وإذا حكمنا على الشركة بأنها فاسدة لنقصان شرط من شروط صحتها ترتب على ذلك ‏الأمور التالية:‏
أولاً: يقسم الربح على حسب مقدار المالين، لأنه مستفاد منهما وقد أبطلنا الشركة فيرجع ‏إلى الأصل.‏
ثانياً: يعود كل منهما على الآخر بأجرة عمله في ماله كما في شركة المضاربة إذا ‏فسدت.‏
ثالثاً: تنفذ التصرفات منهما لوجود الإذن في العقد.‏

فساد عقد الشركة عند الحنفية وما يترتب عليه:‏
عقد الشركة عند الحنفية من حيث الصحة وعدمها على ثلاثة أقسام:‏
القسم الأول أن تكون صحيحة من كل وجه وذلك بأن يستوفي كل نوع من أنواعها ‏شروطه المذكورة، فهذا القسم تترتب عليه آثاره التي تحدثنا عنها.‏
القسم الثاني: أن تكون فاسدة من وجه وصحيحة من وجه آخر، وذلك كأن تفسد مفاوضة ‏لنقصان شرط من الشروط الخاصة بها، ولكنها تصح عناناً، فإنها في هذه الحالة تعتبر صحيحة، ‏وتأخذ حكم الشركة التي صحت فيها، وتترتب عليها آثارها.‏
القسم الثالث: أن تكون فاسدة من كل الوجوه، فهذه هي الشركة الفاسدة ويكون حكمها كما ‏يلي:‏
أولاً: إذا كانت الشركة شركة أموال وزع الربح والخسارة على قدر رأس مال كل واحد ‏من الشركاء، ولو كان الشرط على خلاف ذلك، فلو تشارك اثنان فدفع كل واحد منها خمسة آلاف ‏واشترطا التفاضل في الربح قسم الربح بينهما مناصفة، ولو تشارك اثنان فدفع واحد منهم خمسة ‏آلاف والآخر عشرة آلاف واشترطا المساواة في الربح قسم الربح بينهما أثلاثاً، ولا عبرة هنا ‏للشرط الذي اشترطاه.‏
ثانياً: إذا كانت الشركة شركة أعمال وزع الربح فيها بين الشركاء على مقدار العمل، فإن ‏كان أحدهما هو الذي عمل وحده أخذ الربح وحده، وإن عمل نصف العمل أخذ نصف الربح وإن ‏عملاه معاً أخذ كل واحد نصف ربحه إن لم يعلم ما لكل واحد منهما، فإن علم استحق المعلوم. ‏وإن كان العمل من أحدهما وأعانه الآخر إعانة، فالربح للعامل وللآخر أجر مثله بالغاً ما بلغ في ‏قول عند الحنفية، لا يجاوز به نصف ثمن ذلك.‏

انتهاء عقد الشركة الصحيحة:‏
ينتهي عقد الشركة الصحيحة بالأمور التالية:‏
‏1- فسخ عقد الشركة من أحد الشريكين، لأن عقد الشركة عقد جائز غير لازم.‏
‏2- موت أحد الشريكين، فإن مات أحد الشريكين انفسخت الشركة لزوال الملك، وزوال ‏أهلية التصرف بالموت، لأن الشركة تتضمن الوكالة. والوكالة تنتهي بالموت. أما لو كان الشركاء ‏أكثر من اثنين فإن الشركة تنفسخ في حق الميت خاصة، وتبقى بالنسبة للباقين من الشركاء، لأن ‏الوكالة باقية في حقهم.‏
والحكم لا يختلف سواء أعلم الشريك الآخر بالموت أم لم يعلم، لأن الموت عزل حكمي ‏عن الوكالة.‏
‏3- ارتداد أحد الشريكين ولحوقه بدار الحرب، لأن ذلك في حكم الموت.‏
‏4- جنون أحد الشريكين جنوناً مطبقاً، ويقدر الإطباق بشهر أو بنصف حول على ‏الخلاف في ذلك، وكالجنون والإغماء.‏
‏5- إنكار أحد الشركاء الشركة، وذلك بأن يقول لست شريكاً في هذه الشركة أو يقول لا ‏أعمل معك.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:14 PM
شركة المضاربة "القراض"‏
‏ ‏
تعريف شركة المضاربة لغة:‏
اشتقاق هذه التسمية:‏
هذه الشركة التي نتحدث عنها تسمى عند أهل الحجاز "القراض" ولفظ القراض مشتق ‏من القرض وهو القطع، سميت هذه الشركة بذلك لأن المالك يقطع للعامل قطعة من ماله يتصرف ‏فيها، وقطعة من الربح.‏
وتسمى عند أهل العراق "المضاربة" لأن كلاً منهما يضرب بسهم من الربح، ولما فيها ‏من السفر، والسفر في اللغة يسمى ضرباً.‏

تعريف المضاربة شرعاً:‏
المضاربة: أن يدفع المالك إلى العامل مالاً ليتجر فيه، والربح مشترك بينهما.‏

مشروعية المضاربة ودليلها:‏
شركة المضاربة مشروعة وجائزة عند المسلمين، واستدل العلماء على مشروعيتها ‏بالسنة والإجماع.‏
أما السنة:‏
‏1- فما روى ابن عباس عن أبيه العباس رضي الله عنهما "أنه كان إذا دفع مالاً مضاربة ‏اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحراً ولا ينزل به وادياً، ولا يشتري به دابة ذات كبد رطبة، ‏فإن فعل ذلك ضمن، فبلغ شرطه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه". رواه البيهقي بإسناد ‏ضعيف.‏
‏2- وما أخرجه ابن ماجه عن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ‏‏"ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط البرّ بالشعير للبيت لا للبيع".‏
‏3- ما رواه الدارقطني -ورجاله ثقات - عن حكيم بن حزام أنه كان يشترط على الرجل ‏إذا أعطاه مالاً مقارضة يضرب له به أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر. ولا ‏تنزل به بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي".‏
وأما الأجماع: فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتعاملون بالمضاربة ‏من غير نكير فكان إجماعاً.‏
‏ ‏
حكمة مشروعية القراض "المضاربة":‏
حكمة مشروعيتها: هي مشروعة لشدة الحاجة إليها من الجانبين، فإن من الناس من هو ‏صاحب مال ولا يهتدي إلى التصرف، ومنهم من هو بالعكس، فشرعت لتنتظم مصالحهم، فإنه ‏عليه الصلاة والسلام بعث والناس يتعاملونها فتركهم عليها وتعاملها الصحابة رضي الله عنهم.‏

حكم عقد شركة المضاربة:‏
أجمع العلماء على أن عقد المضاربة لا يقتضي اللزوم بل هو عقد جائز، وأن لكل واحد ‏منهما فسخه مالم يشرع العامل في العمل.‏
واختلف الفقهاء إذا شرع العامل:‏
فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: العقد غير لازم، ولكل منهما الفسخ متى شاء، وليس هو ‏عقداً يورث.‏
وقال مالك: هو لازم بعد الشروع، وهو عقد يورث، فإن مات وكان للمقارض بنون أمناء ‏كانوا في القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أمناء كان لهم أن يأتوا بأمين.‏
‏ ‏
ركن المضاربة وألفاظها وأنواع المضاربة:‏
أ- ركن المضاربة:‏
ركن عقد المضاربة هو الإيجاب والقبول بألفاظ تدل عليهما.‏
فألفاظ الإيجاب: هي ضاربتك وقارضتك وعاملتك، وما يؤدي معاني هذه الألفاظ فيقول ‏مثلاً قارضتك بهذا المال الذي هو ألف ليرة على أن ما رزقنا الله منه من ربح يكون مناصفة أو ‏غير ذلك من الأجزاء المعلومة المتفق عليها، وألفاظ القبول: هي أن يقول العامل المضارب: قبلت ‏منك ذلك أو ما يدل على الرضا والقبول. ويشترط كون القبول متصلاً بالإيجاب.‏
فإذا وجد الإيجاب والقبول صح العقد.‏
هذا ولا يصح تعليق الصيغة على شرط كقول إذا جاء شهر رمضان فقد قارضتك لا ‏يصح هذا عند الشافعي.‏
ب- أنواع المضاربة:‏
تكون المضاربة على نوعين مطلقة ومقيدة:‏
فالمطلقة: أن يدفع شخص المال إلى آخر دون تقييد بزمن أو نوع أو غير ذلك فهذه جائزة ‏عند الجميع.‏
والمقيدة: أن يدفع لشخص مائة دينار ليعمل بها مدة معينة أو بضاعة معينة لم تصح عند ‏الشافعي، لأنه قد لا يكون ربح في ذلك وتصح عند أبي حنيفة، ويعمل بالقيد إن كان مفيداً، وإلا ‏لغا القيد.‏
‏ ‏
شروط المضاربة:‏

‏1- شروط العاقدين: يشترط في العاقدين - رب المال والعامل - أهلية الوكالة والتوكيل، ‏لأن المضارب يتصرف بإذن صاحب المال، وهذا معنى التوكيل.‏
وفي الحقيقة أن المضارب له عدة صفات: المضارب أمين، وبالتصرف وكيل، وبالربح ‏شريك، وبالفساد أجير، وبالخلاف غاصب، وباشتراط كل الربح له مستقرض، وباشتراطه لرب ‏المال مستبضع.‏
‏ ‏
‏2- شروط رأس المال:‏
يشترط في رأس المال شروط هي:‏
أولاً: أن يكون رأس المال من النقود، فلا يجوز عروض وتبر وحلي وغير ذلك.‏
ثانياً: أن يكون رأس المال معلوم المقدار: فلا تصح على مجهول القدر دفعاً لجهالة ‏الربح.‏
ثالثاً: أن يكون رأس المال معيناً: فلا تصح المضاربة على دين، إلا أنه إذا قارضه على ‏نقد في ذمته ثم عينه في المجلس صح، وكذا لو كان في ذمة العامل وعينه في المجلس.‏
رابعاً: أن يكون رأس المال مسلماً إلى العامل: وليس المراد اشتراط تسلميه حال العقد أو ‏في مجلسه وإنما المراد أن يستقل العامل باليد عليه والتصرف فيه، فلا يصح اشتراط أن يكون ‏المال في يد المالك أو غيره ليوفي منه ثمن ما اشتراه العامل، ولا شرط مراجعته في التصرف ‏لأنه قد لا يجده عند الحاجة.‏
خامساً: استقلال العامل بالتصرف.‏
وكذلك لا يصح اشتراط عمل رب المال معه، فإن شرط فسدت المضاربة، لأن شرط ‏عمله معه شرط بقاء يده على المال. أما إذا لم يشترط ذلك إلا أنه استعان به على العمل، أو دفع ‏إليه المال بضاعة جاز، لأن الاستعانة لا توجب خروج المال عن يده.‏

شروط الربح:‏
يشترط في الربح ما يلي:‏
أولاً: أن يكون الربح معلوم القدر بالجزئية: لأن المعقود عليه والمقصود من العقد الربح، ‏وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد، والعلم بالجزئية كأن يقول قارضتك على أن يكون الربح ‏بيننا مناصفة.‏
ثانياً: أن يكون الربح مشتركاً بينهما: فلو قال قارضتك على أن يكون كله لكفقراض ‏فاسد، ويستحق العامل أجرة المثل هذا عند الشافعية.‏
وعند الحنفية والحنابلة ينعقد قرضاً، والربح للعامل.‏
ولو قال قارضتك على أن يكون الربح لي وقبل المضارب، لم يكن العقد مضاربة، ولكن ‏يكون إبضاعاً. والإبضاع بعث المال مع من يتجر فيه متبرعاً.‏
ثالثاً: أن يكون مختصاً بهما: فلا يصح شرط شيء منه لثالث إلا إذا كان عبد المالك أو ‏عبد العامل، فإن ما شرط له يضم إلى ما شرط إلى سيده.‏
رابعاً: أن يكون النصيب من الربح جزءاً مشاعاً: فإن شرطا عدداً مقدراً بأن شرطا أن ‏يكون لأحدهما مائة دينار مثلاُ من الربح أو أقل أو أكثر. فسدت المضاربة، لجواز أن لا يربح ‏المضارب إلا هذا القدر المذكور، فيكون لأحدهما دون الآخر فلا تتحقق الشركة، فلا يكون ‏التصرف مضاربة.‏
وكذلك إن شرطا أن يكون لأحدهما النصف أو الثلث ومائة دينار، فإنه لا يصح.‏

يد المضارب:‏
اتفق أئمة المذاهب على أن يد الشريك المضارب يد أمانة، فلا يضمن إلا بالتفريط، ‏والمال عنده بمنزلة الوديعة.‏
وإذا اشترى المضارب به شيئاً صار بمنزلة الوكيل بالبيع والشراء، فتطبق عليه أحكام ‏الوكالة.‏
وإذا فسدت المضاربة بسبب من الأسباب صارت إجارة، والمضارب بمنزلة الأجير ‏لرب المال.‏
وإذا خالف المضارب شرط رب المال، كأن فعل ما ليس له فعله، صار بمنزلة الغاصب، ‏ويصير المال مضموناً عليه للتعدي.‏
‏ ‏
ما ليس للمضارب فعله:‏
أ- لا يشتري للقراض بأكثر من رأس المال وربحه، لأن المالك لم يرض أن يشغل العامل ‏ذمته إلا بذلك، فإن اشترى شيئاً بالذمة وقع ذلك للعامل.‏
ب- لا يجوز لصاحب المال معاملة المضارب عند الشافعي. لأن هذا يفضي إلى بيع ماله ‏بماله.‏
وأجازه أبو حنيفة.‏
جـ- لا يسافر بالمال إلا بإذن من رب المال، لأن السفر مظنة الخطر، فإن أذن له جاز ‏بحسب الإذن، وإن أطلق الإذن سافر لما جرت به العادة من البلاد المأمونة، هذا عند الشافعية.‏
أما عند الحنفية في الرواية المشهورة فيصح السفر للمضارب لأن العقد مطلق، ‏والمضاربة مشتقة من الضرب في الأرض وهذا دليل على جواز السفر.‏
د- لا يبيع نسيئة إلا بإذن المالك عند الشافعي.‏
وعند الحنفية يبيع نسيئة لأن مطلق العقد يتناول ذلك وغيره مما هو معتاد بين التجار.‏
هـ- لا يجوز في الأصح عند الشافعية أن يقارض العامل آخر ليشاركه في العمل والربح، ‏ولو بإذن المالك، لأن موضوع القراض أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له، والآخر عاملاً لا ‏ملك له وهذا يدور بين عاملين.‏
وعند الحنفية يصح إن أذن له رب المال أو قال له: اعمل برأيك.‏
و- لا ينفق العامل المضارب من المال على نفسه حضراً وكذا سفراً في الأظهر، لأن له ‏نصيباً من الربح فلا يستحق شيئاً آخر، ولأن النفقة قد تكون قدر الربح فيؤدي إلى انفراده به، وقد ‏تكون أكثر فيؤدي إلى أن يأخذ جزاءً من رأس المال، وهو ينافي مقتضاه، فلو شرط له النفقة في ‏العقد فسد، ومقابل الأظهر أنه ينفق بالمعروف ما يزيد بسبب السفر كالإداوة والخف والكراء وما ‏أشبه ذلك، هذا هو مذهب الشافعي.‏
وذهب الحنفية إلى أنه ليس له نفقة في الحضر، أما إذا سافر فله النفقة.‏
لاشك أن الربح في شركة المضاربة الصحيحة يكون اقتسامه على حسب الاتفاق في ‏العقد.‏
وأما إذا كانت هناك خسارة فهي على صاحب المال، وليس على العامل منه شيء إذا لم ‏يكن مقصراً.‏
متى يملك العامل حصته من الربح:‏
يملك العامل حصته من الربح بالقسمة لا بالظهور في الأظهر، إذ لو ملك به لكان شريكاً ‏في المال، حتى لو هلك منه شيء هلك من المالين، وليس كذلك، بل الربح وقاية لرأس المال. ‏ومقابل الأظهر أنه يملك حصته بالظهور قياساً على المساقاة، وفرق الأول بأن الربح وقاية لرأس ‏المال، بخلاف نصيب العامل من الثمار، فإنه لا يجبر به نقص النخل.‏
وعلى الأول له فيه قبل القسمة حق مؤكد يورث عنه، ويقدم به على الغرماء لتعلقه ‏بالعين، ويصح إعراضه عنه، ويغرمه له المالك بإتلافه المال أو استرداده.‏

ما يطرأ من النقص على رأس المال:‏
بعد عقد القراض قد يطرأ نقص في رأس المال، فمن يتحمل هذا النقص؟
هناك أسباب متعددة لهذا النقص نعرضها فيما يلي مع أحكامها:‏
أولاً: إذا كان النقص حاصلاً بسبب الرخص أو العين فهو محسوب من الربح ما أمكن ‏الحساب منه، ومجبور ذلك النقص من الربح، لاقتضاء العرف ذلك.‏
ثانياً: إذا تلف بعضه بآفة أو غصب أو سرقة بعد تصرف العامل، فجبر ذلك أيضاً في ‏الربح على الأصح، قياساً على ما مرّ، ومقابل الأصح أنه على المالك، لأنه نقص لا تعلق له ‏بتصرف العامل وتجارته بخلاف الحاصل بالرخص، وليس ناشئاً من نفس المال بخلاف المرض ‏والعيب.‏
ثالثاً: إذا تلف بعضه بآفة أو غصب أو سرقة قبل تصرفه، فالأصح أنه يحسب من رأس ‏المال. لأن العقد لم يتأكد بالعمل، ومقابل الأصح أنه يحسب من الربح لأنه بقبض العامل قد صار ‏مال قراض.‏
أما إذا تلف رأس المال جميعه فقد انتهت المضاربة.‏

انتهاء عقد المضاربة:‏
ينتهي عقد المضاربة بواحد من الأمور التالية:‏
أولاً: الفسخ: بما أن عقد المضاربة عقد جائز، فينتهي بفسخهما أو فسخ أحدهما متى شاء ‏من غير حضور الآخر ولا رضاه، لأن القراض في ابتدائه وكالة، وفي انتهائه إما شركة أو ‏جعالة، وكلها عقود جائزة.‏
ويحصل الفسخ بقوله: فسخت عقد القراض أو رفعته أو أبطلته أو لا تتصرف بعد هذا، ‏أو نحو هذا، كما يحصل الفسخ باسترجاع المال، فإن استرجع بعض المال انفسخ فيه، وبقي في ‏الباقي.‏
وعند الحنفية لابدّ من علم المقارض بالفسخ، ويترتب على ذلك أنه إذا لم يعلم بالفسخ ‏وتصرف نفذ تصرفه.‏
وإذا علم بالعزل، وكان المال عروضاً فله أن يبيعه إذا توقع فيه ربحاً كأن ظفر بسوق أو ‏راغب.‏
وكذلك عليه أن يبيع العروض لينض رأس المال ويظهر الربح إذا طلب المالك منه ذلك.‏
ثانياً: موت أحد العاقدين: لأن المضاربة تشتمل على الوكالة، والوكالة تبطل بموت ‏الموكل أو الوكيل.‏
إلا أن للمضارب إذا مات المالك التنضيض بغير إذن الورثة، اكتفاء بإذن العاقد كما في ‏حال الحياة. بخلاف ما لو مات العامل، فإن ورثته لا تملك البيع بدون إذن المالك لأن صاحب ‏المال لم يرض بتصرفهم.‏
وعند المالكية إن مات العامل لا تنفسخ المضاربة بل لوارثه الأمين أن يكمل على حكم ما ‏كان مورثه، وإن لم يكن الوارث أميناً أتي بأمين كالعامل في الأمانة والثقة. وإن لم يأت بأمين سلم ‏المال لصاحبه هدراً من غير شيء، لأن عمل القراض كالجعل لا يستحق العامل فيه شيئاً إلا بتمام ‏العمل.‏
ثالثاً: جنون أحد العاقدين: فإذا جن أحدهما جنوناً مطبقاً بطلت المضاربة، لأن الجنون ‏المطبق مبطل لأهلية التصرف والآمر. وحدَّ الحنفية الجنون المطبق بما يستوعب الشهر وفي ‏قول ما يستوعب السنة.‏
أما الشافعية فقد ذكروا الجنون مطلقاً، وقالوا: وإن زال عن قرب، لأنه لو قارن منع ‏الانعقاد، فإذا طرأ قطعه. وجعلوا الإغماء مبطلاً كالمجنون.‏
رابعاً: هلاك رأس مال المضاربة: سواء في ذلك أتلف بآفة سماوية أم بإتلاف المالك أم ‏العامل أم أجنبي، لكن يستقر نصيب العامل من الربح فيما إذا أتلفه المالك، ويبقى القراض فيما إذا ‏أتلفه أجنبي إذا أخذ منه البدل، والمطالب بالبدل هو المالك إن لم يكن ربح، فإن كان في المال ربح ‏فالخصم في المطالبة المالك والعامل. وكذلك الحكم إذا أتلفه العامل فهو كالأجنبي.‏
خامساً: الردة، فإذا ارتد رب المال عن الإسلام ومات أو قتل على الردّة، أو لحق بدار ‏الحرب وقضى القاضي بلحاقه بطلت المضاربة من يوم الردّة عند أبي حنيفة رحمه الله، لأن ‏اللحاق بدار الحرب بمنزلة الموت، وهو يزيل أهلية رب المال، بدليل أن المرتد يقسم ماله بين ‏ورثته.‏
وبعض الحنفية قالوا: لا تبطل لأن تصرفاته نافذة، وإذا كان المرتد هو المضارَب ‏فالمضاربة على حالها في قولهم جميعاً، لأن وقوف تصرف رب المال بنفسه لوقوف ملكه، ولا ‏ملك للمضارب فيتصرف فيه بل الملك لرب المال ولم توجد منه الردّة فبقيت المضاربة.‏
وإن مات المضارب أو قتل على الردّة بطلت المضاربة، لأن موته في الردّة كموته قبل ‏الردّة، وكذا إذا لحق بدار الحرب وقضي بلحوقه، لأن ردّته مع اللحاق والحكم به بمنزلة موته في ‏بطلان تصرفه.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:15 PM
‏1- شركة التضامن:

وهي الشركة التي يعقدها اثنان أو أكثر بقصد الاتجار في جميع ‏أنواع التجارات أو في بعضها، ويكون الشركاء فيها مسؤولين بالتضامن عن جميع التزامات ‏الشركة، ليس في حدود رأس المال فقط، بل قد يتعدى ذلك إلى الأموال الخاصة لكل شريك.‏
ويلاحظ أن لعنصر الضمان (أو الكفالة أو الالتزام) في هذه الشركة شبهاً فيما تتميز به ‏شركة المفاوضة التي لم يجزها غير الحنفية والزيدية، وهي التي تتطلب الاشتراك في عموم ‏التجارات، بشرط التساوي بين الشركاء في رأس المال والتصرف والدين أي الملة، ويكن كل ‏شريك كفيلاً عن الآخر فيما يلتزم به من التزامات تتعلق بالشركة. وبما أن تحقيق المساواة بين ‏الشركاء أمر عسير، لاحتمال حدوث زيادة في أموال كل من الشركاء، فتصبح هذه الشركة نادرة ‏الوجود، أو قصيرة الأجل وعديمة الاستمرار، مما يجعلها سريعة التحول والانقلاب إلى شركة ‏عنان.‏
وشركة العنان لا تتطلب المساواة في المال ولا في التصرف ولا في الملة، وهي أن ‏يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه، والربح بينهما. فيجوز أن يكون مال أحدهما أكثر ‏من الآخر، كما يجوز أن يكون أحدهما مسؤولاً عن الشركة، والآخر غير مسؤول، فليس فيها ‏كفالة، فلا يطالب أحدهما إلا بما عقده بنفسه من التصرفات، أما تصرفات شريكه فهو غير ‏مسؤول عنها. ويقسم الربح بينهما حسب شرطهما الذي اتفقا عليه عند جمهور الفقهاء (خلافاً ‏للشافعي فإن الربح عنده على قدر المال)، فيجوز أن يزيد ربح أحدهما عن الآخر بسبب خبرته ‏في التجارة، مع التساوي في رؤوس الأموال أو التفاوت فيها، وتكون الوضيعة أو الخسارة على ‏قدر رأس المال باتفاق المذاهب عملاً بالحديث "الربح على ما شرطا، والوضيعة على قدر ‏المالين" ولا مانع من اشتراط الكفالة في شركة العنان، فيصبح كل شريك كفيلاً عن صاحبه ‏وضامناً له، لأن الكفالة عقد تبرع، وقد شرطها الشريكان، وهي جائزة في غير الشركة، وإذا ‏جازت الكفالة بين شخصين لا علاقة مالية بينهما، فلأن تجوز بين شخصين ارتبطاً بعقد الشركة ‏أولى. ويؤكد ذلك أن الأصل في العقود هو التراضي، والشركة عقد يقوم على التراضي، فيلزم ‏الوفاء بكل شرط لا يصادم النصوص الشرعية.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:15 PM
‏2- شركة التوصية البسيطة:

هي الشركة التي تعقد بين شركاء بعضهم متضامنون، ‏وبعضهم موصون، فالمتضامنون هم الذين لهم أموال ويقومون بأعمال إدارة الشركة، وهم ‏مسؤولون عن الإدارة، متحملون لالتزاماتها، متضامنون في هذه المسؤولية وفي إيفاء ديون ‏الشركة. والموصفون: يقدمون المال، ولا يسألون عن إدارتها، ولا يتحملون التزاماتها.‏
وهذه الشركة جائزة أيضاً، لأن فقهاءنا أجازوا في شركة العنان أن يشترط العمل لأحد ‏الشريكين، ويسأل عنه دون غيره، ويجوز بناء على ذلك أن تشترط زيادة الربح للعامل، أو يقدر ‏له مرتب خاص، ويكون أجيراً. ولا فرق بين أن يكون المسؤول عن إدارة الشركة شريكاً واحداً ‏أو أكثر، وغير المسؤول واحداً أو أكثر، فاشتراط الكفالة والمسؤولية بين الفريق الأول دون ‏الثاني جائز، كما بينّا في شركة التضامن.‏
كما أنه يمكن جعل هذه الشركة نوعاً من أنواع شركة المضاربة، الشريك المتضامن هو ‏المضارب، المتصرف في الشركة، المسؤول عن الحقوق المتعلقة بها أمام الغير. والشريك ‏الموصي هو رب المال في شركة المضاربة، وهو غير مسؤول عن إدارة الشركة، ولا يضمن ‏لأصحاب الحقوق المتعاملين حقوقهم، ولا يتحمل من الالتزامات إلا خسارة رأس ماله في حالة ‏الخسارة، ولا يسأل العامل المضارب عن الخسارة فيما يسمح له من التصرفات، ويكون ‏المضارب حر التصرف بحسب عادة التجار، وتوزع الأرباح على حسب الاتفاق بين المتشاركين ‏في شركة المضاربة.‏
والخلاصة: أن هذه الشركة تعتبر شركة مضاربة مع بعض الفروق الطفيفة بينهما في ‏الأحكام الفقهية. ويلاحظ أن انتشار شركات المساهمة حدَّ كثيراً من انتشار شركات التوصية، لأن ‏شركات المساهمة تمارس عادة نشاطاً واسعاً في الاستثمارات، وكثيراً ما يكون التوفيق حليفها لما ‏يتوفر لها من رؤوس أموال كبيرة. ومزية شركة التوصية تتحقق في شركة المساهمة، وهذه ‏المزية هي أن المساهم لا يكتسب صفة التاجر، ولا يسأل إلا في حدود قيمة الأسهم التي اكتتب ‏فيها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:16 PM
‏3- شركة المحاصة:

هي عقد كباقي العقود، يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم ‏في مشروع مالي، بتقديم حصة من مال، أو من عمل، لاقتسام ما قد ينشأ من ربح أو من خسارة، ‏إلا أنها تمتاز بخفائها عن الجمهور، فليس لها رأس مال شركة، ولا عنوان شركة، فهي غير ‏معروفة من الناس، وليس لها وجود ظاهر، وليس لها شخصية معنوية مستقلة كباقي الشركات. ‏فهي شركة وقتية كالتي تنشأ في مزاد مثلاً أو في صفقة خاصة تنتهي بانتهائها، وتصفى الأرباح ‏عقب الفراغ منها. فالذي يبرز منها شريك واحد يتعامل في الظاهر باسمه، وتبقى الشركة ‏مستترة، ليس لها شخصية اعتبارية.‏
وهذه الشركة إجمالاً جائزة شرعاً، لأنها نوع من أنواع شركة العنان، ليست فيها مساواة، ‏ولا تضامن، ولا تكافل، وهي معقودة على نوع خاص من أنواع التجارات، والربح يوزع فيها ‏حسب الاتفاق، والخسارة تكون حسب رؤوس الأموال التي استعملت فيها.‏
وبصفة دقيقة تعد شركة المحاصة شركة عنان إذا كانت حصص الشركاء شائعة الملكية ‏بين الشركاء. وتعد شركة عنان ومضاربة إذا احتفظ كل شريك بملكية حصته، لكنه سلمها لواحد ‏لاستثمارها مع بقية الحصص لمصلحة الكل، على أن يقتسموا الربح أو الخسارة فيما بينهم ‏بحسب الاتفاق أو الحصص. فالمال المقدم من أصحابه إلى أحدهم يعد مضاربة، ويكون الشريك ‏المتصرف مضارباً، لكنه لما كان متقدماً بجزء من رأس المال فهو شريك عنان أيضاً، كما أنه إذا ‏تصرف معه بعض الشركاء، كانت الشركة شركة عنان بينهم. وأما الذين لم يساهموا في الإدارة ‏فهم شركاء مضاربون. ومن المعلوم أن شركة المفاوضة: هي اشتراك أنواع من شركة العنان ‏والوجوه والأبدان، لأن ماصح بانفراده، صح مع غيره. فيجوز بناء عليه تعدد أنواع من الشركات ‏في شركة واحدة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:17 PM
‏4- شركة المساهمة:

هي أهم أنواع شركات الأموال، وهي التي يقسم فيها رأس المال ‏إلى أجزاء صغيرة متساوية، يطلق على كل منها سهم غير قابل للتجزئة، ويكون قابلاً للتداول. ‏وتتحدد مسؤولية المساهم بقدر القيمة الاسمية لأسهمه. ويعتبر مدير الشركة وعمالها أجزاء عند ‏المساهمين، لهم مرتبات خاصة، سواء أكان مساهمين أم غير مساهمين. وليس لمدير الشركة أن ‏يستدين عليها بأكثر من رأس مالها، فإن فعل ضمن هو، ولا ضمان على المساهمين إلا في حدود ‏أسهمهم. وتوزع الأرباح بنسبة الأسهم أي بنسبة رؤوس الأموال. وتسمى شركة مغْفَلة لإغفال ‏الاعتبار الشخصي فيها، وإنما الاعتبار الأول في تكوينها هو للمال، وليس لشخصية الشركاء، بل ‏لا يعرف الشركاء بعضهم بعضاً، ولا يعرفون شيئاً عن إدارة الشركة إلا ما تعرضه مجلس ‏إدارتها على الجمعية العمومية عند اجتماعها كل سنة. ورأى المشرع الوضعي قصر نشاط ‏الشركات المساهمة على المشروعات الكبيرة نسبياً التي تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة لا ‏تتوافر عادة لدى الأشخاص، كصناعة الغزل والنسيج، والمنسوجات القطنية وغيرها، والحديد ‏والصلب، والخزف ونحو ذلك.‏
وهذه الشركة جائزة شرعاً، لأنها شركة عنان، لقيامها على أساس التراضي، وكون ‏مجلس الإدارة متصرفاً في أمور الشركة بالوكالة عن الشركاء المساهمين، ولا مانع من تعدد ‏الشركاء، واقتصار مسؤولية الشريك على أسهمه المالية مشابه لمسؤولية رب المال في شركة ‏المضاربة. ودوام الشركة أو استمرارها سائغ بسبب اتفاق الشركاء عليه، والمسلمون على ‏شروطهم فيما هو حلال. وإصدار الأسهم أمر جائز شرعاً. أما إصدار السندات أي القروض ‏بفائدة فلا يحل شرعاً.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:18 PM
‏5- شركة التوصية بالأسهم:

هي التي تضم نوعين من الشركاء: متضامنين ومساهمين، ‏والمساهمون كالشركاء الموصين في شركة التوصية البسيطة، لا يسأل الواحد منهم إلا في حدود ‏الحصة التي يقدمها، إلا أن المساهمين عددهم أكثر بحيث يسمح بقيام جمعية عمومية منهم، ‏ويختلف المساهم عن الموصي في أن الأول يملك أسهماً قابلة للتداول، بعكس الثاني. ولا اعتبار ‏لأشخاص الشركاء، وإنما الاعتبار لأموالهم في هذه الشركة.‏
وهي شركة جائزة شرعاً، لأنها نوع من شركات العنان التي يشترط فيها التضامن بين ‏بعض الشركاء، وتلك كفالة جائزة. وحرية الشريك المتضامن بالتصرف مستمدة من إذن الشركاء ‏الآخرين. وعمل المتضامن في أموال المساهمين خاضع لأحكام شركة المضاربة، ولا مانع من ‏كون بعض الشركاء مساهمين كما بينا في شركة المساهمة، لأن تقديم الحصة بالأسهم جائز ‏شرعاً، خصوصاً إذا انحصر عدد المساهمين، وعرف بعضهم بعضاً.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:19 PM
‏6- الشركة ذات المسؤولية المحددة:

هي شركة تجارية كباقي شركات الأموال، ولا ‏اعتبار فيها لشخصية الشركاء، واشترط القانون فيها ألا يزيد عدد الشركاء فيها عن خمسين ‏شريكاً، لا يكون كل منهم مسؤولاً إلا بقدر حصته. فهي تجمع بين خصائص شركات الأموال ‏وشركات الأشخاص. ففيها من شركات الأموال أن مسؤولية الشريك محدودة بمقدار حصته، وأن ‏حصته تنتقل إلى ورثته، وإدارتها كما في شركات المساهمة، يجوز أن يعين لها مدير من ‏المساهمين أو من غيرهم بمرتب محدد، ويكون أجيراً، أو يديرها أحد الشركاء نظير جزء من ‏الأرباح. وفيها من شركات الأشخاص أن الشريك يكون صاحب حصة في الشركة وليس ‏مساهماً، ولا تكون حصص الشركاء قابلة للتداول كالأسهم التجارية. وأهم ما يميزها أنها تتم ‏بالاشتراك الشخصي لا بالاكتتاب العام.‏
وكل ذلك جائز شرعاً، وتعتبر هذه الشركة من شركات العنان، وقد يكون فيها بعض ‏خصائص المضاربة كما في تحديد مسؤولية الشريك بمقدار حصته، كما أن رب المال في ‏المضاربة لا يسأل إلا في حدود رأسماله.‏
والخلاصة: أن هذه الشركات التي أقرها القانون المدني ليست غريبة عن قواعد الفقه ‏الإسلامي، وإنما هي منسجمة مع أنظمة الشركات التي عرفها فقهاؤنا، ولكنها متطورة بحسب ‏حاجة العصر وعرفه، فشركات الأشخاص تعتبر جميعها من قبيل شركة المضاربة في الفقه ‏الإسلامي مع اختلاف في بعض الأحكام بين الشريعة والقانون حسبما تقتضيه مصلحة الناس ‏وطبيعة التطور. وشركات الأموال تعتبر في الغالب من قبيل شركات العنان، مع بعض أوصاف ‏شركة المفاوضة في حال التضامن، أو أوصاف شركة المضاربة في حال تحديد مسؤولية ‏الشريك بمقدار حصته فقط. والإدارة توكيل في القيام بالأعمال، إذا كان المدير شريكاً مساهماً، ‏والوكالة تصح بأجر أو بغير أجر أو أن المدير أجير بعقد الاستئجار أو التوظف إذا كان غير ‏مساهم، فهو يعمل بأجر بحكم التوظف، لا بحكم المشاركة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:19 PM

‏7- شركات السيارات:

