يحيي هاشم
03-04-2006, 11:49 PM
النص الكامل لرواية «غواية الإسكندر» للروائي الكبير محمد جبريل
الفصل الأول
................
تبينت وقفتى فى التقاء شوارع إسماعيل صبرى ورأس التين وفرنسا .
أفق البحر يبين فى تقاطع إسماعيل صبرى والكورنيش . السماء صافية الزرقة ، والقوارب متناثرة فى المينا الشرقية ، وأسراب الطير محلقة بالقرب من الشاطئ .
هل أمضى فى فرنسا إلى ميدان المنشية ؟ هل أسير فى رأس التين إلى السراى ؟
مضيت فى امتداد إسماعيل صبرى حتى نهايته . الزاوية على شارع صفر باشا ، وعلى ناصية الطريق المرصوف بالبازلت ، والمحاط بسور الجمرك ، إلى المخازن ، ومحال بيع أدوات البحر : معدات الصيد وطعم السمك وقطع غيار الفلايك والبلانسات والفلين والغزل والقار والحبال والكنار والبكر والمخاطيف .
من الناحية المقابلة ، يمضى الشارع إلى شاطئ الأنفوشى ، يطل عليه باب رقم واحد باختلاط الزحام والنداءات والصيحات والتفتيش والشخط والنطر والتصاريح وعساكر الميناء والبحارة والعتالين والسيارات والأرصفة وصفير البواخر وأصوات المحركات والروافع والحاويات والأوناش والمستودعات ولوطات الخشب ورصات الأجولة وأكشاك التخليص .
سيدى العدوى هو الولى الذى يعيد الأولاد التائهين ، والأشياء الضائعة ، إلى أصحابها . هل أستعين به ـ ولو بينى وبين نفسى ، ولو فى صوت هامس ، وأنا ألمس بيدى شباك المقام بأصابع ملهوفة ـ ليدلنى على قبر الإسكندر ؟
منذ ألقى السؤال : أين قبر الإسكندر ، والمحاولات لا تكف عن الدراسة والبحث والتنقيب
وقفت على رأس الموقع . يتوسط شاطئ المينا الشرقية . قبالة مبنى المحكمة بالمنشية تماماً . أحدس الصوت ، أتخيله . صوت مجوف له رنين وصدى ، يشى بأنه يعلو ما يخفيه . أكاد أسمع دقات قلبى ومعاول العمال تشق باطن الأرض ، فى طريقها إلى اكتشاف الوثيقة الكنز .
هل يشهد العالم بها مستقبلاً جديداً ؟.. وهل تطمئن الإسكندرية من الخطر المتوقع ؟. لكننى لم أعثر فى الموقع الجديد على أية بقايا أثرية . وصلت المعاول إلى المياه دون أن تشى الأرض بأثر من أى نوع .
أرقب تمثال الأشرعة وعروس البحر أول الطريق إلى السلسلة .
لم تعد السلسلة ـ كما كانت قبل 1967 ـ موضعاً للتمشى والتأمل والمذاكرة ولقاء المحبين . أصبحت ـ عقب الحرب ـ موضعاً عسكرياً ممنوع الاقتراب منه ، أو تصويره . الخرائط لا تسقط السلسلة باعتبارها موقعاً محتملاً لقبر الإسكندر . هى لسان يمتد فى قلب المينا الشرقية . تحت المياه آثار للبطالمة ، وربما ـ زيادة فى التمويه ـ جعلوا قبر الإسكندر تحت لسان السلسلة .
ألفت التردد على السلسلة وقلعة قايتباى وكوم الدكة وحجر النواتية وعمود السوارى والكنيسة المرقسية .
كنت أقرأ تاريخ الأمكنة ، وأتأمل ، وأحلل ، وأناقش ، وأكتب مذكرات ، وأرسم خرائط . أحاول التوصل إلى الاستنتاج الصحيح . أمنى النفس بأن أعثر على أى شئ قديم : بقايا قصور ومعابد وهياكل ، فخاريات ، أماكن تقديم القرابين وتماثيل الآلهة والتماثيل الصغيرة كأوشابتى الفراعنة ، أوراق بردى ، أطعمة ومشروبات محفوظة . طرف خيط يدلنى على بداية البداية . الميلاد والنشأة ، فالحياة التى أثمرت وثيقة فيها الخلاص للبشرية لو أنى أفلحت فى العثور عليها . أتصور الوصية فى صندوق من الذهب ، أو من الفضة ، أو الأبنوس ، أو الخشب . بداخله علبة من النوعية نفسها ، بداخلها أوراق تتضمن وصية الإسكندر ، الباعث لمحاولات البحث عن قبره .
