روائع الطب الإسلامي
المصدر : موقع Sience leads to Islam
عرض للطباعة
روائع الطب الإسلامي
المصدر : موقع Sience leads to Islam
في التداوي
مقدمة
و يتضمن مباحث تؤكد دعوة الإسلام إلى التداوي وعدم التواكل وأن التداوي لا يتعارض مع التوكل، ومبحث النهي عن التداوي بالمحرمات، وجواز ذلك عند الضرورة، ومدى مسؤولية الطبيب عند معالجته لمرضاه، وضمان المتطبب الذي لم يعهد منه الطب أو تعلمه، وأخيراً في الآداب التي يفرضها الشارع الكريم على من يزاول المهن الطبية وأدب عيادة المريض وهكذا نجد في هذا الفصل المباحث التالية:
الأول: يا عباد الله تداووا.
الثاني: ولا تداووا بحرام.
الثالث: مسؤولية الطبيب في الشريعة الإسلامية.
الرابع: أدب الطبيب في ظل الإسلام.
روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص إذا اشتكى المحرم عينه أن يضمدها بالصبر. قال ابن جرير الطبري: وفي الحديث دليل على بطل ما يقوله ذووا الغباوة من أهل التصوف والعبّاد من أن التوكل لا يصح لأحد عالج نفسه بدواء، وإذ ذاك عندهم طلب العافية من غير من بيده العافية والضرر والنفع، وفي إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم للمحرم علاج عينه بالصبر أول دليل على أن معنى التوكل غير ما قال الذين ذكرنا قولهم وأن ذلك غير محرج فاعله عن الرضا بقضاء الله، لأن الله تعالى لم ينزل داءً إلا أنزل له دواء إلا الموت. وقد جعل أسباباً تدفع الأدواء، كما جعل الأكل سبباً لدفع الجوع.
يا عباد الله تداووا
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء " رواه البخاري، وفي رواية " من داء ".
و عن أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تداووا يا عباد الله فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاء إلا داءً واحداً الهرم " أخرجه أحمد والأربعة وصححه الترمذي.
و عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لكل داءٍ دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى " رواه مسلم.
و عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما خلق الله من داء إلا وجعل له شفاء علمه وجهله إلا السّام، والسّام الموت " رواه ابن ماجة.
في هذه الأحاديث لإثبات للمداواة وحث عليها وتعريف بأنها سبب للشفاء، وأن الأدوية ليست سوى أسباب خلقها الله وسائل للشفاء والأخذ بسنة الله في كونه. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " علمه من علمه وجهله من جهله " حثٌّ للأطباء المسلمين على البحث والاستقصاء لاكتشاف أدوية للأمراض التي لم يعرف لها بعد دواء ناجع واستخراج أدوية أفضل من سابقتها. وفي تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم أن لكل داء دواء تقوية لنفس المريض عندما يستشعر بنفسه وجود دواء لدائه يقوى به رجاؤه وترتفع معنوياته ويذهب توهمه الذي هو عدو آخر بعد المرض.
و قد علق النبي صلى الله عليه وسلم البرء بموافقة الدواء للداء، فللأدوية مقادير معينة تفعل بها يجب ألا تزيد عنها ولا تنقص. وفي هذا حث للأطباء المسلمين على زيادة معرفتهم ومهاراتهم في الطب وعلومه ليتسنى لهذه المعرفة أن تصيب الداء بالمقدار المناسب من الدواء.
و التداوي بصورة عامة سنة من سنن الإسلام، يشهد بذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله، وإذا حدث التباس فهو من فهم سقيم أو ناقص، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبّلغ لشرع ربه قولاً وفعلاً:
أما أقواله صلى الله عليه وسلم فما أوردناه أعلاه، ونذكر منها ما رواه أسامة بن شريك قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داءً إلا وضع له شفاء غير داء واحد. قالوا: ما هو؟ قال: الهرم.
كما أن وصفات النبي صلى الله عليه وسلم العديدة والتي سنذكرها على صفحات هذا الكتاب لتشير إلى مشروعية التداوي بل وسنيته. ومن ذلك إرسال النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأطباء إلى أصحابه. فقد ورد عن جابر رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً ثم كواه عليه، رواه مسلم.
و أما فعله صلى الله عليه وسلم ففيه أحاديث كثيرة منها ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به، وما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه: رُمي سعد في أكحله فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص، ثم ورمت فحسمه الثانية، والمشقص سهم له نصل طويل.
فهذه الأحاديث تدل على أن التداوي سنة ة لقد اتفق العلماء على جوازه بل أن عموم الأمر بالتداوي يدل على أنه أعلى من مرتبة الإباحة فإن أقل مراتب: الندب.
و قد ذهب الشافعية إلى أن التداوي أفضل من تركه. وإلى هذا ذهب أربعة من كبار أئمة الحنابلة (ابن الجوزي وابن يعلى وابن عقيل وابن هبيرة) مخالفين إمامهم. وعزا النووي مذهب أفضلية التداوي إلى جمهور السلف وعامة الخلف. وذهب الحنفية والمالكية إلى أن التداوي مباح، لا بأس بالتداوي وتركه. وذهب ابن حنبل إلى أن ترك التداوي أفضل حيث يقول: العلاج رخصة وتركه أعلى درجة منه. والدليل عنده ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يشفيني، فقال: إن شئت دعوت الله فشفاك وإن شئت صبرت ولك الجنة. قالت: يا رسول اله لا بل أصبر وما أخرجه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " سبعون ألفاً من أمتي يدخلون الجنة لا حساب عليهم: الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون "
و يرى الكحال ابن طرخان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتداوي، وأقل مراتب الأمر الندب والاستحباب ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يديم التطبب في حال صحته ومرضه. أما حال صحته صلى الله عليه وسلم فباستعمال التدبير الحافظ لها مثل الرياضة وقلة التناول من الطعام واكجال عينيه بالإثمد كل ليلة وتأخير صلاة الظهر في زمن الحر بقوله: " أبردوا بها ". وأما تداويه عليه الصلاة والسلام فثابت بالأحاديث الكثيرة مما يثبت ما ذكرناه من تداوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومداومته تطببه في صحته ومرضه، ولم يداوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على الأفضل.
و يؤكد الدكتور النسيمي _ ونحن معه _ أن اختلاف السلف حول أفضلية التداوي إنما هو لواقع الطب في زمانهم من ضعفه وكثرة ظنياته. أما إذا نظرنا إلى ما توصل إليه الطب الحديث وإلى ما ورد من أحاديث في المداواة، ودعوة الإسلام أصلاً إلى حفظ النفس. فإننا نستطيع أن نقول أن التداوي تعتريه الأحكام الخمسة والله أعلم:
1. أنه مباح: في المباحات إذا لم يغلب على الظن فائدته. كما في مداواة معظم أنواع السرطانات وخاصة إذا انتشرت ولم تكافح في بدئها.
2. أنه مندوب: تجاه استعمال الأدوية التي يغلب على الظن فائدتها. سواء في شفاء المرض أو تلطيف أعراضه
3. أنه واجب: تجاه استعمال الأدوية قطعية الإفادة بإخبار الأطباء، إذا خاف المريض أو طبيبه أن يقعده المرض عن القيام بواجباته أو إذا خاف على حياته أو تلف عضو من أعضائه.
4. أنه مكروه: عند استعمال الأدوية المكروهة مع توفر الأدوية المباحة.
5. أنه محرمٌ: عند استعمال أدوية محرمة دون الاضطرار إليها.
و على هذا فإن المرض إذا علم يقيناً، أو بغلبة الظن بحصول الشفاء من المداواة وقد حكم الأطباء بأن حالته خطرة وأن حاجته للدواء أصبحت أمراً ضرورياً، وأنها كحاجته للطعام والشراب، بحيث لو تركه فقد جعل نفسه معرضاً للهلاك فإن إقدامه على المداواة يعتبر واجباً شرعياً يأثم بتركه.
و نص الشافعية على لسان الإمام البغوي: إذا علم الشفاء في المداواة وجبت، وقال ابن تيمية في مجال التداوي: وقد يكون منه ما هو واجب، وهو يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، كما يجب أكل الميتة عند الضرورة فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء.
