المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإعجاز البلاغى والبيانى والتشريعى فى القرآن



أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:22 PM
قضية الإعجاز البياني
‏ ‏
( منقول )



قضية الإعجاز البياني بدأت تفرض وجودها على العرب من أول المبعث ، فمنذ تلا ‏المصطفى عليه الصلاة و السلام في قومه ما تلقى من كلمات ربه ، أدركت قريش ما ‏لهذا البيان القرآني من إعجاز لا يملك أي عربي يجد حسَّ لغته و ذوقها الأصيل ، ‏سليقة و طبعاً ، إلا أن يسلم بأنه ليس من قول البشر. ‏
من هنا كان حرص طواغيت الوثنية من قريش ، على أن يحولوا بين العرب و بين ‏سماع هذا القرآن . فكان إذا أهل الموسم و آن وفود العرب للحج ، ترصدوا لها عند ‏مداخل مكة ، و أخذوا بسبل الناس لا يمر بهم أحد حذروه من الإصغاء إلى ما جاء به ‏محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من كلام قالوا إنه السحر يفرق بين المرء و ‏أبيه و أخيه ، و بين المرء و زوجه وولده و عشيرته . ‏
و ربما وصلت آيات منه إلى سمع أشدهم عداوة للإسلام، فألقى سلاحه مصدقاً و ‏مبايعاً ، عن يقين بأن هذه الكلمات ليست من قول البشر. ‏
حدثوا أن " عمر بن الخطاب " خرج ذات مساء متوشحاً سيفه يريد رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم و رهطاً من أصحابه ، في بين عنده " الصفا " سمع أنهم مجتمعون ‏فيه ، فلقيه في الطريق من سأله : ‏
ـ أين تريد يا عمر ؟ ‏
أجاب : أريد محمداً هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش و سفه أحلامها وعاب دينها ‏وسب آلهتا ، فأقتله . ‏
قال له صاحبه : ‏
ـ غرتك نفسك يا عمر ! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض و قد قتلت ‏محمداً ؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟ ‏
سأله عمر ، وقد رابه ما سمع : ‏
ـ أي أهل بيتي تعني؟ ‏
فأخبره أن صهره و ابن عمه " سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل " قد أسلم . ‏
و كذلك أسلمت زوجته ، أخت عمر " فاطمة بنت الخطاب". ‏
فأخذ " عمر " طريقه إلي بيت صهره مستثار الغضب ، يريد أن يقتله و يقتل زوجته ‏فاطمة . فما كاد يدنو من الباب حتى سمع تلاوة خافتة لآيات من سورة طه ، فدخل ‏يلح طلب الصحيفة التي لمح أخته تخفيها عند دخوله ....‏
و انطلق من فوره إلي البيت الذي اجتمع فيه المصطفى بأصحابه ، فبايعه ، وأعز الله ‏الإسلام بعمر ، وقد كان من أشد قريش عداوة للإسلام و حرباً للرسول . [سيرة بن ‏هشام ] .‏
و في حديث بيعة العقبة ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم ندب صاحبه " مصعب بن ‏عمير " ليذهب مع أصحاب العقبة إلى يثرب ، ليقرئهم القرآن و يعلمهم الإسلام . ‏فنزل هناك على " أسعد بن زراة " الأنصاري الخزرجي . ‏
فحدث أن خرجا يوماً إلى حي بني عبد الأشهل رجاء في أن يسلم بعض القوم . فما ‏سمع كبير الحي " سعد بن معاذ ، و أسيد بن حضير" بقدم مصعب و أسعد ، ضاقا ‏بهما و أنكرا موضعهما من الحي ، قال سعد بن معاذ لصاحبه أسيد بن حضير : " لا ‏أبا لك ! انطلق على هذين الرجلين فأزجرهما و انهما عن أن يأتيا دارينا . فإنه لولا ‏أن أسعد بن زرارة منى حيث علمت ، كفيتك ذلك : هو ابن خالتي و لا أجد عليه ‏مقدماً" . ‏
و التقط أسيد بن حضير حربته ومضى إلى صاحبي رسول الله فزجرهما متواعداً : ‏
ـ ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بنفسيكما حاجة . ‏
قال له مصعب بن عمير : ‏
ـ أو تجلس فتسمع ، فإن رضيت أمراً قبلته ، و إن كرهته كُفَّ عنك ما تكره ؟
فركَّز أسيد حربته و اتكأ عليها يصغي إلى ما يتلو مصعب من القرآن . ثم أعلن ‏إسلامه من فوره ، وعاد إلى قومه فعرفوا أنه جاء بغير الوجه الذي ذهب به . و ما ‏زال أسيد بسعد بن معاذ حتى صحبه إلى ابن خالته أسعد بن زرارة ، فبادره سعد ‏سائلاً في غضب و إنكار : ‏
‏" يا أبا أمامة ، لولا ما بيني و بينك من القرابة ما رمت هذا مني . أتغشانا في دارنا ‏بما نكره ؟ " .‏
ولم يجب أبو أمامه ، بل أشار على صاحبه " مصعب " الذي استهل سعد بن معاذ ‏حتى يسمع منه ، ثم تلا آيات من معجزة المصطفى ، نفذت إلى قلب ابن معاذ فمزقت ‏عنه حجب الغفلة و غشاوة الضلال . و أعلن إسلامه و عاد إلى قومه فسألهم : يا بني ‏عبد الأشهل ، كيف تعلمون أمري فيكم ؟ ‏
أجابوا جميعاً : سيدنا ، و أفضلنا رأياً ، و أيمننا فيكم ؟ ‏
فأجابوا جميعاً : سيدنا ، وأفضلنا رأياً ، و أيمننا نقيبة .‏
فعرض عليم الإسلام " فو الله ما أمسى في حي بني عبد الأشهل رجل أو امرأة إلا ‏مسلماً و مسلمة "[سيرة بن هشام ]. ‏
هل فرض القرآن إعجازه على هؤلاء الذين استنارت بصائرهم فآمنوا بمعجزة ‏المصطفى بمجرد سماعهم آيات منها ، دون غيرهم ممن لجوا في العناد و التكذيب ؟ ‏
إن القرآن لم يفرض إعجازه البياني من أول المبعث ، على هؤلاء الذين سبقوا إلى ‏الإيمان به فحسب ، بل فرضه كذلك على من ظلوا على سفههم و شركههم ، عناداً و ‏تمسكاً بدين الآباء و نضالاً عن أوضاع دينية و اقتصادية و اجتماعية لم يكونوا لم ‏يكونوا يريدون لها أن تتغير .‏
و في الخبر أن من طواغيت قريش و صناديد الوثنية العتاة من كانوا يتسللون في ‏اوئل عصر المبعث خفية عن قومهم ، ليسعوا آيات هذا القرآن دون أن يملكوا إرادتهم ‏‏. ‏
روى " ابن إسحاق " في السيرة أن أبا سفيان بن حرب العبشي ، و أبا جهل ابن ‏هشام المخزومي ، والأخنس بن شريق الزهري ، خرجوا ذات ليهة متفرقين على ‏غير موعد ، إلى حيث يستمعون من رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يصلى و ‏يتلو القرآن في بيته . فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه ، و لا أحد منهم يعلم ‏بمكان صاحبيه . فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق ‏فتلاوموا و قال بعضهم لبعض : ‏
‏" لا تعودوا ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً " ثم انصرفوا . ‏
حتى إذا كانت الليلة التالية ، عاد كل منهم إلى مجلسه لا يدري بمكان صاحبيه . ‏
فباتوا يستمعون للمصطفى حتى طلع الفجر فتفرقوا و جمعهم الطريق فتلاوموا ، ‏وانصرفوا على ألا يعودوا . ‏
لكنهم عادوا فتسللوا في الليلة الثالثة و باتوا يستعمون إلى القرآن[سيرة بن هشام ].‏

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:23 PM
إعجاز النظم في القرآن الكريم
‏ ‏
لإعجاز النظم عدة مظاهر تتجلى فيها : ‏
المظهر الأول : " الخصائص المتعلقة بالأسلوب " ‏
و إليك هذه الخصائص :‏
الخاصة الأولى : إن هذا الأسلوب يجري عن نسق بديع خارج عن المعروف من ‏نظام جميع كلام العرب ، و يقوم في طرقته التعبيرية على أساس مباين للمألوف ‏من طرائقهم . بيان ذلك أن جميع الفنون التعبيرية عند العرب لا تعدو أن تكون ‏نظما أو نثرا ، وللنظم أعاريض ، وأوزان محددة معروفة ، و للنثر طرائق من ‏السجع ، و الإرسال و غيريهما مبينة و معروفة . و القرآن ليس على أعاريض ‏الشعر في رجزه و لا في قصيده ، وليس على سنن النثر المعروف في إرساله و ‏لا في تسجيعه ، إذ هو لا يلتزم الموازين المعهودة في هذا و لا ذاك ، و لكنك مع ‏ذلك تقرأ بضع آيات منه فتشعر بتوقيع موزون ينبعث من تتابع آياته ، بل يسري ‏في صياغته ، و تألف كلماته ، و تجد في تركيب حروفه تنيسقاً عجيباً يؤلف ‏اجتماعها إلى بعضها لحنا مطرباً يفرض نفسه على صوت القارئ العربي كيفما ‏قرأ ، طالما كانت قراءته صحيحة . و مهما طفت بنظرك في جوانب كتاب الله ‏تعالى و مختلف سوره وجدته مطبوعاً على هذا النسق العجيب فمن أجل ذلك تحير ‏العرب في أمره ، إذ عرضوه على موازين الشعر فوجدوه غير خاضع لأحكامه ، ‏و قارنوه بفنون النثر فوجدوا غير لاحق بالمعهود من طرائفه فكان أن انتهى ‏الكافرون منهم إلى أنه السحر ، واستيقن المنصفون منهم بأنه تنزيل من رب ‏العالمين . و إليك أيها القارئ الكريم بعض الأمثلة التي توضح هذه الحقيقة ، و ‏تجلبها ، قال تعالى : " بسم الله الرحمن الرحيم ، حم تنزيل من الرحمن الرحيم ، ‏كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون ، بشيراً و نذيراً فأعرضوا أكثرهم ‏فهم لا يستمعون ، و قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ، وفي آذاننا وقر ، و من ‏بيننا و بينك حجاب فاعمل إننا عاملون ، قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما ‏إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه و استغفروه وويل للمشركين " [سورة فصلت : 1ـ ‏‏5].‏
و هذه الآيات بتأليفها العجيب ، و نظمها البديع حينما سمعها عتبة بن أبي ربيعة و ‏كان من أساطين البيان استولت على أحاسيسه ، و مشاعره ، وطارت بلبه ، ‏ووقف في ذهول ، و حيرة ، ثم عبر عن حيرته و ذهوله بقوله : " و الله لقد ‏سمعت من محمد قولاً ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر و لا بالسحر و لا ‏بالكهانة ...و الله ليكونن لقوله الذي سمعته نبأ عظيم" . ‏
و إليك سورة من سوره القصار تتجلى فيها هذه الحقيقة أمام العيان من ينكرها ‏فكأنما ينرك الشمس في وضح النهار. ‏
بسم الله الرحمن الرحيم : " و الشمس وضحاها ، والقمر إذا تلاها ، و النهار إذا ‏جلاها ، والليل إذا يغشاها ، والسماء و ما بناها ، قد أفلح من زكاها ، وقد خاب ‏من دساها ، كذبت ثمود بطغواها ، إذا انبعث أشقاها ، فقال لهم رسول الله ناقة الله ‏و سقياها ، فكذبوه فعقروها فدمم عليهم ربهم بذنبهم فسواها و لا يخاف عقباها " ‏‏[سورة الشمس ].‏
تأمل هذه الآيات ، و كلماتها ، و كيف صيغت هذه الصياغة العجيبة ؟ و كيف ‏تألفت كلماتها و تعانقت جملها ؟ و تأمل هذا النغم الموسيقي العذب الذي ينبع من ‏هذا التالف البديع ، إنه إذا لامس أوتاد القلوب : أهتزت له العواطف ن و تحركت ‏له المشاعر ، و أسال الدموع من العيون ، و خرت لعظمته جباه أساطين البيان ، ‏أشهد أنه النظم الإلهي الذي لا يقدر على مثله مخلوق . ‏
و هذه الحقيقة توجد في سائر كتاب الله لا تتخلف في سورة من سوره و لا في ‏آياته ، و من أجل ذلك عجز أساطين البيان عن الإتيان بأقصر من مثله . ‏
و في هذا يقول الرافعي رحمه الله : " و ذلك أمر متحقق بعد في القرآن الكريم : ‏يقرأ الإنسان طائفة من آياته ، فلا يلبث أن يعرف لها صفة من الحس ترافد ما ‏بعدها و تمده ، و فلا تزال هذه الصفة في لسانه ، و لو استوعب القرآن كله ،حتى ‏لا يرى آية قد أدخلت الضيم على أختها ، أو نكرت منها ، أو أبرزتها عن ظل ‏هي فيه ، أو دفعنها عن ماء هي إليه : و لا يرى ذلك إلا سواء و غاية في الروح ‏و النظم و الصفة الحسية ، و لا يغتمض في هذا إلا كاذب على دخله و نية ، و لا ‏يهجن منه إلا أحمق على جهل و غرارة ، و لا يمتري فيه إلا عامي أو أعجمي و ‏كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون " [إعجاز القرآن للرافعي : ص 275].‏
الخاصة الثانية : هي أن التعبير القرآني يظل جارياً على نسق واحد من السمو في ‏جمال اللفظ ، و عمق المعنى و دقة الصياغة و روعة التعبير ، رغم تنقله بين ‏موضوعات مختلفة من التشريع و القصص و المواعظ و الحجاج والوعود ‏والوعيد و تلك حقيقة شاقة ، بل لقد ظلت مستحيلة على الزمن لدى فحول علماء ‏العربية و البيان . ‏
و بيان ذلك ان المعنى الذي يراد عرضه ، كلما أكثر عموما و أغنى أمثلة و ‏خصائص كان التعبير عنه أيسر ، و كانت الألفاظ أليه أسرع ، وكلما ضاق ‏المعنى و تحدد ، و دق و تعمق كان التعبير عنه أشق ، و كانت الألفاظ من حوله ‏أقل .‏
و لذا كان أكثر الميادين الفكرية التي يتسابق فيها أرباب الفصاحة و البيان هي ‏ميادين الفخر و الحماسة و الموعظة و المدح و الهجاء ، و كانت أقل هذه الميادين ‏اهتماماً منهم ، و حركة بهم ميادين الفلسفة و التشريع و مختلف العلوم ، وذلك هو ‏السر في أنه قلما تجد الشعر يقتحم شيئاً من هذه الميادين الخالية الأخرى . ‏
و مهما رأيت بليغاً كامل البلاغة و البيان ، فإنه لا يمكن أن يتصرف بين مختلف ‏الموضوعات و المعاني على مستوى واحد من البيان الرفيع الذي يملكه ، بل ‏يختلف كلامه حسب اختلاف الموضوعات التي يطرقها ، فربما جاء بالغاية ووقف ‏دونها ، غير أنك لا تجد هذا التفاوت في كتاب الله تعالى ، فأنت تقرأ آيات منه في ‏الوصف ، ثم تنتقل إلى آيات أخرى في القصة ، و تقرأ بعد ذلك مقطعاً في ‏التشريع و أحكام الحلال و الحرام ، فلا تجد الصياغة خلال ذلك إلا في أوج رفيع ‏عجيب من الإشراق و البيان .و تنظر فتجد المعاني كلها لاحقة بها سامخة إليها . ‏و دونك فأقرأ ما شئت من هذا الكتاب المبين متنقلا بين مختلف معانيه ، و ‏موضوعاته لتتأكد من صدق ما أقول ، ولتلمس برهانه عن تجربة و نظر [عن ‏من كتاب روائع القرآن :للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ] . ‏
و يقول في معرض حديثة عن " روح التركيب " في أسلوب القرآن : لا ترى غير ‏صورة واحدة من الكمال ، و إن اختلفت أجزاؤها في جهات التركيب و موضع ‏التأليف و ألوان التصوير و أغراض الكلام " [إعجاز القرآن ص274 و كتاب ‏تاريخ الأدب العربي للرافعي 241] . ‏
و يقول في معرض حديثه عن " روح التركيب " في أسلوب القرآن : "و هذه ‏الروح لم تعرف قط في كلا عربي غير القرآن ، و بها انفرد نظمه ، و خرج مما ‏يطيقه الناس ، و لولاها لم يكن بحيث هو ، كأنما وضع جملة واحدة ليس بين ‏أجزائها تفاوت أو تباين ، إذ نراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة ، و تأليفها ، ‏ثم إلى تأليف هذا النظم ، فمن هنا تعلق بعضه على بعض ، و خرج في معنى تلك ‏الروح صفة واحدة هي صفة إعجازه في جملة التركيب ، و أن العبارات على ‏جملة ما حصل به من جهات الخطاب : كالقصص و المواعظ و الحكم و التعليم ، ‏ضرب الأمثال إلى نحوها مما يقدر عليه . ‏
و لولا تلك الروح لخرج أجزاء متفاوتة على مقدار ما بين هذه المعاني ، و ‏موقعها في النفوس ، و على مقدار ما بين الالفاظ و الأساليب التي تؤديها حقيقة و ‏مجازا ، كما تعرف من كلام البلغاء ، عند تباين الوجوه التي يتصرف فهيا ، على ‏أنهم قد رفهوا عن أنفسهم و كفوها أكبر المؤنة فلا يألون أن يتوخوا بكلامهم إلى ‏أغراض و معان يعذب فيها الكلام و يتسق القول و تحسن الصنعة مما يكون أكبر ‏حسنة في مادته اللغوية ، و ذلك شائع مستفيض في مأثور الكلام إلي غيره ، و ‏افضوا بالكلام إلى المعنى ما يشبه في اثنين متقابلين من الناس منظر قفا إلى وجه ‏
و على أننا لم نعرف بليغاً من البلغاء تعاطى الكلام في باب الشرع و تقرير النظر ‏، و تبيين الأحكام و نصب الأدلة و أقام الأصول و الاحتجاج لها و الرد على ‏خلافها إلا جاء بكلام نازل عن طبقة كلامه في غير هذه الأبواب ، و أنت قد ‏تصيب له في غيرها اللفظ الحر و الأسلوب الرائع و الصنعة المحكمة و البيان ‏العجيب ، والمعرض الحسن فإذا صرت إلى ضروب من تلك المعاني ، وقعت ‏ثمة على شيء كثير من اللفظ المستكره ، والمعنى المستغلق ، و السياق ‏المضطرب و الأسلوب المتهافت و العبارة المبتذلة ، و على النشاط متخاذلا ، و ‏العرى محلولة ، والوثيقة واهنة " [كتاب إعجاز القرآن للرافعي ] . ‏
الخاصة الثالثة : أن معانيه مصاغة بحيث يصلح أن يخاطب بها الناس كلهم على ‏اختلاف مداركهم و ثقافتهم و على تباعد أزمنتهم و بلدانهم ، و مع تطور علومهم ‏و اكتشافاتهم .‏
خذ آية من كتاب الله مما يتعلق بمعنى تتفاوت في مدى فهمه العقول ، ثم اقرأها ‏على مسامع خليط من الناس يتفاوتون في المدارك ، والثقافة ، فستجد ان الآية ‏تعطي كلا منهم معناها بقدر ما يفهم ، و أن كلا منهم يستفيد منها معنى وراء الذي ‏انتهي عنده علمه . ‏
و في القرآن الكثير من هذا و ذاك فلنعرض أمثلة منه : ‏
من القبيل الأول قوله تعالى : " تبارك الذي جعل في السماء روجاً و جعل فيها ‏سراجاً و قمراً منيراً " فهذه تصف كلا من الشمس و القمر بمعنيين لهما سطح ‏قريب يفهمه الناس كلهم ، و لها عمق يصل إليه المتأملون و العلماء ، و لها جذور ‏بعيدة يفهمها الباحثون و المتخصصون ، والآية تحمل بصياغتها هذه الدرجات ‏الثلاثة للمعنى ، فتعطي طاقته و فهمه . ‏
فالعامي من العرب يفهم منها ان كلا من الشمس و القمر يبعثان بالضياء إلى ‏الأرض ، وإنما غاير في التعبير عنه بالنسبة لكل منهما تنويعاً للفظ ، و هو معنى ‏صحيح تدل عليه الآية ، و المتأمل من علماء العربية يدرك من وراء ذلك أن الآية ‏تدل على أن الشمس تجمع إلى النور الحرارة فلذلك سماها سراجاً ، والقمر يبعث ‏بضياء لا حرارة فيه . ‏
الخاصة الرابعة : و هي ظاهرة التكرار . ‏
وفي القرآن من هذه الظاهرة نوعان : ‏
أحدهم : تكرار بعض الألفاظ او الجمل . ‏
و ثاينهما : تكرار بعض المعاني كالأقاصيص ، والأخبار . ‏
فالنوع الأول : يأتي على وجه التوكيد ، ثم ينطوي بعد ذلك على نكت بلاغية ، ‏كالتهويل ، والإنذار , التجسيم و التصوير و للتكرار أثر بالغ في تحقيق هذه ‏الأغراض البلاغية في الكلام ، و من أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى : " ‏الحاقة ما الحاقة ، و ما أدراك ما الحاقة ، كذبت ثمود و عاد بالقارعة " و قوله ‏تعالى : " سأصليه سقر ، و ما أدراك ما سقر ، لا تبقي و لا تذر " و قوله تعالى : ‏أولئك الذين كفروا بربهم ، و أولئك الأغلال في أعناقهم ، وأولئك أصحاب النار " ‏و قوله تعالى : " و ما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ، و ما أنت بمسمع من في ‏القبور " . ‏
و النوع الثاني : و هو تكرار بعض القصص و الأخبار يأتي لتحقيق غرضين ‏هامين : ‏
الأول : إنهاء حقائق و معاني الوعد و الوعيد إلى النفوس بالريقة التي تألفها ، و ‏هي تكرار هذه الحقائق في صور و أشكال مختلفة من التعبير و الأسلوب ، ولقد ‏أشار القرآن إلى هذا الغرض بقوله : " و لقد صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو ‏يحدث لهم ذكرا" [سورة طه 113].‏
الثاني : إخراج المعنى الواحد في قوالب مختلفة من الألفاظ و العبارة ، و بأساليب ‏مختلفة تفصيلاً و إجمالاً ، الكلام في ذلك حتى يتجلى إعجازه ، و يستبين قصور ‏الطاقة البشرية عن تقليده أو اللحاق بشأوه ، إذ من المعلوم أن هذا الكتاب إنما ‏تنزل للإقناع العقلاء ، من الناس بأنه ليس كلام بشر ، و لإلزامهم بالشريعة التي ‏فيه ، فلابد فيه من الوسائل التي تفئ بتحقيق الوسيلة إلى كلا الأمرين . ‏
و من هنا كان من المحال أن تعثر في القرآن كله على معنى يتكرر في أسلوب ‏واحد من اللفظ ، و يدور ضمن قالب واحد من التعبير ، بل لابد أن تجده في كل ‏مرة يلبس ثوباً جديداً من الأسلوب ، و طريقة التصوير و العرض ، بل لابد أن ‏تجد التركيز في كل مرة منها على جانب معين من جوانب المعنى او القصة و ‏لنضرب لك مثالاً على هذا الذي نقول : بقصة موسى عليه السلام إذ أنها أشد ‏القصص في القرآن تكراراً ، فهي من هذه الوجهة تعطى فكرة كاملة على هذا ‏التكرار. ‏
وردت هذه القصة في حوالي ثلاثين موضعاً ، ولكنها في كل موضع تلبس أسلوباً ‏جديداً و تخرج أخراجاً جديدا يناسب السياق الذي وردت فيه ، و تهدف إلى هدف ‏خاص لم يذكر في مكان آخر ، حتى لكأننا أمام قصة جديدة لم نسمع بها من قبل . ‏
الخاصة الخامسة : ‏
و هي تداخل أبحاثه ، و مواضيعه في معظم الأحيان فإن من يقرأ هذا الكتاب ‏المبين لا يجد فيه ما يجده في عامة المؤلفات و الكتب الأخرى من التنسيق و ‏التبويب حسب المواضيع ، و تصنيف البحوث مستقلة عن بعضها ، و إنما يجد ‏عامة مواضيعه و أبحاثه لاحقة ببعضها دونما فاصل بينهما ، وقد يجدها متداخل ‏في بعضها في كثير من السور و الآيات . ‏
و الحقيقة أن هذه الخاصة في القرآن الكريم ، إنما هي مظهر من مظاهر تفرده ، ‏و استقلاله عن كل ما هو مألوف و معروف من طرائق البحث و التأليف . ‏