يقلقنى التآكل فى الشواطئ ، ضيق البلاجات فى المندرة والعصافرة وميامى وستانلى ، يجعلها الأقرب لخطر الانهيار . استعادة الشواطئ بحقنها برمال الصحراء ، فى جليم ، والشاطبى ، واستانلى ، والعصافرة ، وميامى ، والمندرة ، وأبو قير . الأمواج تضرب الكورنيش ـ منذ أنشئ فى 1934 ـ فتسحب الرمال من أسفله . مكعبات الأسمنت أخفقت فى إبعاد خط الأمواج ..
++++*
هل يغرق البحر مدينتى ؟..
لم يكن الغرق الذى يتهدد الإسكندرية هو أول ما واجهته فى تاريخها . حدثت زلازل ، وتشققات أرضية ، وهبوط تحت سطح البحر ، وغمر مد البحر مساحات بأكملها من المدينة . الزلزال ـ فى القرن الثانى قبل الميلاد ـ أخفى الحى الإمبراطورى تماماً . هو الآن تحت المينا الشرقية . العلماء يتحدثون عن ارتفاع البحر ـ فى الأعوام القادمة ـ بحيث تبتلع مياهه أرض الإسكندرية والدلتا . يدّلون على تحذيراتهم بالأرقام والإحصاءات والتحليلات ، لكننى أرفض مجرد التصور أن يقتل البحر مدينتى ، بعد أن طال عناقه لها بصدر يمتد بين سراى رأس التين وقلعة قايتباى ، وذراعاه المينا الشرقية والمينا الغربية . عناق متواصل لآلاف السنين ، من المستحيل تصور أنه ينتهى باغتيال العاشق لمعشوقته !
كنت قد ركزت أبحاثى على البرزخ الفاصل بين الميناءين الشرقى والغربى . هى الهيبتاستاديوم القديم . امتدت ـ فيما بعد ـ ناحية القبارى والمكس والمحمودية وكوم الدكة ومحرم بك ، لكنها هى البداية ..
تخطيط الإسكندرية ـ كما وصفه دينوكراطيس ـ هو شارعان رئيسان ، متقاطعان بزاوية قائمة ، وتتقاطع مع الشارعين شوارع أخرى فرعية ، موازية لهما . نمط الزوايا القائمة المستقيمة ..
أكتم فى داخلى ما توصلت إليه قراءاتى . جوامع أبو العباس ونصر الدين وياقوت العرش والبوصيرى بنيت على هضبة هى بقايا الهيبتاستاديوم القديم للإسكندرية . اتصلت جزيرة فاروس ومدينة راكوتيس ، ونشأت الإسكندرية . شملت كل مساحة الأرض بين البحر والبحيرة . ظلت راقودة [ راكونداه ، راكوتيس ] حياً وطنياً للمصريين الذين كانوا يقيمون فى القرية القديمة قبل مجىء الإسكندر . تزايدت البنايات التى تضيف إلى ملامح المدينة واتساعها : مقبرة الإسكندر ، المتحف ، المسرح ، المكتبة ، القصور الملكية ، الاستاد الرياضى ، الميناءان الغربى والشرقى ، ملعب الجمينازيوم ، معبد ربات الفنون ، مدينة الموتى ، معابد الثالوث المقدس : سيرابيس وإيزيس وحربوقراط ، وغيرها من المعابد والمقابر والحدائق والمرافئ والأسوار العالية الجميلة . امتدت مساحة المدينة فى القرن الثانى الميلادى ، إلى المكس والورديان من جهة الغرب ، وإلى حى الرمل فى جهة الشرق . تجاوزت الشاطبى وكامب شيزار والإبراهيمية ومصطفى كامل ، حتى أبو قير . صارت أول ، أو ثانى ، مدينة فى العالم المأهول آنذاك ..
أحرص أن يكون البحث داخل أسوار المدينة البطلمية . المدينة التى وضع تخطيطها محمود الفلكى فى منتصف القرن التاسع عشر ، مدينة عربية ، فلا شأن للإسكندر بها ..
هل اختار الإسكندر قبره فى موضع البداية ؟
قال لمهندسه دينوكراتيس : أريد أن أبنى مدينة هنا . قال ـ فيما بعد ـ : أريد أن أبنى قبرى هنا .