كثيراً ما تنعقد الشركة في ملكية سيارة شاحنة أو صغيرة سياحية ‏أو لنقل الركاب، ويكون بعض الشركاء ملاكاً لحصص معينة، وواحد منهم سائق للسيارة وشريك ‏يملك بعض الأسهم معاً، ويتقاضى السائق عادة أجراً أو راتباً شهرياً معيناً، وقد يوافق مالك ‏السيارة على أن يتنازل عن ربعها مثلاً للسائق على أن تسدد قيمة الربع من الأرباح في المستقبل. ‏وهذا كله جائز لتعارف الناس، لأن الشركة تنعقد على حسب العادة، وهي مبنية على التوسع ‏والمسامحة، وتنعقد أيضاً على الضمان أو على ذمم الشركاء أو على عملهم، والشركة تنبني على ‏الوكالة أو على الوكالة والكفالة. ويأخذ السائق حصته من الأرباح، كما يتقاضى الأجر المتفق ‏عليه، ولا مانع من أن يكون الأجر مقطوعاً محدداً أو مسمى، أو جزءاً نسبياً من الربح. وقد بيّنا ‏في بحث شركة المساهمة وشركة التضامن أنه لا مانع شرعاً من اعتبار مدير الشركة أجيراً ‏موظفاً على العمل. ولا مانع من وجود صفتي الشركة والإجارة، في شيء واحد، لأن المنع من ‏وجود عقدين في عقد أو شرطين في عقد يزول إذا زالت علته أو حكمته وهو عدم إثارة النزاع ‏والجدال، وعدم المنازعات جرى عليه العرف والعادة، فلم يعد الشرط مفسداً، وللناس فيها حاجة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:20 PM
‏8- شركة البهائم:‏

تقوم شركات متعددة في وقتنا الحاضر بين الناس لرعي الماشية أو لتربية الأبقار ‏والأغنام، فيقدم المال من شريك، والعمل من الشريك الآخر، وقد يشترك الشريكان في دفع ثمن ‏البهائم، ثم ينفرد أحدهما في العمل إما بالرعي أو بتقديم الطعام والشراب، والحراسة والتنظيف. ‏وذلك كله جائز شرعاً بشرط انتفاء الجهالة الفاحشة المفضية للنزاع والخصام، ولا تضر الجهالة ‏اليسيرة التي لا تفضي إلى التنازع، ويتسامح الناس فيها عادة. وبناء على هذا المبدأ يعرف حكم ‏الصور الآتية:‏
‏1- إذا اشترى شخص بعض البهائم، ودفع ثمنها كله من ماله‎، وتعهد شخص آخر ‏بتربيتها وشراء الطعام لها، فهذه الشركة لا تصح، لأن ما يشتريه العامل من الطعام مجهول ‏جهالة فاحشة تؤدي إلى المنازعة فيفسد أو يبطل العقد.‏
‏2- إذا كان ثمن العلق يستوفى مما تنتجه البهائم من ألبان، ويوزع باقي ربع اللبن على ‏الشريكين، فلا تصح الشركة، إذ قد يكفي اللبن للطعام وقد لا يكفي. فإذا تكفل صاحب رأس المال ‏بما قد تحتاجه من طعام، صح العقد.‏
‏3- إذا اقتصر عمل العامل على التربية والرعاية والإطعام. وتكفل أو تعهد رب المال ‏بأثمان النفقات والطعام، صحت الشركة، وتكون شركة مضاربة. ولا يقال: إن تناول الحيوان ‏طعامه باختياره أمر طبيعي، لا أثر له في نمو وزيادة الحيوان، كما تصور الحنفية، لأن عمل ‏العامل ضروري من تقديم الطعام بنسب معينة وفي وجبات مخصصة، والقيام بالخدمة ‏والإشراف والتنظيف والرعاية، وفي ذلك أثر ملحوظ في تسمين الحيوانات وزيادة سعرها ‏وتحسين نتاجها.‏
‏4- إذا اشترك اثنان في دفع ثمن الحيوان ونفقة الطعام والشراب، وتبرع أحدهما ‏بالخدمة، صحت الشركة، لأنها اقتصرت على المشاركة في رأس المال، دون العمل.‏
‏5- الصور الغالبة الآن: هي الاشتراك في أثمان الماشية، وأخذ الراعي أو العامل ألبان ‏الماشية وأسمانها نظير القيام بما يلزمها من خدمة وعناية ورعاية، وأما النتائج من أولاد ‏وأصواف فيقسم بين الشريكين مناصفة. هذه الشركة جائزة شرعاً كما قررت لجنة الفتوى ‏بالأزهر عام 1948، لتعامل الناس بها وتعارفهم عليها، وحاجتهم إليها، ولم يوجد نص يحظرها ‏من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا يترتب عليها حدوث منازعات وعداوات، فتجوز تيسيراً على ‏الناس، وأما الجهالة فهي يسيرة لا تفضي إلى المنازعة.‏
والخلاصة: أن دين الله يسر لا عسر، والأعراف الصحيحة التي لا تصادم الشريعة ‏معتبرة، والاجتهاد في ذلك متعين، والتجديد والتطور أمران ضروريان.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:22 PM
البيع



تعريف البيع ‏
مشروعية البيع ‏
ركن البيع أو كيفية انعقاده ‏
بيع المعاطاة
صفة الإيجاب والقبول - الكلام في خيار المجلس ‏
شروط البيع ‏
شروط الإيجاب والقبول ‏
مبدأ وحدة الصفقة وتفريقها ‏
شروط صحة البيع ‏
حقوق البيع التابعة للحكم
الثمن والمبيع ‏
معنى التسليم أو القبض وكيفية تحققه
بيع الدين ‏
حكم التأمين مع شركات التأمين في الإسلام ‏
بيع النجس والمتنجس
بيع العربون ‏
بيع الماء
المطلب الثاني- أنواع البيع الفاسد‏
بيع المجهول
البيع المعلق على شرط والبيع المضاف ‏
بيع العين الغائبة أو غير المرئية ‏
بيع الأعمى وشراؤه ‏
البيع بالثمن المحرّم ‏
البيع نسيئة ثم الشراء نقداً- بيوع الآجال ‏
بيع العنب لعاصر الخمر ‏
البيعتان في بيعة أو الشرطان في بيع واحد ‏
بيع الأتباع والأوصاف مقصوداً ‏
بيع الشيء المملوك قبل قبضه من مالك آخر ‏
اشتراط الأجل في المبيع المعين والثمن المعين
البيع بشرط فاسد
بيع الثمار أو الزروع
حكم البيع الفاسد :‏
‏1-خيار الوصف، أو خيار فوات الوصف المرغوب فيه ‏
‏2- خيار النقد ‏
‏3- خيار التعيين ‏
‏4- خيار الغبن ‏
‏5- خيار كشف الحال ‏
‏6- خيار الخيانة ‏
‏7- خيار تفرق الصفقة ‏
‏8- خيار إجازة عقد الفضولي ‏
‏9- خيار تعلق حق الغير بالمبيع ‏
‏10- خيار الكمية للبائع ‏
‏11- خيار الاستحقاق ‏
‏12- خيار الشرط
‏13- خيار العيب ‏
‏14- خيار الرؤية ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:23 PM
تعريف البيع :‏

البيع لغة : مقابلة شيء بشيء، وهو من أسماء الأضداد أي التي تطلق على الشيء وعلى ‏ضده، مثل الشراء كما في قوله تعالى : {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] أي باعوه، ويقال ‏لكل من المتعاقدين : بعائع وبيّع، ومشتر وشار.‏
واصطلاحاً : مبادلة مال بمال على وجه مخصوص أو هو مبادلة شيء مرغوب فيه ‏بمثله على وجه مفيد مخصوص أي بإيجاب أو تعاطٍ.‏
والمراد بالمال عند الحنفية : ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة. والمالية ‏تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم. أو هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس. وعليه لا تعتبر ‏المنافع والحقوق المحضة مالاً عند الحنفية. أما جمهور الفقهاء فقد اعتبروها مالاً متقوماً، لأن ‏المقصود من الأعيان منافعها.‏
والمقصود من البيع هنا : هو العقد المركب من الإيجاب والقبول.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:24 PM
مشروعية البيع :‏

البيع جائز بأدلة من القرآن والسنة والإجماع.‏
أما القرآن : فقوله تعالى : {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] وقوله سبحانه : {وَأَشْهِدُوا ‏إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] وقوله عز وجل : {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء : ‏‏29].‏
وأما السنة فأحاديث، منها : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الكسب أطيب ؟ فقال : ‏‏"عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور" رواه البزار وصححه الحاكم. أي لا غشي فيه ولا خيانة، ‏ومنها حديث : "إنما البيع عن تراض" وقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم والناس يتبايعون ‏فأقرهم عليه، وقال : "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين، والصديقين، والشهداء" قال الترمذي : ‏‏"هذا حديث حسن".‏
وأجمع المسلمون على جواز البيع، والحكمة تقتضيه، لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد ‏صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي تشريع البيع طريق إلى تحقيق كل واحد غرضه ‏ودفع حاجته، والإنسان مدني بالطبع، لا يستطيع العيش بدون التعاون مع الآخرين.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:24 PM
ركن البيع أو كيفية انعقاده :‏

ركن البيع عند الحنفية : هو الإيجاب والقبول الدالان على التبادل أو ما يقوم مقامهما من ‏التعاطي. فركنه بعبارة أخرى : الفعل الدال على الرضا بتبادل الملكين من قول أو فعل، وهذا ‏قولهم في العقود.‏
وللبيع عند الجمهور أركان أربعة : هي البائع والمشتري والصيغة والمعقود عليه وهذا ‏رأيهم في كل العقود.‏
والإيجاب عند الحنفية : إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولاً من كلام أحد ‏المتعاقدين، سواء وقع من البائع كبعت، أو من المشتري كأن يبتدئ المشتري فيقول : اشتريت ‏بكذا.‏
والقبول : ما ذكر ثانياً من كلام أحد المتعاقدين. فالمعتبر إذاً أولية الصدور وثانويته فقط ‏سواء أكان من جهة البائع أم من جهة المشتري.‏
وعند الجمهور : الإيجاب : هو ما صدر ممن يكون منه التمليك وإن جاء متأخراً. ‏والقبول: هو ما صدر ممن يصير له الملك وإن صدر أولاً.‏
فقالوا : ينعقد البيع بصيغة الماضي مثل : بعت، واشتريت. وبصيغة الحال مع النية مثل : ‏أبيع وأشتري.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:25 PM
بيع المعاطاة :‏

بيع المعاطاة أو بيع المراوضة : هو أن يتفق المتعاقدان على ثمن ومثمن، ويعطيا من ‏غير إيجاب ولا قبول، وقد يوجد لفظ من أحدهما.‏
مثل : أن يأخذ المشتري المبيع، ويدفع للبائع الثمن، أو يدفع البائع المبيع، فيدفع له الآخر ‏ثمنه من غير تكلم ولا إشارة، سواء أكان المبيع حقيراً أم نفسياً. وقد اختلف الفقهاء في حكمه.‏
فقال الحنفية والمالكية والحنابلة : يصح بيع المعاطاة متى كان هذا معتاداً دالاً على ‏الرضا ومعبراً تماماً عن إرادة كل من المتعاقدين، والبيع يصح بكل ما يدل على الرضا، ولأن ‏الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر، ولم ينقل إنكاره عن أحد، فكان ذلك إجماعاً، ‏فالقرينة كافية هنا في الدلالة على الرضا.‏
وقال الشافعية : يشترط أن يقع العقد بالألفاظ الصريحة أو الكنائية، بالإيجاب والقبول، ‏فلا يصح بيع المعاطاة، سواء أكان المبيع نفيساً أم حقيراً، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال : ‏‏"إنما البيع عن تراض" والرضا أمر خفي، فاعتبر ما يدل عليه من اللفظ، لا سيما عند إثبات العقد ‏حالة التنازع، فلا تقبل شهادة الشهود لدى الحاكم إلا بما سمعوه من اللفظ.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:26 PM
صفة الإيجاب والقبول - الكلام في خيار المجلس :‏

لا يكون كل من الإيجاب والقبول لازماً قبل وجود الآخر فإذا وجد أحدهما لا يلزم قبل ‏وجود الشطر الآخر، ويكون لكل من المتعاقدين حينئذ خيار القبول والرجوع، فإذا تم الإيجاب ‏والقبول، فهل يكون لأحد العاقدين في مجلس العقد خيار الرجوع ؟
اختلف العلماء فيه.‏
فقال الحنفية والمالكية : يلزم العقد بالإيجاب والقبول، لأن البيع عقد معاوضة، يلزم ‏بمجرد تمام لفظ البيع والشراء، ولا يحتاج إلى خيار مجلس، ولقول عمر رضي الله عنه : "البيع ‏صفقة أو خيار".‏
وقالوا عن حديث "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" : المراد بالمتبايعين : هما المتساومان ‏والمتشاغلان بأمر البيع، والمراد بالتفرق التفرق بالأقوال : وهو أن يقول الآخر بعد الإيجاب : لا ‏أشتري، أو يرجع الموجب قبل القبول، فالخيار قبل القبول ثابت. ورد بعضهم هذا الحديث ‏لمعارضته لآية {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] وآية {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} ‏‏[المائدة: 1} وقال بعضهم : إنه منسوخ.‏
بهذا يظهر أن خيار المجلس مقصور عند هؤلاء على ما قبل تمام العقد، فإذا أوجب أحد ‏المتعاقدين، فالآخر بالخيار : إن شاء قبل في المجلس، وإن شاء رد، وهذا هو خيار القبول وخيار ‏الرجوع.‏
وقال الشافعية والحنابلة : إذا انعقد البيع بتلاقي الإيجاب والقبول، يقع العقد جائزاً أي غير ‏لازم، ما دام المتعاقدان في المجلس، ويكون لكل من المتبايعين الخيار في فسخ البيع أو إمضائه ‏ما داما مجتمعين لم يتفرقا أو يتخايرا، ويعتبر في التفرق : العرف : وهو أن يتفرقا عن مقامهما ‏الذي تبايعا فيه.‏
والمراد به التفرق بالأبدان، وهو التفرق حقيقة. وهو الذي يكون لذكره في الحديث فائدة، ‏لأنه معلوم لكل واحد أن المتعاقدين بالخيار إذا لم يقع بينهما عقد بالقول.‏
وهذا هو خيار المجلس الثابت في أنواع البيع، لما روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم ‏قال: "البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر : اختر" أي اختر اللزوم.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:27 PM
شروط البيع :‏

شرائط الانعقاد : وهي ما يشترط تحققه لاعتبار العقد منعقداً شرعاً، وإلا كان باطلاً. وقد ‏اشترط الحنفية لانعقاد البيع أربعة أنواع من الشروط : في العاقد، وفي نفس العقد، وفي مكانه، ‏وفي المعقود عليه.‏
أما ما يشترط في العاقد فهو شرطان :‏
‏1-أن يكون العاقد عاقلاً أي مميزاً، فلا ينعقد بيع المجنون والصبي غير العاقل. ولا ‏يشترط البلوغ عند الحنفية، فيصح تصرف الصبي المميز.‏
‏2- أن يكون العاقد متعدداً : فلا ينعقد البيع بواسطة وكيل من الجانبين إلا في الأب ‏ووصيه والقاضي والرسول من الجانبين، بخلاف الوكيل في عقد النكاح، فإنه يصح أن يعقد ‏النكاح وكيل من الجانبين.‏
والفرق بين البيع والنكاح : هو أن للبيع حقوقاً متضادة مثل التسليم والتسلم والمطالبة ‏بتسليم المبيع وقبض الثمن والرد بالعيب والخيارات. ويستحيل أن يكون الشخص الواحد في ‏زمان واحد مسلماً ومتسلماً، طالباً ومطالباً، وهذا محال. وبما أن حقوق العقد مقتصرة على العاقد ‏فلا يصير كلام العاقد كلام الشخصين. وأما الوكيل في النكاح فإن حقوق العقد لا ترجع إليه، وإنما ‏ترجع إلى الموكل فكان سفيراً محضاً بمنزلة الرسول.‏
وقد استثني الأب فيما يبيع مال نفسه من ابنه الصغير، بمثل قيمته أو بما يتغابن الناس فيه ‏عادة، أو يشتري مال الصغير لنفسه، لأنه حينئذ اقترب من مال اليتيم بالتي هي أحسن، لكمال ‏شفقته ووفرة رعايته بحكم طبيعة الحال. والوصي مثل الأب عند أبي حنيفة إذا تصرف بما فيه ‏نفع ظاهر لليتيم أو بمثل القيمة، لأنه مرضي الأب، والظاهر ما رضي به إلا لوفور شفقته على ‏الصغير.‏
والقاضي لا ترجع إليه حقوق العقد، فكان بمنزلة الرسول، والرسول لا تلزمه حقوق ‏العقد، لأنه معبر وسفير، فجاز لكل من القاضي والرسول تولي العقد عن الجانبين.‏
‏ ‏
وأما ما يشترط في نفس العقد فهو شرط واحد : وهو أن يكون القبول موافقاً للإيجاب.‏
وأما ما يشترط في مكان العقد : فهو شرط واحد أيضاً وهو اتحاد مجلس الإيجاب ‏والقبول. ومجلس البيع : هو الاجتماع الواقع لعقد البيع.‏
وأما ما يشترط في المعقود عليه أي المبيع فهو أربعة شروط :‏
‏1- أن يكون المبيع موجوداً : فلا ينعقد بيع المعدوم قبل وجوده وماله خطر العدم. من ‏أمثلة الأول : بيع نتاج النتاج أي ولد ولد هذه الناقة مثلاً، وبيع الثمر قبل انعقاد شيء منه على ‏الشجرة. ومن أمثلة الثاني : بيع الحمل، وبيع اللبن في الضرع، فكل من الحمل واللبن متردد بين ‏الوجود وعدم الوجود فهما على خطر العدم.‏
ودليله في الجملة : أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها. ويلحق ‏به بيع ياقوتة فإذا هي زجاج، ففي هذا غلط في الجنس فلا ينعقد البيع، لأن المبيع معدوم.‏
ويستثنى بيع السلم والاستصناع وبيع الثمر على الشجر بعد ظهور بعضه في رأي بعض ‏الحنفية.‏
‏2- أن يكون المبيع مالاً متقوماً :‏
والمال عند الحنفية : ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة. وبعبارة أخرى : ‏هو كل ما يمكن الإنسان وينتفع به على وجه معتاد. والأصح أنه هو كل عين ذات قيمة مادية بين ‏الناس. والمتقوم : ما يمكن ادخاره مع إباحته شرعاً. وبعبارة أخرى : هو ما كان محرزاً فعلاً ‏ويجوز الانتفاعبه في حال الاختيار، فلا ينعقد بيع ما ليس بمال كالإنسان الحر والميتة والدم، ولا ‏بيع مال غير متقوم كالخمر والخنزير في حق مسلم، ويجوز بيع آلات الملاهي عند أبي حنيفة ‏لإمكان الانتفاع بالأدوات المركبة منها، وعند بقية الأئمة : لا ينعقد بيع هذه الأشيءا، لأنها معدة ‏للفساد.‏
‏3- أن يكون مملوكاً في نفسه : أي محرزاً وهو ما دخل تحت حيازة مالك خاص. فلا ‏ينعقد بيع ما ليس بمملوك لأحد من الناس مثل بيع الكلأ ولو في أرض مملوكة، والماء غير ‏المحرز، والحطب، والحشيش، والصيود التي في البراراي، وتراب الصحراء ومعادنها، وأشعة ‏الشمس والهواء، ولقطات البحر وحيواناتالبر في البراري.‏
‏4- أن يكون مقدور التسليم عند العقد :‏
فلا ينعقد بيع معجوز التسليم، وإن كان مملوكاً للبائع، مثل الحيوان الشارد والطير في ‏الهواء، والسمك في البحر بعد أن كان في يده.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:27 PM
شروط الإيجاب والقبول :‏

يفهم مما ذكرناه من شرائط الانعقاد أنه يشترط في الإيجاب والقبول ثلاثة شروط :‏
‏1- الأهلية : هي عند الحنفية أن يكون كل من الموجب والقابل عاقلاً مميزاً يدرك ما ‏يقول ويعنيه حقاً، فهو في الحقيقة شرط في العاقد لا في الصيغة، إلا بالنظر لصدورها من ‏العاقدين. والتمييز مقدر بتمام السنوات السبع، فلا ينعقد بيع المجنون والصبي غير المميز، لأن ‏العقد ارتباط بين إرادتي طرفيه.‏
والكلام ونحوه كالكتابة والإشارة دليل على هاتين الإرادتين، فكان لابد من أن يكون هذا ‏الدليل صادراً من مميز عاقل.‏
والبلوغ والاختيار ليس من شروط الانعقاد عند الحنفية.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:28 PM
بيع الصبي المميز :‏

قال الحنفية والمالكية والحنابلة : ينعقد تصرف الصبي المميز بالبيع والشراء فيما أذن له ‏الولي، وإلا كان موقوفاً على أجازة وليه. ودليلهم أن المدار في التصرف على إذن الولي، لا على ‏الصبي، فصح البيع، لأن الصبي حينئذ كالدلال، والعاقد غيره، ولأن دفع المال إلى الصبي بعد ‏رشده متوقف على اختباره بالبيع والشراء، وأنه يغبن أم لا، فكان لابد من القول بصحة تصرفاته ‏وعقوده، ولكن بإذن الولي لتحصيل المصلحة وحفظ أمواله.‏
وقال الشافعية : لا ينعقد بيع الصبي لعدم أهليته، وشرط العاقد بائعاً أو مشترياً : أن يكون ‏راشداً : وهو أن يتصف بالبلوغ وصلاح الدين والمال، ودليلهم قوله تعالى : {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ ‏أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] والتصرف بالبيع والشراء في معنى إعطاء السفهاء ‏المال لاستلزام البيع والشراء لبذل المال، والجامع بينهما نقص العقل المؤدي بكل منهما لإضاعة ‏المال في غير طريقه الشرعي.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:29 PM
بيع المكره وبيع التلجئة :‏

بيع المكره :‏
قال جمهور الحنفية : إن عقود البيع والشراء والإيجار ونحوها من المكره إكراهاً ملجئاً ‏أو غير ملجئ تكون فاسدة، لأن الإكراه يزيل الرضا الذي هو شرط في صحة هذه العقود، لقوله ‏تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} ‏‏[النساء: 29] وحينئذ يحق للمستكره فسخ ما عقد أو إمضاؤه.‏
وقال الشافعية والحنابلة : يشترط أن يكون العاقد مختاراً طائعاً في بيع متاع نفسه، فلا ‏ينعقد بيع المكره في ماله بغير حق، لقوله تعالى : {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} ولقوله ‏عليه الصلاة والسلام : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".‏
وأما الإكراه بحق فلا يمنع من انعقاد العقد، إقامة لرضا الشرع مقام رضاه، مثل الإجبار ‏على بيع الدار لتوسعة المسجد أو الطريق أو المقبرة، أو على بيع سلعة لوفاء دين أو لنفقة زوجة ‏أو ولد أو الأبوين، أو لأجل وفاء ما عليه من الخراج الحق.‏
وقال المالكية : بيع المكره غير لازم، فيكون للعاقد المستكره الخيار بين فسخ العقد أو ‏إمضائه.‏
‏ ‏
بيع التلجئة : صورة بيع التلجئة أو بيع الأمانة : أن يخاف إنسان اعتداء ظالم على بعض ‏ما يملك، فيتظاهر هو ببيعه لثالث فراراً منه ويتم العقد مستوفياً أركانه وشرائطه. وقد اختلف ‏العلماء في شأنه.‏
فقال الحنابلة : إنه عقد باطل غير صحيح، لأن العاقدين ما قصدا البيع، فلم يصح منهما ‏كالهازلين. وعبارة الحنفية : بيع المضطر وشرؤاه فاسد.‏
وقال الشافعي : هو بيع صحيح، لأن البيع تم بأركانه وشروطه، وأتي باللفظ مع قصد ‏واختيار خالياً عن مقارنة مفسد، فصح كما لو اتفقا على شرط فاسد، ثم عقد البيع بغير شرط. وأما ‏عدم رضاه بوقوعه فهو كظنه أنه لا يقع، لا أثر له لخطأ ظنه.‏

‏2- الشرط الثاني - من شروط صيغة البيع : أن يكون القبول موافقاً للإيجاب : بأن يرد ‏على كل ما أوجبه البائع وبما أوجبه فإذا قال إنسان لآخر : بعتك هذين الثوبين بألف ليرة، فقال ‏المشتري : قبلت في هذا الثوب، وأشار إلى واحد منهما، لا ينعقد البيع. وإذا قال لآخر : بعتك هذه ‏الدار بما فيها من مفروشات بألفي ليرة، فقال المشتري : قبلت شراءها دون ما فيها بألف ليرة ‏مثلاً، لم ينعقد العقد أيضاً، لتفريق الصفقة على البائع، والمشتري لا يملك تفريقها، لأن من عادة ‏التجار ضم الرديء إلى الجيد، ترويجاً للرديء بواسطة الجيد.‏
فلو قبل المشتري بأكثر مما طلب، انعقد البيع : لأن القابل بالأكثر قابل بالأقل طبعاً، غير ‏أنه لا يكون ملزماً إلا بالثمن الذي طلبه البائع.‏
ولو قبل بأقل مما ذكر البائع، لا ينعقد العقد.‏
وكذا لو خالف في وصف الثمن لا في قدره، كأن أوجب البائع البيع بثمن حالّ، فقبل ‏المشتري بثمن مؤجل، أو أوجب بأجل إلى شهر معين فقبل المشتري بأجل أبعد منه، فلا ينعقد ‏البيع في الحالتين، لعدم تطابق القبول مع الإيجاب.‏
‏ ‏
‏3- أن يتحد مجلس العقد : بأن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، بأن كان ‏الطرفان حاضرين معاً، أو في مجلس علم الطرف الغائب بالإيجاب. ونتائج هذه الشرط ما يلي :‏
لو أوجب أحد الطرفين البيع فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل آخر ‏يوجب اختلاف المجلس، ثم قبل، لا ينعقد البيع. ولكن يشترط الفور في القبول، لأن القابل يحتاج ‏إلى التأمل، ولو اقتصر على الفور لا يمكنه التأمل، واعتبر المجلس الواحد جمعاً للمتفرقات ‏للضرورة.‏
وكذلك قال المالكية : لا يضر في البيع الفصل بين الإيجاب والقبول إلا أن يخرج عن ‏البيع لغيره عرفاً.‏
وقال الشافعية والحنابلة : يشترط أن يكون القبول بعد الإيجاب بألا يفصل بينهما فاصل ‏كثير : وهو ما أشعر بالإعراض عن القبول. ولا يضر الفصل اليسير لعدم إشعاره بالإعراض ‏عن القبول. ويضر تخلل كلام أجنبي عن العقد ولو يسيراً بين الإيجاب والقبول.‏

التعاقد حالة المشي أو الركوب : إذا تبايعا وهما يمشيان أو يسيران على دابة واحدة أو ‏دابتين : فإن اتصل الإيجاب والقبول من غير فصل بينهما، انعقد العقد، حتى ولو مشيا خطوة أو ‏خطوتين جاز، فإن كان بين القبول والإيجاب فصل وسكوت، وإن قل، لا ينعقد العقد، لأن ‏المجلس تبدل بالمشي والسير. بخلاف الوكالة فإنها لا تقتصر عليها وتوكيل الرجل زوجته ‏بتطليق نفهسا يقتصر على المجلس.‏
ولو تبايعا وهما واقفان، انعقد البيع، لاتحاد المجلس.‏
ولو أوجب أحدهما البيع وهما واقفان، فسار الآخر قبل القبول أو سارا جميعاً أو سار ‏البائع قبل القبول، ثم قبل المشتري بعدئذ لا ينعقد، لأنه لما سار أحدهما أو سارا، فقد تبدل المجلس ‏قبل القبول، ويجعل السير دليلاً على الإعراض.‏
‏ ‏
التعاقد على ظهر سفينة أو طائرة : لو تبايع الطرفان على سفينة أو طائرة أو قطار، ‏انعقد العقد، سواء أكانت هذه الوسائل واقفة أم جارية، بخلاف المشي على الأرض والسير على ‏الدابة، لأن الشخص لا يستطيع إيقاف تلك الوسائل، فاعتبر المجلس فيها مجلساً واحداً، وإن طال، ‏أما الدابة، فإنه يستطيع إيقافها.‏

التعاقد مع غائب : إذا أوجب أحد المتعاقدين البيع أو الشراء والآخر غائب، فبلغه ‏الإيجاب، فقبل، لا ينعقد البيع، كأن يقول : "بعت هذه البضاعة من فلان الغائب" فبلغه الخبر، ‏فقبل : لا يصح، لأن القاعدة الأصلية في هذا : أن أحد شطري العقد الصادر من أحد العاقدين في ‏البيع يتوقف على الآخر في مجلس العقد "أي يظل قائماً ساري المفعول ضمن المجلس لا بعده" ‏ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد الآخر فيما وراء المجلس بالاتفاق، إلا إذا كان عنه قابل ‏‏"أي وكيل" أو كان بالرسالة أو الكتابة.‏
‏ ‏
التعاقد بواسطة رسول : أما الرسالة : فهي أن يرسل أحد المتعاقدين رسولاً إلى رجل ‏فيقول المتعاقد الآخر : "إني بعت هذا الثوب من فلان الغائب بكذا" فاذهب إليه، وقل له : "إن ‏فلاناً باع ثوبه منك بكذا" فجاء الرسول، وأخبره بما قال، فقال المشتري في مجلس أداء الرسالة : ‏‏"اشتريت" أو "قبلت" : تم البيع بينهما، لأن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل، فكأنه حضر ‏بنفسه وخوطب بالإيجاب فقبل، فينعقد العقد.‏

التعاقد بالمراسلة : أما الكتابة : فهي أن يكتب رجل إلى آخر : "أما بعد، فقد بعت فرسي ‏منك بكذا" فبلغه الكتاب، فقال في مجلسه "أي مجلس بلوغ الكتاب" : "اشتريت أو قبلت". ينعقد ‏البيع لأن خطاب الغائب كتابة يجعله كأنه حضر بنفسه، وخوطب بالإيجاب فقبل في المجلس، فإن ‏تأخر القبول إلى مجلس ثان لم ينعقد البيع.‏
وللكاتب أن يرجع عن إيجابه أما شهود بشرط أن يكون قبل قبول الآخر ووصول ‏الرسالة. ويرى جمهور المالكية أنه ليس للموجب الرجوع قبل أن يترك فرصة للقابل يقرر ‏العرف مداها.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:31 PM
مبدأ وحدة الصفقة وتفريقها :‏

اتفق العلماء على ضرورة اتحاد الصفقة من حيث المبدأ، لأن من شرائط انعقاد البيع ‏الشرط المذكور قريباً : وهو أن يكون القبول موافقاً للإيجاب، إلا أن هناك اختلافات جزئية في ‏تحقيق هذا المبدأ أو عدم تحقيقه أي تفريق الصفقة.‏
فقال الحنفية : لا بد من معرفة ما يوجب اتحاد الصفقة وتفريقها، وذلك إما بسبب العاقدين ‏أو بسبب المبيع.‏
أ- أما بالنسبة للعاقدين : فإن اتحد شخص الموجب سواء أكان بائعاً، أم مشترياً، وتعدد ‏القابل المخاطب، لم يجز للقابلين تفريق الصفقة بأن يقبل أحدهما البيع دون الآخر. وإن انعكس ‏الأمر فتعدد الموجب واتحد القابل، لم يجز للقابل القبول في حصة أحد الموجبين دون الآخر. مثال ‏الحالة الأولى : أن يقول البائع لمشتريين : يعتكما هذه السلعة بألف ليرة، فقال أحدهما : اشتريت، ‏ولم يقبل الآخر، كانت الصفقة متعددة، فلم ينعقد العقد إلا باتفاق جديد. ومثال الحالة الثانية : أن ‏يقول شخص لمالكي سلعة : اشتريت منكما هذه السلعة بألف ليرة مثلاً، فباعه أحدهما دون الآخر، ‏فإن الصفقة تتعدد في هذه الحالة، فلا ينعقد العقد. ‏
ب- وأما بالنسبة للمبيع : فإن اتحد العاقدان، وقبل أحدهما في بعض المبيع دون بعض، لم ‏يصح العقد، لتفرق الصفة.‏
وإن اتحد العاقدان، وتعدد المبيع، فإما أن يكون المبيع مثليين أو مثلياً وقيمياً في كلتا ‏الحالتين لا يجوز للمشتري أن يقبل في أحد المبيعين، ويرفض الآخر، فإن فعل، تعددت الصفقة، ‏وحينئذ لا يتم البيع إلا برضا جديد من البائع بما قبل به المشتري، فيصبح القبول إيجاباً، والرضا ‏قبولاً، ويبطل الإيجاب الأول.‏
غير أن هناك فرقاً بين الحالتين : وذلك في قسمة الثمن على أجزاء المبيع وفي وحدة ‏الصفقة وتعددها. فإذا كان المبيع مثليين كقفيزين من أرز أو كمدين من حنطة أو رطلين من ‏حديد، وقبل المشتري في أحدهما، انقسم الثمن بنسبة أجزاء المبيع، فيكون ثمن الجزء الذي تم فيه ‏المبيع في هذا المثال نصف الثمن الأصلي المذكور لجزئي المبيع؛ لأن الثمن في الثليات ينقسم ‏على المبيع باعتبار الأجزاء، فكانت حصة كل جزء من الثمن معلوماً. وتكون الصفقة عندئذ ‏واحدة. ويشبه المثليات (المكيل والموزون) في قسمة الثمن عليه بالأجزاء ما إذا كان المبيع شيئاً ‏واحداً كحيوان واحد.‏
وإذا كان المبيع من غير المثليات أي القيميات كثوبين ودابتين، لا ينقسم الثمن على المبيع ‏باعتبار الأجزاء، لعدم تماثل الأجزاء، وإذا لم ينقسم الثمن في هذه الحالة، بقيت حصة كل واحد ‏من جزئي المبيع من الثمن مجهولة، وجهالة الثمن تمنع صحة البيع. فإن أريد تصحيح الصفقة فلا ‏بد من أحد أمرين : ‏
إما أن يكرر البائع لفظ البيع بأن يقول : بعتك هذين الثوبين، بعتك هذا بألف، وبعتك هذا ‏بألف، أو اشتريت منك هذين المتاعين، اشتريت هذا بمائة، واشتريت هذا بمائة. فيصح العقد، ‏ويصبح هنا صفقتان.‏
وإما أن يفرق الثمن على أجزاء المبيع، بأن يقول البائع : بعتك هذين الكتابين، هذا بمئة، ‏وهذا بخمسين، فقبل المشتري في أحدهما، جاز البيع لانعدام تفريق الصفقة الواحدة من المشتري، ‏بل البائع هو الذي فرق الصفقة، حيث سمى لكل واحد من المبيعين ثمناً على حدة، فكانت هذه ‏الحالة صفقات معنى، وإلا لو كان غرض البائع ألا يبيع المبيعين للمشتري إلا جملة واحدة، لم ‏تكن هناك فائدة لتعيين ثمن كل منهما على انفراد.‏
وقال أبو حنيفة والمالكية : إذا اشتملت الصفقة على حلال وحرام، كالعقد على سلعة ‏متقومة وخمر، أو خنزير، أو غيرهما، فالصفقة كلها باطلة.‏
ولو باع الرجل ملكه وملك غيره في صفقة واحدة، صح البيع فيهما، ويلزم البيع فيما ‏يملكه المالك، ويتوقف اللزوم في ملك الغير على إجازته، وهذا باتفاق الحنفية والمالكية، لأنهم ‏يصححون العقد الموقوف أو عقد الفضولي.‏
وقال الشافعية والحنابلة : تفريق الصفقة معناه : أن يبيع ما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه ‏صفقة واحدة بثمن واحد، وهو ثلاثة أقسام :‏
أحدهما- أن يبيع معلوماً ومجهولاً بثمن واحد، لقوله : بعتك هذا الكتاب وكتاباً آخر، وهما ‏ملك له بمئة ليرة مثلاً، لم يصح البيع فيهما؛ لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته، والمعلوم ‏مجهول الثمن، ولا سبيل لمعرفته، لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، والمجهول لا ‏يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط.‏
الثاني- أن يكون المبيعان مما ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء، كشيء مشترك بين اثنين، ‏فباعه كله أحدهما بغير إذن شريكه، وكشيئين من المثليات مثل قفيزين من صبرة واحدة باعهما ‏من لا يملك إلا بعضهما، فالأصح أن يصح البيع فيما يملكه بقسطه من الثمن، ويفسد فيما لا ‏يملكه؛ لأن لكل واحد منهما حكماً مستقلاً حالة إفراده بالبيع، فإذا جمع مع غيره ثبت لكل واحد ‏منهما حكمه الخاص به.‏
الثالث- أن يكون المبيعان معلومين مما لا ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء أي أن تشتمل ‏الصفقة على حلال وحرام كخل وخمر وشاة وخنزير، وميتة وشاة مذكاة، ونحوها من القيميات، ‏فعند الشافعي أن البيع يصح في الحلال ويبطل في الحرام. وفي كيفية توزيع الثمن على هذه ‏الأشياء أوجه ثلاثة عند الشافعية أشهرها أنه يوزع الثمن على المبيعين باعتبار الأجزاء، فيقدر ‏الخمر خلاً، والخنزير شاة، والميتة مذكاة.‏
ورجح بعض الحنابلة : وهو أنه يفسد البيع في المبيعين جميعاً.‏
فإن كانت الصفقة مشتملة على مال للبائع ومال لغيره لا ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء، ‏فالأصح عند الشافعية أيضاً أن البيع يصح فيما يملكه، ويبطل فيما لا يملكه ويوزع الثمن حسب ‏القيمة لكل منهما، وعند الحنابلة : الأصح أنه يبطل البيع في المبيعين جميعاً.‏
وقال الحنابلة والشافعية فيما يتعلق بخيار تفرق الصفقة : متى صح البيع في بعض ‏الصفقة : فإن كان المشتري عالماً بالحال كأن يعلم أن المبيع مما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء كما ‏ذكرنا، فلا خيار له، لأنه اشترى على بصيرة. وإن لم يعلم بالحال، مثل أن يشتري رجل متاعاً ‏يظنه كله للبائع، فبان أنه لا يملك إلا نصفه، أو متاعين فتبين أنه لا يملك البائع إلا أحدهما، فله ‏الخيار بين الفسخ والإمساك، لأن الصفقة تبعضت عليه. وأما البائع عند إمساك المشتري جزء ‏المبيع، فلا خيار له في الأصح؛ لأنه رضي بزوال ملكه عما يجوز بيعه بقسطة من الثمن.‏
فإن تلف أحد المبيعين صفقة واحدة قبل القبض، فيفسخ العقد في التالف بلا خلاف. وأما ‏الباقي فللمشتري الخيار فيه بين إمساكه بحصته من الثمن، وبين الفسخ، لتبعض الصفقة عليه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:32 PM
آراء العلماء في تصرف الفضولي : ‏