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:24 PM
المظهر الثاني :‏
‏ ‏
المفردة القرآنية: ‏
إذا تأملت في الكلمات التي تتألف منها الجمل القرآنية رأيتها تمتاز بميزات ثلاثة ‏رئيسية هي : ‏
‏1 ـ جمل وقعها في السمع. ‏
‏2ـ اتساقها الكامل مع المعنى . ‏
‏3ـ اتساع دلالتها لما لا تتسع له عادة دلالات الكلمات الأخرى من المعاني و ‏المدلولات . د
و قد نجد في تعابير بعض الأدباء و البلغاء كالجاحظ و المتنبي كلمات تتصف ‏ببعض هذه الميزات الثلاثة أما ان تجتمع كلها معا ، و بصورة مطردة لا تتخلف ‏أو تشذ فذلك مما لم يتوافر إلا في القرآن الكريم . ‏
و إليك بعض الأمثلة القرآنية التي توضح هذه الظاهرة و تجليها : ‏
أنظر إلى قوله تعالى في وصف كل من الليل و الصبح : " و الليل إذا عسعس و ‏الصبح إذا تنفس " ألا تشم راحة المعنى واضحاً من كل هاتين الكلمتين : عسعس ، ‏و تنفس؟ ‏
ألا تشعر أن الكلمة تبعث في خيالك صورة المعنى محسوسا مجسماً دون حاجة ‏للرجوع إلى قواميس اللغة ؟ ‏
و هل في مقدورك أن تصور إقبال الليل ، وتمدده في الآفاق المترامية بكلمة أدق ‏و أدل من " عسعس " . ‏
و هل تستطيع أن تصور انفلات الضحى من مخبا الليل و سجنه بكلمة أروع من " ‏تنفس " . ؟
أقرأ قوله تعالى : " يأيها الذين آمنوا ، مالكم إذا قيل لكم : انفروا في سبيل الله ‏أثاقلتم إلى الأرض " [سورة التوبة ].‏
و ادرس الأداء الفني الذي قامت به لفظة " أثاقلتم " بكل ما تكونت به من حروف ‏، و من صورة ترتيب هذه الحروف ، و من حركة التشديد على الحرف اللثوية " ‏الثاء " و المد بعده ، ثم مجيء القاف الذي هو أحد حروف القلقلة ، ثم التاء ‏المهموسة ، والميم التي تنطبق عليها الشقتان ، ويخرج صوتها من الأنف ، ألا ‏تجد نظام الحروف ، وصورة أداء الكلمة ذاتها أوحت إليك بالمعنى ، قبل أن يرد ‏عليك المعنى من جهة المعاجم .؟ ألا تلحظ في خيالك ذلك الجسم المثاقل ، ‏يرفعه الرافعون في جهد فيسقط في أيديهم في ثقل ؟ ألا تحس أن البطء في تلفظ ‏الكلمة ذاتها يوحي بالحركة البطيئة التي تكون من المثاقل ؟
جرب أن تبدل المفردة القرآنية ، و تحل محلها لفظة " تثاقلتم" ألا تحس أن شيئاً ‏من الخفة و السرعة ، بل و النشاط أوحت به " تثاقلتم " بسبب رصف حروفها ، و ‏زوال الشدة ، وسبق التاء قبل الثاء ؟ إذن فالبلاغة تتم في استعمال " أثاقلتم " ‏للمعنى المراد ، ولا تكون في " تثاقلتم " . ‏
‏ ‏
‏ ‏
المظهر الثالث :‏
‏ ‏
الجملة القرآنية و صياغتها ‏
إن دراسة الجملة القرآنية تتصل اتصالا مباشراً بدراسة المفردة القرآينة لأن هذه ‏أساس الجملة ، و منها تركيبها ، و إذا كان علماء البلاغة يجعلون البلاغة درجات ‏، فإنهم مقرون دون جدل أن صياغة العبارة القرآنية في الطرف الأعلى من ‏البلاغة الذي هو الإعجاز ذاته . و للإعجاز فيها وجوه كثيرة . ‏
فمنها : ما تجده من التلاؤم و الاتساق الكاملين بين كلماتها ، و بين ملاحق ‏حركاتها ، و سكناتها ، فالجملة في القرآن تجدها دائماً مؤلفة من كلمات و حروف ‏، و أصوات يستريح لتألفها السمع و الصوت و المنطق ، و يتكون من تضامها ‏نسق جميل ينطوي على إيقاع رائع ، ما كان ليتم لو نقصت من الجملة كلمة أو ‏حرف أو اختلف ترتيب ما بينها بشكل من الأشكال . ‏
أقرأ قوله تعالى : " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ، و فجرنا الأرض عيوناً ‏فالتقى الماء على أمر قد قدر " و تأمل تناسق الكلمات في كل جملة منها ، ثم دقق ‏نظرك ، و تأمل تألف الحروف الرخوة مع الشديدة و المهموسة و المجهورة و ‏غيرها ، ثم حالو تمعن في تأليف و تعاطف الحركات و السكنات و المدود اللاحقة ‏ببعضها ، فإنك إذا تأملت في ذلك ، علمت أن هذا الجملة القرآنية . إنما صبت من ‏الكلمات و الحروف و الحركات في مقدار ، و أن ذلك إنما قدر تقديراً بعلم اللطيف ‏الخبير و هيهات للمقاييس البشرية أن تضبط الكلام بهذه القوالب الدقيقة . ‏
و منها : إنك تجد الجملة القرآنية تدل بأقصر عبارة على أوسع معنى تام متكامل ‏لا يكاد الإنسان يستطيع التعبير عنه إلا بأسطر و جمل كثيرة ن دون أن تجد فيه ‏اختصاراً مخلا ، أو ضعفاً في الأدلة . أقرأ قوله تعالى : " خذ العفو ، و أمر ‏بالعرف و أعرض عن الجاهلين " [ سورة الأعراف] . ‏
ثم تأمل كيف جمع الله بهذا الكلام كل خلق عظيم ، لأن في أخذ العفو صلة ‏القاطعين و الصفح عن الظالمين .‏
و اقرأ قوله تعالى مخاطباً آدم عليه السلام : " أن لك ألا تجوع فيها و لا تعرى ، ‏و أنك لا تظمأ فيها و لا تضحى " ثم تأمل كيف جمع الله بهذا الكلام أصول ‏معايش الإنسان كلها من طعام و شراب و ملبس ، و مأوى . ‏
و أقرأ قوله تعالى : " و أوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ، فإذا خفت عيه فألقيه ‏في اليم و لا تخافي و لا تحزني إنا رادوه إليك و جاعلوه من المرسلين " و تأمل ‏كيف جمعت هذه الآية الكريمة بين أمرين و نهيين و خبرين و بشارتين أما ‏الأمرين فهما : " أرضعيه ، و ألقيه في اليم ، و أما النهيان فهما " لا تخافي " ، و ‏‏" لا تحزني " . ‏
و أما الخبران فهما " أوحينا " و " خفت " و أما البشارتان فهما " أنا رادوه إليك " ‏و " جاعلوه من المرسلين " . ‏
و تأمل سورة " الكوثر " وهي أقصر سورة في القرآن إذ هي ثلاثة آيات قصار ‏كيف تضمنت ، على قلة آياتها الأخبار عن مغيبين : أحدهما : الأخبار عن الكوثر ‏‏" نهر في الجنة " و عظمته و سعته و كثرة أوانيه , الثاني : الإخبار عن " والوليد ‏بن المغيرة " و كان عند نزولها ذا مال وولد ، ثم أهلك الله سبحانه ماله وولده ، ‏وانقطع نسله ‏
ومنها : أخراج المعنى المجرد في مظهر الأمر المحس الملموس ، ثم بث الروح ‏و الحركة في هذا المظهر نفسه . ‏
و مكمن الإعجاز في ذلك ، أن الألفاظ ليست إلا حروفاً جامدة ذات دلالة لغوية ‏على ما أنيط بها من المعاني ، فمن العسير جداً أن تصبح هذه الألفاظ وسيلة لصب ‏المعاني الفكرية المجردة في قوالب من الشخوص و الأجرام و المحسوسات ، ‏تتحرك في داخل الخيال كأنها قصة تمر أحداثها على مسرح يفيض بالحياة و ‏الحركة المشاهدة الملموسة . أستمع إلى القرآن الكريم و هو يصور لك قيام الكون ‏على أساس من النظام الرتيب و التنسيق البديع الذي لا يتخلف ، و لا يلحقه الفساد ‏، فيقول : " إن ربكم الله خلق السموات و الأرض في ستة أيام ثم استوى على ‏العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، و الشمس و القمر و النجوم مسخرات ‏بأمره إلا له الخلق و الأمر " [الأعراف 54]. ‏
إنه يصور لك هذا المعنى في مظهر من الحركة المحسوسة الدائرة بين عينيك ، و ‏كأنها أمام آلات تتحرك بسرعة دائبة في نظام مستمر يعيها و تصورها الشعور و ‏الخيال . ‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:24 PM
الباحثون في القرآن يجمعون على إعجازه
‏ ‏
الجاحظ و رأيه في بلاغة القرآن : ‏
الجاحظ هو مؤسس البيان العربي بلا منازع ، هو أبو عثمان بن بحر بن محبوب ‏الكتاني ، المعروف بالجاحظ البصري ولد سنة 150 هـ و توفي سنة 255هـ . ‏
ففي رسالة له بعنوان حجج نبوية يقول : " إن محمد صلى الله عليه و سلم مخصوص ‏بعلامة ، لها في العقل موقع كموقع فلق البحر في العين .. ذلك قوله لقريش خاصة و ‏للعرب عامة مع من فيها من الشعراء و الخطباء و البلغاء ، والحكماء و أصحاب ‏الرأي و المكيدة ، والتجارب و النظر في العامة " إن عارضتموني بسورة واحدة فقد ‏كذبت في دعواي ، و صدقتكم في تكذيبي " ثم يقول " و لا يجوز أن يكون مثل ‏العرب في كثير عددهم و اختلاف عللهم و كلامهم ، وهو سيد علمهم ، وقد فاض ‏بيانهم ، و جاشت به صدورهم ، وغلتهم قوتهم عليه عند أنفسهم ، حتى قالوا في ‏الحيات ، والعقارب و الذئاب و الكلاب ، والخنافس ، والحمير و الحمام و كل ما دب ‏على الأرض و لاح لعين ، وخطر على قلب و لهم أصناف النظم ، و ضروب ‏التأليف .. كالقصيد، والرجز ، و المزدوج و المتجانس و الاستماع و المنثور و بعد ‏فقد هاجوه من كل جانب ، و هاجا أصحابه شعرائهم ، و نازعوه خطباءهم و حاجوه ‏في الموقف و خاصموه في الموسم ، و باروه العداوة ، وناصبوه الحرب ، فقتل منهم ‏و قتلوا منه .. و هم أثبت الناس حقداً ، و أبعدهم مطلباً ، و أذكرهم لخبر أو الشر ، و ‏أبقاهم له ، و أهجاهم ثم لا يعارضه معارض ، ولم يتكلف ذلك خطيب و شاعر . ‏
ثم يقول : و محال في التعارف و مستنكر في التصادف أن يكون الكلام أقصر عندهم ‏‏, و أيسر مئونة عليهم ، وهو أبلغ في تكذيبه ، و أنقض لقوله , أجدر أن يعرف ذلك ‏أصحابه ، فيجتمعوا على ترك استعماله و الاستغناء عنه ، وهم يبذولون مهجهم و ‏أموالهم و يخرجون من ديارهم في إطفاء أمرهم و توهين و لا يقولون ، بل و لا يقول ‏واحد من جماعتهم ، لم تقتلوا أنفسكم وتستهلكوا أموالكم , تخرجون من دياركم و ‏الحيلة في أمره ميسرة و المأخذ في أمره قريب ؟
ليؤلف واحد من شعرائكم و خطبائكم كلاماً في نظم كلامه ، كأصغر سورة يحتكم بها ‏، و كأصغر آية دعاكم إلى معارضتها ، بل لو نسوا ما تركهم حتى يذكرهم ، ولو ‏تغافلوا ما ترك أن ينبههم ، فدل ذلك العاقل على أن أمرهم في ذلك لا يخلو ا من أحد ‏أمرين : ‏
إما أن يكونوا عرفوا عجزهم ، و أن مثل ذلك لا يتهيأ لهم ، فرأوا أن الأعراض عن ‏ذكره ، والتغافل عنه في هذا الباب أمثل لهم في التدبير ، و أجدر ألا ينكشف أمرهم ‏للجاهل و الضعيف ، و أجدر أن يجدوا إلى الدعوة سبيلاً ، وإلى اختراع الأنباء سبباً. ‏
و إلا أن يكون غير ذلك ، و لا يجوز أن يطبقوا على ترك المعارضة و هم يقدرون ‏عليها ، لأنه لا يجوز على العدد الكثير من العقلاء و الدهاة و الحكماء مع اختلاف ‏عللهم ، و بعد همهم ، و شدة عداوتهم ، بذلك الكثير ، و صون اليسير فكيف على ‏العقلاء لأن تحبير الكلام أهون من القتال و من إجراء المال أ. هـ . ‏
‏ ‏
‏ ‏
‏ ‏
مسيحوا العصر الحديث يعترفون بعظمة القرآن‏
‏ ‏
أعترف الدكتور ماردريس المستشرق الفرنسي بعظمة القرآن الكريم و ذلك إثر بعد ‏أن كلفته وزارتا الخارجية و المعارف الفرنسية بترجمة ( 62) سورة من السور ‏الطوال التي لا تكرار فيها ففعل و قال في مقدمة ترجمته الصادرة 1926م أما ‏أسلوب القرآن فهو أسلوب الخالق جل و علا فإن الأسلوب الذي ينطوي على كنه ‏الخالق الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهاً ، والحق الواقع أن أكثر الكتاب ‏شكاً و ارتيابا قد خضعوا لسلطان تأثيره . ‏
و يورد الأستاذ محمد صادق الرافعي بعض تصريحات لمسيحيين عن بلاغة القرآن ‏من هؤلاء أديب الملة المسيحية هو الشيخ إبراهيم اليازجي وهو أبلغ كاتب أخرجته ‏المسيحية ، وذلك في كتابه ( نجعة الرائد ) و كذلك أورد الدكتور حين حسن ضياء ‏الدين تصريحاً لأحد المسيحين يتضمن إعجابه بالإعجاز البياني بالقرآن الكريم و ‏هذا الأديب الشاعر هو الشاعر المعاصر ( نقولا حنا ) . ‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:26 PM
الإعجاز و البلاغة