صعدت الرافعة بتمثال إيزيس ، حامية الفلاحين ، من مياه الميناء الشرقية . تاريخه القرن الثالث قبل الميلاد ..
قدمت إلى جاك شارتييه خريطة تحددت عليها المواقع الأثرية الغارقة فى الموضع نفسه : أعمدة وتماثيل وأجزاء من قصور ومعابد ومسارح . أشرف على أعمال مسح طوبوغرافى ، وحفائر أثرية ، فى مساحة المدينة . تناثرت أعمال المسح . شملت حتى المناطق التى ربما لم يصلها العمران . كانت ـ فى عهد الإسكندر ـ مجرد صحارى بلا آفاق ..
قال لى الرجل بعربية متكسرة :
ـ معداتنا متقدمة .. تستطيع تصوير كل ما فى أعماق المنطقة من آثار ..
قاطعته :
ـ قبر الإسكندر ..
ـ من ؟..
ـ الإسكندر .. الإسكندر المقدونى .. قبره فى هذه المنطقة ..
ـ ما نعلمه أن المنطقة بها آثار .. بعد تصويرها سنعرف أى آثار هى ..
غالبت تلهفى :
ـ هل أصحبكم ؟..
ـ هذه مهمة علمية ..
قلت فى لهجة محرضة :
ـ معى خرائط قد تفيدكم ..
ـ دعنا نصور أولاً .. ثم نلجأ إلى خريطتك ..
أهملت لهجته المستفزة . فى بالى أن أهمل كل ما يعيق . غضضت النظر حتى عن جلسته المسترخية ، اللامبالية ، فى طرف الموقع ..
لمحت تلويحة يد نجلاء . أدركت أنها استجابت لدعوتى بزيارة الموقع . كان من الصعب أن تنزل إلى حيث أقف وسط العمال ، فصعدت إليها ..
قلت ، وأنا أمسح المكان بإشارة متباطئة :
ـ لو أنى عثرت على ما أبحث عنه .. فسأصل إلى اكتشافات مذهلة ..
تأملت البنايات التى شكلت نصف دائرة من القلعة إلى السلسلة والكازينوهات والنخيل وارتفاع مئذنة أبو العباس . واجهات البيوت على امتداد الطريق . تساقط طلاؤها من الرطوبة والملح ، وتقشرت الألوان فى ضلف النوافذ ، وعلا الصدأ قوائم الحديد فى الطوابق التحتية ..
إذا وقفت على الكورنيش ، فإن البنايات تطالعك فى امتداد الطريق بتعرجاته وانحناءاته . ارتفاعات متباينة وشرفات ونوافذ وأفيشات وإعلانات نيون . هو ما يطالعك إذا وقفت فى موضع مماثل ، فى أية مدينة أخرى تطل على البحر . بنايات الإسكندرية تختلف . ليس بالجمال أو القبح ، لكنها تبدو مختلفة . هذه هى بنايات الإسكندرية . تستعيدها فى المدن الغريبة ، وتتعرف عليها إذا اخترت موضعاً فى مواجهتها . أنت تتعرف إلى سحن أحبائك ، دون أن يشغلك تأمل الملامح ، فهى حاضرة فى عينيك ، وفى داخلك . مجرد التكوين العام ، أو الصورة الكلية ..
بدا كأنها تشاهد المكان للمرة الأولى ، أو أنها استغرقت فيه تماماً ..
عرضت أمامها أيقونة من العصر البطلمى :
ـ ما رأيك ؟
ـ فى ماذا ؟
ـ هذه الأيقونة .. عمرها أكثر من ألفى سنة ..
هزت كتفيها :
ـ يوجد أفضل منها فى محال السيراميك ..
ـ ميزتها فى القيمة التاريخية ..
أطلقت أف متضايقة :
ـ التاريخ .. التاريخ .. ماذا يفيد البحث عن الماضى ؟.. عن الموتى ؟..
وأنا أضغط على الكلمات :
ـ ما يهمنى هو الطلسم الذى يحمى الإسكندرية من الغرق !
تحت هذه الحصيرة التى تعلو وجه المياه ، توجد مدينة كاملة ، ربما هى المدينة التى تضم قبر الإسكندر .
أرفض تصور أن يكون اللصوص قد سبقوا إلى اكتشاف قبر الإسكندر . أن يكونوا قد سرقوا الطلسم ، ضمن ما جردوه من كنوز الذهب والفضة .