و الرأي بأن التداوي تعتريه الأحكام الخمسة قال به حجة الإسلام الغزالي في (إحياء علوم الدين) كما رجحه ابن تيمية رحمه الله حين قال في فتاويه: والتحقق أن منه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، وقد يكون منه ما هو واجب
و تعليقاً على الأدوية المحرمة يقول البغدادي:... ثم قد تكون العلة مزمنة ودواؤها موهوم ومن شرب دواءً سمياً أو مجهولاً فقد أخطأ لقوله صلى الله عليه وسلم: " من سمَّ نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم " متفق عليه.
التداوي والتوكل:
إن تناول العلاج لا ينافي التوكل، الذي هو في حقيقته ملاحظة القلب عند تعاطي الأسباب، بأن الفعال المطلق هو سبحانه وتعالى، وأنه هو الشافي وحده، إذ لا تأثير للدواء دون إذن منه سبحانه. وعلى هذا فإن تناول الدواء لا ينافي حقيقة التوكل، كما لا ينافي دفع الجوع بالأكل، بل إن حقيقة التوحيد وكمال اليقين لا تتم إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها. وإن تعطيلها يقدح في التوكل نفسه لأن في ذلك إهمالاً للأمر الشرعي بالتداوي.
و التداوي أيضاً لا يتنافى مع الإيمان بالقدر. فعن أبي خزامة قال: قلت يا رسول الله، أرأيت رقىً نسترقها ودواءً نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد قدر الله شيئاً؟ فقال: " هي من قدر الله " [رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح]. ففي هذا الحديث إبطال قول من أنكر التداوي متعللاً بالقضاء والقدر وبقول الله تعالى: {و إذا مرضت فهو يشفين} ويقال لأمثاله: إن قولك هذا يوجب عليك أن لا تباشر سبباً من الأسباب التي تجلب المنفعة أو تدفع الضرر، وفي هذا خراب الدين والدنيا وفساد العالم. وهذا لا يقوله إلا دافع للحق، معاندٌ له.
و في هذا المجال يقول البغدادي:... فالتسبب ملازم للتوكل فإن المعالج الحاذق يعمل ما ينبغي ثم يتوكل على الله في نجاحه ونعمائه، وكذلك الفلاح يحرث ويبذر ثم يتوكل على الله في نمائه ونزول الغيث. وقد قال تعالى: {خذوا حذركم}. وقال عليه الصلاة والسلام: " اعقلها وتوكل " رواه الإمام أحمد.
أما الإمام الغزالي فيقول: أما من ترك التداوي أو تكلم في تركها، كما يروى عن أبي بكر رضي اله عنه وبعض السلف، فالجواب بأمور:
الأول: أن يكون المريض تداوى فلم تفده الأدوية ثم أمسك، أو أن علته لم يكتشف لها دواء ناجع.
الثاني: أو أن يكون ما قاله لا ينافي التداوي وإنما هو تذكير بالقدر، أو أن يكون قد لاحظ في الحاضرين من يلقي اعتماده على الدواء فلا يتعلق قلبه بالله فكان جوابه جواب الحكيم.
الثالث: أن يكون المريض قد كوشف بقرب أجله. ة على أحد هذه الوجوه يحمل ما ورد عن أبي بكر لما قيل له: لو دعونا لك طبيباً فقال: الطبيب قد نظر إلي فقال:إني فعّال لما أريد.
الرابع: أن يكون مشغولاً بذكر عاقبته عن حاله، فقد قيل لأبي الدرداء: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قيل فما تشتهي؟ قال: مغفرة ربي، قيل: ألا ندعو لك طبيباً؟ فقال: الطبيب أمرضني. فقد تأولها الغزالي بأن تألم قلبه خوفاً من ذنوبه كان أكثر من تألم بدنه بالمرض.
و في تعليقه على حديث " لكل داء دواء " قال الإمام النووي: فيه إشارة إلى استحباب الدواء، وفيه ردٌّ على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية محتجاً بأن كل شيء بقضاء الله فلا حاجة إلى التداوي، لأن التداوي أيضاً من قدر الله، وكالأمر بالدعاء وقتال الكفار.
مراجع البحث
الإمام الغزالي: عن كتابه (إحياء علوم الدين).
الإمام النووي: عن كتابه (المجموع).
ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).
قيس بن محمد آل الشيخ مبارك: عن كتابه (التداوي والمسؤولية الطبية).
الإمام ابن تيمية: عن كتابه (مجموع الفتاوى).
ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
ولا تداووا بحرام
عن أم الدرداء رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق الداء والدواء فتداووا ولا تداووا بحرام " رواه أبو داود والطبراني ورجاله ثقات (مجموع الزوائد) عن أبي الدراداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل دواء فتداووا بحرام " رواه أبو داود.
عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " رواه أبو داود والطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد).
و عن وائل بن حجر رضي الله عنه أن طارق بن سويد: سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه _ أو كره أن يصنعها _ فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: " لا إنه ليس بدواء ولكنه داء " رواه مسلم. وفي رواية: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: عندنا أنبذة أنتداوى بها؟ قال: أهي مسكرة؟ قال: نعم، قال: إنها داء وليست بدواء، رواه مسلم والبيهقي.
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل دواء خبيث كالسمّ ونحوه "، وفي رواية " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح.
قال الرازي: ومن معاني جعل لكم حكم، أي شرع كما في قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وسيلة ولا حام} فمعنى لم يجعل شفاء أمتي، أي لم يشرع استشفاء أمته فيما حرم الله.
قال ابن الأثير: إنما سمى الخمر داءً لما في شربها من الإثم. وقد يستعمل لفظ الداء في الآفات والعيوب ومساوئ الأخلاق، ألا تراه سمى البخل داءً؟
قال ابن الأثير: والدواء الخبيث يكون من جهتين: إحداهما النجاسة وهو الحرام كالخمر ونحوها، ولحوم الحيوان المحرمة وأرواثها وأبوالها، وكلها نجسة وتناولها حرام إلا ما خصصته السنة من أبوال الإبل، والجهة الأخرى من جهة الطعم والمذاق. ولا ينكر أن يكون كره ذلك لما فيه من المشقة على الطباع وكراهية النفوس لها.
قال ابن القيم: وإنما حرّم على هذه الأمة ما حرم لخبثه، وتحريمه حمية له وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه إن أثر في إزالتها لكنه يعقب سقماً أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه... وأيضاً فإن إباحة التداوي به، ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تداوله للشهوة واللذة ولا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها مزيل لأسقامها والشارع سدّ الذريعة إلى تناوله بكل ممكن...!
و الحقيقة التي لا يشك فيها منصف أن الله سبحانه وتعالى لم يحرم شيئاً على هذه الأمة إلا وقد أثبت الطب ضرره البالغ على الجسم يفوق ما له من فائدة، إن وجدت له مثل هذه الفوائد. وإذا كان المحرم يملك خاصية دوائية معينة قد تفيد في إصلاح بعض العلل، إلا أنه يملك غلى جانب ذلك آثار ضارة تهدد كيان وصحة هذا البدن تفوق المنفعة المرتقبة من تناوله. فالدواء المحمود هو الذي يفيد في العلة وتكون أعراضه الجانبية قليلة أو معدومة. أما الدواء الخبيث ومنه الخمر الذي أبطل الطب الحديث تداوله في التداوي في منتصف هذا القرن وألغي نهائياً من مفردات الطب.
و تفيد الأحاديث التي أوردناها تحريم التداوي بالمحرمات في شرعنا الحنيف. وإن نهي الرسول صلى الله عليه وسلم القاطع بذلك أدّى إلى اتفاق، بل وإجماع الأئمة المجتهدين على ذلك. إلا أن هناك حالات قد لا يجد الطبيب أمامه إلا (دواءً محرماً) يمكن أن ينقذ مريضه من محنته المرضية فما هو حكم الشرع في ذلك؟
قال تعالى: {و ما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه}.
و قال تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير... إلى قوله: فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم}.
و قال تعالى: {إنما حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم}.