الفضولي في الأصل : من يشتغل بما لا يعنيه أو يعمل عملاً ليس من شأنه، ومنه سمي ‏فضولياً: من يتصرف في شيء أو يعقد عقداً من العقود، دون أن يكون له ولاية ما على القيام به، ‏كمن يبيع أو يشتري للغير، أو يؤجر أو يستأجر لغيره، دون وكالة أو وصاية أو ولاية له على ‏العقد، وبدون إذن من الغير. وبيع الإنسان ملك غيره دون إذن منه شائع في الحياة العملية كما في ‏بيع الأزواج ملك زوجاتهم أو بيع الأفراد ملك الحكومة أو ملك من تغيب حتى طالت غيبته.‏
ويلاحظ أن الفضولي : هو من يتصرف فيما تظهر ملكية غيره له، وإلا كان تصرفه من ‏بيع ما لا يملك، وهو منهي عنه.‏
ومحل بحثنا : أن يبيع الرجل مال غيره بشرط : إن رضي به صاحب المال أمضي ‏البيع، وإن لم يرض فسخ، أو يشتري الرجل للرجل بغير إذنه على أنه إن رضي المشتري، صح ‏الشراء وإلا لم يصح، فالفضولي : هو المتصرف للغير بغير إذنه. وقد اختلف الفقهاء في حكم ‏تصرف الفضولي.‏
فأما الحنفية : فقد فرقوا بين البيع والشراء، ففي حالة البيع ينعقد تصرف الفضولي ‏صحيحاً موقوفاً، سواء أضاف الفضولي العقد إلى نفسه أم إلى المالك، لأنه لا يمكن نفاذ العقد ‏على العاقد.‏
وفي حالة الشراء : إن أضاف الفضولي الشراء لنفسه، مع أنه يريد في نيته الشراء ‏لغيره، كان الشراء له هو نفسه إن صح أن ينفذ عليه، لأن الأصل أن يكون تصرف الإنسان لنفسه ‏لا لغيره.‏
وأما إن أضاف الشراء لغيره أو لم يجد عقد الشراء نفاذاً على الفضولي بأن كان صبياً أو ‏محجوراً عن التصرف، انعقد الشراء صحيحاً موقوفاً على إجازة الغير، أو من اشترى له، فإن ‏أجازه نفذ عليه، واعتبر الفضولي وكيلاً ترجع إليه حقوق العقد.‏
وفي الجملة : إن تصرفات الفضولي جائزة موقوفة على إجازة صاحب الشأن عند ‏الحنفية، وتصرفات الفضولي مثل بيع المسلم والمغصوب وبيع الوكيل هي من الحالات المستثناة ‏من بيع ما ليس مملوكاً للإنسان.‏
وقال المالكية : تعتبر تصرفات الفضولي وعقوده بصفة عامة في حالة البيع وحالة ‏الشراء منعقدة موقوفة على إجازة صاحب الشأن. فإن أجازها جازت ونفذت وإلا بطلت، لأن ‏الإجازة اللاحقة كالإذن أو الوكالة السابقة.‏
استدل الحنفية والمالكية بآيات البيع التي وردت عامة لم يستثن منها كون العاقد فضولياً، ‏مثل قوله تعالى : {وأحلَّ اللهُ البَيْعَ} وقوله سبحانه : {يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَأْكُلوا أمْوالكُمْ بَينَكُمْ ‏بِالباطِلِ، إلا أنْ تكونَ تِجارَة عَن تَراضٍ مِنكُم} وقوله : {فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي ‏الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10].‏
والفضولي كامل الأهلية، فإعمال عقده أولى من إهماله، وربما كان في العقد مصلحة ‏للمالك، وليس فيه أي ضرر بأحد، لأن المالك له ألا يجيز العقد، إن لم يجد فيه فائدته. وقد ثبت أن ‏الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري وغيره : أعطى عروة البارقي ديناراً ليشتري ‏له به شاة فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فقال : "بارك الله لك في ‏صفة يمينك". وروى الترمذي وأبو داود عن حكيم بن حزام : أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏أعطاه ديناراً ليشتري به شاة يضحيها، فاشترى شاتين بالدينار، وباع إحداهما بدينار جاء به هو ‏والشاة للرسول صلى الله عليه وسلم، فأثنى عليه، ودعا له بالبركة قائلاً : "بارك الله لك في ‏صفقتك" فالنبي عليه السلام لم يأمر في الحالتين في الشاة الثانية لا بالشراء ولا بالبيع.‏
وقال الحنابلة : لا يصح تصرف فضولي مطلقاً أي ببيع أو شراء أو غيرهما، ولو أجيز ‏تصرفه بعد وقوعه إلا إن اشترى الفضولي في ذمته، ونوى الشراء لشخص لم يسمه، فيصح، أو ‏اشترى بنقد حاضر ونوى لشخص لم يسمه، فيصح، ثم إن أجاز الشراء من اشتري له، وملكه من ‏حين الشراء، وإن لم يجزه وقع الشراء للمشتري ولزمه حكمه. وقال ابن رجب : تصرف ‏الفضولي جائز موقوف على الإجازة إذا دعت الحاجة إلى التصرف في مال الغير أو حقه، وتعذر ‏استئذانه إما للجهل بعينه أو لغيبته ومشقة انتظاره.‏
وقال الشافعية : يشترط في المبيع أن يكون مملوكاً لمن له العقد، فبيع الفضولي باطل من ‏أساسه لا ينعقد أصلاً فلا تلحقه إجازة صاحب الشأن، ودليلهم ما رواه أبو داود والترمذي - وقال: ‏إنه حسن - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا بيع إلا فيما تملك". وصح أيضاً النهي عن ‏بيع ما ليس عند الإنسان أي ما ليس مملوكاً للبائع، وذلك للغرر الناشئ عن عدم القدرة على ‏التسليم وقت العقد، وما يترتب عليه من النزاع. وقالوا عن حديث عروة البارقي أو حكيم بن حزام ‏‏: إنه محمول على أنه كان وكيلاً مطلقاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه أنه باع الشاة ‏وسلمها، فهي وكالة خالف فيها الوكيل إلى خير فينفذ تصرفه. وأما شراء الفضولي في رأي ‏هؤلاء فيعتبر شراء لنفسه، ويلزمه هو وحده ولا ينتقل الملك عنه إلى غيره إلا بعقد جديد كما هو ‏رأي الحنيفة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:33 PM
شروط إجازة تصرف الفضولي :‏

اشترط الحنفية لإجازة عقد الفضولي شروطاً :‏
‏1- أن يكون للعقد مجيز حالة العقد : أي من كان يستطيع إصدار العقد بنفسه، لأن ماله ‏مجيز متصور منه الإذن بإتمام العقد للحال، وبعد صدور التصرف. وأما ما لا مجيز له فلا ‏يتصور منه الإذن للحال، والإذن في المستقبل قد يحدث وقد لا يحدث.‏
‏2- أن تكون الإجازة حين وجود البائع، والمشتري، والمالك، والمبيع، فلو حصلت ‏الإجازة بعد هلاك أحد هؤلاء، بطل العقد ولم تفد الإجازة شيئاً، لأن الإجازة تصرف في العقد، ‏فلا بد من قيام العاقدين والمعقود عليه.‏
‏3- ألا يمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند رفض صاحب الشأن قبل بيع ملك الغير أو ‏اجارته، سواء أضاف العقد لنفسه أو لصاحب المال، ومثل شراء شيء لغيره أو استئجار شيء ‏لغيره، وأضاف العقد لذلك، ففي هذه الحالات يكون العقد مرقوناً. أما إن أمكن تنفيذ العقد على ‏الفضولي عند عدم اجازته فينفذ على الفضولي كشراء شيء أو استئجاره مضيفاً لنفسه فليزمه ‏هو.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:33 PM
فسخ عقد الفضولي :‏

فسخ العقد الصادر من الفضولي كبيع مثلاً : قد يكون من صاحب الشأن المالك للمبيع كما ‏هو واضح، وقد يكون من الفضولي البائع قبل إجازة المالك، حتى يدفع عن نفسه الحقوق التي ‏تلزمه لو أجاز المالك، وقد يكون من المشتري ليدفع عن نفسه ما قد يلحقه من ضرر بشرائه من ‏غير صاحب الشأن.‏
أما في عقد الزواج : فليس للفضولي فسخه، لأنه عقد ترجع فيها الحقوق إلى الأصيل ‏صاحب الشأن.

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:34 PM
هل للفضولي الواحد أن يعقد العقد عن الطرفين ؟

إذا باع الفضولي دار إنسان مثلاً وهما غائبان، وقبل عن المشتري، أو زوج إنساناً من ‏امرأة وقبل عنهما، فلا ينعقد العقد، لأن تعدد العاقد شرط في انعقاد العقد، كما سبق بيانه، فلا ‏يتوقف الإيجاب على قبول غائب عن المجلس في سائر العقود من نكاح وبيع وغيرهما، بل يبطل ‏الإيجاب ولا تلحقه الإجازة اتفاقاً.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:35 PM
شروط صحة البيع :‏

شروط الصحة قسمان : عامة وخاصة.‏

فالشروط العامة : هي التي يجب أن تتحقق في كل أنواع البيع لتعتبر صحيحة شرعاً. ‏وهي إجمالاً أن يخلو عقد البيع من العيوب الستة، وهي : الجهالة، والإكراه، والتوقيت، والغرر، ‏والضرر، والشروط المفسدة.‏

الأول - الجهالة : يراد بها الجهالة الفاحشة أو التي تفضي إلى نزاع يتعذر حله وهو ‏النزاع الذي تتساوى فيه حجة الطرفين بالاستناد إلى الجهالة، كما لو باع إنسان شاة من قطيع. ‏وهذه الجهالة أربعة أنواع :‏
‏1- جهالة المبيع جنساً أو نوعاً أو قدراً بالنسبة إلى المشتري.‏
‏2- جهالة الثمن كذلك : فلا يصح بيع الشيء بثمن مثله، أو بما سيستقر عليه السعر.‏
‏3- جهالة الآجال، كما في الثمن المؤجل، أو في خيار الشرط، فيجب أن تكون المدة ‏معلومة وإلا فسد العقد. ويلاحظ أن الذي يجوز تأجيله لأجل معلوم في عقد البيع هو الثمن أو ‏المبيع إذا كان كل منهما ديناً ثابتاً في الذمة، فإن كان الثمن أو المبيع عيناً، فلا يجوز تأجيله باتفاق ‏العلماء، فلو باع شخص سلعة معينة على أن يسلمها بعد شهر، أو اشترى شخص آخر بثمن عين ‏على أن يدفع الثمن بعد شهر، فالبيع فاسد، ولو كان الأجل معلوماً، لأن الأجل شرع ترفيها ليتمكن ‏العاقد من الحصول على العوض أثناءه، وهذا أمر يليق بالديون لأنها ليست معينة في البيع، ولا ‏يليق بالأعيان المعينة لأن المبيع العين معين حاضر، فيكون تأخير تسليمه ملحقاً ضرراً من غير ‏فائدة أو تحصيلاً لحاصل.‏
‏4- الجهالة في وسائل التوثيق، كما لو اشترط البائع تقديم كفيل أو رهن بالثمن المؤجل، ‏فيجب أن يكونا معينين وإلا فسد العقد.‏

الثاني - الإكراه : هو حمل المستكره على أمر يفعله وهو نوعان :‏
‏1- إكراه ملجئ أو تام : وهو الذي يجد المستكره نفسه مضطراً به لفعل الأمر المكره ‏عليه، وذلك كالتهديد بالقتل أو الضرب الذي يخشى منه ضياع عضو.‏
‏2- إكراه غير ملجئ أو ناقص : كالتهديد بالحبس أو الضرب أو إيقاع الظلم به كمنع ‏ترقيته في وظيفته أو إنزاله درجة.‏
والإكراه بنوعيه يؤثر في البيع، فيجعله فاسداً عند جمهور الحنفية وموقوفاً عند البعض. ‏فيملك المشتري المبيع بالقبض إذا اعتبر فاسداً، ولا يملكه مطلقاً بالقبض إذا اعتبر موقوفاً، ‏والأرجح اعتبار عقد المكره موقوفاً، لأنه باتفاق الحنفية إذا أجازه المستكره بعد زوال الإِكراه ‏يجوز ويلزم في حقه، وهذا هو حكم العقد الموقوف لا الفاسد.‏

الثالث- التوقيت : هو أن يوقت البيع بمدة كما لو قال : بعتك هذا الثوب شهراً أو سنة، ‏فيكون البيع فاسداً، لأن ملكية العين لا تقبل التأقيت.‏
‏ ‏
الرابع- الغرر : المراد به غرر الوصف، كما لو باع بقرة على أنها تحلب كذا رطلاً، لأنه ‏موهوم التحقق فقد ينقص.‏
أما لو باعها على أنها حلوب دون تحديد مقدار، فإنه شرط صحيح. وأما غرر الوجود ‏فهو مبطل للبيع لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر : وهو ما كان المبيع فيه محتملاً ‏للوجود والعدم، كبيع نتاج النتاج، وبيع الحمل الموجود.‏

الخامس - الضرر : يراد به ما إذا كان تسليم المبيع لا يمكن إلا بإدخال ضرر على ‏البائع، فيما سوى المبيع من ماله، كما لو باع جذعاً معيناً في سقف مبني، أو ذراعاً من ثوب ‏يضره التبعيض، فإن التنفيذ يقضي بهدم ما حول الجذع وتعطيل الثوب.‏
وبما أن الفساد هنا لصيانة حق شخصي، لا لحق الشرع، قرر الفقهاء أن البائع لو نفذ ‏الضرر على نفسه، لأن قلع الجذع أو قطع الثوب وسلمه إلى المشتري، انقلب البيع صحيحاً.‏

السادس- الشرط المفسد : هو كل شرط فيه نفع لأحد المتبايعين، إذا لم يكن قد ورد به ‏الشرع، أو جرى به العرف، أو يقتضيه العقد، أو يلائم مقتضاه، مثل أن يبيع سيارة على أن ‏يستخدمها شهراً بعد البيع، أو داراً على أن يظل مقيماً بها مدة معينة، أو أن يشترط المشتري على ‏البائع في صلب العقد أن يقرضه مبلغاً من المال.‏
والشرط الفاسد إذا وجد في عقد من عقود المعاوضات المالية كالبيع والإجارة والقسمة ‏مثلاً أفسده، ولكنه يكون لغواً في العقود الأخرى، مثل التبرعات والتوثيقات والزواج، وتكون هذه ‏العقود حينئذ صحيحة.‏
وقد علق الأستاذ مصطفى الزرقاء على ذلك، فقال : وبما أن عرف الناس مصحح ‏للشروط في نظر الفقهاء، فكل شرط فاسد في الأصل ينقلب صحيحاً ملزماً إذا تعارفه الناس، ‏وشاع بينهم اشتراطه. وعندئذ نستطيع القول : بأن الشرط الفاسد قد زال فقهياً من معاملات الناس ‏بمفعول الزمن، وأصبحت الشروط في هذا العصر كلها صحيحة بمقتضى قواعد الاجتهاد الحنفي ‏نفسه.‏
‏ ‏
وأما الشروط الخاصة : فهي التي تخص بعض أنواع البيع دون بعض وهي كما يأتي :‏
‏1- القبض في بيع المنقولات : أي أنه إذا باع شخص شيئاً من المنقولات التي كان قد ‏اشتراها، فيشترط لصحة بيعه : أن يكون قد قبضها من بائعها الأول، لأن المنقول يكثر هلاكه، ‏فيكون في بيعه ثانية قبل قبضه غرر، أما إذا كان عقاراً فيجوز بيعه قبل القبض عند أبي حنيفة.‏
‏2- معرفة الثمن الأول إذا كان البيع مرابحة أو تولية أو وضيعة أو إشراكاً. وسنذكر ‏تفسيرها.‏
‏3- التقابض في البدلين قبل الافتراق إذا كان البيع صرفاً.‏
‏4- توافر شروط السلم التي سيأتي ذكرها إذا كان البيع سلماً.‏
‏5- المماثلة في البدلين إذا كان المال ربوياً والخلو عن شبهة الربا.‏
‏6- القبض في الديون الثابتة في الذمة، كالمسلم فيه، ورأس مال السلم، وبيع شيء بدين ‏على غير البائع، فلا يصح بيعها من غير من عليه الدين إلا بعد قبضها. مثاله : لا يصح لرب ‏السلم أي (المشتري) أن يبيع المال المسلم فيه قبل قبضه من المسلم إليه (البائع)، ولا يصح للدائن ‏أن يشتري بدينه شيئاً من غير المدين قبل قبضه.‏
‏ ‏
حقوق البيع التابعة للحكم : هي كل تابع للمبيع من الحقوق التي لا بد له منه ولا يقصد ‏إلا لأجله كالطريق والشرب للأرض، وهي التي تسمى بالمرافق والقاعدة فيها أو الأصل : أن كل ‏ما كان من الدار متصلاً بها يدخل في بيعها تبعاً بلا ذكر، ومالا فلا يدخل بلا ذكر إلا ما جرى ‏العرف أن البائع لا يمنعه عن المشتري، فيدخل المفتاح استحساناً للعرف بعدم منعه بخلاف القفل ‏ومفتاحه والسلَّم غير المتصل بالبناء، وأما الدرج (السلم) في بنايات الطبقات فتدخل عرفاً، ‏وتفصيل ذلك ما يأتي :‏
أ- من اشترى بيتاً فوقه آخر لا يدخل فيه العلو، لأن الشيء لا يستتبع مثله.‏
ب- يدخل في المبيع ما هو من حقوقه أو مرافقه الخاصة التابعة له كطريق ومطبخ ‏ومتوضأ ونحوها، لأنها توابع له. فيدخل في بيع الدار الطريق الداخلي فيها أو النافذ إلى سكة أو ‏طريق عام، والكنيف (وهو المستراح أو بيت الماء) وبئر الماء، والأشجار التي في صحنها، ‏والحديقة التابعة لها والبستان الذي هو أصغر منها، وإن لم يصرح بذلك. أما الحديقة أو البستان ‏الخارج عن الدار وكان مثل الدار أو أكبر، فلا يدخل في البيع. ويدخل الباب الأصلي للدار، ‏والباب الخارجي المجاور للشارع وهو المسمى بالباب الأعظم، لأنه من مرافقها.‏
ولا تدخل الظلة في بيع الدار لبنائها على الطريق، فتأخذ حكمه ولا يدخل الطريق ‏والمسيل والشرب غير الخاص بالدار إلا بالتصريح بها، لأنها خارج الحدود، كأن يشتريها بكل ‏حق هو لها أو بمرافقها أو بكل قليل وكثير. وذلك بخلاف الإجارة والرهن والوقف، تدخل فيها كل ‏هذه المرافق بلا حاجة لذكرها لأنها تعقد للانتفاع بها لا غير. هذا رأي الحنفية القديم، والمعول ‏عليه في ذلك هو العرف السائد في كل إقليم وعصر.‏
والإقرار بالدار والصلح عليها والوصية بها والهبة والنكاح والخلع على مال كالبيع في ‏دخول الطريق ونحوه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:37 PM
الثمن والمبيع :‏

تعريف المبيع والثمن :‏
المبيع والثمن عند جمهور الحنفية من الأسماء المتباينة الواقعة على معانٍ مختلفة. فالمبيع ‏في الغالب : ما يتعين بالتعيين، والثمن في الغالب : ما لا يتعين بالتعيين.‏
وهذا الأصل العام الغالب يحتمل تغيره في الحالتين بعارض من العوارض، فيصير ما لا ‏يحتمل التعيين مبيعاً كالمسلم فيه، وما يحتمل التعيين ثمناً كرأس مال السلم، إذا كان عيناً من ‏الأعيان. وعلى هذا فاعتبار الثمن ديناً في الذمة هو الأغلب، وذلك عندما يكون الثمن نقوداً أو ‏أموالاً أخرى مثلية ملتزمة بلا تعيين بالذات كالقمح والزيت ونحوهما من كل مكيل أو موزون أو ‏ذَرْعي أو عددي متقارب.‏
ويمكن أيضاً أن يكون الثمن أعياناً قيمية كالحيوان والثياب ونحوهما، كما لو بيعت كمية ‏من السكر إلى أجل بشيء من القيميات، فالسكر مبيع والعين القيمية ثمن، ويكون البيع سلماً، لأنه ‏بيع مؤجل بمعجل.‏
وقال الشافعي : المبيع والثمن من الأسماء المترادفة الواقعة على مسمى واحد، وإنما ‏يتميز أحدهما عن الأخر في الأحكام بحرم الباء.‏

تعيين المبيع :‏
التعيين : هو التمييز عما سوى الشيء في الوجود الخارجي، ويتعين المبيع إذا كان معيناً ‏في العقد، سواء أكان حاضراً في مجلس البيع، أم غائباً عنه. فإذا كان المبيع غير معين في العقد، ‏فإنه لا يتعين إلا بالتسليم.‏

الفرق بين الثمن والقيمة والدين :‏
الثمن : لا يتحقق إلا في عقد، فهو ما يتراضى عليه المتبايعان، سواء أكان أكثر من ‏القيمة أم أقل أم مساوياً.‏
وقيمة الشيء : هي ما يساويه بين الناس.‏
والثمن : هو ما تراضى عليه المتبايعان مقابلاً للمبيع.‏
أما الدين : فهو كل ما ثبت في الذمة من الأموال القابلة للثبوت فيها بأي سبب من أسباب ‏الالتزام، كالإتلاف والغصب والكفالة والقرض والبيع، ونحوها.‏

التمييز بين الثمن والمبيع :‏
القاعدة المقررة في الأصل : أن كل ما أمكن أن يكون مبيعاً أمكن أن يكون ثمناً ولا ‏عكس، وأن الثمن كما بينا في تعريفه ربما لا يكون متعلقاً بالذمة، بل قد يتعين أحياناً، فيكون من ‏الأعيان القيمية كالحيوان والثياب ونحوها، كما يتعين المبيع.‏
لهذا كان واجباً أن نميز بين الثمن والمبيع لما يترتب على التفرقة من أحكام، والتمييز ‏يكون من أموال المعاوضات : وهي النقود والأعيان القيمية والمثليات.‏
‏1- فالنقود عامة من ذهب أو فضة أو فلوس رائجة إذا كانت عوضاً في المبيع، تعتبر هي ‏الثمن. ومقابلها أي السلعة هو المبيع مطلقاً سواء دخل عليها حرف الباء، أو دخل على مقابلها، ‏مثل : بعتك هذا بدينار، أو بعتك ديناراً بهذا.‏
وقد قرر جمهور الحنفية أن النقود المسكوكة من ذهب أو فضة أو فلوس معدنية لا تتعين ‏في عقود المعاوضات بالتعيين في حق الاستحقاق لذات العملة النقدية، فلو قال : بعتك هذا الثوب ‏بهذه الدراهم أوبهذه الدنانير، فللمشتري أن يمسك المشار إليه ويبدله بمثله، ولا يحق للبائع أن ‏يطلب ذات المشار إليه، لأن الثمن النقدي محله في الذمة، وما يثبت في الذمة لا ينحصر ببعض ‏أفراده الخارجية، فلا فائدة في استحقاق عينها في المعاوضات، لأن المثل يقوم مقامها في كل ‏عوض، وإنما يتعين فقط بالنسبة لضمان الجنس والنوع والصفة والقدر، حتى إنه يجب على ‏المشتري رد مثل المشار إليه في الأوصاف المذكورة، فلو كان الواجب عليه ألف درهم جيدة، ‏فيجب عليه رد ألف درهم بتلك الصفة، لأن في تعيين الجنس والقدر والصفة فائدة، وعلى هذا فلو ‏هلك المشار إليه لا يبطل العقد.‏
وقال الشافعي : تتعين النقود بالتعيين، ويستحق البائع على المشتري ذات الدراهم المشار ‏إليها، كما في سائر الأعيان، لأنه قد يكون للشخص غرض فيها، والثمن المعين كالمبيع في تعلق ‏الحق بالعين.‏
فلو هلك المشار إليه قبل القبض يبطل العقد، كما لو هلك سائر الأعيان.‏
فإن لم يكن الثمن من المسكوكات، فإنه بالاتفاق كسائر السلع يقبل التعيين.‏
‏2- إن الأعيان القيمية أي "التي ليست من ذوات الأمثال" إذا قوبلت بالمثليات المعينة ‏تعتبر هي المبيع، والمثلي هو الثمن مطلقاً، دون نظر إلى اقتران حرف الباء، لأن المثلي أليق ‏بالثمنية من حيث قابليته للثبوت في الذمم كالنقود.‏
من أمثلة القيميات : الثياب والدور والعقارات والعدديات المتفاوتة "أي التي تفاوتت ‏آحادها" كالغنم وسائر الدواب والبطيخ إذا بيع بالعدد لا بالوزن.‏
وأما إذا قوبلت الأعيان القيمية بالأموال غير المعينة أي "الملتزمة في الذمم" فالعبرة في ‏الثمنية لمقارنة حرف الباء، فما دخل عليه حرف الباء كان ثمناً، والآخر مبيعاً. فلو قال : بعتك ‏هذا المتاع بقنطار من السكر، فالسكر : هو الثمن. ولو قال بعتك قنطاراً من السكر بهذا المتاع، ‏كان السكر مبيعاً، والمتاع ثمناً، ويكون العقد بيع سلم.‏
‏3- المثليات إذا كان في مقابلتها النقود فهي مبيعة، كما ذكرنا أولاً، وإن كان في مقابلتها ‏أمثالها مثل بيع قمح بزيت، فما كان منها معيناً يكون مبيعاً، وكل ما كان منها موصوفاً في الذمة ‏يكون ثمناً.‏
وإن كان كل واحد منهما موصوفاً في الذمة فما صحبه حرف الباء يكون ثمناً، والآخر ‏يكون مبيعاً.‏
‏- والمثليات : إما مكيلات وهي التي تباع بالكيل كالقمح والشعير، وكبعض السوائل التي ‏تباع اليوم باللتر كالبترول والبنزين.‏
‏- أو موزونات : وهي التي تباع بالوزن كالسمن والزيت والسكر.‏
‏- أو ذَرْعيات : وهي التي تباع بالذراع كالقطع الكبرى من المنسوجات الصوفية أو ‏القطنية أو الحريرية، وكالأراضي.‏
‏- أو عدديات متقاربة : وهي التي لا تتفاوت آحادها إلا تفاوتاً بسيطاً كالبيض والجوز، ‏وكالمصنوعات المتماثلة من صنع المعامل كالكؤوس وصحون الخزف والبلّور ونحوها.‏
‏4- إذا بيعت القيميات ببعضها يعتبر كل من العوضين مبيعاً من وجه، وثمناً من وجه ‏آخر.‏

أحكام المبيع والثمن أو نتائج التمييز بينهما :‏
يترتب على التمييز بين المبيع والثمن نتائج نوجز ذكر ست منها، ونفصل الكلام في ‏ثلاثة أخرى.‏
‏1- يشترط لانعقاد البيع أن يكون المبيع مالاً متقوماً ولا يشترط ذلك في الثمن.‏
‏2- يشترط لنفاذ البيع أن يكون المبيع موجوداً في ملك البائع ولا يشترط ذلك في الثمن.‏
‏3- لا يجوز تأجيل الثمن في بيع السلم، ويجب تأجيل المبيع.‏
‏4- مؤونة تسليم الثمن أي "كلفته" على المشتري، ومؤونة تسليم المبيع على البائع.‏
‏5- البيع مع عدم تسمية الثمن فاسد، أما مع عدم تسمية المبيع نحو : بعتك بعشرة دنانير، ‏فباطل غير منعقد.‏
‏6- هلاك المبيع بعد التقايض يمنع إقالة البيع، ولا يمنع ذلك هلاك الثمن.‏
‏7- هلاك المبيع قبل التسليم مبطل للبيع، ولا يبطله هلاك الثمن.‏
‏8- لا يجوز تصرف المشتري في المبيع المنقول قبل قبضه، ويصح تصرف البائع في ‏الثمن قبل قبضه.‏
‏9- على المشتري تسليم الثمن أولاً ليحق له استلام المبيع، ما لم يرض البائع ونفصل ‏الكلام في الثلاثة الأخيرة.‏
‏ ‏
حكم هلاك المبيع، وهلاك الثمن وكساده :‏
هلاك المبيع :‏
المبيع إما أن يهلك كله أو بعضه قبل القبض أو بعده.‏

آ- إذا هلك المبيع كله قبل القبض :‏
‏1- فإذا هلك بآفة سماوية أو بفعل المبيع نفسه، أو بفعل البائع، فينفسخ عقد البيع.‏
‏2- إذا هلك بفعل المشتري، فلا ينفسخ البيع وعليه الثمن.‏
‏3- إذا هلك بفعل أجنبي، لا ينفسخ البيع، ويكون المشتري بالخيار : إن شاء فسخ البيع، ‏وإن شاء أمضاه ودفع الثمن، وطالب الأجنبي بالضمان.‏

ب- إذا هلك المبيع كله بعد القبض :‏
‏1- إن كان بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو بفعل المبيع أو بفعل أجنبي فلا ينفسخ البيع، ‏ويكون هلاكه على ضمان المشتري، لأن المبيع خرج عن ضمان البائع بقبض المشتري، فتقرر ‏الثمن عليه، ويرجع بالضمان على الأجنبي حال كون الأعتداء منه.‏
‏2- إذا هلك بفعل البائع فينظر في حالتين :‏
أولاً- إذا كان المشتري قد قبضه بإذن البائع أو بدون إذنه، لكنه قد نقد الثمن، أو كان ‏الثمن مؤجلاً، فيكون هلاكه من قبل البائع، كهلاكه من قبل الأجنبي، فعليه ضمانه.‏
ثانياً- أما إذا كان المشتري قد قبض المبيع بدون إذن البائع، والثمن حالّ غير منقود "أي ‏غير معطى إلى البائع" فيتوجب فسخ البيع، ويكون البائع باعتدائه مسترداً للمبيع، وعليه ضمانه.‏
وقال المالكية : الضمان ينتقل إلى المشتري بنفس العقد في كل بيع إلا في خمسة مواضع ‏‏:‏
الأول- بيع الغائب على الصفة.‏
الثاني- ما بيع على الخيار.‏
الثالث- ما بيع من الثمار قبل كمال طيبها.‏
الرابع- ما فيه حق توفية من كيل أو وزن أو عدّ.‏
الخامس- البيع الفاسد، فالضمان في هذه الخمسة من البائع حتى يقبضه المشتري.‏
وقال الشافعية : كل مبيع من ضمان البائع حتى يقبضه المشتري.‏
وقال الحنابلة : إذا كان المبيع مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً فتلف قبل قبضه، فهو من مال ‏البائع، وما عداه فلا يحتاج فيه إلى قبض، وإن تلف فهو من مال المشتري.‏
‏ ‏
ج- إذا هلك بعض المبيع قبل القبض ينظر عند الحنفية :‏
‏1- فإن كان بآفة سماوية ففيه تفصيل : إن كان النقصان نقصان قدر بأن كان مكيلاً أو ‏موزوناً أو معدوداً، فهلك بعضه : ينفسخ العقد بقدر الهالك، وتسقط حصته من الثمن، ثم يكون ‏المشتري بالخيار في الباقي لتفرق الصفقة عليه : إن شاء أخذه بحصته، وإن شاء فسخ البيع.‏
وإن كان النقصان نقصان وصف "وهو كل ما يدخل في البيع من غير تسمية كالشجر ‏والبناء في الأرض والجودة في المكيل والموزون" فلا ينفسخ البيع أصلاً، ولا يسقط عن ‏المشتري شيء من الثمن، لأن الأوصاف لا حصة لها من الثمن، ويكون المشتري بالخيار : إن ‏شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء تركه لتعيب المبيع.‏
‏2- وإن كان الهلاك بفعل المبيع نفسه كحيوان جرح نفسه، فلا ينفسخ البيع، ولا يسقط ‏شيء من الثمن، والمشتري بالخيار : إن شاء أخذ الباقي بجميع الثمن، وإن شاء فسخ العقد.‏
‏3- وإن كان الهلاك بفعل البائع فيبطل البيع بقدره، ويسقط عن المشتري حصة الهالك ‏من الثمن، سواء أكان النقصان نقصان قدر، أم نقصان وصف، لأن الأوصاف لها حصة من ‏الثمن عند ورود الجناية عليها، والمشتري بالخيار في الباقي بحصته من الثمن.‏
‏4- وإن كان الهلاك بفعل المشتري فلا يبطل البيع، ولا يسقط عنه شيء من الثمن، لأنه ‏صار قابضاً لكل المبيع بإتلاف بعضه.‏

د- إذا هلك بعض المبيع بعد القبض :‏
‏1- فإن كان الهلاك بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو المبيع نفسه أو بفعل أجنبي، ‏فالهلاك على المشتري.‏
‏2- وإن كان بفعل البائع ينظر :‏
إذا كان القبض بإذنه، أو كان الثمن منقوداً أو مؤجلاً، فحكمه كالأجنبي. وإن كان القبض ‏بغير إذنه، والثمن حال غير منقود، ينفسخ البيع في قدر الشيء التالف، ويسقط عن المشتري ‏حصته.‏
‏ ‏
هلاك الثمن عند الحنفية :‏
إذا هلك الثمن في مجلس العقد قبل القبض :‏
فإن كان عيناً مثلياً : لا ينفسخ العقد، لأنه يمكن تسليم مثله بخلاف المبيع لأنه عين، ‏وللناس أغراض في الأعيان.‏
‏ ‏
كساد الثمن عند الحنفية : إذا اشترى شخص بفلوس رائجة، ثم كسدت قبل القبض ‏بضرب فلوس جديدة، انفسخ العقد عند أبي حنيفة، وعلى المشتري رد المبيع إن كان قائماً، ‏وقيمته أو مثله إن كان هالكاً؛ لأن الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ثمناً، ولا بيع بلا ثمن، ‏فينفسخ البيع ضرورة، فهو قد اعتبر الكساد كالهلاك.‏
وقال بعض الحنفية : لا ينفسخ البيع، ولكن يخير البائع : إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أخذ ‏قيمة الفلوس؛ لأن الفلوس ثابتة في الذمة، وما يثبت في الذمة لا يحتمل الهلاك، فلا يكون الكساد ‏هلاكاً، بل يكون عيباً فيها، فيوجب الخيار للبائع، كما إذا كان الثمن رطباً، فانقطع قبل القبض، ‏فهما اعتبرا الكساد كالعيب.‏
واتفقوا على أنه لو لم تكسد الفلوس، ولكنها رخصت قيمتها، أو غلت، لا ينفسخ البيع؛ ‏لأن الرخص أو الغلاء لا يوجب بطلان الثمنية.‏
‏ ‏
التصرف في المبيع وفي الثمن قبل القبض ‏
التصرف في المبيع :‏
قال الحنفية : لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض بلا خلاف، لأن النبي ‏صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما لم يقبض والنهي يوجب فساد المنهي عنه، ولأنه بيع فيه ‏غرر لتعرضه إلى الانفساخ بهلاك المعقود عليه، فيبطل البيع الأول، وينفسخ الثاني، وقد نهى ‏الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع فيه غرر.‏
وأما العقار : فيجوز التصرف فيه عند أبي حنيفة ولا غرر في العقار، إذ لا يتوهم هلاك ‏العقار، ويندر هلاكه في الغالب، فلا يكون في بيعه غرر.‏
وقال الشافعي : لا يجوز بيع العقار قبل القبض لعموم النهي عن ا