منقول
يتبع
الفصل الأول
................
تبينت وقفتى فى التقاء شوارع إسماعيل صبرى ورأس التين وفرنسا .
أفق البحر يبين فى تقاطع إسماعيل صبرى والكورنيش . السماء صافية الزرقة ، والقوارب متناثرة فى المينا الشرقية ، وأسراب الطير محلقة بالقرب من الشاطئ .
هل أمضى فى فرنسا إلى ميدان المنشية ؟ هل أسير فى رأس التين إلى السراى ؟
مضيت فى امتداد إسماعيل صبرى حتى نهايته . الزاوية على شارع صفر باشا ، وعلى ناصية الطريق المرصوف بالبازلت ، والمحاط بسور الجمرك ، إلى المخازن ، ومحال بيع أدوات البحر : معدات الصيد وطعم السمك وقطع غيار الفلايك والبلانسات والفلين والغزل والقار والحبال والكنار والبكر والمخاطيف .
من الناحية المقابلة ، يمضى الشارع إلى شاطئ الأنفوشى ، يطل عليه باب رقم واحد باختلاط الزحام والنداءات والصيحات والتفتيش والشخط والنطر والتصاريح وعساكر الميناء والبحارة والعتالين والسيارات والأرصفة وصفير البواخر وأصوات المحركات والروافع والحاويات والأوناش والمستودعات ولوطات الخشب ورصات الأجولة وأكشاك التخليص .
سيدى العدوى هو الولى الذى يعيد الأولاد التائهين ، والأشياء الضائعة ، إلى أصحابها . هل أستعين به ـ ولو بينى وبين نفسى ، ولو فى صوت هامس ، وأنا ألمس بيدى شباك المقام بأصابع ملهوفة ـ ليدلنى على قبر الإسكندر ؟
منذ ألقى السؤال : أين قبر الإسكندر ، والمحاولات لا تكف عن الدراسة والبحث والتنقيب
وقفت على رأس الموقع . يتوسط شاطئ المينا الشرقية . قبالة مبنى المحكمة بالمنشية تماماً . أحدس الصوت ، أتخيله . صوت مجوف له رنين وصدى ، يشى بأنه يعلو ما يخفيه . أكاد أسمع دقات قلبى ومعاول العمال تشق باطن الأرض ، فى طريقها إلى اكتشاف الوثيقة الكنز .
هل يشهد العالم بها مستقبلاً جديداً ؟.. وهل تطمئن الإسكندرية من الخطر المتوقع ؟. لكننى لم أعثر فى الموقع الجديد على أية بقايا أثرية . وصلت المعاول إلى المياه دون أن تشى الأرض بأثر من أى نوع .
أرقب تمثال الأشرعة وعروس البحر أول الطريق إلى السلسلة .
لم تعد السلسلة ـ كما كانت قبل 1967 ـ موضعاً للتمشى والتأمل والمذاكرة ولقاء المحبين . أصبحت ـ عقب الحرب ـ موضعاً عسكرياً ممنوع الاقتراب منه ، أو تصويره . الخرائط لا تسقط السلسلة باعتبارها موقعاً محتملاً لقبر الإسكندر . هى لسان يمتد فى قلب المينا الشرقية . تحت المياه آثار للبطالمة ، وربما ـ زيادة فى التمويه ـ جعلوا قبر الإسكندر تحت لسان السلسلة .
ألفت التردد على السلسلة وقلعة قايتباى وكوم الدكة وحجر النواتية وعمود السوارى والكنيسة المرقسية .
كنت أقرأ تاريخ الأمكنة ، وأتأمل ، وأحلل ، وأناقش ، وأكتب مذكرات ، وأرسم خرائط . أحاول التوصل إلى الاستنتاج الصحيح . أمنى النفس بأن أعثر على أى شئ قديم : بقايا قصور ومعابد وهياكل ، فخاريات ، أماكن تقديم القرابين وتماثيل الآلهة والتماثيل الصغيرة كأوشابتى الفراعنة ، أوراق بردى ، أطعمة ومشروبات محفوظة . طرف خيط يدلنى على بداية البداية . الميلاد والنشأة ، فالحياة التى أثمرت وثيقة فيها الخلاص للبشرية لو أنى أفلحت فى العثور عليها . أتصور الوصية فى صندوق من الذهب ، أو من الفضة ، أو الأبنوس ، أو الخشب . بداخله علبة من النوعية نفسها ، بداخلها أوراق تتضمن وصية الإسكندر ، الباعث لمحاولات البحث عن قبره .