تدل هذه الآيات الكريمة على أن المشرع الحكيم قد استثنى حالات الضرورة من التحريم وأطلقها من غير قيد ولا شرط ولا صفة، فاقتضى وجود الإباحة بوجود الضرورة. سواء كان ذلك للتغذّي في حالة المخمصة أو للتداوي في حالة المرض. ويعرف علماؤنا الضرورة بأنها الحالة المحدقة بالإنسان في ظروف سيئة تحمله على ارتكاب المحرم من أجل المحافظة على نفسه من الهلاك أو لدفع أذىً لا يتحمله، إما يقيناً أو ظناً. وعلى هذا فإن المريض إذا خاف على نفسه، أو الطبيب المسلم على مريضه، من الهلاك أو تلف عضو، أو بلغ به من الألم حداً لا يحتمل، ولم يجد دواء مباحاً ينقذه من علته، جاز له أن يستعمل، أو أن يصف الدواء المحرم إذا غلب على ظن الطبيب الحاذق فائدته.
و لقد اتفق أئمة المذهب الحنفي والشافعي على إباحة التداوي بالمحرمات عند الضرورة، عدا المسكرات، وتلكم الأدلة:
1. لقد أجاز الله سبحانه وتعالى للمحرم بالحج أن يحلق رأسه إذا اضطر إلى ذلك لأذى في رأسه مع أن الحلق من محرمات الإحرام. قال تعالى: {فمن كان به أذى من رأسه ففدية....} [البقرة: الآية].
2. رخص النبي صلى الله عليه وسلم لصحابيين جليلين في لبس الحرير وهو محرم على الرجال لحكة كانت بهما. عن أنس بن مالك: " رخصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبس الحرير لحكة كانت بهما " رواه البخاري ومسلم.
3. رخصّ النبي صلى الله عليه وسلم في استعمال الذهب في التداوي حالة الضرورة كستر عيب أو إزالة تشوه. عن عرفجة بن أسعد: " أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت أنفاً من ورق فأنتن علي فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتخذ أنفاً من ذهب " رواه الترمذي وحسنه.
4. رخص النبي صلى الله عليه وسلم لرهط عرينة التداوي بأبوال الإبل (راجع البحث في مكان آخر من الكتاب).
و لقد ذهب المالكية والحنابلة إلى منع التداوي بالمحرمات لعموم الحديث " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " وبقطع النظر عن خصوص السبب، لورود الحديث في معرض حادثة السؤال عن التداوي بالمسكر، كما علله الحنفية والشافعية.
و لقد اتفق الجمهور على تحريم التداوي بالمسكرات سواءً كان ذلك بضرورة أو لا، غير أن الحنفية استثنوا حالة الضرورة وتعين الشفاء بالمسكر وحده، وذلك استناداً إلى عموم الآية: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد...}.
و لقد أشار النووي إلى أن المعتمد عند الشافعية تحريم التداوي بالخمر _ أي تجرعه وشربه للتداوي _ أم تطبيقه على الجلد كعلاج خارجي عند الضرورة فقد أجازه النووي في فتاويه المسماة بالمسائل المنثورة.
و قيد بعض الشافعية حرمة التداوي بالخمر إذا كانت صرفة وغير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه. فإذا استهلكت فيه جاز التداوي بشرط إخبار طبيب مسلم عدل وبشرط أن يكون المستعمل قليلاً لا يسكر [كما في مغني المحتاج في شرح المنهاج للشربيني الخطيب]. أو بحيث لم يبق فيه طعم ولا لون ولا ريح [كما في إعانة الطالبين].
و كلمة (استهلاك المسكر في الدواء) تعني تغير تركيبه بتفاعله مع الأدوية الأخرى المشاركة في تكوين الدواء , أو باستهلاك التأثير المسكر بغلبة تأثير المواد الأخرى بحيث لا يمكن السُّكر بذلك الدواء. وعلى هذا يشترط لشرب الأدوية المهيأة بالغول أو الخمر ثلاثة شروط:
1. أن يضطر المريض إلى ذلك الدواء لفقدان دواء مباح آخر يعادل بفائدته الدواء المحضر بالغول Alcohol.
2. أن لا تؤدي الجرعة الدوائية لعوارض السُّكر الأولي.
3. أن يكون السُكر بالمقدار الكبير غير ممكن أيضاً لأن زيادة مقدار الجرعة الدوائية إلى ذلك الحد تؤدي إلى حصول الضرر بالعقارات الأخرى المشاركة قبل حدوث السُّكر به، أي أن تأثير الأدوية المشاركة يغلب تأثير الخمر أو الغول فأصبحت الخمر بذلك مستهلكة فيذلك الدواء.
و على هذا لا يجوز مطلقاً عند الشافعية التداوي بالخمر صرفاً أو بما يسمى بالخمر والدوائية. أو الأدوية التي يدخل الغول في تركيبها لإصلاح الدواء او منعه من الفساد أو لتسهيل إذابته أو من أجل استخلاص الخلاصة الدوائية من النبات فجائز ضمن الشروط السابقة، وأن يتحقق من ذلك طبيب مسلم عدل.
و من أمثلة الضرورة على التداوي بالمحرمات، استعمال المخدرات في العمليات الجراحية أو لتسكين الآلام غير المحتملة، واستعمال الذهب في طبابة الأسنان وغيرها للعلاج دون التجميل، واستعمال بعض الهرمونات المستخلصة من أعضاء الخنزير إذا لم يكن لها نظير مستخلص من أعضاء البقر أو غيره من الحيوانات المباحة، وإسعاف النازفين بنقل الدم والاستفادة من أعضاء الموتى في عمليات الزرع إلى غير ذلك.
التدرج في ترك المسكرات لدى توبة المدمن:
يعرف الدكتور فيصل الصباغ المدمن على الخمر بأنه الشخص الذي لا يمكنه الاستغناء عن تناوله والذي يستحيل عليه القيام بعمل اليوم والغد دون أن يشرب. بينما الشارب المعتدل فهو الذي يمكنه أن يحدد ما يستهلكه من الشراب، والذي لا يشرب بصورة منتظمة والذي لا يعتمد على المشروب للهرب من واقع مؤلم أو لتغطية قلق مزعج.
و المقرر بدون خلاف شرعاً أن توبة غير المدمن تكون بترك المسكرات فوراً وبشكل كامل أما المدمن عليها، والذي سلبت إرادته تحت وطأة الاعتياد عليها، فإن الدكتور النسيمي يرى أن توبته مع التدرج بترك المسكر مقبولة شرعاً، إذا نوى الترك وعزم عليه وأخذ يتدرج بتنقيص المقدار الذي يتناوله، وبإطالة الفترة بين تعاطي مشروبين لأن الترك القطعي دون تدرج ودون إشراف طبي يؤدي إلى هذيان ارتعاشي عند المدمن وإلى حالة تشبه الجنون. ويستدل على ذلك بأن الإسلام كان قد تدرج في التحريم على الأمة فحرم على المسلم أن يقرب الصلاة سكراناً فأخذ الناس يقللون من شرب الخمور حتى لا تفوتهم صلاة مكتوبة، وهكذا إلى أن تخلص المسرفون من إدمانهم وأصبح بالإمكان تحريم الخمر مطلقاً.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. الهيثمي: عن كتابه (مجمع الزوائد).
3. عبد الرحمن الجزيري: عن كتابه (الفقه على المذاهب الأربعة).
4. الإمام الرازي: عن كتابه (تفسير الإمام الرازي).
5. وهبة الزحيلي: عن كتابه (نظرية الضرورة الشرعية).
6. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
7. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).
8. دكتور فيصل الصباغ: عن كتابه (محاضرات في أمراض التغذية والتسممات).
مسؤولية الطبيب في الشريعة الإسلامية
روى الإمام مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ضرر ولا ضرار ".
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من تَطبَّبَ ولم يعلم منه طِبٌّ فهو ضامن " رواه أبو داود، وصححه الحاكم والذهبي.
و قال الإمام الخطابي: لا أعلم خلافاً في المعالج، إذا تعدّى، فتلف المريض، كان ضامناً. والمتعاطي علماً لا يعرفه متعدٍّ.
و قال الإمام ابن رشد الحفيد: وأجمعوا على أن الطبيب إذا أخطأ لزمته الدية، مثل أن يقطع الحشفة في الختان وما أشبه لأنه في معنى الجاني خطأ.
إنه لمن نافلة القول أن نؤكد أن الشريعة الإسلامية قد سبقت التشريعات الحديثة كلها في إرساء قواعد المسؤولية الطبية بما يكفل حماية الطبيب ويحفظ حقوق المريض ويشجع على تطوير المنهج العلمي للمهمة الطبية.