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:39 PM
بيع الدين :‏

الدين : كثمن مبيع، وبدل قرض، ومهر بعد دخول بالمرأة أو قبل الدخول بها، وأجرة ‏مقابل منفعة، وأرش جناية، وغرامة متلف، وعوض خلع، ومسلم فيه. وبيع الدين : إما أن يكون ‏لمن في ذمته الدين، أو لغير من عليه الدين. وفي كل من الحالين إما أن يباع الدين نقداً في الحال، ‏أو نسيئه مؤجلاً.‏
‏ ‏
وبيع الدين نسيئة : هو ما يعرف ببيع الكالئ أي الدين بالدين وهو بيع ممنوع شرعاً لأن ‏النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، وقد قيل : أجمع الناس على أنه لا يجوز ‏بيع دين بدين، وذلك سواء أكان البيع للمدين، أم لغير المدين.‏
مثال الأول وهو بيع الدين للمدين : أن يقول شخص لآخر اشتريت منك مداً من الحنطة ‏بدينار على أن يتم تسليم العوضين بعد شهر مثلاً. أو أن يشتري شخص شيئاً إلى أجل، فإذا حل ‏الأجل، لم يجد البائع ما يقضي به دينه، فيقول للمشتري : بعني هذا الشيء إلى أجل آخر بزيادة ‏شيء فيبيعه ولا يجري بينهما تقابض. فيكون هذا رباً حراماً تطبيقاً لقاعدة : "زدني في الأجل، ‏وأزيدك في القدر".‏
ومثال بيع الدين لغير المدين : أن يقول رجل لغيره : بعتك العشرين مداً من القمح التي ‏لي عند فلان بكذا تدفعها لي بعد شهر.‏

وبيع الدين نقداً في الحال :‏
أولاً- بيع الدين للمدين : أجاز أئمة المذاهب الأربعة بيع الدين لمن عليه الدين أو هبته ‏له، لأن المانع من صحة بيع الدين بالدين هو العجز عن التسليم، ولا حاجة إلى التسليم ههنا، فما ‏في ذمة المدين مسلم له. ومثاله : أن يبيع الدائن للمدين ديناً له في ذمته بدين آخر من غير جنسه، ‏فيسقط الدين المبيع، ويجب عوضه.‏

ثانياً- بيع الدين لغير المدين : قال الحنفية بما أنه لا يجوز بيع معجوز التسليم، فلا ينعقد ‏بيع الدين من غير من عليه الدين، لأن الدين غير مقدور التسليم إلا للمدين نفسه في حق البائع، ‏لأن الدين عبارة عن مال حكمي في الذمة، أو عبارة عن فعل تمليك المال وتسليمه، وكل ذلك ‏غير مقدور التسليم من البائع. ولو شرط التسليم على المدين لا يصح البيع أيضاً، لأن البائع شرط ‏التسليم على غيره، فيكون شرطاً فاسداً، فيفسد البيع.‏
وقال الشافعية : يجوز بيع الدين المستقر للمدين ولغير المدين قبل القبض، لأن الظاهر ‏القدرة على التسليم من غير منع ولا جحود، ومثال الدين المستقر : قيمة المتلفات، والمال ‏الموجود عند المقترض.‏
وأما إن كان الدين غير مستقر : فإن كان مسلماً فيه في عقد السلم، فلا يجوز التصرف ‏فيه قبل قبضه، لعموم النهي عن بيع مالم يقبض، ولأن الملك في المسلم فيه غير مستقر، لأنه ‏ربما تعذر تسليمه لفقدانه، فانفسخ البيع فيه.‏
وإن كان الدين ثمناً ففي قول للشافعي : يجوز التصرف فيه قبل قبضه لخبر ابن عمر في ‏هذا الشأن عن الرسول صلى الله عليه وسلم : "لا بأس مالم تتفرقا، وبينكما شيء" رواه الترمذي ‏ولأنه لا يخشى انفساخ العقد فيه بالهلاك، فصار ذلك مثل المبيع بعد القبض.‏
وقال الحنابلة : يصح في الصحيح من المذهب بيع الدين المستقر للمدين كبدل قرض ‏ومهر بعد الدخول. ولا يصح بيع الدين لغير المدين، كما لا تصح هبة الدين لغير من هو في ‏ذمته، لأن الهبة تقتضي وجود معين، وهو منتفٍ هنا. كما لا يصح بيع الدين غير المستقر كأجرة ‏عقار قبل مضي مدة الإِيجار، ومهر قبل دخول بالمرأة، ومسلم فيه قبل القبض.‏
وقال المالكية : يجوز بيع الدين لغير المدين بشروط ثمانية تبعده عن الغرر والربا وأي ‏محظور آخر كبيع الشيء قبل قبضه، وتتلخص هذه الشروط هنا في شرطين هما :‏
‏1- ألا يؤدي البيع إلى محظور شرعي كالربا والغرر ونحوهما : فلا بد من أن يكون ‏الدين مما يجوز بيعه قبل قبضه، كأن يكون من قرض ونحوه ويكون الدين المبيع غير طعام، وأن ‏يباع بثمن مقبوض أي معجل لئلا يكون ديناً بدين، وأن يكون الثمن من غير جنس الدين المبيع أو ‏من جنسه مع التساوي بينهما حذراً من الوقوع في الربا، وألا يكون الثمن ذهباً إذا كان الدين ‏فضة، حتى لا يؤدي ذلك إلى بيع النقد بالنقد نسيئة من غير مناجزة، فهذه أربعة شروط في شرط.‏
‏2- أن يغلب على الظن الحصول على الدين بأن يكون المدين حاضراً في بلد العقد، ليعلم ‏حاله من عسر أو يسر، وأن يكون المدين مقراً بالدين، حتى لا ينكره بعدئذ، فلا يجوز بيع حق ‏متنازع فيه وأن يكون أهلاً للالتزام بالدين بألا يكون قاصراً ولا محجوراً عليه مثلاً ليكون الدين ‏مقدور التسليم، وألا يكون بين المشتري وبين المدين عداوة حتى لا يتضرر المشتري أو حتى لا ‏يكون في البيع إعنات للمدين بتمكين خصمه منه.‏
فهذه أربعة شروط أخرى في شرط. ويظهر لنا أن مذهب المالكية هو الراجح بين ‏المذاهب.‏
خصم الكمبيالة : ذكر الحنفية أن بيع أوراق الكمبيالة المتعارف في زماننا إلى غير ‏الغريم (المدين) أو لمن عليه أموال أميرية بأنقص من الحق غير صحيح.‏

‏3- بيع الغرر :‏
الغرر في اللغة : الخطر، والتغرير : التعريض للهلاك، وأصل الغرر لغة : هو ماله ‏ظاهر محبوب، وباطن مكروه. ولذلك سميت الدنيا متاعالغرور.‏
‏ ‏
الغرر في اصطلاح الفقهاء : بيع الغرر : هو البيع الذي يتضمن خطراً يلحق أحد ‏المتعاقدين، فيؤدي إلى ضياع ماله. أو هو بيع الأشياء الاحتمالية غير المحققة الوجود أو الحدود، ‏لما فيه من مغامرة وتغرير يجعله أشبه بالقمار. والغرر الذي يبطل البيع : هو غرر الوجود : ‏وهو كل ما كان المبيع محتملاً للوجود والعدم. وأما غرر الوصف فمفسد للبيع.‏
إذاً : الغرر هو الخطر بمعنى أن وجوده غير متحقق، فقد يوجد وقد لا يوجد. وبيع الغرر ‏‏: بيع ما لا يعلم وجوده وعدمه، أو لا تعلم قلته وكثرته، أو لا يقدر على تسليمه.‏

حكم بيع الغرر : قد اتفق الفقهاء على عدم صحة بيع الغرر، مثل بيع اللبن في الضرع، ‏والصوف على الظهر، واللؤلؤ في الصدف، والحمل في البطن، والسمك في الماء، والطير في ‏الهواء قبل صيدهما، وبيع مال الغير على أن يشتريه فيسلمه، أي بيع ما سيملكه قبل ملكه له، لأن ‏البائع باع ما ليس بمملوك له في الحال، سواء أكان السمك في البحر، أو في النهر، أو في حظيرة ‏لا يؤخذ منها إلا باصطياد، وسواء أكان الغرر في المبيع أو في الثمن.‏
ومن البيوع غير الصحيحة بسبب الغرر : بيع المضامين والملاقيح، وبيع الملامسة ‏والمنابذة والحصاة، وبيع ضربة القانص (بأن يقول البائع : بعتك ما يخرج من إلقاء هذه الشبكة ‏مرة بكذا) وضربة الغائص (بأن يقول : أغوص غوصة، فما أخرجته من اللآلئ، فهو لك بكذا) ‏فالمبيع في الأنواع الخمسة الأخيرة مجهول الذات أو المقدار، وقد ثبت النهي عنها، وهي من ‏بيوع الجاهلية.‏
ومنها بيع المزابنة : وهو بيع الرطب أو العنب على النخل أو الكرمة بتمر مقطوع، أو ‏زبيب مثل كيله خرصاً أي بتقديره حَزْراً أو تخميناً. وبيع المحاقلة : أي بيع الحنطة في سنبلها ‏بحنطة مثل كيلها خرصاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن المزابنة والمحاقلة" متفق ‏عليه لما في ذلك من الربا لجهالة مقدار المبيع، إذ أنه كما هو معلوم يشترط التماثل حقيقة في ‏الأموال الربوية. لكن للحاجة رخص الشافعية والحنابلة، وفي الراجح عند المالكية بيع العرايا : ‏وهو عند الشافعية بيع الرطب على النخل خرصاً بتمر في الأرض كيلاً، أو بيع العنب على ‏الشجر خرصاً بزبيب في الأرض كيلاً، فيما دون خمسة أوسق بشرط التقابض في المجلس عند ‏الفقهاء ما عدا المالكية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في ‏العرايا متفق عليه. وأما الحنفية فقد أجازوا بيع العرايا للضرورة فقط.‏
ويلاحظ أن هذه البيوع غير الصحيحة بسبب الغرر، منها الباطل، ومنها الفاسد في ‏اصطلاح الحنفية، فالفاسد منها فقط : هو بيع ضربة القانص والغائص والمزابنة والمحاقلة ‏والملامسة والمنابذة وبيع الحصاة، وبيع ثوب من أثواب ونحوها مما فيه جهالة. وأما ماعداها فهو ‏باطل. فبيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة باطل، لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه، ولما فيه من ‏الغرر، كما بينا في بحث بيع المعدوم.‏
والدليل على عدم صحة بيع الغرر في الجملة : هو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ‏عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا ‏تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر"، ولأنه غير مقدور على تسليمه، وفيه جهالة فاحشة بمحل ‏العقد أو بمقدار المبيع، ولأنه غير مملوك للبائع محل العقد.‏

الغرر اليسير : الغرر والجهالة ثلاثة أقسام : كثير ممتنع إجماعاً كالطير في الهواء. ‏وقليل جائز إجماعاً كأساس الدار وقطن الجبة. ومتوسط اختلف فيه : هل يلحق بالأول أو الثاني، ‏فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير، ألحق بالقليل. وقد أجاز الحنفية بيع ما ‏يشتمل على غرر يسير، كالأشياء التي تختفي في قشرها كالجوز واللوز والفستق والباقلاء ‏الأخضر، والأرز والسمسم في قشرها الأعلى، والحنطة في سنبلها، والبطيخ والرمان على أن ‏يكون للمشتري خيار الرؤية كما سيأتي بيانه في بحث هذا الخيار.‏
أما المالكية والحنابلة فقد أجازوا مطلقاً كل ما فيه غرر يسير، أو التي تدعو إليه ‏الضرورة، كهذه الأشياء التي ذكرناها.‏
وأما الشافعية : فإنهم أجازوا بيع هذه الأشياء في قشرها الأسفل. أما بيعها بقشرها الأعلى ‏فاختلفوا فيه على رأيين مشهورين في المذهب.‏
يرجح جواز بيع هذه الأشياء مطلقاً كما رأى المالكية والحنابة لتعارف الناس هذه البيوع، ‏فإذا وجد فيها عيب أمكن فسخ العقد بمقتضى خيار العيب.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:39 PM
حكم التأمين مع شركات التأمين في الإسلام :‏

التأمين حديث النشأة، فقد طهر بمعناه الحقيقي في القرن الرابع عشر الميلادي في إيطاليا ‏في صورة التأمين البحري. والتأمين (أو السوكرة) نوعان : تأمين تعاوني وتأمين بقسط ثابت.‏

أما التأمين التعاوني : فهو أن يتفق عدة أشخاص على أن يدفع كل منهم اشتراكاً معيناً، ‏لتعويض الأضرار التي قد تصيب أحدهم إذا تحقق خطر معين. وهو قليل التطبيق في الحياة ‏العملية.‏

وأما التأمين بقسط ثابت : فهو أن يلتزم المؤمَّن له بدفع قسط محدد إلى المؤمِّن : وهو ‏شركة التأمين المكونة من أفراد مساهمين، يتعهد (أي المؤمن) بمقتضاه دفع أداء معين عند تحقق ‏خطر معين. وهو النوع السائد الآن. ويدفع العوض إما إلى مستفيد معين أوإلى شخص المؤمن أو ‏إلى ورثته، فهو عقد معاوضة ملزم للطرفين.‏
والفرق بين النوعين : أن الذي يتولى التأمين التعاوني ليس هيئة مستقلة عن المؤمن لهم، ‏ولا يسعى أعضاؤه إلى تحقيق ربح، وإنما يسعون إلى تخفيف الخسائر التي تلحق بعض ‏الأعضاء. أما التأمين بقسط ثابت فيتولاه المؤمن (أي الشركة المساهمة) الذي يهدف إلى تحقيق ‏ربح، على حساب المشتركين المؤمن لهم. وكون المؤمن له قد لا يأخذ شيئاً في بعض الأحيان لا ‏يخرج التأمين من عقود المعاوضات، لأن من طبيعة العقد الاحتمالي ألا يحصل فيه أحد العاقدين ‏على العوض أحياناً.‏

التأمين التعاوني : لا شك في جواز التأمين التعاوني في الإسلام، لأنه يدخل في عقود ‏التبرعات، ومن قبيل التعاون على البر، لأن كل مشترك يدفع اشتراكه بطيب نفس لتخفيف آثار ‏المخاطر وترميم الأضرار التي تصيب أحد المشتركين، أياً كان نوع الضرر، سواء في التأمين ‏على الحياة، أو الحوادث الجسمانية، أو على الأشياء (بسبب الحريق أو السرقة أو موت الحيوان) ‏أو ضد المسؤولية من حوادث السير، أو حوادث العمل، ويجوز أيضاً للمؤمن له التأمين الإلزامي ‏كالتأمين المفروض على السيارات ضد الغير، وتجوز التأمينات الأجتماعية ضد العجز ‏والشيخوخة والمرض والتقاعد.‏

التأمين بقسط ثابت- فتوى ابن عابدين : أفتى ابن عابدين بحرمة التأمين البحري، ‏لضمان ما قد يهلك من البضائع المستوردة بطريق النقل البحري، بالمراكب، فلا يحل للتاجر أخذ ‏بدل الهالك من مال المؤمن لأسباب ثلاثة :‏
‏1- إن هذا العقد التزام مالا يلزم، لعدم وجود سبب شرعي من أسباب الضمان الأربعة ‏وهي العدوان من قتل وهدم وإحراق ونحوها، وتسبب الإتلاف كحفر بئر بدون ترخيص في ‏الطريق العام، ووضع اليد غير المؤتمنة كالغصب والسرقة وبقاء المبيع في يد البائع، والكفالة. ‏وليس المؤمن متعدياً، ولا متسبباً في الإتلاف، ولا واضع يد على المؤمن عليه، ويس في التأمين ‏مكفول معين.‏
‏2- ليس التأمين من قبيل تضمين الوديع إذا أخذ أجراً على الوديعة إذا هلكت، لأن المال ‏ليس في يد المؤمن، بل في يد صاحب المركب، ولو كان صاحب المركب هو المؤمن، فإنه يكون ‏أجيراً مشتركاً، لا وديعاً، وكل من الوديع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه، ‏كالموت والغرق والحرق الغالب.‏
‏3- ليس التأمين من قبيل تضمين التغرير : لأن الغارّ لا بد من أن يكون عالماً بالخطر، ‏وأن يكون المغرور جاهلاً به غير عالم. والمؤمن (شركة التأمين أو الضمان) لا يقصد تغرير ‏التجار (المؤمن لهم)، ولا يعلم بحصول الخطر - الغرق مثلاً، هل يكون أم لا، أي لا يعلم : هل ‏تغرق المركب أم لا؟
أما في حال العلم بالخطر من المؤمن والتاجر كالخطر من اللصوص وقطاع الطرق، ‏فيجوز الضمان، ولكن ليس التأمين منطبقاً عليها. فلو قال شخص لآخر : أسلك هذا الطريق، فإن ‏كان مخوفاً وأخذ مالك، فأنا ضامن : ضمن.‏
وأضاف ابن عابدين : أنه إن جرى عقد التأمين الفاسد في بلاد الحرب بين المؤمن ‏وشريك حربي غير مسلم للمؤمن له، أو بين التاجر المؤمن له الموجود في دار الحرب وبين ‏المؤمن، وأخذ بدل الهالك، وأرسله في الحالة الأولى إلى التاجر المسلم، أو قبض التاجر البدل في ‏بلادنا في الحالة الثانية، فالظاهر أنه يحل للتاجر أخذه، لأن العقد الفاسد جرى بين حربيين في ‏بلاد الحرب، وقد وصل إلى التاجر ما لهم برضاه، فلا مانع من أخذه. أما إن كان العقد في بلادنا، ‏والقبض في بلاد الحرب، فلا يحل أخذ البدل، ولو برضا الحربي، لانبنائه على العقد الفاسد ‏الصادر في بلاد الإسلام.‏
ولا يصح اعتبار التأمين من قبيل شركة المضاربة التي هي مال من طرف وعمل من ‏طرف آخر، لسببين :‏
أولهما- أن الأقساط التي يدفعها المؤمن له تدخل في ملك شركة التأمين (المؤمن)، وهي ‏مطلقة اليد في أن تتصرف بها كيفما تشاء. ويخسرها المؤمن له إن لم يقع الحادث.‏
ثانيهما- أن شرط صحة المضاربة أن يكون الربح بين صاحب المال والقائم بالعمل شائعاً ‏بالنسبة كالربع أو الثلث، وفي التأمين يشترط للمشترك المؤمن له قدر معين في الربح 3% أو ‏‏4% فتكون هذه المضاربة غير صحيحة. ولو تجاوز العاقد هذا السبب، يظل السبب الأول، كما ‏أنه في حال موت المؤمن له قد لا يذهب المبلغ المؤمن عليه للورثة مطلقاً وإنما للمستفيد، بخلاف ‏حال موت رب المال في المضاربة.‏
ولا يصح اعتبار التأمين من قبيل الضمان أو الكفالة، لأنه ليس واحداً من أسباب الضمان ‏الأربعة المشروعة المتقدمة، كما أنه في كثير من صور عقد التأمين لا يوجد فيه ما يمكن أن ‏يعتبر مكفولاً، وإن وجد المكفول كما في التأمين من حوادث السيارات، فهو مجهول.‏
والحقيقة أن عقد التأمين من عقود الغرر - العقود الاحتمالية المترددة بين وجود المعقود ‏عليه وعدمه، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر. ويقاس عليه عقود ‏المعاوضات المالية، فيؤثر الغرر فيها كما يؤثر في عقد البيع.‏
وعقد التأمين مع الشركات من عقود المعاوضات المالية، فيؤثر فيه الغرر، كما يؤثر في ‏سائر عقود المعاوضات المالية. وقد وضعه رجال القانون تحت عنوان "عقود الغرر"، لأن ‏التأمين لا يكون إلا من حادث مستقبل غير محقق الوقوع، أو غير معروف وقوعه، فالغرر ‏عنصر لازم لعقد التأمين.‏
والغرر في التأمين كثير، لا يسير، ولا متوسط، لأن من أركان التأمين : "الخطر" ‏والخطر هو حادث محتمل لا يتوقف على إرادة العاقدين.‏
والحاجة التي من أجلها يجوز العقد المشتمل على الغرر ولو كان كثيراً : (وهي أن يصل ‏المرء إلى حالة بحيث لو لم يتناول الممنوع يكون في جهد ومشقة، ولكنه لا يهلك) يشترط فيها أن ‏تكون عامة، أو خاصة، وأن تكون متعينة.‏
والحاجة العامة : هي ما يكون الاحتياج فيها شاملاً لجميع الناس. والحاجة الخاصة : هي ‏ما يكون الاحتياج فيها خاصاً بطائفة من الناس كأهل بلد، أو حرفة.‏
ومعنى كون الحاجة متعينة : أن تسد جميع الطرق المشروعة للوصول للغرض، سوى ‏ذلك العقد الذي فيه الغرر.‏
ولو سلمنا بوجود حاجة عامة للتأمين في الوقت الحاضر، فإن الحاجة إليه غير متعينة، إذ ‏يمكن تحقيق الهدف منه بطريق التأمين التعاوني القائم على التبرع، وإلغاء الوسيط المستغل ‏لحاجة الناس الذي يسعى إلى الربح، وهو شركة الضمان. فيكون التأمين عقد معاوضة مشتملاً ‏على غرر كثير من غير حاجة، فيمنع في الإسلام.‏
وبناء عليه لا يحل للتاجر وغيره من المستأمنين أخذ بدل الهالك من مال السوكرة، لأنه ‏مال لا يلزم من التزم به، ولأن اشتراط الضمان على الأمين باطل.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:40 PM
‏4- بيع النجس والمتنجس :‏

قال الحنفية : لا ينعقد بيع الخمر والخنزير والميتة والدم، لأنها ليست بمال أصلاً. ويكره ‏بيع العَذِرة، ولا بأس ببيع السرقين أو السرجين : وهو (الزبل) وبيع البعر، لأنه منتفع به، لأنه ‏يلقى في الأرض لاستكثار الريع، فكان مالاً، والمال محل للبيع بخلاف العذرة، لأنه لا ينتفع بها ‏إلا مخلوطة ويجوز بيع المخلوط كالزيت الذي خالطته النجاسة.‏
ويصح عندهم بيع كل ذي ناب من السباع، كالكلب والفهد والأسد والنمر والذئب والهر ‏ونحوها، لأن الكلب ونحوه مال، بدليل أنه منتفع به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق ‏كالحراسة والاصطياد، فكان مالاً. ويصح بيع الحشرات والهوام كالحيات والعقارب إذا كان ينتفع ‏به.‏
ويصح بيع المتنجس والانتفاع به في غير الأكل كالدبغ والدهان والاستضاءة به في غير ‏المسجد، ما عدا دهن الميتة، فإنه لا يحل الانتفاع به.‏
والضابط عندهم : أن كل ما فيه منفعة تحل شرعاً، فإن بيعه يجوز، لأن الأعيان خلقت ‏لمنفعة الإنسان بدليل قوله تعالى : {خلق لكم ما في الأرض جميعاً}.‏
وقال المالكية : لا ينعقد بيع الخمر والخنزير والميتة لحديث جابر، قال : قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم : "إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل : يا ‏رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس ؟ ‏فقال : لا، هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما ‏حرم عليهم شحومها جملوه - أذابوه - ثم باعوه فأكلوا ثمنه" رواه البخاري ومسلم وقال في الخمر ‏‏: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" رواه مسلم.‏
ولا ينعقد بيع الكلب مع كونه طاهراً، سواء أكان كلب صيد أم حراسة، لأنه نهي عن ‏بيعه، ففي الحديث : "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان ‏الكاهن".‏
ولا ينعقد بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره، كزيت وعسل وسمن وقعت فيه نجاسة. أما ‏المتنجس الذي يمكن تطهيره، كثوب، فإنه يجوز بيعه.‏
ولا ينعقد أيضاً بيع ما نجاسته أصلية كزبل ما لا يؤكل لحمه، وكعذرة وعظم ميتة، ‏وجلدها، ويصح بيع روث البقر وبعر الغنم والإبل ونحوها للحاجة إليها لتسميد الأرض وغيره ‏من ضروب الانتفاع.‏
وقال الشافعية والحنابلة : لا يجوز بيع الخنزير والميتة والدم والخمر، وما أشبه ذلك من ‏النجاسات، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة ‏والخنزير والصنام" ولأنه يجب اجتناب النجس وعدم الاقتراب، والبيع وسيلة إلى الاقتراب.‏
ولا يجوز بيع الكلب ولو كان معلماً للنهي الوارد فيه في الحديث السابق : "نهى النبي ‏صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ..".‏
ولا يصح بيع ما لا منفعة فيه كالحشرات وسباع البهائم التي لا تصلح للاصطياد، كالأسد ‏والذئب، والطيور التي لا تؤكل، ولا تصطاد، كالرخمة والحدأة والغراب، لأن ما لا منفعة فيه لا ‏قيمة له، فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل، وبذل العوض فيه من السفه.‏
ولا يجوز بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره من النجاسة كالخل والدبس، ولكن يصح ‏بيع المتنجس الذي يمكن تطهيره كالثوب ونحوه.‏
ولا يجوز بيع السرجين ونحوه من النجاسات، إلا أن الحنابلة أجازوا بيع السرجين ‏الطاهر كروث الحمام وكل ما يؤكل لحمه.‏
والخلاصة : أن فقهاء الحنفية يجيزون بيع النجاسات للانتفاع بها إلا ما ورد النهي عن ‏بيعه منها، لأن جواز البيع يتبع الانتفاع، فكل ما كان منتفعاً به جاز بيعه عندهم. وأما فقهاء ‏المالكية والشافعية والمشهور عند الحنابلة : فلا يجيزون بيع النجاسات، لأن جواز البيع يتبع ‏الطهارة، فكل ماكانطاهراً أي مالاً يباح الانتفاع به شرعاً يجوز بيعه عندهم.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:41 PM
‏5- بيع العربون :‏

في العربون ست لغات أفصحها فتح العين والراء، وضمن العين وإسكان الراء. وعربان ‏بالضم والإِسكان، وهو أعجمي معرب، وأصله في اللغة : التسليف والتقديم.‏
وبيع العربون : هو أن يشتري الرجل شيئاً، فيدفع إلى البائع من ثمن المبيع درهماً، أو ‏غيره مثلاً، على أنه إن نفذ البيع بينهما احتسب المدفوع من الثمن، وإن لم ينفذ، يجعل هبة من ‏المشتري للبائع. فهو بيع يثبت فيه الخيار للمشتري : إن أمضى البيع كان العربون جزءاً من ‏الثمن، وإن رد البيع فقد العربون، ومدة الخيار غير محددة بزمن، وأما البائع فإن البيع لازم له.‏
وقال بعض الحنابلة : لا بد أن تقيد فترة الانتظار بزمن محدد وإلا فإلى متى ينتظر البائع ‏؟
وقد اختلف فيه العلماء، فقال الجمهور : إنه بيع ممنوع غير صحيح، فاسد عند الحنفية، ‏باطل عند غيرهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان ولأنه من باب الغرر ‏والمخاطرة وأكل المال بغير عوض، ولأن فيه شرطين فاسدين : أحدهما - شرط الهبة، والثاني - ‏شرط الرد على تقدير ألا يرضى، ولأنه شرط للبائع شيئاً بغير عوض، فلم يصح، كما لو شرطه ‏لأجنبي، ولأنه بمنزلة الخيار المجهول، فإنه اشترط أن يكون له رد المبيع من غير ذكر مدة، فلم ‏يصح، كما لو قال : ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهماً. وهذا هو مقتضى القياس.‏
وقال أحمد بن حنبل : لا بأس به ودليله ما أخرجه عبد الرازق في مصنفه من حديث زيد ‏بن أسلم أنه "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العربان في البيع فأحله" وما روي فيه عن ‏نافع بن عبد الحارث : "أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن ‏رضي عمر، كان البيع نافذاً، وإن لم يرض فلصفوان أربعمئة درهم". وضعف أحمد الحديث ‏المروي في بيع العربان، وقد أصبحت طريقة البيع بالعربون في عصرنا الحاضر أساساً ‏للارتباط في التعامل التجاري الذي يتضمن التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطل والانتظار.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:42 PM
‏6- بيع الماء :‏

عرفنا سابقاً أنه يشترط في المعقود عليه كونه مالاً محرزاً أي مملوكاً لواحد من الناس، ‏فلا ينعقد بيع شيء غير محرز كالماء والهواء والتراب، فما هو المقصود بالماء، وما هي مذاهب ‏العلماء في تملكه وبيعه ؟
قال الحنفية : المياه أربعة أنواع :‏
الأول- ماء البحار : وهو مشاع لجميع الناس، ولكل إنسان حق الانتفاع به على أي وجه ‏شاء كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء، فله أن ينتفع به لحوائجه الخاصة ولسقاية أراضيه أي أن ‏له ما يسمى بحق الشفة وحق الشرب أو سقي الأراضي الزراعية والأشجار.‏
الثاني- ماء الأودية العظام، مثل أنهار دجلة والفرات والنيل وبردى والعاصي وسيحون ‏وجيحون ونحوها من الأنهار العامة. وللناس فيها حق الشفة مطلقاً، وحق سقي الأراضي إن لم ‏يضر السقي بمصلحة الجماعة، فإن أضربهم فلا يجوز السقي، لأن دفع الضرر العام واجب، ‏ويجوز أيضاً تركيب المطاحن المائية على هذه الأنهار إن لم يكن هناك ضرر عام.‏
الثالث- الماء المملوك لجماعة مخصوصة كأهل قرية تختص بنهر صغير أو عين ماء أو ‏بئر. ومنه الماء المأخوذ من الأنهار العامة الذي يجري في المقاسم أي المجاري المملوكة بشق ‏الجداول ونحوها. ويثبت فيه لكل إنسان حق الشفة فقط للضرورة المقتضية إباحته لاحتياج الناس ‏إليه، ولعدم إمكان استصحاب الماء إلى كل مكان.‏
الرابع- الماء المحرز في الأواني، وهو مملوك لمن أحرزه، ولا حق فيه لأحد غير ‏صاحبه، ولا يجوز الانتفاع به إلا بإذن مالكه.‏
وبهذا يظهر أن الماء بالنسبة للتملك والبيع إما مباح، أو غير مباح، والمباح حق للجميع ‏لقوله صلى الله عليه وسلم : "المسلمون شركاء في ثلاث : الماء، والكلأ، والنار" والمقصود ‏بالمباح : ما يشمل النوعين الأولين، وهو ما لا يختص به أحد من الناس. وغير المباح أو المملوك ‏‏: هو ما يدخل تحت الملكية سواء أكانت لفرد أم لجماعة، ويشمل النوعين الآخرين.‏
وهذا هو المعنى المقصود أيضاً عند المالكية والشافعية والحنابلة وقد يسمى هذان ‏النوعان : الماء الخاص والماء العام. فالأول : هو الماء الممتلك في الأرض المملوكة كالبئر ‏والعين. والثاني : هو غير المتملك في أرض غير مملوكة كالأنهار والعيون.‏

حكم بيع الماء : اتفق العلماء على أنه يستحب بذلك الماء بغير ثمن حتى ولو كان مملوكاً ‏ولا يجبر المالك على بذل الماء، إلا في حال الضرورة بأن يكون قوم اشتد بهم العطش، فخافوا ‏الموت، فيجب عليه سقيهم، فإن منعهم، فلهم أن يقاتلوه عليه.‏
ولكن الحنفية فصلوا فيما يباح به القتال فقالوا : يجوز للمضطر أن يقاتل بالسلاح مالك ‏الماء في الحوض أو البئر أو النهر الذي في ملكه لأنه قصد اتلافه بمنع حقه وهو الشفة، والماء ‏في البئر مباح غير مملوك. أما إن كان الماء محرزاً في الأواني، فيقاتل المضطر بغير السلاح، ‏ويضمن له ما أخذ كما في حال أخذ الطعام عند المخمصة، لأن حل الأخذ للاضطرار لا ينافي ‏الضمان. هذا ااذا كان الماء فاضلاً عن حاجة مالكه بأن كان يكفي لدفع الرمق لكل منهما، وإلا ‏وجب تركه لمالكه.‏
أما بيع الماء فللعماء فيه رأيان مشهوران : رأي الجمهور، ورأي الظاهرية.‏
أولاً- قال الفقهاء : يجوز بيع غير المباح للناس جميعاً كماء البئر والعين والمحرز في ‏الأواني ونحوها، ولصاحبه أن ينتفع به لنفسه، ويمنع غيره من الانتفاع. فله أن يمنع صاحب ‏الحق في الشفة من الدخول في ملكه إذا كان يجد ماء بقربه، فإن لم يجد، يقال لصاحب البئر ‏ونحوه : إما أن تخرج الماء إليه، أو تتركه ليأخذ الماء.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:44 PM
المطلب الثاني- أنواع البيع الفاسد :‏

البيع الفاسد في اصطلاح الحنفية كما قدمنا : ما كان مشروعاً بأصله لا بوصفه ويفيد ‏الملك بالقبض. وعند غير الحنفية : البيع إما صحيح أو باطل، وغير الصحيح لا يفيد الملك أصلاً.‏
وسنذكر هنا نموذجاً من أنواع البيوع الفاسدة عند الحنفية، مع الإشارة إلى حكمها عند ‏غيرهم.‏