يقلقنى التآكل فى الشواطئ ، ضيق البلاجات فى المندرة والعصافرة وميامى وستانلى ، يجعلها الأقرب لخطر الانهيار . استعادة الشواطئ بحقنها برمال الصحراء ، فى جليم ، والشاطبى ، واستانلى ، والعصافرة ، وميامى ، والمندرة ، وأبو قير . الأمواج تضرب الكورنيش ـ منذ أنشئ فى 1934 ـ فتسحب الرمال من أسفله . مكعبات الأسمنت أخفقت فى إبعاد خط الأمواج ..
++++*
هل يغرق البحر مدينتى ؟..
لم يكن الغرق الذى يتهدد الإسكندرية هو أول ما واجهته فى تاريخها . حدثت زلازل ، وتشققات أرضية ، وهبوط تحت سطح البحر ، وغمر مد البحر مساحات بأكملها من المدينة . الزلزال ـ فى القرن الثانى قبل الميلاد ـ أخفى الحى الإمبراطورى تماماً . هو الآن تحت المينا الشرقية . العلماء يتحدثون عن ارتفاع البحر ـ فى الأعوام القادمة ـ بحيث تبتلع مياهه أرض الإسكندرية والدلتا . يدّلون على تحذيراتهم بالأرقام والإحصاءات والتحليلات ، لكننى أرفض مجرد التصور أن يقتل البحر مدينتى ، بعد أن طال عناقه لها بصدر يمتد بين سراى رأس التين وقلعة قايتباى ، وذراعاه المينا الشرقية والمينا الغربية . عناق متواصل لآلاف السنين ، من المستحيل تصور أنه ينتهى باغتيال العاشق لمعشوقته !
كنت قد ركزت أبحاثى على البرزخ الفاصل بين الميناءين الشرقى والغربى . هى الهيبتاستاديوم القديم . امتدت ـ فيما بعد ـ ناحية القبارى والمكس والمحمودية وكوم الدكة ومحرم بك ، لكنها هى البداية ..
تخطيط الإسكندرية ـ كما وصفه دينوكراطيس ـ هو شارعان رئيسان ، متقاطعان بزاوية قائمة ، وتتقاطع مع الشارعين شوارع أخرى فرعية ، موازية لهما . نمط الزوايا القائمة المستقيمة ..
أكتم فى داخلى ما توصلت إليه قراءاتى . جوامع أبو العباس ونصر الدين وياقوت العرش والبوصيرى بنيت على هضبة هى بقايا الهيبتاستاديوم القديم للإسكندرية . اتصلت جزيرة فاروس ومدينة راكوتيس ، ونشأت الإسكندرية . شملت كل مساحة الأرض بين البحر والبحيرة . ظلت راقودة [ راكونداه ، راكوتيس ] حياً وطنياً للمصريين الذين كانوا يقيمون فى القرية القديمة قبل مجىء الإسكندر . تزايدت البنايات التى تضيف إلى ملامح المدينة واتساعها : مقبرة الإسكندر ، المتحف ، المسرح ، المكتبة ، القصور الملكية ، الاستاد الرياضى ، الميناءان الغربى والشرقى ، ملعب الجمينازيوم ، معبد ربات الفنون ، مدينة الموتى ، معابد الثالوث المقدس : سيرابيس وإيزيس وحربوقراط ، وغيرها من المعابد والمقابر والحدائق والمرافئ والأسوار العالية الجميلة . امتدت مساحة المدينة فى القرن الثانى الميلادى ، إلى المكس والورديان من جهة الغرب ، وإلى حى الرمل فى جهة الشرق . تجاوزت الشاطبى وكامب شيزار والإبراهيمية ومصطفى كامل ، حتى أبو قير . صارت أول ، أو ثانى ، مدينة فى العالم المأهول آنذاك ..
أحرص أن يكون البحث داخل أسوار المدينة البطلمية . المدينة التى وضع تخطيطها محمود الفلكى فى منتصف القرن التاسع عشر ، مدينة عربية ، فلا شأن للإسكندر بها ..
هل اختار الإسكندر قبره فى موضع البداية ؟
قال لمهندسه دينوكراتيس : أريد أن أبنى مدينة هنا . قال ـ فيما بعد ـ : أريد أن أبنى قبرى هنا .