و إذا كان الطب منذ نشأته في عصور ما قبل التاريخ ممتزجاً بالسحر والخرافات، فقد كان الاعتقاد الشائع أن المرض ينجم عن تمكن الشيطان من البدن، وإذا مات المريض فهذا يعني أن الشيطان قد تغلب، فلا مجال للبحث حينئذ عن مسؤولية الطبيب.
و عند الفراعنة كانت الأمور العلاجية محصورة في السفر المقدس وكان على الطبيب الالتزام بها، فإذا خالفها وتوفي المريض دفع الطبيب رأسه ثمناً لذلك. وعند البابليين تضمن قانون حمورابي قواعد مشدَّدة لمحاسبة الأطباء قد تصل إلى قطع يد الطبيب إذا تسببت لفقد عضو عند رجل حر.
و عند الإغريق وبعد أن جاء أبقراط ليخلص الطب من كثير من الشعوذة، كان يجبر تلاميذه على أداء قسمه المعروف، غير أنه لم يكن ليرتب على هذا القسم أي مسؤولية قانونية بقدر ما كان التزاماً أدبياً، إذ لم تكن أية مسؤولية جزائية على الأطباء عندهم. وعند الرومان كانوا يعتبرون جهل الطبيب أو خطأه موجبان للتعويض إلا أن العقاب كان يختلف بحسب المركز الاجتماعي للمريض، فموت المريض قد يؤدي إلى إعدام الطبيب أو نفيه.
و في العصور الوسطى في أوربا، كان إذا مات المريض بسبب إهمال الطبيب أو جهله يسلم إلى أسرة المريض ويترك لها الخيار بين قتله أو اتخاذه رقيقاً.
و جاء الإسلام بدعوته إيذاناً ببدء عصر جديد تحكمه قوانين عادلة أنزلت من عند الإله الحق سبحانه وتعالى حيث أرسى محمد صلى الله عليه وسلم قواعد، ما تزال حتى اليوم هي الأمثل في تنظيم العلاقة بين الطبيب ومريضه، وبمقتضى المنطق والعدل. ومن الحق أن نذكر أن فقهاء المسلمين اعتبروا العلم بالنفس وأحوالها أساساً في علم الطب حيث يقول ابن القيم: لا بد أن يكون للطبيب خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها فذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته عن القلب والنفس أمرٌ مشهود. والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح هو الطبيب الكامل. والذي لا خبرة له بذلك، وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن، نصف طبيب. وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه وتقوية روحه فليس بطبيب، بل متطبب قاصر...
و باعتبار أن التطبيب ضرورة تحتاج إليها الجماعة فقد جعل الشارع دراسة الطب وممارسته من فروض الكفاية وبهذا سبقت الشريعة الإسلامية أحدث التشريعات الوضعية لأنها تلزم الطبيب أن يضع مواهبه في خدمة الجماعة.
يقول عبد الستار أبو غدّة: وباعتبار التطبيب واجباً كفائياً يقتضي ألا يكون الطبيب مسؤولاً عمل يؤدي إليه عمله قياماً بواجبه، لأن القاعدة أن الواجب لا يتقيد بشرط السلامة لكن لما كانت طريقة أداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب وحده كان ذلك داعياً للبحث عن مسؤوليته عن نتائج عمله إذا أدى إلى نتائج ضارة بالمريض.
يقول العّلامة محمد أبو زهرة: ونظراً لصعوبة تمييز الخطأ الذي يحدث منه تلف النفس أو العضو أصدر عن جهل الطبيب وإهماله أم صدر عما لا يمكن تقديره والاحتياط له، لذلك اختلف الفقهاء في تضمين الطبيب مغارم مالية عند حصول الضرر أو التلف وتضاربت أقوالهم في ذلك لأنه يتنازع نظر الباحث أمران كلاهما واجب للرعاية:
أولاهما: أن ترتيب مغارم مالية على خطأ الطبيب قد يؤدي إلى إحجام الأطباء عن المعالجة إذا لم يكونوا مستيقنين بالنتائج القطعية لعلاجهم لكيلا يتعرضوا للمغارم. كما أن كثيراً من الأخطاء يتكون عند رغبة الإنقاذ فكيف يغرم من يحتسب تلك النية؟ ثم أن عمل الطبيب واجب شرعي، ومن يقع في خطأ أثناء قيامه بالواجب لا يسأل عنه إلا إذا كان قد قصّر، فيؤاخذ على تعديه بالتقصير لا على الخطأ. والتقصير والخطأ نوعان مختلفان: إذ الأول فيه عدوان والثاني لا عدوان فيه.
ثانيهما: أن إتلاف النفس أو العضو أمر خطير في ذاته، وإن قد يكون نتيجة أن الطبيب قد أقدم على ما لا يحسن، طمعاً في المال من غير تقدير للتبعية، وقد يكون ممن يحسن لكنه قصر في دراسة المريض، وإنما أذن المريض أو الولي رجاء العافية لا لتعجيل المنية. ومن أخطأ فيما كُلِّف وكان خطؤه يمكن تلافيه بالحذر والحرص فقد قصَّر، ومن قصر وأتلف بتقصيره استحق العقاب...
و قد أجمع الفقهاء على وجوب منع الطبيب الجاهل (المتطبب) الذي يخدع الناس بمظهره ويضرهم بجهله. يقول الإمام أحمد: إذا قام بأعمال التطبب شخص غير حاذق في فنه فإن عمله يعتبر محرماً، كما اجمعوا أن المتطبب الجاهل إذا أوهم المريض بعلمه فأذن له بعلاجه فمات المريض أو أصابه ضرر من جراء هذا العلاج فإن الطبيب يلزم بالدية أو بتعويض التلف، لكن ينفون عنه القصاص لوجود الإذن. أما إذا كان المريض يعلم أن هذا المتطبب ليس من صناعته الطب ثم سلّم نفسه له بعد ذلك، ففي هذه الحال لا ضمان لأن المريض هنا مغتر لا مغرور.
يقول أبو زهرة: ونتكلم الآن في الضرر الذي يلحق المريض، والذي يقع من الطبيب الحاذق أو يقترن بعلاجه. وهذه حالة قسمها الفقهاء إلى أربعة أقسام:
الأول: أن يكون موت المريض أو تلف عضو منه بسبب أمر لم يكن في الحسبان. ولم يكن باستطاعة الطبيب، مع حذقه، تقديره والاحتياط له، وهذا لم يكن بحال نتيجة خطأ وقع من الطبيب أو تقصير منه يمكن أن يُعَدَّ. فالطبيب هنا لم يكن به تقصير يجعله مسؤولاً على أي حال. فقد اتفق الفقهاء على أن الموت أو الضرر إن جاء نتيجة لفعل واجب مع الاحتياط وعدم التقصير لا ضمان فيه، كمن يموت عند إقامته الحدَّ المقرر شرعاً، لأن ذلك في سبيل القيام بالواجب الديني، ولا تقصير فيكون التعدي الموجب للضمان، ولا خطأ، فيعد قتل إنساناً خطأً لتجب الدية ولأنه لو وجب الضمان هنا لكان فيه تعويق للأطباء عن القيام بواجبهم.
الثاني: أن يكون التلف قد أصاب العضو أو الجسم بسبب خطأ عملي وقع فيه الطبيب كأن يحتاط الجراح كال الاحتياط ولكن تسبق يده إلى غير موضع العلاج فينال الجسم كله أو عضواً منه بتلف، وفي هذا يكون الضمان بلا ريب، لأنه إن أصاب الجسم كله بتلف كان قتلاً خطأ. وفي مذهب ابن حنبل خلاف: أيكون الضمان في بيت المال أم في مال الطبيب؟ ووجه الرواية التي تقول في مال الطبيب أن الأصل أنها تكون على عاقلته. وإن لم تكن له عاقلة كانت في ماله. أما الرواية التي تقول أنها في بيت المال فهي تعتبر أن خطأ الطبيب كخطأ القاضي والحاكم لأن أولئك نصبهم ولي الأمر للنفع العام فكان ضامناً لأخطائهم التي لم تكن نتيجة تقصيرهم الشخصي بل لسبق القدر فيما يفعلون.