‏1- بيع المجهول :‏
قال الحنفية : إذا كان المبيع أو الثمن مجهولاً جهالة فاحشة وهي التي تفضي إلى ‏المنازعة، فسد البيع، لأن هذه الجهالة مانعة من التسليم والتسلم، فلا يحصل مقصود البيع.‏
فإن كان مجهولاً جهالة يسيرة وهي التي لا تؤدي إلى المنازعة، لا يفسد البيع، لأن هذه ‏الجهالة لا تمنع من التسليم والتسلم، فيحصل مقصود البيع.‏
والعرف هو المحكم في بيان نوع الجهالة : يسيرة أو فاحشة. فإذا لم يبين مثلاً جنس ‏الحيوان أو لم يبين "ماركة" المذياع أو آلة التصوير، يعتبر المبيع مجهولاً جهالة فاحشة تمنع من ‏صحة العقد على بيعه، إذ تؤدي حتماً إلى نزاع شديد بين المتعاقدين.‏
‏ ‏
‏2- البيع المعلق على شرط والبيع المضاف :‏
البيع المعلق على شرط أو العقد المعلق عموماً : هو ما علق وجوده على وجود أمر آخر ‏ممكن الحصول بإحدى أدوات التعليق نحو إن وإذا ومتى ونحوها. مثاله : أن يقول شخص لآخر : ‏بعتك داري هذه بكذا إن باع لي فلان داره، أو إن جاء والدي من السفر مثلاً.‏
والبيع المضاف أو العقد المضاف عموماً : هو ما أضيف فيه الإيجاب إلى زمن مستقبل، ‏كأن يقول شخص لغيره : بعتك هذه السيارة بكذا من أول الشهر القادم.‏
والفرق بين هذين النوعين عند الحنفية : أن العقد المعلق لا يعد موجوداً ولا ينعقد سبباً ‏في الحال، وإنما هو معلق على وجود الشرط، والشرط قد يوجد وقد لا يوجد.‏
وأما العقد المضاف فهو عقد تام يترتب عليه حكمه وآثاره إلا أن هذه الآثار يتأخر ‏سريانها إلى الوقت الذي عينه العاقدان لها.‏
‏ ‏
حكمها : اتفق الفقهاء على عدم صحة البيع المعلق أو المضاف، لكن يسمى ذلك فاسداً في ‏اصطلاح الحنفية، وعند غيرهم هو باطل.‏
‏ ‏
‏3- بيع العين الغائبة أو غير المرئية :‏
العين الغائبة : هي العين المملوكة للبائع الموجودة في الواقع، ولكنها غير مرئية.‏
قال الحنفية : يجوز بيع العين الغائبة من غير رؤية ولا وصف، فإذا رآها المشتري كان ‏له الخيار : فإن شاء أنفذ البيع، وإن شاء رده. وكذلك المبيع على الصفة يثبت فيه خيار الرؤية، ‏وإن جاء على الصفة التي عينها البائع كأن يشتري فرساً مجللاً "مغطى" أو متاعاً في صندوق أو ‏مقدار من الحنطة في هذا البيت.‏
واستدلوا أيضاً بحديث "من اشترى شيئاً لم يره، فهو بالخيار إذا رآه" رواه الدارقطني ‏
وقال المالكية : يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه ‏صفته قبل القبض. فإذا جاء على الصفة المذكورة كان البيع لازماً، إذ أن هذا من الغرر اليسير، ‏والصفة تنوب عن المعاينة بسبب غيبة المبيع، أو المشقة التي تحصل في إظهاره، وما قد يلحقه ‏من الفساد بتكرار الظهور والنشر مثلاً، وإن خالف الصفة المتفق عليها فللمشتري الخيار. وكذلك ‏أجاز المالكية في المشهور عندهم بيع الغائب بلا وصف لنوعه وجنسه بشرطين : أن يذكر الخيار ‏للمشتري إذا رأى المبيع، وألا يدفع المشتري الثمن للبائع. ويسمى هذا البيع عند المالكية : البيع ‏على البَرْنامِج أو البرامج.‏
وقال الشافعية في الأظهر عندهم : لا يصح مطلقاً بيع الغائب وهو ما لم يره المتعاقدان، ‏أو أحدهما، وإن كان المبيع حاضراً، لما فيه من الغرر، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم ‏عن بيع الغرر، وفي بيع ما لا يعرف جنسه أو نوعه غرر كبير، وكذا ما عرف جنسه أو نوعه، ‏مثل بعتك فرسي العربي، لا يصح بيعه في المذهب الجديد لوجود الغرر فيه بسبب الجهل بصفة ‏المبيع، كما لا يصح السلم مع جهالة صفة المسلم فيه، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ‏بيع الغرر.‏
وقال الحنابلة في أظهر الروايتين عندهم : إن الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته لا ‏يصح بيعه، فإن صححناه بحسب الرواية الأخرى، فيثبت الخيار للبائع والمشتري عند الرؤية. ‏ودليل الرواية الأولى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر.‏
أما إذا وصف المبيع للمشتري فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة السلم، صح بيعه في ‏ظاهر المذهب، وعن أحمد : لا يصح حتى يراه، لأن الصفة لا تحصل بها معرفة المبيع، فلم ‏يصح البيع بها كالذي لا يصح السلم فيه.‏
استدلوا على ظاهر المذهب : بأنه بيع بالصفة فصح كالسلم، ولا يقال بأنه لا تحصل به ‏معرفة المبيع، فإن تلك المعرفة تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهراً، وهذا ‏يكفي بدليل أنه يكفي في السلم.‏
والخلاصة : أن الحنفية والمالكية، والحنابلة في الأظهر، يجيزون بيع العين الغائبة على ‏الصفة. أما بيعها بغير رؤية ولا وصف فقد أجازه الحنفية والمالكية على الراجح عندهم.‏
‏ ‏
بيع ما يكمن في الأرض أو بيع ما في رؤيته مشقة أو ضرر : قد تكون مع رؤية المبيع ‏مشقة أو ضرر مثل بيع الأطعمة المحفوظة ونحوها من الأدوية والسوائل والغازات التي لا تفتح ‏إلا عند الاستعمال، ومثله بيع المغيب في الأرض كالجزر واللفت والبطاطا، فإن الحنفية أجازوه ‏كإجازة بيع العين الغائبة، كما أجازه المالكية، لأن المبيع معلوم بالعادة، والغرر فيه يسير، وأبطله ‏الشافعية والحنابلة إذ لا يمكن وصفه، فيتحقق فيه الغرر والجهالة المنهي عنهما.‏
‏ ‏
‏4- بيع الأعمى وشراؤه :‏
هذا النوع مفرع على شرط رؤية المبيع على الخلاف السابق في بيع الغائب.‏
فقال الحنفية والمالكية والحنابلة : يصح بيع الأعمى وشراؤه وإجارته ورهنه وهبته، ‏ويثبت له الخيار بما يفيد معرفته بالمبيع كالجس والشم والذوق فيما يعرف بذلك، وكالوصف في ‏الثمار على رؤوس الأشجار والدور والعقارات. ودليلهم حديث : "إنما البيع عن تراض" رواه ‏ابن ماجه والبيهقي وقد رضي الأعمى بالبيع، وأنه يمكنه الاطلاع على المقصود ومعرفته، فأشبه ‏بيع البصير، ولأن إشارة الأخرس تقوم مقام نطقه، فكذلك شم الأعمى وذوقه.‏
إلا أن الحنفية كما هو معلوم لا يثبتون خيار الرؤية للبائع سواء أكان بصيراً أم أعمى.‏
وقال الشافعية : لا يصح بيع الأعمى وشراؤه إلا إذا كان قد رأى شيئاً قبل العمى مما لا ‏يتغير كالحديد ونحوه، ودليلهم قصور الأعمى عن إدراك الجيد والرديء، فيكون محل العقد ‏بالنسبة له مجهولاً.‏
‏ ‏
‏5- البيع بالثمن المحرّم :‏
إذا كان البيع بثمن محرم كالخمر والخنزر : يكون فاسداً عند الحنفية لوجود حقيقة البيع : ‏وهي مبادلة المال بالمال، فإن الخمر والخنزير مال متقوم عند بعض الكفار، وهما وإن كانا مالين ‏عند الحنفية، إلا أنهما ليسا بمتقومين شرعاً، والقاعدة المقررة في هذا الشأن : أن أحد العوضين ‏إذا لم يكن مالاً في دين سماوي، فالبيع باطل سواء أكان مبيعاً أم ثمناً، فبيع الميتة والدم والإنسان ‏الحر باطل، وكذا البيع به وهو الصحيح عند الحنفية، لأن المسمى ثمناً ليس بمال أصلاً، وكون ‏الثمن مالاً في الجملة شرط من شروط الانعقاد.‏
وإن كان العوض في بعض الأديان مالاً دون بعض : فإن أمكن اعتباره ثمناً، فالبيع فاسد، ‏فبيع الثوب بالخمر أو الخمر بالثوب فاسد، وإن تعين كونه مبيعاً، فالبيع باطل، فبيع الخمر ‏بالدراهم أو الدراهم بالخمر باطل.‏
وعلى هذا : إذا كان الثمن محرَّماً : ينعقد البيع بالقيمة ومن الواضح أن هذا البيع عند غير ‏الحنفية يقع باطلاً.‏
‏ ‏
‏6- البيع نسيئة ثم الشراء نقداً- بيوع الآجال :‏
إذا اتخذ العقد وسيلة لتحقيق غرض غير مباح شرعاً، فهل ينعقد العقد لوجود أركانه من ‏الايجاب والقبول أو يعتبر غير صحيح لسببه غير المشروع ؟ وذلك مثل أن يبيع الشخص مالاً ‏إلى آخر بثمن مؤجل، ثم يشتريه منه بثمن عاجل كأن يبيع مائة قنطار من القطن بخمسة آلاف ‏ليرة لا تقبض إلا بعد سنة، ثم يشتريها البائع من المشتري بأربعة آلاف يدفعها إليه فوراً، فقد ‏حصل ههنا عقدا بيع: كلاهما ظاهره الصحة لاشتماله على أركان العقد وشروطه. فمثل هذه ‏البيوع تسمى عند المالكية "بيوع الآجال" لاشتمالها دائماً على الأجل، وقد تسمى هذه البيوع عند ‏بعض العلماء "بيوع العينة" وهي في الحقيقة نوع من بيوع الآجال التي يقصد منها التحيل على ‏الربا، والوصول إلى ما هو ممنوع شرعاً، ومع ذلك اختلف العلماء في حكم بيع الأجل، علماً بأن ‏المالكية فرقوا بين النوعين، فقالوا : بيوع الآجال : هي بيع المشتري ما اشتراه لبائعه أو لوكيله، ‏لأجل. وبيع العينة : أن يقول شخص لآخر : اشتر سلعة بعشرة نقداً، وأنا آخذها منك باثني عشر ‏لأجل.‏
فقال الشافعية : يصح هذا العقد لتوافر ركنه وهو الإيجاب والقبول، ويترك أمر النية لله ‏وحده يعاقب صاحبها عليها.‏
وقال المالكية والحنابلة : العقد باطل متى قام الدليل على وجود قصد آثم سداً للذريعة. ‏وتطبيقات هذا الخلاف تظهر في زواج المحلل وبيع العينة وبيع العنب لعاصر الخمر.‏
وأما أبو حنيفة فيحكم في الظاهر بصحة زواج المحلِّل، وبيع العنب لعاصره خمراً، ما لم ‏يصرح في العقد بشرط يخل به، ويجعل بيع العينة فاسداً إن خلا من توسط شخص ثالث.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:46 PM
بيع العينة :‏
هو بيع يراد منه أن يكون حيلة للقرض بالربا، بأن يبيع رجل شيئاً بثمن نسيئة أو لم ‏يقبض، ثم يشتريه في الحال، وسمي بالعينة لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عيناً أي نقداً ‏حاضراً، وعكسها مثلها. مثاله : أن يبيعه الرجل سلعة بثمن إلى أجل معلوم، ثم يشتريها بثمن آخر ‏إلى أجل آخر، أو نقداً بثمن أقل، وفي نهاية الأجل الذي حدد في العقد الأول يدفع الثمن الأول كله، ‏فيكون الفرق بين الثمنين فائدة أو ربا لصاحب المتاع الذي يبيع بيعاً صورياً، مثل أن يبيع شخص ‏لآخر ثوباً باثنتي عشرة ليرة مؤجلاً دفعها إلى شهر مثلاً، ثم يبيع المشتري هذا الثوب نفسه -قبل ‏أو بعد تسلمه- إلى بائعه الأول بعشر ليرات تدفع حالاً إلى المشتري، وفي نهاية الأجل المحدد ‏لدفع الثمن في العقد الأول يدفع المشتري كامل الثمن وهو "12" ليرة فيكون الفرق بين الثمنين ‏فائدة أو ربا لصاحب الثوب الذي بيع بيعاً صورياً، والعملية كلها للتحايل على الإقراض بالربا ‏عنطريق البيع والشراء.‏
وقد يوسط المتعاقدان بينهما شخصاً ثالثاً يشتري العين بثمن حال من مريد الاقتراض، ‏بعد أن اشتراها هذا من مالكها المقرض، ثم يبيعها للمالك الأول بالثمن الذي اشترى به، فيكون ‏الفرق ربا له.‏
اختلف العلماء في الحكم على العقد الثاني، مع أن قصد التعامل بالربا واضح من البائع ‏والمشتري.‏
فقال أبو حنيفة : هو عقد فاسد إن خلا من توسط شخص ثالث بين المالك المقرض ‏والمشتري المقترض، كما مثلنا، إلا أنه يلاحظ أن أبا حنيفة خالف أصله السابق الذكر الذي ‏يقتضي القول بصحة هذا العقد وذلك استحساناً بنص الحديث الذي سيأتي في قصة زيد بن أرقم، ‏ولأن الثمن إذا لم يستوف لم يتم البيع الأول، فيصير البيع الثاني مبنياً عليه، فليس للبائع الأول أن ‏يشتري شيئاً ممن لم يتملكه بعد، فيكون البيع الثاني فاسداً.‏
وقال الشافعي : هذا العقد صحيح مع الكراهة لتوافر ركنه وهو الإيجاب والقبول ‏الصحيحان، ولا عبرة في إبطال العقد بالنية التي لا نعرفها لعدم وجود ما يدل عليها أي أو القصد ‏الآثم مرجعه إلى الله، والحكم على ظاهر العقد شيء آخر. لذا فإنه يحمل العقد على عدم التهمة.‏
وقال المالكية والحنابلة : إن هذا العقد يقع باطلاً سداً للذرائع.‏
والخلاصة : أن جمهور الفقهاء غير الشافعية : قالوا بفساد هذا البيع وعدم صحته، لأنه ‏ذريعة إلى الربا، وبه يتوصل إلى إباحة ما نهى الله عنه، فلا يصح.‏
‏ ‏
‏7- بيع العنب لعاصر الخمر:‏
قال أبو حنيفة والشافعي : يصح في الظاهر مع الكراهة بيع العنب لعاصر الخمر، وبيع ‏السلاح لمن يقاتل به المسلمين، لعد تحققنا أنه يتمكن من اتخاذه خمراً أو يقاتل بالسلاح المسلمين، ‏ويؤاخذ الإنسان على مقاصده. أما الوسائل فقد يحال بين الإنسان وبينها، والمحرم في البيع هو ‏الاعتقاد الفاسد، دون العقد نفسه، فلم يمنع صحة العقد، كما لو دلس العيب أي أن الحكم على العقد ‏بظاهره شيء، والدافع إليه شيء آخر.‏
وقال المالكية والحنابلة : بيع العصير ممن يتخذه خمراً باطل، وكذا بيع السلاح لأهل ‏الحرب أو لأهل الفتنة، أو لقطاع الطرق، سداً للذرائع، لأن ما يتوصل به إلى الحرام فهو حرام، ‏ولو بالقصد، ولقوله تعالى : {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] وهذا نهي يقتضي ‏التحريم، وإذا ثبت التحريم فالبيع باطل.‏

‏8- البيعتان في بيعة أو الشرطان في بيع واحد :‏
لقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين وعن شرطين في بيع، وعن عمرو بن ‏شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يحل سلف وبيع، ولا ‏شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يَضْمن، ولا بيع ما ليس عندك" رواه أحمد والترمذي.‏
واختلف في تفسير البيعتين في بيعة : فقال الشافعي : "أنه تأويلان : أحدهما - أن يقول : ‏بعتك بألفين نسيئة، وبألف نقداً، فأيهما شئت أخذت به، على أن البيع قد لزم في أحدهما وهذا بيع ‏فاسد "أي باطل" لأنه إبهام وتعليق. والثاني - أن يقول : "بعتك منزي على أن تبيعني فرسك".‏
وحكمة منع صورة الصفقة الأولى هو اشتمالها على غرر بسبب الجهل بمقدار الثمن، ‏فإن المشتري لا يدري وقت تمام العقد هل الثمن عشرة مثلاً أو خمسة عشر.‏
ومن الحكمة في تحريم العقد الثاني منع استغلال حاجات الآخرين، وذلك في حالة كون ‏المشتري مضطراً إلى شراء شيء، فيكون اشتراط البائع عليه في شراء شيء منه من قبيل ‏الاستغلال مما يؤدي إلى فوات حقيقة الرضا في هذا العقد، ثم إن فيه غرراً أيضاً لا يدري البائع ‏هل يتم البيع الثاني أو لا.‏
واختلف في تفسير الشرطين في بيع : فقيل : هو أن يقول : بعت هذا نقداً بكذا، وبكذا ‏نسيئة. وقيل : هو أن يشترط البائع على المشتري ألا يبيع السلعة ولا يهبها. وقيل : هو أن يقول : ‏‏"بعتك هذه السلعة بكذا على أن تبيعني السلعة الفلانية بكذا".‏
وبهذا يظهر أن البيعتين في بيعة والشرطين في بيع واحد بمعنى واحد. وقد اختلف ‏العلماء في حكمه.‏
فقال الحنفية : البيع فاسد، لأن الثمن مجهول، لما فيه من تعليق وإبهام دون أن يستقر ‏الثمن على شيء : هل حالاً أو مؤجلاً. فلو رفع الإِبهام وقبل على إحدى الصورتين، صح العقد.‏
وقال الشافعية والحنابلة : إن هذا العقد باطل، لأنه من بيوع الغرر بسبب الجهالة، لأنه لم ‏يجزم البائع ببيع واحد، فأشبه ما لو قال : بعتك هذا أو هذا، ولأن الثمن مجهول، فلم يصح كالبيع ‏بالرقم المجهول، ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم، فلم يصح كما لو قال : بعتك أحد ‏منازلي.‏
وقال مالك : يصح هذا البيع، ويكون من باب الخيار، فيذهب العقد على إحدى الحالتين، ‏وهو محمول على أنه جرى بينهما بعدئذ ما يجري في العقد، فكأن المشتري قال : أنا ‏آخذهبالنسيئة بكذا، فقال : خذه، أو قد رضيت، ونحو ذلك فيكون عقداً كافياً.‏
‏ ‏
‏9- بيع الأتباع والأوصاف مقصوداً :‏
إذا كان الشيء تبعاً لغيره، فبيع مستقلاً عنه كبيع الألية من الشاة الحية والذراع والرأس ‏ونحوهما، وكبيع ذراع من ثوب، فقال الحنفية : إن بيع اللحم في الشاة الحية، أو الشحم الذي فيها، ‏أو أليتها، أو أكارعها، أو رأسها : كل هذا باطل لا ينعقد، لأنه بيع لمعدوم، لأن اللحم لا يصير ‏لحماً إلا بالذبح والسلخ.‏
ومثله بيع ياقوتة فإذا هي زجاج، أو بيع قطعة جوخ، فإذا هي قطن، لا ينعقد البيع لأن ‏المبيع معدوم.‏
وأما بيع ذراع من ثوب : فإن كان يضره التبعيض، كالثوب المهيأ للبس، نحو القميص : ‏كان العقد فاسداً، لأن المبيع تبع لغيره، ولا يمكن تسليمه إلا بضرر لم يوجبه العقد يلحق بالبائع، ‏وهو قطع الثوب.‏
وكذا بيع جذع من سقف أو آجر من حائط يكون العقد فاسداً. فإن قطع البائع الذراع من ‏الثوب أو قلع الجذع قبل أن يفسخ المشتري العقد، وسلمه إلى المشتري : يعود العقد صحيحاً، ‏لزوال المفسد قبل نقض البيع، فلو فعل ذلك بعد الفسخ : لا يجوز.‏

‏10- بيع الشيء المملوك قبل قبضه من مالك آخر :‏
قال الحنفية : لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض، لأن النبي صلى الله عليه ‏وسلم نهى عن بيع مالم يقبض والنهي يوجب فساد المنهي عنه، ولأنه بيع فيه غرر الانفساخُ ‏بهلاك المعقود عليه، أي أنه يحتمل الهلاك فلا يدري المشتري هل يبقى المبيع أو يهلك قبل ‏القبض، فيبطل البيع الأول وينفسخ الثاني، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فيه ‏غرر رواه مسلم.‏
وأما العقار، كالأراضي والدور، فيجوز بيعه قبل القبض عند أبي حنيفة. والخلاصة : أن ‏العلة عند الحنفية في عدم جواز بيع الشيء قبل قبضه هي الغرر.‏
وقال المالكية : لا يجوز بيع الطعام قبل القبض ربوياً كان أو غير ربوي، لحديث ابن ‏عباس وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى ‏يقبضه" متفق عليه وأما ما سوى ذلك أو بيع الطعام جزافاً فيجوز بيعه قبل قبضه لغلبة تغير ‏الطعام، بخلاف ما سواه.‏
والعلة في منع بيع الطعام قبل قبضه عند المالكية : هي أنه قد يتخذ البيع ذريعة للتوصل ‏إلى ربا النسيئة، فهو شبيه ببيع الطعام بالطعام نساء، فيحرم سداً للذرائع.‏
وقال الحنابلة : لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه إذا كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً (أي ‏المقدرات)، لسهولة قبض المكيل والموزون والمعدود عادة، فلا يتعذر عليه القبض، واشتراط ‏الكيل أو الوزن أو العدد، لأن المكيل والموزون والمعدود لا يخرج من ضمان البائع إلى ضمان ‏المشتري إلا بالكيل أو الوزن أو العدد، وقد نهى الرسول عليه السلام عن بيع ما لم يضمن، فالعلة ‏في منع هذا البيع عند الحنابلة هي الغرر كالحنفية.‏
وأما ما عدا المكيل والموزون والمعدود أي غير المقدرات، فيصح بيعه قبل قبضه.‏
وقال الشافعي : لا يجوز بيع مالم يستقر ملكه عليه مطلقاً قبل قبضه، عقاراً كان أو ‏منقولاً، لعموم النهي عن بيع مالم يقبض، روى أحمد عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال : ‏قلت : "يا رسول الله، إني أشتري بيوعاً، فما يحل لي منها وما يحرم عليه ؟ قال : إذا اشتريت ‏شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه" وقال صلى الله عليه وسلم : "لا يحل سلف وبيع، ولا ربح ما لم ‏يضمن ولا بيع ما ليس عندك" وهذا من باب بيع مالم يضمن.‏
واستدلوا من طريق المعقول : وهو أنه بيع باطل لعدم القدرة على تسليم المبيع، ولأن ‏ملكه عليه غير مستقر، لأنه ربما هلك، فانفسخ العقد، وفيه غرر من غير حاجة، فلم يجز. فالعلة ‏في منع البيع عند الشافعية هي الغرر كالحنفية.‏
‏ ‏
‏11- اشتراط الأجل في المبيع المعين والثمن المعين :
إذا اشترط الأجل لتسليم المبيع ‏المعين أو الثمن المعين، كان البيع فاسداً عند الحنفية، لأن الأصل وجوب التسليم حال العقد، ‏بسبب أن البيع عقد معاوضة : تمليك بتمليك وتسليم بتسليم، والتأجيل ينفي وجوب التسليم للحال، ‏فكان مغيراً مقتضى العقد، فيوجب فساد العقد.‏
ولكن يجوز التأجيل في المبيع المؤجل وهو السلم، بل لا يجوز بدون الأجل عند الحنفية، ‏وكذا يجوز التأجيل في الثمن الثابت ديناً في الذمة إن كان الأجل معلوماً، لأن التأجيل يلائم ‏الديون، ولا يلائم الأعيان لمساس حاجة الناس إليه في الديون، لا في الأعيان، وذلك لتمكين ‏صاحب الأجل من اكتساب الثمن في المدة المعينة، ولا حاجة لهذا في الأعيان.‏

‏12- البيع بشرط فاسد :‏
لإِيضاحه نبين أنواع الشروط في البيوع :‏

الشروط في المبايعات ثلاثة أنواع :‏
شرط صحيح، وشرط فاسد، وشرط لغو باطل.‏

آ- الشرط الصحيح : أي "المعتبر الملزم للمتعاقدين" أربعة أقسام :‏
‏1- ما يقتضيه العقد : كأن يشتري شخص شيئاً بشرط أن يسلم البائع المبيع، أو يسلم ‏المشتري الثمن، أو بشرط أن يملك المبيع أو الثمن، أو بشرط أن يحبس البائع المبيع حتى أداء ‏جميع الثمن، فهذه شروط تبين مقتضى العقد، لأن ثبوت الملك، والتسليم والتسلم، وحبس المبيع ‏من مقتضى المعاوضات.‏
‏2- ما ورد الشرع بجوازه : كشرط الأجل والخيار لأحد المتعاقدين، فقد أثبت الشرع في ‏وقائع عن النبي عليه الصلاة والسلام جواز التأجيل لمدة معلومة لحاجة الناس إليه، لما فيه من ‏المصلحة، كما ثبت في الشرع جواز خيار الشرط في إمضاء البيع أو رده خلال مدة معلومة.‏
‏3- ما يلائم مقتضى العقد، كالبيع بثمن مؤجل على شرط أن يقدم المشتري كفيلاً أو رهناً ‏معينين بالثمن، فإن الكفالة والرهن : استيثاق بالثمن، فيلائم البيع ويؤيد التسليم.‏
‏ ‏
ب- الشرط الفاسد : أو بتعبير أوضح : المفسد : وهو ما خرج عن الأقسام الأربعة ‏السابقة أي لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا ورد به الشرع ولا يتعارفه الناس، وإنما فيه منفعة ‏لأحد المتعاقدين، كأن اشترى حنطة على أن يطحنها البائع، أو قماشاً على أن يخيطه البائع ‏قميصاً، أو اشترى حنطة على أن يتركها في دار البائع شهراً، أو يبيع شخص داراً على أن ‏يسكنها البائع شهراً، ثم يسلمها إليه، أو أرضاً على أن يزرعها سنة أو دابة على أن يركبها شهراً، ‏أو على أن يقرضه المشتري قرضاً، أو على أن يهب له هبة ونحوها.‏
فالبيع في هذا كله فاسد، لأن زيادة منفعة مشروطة في العقد تكون ربا، لأنها زيادة لا ‏يقابلها عوض في عقد البيع، وهو تفسير الربا.‏
والبيع الذي فيه الربا فاسد، أو فيه شبهة الربا، وأنها مفسدة للبيع كحقيقة الربا.‏
‏ ‏
جـ- الشرط اللغو أو الباطل :‏
وهو ما كان فيه ضرر لأحد العاقدين، كأن يبيع شيئاً بشرط ألا يبيعه المشتري أو لا يهبه، ‏فالبيع جائز والشرط باطل على الصحيح عند الحنفية، لأن هذا شرط لا منفعة فيه لأحد، فلا ‏يوجب الفساد، لأن فساد البيع في مثل هذه الشروط لتضمنها الربا، بزيادة منفعة مشروطة في ‏العقد لا يقابلها عوض، ولم توجد المنفعة في هذا الشرط، لأنه لا منفعة فيه لأحد إلا أنه شرط فاسد ‏في نفسه، لكنه لا يؤثر في العقد، فيكون العقد جائزاً، والشرط باطلاً. ويلاحظ أن الحنفية اتفقوا ‏على أنه لو ألحق المتعاقدان بالعقد الصحيح شرطاً صحيحاً كالخيار الصحيح في البيع البات ‏ونحوه يلتحق به.‏
وعند الحنفية : لا يلتحق به ولا يفسد العقد ويلغو الشرطن لأن إلحاق الشرط الفاسد بالعقد ‏يغير العقد من الصحة إلى الفساد، فلا يصح فبقي العقد صحيحاً، كما كان، لأن العقد كلام لابقاء ‏له، والالتحاق بالمعدوم لا يجوز، فكان ينبغي ألا يصح الإلحاق أصلاً، إلا أن إلحاق الشرط ‏الصحيح بأصل العقد ثبت شرعاً للحاجة إليه، حتى صح قرانه بالعقد، فيصح إلحاقه به.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:49 PM
حكم البيع وشرط عند غير الحنفية :‏
أما تفصيل مذهب الشافعية فهو ما يأتي : إذا شرط في البيع شرط فإِن كان شرطاً ‏يقتضيه العقد كتسليم المبيع والرد بالعيب ونحوهما، صح العقد، لأن الشرط المذكور مبين لما ‏يقتضيه العقد. وكذلك يكون العقد صحيحاً إن شرط شرط لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة لأحد ‏العاقدين كالخيار والأجل والرهن والضمان أو الكفالة، لأن الشرع ورد بجوزاه، ولأن الحاجة ‏تدعو إليه.‏
فإِن شرط ما سواه من الشروط التي تنافي مقتضى البيع كأن اشترط البائع على المشتري ‏ألا يبيع المبيع، أو لا يهبه، أو أن يبيعه شيئاً أو يقرضه مبلغاً من المال أو اشترط أن يسكن الدار ‏مدة، أو اشترط المشتري على البائع أن يخيط له الثوب الذي اشتراه منه، أو يحصد له الزرع ‏الذي اشتراه منه، أو يحذو له قطعة الجلد التي اشتراها، ففي كل هذه الحالات يكون البيع باطلاً، ‏لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع وشرط.‏

وقال الحنابلة : يبطل البيع إذا كان فيه شرطان، ولا يبطله شرط واحد لأن النبي صلى ‏الله عليه وسلم قال : "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" رواه أبو ‏داود والترمذي والمراد بالشرطين : ما ليسا من مصلحة العقد، كأن اشترى ثوباً واشترط على ‏البائع خياطته وقصارته، أو طعاماً واشترط طحنه وحمله، فإِن اشترط أحد هذه الأشياء، فالبيع ‏جائز.‏
‏ ‏
والشروط عند الحنابلة أربعة أقسام :‏
أحدها- ما هو من مقتضى العقد كاشتراط التسليم، وخيار المجلس، والتقابض في الحال ‏فهذا وجوده كعدمه، لا يفيد حكماً معيناً، ولا يؤثر في العقد.‏
الثاني- ما تتعلق به مصلحة لأحد العاقدين أو لكيلهما، كالأجل والخيار والرهن والضمين ‏أي الكفيل، والشهادة على البيع، أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع، فهذا شرط جائز يلزم الوفاء ‏به. قال ابن قدامة : ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافاً.‏
الثالث- ما ليس من مقتضى العقد، ولا من مصلحته، ولا ينافي مقتضاه، وهو نوعان :‏
‏1- اشتراط منفعة للبائع في المبيع، فإن كان شرطاً واحداً فلا بأس به كاشتراط المشتري ‏على البائع أن يخيط له الثوب المشترى، أو اشتراط حمل حزمة الحطب إلى موضع معلوم، أو ‏سكنى الدار مدة شهر مثلاً، أو حملانه على الدابة إلى محل معين. والدليل على الجواز حديث ‏جابر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من جابر بعيراً، واشترط حُملانه عليه إلى أهله ‏في المدينة. رواه أحمد.‏
‏2- أن يشترط عقد في عقد، نحو أن يبيعه شيئاً بشرط أن يبيعه شيئاً آخر، أو يشتري منه، ‏أو يؤجره، أو يزوجه، أو يسلفه، أو يصرف له الثمن أو غيره، فهذا شرط فاسد يفسد به البيع، ‏للنهي عن بيعتين في بيعة.‏
الرابع- اشتراط ما ينافي مقتضى البيع، مثل أن يشترط ألا يبيع المبيع أو ألا يهبه، أو ‏يشترط عليه أن يبيعه أو يقفه، ففي هذا روايتان عن أحمد، أصحهما أن البيع صحيح، والشرط ‏باطل.‏
‏ ‏
وقال المالكية : في المذهب تفصيل :‏
فإن كان الشرط يقتضي منع المشتري من تصرف خاص أو عام، فيبطل الشرط والبيع، ‏مثل أن يشترط عليه ألا يبيع المبيع أو لا يهبه، فلا يجوز لأنه من الثُنْيا وقد نهى النبي صلى الله ‏عليه وسلم عن الثُنْيا في البيع إلا أن تعلم، فإِن أسقط هذا الشرط عن المشتري، جاز البيع.‏
وإن اشترط البائع منفعة لنفسه كركوب الدابة، أو سكنى الدار مدة معلومة يسيرة كشهر ‏وقيل : سنة، جاز البيع والشرط، عملاً بحديث جابر الآنف الذكر.‏
وإن اشترط البائع شرطاً يعود بخلل في الثمن، فيجوز البيع ويبطل الشرط مثل أن يشترط ‏‏"إن لم يأته بالثمن إلى ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما". فإن قال البائع للمشتري : "متى جئتك بالثمن ‏رددت إلي المبيع" وهو المعروف ببيع الوفاء عند الحنفية، لم يجز البيع.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:50 PM
‏13- بيع الثمار أو الزروع :‏
هذه الحالة تعرض كثيراً في الحياة العملية التجارية، لهذا نفصل الكلام فيها :‏
أجمع العلماء على أن بيع الثمار قبل أن تخلق لا ينعقد، لأنه من باب النهي عن بيع مالم ‏يخلق ومن باب بيع السنين والمعاومة.‏
وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه "نهى عن بيع السنين وعن بيع المعاومة" وهو ‏بيع الشجر أعواماً، لأنه بيع المعدوم، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، ‏والغرر كما عرفنا : هو ما انطوى عنه أمره، وخفي عليه عاقبته، ونوع الغرر : هو أن المبيع ‏مجهول الوجود قد يظهر وقد لا يظهر، ومجهول المقدار إن وجد.‏
وأما بيع الثمار بعد القطع أو الصرام، فلا خلاف في جوازه.‏
وأما بيع الثمار على الشجر أو بيع الزرع في الأرض بعد أن يخلق، فاختلف فيه العلماء : ‏فقال الحنفية : إما أن يكون البيع قبل بدو الصلاح أو بعد بدو الصلاح بشرط القطع، أو مطلقاً أو ‏بشرط الترك.‏
أولاً- فإن كان البيع قبل بدو صلاح الزرع أو الثمر، فهناك حالات :‏
‏1- إن كان بشرط القطع جاز، ويجب القطع للحال، إلا بإذن البائع.‏
‏2- وإن كان البيع مطلقاً عن الشرط : جاز أيضاً عند الحنفية خلافاً للشافعي ومالك ‏وأحمد، لأن الترك ليس بمشروط نصاً، إذ العقد مطلق عن الشرط أصلاً، فلا يجوز تقييده بشرط ‏الترك من غير دليل، خصوصاً إذا كان في التقييد فساد العقد. وجواز بيعه على الصحيح عند ‏الحنفية لأنه مال منتفع به ولو علفاً للدواب، وإن لم يكن منتفعاً به في الحال عند الإنسان.‏
‏3- وإن كان بشرط الترك فالعقد فاسد باتفاق علماء الحنفية، لأنه شرط لا يقتضيه العقد، ‏وفيه منفعة لأحد العاقدين : وهو المشتري ولا يلائم العقد، ولا جرى به التعامل بين الناس، ومثل ‏هذا الشرط مفسد للبيع كما لو اشترى حنطة بشرط أن يتركها في دار البائع شهراً، ولأنه لا يتمكن ‏من الترك إلا بإعارة الشجر والأرض، وهما ملك البائع، فصار بشرط الترك شارطاً الإعارة، ‏فكان شرطه صفقة في صفقة، وهذا منهي عنه كما عرفنا. ثم إنه مشتمل على الغرر إذ لا يدري ‏المشتري هل يبقى الثمر أم تصيبه آفة فيهلك، فعلة فساد البيع إذاً ثلاثة أمور : فيه غرر، وشرط ‏فاسد، وصفقة في صفقة.‏
‏ ‏
ثانياً- وأما إن كان البيع بعد بدو الصلاح :‏
‏1- فإِن باع بشرط القطع جاز.‏
‏2- وكذا إن باع مطلقاً عن الشرط يجوز أيضاً كما قدمنا.‏
‏3- وإن باع بشرط الترك، فإِن لم يتناه عِظمه، فالبيع فاسد بلا خلاف، كما بينا في الحالة ‏الثالثة السابقة.‏
وإن تناهى عظمه فالبيع فاسد عند أبي حنيفة، لأن شرط الترك فيه منفعة للمشتري، ‏والعقد لا يقتضيه، ولا يلائمه، كما إذا اشترى حنطة على أن يتركها في دار البائع شهراً. وفي ‏قول في المذهب : يجوز استحساناً لتعارف الناس وتعاطيهم بذلك. والجواز ليس لتعامل الناس ‏شرط الترك في المبيع، وإنما التعامل بالمسامحة بالترك من غير شرط في عقد البيع. وبه يفتى.‏
‏ ‏
حكم ترك الثمار بعد بدو الصلاح حالة الشراء مطلقاً :‏
لو اشترى الشخص مطلقاً عن شرط، فترك الثمار حتى نضجت، ففيه تفصيل :‏
آ- إن كان قد تناهى عظمه، ولم يبق إلا النضج : لم يتصدق المشتري بشيء سواء ترك ‏بإذن البائع أو بغير إذنه، لأنه لا يزداد بعد التناهي، وإنما يتغير إلى حال النضج. وأما الزرع ‏فالنماء فيه يكون للمشتري طيباً، حتى وإن تركه بغير إذن البائع لأنه نماء ملك المشتري، لأن ‏الساق ملكه، حتى يكون التبين له بخلاف الشجرة.‏
ب- وإن لم يتناه عظمه ينظر : إن كان الترك بإذن البائع، جاز وطاب له الفضل. وإن ‏كان بغير إذنه تصدق بما زاد على ما كان عند العقد، لأن الزيادة حصلت بسبب محظور، فأوجب ‏خبثاً فيها، فكان سبيلها التصدُّق.‏
‏ ‏
حكم الثمرة المتجددة في مدة الترك غير المشروطة : إذا أخرجت الشجرة في مدة الترك ‏ثمرة أخرى، فهي للبائع سواء أكان الترك بإذنه أم بغير إذنه، لأنه نماء ملك البائع، فيكون له، ولو ‏حللها له البائع جاز.‏
وإن اختلط الحادث بعد العقد بالموجود عنده، بحيث لا يمكن التمييز بينهما ينظر :‏
إن كان ذلك قبل أن يخلي البائع بين المشتري والثمار، بطل البيع، كما قرر الكاساني في ‏البدائع، لأن المبيع صار معجوز التسليم بالاختلاط، للجهالة وتعذر التمييز.‏
وإن كان بعد التخلية لم يبطل البيع، لأن التخلية قبض، ويتم البيع، والثمرة تكون بينهما، ‏لاختلاط ملك أحدهما بالآخر اختلاطاً لا يمكن التمييز بينهما، فكان الكل مشتركاً بينهما، والقول ‏في مقدار الزيادة قول المشتري، لأنه صاحب يد لوجود التخلية. هذا هو مذهب الحنفية في بيع ‏الثمار أو الزروع.‏