صعدت الرافعة بتمثال إيزيس ، حامية الفلاحين ، من مياه الميناء الشرقية . تاريخه القرن الثالث قبل الميلاد ..
قدمت إلى جاك شارتييه خريطة تحددت عليها المواقع الأثرية الغارقة فى الموضع نفسه : أعمدة وتماثيل وأجزاء من قصور ومعابد ومسارح . أشرف على أعمال مسح طوبوغرافى ، وحفائر أثرية ، فى مساحة المدينة . تناثرت أعمال المسح . شملت حتى المناطق التى ربما لم يصلها العمران . كانت ـ فى عهد الإسكندر ـ مجرد صحارى بلا آفاق ..
قال لى الرجل بعربية متكسرة :
ـ معداتنا متقدمة .. تستطيع تصوير كل ما فى أعماق المنطقة من آثار ..
قاطعته :
ـ قبر الإسكندر ..
ـ من ؟..
ـ الإسكندر .. الإسكندر المقدونى .. قبره فى هذه المنطقة ..
ـ ما نعلمه أن المنطقة بها آثار .. بعد تصويرها سنعرف أى آثار هى ..
غالبت تلهفى :
ـ هل أصحبكم ؟..
ـ هذه مهمة علمية ..
قلت فى لهجة محرضة :
ـ معى خرائط قد تفيدكم ..
ـ دعنا نصور أولاً .. ثم نلجأ إلى خريطتك ..
أهملت لهجته المستفزة . فى بالى أن أهمل كل ما يعيق . غضضت النظر حتى عن جلسته المسترخية ، اللامبالية ، فى طرف الموقع ..
لمحت تلويحة يد نجلاء . أدركت أنها استجابت لدعوتى بزيارة الموقع . كان من الصعب أن تنزل إلى حيث أقف وسط العمال ، فصعدت إليها ..
قلت ، وأنا أمسح المكان بإشارة متباطئة :
ـ لو أنى عثرت على ما أبحث عنه .. فسأصل إلى اكتشافات مذهلة ..
تأملت البنايات التى شكلت نصف دائرة من القلعة إلى السلسلة والكازينوهات والنخيل وارتفاع مئذنة أبو العباس . واجهات البيوت على امتداد الطريق . تساقط طلاؤها من الرطوبة والملح ، وتقشرت الألوان فى ضلف النوافذ ، وعلا الصدأ قوائم الحديد فى الطوابق التحتية ..
إذا وقفت على الكورنيش ، فإن البنايات تطالعك فى امتداد الطريق بتعرجاته وانحناءاته . ارتفاعات متباينة وشرفات ونوافذ وأفيشات وإعلانات نيون . هو ما يطالعك إذا وقفت فى موضع مماثل ، فى أية مدينة أخرى تطل على البحر . بنايات الإسكندرية تختلف . ليس بالجمال أو القبح ، لكنها تبدو مختلفة . هذه هى بنايات الإسكندرية . تستعيدها فى المدن الغريبة ، وتتعرف عليها إذا اخترت موضعاً فى مواجهتها . أنت تتعرف إلى سحن أحبائك ، دون أن يشغلك تأمل الملامح ، فهى حاضرة فى عينيك ، وفى داخلك . مجرد التكوين العام ، أو الصورة الكلية ..
بدا كأنها تشاهد المكان للمرة الأولى ، أو أنها استغرقت فيه تماماً ..
عرضت أمامها أيقونة من العصر البطلمى :
ـ ما رأيك ؟
ـ فى ماذا ؟
ـ هذه الأيقونة .. عمرها أكثر من ألفى سنة ..
هزت كتفيها :
ـ يوجد أفضل منها فى محال السيراميك ..
ـ ميزتها فى القيمة التاريخية ..
أطلقت أف متضايقة :
ـ التاريخ .. التاريخ .. ماذا يفيد البحث عن الماضى ؟.. عن الموتى ؟..
وأنا أضغط على الكلمات :
ـ ما يهمنى هو الطلسم الذى يحمى الإسكندرية من الغرق !
تحت هذه الحصيرة التى تعلو وجه المياه ، توجد مدينة كاملة ، ربما هى المدينة التى تضم قبر الإسكندر .
أرفض تصور أن يكون اللصوص قد سبقوا إلى اكتشاف قبر الإسكندر . أن يكونوا قد سرقوا الطلسم ، ضمن ما جردوه من كنوز الذهب والفضة .
منقول
يتبع