الثالث: تلف الجسم بسبب خطأ في وصف الدواء، لكن الطبيب قد اجتهد وأعطى الصناعة حقها ولكنه ككل مجتهد يخطئ ويصيب وقد أدى خطؤه إلى موت نفس بشرية. وفي هذه الحال يكون الضمان ثابتاً وه وبالدية على قتل كان خطأ. وهنا أيضاً روايتان عند ابن حنبل أحدهما أن تكون الدية على عاقلة الطبيب والثانية أن تكون في بيت المال.
الرابع: في الأقسام الثلاثة السابقة كان التطبيب بإذن من المريض أو من يتولى أمره. أما إذا كان الخطأ أو التقصير على أية صورة من الصور السابقة بغير إذن من المريض أو وليه فالفقهاء متفقون على أن الضمان يكون ثابتاً لأنه فعل أدى إلى هلاك النفس أو عضو فيها بغير إذن من وليها فيكون مسؤولاً عنها والضمان على العاقلة.
و يستحسن ابن القيم أن لا يكون الضمان على الطبيب في هذه الحال، ولعله يرى الضمان في بيت المال. ويعلل ذلك بقوله: يحتمل ألا يضمن مطلقاً لأنه يحسن _ وما على المحسنين من سبيل _ وأيضاً فإنه إذا كان متعدياً فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان، وإن لم يكن متعدياً فلا وجه لضمانه فإن قلت هو متعدّ عند عدم الإذن، غير متعدّ عند الإذن، قلت: العدوان وعدمه يرجع إلى فعله فلا أثر للإذن وعدمه.
و هذه العبارة تؤدي في نتيجتها إلى أن ابن القيم لا يرى أيّ ضمان على الطبيب الحاذق إذا أدى الصناعة على وجه الكمال ثم جاء ما ليس بالحسبان،؟ أو سبق القدر فتعدت يده موضع الداء أو أخطأ في وصف الدواء، فلا فرق فيذلك في أن يكون العلاج بإذن من المريض أو من وليه أو بغير إذن من أحد. لأنه في حال الإذن ممكن من صاحب الشأن وفي حال عدم الإذن متبرعٌ بفضل ويقوم بحق الدين فلا ضمان. إنما مناط الضمان هو كون الفعل جاء على وجهه أو لا. وما دام قد أتى بالفعل على وجهه أو بذل غاية جهده، جهد العالم الحاذق، فلا ضمان عليه ولا على عاقلته.
و يؤيد أبو زهرة رأي ابن القيم إلا أنه يميل إلى أن يكون الضمان في بيت مال المسلمين حتى لا يضيع دم مسلم خطأ. والقرآن يصرح بأن دم المسلم لا يذهب خطأ قط {و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ...}. وإن من تشجيع الطب والصناعة الطبية أن لا يكون الضمان في مال الطبيب بل يكون في بيت مال المسلمين فنكون قد جمعنا بين النص القرآني وبين تشجيع البحث والعلاج.
قيس بن محمد آل الشيخ مبارك، وفي دراسته المستفيضة عن المسؤولية الطبية في الفقه الإسلامي والتي فصل موجباتها في عشرة أمور:
1. العمد:
وهو أن يحصل من الطبيب أمرٌ محظور يفضي إلى هلاك المريض أو أحد أعضائه ويكون قصده من هذا العمل إذاية المريض ومساءته كأن يصف له دواء ساماً بقصد إهلاكه وهذه تعتبر من قبل جناية العمد التي توجب القصاص. وهذا أمر يندر حصوله من الأطباء.
2. الخطأ:
كأن يخطئ في تشخيص المرض ومن ثم في وصف الدواء أو يقدر الحاجة لإجراء عملية جراحية ثم يتبين بعد العمل الجراحي أن المريض كان في غنىً عنها أو تزِّل يد الجراح فيتجاوز الموضع المحدد لجراحته ولا شك أن الطبيب يعتبر مسؤولاً عن خطئه وعن الضرر الناجم عن ذلك الخطأ. إلا أن موجب الخطأ أخف من موجب العمد لعدم وجود قصد التعدي عند المخطئ لذا تميز عن العمد بعدم وجوب القصاص وإن اشترك معه في وجوب الضمان. كما أن الخطأ وإن كان موجباً للمسؤولية الدنيوية غير أن صاحبه لا يأثم عند الله تبارك وتعالى.
3. مخالفة أصول المهنة الطبية:
ذلك أن إقدام الطبيب على معالجة المرضى على غير الأصول المعتبرة في علم الطب يحيل عمله من عمل مشروع مندوب إليه إلى عمل محرم يعاقب عليه. وقد بين الفقهاء أن اتباع الأصول المعتبرة عند أهل الصنعة يعتبر واجباً على الطبيب وعلى هذا فهو مسؤول عن الأضرار الناتجة عن مخالفته لهذا الواجب.
4. الجهل:
كأن يكون المتطبب دعياً على صنعة الطب وإنما غرَّ المريض وخدعه بادعاء المعرفة أو أن تكون له معرفة بسيطة لكنها لا تؤهله لممارسة هذا الفن _ كطالب الطب مثلاً _ أو أن تكون له معرفة في فن من فنون الطب ثم يتصدى لممارسة العمل في تخصص آخر. ويعتبر المتطبب في كل هذه الحالات مسؤولاً، إذ أجمع الفقهاء على تضمين الطبيب الجاهل ما تسبب في إتلافه بجهله وتغريره للمريض " من تطبب ولم يعلم منه قبل ذلك طب فهو ضامن ".
5. تخلف إذن المريض:
إن ما متع الله به الإنسان من أعضاء ومنافع يعتبر حقاً له لا يجوز أن يتصرف فيها غيره إلا بإذنه، وعليه فلا يجوز للطبيب ولا لغيره أن يقدم على مباشرة جسم الإنسان من فحص أو معالجة أو جراحة إلا بعد حصوله على إذن معتبر من المريض، أو من وليه إن لم يكن أهلاً للإذن كالصغير والمجنون والمغمى عليه. وقول الجمهور في المذاهب الأربعة أن الضمان لا يسقط عن الطبيب الذي عالج بدون إذن المريض. ففي الفتاوى الهندية: أما إذا كان بغير إذن فهو ضامن سواء تجاوز الموضع المعتاد أو لم يتجاوز. وخالف ابن القيم وابن حزم فاعتبرا أن لا ضمان إلا في الخطأ.
6. تخلف إذن وليِّ الأمر:
و هو هنا الحاكم الذي يرعى مصالح الأمة ويمثله في هذه الأيام في منح الإذن بمزاولة الطب: وزارة الصحة. وعلى هذا يعتبر الطبيب مسؤولاً عن عدم التزامه بالحصول على الإذن المذكور، غير أن إذن ولي الأمر لا يرفع عن الطبيب المسؤولية لو لم يكن مؤهلاً لذلك.
7. الغرور:
و هو لغة الخداع، ويعتبر الطبيب خادعاً _ غاراً _ عندما يصف للمريض دواءً ضاراً أو لا يحتمله جسمه أو لا يفيده في حالته تلك، فيتناوله المريض مخدوعاً بطبيبه. ويعتبر الطبيب مسؤولاً عن الأضرار المترتبة على تغريره بالمريض.
8. رفض الطبيب للمعالجة في حالات الضرورة _ الإسعاف _:
ففي التاج والإكليل من كتب المالكية: واجب على كل من خاف على مسلم الموت أن يحييه بما قدر عليه، ونقل محمد أبو زهرة الاتفاق على أن من كان معه فضل زاد وهو في بيداء وأمامه شخص يتضور جوعاً يكون آثماً إذا تركه حتى مات. وحيث أن المريض المشرف على الهلاك نظير الجائع في البيداء فإن إسعافه يعد أمراً واجباً عند جمهور الفقهاء، وعلى ذلك فإن من حق المريض أن يجبر الطبيب على إسعافه إذا كان في مقدور الطبيب أن يسعفه وكان المريض مضطراً إلى ذلك.