وقال المالكية والشافعية والحنابلة : إن بدا صلاح الثمر بيعه مطلقاً أو بشرط القطع أو ‏بشرط الترك على الشجر.‏
أما قبل بدو الصلاح فإن كان البيع بشرط الترك أو البقاء فلا يصح إجماعاً، لأن النبي ‏صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع" والنهي ‏يقتضي فساد المنهي عنه، قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث، وذلك ‏لأن له خطر المعدوم.‏
وإن كان البيع بشرط القطع في الحال فيصح بالإجماع أيضاً.‏
وأما إذا كان البيع قبل بدو الصلاح مطلقاً دون اشتراط تبقية ولا قطع، فالبيع باطل.‏
والخلاصة لا خلاف في عدم جواز بيع الثمار قبل أن تظهر، ولا في عدم جوازه بعد ‏الظهور قبل بدو الصلاح بشرط الترك، ولا في جوازه قبل بدو الصلاح بشرط القطع فيما ينتفع ‏به، ولا في الجواز بعد بدو الصلاح، والخلاف إنما هو في بيعها قبل بدو الصلاح.‏
ورجح بعض الحنفية جواز بيع الثمار مطلقاً قبل بدو الصلاح أو بعده إذا جرى العرف ‏بترك ذلك، لأن الشرط الفاسد إذا جرى به العرف صار صحيحاً ويصح العقد معه استحساناً.‏

بيع الثمار المتلاحقة الظهور أم المقاثي والمباطخ :‏
إذا بيع ثمر أو زرع بعد بدو الصلاح ولو بعضه، وكان يغلب تلاحقه واختلاط حادثه ‏بالموجود كتين، وقثاء، وموز، وورد، وبطيخ، وباذنجان، وخيار، وقرع، فقال الحنفية في ظاهر ‏الرواية والشافعية والحنابلة يجوز بيع ما ظهر منها من الخارج الأول. وأما بيع ما ظهر وما لم ‏يظهر، فلا يجوز، لأن العقد اشتمل على معلوم ومجهول، قد لا يخرجه الله تعالى من الشجرة. ولا ‏يصح أيضاً البيع، لعدم القدرة على تسليم المبيع، والحاجة تندفع ببيع أصوله، ولأن مالم يبد ‏صلاحه يجوز إفراده بالبيع بخلاف ما لم يخلق.‏
إلا أن الحنفية يقولون فيما لا يجوز : إن البيع فاسد. وغيرهم يقولون : إنه باطل. وهناك ‏قول ثان عند الحنفية بجواز هذا البيع، لأن الناس اعتادوا بيع الثمار على هذه الصفة، وفي نزع ‏الناس عن عادتهم حرج وضيق وهو المرجح.‏
‏ ‏ وقال المالكية وهو الراجح عند متأخري الحنفية : يصح البيع عملاً بحسن الظن بالله ‏تعالى وبمسامحة الإنسان لأخيه بجزء من الثمن المقابل للذي يخرجه الله تعالى من الثمرة، ‏ولجريان العرف وعادة الناس به، ولأن ذلك يشق تمييزه، فجعل مالم يظهر تبعاً لما ظهر، كما أن ‏ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:52 PM
حكم البيع الفاسد :‏

سنذكر حكم البيع الفاسد وما يلحق به من الكلام في التصرف بالمبيع، وفسخ المشتري ‏شراء فاسداً، والزيادة في المبيع بيعاً فاسداً.‏
للبيع الفاسد عند الحنفية أحكام، منها : أن البيع ينعقد بقيمة المبيع أو بالمثل، لا بالثمن ‏المسمى، ويفيد الملك في المبيع بالقبض، لأن ذكر الثمن المرغوب كالخمر مثلاً، أو إدخال شرط ‏فاسد، أو وجود الجهالة في الثمن ونحوها، دليل على أن غرض المتعاقدين البيع، فينعقد بيعاً بقيمة ‏المبيع باعتبار أن القيمة هي الواجب الأصلي في المبايعات، لأنها مثل المبيع في المالية. ويكون ‏المبيع ببيع فاسد مضموناً في يد المشتري يلزمه مثله إن كان مثلياً، والقيمة إن كان قيمياً.‏
وعند جمهور الفقهاء : لا ينعقد البيع الفاسد، ولا يفيد الملك أصلاً، وإن قبض المشتري ‏المبيع، لأن المحظور لا يكون طريقاً إلى الملك، ولأن النهي عن البيع الفاسد يقتضي عدم ‏المشروعية، وغير المشروع لا يفيد حكماً شرعياً.‏
‏ ‏
ويشترط في البيع الفاسد لإفادة الملك عند الحنفية شرطان :‏
‏1- القبض : فلا يثبت الملك قبل القبض، لأنه واجب الفسخ رفعاً للفساد، وفي التسليم ‏تقرير الفساد، كما بينا.‏
‏2- أن يكون القبض بإذن البائع : فإن قبض بغير إِذنه أصلاً لا يثبت الملك، وذلك بأن ‏نهاه عن القبض أو قبض بغير محضر منه من غير إذنه.‏
فإِن لم ينهه عن القبض ولا أذن له في القبض صريحاً، فقبضه في مجلس العقد بحضرة ‏البائع، أنه يثبت الملك، وهو الصحيح لأن ذلك إذن منه بالقبض دلالة، كما في باب الهبة إذا قبض ‏الموهوب له بحضرة الواهب، فلم ينهه، صح قبضه، ولأن البيع تسليط من البائع على القبض، ‏فإذا قبضه المشتري بحضرة البائع، كان بحكم التسليط السابق.‏

التصرف في المشترى شراء فاسداً :‏
من أحكام البيع الفاسد : أن المشتري بعد قبض المبيع يملك التصرفات الناقلة للملكية التي ‏تتعلق بعين الشيء، وتكون نافذة مثل البيع والهبة والصدقة والرهن والإجارة، لأن هذه ‏التصرفات تزيل حق الانتفاع بالحرام، ولكن الصحيح عند الحنفية أن هذه التصرفات تكون ‏مكروهة لأنه يجب فسخ العقد الفاسد لحق الشرع، وفي هذه التصرفات إبطال أو تأخير لحق ‏الفسخ، فتكره.‏
وأما التصرفات التي تتعلق بعين الشيء، في الانتفاع بالعين كأكل الطعام ولبس الثوب ‏وركوب الدابة وسكنى الدار، فلا تباح للمشتري شراء فاسداً، لأن الثابت بالبيع الفاسد ملك خبيث، ‏والملك الخبيث لا يفيد إطلاق الانتفاع، لأنه واجب الرفع والبطلان، وهذا هو الصحيح عند ‏الحنفية.‏

ما يبطل حق الفسخ :‏
‏1- التصرف الواقع على المشترى شراءً فاسداً :‏
من المعروف أن الملك الثابت في البيع الفاسد ملك غير لازم، بل هو مستحق الفسخ، ‏ويحق لكل من العاقدين قبل القبض فسخ العقد من غير رضا الآخر، كيفما كان الفساد، كما يحق ‏لهما الفسخ بعد القبض إذا كان الفساد راجعاً إلى العوض، كأن يكون الثمن خمراً أو خنزيراً.‏
‏ ‏
هذا بالنسبة لأصل التصرف الفاسد، فهل يبطل حق الفسخ بسبب التصرف الواقع بعد ‏القبض على المشترى شراء فاسداً ؟ فيه تفصيل.‏
‏1- إن كان التصرف مزيلاً للملك من كل وجه كالبيع والهبة، فلا يفسخ (أي أن حق ‏الفسخ في البيع الفاسد يبطل) وعلى المشتري القيمة أو المثل، لأنه تصرف في محل مملوك له، ‏فنفذ تصرفه.‏
‏2- وإن تصرفاص مزيلاً للملك من وجه، أو ليس مزيلاً للملك :‏
فإن كان التصرف يحتمل الفسخ، كالإِجارة فإنه يفسخ، لو آجر رجل الشيء، حقَّ للمالك ‏الأول فسخ الإجارة، ثم يفسخ البيع بسبب الفساد، لأن الإجارة وإن كانت عقداً لازماً، إلا أنها ‏تفسخ بالعذر، ولا عذر أقوى من رفع الفساد.‏
ولو أوصى شخص بالمبيع بيعاً فاسداً، صحت الوصية، ويجوز فسخها مادام الموصي ‏حياً، لأن الوصية تصرف غير لازم حال حياة الموصي.‏
فلو مات الموصي قبل الفسخ، سقط حق الفسخ، لأن الملك انتقل إلى الموصى له، كما ‏ينتقل بالبيع.‏
ويلاحظ أن حق الفسخ يورث، فلو مات المشتري شراء فاسداً فورثه الورثة، فيحق للبائع ‏الفسخ، وكذا الورثة، لأن الوارث يقوم مقام الميت في حق الفسخ، وكذا يحق لورثة البائع إن مات ‏أن يطالب ورثته باسترداد المبيع.‏
‏ ‏
‏2- الزيادة في المبيع بيعاً فاسداً :‏
إذا حدثت زيادة في المبيع بيعاً فاسداً، فإما أن تكون زيادة منفصلة أو متصلة : ‏

‏1- الزيادة المتصلة : الزيادة المتصلة إما أن تكون متولدة من الأصل أو غير متولدة.‏
آ- فإن كانت متولدة من الأصل كالسمن والجمال، فلا تمنع الفسخ، لأن هذه الزيادة تابعة ‏للأصل حقيقة، والأصل مضمون الرد، فكذلك التبع، كما في الغصب.‏
ب- وإن كانت غير متولدة من الأصل كخلط الدقيق بالسمن أو العسل، فإنها تمنع الفسخ ‏لأنه لو فسخ إما أن يفسخ على الأصل وحده أو على الأصل والزيادة معاً، ولا سبيل إلى الأول ‏لتعذر الفصل، ولا سبيل إلى الثاني، لأن الزيادة لم تدخل تحت البيع، لا أصلاً ولا تبعاً، فلا تدخل ‏تحت الفسخ.‏
‏ ‏
‏2- الزيادة المنفصلة : هذه الزيادة أيضاً إِما متولدة من الأصل أو غير متولدة منه.‏
آ- فإن كانت متولدة من الأصل كالولد واللبن والثمرة، فلا تمنع حق الفسخ، وللبائع أن ‏يسترد الأصل مع الزيادة تابعة للأصل، لكونها متولدة منه، والأصل مضمون الرد، فكذلك ‏الزيادة، كما هو المقرر في حالة الغصب.‏
ب- وإن كانت غير متولدة، كالهبة والصدقة والكسب، فإنها لا تمنع الرد، وللبائع أن ‏يسترد الأصل مع الزيادة، لأنها حصلت على ملكه، إلا أنها لا تطيب له، لأنها لم تحدث في ‏ضمانه، بل في ضمان المشتري.‏
والخلاصة : أن الزيادة المتصلة غير المتولدة : هي التي تبطل حق الفسخ فقط دون ‏غيرها من أنواع الزيادة. ولا تضمن الزيادة بالهلاك، وتضمن بالاستهلاك.‏
وكذلك الزيادة بالصنع تبطل حق الفسخ : وهي أن يحدث المشتري في المبيع بيعاً فاسداً ‏صنعاً، لو فعله الغاصب في المغصوب يصير ملكاً له، كما إذا كان المبيع قطناً، فعزله، أو غزلاً ‏فنسجه، أو حنطة فطحنها، أو سمسماً أو عنباً فعصره، أو ساحة فبنى عليها، أو شاة فذبحها ‏وشواها أو طبخها ونحوها، إذ القبض في البيع الفاسد كقبض الغصب، لأن كل واحد منهما ‏مضمون الرد حال قيامه، ومضمون القيمة أو المثل حال هلاكه، فكل ما يبطل حق المالك في ‏الغصب يبطله في البيع. وحينئذ يلزم المشتري بدفع قيمة الشيء المبيع يوم القبض، كما في ‏الغصب.‏
وعلى هذا فليس للبائع المطالبة بنقض البناء الذي بناه المشتري في الأرض المبيعة بيعاً ‏فاسداً، وإنما على المشتري قيمتها، هذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه.‏
وأما نقصان المبيع بيعاً فاسداً فلا يمنع البائع من الاسترداد، سواء حصل النقص بآفة ‏سماوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشتري، فإن حصل بفعل أجنبي، فالبائع بالخيار : إن شاء أخذ ‏قيمة النقص من المشتري يرجع به على الجاني، وإن شاء طالب الجاني وهو لا يرجع على ‏المشتري.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:53 PM
‏1- خيار الوصف، أو خيار فوات الوصف المرغوب فيه :‏

هو أن يكون المشتري مخيراً بين أن يقبل بكل الثمن المسمى أو أن يفسخ البيع حيث فات ‏وصف مرغوب فيه، في بيع شيء غائب عن مجلس العقد. مثاله أن يشتري شيئاً يشترط فيه ‏صفقة معينة غير ظاهرة، وإنما تعرف بالتجربة، ثم يتبين عدم وجودها، أو يشتري بقرة على أنها ‏حلوب، فظهرت غير حلوب، أو يشتري جوهرة على أنها أصلية، فظهرت أنها تقليد صناعي ‏للأصلية، فيكون المشتري مخيراً إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن المسمى، ‏لأن هذا وصف مرغوب فيه، يستحق في العقد بالشرط، فإذا فات أوجب التخيير، لأن المشتري ما ‏رضي به دونه، فصار كفوات وصف السلامة.‏
وأما سبب أخذه بجميع الثمن في رأي الحنفية : فهو لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من ‏الثمن، لكونها تابعة في العقد.‏
ودليل مشروعيته الأخذ باستحسان المصلحة على خلاف القياس. ويعده الشافعية ‏والحنابلة داخلاً في خيار العيب.‏
‏ ‏
وشروطه ثلاثة :‏
‏1- أن يكون الوصف المشروط مباحاً شرعاً : فإذا كان حراماً لم يصح.‏
‏2- أن يكون الوصف مرغوباً فيه عادة : فإذا لم يكون مرغوباً فيه في العرف، لغا ‏الشرط، وصح البيع، ولا خيار، مثل وصف الذكورة والأنوثة في الحيوانات، فمن اشترى شيئاً ‏على أنه ذكر فإذا هو أنثى، صح البيع ولم يثبت الخيار.‏
‏3- ألا يكون تحديد الوصف المرغوب فيه مؤدياً إلى جهالة مفضية للمنازعة، فإن فعل ‏فسد البيع والشرط، كأن يشترط في البقرة الحلوب أن تحلب كذا رطلاً يومياً، فهذا شرط فاسد، ‏لأنه لا يمكن ضبطه.‏
‏ ‏
أحكام هذا الخيار :‏
أ- يورث خيار الوصف، فلو مات المشتري الذي له خيار الوصف، فظهر المبيع خالياً ‏من ذلك الوصف، كان للوارث حق الفسخ.‏
ب- إذا تصرف المشتري الذي له خيار الوصف بالمبيع تصرف الملاك، بطل خياره.‏
جـ- يثبت للمشتري الحق في فسخ البيع أو استبقاء المبيع بجميع الثمن، فإن هلك المبيع أو ‏تعيب في يده، فله الرجوع على البائع بمقدار نقص المبيع بسبب فوات الوصف المرغوب فيه، ‏ويعرف ذلك بتقويم المبيع مع الوصف، وبدون الوصف، ويضمن المشتري الفرق بينهما.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:54 PM
‏2- خيار النقد :‏

هو فرع عن خيار الشرط، وهو أن يشترط المتبايعان في عقد البيع بالنسيئة أن المشتري ‏إذا لم يدفع الثمن في الأجل المعين، وهو ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما. فإن اشترى على هذا النحو ‏على أنه إن لم ينقد (يدفع) الثمن إلى أربعة أيام، لم يصح خلافاً لقول في المذهب لأن هذه هي ‏المدة المشروعة في خيارالشرط. ورأعى محمد مصلحة العاقدين في اشتراطه إلى أي مدة كانت.‏
فإن نقد في مدة الثلاثة الأيام، جاز باتفاق الحنفية، لأن خيار النقد ملحق بخيار الشرط. ‏وهو جائز أيضاً عند الحنابلة كشرط الخيار، لكن ينفسخ البيع عندهم إن لم ينقد المشتري الثمن في ‏المدة أو هو أن يشترط البائع على المشتري أنه إذا رد الثمن إلى المشتري في مدة ثلاثة أيام، فلا ‏بيع بينهما، فله وجهان إذاً.‏
والفرق بينه وبين خيار الشرط : أن الأصل في خيار الشرط اللزوم، فإذا انتهت المدة ‏المشروطة دون فسخ، لزم. أما خيار النقد فالأصل فيه عدم اللزوم، فإذا لم ينقد الثمن في الثلاث ‏فسد البيع إذا بقي المبيع على حاله، ولا ينفسخ، بدليل أن المشتري يتملك المبيع بالقبض. وعند ‏الحنابلة : ينفسخ البيع.‏
‏ ‏
حكم سقوطه :‏
‏1- إذا مات المشتري المخير بخيار النقد في أثناء مدة الخيار، بطل البيع.‏
‏2- إذا تصرف المشتري بالمبيع بالبيع ونحوه في مدة الخيار، قبل أن ينقد الثمن، سقط ‏خياره، وصح بيعه ولزم، ولزم المشتري نقد الثمن.‏
‏3- إذا أتلف المشتري أو الأجنبي المبيع في مدة الخيار بعد القبض، سقط به الخيار، ‏للعجز عن الرد.‏
‏4- إذا أحدث المشتري في المبيع عيباً يمنع رده للبائع، ولم ينقد الثمن، سقط الخيار، ‏ويخير البائع حينئذ بين أخذ المبيع ناقصاً، ولا شيء له من الثمن، وبين تركه وأخذ الثمن.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:55 PM

‏3- خيار التعيين :‏

هو أن يتفق العاقدان على تأخير تعيين المبيع الواجب التعيين إلى أجل، على أن يكون ‏حق تعيينه لأحدهما، مثل أن يشتري أحد ثوبين أو ثلاثة غير معين على أن يأخذ أيهما شاء، على ‏أنه بالخيار ثلاثة أيام.‏
وله وجهان كخيار النقد : إما أن يأخذ المشتري أحد الأشياء المبيعة بالثمن الذي بينه له ‏البائع لكل واحد، أو يعطي البائع أي واحد أراد من الأشياء المعينة، وله أن يلزم المشتري به إلا ‏إذا تغيب فلا يلزمه إلا بالرضا. ولو هلك أحدهما كان له أن يلزمه بالباقي.‏
وقد أجازه الحنفية استحساناً لحاجة الناس إليه، بالرغم من الجهالة، عملاً بالمصلحة ‏والعرف للحاجة إلى اختيار ما هو الأوفق والأرفق، وأبطله الشافعية والحنابلة للجهالة.‏
والأصح عند الحنفية أنه لا يشترط اقترانه بخيار الشرط، وإنما يجوز للعاقدين ذلك.‏
‏ ‏
شروطه : اشترط الحنفية لهذا الخيار شروطاً هي ما يأتي :‏
‏1- أن يكون التخيير على شيء ما اثنين أو ثلاثة فقط : فإذا كان على شيء من أربعة لم ‏يجز، لأن الحاجة في الثلاثة، لانقسام الأشياء إلى جيد ووسط ورديء.‏
‏2- أن يوافق البائع صراحة على خيار التعيين : بأن يقول للمشتري : بعتك أحد الشيئين ‏أو الثلاثة على أنك بالخيار في واحد منها، فإن لم يوافق على ذلك، فسد البيع للجهالة.‏
‏3- أن يكون البيع في القيميات كأنواع الألبسة والمفروشات، لا في المثليات كالكتب ‏المطبوعة الجديدة، لعدم الفائدة في التخيير بينها لعدم تفاوتها.‏
‏4- أن تكون مدته كمدة خيار الشرط : وهي ثلاثة أيام عند أبي حنيفة، وأي مدة معلومة ‏كانت على قول آخر في المذهب.‏
‏ ‏
أحكامه :‏
أ- يلزم البيع في واحد غير معين من أفراد المبيع المتفق عليها، ويلزم صاحب الحق ‏الخيار أن يعين الشيء الذي يأخذه في انقضاء المدة التي عينت ودفع ثمنه.‏
ب- يورث هذا الخيار عند الحنفية، بخلاف خيار الشرط، فلو مات من له الخيار قبل ‏التعيين، يكون الوارث مجبراً أيضاً على تعيين أحد المبيعات ودفع ثمنه.‏
جـ- هلاك أو تعيب أحد الأشياء أو كلها :‏
إذا هلك أحد المبيعين تعين الآخر مبيعاً، وكان الباقي أمانة في يد المشتري. وإذا هلك ‏المبيعان معاً، ضمن المشتري نصف ثمن كل منهما لعدم التعيين، وإن هلك المبيعان على ‏التعاقب، تعين الأول مبيعاً. فلو اختلف العاقدان في الهالك أولاً، فالقول للمشتري بيمينه، وبينة ‏البائع أولى.‏
والتعيب كالهلاك في الأحوال المذكورة. ولو باع المشتري المبيعين ثم اختار أحدهما، ‏صح بيعه فيه. والمبيع مضمون بالثمن، وغيره أمانة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:56 PM
‏4- خيار الغبن : ‏

هذا الخيار مشروع عند الحنفية إذا اشتمل الغبن على تغرير، فيسمى خيار الغبن مع ‏التغرير : وهو أن يغرر البائع المشتري أو بالعكس تغريراً قولياً وهو التغرير في السعر، أو ‏تغريراً فعلياً وهو التغرير في الوصف، ويكون الغبن فاحشاً : وهو ما لا يدخلتحت تقويم ‏المقومين. أما الغبن اليسير : وهو ما يدخل تحت تقويم المقومين، فلا يؤثر، إذ لا يتحقق كونه ‏زيادة، أما الفاحش فزيادته متحققة. فيثبت حينئذ حق إبطال العقد دفعاً للضرر عنه.‏
والتغرير القولي في السعر : كأن يقول البائع أو المؤجر للمشتري أو للمستأجر : يساوي ‏هذا الشيء أكثر ولا تجد مثله، أو دفع لي فلان فيه كذا، وكل ذلك كذب.‏
والتغرير الفعلي في الوصف : يكون بتزوير وصف في محل العقد يوهم المتعاقد في ‏المعقود عليه مزية ما غير حقيقية، كتوجيه البضاعة المعروضة للبيع، بجعل الجيد منها في ‏الأعلى، وجعل الرديء منها في الأسفل. ومنه التصرية : جمع اللبن في الضرع، وهي حرام، ‏توجب الخيار للعاقد المغرور كفوات الصفة المشروطة. أما تدليس العيب : وهو كتمان أحد ‏المتعاقدين عيباً خفياً يعلمه في محل العقد عن المتعاقد الآخر في عقود المعاوضة، فهو المسمى ‏عندهم خيار العيب.‏
وحكمه : إعطاء المغبون المغرور حق خيار فسخ العقد دفعاً للضرر عنه، نظراً لعدم ‏تحقق رضاه، بسبب التغرير والغبن الفاحش. وإذا مات المغرور بغبن فاحش لا تنتقل دعوى ‏التغرير لوارثه.‏
ويسقط حق المغرور في الفسخ للمشتري إذا تصرف في المبيع بعد أن اطلع على الغبن ‏الفاحش، أو بنى بناء في الأرض المشتراة، أو إذا هلك المبيع أو استهلك أو حدث فيه عيب.‏
وقال الحنابلة : هناك خيار غبن، وخيار تدليس، وخيار عيب.‏
أما خيار الغبن عند الحنابلة فيثبت في ثلاث صور :‏
إحداها- تلقي الركبان : وهم القادمون من السفر بجلوبة (وهي ما يجلب للبيع) وإن كانوا ‏مشاة، وهو عند الجمهور : يحرم، وقال الحنفية : يكره، ولو كان تلقيهم بغير قصد التلقي لهم. فإذا ‏اشترى المتلقي منهم أو باعهم شيئاً، ثبت لهم الخيار إذا هبطوا السوق، وعلموا أنهم قد غبنوا غبناً ‏يخرج عن العادة، لقوله عليه السلام : "لا تلقوا الجَلَب فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى السوق، ‏فهو بالخيار" رواه مسلم.‏
‏ ‏
والثانية- النجش : وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها. وهو حرام، لما فيه من ‏تغرير المشتري وخديعته، فهو في معنى الغش، ويثبت للمشتري بالنجش الخيار إذا غبن غبناً ‏غير معتاد.‏
ولا يتم النجش إلا بحذق من زاد في السلعة، وأن يكون المشتري جاهلاً، فلو كان عارفاً ‏واغتر بذلك، فلا خيار له لعجلته وعدم تأمله.‏
فإن زاد من لا يريد الشراء بغير مواطأة مع البائع، أو زاد البائع في الثمن بنفسه، ‏والمشتري لا يعلم ذلك، فيخير المشتري لوجود التغرير بين رد المبيع وإمساكه.‏
‏ ‏
الثالثة- بيع المسترسل أو إجارته : وهو الجاهل بالقيمة، من بائع ومشتر، ولا يحسن ‏المماسكة. فله الخيار إذا غبن غبناً غير معتاد. ويقبل قوله بيمينه أنه جاهل بالقيمة، ما لم تكن ‏قرينة تكذبه في دعوى الجهل، فلا تقبل منه.‏
وخيار الغبن كخيار العيب على التراخي عندهم.‏
وأما خيار التدليس : فهو بسبب التغرير، والعقد معه صحيح، والتدليس حرام وهو ‏نوعان :‏
أحدهما- كتمان العيب. ويسمى هذا عند الحنفية خيار العيب.‏
والثاني- فعل يزيد به الثمن، وإن لم يكن عيباً، كجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها ‏للبيع، ليزيد دوانها بإرسال الماء بعد حبسه، فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فيزيد في الثمن. ومنه ‏تحسين وجه الصبرة (الكومة)، وصقل السكاف وجه الحذاء، وتصنع النساج وجه الثوب، ‏والتصرية أي جمع اللبن في ضرع بهيمة الأنعام، ونحو ذلك. وهذا النوع هو المسمى عند الحنفية ‏بالتغرير الفعلي في الوصف.‏
والتدليس بنوعية يثبت للمشتري خيار الرد إن لم يعلم به، أو الإمساك، لقوله عليه السلام ‏‏: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبيها، إن شاء أمسك، وإن ‏شاء ردها، وصاعاً من تمر" متفق عليه. وغير التصرية من التدليس ملحق بها.‏
وقد أخذ الجمهور بضمون هذا الحديث : وهو التخيير بعد الحلب بين إمساك المبيع إن ‏رضيه، وبين رده مع صاع من تمر إن سخطه.‏
وقال أبو حنيفة : يرجع المشتري بالنقصان فقط إن شاء.‏
وأما خيار العيب عند الحنابلة : فهو بسبب نقص عين المبيع، كخصاء، ولو لم تنقص به ‏القيمة، بل زادت، أو نقص قيمته عادة في عرف التجار، وإن لم تنقص عينه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:56 PM
‏5- خيار كشف الحال :‏

وهو أن يشتري شيئاً بوزن غير معلوم القدر، أو بكيل غير معلوم المقدار، كأن يشتري ‏بوزن هذا الحجر ذهباً، أو هذه الصبرة (الكومة) كل صاع بكذا، يصح البيع في الحالتين، ويكون ‏للمشتري الخيار : إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:57 PM
‏6- خيار الخيانة :‏

هو الذي يثبت في بيوع الأمانة من تولية أو شركة أو مرابحة أو وضيعة إذا أخبر البائع ‏المشتري بزيادة في الثمن أو نحو ذلك، كإخفاء تأجيله، ثم يظهر كذبه أو خيانته بإقرار أو برهان ‏على ذلك، أو بما عند الحنفية أيضاً بنكول عن اليمين. ويخير المشتري بسبب ذلك عند الحنفية ‏والمالكية بين أخذ المبيع بكل ثمنه، أو رده لفوات الرضا، وله الحط من الثمن قدر الخيانة في ‏التولية.‏
وقال الشافعية في الأظهر والحنابلة : لا خيار للمشتري بسبب الخيانة، وإنما له الحط من ‏الثمن مقدار الخيانة.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:58 PM
‏7- خيار تفرق الصفقة :‏

هو الذي يثبت للمشتري بسبب تجزئة المبيع، فيكون له الخيار بين فسخ البيع واسترداد ‏الثمن كله إن دفعه، أو أخذ باقي المبيع مع حسم ما يقابل العيب أو الهلاك من الثمن. وله صور ‏متعددة.‏
فيثبت عند الحنفية بهلاك أو تعيب بعض المبيع بيد البائع قبل قبض المشتري، ومجمل ‏حكم الهلاك : أنه إن كان بآفة سماوية أو بفعل البائع يبطل البيع وإن كان بفعل أجنبي يتخير ‏المشتري إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجاز، وضمَّن المستهلك.‏
وقال المالكية : يثبت هذا الخيار في حالة كون المبيع معيباً، أو استحقاق بعض مبيع ‏متعدد اشتري صفقة واحدة، فإن كان وجه الصفقة نقضت، ولا يجوز له التمسك بالباقي، وإن كان ‏غير وجهها، جاز التمسك به، وأخذ الباقي بالتقويم، لا بنسبته من الثمن المسمى، فيقال : ما قيمة ‏هذا الباقي ؟ فإذا قيل : ثمانية، قيل : وما قيمة المستحق او المتعيب ؟ فإذا قيل : اثنان، رجع ‏المشتري على بائعه بخمس الثمن الذي دفعه له.‏
وقال الشافعية : أن في تفريق الصفقة قولين عند الشافعية، أظهرهما - أن البيع يبطل فيما ‏لا يجوز، ويصح فيما يجوز، لأنه ليس بطلانه فيهما لبطلانه في أحدهما بأولى من تصحيحه ‏فيهما، لصحته في أحدهما، فبطل حمل أحدهما على الآخر، وبقيا على حكمهما، فصح فيما يجوز، ‏وبطل فيما لا يجوز. والقول الثاني أن الصفقة لا تفرق، فيبطل العقد فيهما.‏
وقال الحنابلة : معنى تفريق الصفقة : أي تفريق ما اشتراه في عقد واحد : وهو أن يجمع ‏بين ما يصح بيعه وما لا يصح بيعه، صفقة واحدة بثمن واحد. ولهذا الجمع ثلاث صور:‏
‏ ‏
إحداها- أن يبيع شخص معلوماً ومجهولاً تجهل قيمته أي يتعذر علمه، فلا مطمع في ‏معرفته، مثل : بعتك هذه الفرس، وما في بطن هذه الفرس الأخرى بكذا، فلا يصح البيع فيهما، ‏لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته، لأن معرفته ‏إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، وحمل الفرس لا يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط.‏

الثانية- أن يبيع شخص مشاعاً بينه وبين غيره بغير إذن شريكه، فيصح البيع في نصيبه ‏بقسطه، وللمشتري الخيار بين الرد والإمساك إذا لم يكن عالماً بأن المبيع مشترك بينه وبين ‏غيره، لأن الشركة عيب. فإن كان عالماً فلا خيار له وللبائع أيضاً. وللمشتري الأرش إن أمسك ‏فيما ينقصه التفريق، كزوج خف.‏

الثالثة- أن يبيع رجل متاعه ومتاع غيره بغير إذنه صفقة واحدة، أو يبيع خلاً وخمراً ‏صفقة واحدة، فيصح البيع في متاعه بقسطه دون متاع غيره، ويصح في الخل بقسطه من الثمن، ‏فيوزع على قدر قيمة المبيعين ليعلم ما يخص كلاً منهما. ويقدر الخمر إذا بيع مع الخلّ خلاً، ‏ليقسط الثمن عليهما. ولا خيار للبائع.‏
وقال الحنابلة أيضاً : إذا وقع العقد على مكيل أو موزون، فتلف بعضه قبلى قبضه، لم ‏ينفسخ العقد في الباقي، رواية أخرى، ويأخذ المشتري الباقي بحصته من الثمن.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:59 PM
‏8- خيار إجازة عقد الفضولي :‏

هو الخيار الثابت للمالك إذا باع غيره له سلعة بغير أمره، ويعد البيع موقوفاً عند الحنفية ‏والمالكية، ويخير المالك بين إجازة العقد فيصبح نافذاً، وبين رده فيبطل.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 10:59 PM

‏9- خيار تعلق حق الغير بالمبيع :‏

هو الخيار الثابت لمن له حق في المبيع من دائن مرتهن أو مستأجر، فإذا اشترى رجل ‏داراً ثم ظهر أنها مرهونة أو مؤجرة، خير بين الفسخ وعدمه، دفعاً للضرر عن نفسه، حتى ولو ‏كان عالماً بذلك.‏
فإن أجاز المستأجر أو المرتهن فلا خيار للمشتري، وإن لم يجز ثبت الخيار له بين ‏الانتظار حتى نهاية مدة الإجارة وفكاك الرهن، أو الفسخ.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:00 PM
‏10- خيار الكمية للبائع :‏

هو أن يشتري إنسان بما في الخابية أو الوعاء أو اليد ونحوها، ولا يعرف البائع شيئاً عن ‏الموجود كمية ونوعاً، فيكون البائع بعد فتح الخابية أو الوعاء أو اليد مخيراً بين إمضاء البيع ‏وفسخه بعد رؤية الثمن. وهذا يسمى عند الحنفية خيار كمية، لا خيار رؤية، لأن خيار الرؤية لا ‏يثبت في النقود.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:01 PM
‏11- خيار الاستحقاق :‏

هو الخيار الثابت للمشتري بسبب استحقاق المبيع كله أو بعضه، وتفصيله عند الحنفية : ‏إن كان استحقاق المبيع قبل قبض الكل خير في الكل، وإن كان استحقاقه بعد القبض خيِّر في ‏الشيء القيمي، لا في المثلي كالمكيل والموزون. وإن كان الاستحقاق لبعض المبيع قبل القبض، ‏يبطل العقد في الجزء المستحق، ويخير المشتري في أخذ الجزء الباقي بحصته من الثمن أو رده.‏
وإن كان الاستحقاق لبعض المبيع بعد القبض، يبطل البيع في الجزء المستحق أيضاً، ‏وأما الجزء الباقي فيخير المشتري في قبول الباقي بحصته من الثمن إن أضره التبعيض كالثوب ‏والدار، ويلتزم بالباقي إن لم يضره التبعيض كالمكيل والموزون.‏
وذلك كله إن لم يجز المستحق البيع، فإن أجازه، لزم البيع، إذ لا ضرر بالتبعيض.‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:03 PM
‏12- خيار الشرط ‏

خطة الموضوع :‏

المطلب الأول- الخيار المفسد للبيع والخيار المشروع :‏
الخيار المفسد : اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة في الصحيح من مذهبهم على أن ‏العاقدين إذا ذكرا الخيار مؤبداً، كأن يقول أحدهما : "بعت، أو اشتريت على أني بالخيار أبداً" أو ‏ذكر الخيار مطلقاً، كأن يقول أحدهما : "على أني بالخيار أو متى شئت" أو ذكرا وقتاً مجهولاً ‏كقدوم زيد، أو هبوب ريح، أو نزول مطر، أو أياماً، فإن العقد غير صحيح لوجود الجهالة ‏الفاحشة.‏
إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا : العقد باطل. وقال الحنفية : العقد فاسد فقط، فإذا أسقط ‏الشرط قبل مضي مدة ثلاثة أيام، أو حذف الزائد، أو بينت مدة الخيار، صح البيع، لزوال المفسد.‏
وقال مالك وأحمد في رواية عنه : يجوز الخيار المطلق، إلا أن الإمام أحمد قال فيه : ‏‏"وهما على خيارهما أبداً، أو يقطعاه، أو تنتهي مدته". وقال الإمام مالك : السلطان يحدد له مدة ‏كمدة خيار مثله في العادة، لأن اختيار المبيع في مثله مقدَّر في العادة، فإذا أطلق الخيار حمل على ‏المعتاد، ويفسد البيع عند المالكية إذا وقع بشرط مدة زائدة على مدته بكثير "أي بعد يوم" أو ‏بشرط مدة مجهولة كإِلى أن تمطر السماء أو يقدم زيد.‏