‏ ‏
لقد نشب صراع حاد و عنيف بين علماء البلاغة حول الصور والألوان البلاغية في ‏القرآن الكريم ، هل هي معجزة أو غير معجزة ؟ ‏
ففريق منهم يرى أنها معجزة ، و يجعلها من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم ، ‏وفريق يرى أنها غير معجزة ، و ينفي أن تكون من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم ‏، ومن هذا الفريق " أبو بكر الباقلاني . ‏
و المسألة تحتاج إلى بحث و تحقيق ، وفي هذا الفصل من البحث سأقوم بتحقيقها ، و ‏إظهار وجه الصواب فيها فأقول طالباً العون و التوفيق من الله وحده : ‏
إن هذه الصورة و الألوان معجزة في القرآن ، وإعجازها راجع إلى نظمها ، فالقرآن ‏الكريم كما سبق أن وصحنا معجز بنظمه ، و هذه الصور و الألوان قد اقتضاها هذا ‏النظم المعجز فأصبحت جزءا منه فتكون معجزة و لقد أشار إلى ذلك الشيخ عبد ‏القاهر الجرجاني عندما تعرض لتوضيح الاستعارة في قوله : تعالى " و أشتعل ‏الرأس شيباً " فقال : " إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم و ‏الوقوف على حقيقته . ‏
و من دقيق ذلك و خفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى : " و اشتعل الرأس ‏شيباً " لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة ، ولم نيسبوا الشرف إلا إليها ، ولم يروا ‏للمزية موجباً سواها ، هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم ، و ليس الأمر على ذلك ، ‏و لا هذا الشرف العظيم ، و لا هذه المزية الجليلة ، وهذه الروعة التي تدخل على ‏النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة و لكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند ‏الفعل فيه إلى الشيء ، وهو لما هو من سببه ، فيرفع به ما يسند إليه ، و يؤتي بالذي ‏الفعل له في المعنى منصوباً بعده ، مبينا أن ذلك الإسناد، و تلك النسبة إلى ذلك الأول ‏إنما كان من أجل هذا الثاني ، و لما بينه و بينه من هذا الاتصال و الملابسة كقولهم : ‏طاب زيد نفساً وقر عمرو عينا ، و تصبب عرقاً ، و كرم أصلاً ، و حسن وجهاً و ‏أشباه ذلك مما تجد منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه ، و ذلك أنا نعلم أن ‏‏" اشتعل " للشيب في المعنى ، و أن كان هو الرأس فقط ، كما أن ما أسند إليه ، يبين ‏أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك و توخى به هذا المذهب ، أن تدع هذا ‏الطريق فيه ، و تأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحاً فتقول : " اشتعل الرأس " ‏أو " الشيب في الرأس " ، ثم تنظر هل تجد ذلك الحس ، و تلك الفخامة .؟ و هل ‏ترى الروعة التي كنت تراها ؟ فإن قلت : فما السبب في أن كان " اشتعل " إذا ‏استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل ، ولم بأن بالمزية من الوجه الآخر هذه ‏البينونة ؟ فإن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس ، الذي هو أصل المعنى ، ‏الشمول ، وأنه قد شاع فيه ، وأخذه من نواحيه ، وأنه قد استقر به ، و عم جملته ، ‏حتى لم يبق من السواد شيء ، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به . وهذا ما لا يكون إذا ‏قيل : " أشتعل شيب الرأس " أو " الشيب في الرأس بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر ‏من ظهوره فيه على الجملة ، ووزان ذلك أن تقول : اشتعل البيت عليه ، و أخذت في ‏طرفيه ووسطه ، و تقول ": اشتعلت النار في البيت " فلا يفيد ذلك ، بل لا يقتضي ‏أكثر من وقوعها فيه ، و أصابتها جانباً منه ، فأما الشمول ، وأن تكون قد استولت ‏على البيت ، و ابتزته فلا يعقل من اللفظ التفجير للعيون في المعنى ، ووقع على ‏الأرض في اللفظ ألبته . و نظير هذا في التنزيل قوله تعالى : " و فجرنا الأرض ‏عيرانا " التفجير للعيون في المعنى وواقع على الأرض في اللفظ كما أسند هناك ‏الاشتعال إلى الرأس . وقد حصل بذلك من معنى الشمول ها هنا مثل الذي حصل ‏هناك . ‏
و ذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها ، و أن الماء كان يفور من ‏كل مكان فيها و لو أجرى اللفظ على ظاهره فقيل : " و فجرنا عيون الأرض " ، " ‏أو العيون في الأرض " لم يفد ذلك ، ولم يدل عليه ، و لكان المفهوم منه أن الماء قد ‏كان فار من عيون متفرقة في الأرض ، و تنبجس من أماكن فيها " [ دلائل الإعجاز ‏للجرجاني ص79 ـ80].‏
من هذا النص يتضح لنا أن عبد القاهر يرجع جمال الاستعارة و شرفها ور وعتها في ‏القرآن الكريم إلى نظمها العجيب البديع ، و كم كنت أود أن يتناول هذا الأديب الذواقة ‏الصور و الألوان البلاغية في القرآن بهذه العبارة الفياضة و بتك الطريقة البيانية ‏الرائعة التي تشف عن الجمال الأخاذ و الإعجاب الرائع الذي يكمن في هذه الصور ، ‏و ينبع من نظمها العجيب الذي لا يقدر على مثله بشر ، و لكنه وقف عند لمحة من ‏لمحاته الجزئية شأنه في ذلك شأن غيره من بلغاء عصره . ‏
من روائع التشبيه في القرآن الكريم : ‏
قال تعالى : " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فأختلط به نبات الأرض ‏مما يأكل الناس و الأنعام ، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها و أزينت و ظن أهلها ‏أنهم قادرون عليها ، أتاها أمرنا ليلاً أو نهارا فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس " ‏سورة يونس 24‏
شبه القرآن حال الدنيا في سرعة تقضيها و انقراض نعيمها ، و اغترار الناس بها ، ‏بحال ماء نزل من السماء و أنبت أنواع العشب ، وزين بزخارفها وجه الأرض ‏كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة ، حتى إذا طمع أهلها فيها ، و ظنوا أنها مسلمة ‏من الجوائح أتاها بأس الله فجأة فكأنها لم تكن بالأمس . ‏
تأمل بعقلك و خيالك و ذوقك نظم الآية الكريمة أنها مكونة من عشر جمل لو سقط ‏منها شيء اختل التشبيه ، وانظر إلى هذه الجمل تجد كل جملة تعبر عن مشهد من ‏مشاهد الحياة الدنيا ، و قد رتبت ترتيبا عجيبا ً كان كل جملة منها تلد التي تليها ، وقد ‏تكونت كل جملة من طائفة من الكلمات تألفت بأصواتها و ظلالها و أجراسها فعبرت ‏أصدق تعبير عن المشهد الذي استقلت به ، أن نظمها أو حرفا بأخر اختل بمقدار ، ‏بحيث إذا أخرت أو قدمت أو غيرت كلمة بأخرى أو حرفا بآخر اختل المعنى ، و ‏تبعثرت مشاهد الصورة الدنيوية .‏
قال تعالى : " مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ‏عاصف ، لا يقدرون على شيء مما كسبوا " [سورة إبراهيم : 18] . ‏
الذين كفروا في ضياعها ، و ذهابها إلى غير عودة بهيئة رماد تذروه الرياح و تذهب ‏به بددا إلى حيث لا يتجمع أبدأ . ‏
تأمل نظم الآية تجد كل كلمة قارة في مكانها ، مطمئنة في موضعها لا تشكو قلقاً و لا ‏اضطراب ، معبرة في دقة و صدق عن معناها ، و تأمل تناسق الكلمات و تألقها ، و ‏ترتيب الجمل و تعانقها ، و مخارج الحروف و أصواتها ، و إيحاءات الألفاظ و ‏اشاراتها تجد نظماً عجيباً لا يقدر عليه إلا خالق الأرض و السماوات . ‏
‏ تأمل كلمة " رماد " إنها توحي بخفة الوزن ، و تأمل ، " اشتدت " فإنها توحي ‏بسرعة الرياح و تأمل كلمة " عاصف " فإنها توحي بالعنف . ‏
و تأمل كيف أبرز لك هذا التشبيه ببديع نظمه الصورة حية متحركة كأنك تراها و ‏تلمسها . ‏
قال تعالى : " و مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مراضاة الله ، وتثبيتاً من أنفسهم ‏كمثل جنة بربوة أصابها وابل ، فأتت أكلها ضعفين ، فإن لم يصبها وابل فطل " ‏سورة البقرة 265.‏
شبه القرآن الصدقات التي تنفق ابتغاء مرضات الله في كثرة ثوابها و مضاعفة أجرها ‏بجنة فوق ربوة أصابها مطر غزير فأخصبت تربتها ، و تضاعف أكلها . ‏
تأمل نظم الآية العجيب كلمات إلهية لا يصلح في مكانها غيرها تعبر عن معانيها في ‏دقة و إحكام ، وتنبعث منها لطائف و أنوار ، و ينطوي تحتها الكثير من العجائب و ‏الأسرار ، و جمل ربانية متناسقة متلاحقة قد فصلت على معانيها بمقدار ، و حروف ‏ذات أصوات و أنغام تبعث في الصورة الحركة و تبث فيها الحياة . ‏
تأمل نظم الآية العجيب كلمات إلهية لا يصلح في مكانها غيرها تعبر عن معانيها في ‏دقة و إحكام ، و تنبعث منها لطائف و أنوار ، و ينطوي تحتها الكثير من العجائب و ‏الأسرار ، و جمل ربانية متناسقة متلاحقة قد فصلت على معانيها بمقدار ، و حروف ‏و أنغام تبعث في الصورة الحركة و تبث فيها الحياة . ‏
إنما من يقرأ الآية الكريمة ، يتذوق خلاوتها يخيل إليه أنه يرى هذه الصورة الغيبية ‏الخفية أمام عينيه و أنه يلمسها و يتقراها بيديه . ‏
أبعد هذا التصوير يأتي مكابر مجهول يصف التشبيه القرآني بأنه عن الإعجاز ‏معزول ؟ ‏
قال تعالى : " مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ، كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً ، و ‏إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون " سورة العنكبوت . ‏
شبه القرآن الكريم حال هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أندادا في لجوئهم و احتمائهم ‏بهؤلاء الأنداد الضعفاء المتناهين في الضعف بحال العنكبوت حينما تأوي إلى بيتها ‏الضعيف الواهن و تحتمي به . ‏
صورة عجيبة تلح على الحس و الوجدان ، و تجتذب إليها الألتفات ، وتسترعي ‏الانتباه ، و تسترق الأسماع و تبهر الألباب و تستولي على الأحاسيس و المشاعر ، و ‏يقف أمامها دهاقين الكلام حيارى يتساءلون كيف نظمت هذه الصورة ؟ و كيف ‏تكونت ؟ ثم لا يجدون من يجيبهم على تساؤلاتهم ، لأن البشر مهما أوتوا من البراعة ‏و البيان لا يمكنهم الوصول إلى معرفة سر نظم القرآن . ‏
إنها تصور لك هؤلاء العباد الغافلين بصورة العناكب الضئيلة الواهنة ، و تصور لك ‏هؤلاء الضعفاء العاجزين بصورة بيت العنكبوت الذي يضرب به المثل في الضعف ‏و الوهن . ‏
و أظنك أيها القارئ الكريم لست في حاجة إلى أن أحدثك عن نظم هذه الصورة ‏البلاغية فذلك متروك لذوقك و إحساسك ، و لكنني أدعوك إلى النظر و التأمل في ‏الكلمات التي اختيرت للمشبه به و نظمت منها صورته ":كمثل العنكبوت اتخذت ‏بيتا.." هل في مقدورك أو في مقدور أي بليغ مهما كان حظه من الفصاحة البيانية ، ‏و مهما كان يحفظ من مفردات اللغة العربية أن يأتي بألفاظ تسد مسد هذه الألفاظ التي ‏نظمت منها صورة المشبه به ؟ إن أحداً من البشر لن يستطيع ، واللغة العربية على ‏اتساع مفرداتها ليس فيها ما يسد مسد هذه الألفاظ .‏
إنها الصياغة الإليهة يقف البشر أمامها عاجزين حيارى مذهولين . ‏
قال تعالى : " و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ، فاتبعه الشيطان فكان من ‏الغاوين ، ولو شئنا لرفعناه بها ، و لكنه أخلد إلى الأرض ، و اتبع هواه فمثله كمثل ‏الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث " سورة العنكبوت .‏
تأمل الصورة التشبيهية التي اشتملت عليها الآية الكريمة . ‏
لقد شبه القرآن الكريم في هذه الآية حال الكذب بآيات الله في إصرار على ضلاله في ‏جميع أحواله كالكلب في إدامه اللهثان . ‏
إنها صورة فنية رائعة أحكم القرآن الكريم صياغتها ، و أجادت الريشة الإلهية ‏رسمنها ، تكشف في جلاء ووضوح عن حقيقة هذا الكذب الضال ، إنه حقير قذر ، لا ‏يؤثر فيه النصح و الإرشاد و لا ينفع معه الوعظ و التذكير ، قد ركب رأسه ، ولج في ‏ضلاله ، واتخذ الشيطان إلها من دون الله ثم تأمل الكلمات التي نظمت منها صورة ‏المشبه به لا تجد في مفردات اللغة ـ على كثرتها ، من بقوم مقامها و يسد مسدها ، ثم ‏تأمل كلمة " الكلب " وحدها لا تجد كلمة في اللغة تصور هذا المعنى و تبرزه في ‏صورة حية متحركة سواها ، إذ كل مخلوق إنما يلهث من مرض أو عطش أو إعياء ‏إلا الكلب فإنه يلهث في جميع أحواله في حال الدلال و في حالة الراحة ، و في حالة ‏الصحة و المرض وفي حالة الري و العطش . ‏
قال تعالى : " و حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون " ‏
شبه القرآن الكريم الحور العين باللؤلؤ المكنون في الصفاء و النقاء و الهدوء و ‏الصيانة . ‏
تأمل نظم هذه الصورة التشبيهية الإلهية أنه فوق طاقة البشر . ثم تأمل هذه الكلمة ‏العجيبة " اللؤلؤ " هل في مقدورك أو في مقدور أي بليغ مهما أوتي من البراعة و ‏البيان أن يأتي بكلمة أخرى تؤدي معناها ، و تصور ما صورته ؟ ثم تأمل الدقة في ‏صفة هذا اللؤلؤ بكونه مكنونا. ‏
إن اللؤلؤ فيه الصفاء و الهدوء و النقاء ، وهو أحجار كريمة من شأنها أن تصان و ‏يحرص عليها . ‏
تأمل الارتباط العجيب و الصلة الوثيقة بين الحور العين و اللؤلؤ المكنون ، إنه ‏الإعجاز يلبس ثوب التشبيه فيقف البلغاء أمامه ضعفاء قد استولت عليه الحيرة و ‏سيطرت على عقولهم الدهشة و داعبت أنامل الإعجاب حبات قلوبهم . فخروا ‏ساجدين لعظمته ، و شهدوا بأنه البيان الإلهي الذي لا يقدر عليه بشر . ‏
قال تعالى : " يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ، و تكون الجبال كالعهن المنفوش " ‏
شبه القرآن الكريم الناس يوم القيامة بالفراش المبثوث في ضعفهم و ضالتهم و ‏تهافتهم . ‏
و شبه الجبال بالعهن " الصوف " المنفوض في هشاشتها و خفتها . ‏
مشهدان رائعان رسمتهما الريشة الإلهية فأجادت و أعجزت ، و سخرت و أدهشت . ‏
تأمل هذه الكلمة " الفراش " إنها تصور لك بظلها و جرسها ، و إيحائها الناس في ‏هذا اليوم في منتهى الضعف و الضالة ، وهم مستطارون مستخفون من هول هذا اليم ‏‏. ‏
و تأمل الدقة في وصف الفراش في وصف الفراش بكونه مبثوثاً أن هذا الوصف ‏يصور لك كثرة الناس في هذا اليوم و تهافتهم . ثم حدثني بربك هل في مفردات اللغة ‏كلمة تصور هذا المشهد سوى هذه الكلمة القرآنية ؟ ‏
و هل هناك أعجب من هذه الدقة في وصف الفراش بكونه مبثوثاً ؟ ‏
ثم دقق نظرك في كلمة " العهن " هل في قواميس اللغة العربية كلمة أقدر على ‏تصوير هذا المشهد من هذه الكلمة ؟ إنها بجمالها وظلها و جرسها الساحر تصور لك ‏الجبال الضخمة الثابتة بالصوف المنقوش الذي تتقاذفه الرياح الهوج . ثم تأمل بعقلك ‏ر خيالك الدقة و الإحكام في وصف العهن بكونه منفوشاً إن هذا الوصف يصور لك ‏الجبال الضخمة الثابتة في منتهى الهشاشة و الخفة . ‏
إنه النظم القرآني يبهر العقول ، و يطير بالألباب ، و يذهب بسر البلاغة و سحر ‏البيان . ‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:27 PM
من روائع الاستعارة في القرآن الكريم