9. المعالجات المحرمة:
ليس مما أباح الله للإنسان أن يعرض منافعه للهلاك والتلف حتى يقدم عليه. وكما لا يحق للمريض ذلك، فإن إذنه للطبيب بإتلاف نفسه أو شيء منها، لا يجيز للطبيب استباحة شيء من ذلك والعبث فيه، فالشريعة الإسلامية لا تجيز للمريض أن يأذن بهذا ولا يجعل لإذنه اعتباراً في إسقاط المسؤولية عن الطبيب في إقدامه إلى قتل المريض ولو كان ذلك بدافع الشفقة عليه.
10. إفشاء سِرّ المريض:
إن طبيعة عمل الطبيب وما فيها من مباشرة لجسم المريض عامة أن يطلع على عورات وأشياء يختص بها المريض ولا يُحِّب أن يطلع عليها أحد سواه، ولولا قسوة المرض وشدة وطأته على المريض لما باح بشيء من أسراره للطبيب. فينبغي على الطبيب حفظ الأمانة التي استودعتها إياه مريضه " والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون ".
ثم إن إفشاء سر المريض، إن كان فيه إضرار للمريض، لا شك في حرمته، وحين ينفي الضرر عنه، فإنه وإن لم يحرم، فهو مكروه، وإن الضرر الذي يمكن أن يلحق بالمريض، يجعل الطبيب مسؤولاً عن إفشاء سره. ولا يستثنى من ذلك إلا ما تدعو إليه الضرورة من ذلك للمصالح العامة كأن يعلم الطبيب أن مريضه الطيَّار مثلاً مصاباً بالصرع وأن هذا لا يسمح له بقيادة الطائرة وتعريض حياة الناس للخطر فيجب الإبلاغ عنه وعدم الستر عليه، وطبعاً فإن الضرورة تقدر بقدرها، فلا يجوز له الإباحة بأكثر من ذلك.
و خلاصة القول فالطبيب الحاذق لا يسأل عما يلحق مريضه من ضرر إذا توفرت الشروط التالية:
1. المعرفة الطبية المشهود له فيها.
2. إذن ولي الأمر.
3. إذن المريض أو وليه.
4. أن يعمل وفق الأصول الطبية المرعية بقصد العلاج.
5. ألا يقع في خطا جسيم يستوجب المسؤولية
كل هذا مع افتراض أن الطبيب الحاذق لم يقصر ولم يهمل العناية بمريضه. إلا أن الواقع يرينا أن الطبيب قد يقصر ولا يجتهد وقد صارت النفس البشرية وديعة بين يديه، وهذا كثير الوقوع في المشافي العامة التي يلجأ إليها الفقراء. فترى كثيراً من الأطباء مهملون، متقاعسون عن إسعاف المرضى، وتنبعث الشكاوي في أنات من صدور المرضى وفي أرواح تفيض إلى بارئها وهي تشكو ظلم هؤلاء الأطباء وتقصيرهم. وقد في تقع بعض العيادات الخاصة لطبيب يزدحم عليه المرضى، فيلقي النظرة العابرة ويكتب الدواء عاجلاً والذي قد يكون معجلاً للمنية.
إن قواعد الفقه كلها توجب الضمان على أمثال هؤلاء الأطباء لأن التقصير تعدّ على الأرواح فيكون الضمان من التعدي. وقد أجمع الفقهاء على أن الضمان يكون عند التعدي وأجمعوا أن التقصير من التعدي. ولا مناص من عقاب الله في الآخرة بعد عقاب الدنيا والله تعالى يتولى الآثمين ويعاقبهم على تعديهم وتقصيرهم، كما يتولى المحسنين بإحسانهم.
{إنَّا لا نضيع أجر المحسنين}.
مراجع البحث
1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
2. محمد أبو زهرة: عن مقالة له (المسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية)، مجلة لواء الإسلام العددان 11 و12 لعام 1949.
3. قيس بن محمد آل الشيخ مبارك: عن كتابه (التداوي والمسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية) دمشق: 1991.
4. محمد فؤاد توفيق: عن مقالة له عن (المسؤولية الطبية): في أعمال المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي. الكويت: 1981.
5. عبد الستار أبو غدة: عن مقالة له عن (فقه الطبيب وأدبه) في المصدر السابق نفسه.
6. أبو حامد الغزالي: عن كتابه (إحياء علوم الدين).
7. أسامة عبد الله قايد: عن كتابه (المسؤولية الجنائية للأطباء) مصر: 1987.
أدب الطبيب في ظل الإسلام
يحتاج الطبيب من وجهة نظر الشارع الإسلامي إلى مجموعة من الصفات، كي يكون مؤهلاً لتأدية واجبه الطبي على الوجه الأكمل. ومع أن القيام بهذه المهمة واجب كفائي إلا أن علماءنا اعتبروها من أشرف المهن لارتباطها بحفظ النفس وحسن أداء الإنسان لمهمة استخلافه في هذه الأرض. بيد أنهم جعلوا ذلك رهين شرطين اثنين:
أولهما أن تمارس المهنة بكل إتقان وإخلاص.
ثانيهما أن يراعي الطبيب بسلوكه وتصرفاته الخلق الإسلامي القويم.
و قد جمع الدكتور شوكت الشطي صفات الطبيب الحاذق التي تتطلبها الشريعة الإسلامية عن مؤلفات الطب الشرعية في عشرة صفات:
1. على الطبيب أن يُلِّم بأسباب المرض والظروف التي أحاطت به بما في ذلك النظر في نوع المرض ومن أي شيء حدث والعلة الفاعلة التي كانت سبب حدوثه.
2. الاهتمام بالمريض وبقوته والاختلاف الذي طرأ على بدنه وعاداته.
3. أن لا يكون قصد الطبيب إزالة تلك العلة فقط، بل إزالتها على وجه يؤمن معه عدم حدوث علة أصعب منها. فمتى كانت إزالتها لا يؤمن معه حدوث ذلك أبقاها على حالها وتلطيفها هو الواجب.
4. أن يعالج بالأسهل فالأسهل فلا ينتقل من العلاج بالغذاء إلى الدواء. إلا عند تعذره. ولا ينتقل إلى الدواء المركب إلا عند تعذر الدواء البسيط.
5. النظر في قوة الدواء ودرجته والموازنة بينها وبين قوة المرض.
6. أن ينظر في العلة هل هي مما يمكن علاجها أم لا؟ فإن لم يكن علاجها ممكناً حفظ صناعته وحرمته ولا يحمله الطمع في علاج لا يفيد شيئاً.
7. أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته وتأثير ذلك في النفس أمرٌ مشهور.
8. التلطف بالمريض والرفق به
9. أن يستعمل علاجات منها (التخييل) وإن لحذاق الأطباء في التخييل أموراً لا يصل إليها الدواء.
10. على الطبيب أن يجعل علاجه وتدبيره دائراً على ستة أركان: حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة، وإزالة العلة أو تقليلها، واحتمال أدنى المصلحتين لإزالة أعظمهما، وتقريب أدنى المصلحين لتحصيل أعظمهما.
و يقصد بالتخييل (الإيحاء) وهذا ما يذكرنا بأهمية التعامل مع المريض وطمأنته وهو أمر ضروري لدعم أجهزة الوقاية والمناعة في البدن.
و يلخص التاج السبكي رحمه الله آداب الطبيب فيقول: من حقه بذل النصح والرفق بالمريض، وإذا رأى علامات الموت لم يكره أن ينبه على الوصية بلطف من القول، وله النظر إلى العورة عند الحاجة، وبقدر الحاجة. وأكثر ما يؤتى الطبيب من عدم فهمه حقيقة المرض واستعجاله في ذكر ما يصفه، وعدم فهمه مزاج المريض، وجلوسه لطب الناس دون استكمال الأهلية، ويجب أن يعتقد أن طبَّه لا يرد قضاءً ولا قدراً. وأنه يفعل امتثالاً لأمر الشرع وأن الله تعالى أنزل الداء والدواء.
و قد أكد أبو بكر الرازي في حديثه عن أخلاق الطبيب هذه النقطة فقال: وليتكل الطبيب في علاجه على الله تعالى ويتوقع البرء منه، ولا يحسب قوته وعمله، ويعتمد في كل أموره عليه. فإن عمل بضدِّ ذلك ونظر إلى نفسه وقوته في الصناعة وحذقه حرمه الله تعالى من البرء.