الخيار المشروع : وهو أن يذكر وقت معلوم، وقد ثبتت مشروعية خيار الشرط بحديث ‏حبان بن منقذ الذي كان يغبن في البيع والشراء، فشكا أهله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏فقال : "إذا بايعت فقل : لا خلابة(1) وليّ الخيار ثلاثة أيام" رواه البخاري ومسلم ولمساس ‏الحاجة إليه لدفع الغبن. وخيار الشرط مشروع عند جمهور الحنفية، سواء أكان الشرط العاقد أم ‏لغيره لتحقيق حاجة الناس. ولا يجوز الخيار والأجل في البيوع التي فيها الربا : وهي عقد ‏الصرف، وبيع المكيل والموزون عند الحنفية، والطعام بالطعام عند الشافعية، لأنه يشترط فيها ‏القبض قبل التفرق بالأبدان، وذكر الخيار أو الأجل ينافي القبض.‏
‏ ‏
المطلب الثاني- آراء الفقهاء في مدة الخيار المشروع :‏
قال أبو حنيفة والشافعي : يجوز شرط الخيار في مدة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام، لأن ‏الأصل امتناع الخيار، لكونه مخالفاً لوضع البيع، فإنه يمنع نقل الملك أو لزومه، إلا أنه ثبت على ‏خلاف هذا الأصل بحديث حبان بن منقذ السابق ذكره.‏
ويبطل العقد عند الشافعي. وكونه لا يجوز أكثر من ثلاثة، لأنه غرر، وفيما دون الثلاث ‏رخصة، فلا يجوز الزيادة عليها، وفي الجملة : إن الخيار ينافي مقتضى البيع لولا ثبوته بالشرع.‏
وعند الحنابلة وفي رواية في المذهب الحنفية : يجوز اشتراط مدة الخيار بحسب ما يتفق ‏عليه البائع والمشتري من المدة المعلومة، قلَّت مدته أو كثرت. ودليلهم ما روي أن ابن عمر ‏‏"أجاز الخيار إلى شهرين" ولأن الخيار حق يعتمد الشرط، فرجع في تقديره إلى مشترطه، ‏كالأجل. وبعبارة أخرى: إن مدة الخيار ملحقة بالعقد، فكانت إلى تقدير المتعاقدين كالأجل.‏
وقال المالكية : يجوز الخيار بقدر ما تدعو إليه الحاجة، ويختلف ذلك باختلاف الأمور، ‏فالفاكهة التي لا تبقى أكثر من يوم لا يجوز شرط الخيار فيها أكثر من يوم، والثياب أو الدابة : ‏ثلاثة أيام، والأرض التي لا يمكن الوصول إليها في ثلاثة أيام يجوز شرط الخيار فيها أكثر من ‏ثلاثة أيام، والدار ونحوها تحتاج مدة شهر.‏
‏(1) لا خديعة.‏
المطلب الثالث- طرق إسقاط الخيار :‏
العقد الذي فيه الخيار عقد غير لازم، ويصبح لازماً إذا سقط الخيار بعد ثبوته، وطرق ‏الإِسقاط ثلاثة :‏
‏1- الإسقاط الصريح : هو أن يقول صاحب الخيار : أسقطت الخيار أو أبطلته أو أجزت ‏البيع أو رضيت به، ونحوها، فيبطل الخيار، سواء علم المشتري بالإِجازة أو لم يعلم، لأن الخيار ‏شرع للفسخ، فإذا سقط يبطل الخيار رجوعاً إلى الإصل في العقد : وهو لزومه ونفاذه.‏
وكذلك يسقط الخيار إذا قال من له الحق فيه : "فسخت العقد، أو نقضته، أو أبطلته" لأن ‏الخيار هو التخيير بين الفسخ والإِجازة، فأيهما وجد سقط الخيار.‏
‏ ‏
‏2- الإسقاط دلالة : وهو أن يوجد ممن له الخيار تصرف يدل على إجازة البيع وإثبات ‏الملك، فالإقدام عليه يكون إجازة للبيع دلالة.‏
وبناء على هذا :‏
إذا كان الخيار للمشتري، والمبيع في يده، فعَرَضه على البيع، يبطل خياره، لأن عرض ‏المشتري المبيع على البيع معناه اختيار التملك وهو يكون بابطال الخيار.‏
وإذا كان الخيار للبائع فعَرَضه على البيع، فالأصح من الروايتين عن أبي حنيفة : أن ‏يكون إسقاطاً للخيار، لأنه دليل على اختيار إبقاء الملك في المبيع.‏
وكذلك يسقط خيار المشتري إذا باع الشيء الذي اشتراه أو رهنه أو وهبه - سلم أو لم ‏يسلم - أو آجره، لأن نفاذ هذه التصرفات مختص بقيام الملك، فيكون الإقدام عليها دليلاً على قصد ‏إبقاء الملك، وهو يتم بإجازة البيع.‏
ويسقط الخيار أيضاً بهذه التصرفات في الثمن إذا صدرت من البائع الذي له الخيار، إذ ‏أنه لا تصح هذه التصرفات إلا بعد نقض التصرف الأول.‏
إلا أن هناك فرقاً بين البائع والمشتري بالنسبة لتسليم الهبة والرهن، فإنه إذا كان الخيار ‏للبائع لا يسقط في الهبة والرهن إلا بعد التسليم بخلاف المشتري كما عرفنا.‏
وأما الإجازة فلا فرق فيها بين البائع والمشتري، فإنها تسقط الخيار من غير شرط ‏القبض، لأنها عقد لازم، بخلاف الرهن والهبة قبل القبض، فإنهما عقدان غير لازمين.‏
ومن مسقطات الخيار دلالة : أن يُسكن المشتري الدار المبيعة رجلاً بأجر أو بغير أجر، ‏أو يرمم شيئاً منها بالتطيين أو التجصيص، أو يحدث فيها بناء أو يهدم شيئاً منها، لأن هذه ‏التصرفات دليل اختيار الملك.‏
ومن مسقطات الخيار دلالة أيضاً : أن يسقي المشتري الزروع والثمار أو يحصدها أو ‏يقطع منها شيئاً لدوابه، لأنه يعد إجازة للبيع واختياراً للتملك كما ذكرنا.‏
أما ركوب الدابة لسقيها أو لردها على البائع، فلا يسقط الخيار استحساناً، لأن الدابة قد لا ‏يمكن تسييرها إلا بالركوب، ويسقط قياساً، لأن الركوب دليل اختيار الملك.‏
وكذا ركوب السيارة لينظر إلى سيرها وقوتها، لا يسقط الخيار.‏
وكذا أيضاً لبس الثوب لينظر إلى طوله وعرضه لا يسقط الخيار، لاحتياجه إلى التجربة ‏والاختبار، أما لبسه ثانية لنفس الغرض الأول، فيسقط الخيار.‏
ويرى بعض مشايخ الحنفية أن ركوب السيارة للمرة الثانية لنفس الغرض الأول : لا ‏يسقط الخيار، لأن الاختبار لا يحصل بالفعل مرة، لاحتمال وقوع ذلك صدفة، فيحتاج إلى معرفة ‏العادة الثابتة، بخلاف الثوب : فإن الغرض يحصل بالمرة الواحدة.‏
‏ ‏
‏3- إِسقاط الخيار بطريق الضرورة :‏
يسقط الخيار ضرورة بأمور :‏
‏ ‏
‏1- مضي مدة الخيار : يسقط الخيار بمضي مدته دون اختيار فسخ العقد، لأن الخيار ‏مؤقت بها، فيبقى العقد بلا خيار، فيصبح لازماً.‏
وكذلك قال الشافعية والحنابلة : يسقط الخيار إذا انقضت مدته، ولم يفسخ أحدهما العقد ‏ويصبح لازماً، لأن مدة الخيار ملحقة بالعقد فبطلت بانقضائها كالأجل، ولأن الحكم ببقائها يفضي ‏إلى بقاء الخيار في غير المدة المشروطة، والشرط سبب الخيار، فلا يجوز أن يثبت به ما لم ‏يتناوله، ولأنه حكم مؤقت، فصار بفوات وقته كسائر المؤقتات، ولأن البيع يقتضي اللزوم، وإنما ‏تخلَّف موجبه بالشرط، ففيما لم يتناوله الشرط يجب أن يثبت موجبه لعدم وجود ما ينافي مقتضى ‏العقد كما لو أمضوا العقد.‏
وقال الإمام مالك : لا يلزم البيع بمضي المدة بل لا بد من اختيار أو إجازة، لأن مدة ‏الخيار جعلت حقاً لصاحب الخيار لا واجباً عليه، فلم يلزم الحكم بنفسه مرور الزمان، كمضي ‏الأجل في حق المولى بالنسبة للمكاتب، لا يلزم المولى بالعتق بمجرد مضي المدة.‏

‏2- موت المشروط له الخيار :‏
إذا مات المشروط له الخيار، يسقط الخيار، سواء أكان الخيار للبائع أم للمشتري، أو ‏لهما، ويصير العقد لازماً، لأنه وقع العجز عن الفسخ، فيلزم ضرورة.‏
أما خيار الشرط فاختلفوا في إرثه :‏
فقال الحنفية : لا يورث خيار الشرط، وإنما يسقط بموت المشروط له. ‏
والخلاصة : أن خيار القبول والإجازة في بيع الفضولي والأجل وخيار الشرط لا يورث. ‏أما خيار العيب والتعيين والقصاص وخيار الرؤية وخيار الوصف وخيار التغرير، فإنه يورث.‏
وقال الحنابلة : المذهب أن خيار الشرط يبطل بموت صاحبه، ويبقى خيار الآخر بحاله، ‏إلا أن يكون الميت قد طالب بالفسخ قبل موته في مدة الخيار، فيكون حينئذ لورثته.‏
وقال المالكية والشافعية : إذا مات صاحب الخيار : فلورثته من الخيار مثل ما كان له، ‏لأن الخيار حق ثابت لضمان صلاحية المال المشترى، فلم يسقط بالموت كالرهن وحبس المبيع ‏على الثمن ونحوها من الحقوق المالية، فينتقل إلى الوارث كالأجل وخيار الرد بالعيب، ولأنه حق ‏فسخٍ للبيع، فينتقل إلى الوارث كالرد بالعيب، والفسخ بالتحالف.‏

‏3- ما هو في معنى الموت : كالجنون والإغماء والنوم والسُكْر والردة واللحاق بدار ‏الحرب. فإذا ذهب عقل صاحب الخيار بالجنون أو بالإغماء، في مدة الخيار، ومضت المدة على ‏تلك الحال صار العقد لازماً لأنه عجز عن الفسخ فتزول فائدة الخيار، فإن أفاق في مدة الخيار، ‏بقي الخيار، لإِمكان ممارسة حق الفسخ والإجازة وهذا عند الحنفية.‏
وقال الشافعية والحنابلة : لو جن صاحب الخيار أو أغمي عليه أو أصابه خرس فلم تفهم ‏إشارته، ينتقل الخيار إلى وليه من حاكم أو غيره.‏
‏ ‏
‏4- هلاك المبيع في مدة الخيار : فيه تفصيل، لأن الهلاك إما أن يكون قبل القبض أو بعد ‏القبض، والخيار إما للبائع، أو للمشتري.‏
آ- فإن هلك المبيع قبل القبض أي (في يد البائع) بطل البيع وسقط الخيار، سواء أكان ‏الخيار للبائع أم للمشتري، أم لهما معاً، لأنه لو كان العقد باتاً لبطل البيع بسبب العجز عن التسليم، ‏فيبطل إذا كان فيه خيار شرط من باب أولى.‏
ب- وإن هلك المبيع بعد القبض أي "في يد المشتري" : فإن كان الخيار للبائع، فيبطل ‏البيع أيضاً، ويسقط الخيار، ولكن يلزم المشتري القيمة إن لم يكن له مثل، والمثل إن كان له مثل.‏
وإن كان الخيار للمشتري فهلك المبيع بفعل المشتري أو البائع أو بآفة سماوية : لا يبطل ‏البيع، ولكن يسقط الخيار، ويلزم البيع، ويهلك على المشتري بالثمن، لأن المشتري وإن لم يملك ‏المبيع عند أبي حنيفة إلا أنه اعترض عليه في يده ما يمنع الرد وهو التعيب بعيب لم يكن عند ‏البائع، لأن الهلاك في يده لا يخلو عادة عن سبب له، وهذا السبب يكون عيباً، وتعيب المبيع في ‏يد المشتري يمنع الرد، ويلزم البيع إذ لا فائدة من بقاء الخيار، فيهلك بالثمن، لأن العقد قد انبرم.‏
وقال الشافعية كالحنفية فيما إذا حدث الهلاك بآفة سماوية قبل القبض: ينفسخ البيع ويسقط ‏الخيار، كما ينفسخ العقد ويسقط الخيار إذا كان الهلاك بعد القبض ويضمن المشتري القيمة إذا ‏كان الخيار للبائع.‏
فإن كان الخيار للمشتري فيقرر الشافعية أنه يضمن المبيع في هذه الحالة بقيمته، لأنه إن ‏فسخ البيع تعذر رد العين، فوجب رد القيمة، وإن أمضى العقد فقد هلك من ملكه فيجب عليه ‏قيمته.‏
وقال المالكية : إن هلك المبيع بيد البائع، فلا خلاف في ضمانه إياه وينفسخ البيع. وإن ‏كان هلك بيد المشتري فالحكم كالحكم في الرهن والعارية :‏
إن كان المبيع مما يغاب عليه "أي يمكن اخفاؤه" كالحلي والثياب، فيضمن المشتري ‏للبائع الأكثر من ثمنه الذي بيع به، أو القيمة، لأن من حق البائع إمضاء البيع إن كان الثمن أكثر، ‏ورد البيع إن كانت القيمة أكثر، إلا إذا ثبت الهلاك ببينة فلا يضمن المشتري.‏
وإن كان المبيع مما لا يغاب عليه "أي لا يمكن اخفاؤه" كالدور والعقارات فالبائع ‏يضمنه، حيث لا يظهر كذب المشتري.‏
وقال الحنابلة : إن تلفت السلعة في مدة الخيار قبل القبض، وكان المبيع مكيلاً أو موزوناً ‏انفسخ البيع، وضمنه البائع، ويبطل خيار المشتري.‏
وإن كان المبيع غير مكيل ولا موزون ولم يمنع البائع المشتري من قبضه، فظاهر ‏المذهب أنه من ضمان المشتري، ويكون كتلفه بعد القبض.‏
وأما إن تلف المبيع بعد القبض في مدة الخيار، فهو من ضمان المشتري، ويبطل خياره. ‏وأما خيار البائع ففيه روايتان :‏
إحداهما : يبطل كخيار الرد بالعيب إذا تلف المبيع، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر.‏
والثانية : لا يبطل، وللبائع فسخ البيع، ومطالبة المشتري بالقيمة.‏

‏5- تعيب المبيع : فيه تفصيل أيضاً، لأن الخيار إما أن يكون للبائع أو للمشتري.‏
آ- فإن كان الخيار للبائع : فيسقط خياره إذا تعيب المبيع بآفة سماوية أو بفعل البائع، سواء ‏أكان المبيع في يد البائع أم في يد المشتري، لأنه هلك بعض المبيع بلا بدل عنه، إذ لا يجب ‏الضمان على البائع، لأن المبيع ملكه، فينفسخ البيع في هذا البعض، ولا يمكن بقاء العقد في ‏الجزء الباقي، لما يترتب عليه من تفريق الصفقة على المشتري قبل تمام العقد، وهو لا يجوز.‏
فإذا تعيب المبيع بفعل المشتري، أو بفعل أجنبي لم يبطل البيع، ويبقى البائع على خياره ‏لأنه يمكنه إجازة البيع فيما بقي وفيما نقص، لأن قدر النقصان انتقل إلى بدل عنه : وهو الضمان ‏بالقيمة على المشتري أو الأجنبي لإتلافهما ملك الغير بغير إذن، فكان قدر النقصان قائماً معنى.‏
وإذا بقي البائع على خياره والمبيع في يد المشتري : فإما أن يجيز العقد أو يفسخ : فإن ‏أجاز البيع، وجب على المشتري جميع الثمن، لأن البيع جاز في الكل، ولا يكون للمشتري خيار ‏الرد بحدوث التغير في المبيع، لأنه حدث في يده وفي ضمانه.‏
غير أنه إذا كان التعييب بفعل المشتري، فلا سبيل له على أحد، لأنه ضمن القيمة بفعل ‏نفسه، وإن كان بفعل الأجنبي فللمشتري أن يتبع الجاني بالأرش "أي الغرامة" لأنه بإجازة البيع ‏ملك المبيع، من وقت البيع فحصلت الجناية على ملكه.‏
وإن فسخ البائع العقد ينظر :‏
إن كان التعييب بفعل المشتري : فإن البائع يأخذ الباقي، ويأخذ أرش الجناية من المشتري ‏لأن المبيع كان مضموناً على المشتري بالقيمة، وقد عجز عن رد ما أتلفه بالجناية، فعليه رد ‏قيمته.‏
وإن كان التعييب بفعل أجنبي : فالبائع بالخيار إن شاء اتبع الجاني بالأرش، لأن الجناية ‏حصلت على ملكه، وإن شاء اتبع المشتري لأن الجناية حدثت في ضمان المشتري.‏
فإن اختار اتباع الأجنبي : فالأجنبي لا يرجع على أحد، لأنه ضمن القيمة بفعل نفسه، ‏وإن اختار اتباع المشتري، فالمشتري يرجع بما ضمن من الأرض على الجاني، لأن المشتري ‏بأداء الضمان قام مقام البائع في حق تملك بدل الشيء المجني عليه، وإن لم يقم مقامه في حق ملك ‏نفس الشيء المجني عليه.‏
ب- وإن كان الخيار للمشتري : فيسقط خياره بالتعييب ولا ينفسخ البيع سواء حصل بآفة ‏سماوية أو بفعل البائع، أو بفعل المشتري أو بفعل الأجنبي لأن في حالة الآفة السماوية واعتداء ‏البائع حدث التعيب في المبيع في يد المشتري وفي ضمانه، فيلزمه رد قيمته. وأما في حالة اعتداء ‏المشتري أو الأجنبي فلأنه تعذر رد المبيع، لأنه لا يمكن المشتري أن يرد جميع ما قبض كما ‏قبض سليماً، وفي رد البعض تفريق للصفقة على البائع قبل تمام العقد.‏
وعلى هذا إذا حدث نقص في المبيع في يد المشتري كأن سقط حائط من دار بغير صنع ‏أحد، يسقط الخيار بهذا النقصان لتعذر رد الشيء على صاحبه كما قبضه سليماً من أي نقص، ‏ويتقرر على المشتري جميع الثمن لأن النقصان حصل في ضمانه.‏
‏ ‏
المطلب الرابع- حكم العقد في مدة الخيار :‏
يقول الحنفية : لا ينعقد البيع بشرط الخيار في الحال في حق الحكم (أي نقل الملكية) ‏بالنسبة لمن له الخيار من المتعاقدين، بل يكون موقوفاً إلى وقت سقوط الخيار : إما بإجازة البيع ‏أو فسخه، فإن أجازه ظهر أن العقد كان قد انعقد حال وجوده أي قبل الإجازة متى كان موضوع ‏العقد قابلاً له، وإن فسخه استمر على عدم انعقاده استصحاباً للحالة الأولى.‏
قال المالكية وفي رواية عن أحمد : للبائع ملك المبيع زمن الخيار، حتى ينقضي الخيار. ‏وإمضاء البيع : معناه نقل المبيع من ملك البائع لملك المشتري، وليس تقريراً للملك. ودليلهم أن ‏المبيع على ملك البائع، وأما المشتري فملكه غير تام لاحتمال رده. وعلى هذا : تكون غلة المبيع ‏الحاصلة في زمن الخيار للبائع.‏
وقال الشافعية في الأظهر عندهم : إن كان الخيار المشروط للبائع فملك المبيع وتوابعه ‏كلبن ومهر وثمر وكسب له. وإن كان الخيار للمشتري فيكون الملك له، لأنه إذا كان الخيار ‏لأحدهما كان هو وحده متصرفاً في المبيع، ونفوذ التصرف دليل على الملك.‏
وإن كان الخيار للبائع والمشتري معاً، فالملك موقوف لأنه ليس أحد الجانبين أولى من ‏الآخر، فيحصل التوقف، فإن تم البيع تبين أن الملك للمشتري من حين العقد، وإلا فللبائع، وكأنه ‏لميخرج عن ملكه.‏
وقال الحنابلة في ظاهر المذهب : ينتقل الملك إلى المشتري في بيع الخيار بنفس العقد، ‏ولا فرق بين كون الخيار لهما، أو لأحدهما أيهما كان. ودليلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : ‏‏"من باع عبداً وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع" وقوله عليه السلام : "من باع نخلاً ‏بعد أن تؤبر، فثمرته للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" رواه الموطأ فقد جعل الرسول عليه السلام ‏المبيع للمبتاع (أي المشتري) بمجرد اشتراطه، وهو عام في كل بيع، ولأنه بيع صحيح، فنقل ‏الملكية عقبه كالذي لا خيار له، ولأن البيع تمليك بدليل قوله : "ملكتك" فثبت به الملك كسائر ‏البيوع.‏
‏ ‏
المطلب الخامس- كيفية الفسخ والإجازة :‏
الفسخ والإجازة إما بطريق الضرورة أو بطريق القصد والاختيار :‏
أما الفسخ والاجازة بطريق الضرورة : فيصح من غير وجود الخصم وعلمه، كمضي ‏مدة الخيار وهلاك المبيع ونقصانه، كما ذكرنا في طرق إسقاط الخيار.‏
وأما الفسخ والإجازة بطريق القصد : فقد اتفق الحنفية على أن صاحب الخيار يملك ‏إجازة العقد بغير علم صاحبه، لأنه كان قد رضي بالبيع، وتوقف نفاذ البيع على رضا صاحب ‏الخيار، فإذا رضي نفذ البيع، علم الآخر أو لم يعلم.‏
ولكن يشترط الرضا باللسان بأن يقول : أجزت هذا العقد أو رضيت به، فإذا رضي بقلبه ‏فقط، فإنه لا يسقط خياره، لأن الأحكام الشرعية تتعلق بالأقوال والأفعال الظاهرة الدالة على ‏القلوب.‏
‏ ‏
وأما الفسخ : فإنه ينبغي أن يكون باللسان دون القلب، فإن فسخ بلسانه بعلم صاحبه، ‏فيصح بالاتفاق بين علماء الحنفية، سواء رضي به الطرف الآخر أو أبى. وإن فسخ بغير علم ‏صاحبه فلا يصح عند أبي حنيفة، سواء أكان الخيار للمشتري أم للبائع، ويكون الفسخ حينئذ ‏موقوفاً : إن علم به صاحبه في مدة الخيار نفذ، وإن لم يعلم حتى مضت المدة لزم العقد، لأن ‏الفسخ تصرف في حق الغير، لأن العقد تعلق به حق كل واحد من المتعاقدين، فلم يملك أحدهما ‏فسخه بغير علم صاحبه، لما في ذلك من المضرة. فإن كان الخيار للبائع : فربما يتصرف ‏المشتري بالمشترى اعتماداً منه على نفاذ البيع بسبب مضي المدة دون فسخ، فتلزمه غرامة ‏القيمة بهلاك المبيع، وقد تكون القيمة أكثر من الثمن، وفي هذا ضرر.‏
وإذا كان الخيار للمشتري : فربما لا يطلب البائع لسلعته مشترياً آخراً اعتماداً على تمام ‏البيع، وهذا ضرر أيضاً.‏
قال المالكية والشافعية والحنابلة : يصح لصاحب الخيار فسخ البيع في حضور صاحبه ‏وفي غيبته، إذا أن صاحبه لما رضي لأخيه بالخيار، فكأنه أذن له في الفسخ متى شاء، فلا يحتاج ‏إلى حضوره (أي علمه) عند الفسخ، ولأن الفسخ رفع للعقد، فلا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلم ‏يفتقر إلى حضوره كالطلاق.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:04 PM
‏13- خيار العيب :‏

المطلب الأول- في مشروعية خيار العيب وحكم العقد :‏

مشروعية خيار العيب : الأصل في مشروعية هذا الخيار أحاديث منها - أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم قال : "المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً، وفيه عيب إلا بينه له" ‏رواه أحمد.‏
ومنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعاماً، فأدخل يده فيه، فإذا هو ‏مبلول، فقال : "من غشنا فليس منا" رواه مسلم.‏

حكم البيع :‏
حكم البيع لشيء معيب : هو ثبوت الملك للمشتري في المبيع للحال لأن ركن البيع مطلق ‏عن الشرط، وإنما يثبت فيه دلالة شرط سلامة المبيع عن العيوب، فإذا لم تتوافر السلامة تأثر ‏العقد في لزومه، لا في أصل حكمه، بخلاف خيار الشرط، لأن الشرط المنصوص عليه ورد على ‏أصل الحكم، فمنع انعقاده بالنسبة للحكم في مدة الخيار.‏
وصفة حكم البيع لشيء معيب : هو أنه يفيد الملك غير لازم، لأن سلامة البدلين في عقد ‏المعاوضة مطلوبة عادة، فكانت السلامة مشروطة في العقد دلالة أي ضمنا، فكانت كالمشروطة ‏نصاً، فإذا لم تتحقق صفة السلامة في البدلين، كان للعاقد الخيار، فيكون العقد غير لازم.‏
‏ ‏
المطلب الثاني- العيوب الموجبة للخيار :‏
العيب : هو كل ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة ويوجب نقصان الثمن في عرف ‏التجار نقصاناً فاحشاً أو يسيراً كالعمى والعور والحول.‏
‏ ‏
والعيوب نوعان :‏
أحدهما- ما يوجب نقصان جزء من المبيع أو تغييره من حيث الظاهر دون الباطن. ‏ثانيهما- ما يوجب النقصان من حيث المعنى، دون الصورة.‏

أما الأول- فكثير نحو العمى، والعور، والحَوَل، والشلل، والزمانة (أي الأمراض ‏المزمنة).‏
‏ ‏
وأما الثاني- فنحو جماح الدابة، وبطء غير معتاد في سيارة ونحوها.‏
‏ ‏
المطلب الثالث- طرق إثبات العيب وشروط ثبوت الخيار
شرائط ثبوت الخيار : يشترط لثبوت الخيار شرائط هي :‏
‏1- ثبوت العيب عند البيع أو بعده قبل التسليم، فلو حدث بعدئذ لا يثبت الخيار.‏
‏2- ثبوت العيب عند المشتري بعد قبضه المبيع، ولا يكتفى بالثبوت عند البائع لثبوت حق ‏الرد في جميع العيوب عند عام المشايخ.‏
‏3- جهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض، فإن كان عالماً به عند أحدهما فلا ‏خيار له، لأنه يكون راضياً به دلالة.‏
‏4- عدم اشتراط البراءة عن العيب في البيع، فلو شرط فلا خيار للمشتري، لأنه إذا أبرأه ‏فقد أسقط حق نفسه.‏
‏5- أن تكون السلامة من العيب غالبة في مثل المبيع المعيب.‏
‏6- ألا يزول العيب قبل الفسخ.‏
‏7- ألا يكون العيب طفيفاً مما يمكن إزالته دون مشقة، كالنجاسة في الثوب الذي لا يضره ‏الغسل.‏
‏8- عدم اشتراط البراءة من العيب في البيع.‏
‏ ‏
طرق إثبات العيب :‏
يختلف طريق إثبات العيب باختلاف العيب، والعيب أنواع :‏
إما عيب ظاهر مشاهد.‏
أو عيب باطن خفي لا يعرفه إلا المختصون.‏
أو عيب لا يطلع عليه إلا النساء.‏

‏1- فإن كان عيباً مشاهداً : فلا حاجة لتكليف القاضي للمشتري بإقامة البينة على وجود ‏العيب عنده، لكونه ثابتاً بالعيان والمشاهدة، وللمشتري حق خصومة البائع، بسبب هذا العيب، ‏وللقاضي حينئذ النظر في الأمر.‏

آ- وأما إذا كان العيب باطناً خفياً لا يعرفه إلا المختصون :‏
كالأطباء والبياطرة مثل وجع الكبد والطحال ونحوه، فإنه يثبت لممارسة حق الخصومة ‏بشهادة رجلين مسلمين أو رجل مسلم عدل، وبعده يقول القاضي للبائع : "هل حدث عندك العيب ‏المدعى به" فإن قال : "نعم" قضى عليه بالرد، وإن أنكر أقام المشتري البينة، فإن لم يكن له بينة ‏استحلف البائع على الوجه السابق ذكره في العيب المشاهد. فإن حلف، لم يرد عليه، وإن نكل ‏قضىعليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا أو الإِبراء.‏
‏ ‏
‏3- وإن كان العيب مما لا يطلع عليه إلا النساء : فيرجع القاضي إلى قول النساء، ‏فيريهن العيب لقوله تعالى : {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ولا يشترط ‏العدد منهن، بل يكتفي بقول امرأة واحدة عدل، والثنتان أحوط، لأن قول المرأة فيما لا يطلع عليه ‏الرجال حجة في الشرع، كشهادة القابلة في النسب.‏
‏ ‏
المطلب الرابع- مقتضى الخيار وكيفية الفسخ والرد بالعيب :‏
‏ ‏
مقتضى الخيار : يترتب على ظهور العيب في المبيع أن يكون المشتري مخيراً بين ‏أمرين :‏
إما أن يمضي العقد، وفي هذه الحالة يلتزم بأداء الثمن كاملاً، أو يفسخ العقد، فيسترد ‏الثمن إن كان قد دفعه، ويعفى من أدائه إن لم يكن قد أداه، وعليه أن يرد العين المعيبة إذا كان قد ‏استلمها.‏
وقال الشافعية والحنابلة : إذا تعيب المبيع في يد البائع أو تلف بعضه بأمر سماوي، ‏فيكون المشتري مخيراً بين قبوله ناقصاً بجميع الثمن، ولا شيء له، وبين فسخ العقد والرجوع ‏بالثمن.‏
‏ ‏
كيفية الفسخ والرد : المبيع لا يخلو من أحد حالين :‏
‏1- إما أن يكون في يد البائع، فينفسخ البيع بقول المشتري : "رددت" ولا يحتاج إلى ‏قضاء القاضي، ولا إلى التراضي بالاتفاق بين الحنفية والشافعية.‏
‏2- وإما أن يكون في يد المشتري، فلا ينفسخ إلا بقضاء القاضي أو بالتراضي عند ‏الحنفية، لأن الفسخ بعد القبض يكون على حسب العقد، لأنه يرفع العقد، وبما أن العقد لا ينعقد ‏بأحد العاقدين فلا ينفسخ بأحدهما من غير رضا الآخر، ومن غير قضاء القاضي، بخلاف الفسخ ‏قبل القبض، لأن الصفقة ليست تامة حينئذ، بل تمامها بالقبض، فكان بمنزلة القبض.‏
وعند الشافعي : ينفسخ العقد بقوله : "رددت" بغير حاجة إلى قضاء.‏
‏ ‏
هل الفسخ بعد العلم بالعيب على الفور أم على التراخي ؟
قال الحنفية والحنابلة : خيار الرد بالعيب على التراخي، ولا يشترط أن يكون رد المبيع ‏بعد العلم بالعيب على الفور، فمتى علم العيب فأخر الرد، لم يبطل خياره حتى يوجد منه ما يدل ‏على الرضا، وإذا أعلن المشتري البائع بالعيب وخاصمه في رد المبيع، ثم ترك مخاصمته بعدئذ، ‏ورجع إليها وطلب الرد، فإن له أن يرد مالم يمتنع الرد لمانع، لأنه خيار لدفع ضرر متحقق، فكان ‏على التراخي كالقصاص، ولا نسلم دلالة الإِمساك على الرضا به.‏
‏ ‏
وقال الشافعية : يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور، فلو علم ثم أخر ‏رده بلا عذر، سقط حقه في الرد، والمراد بالفور : مالا يعد تراخياً في العادة، فلو اشتغل بصلاة ‏دخل وقتها، أو بأكل أو نحوه، فلا يكون تراخياً في العادة، فلا يمنع الرد، وكذا لو علم بالعيب، ثم ‏تراخى لعذر كمرض أو خوف لص أو حيوان مفترس أو نحوه، فإن حقه لا يسقط، وإنما يكون له ‏حق الرد بعد العلم بالعيب إذا لم يفعل ما يدل على الرضا، كاستعمال الحيوان ولبس الثوب أو ‏نحوه.‏
‏ ‏
المطلب الخامس- موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار :‏
يمتنع الرد بالعيب ويسقط الخيار بعد ثبوته ويلزم البيع بأسباب، منها : ما يكون بعد ثبوت ‏التزام البائع بضمان العيب. ومنها : مالا يكون البائع ملتزماً فيها بضمان العيوب من أول الأمر.‏
أما ما يكون بعد ثبوت التزام البائع بضمان العيب فهي :‏
‏1- الرضا بالعيب بعد العلم به : إما صراحة كأن يقول : رضيت بالعيب أو أجزت البيع، ‏أو دلالة كالتصرف في المبيع تصرفاً يدل على الرضا بالعيب كصبغ الثوب أو قطعه، أو البناء ‏على الأرض أو طحن الحنطة أو شيّ اللحم، أو بيع الشيء أو هبته أو رهنه ولو بلا تسليم أو ‏استعماله بأي وجه كلبس الثوب وركوب الدابة أو مداواة المبيع ونحوها.‏
وذلك لأن حق الرد لفوات السلامة المشروطة في العقد ضمناً، ولمَّا رضي المشتري ‏بالعيب بعد العلم به، دل على أنه ما شرط السلامة، ولأنه إذا رضي بالعيب فقد رضي بالضرر : ‏وهو إسقاط ضمان العيب الذي يعوض به عن الجزء المعيب، وفي حالة العوض : إذا حصل ‏التعويض، فكأن الجزء المعيب عاد سليماً معنىً، بقيامة بدله، وهذا في ظاهر الرواية، لأنه لما ‏وصلت إليه قيمته، قامت القيمة مقام العين، فصار كأنه باعه.‏
‏ ‏
‏2- إسقاط الخيار صراحة أو في معنى الصريح : مثل أن يقول المشتري : أسقطت ‏الخيار أو أبطلته، أو ألزمت البيع أو أوجبته، وما يجري مجراه.‏
وأما ما يمنع الرد دون أن يكون البائع ملتزماً بالضمان من أول الأمر فهو ما يأتي :‏

‏1- المانع الطبيعي : وهو هلاك المبيع بآفة سماوية، أو بفعل المبيع، أو باستعمال ‏المشتري كأكل الطعام، فيمتنع الرد في هذه الحالات لهلاك المبيع، ويثبت للمشتري حق الرجوع ‏على البائع بنقصان العيب.‏

‏2- المانع الشرعي : وهو أن يحدث في المبيع قبل القبض زيادة متصلة غير متولدة من ‏الأصل كصبغ الثوب والبناء على الأرض، أو يحدث بعد القبض زيادة متصلة غير متولدة أو ‏زيادة منفصلة متولدة كالولد والثمرة. وأما بقية أنواع الزيادات فلا تمنع الرد.‏
وتفصيله ما يأتي :‏
الزيادة في المبيع : إما أن تحدث قبل القبض أو بعده، وكل منهما إما متصلة أو منفصلة.‏

فالزيادة الحادثة قبل القبض :‏
‏1- إذا كانت متصلة :‏
فإما أن تكون متولدة من الأصل كالحسن والجمال والكبر والسمن ونحوها، فلا تمنع ‏الرد، لأنها تابعة للأصل حقيقة.‏
أو تكون غير متولدة كصبغ الثوب أو خياطته، وكالبناء أو الغرس على الأرض، فتمنع ‏الرد، لأنها أصل قام بذاته، وليست تابعة، فلا يرد المبيع بدونها، لتعذر الرد، ولا يرد معها، لأنها ‏ليست تابعة في البيع فلا تتبع في الفسخ.‏

‏2- وإن كانت منفصلة :‏
فإما أن تكون أيضاً متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن، فلا تمنع الرد، فإن شاء ‏المشتري ردهما جميعاً، وإن شاء رضي بهما بجميع الثمن.‏
أو تكون غير متولدة، كالكسب والصدقة والغلة، فلا تمنع الرد، لأنها ليست بمبيعة، وإنما ‏هي مملوكة بملك الأصل.‏

وأما الزيادة الحادثة في المبيع بعد القبض (أي عند المشتري) :‏
‏1- إن كانت زيادة متصلة.‏
فإن كانت متولدة من الأصل كسمن الدابة، فلا تمنع الرد عند الحنفية والشافعية والحنابلة ‏والمالكية، ويبقى حكم العيب معها على موجبه الأصلي : فإن رضي المشتري أن يردها مع ‏الأصل ردها، وإن أبى وأراد أن يأخذ نقصان العيب، وأبى البائع إلا الرد ودفع جميع الثمن، فقال ‏أبو حنيفة: ليس للبائع أن يأبى وللمشتري أخذ نقصان العيب منه، لأن الزيادة المتصلة بعد القبض ‏تمنع الفسخ عندهما إذا لم يوجد الرضا من صاحب الزيادة.‏
وإن كانت غير متولدة : فإنها تمنع الرد بالاتفاق، لأن هذه الزيادة ملك للمشتري، فلا ‏يحق للبائع عندئذ أخذها بلا مقابل، ويتعين الرجوع بنقصان العيب.‏