‏ ‏
قال تعالى : " و آية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون " سورة يس. ‏
استعير في الآية الكريمة : " السلخ " و هو كشط الجلد عن الشاة و نحوها لإزالة ‏ضوء النهار عن الكون قليلاً قليلاً ، بجامع ما يترتب على كل منهما من ظهور شيء ‏كان خافياً ، فبكشط الجلد يظهر لحم الشاة ، و بغروب الشمس تظهر الظلمة التي هي ‏الأصل و النور طاريء عليها ، يسترها بضوئه . ‏
و هذا التعبير الفني يسميه علماء البلاغة " الاستعارة التصريحية التبعية " .‏
‏ استعارة رائعة و جملية ، إنها بنظمها الفريد و بإيحائها و ظلها و جرسها قد رسمت ‏منظر بديعاً للضوء و هو ينحسر عن الكون قليلاً قليلاً و للظلام و هو يدب إليه في ‏بطء . ‏
إنها قد خلعت على الضوء و الظلام الحياة ، حتى صارا كأنهما جيشان يقتتلان ، قد ‏أنهزم أحدهما فولى هارباً ، و ترك مكانه للآخر . ‏
تأمل اللفظة المستعارة و هي " نسلخ " إن هذه الكلمة هي التي قد استقلت بالتصوير ‏و التعبير داخل نظم الآية المعجز فهل يصلح مكانها غيرها ؟ ‏
قال تعالى : " و الصبح إذا تنفس " استعير في الآية الكريمة خروج النفس شيئاً فشيئاً ‏لخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلاً قليلاً بمعنى النفس ‏
ن تنفس بمعنى خرج النور من المشرق عند انشقاق الفجر . ‏
استعارة قد بلغت من الحسن أقصاه ، و تربعت على عرش الجمال بنظمها الفريد ، ‏إنها قد خلعت على الصبح الحياة حتى لقد صار كائنا حيا يتنفس ، بل إنساناً ذا ‏عواطف و خلجات نفسية ، تشرق الحياة بإشراق من ثغره المنفرج عن ابتسامة ‏وديعة ، و هو يتنفس بهدوء ، فتتنفس معه الحياة ، و يدب النشاط في الأحياء على ‏وجه الأرض و السماء ، أرأيت أعجب من هذا التصوير ، و لا أمتع من هذا التعبير؟
ثم تأمل اللفظة المستعارة و هي " تنفس " أنها بصوتها الجميل و ظلها الظليل ، و ‏جرسها الساحر قد رسمت هذه الصورة البديعة في إطار نظم الآية المعجزة ، فهل ‏من ألفاظ اللغة العربية على كثرتها يؤدي ما أدته ، و يصور ما صورته ؟ ‏
قال تعالى : " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية " سورة الحاقة . ‏
استعير في الآية الكريمة " الطغيان " للأكثر الماء بجامع الخروج عن حد الاعتدال و ‏الاستعارة المفرط في كل منها . ‏
ثم اشتق من الطغيان : " طغى " بمعنى كثر . ‏
استعارة فريدة لا توجد في غير القرآن إنها تصور لك الماء إذا كثر و فار و ‏اضطرب بالطاغية الذي جاوز حده ، و أفرط في استعلائه . أرأيت أعجب من هذا ‏التصوير الذي يخلع على الماء صفات الإنسان الآدمي ؟ ثم تأمل اللفظة المستعارة " ‏طغى " إنها بصوتها و ظلها و جرسها إيحائها قد استقلت برسم هذه الصورة الساحرة ‏في إطار نظم الآية المعجز . ‏
قال تعالى : " فأصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين " . ‏
استعير في الآية الكريمة :" الصدع " و هو كسر الزجاج للتبليغ بجامع التأثير في كل ‏منهما أما في التبليغ فلأن المبلغ قد أثر في الأمور المبلغة ببيانها بحيث لا تعود إلى ‏حالتها الأولى من الخفاء ، و أما في الكسر فلأن فيه تأثير لا يعود المكسور معه إلى ‏الإلتئامه . ‏
ثم اشتق من الصدع معنى التبليغ اصدع بمعنى بلغ ، استعارة رائعة و جميلة إنها ‏تبرز لك ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم في صورة مادة يشق بها و يصدع . ‏إنها تتبرز لك المعنى المعقول في صورة حسية متحركة كأنها كأنك تراها بعينك و ‏تلمسها بيدك . تأمل اللفظة المستعارة " اصدع " إنها بصورتها و جرسها و إيحائها ‏قد استقلت برسم هذه الصورة الفردية المؤثرة إذ أن من يقرأها يخيل إليها أنه يسمع ‏حركة هذه المادة المصدوعة تخيل لو استبدلت كلمة " اصدع " بكلمة " بلغ" ألا ‏تحس أن عنصر التأثير قد تضاءل و أن الصورة الحية المتحركة قد اختفت و أن ‏المعنى قد أصبح شاحباً باهتاً؟
إن اللفظة المستعارة هي التي رسمت هذه الصورة في إطار نظم الآية المعجزة . ‏
قال تعالى : " و تركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض و نفخ في الصور فجمعناهم ‏جمعاً " سورة الكهف 100.‏
استعير في الآية الكريمة الموج " حركة الماء" للدفع الشديد بجامع سرعة ‏الاضطراب و تتابعه في الكثرة ثم اشتق من الموج بمعنى الدفع الشديد" يموج " ‏بمعنى يدفع بشدة . ‏
إن هذه الاستعارة القرآنية الرائعة تصور للخيال هذا الجمع الحاشد من الناس احتشاداً ‏لا تدرك العين مداه حتى صار هذا الحشد الزاخر كبحر ترى العين منه ما تراه من ‏البحر الزاخر من حركة و تموج و اضطراب . تأمل اللفظة المستعارة أنها في إطار ‏نظم الآية المعجزة قد استقلت برسم هذا المشهد الفريد بصوتها و جرسها و إيحائها . ‏
قال تعالى : " آلر . كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور " سورة ‏إبراهيم . ‏
استعير في الآية الكريمة الظلمات للضلال بجامع عدم الاهتداء في كل منها .. و ‏استعير النور بجامع الاهتداء في كل منها . و هذا المسلك الأدبي يسميه علماء البلاغة ‏‏" الاستعارة التصريحة الأصلية ".‏
هذه الاستعارة الفردية تجعل الهدى و الضلال يستحيلان نوراً و ظلمة . إنها تبرز ‏المعاني المعقولة الخفية في صورة محسوسة ، حية متحركة كأن العين تراها و اليد ‏تلمسها . ‏
تأمل كلمة " الظلمات " إنها تصور لك بظلامها الضلال ليلاً دامساً يطمس معالم ‏الطريق أمام الضلال فلا يهتدي إلى الحق ثم تأمل الدقة القرآنية في جمع " الظلمات ‏‏" أنه يصور لك إلى أي مدى ينبهم الطريق أمام الضلال فلا يهتدون إلى الحق وسط ‏هذا الظلام المتراكم . ‏
ثم تأمل كلمة " النور " أنها بنورها تصور لك الهداية مصباحاً منيراً ينير جوانب ‏العقل و القلب و يوضح معالم الطريق أمام المهتدي فيصل في سهولة و يسر إلى ‏الحق فينتفع به فيطمئن قلبه و تسكن نفسه و يحظى بالسعادة في دنياه و أخراه . ‏
‏ ‏

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:28 PM
من روائع الكناية في القرآن الكريم