و إتقان الطبيب صنعته يدخل ضمن عموم الدعوة النبوية الكريمة: " إنَّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه " [رواه البيهقي]. ومما نفهمه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله عز وجل لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله " [رواه مسلم]. ففي الحديث تشجيع للبحث لاكتشاف الأدوية الفعالة. وحثٌ للطبيب على زيادة معارفه الطبية وإتقان فنه. ولأن الإصابة منها تؤدي إلى الشفاء كما نفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: " فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله " [رواه ابن ماجة وأحمد والطبراني ورجاله ثقات (مجمع الزوائد)].
و قد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها، فالأحذق إلى الإصابة أقرب. فقد ذكر الإمام مالك في موطئه عن زيد بن أسلم أنّ رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جُرِح فحقن الدم، فدعا له رجلين من أنمار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكما أطبُّ؟ فقال أحدهما: أو في الطب خيرٌ يا رسول الله؟ فقال: إنّ الذي أنزل الداء هو الذي أنزل الدواء [الحديث مرسل، لكن مرسله زيد بن أسلم من كبار التابعين، ومرسلاته صحيحة عند المحدثين]. روى الحديث أيضاً عبد الملك بن حبيب [في كتابه (الطب النبوي)] عن أصحاب مالك الذين لقيهم في المدينة وزاد فيه أن أحدهما قال: أنا أطبُّ الرجلين. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بمداواته فبطّ بطنه واستخرج منه النصل ثم خاطه.
و النجدة لتفريج كربة المريض وتلبية الواجب لإسعافه ليلاً ونهاراً من واجبات الطبيب المسلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس اله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسَّر على معسِّر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة " رواه مسلم.
و على الطبيب أن يبدأ المعاينة والعمل الجراحي أو الوصفة بقوله: بسم الله أو باسم الله الرحم الرحيم. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " كل عمل ذي بال لا يبدأ فيه بِـ بسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " [رواه السيوطي عن أبي هريرة وإسناده حسن].
و من واجب الطبيب بذل النصح للمريض. وأن يقصد بعمله نفع الخلق والإحسان إليهم. ومن النصيحة للمريض أن يجتهد في وصف الدواء الأنسب وأن يحفظ ماله، فلا يصف له دواء غير نافع في مرضه، أو يطلب له تحليلاً أو فحوصات لمجرد أن ينتفع هو أو ينفع مختبراً فيتعاون معه ليقبض عمولة مثلاً. فكل هذه الأمور هي خيانة للمريض ونقض للأمانة التي في عنق الطبيب من النصح له. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنّ أمولكم وأعراضكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا " [رواه البخاري]. ومن هذا حفظ عرض مريضه فلا يكشف من عورته إلا ما تستدعيه الحاجة والمعاينة الطبية.
و من النصيحة للمريض أن لا يقدم على معالجته في كل حال يتغير منها خلقه، فلا يعالج وهو منزعج ولا وهو على عجلة من أمره ولا وهو غضبان. وقد قاسوا ذلك من أمر الطبيب على ما صح عنه صلى الله عليه وسلم: " عن نهيه للقاضي أن يقضي وهو غضبان " [رواه البخاري ومسلم]. فهذه حالات تُخرج المرء عن أن يحكم بسداد النظر. ويستثنى من ذلك من لو كانت حالته تستدعي السرعة في العلاج.
و من النصيحة للمريض أن يمضي معه أو مع أهله وقتاً كافياً، ليس فقط ما تستدعيه المعاينة الطبية بل ليستوعب الوضع الاجتماعي والروحي للمريض، والذي هو جسد وعقل ونفس. فعلى الطبيب أن يلمسه برفق وأن يصوغ كلماته بأسلوب إنساني تغلفه الرحمة وأن يحسن الإصغاء إليه وأن يسكّن من روعه ويبعث في نفسه السكينة والطمأنينة، اللذان يشدان من عزيمة المريض ويرفعا روحه المعنوية ويقويا وسائل المناعة في جسمه مما يجعلهما عاملاً في الشفاء.
و على الطبيب أن لا يتوانى عن إرسال مريضه إلى مختص. أم عمل لجنة استشارية له إذا كانت حالته تستدعي ذلك قياماً منه بالأمانة والنصيحة المطلوبين منه شرعاً. وعليه أن يبتعد عن غيبة الناس وخاصة زملاءه من الأطباء أو تجريحهم.
و يجب على الطبيب أن يكتم سِرَّ مريضه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " المستشار مؤتمن " [رواه الترمذي]. إلا أن يخلّ هذا الكتمان بمصلحة المريض بالذات أو بمصلحة الجماعة. يقول أبو بكر الرازي: واعلم يا بني أنه ينبغي للطبيب أن يكون رفيقاً بالناس حافظاً لغيبهم، كتوماً لأسرارهم، فإنه ربما يكون ببعض الناس من المرض ما يكتمه عن أخص الناس به، وإنما يكتمونه خصوصياتهم ويفشون إلى الطبيب ضرورة، وإذا عالج من نسائه أو جواريه فيجب أن يحفظ طرفه ولا يجاوز موضع العلة.
و على الطبيب أن يعلم الحرام والحلال فيما يختص بمهنته فلا يصف دواء محرماً إلا إذا انحصر الشفاء فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ولا تداووا بحرام " ولقوله سبحانه وتعالى: {و قد بين لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [وقد فصلنا ذلك في بحثنا عن التداوي بالمحرمات].
و من ذلك أن يمتنع عن الإجهاض المحرّم أو أن ينهي حياة مريضه الميؤوس من شفائه بأي وسيلة كانت لقوله تعالى: {و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً}. بل عليه أن يعمد إلى تخفيف آلامه وتهدئة نفسه حتى يأتي أجله. وعلمه بالحلال والحرام، وإتقانه لفنه يجعله يخشى الله في فتاويه لمرضاه كأن لا يفتي لمريض بالإفطار في رمضان وهو يعلم أن مريضه لا يتأثر بالصيام وقد يستفيد منه.
و من أدب الطبيب الدعاء لمريضه وفي هذا مواساة له بالكلمة الطيبة كقوله (معافى) أو (عافاك الله) أو بدعاء مأثور. فقد ورد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده وهو محموم فقال صلى الله عليه وسلم: " كفارة وطهور " [رواه البخاري]. ففي الدعاء للمريض تذكير له بخالق الداء والدواء حتى تبقى نفسه هادئة مطمئنة بالالتجاء إلى الله والتوكل عليه.
و يختلف الأطباء في تعاملهم مع مريض ميؤوس من شفائه كمصاب بسرطان مثلاً، فهناك من يفتح له الأمل ويرجيه الشفاء وقد يكذب عليه، وهناك من يواجه مريضه بالحقيقة سافرة، وهناك من يداري ويواري، فما رأي الشرع الإسلامي؟
الدكتور النسيمي يرى أن على الطبيب أن يكون لبقاً في تعريف المريض بمرضه ومحاولة تطمينه ورفع معنوياته، وكتم الإنذار بالخطر عنه وإعلامه إلى ذويه المقربين، معتمداً على ما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " إذا دخلتم على مريض فنفسّوا له في الأجل فإن ذلك لا يردّ شيئاً وهو يطِّيب نفس المريض " [رواه الترمذي وابن ماجة وفي سنده إبراهيم التميمي وهو منكر الحديث (الأرناؤوط)].
أما الدكتور زهير السباعي فيقول: الإسلام هنا لا يضع حدوداً ضيقة ولا يقف مواقف صلبة، إنما يطالب الطبيب بالحكمة وأن يلبس لكل حال لبوسها: فهناك المريض الذي تنهار مقاومته لو عرف حقيقة مرضه، وهناك المؤمن القوي الذي يستطيع أن يجابه مرضه بنفس راضية، وهناك من يحتاج إلى أن يعرف أبعاد مشكلته حتى يلتزم بالحمية والعلاج.
إلا أن القاعدة الأساسية التي يرسمها الإسلام هي الصدق. ولكن أي صدق نتحدث عنه؟ وهل يعرف الطبيب متى ينتهي أجل مريضه؟... إنما الصدق في شرح المشكلة المرضية وليس في تقدير الأجل. فهناك صدق فجٌّ جاف لا يبالي بمشاعر المريض، وهناك صدق لحمته الحكمة والرحمة. ولعل من الحكمة أن يعتمد الطبيب في مصارحته لمريضه على العموميات لا أن يخوض في التفاصيل، وإذا كانت هناك مضاعفات حقيقية فعليه أن يشرحها لذوي المريض حتى لا يتهم يوماً بالإهمال.