‏2- وإن كانت زيادة منفصلة : فإن كانت متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن، فإنها ‏تمنع الرد عند الحنفية، لأنها لو رد الأصل دونها تبقى للمشتري بلا مقابل، وهو ممنوع شرعاً، ‏لأنه ربا.‏
وقال الشافعية والحنابلة : لا تمنع هذه الزيادة الرد، وهي للمشتري بعد القبض، لأنها ‏حدثت في ملك المشتري، فلا تمنع الرد، كالزيادة غير المتولدة، ولما روي "أن رجلاً ابتاع من ‏آخر غلاماً، فأقام عنده ما شاء الله، ثم وجد به عيباً، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ‏فرده عليه، فقال : يا رسول الله، قد استغل غلامي، فقال : الخراج بالضمان" رواه أبو داود وأبن ‏ماجه ومعناه أن فوائد المبيع للمشتري في مقابلة أنه لو تلف كان من ضمانه، وقيس الثمن على ‏المبيع.‏
وإن كانت الزيادة غير متولدة كالكسب والصدقة، لم يمتنع الرد، ويرد الأصل على ‏البائع، والزيادة للمشتري طيبة له، لأن هذه الزيادة ليست بمبيعة أصلاً، فأمكن فسخ العقد بدون ‏الزيادة.‏

‏3- المانع بسبب حق البائع : وهو حدوث عيب جديد عند المشتري بعد قبضه، إذا كان ‏المبيع معيباً بعيب قديم عند البائع، كأن انكسرت يد الدابة المبيعة عند المشتري، وظهر فيها ‏مرض قديم كان عند البائع، لأن المبيع خرج عن ملك البائع معيباً بعيب واحد، فلو رد يرد ‏بعيبين، فيتضرر البائع. وشرط الرد أن يرد على الوجه الذي أخذ، وإنما يكون للمشتري أن يرجع ‏على بائعه بالنقصان. ولو زال العيب الحادث، كما لو شفيت الدابة المريضة، عاد الموجب ‏الأصلي : وهو حق الرد.‏
‏ ‏
‏4- المانع بسبب حتى الغير : كما لو أخرج المشتري المبيع عن ملكه بعقد من عقود ‏التمليك كبيع أو هبة أو صلح، ثم اطلع على أنه كان معيباً بعيب قديم، فلا يمكن المشتري الأول ‏أن يفسخ البيع بينه وبين بائعه، لأنه قد تعلق بالمبيع حق مالك جديد، أنشأنه المشتري نفسه.‏
‏ ‏
‏5- إتلاف المشتري المبيع :‏
كما لو كان المبيع دابة فقتلها، أو ثوباً فمزقه ونحوه، ثم علم بوجود العيب القديم فيه، ‏فيستقر عليه الثمن المسمى نهائياً دون رجوع بنقصان. والفرق بين هذا العيب وبين المانع بسبب ‏حق الغير : أنه في الحالة الثانية يحتمل زوال المانع، فيعود حق الرد، وفي الحالة الأولى لا ‏يحتمل زواله.‏
وإذا حصل في المبيع عيب عند المشتري، ثم اطلع على عيب كان عند البائع فله أن ‏يرجع بالنقصان على البائع ولا يرد المبيع إلا أن يرى البائع أخذ المبيع بعينه فله أخذه. وتعتبر ‏قيمة النقصان يوم البيع.‏
والخلاصة : أنه يجوز الرجوع على البائع للمطالبة بفرق نقصان العيب في حالات ثلاث ‏‏: هي هلاك المبيع، وتعيبه بعيب جديد، وتغيير صورته بحيث أصبح له اسم جديد.‏
‏ ‏
المطلب السادس- آراء الفقهاء في شرط البراءة عن العيوب :‏
اختلف الفقهاء فيما إذا شرط البائع براءته من ضمان العيب (أي عدم مسؤوليته عما ‏يمكن أن يظهر من عيوب في المبيع)، فرضي المشتري بهذا الشرط، اعتماداً على السلامة ‏الظاهرة ثم ظهر في المبيع عيب قديم.‏
فقال الحنفية : يصح البيع بشرط البراءة من كل عيب وإن لم تعين العيوب بتعداد ‏أسمائها، سواء أكان جاهلاً وجود العيب في مبيعه فاشترط هذا الشرط احتياطاً، أم كان عالماً ‏بعيب المبيع، فكتمه عن المشتري، واشترط البراءة من ضمان العيب ليحمي بهذا الشرط سوء ‏نيته، فيصح البيع، لأن الإِبراء اسقاط، لا تمليك، والإسقاط لا تفضي الجهالة فيه إلى المنازعة، ‏لعدم الحاجة إلى التسليم. ويشمل هذا الشرط كل عيب موجود قبل البيع أو حادث بعده قبل القبض، ‏فلا يرد المبيع بالعيب حينئذ. وهذا في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، لأن غرض البائع إلزام العقد ‏باسقاط المشتري حقه في وصف سلامة المبيع، ليلزم البيع على كل حال، ولا يتحقق هذا الغرض ‏إلا بشمول العيب الحادث قبل التسليم، فكان داخلاً ضمناً.‏
وقال مالك والشافعي : يشمل شرط البراءة العيب الموجود عند العقد فقط، لا الحادث بعد ‏العقد وقبل القبض، لأن البراءة تتناول الشيء الثابت الموجود، بسبب أن الإِبراء عن المعدوم لا ‏يتصور، والحادث لم يكون موجوداً عند البيع، فلا يدخل تحت الإِبراء.‏
ويشمل هذا الشرط أيضاً كل عيب من العيوب الظاهرة والباطنة، لأن اسم العيب يقع ‏على الكل.‏
وإذا خصص الإبراء عن بعض العيوب لم يشمل غيرها، كأن يبرئ من القروح أو الكي ‏أو نحوها، لأنه أسقط حقه من نوع خاص.‏
هذا هو مذهب الحنفية في شرط البراءة عن العيوب عموماً.‏
وأما مذاهب غيرهم من حيث العلم بالعيب والجهل به فهي ما يلي :‏
قال المالكية : إن شرط البراءة عن العيوب يصح في كل عيب لا يعلم به البائع، أما ما ‏يعلم به فلا تصح البراءة عنه.‏
وقال الشافعية : لو باع بشرط براءته من العيوب، فالأظهر أنه يبرأ عن كل عيب باطن ‏بالحيوان خاصة، إذا لم يعلمه البائع، ولا يبرأ عن عيب بغير الحيوان، كالثياب والعقار مطلقاً، ‏ولا عن عيب ظاهر بالحيوان، علمه، أم لا، ولا عن عيب باطن بالحيوان كان قد علمه. والمراد ‏بالباطن : مالا يطلع عليه غالباً.‏
وينصرف الإِبراء إلى العيب الموجود عند العقد، لا الذي حدث قبل القبض ولو اختلف ‏المتعاقدان في قدم العيب فيصدق البائع.‏
ولو شرط البائع البراءة عما يحدث من العيوب قبل القبض ولو مع الموجود منها، لم ‏يصح الشرط في الأصح، لأنه اسقاط للشيء قبل ثبوته، كما لو أبرأ عن ثمن ما يبيعه له.‏
وأما الحنابلة فعندهم روايتان عن أحمد : رواية تقرر أنه لا يبرأ إلا أن يعلم المشتري ‏بالعيب، ورواية كالمالكية : تقرر أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عيب علمه.‏
واختار بعض الحنابلة أن من باع حيواناً أو غيره بالبراءة من كل عيب أو من عيب معين ‏موجود : لم يبرأ، سواء علم به البائع أو لم يعلم.‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
10-12-2004, 11:06 PM
‏14- خيار الرؤية :‏

المطلب الأول- مشروعية خيار الرؤية :‏
أجاز الحنفية خيار الرؤية في شراء مالم يره المشتري وله الخيار إذا رآه : إن شاء أخذ المبيع ‏بجميع الثمن، وإن شاء رده، وكذا إذا قال : رضيت، ثم رآه : له أن يرده، لأن الخيار معلق بالرؤية، ‏ولأن الرضا بالشيء قبل العلم بأوصافه لا يتحقق فلا يعتبر قوله : "رضيت" قبل الرؤية بخلاف قوله ‏‏: "رددت".‏
وقد استدلوا على خيار الرؤية بقوله عليه السلام فيما يرويه أبو هريرة وابن عباس رضي الله ‏عنهما : "من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه".‏
واستدلوا أيضاً بما روي أن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه باع أرضاً له من طلحة بن عبدالله ‏رضي الله عنهما، ولم يكونا رأياها، فقيل لسيدنا عثمان : "غبنت"، فقال : "لي الخيار، لأني اشتريت ‏ما لم أره" فحكّما في ذلك جبير بن مطعم، فقضى بالخيار لطلحة رضي الله عنه. رواه البيهقي ‏والطحاوي.‏
وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان إجماعاً ‏منهم على شرعية هذا الخيار.‏
واستدلوا أيضاً بالمعقول : وهو أن جهالة الوصف تؤثر في الرضا، فتوجب خللاً فيه، ‏واختلال الرضا في البيع يوجب الخيار.‏
وبناء على هذا، أجازوا بيع العين الغائبة من غير صفة، ويثبت للمشتري حينئذ خيار الرؤية، ‏أو بصفة مرغوبة، ويثبت له خيار الوصف، كما سبقت الإشارة إليه، فإذا رأى المشتري المبيع، كان ‏له الخيار فإن شاء أنفذ البيع، وإن شاء رده، سواء أكان موافقاً للصفة أم لا، فيثبت الخيار بكل حال.‏
ولم يجز الحنفية خيار الرؤية للبائع إذا باع ما لم يره كما إذا ورث عيناً من الأعيان في بلد ‏غير الذي هو فيه، فباعها قبل الرؤية، صح البيع، ولا خيار له عندهم. وقد رجع أبو حنيفة عما كان ‏يقول أولاً بأن له الخيار، كما للمشتري، وكما هو الأمر في خيار الشرط وخيار العيب.‏
والتفرقة بين البائع والمشتري في هذا أمر معقول؛ لأن البائع يعرف ما يبيعه أكثر من ‏المشتري، فلا ضرورة لثبوت الخيار له، وعليه أن يثبت قبل البيع، حتى لا يقع عليه غبن يطلب من ‏أجله فسخ العقد.‏
وأجاز المالكية خيار الوصف للمشتري فقط، فقالوا : يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت ‏غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه صفته قبل القبض، فإذا جاء على الصفة، صار العقد لازماً.‏
وكذا الحنابلة أجازوا كالمالكية خيار الوصف فقط قالوا : يجوز بيع الغائب إذا وصف ‏للمشتري، فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة السلم، لأنه بيع بالصفة، فصح كالسلم. وتحصل ‏بالصفة معرفة المبيع؛ لأن معرفته تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهراً، وهذا ‏يكفي كما يكفي في السلم، ولا يعتبر في الرؤية الاطلاع على الصفات الخفية، ومتى وجده المشتري ‏على الصفة المذكورة صار العقد لازماً، ولم يكن له الفسخ.‏
ولم يجيزوا في أظهر الروايتين بيع الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته؛ لأن الني صلى ‏الله عليه وسلم "نهى عن بيع الغرر" رواه أبو داود والترمذي. ولأنه باع مالم يره ولم يوصف له، فلم ‏يصح، كبيع النوى في التمر.‏
وأما حديث الخيار الرؤية فهو مروي عن عمر بن إبراهيم الكردي، وهو متروك الحديث، ‏ويحتمل أن يراد بالحديث : أنه بالخيار بين العقد عليه وتركه.‏
وقال الشافعي : لا ينعقد بيع الغائب أصلاً، سواء أكان بالصفة، أو بغير الصفة، لحديث أبي ‏هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الغرر" وفي هذا البيع غرر، وبما أنه من ‏أنواع البيوع، فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم، ثم إنه داخل تحت النهي عن بيع ما ليس عند ‏الإنسان أي ما ليس بحاضر أو مرئي للمشتري. وأما حديث "من اشترى مالم يره فهو بالخيار إذا ‏رآه" فهو حديث ضعيف كما قال البيهقي، وقال الدارقطني عنه "إنه باطل".‏
وبناء على الأظهر من اشتراط رؤية المبيع قالوا : تكفي رؤية المبيع قبل العقد فيما لا يتغير ‏غالباً إلى وقت العقد كالأرض والحديد، دون ما يتغير غالباً كالأطعمة، وتكفي رؤية بعض المبيع إن ‏دل على باقية، كظاهر الصبرة من حنطة ونحوها، وجوز ونحوه، وأدقة (جمع دقيق) وكأعالي ‏المائعات في أوعيتها كالدهن، وأعلى التمر في قوصرته (وعاء من قصب يجعل فيه التمر ونحوه) ‏والطعام في آنيته، وكأنموذج المتماثل أي (المتساوي الأجزاء) كالحبوب، فإن رؤيته تكفي عن رؤية ‏باقي المبيع.‏

المطلب الثاني -وقت ثبوت الخيار
يثبت الخيار للمشتري عند رؤية المبيع، لا قبلها فلو أجاز البيع قبل الرؤية : لا يلزم البيع، ‏ولا يسقط الخيار، وله أن يرد المبيع؛لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الخيار للمشتري بعد ‏الرؤية، فلو ثبت له خيار الإجازة قبل الرؤية، وأجاز، لم يثبت له الخيار بعد الرؤية، وهذا خلاف ‏نص الحديث.‏
وأما الفسخ قبل الرؤية فقد اختلف مشايخ الحنفية فيه :‏
قال بعضهم : لا يملك المشتري الفسخ، لأنه خيار قبل الرؤية، ولهذا لم يملك الإجازة قبل ‏الرؤية، فلا يملك الفسخ.‏
وقال بعضهم : يملك الفسخ وهو الصحيح، لا لسبب الخيار، لأنه غير ثابت، ولكن لأن شراء ‏مالم يره المشتري عقد غير لازم، فكان محل الفسخ، كالعقد الذي فيه خيار العيب، وعقد افعارة ‏والإيداع.‏
‏ ‏
المطلب الثالث -كيفية ثبوت الخيار
اختلف مشايخ الحنفية فيها :‏
فقال بعضهم : إن خيار الرؤية يثبت مطلقاً في جميع العمر، إلا إذا وجد ما يسقطه، وهو ‏الأصح عند الحنفية، لأنه خيار تعلق بالاطلاع على حال المبيع، فأشبه الرد بالعيب، ولأن سبب ثبوت ‏هذا الخيار هو اختلال الرضا، والحكم يبقى ما بقي سببه.‏
وقال بعضهم : إنه يثبت مؤقتاً إلى غاية إمكان الفسخ بعد الرؤية، حتى لو رآه وتمكن من ‏الفسخ بعد الرؤية، ولم يفسخ، يسقط خيار الرؤية، وإن لم توجد الأسباب المسقطة للخيار.‏
وقال الحنابلة : يكون خيار الرؤية على الفور.‏
‏ ‏
المطلب الرابع -صفة البيع الذي فيه خيار رؤية وحكمه
صفة البيع : إن شراء مالم يره المشتري غير لازم، فيخير المشتري بين الفسخ والإجازة إذا ‏رأى المبيع؛ لأن عدم الرؤية يمنع تمام الصفقة، ولأن جهالة وصف البيع تؤثر في رضا المشتري، ‏فتوجب الخيار له، تداركاً لما عساه يندم من أجله، وذلك سواء أكان المبيع موافقاً للوصف المذكور أم ‏مخالفاً له، هذا مذهب الحنفية. وقال المالكية والحنابلة : البيع لازم للمشتري إذا وجد المبيع مطابقاً ‏للصفة المذكورة، فإن كان مخالفاً لما وصف، فللمشتري الخيار.‏
حكم البيع : وأما حكم البيع فهو حكم العقد الذي لا خيار فيه، فلا يمنع ثبوت الملك في البدلين ‏أي أنه في البيع تنتقل ملكية المبيع إلى المشتري، وملكية الثمن للبائع فور تمام العقد بالايجاب ‏والقبول، ولكن يمنع لزوم العقد، بخلاف خيار الشرط.‏

المطلب الخامس -شرائط ثبوت الخيار ‏
يشترط لثبوت الخيار شروط، وإلا كان العقد لازماً، منها :‏
‏1- أن يكون محل العقد مما يتعين بالتعيين، أي أن يكون عيناً من الأعيان، فإذا لم يكن عيناً ‏لا يثبت فيه الخيار، حتى لو كان البيع مقايضة عيناً بعين يثبت الخيار لكل من البائع والمشتري إذا لم ‏ير كل منهما المبيع قبل العقد.‏
وفي بيع الدين بالدين وهو عقد الصرف : لا يثبت الخيار لكل من البائع والمشتري، لأنه لا ‏فائدة فيه، كما سنبين.‏
وفي بيع العين بالدين : يثبت الخيار للمشتري ولا خيار للبائع.‏
‏2- عدم رؤية محل العقد : فإن كان رآه قبل الشراء لا يثبت له الخيار، إذا كان لا يزال على ‏حالته التي رآه فيها، وإلا كان له الخيار لتغيره، فكان مشترياً شيئاً لم يره.‏

كيفية تحقيق الرؤية :‏
الرؤية قد تكون لجميع المبيع، وقد تكون لبعضه، والضابط فيه : أنه يكفي رؤية ما يدل على ‏المقصود، ويفيد المعرفة به.‏
وتفصيله : أنه إذا كان غير المرئي تبعاً للمرئي، فلا خيار له سواء أكان رؤية ما رآه تفيد له ‏العلم بحال مالم يره، أو لا تفيد، لأن حكم التبع حكم الأصل.‏
وإن لم يكن غير المرئي تبعاً للمرئي : فإن كان مقصوداً بنفسه كالمرئي، ينظر في ذلك :‏
إن كان رؤية ما رأى تعرف حال غير المرئي، فإنه لا خيار له أصلاً في غير المرئي إذا ‏كان غير المرئي مثل المرئي، أو فوقه؛ لأن المقصود العلم بحال الباقي، فكأنه رأى الكل.‏
وإن كان رؤية ما رأى لم تعرف حال غير المرئي، فله الخيار فيما لم يره؛ لأن المقصود لم ‏يحصل برؤية ما رأى، فكأنه لم ير شيئاً أصلاً.‏
ففي شراء الشاة للحم لابد من الجس حتى يعرف سمنها، حتى لو رآها من بعيد، فهو على ‏خياره؛ لأن اللحم مقصود من شاة اللحم، والرؤية من بعيد لا تفيد العلم بهذا المقصود، وإن اشتراها ‏للدر والنسل لابد من رؤية سائر جسدها، ومن النظر إلى ضرعها أيضاً؛ لأن الضرع مقصود من ‏الشاة الحلوب، والشياة تختلف باختلاف الضرع، والرؤية من بعيد لا تفيد العلم بالمقصود.‏
وأما البسط والطنافس : فإن كان مما يختلف وجهه وظهره، فرأى وجهه دون ظهره لا خيار ‏له، وإن رأى ظهره دون الوجه فله الخيار.‏
وأما الدور والعقارات والبساتين، فإن رأى ظاهر الدار وداخلها ورأى خارج البستان ‏ورؤوس الأشجار فلا خيار له، ولا يكتفي برؤية صحن الدار، دون الدخول إلى بيوتها في الأصح، ‏لتفاوت الدور.‏
هذا إذا كان المعقود عليه شيئاً واحداً، فإذا كان أشياء :‏
فإن كان من العدديات المتفاوتة كالدواب والثياب، كأن اشترى ثياباً في جراب أو قطيع غنم ‏أو إبلاً أو بقراً، وكالبطيخ في الشريجة والرمان والسفرجل في القفة، ونحوها، فرأى بعضها، فله ‏الخيار في الباقي؛ لأن الكل مقصود، ورؤية ما رأى لا تعرّف حال الباقي، لأنها متفاوتة.‏
وإن كان من المكيلات أو الموزونات أو العدديات المتقاربة كالجوز والبيض، فإن رؤية ‏البعض تسقط الخيار في الباقي إذا كان مالم ير مثل الذي رأى، لأن رؤية البعض من هذه الأشياء ‏تعرف حال الباقي.‏
هذا إذا كان المبيع كله في وعاء واحد، فإن كان في وعاءين : فإن كان من جنسين أو من ‏جنس واحد على صفتين فله الخيار بلا خلاف؛ لأن رؤية البعض من جنس أو على وصف لا تفيد ‏العلم بغيره.‏
وإن كان المبيع مغيباً في الأرض : لا في الوعاء، كالجزر والبصل والثوم، والفجل، ‏والبطاطا، ففيه تفصيل عند الحنفية :‏
أ- إذا كان الشيء مما يكال أو يوزن بعد القلع، كالثوم والبصل والجزر : فإن قلع المشتري ‏شيئاً بإذن البائع، أو قلع البائع برضا المشتري، سقط خيارهفي الباقي؛ لأن رؤية بعض المكيل كرؤية ‏الكل.‏
وإن حصل القلع من المشتري بغير إذن البائع، لم يكن له الخيار سواء رضي بالمقلوع، أو لم ‏يرض إذا كان المقلوع شيئاً له قيمة عند الناس لأنه بالقلع صار معياً، وإلا لاستمر في نموه وازدياده، ‏وبعد القلع لا ينمو ولا يزيد، ويتسارع إليه الفساد. وحدوث العيب في المبيع في يد المشتري بغير ‏صنعه، يمنع الرد، فمع صنعه أولى.‏
ب- وإن كان المغيب في الأرض مما يباع عدداً، كالفجل والجوز ونحوهما فرؤية البعض لا ‏تكون كرؤية الكل؛ لأن هذا كالعدديات المتفاوتة، فلا تكفي رؤية البعض، كما في الثياب.‏
وإن قلع المشتري شيئاً بغير إذن البائع، سقط خياره لأجلا العيب إذا كان المقلوع شيئاً له ‏قيمة، فإن لم يكن له قيمة، فلا يسقط خياره لأنه لا يتحقق به العيب.‏
قال أبو حنيفة : المشتري بالخيار إذا قلع الكل أو البعض.‏
وقال بعض الحنفية : إذا قلع المشتري شيئاً يستدل به على الباقي، فرضي به، فهو لازم له.‏
وإذا كان المبيع دهناً في قارورة، فرأى خارج القارورة، فعن الحنفية روايتان :‏
الرواية الأولى : أنه تكفي الرؤية، ويسقط الخيار؛ لأن الرؤية من الخارج تفيد العلم بالداخل، ‏فكأنه رأى الدهن خارج القارورة.‏
والرواية الثانية : أن له الخيار لأن العلم بما في داخل القارورة لا يحصل بالرؤية من خارج ‏القارورة؛ لأن ما في الداخل يتلون بلون القارورة، فلا يحصل المقصود من هذه الرؤية.‏
والرؤية عند بعضهم لا تحصل بالمرآة أو بالماء، فإذا رأى المشتري المبيع بالمرآة، فلا ‏يسقط خياره، لأنه لم ير عين المبيع، وإنما رأى مثاله. والأصح أنه رأى عين المبيع لا غير المبيع.‏
وبناء عليه لو اشترى سمكاً في بحرة صغيرة يمكن أخذه منها من غير اصطياد وحيلة، حتى ‏جاز البيع، فرآه في الماء، ثم أخذه : قال بعضهم : يسقط خياره لأنه رأى عين المبيع.‏
وقال بعضهم : لا يسقط خياره، وهو الصحيح، لأن الشيء لا يرى في الماء كما هو، بل يرى ‏أكثر مما هو، فلم يحصل المقصود بهذه الرؤية، وهو معرفته على حقيقته، فله الخيار.‏
وقال المالكية : يجوز بيع مغيب الأصل كالجزر والبصل واللفت والكرنب والقلقاس بشرط ‏رؤية ظاهره، وقلع شيء منه ويرى، وأن يحزر إجمالاً، ولا يجوز بيع شيء منه من غير حزر ‏بالقيراط أو الفدان أو القصبة.‏
وقال الشافعية والحنابلة : لا يجوز بيع شيء مغيب في الأرض كالفجل والجزر والبصل ‏والثوم؛ لأنه بيع مجهول مشتمل على الغرر.‏

البيع بالنموذج : قد يرى المشتري بعض المبيع دون سائره، فيصح البيع ويلزم عند جمهور ‏الفقهاء إن كان المرئي يدل على غير المرئي دلالة كاملة، ونذكر هنا حكم البيع بالنموذج عند الفقهاء ‏باعتباره صورة متعارفة من صور البيع برؤية بعض المبيع.‏
مثاله : أن يشتري شخص كمية كبيرة من القمح بعد أن يرى نموذجاً منه. وهذا لا يكون إلا ‏في المثليات كالحبوب والأقطان والكتان ونحوها.‏
وحكمه : أنه يجوز عند الحنفية والمالكية والشافعية، ولا يجوز عند الحنابلة.‏
قال الحنفية : يجوز بيع المكيل والموزون برؤية بعضه، لجريان العادة بالاكتفاء بالبعض في ‏الجنس الواحد، ولوقوع العلم به بالباقي، إلا إذا كان الباقي أرادأ، فيكون للمشتري الخيار فيه، وفيما ‏رأى لئلا يلزم تفريق الصفقة قبل تمام البيع. والأصح أن هذه الرؤية للبعض تكفي سواء أكان المبيع ‏في وعاء واحد أم في وعاءين كما قدمنا.‏
ويلاحظ أن الثياب أصبحت في وقتنا الحاضر من المثليات.‏
وقال المالكية : يجوز البيع برؤية بعض المثلي من مكيل وموزون كقطن وكتان، بخلاف ‏القيمي كعدل مملوء من القماش فلا يكفي رؤية بعضه على ظاهر المذهب.‏
وقال الشافعية : في بيع النموذج ثلاثة أوجه : أحدها الصحة، والثاني البطلان، وأصحها : إن ‏دخل النموذج في البيع، صح، وإلا فلا.‏
وقال الحنابلة : لا يصح بيع النموذج، فلو رأى البائع المشتري صاعاً من صبرة قمح مثلاً، ثم ‏باعه الصبرة على أنها من جنسه، فلا يصح البيع، لأنه يشترط عندهم رؤية المتعاقدين المبيع رؤية ‏مقارنة للبيع، وذلك برؤية جميع المبيع أو بعض منه يدل على بقيته، كأحد وجهي ثوب غير منقوش، ‏وظاهر صبرة متساوية الأجزاء من حب وتمر، وما في ظروف من جنس متساوي.‏

التوكيل بالنظر والرؤية أو بالقبض : لو وكل المشتري رجلاً بالنظر إلى ما اشتراه، ولم يره ‏فيلزم العقد إن رضي، ويفسخ العقد إن شاء؛ لأن الوكيل يقوم مقام الموكل في النظر؛ لأنه جعل الرأي ‏اليه.‏
وأما إذا وكله بقبض ما اشتراه قبل رؤيته، فتقوم رؤية الوكيل مقام رؤية الموكل، فيسقط ‏خياره عند أبي حنيفة.‏
ويرى أبو حنيفة أنه لا فرق بين الوكيل بقبض الشيء المشترى وبين الوكيل بالشراء، ورؤية ‏هذا كافية عن رؤية الموكل، وبها يسقط الخيار إجماعاً؛ لأن الوكيل بالشيء وكيل باتمام الشيء، ومن ‏تمام القبض إسقاط الخيار.‏
واتفق الحنفية على أنه إذا أرسل المشتري رسولاً بقبض المبيع، فرآه الرسول ورضي به، ‏كان المرسل على خياره. والفرق بين الوكيل والرسول : هو أن الوكيل أصل في نفس القبض، وإنما ‏الواقع للموكل حكم فعله، فكان إتمام القبض إلى الوكيل. أما الرسول فهو نائب في القبض عن ‏المرسل، فكان قبضه قبض المرسل، فإتمام القبض إلى المرسل.‏
واتفقوا في خيار العيب على أنه إذا وكل رجلاً بقبض المبيع، فقبض الوكيل وعلم بالعيب ‏ورضي به : لا يسقط خيار الموكل.‏
وقال الشافعية : الاعتبار في رؤية المبيع وعدمها بالعاقد.‏
‏ ‏
والذي تخلص منه في تحقق رؤية المبيع : أن الرؤية المقصودة ليست هي النظر بالعين ‏خاصة، وإنما تكون في كل شيء بحسبه، وبالحاسة التي يطلع بها على الناحية المقصودة منه فشم ‏المشمومات، وذوق المطعومات ولمس ما يعرف باللمس، وجس مواطن السمن في شاة الذبح وإن لم ‏ينظر لونها، وجس الضرع في شاة اللبن : يعد رؤية كافية في هذه الأشياء، وإن لم تشترك العين فيها، ‏ولا يكفي النظر بالعين فقط كما أوضحنا تفصيله.‏
وهذا بالنسبة للبصير. وكذا الأعمى يعد اطلاعه على هذه الأشياء التي تعرف بغير حاسة ‏النظر رؤية كافية كاطلاع البصير، فيكتفي بالجس فيما يجس، والذوق فيما يذاق، والشم فيما يشم، ‏وأما ما يعرف بالنظر فوصفه للأعمى يقوم مقام نظره.‏
فإن اشترى الأعمى ثماراً على رؤوس الشجر، فيعتبر الوصف لا غير، في أشهر الروايات.‏
وإذا اشترى الأعمى داراً أو عقاراً، فالأصح من الروايات أنه يكتفي بالوصف.‏
وعند زوال العمى : لا يعود له الحق في الخيار؛ لأن الوصف في حقه كالبديل أو "الخلف" ‏عن الرؤية، لعجزه عن الأصل، والقدرة على الأصل بعد حصول المقصود بالبديل، لا ببطل حكم ‏البديل، كمن صلى بطهارة التيمم، ثم قدر على الماء ونحوه.‏
أما البصير لو اشترى شيئاً لم يره فوصف له، فرضي به فلا يسقط خياره، لأنه لا عبرة ‏للبديل مع القدرة على الأصل.‏
‏ ‏
الاختلاف في الرؤية :‏
لو اختلف البائع والمشتري، فقال البائع : "بعتك هذا الشيء، وقد رأيته" وقال المشتري : "لم ‏أره" فالقول قول المشتري بيمينه؛ لأن البائع يدعي إلزام العقد، والمشتري منكر، فيكون القول قوله، ‏ولكن بيمينه؛ لأن البائع يدعي عليه سقوط حق الفسخ ولزوم العقد، وهذا مما يصح الإقرار به، ‏فيجري فيه الاستحلاف.‏
‏ ‏
الرؤية منذ زمن :‏
من رأى شيئاً ثم اشتراه بعد مدة كشهر، ونحوه : فإن كان على الصفة التي رآه عليها، فلا ‏خيار له، لأن العلم بأوصافه حاصل له بالرؤية السابقة. وإن وجده متغيراً فله الخيار، لأن تلك الرؤية ‏لم تقع مُعْلِمة بأوصافه، فكانت رؤيته وعدمها سواء.‏
فإن اختلف البائع والمشتري في التغير، فقال البائع : "لم يتغير" وقال المشتري : "تغير" ‏فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأن دعوى التغير دعوى أمر حادث، والأصل عدمه، فلا تقبل إلا ببينة، ‏بخلاف ما إذا اختلف في الرؤية يكون القول للمشتري مع يمينه كما بينا؛ لأن البائع يدعي أمراً ‏عارضاً : هو العلم بصفة المبيع.‏

المطلب السادس -مسقطات الخيار‏
‏ لا يسقط خيار الرؤية بالإسقاط الصريح، كأن يقول المشتري : "أسقطت خياري" لا قبل ‏الرؤية ولا بعدها، بخلاف خيار الشرط، وخيار العيب.‏
والفرق هو أن خيار الرؤية ثبت شرعاً، لحكمة فيه، فلا يملك الإنسان إسقاطه، كما في خيار ‏الرجعة بالنسبة للمرأة المطلقة، فإن الإنسان لا يملك إسقاطه لثبوته شرعاً، ما دامت المرأة في العدة، ‏بخلاف خيار الشرط، فإنه يثبت بشرط المتعاقدين، فجاز أن سقط باسقاطهما. وكذلك خيار العيب: فإن ‏سلامة المبيع مشروطة عادة من المشتري، فكان ذلك كالمشروط صراحة.‏
وإنما يسقط خيار الرؤية ويلزم البيع بأحد نوعين : فعل اختياري أو ضروري، والاختياري ‏نوعان : صريح الرضا ونحوه، ودلالة الرضا.‏
فالصريح : كأن يقول : "أجزت البيع، أو رضيت أو اخترت" أو ما يجري مجرى الصريح، ‏سواء علم البائع بالإجازة أم لم يعلم.‏
ودلالة الرضا : هو أن يوجد تصرف في المبيع بعد الرؤية لا قبلها يدل على الإجازة ‏والرضا، كما إذا قبض المبيع بعد الرؤية، لأن القبض بعد الرؤية دليل الرضا بلزوم البيع؛ لأن ‏للقبض شبهاً بالعقد.‏
وبناء عليه : إذا وهب المشتري المبيع من غيره ولم يسلمه أو عرضه على البيع ونحوهما ‏قبل الرؤية : لا يسقط الخيار؛ لأنه لا يسقط بصريح الرضا في هذه الحالة، فكذا لا يسقط بدلالة ‏الرضا.‏
ولو رهن المشتري المبيع وسلمه أو آجره من رجل، أو باعه، على أن المشتري بالخيار : ‏سقط خياره، قبل الرؤية وبعدها، حتى إن المشتري لو افتك الرهن بدفع الدين، أو مضت مدة الإجارة، ‏أو رده على المشتري بخيار الشرط، ثم رآه لا يكون له الرد بخيار الرؤية، لأنه أثبت حقاً لازماً لغيره ‏بهذه التصرفات، فيكون من ضرورته لزوم الملك له، وذلك بامتناع ثبوت الخيار، فيبطل ضرورة ‏لأنه لا فائدة فيه.‏
وأما الفعل الضروري المسقط لخيار الرؤية : فهو كل ما يسقط به الخيار، ويلزم البيع ‏ضرورة من غير صنع المشتري، مثل موت المشتري عند الحنفية، خلافاً للشافعي كما بينا في خيار ‏الشرط.‏
ومثل : إجازة أحد الشريكين دون الآخر ما اشترياه ولم يرياه عند أبي حنيفة.‏
وكذا هلاك المبيع كله، أو بعضه، وزيادته منفصلة أو متصلة متولدة، أو غير متولدة على ‏التفصيل السابق ذكره في خيار الشرط.‏

المطلب السابع -ما ينفسخ به العقد وشروط الفسخ
ما ينفسخ به العقد: ينفسخ العقد بسبب خيار الرؤية بالتصريح بالفسخ ونحوه، كأن يقول، ‏فسخت العقد، أو نقضته، أو رددته، ونحوه مما يجري هذا المجرى، أو بهلاك المبيع قبل القبض، ‏لذهاب ركن البيع.‏
شروط الفسخ : يشترط لصحة الفسخ شروط :‏
‏1- أن يكون الخيار موجوداً؛ لأن الخيار إذا سقط بشيء مما تقدم، لزم العقد، فلا يحتمل ‏النقض بالفسخ.‏
‏2- ألا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة على البائع، برد بعض المبيع وإجازة العقد في ‏البعض الآخر؛ لأن التفريق ضرراً عليه، ولأن خيار الرؤية -قبل القبض وبعده- يمنع تمام الصفقة، ‏وتجزئتها قبل تمامها باطل بلا ريب.‏
‏3- أن يعلم البائع بالفسخ، ليكون على بينة من أمره، وأمر سلعته ليتصرف فيها كما يريد، ‏وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. أما أبو يوسف : فلا يشترط علم البائع، على ما تقدم في خيار الشرط.‏
ويلاحظ أخيراً أن خيار الرؤية لا يورث كما لا يورث خيار الشرط إذا مات المشتري مثلاً ‏بعد ثبوت الخيار له، لأن "الخيار ثبت بالنص للعاقد، والوارث ليس بعاقد، فلا يثبت له، لأن الخيار ‏وصف له، فلا يجري فيه الإرث" كما قال الزيلعي والحنابلة.‏
وقال مالك : يورث خيار الرؤية، كما يورث خيار التعيين والعيب؛ لأن الإرث كما يثبت في ‏الأملاك، يثبت في الحقوق الثابتة بالبيع.‏
وهذا أقرب إلى المنطق؛ لأن الوراث يخلف المورث في كل ما ترك من مال وحقوق منها ‏حق الخيار.‏