‏ ‏
قال تعالى : " نساؤكم حرث لكم " لقد كنى القرآن الكريم في هذه الآية بكلمة " ‏الحرث " عن المعاشرة الزوجية . ‏
إن هذه الكناية الفردية مما انفرد به القرآن الكريم فهي لطيفة دقيقة راسمة مصورة ، ‏مؤدية مهذبة ، فيها من روعة التعبير و جمال التصوير ، و ألوان الأدب و التهذيب ‏ما لا يستقل به بيان ، و لا يدركه إلا من تذوق حلاوة القرآن . إنها عبرت عن ‏العاشرة الزوجية التي من شأنها أن تتم في السر و الخفاء بالحرث و هذا نوع من ‏الأدب رفيع وثيق الصلة بالمعاشرة الزوجية ، و تنطوي تحته معاني كثيرة تحتاج في ‏التعبير عنها إلى الآف الكلمات انظر إلى ذلك التشابه بين صلة الزراع بحرثه وصلة ‏الزوجة في هذا المجال الخاص ، و يبن ذلك النبت الذي يخرجه الحرث ، و ذلك ‏النبت الذي تخرجه الزوج ، و ما في كليهما من تكثير و عمران و فلاح كل هذه ‏الصور و المعاني تنطوي تحت كلمة " الحرث " أليست هذه الكلمة معجزة بنظمها و ‏تصورها ؟ ‏
هل في مفردات اللغة العربية ـ على كثرتها ـ ما يقوم مقامها و يؤدي ما أدته و يصور ‏ما صورته . إن المعنى لا يتحقق إلا بها . و عن التصوير لا يوجد بسواها . ‏
قال تعالى : " فاتقوا النار التي وقودها الناس و الحجارة " سورة البقرة . ‏
هذه الآية كناية عن عدم العناية عند ظهور المعجزة . أي لا تعاندوا عند ظهور ‏المعجزة فتمسكم هذه النار العظيمة تأمل هذه الكناية و مدى ما فيها من جمال التعبير ‏، و روعة التصوير ، و لطافة الإيجاز . إنها عبرت عن العناد عند ظهور المعجزة ‏بالنار العظيمة ، و هذا التعبير فيه ما فيه من شدة التنفيذ و قوة التأثير ، ثم أن هذا ‏التعبير قد أبرز لك هذا المعنى الفكري المجرد في صورة محسوسة ملموسة و لم ‏يقف عند هذا الحد من التجسيم والتشخيص بل تعداه إلى التصيير و التحويل . فحوله ‏على نار ملتهبة متأججة متوهجة بل تعداه إلى أعجب من هذا التصوير ، و لا أروع ‏و ألذ من هذا التعبير ؟ إنه الإعجاز يلبس ثوب الكناية فتنحني له هامات البلغاء ، و ‏يثير في النفس أسمى آيات الإعجاب . ‏
قال تعالى : " و لكن لا تواعدوهن سراً " سورة البقرة 235.‏
في هذه الآية كنى القرآن الكريم عن الجماع بالسر . تأمل هذه الكناية و مدى ما فيها ‏من اللطائف و الأنوار و الأسرار . تأمل هذه الكناية و مدى ما فيها من اللطائف و ‏الأنوار و الأسرار . إن في الكناية بالسر عن الجماع من ألوان الأدب و التهذيب ما ‏يعجز عن وصفه أساطين البيان ، و فيها من جمال التعبير ما يسترق الأسماع و يهز ‏العواطف و يحرك الأحاسيس و المشاعر . لقد ألبست الجماع الذي يتم في السر ثوب ‏السر فذهبت بسر الفصاحة و البيان . أبعد هذا يقال أن الكناية في القرآن يستطيع أن ‏يحاكيها بنو الإنسان ؟ أبداً و الله إن بني الإنسان من المعجز بحيث لا يمكنهم فهم ما ‏تنطوي عليه الكناية في القرآن من الأسرار . ‏
قالى تعالى : " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم " سورة آل ‏عمران . ‏
كنى القرآن الكريم في هذه الآية بنفي التوبة عن الموت على الكفر . تأمل هذه الكناية ‏و مدى ما فيها من الجمال و الروعة . ألا تحس أن التعبير الذي كنى به القرآن أجمل ‏من أي تعبير آخر ؟ ألا تحس أن في هذا التعبير إيجاز لطيف ؟ إن التعبير بجماله و ‏إيجازه و بديع نظمه فوق مقدور البشر . ‏
قال تعالى : " فجعلهم كعصف مأكول" سورة الفيل . كنى القرآن الكريم " بالعصف ‏المأكول " عن مصيرهم إلى العذر فإن الورق إذا أكل انتهى حاله إلى ذلك . ‏
تأمل هذه الكناية إن فيها من ألوان الأدب و الجمال ما لا يستقل به بيان ، و فيها من ‏الإعجاز اللطيف ما يعجز عن وصفه مهرة صناع الكلام . أما الأدب و الجمال ففي ‏التعبير عن العذرة بالعصف المأكول و هذا التعبير مما أنفرد به القرآن فلا يوجد في ‏غيره ، و أما الإيجاز اللطيف ففي اختصار مقدمات لا أهمية لها بالتنبيه على النتيجة ‏الحاسمة التي يتقرر فيها المصير . و فيها زيادة على ذلك التلازم الوثيق بين اللفظ و ‏المعنى الكنائي الذي لا يتخلف أبدا فإن العصف المأكول لابد من صيرورته إلى ‏العذرة . ‏
فالمعنى لا يؤدي إلا بهذا اللفظ لا يصلح لهذا المعنى حتى لتكاد تصعب التفرقة بينهما ‏فلا يدري أيهما التابع ؟ و أيهما المتبوع ؟ و من هنا يأتي الإعجاز . ‏
قال تعالى : " و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ، و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً ‏محسورا " سورة الإسراء . كنى القرآن الكريم في هذه الآية بغل اليد إلى العنق عن ‏البخل ، و ببسطها كل البسط عن الإسراف . تأمل الكنايتين تجد فيهما من روائع ‏البيان ما لا يحيط به فكر إنسان فيهما جمال في التعبير ، و روعة في التصوير ، و ‏إيجاز و تأثير ، و تنفير . ‏
حدثني بربك ألا ترى أن التعبير عن البخل باليد المغلولة إلى العنق فيه تصوير ‏محسوس لهذه الخلة المذمومة في صورة بغيضة منفرة ؟ فهذه اليد التي غلت إلى ‏العنق لا تستطيع أن تمتد ، و هو بذلك يرسم صورة البخيل الذي لا تستطيع يده أن ‏تمتد ، وهو بذلك يرسم صورة البخيل الذي لا تستطيع يده أن تمتد بإنفاق و لا عطية . ‏و التعبير ببسطها لك البسط يصور هذا المبذر لا يبقى من ماله على شيء كهذا الذي ‏يبسط يده فلا يبقى بها شيء . و هكذا استطاعت الكناية أن تنقل المعنى الذي يبسط يده ‏فلا يبقى بها شيء . و هكذا استطاعت الكناية أن تنقل المعنى قوياً مؤثراً ثم تأمل ‏التلازم الوثيق الذي لا يتخلف أبداً بين التعبير و المعنى الكنائي . إن هذا التلائم يدلك ‏على أن المعنى الكنائي لا يمكن تأديته و تصويره إلا بهذا التعبير ، و أن هذا التعبير ‏لا يصلح إلا لهذا المعنى . هل في مقدور البشر أن يحاكوا هذا الأسلوب ؟

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:29 PM
إعجاز في نغم القرآن


‏ ‏
إنك إذا قرأت القرآن قراءة سليمة ، و تلاوة صحيحة . أدركت أنه يمتاز بأسلوب . ‏إيقاعي ينبعث منه نغم ساحر يبهر الألباب ، و يسترق الأسماع ، و يسيل الدموع من ‏العيون . و يستولي على الأحاسيس و المشاعر ، و أن هذا النغم يبرز بروزاً واضحاً ‏في السور القصار و الفواصل السريعة ، و مواضع التصوير و التشخيص بصفة ‏عامة ، و يتوارى قليلاً أو كثيراً في السور الطوال و لكنه ـ على لك حال ـ ملحوظ ‏دائماً في بناء النظم القرآني . إنه تنوع موسيقي الوجود في أنغماه و ألحانه .‏
و لعنا لا نخطئ إن رددنا سحر هذا النغم إلى نسق القرآن الذي يجمع بين مزايا النثر ‏و الشعر جميعاً يقول المرحوم الأستاذ سيد قطب : " على أن النسق القرآني قد جمع ‏بين مزايا الشعر و النثر جميعاً ، فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحدة و ‏التفعيلات التامة ، فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة ، و أخذ ‏في الوقت ذاته من خصائص الشعر الموسيقى الداخلية ، و الفواصل المتقاربة في ‏الوزن التي تغنى عن التفاعيل ، والتقفية التي تغني عن القوافي ، و ضم ذلك إلى ‏الخصائص التي ذكرنا فجمع النثر و النظم جميعاً " .[ التصوير الفني في ‏القرآن سيد قطب ]. ‏
أقرأ معي الآيات الأولي من سورة النجم : ‏
بسم الله الرحمن الرحيم :" و النجم إذا هوى ، ما ضل صاحبكم و ما غوى ، و ما ‏ينطق عن الهوى ، أن هو إلا وحى يوحى ، علمه شديد القوى ، ذو مرة فاستوى ، و ‏هو بالأفق الأعلى ن ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى على عبده ما ‏أوحى ، ما كذب الفؤاد و ما رأى ، أفتمارونه على ما يرى " ؟ ‏
و لقد رآه نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهي ، عندها جنة المأوى ، إذ يغشى السدرة ما ‏يغشى ، ما زاغ البصر و ما طغى ، لقد رأى من آيات ربه الكبرى، أفرأيتم اللات و ‏العزى ، و مناة الثالثة الأخرى ؟ ألكم الذكر و له الأنثى ؟ تلك إذن قسمة ضيزى" ‏سورة النجم .‏
تأمل الآيات تجد فواصل متساوية في الوزن تقريباً ـ على نظام غير نظام الشعر ‏العربي ـ متحدة في حرف التقفية تماماً ، ذات إيقاع موسيقي متحد تبعاً و ذلك ، و تبعاً ‏لأمر آخر لا يظهر ظهر الوزن و القافية ، لأنه ينبعث من تألف الحروف في ‏الكلمات ، وتناسق الكلمات في الجمل ، و مرده إلى الحس الداخلي ، و الإدراك ‏الموسيقي ، الذي يفرق بين إيقاع موسيقي و إيقاع ، و لو اتحدت الفواصل و الأوزان ‏‏. و ألإيقاع الموسيقي هنا متوسط الزمن تبعاً لتوسط الجملة الموسيقية في الطول ‏متحد تبعاً لتوحد الأسلوب الموسيقي و إيقاع ، و لو اتحدت الفواصل و الأوزان . ‏
و لا يعني هذا أن كلمة " الأخرى " أو كلمة " الثالثة " أو كلمة " إذن " زائدة لمجرد ‏القافية أو الوزن ، فهي ضرورية في السياق لنكث معنوية خاصة . ‏
و تلك ميزة فنية أخرى أن تأتي اللفظة لتؤدي معنى في السياق لنكث معنوية خاصة ، ‏و تلك ميزة فنية أخرى أن تأتي اللفظة لتؤدي معنى في السياق ، وتؤدي تناسباً في ‏الإيقاع ، دون أن يطغى هذا على ذلك ، أو نحو يختل إذا قدمت أو أخرت فيه ، أو ‏عدلت في النظم أي تعدل . ‏
و إن هذا النغم القرآني ليبدو في قمة السحر و التأثير في مقام الدعاء ، إذا الدعاء ـ ‏بطبيعة ـ ضرب من النشيد الصاعد إلى الله ، فلا يحلو وقعه في نفس الضارع المبتهل ‏إلا إذا كانت ألفاظه جميلة منتقاة و جملة متناسقة متعانقة ، و فواصله متساوية ذات ‏إيقاع موسيقي متزن ، و القرآن الكريم لم ينطق عن لسان النبيين و الصديقين و ‏الصالحين إلا بأحلى الدعاء نغماً , و أروعه سحر بيان ، أن النغم الصاعد من القرآن ‏خلال الدعاء يثير بكل لفظة صورة ، و ينشئ في كل لحن مرتعاً للخيال فسيحا : ‏فتصور مثلاً ـ و نحن نرتل دعاء زكريا عليه السلام ـ شيخاً جليلاً مهيباً على كل ‏لفظه ينطق بها مسحة من رهبة ، وشعاع من نور ، و نتمثل هذا الشيخ الجليل ـ على ‏وقاره ـ متأجج. ‏
العاصفة ، متهدج الصوت ، طويل النفس ، ما تبرح أصداء كلماته تتجاوب في ‏أعماق شديدة التأثير . بل أن زكريا في دعائه ليحرك القلوب المتحجرة بتعبيره ‏الصادق عن حزنه و أساه خوفاً من انقطاع عقبه ، و هو قائم يصلي في المحراب لا ‏ينئ ينادي أسم ربه نداء خفياً ، و يكرر اسم " ربه " بكرة و عشياً ، و يقول في لوعة ‏الإنسان المحروم و في إيمان الصديق الصفي : " رب إني وهن العظم مني ، و ‏اشتعل الرأس شيباً ، و لم أكن بدعائك رب شقياً ، وإني خفت الموالي من ورائي ، و ‏كانت امرأتي عاقراً ، فهب لي من لدنك ولياً ، يرثني و يرث من آل يعقوب و اجعله ‏رب رضياً " سورة مريم . ‏
و إن البيان لا يرقى هنا إلى وصف العذوبة التي تنتهي في فاصلة كل آية بيائها ‏المشددة و تنوينها المحول عند الوقف ألفا لينة كأنها في الشعر ألف الإطلاق : فهذه ‏الألف اللينة الرخية المنسابة تناسقت بها " شقياـ وليا ـ رضياً " مع عبد الله زكريا ‏ينادي ربه نداء خفياً ، ولقد استشعرنا هذا الجو الغنائي و نحن نتصور نبياً يبتهل ‏وحده في خلوة مع الله ، و كدنا نصغي إلى ألحانه الخفية تتصاعد في السماء ، فكيف ‏بنا لو تصورنا جماعة من الصديقين الصالحين و هم يشتركون : ذكرانا و إناثا ، ‏شبانا ً بأصوات رخيمة متناسقة تصعد معا و تهبط معا و هي تجأر إلى الله ، و تنشد ‏هذا النشيد الفخم الجليل :" ربنا ما خلقت هذا باطلاً ، سبحانك فقنا عذاب النار ، ربنا ‏إنك من تدخل النار فقد أخذيته ، و ما للظالمين من أنصار ، ربنا إننا سمعنا منادياً ‏ينادي للإيمان أن آمنوا بركم فأمنا ، ربنا فأغفر لنا ذنوبنا ، و كفر عنا سيأتينا ، و ‏توفنا مع الأبرار ، ربنا و آتنا ما وعدتنا على رسلك و لا تخزنا يوم القيامة إنك لا ‏تخلف الميعاد ".‏
إن في تكرار عبارة " ربنا " لما يلين القلب ، و يبعث فيه نداوة الإيمان ، و أن في ‏الوقوف بالسكون على الراء المذلقة المسبوقة بهذه الألف اللينة لما يعين على الترخيم ‏و الترنيم ، و يعوض في الأسماع أحلى ضربات الوتر على أعذب العيدان .‏
و لئن كان في موقفي الدعاءين هذين نداوة و لين ، ففي بعض مواقف الدعاء القرآني ‏الأخرى صخب رهيب ، ها هو ذا نوح عليه السلام يدأب ليلاً و نهاراً على دعوة ‏قومه إلى الحق ، ويصر على نصحهم سراً و علانية ، و هم يلجون في كفرهم و ‏عنادهم ، ويفرون من الهدى فراراً ، و لا يزدادون إلا ضلالاً و استكباراً ، فما على ‏نوح ـ و قد أيس منهم ـ إلا أن يتملكه الغيظ و يمتلئ فمه بكلمات الدعاء الثائرة ‏الغضبى تنطلق في الوجوه مديدة مجلجة ، بموسيقاها الرهيبة ، و إيقاعها العنيف ، و ‏ما تتخيل الجبال إلا دكا ، و السماء إلا متجهمة عابسة و الأرض إلا مهتزة مزلزة ، ‏والبحار إلا هائجة ثائرة ، حين دعا نوح على قومه بالهلاك و التيار فقال: " رب لا ‏تذر على الأرض من الكافرين ديارا ، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك و لا يلدوا إلا ‏فاجراً كفاراً ، رب أغفر لي ولوالدي و لمن دخل بيتي مؤمنا ، و للمؤمنين و ‏المؤمنات ، و لا تزد الظالمين إلا تبارا" سورة الأحزاب . أما الحناجر الكظيمة ‏المكبوتة التي يتركها القرآن في بعض مشاهده تطلق أصواتها الحبيسة ـ بكل كربها و ‏ضيقها و بحتها و حشرجتها ـ فهي حناجر الكافرين النادمين يوم الحساب العسير ، ‏فيتحسرون و يحاولون التنفيس عن كربهم ببعض الأصوات المتقطعة المتهدجة ، ‏كأنهم بها يتخففون من أثقال الدين يدعون ربهم دعاء التائبين النادمين و يقولون :" ‏ربنا أنا أطعنا سادتنا و كبراءنا فأضلونا السبيلاً ، ربنا آتهم ضعفين من العذاب و ‏العنهم لعنا كبيراً ." سورة الأحزاب 67،68.‏
و إن هذه الموسيقى الداخلية لتنبعث في القرآن حتى من اللفظة المفردة في كل آية من ‏آياته ، فتكاد تستقل ـ بجرسها و نغمها ـ بتصوير لوحة كاملة فيها اللون زاهياً أو ‏شاحباً ، و فيها الظل شفيقاً أو كثيفاً . أرأيت لونا أزهي من نضرة الوجوه السعيدة ‏الناظرة إلى الله ، ولونا أشد تجهما من سواد الوجوه الشقية الكالحة الباسرة في قوله ‏تعالى : " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ، ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل ‏بها فاقرة " سورة القيامة . لقد استقلت في لوحة السعداء لفظة " ناضرة " بتصوير ‏أزهى لون و أبهاه ، كما استقلت في لوحة الأشقياء لفظة " باسرة " برسم أمقت لون ‏و أنكاه . ‏
‏ ‏
المصدر : ‏
إعجاز النظم في القرآن الكريم تأليف الأستاذ محمود شيخون . ‏
دراسات حول الإعجاز البياني في القرآن الدكتور المحمدي عبد العزيز الحناوي ‏
إعجاز القرآن البياني الدكتور عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ‏

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:31 PM
الإعجاز التشريعي في القرآن



إذا كان الغربيون يتباهون بأن حضارتهم كانت أول حضارة سبقت و أعلنت حقوق الإنسان رسمياً في مختلف دولها لأول مرة في التاريخ و يتفاخرون بأنهم لأول مرة في التاريخ و يتفاخرون بأنهم في القرن العشرين وضعوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و يعتبرونه النموذج المثالي لهذه الحقوق فإنهم نسوا أو تناسوا أن القرآن الكريم قد قرر هذه الحقوق منذ أربعة عشر قرناً بأسمى مبدأ للبشرية جمعاء يقول تعالى : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، إن الله عليم خبير "، و الخطاب في هذه الآية موجه للناس جميعاً و أنهم خلقوا على اختلاف أجناسهم و ألوانهم و دياناتهم من رجل واحد و امرأة واحدة و أنهم متساوون في الميلاد و الأصل ، والقرآن بهذه الآية يركز على وحدة الجنس البشري و لا فضل لأحد إلا بالتقوى .