أما قيس بن محمد آل الشيخ مبارك فيرى أنَّ المريض إذا كان قاصراً أو صغيراً فيجب عدم إخباره لأن القاصر لا يملك أمر نفسه وعلى الطبيب أن يخبر وليّه الذي أذن له في علاجه، كما أن الصغير مظّنة للسخط.
أما البالغ العاقل فلا شك في أن الواجب الشرعي يقتضي إخباره بكل ما يتعلق بصحته من معلومات، ومصدر الوجوب العقد الذي جرى بينهما. ثم يقول: وأما ما يخشاه الطبيب من أن تزداد حالة مريضه سوءاً إذا علم بحقيقة الأمر فلا يكون مانعاً له أن يخبر المريض لسببين: الأول أن الطبيب قد ألزم نفسه في عقد الإجازة بذلك فلا يجوز له نقض العهد.
و الثاني أن عقيدة القضاء والقدر تعصم المسلم من الوقوع في الاضطراب والانزعاج، والمسلم مأمور بالصبر والتسليم- لأمر الله.
إلا أن قيس بن محمد يعود في نهاية بحثه فيقول: إلا أنه يمكن للطبيب وقد لاحظ عدم إمكانية إخبار مريضه، فيجوز أن يخبر بذلك أهله وأقاربه ليتولوا هم إخباره، إلا أن عليه أن يختار التعابير المناسبة. وكما يقول الإمام السبكي: وإذا رأى علامات الموت لم يكره أن ينبه على الوصية بلطف من القول.
و من أدب الطبيب أن يكون حسن المظهر. إذ يجب أن يكون لباسه جميلاً ونظيفاً ومتناسقاً مع الوظيفة التي أناطها الله به. ومن هذا أيضاً أن يحافظ على صحته، فإنه إذا عدم الصحة كان محلاً لعدم الثقة والنفرة من المرضى.
تطبيب الجنس للجنس الآخر
عن الرُّبيع بنت معوذ قالت: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي ونداوي ونردُّ القتلى إلى المدينة، [رواه البخاري]. قال ابن حجر: في الحديث دليل على جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل عند الضرورة. وقال في باب هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل: أما حكم المسألة فتجوز مداواة الأجانب عند الضرورة وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك... والحديث يدل على مداواة النساء للرجال، فيؤخذ حكم مداواة الرجل المرأة منه بالقياس.
و لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل غزوة يسهم بين نسائه فأيها خرج السهم عليها خرجت معه. وكانت الصحابية المتطوعة للتمريض، يخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن تكون في رفقة نساء قومها أو أن تكون في رفقة أم المؤمنين التي كانت قرعتها في الخروج معه عليه السلام. ولقد اشتهرت رفيدة الأنصارية [عن أسد الغابة في معرفة الصحابة] بمداواة الجرحى في العهد النبوي، ولقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة ضمن مسجده الشريف، كانت كمستشفى ميداني لمعالجة الجرحى في غزوة الخندق
و يوضح الدكتور النسيمي هذه النقطة بقوله: الأصل عدم جواز معاينة ومداواة الرجل المرأة غير المحرم أو العكس لوجود النظر والجس فيهما. ويستثنى من ذلك حالات الضرورة كعدم توفر طبيبة تثق المريضة في مهارتها، أو لعدم توفر طبيبة في ذلك الاختصاص. أو لحاجة المسلمين إلى الرجال من أجل الجهاد.
أدب عيادة المريض
و هي من الآداب الإسلامية التي يخاطب بها عموم المسلمين ويخص بها الطبيب لاتصاله المباشر بالمرضى.
و الطبيب علاوة على كونه يؤدي مهمته، فإن التزامه بهذه الآداب هي من تمام حق المسلم على أخيه وبذلك يكون أداؤه لمهمته أكمل وأتم.
و عيادة المريض هدي نبوي كريم وأدب ديني للأمر بها والأجر والفضل عليها:
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيادة المريض " [رواه البخاري ومسلم]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس " [رواه البخاري ومسلم].
و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك و؟أنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده " [رواه مسلم].
و عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرفَة الجنة حتى يرجع. قيل: يا رسول الله وما خرفة الجنة؟ قال: جناها " [رواه مسلم].
و قد سن للزائر أن يدعو للمريض بالشفاء. وفي الدعاء له قول خير وتطبيب لنفسه وتنبيه له للالتجاء إلى الله تعالى مزيل البأس ومالك الشفاء فيكتسب المريض مزيداً من الطمأنينة. عن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المريض يدعو له فيقول: " أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " [رواه مسلم].
و عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده قال: " لا بأس طهور إن شاء الله " [رواه البخاري].
و لقد لفت نبيُّ الرحمة صلى الله عليه وسلم الانتباه إلى ناحية هامة عند زيارة المريض، سواء كان الزائر طبيباً أم قريباً أم صديقاً وهي ألا يتكلموا في حضرة المريض بما يثير مخاوفه أو يأسه. بل عليهم أن يفعلوا ما يطيب نفسه ويدخل السرور والبهجة.
عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون " [رواه مسلم].
كما اهتم ديننا الحنيف بإدخال الطمأنينة على المريض وزيادة أمله في الشفاء. فلقد عَلّق ابن القيم على قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لكل داء دواء " فقال: في هذا الحديث تقوية لنفس المريض والطبيب وحث على طلب الدواء. فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيد تعلق قلبه بروح الرجاء وبرد من حرارة اليأس.
و من هنا نفهم كيف حول الإسلام عيادة المريض من زيارة عابرة ليجعل منها علاجاً روحياً يرفع من معنويات المريض ويقوي أمله في الشفاء، فضلاً عن تحقيق الرعاية والمؤانسة له، وشد أزر أهله وذويه.
مراجع البحث
1. أبو بكر محمد بن زكريا الرازي:عن كتابه (أخلاق الطبيب) تحقيق عبد اللطيف محمد العبد _ القاهرة: 1977
2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
3. عبد الملك بن حبيب الأندلسي: عن كتابه (الطب النبوي) تحقيق محمد علي البار _ دمشق: 1993.
4. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).
5. الدكتور أحمد شوكت الشطي: عن كتابه (الوجيز في الإسلام والطب) دمشق: 1960.
6. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) ج 3 _ بيروت: 1992.
7. دكتور زهير أحمد السباعي ودكتور محمد علي البار: عن كتابهما (الطبيب أدبه وفقهه) دمشق: 1993.
1. قيس بن محمد آل الشيخ مبارك: عن كتابه (التداوي والمسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية) دمشق: 1991.
8. دكتور عبد الستار أبو غدة: (فقه الطبيب وأدبه) عن أعمال المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي _ الكويت: 1981.
مفردات الأدوية والأطعمة القرآنية والنبوية
مقدمة
و يتضمن عرضاً لمفردات الأدوية التي جاء ذكرها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم مبتدئاً في كل مفردة بذكر النصوص الثابتة الواردة فيها مع ذكر رأي أهل الاختصاص في الحديث فيها. ثم أتبع ذلك بنقل أقوال مقتضبة للأطباء المسلمين حول ما وجدوه من منافع فيها، ثم نذكر مختصراً عن كل ما وصل إلينا من أبحاث طبية حديثة حول فوائدها واستطباباتها، مشيراً في بعض المواقع إلى ما نجده من سبق علمي في كلام النبوة.
كما نذكر الفوائد الغذائية والعلاجية لما صح عن طعامه صلى الله عليه وسلم والأطعمة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم إما لأن الله سبحانه أقسم بها أو بارك فيها:
{من شجرة مباركة زيتونة}
{و التين والزيتون}
أو ذكرها لفضلها ومنافعها. منبهين إلى أن قاعدة (اعدل عن الدواء إلى الغذاء) يقرها جميع الأطباء، قديمهم وحديثهم، مؤكدين على وجوب الاستفادة من الخواص العلاجية للأغذية قبل اللجوء إلى الدواء.
و في الصفحات التالية، تلك الأدوية والأطعمة النبوية والقرآنية مرتبة حسب الحروف الأبجدية.