و قد أشتمل القرآن على كثير من المبادئ السامية التي تدل على عظمته و أصالته و منها :

1. مبدأ حرية العقيدة و الرأي في قوله تعالى : " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " و قوله تعالى : " قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ، و لا أنتم عابدون ما أعبد ، و لا أنا عابد ما عبدتم ، ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم و لي دين "

2. قواعد عادلة في المعاملات : في قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " و قوله تعالى :" و أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" و قوله تعالى : " أحل الله البيع و حرم الربا " و قوله تعالى : "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه و ليكتب بينكم كاتب بالعدل " .

3. قوانين الأحوال الشخصية : و هي قواعد عادلة و مستقرة لتعلقها بِأحوال الإنسان الشخصية في الأسرة ، فوضع الشرع لها نظاماً كاملاً مفصلاً في مسائل الزواج و الطلاق و الحمل و العدة و الرضاع و النفقة و الميراث و حقوق الأبناء و ذوي القربى و توسع في أحكامها الكلية و جعلها مرنة و قابلة لاجتهاد المجتهدين من الفقهاء في استنباط أحكامها بما يساير الزمان و المكان .

4. القانون الجنائي : وهو بحق أعظم برهان يدل على عظمة القرآن في تشريعه لجرائم الحدود التي بين نوعها و حدد عقوباتها التي تتمثل فيها العدالة و الحكمة و الرحمة بما فيه الكفاية للردع و الزجر بصورة تكفل الأمن و السلام للعباد و البلاد .



دعائم الشريعة الإسلامية :

لابد لكل تشريع من دعائم يقوم عليها و تساعد على بقائه و دوامه بين الناس راضين بدالته و مطمئنين إلى حكمته و تمشيه مع مصالح الأفراد و الجماعة ، و الشريعة الإسلامية بحمد الله لها دعائمها الثابتة و خصائصها التي تجعل الناس تنقاد إليها عن قناعة و ثقة لأنها تتفق مع الفطرة السليمة و هي فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ، و هي كما تشهد لها جميع الشواهد شريعة تخاطب العقول السليمة و تحض على العمل وتدعو للجهاد في سبيل الله و تنادي بالتسامح و الحرية و المساواة والبر و ا لتقوى .

و من أهم دعائم الشريعة الإسلامية ما يأتي:

1. أنها شريعة سمحة لا تكلف الناس فوق طاقتهم لأن تكاليفها كلها ميسرة لا مشقة فيها في حدود استطاعة كل إنسان، و يقول الله سبحانه و تعالى في وصفها: " ما جعل الله عليكم في الدين من حرج " كما يقول سبحانه:" لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ".

2. أنها جاءت شريعة عامة لا نظر فيها إلى حالات فردية أو جزئية أو شخصية.

3. أنها سنت للناس رخصاً عند الضرورة رفعاً للضرر و منعاً للمشقة، فمثلاً فرضت الشريعة الصيام و لكنها رخصت بالفطر للمسافر و المريض و غير ذلك من الرخص.

4. قلة تكاليفها: لأنها اقتصرت على الأركان الخمسة و ما يتصل بها و يقول الرسول صلوات الله و سلامه عليه: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تعتدوها، و حرم أشياء فلا تنتهكوها، و سكت عن أشياء رحمة بكم فلا تبحثوا عنها ".

5. التدريج في الأحكام: لأنها عالجت العادات الذميمة المتأصلة في النفوس بالتدرج في استئصالها شيئاً فشيئاً من غير تشديد و لا تعقيد في النهي عنها و تحريمها، فمثلاً في عادة شرب الخمر جاء الإسلام بالأحكام متدرجة في تحريمها بأسلوب حكيم لم يشعر الناس معه بغضاضة أو حرج أو مشقة.

6. مسايرة مصالح الناس: و ذلك أنه شرع بعض الأحكام ثم نسخها إذا كان في ذلك المصلحة العامة كما حدث في بعض الأحكام الخاصة بالوصية و آيات المواريث، و كذلك تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بمكة المكرمة، كما أن بعض الأحكام السنة نسخت، فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه الصلاة و السلام أنه قال: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترقق القلب و تدمع العين و تذكر بالآخرة ".



أهم المبادئ التي جاءت التي جاءت بها الشريعة الإسلامية:

جاءت الشريعة الإسلامية بالمبادئ الآتية:

1. مبدأ التوحيد: فقد جمع الناس إله واحد. قال تعالى: " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلا الله ".

2. مبدأ الاتصال المباشر بالله دون وساطة فقال سبحانه تعالى : " و قال ربكم ادعوني أستجب لكم " و قوله جل شأنه :" فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " .

3. مبدأ التخاطب مع العقل: فالتشريع الإسلقال:عل العقول مناط التكليف خصوصاً فيما يتعلق بأمور الدنيا و بمعرفة الخالق لقوله تعالى: " فاعتبروا يا أولي الأبصار " و قوله سبحانه: " أفلا تعقلون ؟ " و يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما يرتفع العباد في الدرجات عند ربهم على قدر عقولهم "

4. مبدأ إحاطة العقيدة بالأخلاق الفاضلة لقوله تعالى : " و عباد الرحمن الذين يمشون في الأرض هوناً و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً . "

5. مبدأ التآخي بين الدين و الدنيا في التشريع فقد جاءت أحكامه بأمور الدين و الدنيا و دعا إليهما مصداقاً لقوله تعالى : " و ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا " .

6. مبدأ المساواة و العدالة بين الناس جميعاً لقوله تعالى : " إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" و قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبنته : " أعملي يا فاطمة فإني لا أغني عنك من الله شيئاً ".

7. مبدأ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و هو في الحقيقة دستور لجميع نواحي الإصلاح .

8. مبدأ الشورى لقوله تعالى : " و شاورهم في الأمر ".

9. مبدأ التسامح ، وهو من أسمى و أهم ما يعرف اليوم بمبدأ التعايش السلمي .

10.مبدأ الحرية لقوله تعالى : " لا إكراه في الدين ".

11.مبدأ التكافل الاجتماعي فقد جعل الله الزكاة فيها حق الفقير في مال الغني و ليست تفضلاً من الأغنياء على الفقراء.

و هذه المبادئ تدل على متانة بناء التشريع الإسلامي و قوة أركانه و صلاحيته للأحكام في كل زمان و مكان بين جميع الأجناس، و يدل على ذلك أن الأمة الإسلامية ازدهرت و قويت شوكتها حينما كانت تخضع في جميع شؤنها للشرع الإسلامي ، و أنها ضعفت و تفككت حينما انصرفوا عن شريعته و جمد الفقهاء و ركنوا إلى التقليد و حاولوا أن يخضعوا التشريع لأهوائهم و شهواتهم و أدى ذلك على الاستعانة بالقونين الوضعية على اعتبار أن الفقه الإسلامي لم يعد يتفق مع التطورات العالمية و ما تقضيه المدنية الحديثة من مجاراة الدول القوية الغنية .

و قد جاء التشريع الإسلامي بحلول جذرية لكثير من الجرائم التي كانت منتشرة و أوجد لها الحدود التي تكفل القضاء عليها منها :



جريمة قتل النفس



قال تعالى: " و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ، و من يقتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة و دية مسلمة إلى أهله ".

" و من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ، و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً " .

و قال صلى الله عليه و سلم : " كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه " .

تعتبر الشريعة الإسلامية التعدي النفس من أخطر الجرائم، لأن الإسلام أعلى من شأن الإنسان بقوله تعالى: " و لقد كرمنا بني آدم " و على قدر ما أعلى الإسلام من قدر الإنسان فإنه قد أشتد في العقوبة على من يعتدي على حياة غيره بغير حق، بل إن لإسلام اعتبر قتل النفس الواحدة بمثابة قتل الناس جميعا، وأن إحياء النفس الواحدة بمثابة إحياء النفس الواحدة بمثابة إحياء الناس جميعاً، و قد جعل الله عقاب القاتل كعقاب الكافر.

و بهذا الحكم العادل جعل الشرع القصاص علاجاً يمنع العدوان، إذ لم يجعل الإسلام لدم أحد من الناس فضلاً على دم آخر، بل إن الإسلام ليقتص من الحاكم نفسه إذا اعتدى على أحد من رعيته بالقتل العمد، لأن الإسلام نظر إلى القاتل على اعتبار أنه بفعلته الشنعاء ق سلب القتيل حياته و ترتب على ذلك أنه يتم أطفاله و أيم زوجته و حرم المجتمع من يد عاملة في خدمته كما أنه تحدى بذلك شعور مجتمعه و خرج على نظامه و قوانينه.

و يقص علينا القرآن قصة أول جريمة قتل في تاريخ البشرية تلك هي الجريمة التي قتل فيها قابيل ابن آدم عليه السلام هابيل ظلماً و عدواناً. و ذلك لأن آدم قد أمر والديه أن يتزوج كل منهما توأم أخيه و ألا يتزوج الأخت التي ولدت معه ، و كانت توأم قابيل أجمل من توأم هابيل فأباها على أخيه و أصر على أن يمسكها لنفسه ، على حين أطاع هابيل أمر أبيه الذي هو وحي سماوي ، ثم أنهما اتفقا على أن يحتكما إلى الله بأن يقدم كل منهما قرباناً لله فتقبل الله من هابيل و لم يتقبل من قابيل الذي ثار و لم يرض حكم الله و أصر على موقفه من العناد و سولت له نفسه قتل أخيه فقتله .

و كل ما جرى من هذا النزاع بين الأخوة ما هو إلا شرارة من شرارات الحسد اندلعت في صدر قابيل وشب ضرامها فكانت فتنة عارمة و جريمة قتل شنعاء ، و قد أحزن هذا الاعتداء قلب آدم فقضى أيامه الأخيرة في أيامه الأخيرة في ألم و صبر إلى أن عوضه الله عن هابيل بابنه شيث الذي كان قرة عين له و أعده ليكون خليقة له في النبوة ، فما كبر و اشتد عوده أمره أبوه أن يأخذ الثأر لهابيل بقتل قابيل الذي فر هارباً و عاش طريداً شريداً يتعقبه أخوه شيث إلى أن لقي مصرعه و حق عليه قول الله :" و من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ".

و من عدالة الإسلام في تشريعه أن جعل عقوبة القاتل أن يقتل لأن ذلك من الجزاء العادل الذي يستحقه بغير إبطال و لا هوادة و لا بحث في بواعث القتل ، و حتى هؤلاء الذين يقتلون أنفسهم انتحاراً لهم عذاب شديد يوم القيامة لأنهم قنطوا من رحمة الله و لا يقنط من رحمة الله إلا الكافرون .

و لا شك أن رحمة الله عظيمة بفرضه القصاص الذي جعل فيه حياة الناس و أمنهم و منع العدوان بينهم ، لأن من يهم بالقتل و الفتك بغيره و هو يعلم أن في ذلك هلاكه سيتردد و لا يقدم على تنفيذ جريمته فيبقى ذلك الخوف على حياة من يهم بقتله و هلاك نفسه ، و إن من يتدبر قوله تعالى : " و لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب " ليجد فيها كل الإعجاز البياني و التشريعي من حيث روعة الأسلوب و روعة المعنى و هما يؤكدان معجزة القرآن الكريم.

جريمة الحرابة

قال تعالى: " إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديه و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك له خزي في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم ".

و قال صلى الله عليه و سلم: " كل المسلم حرام دمه و ماله و عرضه ".

و الحرابة جريمة يعاقب عليها الشرع في إحدى الحالتين الآيتين :

(أ) ـ الاستيلاء على مال الغير مغالبة و في خفاء عن المجتمع .

(ب) ـ قطع الطريق على الناس و منع المرور فيه بقصد السلب و النهب الإخافة و الإرهاب .

و المحاربون هم الذين يجتمعون بقوة و شركة و يحمي بعضهم بعضاً و يقصدون إيذاء الناس في أرواحهم و أموالهم، و يخيفونهم و يثيرون الفزع و القلق في نفوسهم لإخضاعهم لأهوائهم الشريرة.

و قد نص القرآن على عقوبتها بقطع اليد اليمنى و ترك بقية الأطراف سليمة لكي يعمل بها لكسب رزقه من وجه حلال إذا ارتدع، و تجمع هذه العقوبة بين القسوة و الرحمة في آن واحد، و هذا ضرب من الإعجاز في العقوبة و الردع معاً، و قد أحل الشرع بعد ذلك قتله إذ ا تمادى في الجريمة و لم يرتدع، و يعاقب المحارب بالقتل إذا قتل سواء استولى على المال أم لم يستول عليه.

و قد نصت الآية على أنواع أخرى من العقوبات التي توقع على المحاربين الآثمين غير قطع أيديهم و أرجلهم من خلاف، لشل نصف الجسم المجرم عن الحركة و هي قتلهم و صلبهم تشهيراً بسوء عملهم و إذلال لهم.

و من هذه الأحكام تدل دلالة واضحة على أن الشريعة الإسلامية تنظر إلى آثار الجريمة التي فيها اعتداء شنيع على الأبرياء من الرجال و النساء و الأطفال ، و إزهاق أرواحهم و سلب أموالهم و شددت العقوبة بما يناسب ما أحدثته الحرابة من عدوان و ترويع للآمنين ثم إن لهم في الدار الآخرة عذاباً عظيماً هو عذاب الجحيم .

و المقرر في الشريعة الإسلامية أن جريمة الحدود لا يثبت ارتكابها إلا بوسائل إثبات مشددة و محدودة ، و هي في جملتها لا تخرج عن الاعتراف الصريح و الإقرار و البينة ، و يزيد بالبينة شهادة رجلين عدلين و يكون الإقرار في مجلس القضاء أمام القاضي .

و قد أثبت الأيام أن المجتمع الإسلامي عندما طبق أحكام الحدود عاش آمناً مطمئناً على أموله و أعراضه و نظامه ، بل إن المجرم نفسه كان يسعى لإقامة الحد عليه رغبة منه في تطهير نفسه بالتكفير عن ذنبه ، و عندما تهاون المجتمع الإسلامي في تطبيق الحدود و أنساق مع تشريعات الغرب الوضعية و بهره زخرفها الزائف تسرب إليه الفساد و أشاع فيه الإجرام ، و كاد يلحق بدول الغرب في التفنن في أساليب الجريمة .

و يرى التاريخ أن هشام بن عبد الملك من خلفاء بني أمية عطل حدا السرقة والحرابة سنة ، فتضاعفت حوادثها و صار الناس غير آمنين على أنفسهم و لا على أموالهم من النهب و السلب، و استشرى خطر اللصوص في البوادي و الحواضر ، فما تفاقم الأمر و اضطربت الأحوال أعاد هشام بن عبد الملك العقوبة كما شرعها الله تعالى ، فكان الإعلام بالإعادة و حده كافياً لردع المجرمين و صيانة الحقوق و حفظ الأموال و النفوس .

و كان من أبشع جرائم الحرابة في عصورنا الحديثة ما كان يحدث في الحجاز قبل الحكم السعودي لحجاج بيت الله من الاعتداء عليهم و اغتصاب أموالهم و إزهاق أرواحهم ، حتى أن الفقهاء المتأخرين أوجبوا على كل من يخرج للحج أن يكتب وصيته قبل أن يغادر بلده ، و كانت الحكومة في مصر و سوريا ترسل مع بعثاتها للحج الجنود المسلحين لحمايتها ، فلما حكم الجزيرة العربية الملك عبد العزيز آل سعود و نفذ الأحكام الشرعية كما أمر الله و رسوله ، هاب اللصوص و قطاع الطرق عقوبتها الشرعية التي تنفذ فوراً ، حتى أنه ليذكر بالحمد لهذا الملك الراحل أن عدد الأيدي التي قطعت في مملكته لا تزيد على ستة عشر يداً خلال أربعة وعشرين عاماً هي مدة حكمه .

و من الناس من يلهجون باستغلاظ عقوبة الحرابة و يحسبون أنها غير إنسانية ، و أولئك ينظرون إلى العقوبة و لا ينظرون إلى الجناية ، و يرحمون الجاني و لا يرحمون المجني عليه ، و المجني عليه هنا هو الجماعة التي تنهب أموالها وتسفك دماؤها ، و إنه كلما عظمت الجريمة كان لابد من أن تكون العقوبة قاسية و رادعة . والنبي صلوات الله عليه و سلامه يقول : " من لا يرحم لا يرحم " و لو أن عقوبة الحرابة طبقت في أمريكا و أوربا حيث العصابات الدولية لأمن الناس على أنفسهم ، و لما اضطربت الحكومة إلى تجنيد آلاف الجنود و صرف الأموال الطائلة في مطاردة هذه العصابات الآثمة .



جريمة السرقة :

قال تعالى : " و السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من لله و الله عزيز حكيم "

و قال صلى الله عليه وسلم : " كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه " .

" و أيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " .

السرقة نزعة شريرة تحمل صاحبها على ارتكاب جرائم عديدة فظيعة في سبيل الاستيلاء على مال غيره ، خفية أو كرهاً بدافع من خبث الطبع و فساد المنشأ و سوء التربية ، و هي عوامل تجره إلى ارتكاب جريمة القتل أحياناً إذا أعترضه معترض ، وقد يصل به الإجرام إلى قتل الأب أو الأم أو الأخوة من أجل سلب أموالهم ، و كثيراً ما سولت هذه النزعة الشريرة إلى خلق عصابات من الأشرار تعبث بالأمن في كثير من الدول ، وتستطيع بقوة سلاحها و إرهابها ووسائلها الإجرامية أن تسطو على أموال البنوك و خزائن الحكومات ، و متاع الأغنياء تسلب ما فيها و تخرب و تدمر ما شاء لها التدمير و التخريب ، وتعاني الحكومات من ويلاتها و تنفق الأموال الطائلة في مكافحتها و مقاومتها ، وكثيراً ما فرضت هذه العصابات سلطانها على الأبرياء الآمنين و روعتهم .

و هؤلاء السارقون الذين يجمعون الأموال الطائلة المنهوبة لا يجدون لها مصرفاً إلا مجال الموبقات و المنكرات ، و شراء ذمم الناس للتستر عليهم و تحريضهم على الفجور بأموالهم و نفوذهم ، و يلاحظ أن أكثر دور اللهو و الميسر و الدعارة كلها من منشآة أثرياء اللصوص و يقوم على حمايتها أعوانهم الفجرة .

و نظراً لخطورة جريمة السرقة وويلاتها شرع الإسلام عقوبات قاسية ورادعة تكفل القضاء عليها و التقليل من مضارها ، مستهدفة بهذه العقوبات مصلحة الجماعة لأنها تريد المحافظة على الضروريات اللازمة للناس في حياتهم التي قوامها : حماية النفس و العقل والنسل و المال و قد انتهج الإسلام لتحقيق هذه الغاية وسيلتين رئيسيتين هما : أولا وسيلة تهذيب نفس المسلم ذاته عن طريق المجتمع الإسلامي القائم على دعائم الاستقامة و المحبة و الطهر و التعاون على البر و التقوى ، و ثانياً وسيلة ما شرعه القانون الجنائي الإسلامي من إقامة الحدود لحماية الضروريات اللازمة لأمن الإنسان فجعل حد الردة لحماية الدين و حد القصاص للحفاظ على الأنفس ، و حد شرب الخمر لحماية لحماية العقل ، و حد الزنا و القذف لحماية العرض و النسل الخ....



عقوبة السرقة :

واجهت الشريعة الإسلامية جريمة السرقة بعقوبة قاسية هي قطع اليد ، لتكفل بذلك استئصال شأفة الجريمة و لتكوين بقسوتها رادعة و زاجرة لكل من تسول له نفسه العدوان على مال الغير خفية أو غصباً ، تهدف العقوبة إلى قطع اليد لأنها هي الأداة التي استعملها السارق و ساعدته على ارتكاب جريمته ، و ذلك لمنع استعمالها مرة أخرى في السرقة ، و حكمة التشريع في قطع اليد أنها تعتبر أن الجرائم الخطيرة لا يفلح في ردها إلا عقوبات صارمة و مؤلمة ، ليس فيها لين أو رخاوة ليكون الجزاء من جنس العمل ، و لتكون العقوبة ملازمة للجاني و ظاهرة للناس و محذرة لهم .

شروط قطع اليد :

أشترط في السرقة المعاقبة عليها بقطع اليد أن يكون الجاني بالغاً من الرشد عاقلاً و غير محتاج و لا مضطر للسرقة ، و أن يكون المسروق مملوكاً للغير و محفوظاً في حرز و لا يقل نصابها عن سبعة عشر جراماً من الذهب أو ما يعادل ذلك نقداً ، وهذا هو العقاب المقدر لحد القطع ، و إذا قل عن ذلك فلا قطع ، و قد أتفق الفقهاء على قطع يد السارق اليمنى في السرقة الأولى فإذا عاد للسرقة تقطع رجله اليسرى في رأي بعض الفقهاء و ذلك لشل حركة السارق فإذا عاد بعد ذلك فلا قطع و إنما يحبس إلى مدة غير محدودة حتى يموت أو يتوب نهائياً .

حالات لا تقام فيها الحدود :

لا يطبق حد السرقة إذا حصلت في الأماكن العامة أثناء العمل فيها ن و حيث لا حراسة فيها للمال أو في أماكن مأذون للجاني بدخولها ، ولم يكن الشيء المسروق محرزاً ، أو أن تحصل السرقة بين الأصول و الفروع من أفراد الأسرة أي بين الأب وولده أو بين الزوج و زوجته ، أو كان المال المسروق مجهولاً لا يعرف صاحبه ، أو كان الجاني دائناً لصاحب المال المسروق ، وكان مماطلاً و جاحداً ، و ان السارق استولى على ما يوازي حقه فقط .

و قد يحلو لبعض الناقدين الجاهلين بحكمة التشريع الإسلامي أن يصفوا عقوبة قطع اليد بالقسوة و عدم الرحمة ، و يتباكون على الأيدي المقطوعة ناسين أو متناسين ما أحدثته هذه الأيدي الآثمة من أذى و قتل و تخريب و فساد في الأرض و ترويع الآمنين ، فهم يشفقون على الجاني و لا يشفقون على المجني عليهم ، و حقيقة الواقع الذي لا خفاء فيها في عصرنا أن الدول الإسلامية التي طبقت أحكام الشريعة الإسلامية قلت فيها جرائم السرقة ، و دليل ذلك ما يحدث في المملكة العربية السعودية التي طبقت شرع الله ، فإنه لم يقطع فيها يد السارق إلا في القليل جداً من الحالات ، و حبذا لو احتذت الدول الإسلامية الأخرى حذو المملكة العربية السعودية ، ليهيء لألها الآمن و الطمأنينة على أموالهم و أنفسهم ، و إنه من الإنصاف أن ننظر إلى قطع اليد لا يقصد الشرع به الرغبة في قطع الأيدي ، بل هو الرغبة في سلامة هذه الأيدي من القطع بمثل هذه العقوبة المخيفة التي تمنع السارق من ارتكاب جرائمه ، فهل بعد ذلك رحمة في قسوة الأحكام التي تحفظ الأمن و تمنع الإجرام .



المصدر :

عن كتاب القرآن و إعجازه التشريعي تأليف الأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم .

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:32 PM
تحريم الإسلام زواج الأقارب

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) متفق عليه .

أثبتت الأبحاث العلمية التي أجريت حديثا وجود أجسام في لبن الأم المرضعة الذي يترتب على تعاطيه تكوين أجسام مناعية في جسم الرضيع بعد جرعات تتراوح من ثلاث إلى خمس جرعات .... وهذه هي الجرعات المطلوبة لتكوين الأجسام المناعية في جسم الإنسان , حتى في حيوانات التجارب المولودة حديثا والتي لم يكتمل نمو الجهاز المناعي عندها .... فعندما ترضع اللبن تكتسب بعض الصفات الوراثية الخاصة بالمناعة من اللبن الذي ترضعه , وبالتالي تكون مشابهة لأخيها أو لأختها من الرضاع في هذه الصفات الوراثية . ولقد وجد أن تكون هذه الجسيمات المناعية يمكن أن يؤدي إلى أعراض مرضية عند الإخوة في حالة الزواج . ومن هنا نجد الحكمة في هذا الحديث الشريف الذي نحن بصدده في تحريمة زواج الإخوة من الرضاع والذي حدد الرضعات بخمس رضعات مشبعات أ.هـ(1) .

و إن القرابة من الرضاعة تثبت وتنتقل في النسل . والسبب الوراثة ونقل الجينات , أي أن قرابة الرضاعة سببها انتقال جينات ( عوامل وراثية ) من حليب الأم واختراقها لخلايا الرضيع واندماجها مع سلسلة الجينات عند الرضيع يساعد على هذه النظرية أن حليب الأم يحتوي على أكثر من نوع الخلايا ومعلوم أن المصدر الطبيعي للجينات البشرية هو نواة الخلايا DNA كما يحتمل أن الجهاز الوراثي عند الرضيع يتقبل الجينات الغريبة لأنه غير ناضج , حاله حال عدة أجهزة في الجسم , لا يتم نضجها إلا بعد أشهر وسنوات من الولادة وإذا صح تفسير قرابة الرضاعة بهذه النظرية فإن لها تطبيقات في غاية الأهمية والخطورة أ.هـ (2)

المصدر :

(1) الإعجاز العلمي في الإسلام السنة النبوية " محمد كامل عبد الصمد

(2) " العلوم في القرآن " د : محمد جميل الحبّال د : مقداد مرعي الجواري

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:34 PM
البلاغة في القرآن الكريم



البلاغة في القرآن الكريم - قل سيروا في الأرض

تسابيح وخواطر الشعراوي




قال تعالى : ( قل سيروا في الأرض ) .. لماذا لم يقل الله : قل سيروا على الأرض .. هل أنا أسير في الأرض .. أو على الأرض .. حسب مفهوم الناس جميعا .. فأنا أسير على الأرض





.. ولكننا نجد أن الله قد استخدم كلمة في .. ولم يستخدم كلمة على .. يقول : سيروا في الأرض ( ففي ) تقتضي الظرفية .. والمعنى يتسع لأن الأرض ظرف المشي .. ومن هنا فإن التعبير جائز .. ولكن ليس في القرآن كلمة جائز .. فالتعبير بقدر المعنى تماما .. والحرف الواحد يغير المعنى وله هدف .. وقد تم تغييره لحكمة لكن ما هي حكمة استخدام حرف ( في ) بدل من حرف ( على ) .. ؟
عندما تقدم العلم وتفتح وكشف الله أسرار الأرض وأسرار الكون .. عرفنا أن الأرض ليس مدلولها المادي فقط .. أي أنها ليست الماء والأرض .. أو الكرة الأرضية وحدها .. ولكن الأرض هي بغلافها الجوي .. فالغلاف الجوي جزء من الأرض يدور معها ويلازمها .. ومكمل للحياة عليها .. وسكان الأرض يستخدمون الخواص التي وضعها الله في الغلاف الجوي في اكتشافاتهم العلمية .. والدليل على ذلك أنك إذا ركبت الطائرة فإنها ترتفع بك 30 ألف قدم مثلا عن سطح الأرض .. ولكنك تقول أنت تطير في الأرض .. متى تخرج من الأرض علميا وحقيقة .. عندما تخرج من الغلاف الجوي للكرة الأرضية مادمت أن في الغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية .. فأنت في الأرض .. وليست خارج الأرض .. فإذا خرجت من الغلاف الجوي .. فأنت في هذه اللحظة التي تخرج فيها خارج الأرض .. الغلاف الجوي متمم للأرض .. وجزء منها .. ويدور معها نعود إلى الآية الكريمة ونقول : لماذا استخدم الله سبحانه وتعالى لفظ في ولم يستخدم لفظ على .. ؟ لأنك في الحقيقة تسير في الأرض .. وليس على الأرض .. هذه حقيقة علمية لم يكن يدركها العالم وقت نزول القرآن .. ولكن الله سبحانه وتعالى هو القائل .. وهو الخالق يعرف أسرار كونه .. يعلم أن الإنسان يسير في الأرض .. أنه يسير على سطح الأرض .. ومن هنا فهو يسير في الأرض التي هي جزء آخر .. وهكذا نجد دقة التعبير في القرآن في حرف .. ونجد معجزة القرآن في حرف

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:35 PM
البلاغة في القرآن الكريم - اختلاف الصبر

تسابيح وخواطر الشعراوي




يقول الله سبحانه وتعالى : ( واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) ثم نجد في آية ثانية : ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) زادت هنا اللام .. أي إنسان يقول إن زيادة اللام هنا للتأكيد .. كلمة مترادفة .. لا يتوقف عندها كثيرا .. ولكن المسلم حين يدقق في معاني القرآن الكريم .. يجد أن كل حرف في القرآن الكريم .. قد تم وضعه بحكمه بالغة .. وأنه لا شيء اسمه مترادفات





وإنما لكل لفظ معنى يؤديه , ولا يؤديه اللفظ الآخر .. رغم التشابه .. فإذا دققنا في المعنى نجد ما يلي : في الآية الأولى يقول الله سبحانه وتعالى ( واصبر على ما أصابك ) . والأمر هنا نوعان نوع للإنسان فيه غريم .. ونوع لا يوجد فيه غريم .. عندما أمرض ليس لي غريم .. وإذا أصابني مكروه بقضاء وقدر .. كان أكون سائرا في الطريق فيسقط شيء فوقي ليس هناك غريم .. إنما عندما أسير في الشارع ويعتدي على إنسان بالضرب .. إذن هناك غريم . فهناك نوعان من الصبر .. صبر النفس وما ليس لي فيه غريم .. وهذا هين لأنه ليس هناك إنسان انفعل عليه .. ولا أملك أن أرد على شيء قد حدث لي .. ما حدث هو قضاء الله .. وأنا ليس أمامي إلا الصبر .. هذا نوع من الصبر لا يحتاج إلى طاقة كبيرة ليمارسه الإنسان .. لأنه ليس هناك غريم أستطيع أن أرد له ما أصابني . والنوع الثاني من الصبر .. محتاج إلى جلد .. ومحتاج إلى قوة إرادة .. وهذا النوع هو الذي يوجد لي فيه غريم أستطيع أ انتقم منه .. وأستطيع أن أصفح وأغفر .. إذن عندما يتحدث الله سبحانه وتعالى عن الصبر بنوعيه .. يعطي لكل نوع ما يستحقه من وصف للنفس البشرية .. فهو عندما يتحدث عن الصبر على شيء ليس له .. فيه غريم يقول : ( واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) وعندما يتحدث عن الصبر الذي لي فيه غريم بحيث أستطيع أن أنتقم وأكون منفعلا إذا لم أنتقم .. يقول سبحانه وتعالى : ( إن ذلك لمن عزم الأمور ) هنا اللام للتأكيد في نوع الصبر .. وما يحتاجه من جلد وضبط للنفس .. ففي الحالة الأولى حينما لا تستطيع أن تعاقب بمثل ما عوقبت به .. يكون الصبر من عزم الأمور .. ولكن في الحالة الثانية فإنك تستطيع أن تنتقم من غريمك ولذلك قال الله سبحانه وتعالى : ( ولمن صبر وغفر ) وهنا يظهر من كلمة غفر .. أن هناك غريما يمكن الانتقام منه .. وأن هذا الغريم قد غفر الإنسان له .. ومن هنا لابد أن تأتي اللام للتأكيد .. لتؤكد المعنى .. وتؤكد الفرق بين عزم الأمور في الحالة الأولى .. وعزم الأمور في الحالة الثانية .. وهكذا نرى أن حرفا واحدا في القرآن الكريم يصنع معجزة

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:35 PM
البلاغة في القرآن الكريم - لماذا التغيير

تسابيح وخواطر الشعراوي




قال تعالى : ( سقاهم ربهم شرابا طهورا ) هذا قول الله سبحانه وتعالى .. وفي آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى : ( وإن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ) لماذا لم يقل سبحانه لو استقاموا على الطريقة لسقيناهم .. مع أن سقى وأسقى بمعنى واحد .. واللفظان يتعديان لمفعولين





ما هو الخلاف .. هل هي مجرد مترادفات .. أم ألفاظ تتغير حتى لا تتكرر نفس الألفاظ .. أبدا .. كل تغيير له حكمه .. كل تغيير يحدد معنى معينا لا يحدده غيره .. ونحن حين نأتي ونتابع القرآن الكريم نجد أن سقى تستخدم في الأمر الذي ليس فيه كلفة ولا علاج .. وأسقيناهم في الأمر الذي فيه كلفة وعلاج .. هذا في أمور الدنيا ( أسقيناهم ماء غدقا ) أمر فيه كلفة .. فيه جهد .. نحن أوجدنا لهم الماء وجعلناه متوافر لديهم بلا تعب ولا نصب .. فهو موجود في البئر .. ولكن لكي تتم السقيا يجب أن يذهب الإنسان إلى البئر ليشرب .. أو أن يحضر له إنسان آخر الماء .. إذن هنا في أسقيناهم .. رغم أن الماء موجود بقدرة الله سبحانه وتعالى .. ومتوافر بقدرة الله سبحانه وتعالى .. إلا إن عملية السقا فيها عمل من الإنسان .. أو جزء من العمل .. فإذا أتينا إلى كلمة سقيناهم .. نجد الله سبحانه وتعالى يقول : ( وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) هذا في الجنة .. بمجرد الخاطر ليس فيه كلفة .. إذا أحسست بالعطش وجدت الماء أمامك يصل إلى فمك .. هنا في الآخرة لا يوجد أي جهد ولا أي كلفة للإنسان في أي عمل يعمله .. فكل شيء في الجنة متى تمناه الإنسان وجده حاضرا أمامه .. إذن فقول الله سبحانه وتعالى : ( وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) معناه أن السقيا هنا في الجنة ليس فيها أي جهد .. ولا أي كلفة .. ولذلك فرق الله سبحانه وتعالى بين السقيين .. رغم إنه هو الذي أوجد الماء أو ما يتم شربه في الحالتين
وقول الله تعالى : ( يعملون .. ) ( ويعقلون ) إذا مضينا نقرأ القرآن الكريم .. نجد الله سبحانه وتعالى قد استخدم لفظا معينا .. وفي حالة مماثلة لم يأت بنفس اللفظ حتى انك حين تسمع الآية تظن أنه سيأتي باللفظ الأول .. ولكنه لا يأتي به .. مثلا يقول الله سبحانه وتعالى : ( أو لو كان آباؤهم لا يعلمون ) ويقول الله سبحانه وتعالى : ( أو لو كان آباؤهم لا يعقلون ) لماذا الاختلاف في الكلمة .. مع أن العلم والعقل واحد .. أقول إن هناك فرقا كبيرا يحتم في مرة استخدام لفظ يعلمون .. وفي مرة استخدام لفظ يعقلون .. نأتي إلى نص الآيتين الكريمتين في سورة البقرة يقول الله تعالى : ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ءاباءنا أو لو كان ءاباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون * ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) والآية الثانية في سورة المائدة : ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا أو لو كان ءاباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون * يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) ولكن عندما يأتي المستشرقون يقولون إن اللفظين مترادفان .. فالعلم والعقل .. العقل والعلم شيء واحد.. والعاقل من علم أو من استطاع أن يعقل العلم , ويقولون إن هذه مترادفات إلى آخر ما يقال في هذا الموضوع
نقول لهم إنكم حينما تقولون هذا الكلام .. إنما لا تعرفون شيئا عن بلاغة القرآن الكريم .. فالله سبحانه وتعالى لا يستخدم لفظين لأداء نفس المعنى ولكن كل لفظ له معناه كل لفظ يعبر بدقة عن المعنى المراد منه .. فالله سبحانه وتعالى عندما يقول يعقلون .. معناها إنهم لا يفهمون شيئا أي ليس لهم عقول تفكر .. لا يتدبرون في أمر هذا الكون .. إنهم لا يستخدمون عقولهم .. ولو استخدموها وفكروا وتأملوا قليلا لوصلوا إلى أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق البارئ .. وإن هذا الكون بدقته وبديعه لا يمكن إلا أن يكون من خلق الله سبحانه وتعالى .. هذه في كلمة يعقلون .. إذن هنا هو نفي عنهم التدبر والتعقل في أمور العبادة وفي أمور هذا الكون
ولكن عندما يقول الله سبحانه وتعالى لا يعلمون فهو قد نفي عنهم التعقل والعلم معا .. بمعنى أنني قد أكون أنا باحثا في هذا الكون .. قد أكون متأملا فيه عاقلا لما يدور .. فافكر بعقلي .. وأصل إلى أشياء .. هذا هو الإنسان الذي يعقل .. أما قوله تعالى : ( لا يعلمون ) فهو يريد أن يقول لنا . إنهم بجانب عدم تدبرهم في هذا الكون .. وإنهم لا يعقلون الآيات الموجودة فيه .. هم أيضا لا يعقلون ما علمه غيرهم من العلم .. فالذي لا يعقل لا يتدبر ولا يفكر في آيات الكون .. أما الذي لا يعلم فهو لا يفكر بعقله .. ولا يعلم ما عقله غيره .. إنه ليس لديه علم .. ولا علم له من نتاج عقل غيره .. فالعلم أوسع م التعقل .. ذلك أن العلم قد يكون علم غيري دونه أو كتبه وسجله وأكون أنا في هذه الحالة قد أخذت هذا العلم .. وقرأته .. فكأني علمت ما عقله غيري .. وهذا يحدث لنا كل يوم فنحن حين نقرأ كتابا جديدا نعقل ما علمه غيرنا .. وحين نذهب إلى الجامعة ندرس ما علمه الأساتذة وكبار المفكرين .. فأنا لم أعقل الجاذبية مثلا .. ولم أعقل قوانين الفضاء لأنني لم اشتغل به لكي أصل إليها بعقلي .. ولكني علمتها عن طريق عالم في الفضاء .. أو في الجاذبية .. ووصل بعقله وفكره إليها ثم قرأت أنا ما علمه هو .. فأنا هنا علمت ما عقله غيري .. فالله سبحانه وتعالى حين يقول لا يعقلون في الآية الأولى .. أي إنهم لا يتدبرون في الكون مستخدمين عقولهم .. لأنهم يقولون .. ( بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) ومن هنا فإن الله رد عليهم ( أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) ولذلك يصفهم الله سبحانه وتعالى : ( صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) أي لا يسمعون ولا يرون ولا يتحدثون بآيات الله سبحانه وتعالى وهذا هو السبب في أنهم لا يعقلونها .. ولكن حين يقول الله سبحانه وتعالى : ( لا يعقلون ) .. تأتي ردا على كافرين .. قالوا : ( حسبنا ما وجدنا عيه آباءنا ) هنا هم قد نطقوا .. قالوا : لا نريد شيئا .. ولا نريد علما . . يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا .. فرد الله سبحانه وتعالى : ( أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) أن أنهم لا يعلمون علما بعقلهم .. ويرفضون العلم الذي وصل إليه غيرهم .. وهكذا نرى الفرق بين كلمة لا يعقلون .. وكلمة لا يعلمون

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:36 PM
البلاغة في القرآن الكريم - نرزقهم .. ونرزقكم

تسابيح وخواطر الشعراوي




ننتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى تشهد على بلاغة القرآن الكريم .. ودقة التعبير فيه .. والقرآن الكريم ملئ بإعجاز لا ينتهي أبدا .. مثلا بعض الآيات في القرآن الكريم يقول العقل السطحي أن معناها واحد .. ويتساءل لماذا غير الله سبحانه وتعالى الألفاظ .. ولكن المتدبر في القرآن الكريم لا يمكن أن يقول إنها توارد ألفاظ .. فليس هناك شيء في القرآن الكريم اسمه توارد ألفاظ ولكن هناك دقة بالغة في التعبير .. واختيار اللفظ





فالنظر إلى المعنى الذي قد لا يفطن إليه كثير من الناس .. مثلا فإن وأد البنات كان موجودا في الجاهلية .. ثم جاء الإسلام ليمنع هذا .. فقال الله سبحانه وتعالى : ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقهم وإياهم ) .. الكلام هنا عن الفقر وقتل الأولاد .. نأتي بعد ذلك إلى الآية الثانية .. : ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ) والآية الأولى : ( نحن نرزقكم وإياهم .. ) والآية الثانية : ( نحن نرزقهم وإياكم ) نسأل م هو الخلاف .. الآية الأولى تقول ولا تقتلوا أولادكم من إملاق .. أي أن الفقر موجود فعلا .. الإملاق وهو الفقر موجود فعلا .. ثم يقول الله سبحانه وتعالى نحن نرزقكم وإياهم .. ما دام الفقر موجودا فعلا .. يكون الإنسان مشغولا برزقه أولا .. يبحث عن طعامه هو أولا ثم بعد ذلك يبحث عن طعام من سيأتي به من أولاد .. هم الإنسان هنا هو البحث عن طعامه وطعام زوجته .. ومن هنا يقول الله سبحانه وتعالى : ( نحن نرزقكم وإياهم ) .. أي أنه يطمئنه أولا على رزقه الذي هو شغله الشاغل .. ثم بعد يطمئنه على رزق أولاده فيقول له : أنت فقير ومشغول برزقك .. وتخشى أن تأتيك الأولاد .. لأنك لا تملك ما تطعمهم به .. إنني أرزقك وأرزقهم .. انك لك رزقك وهم لهم أرزاقهم لن يأخذوا من رزقك شيئا ولكن الآية الثانية تخاطب نوعا آخر من الناس .. الآية الثانية تقول : ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ) هنا الإنسان ليس مشغولا برزقه لا يخشى الفقر ... عنده م يكفيه .. ولكن يخاف أن رزق بطفل أن يصاب بالفقر .. أن يأخذ هذا الطفل جزءا من الرزق .. ويصبح الرزق لا يكفيه .. ويكفي طفله .. ومن هنا فإن هذا الإنسان يخاف إنجاب الأطفال .. لماذا ؟ لأنه يخشى أن يأخذوا من رزقه شيئا .. فيصبح فقيرا .. فيقول الله سبحانه وتعالى : ( نحن نرزقهم وإياكم ) .. الآية الأولى كان الشغل الشاغل الإنسان هو رزقه .. فخاطبه الله سبحنه وتعالى أولا بقوله نحن نرزقكم .. ليطمئنه أولا على رزقه .. الآية الثانية رجل ميسر في الرزق لكنه يخشى الفقر من الأولاد .. فالله طمأنه على أن الأولاد لن يأخذوا من رزقه شيئا بقوله سبحانه وتعالى : ( نحن نرزقكم وإياكم ) وقال : ( نحن نرزقكم وإياكم ) .. ولم يقل نحن نرزقكم جميعا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن نعرف إنه لكل إنسان في هذه الدنيا رزق مستقل عن الآخر .. وهذا الرزق الذي قسمه الله سبحانه وتعالى لا يستطيع إنسان آخر أن يأخذ منه شيئا .. ومن هنا فالمولود لا يأخذ من رزق أبيه شيئا .. والوالد لا يأخذ من رزق ابنه شيئا .. ولأعلم أنني حينما أرزق بمولد أن الله سبحانه وتعالى لا يقسم رزقي بيني وبينه .. أو عندما أقتل المولود لن استأثر أنا برزق أكبر .. أبدا

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 05:37 PM
البلاغة في القرآن الكريم - أنت العزيز

تسابيح وخواطر الشعراوي




قال تعالى : ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ء أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلــهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ) ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) فهذا مفروغ منها ..





.. فنحن جميعا عباد الله مقهورون لإرادته .. خاضعون له سبحانه وتعالى ولقضائه .. ثم يقول عيسى بن مريم : ( وإن تغفر لهم ) هذا طبعا ما يرجوه كل إنسان من الله سبحانه وتعالى الرحمة والمغفرة .. ولكن هنا يتبع كلمة ( وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) . لماذا لم يقل إنك أنت الغفور الرحيم ؟ هنا موقف غفران .. فلماذا العزة في موقف الغفران .. وليست المغفرة والرحمة ؟ يقول بعض الناس إن العبارة غير متمشية .. وإن سياق الكلام كان يقتضي أن يقول عيسى بن مريم ( إنك أنت الغفور الرحيم ) ونحن نقول إن كل من يثير هذا الكلام لا يفهم إعجاز القرآن .. فقول ابن مريم ( إن تغفر لهم ) .. يحمل نفس المعنى في إنك أنت الغفور وإلا أن لم تكن غفورا فكيف تغفر . ولكن قوله إنك أنت العزيز الحكيم ما سبب وضع العزيز الحكيم هنا .. هل الآية مختومة بما لا يتمشى مع العقل ؟
الآية مختومة بعبارة من أبلغ ما يمكن .. هنا في مطلب الغفران .. وهو يدعو الله أن يغفر لعباده .. فيقول له : وإن تغفر لهم .. فإنك أنت العزيز .. أي الذي لا يحاسبه أحد على ما يفعل .. فلا أحد سيأتي ليقول لله لماذا غفرت لهؤلاء الناس الذين عصوا ؟ لأنك أنت العزيز لا يحاسبه أحد .. وليس فوقه قوة .. فأنت يا ربي إن أردت أن تغفر لهم فهي مشيئة رحمتك .. فإنك قادر .. لماذا ؟ لأنك أنت العزيز تستطيع أن تفعل ذلك دون أن يسألك أحد .. الحكيم الذي يتم كل أمر منك بحكمة
وهكذا نرى أن هذه الكلمة وضعت بحكمة زيادة في الاستغفار .. زيادة في طلب المغفرة .. يا ربي اغفر لهم إنك أنت العزيز .. لا يحاسبك أحد .. ولا يعقب عليك .. وبالتالي فنحن نلوذ بشيئين بأنك غفور رحيم .. وبأنك عزيز حكيم .. غفور تغفر الذنوب للعاصين .. وعزيز تستطيع أن تغفر ما تشاء لمن تشاء .. بلا قيود .. ولا يحاسبك أحد على ما تفعل .. ولا يعتب عليك .. ولا يسألك .. انك تستطيع أن تغفر الذنوب مهما بلغت .. هل وضح الآن معنى استخدام كلمة العزيز ؟

أحمد سعد الدين
11-12-2004, 06:03 PM
البلاغة في القرآن الكريم - ظالم النفس . . والسوء

تسابيح وخواطر الشعراوي




ننتقل بعد ذلك إلى نقطة ثانية .. في الآية الكريمة .. : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ) .. وقوله تعالى : ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ) بعض الناس يتساءل : أليست الفاحشة والسوء هما ظلم النفس .. انهما نفس الشيء . . فالذي يظلم نفسه يقودها إلى العذاب .. والذي يفعل فاحشة يقود نفسه إلى العذاب .. نفس الشيء .. بل إن بعض الناس يقولون إن العطف هنا غير واجب





ولكنني أقول لهم أن دقة التعبير .. ودقة اللفظ م دقة القائل .. والله سبحانه وتعالى يبين لنا إعجاز القرآن .. ويقول لنا إن هناك فارقا بين من يفعل سوءا أو فاحشة .. ومن يظلم نفسه .. ما هو هذا الفارق ؟ الذي يفعل سوءا أو فاحشة يفعلها ليحقق لذة عاجلة .. نفس ضعيفة يغلبها الهوى وتخضع لبريق الدنيا .. إنسان شرب الخمر .. حقق لنفسه لذة الخمر .. إنسان زنا .. حقق لنفسه شهوة عاجلة .. إنسان سرق مال غيره .. حقق لنفسه شهوة عاجلة بالتمتع بهذا المال .. هذا هو الإنسان الذي يفعل السوء أو الفاحشة .. أما الإنسان الذي يظلم نفسه فهو إنسان آخر ... إنه يرتكب إثما ولا يستفيد منه .. لا يعطي نفسه شيئا في الدنيا ولا في الآخرة .. حينئذ يكون قد ظلم نفسه .. بمعنى إنه لا أعطاها شيئا عاجلا .. ولا نجاها من عذاب الآخرة
ومن الناس من يبيع دينه بدنياه .. ومنهم من يبيع دينه بدنيا غيره .. الذي يبيع دينه بدنياه يطلب العاجلة .. أما من باع دينه بدنيا غيره .. خاب في الأولى والآخرة .. هو الذي ظلم نفسه .. ولكن كيف يظلم الإنسان نفسه ارتكب إثما .. شهادة الزور دون أن يحقق نفعا دنيويا
إذا قبض ثمن شهادة الزور .. يكون قد حقق نفعا دنيويا .. ولكن الذي يظلم نفسه هو الذي يفعل ذلك ليرضي غيره .. ونجد كثيرين في الدنيا مثل هؤلاء . إنسان يتهم إنسانا آخر بتهمة باطلة .. لا يستفيد هو شيئا ... ويرتب الإثم , إذن هو ظلم نفسه .. إنسان يكتب تقريرا كاذبا في إنسان ليمنع ترقيته .. أو يتطوع بحديث يختلقه عن شخص ليمنع الخير عنه أو يؤذيه .. أو يشي بشخص كذبا ليدخله السجن .. أو يضعه في الاعتقال .. أو يتجسس على إنسان ليلفق له تهمة لمجرد الانتقام التافه .. كل هؤلاء يظلمون أنفسهم .. إنهم يرتكبون الإثم في الدنيا .. ولا يجعلون له فائدة لا في دنياهم .. ولا في آخرتهم .. فكأن الذي ظلم نفسه هو الذي جعلها تدخل النار .. هو الذي جعلها ترتكب الإثم .. وفي نفس الوقت لم يعطها شيئا على وجه الإطلاق .. فهو ظالم لنفسه في الدنيا .. ظالم لنفسه في الآخرة .. وهنا فرق بين التعبيرين .. ومن هنا لا نقول أبدا هذا عطف .. ولا ألفاظ مترادفة بل دقة بالغة في التعبير